عدنان عويدعندما بدأ التقسيم الكبير الثاني للعمل بين الرعي والزراعة والحرفة، وبدأ معه اقتصاد السوق العيني والصغير  وما يقوم على هذه السوق من علاقات اجتماعية راح يحدد طبيعتها المالك لوسائل الإنتاج والمنتج، وبالتالي ظهور الملكية الخاصة واستغلال الإنسان للإنسان، هذه الملكية التي راحت تتراكم عند المالك على حساب المنتج، الأمر الذي دفع المنتج أن يبحث عن سند له يدافع عن حقوقه وأمنه وعدالته في محيطه الاجتماعي، فلم يجد من يقف معه او يدافع عنه. وهنا بدأت الإرهاصات الأيديولوجية للدين تستخدم من قبل الفقراء المنتجين ومن يمثلهم من شخصيات خرجت من رحم معاناتهم، ضد الأغنياء المالكين، فكان الفقراء أول من ارتبط بالديانات وراحوا يعبرون بإسمها عن معاناتهم في مرحلة متقدمة من التاريخ الإنساني، وشكلوا عمودها الفقري، حيث وجدوا فيها ضالتهم، أو وسيلتهم المشروعة للخلاص من عذاباتهم. بيد أن المالك استطاع أن يسرق منهم هذا الموقف الأيديولوجي للدين، وراح يوظفه لمصلحته من خلال الكثير من رجال الدين أنفسهم، الذين أغرتهم السلطة والجاه والمال، وشيئاً فشيئاً راحوا يقنعون المنتجين بأن سبب فقرهم هو شيء آخر غير المالك المتحكم بلقمة عيشهم، وإنما هناك أسباب أخرى تعود إلى قوى غيبية شاءت أن أتقسم الرحمة (الرزق) بين الناس وتجعل بعضهم سخرية لبعض، أمام هذه التغييب المعرفي لأصل معاناة الفقراء والحرومين، وما يرتبط بهذه المعاناة من غربة واستلاب وتشيئ وظلم وقهر وضياع لجوهر الإنسان، بدأت الثقافة العالمة تفرض نفسها جزءاً أساسياً من وعي الناس، وهي ثقافة غربة الإنسان وضياعه في منتجاته، أو علاقات إنتاجه. أي هي الثقافة التي فقد فيها الإنسان ذاكرته التاريخية الحقيقية في معرفة أسباب قهره التاريخي واستطالاته وتعدد أشكاله، فراح يبحث عنها في (فردوسه المفقود)... أي في عصر طفولته الإنسانية التي غلفتها أنسجة لا حدود لها من الوهم والأساطير، بما تحمله من رؤى وأفكار غير حقيقية عن سعادته آنذاك، وعن سبب فقدانه لهذه السعادة، وما حل به من شقاء وضياع  لأمنه واستقراره. وبناءً على أساس هذا الضياع راح الإنسان يمني نفسه داخل معطيات هذه الثقافة بتحقيق سعادته وأمنه وعدالته وبالتالي خلاصه. لقد بقي هذا الإنسان الضائع والمستلب والمشيء،  يحلم ويطمح في كل دورة حياتية جديدة له - وغالباً ما تكون سنوية (أعياد الميلاد وغيرها من أعياد) – بالخلاص من ضياعه وخطاياه وذنوبه وغربته وتشيئه واستلابه في عالمه هذا، لعله يخرج إنساناً بولادة جديدة. بيد أنه ظل يعيد للأسف إنتاج قهره وظلمه بسبب استمرار إيمانه بتلك الرؤى الأسطورية وطقوسها ورموزها التي يعول عليها خلاصه الأبدي، دون البحث في بنية علاقاته الاجتماعية القائمة حيث تكمن كل أسباب قهره فيها.

نعم...إنها ثقافة الأسطورة والمقدس والوهم والتخيل واللامعقول بكل أشكالها التاريخية ومن ضمنها الثقافة البدائية التي لم يستطع الإنسان حتى هذا التاريخ أن ينسلخ عن الكثير من معطياتها. إنها ثقافة تقديس الشجر، والحجر، والضحية ودمها، وسن الذئب وجلده، ونضوة الحصان، وريشة الطائر، ورأس الوعل، والثعبان، والخرزة الزرقاء، وإشعال الشموع ...

إنها ثقافة الخوف من الحاضر والآتي، بل وحتى الماضي، وما يرافق هذا الخوف من بحث عن سر الخلاص عند الشيخ وحجبته أو تميمته، أو عند الساحر ومائه ورماد نيرانه وأسماء جنياته وجنه.. إنها الثقافة العالمة لسر الوجود وحركة الكون وكوارثه أو نعمه.. إنها ثقافة الأسطورة التي لم تزل تهيمن على حياتنا ونفسر بها قوانين حركة الطبيعة والمجتمع، وعالم الإنسان الداخلي في خوفه ومرضه وألمه وحلمه ورغباته.

