محمد عبد الكريم يوسفالمشكلات التي تواجه كوكبنا الجميل كثيرة يصعب حصرها. هناك مشكلات عملية وعلمية واجتماعية واخلاقية  ملحة ويجب الاستجابة لمعالجتها في الحال. ويبدو أن أمور العالم وشؤونه لا تسير على ما يرام. هناك أطماع كثيرة وحروب شتى وارهاب وحروب فكرية وابادة عرقية وعدم استقرار في معظم الدول . ويبدو أن الأوضاع تنحدر من سيء إلى أسوأ في متوالية هندسية مخيفة . يضاف إلى هذه المخاوف الخوف الكبير على مستقبل الحياة على كوكبنا. وقد كنا سابقا نعتقد أن الحياة متجددة وأن الطبيعة تصلح نفسها لكن في القرن الحادي والعشرين يبدو أن الأمور تسير نحو الهاوية بحيث يصعب استدراك ما فات وصرنا ندرك أن مخزون الثروات الطبيعية من ماء وهواء نقي وغذاء صحي  بدأ يتلاشى بطريقة لا يمكن معها استعادة ما تم تدميره خلال القرن الماضي وبداية القرن الحالي .

تمارس النخبة الحاكمة الفاسدة في معظم دول العالم سياسة الربح السريع والفاحش على حساب استقرار الحياة على الكوكب وتشق طريقها عبر الغابات تقطع الأشجار وتزيلها من الوجود من دون الاهتمام بالغد والمستقبل وفي نفس السياق تمارس إدارة الموارد الطبيعية على الكوكب بطريقة جائرة . وهناك من يفسح الطريق العريض للصيادين لانتهاك حرمة الغابات وتدمير الأنواع الحيوانية فهم عن سابق قصد وتصميم يقتلون آخر غوريلا وآخر شمبانزي وآخر وحيد قرن وهم أنفسهم من يطلق النار على الفيلة ويرديها قتيلة سرا وعلانية للحصول على العاج .

تساعد السياسات الحكومية في ممارسة أبشع أنواع التدمير بحق الطبيعة والتراث الإنساني عندما تضغط باتجاه التنمية الاقتصادية القسرية غير المتوازنة التي تأتي على حساب الغابات في أفريقيا وأمريكا اللاتينية كما تساعد الكثير من المشاريع الخضراء في تدمير التراث الإنساني والآثار عن طريق استصلاح الأراضي العشوائي الجائر بحيث يتم مسح آثار الحضارات السابقة وتحويلها إلى أرضي زراعية من دون الإنماء المتوازن. ويجب أن لا ننسى أن الغابات الخضراء والغابات المطيرة هي الموطن الأساسي للكثير من الأنواع الحية النباتية والحيوانية ويجب المحافظة عليها وزراعة النباتات البديلة في حال ممارسة القطع لحماية الأنواع الحية النباتية والحيوانية.

كما يتعرض الغطاء النباتي للتدمير تتعرض الحياة الحيوانية البرية والبحرية للتدمير المنهجي والمنتظم من قبل شركات رجال المال والأعمال فالغابات المطيرة في غير مكان على الكوكب هي موطن الكثير من الأنواع الحية ومن الممكن جدا أن يؤدي تدميرها  إلى تدمير الكثير من هذه الأنواع الحية . للأسف لا تقدم المحميات الطبيعية خدمة على الطريق في حماية الكائنات الحية النباتية والحيوانية ويقتصر دورها على النزهات وتعريف الجنس البشري بما اقترفه من جرائم بحق الإنسانية وبحقهم وبحق الطبيعة .

هناك من يمارس الصيد البحري الجائر بحق الكائنات البحرية ويعرضها للانقراض وما المصانع العائمة التي تنتقل من مكان إلى آخر في البحار والمحيطات إلا نوعا من الهروب من القانون والتخفي تحت اقنعة متنوعة لتغطية العمل غير القانوني الذي تمارسه بعض شركات الصيد الكبرى متعددة الجنسيات.   

إن تدخل السياسة في النشاط الاقتصادي هو من يشجع الشركات والمصانع ورجال المال والأعمال على اغتنام الفرص وممارسة الابادة الجماعية بحق الأنواع الحية من نباتية وحيوانية . ولهذا السبب تتعرض الكثير من الكائنات الحية للموت والانقراض مثل بعض أنواع النمور والفيلة والحيوانات البرية المختلفة والحيتان والأسماك الأمر الذي يؤثر سلبا على مستقبل الحياة والمؤسف أن الحياة  النباتية والحيوانية وأنواعا حية أخرى تذهب ضحية  السياسات وتناقضاتها بين موالاة ومعارضة .

نحن بحاجة للمزيد من الوعي والإدراك لأنفسنا ولما يجري حولنا . نحن أيضا بحاجة ماسة  للحماس الإيجابي لحل المشكلات ونحتاج إلى حل الصراعات التي تعذب البشرية وتهدد مستقبلها بدءا من الحياة اليومية وعلينا اكتشاف إمكانية العثور على صيغ قانونية أخلاقية تسمح بالعيش المشترك . علينا أن نوفق بين مصالح الأرض ومصالح عالم المال والأعمال . وعلينا أيضا أن نخفف من غلواء الصراعات بين المصالح الاقتصادية من أرباح ووظائف وتنمية اقتصادية وثراء المساهمين ونكيفها مع القيم البيئية من البراري البكر وصحة الأنواع الحية البرية والبحرية وحماية قنوات الري والمياه ونحافظ على سبلها من التلوث الكيميائي للحفاظ على الصحة العامة على المدى البعيد . ولتحقيق هذه الغاية  يجب البحث عن البيئيين المزودين بالمعرفة العلمية وعن مديري شركات المال والأعمال الذين يعملون مع البيئة الطبيعية ويؤمنون بها ويحترمونها . ويجب اقامة جسور التواصل بين هذين المعسكرين والابتعاد عن سلوك المحاكم والتقاضي.

علينا أن نجد المواءمة بين الحاجيات الايكولوجية  وعلم الأخلاق والمصالح الاقتصادية والسياسية المنتشرة في عالم المال والأعمال. وعلينا أن نحافظ على غابات الأمازون والقطب الشمالي والقطب الجنوبي وترشيد حرق الوقود الأحفوري وتقنين الصيد الجائر والمحافظة على الريف المرجاني العظيم .

يمكننا نحن البشر أن نعيش من خلال أنظمة بيئية مستدامة وسليمة . ويمكن الوصول إلى هذه الاستدامة بإجراء تعديلات جذرية في أنماط حياتنا وحجم توقعاتنا المستقبلية واتباع المعيار البيئي في الربط بين الاقتصاد وعلم الأخلاق. وعندما ننجح في الربط بين بين الاقتصاد وعلم الأخلاق ينشأ ما نسميه أخلاقيات الأعمال التي تمكن دنيا الأعمال من الأعمال الخضراء  المستدامة من دون المساس بالإيرادات المتوقعة من رجال المال والأعمال كما تخلق في الاقتصاد تقاليد مريحة وحقوقا وواجبات وعلاقات طويلة الأمد وولاءات عائلية وولاءات للمؤسسة التي يعمل بها الإنسان .

وعلينا أن نتذكر دائما أن أخلاقيات الاقتصاد هي التي تمنع أن يتحول كل شيء إلى سلعة معروضة للبيع بما فيها أنا وأنت ، وعلينا أن ندرك جليا أن هذه الأخلاقيات هي التي حافظت على الإنسان طوال تلك السنوات التي خلت والتي تقوم أساسا على الايثار والوفاء والتضامن والتواضع والسعي إلى خلق  سمعة حسنة . كما ساعدت في الحصول على فضائل الأعمال التي تقوم  خلال الزمن التطوري للإنسان على الأمانة وحفظ الوعود والامتناع عن استخدام القوة لتحقيق ما تريد والالتزام بحدود القانون وسداد الديون والعرفان بالجميل .

ظلت البيئة الطبيعية دوما موطنا جميلا للإنسان ومصدرا لكل شيء يحتاجه ليحيا . ويدرك الانسان اليوم أن الكثير من نشاطاته اليومية لها تأثير مدمر للبيئة والطبيعة بأشكالها المختلفة .

البيئة هي الوسط الحيوي الذي نعيش فيه وهي أغلى ما نملك على الإطلاق في الماضي والحاضر وإلى يوم يبعثون وهي مصدر سعادة البشر ومصدر تعاستها وعلى الإنسان أن يحافظ عليها كما هي دون تدخل أو تغيير وعليه أن يكيف نفسه معها. البيئة هي مستقبلنا وغدنا وعلينا أن نتوقف عن كل النشاطات التي تهدد بتدمير البيئة والمحيط الحيوي الذي نعيش فيه .

وإذا كنا نبحث عن الاستدامة على هذه الأرض  يجب أن نبحث عن سبل لا تترك آثار الأقدام البيئية عليها ، والحياة بطبيعتها مستدامة من الناحية البيئية بالكامل وتتوافر فيها الموارد على صورة أشياء صالحة للأكل تجده الكائنات وتقتات عليه وفق أنماط ثابتة ومستمرة عبر مرور الزمن .

ليس من الواضح كم سيبلغ عدد البشر في المستقبل القريب ، وهل تستطيع الأرض أن تلبي احتياجاتهم من الغذاء لأن حجم الأراضي الزراعية في تناقص مستمر وسنجد في القريب العاجل مجموعات بشرية هائمة على وجهها همها البحث عن الطعام . والمساحات الرعوية أيضا في انحسار لا يمكن تفاديه وهذا يلخص فلسفة التدمير التي يقوم بها البشر والتي ستقود في النهاية إلى انقراض الإنسان مثله مثل الكثير من الكائنات التي كانت سائدة ونشيطة في حقب جيولوجية خلت .

كانت أولى الزراعات في مناطق عديدة من سورية ومناطق الهلال الخصيب في الألف التاسع قبل الميلاد والزراعة خلقت تطور قنوات الري المختلفة والخزانات والآبار وهذا النشاط أدى إلى تدمير التربة على المدى البعيد وتدمير الغابات الكثيفة وهذا قاد إلى انخفاض المطر . ثم ازدادت الحاجة إلى الري وأدى الري المفرط والرعي المفرط إلى زيادة ملوحة التربة ومع الوقت انخفض المحصول  ورافق هذا النشاط  زيادة غير مسبوقة وغير متوازنة في عدد السكان  أدى إلى انخفاض منسوب المياه وقيام التربة بتنظيف نفسها ، وكانت النتيجة تحول مناطق واسعة من سورية إلى بادية وتحول أجزاء كبيرة من منطقة الهلال الخصيب إلى صحراء جافة.

وقادت الصناعات التي تلت المجتمع الزراعي إلى تسريع وتيرة الدمار على الكوكب ، وصارت فلسفة التدمير أمثر تعقيدا فبعد أن كانت سهول شمال أفريقيا غابات كثيفة تحولت إلى حقول ثم مزارع ثم صحارى واسعة بعد أن كانت أيام الرومان سلة خبز الامبراطورية الرومانية . وقادت الزراعات المحمية  والكثيفة إلى تعرية التربة كما منع الرعي الجائر امكانية نمو أنواع حية جديدة . وهذا ما قاد المجتمعات البشرية إلى الجوع ، وتحولت الزراعة إلى مزارع متناثرة تقدم الغذاء للنخبة الحاكمة فقط فحدثت الثورات وانتشرت الأوبئة وتغيرت المعادلات والموازين البيئية في الكون إذ نجد فيضانات في شرق الأرض ودرجات حارقة في أفريقيا ، وكلتا الحالتين مصادر جيدة من مصادر التدمير .

وفي القرن التاسع عشر تطورت فلسفة التدمير بتطور العقل البشري وبدأت الصناعات الزراعية تغزو الكوكب وانقرضت صناعة الأحذية اليدوية والصناعات الجلدية وأعمال الحفر على الخشب وأعمال التزيين والمصنوعات الحديدية اليدوية وحلت محلها المصانع التي تنفث الدخان والكربون في الجو بكميات كبيرة بسبب الفحم الحجري ولاحقا الوقود الأحفوري . ورافق هذا النشاط الصناعي المندفع ظهور النفايات بكميات كبيرة مثيرة القلق وغزا التلوث الحياة والمحيط الحيوي للإنسان بطريقتين:

الأولى هي الانبعاثات الغازية

الثانية هي المواد الكيميائية المنحلة والتي تنتشر بسبب النفايات الغازية والصلبة .

وهذا الاستنزاف غير المسبوق للموارد وعدم تعويضها بما يتناسب وعمليات الاستنزاف قاد الأرض والمحيط الحيوي الذي نعيش فيه إلى محنة كبيرة ، فالطبيعة التي كانت شريكا لعشرات الآلاف من السنين تحولت إلى مستودع للمواد الخام والموارد القابلة للاستغلال وصارت عرضة للتدمير أكثر من أي وقت مضى . وصار فعل البشر وتفكيرهم موجه ضد الأرض أما الفعل فهو واضح جدا للعيان. طوال فترة الوجود البشري قام الانسان بإفساد الطبيعة من دون قصد ، ويمكننا أن نؤكد أن التفكير الذي سمح بهذا الفعل أشد خطورة من التدمير والإفساد للطبيعة .

المبادئ العامة  لإعادة التفكير في مستقبل الكوكب :

يمكن أن نلخص المبادئ العامة لإعادة التفكير في مستقبل الكوكب بما يلي :

- احترام الموضوعية والابتعاد عن الايديولوجية والمحافظة على التوازن بين حاجات عالم المال والأعمال وحاجات الطبيعة .

- احترام العلم والمعرفة والعقل البشري الذي يحاول ايجاد الحلول للمعضلات البيئية الناجمة عن سلوك الإنسان .

- احترام الفعالية الاقتصادية وجعلها متوائمة مع الحاجات البيئية للجميع وتحترم الطبيعة والمحيط الحيوي .

- احترام القيم المبنية على الواجب والفضيلة والسعي نحو السعادة واحترام المبادئ الأخلاقية للاقتصاد وتكريس المتطلبات البيئية .

- الابقاء على الاحترام للقيم المخالفة لرأي الأغلبية والمستمدة من الأعراف والتقاليد والهوية والعملية الديموقراطية .

ليس المطلوب ايقاف الحركة الاقتصادية لكن المطلوب هو تأسيس نوع من الأخلاقيات الاقتصادية التي تراعي الاستدامة في المحيط الحيوي للإنسان ومستقبل البشرية وايقاف فلسفة التدمير الحلية للبيئة بكل مكوناتها ووجوهها .      

 

بقلم محمد عبد الكريم يوسف

 

صادق السامرائيالإزدواجية توصيف تم إلصاقه بالعراقيين من قبل الذين إجتهدوا فأخطأوا وما أصابوا، وقد أطلقت هذه التسمية منذ أكثر من نصف قرن وترسخت وتكررت حتى صارت سمة وعلامة فارقة.

فالذي جاء بهذا التوصيف كان يدرس في أمريكا في زمن الخمسينيات، وقد ظهرت في حينها نظرية لتفسير السلوك المتناقض مع الإعتقاد التي جاء بها (ليون فيستنجر)، وفي ذات الوقت ظهر فلم حواء وثلاثة وجوه، وغيرها من الإنتاجات الأدبية والعلمية والسينمائية، ويبدو أن صاحب تلك الدعوة قد تأثر بها ورأى أن يرميها على العراقيين بلا مبررات موضوعية وأسباب وأدلة وبراهين علمية.

ويبدو أن من المشاكل الفاعلة في هذا الشأن هوعدم التمييز ما بين الطب النفسي وعلوم النفس والمختصين بها وما بين علوم الإجتماع وهذين الإختصاصين، مما تسبب بإختلاط حابلها بنابلها، والوصول إلى إستنتاجات غير موضوعية ومتعسفة.

ومن وجهة نظر متواضعة، القول بأن العراقيين يعبرون عن الإزدواجية صفة إيجابية، وهي مدح لهم لا قدح، فمن خلال التفاعل مع البشر من معظم أرجاء الدنيا يمكن القول من النادر أن تجد شخصا يتمتع بهذه الصفة وحسب، وإنما الغالب أن البشر يعبر عن عشرات أضعاف الإزدواجية في سلوكه، الذي هو ناجم عن تفاعلات معقدة ما بين ما فية وما هو فيه، أي بين الذات والموضوع أو البيئة التي يكون فيها، وبتعدد الخصال الذاتية وتنوع البيئات الموضوعية، يكون السلوك متنوعا ومتعددا ولا يمكن ضبطه بالقول أنه إزدواجي وأكثر.

ومن المناسب القول أن مصطلحات الشخصية العراقية وغيرها كالأردنية والمصرية والسودانية والإنكليزية والتركية وما جرى على شاكلتها، إنما هي مسميات لا أساس لها من البرهان، فالشخصيات البشرية معروفة الأنواع والمواصفات وهي موجودة في جميع المجتمعات، وربما تتفاوت نسبتها فيها، لكنها شخصيات معروفة وموثقة.

ولا يوجد توصيف بعنوان الشخصية الإزدواجية إذا إعتبرنا ذلك إضطرابا سلوكيا، كما يوحي به الذين جاؤا به أو إستوردوه من الخارج، وهو كأي بضاعة مستوردة أصابتنا بمقتل.

فالشخصية البشرية يمكن تصنيفها، وفقا لما يبدو عليها من إضطرابات سلوكية، بالشخصية الشكوكية والإنعزالية والشيزية واللاإجتماعية والمتطرفة والهستيرية والنرجسية والإعتنمادية والوسواسية وغيرها مثلما جاء في التصيفات العالمية المعتمدة، كما أن الشخصية تتأثر مميزاتها بما يصيب الشخص من أمراض وأضرار.

ومن هذا التنوع يتحقق السلوك وتتواصل التفاعلات ما بين البشر، مما يعني أن السلوك البشري خليط معقد ومتشعب لا يمكن حصره بتوصيف ما أو تسمية معينة.

ويمكن القول أن ما أشيع من تسميات لا صحة لها ولا برهان، فالبشر يتصرف وفقا لما ينجم عن تفاعل ما فيه مع ما هو فيه من ظروف ومتغيرات، ولا يجوز التعميم والحكم المسبق وفقا لما يتم حشوه في الرؤوس من أضاليل وأكاذيب على أنها علمية وصحيحة.

وياليتنا إزدواجيون وحسب!!

 

د. صادق السامرائي

 

احمد شحيمطيتفق العقلاء من الناس في تجريم العنف ونبذه من الممارسة لأضرار يتركها في الفرد والمجتمع. من كدمات وجروح نفسية ومادية . فالأسئلة التي تطرح في غمار العنف كظاهرة اجتماعية ونفسية وسياسية مشروعة للبحث عن مكامن الخلل ودوافع الأسباب في الذاتي والموضوعي. ويرصد الباحثون في مجال العلوم الإنسانية والتاريخ والفكر الفلسفي نزوع الناس نحو العنف وحق القوة ودراية الكل بالمخاطر من جراء الاستقواء في غياب ضوابط أخلاقية متينة وقوانين ردعية في المعاقبة . من هنا يبدو أن الاندفاع نحو العنف تشير إليه الشواهد المادية في معاينة وقائع للعنف والقتل والتدمير .من عنف السياسة والعنف الاجتماعي والنفسي والعنف الممارس باسم الطقوس والشعائر المختلفة . ظواهر العنف المادي والرمزي تثبتها الدراسات والتجارب والملاحظات من اليومي والتاريخي .حالات من العنف يستشري في الأسرة والعائلة .وفي المجتمع العام وفي أشكال التعذيب والتنكيل والاسترقاق . فالعالم يتقدم ويخطو خطوات كمية وكيفية للزيادة في التقنية والصورة والأخبار العابرة من القارات . وفي الوسائل الممكنة للحد من استفحال العنف في الشوارع والبيوت والملاعب والمدارس والفضاء العمومي. والزيادة في نشر الوعي وثقافة حقوق الإنسان والديمقراطية وتزايد التقارب العالمي في تعميم الأنماط الثقافية المكنة في صيانة الكرامة من خلال الانفتاح على الصورة العابرة المحملة بطرائق السلوك والممارسات العقلانية من عوالم مختلفة. العنف بالفعل آلية عقابية ووسيلة في إلحاق الضرر بالآخر . ووسيلة في انتزاع السيادة بالقوة أو تحقيق أغراض مميتة وقاتلة . الشدة والقسوة من آليات الممارسة والتنكيل .والتعذيب جرائم يعاقب عليها القانون الدولي . فالإساءة بالكلمات النابية والألفاظ الوضيعة من علامات العنف الرمزي والإرغام والاغتصاب وكل أنواع القهر والإكراه وما شابه ذلك من حالات لا إنسانية. فالسؤال الذي يطرح نفسه : من الذي يغذي العنف ؟ وهل العنف في تزايد أم في تناقص؟ وهل هناك عنف فردي معزول عن الجماعة والثقافة ؟

في التأمل والدراسات الميدانية من قلب المجتمعات المختلفة يصاب الإنسان باندهاش من دينامية العنف وانتقاله بسرعة كانتقال القيم والرموز والعلامات من مجتمع لآخر. ومن دون ادني شك أن عالم النفس يقدم لنا أسباب موجودة في النفس تتغذى من الشرخ في الفرد .ومن الأمراض النفسية المزمنة كالعصاب والاكتئاب والقلق المتزايد والعدوانية والسادية. ونفسية الإنسان المقهور من تربية غير سليمة ونوازع في النفس غير متوازنة .وسلوكات وأفعال ممتدة في ماضي الإنسان دوافعها اختلال التوازن بين غريزة الحياة وغريزة الموت والتدمير. تحليل الحروب والصراعات بالاندفاع والجموح في القضاء على منجزات الإنسانية . تحليل المحلل النفسي فرويد مثلا في عنف يعرف اختلال التوازن بين القوى العقلية الواعية والقوى اللاشعورية والتي تعتبر الأقوى في الاندفاع عن الهدم والتدمير . وفي انعدام الرقابة .وعدم التوازن بين الأنا الأعلى والهو وفي ضعف رقابة الأنا . وفي عمق التحليل الاجتماعي هناك ظواهر تخترق المجتمع سببها عوامل اجتماعية من تفسخ النسيج الاجتماعي وتحولات القيم في عالم اليوم رغم ما يبديه علماء الاجتماع من ملاحظات وقراءة استنادا على المقارنة التاريخية في الاعتراف بوجود العنف في التاريخ الموثق في ذاكرة الشعوب والوثائق .هذا العنف الأشد ضراوة وشراسة في الحروب التقليدية والدسائس وهيمنة الإمبراطوريات الكبرى . تمظهرات القوة والعنف في تباين  حسب العصور واستفحاله في أشكال جزئية وكلية يشير إلى وجوده بالفعل في الفرد والجماعة . ليس العنف فطري متأصل في الطبيعة الإنسانية. العنف متجذر في قواعد التنشئة الاجتماعية وميولات الفرد التي يتغذى من الجماعة والقيم السائدة المحرض الأكثر على العنف ضد الآخر المخالف والعابر من مكان بعيد . ومن منطق الدراسات الثقافية تميل الانثروبولوجيا للتعبير عن الشرخ في الثقافة الميالة للصلح والتسامح والثقافة الميالة للقوة والعنف ضد المخالف للقيم .وكل من يهدد وحدة الجماعة .

كتبت جوليا كريستيفا من فرنسا عن الغيرية وعلاقة الذات بالآخر وحاولت أن تنقل للقارئ الفرنسي والعالمي أن الانتقال بين الأمكنة والمكوث هناك لا يمكن بأي حال أن يولد الكراهية والتعصب والحقد في نفوس الناس من هواجس الغريب . وما يحمله الغريب القادم من مكان بعيد من شرور وعداوة السبب في انقسام الجماعة. ففي قلب الجماعة التي نعتقد أنها متماسكة ومتراصة شرخ عميق في صراع الأجيال والصراع على القيم. انقسامات بالجملة لا علاقة للغريب بها. جماعات متناحرة ومتصارعة في هويات غير متجانسة قبل أن يدخل الغريب لهذه المجتمعات ويتهم باعتباره طرفا أساسيا في الأزمة والصراعات التي يعيشها مجتمع متعدد الأهواء والمصالح . يولد الأبناء من جديد ويولد معهم نظام ثقافي وأفكار متناسبة والعصر. الغريب هو الذي يسكننا على نحو غريب . نحن غرباء عن أنفسنا والجماعة ليست متماسكة بفعل التشرذم والتصدع المرئي واللامرئي . أسبابها جمة في تضارب وتباين الرؤى والإيديولوجيات نحو إثبات المصالح والامتيازات . وفي ظل هذا الزخم من الصراعات يولد العنف . ويتشبث كل طرف بحقه في الوجود. أما في التأملات الفلسفية للعنف فان القضية أكثر من دراسات في العلوم الإنسانية تتمثل في الإحاطة بالعناصر المركبة للعنف المتجذر في الطبيعة الإنسانية. وفي عنف العالم . تحولات القيم وعدم التكافؤ في توزيع الخيرات بالمناصفة . تأملات في عقد الفرد وتمزق في وحدة الجماعة جراء تغير الأنماط الإنتاجية وقيم الجماعة . ومن الأسباب الطقوس والعادات القديمة الثابتة التي تغذيها دوافع الجماعات نحو تأجيج العنف والزيادة في ضراوته . والدفع بالصراع نحو الحروب الشاملة وسفك الدماء وشهوة التدمير التي لا حدود لها . فكم من المشاكل والأزمات في عالمنا تحتاج لضبط النفس والتسريع بالحوار والحكمة في التحلي بالحلول المستعجلة والمنصفة .لا يجنح الإنسان نحو العنف والقوة إلا لدوافع قصوى . فالإنسانية كما قال المؤرخ ول ديورانت تخلت عن حالة الطبيعة واللجوء للقوة بمجرد أن اهتدى الإنسان بالعقل نحو القبول باللجوء إلى كبير القوم في الاحتكام وطلب العدالة . ومن ثمة كان تفكير الإنسان في وضع قواعد جديدة للمجتمع المدني وحالة التمدن. تأملات الفلسفة في مرامي العنف ترك تجاوبا من الفلاسفة المعاصرين للبحث في مرامي العنف والتعنيف. وظهرت منظمات وجمعيات تدافع عن الكرامة والحرية. والضرب على أيدي المعتدين باللجوء للحق والمطالبة بالإنصاف .ظواهر من العسف والقمع والاعتداء والتجريح والآلام المصاحبة للضرر المادي سرع بالحاجة إلى ثقافة عالمية للتنديد والمطالبة بحماية الحقوق الطبيعية والمدنية وإلزام الدول في سن قوانين وضعية للمعاقبة والتهذيب . وإعادة التربية . ومن نتائجها إدخال ثقافة حقوق الإنسان في مناهج التربية والتعليم . والإعلام المرئي والمكتوب. وفي مقاربة العنف من وجهة نظر الفلاسفة " اريك فروم – حنا ارندت – بودريار – طوماس هوبس - اريك فايل. ادغار موران ..."

إن العنف ليس ظاهرة هامشية وعابرة . ولا يقبع العنف في الفرد دون أن تكون دوافعه موجودة في المجتمع والقيم. العنف لا يولد من السلطة لان الأخيرة بالفعل خيار وإستراتيجية في التنظيم والمراقبة والإرغام بطرق مادية وغير مادية .العنف المشروع الذي يعتبره عالم الاجتماع ماكس فيبر مقنن من طرف الدولة بدوافع سياسية وأمنية واجتماعية في الحفاظ على هيبة الدولة وحماية الممتلكات من الأخطار المهددة للدولة والمجتمع . العلاقة الحميمية بين العنف والدولة يطرح استفهامات عن جدارة الدولة العقلانية الديمقراطية في فلسفة قائمة على الحريات والحق والعدالة الاجتماعية . خيارات الدولة هنا غير منسجمة في أدبيات التأسيس نحو صيانة الحق والكرامة. فعندما يؤسس فيبر للعنف المشروع باسم القانون لا ينفي عقلانية الدولة بل يطرح الغايات والأهداف من اللجوء لهذا النوع من العنف .ويبرر المشروعية القانونية للدولة بدافع الحق والقانون في حماية المؤسسات والممتلكات. لا يمكن إغفال الخلفية الإيديولوجية المهيمنة في أعمال ماكس قيبر ضد التيارات اليسارية والماركسية في محاولة تقويض أسس الدولة الرأسمالية الليبرالية .والدفع أكثر بالمواجهات والصراعات وإحداث شرخ في بنية المجتمع الليبرالي .من هنا لاحظنا تزايد شرارة العنف في فرنسا وخروج السترات الصفراء وشريحة كبيرة من المجتمع المدني للتعبير عن الزيادة في الضرائب وأسعار المحروقات .في الصراع والمواجهات . تدخلت القوى الأمنية لإلزام الكل للتراجع والعودة للحياة الطبيعية . العنف الذي يسود العالم الآن من الغرب للشرق ويستشري في مفاصل الحياة. في سلسلة حروب لا تنتهي وفي ميلاد ظاهرة الإرهاب العابر للقارات .عنف الدولة والجماعات المسلحة وعنف الأفراد .وعودة الاحتجاج والتنديد بالسياسات في بعض دول العالم من أمريكا اللاتينية إلى أوروبا. إن العالم يعرف اختلالا وصراعات للهويات القاتلة والمدمرة .من عولمة لا إنسانية ولا أخلاقية .عولمة تبيح تعميم نمط ثقافي معين في الاقتصاد والاستهلاك والثقافة . وتنسى أن في العالم حضارات شيدت وفق قيم عريقة  لها تاريخ طويل .من يفهم هذا المنطق السائد يدرك لا محالة أن الصوت الرنان في العالم إرادة القوة بتعبير الفيلسوف نيتشه في سلطة مقسمة بالمركز والهوامش وأطراف تنمو وتقتات على الرفض والمنع لكل ما يرغمها في تغيير ثقافتها بالقسر والقوة . سلاح المجابهة للعنف العابر للقارات التسلح بثقافة اللاعنف .شعار رفعه الزعيم غاندي في الهند ضد الاستعمار البريطاني ومانديلا في جنوب إفريقيا من خلال ثقافة الصفح والتسامح وتفضيل العدالة الانتقالية على الانتقام وتصفية الحساب . ويتبنى كل الشرفاء في العالم خيار اللاعنف  لنيل الاعتراف وإرغام الآخر في قبول معيار التعدد الثقافي والدخول في عالم متنوع الأقطاب لأجل المثاقفة وانتزاع الحقوق من خلال جدارة الخطاب والتفاف الجماهير في إرغام الحكومات على تغيير القرارات الارتجالية .وتبادل المنافع المادية. وفي النهاية يمكن القول أن الفلسفة والتفكير الفلسفي صمام في مجابهة العنف بالتسامح وزرع قيم إنسانية وتربية الناس على الاختلاف والاستقامة في السلوك السوي. وتفضيل كل ما هو مشترك كالكرامة والإنسانية والالتقاء في الذوق والمعيش والإعلاء من حرية الإنسان وفكره في قهر الطبيعة والتغلب على أزمات العصر.

 الفلسفة ضد العنف بكل أشكاله وضد تبرير العنف مهما كانت دوافعه وأسبابه . فكر يرفع شعار اللاعنف في وجه الفاشية والنازية والإرهاب العابر للحدود والغلو الفكري . رسائل الفلسفة موجهة في إصلاح العقل وتحسينه . ورسائل في التسامح ونبذ التعصب الديني بين المذاهب الدينية المختلفة في الغرب والشرق معا . ورسائل في الأخلاق وإصلاح السياسة في شعارات ومبادئ مضمونها صيانة الإنسان من العنف وبنائه وفق منطق سليم يؤسس لإنسانية الإنسان . ورسائل الفلسفة اليوم في مجابهة بطش السياسة وتذويب الصراعات والكراهية في إمكانية البحث عن بدائل للعنف في الطقوس والقيم الثابتة وفي إرساء وحدة للمشترك المنسي بين الشعوب والحضارات . يبقى السؤال قائما هل الفلسفة ضد العنف ؟ من دون ادني شك الفلسفة كذلك ضد العنف بأشكاله المادي والرمزي . العنف المارس بذرائع والذي يستهدف تقويض التوازن النفسي بالدرجة الأولى . وميل الفلسفة في بناء القيم النبيلة دليل على تهافت القوة وإرادة الاندفاع والجموح نحو الحروب والتدمير .لا بد من العودة للذات وفحص نزوع الإنسان شهوته في سفك الدماء والتدمير للحضارات . في رفض قرارات السياسة الميالة للمصالح والمنافع . وفي استدعاء المنطق وتذكير الكل بآفة العنف والترهيب للآخر والحذر من الانزلاق نحو تصاعد العنف في غياب ثقافة الرفض وهيمنة العصيان وما شابه ذلك من أشكال الاحتجاج . قناعة الزعيم الهندي غادي باللاعنف في مواجهة الاستعمار البريطاني قناعة يولدها حاجة الهنود في الوحدة والانتباه لسياسة التفرقة بين الشعب الواحدة في صراعات دينية واجتماعية بدل تصويب الرفض نحو المستعمر . المجابهة بالكلمة اقوى من الرصاص لإقناع الآخر للجلوس وانتزاع الحق . 

 

بقلم: أحمد شحيمط - كاتب من المغرب

 

كاظم الموسويتحوّلَ برنامج التواصل الاجتماعي والاتصال المجاني، الواتس آب، الى اكثر الوسائل استخداما حتى يمكن القول ان كل مالك هاتف ذكي يمكنه المشاركة في هذا البرنامج. اي ان المليارات من الاجهزة المباعة توازي بالمقابل ارقام المستخدمين، والاغلب منهم المشتركين. مما يعني ان المستفيدين منه،  المشتركين فيه، اعداد هائلة وارقام كبيرة.. واضافة الى ذلك يسمح البرنامج بتشكيل مجموعات او روابط متنوعة، لزيادة التواصل والارتباط بين المشتركين. بمعنى ان دوائر الارتباط تتوسع باستمرار وتتزايد اعدادا او حراكا. يبقى الاهم طبيعة ما يدور او مضمونه الذي يجمع ويدفع الاعضاء الى التواصل. في هذا المجال العام، الامر محمود وقد يكون مطلوبا ايضا للاستفادة من هذه النعمة. لاسيما للمجموعات الثقافية او ذات الاختصاص او المهن او التعاون والتجمع الاجتماعي الانساني. وهذه فائدة كبيرة تيسر الاتصال والتفاهم السريع بين اعداد من المشتركين. وللاسف تتحول احيانا الى نقمة. وقد تاخذ ابعادا مختلفة، حسب استخدامها والتعاملات البينية فيها. وفي كل الحالات تعتمد على ثقافة وادراك المشترك، وكأن المتنبي كان عالما بها بقوله؛

ذو العقل يشقى في النعيم بعقله          واخو الجهالة في الشقاوة ينعم

التواصل ضروري ومفيد ويعوّض عن امور اخرى اخذت تقل في العلاقات العامة وحتى  في صلات الرحم والود، او تضمحل وتتلاشى احيانا، فعسى ان تكون هذه الوسائل بما عليها ولها دافعا ومحفزا للتذكر والتراحم وبث الوعي والثقافة والتطور والتجدد، شرط ان يحسن استخدامها ويدرك دورها الإيجابي. وان يكون التبادل نافعا بين الطرفين أو الأطراف.

فحين تتوفر أو تستخدم الوسائل بهذه الصورة والامل منها كذلك، تكون قد حققت جزء كبيرا من اهدافها العملية المباشرة واذا لم يحصل ذلك فان الخسارة كبيرة ايضا.. ليس في الاستخدام وحسب. بل في ضياع الوقت والاهتمام والوعي والمهمات والاهداف المنشودة.