إنها ثقافة استرداد الماضي التي لم نزل نعتقد أننا بإحياء ذكرى بعض محطاته سنوياً سنستعيد فردسونا المفقود الذي يمنحنا تجديد حياتنا وخلاصنا الذي لم نعرف في أي مرحلة كان هذا الفردوس من تاريخ حياتنا وكيف كان، وما أكثر تلك المواقف (الأعياد) وتعدد دلالات إحيائها، أو الوقوف عند ذكراها.

هذا مع تأكيدنا بأن هذه الثقافة العالمة أصبحت الأكثر خطورة، بعد أن أخذت بعداً معاصراً رغم كل التطور العلمي والمعرفي، حيث تجسدت هذه الثقافة العالمة في بعض صيغها الأكثر حضارية وعصرية في إعادة تأكيد الانتساب إلى الطائفة والمذهب والحزب والطريقة الصوفية، التي يتلقنها الأفراد عبر طقوس تنسيبية، تمنح لهم على درجات ومراتب يشعر المرء في كل مرحلة يرتقي فيها داخل هذه التجمعات أنه خُلق خلقاً جديدا، وأنه حقق تمايزاً معرفياً ووجودياً عن غيره في معرفة نفسه وما يحيط به.. إنها ثقافة الشيخ والبطل السلبي بكل أشكال تجلياته السياسية والدينية والقبلية الذي نزحف على ركبنا للوصول إليه وتقبيل يده أو أخذ البركة من حضوره ولمسات يده كما هو الحال عند شيخ الطريقة الصوفية، أو الرضوخ له ولرأيه كما هو عند شيخ العشيرة والقبيلة والطائفة والمذهب ... إنها ثقافة كل الرموز التي تُحول الفرد منا إلى ريبورت يشعر أن كل ما تعلمه من هؤلاء هو بداية المعرفة ونهايتها، وأن معرفة الكون والمجتمع والفرد تكمن فقط فيما نتعلمه من هؤلاء.

إن الثقافة العالمة هذه، هي ثقافة الرموز والطلاسم التي لا تنتمي للعقل ولا لنشاط الإنسان، بل هي تريد للعقل والإنسان وحاضره أن ينتمي إليها، كونها هي وحدها من تمتلك الحقيقة المطلقة والعارفة بما كان وما هو كائن وما سيكون. وهي وحدها الصالحة لكل زمان ومكان... نعم... إنها الثقافة الْعَالِمَة.

 

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث من سورية

 

 

علي المؤمنفي ظل ماتشهده المجتمعات المسلمة من انفتاح عشوائي على ألوان الفكر والثقافات، وحرية منفلتة في التعبيرعن الرأي؛ تصل الى مستوى التجاهر بالدعوة الى الإلحاد في مجتمع مسلم محافظ من جهة، أو الدعوة الى التطرف الديني والطائفي والخرافة في مجتمع معتدل وتعددي من جهة أخرى؛ فإن تجديد الفهم الديني الى مستوى الاستجابة للحاجات الجديدة والواقع الضاغط وتحدياته؛ يعد مطلباً أساسياً يقع على عاتق الفقهاء والمفكرين الإسلاميين وأصحاب الاختصاص في الحوزات العلمية والحركات الاسلامية والجامعات والمؤسسات البحثية؛ ليكون الفهم الديني الجديد أصيلاً وعصرياً وعلمياً وإقناعياً، وجاذباً للنخب والجمهور. وإلّا فإن حالة الانفلات في شقيها: المتباعد عن الدين، والمبتدع فيه؛ يشكل خطراً على النسيج الإيماني الاجتماعي والوحدة المجتمعية. ولن يكون الشد العاطفي ضامناً و قادراً على الصمود الى الأبد في تأمين الواقع الايماني.

ومن أبرز المناهج الخاطئة في الفهم الديني، والتي نتلمس مخرجاتها في الوسط الديني والثقافي: الفهم المبتور للدين، الفهم غير التخصصي للدين، الفهم الأكاديمي للدين، الفهم اللاهوتي للإسلام، الفهم الإسقاطي للإسلام. وسنلقي الضوء ـ فيما يلي ـ على كل واحد من الأشكال الخمسة المذكورة لفهم الدين.