معروف ان هذه التسهيلات المجانية ليست مجانية بمعنى الثمن المالي.. فهي وسائل تدر أرباحا طائلة عبر استخدامها للدراسة والبحث والرقابة والتجسس والاختراق والمتابعات الامنية او الاستهدافات الاستخبارية. اي بمعنى آخر انها ممنوحة او مفتوحة او مستثمرة بثمن اكبر مما يتوقع مستخدمها. وهو ما قام باذاعته إدوارد سنودن، التقني وموظف وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، الذي عمل كمتعاقد مع وكالة الأمن القومي، وانشق عنها، وقام بتسريب تفاصيل برنامج التجسس، بريسم، PRISM ، إلى الصحافة. فكشف اهدافه في الرقابة والتجسس واختراق الخصوصية على هذه الوسائل واستثمارها لاهداف اخرى ولغايات امنية من جهة وللفضائح المخابراتية الدولية من جهة اخرى. ولعل اكتشاف حكومات اوروبية او اعلانها في معرفة ما يحصل، لاسيما في التجسس على مسؤوليها، وادانتها لمثل هذه الممارسات من قبل المخابرات الامريكية خصوصا دليل اخر يفضح ما خلفها ويعري ما يراد منها.. وتبين بعد ذاك ان هذه الممارسات جرت ولم تتوقف بين اكثر من جهة او حكومة. واضاف سنودن في مقابلته للصحافة عام 2013 عن عمليات مراقبة واسعة للبيانات الشخصية بعد هجمات 11 ايلول/ سبتمبر في أمريكا. وعرض وثائق كثيرة، من بينها وثائق كشفت أن بريطانيا تجسست على سياسيين أجانب في اجتماعات قمة مجموعة العشرين في لندن عام 2009، وجمعت كميات هائلة من رسائل البريد الإلكتروني ورسائل على فيسبوك واتصالات الإنترنت وأطلعت وكالة الأمن القومي الأمريكية على محتواها. اي أن التنسيق والتعاون بين هذه الأجهزة قائم ومتبادل، بدون شك أو تساؤل.

تحت غطاء الاعلانات التجارية والارباح الطائلة منها ايضا تقدم هذه الخدمات مجانا، لكسب او تورط اكبر عدد من المشتركين فيها. وهكذا اصبحت هذه الوسائل نعمة للتواصل البشري ونقمة مزدوجة من الاستحمار والحمق والغباء ومن التجسس والتنصت والاستطلاع ومن ثم التحكم والاستثمار.. اي ان هذه الوسائل تعتمد على  كيفية استخدامها، فقد تستفيد، أو تتضرر منها، لكن الوعي والثقافة والفهم المتقدم هي العوامل المشتركة، وهي التي تحول هذه الوسائل الى نعمة حقيقية، بالرغم من كل ما يحيط بها من أخطار واضرار.

ما يكشف أو ما يسرب أو ما يفضح لا يطمأن كثيرا عن الواتس اب، وغيره من وسائل التواصل والاتصال الاجتماعي المجاني. ولكن استخدامه متطلب لمواصفاته العديدة، ففيه فرص لا تحصى ومجالات تخدم المشترك فيه وتفيد الهدف المعلن من هذه الوسائل التي ابتكرت لخدمة الانسان والمجتمع والتطورات التقنية المتواصلة. ويتوجب احترام هذه الفرص وعدم الإستهانة أو التساهل بها وهدر الوقت والأعصاب والجهود بلا معنى أو فائدة مهما كانت.

مع ما سبق من تحذيرات أو ما يحاول الحد من التدخلات والاختراق العدواني فإن المحاكم والمنظمات الحقوقية والإنسانية لا تتفرج على كل ما يجري. فقد رفع صحفيون ومنظمات غير حكومية قضية الانتهاكات والاختراقات، الى المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، ومقرها في مدينة ستراسبورغ الفرنسية، (وكالات 2018/9/13) وأعتبرت المحكمة ان برنامج بريطانيا المتعلق بعمليات مراقبة واسعة في البلاد ينتهك الحقوق الأساسية لمواطنيها، ورأت المحكمة في قرارها أن عمليات المراقبة هي انتهاك لحقوق الخصوصية وحرية الوصول للمعلومات المكرستين في الميثاق الأوروبي لحقوق الإنسان. وأشارت المحكمة إلى أن حكومات وطنية تتمتع "بحرية واسعة" في اتخاذ القرار بشأن نوع المراقبة الضرورية لحماية الأمن القومي وبأن مجرد وجود برنامج لا يعني انه "ينتهك بحد ذاته وبنفسه الميثاق". لكنها أكدت أنه يتعين أن يكون "التدخل" محصورا "بما هو ضروري في مجتمع ديموقراطي". واعتبرت المحكمة أن جمع المعلومات من جانب "المركز البريطاني للاتصالات الحكومية" وهو أحد أجهزة الاستخبارات، ينتهك المادة الثامنة من الميثاق المتعلق بالخصوصية، نظرا لوجود "رقابة غير كافية" على البرنامج. وبينت المحكمة إن طريقة اختيار جهاز الاستخبارات لمزودي الإنترنت من أجل اعتراض البيانات ثم انتقاء الرسائل واختيار المعطيات لتفحصها، تفتقر إلى الرقابة. ورأت أيضا أن النظام الخاص بحصول جهاز الاستخبارات على معلومات من الإنترنت وشركات الهواتف "لا يتماشى مع القانون".

هكذا تختلف مشاكل الواتس آب وغيره من وسائل التواصل الاجتماعي والانترنت عموما، والمهم فيها كلها يبقى متعلقا او مستندا الى مستوى الوعي والثقافة والسمو الإنساني بقيمه العالية التي تحترم الخصوصية والتهذيب الأخلاقي وحقوق الإنسان.

 

كاظم الموسوي

 

من منا لا يحب القراءة والتعلم !... الله سبحانه وتعالى حرض على القراءة حتى أنه فاجأ نبيه المصطفى محمد صلى الله عليه وسلم وهو في غار حراء، حين جاءه الملك جبرائيل، وقال له:"اقرأ " فقال له:"ما أنا بقارئ" فقال عليه الصلاة والسلام: "فأخذني فغطني، حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني "فقال: " اقرأ " فقلت: " ما أنا بقارئ " فأخذني فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد ، ثم أرسلني، فقال: "اقرأ باسم ربك الذي خلق. خلق الإنسان من علق. اقرأ وربك الأكرم. الذي علم بالقلم. علم الإنسان ما لم يعلم." صدق الله العظيم حديث صحيح. وروت عائشة رضي الله عنها  أنها أول سورة أنزلت على رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم، ثم بعدها سورة القلم بسم الله الرحمان الرحيم (ن والقلم وما يسطرون) الله جل وعلا أقسم بالقلم  لما فيه من قدسية حيث أجمعت جميع الأحاديث إن أول شيء خلق هو القلم اما النون فهي والله اعلم حرف من حروف اسم الرحمان ومنهم من قال إنها الدواة .وقال الله تعالى في سورة فاطر الآية 28 (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ) صدق الله العظيم أي أن الله تعالى لا يخشاه إلا العلماءُ. من خلال هذه السورة الكريمة المتقدم ذكرها والآيتين الكريمتين نستشف مدى قيمة وأهمية القراءة والتعلم والعلم ورجال العلم عند الله. إذا نحن المقصرون وما أعنيه الأولياء والمربون على اختلاف شرائحهم وشوائبهم لذا أقول العيب فينا وليس في التقدم العلمي الرقمي او التكنولوجي الحديث.

قبل الخوض في موضوع أسباب عزوف الناشئة عن القراءة (المطالعة) وجب علينا التعريف بتكنولوجيا المعلومات أو تقنية المعلومات (IT)؛ فهي اختصاص هام جدا وواسع يهتم بجميع نواحي التكنولوجيا، ومعالجة وإدارة المعلومات، وبشكل خاص في المنظمات الكبيرة، منها الشؤون الإدارية والتعليم والسياسة والشؤون العسكرية. وذلك من خلال التعامل مع برمجيات الحاسوب، والحواسب الإلكترونية بهدف تحويل، وتخزين، وحماية، ومعالجة، ونقل، واستعادة المعلومات.

ان من مميزات تكنولوجيا المعلومات:

- توفير الوقت،

- تقديم المعلومة، ثم نقلها من جهاز الكمبيوتر،

- تكسب الفرد المهارات التي ينتج عنها:

-  توسيع أفقه،

- تعزيز قدراته الإبداعية....

- تنمي قدرات التعلم الذاتي عند الفرد.

- تمنح الفرد الشعور بالراحة عند جمع المعلومات؛

حيث إنها تقنية مرتبة ترتيبا، ومنظمة بحكمة وروية، ودقة متناهية، وغير عشوائية. تنمي لدى الانسان الحس الإدراكي وأسلوب حل المشاكل التي لا يمكن حلها بالطرق التقليدية بسبب الكم الهائل من المعلومات.وتحقق الإدراك الحسي لديه، لأن أجهزة الحاسوب ولوحة الحاسوب المستخدمة في تكنولوجيا المعلومات وكذلك الهواتف الذكية توفر له جميع المعطيات والمظاهر المختلفة التي يفهمها عن طريق حواسه. كما تتيح له القدرة على الاتصال بأي معلومات يريدها والحصول عليها وفي أي وقت أراد. وذلك من خلال الاتصال بشبكة الإنترنات. على عكس المكتبات المحلية فهي لا توفر المعلومات ولا المعطيات المطلوبة والمنشودة والمرجوة الا بقدر محدود للغاية، ففي اغلب الاوقات بل لنقل معظمها يفتقد الباحث كما هائلا من المعلومات والمعطيات التي يصبو اليها فيضطر للسفر الى دول أخرى للبحث عن المعلومة او المعلومات في مكتباتها الوطنية ليستقي المعلومة المطلوبة والمرجوة ليتم بحثه على اكمل وجه.

لذا كنا في التسعينيات والثمانينات من القرن الماضي والى الآن نرى عددا لا باس به من الباحثين ألمختلفي الجنسيات يتوافدون على المكتبة الوطنية  ويترددون عليها من حين لآخر ليستقوا المعلومة المرجوة كالصين وكزاخستان واندونيسيا وأبخازيا ومن طشقند وسمرقند ولبنان وليبيا ومن بعض دول العالم وحتى من اماريكا يبحثون عن غايتهم المنشودة. الصينيون على سبيل الذكر لا الحصر يبحثون عن مجلة الاحوال الشخصية التونسية وغيرهم كثيرون بالمكتبة الوطنية يجرون أبحاثهم.

لقد أثرت تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في الحياة الإنسانية بشكلٍ كبير وكبير جدا بصفة مباشرة وغير مباشرة، فبظهورها تغيرت تغيرا غير مسبوق من جهة التطوّر العلمي والرفاهية الإنسانية، لقد كانت الأعمال قبل ظهورها يدوية في معظمها وتعتمد على الأوراق في المكاتب والمدارس والكليات، فكانت المعاملات تتطلب حيزا زمنيا لإنهائها، لكن بعد التطوّر التّكنولوجي الذي دخل حياتنا وعالم الأعمال والعالم التربوي خاصة أصبحت الصفقات والمعاملات تقام عبر الشبكة المعلوماتية من أيّ مكان ما في العالم وبسرعة فائقة، لم نبالغ ان قلنا  انك تحصل على المهلومة قبل ان يرتد اليك طرفك...وكذلك التدريس والتعليم عن بعد وبنفس الطريقة عبر الشبكة العنكبوتية. لذا لا مناص ولا هروب من تكنولوجيا المعلومات والاتصالات ومن العالم الرقمي فلهما الأثر الكبير في حياتنا وبصمة اكبر منها خاصة الجانب التعليمي وهذا ما يهمنا.

ففي الجانب التعليمي، تم اسبتدال الوسائل التقليدية كالألواح، والطباشير، والسبورة الخشبية .والكتب الثقيلة التي تُثقل كاهل التلميذ بحاسوب او بلوحٍ حاسوبي يحتوي على كل المقررات التعليمية، مما وفر راحةً أكبر للتلميذ وبالتالي ادخاله إلى عالم التطور منذ الصّغر ولا يخفى على احد ان التعليم في الصغر كالنقش على الحجر. حيث شرعت بعض المدارس في العالم وبأمريكا خاصة وبعض الدول في العالم تدريس أساسيات لغات البرمجة كموادٍ أساسية في المدارس الابتدائية والثانوية وبالطبع بالجامعات.إلا اننا في بلادنا اكتفت الدولة ما قبل الثورة بتدريس مبادئ الإعلامية بالابتدائي وأساسيات لغات البرمجة في بعض الجامعات وبالتالي نتج عنه خلق وعيٍ علمي وثقافي ومعرفي غزير لدى التلميذ وجعله مغرما بهذه المادة السحرية والانكباب عليها بشغف يواكب طموحاته. أما الطالب جعلته إنساناً خلاقا مبدعا ومبتكرا يعمل من تلقاء نفسه على صنع البرامج والتطبيقات والأجهزة التي يريدها. سأكتفي بهذا الجانب الذي يهتم بدور تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في مجال التربية والتعليم.أما فيما يخص دورها في الصناعة والجانب السياسي والعسكري لن اتطرق اليه  فليس موضوعنا.

إذا من المنطق والواقعية أن نقول أنه لا يصح ولا يمكن ان نوجه أصابع الاتهام كلها الى اللوحات الرقمية او الى الحاسوب اللّوحي او الهواتف الذكية او الرقمية أو إلى الكاميرا الذكية او إلى الأنتارنات او إلى السبورة الذكية والرقمية التفاعلية، فهي من أحدث الوسائل المستخدمة في العملية التفاعلية. وهي نوع خاص من السبورات البيضاء الحساسة التفاعلية التي يتم التعامل معها باللمس والبعض الآخر بالقلم وتتم الكتابة عليها بطريقة إلكترونية، مرتبطة بالحاسوب. كما يمكن الاستفادة منها وعرض ما على شاشة الكمبيوتر من تطبيقات متنوعه عليها.. الحياة الرقمية لا مناص منها ولا هروب فهي عالم حقيقي بحد ذاته مفروض علينا فرضا قطعيا شئنا هذا أم أبينا لأننا أولا قادمون على مستقبل عالم رقمي وثانيا لا يمكننا العيش منفصلين عن العالم المتحضر او عن العالم الرقمي وهذا أمرا محتوما حتى انه الآن أصبحت التجارب الحقيقية على قدم وساق حول الحفظ بالتبريد وهو محتملا.

 حيث ان الإنسان المُحْتَضَرْ يمكن حفظه بالتبريد بالجليد الجاف تماما حتى يكون كمن هو ميتا موتا سريريا  وبعد مئات السنين يعود الى الحياة وهكذا ينال فرصة جديدة في الحياة كما ان هناك اناس يطالبون بحفظ قطعة ما من أجسادهم في التبريد كالرأس مثلا وتكون التكنولوجيا قادرة على قراءة الرأس بعد مئات السنين. ومنهم من يحفظ كامل جسده في التبريد الجاف تماما لإطالة حياته...كما تم اختراع شرائح تزيل الأمراض الوراثية إزالة تامة  من الجسم وكذلك الجينات الوراثية المرضية وهي في طور التجربة واختراع شرائح ذكية تمنع شيخوخة الخلايا في الجسم وبذلك يبق الانسان مهما تقدم به العمر في سن الثلاثين وكذلك جميع خلاياه. اذا الحياة الرقمية  يوتابايت (YB)  أضخم ألف مرة من هذه الحياة التي نعيشها، وأنها ذات أهمية وثقل.

اليوتابايت هي وحدة قياس لسعة التخزين في الكمبيوتر. وسعة اليوتابايت قدرت علميا:

- علمياً يساوي 1024 يساوي 1000000000000000000000000 بايت (1000 زيتابايت)

- ثنائياً يساوي 280 يساوي 1,208,925,819,614,629,174,706,176 بايت (1024  زيتابايت)،

من هنا نلاحظ ان العلم التكنولوجي الحديث في تطور تصاعدي، لا قبل لنا بعدم الاعتراف به او الانحياد عنه والركون الى التخلف. ولا يمكننا البتة الوقوف في وجهه أو التصدي له، ولا حتى التراجع الى الوراء قيد أنملة. لذا لا بد من خلق ميدان توازني في وقتنا الواقعي لنوفق بين القراءة الرقمية فلا تكن عن طريق مواقع التواصل الاجتماعي (قراءة ضحلة كما وكيفا، لا تسمن ولا تغني من جوع) بل تكون القراءة عن طريق المواقع التربوية والمكتبات الرقمية بالانتارنات او عن طريق الكتاب الرقمي او عن طريق الكتاب التقليدي وهو الورقي المسفر. ومن هذا المنطلق نستنتج أن هذا الجيل الصاعد والأجيال القادمة أجيال العالم الرقمي والأنتارنات...جيل مغاير تماما للأجيال السابقة. فلسنا من المنطق ولا العقلانية ولا الواقعية في شيء إذا قلنا أنها بيت الداء. لذا لا نرمي باللوم جزافا على التقدم التكنولوجي ووسائل الاتصال الرقمية لأنها ليست سبب العلة.

قبل ان نفهم القراءة الرقمية والثقافة الرقمية واستشراف ما وراء سطح الأجهزة التقنية اللامع و(الوسائط الجديدة او الوسائط المتعددة) ما  يسمى Multimedia)) هذه الكلمة المركبة من كلمتين وهما (Multi) تعني متعدد و(Media) تعني وسيط. وهي تشير إلى استعمال عدة وسائط مختلفة مثل (النص، الصوت، الرسومات، الصور المتحركة، الفيديو، والتطبيقات التفاعلية وذلك  لتقديم المحتوى وعرضه بطريقة تفاعلية (Interactive) لتحقيق هدف أو عدة أهداف محددة المعلومات. 

هذا الغازي الرقمي ليس لنا عليه قدرة على هزمه إلا إذا حاربناه بإيجابياته وذلك بقوانا الايجابية العقلية والفكرية والابداعية وبالتالي نكون قد هزمنا سلبياته وذلك بمحاربتها محاربة شرسة. الكلّ يلقي بالقصور المطالعاتي للناشئة  وعدم انكبابها على القراءة ونهلها للمعرفة من مناهلها ومن مختلف روافدها. وغرقها في صفحات المواقع التواصل الاجتماعي باختلاف مسمياتها وعلى الانتارنات. يقول خبراء التعليم  ان الحركة العلمية قد مرّت في الأزمنة الغابرة بعديد من الحروب المناهضة للأعمال الفكرية والأدبية، والعلمية خاصة من طرف رجال الدين والكنيسة ومورست ممارسات الظلم والاستبداد، والاضطهاد، والكبت الفكري، منها قتل بعض الأدباء، والباحثين، والشعراء،. وحرق الكتب ككتب ابن رشد على سبيل المثال لا الحصر، والبحوث وحتى منهم من حرق بعض المكتبات وبعض الاختراعات ولكن الصراع عبر الزمن مع الظلاميين المحاربين للعلم والعلماء أتى أكله وخاصة في العصر الحاضر الا من حالات شاذة تحفظ ولا يقاس عليها ما زالت تمارس رغم شناعتها، كاغتيال الروائي العراقي "علاء مشذوب" بثلاثة عشر طلقة نارية على يد مجهولين أردته قتيلاً يوم 2 فيفري 2019. ففي السنوات الأخيرة حدثت مجموعة من المتغيرات والتطورات خاصة بعد اختزال المسافات بين الدول واختلاط طرق التدريس ومواضيعها المشتركة ومبادئها المعقدة واستمرت في تجديد متواصل للعناصر والمداخلات حتى الوصول الى مرحلة التعليم الرقمي عن بعد خاصة التعليم الجامعي والأكاديمي. لقد ساهم التطور الكبير في صناعة الكمبيوتر الى حد التطور في تركيبة صنعه وهيكله الخارجي الى ان اصبح في حجم الكراس. وغزت الانتارنات حتى الساعات اليدوية وساعات العميان، فأصبحت دليلهم في الطريق مع التقدم التعدّدي والمصنف في البرمجيات والمنظومات مع وجود بنوك معلومات وقاعدة بيانات نظام المعلومات إدارية المتكامل تقريبا في جميع المجالات خاصة منها المنظومة التعليمية هذا ممّا جعل كل الطموحات تتعلق بهذه المرحلة الحضارية المتطورة جدا، التي نعيشها والكل يعلم أنّها ستحقّق الحلم القديم لرجال التعليم ودفع عجلة عملية التعلّم والتعليم إلى أعلى وأقصى درجات قدرات المعرفة وذلك بجعل العلم في متناول الجميع، جميع الناس على اختلاف درجاتهم الفكرية، والتعليمية، والاجتماعية بكافة شرائحهم ومشاربهم متحدية التباعد الجغرافي واختلاف الطبقات الاجتماعية والفوارق الاقتصادية وحدود الأمكنة بين المجتمعات الإنسانية. كما يرى خبراء التربية والتعليم أن في هذا التطور السريع او لنقل الجنوني في تكنولوجيا المعلوماتية وتكنولوجيا التقنية والاتصالات سبيلا نيّرا، ممهدا تمهيدا سهلا سلسبيلا لتحقيق استقلالية التعلّم، وتساعد المتعلم والمتلقي على حد السواء، وتسمح لكليهما ممارسة مسؤوليته الأخلاقية والأدبية تجاه ما يتعلم وذلك بالاكتشاف والتعبير والتجربة والمحاكاة والبحوث التي تقدمها برمجيات وأنظمة الحاسوب في هذا العصر وخاصة في الألفية الثانية (القرن الواحد والعشرون). لذا قرر أصحاب الاتجاهات التربوية المعاصرة التنويريين والانفتاحيين على اتساع خيالاتهم واختلاف منطلقاتهم الفلسفية ولغاتهم وتواريخهم وأعراقهم إلى أن استخدام تقنيات الحاسوب الحديثة لتنظيم عملية التعلم يشكل اتجاها عموديا دائما ومتصاعدا لا مناص للحياد عنه أو التراجع فيه إلى عصور سابقة! وهذا التصور عبّروا عنه في بدايات تشكيل مصطلح التعليم الالكتروني بـ (مدرسة المستقبل). ولما كان إدارك وتصور المعلومات الجديدة يعتمد على تنوع طرق عرض هذه المعلومات وتقديمها للمتعلم، ذلك أن الرغبة في التعليم تزداد ازديادا مطردا مع الحماس حينما تضاف المؤثرات البصرية والسمعية إلى نظام التعليم لدى الاطفال والناشئة والشباب والكبار على حد السواء (تشير البحوث العلمية إلى أن الإنسان يتلقى أكثر من 80% من المعرفة من خلال حاسة السمع والبصر ونحو 13- 20 % من خلال السمع ويلي ذلك الحواس الأخرى التي تتراوح ما بين 1-5% وهي حواس اللمس والذوق والشم). فمن أجل هذا كله تم التركيز على اختيار واستخدام تقنيات الوسائط المتعددة في عرض المعلومات لتحريض المتلقي.مثلا كتقديم عرضا في التاريخ أو الجغرافيا أو في أي مادة تربوية أخرى...

إن أسباب عزوف الناشئة عن القراءة (المطالعة) هو غياب الولي الواعي بمسؤوليته المقدسة تجاه أبناءه وهو المؤطر الأول مع غياب ضمير المربي المؤطّر الثاني من السنة التحضيرية الى نيل الشهادة الجامعية. زاد الطين بلّة...

 الأولياء والمربون خاصة المعلمون منهم والأساتذة هم الذين يعدّون ناشئة واعية ثرية المعرفة، زاخرة العطاء...فرسان المستقبل الواعد يتمتعون بالأخلاق الحميدة أُطرا  متخصصة في مجال ما في الحياة العملية والاجتماعية. حيث أن الصّغير يمتلك ذاكرة قوية صفحاتها بيضاء نقية في تمام عذريتها لذا فهي لا تتطلب من ينقش فيها وحسب بل من يغرس فيها غرسا طيبا ومنهجية حب القراءة والمطالعة والنهل من مناهل العلم المتفرقة والمتشعبة تشعبا مختلفا ومتفاوتا، والمعرفة الخصبة تصديقا للقولة المأثورة وهي قولة صادقة مائة بالمائة "التعليم في الصغر كالنقش على الحجر وأنا أضيف لها لا يُطمس مدى الدهر" وللأسف قبل الثورة بدأت سنوات القحط التربوي من التسعينيات الى ما بعد الثورة فأصبحت سنوات القحط سنوات عجاف، جدباء، والتوجيه خرابا، والعقول الخصبة صحراء قفرا. والإبداع النادر يظهر احيانا خفرا.لن أنزّه الأولياء فمنهم يبدأ ينبوع التأطير ألا وهو زرع بذرة حب التعلم والقراءة، والخلق والابتكار والإبداع...كما الأخلاق الحميدة والسلوك القويم وهي المتمثلة في الترغيب والترهيب بطرق سَلِسَلَة وبأمثلة من المحيط الحياتي الذي يعيش فيه الطفل. (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء) من هذا الحديث نستخلص مدى أهمية الوالدين في تربية الناشئة وفي تقويم سلوكها وفي زرع بذرة حب العلم والتعلم والخلق والابتكار والإبداع كزرع الايمان والدين. لذا أقول ان الطامة الكبرى بدأها الأولياء فهم المؤطرون الأوائل رغم ان عدد المتعلمين في المجتمع التونسي هام جدا، لا يستهان بهم واكتسابهم لدرجات متفاوتة من التعلم والثقافة في بلادنا يخول لهم تأطير أبناءهم تأطيرا محكما يأتي أكلا طيبا. فهم الحاوون والمؤطرون الأولون لأنهم يمثلون البيئة الأولى، إلا أن منهم من ساهموا في تهميش الناشئة بطرقة او بأخرى كالدلال او علهم ظنوا نهم بتوفير وسائل الترفيه كتوفير الهواتف الذكية او اللوحات الذكية او الكاميرا الرقمية، والراحة مع بعض من رغد العيش يكفي لبلورة  وتأطير الناشئة وتطوير عقلياتهم. ثم يأتي دور المربي ألا وهو المدرس من السنة الأولى تحضيرية الى الجامعة ولإعطاء كل ذي حق حقه لا أقول اغلبهم بل أكثرهم همشوا التلاميذ والناشئة تهميشا كليا وحتى ميعوهم واستصغروا عقليتهم وتافهوها الى حد اللامعقول حتى انه في بعض المدارس الابتدائية داخل البلاد. مدير المدرسة الابتدائية أتى للتلاميذ بالفصل بطبيبة وطاقم أسنان مع فرشاة أسنان ومعجون أسنان ونادى على إحدى التلميذات الى المصطبة لتعلمها الطبيبة كيفية غسل أسنانها ثم تقوم نفس التلميذة بتطبيق غسل الأسنان على طاقم الأسنان الاصطناعي الموضوع على طاولة المعلم.وكأنما التلاميذ قدموا من أدغال الأمازون او من أدغال غينيا الجديدة او كأن التلاميذ ترزونات تربوا مع القردة. الإنسان بالفطرة يعرف كيفية غسل أسنانه وكامل جسده والحيوان ذاته يحسن الاستحمام وكذالك الطيور.النساء في عهد نيفرتيتي ونساء الطوارق سكان الصحراء وشباب بعض القبائل الذين يتغذون عن طريق شرب دماء الابقار بعد ثقب وريدها وهي حية ترزق اسنانهم بيض كانها الياقوت.هؤلاء التلاميذ بصرف النظر عن الومضات الاشهارية التي تبثها التلفزات العالمية ولن اقول المحلية فقط، يدركون تمام الادراك حتى من جداتهم كيفية غسل اسنانهم. تلاميذ أبناء العصر التكنولوجي والرقمنة ومواقع التواصل الاجتماعي والتلفزات الرقمية و...و..الخ  يفعل بهم هذا في مثل هذا العصر!!!...و كأنهم متعمدون بطريقة مباشرة وغير مباشرة عن قصد او عن غير قصد  تصحير الذاكرة الطلابية من المعرفة بشتى مجالاتها وحب المطالعة بصفة عامة فكانت الحصيلة ناشئة هشة التعليم، فقيرة المعرفة هذا ان لم نقل معرفتها صفر...هزيل الزاد الثقافي. إلا من ناحية الميدان الكروي او المواقع التواصل الاجتماعية في هذا المجال ما شاء الله تجد التلاميذ كالناشئة بارعون براعة تفوق المهندس التكنولوجي ان لم نبالغ.

حيث أن طفل العاشرة يعلمك كيفية الإبحار عير هذه المواقع، وأصول العمل بها وكيفية الاحتراس منها وكأنك جاهل أمي وهو في الحقيقة يعتبر أمه وأباه المتعلمين وخريجي الجامعة جهلة في نظره ما داما بعيدين عن هذه المواقع التي خُزعبلت ان صح التعبير فكر الناشئة العربية وخاصة منها التونسية...

وللمقارنة والمقاربة أقول ان المربي الفاضل كان إبان الاستقلال مربيا فاضلا متمتعا بضمير يقظ واعيا تمام الوعي بالعهدة المنوطة إليه وبمدى وزر المسؤولية التي يحملها على عاتقه أمام الله وعباده وله وعي وحس تربوي فائق النظير. مع غرامه وولعه بمهنته. وزيادة على ذلك يعتبر التلميذ ابنه لذا تراه شديد الحرص على جعله لا يشرب ويحب القراءة والعلم والتعلم وحسب بل يجعله يكرع ويعب المعرفة عبا كما يعب الضمآن في الهجير الماء من الصنبور، ولا يكتفي من الارتواء. وان تعذر على التلميذ المعوز حضور مادة القراءة او أي مادة أخرى حتى وان كانت الرياضة البدنية. يكون المربي (المعلم  او الأستاذ) هو اول طارق لمنزل التلميذ سائلا عنه ان كان مريضا عاده وانصرف لحاله. وان كان لقلة ذات اليد أعاده الى مقاعد الدرس مع التكفل بمصاريف تعليمه بالاستعانة ببعض التلاميذ الميسورين. وبعض المربين.

كما يكون هو الممول ماديا ومعنويا، حق في هذا المربي ان يقال فيه ما قاله أحمد شوقي "قم للمعلم وفه التبجيلا * كاد المعلم أن يكون رسولا". كما كان الولي هو الآخر يقصد المربي الى حيث باب القسم ويقول له هذا ابني "لا تحاسبني إلا بالجلد" وهو لا يدري ان كلمة الجلد تعني الصبر والقوةَ، والاستماتةَ. كما تعني الضرب بالسياط وتعني أيضا حمله وإكراهه عليه. وهنا تعني القراءة والتعلم وحب المعرفة. والأب ينطقها بعفوية لأميته وجهله، ويضرب المعلم التلاميذ يمكن ان نقول ضربا رمزيا. ويعاقبهم بطرق مختلفة لكنها حضارية مثلا كوقوف المعاقب في آخر القسم على ساق واحدة ويداه مرفوعتان الى سقف القسم أو الوقوف بجانب السبورة ويداه مرفوعتان. او بالضرب بالمسطرة على الايدي او بمعاقبتهم معاقبة خطية وهي كتابة الكلمة التي كتبت خاطئة مثلا 50 مرة او 100 مرة. او بالحضور الى المعهد يوم الأحد والبقاء بقاعة المطالعة دون مغادرتها لمدة اربع ساعات ان لم تكن ثماني ساعات. وكان التلاميذ والناشئة لا يغضبون بل يتقبلونها بأريحية وبكل روح رياضية. ويبذلون جهودهم حتى لا يعاقبوا مثل احد زملائهم الذي اتخذ عبرة لهم.

كان المعلم يشجع التلاميذ بطبع صور حيوانات او أزهار على الكراس الحامل لملخص القصة حيث كانت لهم حصة مطالعة وعلى الكراريس التي يملك صاحبها خطا رائعا او التي تحصل صاحبها على عدد 10 على 10 في آداء واجبه يجازيه المربي بقطعة واحدة من الشيكولاطة هذا ‘ن كان يشاركه في هذا العدد تلاميذ آخرين. وان كان التلميذ منفردا بهذا العدد المميز يناوله المعلم علبة شيكولاطة كاملة، او عددا من قطع  الحلوى.. او صورة لحيوان. والتلميذ المعوز يأمر المعلم او الاستاذ التلاميذ بمساعدته... كما كانت لهم حصة  في الاسبوع مخصصة للمطالعة مع تلخيص الكتاب... وفي آخر السنة يقوم المعلم بتدريبهم على التمثيل والصعود على المصطبة مع حفظ الادوار ويخيرهم في موضوع المسرحية وكان فعلا لهم راي فيها. وقبل حفلة نهاية السنة الدراسية يوزع عليهم المعلم قصصا عربية وفرنسية مختلفة العناوين للمطالعة ويأمرهم بتلخيصها اثناء العطلة. وعند رجوعهم الى المدرسة بعد قضاء العطلة السنوية الطويلة يطالبهم بالتلاخيص. اما في التعليم الثانوي كانت لهم عشيتان مخصصتان للابداع والابتكار وهي عشية يوم الجمعة وعشية يوم السبت تلعب دور النوادي الثقافية ويديرها اساتذة متطوعون. يقدمون للتلاميذ فيها عملية تدارك للدروس العلمية والادبية كالحساب والفيزياء والكيمياء والعربية والفرنسية والانقليزية وذلك للتلاميذ الضعفاء في هذه المواد. كما كان التلاميذ يتبارون فيها بقرض الشعر وكتابة القصة. اما هواة الفيزياء والكيمياء والرسم والموسيقى لهم أقسامهم الخاصة والمشرفون عليهم أساتذتهم وكلهم متطوعون. اساتذة زمان هم من أنشأوا هذه النوادي الصغيرة داخل المدرسة والمعهد طوال السنة الدراسية والمشرفون عليها والتلاميذ كل منهم ومشربه وفي آخر السنة تلقى القصائد وتقرا القصص وتعرض اللوحات المختارة والعروض الموسيقية بدار الثقافة بقليبية اما اولائك المبتكرين او المخترعين الصغار  لهم يوم خاص تعرض فيه باكورات أعمالهم. وبفضل تشجيع المربين نجحوا وتخرج منهم المهندسين والأطباء والمحامين والعلماء والفقهاء،ورجال تعليم وأساتذة جامعيين ودكاترة وفلاسفة وشعراء وأدباء منهم من تبوأ مناصب عليا في الدولة  كالوزراء والسفراء...إلخ.، رغم أمية الوالدين والإطار الأسري ككل أغلب العائلات مع شظف العيش والفقر المدقع مع فقدان ابسط وسائل التدفئة والإنارة قبل الاستقلال وابان الاستقلال. أما اليوم إن ضُرب التلميذ او عُقب حتى وان كان عقابا يسيرا يهرع ولي التلميذ الى السلط المعنية رافعا شكواه. أو الى منظمة حقوق الطفل. فالأولياء هم أول المساهمين في تهميش أبناءهم. لذا لا يمكن ان نقول عن التلاميذ والناشئة أنهم في موت سريري. حيث لا موت والقلب ينبض، فالأحياء وحدهم من تدق قلوبهم، وهم وحدهم من تعمل أعضاؤهم وأجهزتهم التي في أجسادهم ولا يجوز أيضا ان نقول عنهم بأنهم في حالة موت دماغي لان الموت الدماغي يعني نهاية حياة. لذا لا ينبغي أن نقول عن عدم إقبال التلاميذ والناشئة والشباب على المطالعة والقراءة بأنهم يتمتعون بعقول في نوم سريري بل نقول مُجمّدي العقول وهم ضحية المربين الفاقدي الضمير الحي والوعي بمدى قيمة  وقدسية العهدة التي أنيطت إليهم.

         لقد كانت منهجية التعليم منهجية مدقعة، ضحلة تفتقر لأبسط قوائم وقواعد التأطير الناشئي. مع الفقدان المجازي للعائلة او البيئة الأولى الراعية والمراقبة والمسيّرة والموجهة للناشئة. لذا نجد تفكير التلميذ والناشئة سطحي لا عمق فيه وأحيانا بلا حكمة. لو وجد من يعيد تأطيره ويقوّم تفكيره لوجدناه نابغة عالمية.

من مجريات الأحداث على الساحة الوطنية نستخلص ان العملية مخطط لها مسبقا. هنا استحضر قولة ذاك الذي قال بعد الثورة مصرحا بكل أريحية: «نحن لا نريد الآباء او الأولياء إنما نريد أبناءهم وها هم اليوم بين أيدينا» إذا العملية ممنهجة للتصّحير الذهني والتفقير الفكري، والإبداعي، ولِلْخَلْق، والابتكار وبالتالي للجذب الى الوراء إلى عصور الظلمات عصور الجهل والعتمة الفكرية والعقلية. ولكن للأسف الشديد مد الولي والمربي او المؤطر التربوي كليهما يد المساعدة الى هؤلاء وطبق ما أرادوه بحذافيره. فتدفقت متطلبات نقابة المربين من الابتدائي الى الثانوي إلى الجامعة على مدى سنوات ما بعد الثورة كالطوفان الجارف والقاضي على كل من يأتي في طريقه من التلاميذ والطلبة والناشئة بصفة عامة ومن يكون في محيطه ألا وهو المستقبل الناشئي والطلابي ووضعه على المحك وفي دائرة المفاوضة وميزان المقايضة. إضرابات المدرسين (الأساتذة) متواصلة في نسق تصاعدي وامتحانات الناشئة،  ومستقبلهم هو الرهان. إما الزيادة او سحقا لمستقبل الناشئة.

اذا عملية التصحر الفكري والتفقير المعرفي والشح العلمي لدى الطفل او الناشئة بصفة عامة كانت وليدة البيئة الأولى أولا وهي العائلة وسوء تصرفها في تربية ابنها مع عدم ترغيبه في القراءة وثانيا البيئة الثانية ألا وهي المدرسة، غياب المؤطر الكلي فيها حيث أصبح المربي او المعلم كالآلة او الربو يصب المعلومات صبا فهم التلميذ او لم يفهم الأمر لا يعنيه بالمرة. وذلك قد يكون متعمدا لإجبار التلميذ والولي على الاقبال على الدروس الخصوصية...حتى تلميذ السنة الرابعة والخامسة والسادسة ابتدائي يأخذ دروسا خصوصية بأجر معلوم. مع الفقدان المجازي للعائلة المؤطرة او البيئة الأولى الراعية والمراقبة والمسيرة للناشئة ورغم  كل هذا الاهمال والتهميش والاستهتار بالكفاءة العقلية والذهنية والفكرية لدى الناشئة نرى او نسمع بين حين وآخر صعود بعض الناشئة والشباب المفخرة المتفوقة في مجالات الاختراع والخلق والابتكار والإبداع على الصعيد العالمي. ولما نستفسر مستغربين عن سبب التفوق والبروز نجد الأب المشجع الرئيسي لابنه ثم والدته في زمننا التعليمي الرديء رغم فقدان المربي للضمير الواعي واليقظ مع زخم اِضرابات الاساتذة عن التدريس وغلق المعاهد والعبث بمستقبل التلاميذ. ووضع الزيادات في كفة والمستقبل الناشئة في كفة أخرى يعني مقايضة فعلية. فعملية كر وفر بين المربين ووزارة التربية.  

كأني بهذه الإضرابات والاحتجاجات ومقاطعة الدروس والامتحانات مفتعلة اولا كما قلت آنفا وثانيا لخوصصة التعليم بكافة مراحله ولمؤازرة المدارس الخصوصية وكذلك المعاهد والجامعات الخاصة وخلق مدارس وجامعات ومعاهد أخرى في كافة الجهات لذا نرى أعدادها في نسق تصاعدي.

التلاميذ والناشئة وكذلك الطلبة كل له حقه الشرعي في مواصلة التعلم والمربي هو الآخر له حق في الاحتجاج للحصول على حقوقه المهنية ولكن ليس بطريقة غير حضارية. على المربي الحقيقي المتمتع بالضمير الحي أن لا يضع مستقبل التلاميذ او الطلاب او الناشئة في كفة المزايدة والمقايضة للحصول على حقوقه. لكن من الممكن ان يقوم بالاحتجاجات في العطل الرسمية. وما أشبه الأمس سنوات الاستعمار او الجمر باليوم عم التكروري البلاد حينها وما بعد الثورة غمرت الزطلة والمخدرات باختلاف انواعها البلاد كما ساهم المربي باختلاف درجاته في التهميش والتلاعب بحقوق التلاميذ والطلاب في التعليم المتواصل والرمي به الى مطارق وزبانية مدرسة الشارع البيئة الثالثة فيتلقفه المارقون. فكان هذا السبب لغمره في المسكرات (الزطلة والمخدرات) فغرم  بها الشباب والناشئة وتلهوا بها عما هو أسمى وأرقى ألا وهو طلب العلم من المهد الى اللحد. حتى ينسى محنته التعليمية وأنا أقول إن أعددت ناشئة متعلمة ومثقفة أعددت شعبا واعيا طموحا للعلاء، راقيا ومتحفزا لتبوء أعلى مناصب العلم والاختراعات العظمى ولقيادة الأمم بحماس فياض.

بمناسبة ليلة القراءة حضرت أمسية راقية وشيقة كان موضوعها يدور حول القراءة والطفل في موضوعها المتميز لكنه للأسف لم يفكك او يحلّل أو يُدرس كما ينبغي من جميع جوانبه. لقد كانت الآراء شبه سطحية او لنقل مرّ بها الحاضرون مرور الكرام، عله عدم الإلمام بالموضوع وربما هذا راجع لضيق الوقت. كنت أتمنى لو ان الحصة ابتدأت في الواحدة او الثانية بعد الزوال مع الاعلام بالموضوع قبل فترة كأسبوع مثلا ليلم بدراسته الماما جيدا من أراد الحضور والمشاركة حتى يكون النقاش معمقا أكثر وتتناول فيه كل الجزئيات والحيثيات مع التبسيط وذكر أسباب انخرام المنهج التربوي وتداعياته. وانا اوجه لومي الى اولياء الناشئة والى المربي لان العيب عيبه خاصة هو واللوم اضعه على كاهل المربي ايضا لان الحل بيده انا اسمع ابي يقول لنا ونحن صغار التعليم ترهيب وترغيب وفعلا التعليم وحب المعرفة الطريق اليهما يكون بهاذين الاسلوبين. كان لا بد من زرعها عند الناشئة وجعلها هواية مفضلة بل كالماء والهواء لا مجال للعيش دونها وذلك كما قلت آنفا بالترهيب والترغيب.

لا بد من مراجعة المناهج التربوية التي تهتكت حتى تشرذمت وتمزقت فبدت من أيدي الجهال او من بين أيدي من تعلموا القراءة في مدرسة محو الامية. سطرت فبدت كديباجة مسودة مفتقرة لابسط قواعد التربية والتعليم. ولا تفي بحاجيات الزاد التعليمي لطالبي العلم والمعرفة. ولا تلبي الطموح الذي يصبو اليه الناشة في زمننا زمن العولمة والرقمنة حتى ظننا ان طريقة التدريس غدت ضحلة ليس فيها غير النزر لا يسمن ولا يغني من جوع ولا يطفئ ظمأ العطشان الى العلم والتعلم والمعرفة، والى التطلع الى مستقبل أجيال منور.

ليلة القراءة في حد ذاتها بدعة حسنة. وتظاهرة محمودة في ظاهرها وباطنها ولكني اتمنى ان لا تكون موسمية كهجرة الطيور تلوذ بها العقول او المظاهر يوما في السنة ثم تختفي كأضغاث الأحلام تندثر دون أن يصدر منا قصور.

 

فوزية بن حورية - كاتبة

 

جواد بشارةعندما نشر آينشتين سنة 1905 نظريته النسبية الخاصة ومن ثم نشره لنظريته النسبية العامة سنة 1915، لم تكن التكنولوجيا البشرية متطورة جداً لتثبت صحة تنبؤات آينشتين بشأن وجوب وجود ثابت كوني، والذي يعتقد اليوم أنه الطاقة السوداء أو المظلمة أو الداكنة أو المعتمة، وكذلك بقايا صدى الإنفجار العظيم على شكل موجات ثقالية، وكان ذلك محصوراً على الصعيد النظري . وفي عام 2015 حصلت انعطافة في علم الكوسمولوجيا حيث تم رصد أمواج الجاذبية أو الثقالة الكونية وكان العلماء يعتقدون أنها تعود إلى بداية الكون المرئي بعد الانفجار العظيم ولكن اتضح أن ما تم اكتشافه هو موجات ثقالية تعود إلى تداعيات وأصداء ارتدادية لتصادم أو اندماج ثقبين أسودين. كان آينشتين يعتقد إن من المستحيل رصد تلك الموجات الثقالية الأولية التي بعجت نسيج الزمكان لكنها غير ملموسة وضئيلة، والحال إن الموجات الثقالية لا تتفاعل مع المادة ما بين المجرية، وليست قابلة للامتصاص ولا التشويه . فبعض نظريات الكون البدئي تنبأت بأنه في الأجزاء الأولى من الثانية بعد ولادة الكون، كان هناك آثار أولية لموجات الجاذبية أو الثقالة الكونية، غمرت مجمل الكون المرئي الوليد، وإن اكتشافها ورصدها يعني العودة والسفر عبر الزمن والرجوع إلى لحظة ولادة الكون المرئي نفسها وهذا ما سوف يتحقق إن آجلاً أم عاجلاً. مثلما من الممكن التوصل في المستقبل المنظور لنظرية كل شيء التي سوف توحد النسبية العامة والفيزياء الكمومية أو الكوانتية .

صحيح أننا لم ننجح لحد الآن في رواية حكاية اللحظة صفر من عمر الكون، فهناك عائق لايمكن تجاوزه يتمثل في " جدار بلانك " ـــ على إسم عالم الفيزياء الألماني ماكس بلانك ــ والذي يمنع الوصول إلى هذه المعلومة التي يعود زمنها إلى 10-43 من الثانية الأولى من اللحظة صفر . في تلك الحقبة الغارقة في القدم كان حجم الكون الوليد 100 مليون المليار المليار المليار أصغر من ذرة الهيدروجين . والحال أن الفيزياء المادية المعاصرة تتوقف عن العمل عند تلك النقطة الزمنية وتلك الحدود المانعة. ولتجاوز جدار بلانك ينبغي توحيد دعامتي الفيزياء الحديثة، أي أكبر نظريتين في القرن العشرين، وهما الفيزياء الكمومية أو الكوانتية والنسبية العامة، أي الجمع بين اللامتناهي في الصفر واللامتناهي في الكبر لأنهما كانا موحدين في " زمن بلانك" . الأمر في غاية الصعوبة لأن هناك عدم توافق واتساق جوهري بين النظريتين . فالفضاء أو المكان، حسب النسبية العامة، على النطاق الواسع، كان هادئاً وناعماً وسلساً، في حين أن المكان أو الفضاء في النطاق مادون الذري للميكانيك الكمومي أو الكوانتي، هو على هيئة رغوة كمومية أو كوانتية دائمة التغير والتقلب وفي حالة تخلخل وتقلب فوضوية أو عشوائية وغير منتظمة، تظهر وتختفي، هنا وهناك، على مدار فترات غاية في القصر. أي أن المكان في النطاق الكمومي أو الكوانتي غير سلس . لهذا سعى العلماء وجهدوا للتوصل إلى نظرية " للثقالة الكمومية أو الكوانتية gravité quantique التي من شأنها توحيد النظريتين . وفي هذا السياق تبلورت معطيات نظرية الأوتار الفائقة خلال سنوات الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي والتي تقول أن الجسيمات الأولية للمادة والضوء التي تحمل القوى، هي التي تربط بين عناصر العالم المادي وتعمل على أن تكون متغيرة وفي حالة تطور دائم، وهي ناجمة عن ترددات وذبذبات في النهايات الصغيرة جداً للأوتار في نطاق مكان بلانك وهو 10-33 من السنتمر، وقد أنعشت نظرية الأوتار الفائقة الآمال في التوصل إلى النظرية الشاملة والموحدة، أي نظرية كل شيء أو النظرية أم M . إلا أن هذه النظرية غير قابلة للتدقيق والاختبار العملي أو الرصدي في الوقت الحاضر ومغلفة بغلالة كثيفة من المعادلات الرياضياتية المعقدة ولم يحدث لحد الآن أي إثبات مختبري لصحتها وبالتالي مازلنا ننتظر ونصبو للتوصل إلى نظرية كل شيء.

فاللحظة الأولى للانفجار العظيم ليس إلا نقطة " فرادة singularité " . وفي قلب الثقب الأسود هناك مرحلة تنهار فيها الفيزياء وقوانينها وهي " نقطة فرادة" أيضاً فهل من الممكن التفكير بأن الكون المرئي ولد من ثقب أسود ؟. من الناحية المبدئية، أي جسم يمكن أن يغدو ثقباً أسود، حتى الكائن البشري يمكن أن يتحول إلى ثقب أسود. يكفي تعريضه للضغط والكبس إلى ما يتعدى حداً معيناً من الحجم . فلو أخذنا شخص يزن 70 كيلو وضغطناه إلى قطر 00000000000000000000000,1cm من السنتمتر فسوف يتحول إلى ثقب أسود . وكذلك كوكب الأرض، فلو ضغطته أيدي عملاقة حتى يصبح حجم الكرة الأرضية بقدر كرة البنغ بونغ ping pong سوف تتحول إلى ثقب أسود. ولو ولجنا إلى قلب ثقب أسود، حيث لايمكن العودة والخروج منه، إذ لايمكن لأي شيء أن يخرج من ثقب أسود، ولا حتى الضوء، فسوف نلاحظ أن جسدنا سيتمزق بفعل قوة الثقالة أو الجاذبية الهائلة في الثقب السود حتى يبلغ حجم جزيء أو ذرة وسوف ينصهر ما كنا عليه ضمن كتلة غير متجانسة من الجسيمات الأولية المادية محشورة في فضاء لامتناهي في الصغر 10-33  وهو ما يسميه الفيزيائيون بفضاء الفرادة، وافترض علماء الفيزياء أن " المعلومة" يمكن أن تخرج بفعل " فرادة أخرى" لكنها موجودة في منطقة أخرى من الكون بيد أنه ليس كوننا المرئي بل كون موازي له وبين الفرادتين اتصال من خلال نفق يدعى " الثقب الدودي يتواجد في فضاء فائق. وهناك فرضية تقول أن كوننا المرئي ولد من مثل هذه العملية أي من قلب فرادة في ثقب أسود عملاق . وعلى ذكر الكون الموازي، يتعين علينا التمعن بصيغة أخرى مغايرة للصيغة المعيارية للكون المرئي، أي الكوسمولوجيا البديلة، أو رؤية جديدة وجريئة بدأها العالم الروسي أندريه زاخاروف سنة 1967 وأكملها العالم الفرنسي جون بيير بتي في ثمانينات القرن الماضي . فبعد أن توصلنا إلى آلية تشكل النجوم والكواكب والمجرات والسدم والأكداس أو التجمعات المجرية التي تقع على بعد عشرات المليارات من السنوات الضوئية في عمق الفضاء الكوني للكون المرئي، ها هي الكوسمولوجيا الحديثة تأخنا في رحلة عبر الزمن والمكان المتداخلين في نسيج واحد هو الزمكان في ماضي وحاضر ومستقبل هذا الكون المرئي عبر دروب وعرة ومنعطفات حادة ومعادلات رياضياتية غاية في التركيب والتعقيد والصعوبة، ما يتجاوز الكوسمولوجيا المعيارية التي تبلورت على مدى بضعة عقود من جراء المشاهدات وعمليات الرصد والتجريب المختبري والمحاكاة الكومبيوترية لترسم لنا صورة الكون المرئي ولكنها لم تتمكن من الإجابة على العديد من التحديات والمعضلات الكوسمولوجية التي لها دلالات عميقة تحتاج إلى إجابات في نطاق المباديء الكوسمولوجية العامة بخصوص التجانس والاتساق والإزوتروبي للكون المرصود والذي صاغ لنا النموذج المعياري المتداول اليوم لكنه ليس مثالياً أو متكاملاً ومقبولاً مائة بالمائة مما حدا بالبعض إلى البحث عن رؤية كوسمولوجية بديلة قادرة على تقديم بعض الإجابات على تساؤلات جوهرية من قبيل :" كيف ولماذا تتطور المجرات ولماذا هناك توزيع متجانس جداً لتلك المجرات وعلى نحو شبه تراتبي وهل هناك نطاق أوسع مما نراه ونرصده بأجهزتنا وأين ذهبت المادة المضادة ولماذا لا نستطيع رصدها ولماذا يبدو الكون الأولي البدئي إيزوتروبي، وماهو الكوازار حقاً، والسؤال الأهم والأكثر غموضاً، ما هو الزمن، خاصة بالقرب من الظروف التأسيسية الأولية حيث لاتوجد هناك آية وسيلة للقياس، وهل هناك كون موزاي توأم يقبع في نفس الفضاء الكوني، مكون من المادة المضادة، والتي لا تتفاعل مع المادة المرئية، ويكون متزاوجاً مع كوننا المرئي ومرتبطاً به لكنه غير مرئي وغير قابل للرصد إلا من خلال تأثير ثقالته الكونية؟ فلقد طور جون بيير بتي نظرية المجاميع la théorie des groupes  وبدلاً من الحديث عن المادة السوداء أو المظلمة يتحدث جون بيير بتي عن " المادة الظل matière ombre – shadow mater وإن الكون المطلق أو الميتاكون مكون من عدد لامتناهي من الأكوان التوائم، جزء منها مرئي قابل للرصد، وجزء غير مرئي وغير قابل للرصد والمشاهدة في الوقت الحاضر لتأخر مستوانا العلمي والتكنولوجي، ولا يوجد تفاعل بين الكون المرئي وتوأمه غير المرئي إلا من خلال ثقالتيهما وعبر نظام من القوى الجاذبة والدافعة، قوة الجذب والشد وقوة النبذ والطرد. بعبارة أخرى لقد فقد كوننا المرئي زوجه التوأم وبات أرملاً.  يتبع

 

د. جواد بشارة

 

نجيب طلالشـعَــــاع: في أي مجال إبداعي/ فني/ ثقافي؛ فالمبدع / الفنان القح؛ دائما يسعى لتطوير عطائه وحضور ه والبحَـث عن إضافة نوعية؛ في مجاله؛ من أجل الحفاظ على شموخ شخصيته وعزة نـفسها ومؤمنا وواثقاً من رسالته الفنية / الجمالية / الفكرية: التي يُؤْمِن بها من أجل إسعاد الإنسان وتفعيل إنسانية؛ كمكون فلسفي في علائقه وإبداعاته وتصوراته، وترسيخها في الكينونة البشرية والمجتمعية؛ عبر القنوات التي تبيح التأثير والتأثر والتواصل والتفاعل؛ بكل صدق وإخلاص .و بلا مساومات وبلا مقابل . لأن الفنان المبدع: ذاك المؤْمِن برسالة فنية سامية؛ سواء أكانت قولا مجسدا في الأوراق والبحوث؛ أم فعلا في السلوك والممارسة الإبداعية؛ هو القدوة؛ مهما اختلفنا عن مفهومها ! والمدافع عن التعبير الحُــرِّ خارج المُـؤسسات الرسمية إذ بين القـول والفعل، لا مناص من تجْسيد حقيقي لقضايا الإنسان وهموم المواطن، ولكن هناك من يستغل الظروف؛ ويلعب لعبة الوجه والقناع؛ بدهاء لا يتصوره العقـل ولا الإحْساس حتى ! بحيث يظهر أنه متمرد ومتنطع لأي قرار كيفما كان؛ وخاصة ذاك الذي فيه روائح الاستبداد ولعْـبة الكـَولسَة والزبونية حَـسب رأيه وبعض تصريحاته هنا أوهناك؛ وبالتالي يتمظهر أنه يمارس لغة الرفض للعديد من التجاوزات والممارسات الشططية والتي تنبع منها سياسة التهميش والإقصاء؛ وغالبا ما يقحم المرء ذاته في الموضوع؛ بأنه مغبون ومضطهد؛ في العديد من المظاهر يركب على بعض الملابسات التي يعيشها الآخر ويستغلها لأغراضه كأنه في وضعية التهميش؟وما أكثر هؤلاء على هاته الشاكلة في العالم العربي؛ الذين يستغلون الظروف؛ ومن خلالها يمارسون حكاية دموع التماسيح ! إذ يستفيدون جهة اليمين وما تحته؛ ويشتكون وينوحون جهة اليسار وما فـوقه !

ومن المفارقات أن بعْـضا من هؤلاء؛ والذين ساعَـدتهم ظروف الولاء السياسي؛ أو الانتماء الحزبي؛ أو عـملية المصاهرة... أنهم حينما كانوا في موقع المسؤولية؛ أو ما جاورها ثقافيا وفنيا؛ ساهموا في إقصاء وتهميش العـديد من أصدقائهم في الميدان الإبداعي وهنالك شواهد ووقائع مدونة هناك وهنالك وموقعة بأسماء وازنة: قام النظام بالتضييق على كثير من المثقفين، لكن نحن يجب علينا أن نقول أنه في تلك الفترة مارس المثقفون نفس الدور على غيرهم وأيضاً تبنوا جوهر هذا الخطاب. بمعنى كل شخص كان لا يقول يا عمال العالم اتحدوا لم يكن له قيمة إبداعية. وكل من لا يقول كل فقير إنسان جيد وكل غني إنسان سيء كان أيضاً يمارس عليه نوع من الاضطهاد ونوع من التهميش. وكذلك إذا كنت تُعتبر من المثقفين الثوريين ودخلت في هذه القبيلة فيجب عليك أن تستمع إلى عبد الحليم سراً، وأم كلثوم سراً، لأنهم إذا عرفوا أنك تستمع إليهما؛ فأنت إذاً مثقف برجوازي صغير تافه. التاريخ له فائدة واحدة وليكن درسا مستفادا منه. يجب أن نَصف الحالة بحذافيرها، كيف كانت من زاوية السلطة وكيف كانت زاوية المثقفين والمعارضة. لقد مورس نوع من الترهيب ونوع من الاضطهاد على البعض. ما كان بوسع أحد أن يوجه الانتقاد لنص كتبه سعد الله ونوس مثلاً. كان انتقاد نصه بالنسبة لشريحة المثقفين الماسكين زمام النقد الأدبي يعادل النقد للزعيم السياسي في سوريا بالنسبة لرجال السلطة. الكل يمارس الترهيب والاضطهاد ضمن الإمكانيات المتاحة بين يديه (1) وهاته حقائق يعيشها كل قطر عربي؛ بصيغ مختلفة؛ وأساليب متنوعة، حسب طبيعة البناء السياسي والإيديولوجي؛ فاستقراء لما تحمله الخريطة العربية؛ نستشف يما من مثقف/ مبدع: تقلد منصب وزارة الثقافة أو الشباب أو الإعلام أو يمثل الوزارة كمندوب / وكيل أو مستشار لوزير الثقافية أو مدير الديوان...فالموقع في حـد ذاته؛ يوهم بممارسة لعبة التعالي التي أصيبت بها الذهنية العربية، كنوع من مخلفات جذر القبيلة او السلالة؛ مما يحتدم الصراع بين الوزارة والمقصيين والمهمشين من المثقفين والمبدعين . لكن مقـْصيين مماذا ومـهمشين كيف؟: الرواد يعـيشون التهميش بكل ما للكلمة من معنى ومن العمق. تهميش مادي ومعنوي، تهميش على مستوى العروض والمهرجانات والدعم وخلافه من سبل إنتاج وبروز الأعمال المسرحية، لذلك لا يمكن للرواد المساهمة في إنقاذ المسرح المغربي الذي صار بين أيدي من يريدون إقصاءهم وتهميشهم ويمْعِنون في ذلك(2) الخلاصة أن عمق السؤال يمكن في الاستفادة '' المالية " لا أقل ولا أكثر؛ ولاسيما أن المتمكن في ماهية منصب:وزير الثقافة في الدول العربية، وخصوصا محدودة الإمكانيات منها، منصب مظلوم. لا أحد يعرف بالضبط ما هو المطلوب من هذا المنصب. كُـل يفصله كما يرى أو مثلما يريد.... هل يستطيع الوزير المعين القيام بهذا الدور لأنه رسام أو فنان تشكيلي أوعازف آلة فلوت في أوركسترا المدينة، أم سياسي محترف يستطيع القيام بفعل التوازن بذكاء وموضوعية؟ هـذا سؤال لم تتمكن الكثير من الحكومات العربية الرد عليه لأنها هي نفسها لا تعرف ماذا تريد من الثقافة (3) وإن كنا نقتنع بهذا الطرح؛ لما للثقافة من دور ثانوي في الحَـياة المجتمعية العربية أو تلك العجَـــلة الخامِـسة في المركبة المجتمعـية؛ وهـذا يكْـتشفه تـدني وضعْـف الميزانيات العامة لوزارة الثقافة؛ في كل الأقطار العربية؛ لا يمكن أن نغفل النزوع الذاتي للسلطة؛ التي يمارسها بعض المسؤوليين عن الشأن الثقافي؛ وإن كان المنصب: مرتبط بقرار سياسي وسيادي في نفس الوقْـت؛ إن كُـنا نؤمن بدولة المؤسسات؛ وإن اختلف حوله العديد من المحللين في مسألة اختيار الوزراء: فإن السياسيين يقولون؛ هناك معايير متعددة ومتنوعة؛ ولكنها موجودة؛ أما أساتذة العلوم السياسية؛ فيقولون إن هناك معايير؛ ولكنها ليست موضوعية تماما؛ وإنما هي ذاتية بأكـثر مما ينبغي من لـلذاتية أن تلعـب دورها في مثل هَـذا القَـرار المصيري) 4) فرغم هاته التحليلات التي اعتبرها شطحات فكرية؛ والتي لا تساهم في تشريح واقع المناصب ومدى ملاءمتها بالأشخاص وطبيعة سلوكهم؛ لأننا نغيب إيديولوجيا (الذات) التي تتجاوز في كثير من الأحيان إيديولوجيا الحزب ''أو'' النظام . وبالتالي لم يعد ذاك (المسؤول) منضبطا لمنصبه الخـدماتي تجاه حاجيات الشعب. وهنا نسوق مثالا؛ ليس غريبا ولكنه تجسيد لإيديولوجيا (الذات):...حتى أصبح وزيرا للثقافة لم يسمح لأحد من كوادر الهيئة ان يمارس تخصصه, فشتتهم بل مزق كوادر وكفاءات الكتاب شر ممزق وصادر حقوقهم؛ ولهف مكافئاتهم وجردهم حتى من مكاتبهم . أما صفقاته في المتاجرة بالكتاب وطباعته, فتلك قضية أخرى مليئة بالقصص والحكايات المخجلة بين بيروت والقاهرة (5) هنا من المسؤول عن هـذا الشطط وفصوله المؤلمة للجسد الثقافي الذي تعيشه عدة دول عربية؟ هل الوزير أم بطانته أم المداحين ومرتزقة الكتابة؟ أم نتيجة للفـساد الإداري والسياسي؟

حقيقة من الصعب الإمساك عن إجابة شافية؛ نظرا لتداخل عـدة عوامل ومعْـطيات؛ ولكن ما يمكن أن نركـزعَـليه كـفـَرضية ثابتـة . طبيعة العلاقة بين المثقف والمسؤول حـسب موقعه في إطار المسؤولية الثقافية؛ سواء محليا أوجهِـويا أو طنينا؛ تحمل عـدة خيوط متشابكة ومشاكل متعَـددة؛ بين الطرفين؛ وخاصة المعارضون للتصورات أو للتموقفات السياسية؛ نتيجة للطرد والمنع والإقصاء أو اللامبالاة؛ ويمكن أن نستخـلص هَـذا الوضع كالتالي: طردت «حظيرة الثقافة» الكثيرين ممن اختلفوا مع النظام الحاكم، أو مسؤولي الوزارة، من كل ما له علاقة بهيئاتها وأجهزتها وإدارتها وامتنعت عن نشر أعمالهم أو الوقوف إلى جانبهم في أوقات الشدة. ويبرز الكاتب والشاعر والمترجم والنقاد والممثل المسرحي «نجيب سرور»، باعتباره النموذج الصارخ على «سياسة الحظيرة»، فالرجل الذى كان على خلاف دائم مع النظام الحاكم وضيفاً دائماً فى المعتقلات . لم يجد من الوزارة إلا المنع والطرد حتى وفاته ... وأثناء تولى يوسف السباعي وزارة الثقافة تعرض الكثير من المثقفين إلى المنع والطرد والنفي الاختياري. وكان من بين الذين تعرضوا لهذه الممارسات: الأديب بهاء طاهـر....فطرد من عمله ومُنعت كتاباته من النشر حتى اضطر فى النهاية إلى مغادرة البلاد ... وفى نفس الفترة كان الناقد «رجاء النقاش» يتعرض لنفس الأسلوب أثناء عمله فى مجلة «الهلال» واضطر فى النهاية للسفر إلى قطر(6)

عـتبة ما جــــاء في الــباب:

سياق الشعاع تسليط بعض من الوضع في المجال الثقافي تسييرا وتدبيرا؛ وعلاقته المتشنجة بين مُـدبِّر الشأن الثقافي والفاعلين. ففي كل قطر عَـربي؛ دونما استثناء؛ صراعات واعتصامات وتصريحات نارية ضد (وزير/ وزارة الثقافة) فانطلاقا من المسح الجغْـرافي لــبُـؤر الصِّراع فالقطر [المصري] نال الصدارة في هـذا الاحتدام؛ مما ينم أن هنالك خللا ثقافيا (ما) أو هناك خلل في السياسة الثقافية عامة؟ بحيث: تتصاعد الأزمة بين المثقفين ووزيرالثقافة في أكثر من باب ومجال، فيما أدت تصريحات الدكتور علاء عبد العزيز وزير الثقافة... حِـدة الصراع؛ حيث اتهم عبد العزيز المعتصمين بوزارة الثقافة أنهم ليسوا بمثقفين حقيقيين لأنهم منعـوه من الدخول إلى مكتبه، وأنه على استعداد للحوار مع من هم مثقفين حقيقيين وليس مع هؤلاء، مما آثار غضب المثقفين المعتصمين، وأثار ضحك بعـضهم (7) فمن البدهي؛ أن الضحك هو الحوصلة النهائية؛ لطبيعة الصراع؛ نظرا أنها لعبة المواقع وصراع المصالح ليس إلا؛ باعتبارأن مسؤولا (ما) يوم كان خارجها؛ كان يندد ويصرح تصريحات نارية ضد الشأن الثقافي؛ ويأجج أفرادا وجماعات ضد ذاك المسؤول؛ ولربما يُـقـَوِّلـه ما غير موجود بالمرة من ممارسات أو سلوكات (ما) إذ الإشكالية الكبـرى في البنية الذهنية العربية؛ إشكالية [ الأنا / حب التملك ] وفي سياق ما أشرنا إليه نجد: إن فكرة الاعتصام هـو جربها وأدلى بتصريح فيما سبق بأن الاعتصام داخل الوزارة أمر شَـرعـي؛ عندما كان معتصما أثناء معْـركته مع الدكتور سامح مهران (8) هُـنا ألا يعْــدو بأن الأمر فيه استهتار بالمسؤولية أولا ! وبالمواقف الفكرية والثقافية التي كان عليها المثقف قبل أن يكـون مسؤولا؟ ولربما تموقفات (الوزير) لها مبرراتها؛ للحد من الفساد الثقافي أو ما شابهه.

لكن الأمر الأخطر؛ حينما يعيش المرء صراعا وهميا مع (وزير) كان رئيسه؛ أحاله على (التقاعد) بعْـدما استفاد من وزارة الثقافة ما لم يستـفذه (أي) وزير تقلد (ذاك) المنصب؛ ولا شبهة سياسية له مع النظام؛ بل خادم مطيع؛ ولاسيما أنه بنى عَـرشه على ظهر [وزارة الثقافة] وأمسى منظرا / مسرحيا له شأنه في الساحة العَـربية ! من هاته الزاوية نتساءل: كيف يعقل أو نفـسر أن ينزل مُنظر مَـسرحي، للدرك الأسفل من الهزيمة والانكسار؛ حينما لم يعـد موجودا في طاقم الوزارة؟ ولم تعـد نصوصه تستفيد من الدعم المسرحي؟ فمنذ إحالته على التقاعـد الوظيفي (هُـوَ) بالصراخ والولولة على منشود مفقود؟ وكل من مسَّ (الفنكوشية/ الإحتفالية) قراءة أو إشارة لا تروق مزاجه؛ إلا ويُتـَّهم أنه من بطانة (الوزير) ومحرضه وتابع له ! وفي هـذا الباب إذ يبدو لنا أن صاحبنا أصيب بالاكتئاب؛ وكـل مشاعره مصابة بالقلق والحزن والتشاؤم والذنب ! ولكن في واقع الأمر؛ تلك مجرد ألاعيب تمارس عبر الخطاب؛ المنفصل عن السلوك؛ لأن المكتئب غالبا ما يشعـربانعدام أية رغبة في الحياة. لكن الظاهر أن صاحب (الإحتفالية) يمارس (الإهتبالية) وهـو أشد المتمسكين بالحياة. وهـذا حقه وحَـق غيره؛ ولكن لماذا التصنع واستِـدرارالاستعطاف والبحث عن المآزرة؛ هذا إن كان للإحتفالية - جـوقـة -؟ هنا يفرض علينا أن نقتحم باب ما جاء في احتفالية الوزير؛ لكي نفهم أكثـر نوعية الصراع الوهمي الذي خلقه بين المسرحي (عبد الكريم برشيد) والوزير !!

يـــتــبـــــع

 

نـجـيـب طــلال

.........................

الإحــــــــالات:

1) مجلة مقاربات حوار مع الفنان جمال سليمان أجراه: ناصر الغزالي 2007

2) مع الفنان محمد خـدي: جريدة العلم المغربية في 8/07/2017. حاورته حكيمة الوردي

3) لا تظلموا المثقفين ولا يظلمون وزراء الثقافة مجلة الجديد بقلم هيثم الزبيدي01/02/2018

4) كيف أصبحوا وزراء: لمحمد الجـوادي – ص 8 مطبعة دار الخيال ط1 /2003

5) الوزير المثقف..عنترشايل سيفه: بقلم/ سالم محمود ناشر لموقع - شهارة نت (اليمن) في-- 2017-03-27

6) «حظيرة الثقافة»..« ظل الحكومة»: كتبه: أحمد الهواري لصحيفة المصري اليوم في- 12/06/2013

7) تصاعد معركة المثقفين والوزير.. كتبه: بلال رمضان و ياسر أبو جامع وعبد الوهاب الجندي في

صحيفة اليوم السابع المصري في/ 07/06/2013

8) نــفـســــــه

 

 

نايف عبوشتتسم حقبة العصرنة الراهنة،رغم كل ما أفرزته من معطيات إيجابية، لصالح المدنية الحالية ، بطغيان المركزية ، والهيمنة الحضارية، بكل أشكالها، الثقافية، والعلمية، والتقنية، وبشكل مكثف، باتجاه مراكز ابداع مخرجاتها على نحو واضح . ويبدو أن نمط العصرنة الراهن، بمخرجات ثورتها الرقمية والعلمية العولمة، قد نجح في بسط ملامحه ، على الآخرين، من خلال هيمنته الشاملة، المفتوحة في كل الاتجاهات، وما ترتب على تلك الهيمنة من استلاب خصوصية الآخرين، ومسخ هويتهم، وتشويه اصالتهم،وذلك بما تمتلكه العصرنة الراهنة من امكانات واسعة، وتقنية عالية ، تفتقر لها البلدان المتلقية، النامية، والفقيرة، الأمر الذي مكن العصرنة من فرض هيمنة ملامحها، بشكل صارم ، يتناغم بالمحصلة، مع منطق صراع الحضارات، ورؤى فلسفة نهاية التاريخ ، وذلك بغض النظر عن أي تبريرات قد تساق لشرعنة مثل هذه المركزية الشديدة، كضرورة للتحديث، ومواكبة تطورات العصر .