الفهم المبتور للدين

يعمل هذا الفهم على تفكيك الإسلام وتجزئة عناصره العقدية والشرعية والروحية والأخلاقية. في حين أن الإسلام بوصفه ديناً إلهياً خاتماً، يمثل منظومة متكاملة لاتتجزء: غيبية، روحية، عبادية، اجتماعية، ثقافية، سياسية، اقتصادية. ولا يمكن أقتطاع جانب من الإسلام ونقول هذا هو الإسلام ولا غير. فنقتطع مثلا جانب العدالة الاجتماعية في الإسلام ليصبح الدين اشتراكياً، أو نأخذ الجانب المقاوم في الإسلام، أي رفض الظلم ومواجهة الطغيان، فيصبح الدين ثورة يسارية، أو نستل الجانب الروحي فيستحيل الإسلام تصوفاً وعرفاناً وفلسفة وحكمة وأخلاقاً، أو نركز فقط على الجانب العبادي فيكون الإسلام مجرد طقوس وشعائر وارتباط شخصي بين المخلوق وخالقه، أو نحصر الإسلام في الجانب السياسي فيصبح مجرد سلطة وحكم ودولة، أو نكتفي بالجانب الاخلاقي فيتحول الإسلام ضوابط لحسن التعامل بين البشر، أو نأخذ الشورى والمشورة واحترام الرأي الآخر فقط فيكون الإسلام هو الديمقراطية، أو نقول إن الإسلام هو عقود وإيقاعات فيصبح الإسلام مجرد قوانين أحوال شخصية.

لا شك أن الجوانب المذكورة كلها موجودة في الإسلام: العدالة الاجتماعية، العلاقة الروحية بالله، رفض الظلم، العبادات والشعائر والطقوس، المعاملات والعقود والإيقاعات، القوة والسلطة والدولة، الديمقراطية، الأخلاق، الإنسانية، الرحمة وغيرها. كل هذه تمثل عناصر مكونة للعقيدة والشريعة الإسلامية، لكنها مترابطة ترابطاً عضوياً ولاتتجزء، وأن إلغاء أي عنصر أو فصله، سيؤدي الى خلل في المنظومة برمتها.

بالتالي فإن الإسلام وحدة واحدة، تكمل مكوناته بعضها الآخر.. كمكونات جسم الإنسان تماماً: الماء، الدم، الشبكة العصبية، الدورة الدموية، الجهاز الهضمي، الجهاز التنفسي، العظام، العضلات، القلب، الدماغ، وقبلها الروح المحركة لها جميعاً. فلكل عضو وظيفة، وأي خلل و عطل في عضو ما، أو إلغاء لوظيفة أحد الأعضاء، سيؤدي الى خلل شامل في جسم الإنسان. أي أن كمال خلقة الانسان هي انعكاس لكمال الدين؛ لأن خالقهما كامل، ولايصدر عن الكامل إلّا الكامل؛ لأن النقص يستحيل على الخالق، ويستحيل في خلقه، فكيف إذا كانت الشريعة الإسلامية هي خاتمة الشرائع؟. ما يعني أن الله تعالى أكمل دينه، ولم يتركه أعرجاً أو أعمى أو أصماً، أو ينقصه جانب من جوانب الحياة، ولا يستوعب كل شؤون وحاجات الإنسان ومنظومة عيشه.

والحديث هنا عن كمال الدين وليس كمال التدين، سواء تعلّق موضع التدين بالفرد أو الجماعة أو المجتمع أو نظم الدولة. وتفصيل ذلك في مقال آخر.

نعم، هناك موضوعات وحاجات مستحدثة ومستجدة، تظهر باستمرار بمرور الزمن، وبتطور المنظومة الحياتية، وأساليب العيش، وهي تمثل مساحات تفويض تشريعي أو تكييف كلامي وعقدي، يملأها الإنسان المتخصص من خلال الفهم العقدي المتجدد، الذي يعبر عنه بـ "علم الكلام الجديد"، أو النظريات والنظم الفقهية الموضوعية والأحكام الشرعية الجديدة من خلال "الإجتهاد الجديد".