وهنا لابد من الإشارة إلى ان شعوب البلدان النامية، ومنها بالطبع الشعب العربي، هي شعوب ذات رصيد تاريخي زاخر،حيث انجبت حضارات زاهرة، كان لها إسهامات متميزة للبشرية، لا يمكن غض النظر عنها، او جحدها تحت أي مسوغ . وبذلك فهي بما تمتلكه من طاقات كامنة، فكرية، وروحية، وموروث حضاري ، تظل حاضرة في الفعل الإنساني، وذلك رغم غيابها عن ساحة التأثير المباشر والإبداع، لأسباب داخلية، وخارجية.

ولذلك فان رياح هيمنة العصرنة الراهنة الجارفة ، سوف لن يكون بمقدورها كنس المتراكم  من نتاجات، وموروث تلك الشعوب، وإخراجه كليا من فضاء الوجود الإنساني العالمي، وطرحه خارج ساحة التأثير ، بما تملكه هذه البلدان من رموز، ومكونات حضارية، تدفع شعوبها لحماية هويتها ، وتمنع العبث الخارجي بها، لصيانتها من الطمس، والاستلاب الحضاري ،رغم ضعف الحال الراهن ، وعسر ذات اليد.

ومن هنا يصح القول، بأن شعوب البلدان النامية تجد نفسها، بتلك الطاقات الكامنة، منجما ثريا من الإمكانات الرمزية، والموارد المعنوية ، وهو أمر يمكن ان يوفر لها قاعدة النهوض، ويتيح لها اساس الانطلاق للتقدم نحو ما تطمح له من أهداف، تحلم بتحقيقها في المستقبل،وذلك بمجرد ان تتوفر لها فرص تفتيق تلك الطاقات .

ولذلك فإن الدعوة إلى الحداثة المتفاعلة، والعصرنة المتناغمة، باتت ضرورة عصر، تتطلبها معايير العدالة،والتعايش الإنساني المشترك، وذلك من خلال تبني نهج جديد، ومن خلال المنظمات الإنسانية، والأمم المتحدة ، يستوعب خصوصيات الطيف الإنساني، بكل ملامحه، العالمية، والإقليمية، والمحلية ، وبالشكل الذي يمكن أن تتلاقح فيه الخصوصيات الوطنية مع بعضها البعض حضاريا، وبالاسلوب الذي يمنع كل أشكال الغزو الثقافي، والهيمنة، وثقافة صراع الحضارات، ونهاية التاريخ، وهو ما يمكن أن يتماشى مع متطلبات قاعدة التعارف لا التناكر، التي جاء بها الهدي القرآني الكريم، في قوله تعالى (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا..)،والتي يمكن أن تكون قاعدة للتعايش الإنساني الكريم ، بعيدا عن كل أشكال الإستلاب، والضياع، والصراع .

 

نايف عبوش

 

محمد العباسيعندما كنت أعمل في "بوليتكنك البحرين" قبل سنوات، طُلب مني خلال سنتي الثانية هناك أن أعمل على إعداد برنامج عن "المواطنة" ليكون ضمن المنهج العام للطلبة.. فأفرغت نفسي لعدة شهور ووضعت للبرنامج أربع ملزمات باللغة الإنجليزية في حوالي 700 صفحة.. جمعت فيها من آلاف المصادر والمواقع مواضيع رأيت فيها مواد خصبة لخلق الإحساس لدى الطلبة بأهمية الحفاظ على مكتسبات الوطن.. وتقدير الخيرات والحفاظ على البيئة والمقاربة بين الاختلافات الدينية والمذهبية.. وجعل الكل يهتم بنبذ الخلافات ونشر المحبة والسلام.. وتقييم العطاءات الثقافية وتعريف الطلبة بالعديد من المبدعين والكتّاب والشعراء في البحرين.

فمن منظوري الخاص ومن خلال تجاربي في سلك التعليم لأكثر من 30 سنة حينها، عمدت لأن يكون مفهوم المواطنة وحب الوطن عملية تطبيقية عملية.. وليس مجرد سرد وحفظ للتاريخ، أو مجرد مادة جامدة حالها حال الكثير من مناهجنا التعليمية التي لا يشعر فيها المتلقي بأية علاقة بالمواضيع المطروحة وإمكانية تطبيقها على أرض الواقع!.. بل شملت في البرنامج الكثير من الأنشطة والزيارات الميدانية والواجبات التي تستدعي البحث والتنقيب والإبداع والمتعة.

فالمواطنة الصحيحة لا تنمو عبر الفرض والواجب وسن القوانين.. فحب الوطن لا يتطور "بالغصب"، بل عبر جملة من الممارسات والاقتناع بمخرجاتها المنطقية التي تصب في صالح الوطن والمواطن.. بل تنمو عبر جملة من الممارسات التي تنمي الإحساس السوي تجاه المصلحة العامة.. فالحب النابع للوطن عبارة عن تجسيد للشعور بالفخر والانتماء ورد الجميل للأرض التي تحتضننا وتعمل على حمايتنا بين أحضانها.. ويشرح هذا الأمر "الدكتور خضر عباس" في مدونته: ".. من مقتضيات الانتماء أن يفتخر الفرد بالوطن، يدافع عنه ويحرص على سلامته.. والانتماء مفهوم يشير إلى الانتساب لكيان ما، يكون الفرد متوحداً معه مندمجاً فيه، باعتباره عضواً مقبولاً به، وله شرف الانتساب إليه، ويشعر بالأمان فيه، وقد يكون هذا الكيان جماعة، طبقة، شعب، أمة، وهذا يعني تداخل الولاء مع الانتماء، والذي يعبّر الفرد من خلاله عن مشاعره تجاه الكيان الذي ينتمي إليه.. وينمو هذا الانتماء بنمو ونضوج الفرد إلى أن يصبح انتماءً للمجتمع الكبير الذي عليه أن يشبع حاجات أفراده.. والانتماء يسعى إلى توطيد الهوية، والهوية في المقابل دليل على وجوده، ومن ثم تبرز سلوكيات الأفراد كمؤشرات للتعبير عن الهوية، وبالتالي الانتماء".

و لا يخفى علينا أن أي وطن لن يستطيع قيادة ركب التقدم ومواكبة الحضارة المتطورة في معزل عن ترسيخ وتفعيل مبدأ المواطنة بشكل إيجابي وفعّال.. فالمواطنة السوية تمثل تفعيلاً وتجسيداً للتفاعل بين الدولة والمواطن.. مما يخلق أحد أهم دعائم الاستقرار والراحة النفسية وتحقيق الأمن الاجتماعي. قد يختلف البعض في تعريف المواطنة السليمة، وقد تتعدد الاجتهادات والنظريات في تفسير هذا المفهوم. فمثلاً، يقول الأستاذ "عبدالقادر الإدريسي": "من حق الوطن على المواطن أن يكون ولاؤه له خالصاً غير مشوب بأي شائبة، وأن يكون انتماؤه إليه روحياً وثقافياً وحضارياً وعقلياً ووجدانياً، لا انتماءً جسدياً، أو كونه مجرد انتماء بالوثائق الإدارية.. وباختصار أن يكون الوطن عند المواطن فوق كل اعتبار، يضحى من أجله، ويخلص في خدمته، ويتفانى في سبيل تقدمه ورقيه وازدهاره". لكن ماذا عن حق المواطن من وطنه؟

يبدو أن البعض يعتقد جلياً أنها عملية طردية من باب المنطق.. فكلما شعر المواطن بأن وطنه لا يراعيه حق الرعاية، تنمو عنده مشاعر عدم الرضى وتصاب مشاعره تجاهه بالوهن وتضعف عنده قيم المواطنة، بل وقد تنمو عنده بعض ردود الأفعال السلبية. فالمواطنة عند البعض أشبه بفكرة العقد الاجتماعي، أي العلاقة بين المواطن والدولة وفق قوانين ودستور تلك الدولة، والذي يشترك الأفراد في صياغته وقبوله بكل ما يتضمنه هذا الدستور من حقوق وواجبات. فمن مثل هذا المنطلق نجد أن تعريف المواطنة يتطلب بالضرورة تمتع المواطن بكافة حقوقه التي كفلها الدستور المتفق عليه على النحو الذي يرسخ ويعمّق لديه الشعور بالانتماء لموطنه ويُشعره بآدميته وأهميته واحترام كينونته وتلبية احتياجاته من كافة المناحي المعنوية والمادية والحياتية. وفي المقابل يكون متوقعاً التزام المواطن بأداء واجباته ودوره تجاه وطنه على النحو الذي يتجلى فيه مدى حرصه على تحقيق المصلحة العامة لوطنه، وإسهامه في تقدم وحضارة الدولة.

وقد يركز البعض من المتحمسين لموضوع المواطنة في تفسير الوضع بأن على كل دولة تسعى صادقة في سعيها نحو مستقبل أفضل أن تحرص على أن ينعم المواطن فيها بمزيد من الرفاهية والحريات السياسية والفكرية والدينية والمساواة والعدالة الاجتماعية. فمن خضم هذا المنظور المبسط أعتقد أن موضوع الشعور بالأمن والأمان هو لب ما يؤثر على مدى شعورنا بالولاء تجاه أوطاننا.. فبلا عنصر "الأمان" والشعور بأن الوطن يمثل لنا الحصن الذي يأوينا ويحمينا لن نشعر أبداً بضرورة الولاء وتقبل فكرة ممارسة المواطنة والتضحية والعطاء الصادق لهذا الوطن.. فالطبيعة البشرية تفرض علينا العطاء مقابل العطاء.. كلما أحسسنا بالراحة والحب والاهتمام نزداد كرماً في نسبة إحساسنا بالمواطنة وشعورنا بالانتماء ورغبتنا في التضحية من أجل الوطن.. وفي المقابل بطبيعة الحال، كلما وجدنا أنفسنا في وطن يتجاهلنا كمواطنين من الدرجة الأولى أو تتحكم بنا إدارات لا تتقن القيادة السليمة ولا تهبنا حقوقنا أو تحرمنا منها، نفقد معها الثقة ونبدأ في نبذها وتتزعزع مشاعرنا وقد تنعكس معها نسب تقبل فكرة المواطنة الإيجابية.. بل قد تتحول ولاءات البعض لجهات أخرى أملاً في كسب الشعور بالأمان المفقود.

ألسنا إذن نطلب من المواطن الولاء التام وحب الوطن في حين نحرمه من بعض حقوقه، بل نزيد من عنائه والضغط عليه بحرمانه من بعض تلك الخدمات البسيطة التي كان يهنأ بها.. فمثلاً، أليس رفع الدعم عن اللحوم والمحروقات والكهرباء وفرض الضرائب والترهيب عبر تغليظ العقوبات المالية ضد المخالفين ورفع الرسوم بشكل عام أضعافاً مضاعفة وما قد يضاف على تلك القائمة إجحاف في حق المواطن المسكين؟ أجل، هنالك جوانب عدة تُحسب للوطن مثل راعيتها للأرامل والأيتام والمتقاعدين الكرام وتخفيض الرسوم الجامعية، وغيرها من تلك اللمسات الحانية من لدن حكوماتنا الكريمة رغم محدودية مصادرنا وثرواتنا الطبيعية كما الحال في كثير من دولنا.. وكذلك معضلة توفير الأمن والأمان رغم الصعوبات التي تواجهنا بسبب أعمال التخريب والإرهاب وتكاليفها الكبيرة.. لكن هل سألنا أنفسنا عن بعض الأسباب التي قد تؤدي إلى زعزعة ولاءات البعض تجاه الحفاظ على خيرات الوطن؟ هل المواطن البحريني مثلاً "سعيد" كما في الإمارات؟ هل هو "فخور" كما في قطر؟ هل حالته المادية كريمة كما في الكويت.. هل يتمتع بكافة حقوقه الإنسانية كما في أغلب العالم المتقدم في الغرب؟ أترك هذه الأسئلة لكم للبت فيها !!

رغم كل ما سبق، أود أن أنهي مقالتي بما لخصه الدكتور "خليفة الغفلي": "كل إنسان ينتسب إلى بلد قدر الله له أن ينشأ فيها وينتمي إلى قومها ويعيش معهم، فهي ملكهم وحماهم وموطن أمنهم واستقرارهم وحقهم في الحياة، يتحملون جميعاً أمام الله تعالى مسؤولية أمانة عهد الاستخلاف فيها، وعليهم جميعاً واجب الحفاظ والذود عن سيادتها وأمنها واستقرارها ووحدة أراضيها، ومن يخالف ذلك وينتهكه فإنما هو مخالف ومنتهك لعهد وميثاق المواطنة، ومخالف لأمانة الحفاظ على مصالح وسيادة الوطن والمستخلفين معه في الوطن الواحد". وأحب أن أضيف هنا أنه على الرغم من أن الدساتير والقوانين ربما كفلوا للمواطن ما يتحقق به مبدأ المواطنة، غير أن المواطنة بمفهومها الإنساني لا يتحقق فقط بسن القوانين وفرضها، بل لا بد لها أن ترتكز على عوامل وممارسات اجتماعية تنبع من شعور كافة المواطنين بالمساواة وقدرتهم على المشاركة في الحياة العامة، جنباً إلى جنب مع سلطات الدولة المختلفة.. حيث أن المواطنة الصحيحة هي الطريق نحو تحقيق الوحدة الوطنية وغرس الشعور بالانتماء للوطن والمجتمع الواحد بكل ما يحمله من هوية تعكس ثقافته وأصالته وحضارته وتاريخه وهمومه المشتركة.

اللهم احفظ مملكتنا العزيزة وخليجنا العربي وعالمنا العربي والإسلامي من كل شر.. اللهم اجعل دور كل منا أن لا ينتظر مقابلاً لعطاءه والإخلاص لوطنه، لأن الوطن له أفضال لا تعد ولا تحصى، فمهما قدمنا لأوطاننا فسنكون مقصرين حتى آخر رمق لنا في الحياة.. اللهم اجعل أوطاننا ملاذ خير لنا ودار أمن وأمان وسعادة.

 

د. محمد العباسي - أكاديمي بحريني

 

صباح الحاج مفتنيذكر لنا العالِم الانكليزي الفيزيائي "بول ديفيز Paul Davies" في كتابه "الجائزة الكونية Cosmic jackpot" كلاماً عن القوانين الفيزيائية الأربعة، في سياق حديثه عن القوانين الموجودة وعددها، فيقول: "فإذا قلت لأحد علماء الفيزياء: أرني قوانين الفيزياء show me the laws of physics؟ فسيحيلك إلى مجموعة من المراجع عن: الميكانيكا mechanics والجاذبية gravitation والكهرومغناطيسية electromagnetism والفيزياء النووية nuclear physics. إلاّ ان السؤال الأكثر ملائمة هو: هل أن القوانين الموجودة في الكتب هي بالفعل قوانين الفيزياء أم هي أفضل الاجتهادات بشأنها فقط؟ إنَّ قِلَّة نادرة من علماء الفيزياء هم مَن يزعمون أنّ القوانين الموجودة في الكتب اليوم هي في صورتها النهائية؛ إذ إنَّ هذه القوانين على الأرجح هي أقرب ما توَصَلْنا إليه عن القوانين الحقيقية فقط. إلاّ أنَّ علماء الفيزياء يؤمنون بأنه مع تقدم العلم ستلتقي القوانين الموجودة في الكتب في قانون واحد مطلق".

من هذا الإيمان الذي يحذوه العلم بتوحيد القوانين نحاول في هذا المقال أنْ نسلط الضوء على هذا الحُلُم الذي نعده ممكناً لطالما كان العلم حاسم لكثير من المسائل العالقة في الكون، أو عندما يتعلق الأمر بالظواهر المادية، فكانت له الغلبة دائماً في الانتصار على الأفكار اللاهوتية التقليدية التي تلجأ في تفسيراتها إلى المعجزات أو السحر أو أشياء أخرى بعيدة عن التفسيرات العلمية، على الرغم من أنّ هناك بعض الفجوات التي لا تزال إلى مزيد من التقدم في الفهم العلمي.

إنَّ من أهم وأعظم انجازات العلم الحديث هو تمييز القوى الأساسية الأربعة في الطبيعة، وهذه القوى هي:

-  قوة الجاذبية: وهي القوة التي تربط النظام الشمسي والمجرة أحدهما بالآخر.

- القوة الكهرومغناطيسية: وهي القوة التي تشمل الضوء والرادار والراديو والتلفاز والميكروويف، وما إلى ذلك.

- القوة النووية: وهي القوة الضعيفة التي تتحكم في التفكك الإشعاعي للعناصر.

- القوة النووية القوية: وهي التي تجعل الشمس والنجوم تشع خلال الكون.

إنَّ الانجاز المتوِّج لألفي عام سابقة من العلم سيكون من خلال النظرية التي ستكون موحِّدة لهذه القوى الأربعة، التي دعيت "نظرية كل شيء Theory of Everything"؛ التي ستلخِّص هذه القوى في معادلة واحدة متناسقة، تلك الوحدة التي لطالما أمضى العالِم الألماني "ألبرت آينشتاينEinstein   1879- 1955م" السنوات الثلاثين الأخيرة من عمره وهو يفتش عن هذا الحُلُم أو النظرية الأسطورية، إذ يعتبر أوَّل من أشار إلى هذا الطريق نحو التوحيد، لكنه لم يُوَفَّق في ذلك.

ظهرت هذه النظرية في السنوات القليلة الأخيرة، فجذبت اهتمام الباحثين الفيزيائيين، وعُرِفَت بادئ الأمر باسم" نظرية الأوتارString theory"، ثم تطورت لتحمل اسم "نظرية الأوتار الفائقة Superstring theory"، إنها نظرية واعدة تُمَهِّد لتوحيد قوى الطبيعة nature وجسيمات المادة Article الأساسية والمكان والزمانPlace and time" أي هي نظرية واحدة لكل الأشياء، وعلى الرغم من أن مضمونها  يوحي بان كل شيء في الوجود مصنوع من أوتار صغيرة فحسب، وهذا يبدو غير معقولاً؛ إلاّ أن هذه النظرية مبنية على "أفكار رياضية أنيقة Elegant mathematical ideas" ذات نتائج أثبتت جدارة مشجعة باتفاقها مع "عالم الواقع The real world". وقد أصبحت الآن واحدة من أكثر الفروع حيوية في بحوث "الفيزياء النظرية Theoretical Physics، لكنها تعرضت لبعض الانتقادات على الرغم من أنَّ رجال العلم أبدوا حماساً كبيراً لتطلعاتها، وأصدروا نبوءات جريئة بخصوص إمكانية نجاحها. فموضوع هذه النظرية ما زال في طور مخاض سريع، إلاّ أنَّ جوهرها متوطِّد اليوم، وأملنا كبير أن يكون البحث في هذه النظرية، وما يمكن أن يكون أعظم خطوة على طريق التقدم العلمي في عصرنا الراهن.

لو كُتِب لهذه النظرية التحقق في ربط كل الأطراف المتباعدة في الفيزياء على شكل كتلة واحدة؛ فلن يكون الأمر سارّاً فقط فلسفياً وجمالياً -كونها ستتطابق مع محاولات بعض الفلاسفة لبناء نظام شامل للكون-  بل ستكون أيضاً عوناً كبيراً على حل بعض أكثر المشاكل الشائكة في الفيزياء، مثل: وجود الثقوب الدودية، إمكانية آلات الزمن، ماذا يحدث في مركز الثقوب السوداء، من أين أتى الانفجار العظيم؟ كما ستوضح هذه النظرية مقدار الطاقة والحركة اللتين يمكن لشخص ما  بواسطتهما أن يتحكَّم في قوة  الزمان والمكان. ويمكن لحضارة ناضجة  من النوع الأول

أو الثاني تسيطر على طاقة أكبر بملايين المرات من تلك الموجودة على الأرض، أن تكون على عتبة السيطرة على الزمان والمكان. ولا يمكننا سوى أن نحلَم بإحداث ثقوب في المكان أو بالقفز إلى البعد العاشر. أما بالنسبة لحضارة متقدمة في الفضاء؛ فقد تكون مثل هذه الأمور عادية جداً. وستفسر "نظرية كل شيء" أيضاً تناقضات الزمان، والتحكم في التذبذبات الكمية حول ثقب دودي وجعلها مستقرة -إن أمكن-؛ فمن الممكن عندئذ العودة في الزمن وتغيير الماضي. ومع ذلك فإنَّ "كوناً كمياً" آخر سينفتح عند هذه النقطة، و"سينشطر الزمن" إلى نهرين يقود كل منهما إلى كون جديد. وإذا عدنا في الزمن إلى الوراء لإنقاذ "إبراهام لنكولن" في مسرح فورد على سبيل المثال؛ فإنَّ اتجاه الزمن سيتغير وسينفذ لنكولن في كون واحد فقط. ومع ذلك فإنَّ الكون الذي أتيت منه لن يتغير، فلا يمكن تغيير ماضيك. لقد قمت بإنقاذ حياة نظير كمي للينكولن موجود في كون كمي موازٍ. ومن الممكن بهذا الشكل الإجابة عن كل المفارقات المتعلقة بنظرية الكم، والموجودة في روايات الخيال العلمي.

كان "الكون الموازي" بأبعاد أعلى تاريخياً موضع أطول نقاش، وفي الحقيقة إننا نعيش في كون بثلاثة أبعاد(طول وعرض وارتفاع)، وهي حقيقة يقبلها الحس السليم، ومهما حرَّكنا جسماً في الفضاء؛ يمكننا وصف أماكنه كلها بهذه الأبعاد الثلاثة، وبهذه الأبعاد نستطيع تحديد مكان اي جسم في الكون. ويبدو إضافة "بُعْد رابع" للمكان يخترق الحس السليم: لو سمح للدخان مثلا أن يملأ غرفة ما؛ فإننا لا نرى الدخان يختفي في بُعد آخر. لا نرى في أي مكان في كوننا أجساماً تختفي فجأة وتنجرف إلى كون آخر. وهذا يعني أنَّ أي أبعاد أعلى إذا كانت موجودة على الإطلاق لا بد أنْ تكون أصغر من ذرة.

لقد تمثلت مقالة أرسطو في "السموات" على سبيل المثال، بأبعاد مكانية ثلاث هي الأساس الرئيس للهندسة اليونانية: للخط مقدار باتجاه واحد، وللمستوي باتجاهين، وللصلب بثلاثة اتجاهات، وما بعد هذا ليس هناك مقدار آخر لان الثلاثة هي كل شيء. ثم قدَّم "بطليموس" برهاناً على أنَّ الأبعاد الأعلى من ذلك مستحيلة؛ فلا يمكن رسم خط عمودي على هذه خطوط ثلاثة متعامدة بشكل متداخل مع بعضها البعض. وبالتالي فالبعد الرابع مستحيل؛ لان عقولنا غير قادرة على تصوره - لكن الحاسوب الشخصي يمكنه حساب المكان متعدد الأبعاد في كل وقت- حتى أصبح الكلام لألفي عام عن بعد رابع يدعو للسخرية. حتى ظهور اكتشاف "جورج برنارد ريمان" الذي هو بالأساس اكتشافاً لرياضيات البعد الرابع لأستاذه "كارل غوس" لكنه لم يكتب له النشر بسبب ردود الفعل التي قد تثار ضده، كما انه لم يتوصل بتجاربه إلى نتائج مكتملة، لهذا ترك الأمر إلى تلميذه "ريمان" ليكتب بعده أسس رياضيات الأبعاد الأعلى- التي استوردت بالجملة بعد سنين طوال في نظرية النسبية العامة لآينشتين- والتي أعلنها  في محاضرة شهيرة قدمها عام 1854؛ قال فيها انه قد ألغى ألفي عام من الهندسة اليونانية، ووضع أسس رياضيات للأبعاد الأعلى التي نستخدمها اليوم. وبعد ذيوع هذا الاكتشاف الشهير أصبح البعد الرابع مصدر الهام الفنانين والموسيقيين والكتاب والفلاسفة والرسامين. ولكن هذا البعد اعتبر تاريخيا مجرد فضول من قِبَل الفيزيائيين، ولم يعثر على أي دليل إلى الآن حول الأبعاد الأعلى. إلاّ أنَّ هذا بدأ يتغير عام 1919، عندما كتب الفيزيائي "ثيودور كالوزا" ورقة ثار حولها جدل كبير ألمحت إلى وجود أبعاد أعلى: بدأ ثيودور بنظرية اينشتين في النسبية العامة، لكنه وضعها في خمسة أبعاد - بُعد للزمان، وأربعة للمكان، وبما ان الزمان هو البُعد الرابع للزمكان يشير الفيزيائيون الآن إلى البُعد المكاني الرابع  على انه البُعد الخامس- لو جعل البعد الخامس اصغر فأصغر، فستنقسم المعادلات سحريا إلى شطرين؛ يصف الشطر الأول نظرية اينشتين العادية في النسبية، والشطر الثاني يصبح نظرية "ماكسويل" في الضوء.

لقد صُدِمَ "اينشتين" بهذا الحل والاكتشاف المذهل الذي ربما يقع سر الضوء في البعد الخامس، والذي بدا وكأنه يقدم توحيداً أنيقاً للضوء والجاذبية. ولقد اهتز اينشتاين جداً لاقتراح "كازولا"، فكتب له: "لم يخطر ببالي أبداً فكرة تحقيق نظرية موحدة بواسطة اسطوانة بخمسة أبعاد.. أحببت فكرتك جداً مِنَ النظرة الأولى... إنَّ الوحدة الرسمية لنظريتك مذهلة".

ظلَّ علماء الفيزياء يتساءلون لسنوات: لو كان الضوء مَوْجَة؛ فما الذي يتموَّج؟ يمكن للضوء أن يَمُر عِبْرَ مليارات السنين الضوئية مِن الفضاء الفارغ عبارة عن فراغ خالٍ من المادة. لذا ما الذي يتموَّج في الفراغ؟ فبحسب "نظرية كازولا" لدينا اقتراح متماسك للجواب عن هذا السؤال، هو: الضوء عبارة عن تموِّجات بـ"البُعد الخامس". وتظهر علاقات "ماكسويل" التي تصف خصائص الضوء كلّها كأمواج تسير في هذا البُعد. تصور سمكاً يَسبح في بركة ضحلة، ربما لن تشك هذه الأسماك بوجود "بُعد ثالث" لأنَّ عيونها على الجانبين، وتستطيع السباحة للأمام والخلف واليسار واليمين فقط. وقد يبدو "البُعْد الثالث" بالنسبة لها مستحيلاً؛ لكنَّ تصوّر بُعْد ذلك السماء تمطر على البركة. وعلى الرغم مِن أنَّ الأسماك لا تستطيع رؤية "البُعد الثالث" الاّ إنّها تستطيع رؤية التجعّدات على سطح البركة بوضوح. وبالطريقة نفسها شَرَحَت "نظرية كازولا" الضوء على أنّهُ تجعّدات تسافر بـ"البُعد الخامس". كما أعطى "كازولا" أيضاً جواباً حَوْل وجود "البُعد الخامس". وبما أنَّنا لا نرى دليلاً على وجود "بُعد خامس"؛ فلا بد أنّه "تَجَعَّد" إلى حجم صغير جداً لا يمكن ملاحظته. تصور اخذ صحيفتين من الورق ببعدين ولفِّهما بإحكام لِيُشَكِّلا اسطوانة؛ تبدو الاسطوانة من مسافة كخط بِبُعْدٍ واحد. وبهذه الطريقة تَحوِّل جسم بِبُعدين الى جسم بِبُعدٍ واحد عن طريق حنيه. فعلى الرغم من أنَّ نشرة "كازولا" قد خَلَقَت في البداية إثارة كبيرة؛ إلاّ أنها اُثيرت عليها اعتراضات في السنوات التالية: ما حجم هذا البُعد الخامس الجديد؟ وكيف تَجَعَّد؟ كل هذه الأسئلة لم تكن عليها إجابات. ولعقود خمس؛ عَمَلَ "اينشتاين" على هذه النظرية، وبفترات متقطعة إلى أن توفّي، ونُسيت بَعْدَه النظرية بشكل سريع وأصبحت مُجَرَّد حاشية في تطوّر علم الفيزياء.

بمجيء "نظرية الأوتار الفائقة" تَغيَّرَ كل ما عَرَضْنا لهُ مِن تطوّرات حول البُعد الرابع؛ لكن هذا النموذج القياسي للنظرية قد عانى كذلك من عيب خطير على الرغم من نجاحاته التجريبية؛ وكما يقول الفيزيائي المعاصر جداً "ستيفن هوكنغ": "انه بشع واعتباطي": فهو يحتوي على الأقل على تسعة عشر متحوِّلاً بما في ذلك كتل الجسيمات وقوة تفاعلاتها مع الجسيمات الأخرى، وستة وثلاثين كواركاً ومضاداً للكوارك، وثلاث نسخ مضبوطة وعاطلة من جسيمات فرعية، ومجموعة من جسيمات تحت ذرية بأسماء غريبة. والأسوأ من ذلك أنَّ النموذج لا يذكر "الجاذبية". فَمِنَ الصعب الاعتقاد بأنَّ الطبيعة على المستوى الأساسي يمكن أن تكون عشوائية وغير أنيقة بهذا الشكل؛ مما دعا العلماء الفيزيائيين على إعادة تحليل افتراضاتهم كلها حول الطبيعة، فلا بد أنَّ هنالك شيئاً خاطئاً وكبيراً. فلو حلَّلنا القرون القليلة الماضية في الفيزياء؛ فسنجد أنَّ أهم اكتشافات القرن الماضي هو تلخيص الفيزياء الأساسية كلها في نظريتين رئيسيتين يمثلان مجموع المعرفة الفيزيائية على هذا المستوى هما:

الأولى- نظرية "الكوانتم" التي مثلت بالنموذج القياسي. وتصف العالم الكمومي تحت الذري؛ حيث تقوم الجسيمات برقصات رائعة لتخرج من الوجود وتعود إليه وتظهر في مكانين في الوقت نفسه.

الثانية- نظرية "اينشتاين" في "النسبية" التي تصف الجاذبية والعالم الكبير جداً؛ مثل الثقوب السوداء والانفجار العظيم، وتستخدم لغة السطوح الناعمة والنسيج الممدد والسطوح المحنية.

تعتبر هاتان النظريتان متناقضتان في كل خاصة، وتستخدمان رياضيات مختلفة وافتراضات مختلفة، وصوراً فيزيائية مختلفة. ويبدو كما أنَّ للطبيعة يَدَيْن لا تتواصل أي منهما مع الأخرى. والأكثر من ذلك؛ فإنَّ أي محاولة لدمجهما طيلة نصف قرن ستقود إلى أجوبة بلا معنى. وستتفجر بوجه أي فيزيائي يحاول التوسط في إجراء تزاوج بين النظريتين؛ لأنها ستنتج عدداً لا متناهياً من الأجوبة الخالية من المعنى.  ومع اكتشاف "نظرية الأوتار الفائقة" تغير كل هذا؛ حيث أصبح الإلكترون والجسيمات تحت الذرية الأخرى ليست أكثر من اهتزازات متباينة لوتر يعمل مثل أربطة مطاطية صغيرة. وبهذه الطريقة ستفسر هذه النظرية مئات الجسيمات تحت الذرية التي اكتشفت حتى الآن في مسرعات الجسيمات لدينا. وفي الحقيقة تظهر لنا "نظرية آينشتاين" كواحدة من الاهتزازات الأدنى للوتر الفائق.

رحَّبَت الأوساط العلمية بهذه النظرية على أنها "نظرية كل شيء"-وهي الأسطورة التي تمنَّعَت على "آينشتاين" وظلَّ يحلم بها خلال الثلاثين عاماً الأخيرة من حياته-  لكنَّ الخاصة الغريبة لهذه النظرية هي أنها تهتز في بُعْد محدَّد من الزمكان؛ يمكنها أن تهتز في عشرة أبعاد فقط. ولو حاول المرء خلق نظرية أوتار فائقة في أبعاد أخرى فإنها ستنهار رياضياً؛ فكوننا بالطبع موجود بأربعة أبعاد، ثلاثة للمكان وبُعْد رابع للزمان. وهذا يعني أنَّ الأبعاد الستة الأخرى لا بد أنها انهارت بطريقة ما، أو أنها انحنت مثل بُعْد كالوزا الخامس. ولقد اهتم العلماء أخيراً بتقديم براهين على وجود هذه الأبعاد الأعلى أو على عدم وجودها، وربما كانت الطريقة الأبسط للبرهان على وجود أبعاد أعلى هي إيجاد انحرافات عن قانون "نيوتن" في الجاذبية؛ فقد تَعَلَّمْنا في الثانوية أنَّ جاذبية الأرض تتناقص مع سفرنا الى

الفضاء الخارجي كوننا نعيش في عالم ثلاثي الأبعاد، ولكن لو كان للكون أربعة أبعاد مكانية؛ فسوف تتناقص الجاذبية مع مكعب المسافة الفاصلة . ولا زال الفيزيائيون يبحثون عن نوع جديد من الجسيمات يدعى "الجسيم الفائق s partice" الذي يعتبر اهتزازاً أعلى للوتر الفائق، فكل ما نراه حولنا الآن هو اهتزاز أدنى لهذا الوتر. ولو عُثِرَ على جسيمات فائقة فستحدث ثورة في الطريقة التي نرى بها الكون. إذ يقول "ريب ثورن": "سيدرك الفيزيائيون بحلول عام 2020 قوانين جاذبية الكوانتم، والتي ستكون نسخة مختلفة عن نظرية الأوتار الفائقة". كما أنَّ هناك كَون آخر تتنبأ به نظرية الأوتار إضافة إلى الأبعاد الأعلى؛ وهو "متعدد الأكوان "Multiverse.

 

د. صباح الحاج مفتن

 

 

الحسين اخدوشتُظهر سلوكات العنف البارزة في ثقافتنا الاجتماعية غلبة مزاج التطرّف واستحواذ التعصّب والانغلاق على العقليات السائدة. والملاحظ أنّ الأحداث المرتبطة بهذه الظواهر قد غدت مطردة بوتيرة مرتفعة منذ مطلع القرن الحالي، ممّا استوجب على الباحث الناقد طرح السؤال حول مسوّغات انتشار كلّ هذه الظواهر السلبية المتّصلة بسلوك العنف والتطرّف؟ بالتالي المساءلة حول ما إذا كانت عرضية فقط؟ أم أنّها متجذّر في ثقافتنا الدينية؟

قد تكون تحولات الثقافة، في ظلّ عولمة هوجاء، باعثا غير مباشر على مثل هذه الردود الفعلية النكوصية المتسمة برفض الآخر والانغلاق على الذات؛ ومن ثمّ بروز ثقافة الكراهية وانتشار ظاهرة العنف والرفض القبلي للاختلاف. غير أنّ الفرضية التي تهمّنا هنا هي تلك المتعلقة بالباعث الأيديولوجي ذي الصبغة الدينية، حيث يظهر أنّ التأويل المتزمت للدين قد نال من الدين والثقافة معا. فهل تسعّر الأيديولوجية الدينية ظاهرة العنف والتعصب والكراهية؟ ما هي حدود هذه الفرضية؟

شكلّ ظهور تيارات التشدّد القومية والدينية المتطرّفة علامة بارزة على الأزمة التي خلّفتها مسارات التحديث التقنية السريعة؛ حيث لم يتسنى للمجتمعات التقليدية أن تستوعب كلّ التحوّلات الثقافية والاقتصادية والاجتماعية، ممّا استلزم من بعض شرائحها ردود أفعال نكوصية سلبية تجلّت بالخصوص في ظاهرة "التطرّف" و"الإرهاب".