و بالتالي، لا يمكن أن نفصل الدين على مقاسات فهمنا وأهدافنا الخاصة ورغباتنا وأمزجتنا وأهوائنا، بل أن غايات الدين وأهدافه ومقاصده تُعرف ـ حصراً ـ من الجهة التي أنزلت الدين وشرّعت أحكامه (أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض، فماجزاء من يفعل ذلك منكم إلّا خزي في الحياة الدنيا، ويوم القيامة يردون الى أشد العذاب). إذ يبين القرآن هنا أن نزعة تفكيك الدين وتجزئته ليست جديدة؛ بل هو منهج قديم عرفه أهل الكتاب قبل الإسلام، وجاء القرآن ليوبخهم لاتباعهم هذا المنهج التحريفي. وبعد البعثة النبوية أيضاً كانت هناك مقترحات على النبي محمد (ص) من زعماء قريش وبعض الملوك بهذا الخصوص، وتتلخص بتوزيع النظم والقدرة بين الإسلام وبينهم، أي تفكيك مقومات الإسلام ومخرجات شريعته، وإلغاء بعضها، والإبقاء على جزء منها لرسول الله، وفي الوقت نفسه الإبقاء على عبادة الأوثان وحضور الأصنام، وعلى سلطات زعماء قريش، وعلى النظام الإجتماعي الجاهلي نفسه، في مقابل الإعتراف بنبوة محمد وزعامته لقريش والسماح لاتباعه بالتعبد وفق تعاليم الإسلام.

و في النتيجة، فإن مقولات مثل: الإسلام أخلاق وحسب.. الإسلام معاملة فقط.. الإسلام ليس إلّا قناة تربط الفرد بربه.. الإسلام صلاة وصوم وعبادات.. الإسلام ثورة على الظلم.. الإسلام عدالة إجتماعية، أو توصيفات مثل: أنسنة الدين.. الإسلام السياسي.. الإسلام العربي.. الإسلام الشرق آسيوي، إنما هي مقولات وتوصيفات متهافتة لا تصمد أمام حقائق الإسلام وكمال أصوله.

الفهم غير التخصصي للدين

أشرنا الى أن فهم الدين لايتم وفق الذوق والمزاج والميول ونمط الحياة؛ بل يجب فهم الإسلام من خلال قصد مصدره. ومصدر الإسلام ومنزله هو الله (تعالى). أي أن فهم الإسلام محصور بقصد الله فقط، وهو المعيار حصراً، و لا مدخلية لقصد الإنسان وأهدافه وتمنياته في ذلك. وينتج عن هذه الحقيقة أن معرفة قصد الله وقراءة شريعته، تحتاجان الى تخصص عميق في فهم قصد الشارع و نصه المقدس والصحيح من سنة نبيه وأهل بيته.

وتزداد أهمية التخصص كلما تراكمت المعرفة الدينية وازدادت الحاجة الى علوم وأدوات جديدة في الفهم الديني، وهو ما يتناسب طردياً مع الابتعاد عن عصر النص. وكما لايجوز الاستهانة بأي تخصص علمي إنساني، فلا يجوز الاستهانة بعلوم فهم الدين، فيأتي أي شخص؛ أيا كان عمله وتخصصه المعرفي ومستواه التعليمي، ويفسر القرآن والحديث، ويلغي وينفي ويثبت وينسخ مايعجبه من الآيات والأحاديث، ثم يغير الأحكام، ويجتهد، ويقدم نظريات وطروحات، دون أن يكون متخصصاً.

صحيح أن هناك قراءات وتفسيرات واجتهادات وأفهام بشرية، وهو حق كفله الله للانسان، ليجتهد ويؤول ويفسر؛ لكنها قراءات المتخصصين حصراً، لأن قراءة الدين (نصوصه وأدوات قراءاتها) عمل تخصصي عميق، ولا يمكن أن يخرج عن المنهج الديني ومقصد الدين وفلسفته الإلهية.

والاختلاف في الاجتهادات والقراءات بين المتخصصين لايعد مثلبة في الدين أو المتدينين، بل هو أمر طبيعي، خاصة مع عدم وجود النص في الواقعة و الموضوع، وهو كأي إختلاف بين المتخصصين في العلوم والمعارف الأخرى. فضلاً عن أن اختلاف القراءات بين المتخصصين لا يصل الى كليات العقيدة والشريعة و أحكامها العامة، بل في الموضوعات التفصيلية. وهذه القراءة تعبر عن بذل الفقيه أو المتكلم جهده ووسعه للتوصل الى قصد الشارع أو ما يعرف بالحكم الظاهري. ولا يعني ذلك القطع أو الجزم بالتوصل إليه، لا سيما مع عدم وجود نص، لكنه في الحد الأدنى يمثل مقاربة تخصصية عميقة، وليست عشوائية أو ارتجالية أو مزاجية. أما القطع أو الحكم الحقيقي فلا يتوافران إلّا للمعصوم.

و حيال هذا الجهد العميق الذي يبذله المتخصص، يهدف الى براءة الذمة الشرعية، يمكن تفسير المأثور: (إن الفقيه إذا أخطأ كان له حسنة، وإذا أصاب فله عشر). أي أن الخطأ والصواب مقيدان بالفقاهة والإجتهاد، أي القدرة على استنباط حكم الشرع من مصادره وعبر أدواته التخصصية، وليس الباب الفتيا أو البت في المسائل العقدية والفقهية مفتوحاً دون ضوابط، وهو ما أكد عليه المأثور: ((من أفتى الناس بغير علم ولا هدى من الله لعنته ملائكة الرحمة وملائكة العذاب ولحقه وزر من عمل بفتياه).

و لذلك؛ لاخيار إلّا بالأخذ بالقطع النسبي الذي ينتجه المتخصص (عالم الكلام والفقيه). وهذا اللون من القطع يتوافر عند المتخصص حصراً، لأنه بذل الوسع والجهد عبر استخدام أدوات التخصص المنتزعة من جنس الموضوع، للتوصل الى قصد الشارع والحكم الحقيقي، سواء في الموضوعات العقدية أو الفقهية، فكان فهمه مبرءاً لذمته وذمة الملكف الذي يرجع إليه.

أما قراءة الدين دون تخصص، أو من خلال منهج لاديني، والاعتماد على فهم هذا المنهج في تحديد فهم المسألة العقدية أوالفقهية، فهو عبث بالمعايير العقلية قبل النقلية. وهو شبيه بفهم الطبيب وغير الطبيب للحالات المرضية، فالطبيب (المختص) الذي يبذل جهده لتشخيص المرض (معرفة الموضوع)، ثم يشخص علاج المرض (حكم الموضوع)، ويصف الدواء وطريقة استخدامه (يشرح مضمون التكليف وشكله)، ربما يخطيء في التشخيص والوصف، ولكن لا خيار غير الاتكال على فهم الطبيب، لأنه مختص، و ضرره خطإه غير المقصود أقل بكثير من ضرر مايتسبب به غير الطبيب الذي يقحم نفسه في تشخيص المرض والعلاج. وهذا ما يتفق في مضمونه مع خطورة اعتماد الجماعات الدينية التكفيرية المسلحة على فتاوى غير الفقهاء، ولاسيما في قضايا الدماء والأعراض والأموال.

لقد بات العالم يدعو الى مزيد التخصص بمرور الأيام، كلما ازدادت وتيرة الإكتشافات العلمية سرعة، وإلى احترام منهج التخصص الدقيق والتخصص الأدق، فلا يتدخل المتخصص في شؤون تخصص آخر. فجراح الدماغ ـ مثلاً ـ هو صاحب الرأي الأول والأخير في الفحص والتشخيص والعلاج في أمراض الدماغ. بل أن الطبيب الاختصاص في جراحة الجملة العصبية، لا يعطي رأياً في مشاكل الدماغ، فكيف بمهندس البناء الذي يريد أن يكون له رأي في جراحة الدماغ ؟.

بينما نرى في علوم فهم الدين، أن الصحافي والسياسي والمهندس والعامل والفلاح والضابط والشاعر والحقوقي والفيزياوي؛ لايترددون في تقديم فهم شخصي للدين ومعارفه وأحكام الشريعة، ويقول هذا رأيي، وهذا ما أعتقده. بل أن بعض هؤلاء يحملون ايديولوجية تتعارض مع الدين، كأن يكون صاحب الرأي الإجتهادي في الدين شيوعياً أو عنصرياً أو علمانياً، ولكنه يمتلك الجرأة ليفتي في الشأن الديني التخصصي.

وحتى المسلم المتدين غير المتخصص، لايمتلك القدرة على تقديم فهم شخصي في الموضوعات الدينية التخصصية، طالما أنه غير متخصص، سواء كانت الموضوعات عقدية أو فقهية. فبعض المتدينين يجتهد ويفتي ـ مثلاً ـ بعدم وجود نظرية اقتصادية في الإسلام، وآخر يعتقد أن أحكام الإرث لا تتوافق مع العصر، وثالث يبدو له أن هذا الحديث النبوي كذب، وبعضهم يسخر من مبدإ التقليد في أحكام الفقه. في حين أن القراءة الدينية التخصصية بحاجة الى متخصص في جملة من العلوم، بدءاً بعلوم القرآن وعلوم الحديث والرجال وعلوم اللغة العربية و الكلام، وانتهاءً بعلمي الفقه وأصوله.