تجاوز هذا النمط من العنف بعده الطبيعي المنبعث من غريزة متأصّلة في الدافع الفطري لممارسة العدوان، والمتمثّل في حبّ الذات والأنانية والإحساس بالمنافسة والخوف والكبرياء كما قال بذلك توماس هوبز. إنّ عنف التطرّف والتعصّب آت من حوافز أخرى غير طبيعية، تتمثّل في الأساس في وجود تأويلات أيديولوجية للديني المقدّس، جعل الدين في أفق الموت جراء تفسيرات مغلوطة للحروب الدينية المقدّسة.

نعم، قد يكون استمتاع الكائن العدواني بممارسة العدوان تجاه غيره نوعا من السادية المرضية التي نمقتا جميعا، خاصّة في سعيه إلى تكريس نهجه السلوكي لفرض سيطرته؛ إلاّ أنّ الأخطر من ذلك هو عندما يتحوّل سبيل العنف هذا من مجرّد حالة مرضية معزولة (كما عند عتاة المجرمين) إلى ثقافة أيديولوجية يتم الترويج لها في العلاقات الاجتماعية والسياسية والدينية.

وفي مثل هذه الحالات لا يكفّ العنف عن أن يصبح ظاهرة اجتماعية فقط، وإنّما يتجاوز ذلك ليتحوّل أيديولوجيا خطيرة تعمل على تبرير إرادة السيطرة والهيمنة على الفضاءات العامّة والخاصّة من خلال التأويلات التي تعتمد معتقدات تبريرية، نصّية أو سلوكية، تفسّر أو تفهم وجود الإنسان باعتباره يجب أن يخضع لتأويل واحد ووحيد.

يتحوّل العنف في هذه الحالة من ظاهرة ثقافية واجتماعية إلى أيديولوجيا معقّدة، تتقنّع بتأويل محدّد ومغلق للرموز الدينية أو السياسية أو العرقية أو اللغوية. في هذه الحالة تصبح الدوافع الطبيعية القابعة بداخلنا والمتمثّلة في غرائزنا الحيوية، غير قادرة على أن تفسّر هذه المسألة الشائكة؛ بالتالي يصبح السؤال هو: كيف تبرّر بعض التأويلات الأيديولوجية الخاصّة نهج سبيل العنف لفرض منظورها الخاص للواقع والحياة البشرية؟

تعتبر الأحكام الاجتماعية السائدة (Les jugements sociaux)، كما الصور النمطية (Les stéréotypes) الموجودة لدى الناس في حياتهم، معتقدات تبريرية وتمثّلات سياقية تعمل على صياغة تصوّراتهم وأفكارهم لذواتهم وللعالم من حولهم. وسيكون مفيدا تحليل كيف تشتغل هذه المعتقدات التبريرية لجعل بعض تلك المعتقدات والرموز مقدّسة لدى من يحملها، وبصفة خاصّة تلك التي يغذّيها الخيال الديني والمكبوت السياسي.

تفضي المعتقدات السياسية المطعّمة بتأويلات متطرّفة للديني وللرموز الثقافية والاجتماعية لجماعة سياسية معيّنة إلى إنتاج مبرّرات أيديولوجية خطيرة لتشجيع العنف المنظّم. تَعْدِم ممارسة العنف باسم الديني، هنا، كلّ إمكانية للحوار والتعايش، حيث يعمل التأويل المتعصّب للرموز الدينية على إنتاج معتقدات أيديولوجية بوظيفة تبريرية، يؤوّلها المتطرّفون المتعصّبون ناحية توجهاتهم المتزمّتة.

يلبس العنف في هذه الحالة ثوب الديني المقدّس باسم المذهب والطائفة، وعندها تنتفي كلّ القيود أمامه (القانونية، والأخلاقية، والإنسانية)؛ بل ويتحوّل قتل الآخر إلى فعل مباح، يُتقرّب به إلى المقدّس الذي تم تأويله وفهم على أساس الغلبة والهيمنة والعنف والكراهية. يصبح الآخر، هنا، غير مشابه للمعتقد الرمزي الخاصّ، وتعمل أيديولوجية التطرّف والتعصّب باعثا قوّيا على إدانة المخالف ورميه بشتى النعوت القادحة (كافر، مهرطق، مرتّد، جاحد، مشرك، زنديق...) ومن ثمّ يتوجّب تعنيفه بأقسى العقاب (الحرق حيّا، قطع الرأس، التعذيب حتى الموت..).

هكذا؛ يطلق الحماس الناجم عن التشبّع بأيديولوجيا التطرّف الديني العنان للخيال ليشتغل ويؤثّر في وجدان المتعصّبين، متغافلين عن الجانب المتسامح للدين وضاربين بعرض الحائط كلّ القيم الإنسانية الجميلة التي يحثّ عليها الدين نفسه. ينقل الوهم الأيديولوجي ذي الخلفيات الدينية إلى ذهن المتعصّب  ليرّسخ له في فكره أتفه التمثلات والأحكام الجاهزة، غير المفكّر فيها، حول واقع خاب فيه أمله وانهزمت فيه إرادته الذاتية، ولم يستطع فهم تناقضاته وفرز ايجابياته من سلبياته.

لا يفهم المتطرّف والمتعصّب للأيديولوجية الدينية أنّ الصراع في الواقع هو بالأساس نزاع حول المصالح وصراع الإرادات النسبية التي تتقاطع فيها المتغيّرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. لكنّه، بالمقابل، يعمّم الحكم المسبق لديه حول هذا الواقع، نافيا بذلك أيّة محاولة عقلانية للعمل على فهم تناقضاته وفقا لقوانين التطوّر التاريخي. 

تغلبه نوازعه وهواجسه الأيديولوجية التي كرّس في ذهنه معتقدات وافتراضات خيالية نتيجة عملية غسل الدماغ الأيديولوجية التي تعرّض لها بإرادته أو بدونها حول مشكلات تصادم القيم وصراع قوى الخير والشّر، واستحكام نظرية المؤامرة في أفكاره.

يحوّل ذهن الشخص المتعصّب فكرة الصراع من مجرّد نزاع اجتماعي سياسي، يمكن أن يدار بكيفية ديمقراطية، إلى صراع أيديولوجي مغلّف بأفكار دينية قامت المعتقدات التبريرية السابقة بتدعيمه لديه، ومن ثمّ يفهمه من خلال ثنائيات ميتافيزيقية: الخير والشّر، الإيمان والكفر، الصلاح والفساد..الخ بهذا المنطق الفاسد في التفكير، تحوّل الصراع الطبقي مثلا إلى فكرة صراع الكفر والإيمان، بالتالي أصبح الطلب على التبرير الرمزي / الديني لقطع الرؤوس (حرق المهرطقين والملحدين) هاجسا لدى المتعصبين للأيديولوجية الجهادية.

يغذّي التأويل الأيديولوجي للديني تعطّش الكائن المتعصّب إلى ممارسة العنف والترويع والتهديد بالقتل باسم المقدّس والرمزيات الدينية. وكنتيجة لذلك، يكشف العنف باسم المقدّس الديني عن خطورته وبشاعته في حجم الرُّهاب والترهيب الذي يتسبّب فيه للآمنين. ثمّ، أيضا، في لا أخلاقية جرمه في حقّ المخالفين لمنطق تفكيره، خاصّة عندما يرمي بهؤلاء المخالفين لأيديولوجيته بالكفر والتشنيع والهرطقة والزندقة والإلحاد بدون موجب حقّ.

الظاهر أنّ التأويل الأيديولوجي هو ما يجعل الدين وقودا لتأجيج الصراع ومن ثمّ السقوط في براثن التطرف. لذا؛ يعتبر إقحام المعتقدات الدينية في هكذا صراعات ظرفية أمرا خطيرا يهدّد كلّ وئام إنساني وكلّ تعاقد اجتماعي سياسي.

أمّا بالنسبة للموقف النقدي، فالبيّن منه أنّ تحرير الديني من التصورات المتزمّتة المنغلقة قد غدا أمرا لا مناص منه لقطع الطريق على التأويل المتزمّت الذي وضع الديني في أفق الموت بدلا من جعله منفتحا على أفق الحياة. لذلك؛ فبدون القيام بالمهمّة النقدية للديني بما هو قراءة وتأويل بشريين، كيفما كان المذهب والطائفة، فإنّه سيكون مصير الدين هو الانحطاط ولنظرياته في استقامة حياة الإنسان السقوط المريع.

 

الحسين أخدوش

 

حسن العاصيمنذ الخليقة برزت متطلبات الفرد واحتياجاته، وتبلورت تدريجياً بتعاقب الحضارات، ثم تعددت واتسعت وتزايدت باضطراد مع نشوء الحياة المدنية، ثم تفرعت هذه الاحتياجات وتشابكت وامتدت إلى كافة القطاعات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية والأخلاقية، فظهرت المنفعة الشخصية وارتباطها بمصالح العائلة والقبيلة والطائفة والدولة، وأصبحت المصلحة عاملاً جوهرياً في حركة البشر وعلاقاتهم فيما بينهم من جهة، وفيما بينهم والمؤسسة والسلطة من جهة أخرى.

تطورت هذه البنية تاريخياً واتخذت أبعاداً شاملة، بحيث أصبح الأفراد والجماعات في صراع لتحقيق المكاسب والحفاظ على المصالح، ثم دخلت الدولة كمؤسسة طرفاً في الصراع مع الدول الأخرى لصيانة حقوق أفراد المجتمع. وظهر داخل هذه المؤسسة الجمعية صراعاً خفياً بداية يهدف إلى تحقيق مصالح خاصة وليست عامة، ما لبثت أن برزت هذه الصراعات للعلن حين تطور المجتمع وبدأ بعملية الإنتاج التي أوجدت ثروات مالية في المجتمع، مما أثار لعاب مجموعة من الأفراد الذين تتفوق لديهم مصالحهم الشخصية والأنانية وحب الذات على القيم الأخلاقية، وبات هؤلاء الناس يشكلون مرضاً اجتماعياً وسياسياً خطيراً على المجتمع والدولة.

إنهم الانتهازيون الوصوليون الكسبة الذين حولوا بمكرهم وجشعهم الذي لا يتوقف، المجتمع وهيئاته إلى مصدر نفعي مصلحي، يتغولون إن لم تردعهم الضوابط الأخلاقية والدينية والقانونية. الانتهازية ظاهرة خطيرة في المجتمعات، تقوض تماسك الناس، وتجعلهم يفقدون القدرة على التمييز بين الحقيقة والأصيل، والزيف والخداع والادعاء، وتؤدي الانتهازية إلى تمييع المعايير وتغييب الضوابط وتسطيح المعايير، مما يجعل المجتمعات تنزلق إلى قاع لا أخلاقي.

الانتهازية مصطلح ومعنى

في قواميس اللغة فإن الشخص الانتهازي هو من يقوم باقتناص الفرص، ويستغل أي وسيلة لتحقيق المنفعة الشخصية، ويقوم باستغلال كل ظروف ممكن بطريقة غير أخلاقية لجلب المصلحة الخاصة. الانتهاز هو الاغتنام والمبادرة إلى اقتناص الفرص لجني العوائد الشخصية.

في المصطلح السياسي، الانتهازية هي السلوك الواعي الأناني الذي يهدف تحقيق المصالح، وعدم الالتفات إلى المبادئ والعواقب التي ستعود على الآخرين. إن الأفعال الانتهازية هي تصرفات نفعية بدوافع المصلحة الذاتية.

في البعد الاجتماعي فالانتهازية كظاهرة تعني أن يقدم الفرد على مواقف وتصرفات اجتماعية أو فكرية أو سياسية غير مقتنع بها، بهدف الحصول على المكاسب أو الحفاظ على مصالح محددة ذات طبيعة شخصية أو عائلية.

الانتهازيون أولئك الأفراد الذين يكونون عادة قرب أصحاب النفوذ والشهرة والسلطة والمال، يتسلقون رقاب العباد كي ينالوا ما يصبون له. عادة هم خبراء في فنون الرياء والمداهنة والتملق، لا مبدأ لهم ولا عقيدة ولا أفكار ينحازون لها، كل ما يسعون إليه هو توظيف كل ما يمكنهم لتحقيق المكاسب الشخصية بأقل الجهود والتكاليف، وما إن تتحقق مصالحهم حتى يختفون وسط الازدحام، ويبحثون عن منافع أخرى في أماكن أخرى.

تجد الانتهازيون في كل مكان، ينتشرون ويتكاثرون كالفطر السام ينتهكون القيم الاجتماعية والأخلاق الإنسانية. إنهم وباء معدي قد ينتقل للآخرين بالمخالطة، حيث إن الانتهازية تفتك بالثقة الفطرية بين أفراد المجتمع، وتجعل الناس في حالة من الحذر والتشكيك الدائمين في نية الآخرين. في القديم كانت العلاقات الإنسانية بين البشر تدوم حتى يواري الصديق صديقه التراب ويبكيه، فيما أضحينا أشباه بشر تزدحم فينا العربة، ويبدأ سفرنا بإلقاء التحية والسلام ثم التملق فالرياء ثم المغادرة بلا وداع.

الإنسان الانتهازي ذكي وحاذق يتقن التلون والخداع، يتخلى عن مواقفه بسرعة في سبيل المصلحة، فهو إنسان متعدد المواقف والأفكار، يتنكر لماضيه ولحاضره، وان اضطر حتى ينكر نفسه ليتمكن من الوصول لمبتغاه، بالرغم من ذلك هو إنسان شقي وتائه ويؤمن بالميكافيلية التي تبرر الوسائل للوصول إلى الغايات.

الفرد الانتهازي هو من يسقط في قاع الأنانية حتى ينسى أخلاقه وإنسانيته، فلا يدع فرصة إلا والتقطها بحذق واستخدمها ووظفها بمكر مستعملاً كافة مهاراته الدنيئة، لإشباع غروره ونزواته وأطماعه. الانتهازي شخص يتميز بالغدر والخيانة والتقلب وعدم الثبات، منافق كاذب أفّاك دجّال.

انتهاز الفرص والانتهازية

إقدام الإنسان على انتهاز الفرص ليس رذيلة بحد ذاته، إن كانت الغاية الوصول إلى منفعة شخصية أو عامة، بشرط ألا تكون على حساب استغلال الآخرين أو استغفالهم، ودون أن تتسبب بأية مضرة لهم، والأهم أن تتحقق المصلحة دون تنازل عن القيم والأخلاق، ودون الإساءة للمجتمع، وبدون خرق القانون العام. إن اصطياد الفرص حق لجميع الأفراد، على أن يراعي التنافس الشريف بين البشر، من غير اللجوء إلى الاحتيال والخداع، وكافة أشكال المكر والإضرار بالآخرين.

لكن الانتهازية هي صفة مذمومة ونقيصة أخلاقية ومفسدة اجتماعية. إن الإنسان الانتهازي هو ذاك الشخص الذي يتحرك ويضع الخطط في العتمة، خشية أن يلاحظه الآخرون ويكتشفون تصرفاته الدنيئة وعيوبه وغاياته القبيحة، فهو يرمي رماحه من خلف السور ويختفي بسبب طبعه الجبان، لتصيب رماح غدره الأبرياء. الانتهازي فرد لديه شعور بالنقص والدونية، فاشل لم يعرف النجاح يوماً، محبط لا يمتلك مقدرة المضي، ليس لديه كفاءة تمكنه من تحقيق غاياته بطرق اعتيادية شريفة، لذلك هو يتبع أساليب الطعن والحقد والذم والتعريض، يسلك درب النقاصة لإشباع طمعه ورغباته وجشعه، يستخدم المكر والخداع والدهاء وسيلة كي يصل إلى أهدافه، يرتدي ثوب الطيبة والعفة، ويُظهر الترفع والنزاهة، ويلجأ إلى التملق والتزلف والرياء كي يحصل على مراده، يحيك الدسائس بدهاء للانقضاض، وبمجرد تمكنه من تحقيق مصالحه، يرمي ثوب الشرف ويتحول إلى وحشٍ وغد يطعن وينهش دون رأفة.

الانتهازية آفة اجتماعية ووباء إنساني وداء عضال ينتشر مثل بقعة الزيت، ينمو ويتسع ويتعذر اجتثاثه إن وجد بيئة تحتضنه وتبرره، ثم يتضخم هذا الداء ليبدأ النهش والنخر في مفاصل المجتمع، ولا يتوقف حتى يحطم وثاق القيم والأخلاق للأفراد، ويهتك بنية وتماسك المجتمع، مما يسهل خرابه ودماره.

الانتهازية السياسية

على الدوام شكلت العلاقة مع السلطة السياسية إبحار في ثقافة جلب المنفعة لأصحابها، من نفوذ أو جاه أو مال أو منصب أو رفاهية، مما يحدث مناخاً لنمو الانتهازية التي تفتك بالمجتمعات. وإذ كان النفوذ في معظم البلاد العربية هو نفوذ الأجهزة الأمنية وأدواتها، فإن أي ارتباط بها من أي نوع ما هو إلا عمالة مدفوعة الأجر، غايتها ترميم وتجميل وجه السلطة القبيح.

المثقفين يستمدون سطوتهم من الفكر والأيديولوجيا والثقافة، والمثقفين اليساريين تحديداً، لم يعرف عنهم يوماً سعيهم خلف إغراء المال، فهم أصحاب مبادئ سامية وأهداف كبرى وقيم إنسانية، فهذه كانت ضريبة الثقافة الملتزمة بقضايا الإنسان والعدالة الاجتماعية والحريات، وابتعد هؤلاء اليساريون المثقفون فيما مضى عن كل رفاهية قد تفسد انتمائهم، لكن القيم والمبادئ لا تطعم خبزاً ولا تكسي ثوباً.

فكيف تقاطعت مواقف المثقفين اليساريين الليبراليين مع أشباه المثقفين والمشتغلين بالحقل الثقافي في الكثير من الأحداث التي شهدتها المنطقة العربية خلال العقدين الأخيرين؟ كيف تحالف المثقف الحداثي مع المثقف الرجعي؟ وتحالف المبدئي مع الوصولي؟

إذا كان أشباه المثقفين الانتهازيين يسعون خلف المكاسب والمنافع، فما هي الأسباب التي تدفع المثقفين الذين ادعوا انحيازهم للحق وللجماهير طوال العقود المنصرمة، لكي تلتقي مواقفهم مع أجراء الثقافة الذي يشكلون بطانة السلطة العربية؟

هل هو صراع الأيديولوجيات الذي تسبب في تحالف المثقفين الثوريين العلمانيين، مع المثقفين الانتهازيين المتلونين، وبالتالي توحّد الطرفين في جبهة واحدة لمحاربة الفكر الديني، ودعم الأنظمة التي تواجه هذا الفكر بأساليب أكثر وحشية، من تلك التي يقدم عليها من يدعي أنه يخوض معركته ضدهم وضد أفكارهم الظلامية، لكن هذه الأنظمة وفي سياق هذه "الحرب" استقطبت معظم المثقفين اليساريين والليبراليين والقوميين الفاشلين الانتهازيين، الذين تنكروا لماضيهم ولمصالح الجماهير، وأنكروا الشعارات التي رفعوها والأهداف التي كانوا يناضلون لتحقيقها.

 لغز المثقف العربي

أظهرت الألفية الثالثة أن معظم المثقفين المناضلين العرب الذين غصت بهم شوارع المدن العربية في سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين، وهم يهتفون بشعارات العدل والحرية والمساواة، وضد الرجعيات والديكتاتوريات العربية، ليسوا أفضل حالاً من أولئك الذين يمتهنون الأديان ويتاجرون بعذابات الناس، فالثقافة عند بعض اليساريين والقوميين والليبراليين مهنة للترزق وكسب العيش، فهم لا يتورعون عن عرض مواقفهم وأفكارهم سلعاً في الأسواق الإعلامية، ولا يترددون في انخراطهم بالتجاذبات السياسية والطائفية والمذهبية والإقليمية، لمصلحة من يملأ جيوبهم بالمال ويضاعف رصيدهم في البنوك، وهم يعلمون علم اليقين أنهم بفعلهم هذا يساندون القوى التي خرجت من التاريخ، ويقفون في وجه المظلوم والمعتدى عليه والمقهور، إلى جانب الأنظمة الفاسدة والمستبدة.

أثبتت المتغيرات الدولية والإقليمية أن غالبية المثقفين العرب لا يمتلكون وعياً تاريخياً، يمكنهم من قراءة الراهن العربي، وإجراء مقاربات علمية تحليلية تستنهض المقدرات الكامنة التي من شأنها أن تكون مبشرة، في حال توظيفها لترميم الخراب وإعادة الانخراط بالإصلاح البنيوي العربي.

 في هذا الشقاء انقسم المثقفين بين من انتقل من جادة اليسار الثوري إلى اليمين الرجعي، فهو الانتهازي الوصولي الذي وضع مصالحه الذاتية فوق مصالح الجماهير. ومن آثر الصمت والانكفاء نتيجة الشعور بالعجز والاغتراب، وهو فعل مدان في التحولات الكبرى وجريرة لن يغفرها التاريخ. والقلة اليسيرة من المثقفين اختارت مقاومة الشقاء والتخلف، ومواجهة بعض الأنظمة التي تسببت بفعل سياساتها، في كل هذه الانهيارات التي يلاحظها المراقب في كل مفصل من جسد العالم العربي.

لم يعد من مهام المثقفين العرب خض جذع المجتمعات، وتحريك المفاصل المتكلسة، عبر أفكارهم التنويرية، ولا من مهامهم الآن الالتحام مع القضايا المطلبية للفقراء، والأهداف المصيرية للناس، ولا الدفاع عن المضطهدين والمظلومين، عبر إعلان المواقف والنضال لتحقيقها، ولم تعد تعني كثيراً المثقفين اليساريين قضية مواجهة الرجعيات والديكتاتوريات في العالم العربي، ولا التصدي للاستبداد الذي تتخذه معظم الأنظمة العربية سياسية معتمدة في علاقتها مع المواطنين.

لقد ولّى الزمن الذي كان فيه المثقفين المناضلين العرب يشكلون الضمير الحي اليقظ، الذي يعكس واقع وهوية المجتمعات، حين لم يكن المثقفين فيه يخشون من الاصطدام بالسلطتين السياسية والدينية، وبكل من يكرس ثقافة التجهيل. عصر مضى كان فيه المثقفين ينحتون الحجر بهدف تطوير المجتمعات العربية وترسيخ مفاهيم تدعو لاستخدام العقل لا إغفاله، والقضاء على النظام الأبوي ومجتمع القبيلة والطائفة، وترسيخ قيم ومفاهيم الحداثة، وبناء دولة المؤسسات والمواطنة.

أضحى الكثير من المثقفين العرب اليساريين شركاء لبعض الأنظمة العربية في محاربة الأفكار التنويرية الليبرالية، وشركاء في فرض سيطرة السلطات السياسية على الناس، وشركاء في تطويع وتليين الأفراد وقيادتهم وتوجيههم مثل القطعان الأنيسة، وهو ما يعزز الاستبداد الذي تشهره تلك الأنظمة، مما يطيل عمرها وعمره.

الانتهازي المثقف

عادة ما يكون المثقفين الانتهازيين أناساً على قدر من الذكاء، يتميزون بمرونة مطواعة فريدة. براغماتيين لا وجود للمبادئ في حساباتهم. يلعبون في الساحة الثقافية والسياسية بمهارة وحرفة. لا يصعب عليهم تقمص أي دور. يتلونون ويتقلبون في المواقف والرؤى والاصطفافات والمذاهب والأيديولوجيات. يمتطون أقلامهم للوصول إلى المكاسب الشخصية. يوظفون أفكارهم وثقافتهم ومهاراتهم اللغوية في مخاطبة الجماهير، وإثارة مشاعرهم وحماسهم وتوجيههم لغايات محددة.

المثقفون الانتهازيون يخططون ويتحركون وفق رؤية واضحة الملامح، استناداً إلى أيديولوجية محددة، وبالطبع هم أكثر فئة لديها إمكانية تزييف الوقائع وتزوير الحقائق، ودورهم جداً خطير من خلال خداع الناس وتضليل المؤسسة السياسية، لأنهم يفترون على الحقيقة ويشوشون الواقع، ويخلطون الحقيقة مع الوهم لأجل المصالح الشخصية.

يعبثون بمصالح المجتمع والوطن في سبيل المنفعة الذاتية. لأجل ذلك لا يتورعون عن التقلب، فمرة نراهم يساريين ومرة يمينيين، مرة ليبراليين ومرة سلفيين، مرة واقعيين وأخرى مثاليين، المهم هو تحقيق الفائدة. هم مجردون من أية مبادئ أو عقائد أو أفكار أو مذاهب أو أخلاق، يتصفون بالغدر والخيانة، وسرعان ما ينقلبون على فريقهم إن انتهت مصلحتهم. ولا تتفاجأ إن أخبرتك أن الانتهازيون -خاصة المثقفون منهم- غالباُ ما يكونون شخصيات مرموقة ذائعة الصيت، بعضهم يمتلك سلطة ونفوذاً تجعل الآخرين يتقربون منهم ويتملقون، مما يؤدي إلى إعادة إنتاج الانتهازية مرة أخرى.

المثقف الجوكر

إن مواقف معظم المثقفين العرب صعدت وهبطت وتبدلت يميناً ويساراً عبر العقود الماضية، فنجد بعض المثقفين من دعموا هذا الزعيم أو ذاك وساندوه ومدحوه، ثم قاموا بالهجوم عليه في فترة مختلفة، ومنهم من تبنى الأيديولوجية الدينية أو اليسارية ثم انقلب عليها، وآخرون كانوا من أشد دعاة التنوير والديمقراطية والدفاع عن حقوق البشر، فأصبحوا يدافعون عن الديكتاتوريات العربية ويبررون استبدادها.

إنهم المثقفون الذين يؤدون دور "الجوكر" المشهور في لعبة الورق، فهو يصلح لكل الأوضاع ويتكيف مع الظروف، وهذا حال بعض المثقفين العرب الزئبقيين الحربائيين، الذين يمتلكون المقدرة على لعب دور الجوكر في الحياة السياسية والثقافية، وينتقلون بين مذهب وآخر، بين أيديولوجيا وأخرى، بين فلسفة وفلسفة، بين موقف ونقيضه. تراه مرة تقدمياً ومرة أخرى رجعياً. يدافع مرة عن مصالح الناس، ومرة يجّمل وجه الأنظمة. اللافت أن تحول المثقفين غالباً يحصل من أصحاب الأفكار اليسارية الليبرالية نحو الأفكار اليمينية المحافظة، ولم نشهد إلا نادراً تحول مثقف يميني نحو اليسار. هم هكذا لا أصالة لهم ولا يقفون على أرض صلبة، يتحولون ويدورون كيفما دارت الريح.

غالباً يكون المثقف الجوكر يعاني من عقد متعددة مركبة، يعمل على اصطناع الرصانة والشرف، وحين يشعر بالعجز الذاتي وفقدان الحيلة والمبرر، أو إن فقد جدوى الأسلوب، تراه يستخرج كل عقده وينقلب على الآخرين، يرميهم بالشتائم بصورة هستيرية، تصل نوبة الغضب لديه إلى ذروتها فيكيل السباب للأشخاص والمجتمع ويتوعدهم بالويل.

ولأن المثقف الانتهازي لا مبدأ له ولا معيار، لذلك يلجأ دوماً إلى نشر الثقافة التبريرية في الوسط الذي يعمل ويتحرك فيه، حتى يتاح له تبرير وتفسير سلوكه الوصولي.

إن كان الفرد الانتهازي عبارة عن إمّعة خاوية بعقل فارغ، همه إشباع غرائزه على حساب الرأي والفكر والموقف، لا يرى في أي مشهد سوى مصالحه، ولا يرضى عن تحقيقها بديلاً. إلا أن الأمر يصبح خطراً إن كان الانتهازي سياسياً، ومأساوياً إن كان مثقفاً، وكارثة إن كان رجل دين، حيث تصبح الانتهازية تدريجياً مكوناً ليس غريباً عن ثقافة المجتمع.

المثقفون الانتهازيون كانوا دوماً السبب خلف الانتكاسات التي أصابت الثقافة والمشهد الثقافي العربي، وهم أبطال الخراب الذي طال المجتمعات العربية، وشركاء في الهزائم التي منيت بها الأمة العربية، لأنهم لم يكونوا يوماً ينتمون للشعب، بل عملوا على تفتيت مواقف الناس وتمييعها ونشر البلبلة والتبرير، وخداع الجماهير وخيانة مصالحهم وحقوقهم، وتضييع الأهداف وخلط الأصلي بالمزيف، وتزوير الواقع وممارسة الكذب والنفاق، في مجتمعات عربية ما زالت تتفشى فيها الأمية والجهل، ويختلط على عامة الناس المقياس والمعيار.

الفاجعة حين ترى الكثير من المثقفين الانتهازيين وهم يدعون الوطنية والانتماء، ويتبجحون بالشعارات القومية ومصالح الأمة، ويتظاهرون بالوقار والحصافة والرأي السديد، ويبدون الحرص على مصالح الوطن والدولة والشعب، فيما هم أصحاب قلوب خاوية وعقول بائرة، منحرفين سريعي الانزلاق، يرمون بكل شيء في مقابل تحقيق مصالحهم. والأمر المثير أن يصل العبث درجة تدفع ببعض هؤلاء المرضى إلى كيل الاتهامات للمثقف النزيه الشريف صاحب المبادئ، وذلك بغية إحداث أجواء مائعة غائمة، وتعكير نقاء الماء ليتمكنوا من التمويه والتخفي في وسط غير واضح، ومن ثم التصيد لاقتناص المنفعة.

من سمات المثقف الجوكر الكذب ثم الكذب، على نفسه وعلى المجتمع، بحيث لم يعد يعرف سواه. وكلكم تعلمون أن الكذب رأس الخطايا وبدايتها، لذلك فإن جميع المظاهر المقيتة التي يُظهرها المثقف الانتهازي بصفة عامة إنما هي بسبب كذبه ونفاقه وغدره الذي يعتبره ذكاء وفطنة ونباهة منه، فيما هو إنسان يقوم بوضع المفاهيم الأخلاقية والقيم الإنسانية رأساً على عقب، حيث يصبح الحق باطلاً والزيف فخراً، وهنا يكمن جوهر الخطر الحقيقي لهؤلاء.

الشرق المفجوع

هناك مثل غربي يقول "من لا يكون ليبرالياً في العشرينيات من عمره يكون بلا قلب، والذي لا يصبح محافظاً في الأربعينيات يكون بلا عقل". إن الاستنتاج المصلحي من فحوى هذا المثال لا يحتاج إلى كثير من التفسير، فهو يشير إلى أن الإنسان يكون مقداماً مندفعاً صاحب مبادئ ومواقف كبرى وأحلام شاسعة، لكن إن ظل يتمسك بالأفكار الكبرى واندفاع الشباب، يكون عديم الحكمة.

هذا في الغرب حيث المجتمعات حققت الكثير في طريق الديمقراطية، ماذا عن الشرق المفجوع بالقهر والاستبداد، حين يتعمد بعض المثقفين أن يلجأ لصياغة مواقفه بلغة مواربة تحتمل التأويل والتفسير على أكثر من معنى، وبذلك يتمكنون من التملص إن تم إخضاعهم لمحاسبة أو مسائلة، أو توظيف المعنى لمصلحة تحقيق مآرب محددة، ذلك لأنهم لا يستطيعون التصريح تماماُ بأفكارهم كما هي، لأن الضوابط التي حددتها السلطة السياسية أو الدينية أو المجتمعية لا تتيح للمثقفين حرية أن يقولوا ما يؤمنون به ويكتبون ما يعتقدون. الأمر السيء هنا أنه قد تنشأ نتيجة هذه الأوضاع، شريحة من الانتهازيين تقدم على هذا الخطاب غير الواضح، وبالتالي تسهم في خلق حالة من عدم احترام الفكر لذاته، وأجواء ثقافية غير صحية تعزز الرأي الواحد وتقمع الموقف المستقل.

لقد شهدت تسعينيات القرن العشرين مراجعات فكرية هامة لعدد من المفكرين العرب، الذين أجروا مقاربات ومراجعات تناولت مفهوم المثقف ونقده وأصالة دوره، وأهم هؤلاء المفكرين "إدوارد سعيد، عبد الرحمن منيف، محمد عابد الجابري، عبد الإله بلقزيز، علي أومليل". وبالرغم من إيماني بأن عصر المثقف الأسطورة، المثقف الخارق القائد قد ولى بغير عودة، إلا أن الموضوعية في مقاربة الانتهازية الثقافية والأمانة المهنية، تفرض الذكر أن هناك القلة القليلة من المثقفين والمفكرين والنقّاد، الصابرين الأوفياء لأنفسهم وأوطانهم، المثقفين الملتصقين بالجماهير والمدافعين عن مصالحهم وحقوقهم، وما زالوا ملتزمين بقضايا الأمة وأهمها القضية الفلسطينية، وهم يستحقون منا كل احترام وتقدير.

ومن أبرز مهام هؤلاء المثقفين الملتزمين التصدي للمثقفين المزيفين، والتنبيه للمخاطر المترتبة عن أفعالهم التي تهدد بتفكيك البنية الثقافية والاجتماعية للأمة العربية. وبظني أن المثقف الحقيقي مطالب بالوضوح والشفافية في أفكاره ومواقفه وانحيازه، ورفض المواقف الملتبسة والتعابير الملتوية.

ماذا نحتاج

منذ القدم كان المثقف صوت المجتمع الصادق وضميره اليقظ، والكثيرون منهم سددوا أثماناً فادحة لمواقفهم بدءاً من سقراط الذي أعدم بسبب أفكاره، عبوراً بقتل الشاعر الشهير الضرير "بشار بن برد العقيلي" بيتين من الشعر، وسواهم المئات من المثقفين عبر العصور بسبب انشغالهم في قضايا واقعهم.

مثلما أسهم المثقفين التنويريين الغربيين في نهضة أوروبا، وكما فعل روّاد عصر النهضة العربية في القرن التاسع عشر بمقاربات التجديد الديني، فإن الراهن العربي بكافة أبعاده السياسية والاقتصادية والثقافية، يفرض تحديات جسيمة، وأسئلة مركبة كبيرة ومعقدة، تتطلب مقاربات وإجابات علمية من عقول متخصصة ومتسلحة بالمعرفة والوعي والبحث العلمي، وهذا دور ومهمة المفكرين والمثقفين العرب الأصليين.

 

حسن العاصي

كاتب وباحث فلسطيني مقيم في الدانمرك

 

مجدي ابراهيمأظهرت الدراسة التي قدّمها المفكر المصري الأستاذ الدكتور عصمت نصار أستاذ الفلسفة الإسلامية والفكر العربي بجامعة القاهرة على مدار أربع حلقات متتالية عن شخصية عبد الله بن المقفع (724- 759م) الخلقية والسياسية، تمايزاً يُلفت الأنظار من الوهلة الأولى إلى خطاب ابن المقفع بين الأدب والفلسفة، مطروحاً برؤى نقديّة، ومعالجاً مع الطرح النقدي بمسحة فلسفية أهم خصائصها هو الرمزية التي توخّاها الأديب في كتاباته. انصفت الدراسة الرجل حين خذله التاريخ، وحققت آراءه حين أهملها المصلحون في الغالب إلاّ القليل منهم، ودققت في رؤى النقاد من القدماء والمحدثين حول الأثر الخالد "كليلة ودمنة"؛ لتقابل بينها وبين المأثورات الفلسفية كما جرت لدى الفلاسفة سواء في قصة حي بن يقظان لابن طفيل، أو إشارات التوحيدي في الإمتاع والمؤانسة، أو مأثورات إخوان الصفاء ورسائلهم السريّةّ؛ ولتجلي عناية الكاتب بالأديب منهجياً في هدف واضح محدّد، هو كما قال: " الكشف عن تلك المسحة الفلسفية التي ضمنها ابن المقفع كتابه "كليلة ودمنة"، وهو الذي يعدُّ من البواكير الأولى للكتابات الأدبية التي ارتدت الثوب القصصي المُلغز اتقاءً لغضبة السلطات القائمة سواء سلطة الحاكم ممثلاً إذ ذاك في أبي جعفر المنصور(ت 775م)  الذي اتسم بالشدة والعنف تجاه الكتّاب والمبدعين والحكماء والفقهاء كذلك، أو كانت سلطة العقل الجمعي التابع مُشخّصاً في الجمهور".

كان هذا هو الهدف الذي توخّته الدارسة بادئ ذي بدء، وإنه لهدف بلا شك يعمق النظرة الثاقبة إلى باكورة أدبية وفلسفية اتخذت مدادها الفعال من الرمز والتجريد والتحليق في سماوات الخيال، سبحاتها الفلسفية ومداركها العقلية، وكلها - كما ترى - مطالب أدبية وفلسفية لا غنى عنها، ولا مناص من تسليط الضوء عليها وتحليل معطيتاها السياسية والخلقية في إطار ممارسات حيّة فاعلة لا تقدح مطلقاً في قيمة العمل الذي يُنظّر له كيما يبقى أثره فاعلاً ممتداً غير مهمل ولا منكور في ثقافتنا العربية.

نشأ ابن المقفع مستعرباً في البصرة بين آل الأهتم الذين اشتهروا بالفصاحة والعلم، وأتقن اللغتين وآدابهما: الفارسية، لغة قومه، والعربية لغة الدولة والبلاد التي نشأ فيها،وتكسّب بعد وفاة والده (المقفع) بصناعة الكتابة، وكان مجوسياً يقال له (روزبة)   وأعلن إسلامه وهو بصحبة عيسى ابن أخ الخليفة المنصور، وسمى بعبد الله، وكنى بأبي محمد. كان الخلاف في زمنه على أشدّه بين مؤسسي الدولة العباسية، وكان كاتباً لدى عبد الله بن علي الذي خرج على ابن أخيه الخليفة المنصور. ولمّا طلب المنصور تسليم عبد الله إليه، رفض أخواه سليمان وعيسى تسليمه إلا بأمان منه يمليان هما شروطه، وكتب الأمان ابن المقفع فشدّد وبالغ في شروطه خوفاً من غدر المنصور، فنقم المنصور عليه، وراح يتربص الفرص للإيقاع به.

كانت الجراءة من صفات ابن المقفع، والصراحة في إبداء رأيه سمة غالبة عليه مع كونه - كما وصفه أحد معاصريه - أنه كان أذكى العجم المستعربين وأفصحهم، كريم الخلق، سخي اليد، شديد الوفاء، وهو مع ذلك كله كان ينتقد سير الحكم في البلاد أيام المنصور، فزاد حقد المنصور عليه، ودبّر المكائد للتخلص منه، فأشيع بعد قتله أنه كان زنديقاً يظهر غير ما يبطن ولا يؤمن بالدين،غير أن مصنفاته لا تشير إلى شئ من ذلك أبداً. مات وهو في السادسة والثلاثين من عمره.

كان ابن المقفع ضليعاً في اللغتين الفارسية والعربية، ترجم من الفارسية إلى العربية وأجاد في الترجمة، ونقل كثيراً من الكتب، ضاع أكثرها. ويرجّح أن تكون شخصية الفيلسوف "بيدبا" واضع الكتاب باللغة الهندية شخصية خيالية من وضع ابن المقفع نفسه، نظراً لاضطراب الحياة السياسية إذ ذاك على زمن المنصور وإشاعة القلاقل ممّا دفع ابن المقفع أن يضع الكتاب مرموزاً على ألسن الحيوان والبهائم والطير، وقد سماه "كليلة ودمنة" من باب تسمية الكل باسم الجزء نسبة إلى ثعلبين شقيقين يقومان بدور كبير في أحد أبوابه، وانتشر الكتاب في الأوساط الثقافية انتشاراً واسعاً، وهو أول كتاب عربي في الأخلاق يتضمّن نصائح وتوجيهات بطريقة المثل المعقول غالباً على ألسنة البهائم.

فلئن كان الأستاذ الإمام " محمد عبده  " أوّل من وجه الأذهان عام (1902) إلى العناية بكتاب "كليلة ودمنة" ليكون على رأس الكتب المدرسية، وكان الأستاذ "أحمد أمين" أوّل من نوّه إلى ضرورة درس ابن المقفع مبيّناً أثره في الأدبين: العربي والفارسي، ومنتصراً لرأي الذين درسوه من قبل من المستشرقين كون كتاب " كليلة ودمنة" يعدُّ أثراً رائعاً تظهر فيه آراء ابن المقفع السياسية والأخلاقية، فإن للدكتور "عصمت نصار" فضل استخلاص نسقية تلك الآراء من ثلاثة جهات رئيسية:

من جهة الفلسفة والمنهج، ومن جهة دلاتها الرمزيّة، ومن جهة التطلعات النقديّة فيها وفرز الأخلاق السلبية (الرذائل) عن الأخلاق الإيجابية (الفضائل)، ثم تأصيل ذلك كله فلسفياً، وهو من بعدُ، فضلٌ ليس بالقليل. ناهيك عمّا كنتُ ذكرته في خاتمة المقالة السابقة عن ابن المقفع الأديب والفيلسوف والإنسان، والسابق للفكر الإسلامي تأصيلاً لأسس الأخلاق، والقادح على الجملة فضلاً عن التفصيل في أقوال غير مسؤولة قيلت عن هذا الفكر جزافاً واعتباطاً من أنه لم يُخرّج لنا بحثاً واحداً أصيلاً في الأخلاق باستثناء كتابي "يحيى بن عدي" و"مسكويه" الذين نهجوا منهاج أرسطو والرواقيين من فلاسفة اليونان.

وقلتُ إن الفضل يرجع في تهافت هذه الأقوال وسقوطها إلى دراسة الدكتور عصمت نصار، وكنت أعني قصداً ما أقول.

فأولاً: هناك رمزية ظاهرة في التعبير عن مساقات الأبطال الذين اتخذهم الأديب ليجري عليهم مقاصده الخلقية في صورة حكم ومأثورات من القيم، ربما تنتسب إلى الفلسفة بصلة أو تتصل بأواصر الأديب أو تتوافر في رباط قوي يمزج بين الفلسفة والأدب في حكمة الأديب وذوق الفيلسوف، شأن كبار الفلاسفة والأدباء في التعبير عن قيم روحية وفلسفية بالرأي الذي يراه من وراء المرموز إليه، وفك الشفرات الباطنة الخفية والمضي بها إلى حيث ظلالها الدلالية، يحدث هذا في المسائل الأخلاقية على وجه العموم كما يحدث في نفس تلك المسائل حين يسقطها على الحاكم أو الرئيس من جهة التلميح لا من جهة التصريح؛ " فإذا كان أفلاطون - كما يقول عصمت نصار- قد وضع الحب والحكمة في ذروة سلم الفضائل والمكارم، وراق لأرسطو تعظيم فضيلة الصدق والصداقة والوسطية على دونها من القيم المحمودة في ميدان الأخلاق، فإن ابن المقفع قد أكد على أن النبل والشرف والحب والعدالة ينبغي أن تكون في صدارة خصال كل حاكم في رعيته وسلوك كل راعٍ في معيته، فالحياء والعفة والوفاء والصداقة هى من العمد المؤثرة والأسس الرئيسية التي لا تستقيم بدونها الأنفس الخيرة والعقول المتسامحة والأعمال الناجحة".

وقد صاغ ابن المقفع هذه القيم في صورة حكم وأمثال تجري على ألسنة أبطاله ممّن حكى عنهم ورمز لهم.

وثانياً: هنالك نظرية سياسية لابن المقفع تامّة الملامح والأركان، ذات أبعاد نقديّة كشفت عن أطوار الترقي في اختبار المجموع، وأظهرت أدوار التطور لمعالجة أقدارهم ومناقبهم، بمقدار ما كشفت عن مركزية البطل: الحاكم أو الرئيس الذي تناط به صلاح الرعيّة، تقترب من الديمقراطية في الإسلام، لا الديمقراطيات الحديثة المكذوبة كما يُصدّرها لنا العالم الغربي، فهو لا يزال وراء الحاكم بسياط العبرة ورقة الحكمة ولطافة الأنظار الفلسفية حتى يثنيه عن آفات الضعف أو المرض، ويرغّبه في الكمال الذي يزينه ولا يشينه، ولأنه هو الأبقى دوماً على رأس الدولة، فإن الفساد الذي يلاحقه هو الفساد الذي يحيط به ممّن يجتمع معهم فيقرّبهم، مؤيدين ومعارضين.

لكن الذي يُعارضه، إن لم تكن غاية المعارضة عنده في تقويم خلقه وبناء نفسه وتسويه ملكاته، فهو أبعد لديه من كل بعيد، وأدنى أن يكون خليطاً قذراً من المنتفعين والوصوليين والانتهازيين: "ذيول الكلاب" الذين يغتنمون فرص الانقضاض في كل حين ولو على الحاكم نفسه، ولا يتورّعون قيد أنملة أن يكونوا لؤماء من أجناس الطبع اللئيم، متى أقمتهم على طعمة المنفعة أُقيموا، وإذا فككت عنهم رابطها عادوا مخذولين إلى طباعهم اللئيمة.

هذه نقطة للأمانة تتقوّم بها المقاصد في نظرية ابن المقفع السياسية وهى ولا شك نظرية شرعية تتخذ مصادرها من تربية إسلامية قصداً وفعلاً، وأصالتها تعبير عن هذا المصدر من أول وهلة. فإذا كانت الأخلاق لا تكاد تمسُّ الصلة بالسياسة من الوجهة العملية واقعاً معاشاً في الديمقراطيات الحديثة؛ فإنها هنا في أنظار ابن المقفع لا تفرقها عن السياسة ولا تفرق السياسة عنها.

أمّا النقطة الثانية التي تجعل من نظرات ابن المقفع نظرية سياسية تقترن بالديمقراطية في الإسلام فهي دحر الفساد بالعدالة، وتقييد الحاكم بقيود النقد والمعارضة، بالنظر بعين الاعتبار إلى الفلاسفة والحكماء وذوي العقول القويّة والآراء المنزهة عن المصالح، والآفاق المتسعة الراجحة في موازين الحياة بجوانبها المختلفة، فعلى هؤلاء تكون المرجعية النقدية واختيار أسس الإصلاح الذي يغنم به الحاكم كما تغنم الرعيّة، ولا يُساء من جرّاء فقدانه إلّا مجتمع لا تسود فيه العدالة ولا تشيع الخيريّة بل يسود الفساد في مرافقه ومؤسساته وسائر توجهاته ممّا يقدم على إصلاحه، وإصلاح ما فسد فيه. لاحظ هذه النسقية كيف تمضي في تفكير ابن المقفع حين يربط العدالة رمز الخير والفضيلة بالسياسة بالقيم الخلقية في وحدة واحدة ليس فيها جور ولا نكوص، فلا السياسة تنفصل عن الأخلاق، ولا الأخلاق تجئ بمعزل عن السياسة، ولا كلاهما في منأى عن القيم الفاعلة المعززة بوحدة القصد في مطالب المجموع.

بصدق، فإنّ الوقوف على تلك النظرات الشاملة لابن المقفع لا يتأتى إلاّ لرجل خبير وقلم محيط وعقلية قادرة على تفصيل الأجزاء وتفريق الفروع الكلية، ثم إعادة صياغتها في نسق محكم يهدف إلى الوحدة والشمول، وهو ما فعله صديقي الأعز الدكتور عصمت نصار في دراسته عن خطاب ابن المقفع بين الأدب والفلسفة في محاوره الأربعة، المنهجية النقدية ثم النظرية السياسية ثم الأخلاق الإيجابية وأخيراً الأخلاق السلبية.

 

بقلم: د. مجدي إبراهيم

 

 

من أجمل ما قرأت عن الحب عبارة لسيمون دي بوفوار تقول فيها: "في الحب شيء من كل شيء؛ فيه شيء من القلب، وشيء من العقل، وشيء من الروح، وشيء من الجسد". فعندما يحدث التقارب القلبي والاقتناع العقلي والتآلف الروحي والانجذاب الجسدي معًا لن ترى عيناك سوى هذا الشخص. لكن، ما أصعب أن تجد هذا الحب، فإن وجدته ستكون أغبى إنسان على ظهر الأرض إن أضعته من يدك.

وبالرغم من حقيقة أن من أهم ما يميز الناجحين في حياتهم المهنية والشخصية القدرة على القيام بخطوة تقييمية في مراحل حاسمة؛ فإما الاستمرار وإما تغيير المسار، إلا أن ارتفاع أعداد حالات الطلاق في مصر صار مشكلة اجتماعية متفاقمة لا بد من محاولة فهم أسبابها وعلاجها.

صرنا نختار الحل الأسهل ونرحل ولا نعتني ببذل الجهد اللازم للحفاظ على علاقاتنا أو لإصلاح ما فسد بيننا، بينما العقلاء يرحلون فقط عندما يكون الرحيل مبررًا، عندما ييأسون من العلاقة، ويفتقدون السعادة، وتصبح العلاقة عبئًا نفسيًا عليهم؛ فلا ينبغي أن نصل في أي علاقة إلى حد أن نسأل أنفسنا إن كان استمرارها فيه إهانة لنا أم لا؟ وكما يقول مارك توين: لا غياب إلا غياب راحتك، ولا فقد إلا فقد ذاتك، وطبيعي أن نبحث عن الفهم والتقدير في علاقاتنا الاجتماعية، لكن بالرغم من ذلك كثيرًا ما نكون بحاجة للتجاوز والصفح للاحتفاظ بعلاقاتنا مع الأشخاص المهمين في حياتنا. هذه القدرة تؤسس لنجاحاتنا في الحياة.

ومما يساعد على تحقيق النجاح أن تكون أهدافنا في حياتنا الاجتماعية واضحة أمامنا، وأن نحرص ألا تتعارض سلوكياتنا معها. لا يمكن أن تجد عاقلًا يفسد علاقته بإنسان من خلال سلوكياته معه بينما هو يهدف إلى استمرار علاقته به! لكن أحيانًا يكون الإنسان نفسه هو السبب الرئيسي في إفساد علاقته بأكثر من يعنيه استمرار علاقته بهم، فيكون هو من يعطيهم المقص لقطع العلاقة وإنهائها. المشكلة أيضًا قد تكون في الطرف الآخر، عندما يصر على الخطأ متصورًا أن عطاء الآخرين وتسامحهم أبدي.

لقد أصبح ارتفاع أعداد حالات الطلاق سمة من سمات حياتنا المعاصرة، ربما أسهم في ذلك الاستسهال أن الطلاق لم يعد يُعتبر فشلًا بالنسبة لكثيرين! صار الزواج أشبه بتجربة تنتهي لتبدأ غيرها، وربما لا تبدأ! ولم يفلح ارتفاع تكاليف الزواج في جعل الزوجين يبذلان الجهد اللازم لإنجاحه، بينما كان الطلاق منذ عقود يُعتبر فشلًا ذريعًا، وكان الزوجان يحاربان ويجاهدان لأجل المحافظة على حياتهما الزوجية، ويرفضان الاستسلام للفشل فيها، وشيئًا فشيئًا ومع بذل مزيد من الجهد كان يتسنى لهما الوصول إلى قدر من الفهم للطرف الآخر وطبائعه واحتياجاته يمكنهما من الاستمرار.

ويمكن القول إن المرأة بطبيعتها –لو أرادت- أكثر قدرة على تحقيق الفهم للرجل، وهو ما لا يتسنى عكسه للرجال! وربما لأجل ذلك كثيرًا ما كان المجتمع يصب نظرته المنتقدة نحو المرأة المطلقة لأسباب تتعلق بسوء التفاهم بين الزوجين لأنها لم تقم بما كان يلزمها القيام به لأجل الحفاظ على زواجها.

أما الرجل فلا تتوفر له قدرات المرأة نفسها التي وهبها الله إياها التي تمكنه من فهمها، فلماذا لا يفهم الرجال النساء؟!

فروق بيولوجية!

بالرغم من أن تقسيم أجزاء المخ وتراكيبه تتماثل بين الرجال والنساء إلا أن هناك اختلافات في حجم وعدد الخلايا في كل جزء منه، مما يؤدي لاختلاف بين النوعين في تركيز المادة الرمادية Gray Matter في قشرة المخ، والتي تحتوي أنوية الخلايا العصبية، وكذلك تركيز المادة البيضاء White Matter التي تحتوي محاور الخلايا العصبية، والمسئولة عن التوصيل العصبي، والاختلاف أيضًا يوجد في أحجام التراكيب تحت قشرة المخ كالجهاز الحافي limbic System واللوزة والحصين، وتؤدي هذه الفروق التشريحية برُمتها إلى فروق كثيرة بين الجنسين في عمليات التواصل.

وبوجه عام فإن مخ المرأة يعالج المعلومات بشكل متعدد؛ حيث تتنقل بين أجزائه بسهولة كشبكة مترابطة، أو كما لو كان مخها منزلًا أبواب غرفه مفتحة على بعضها. يساعد على هذا أن الجسم الجاسئ المسئول عن ترابط النصفين المخيين الأيسر والأيمن ويسمح بتبادل الرسائل بينهما حجمه أكبر بدلالة لدى الإناث وفق أغلب الدراسات. بينما مخ الرجل يعالج المعلومات بشكل أحادي غير مترابط، فإذا ما كان بصدد معالجة معلومات متعلقة بقضية ما في العمل فهو يعالجها بشكل مستقل عن غيرها من المعلومات الخاصة بقضايا أخرى، وفي غرفة معينة مغلقة داخل مخه، ويكون مستغرقًا فيها حد الانعزال، ويصل انعزاله إلى درجة أنه يحتاج إلى تهيئة ووقت حتى يخرج من غرفته تلك، ليبدأ معالجة المعلومات الخاصة بقضية أخرى في غرفة أخرى من عقله!

إضافة إلى ذلك فمخ المرأة لا يتوقف نشاطه إطلاقًا، بينما يمكن للرجل أن يطفئ مصباح التفكير في مخه ولا تظهر أي إشارة كهربية على نشاط ولو محدود فيه، وهو ما أسماه بعض العلماء "غرفة اللا شيء"! وهذه الطريقة من أهم الطرق التي يستخدمها الرجل للتخلص من الضغوط. وقد تحدثنا بشكل أكثر تفصيلًا عن معالجة المعلومات عند ذكر مشاكل التواصل اللفظي بين الجنسين.

ولا شك أن للهرمونات أيضًا دورها الكبير وأثرها على السلوك والحالة المزاجية لكلا الجنسين، فالرجال تنتج أجسامهم أضعاف ما تنتجه أجسام النساء من التستوستيرون، يقدرها العلماء على الأقل بعشرة أضعاف مثيلاتها عند الإناث، وهذا يجعل أفعال الرجال أكثر مباشرة وأكثر عدوانية وأقل عاطفية، على العكس من النساء، كما أن أجسام الرجال تنتج نسبة أكبر من هرمون السعادة السيروتونين، وهذا يجعلهم أقل عرضة للاكتئاب وتبدل المزاج من النساء.

التنشئة الاجتماعية ودورها في تشكيل الفروق بين الذكور والإناث في مهارات التواصل

يولد الفرد صفحة بيضاء، ويتشرب قيم وعادات مجتمعه ويتعلم أدواره في المجتمع من خلال التنشئة الاجتماعية. ويُقصد بالتنشئة الاجتماعية تلك العملية التي تتم في كل مجتمع بهدف إكساب الأطفال والمراهقين المهارات والأدوار الاجتماعية التي تنقل السمات الثقافية للمجتمع، وإن كانت هناك نظرة أخرى ترى أن التنشئة الاجتماعية عملية أكثر استدامة يمر بها الفرد طوال حياته؛ فللراشدين نصيب منها كما للأطفال والمراهقين.

بالنسبة لمهارات التواصل؛ سجَّل بعض الباحثين ملاحظاتهم على أن التعبيرات الانفعالية للمواليد الذكور والإناث لا تختلف، بل ربما كان الذكور أكثر تعبيرًا عن الانفعالات منذ الميلاد وخلال الشهور الأولى من حياتهم، بينما لا يكون هذا صحيحًا عند وصف الذكور البالغين. وبما أن الأمر كذلك فإن نقص التعبير الانفعالي لدى البالغين من الرجال لا يمكن عزوه لأثر الجينات، وبالرغم من ظهور دلائل من أبحاث المخ تشير إلى اختلافات تؤثر في زيادة تعبيرية الإناث وزيادة الضبط الانفعالي لدى الذكور فإن الأمر لا يخلو من أثر التنشئة الاجتماعية، والتي تعمل على تحويل الطفل الذكر المعبر انفعاليًا إلى رجل غير قادر على التعبير عن انفعالاته ومشاعره على الأقل مقارنة بالنساء، وإن كان كثير من الرجال لا يشعرون بأن هناك مشكلة لديهم على الإطلاق أو لنقل لا يعترفون بوجود مشكلة.

فلأن هناك تمييزًا جنسيًا واضحًا في الانفعالات وكيفية التعبير عنها وضبطها؛ يبقى للتنشئة الاجتماعية دورها الذي لا يخفى في تشكيل الفروق الواضحة بين الرجال والنساء البالغين في مهارات التواصل الاجتماعي؛ فالطفل الذكر يُربى على ضرورة إظهار الخشونة وعدم التأثر أو التعاطف، فتقل مهارة الحساسية الانفعالية لديه، كما أنه غير مسموح له بالبكاء وإظهار الحزن أو الخوف، وينبغي أن يبدو جادًا ويقلل الابتسام، فلا يبتسم كثيرًا وإلا سيبدو كالفتيات، وهو ما ينعكس في ضعف مهارة التعبير الانفعالي لديه، وزيادة الضبط الانفعالي في المقابل. وعلى العكس يُسمح للفتيات بالتعبير عن مخاوفهن بالبكاء وربما الصراخ، كما تُربى الفتيات على ضرورة الابتسام وإظهار المرح والتفاؤل، لكن مع لفت نظرهن –في المجتمعات الشرقية- إلى تقليل تلك التعبيرية عند التعامل مع الرجال الغرباء.

وربما كان الانفعال الوحيد الذي ينعكس الوضع فيه بإمكانية التعبير عنه أو المطالبة بضبطه هو انفعال الغضب؛ فبينما لا يُسمح للنساء مطلقًا بالتعبير عنه بأكثر من الكلمات الهادئة، ويتعلمن ضبطه منذ الصغر، يستخدم الرجال كلمات قاسية ونبرة صوت أعلى وتعبيرات وجه أقوى للتعبير عن الغضب. وبينما يكون إظهار الغضب والتعبير عنه بقوة قولًا وفعلًا محاولة للسيطرة ومظهرًا من مظاهر الرجولة في الكثير من الثقافات، فعلى العكس يُعتبر تعبير المرأة المفرط عن الغضب فقدانًا للسيطرة ليس فقط على نفسها بل وعلى الموقف! أيًا كانت طبيعة الموقف.

إحدى الدراسات المسحية لايمي دور وآخرين (Aimee Dorr et al., 1995)  التي درست التعبير والضبط الانفعاليين لدى عدد كبير من الأطفال الأمريكيين الأوربيين (الأمريكيين البيض)، لاحظت أن هناك تغيرات عمرية بسيطة في التعبير والضبط للفتيات وفي الضبط للبنين، وأن البنين هبطوا مع السن في التعبير بشكل يمكن افتراضه والتسليم به، لأن عناصر التعبير تتضمن انفعالات مثل الخوف والحزن والابتهاج، مما يتوقع أن يكبتها الذكور عندما ينضجوا.

نتائج الدراسات المتواترة تشير أيضًا إلى أن الإناث بشكل خاص أكثر تفاعلًا عن طريق الوجه من الذكور، مثل دراسة مونيكا ثانبرج ويلف ديمبرج  (Monika Thunberg & Ulf Dimberg, 2000)  عن الفروق الجنسية في ردود الأفعال نحو المثيرات المتعلقة بالخوف وغير المتعلقة به. أظهرت النتائج -والتي تم قياسها باستجابة تجعد المنطقة العضلية الواقعة فوق العين- أن الإناث أكثر تفاعلًا وجهيًا من الذكور، بينما لم تكن هناك فروق بين الذكور والإناث عند قياس استجابات الجلد وتقديرات المفحوصين أنفسهم لدرجة شعورهم بعدم السرور. وهذه النتيجة الأخيرة تشير إلى أن الذكور وإن كانت وجوههم أقل تعبيرًا، إلا أنهم يشعرون بالخبرات الانفعالية رغم أنها لا تظهر على وجوههم، ويمكن التأكد من ردة فعلهم تجاهها بطرق أخرى.

أما التعبير عن الحب فالفروق لا يمكن قصرها على الفروق بين الجنسين؛ فهناك تفاوت ثقافي كبير بين الثقافات المختلفة بين ما هو مسموح به وما هو غير مسموح به قولًا وفعلًا.

إضافة إلى ما سبق تتم تنشئة الفتيات على ضرورة الترحيب بالضيوف والحديث إليهم، مع توخي الحذر عند النقاشات والمجادلات كي لا تفقدن حب الآخرين خاصة ذوي المكانة، فتنمو مهارات التواصل اللفظية الثلاث (التعبير والحساسية والضبط) اللفظيين إلى المستوى الذي يتحقق عنده المهارة؛ فلا إفراط ولا تفريط.

لكن بالرغم من أن الدراسات حول العالم تشير إلى أن النساء أعلى في التعبير اللفظي من الرجال إلا أن ذلك لا يمنع أن الإناث كثيرًا ما تتم تنشئتهن ليقللن الكلام عن الحد الذي يمكن أن تصله طلاقتهن اللفظية العالية، وذلك في المجموعات المختلطة من الجنسين، ومع ذلك فهن يتحدثن غالبًا أكثر من الرجال في الجماعات المختلطة، ويحافظن أكثر منهم على استمرار الحديث، ويمتاز كلامهن أنه أكثر اكتمالًا وأكثر تهذيبًا، كما أنهن أكثر إصغاءً لحديث الآخر.

وكلما تقدم الأطفال في العمر زاد الضغط عليهم لأجل التوافق مع متطلبات الدور الجنسي الذكري أو الأنثوي؛ وذلك بأن يتم تعزيز السلوك المتوافق مع ما يتقبله المجتمع من جنس الطفل، وما لا يتقبله.

وتلعب جماعات الأقران دورًا كبيرًا أيضًا في التنميط الاجتماعي؛ فبدءًا من مرحلة الطفولة المتوسطة والمتأخرة يميل الصغار إلى تكوين جماعات منفصلة الجنس، يمارسون من خلالها أنشطة تعزز هويتهم الجنسية، وتؤثر في تكوينهم الانفعالي بشكل خاص، وتواصلهم بوجه عام.

ألعاب الذكور منذ الصغر، تتم عادة في جماعات كبيرة، وتكون منظمة ولها قواعد تحكمها، يتعلمون منها الاستقلالية والمنافسة وعدم المساواة، وأن هناك مراتب يتفاوت على أساسها البشر، ويتعلمون مع ذلك وبسببه أن يتحرروا من الانفعالات. بينما الإناث غالبًا لا يُسمح لهن بأن ينتمين إلى جماعات كبيرة، بل تكون لكل واحدة منهن صديقة أو اثنتين تلعب معهن، ويحرصن على الحفاظ على العلاقات بين بعضهن أكثر من حرصهن على الانتصار، فهن يلعبن للتسلية وليس للفوز؛ فيتعلمن المشاركة والمساواة من ألعابهن، كما يتعلمن التعبير الانفعالي والتعاطف. ربما هذا يفسر كراهية الإناث أن تكون مديرتهن امرأة؛ كونهن لم يعتدن على وجود فروق في المكانة بين أقرانهن الإناث لغياب التنافسية.

ومن أشهر الاختلافات بين الجنسين في التعبير والحساسية الانفعاليين أن المرأة بوجه عام تفضل الاتصال البصري أثناء الحوار، وتُلاحَظ درجات عالية من الاتصال البصري في حوارات النساء، بينما عندما يكون طرفا الحوار رجلين لا توجد مثل هذه الدرجة العالية من الاتصال البصري، والاتصال البصري المستديم بين رجلين لا يُرى كعلامة على الاهتمام وإنما لإظهار السيطرة. ويظهر أثر التنميط جليًا في الأزواج المختلطة حيث يُرى الرجل يتجنب استدامة النظر إلى المرأة، ومن جهة أخرى فحساسيته تجاه تواصلها البصري المرتفع تجعله يسيئ تفسيره ويحسبه اهتمامًا! وأعتقد أن المحافظة على الدرجة المقبولة للاتصال البصري في الأزواج المختلطة هو من أصعب المهارات الفرعية المتطلبة من النساء في الضبط الانفعالي.

وكما توجد فروق ثقافية في المسافات الشخصية، توجد أيضًا فروق بين الجنسين؛ فالنساء أكثر تطلبًا وحرصًا على مسافاتهن الشخصية من الرجال في التفاعل الاجتماعي المختلط، ولا شك أن للتنشئة الاجتماعية دورها الكبير في ذلك، ولكن للبيولوجيا دورها أيضًا. كما أن وضع الاقتراب المناسب يختلف بين الرجال والنساء. من غير اللائق أن تقترب من امرأة من الجانب فذلك يشعرها بالانتهاك. إن أردت الاقتراب من امرأة لتحادثها في أي أمر عليك الاقتراب من الأمام بحيث تواجهها، مع الاحتفاظ بمسافة مناسبة. عادة لا تقبل النساء الوقوف بزاوية مع من تحادثه/تحادثها إلا في حال الشعور بالود الشديد، أما الرجال فيقفون في هذا الوضع بشكل دائم مع المقربين وغير المقربين، وعلى الرجال بوجه عام أن يكونوا أكثر حرصًا وتنبهًا وأقل عفوية عند الاقتراب من النساء.

والأمثلة أكثر من أن تُحصى على الفروق بين الجنسين والتي تكون غالبًا لصالح النساء. إحدى الدراسات أشارت في نتائجها إلى أن الرجال البالغين عامة أقل دقة مقارنة بالإناث في التعبير والحساسية اللفظيين، العجيب مع ذلك أنها أشارت أيضًا إلى أنهم أكثر ثقة في مهاراتهم تلك من الإناث! فهم يتصورون أنهم ماهرون في تواصلهم اللفظي بأعلى مما هم عليه في الحقيقة.

ومما أشارت إليه نتائج بعض الدراسات في المجال أن تلقي محاضرات لتحسين مهارات التواصل لا يكون مؤثرًا ما لم يتلق الأفراد تدريبًا عمليًا بغرض تحسينها.

إن اكتساب أي مهارة هو نتيجة لتفاعل عاملي الجنس والثقافة، فإذا كان للعوامل البيولوجية تأثيرها الذي لا يُنكر في إيجاد فروق بين الذكور والإناث، إلا أن جانبًا كبيرًا من تلك الفروق بين الجنسين ترجع إلى الاختلافات في التنشئة الاجتماعية بين الذكور والإناث، وما يتوقعه كل مجتمع من أفراده وفقًا لنوعهم؛ أي إن اختلاف الدور الجنسي للذكور والإناث يؤدي إلى تباينهم في مهارات التواصل الاجتماعي، كذلك يؤدي اختلاف التراث الحضاري والثقافي للمجتمعات –الذي فصَّلنا فيه في موضع آخر- إلى اختلاف الأدوار الجنسية للذكور والإناث فيها، ما ينعكس في بعض الفروق التي توجد بين أفراد الجنس الواحد عبر المجتمعات المختلفة، لكن ربما شملت الاختلافات أفراد المجتمع ككل مقارنة بالمجتمع الآخر عندما يكون عامل الثقافة هو الأقوى تأثيرًا.

لماذا تتذمر النساء كثيرًا من أفعال الرجال؟ ولماذا لا يفهم الرجال النساء؟

وهل لهذا علاقة بدرجة مهارات التواصل الاجتماعي لدى الجنسين؟

يهتم علماء النفس الاجتماعي بالعوامل التي تؤدي إلى اتخاذ أحكام دقيقة أو غير دقيقة على الحوادث الاجتماعية، كما أنهم يهتمون بالحالات الانفعالية لدى الأفراد، وبمقاصد وإدراكات الأفراد في الجماعات التي ينتمون إليها، وعندما نتحدث عن التواصل الاجتماعي تحديدًا فهناك قاعدة شهيرة تقول: "الرسالة كما تُرسل ليست بالضرورة هي الرسالة كما تُستقبل"!

ليس بالضرورة أن رسالتك اللفظية أو غير اللفظية التي أرسلتها لشخص ما تكون قد وصلت إليه كما أردتها، فمهارة التعبير شيء ومهارة الحساسية شيء آخر، وهذا غالبًا ما يحدث عند التفاعل بين الرجال والنساء.

فبناءً على الاختلافات البيولوجية في المخ وإفراز الهرمونات، وكذلك الاختلافات في التنشئة الاجتماعية توجد فروق عديدة بين الجنسين في مهاراتهم التواصلية حتى بين أبناء الثقافة الواحدة، وذلك في التعبير الانفعالي وإدراك المشاعر بأنواعها، ومنها نفهم لماذا تبدي النساء مشاعرًا بصورة أكثر بكثير من الرجال، ولماذا يكن أكثر حساسية بدلالة من الرجال تجاه مشاعر الآخرين. وتكاد تشير جميع الدراسات على مستوى العالم، وعلى اختلاف الثقافات، أن النساء أفضل بشكل دال في تفسير التلميحات غير اللفظية (الانفعالية) أثناء السلوك الاجتماعي، وكذلك في حساسيتهن اللفظية لمحتوى الحديث.

بالنسبة للتعبير اللفظي تحديدًا، تشير بعض دراسات المخ إلى أن مراكز اللغة والسمع لدى الإناث أكبر حجمًا مما هي عند الذكور. كما تكاد تجمع جميع الدراسات حول العالم على تفوق الإناث في النمو اللغوي عن الذكور منذ بداية اكتساب القدرة على الكلام.

كما أن الضبط الانفعالي يكون أعلى عند الذكور مع نقص في التعبير الانفعالي لأسباب بيولوجية وجيهة؛ وهناك دراسات تشير إلى أن تحكم الرجال في الانفعالات يتم داخل اللوزة، وهي جزء لا يرتبط مباشرة بالقشرة المخية، خاصة الفص الجبهي حيث مركز بروكا المسئول عن اللغة والتفكير، بينما النساء يعبرن لفظيًا وانفعاليًا أكثر، ويضبطن انفعالاتهن بدرجة أقل لأن ضبط الانفعالات لديهن يتم في منطقة بروكا في القشرة الجبهية، حيث تتم العمليات اللغوية والتفكير.

والخلاصة أن هناك مشكلة عالمية لدى الرجال في مختلف الثقافات تتمثل في نقص قدرتهم على التعبير بشكليه اللفظي وغير اللفظي، وهو ما يضايق النساء تمامًا، ويتسبب في سلوكيات نفور منهن لا يستطيع الرجال تفسيرها وفهمها؛ ذلك أن لدى الرجال أيضًا وفي مختلف الثقافات نقصًا في الحساسية اللفظية وغير اللفظية يؤدي إلى عدم فهمهم لما يصدر عن المرأة من إشارات لفظية وتلميحات غير لفظية.