وبصرف النظر عن تفاصيل الإختلاف في مقولة حرمة التقليد في الأصول، أو ما يعرف بحرمة الأخذ برأي الغير في المسائل العقدية دون معرفة الدليل، وضرورة نظر المكلّف في الموضوعات العقدية للوصول الى المعرفة اليقينية، فإن التطور الهائل للموضوعات الكلامية وتوسعها عمودياً وأفقياً، واتساع دائرة المعارف الإنسانية، وتراكم الأسئلة العقدية المركّبة، جعل الرجوع الى المختص في القضايا العقدية أيضاً أمر لامهرب منه، وليس الفقهية وحسب، فضلاً عن أن هذا الرجوع بات قائماً عملياً، وبخلافه ستتوسع دائرة الفوضى الفكرية والإرباك العقدي لدى عموم الناس، لأن عموم المكلفين عاجزين ـ بفعل مختلف الظروف والأسباب والمعوقات ـ عن التوصل من خلال البحث والنظر المعمقين الى المعرفة اليقينية بالقضايا العقدية الكبرى، كالألوهية والوحدانية، والعدالة الإلهية والجبر والتفويض، والولاية التكوينية والولاية التشريعية، والخلق والنشوء، والوحي والتنزيل، والنبوات، والعصمة، والإمامة و غيرها من الموضوعات التي بات كل واحد منها بحاجة الى تخصص دقيق، ولا سيما مع ظهور المناهج المضادة والمعارِضة الحديثة.

ويدخل ضمن إطار الفهم غير التخصصي للدين أيضاً:

أ‌- استخدام بعض علماء الدين مناهج تجعلهم يجتهدون مقابل النص؛ الذي هو ثابت ديني؛ فيخلطون بين الثوابت والمتغيرات، ويخالفون النصوص التعبدية، ويجنحون نحو الانفلات في فهم مقتضيات العصر، أو ما بات معروفاً بتطبيق مدخلية الزمان والمكان والظروف في تغيير موضوعات الأحكام الشرعية.

ب‌- الجمود على فهم السلف للدين، ومانقلوه من أحاديث وأخبار، بل اعتماد سلوكياتهم كمصدر تشريعي، فيكون الناتج إسلامات متعارضة بعدد الصحابة والسلف.

ت‌- اعتماد بعض الجماعات المنتسبة للإسلام على أشخاص غير متخصصين في الشريعة، لإصدار فتاوى في أخطر الموضوعات، كالدماء والأموال والأعراض، الأمر الذي أباح لكثير من هذه الجماعات ممارسة كل ما يتعارض مع الدين من أعمال إرهابية وجرائم.

الفهم الأكاديمي للدين

يرى أصحاب الاختصاصات الأكاديمية، كالمناهج الفلسفية الغربية، والعلوم التجريبية والإنسانية والاجتماعية، بدأ بالانثربولوجيا وفيزياء الكون والهندسة الوراثية والاحياء، وانتهاء بعلوم النفس والاجتماع والقانون واللسانيات والتاريخ، بأن فهمم للدين هو فهم علمي ناجز، لأنهم يستندون الى اختصاصاتهم الأكاديمي و المنهجي. والأنكى أن أصحاب هذه المناهج يحاولون حصر الفهم العلمي بمناهجهم ونظرياتهم ورؤاهم الفلسفية والأكاديمية التجريبية؛ لكي تكون مخرجاتها ونتائجها ملزِمة.

ولكن؛ ليس بالإمكان طرح نظريات فهم ديني بادوات بشرية غير مقبولة دينياً، وليس بالإمكان منهجياً ومنطقياً فهم الدين، والإسلام ونصوصه تحديداً، فهماً حقيقياً لصيقاً بغاياته وأهدافه وكينونته وبنيته، وفق مناهج وفلسفات غير مقبولة دينياً أوعلوم غير دينية، بدءاً بالهرمينوطيقيا (فلسفة التأويل) والفينومينولوجيا (فلسفة الظاهر) والانطولوجيا (فلسفة الوجود)، وانتهاء بالابستمولوجيا (فلسفة المعرفة) والبلوراليسم (التعددية).

وبالتالي فإن الإتكاء على نظريات "ستيفن هاوكينغ" في الفيزياء الكونية مثالاً، أو الأخذ بنظريات "هوسلر" و "سارتر" و "ماركس" و "دارون"، لتقديم فهم للتكوين والخلق والوجود والأبدية والأزلية والمعرفة الدينية؛ سيكون مآله تهافت الغيب، والتشكيك بالله، ونفي الوحي، والنبوات، وإلهية النص المنزل، وآخره النص القرآني، وأبدبة التشريعات الثابتة.

صحيح، أن مناهج الفلسفة والعلوم التجريبية والإنسانية والاجتماعية وأدواتها ومعارفها، كالعلوم القانونية والسياسية والإقتصادية والإجتماعية، وعلم النفس الإجتماعي والانثروبولوجيا والمثيولوجيا واللسانيات والهرمينوطيقيا، تساهم مساهمة مهمة في توسيع آفاق الفقيه والمتكلم، وقدرتهما على معالجة الإشكاليات، والإجابة على الأسئلة، وتشخيص الموضوعات والأحكام، وتحويل حُزم الأحكام الى نظريات، والنظريات الى نظم، و لكن هذه المناهج تمثل مناهج ساندة يستثمرها المتخصص الديني، وليست مناهج مستقلة لفهم حقيقة الدين.

ولاشك، أن فهم الفيلسوف والمفكر الغربي وفهم الفقيه والمتكلم الإسلامي، هما فهمان بشريان، إلّا أن أدوات الفقيه في فهم الدين منتزعة من الدين نفسه، أو أنها قواعد لا تتعارض معه. أما أدوات الفيلسوف الغربي لفهم الدين، فهي أدوات وقواعد بشرية محضة، وغالباً ما تتعارض مع مقاصد الدين وجوهره اللصيق بالغيب. لذلك يستحيل أن تكون الأدواتُ المتعارضة مع الدين مرجعيةً في فهمه. مثلاً: هل يمكن أن نفهم الغيب والوحي والتزيل والنبوات والنص القرآني وحجية السنة بمنهج يتعارض مع هذه المفاهيم أساساً؟

وإذا كان المتلقي وصاحب الحاجة لفهم الدين ومخرجاته متديناً، ويهدف الى فهم منطومته العقدية أو الحكم الشرعي الذي يريد العمل به، فإن الفقيه والمتكلم هما مرجعيته وحجته في هذا الفهم لا شك. أما إذا كان المتلقي يتبنى ايديولوجيا غير دينية أو معارضة للدين ـ وإن كان مسلماً بالوراثة ـ فإنه من الطبيعي أن يلجأ الى المناهج والفلسفات الغربية غير الدينية في فهم الدين.

الفهم اللاهوتي للإسلام

ولد فكر عصر النهضة الأوربية، ومناهجه الفلسفية في التفكير، وعلومه التجريبية والإنسانية الحديثة، في إطار حراك تاريخي طويل، شامل وحاد، و لصيق بهوية البيئة الأوربية وعناصر تكوينها، و بجوهر الصراع التراكمي الخاص بها. و يستند تأسيس هذه المناهج الى ثلاث خلفيات:

الأولى: الفراغات الفكرية والمنهجية والتشريعية الحادة في الديانة المسيحية.

الثانية: الصراع بين سلطات الكهنوت الكنيسي والسلطات السياسية المتحالفة معه (التحالف الثيوقراطي السلطوي المستبد والمتخلف) وبين تيارات التحرر السياسي والفكري التنويري.

الثالثة: إتهامات التنويريين للتحالف الثيوقراطي السلطوي (الكهنوت وأنظمة الحكم المطلق) بأنه وراء كل مضامين وأشكال التخلف العلمي والفكري والثقافي والسياسي والإجتماعي والإقتصادي في أوربا.

و قد حقق فكر عصر النهضة الأوربية وفهمه العلماني للدين ثلاثة نجاحات واقعية أساسية:

الأول: التطور العلمي التجريبي والعمراني والإنساني للغرب.

الثاني: التطور في النظم السياسية والقانونية في الغرب.

الثالث: إنطلاق الحركات الإستعمارية العالمية الغربية وسيطرتها على معظم الكرة الأرضية.

هذه النجاحات، فتحت الأبواب لتعميم معادلات فكر عصر النهضة الاوربية العلماني على الإسلام ونصوصه وعقيدته وشريعته ومنظوماته، فأخذ بعض المفكرين والباحثين والمستشرقين والمهتمين (الغربيين أو من أبناء البيئة المسلمة) الى إعادة فهم الإسلام عبر إسقاط اللاهوت المسيحي وتعاليم الديانة المسيحية وفراغاتها على تعاليم الإسلام ومفاهيمه، والى استخدام أدوات فهم اللاهوت المسيحي ومناهجه، ومايتضمنه من تعارضات داخلية في فهم الدين الاسلامي، وتطبيق معادلات الصراع بين الكنيسة والتنويرين وفلسفات عصر النهضة الاوربية على المنظومة الدينية الاسلامية.

فنجد يعض هؤلاء المفكرين والباحثين يعتمد اللوثرية، وتحديداً منهج "فلاسيوس"؛ لينتهي الى أن تشبيه الواقع الإسلامي بالواقع المسيحي قبل ظهور لوثر أو الانشقاقات البروتستانتية والأرذوكسية واللوثرية، أوبالعصور المسيحية الوسطى الأوربية. وراح آخرون يخططون لثورة تنويرية مسلمة على الموروث الديني الإسلامي، وتعميم مصطلح الموروث على النص القرآني والحديث. وتتزامن مع ثورة على المنظومة الدينية الإسلامية ومتكلميها وفقهائها.