على العكس من ذلك تفهم النساء الرجال، ويدركن الأسباب التي تجعلهم يتصرفون معهن على النحو الذي لم يعجبهن، وعلى الرغم من أن النساء يدركن هذا النقص والعيب الاجتماعي لدى الرجال ويفهمنه إلا أنهن لا يتقبلنه مطلقًا خاصة في السنوات الأولى من العلاقة حيث تكون توقعات المرأة العاطفية في أقصى درجاتها. أي إن المرأة قد تفهم لماذا يسلك الرجل على نحو ما عكس ما ترغب، تفهم أن الأمر لا يعدو كونه نقصانًا طبيعيًا في درجة الكفاءة الاجتماعية للرجل وأنه ليس إهمالًا لها، ولكن ليست كل النساء قادرات على تجاوز تلك التصرفات خاصة في المجتمعات التي أعطت مكانة للمرأة، فصارت لا تتقبل أي سلوك ينم ظاهريًا عن عدم احترام لها حتى مع إدراكها أنه ليس كذلك في واقع الأمر، وإذا استطاعت المرأة تجاوز تلك التصرفات ظاهريًا فإنها تبقى غير سعيدة، ولا تكون قادرة على أن تسعد الرجل، وسيتشكى دائمًا من قلة رحمتها له وقسوتها عليه ونفورها منه. بينما حتى وقت قريب لم تكن أمهاتنا وجداتنا يسلكن على النحو نفسه كرد فعل لتصرفات الرجال. لقد كُن أكثر تفهمًا وأكثر احتواءً وأكثر تقبلًا للفروق الطبيعية بين الجنسين، ربما لأن أجيال الآباء والأجداد أيضًا كانوا أكثر اعتناءً واهتمامًا بأسرهم.

فهل ظلمت الحضارة والمدنية الحديثة المرأة عندما جعلتها ترفع درجة توقعاتها من الرجل؟!

وهل جعلت الحضارة والمدنية الحديثة الأسرة آخر ما يفكر فيه الرجل؟!

 

د. منى زيتون

 

649 توفيق 1الموروث الثقافي يتألف من مجمل العادات والأعراف والتقاليد وكل ما انتجه قريحة الشعوب من انتاج ادبي وفني في بيئة معينة وانعكس على أسلوب حياة وتفكير أبناء المجتمع بأكمله وعبر العصور. المدن ذو الثقافات المتعددة تكون الاغنى تراثيا وتتميز مجتمعاتها بهوية ثقافية جمعية الجوانب. مدينة كركوك ومعظم القرى والارياف التابعة لها تكون متحفا للشعوب للعقائد والاقوام مزيج من عصارة الحضارات القديمة. سأحاول تحديد فترة زمنية معينة للمادة يبدا مع السنوات الأخيرة للحكم الملكي وصولا الى عام 1970 حيث بيان الحادي عشر من اذار.

كانت يجب ان تكون المدينة مزارا للسياح للتعرف على رموز الثقافة والتنوع البديع فيها. كما يجب عدم نسيان انها أي المدينة تفتخر بكونها صاحبة اول بئر للنفط اكتشف في الشرق الأوسط. هذا الأخير جاء بالخير على الجميع ولكن أبناء المدينة ليس فقط حرموا من الاستفادة من تلك الثروة لا بل تحول الكنز الى ساحة صراع منذ تأسيس الدولة العرقية. هذا الصراع انعكس على ثقافة أبناء المدينة وبات جزء من تراثها. 

قد يكون الموروث والثقافة الجمعية مجرد مفردات وكلمات يستخدمها الناس في حديثهم ولهجتهم المحلية وتلك الكلمات قد تفهم فقط معانيها في تلك البيئة الثقافية. هذا الاختلاف في اللهجات يمكن مشاهدتها حتى بين احياء المدينة وتكون اكثر تميزا في القرى والارياف. حيث نرى ذلك وبوضوح في اللهجات التركمانية المختلفة ك لهجة طوز، لهجة كركوك ولهجة التون كوبري. كنت قد عالجت موضوع اللغة الثقافية في مادة سابقة يمكن البحث عن الموضوع على الموقع.

 كذلك يمكن ان يكون اختلافا ثقافيا في ملبس معين او زي شعبي او حتى شد عمامة الراس والوانه وحتى المواد التي صنعت منها العمامة.  وكذلك الطعام والشراب وحتى اللون المستحب عند قوم معين ورموز ثقافية أخرى ورثها أبناء المدينة جيلا بعد جيل.

كركوك مدينة التعددية الثقافية وواحة الحوار الحضاري السلمي بين الشعوب والأقوام والعقائد. وكما ذكرت هنا نجد ابناء كافة الأديان رغم انحسار تواجد اليهود بعد عام ١٩٤٨ وتجد كافة الطوائف الإسلامية في المدينة منتشرين في احياء معينة مكونين ثقافات جانبية تزيد من اغناء ثقافة المدينة السائدة.

هذا التنوع البديع أضاف الى المجتمع سمة قد تخلوا من مجتمعات المدن الاخرى القريبة والبعيدة وقد تكون مدينة خانقين رديفة لها  واربيل كذلك في بعض النواحي. لكن تلك الصفة التعددية بدأت تأخذ بالتبلور والتمركز وتأخذ طابعا قوميا خاصة بعد الحرب العالمية الأولى و زوال هيمنة الدولة العثمانية ومن ثم انهيارها. نتيجة لنمو ما يسمى بالحس القومي عند شعوب المنطقة وبين ابناء المدينة وبذلك بدا الناس يبحثون عن هوياتهم الثقافية القومية المستقلة وحتى المناطق السكنية ومحلات المدينة أخذت طابعا ذو بيئة قومية وبدئنا نرى مسميات احياء قومية ومنحصرة بقومية او بطائفة دينية ثم تدخل الحكومات القومية المتتالية وبداة بأطلاق تسميات حزبية وقومية عربية على الاحياء الجديدة ك العروبة والواسطي.

كانت الاحياء تسمى باسم القومية او الطائفة الغالبة التي تسكن الحي كتسمية عرب محلاسي او يهودلار محلاسي ، گاور باغي و حديديلر محلسى أمثلة لها. كما كانت هناك احياء تسمى باسم الصناع والمهن كحي المعلمين والضباط وحتى بعض الشخصيات كحي ملا عبد الله.  كما نرى ذلك حتى في المدن الاخرى كمحلة عقد الأكراد في بغداد العاصمة. كما ان القرى القريبة والمحيطة بقلعة المدينة تحولت الى احياء كما هي عليها قورية و تسعين وكان الأخير مجرد غابات تمتلكها احدى السيدات اليهوديات الثريات ونرى حديثا قرى اخرى ك حمزلي ، دارمان ، بشير ، ليلان ، تازه و قره هنجير تصبح اجزاء في اطراف المدينة بعد التوسع الأفقي العشوائي للمدينة.

649 توفيق 2لا ريب ان الحوادث التاريخية التي مرت على المدينة قد اثرت سلبا على ابناء المدينة. لا يذكر التاريخ نزاعا بين المكونات السكانية للمدينة لا بل نرى بان مطربي كركوك قد غنوا بالغات الأربع واعني العربية والكردية والسريانية والتركمانية. هناك فقط ذكر لخصام حدث في السوق الكبير اثر شجار بين أعضاء من الجيش من قوات الليفي التي استحدثتها الاستعمار البريطاني اثر احتلاله ومن ثم انتداب العراق وجل منتسبيه كانوا من إخواننا المسيحيين.  لكن حادثة معينة في تاريخ المدينة بقت اثارها السلبية لحد يومنا هذا. كانت تلك الحادثة إبان الاحتفال بمرور عام على اعلان الجمهورية 1959 تلك الحادثة التي استغلت من قبل القوى القومية اثرت سلبا على العلاقات بين ابناء المدينة وسميت ب(المجزرة) وكان من نتائجها ان العديد من العوائل غيرت أسلوب حياتها وحتى لغتها كي تبقى على الحياة وتستمر ولم يبقى الامر على ذلك بل حين تغيرت الأمور السياسية في البلد بدا المأساة والملاحقة لمن سموا مرتكبي الجريمة وعوقبوا حيث نصب المشانق وسط المدينة عند بناية المحكمة لهؤلاء وابعد عوائلهم وهجروا من المدينة. هذا الموروث الدامي اثر على طبيعة العلاقات ابناء المدينة فمنهم من هاجر لغته وموروثة ومنهم من هاجر الى مدن أخرى.

بقى ان نعلم بان حوادث عام 1959 اثرت سلبا على مجمل العلاقات الإنسانية في المدينة ومن ضمنها الحركة الأدبية والفنية و المسرحية. السينمات في المدينة توزعت فمنها في مركز المدينة وأخرى في شارع اطلس والجمهورية والسينما الوحيدة في الصوب الكبير كانت سينما الخيام. وكانت تلك السينمات تعرض أفلاما اجنبية والقليل من الأفلام العربية التي كان يمكن مشاهدتها في سينما النصر في  شارع السعدون في العاصمة بغداد. اما التلفزيون فقد جاء متاخرا للمدينة وفي أيام الرئيس عبد الرحمن عارف الذي افتتح محطة التلفزيون في طريق بغداد وبدا الناس بمشاهدة الأغاني العربية المصورة والمسلسلات المصرية وبعض البرامج بالغتين الكردية والتركمانية خاصة بعد عام 1970.

اما الحركة الأدبية فلم تكن بعيدة عن هذه الصورة فتجمعات الشباب كانت تعكس من ناحية التركيب الاثني والعقائدي لابناء المدينة ومن ناحية أخرى التركيب الفكري السائد انذاك. اما أماكن اللقاء فقد كان المقهى وخاصة بعد بناء كازينو النصر المدورة في شارع الجمهورية. معظم تلك النصوص الأدبية كانت باللغة العربية لغة النشر آنذاك في القاهرة وبيروت وبغداد وهناك عدد قليل من النصوص بالتركمانية والكردية.  يفتخر ابناء المدينة بان جماعة كركوك الأدبية قد اوقدوا روح حب الادب والابداع الادبي وريادتهم أدى الى ازدهار الحركة الأدبية لحد يومنا هذا (للمزيد حول الموضوع يرجى مراجعة مادتنا حول المجموعة على مواقع الانترنت). بقى ان نعلم بان اهل المدينة من التركمان يعشقون نوعا من الشعر المثنوي يسمى خوريات ويتغنون به اذ يعتبر المطرب عبد الواحد كوزجي من افضل من غنى الخوريات بالتركمانية وتلك خاصية تراثية كركوكية بحته. لكن الامر تغير بعد 1970. اما النصوص الأدبية رغم كونها كتبت بالعربية لكنها كان تعكس اسلوب حياة الناس في المدينة ، احلامهم ، امالهم وطموحاتهم. 

649 توفيق 31 في هذه الاثناء بدا انحسار ارتداء ولبس الملابس التقليدية الشعبية في المدينة بين اعوام1963 حتى ربيع عام 1970. نتيجة مباشرة تغير البيئة المحلية حيث تغيرت تماما بعد بدا الحركات العسكرية في كوردستان. مما اصبغ طابعا جديدا على المدينة حيث ازدادت الثكنات العسكرية في أطراف المدينة وبدا سماء المدينة القرمزية تزينها أصوات الطائرات الميگ الروسية العسكرية وهي تتجه شمالا حاملة قنابل لترمي حممها على سهول وجبال كوردستان.

هذه البيئة الجديدة أدت الى تواجد كثيف للجنود الى درجة كبيرة جدا حيث بدا الغناء الريفي العربي يسمع من اجهزة التسجيلات الصوتية في معظم مقاهي المدينة التي كان روادها طبعا من الجنود. هؤلاء كان معظمهم من أبناء المدن الجنوبية. هذا التغير الثقافي لم يكن أبناء المدينة قد تعودوا عليه، بل كانوا يجتمعون في المقاهي المنتشرة في المدينة من اجل قضاء الوقت او حتى حل بعض المشاكل الاجتماعية ويستمعون الى مطربين شعبيين دون الحاجة الى الأجهزة الصوتية الحديثة. لا ريب ان البيئة اثرت حتى على المقامات عند الغناء وحتى عند ترتيل القران الكريم هناك قراءة خاصة باهل كركوك. اما الغناء فقد تميز الشعبي منه بمقامات في الاغلب بلغتين الكردية والتركمانية. فكونت هوية متميزة بمطربين الشعبيين في المدينة ويعتبر المطرب هابة (عبد الوهاب) الأكثر شعبية بين مطربي كركوك.

هذه التغيرات أدت الى انحسار خروج العنصر النسوي والتنزه في وسط المدينة وعدم خروجهن لا ريب ان الى الأسواق كما اعتدتن سابقا.

 الا ان أسواق المناطق الشعبية بقت محافظة على ًتراثها القديم ولكن النسوة بدئن بارتداء العبادة وحتى البرقع ويسمى" بيجه" محليا خاصة في مركز المدينة اما السافرات فقد احتفى وجودهن حتى لم نعد نرى العاملات في المحلات ك محلات اورزدي بك في مركز المدينة. كنت اود ان احدثكم بما حصل مع احدى العاملات الجميلات ولكني سارجا الحديث عن تلك الحادثة المأساوية الى مادة أخرى في المستقبل. بل انحسر تواجدهن في منطقة عرفة التي بنيت حديثا لعمال شركة نفط الشمال على اطراف المدينة حيث استقدم العديد من العوائل المسيحية خاصة من الحبانية التي اشتهرت بمعسكرها ابان الانتداب البريطاني للعراق للعمل في شركة النفط " أي بي سي" عينوا هؤلاء في الشركة مما أعطى للحي طابعا مسيحيا منفتحا بالمقارنة مع البيئة المحافظة والتقليدية في الأحياء الشعبية الأخرى. 

649 توفيق 4

 لا ريب ان البناء المعماري الحديث للحي كان له تاثيرا على السلوك والانفتاح الثقافي لساكنيها. ولكن كما ذكرت بقى الشركة تدير الحي بسياسة مدروسة مكونة لاحقا ثقافة جديدة تختلف عن المعهود مما ادى لاحقا ان تتحول الحي الى مكان امن للشباب للترقية عن أنفسهم وكبتهم حيث كان الحي الوحيد الذي يرى فيه النسوة سافرات بالإضافة الى بعض الأحياء المتفرقة والتي يسكنها بعض العوائل المترفة والغنية ك شاطروا و الماس حيث بيت متصرف اللواء أي محافظ المدينة. بقى ان نعلم بان هذا الحوار الحضاري كانت نتيجته زيجات عديدة بين العوائل الكركوكية والعوائل المستقدمة .

هذا الحي اَي عرفة ترك اثرا ثقافيا في المدينة وغير بيئتها وكما اثر على أسلوب حياة الناس. فهنا بيوت عصرية ونظافة شوارع ومحلات " كانتين" صممت على نسق إنكليزي جميل اما العاملين في الشركة فكانوا من المحظوظين في عين أبناء المدينة.

التوزيع القومي لإحياء المدينة ادى الى تطور المدينة في جميع الاتجاهات مثلا طريق بغداد، طريق أربيل ، طريق السليمانية وبعد الثمانينات طريق تكريت. تمركز العوائل الريفية في طريق مدينتي أربيل والسليمانية والبعض على طريق حي " قصاب خانة" انطلاقا من محلة مصلى التراثية والقديمة. هذه البيئة اثرت كذلك على انتشار مقابر المدينة كذلك نرى في وسط المدينة مقبرة الشهداء ثم في مصلى وعبد علك و مقبرة نوروز حديثا كما كان للمسيحيين واليهود مقابرهم.

اما ملابس ابناء المدينة فقد تطورت حسب الأحياء من جهة ومن جهة اخرى حسب سياسة الحكومات العراقية المتعاقبة في العهد العثماني كنا نرى زيا خاصا بالموظفين والجيش والأغنياء اما الفقراء فكان زيهم بسيطا فالسروال السروال كان يلبسها جميع القوميات دون استثناء وتميز التركمان باللون الأسود والعمامة المرقعة بالأبيض والأسود.

اما في الأرياف فكان الزبون والچاكيت ونطاق من القماش وسروال ابيض وطبعا يتعمم الرجال والنساء بعمامات وبمختلف الأشكال ومختلف الاقمشة القطنية والحريرية وباللوان مختلفة وهذا ديدن ابناء ما يسمى بمنطقة كرميان اَي المنطقة الحارة التي تصل الى داخل الحدود الإيرانية ويتميز ابناء المنطقة بالصدق وطيبة القلب والوفاء . لا ريب اننا نرى نفس هذا التراث عند الكرد الفيلية الذين اثروا على ملبس أهل العاصمة بغداد فاصبح ملابسهم  ملبسا تراثيا بغداديا لحد يومنا هذا..

هذا نرى كذلك تنوعا في الطبخ والمأكولات وطرق إعداد الطعام من حي الى اخر ناهيك عن تعدد أساليب الاحتفال وطقوسها فمثلا عاشورا كان تقام طقوسها في مناطق معينة ك "تعليم تپه"،  تسعين القديمة ،حمزلي وأماكن متفرقة اخرى نظرا لوجود أغلبية من الطائفة الشيعية وكذا بالنسبة لأعياد الميلاد والسنة الجديدة كانت تقام الأعياد في عرفه و الماس و شاطرلو وبيوت المسيحيين فقط.

اما عيدي الفطر والأضحى المباركين فكانت تقام في كافة ارجاء المدينة ناهيك من الأعياد كانت هناك طقوس للدراويش بقت منحصرة في البيوت و التكايا وفي بعض المناسبات..

لكي نرسم خارطة ثقافية للمدينة اليوم قد يعد محالا وذلك للتغيرات الديمغرافية أي السكانية التي مورس في المدينة خلال سنوات ما بعد اعلان الدولة العراقية. تلك التغيرات التي لم تشهد مثلها أي مدينة عراقية. لانها كانت سياسية بحته من اجل تغير الهيكل السكاني للمدينة لصالح قومية معينة مما ولد واقعا جديدا وهذا موضوع خصام بين إقليم كوردستان والحكومة العراقية.

اعتقد ان المستقبل كفيل ببقاء وتطور هذا التراث الإنساني المتنوع. من ناحية ومن ناحية اخرى هناك ظروف استثنائية في المدينة و صراعات سياسية خاصة بعائدية المدينة الجغرافية. و لوجود هذا الصراع السياسي حول تبعية المدينة جغرافيا وقوميا الى العراق العربي او الى اقليم كوردستان. لسنا هنا بصدد الموضوع ونترك الزمن يحدد ذلك في المستقبل لكن المدينة واهلها ستبقى رمزا للتعايش السلمي والحوار الحضاري بين مختلف الثقافات الاقوام.

 

د. توفيق آلتونچي

...................................

- اللوحة : للرسام خالد ستار.

- الصورة : من مقتنيات الإعلامي قيس قرداغي، شخصيات من كرميان

 

 

عامر صالحعلى ضوء ما نشره الجهاز المركزي للأحصاء:

كشف الجهاز المركزي للأحصاء التابع لوزارة التخطيط في العراق بتاريخ 20 يناير 2019 عن اعداد التلامذة المتسربين من المدارس الابتدائية والذي بلغ 131 ألف و468 تلميذا وتلميذة للعام الدراسي 2017ـ2018 . وقال الجهاز في احصائية نشرتها الوزارة على موقعها والذي شمل جميع المحافظات العراقية ما عدا أقليم كردستان، وأضاف الجهاز أن " التلاميذ التاركين في المدارس الحكومية تشكل نسبة قدرها 99.0%، في حين لم تتجاوز نسبة التلامذة التاركين في المدارس الأهلية 0.8% والمدارس الدينية 0.2%، مبينا أن" عدد التاركين ارتفع في المدارس الحكومية فقط مقارنة بالعام الدراسي السابق بنسبة 2.7% إذ كان عددهم 126694 تلميذا وتلميذة ".

وأشار الجهاز أن " أن الفترة ما بين ( 2013ـ2014 الى 2017ـ2018 ) شهدت زيادة في اعداد التلاميذ التاركين بنسبة 28.8% حيث كان عددهم 101043 تلميذا وتلميذة في العام الدراسي 2013ـ2014 ". وأوضح التقرير إن اعلى نسبة من التاركين بالمدارس الابتدائية في العاصمة بغداد كان في مديرية تربية الرصافة الثانية حيث بلغت الاعداد فيها 11 ألف و104 تلميذا وتلميذة تليها مدبرية تربية الكرخ الثانية وبعدد 5 آلاف و987 تلميذا وتلميذة ومن ثم مديرية تربية الرصافة الثالثة وبعدد 4 آلاف و372 تلميذا وتلميذة". وبين التقرير أن "محافظة بابل كانت الأعلى من بين المحافظات ما عدا بغداد في اعداد التاركين فيها من تلاميذ المدارس الابتدائية حيث سجلت 17 ألف 12 تلميذ، تليها محافظة صلاح الدين وبعدد 14 ألف و100، وتليها محافظة البصرة وبعدد 11 ألف و938 تلميذا وتلميذة". 

وفي الوقت الذي حقق فيه العراق تقدما ملموسا في عقد السبعينيات على مستوى استيعاب الأطفال، فحسب تقرير اليونسكو أمتلك العراق قبل حرب الخليج الأولى نظام تعليمي من أفضل أنظمة التعليم في المنطقة قدرت نسبة المسجلين فيه بالتعليم الابتدائي ما يقارب 100% مقارنة بأعداد الأطفال في سن التعليم الابتدائي،وحسب تقرير المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم عام 1973 فأن معدل التسرب في التعليم الابتدائي قد هبط في العراق إلى ما يقارب 5% بين الصف الأول والخامس الابتدائي، وكان هذا أوطأ معدلات تسرب في الدول النامية.ثم نال العراق في نهاية السبعينيات جائزة اليونسكو على حملة محو الأمية.وقد ساهمت في ذلك الطفرة المالية المتحققة من العوائد النفطية والتي وسعت من حجم الإنفاق على التعليم،وكذلك الدور الكبير والمتميز الذي لعبته الحركة الوطنية وفي مقدمتها قوى اليسار في التعبئة لنشر التعليم والثقافة في صفوف أبناء المجتمع وتعزيز الدور التعبوي عبر نشاطها وصحافتها العلنية، وخاصة في ميدان محو الأمية،ونقل تجارب الشعوب العالمية عبر صحافتها اليومية وخلق المزاج العام المواتي لتنفيذ ذلك. إلا إن الحروب الكارثية التي أقدم عليها النظام العراقي آنذاك وما سببته من استنزاف للموارد المالية والبشرية قد الحق أفدح  الإضرار بقطاع التربية والتعليم، ويكفي إن نشير هنا إلى إن نسبة القادرين على القراءة والكتابة في البلاد عام 2003: الذكور 55%، الإناث 23%. وبلغت خسائر هذا القطاع أكثر من أربع مليارات دولار شملت كل عناصر وأبعاد العملية التربوية ومستلزماتها ومؤسساتها ومراحلها المختلفة.

أن التسرب يمثل مظهرا من مظاهر الهدر التعليمي أو الفاقد في التعليم، إلى جانب مشكلة الرسوب المتكرر،ويعتبر نتيجة لضعف نتاج العملية التربوية وينشأ عن مشكلات تربوية واجتماعية تؤدي إلى عجز النظام التعليمي في الاحتفاظ بالملتحقين به كافة لإتمام دراستهم في مرحلة دراسية ما (وخاصة في التعليم الابتدائي).وان التسرب باعتباره انقطاع التلميذ عن المدرسة انقطاعا نهائيا قبل أن يتم المرحلة الإلزامية، فأن سقف التعليم الإلزامي يختلف من دولة إلى أخرى، فمنها من يدين بالإلزام لمدة 9 سنوات دراسية، وبعض أخر يكتفي بإلزامية تعليم أمدها 6 سنوات (مدرسة ابتدائية) كما هو الحال في العراق وفقا لقانون التعليم الإلزامي رقم 118 لسنة 1976، والذي يشمل الفئة العمرية من( 6ـ11) سنة، والذي لا يزال ساري المفعول إلى اليوم،علما أن إمكانيات العراق المادية والمالية تكفي لمد سقف الإلزام حتى إلى مرحلة التعليم الثانوي كما هو الحال في بعض الدول المتقدمة والمتمكنة.مع العلم أن الدستور الحالي جاء ليكرس ما ورد في القانون المذكور أعلاه،حيث ينص على أن :" التعليم عامل أساسي لتقدم المجتمع وحق تكفله الدولة، وهو إلزامي في المرحلة الابتدائية،وتكفل الدولة مكافحة الأمية.والتعليم المجاني حق لكل العراقيين في مختلف مراحله".

أن مصير العملية التربوية كم هو معروف يرتبط وثيقا بالاستقرار السياسي الذي يبعث الأمل في مؤسسات الدولة وقيامها بأنشطتها على أسس موضوعية وحيادية، ومنها قطاع التربية والتعليم،فالنظام السياسي يلعب دورا مهما في إعادة توليد القيم الأخلاقية والاتجاهات الاجتماعية العامة، والنظام التربوي هو احد أدواته لتكريس هذه القيم ونشرها على نطاق واسع عبر الممارسات اليومية، من خلال المناهج والأنشطة المدرسية، وتشكل في هذا السياق ظاهرة التعصب الديني والطائفي والقومي احد القيم الأخلاقية والتربوية الضاغطة على وحدة نظام التعليم ونسيجه الاجتماعي، ويشكل هنا التسرب من التعليم والابتعاد عنه احد وسائل احتماء الأقليات في حالات الاحتقان الشديد وسببا في انقطاع الكثير من أبناء الأقليات والطوائف عن التعليم والعزوف عنه.

وقد تعرض النظام التربوي جراء سياسات النظام السابق الهوجاء وما تلتها من سياسات عشوائية على أيدي الاحتلال وما تبعتها من تكريس للمحاصصة الطائفية، إلى انهيارات كبرى في مراحله المختلفة،فقد تم تدمير اغلب المؤسسات التربوية من أبنية ومستلزمات وأجهزة، وقد تحول الكثير من المدارس إلى مجرد أربعة جدران وأماكن شكلية لإقامة التلاميذ،لا تشد الطالب إلى المجيء والمواظبة، بل إلى طرده من المدرسة، ناهيك عن اقتسام المدارس إلى مناطق نفوذ طائفي أو حزبي،فهي تعتبر في أذهان الكثير أماكن غير آمنه. أن تشديد قبضة الإرهاب والعمليات الانتحارية أطالت ألاف من الأطفال، وكانت أوقات الدوام الرسمي" بدايته ونهايته" فرصا مواتية لإيقاع الأذى وزرع الخوف لدى الأطفال وأسرهم، مما أدى إلى عزوف التلاميذ عن الدوام وعدم انتظامهم ثم تسربهم.

أن الحد من التسرب والاقتراب من نهايته يستند إلى منظومة متكاملة من الإجراءات،وتشكل النوايا الحسنة والقناعة بالنظام الديمقراطي و قيمه الإنسانية مدخلا لازما لذلك ومظلة تحمي آلية التنفيذ، ولعل ابرز العلاجات الناجحة هي ما يأتي:

ـ الاهتمام بالمرافق والخدمات التعليمية مما يجعلها جذابة وشيقة ومرتبطة بواقع التلاميذ،وتحسين المعاملات والممارسات المتبعة في الاتصال التعليمي وبنائها على مبادئ التربية الحديثة القائمة على أساس أن التلميذ مركز اهتمام العملية التربوية، واستغلال خاصية يتمتع بها الأطفال عامة وهي الفضول والذهن المتفتح لاكتساب ومعرفة كل شيء.

ـ منع تشغيل الأطفال منعا باتا وعبر إجراءات صارمة لعل أبرزها تفعيل العمل بقانون التعليم الإلزامي وتطبيق العقوبات الواردة فيه على أولياء الأمور،ويجب أن يقترن هذا الإجراء بدعم اقتصادي للأسر المعوزة وتحمل المدرسة الإنفاق التربوي على التلاميذ من مستلزمات وملابس وتغذية.

ـ توفير خدمات التوجيه والإرشاد النفسي والتربوي والاجتماعي للتلاميذ وأسرهم والتأكيد من قبل إدارات المدارس على ضرورة وجود المرشد الاجتماعي في المدارس لما يقدمه من مساعدة للإدارة التعليمية وللأهل في المشكلات المختلفة ومنها التسرب،وأن تكون هناك حصص أسبوعية أو شهرية من قبل هذا المرشد للأهل وللتلميذ لمناقشة عوامل التسرب وإمكانية الحد منها، والتأسيس الجيد لمجالس أولياء الأمور في المدارس.

ـ التأهيل المستمر للكادر التربوي وإعادة تأهيله على ضوء ما يستجد من معطيات في العلوم التربوية والنفسية، والتخلص من العناصر ألمزوره، أو التي لا تحمل مؤهلا تربويا وذات أداء ضعيف، والتي تكون معظم الأحيان سببا في التسرب لا في منعه.

ـ العمل على وضع خطط ملموسة لنشر شبكات رياض الأطفال في أرجاء العراق وخاصة في القرى والأرياف، والتي لا تزال ضعيفة جدا،حيث لا تستوعب في أحسن الأحوال 7% من مجموع الأطفال في عمر 4 إلى 5 سنوات في عموم العراق،لما لها من أهمية استثنائية في خلق الاستعداد الايجابي للأطفال اتجاه المدرسة الابتدائية لاحقا والإقبال عليها والاستمرار فيها.

ـ وضع الخطط والمناهج التي تعتمد على المواهب والطموحات والقابليات لدى الأطفال والابتعاد عن مناهج الحشو والمليئة بالمعلومات ذات الطابع الكمي والتي تكره في نفس الطالب المدرسة والمادة الدراسية، ومحاولة ربط المنهج بالبيئة المحيطة عبر تطبيقات للمنهج في مختلف مجالات المجتمع المحلي.

ـ منح فرص إضافية للمتسربين سواء عبر مدارس مسائية أو نهارية أو مدارس متنقلة وخاصة في المناطق النائية والقرى والأرياف، أو مناطق التهجير والإقامة الجديدة للأطفال، وهي وسائل تعين الأطفال على عدم العودة إلى الأمية كاملة.

ـ استخدام الإعلام والصحافة اليومية الرسمية وغير الرسمية والمنظمات الاجتماعية المختلفة للتثقيف والتوعية بدور التعليم وخاصة الموجه منها إلى ذوي الأطفال والتركيز على ضرورة عودة أطفالهم إلى مقاعد الدراسة.

ـ الاستقرار السياسي والأمني وهو المطلب رقم واحد  لاستقرار العملية التربوية وما يؤدي إليه من انخفاض نسبة العنف وتعزيز ثقة الأسر والأطفال بالنظام السياسي والتربوي، ويضمن يوم مدرسي هادئ خالي من القتل والاختطاف والارتهان.

ـ إنشاء دور لليتامى لإيوائهم وتأمين حياة آمنه لهم يتمتعون فيها بقدر من الرعاية الاجتماعية والاقتصادية وإنشاء مدارس خاصة لهم لتسهيل اندماجهم لاحقا في المدارس المنتشرة على مقربة من إقامتهم،كي يتسنى لهم التحصيل الدراسي في المرحلة الابتدائية على الأقل وحمايتهم من التسرب.

ـ إنشاء مدارس لمختلف المعوقين وتصنيفهم وفقا لدرجة وطبيعة إعاقتهم، كما هو معمول فيه دول العالم المتحضر، وإتاحة الفرصة لهم للحصول على قدر من التعليم والتربية والتي تنسجم مع قدراتهم العقلية والجسدية،ومنع تحولهم إلى أميين بالمطلق.

ومن هنا نرى ان المعالجات الشاملة لمشكلة التسرب بكل ابعادها وفي اطار اصلاح النظام السياسي هو الكفيل بايجاد الحلول الواقعية والمدروسة والبعيدة عن الارتجال وفي ضوء فلسفة تربوية واضحة تستمد اسسها من مختلف المعارف والعلوم للنهوض بقطاع التربية والتعليم. وان علاج مشكلة التسرب هو جزء من البحث عن حلول لأزمة التربية والتعليم في العراق وأنها بالتأكيد جزء لا يتجزأ من ازمة النظام السياسي وعدم استقراره وغياب فلسفة انسانية واضحة تنهض بقطاع التربية التربية والتعليم، وان الفساد في هذا القطاع سيسهم في فساد وتغييب وتجهيل الاجيال القادمة.

 

د.عامر صالح 

 

مجدي ابراهيم(يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم، متاع الحياة الدنيا ثم إلينا مرجعكم فننبئكم بما كنتم تعملون)

مخطئون إذن غاية الخطأ، أولئك الذين دبجوا المطولات في الفكر العربي وراحوا يصدرون عليه أحكاماً عامة؛ إذ لم يلتفتوا قط مثل هذه الالتفاتة العميقة التي لاحظها فارس القلم العربي صديقي الأعز الدكتور عصمت نصار في هاتين المقالتين الأخيرتين.

نعم، مخطئون ولهم في الخطأ نسبٌ عريق لأنهم قرروا فيما يشبه الجزم خلو الفكر العربي من مباحث الأخلاق وإهمال الحرية والتبعة الفردية، واستغربوا غرابة الجاهل بعيون هذا الفكر، لا غرابة الباحث المدقق فقال قائلهم : من الغريب حقاً أننا لا نكاد نجد في الفكر العربي قديمه وحديثه بحثاً واحداً في الاخلاق، إذا استثنينا كتابي " يحي بن عدي" و "مسكويه" في تهذيب الأخلاق اللذين نسجا فيهما على منوال أرسطو والرواقيين من فلاسفة اليونان.

مكمن الخطأ هو في الجزم الذي يخلط بهذا التقرير الصادر عن حكم عام يصادر على المطلوب ويلقي الأحكام جزافاً في غير تحقيق، فإن التأمل في دراسة الدكتور عصمت نصار عن ابن المقفع تنقض هذا الحكم من أساسه بمقدار ما تكشف عن فلسفة عملية أصيلة لابن المقفع في مجالي الأخلاق والسياسة، ولا يكاد القارئ ينهي الدراسة إلا ويتبيّن له توجهات ابن المقفع المعرفية في إطار حركة المضمون الديني الذي يدين له بالولاء. ويضاف إليه إطلاع واسع على الثقافتين الفارسية واليونانية، لكن هذا الاطلاع لا يأتي منسوجاً على منوال أرسطو ولا منوال الرواقيين ولا منوال أحد من الفلاسفة الأقدمين بل يأتي ليمثّل ذاتاً معرفية لها منوالها الخاص ونسقها المتفرد في إطار ما تدين له من وعي وحكمة وثقافة وقيم ومضمون.

فالفضائل التي يطرحها متصلة بالعقل نابعة من عين المضمون الديني الذي ينتسب إليه.

والرذائل التي يحذر منها وينبّه على خطرها، لهي هى عين الرذائل الموبقة التي نبّهت الأديان على ضررها الخطير على الإنسان.

والشمائل الباطنة التي حدثنا عنها صادرة من الأصول التي تقوم عليها وحدة المعرفة الصحيحة في وحدة الأديان جميعاً. وتلك نقطة غاية في الرقي والتهذيب وتصويب الأنظار إلى تحصيل الكمالات الإنسانية وإشاعة التسامح بين أبنائها.

فلئن كان ابن المقفع وقف على "ذلك الرابط الذى يصل بين جميع الأديان، فوجد أنه البر والمعروف والإحسان وكف الأذى عن الناس، والتعفف عن كل فعل خالطه الهوى، وكل قول مسّه القبح، وكل موضع سكنه الفحش، ليقتصر على الأعمال التي تشهد النفس أنها توافق كل الأديان"، فإنه بهذا كله يجعل من هذه الوحدة المعرفية اللاحقة على وحدة الأديان وحدة الخالق الذي سنّ السلام ودان البغي والعدوان، وجعله مقرراً في الأديان بغياً على النفس قبل أن يكون بغياً على الغير، وأن المردّ إليه لا مفرّ منه في نهاية المطاف لقيم ميزان العدالة.

ولا شك أن طرح النفس عن المكروه والغضب والسرقة والخيانة والكذب والبهتان والغيبة، وكف اليد عن القتل والغصب، وعزل الشر والأشرار عن القلوب، والإيمان بالبعث والقيامة والثواب والعقاب لهي بالحقيقة مقومات "الصلاح" الذي ليس كمثله صاحب ولا قرين، وأن مكسبه إذا وافق الله يسير.

تلك كانت رؤية قائمة على تفكير علوي ومعرفة رفيعة مُحققة بوحدة الخالق ووحدة ما يصدر عنه من أوامر تكون طاعتها يسيرة إذا وافقت فطرة معتدلة لم تلوثها لوثات الأغيار . الأمر الذي يكشف أثر هذا الحكيم الإنسان فيمن جاء بعده ممّن قرأوا له، وأجبوا على الناس أن يكونوا له قارئين نافعين، وإلا ... فلا إصلاح ولا تطهير ولا خُلق ولا دين !

إنه، إذا كان ابن المقفع من أوائل الذين تحدّثوا في فلسفة الأخلاق التطبيقية فلم يبق إلا أن يكون أثره على اللاحقين من بعده مثلاً أعلى يهتدي به في هذا الميدان، وأنه لكذلك إذا كانت مسألة التأثير والتأثر سمة غالبة لقوة البحث العلمي وتميزه، فإنها بالطبع لمن أخطر المزالق في يد الباحث الذي لم يستطع توظيفها بإنصاف، فيلغي المضمون الجوّاني ليقدّم عليه التشابه الشكلي بين الأفكار، كما فعل صاحب الأحكام العامة المسبقة التي صدّرنا بها مطلع هذا المقال؛ فيجئ كل اعتماده على هذا الأخير ضارباً عرض الحوائط أجمعين بحركة المضمون في آثار الفيلسوف أو المفكر أو الأديب.

لم يكن ابن المقفع رغم اطلاعه الواسع على الثقافات التي أتاحت له قريحته أن يطلع عليها إلا واحداً من أولئك الذين نسجوا في الفكر العربي على منواله الخاص، فأبدعوا بما نسجوا  متفردين من قيم ومعارف وأخلاق في ظل مضمون ديني وفلسفي ينتسبون إليه ويدينون له بالفضل فيما يأخذون من فضائل أو فيما يدعون من رذائل، لكنه يبني هذا كله على وحدة المعرفة في العقل الإنساني الموافق لكل الأديان. وبمقدار ما تتمثل له وحدة المعرفة مظهراً عاماً يجعلها في الوقت نفسه المظهر الذاتي للمضمون الديني تأسيساً ونقطة انطلاق.

أنا لا أكتم عن القارئ سراً إذا قلت : إنني لم أحزن لشيء حزني  على إنهاء هذه المقالات عن ابن المقفع الأديب والفيلسوف والإنسان، والسابق للفكر الإسلامي تأصيلاً لأسس الأخلاق، القادح على الجملة فضلاً عن التفصيل في أقوال غير مسؤولة قيلت عن هذا الفكر جُزافاً واعتباطاً، ويرجع الفصل في تهافتها وسقوطها إلى مقالات الدكتور عصمت نصار . أجزل الله لك العطاء يا صديقي فإن تأسيسك لما تكتب وتبحث على ديدن الإخلاص، لهو هو الأبقى والأنفع حين يعز النفع ويهون البقاء.

 

بقلم : د. مجدي إبراهيم

 

زهير الخويلدي"لاتحدد المسألة التربوية هو تعبير عن انفتاح المساءلة الديمقراطية حول أهداف التعليم"

بول ريكور

تواجه نقابات التعليم بمختلف هياكلها تحديات كبيرة أمام تعنت سلطة الإشراف وتجاهل مطالبها الشرعية ونفاذ صبر المنتفعين بالخدمات التي توفوها المؤسسات المدرسية والجامعات من تلاميذ وطلبة وأولياء.

ربما يدفعها هذه الوضعية القصوى إلى اتخاذ إجراءات تصعيدية تساندها المركزية النقابية وتتمثل في أشكال نضالية مبتكرة تفاديا السنة البيضاء وتتميز بالعقلانية والمرونة مع التمسك بالمبدئية والنضالية.

لقد أصيب المشهد التربوي بشلل ودخل الجميع في حالة من التجاذب والاحتقان وزاد منسوب التوتر بتعطل لغة الحوار والاستخفاف بمنطق التفاوض وتعطيل التفاهمات والتنصل من الاتفاقات السابقة وتم تغليب خيار الإفشال الذاتي والهروب إلى الأمام وتأجيل عميلة الإصلاح الجذري ومبدأ التثوير المستمر.

لقد التحق المشاركون بالمعركة المصيرية بشكل اضطراري ومن روافد مختلفة ولهم مطالب متنوعة ولكن اشترك الفاعلون من نواب ومتعاقدين ومدرسين وموظفين في الملحمة من أجل تحقيق منافع قطاعية وتناسى الكل حساسية الوضع وهشاشة الموقف والحاجة الماسة إلى إحداث النقلة النوعية للحقل التربوي.

والحق أن المعركة حول التعليم هي معركة وطنية تضم قاعدة عريضة وليست مجرد مطالب فئوية ضيقة لمجموعة من العاملين بالفكر والساعد وأن تدار في قلب المعترك السياسي وتجري فوق تضاريس الحراك الاجتماعي وهي غير مفصولة عن استحقاقات استكمال المسار الثوري ومستلزمات الانتقال الديمقراطي.

معركة التعليم هي ملحمة من اجل انتزاع الاعتراف ورفض السلعنة والتفقير الممنهج للطبقة الوسطى وانتصارا للكرامة الإنسانية وبحثا عن معانى التربية المفقودة وعن القيم الجامعية المنتهكة والمقلوبة وتفعيلا للمرابطة من أجل الحقوق والتزاما بالمجانية في طلب العلم والعدالة الجبائية وتشاركية التسيير.

من الضروري دعم مسارات المقاومة والاستثبات في الساحة النقابية وتجذير الممارسة النضالية في الواقع الاجتماعي دون المساهمة في تعطيل المرفق العمومي وتدميره منهجيا قصد التفويت فيه للقطاع الخاص.

من حق المربين النضال النقابي في سبيل تعزيز مقدرتهم الشرائية والتمتع بالمنح الكافية بغية تأمين دخل جيد وتقاعد مناسب وتوفير حياة أسرية متزنة ومساهمة تربوية محترمة ولكن من حق المجتمع تدعيم قيمة العمل وتعزيز السلوك المواطني  والدفاع عن وظيفية المؤسسة العمومية وحرمة الامتحانات والمناظرات.

يجدر أن يتم إحداث "خلية تفكير وعمل" خارج الأطر المتصارعة وتكون مهمتها رصد المشهد التربوي وتشخيص المشاكل وتجميع المطالب وتوفير المعطيات والأرقام ودراسة الواقع المؤسساتي بشكل علمي وفهم العناصر المنتجة للأزمة والمكونات التركيبية للمشكل وبرمجة جملة من المنافذ والمسارب الممكنة.

في نهاية المطاف يجوز التفكير في وضع من السلم الدائم في المجال التعليمي بعد تحمل جميع الجهات مسؤولياتها وتلبية الاستحقاقات الراجعة بالنظر للقوى الفاعلة وتشريك المجتمع المدني في الاستشارة.

المطلوب بشكل عاجل في الحقل التدريسي هو رصد الاعتمادات المالية الكافية ورفع ميزانية المؤسسات وإجراء حوكمة ناجعة ومراقبة قنوات الصرف والإنفاق وإعادة بناء شاملة وإعادة تجهيز كل للمنشئات. غاية المراد أنه لا يقدر أي كان على بلوغ تعليم عصري يحقق مستقبلا واعدا للمتعلم دون مكانة اجتماعية محترمة للمربي، زد على ذلك يحتاج العمل النقابي الى مواكبة للتحولات وتطوير وسائل الاتصال وتقديم برامج إصلاحية بديلة وتحيين شعاراته وتنظيم الحراك الاحتجاجي ضمن برنامج عمل اجتماعي وطني. فمتى تصبح المدرسة من الأولويات العاجلة للدولة والمجتمع الأهلي ومحور تفاهم بدل التنابذ والتنازع؟

 

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

  

قاسم حسين صالحتعريف: هو يونس بن صالح الجبوري، ولد في اسرة فقيرة بمحلة السوق الصغير بالموصل عام (1900 او 1903). شخصية عراقية، عربية، عالمية! مثيرة للجدل، واستثنائية في تعدد المواهب، فهو: كاتب، صحفي، اذاعي، سياسي، رحالة وصف بالسندباد، صديق للأمراء والشيوخ والملوك ومارشال في الجيش النازي ومقرّب من هتلر .. والناطق الرسمي بأسم الملك غازي ومذيع اذاعة الزهور.

 حياته حافلة باحداث .. افراح، انتصارات، انكسارات، واخرى كثير منها قد لا تصدق، فعدد زوجاته بحدود المئة .. شرعيا!، وبحدود المئتين مدنيا! .. من جنسيات متعددة، واولاده واحفاده يزيدون على الفين في بلدان العالم!.

 يتحدث (17) لغة ولديه (15) جنسية عربية وعالمية، واسس (16) اذاعة في بلدان عربيه واجنبية، اشهرها اذاعة (هنا برلين حي العرب) في المانيا .حكم بالاعدام اربع مرات وسجن في ابو غريب مع رئيس الوزراء الأسبق توفيق السويدي من قبل محكمة الشعب (المهداوي). وفي انقلاب شباط 1963 عاد الى العراق وكرّمه الرئيس عبد السلام عارف. كل هذا والرجل لم يصل الجامعة .. فهو بدأ بـ(الكتّاب) ثم الابتدائية، واعلى ما وصله انه دخل دار المعلمين الابتدائية .. وضجر منها وتركها.

 زوجته الأولى موصلية اسمها (مديحة)، انجب منها ثلاثة:دكتور لؤي اختصاص كيمياء .. في اميركا، ود.سعدي .. فنان مسرحي عمل باكاديمية الفنون الجميلة غادرها الى باريس، والسيكولوجية .. زميلتي الأخت د. منى الاستاذة بجامعة بغداد والمتقاعدة حاليا في عمان- الأردن .. والتي لم تر والدها يونس في حياتها!

 وما يدهشك في يونس الجبوري (وبحري لقب حصل عليه بسباق في بحر المانتش باحرازه المرتبة الأولى مع انه ما كان سباحا!) انه يجمع بين مهن وممارسات لا تحصل الا عند مجنون او دجال او بهلوان يضحك على الناس.ففي الهند كان يعمل راهبا في النهار، وراقصا في ملاهي الليل، وفي اندنوسيا عمل مؤذن وخطيب جامع في النهار وراقصا سكيرا في الليل! .. وكذا فعل في باريس. ومع انه تزوج اكثر من مئة والف كتابا عن الاسلام، فانه يقول (لم انكح الا كما جاء في القرآن .. امساك بمعروف او تسريح باحسان!).

 شخصية وصفت بأنها (اسطورية) .. ومع انه كتب عنه الكثير لكنني لم اجد عنها تحليلا نفسيا يجعلنا نفهم ما أدهشت به العالم.

يونس بحري .. سيكولوجيا

وفقا لمنهج الطب النفسي فان شخصية يونس بحري ليست سليمة نفسيا، فهو لديه من الشخصية الزورية اهم عرضين فيها:

الأول: ان المصاب بالبارانويا يبحث بشكل مستمر عن ادلة او معلومات تشير الى وجود نوايا سيئة او خيانة من اقرب الناس اليه .. ولهذا فانه قام بتطليق زوجاته (المئة) شرعا و(المئتين) مدنيا، ان لم يكن مصابا بضعف جنسي، وهو احتمال ضعيف، أو انه يعاني من جوع ملحاح للعاطفة ناجم عن شعور بالغبن في وطنه .. وهو احتمال وارد.فضلا عن ان من صفات هذه الشخصية هو ضعف القدرة على الاتفاق وحسن المعشر، اذ لا يعقل انه لا يوجد بين (المئات) التي تزوجهن من لم يجد معها حسن المعشر، ما يعني ان الخلل السيكولوجي فيه تحديدا .. وللأسف فأنني لا متلك شهادات موضوعية من مطلقاته المئتين!

والثاني: ان المصاب بالبارانويا لديه افكار تخص شعوره بالعظمة واخرى بالأضطهاد، وهذه واضحة في شخصيته حيث اضطهد في وطنه وسجن وحكم عليه بالاعدام وواضحة في المواهب التي يمتلكها التي تمنحه الشعور بالزهو والتباهي والنرجسية.

 وهو لديه من اضطرابات المزاج اشدها .. الهوس الذي يتصف صاحبه بالحساسية والمزاج العالي والصريح والنشاط المتزايد جسميا واجتماعيا وادبيا وفنيا .غير ان هوس يونس بحري في الجنس يعد حالة استثنائية ويقدم انموذجا لأشد حالات اضطراب المزاج.

فضلا عن ذلك فان المصاب بالهوس يتصف بكثرة الكلام والنشاط الذي لا ينتهي والمتعة في اشياء جديدة واخرى ما كانت تثير اهتمامه، وانشغاله بشكل كبير بنشاطات متنوعة وباشخاص متعددين مميزين .. وهذا ما امتاز به يونس.

 والعلة هنا ان المصاب بهذا النوع من الهوس تصبح لديه صورة الذات متضخمة ومنتفخة بشكل كبير، تدفعه الى الاعجاب بها وحبها بلا حدود والطموح بتحقيق ما يثير اعجاب الآخرين ودهشتهم، وهذا ما حققه الموصلي الوسيم .. يونس الجبوري.

 والمفارقة ان في شخصية يونس بحري عرض من اعراض الشيزوفرينيا! .ففي خمسينيات القرن الماضي ظهرت فتاة اسمها(Sybil) شكلت حالة جديدة في الفصام (الشيزوفرينيا) .. اذ كانت لها ثلاث شخصيات: عادية .. موظفة تمارس عملها حسب الاصول، وشخصية متدينة تذهب الى الكنيسة ايام الاحاد، وشخصية مستهترة ترتاد الرقص في الليل.وكان لكل شخصية اسم خاص بها ولا تعرف احداهن الاخرى .. والحالة هنا تشابه حالة يونس بحري، فهو كان يقوم بدور الراهب المتعبد في النهار، وفي الليل كان يرقص في ملاهي الهند، واخرى يعمل مراسلا لصحيفة هندية.الحالتان متطابقتان باستثناء ان شخصيات(Sybil)ما كانت الواحدة تعرف بالأخرى وكانت مجنونة، فيما كانت شخصيات يونس بحري تعرف انها ثلاثتها يونس بحري! وما كانت مجنونة!

ان الرجل يمتلك مواهب متعددة، وانه مبدع فيها .. ولأنه لا توجد احداث اسرية واجتماعية ودراسية مهمة او استثنائية في طفولته لها تأثير في خلق هذا الابداع بهذا التنوع من المواهب، فان الراجح هو ان يونس بحري يمتلك طفرات في جينات محددة واخرى خاصة بجينات الهوس الجنسي تحديدا والهوس الفكري والمزاج الانفعالي والقدرة على التحدي وتحقيق طموحات استثنائية تخططها لها ذاته المشحونة بالتضخم وحب التباهي.

 ويبدو لي ان قدرة يونس بحري في اقامة علاقات صداقة مع ملوك ورؤساء جاءت من حادثة مقتل الملك غازي، حيث خبر حياة الملوك عن قرب بحكم عمله مذيعا باذاعة قصر الزهور واصداره لجريدة (العقاب) ايضا وهو في بداية ثلاثيناته.وقد اعلن للناس ان الملك غازي قتل بمؤامرة دبرها الانكليز.واضطره اعلانه هذا ان يهرب الى المانيا بمساعدة من مخابراتها .. ومن هذه الحادثة ادرك ان كثيرا من الملوك والرؤساء .. تافهين، وأنه يمكن خداع اقواهم بمن فيهم هتلر الذي منحه رتبة مارشال في الجيش النازي، وان الناس بسطاء وسخفاء وممتع ان تضحك عليهم.وبتفاعل هذه العوامل في ذاته المتضخمة .. تملكه مفهوم ان يعيش الحياة بمعنى وجودي .. وفق قانونه هو الذي يبيح له ان يتصرف لا اخلاقيا في العديد من الحالات .. واظن ان عائلته الموصلية المؤلفة من الدكاترة:لؤي وسعدي ومنى، زميلتي الىسيكولوجية، التي صرحت في برنامج (أطراف احديث) بانها لا تعرف عن والدها سوى(تناتيف) .. أنهم يشعرون بالخجل منه (وربما العار) .. والا كيف مات في بغداد معدما ودفنته البلدية في مقبرة الغزالي على نفقتها! في مشهد تراجيدي .. أن هذه الشخصية التي كانت صديقة الملوك والرؤساء وبينهم من ضحكت عليهم، والذي كان مارشالا في الجيش النازي وصديقا لهتلر .. يموت وحيدا في بيته ولا يمشي في جنازته حتى اولاده!

                 

 أ. د. قاسم حسين صالح

مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية

 

احمد شحيمطيكتسي الفكر الفلسفي قيمة ودلالة في تكوين العقول وتهذيب النفوس وتقديم صورة عن الفلسفة في الزمان والمكان كفكر إنساني انبثق من قدرة الإنسان وطاقته في التفكير والاندهاش من الوجود والطبيعة. دون أن يستسلم الإنسان للمألوف من الأفكار والتأويلات وهيمنة لغة الميتوس "الأسطورة " في إيصال الحقيقة بلغة شفهية تروي بطولات ومغامرات الآلهة في قدرتهم وأمجادهم لا يستسيغها العقل البشري بالمنطق والتفكير العقلاني الحر. عصارة التجربة الإنسانية في تقديم قصة الفلسفة في قالب تاريخي يحكي عن البداية وتسلسل المعرفة. والمباحث التي كانت نعمة على الإنسان والإنسانية. في تعديل الفكر والسلوك والارتقاء بالمدارك والعقل نحو مرتبة عالية في التقدم والتطور .المؤرخ الأمريكي ول ديورانت [1885-1981] وصاحب النظرة الشمولية في تناول منجزات الحضارة الإنسانية في كتاب "قصة الحضارة ". إنصاف المؤرخ للحضارات يولد شعور في القارئ العربي أن يعرف أكثر من معطيات التاريخ في نظرة موضوعية لأجل تقديم المادة التاريخية دون انحياز وتمركز في النزعة المركزية الغربية بانتقاء ما يمكن أن يراه المؤرخ سببا في إقناع الناس بالأحداث التي وقعت . مضامين الوقائع يمكن للمؤرخ السكوت عن أشياء سهوا أو قصدا وأحيانا غياب النظرة الشمولية والأرشيف الكامل في الحكم على الأشياء واستنطاق الوثائق. إن كان الأمر في التاريخ والحضارة فان نظرة ويل ديورانت للفسفة في مسارها التاريخي وأطوارها لا يخلو بالأساس من نزعته الميالة نحو الإنصاف وتقديم رؤية عن زمان ومكان وأسباب النشأة والتطور . فالجدال قائم عن أصول الفكر اليوناني ورواسب الفكر الشرقي في احتكاك جغرافي بين الشرق واليونان . إغفال البعض لهذا السجال عن النشأة وقيمة الحدث يجعل من الكتاب الغربيين والمؤرخين يعتبرون الفلسفة يونانية الأصل دون الميل للقول بالتأثير الحضاري النابع من القرب الجغرافي وإسهامات الحضارات الشرقية في العلم النظري خصوصا الهندسة . ول ديوانت وقف عند الفلسفة الإسلامية في كتاب " قصة الحضارة " واغفل ذكرها في كتاب "قصة الفلسفة" . ففي الكتاب الأخير يبدي المؤرخ ول ديورانت في الفصل الأول ميزة الحدث التاريخي من الناحية الجغرافية في النظر للخريطة والمكان وتمعن الانقسام والتشتت في المدن اليونانية منها المطلة على آسيا الصغرى .ومنها المطلة على الغرب حيث ايطاليا وتلك الامتدادات في الجغرافية والحدود البرية والبحرية والطبيعة المتنوعة .من جملة الأسباب التي تركت الإنسان اليوناني يبدع الوسائل والطرق الممكنة في التدبير والتسيير للحياة . حكمة الإنسان اليوناني في تأمل الطبيعة ونقل الفكر من "الميتوس" إلى "اللوغوس. واغناء الفكر بالتأمل العقلي المجرد في ألغاز الطبيعة بعد دهشته الفلسفية من الأشياء الغامضة وغير المعتادة. وسعيه نحو إزالة الغموض عن العالم في نزع طابع الغرابة. والتفلسف في إرجاء العالم والأشياء إلى عناصر مادية فيزيائية كالماء والهواء والنار والذرات والابيرون... يقف ول ديورانت عند لحظة التفكير ما بعد سقراط . من أفلاطون ويغفل اللحظة الأولى في انبثاق الحكمة والحكماء السبعة ومنهم الحكيم طاليس الذي يعتبره نيتشه بحق أول الفلاسفة في صياغة منطق التفكير الفلسفي  للقول بعنصر الماء في تعليل الأشياء وتفسير ظواهر الطبيعة والأصل. يبدو أن المؤرخ ول ديورات يبدأ من بداية الفلسفة الشمولية مع أفلاطون ومعلمه سقراط . ويطرح مشكلة السياسة والأخلاق والمجتمع في إبراز العداء للنظام الديمقراطي الذي هيمن على الحياة الأثينية. والسبب إعدام المعلم سقراط ترك بصمة من الغضب والكراهية للديمقراطية والسياسة . كيف يمكن أن تعدم أثينا شيخا هرما ؟ هذا النظام الجائر الذي يمنح الصلاحية والحكم للغوغاء دون إنصاف للمعلم الذي ظل يعلم الناس الحكمة والفضيلة . ينصرف المؤرخ ول ديورانت للتفصيل في السياسة والجمهورية المناسبة في قيادة المجتمع نحو العدالة والسعادة . وراء نزعة الإنسان في الاستبداد والميل نحو الاستفراد في حكومات غير منصفة . يبحث أفلاطون في الجانب النفسي وطبائع البشر ونوازعه نحو الخير والشر . فالسلوك الإنساني يجري من منابع ثلاث وهي الرغبة والعاطفة والمعرفة . والشعب يحتاج للفلاسفة . فضيلتهم الحكمة . هم من طينة الذهب . حكماء في الفعل والممارسة لأنهم يتصفون بالتروي والتعقل ومواصفات الحكيم المستقيم . الميال للنزوع نحو خدمة الإنسان والدولة. هاجس أفلاطون العدالة وسعادة الفرد والجماعة . وحل الأزمة في تكوين الأطفال وتربيتهم والعناية أولا بأجسادهم وتربيتهم على الموسيقى وتهذيب ذوقهم بالمران . وتحصيل المعرفة النظرية والعملية والعلوم الحكمية . وتنمو العقول بالحرية الفكرية وتتقوى الأجساد بالرياضة وتقوية أفكارهم بالمران والامتحانات التي تصنف الناس على أساس قدراتهم الفكرية . ومجمل المهارات التي تقسم المجتمع بين ثلاث طبقات: الفلاسفة والجنود وعامة الشعب . يتذوق الإنسان الفلسفة في حدود الثلاثين سنة ويتدرج في التعليم حتى يصبح الإنسان مهيأ بالفعل لقيادة الدولة . ويعني أفلاطون بالفلسفة تثقيفا وخيالا واسعا. فالفلاسفة لا يملكون أملاكا أو أطفالا ولا يتزوجون . يعيشون حياة مشتركة مع بعض الجنود وهي مواصفات للفيلسوف الحاكم في الجمهورية المثالية .

يفصل ول ديورانت في فلسفة أفلاطون من جوانبها المختلفة وينتقل إلى أرسطو في حياته وعلاقته بالاسكندر الأكبر وأعماله الفلسفية الغزيرة. عبقري اليونان وكبير الفلاسفة في تاريخ الفلسفة. أعماله ممتدة للعلوم الحقة والمنطق والميتافيزيقا والأخلاق والسياسة .أرسطو الذي وضع للفلسفة مباحث كبرى كالوجود والمعرفة والقيم . كتب عن الأخلاق والسعادة . وشرح بالتأويل والتعليق للفكر السابق على سقراط .وكتب في الطبيعة وما بعد الطبيعة . وعن الخطابة والبلاغة. صاحب المقولات وفكرة الجوهر والعرض . أفكاره بالفعل مناقضة مع المعلم أفلاطون في شيوعية النساء والأطفال وفي المرأة والزواج وعالم المثل والمحسوسات . في الجمهورية المثالية والعدالة والسعادة. وفي الحكومات وتصنيفها . ومن كتاب "السياسة " ظل أرسطو ينشد الحكومات الممكنة في تدبير أمور الناس. وان كانت أقواله في المرأة والعبيد والمواطنة غير متوازنة .وفي الحكومات الارستقراطية والديمقراطية . كما كتب في نظرية النفس وعلم الإحياء وما يتعلق بالطبيعة وما بعد الطبيعة . وحينما ينتهي المؤرخ ول ديورانت من إبراز مكانة الفلسفة . يوجه المؤرخ سهام النقد وإبداء الرأي في فكر الفيلسوف . بالمرور من المرحلة اليونانية أغفل المؤرخ حيزا للفلسفة الإسلامية وفلسفة القرون الوسطى إجمالا . فانتقل المؤرخ للتفصيل في عصر النهضة الغربية وبداية إرهاصات العلم .وقبل ذلك يشير بعجالة لمعالم الفلسفة الرواقية . وفي بداية تغلغل المسيحية في روما والتي طوقت العقل الأوروبي اليافع في القرون الوسطى . ظلت الرقابة والحذر من الفكر الدخيل بالترجمة للكتب اليونانية من قبل العرب واليهود . فلاسفة الأندلس . في غمار الأحداث ظل العلم الحديث ينتج ويعلل ويقيم صرح العلم في صراع مع الكنيسة ورقابتها . أبحاث جلبرت وغاليلي وكوبونيك وديكارت ونيوتن .وفي إحلال النزعة التجريبية مع فرانسيس بيكون .نزعة الرجل التجريبية وقوة المنهج التجريبي في دراسة ظواهر الطبيعة وامتلاك ناصية العلم والإعلان عن بداية تفوق الغرب الحضاري .والسيطرة على الطبيعة وطموح السيطرة على العالم بالمعرفة " المعرفة سلطة" . الاورغانون الجديد وحاجة العلماء في فهم قوانين الطبيعة المنتظمة . يتصارع الإنسان وسط عراقيل الطبيعة والجهل الإنساني في إرغام الطبيعة على الامتثال بالأدوات العلمية الجديدة .وخروج الإنسان من قصوره المعرفي .أحب فرانسيس بيكون الفلسفة أكثر من العلم . ومشكلة الفلسفة اليونانية أنها انصرفت لما هو نظري أكثر مما هو عملي . في السياق ذاته الفلسفة مطالبة بتجديد آلياتها وقواعد الفكر العملي من جديد للخروج نحو الطبيعة وان يبدأ العلم بالملاحظة والتدرج نحو الفرضيات والتجارب المختبرية وأخيرا صياغة القوانين . تطهير العقل وتنقيته وتجاوز الأفكار المثالية وإزاحة الأوهام العالقة بالفكر والسير بخطى حثيثة نحو الطبيعة . ففي آراء بيكون يهتدي الإنسان بالمنطق الجديد في البحث والأفكار المنيرة في إزاحة ترسبات المعرفة الجاهزة السبيل نحو تجديد الفكر العلمي . وينتقل المؤرخ ول ديورانت في الفصل الرابع إلى الفكر الفلسفي العقلاني من ديكارت واسبينوزا . يقف عند هذا الأخير في علاقته بالديانة اليهودية واليهود وفي رسائل إصلاح .وتحسين العقل وفي الأخلاق والدولة العقلانية الديمقراطية القائمة على الحرية. وفي الطبيعة والله وعلاقة الناسوت باللاهوت . فإرادة الله وقوانين الطبيعة اسمان يطلقان على حقيقة واحدة .أما في الفصل الخامس فيناقش ول ديورانت عصر الأنوار .العقل وسلطة العقل وتتويج مسار العلم والعقلانية في الأخذ بالأنوار والحرية. فولتير وديدرو وجون جاك روسو .أدباء وفلاسفة في دعوة هؤلاء للتخلص من التقاليد القديمة. فلا سلطة تعلو فوق سلطة العقل  .في المدنية يحن روسو للطبيعة وحالة الفطرة لما في المدنية من مفاسد ونزوع نحو الشر وارتكابها بدافع القانون والمنفعة. وفي أفكار فولتير نقد للكنيسة وسلطتها من الرقابة. دعوته للتسامح ونبد الحروب والصراعات والجنوح للسلم والعيش وفق الحرية . وحالة المدنية أفضل من العيش في توتر وصراع .والإنسان بطبعه وحش مفترس والمجتمع المدني يقيد فعل الإنسان بالسلاسل وتخفيف وحشيته في قوة القوانين المدنية . ودون أن يبرز ول ديورانت التناقض بين الفلسفة العقلانية والتجريبية ومخاض الصراع الفكري في بناء المعرفة ينتقل في الفصل السادس للحديث عن كانط وفلسفته النقدية في القرن الثامن عشر .والاقتراب من نزعته النقدية وأسئلته المشروعية في قدرات العقل وحدوده وإمكانية بناء المعرفة في الجمع والتوليف .ثورة في الفكر على غرار الثورة العلمية التي قادها نيوتن .خشي كانط على الإيمان والأخلاق والفكر من نزعة هيوم الشكية .لاشيء في العقل ولا توجد مبادئ فطرية في قول جون لوك. رواسب المعرفة عند كانط متنوعة من العلم والفلسفة والأخلاق . من روسو وديكارت وهيوم ونيوتن . الفكرة الجوهرية في فلسفة كانط مشيدة من النقد لاعتبار الحواس مصدر وحيد للمعرفة واعتبار العقل كذلك .ونقد العقل الخالص يدخل في صلب الموضوع . ومن المعرفة إلى الأخلاق والعقل العملي وتأسيس الواجب الأخلاقي في الإلزام والالتزام . والمعايير الذاتية النابعة من الإرادة المشرعة للفعل الأخلاقي . كانط كتاب كبير مفتوح على المعرفة والأخلاق والسياسة . ومن كانط إلى هيجل لإبراز نسقه المتشابك وطرحه للوعي والفكر من الذاتي للموضوعي والصراع يؤدي للتركيب والتجاوز . ومن المنهج الجدلي ظل هيجل يؤسس للمعرفة في صورة عقلانية متشابكة . وانتقل المؤرخ ول ديورانت إلى شوبنهاور في نزعته التشاؤمية وفلسفة إرادة الحياة وكتاب " العالم كإرادة وكتمثل " . وفي الفصل الثامن يتناول ول ديورانت  الفيلسوف هربرت سبنسر واوكست كونت رائد علم الاجتماع في فكرة مركزية تقر بالعلم الجديد . وحاجة أوروبا لعلم الاجتماع لدراسة ظواهر من طبيعة اجتماعية. يعيد اللحمة والتوازن للمجتمع الفرنسي وفهم جديد للمتغيرات والمعطيات التي أفرزتها الثورة الفرنسية. وسبنسر في نزعته العلمية في قراءة حقيقة المجتمع العضوي في تناسق مكوناته . معالم جديد في علم الاجتماع وبوادر ظهور العلوم الإنسانية في القرن التاسع عشر واستقلالية هذا العلم عن الفلسفة والتأملات الميتافيزيقية , والتشبع بالملاحظة العلمية ودراسة الوقائع والتأثر بالمنهج التجريبي السائد في العلوم الوضعية . قوانين التطور والانتقال من مجتمع لآخر . وتطور الحياة في سياق التوافق بين الكائن وبيئته .ومن الاجتماع إلى علم النفس وظهور تيارات ونظريات جديدة في تحليل الفرد والشخصية الفردية والتنبؤ بسلوكه وقياسها .من المدرسة الشعورية والمدرسة السلوكية. وفي ختام المرحلة الحديثة يفتح نيتشه الفلسفة على الفكر المعاصر .ويؤسس لإنتاج جديد من الأفكار في رؤية مفاهيمية مغايرة عن الإنتاج الفلسفي السابق من المرحلة الماضية في الفكر القديم والحديث معا . يمنح ول ديورانت القارئ معطيات من شباب نيتشه ومن سيرته الذاتية في مراحل معينة .وعلاقة نيتشه بفاجنر ووصايا زرادشت للإنسان الأعلى وصعوده لقمم جبال الألب والبقاء مدة معينة . يكتب ويحاول أن يزرع في أوروبا فكر جديد يرسم آمل المستقبل ويزيل ترسبات الأفلاطونية والمسيحية والمثالية. زرادشت يعني نيتشه في تحليله لما وراء الخير والشر. ينزل زرادشت من الجبل ليعطي وعظا, وإرشاد الإنسانية أسوة بشبيهه الفارسي " زرادشت " في حكمة الشرق . يحيا السوبرمان  ويسمو على كل الكائنات بما يمتلك من خصائص , هذا الإنسان لم يولد بعد . وأننا لسنا سوى جذوره وتربته . نيتشه كتاب مفتوح للقراءة والتأمل . فكر مغاير بالتمام عن أفكار الفلاسفة , شعلة ملتهمة وديناميت يؤمن للفكر الحر والعالم بدون أفكار مثالية وشمولية . وفي تصنيف الأخلاق عند نيتشه ليس هناك سوى نمطين: أخلاق السادة وأخلاق العبيد .أما الأخلاق الثابتة فقد جاءت من آسيا وخصوصا من اليهود أيام خضوعهم السياسي . أما أخلاق السادة فهي أخلاق المخاطرة والقوة . فالأخلاق هي إرادة القوة . والنظم الفلسفية أو الميتافيزيقية ليست سوى أوهام نسينا أنها كذلك بفعل قدمها وتغلغلها في أعماق المنطق والفكر الخالص بفعل أدوات منها العقل واللغة .أما الارستقراطية فهي  طبقة حقيقية وصائبة في الحكم . ومن نيتشه وفلسفته جاءت الفلسفة المعاصرة .ويناقش ول ديورانت في الفصل العشر والحادي عشر الفلسفة المعاصرة في كل من أوروبا وأمريكا .ويثير مجموعة من المذاهب والتيارات الجديدة حتى ينتهي في قصة الفلسفة لعرض ملامح من الفلسفة البرغماتية مع جون ديوي . ويختم الحكاية من تاريخ الأفكار ويقدم للباحثين والناشئين في ميدان القراءة والتفلسف عصارة الإنتاج الفلسفي . دون أن يحيط بتفاصيل الفلسفة كفلسفة القرون الوسطى والفلسفة الإسلامية والكثير من أعلام الفكر الفلسفي المعاصر والواقع أن ظهور الكتاب كان في 1924 ولم يكن بالإمكان الإحاطة بكل الفلاسفة الجدد والسبب يكمن في عدم اكتمال البحث الفلسفي أو لا يتسع المجال للحكاية  .

قراءة المؤرخ الأمريكي المعاصر ول ديورانت للفلسفة في قصة موجزة وتقديم الحكاية بأسلوب المؤرخ في تقديم المادة والتدقيق في حيثيات السير الذاتية .المختصر المفيد في أفكار هؤلاء الفلاسفة الذين لازالوا بالفعل تراث يستمد منه الإنسان أفكار وتأملات في قضايا معقدة ومتشعبة . عظمة الفلسفة في صياغة أسئلة انفتاح الفكر في عملية مستمرة في إرساء الممكن والبحث عن المشترك بين الإنسانية بعيدا عن التعصب والعنف .

 

بقلم : أحمد شحيمط كاتب من المغرب