ولوقعنة هذه الثورات المضادة للدين، عمدت موجات الغزو الفكري والمنهجي العلماني إلى توصيف بعض المفكرين والباحثين المسلمين بأنه (مارتن لوثر الإسلام)، و إلى نحت مصطلحات عائمة كـ (اللوثرية الإسلامية) أو (الإسلام الأرثذوكسي) أو (الإسلام البروتستانتي) كمناهج في فهم الاسلام. وهذا المقاربة تساوق في خطئها وخطورتها فهم الإسلام بمنهج ماركسي إلحادي.

الفهم الإسقاطي للإسلام

تماهياً مع وسائل التوجيه الغربية، يستحضر العلمانيون ممارسات الدول السلطانية المسلمة وسلوكياتها، ونظمها الثيوقراطية الشمولية المستبدة، بدءاً بالدولتين الأموية والعباسية وانتهاءً بالدولتين الصفوية والعثمانية، ليتهموا الإسلام بالفشل إنسانياً، وبانطوائه على عناصر الظلم والاستبداد والتخلف.

وفي الخطوة التالية، يشبه العلمانيون المنظومة الدينية الإسلامية بالمنظومة الدينية المسيحية الكنيسية في مرحلة ماقبل عصر النهضة الأوربية. ثم ينتهوا إلى نتيجة قسرية مفادها أن تحرر أوربا من التحالف الكنسي السلطوي المتخلف المستبد، ودخولها عصر التنوير، لم يحصل إلّا بالقضاء على هذا التحالف أولاً، ثم إقصاء المنظومة الدينية الكنسية عن الشأن العام والتشريع والسياسة والدولة ثانياً. وعليه، فإن سر تطور أوربا وتقدمها الشامل يستند إلى البديل العلماني حصراً. وهو المسار الذي ينبغي على المسلمين الأخذ به، لينطلقوا في رحاب النهضة الحضارية، والتحرر الفكري والثقافي، والبناء القانوني المؤسسي، والاستقرار السياسي والإجتماعي والأمني، والنماء الإقتصادي والعمراني، والتطور العلمي والتكنولوجي.

هذه المعادلات الوهمية ليست سوى شعارات تصلح للاستغفال النفسي والعقلي، والهيمنة السياسية والإقتصادية، والغزو الفكري والثقافي، والتخريب الإجتماعي، لأن إسقاط الواقع الاوربي في عصور ماقبل النهضة على واقع المسلمين، والمنظومة الدينية الكنيسية على المنظومة الدينية الإسلامية، و الديانة المسيحية على الديانة الإسلامية، هو إسقاط لايمت إلى أي معيار علمي ومنهحي، بالنظر للإختلاف الماهوي بين الديانتين والواقعين.

ويشبه هذا الإسقاط، اتهام الإسلام بالمسؤولية عن إرهاب الجماعات الدينية التكفيرية المسلحة، كالقاعدة وداعش، وسلوكياتها، وبأنّ النص الديني الإسلامي المتمثل بالقرآن والسنة، يدفعان الى هذه السلوكيات جزماً.

ولا شك أن هذا الأسلوب في تحميل الإسلام المسؤولية، تقف وراءه أهدافاً ايديولوجية وسياسية مناهضة للدين أساساً، لأن معظم أصحاب هذه الأهداف يدركون جيداً أن معيار فهم الإسلام، ليس سلوك المنتسبين إليه وتفسيراتهم المصلحية ونظرياتهم المبتسرة التجزيئية التي يطبقونها وفق أهوائهم، لتحقيق مصالح سلطوية وسياسية واقتصادية واجتماعية، بل المعيار هو الفهم التخصصي الدقيق للدين.

نتائج الفهم غير التخصصي وغير المنضبط  للإسلام

سيؤدي الفهم المبتور أو غير التخصصي أو اللاديني للإسلام؛ إلى إسلامات مصلحية ومزاجية ومنفلتة وشخصية لا حد لها ولا حصر؛ جراء صدور رؤى وأفكار وأحكام وفتاوى تتعارض مع مقاصد الدين وأهداف الإسلام ومنظومته العقدية والشرعية، بل تتعارض ـ أحياناً ـ مع بديهيات الدين ومظاهر التدين. الأمر الذي ينتهي الى إنتاج إسلام سلوكي، وإسلام روحي، وإسلام داعشي، وإسلام اشتراكي، وإسلام ليبرالي، وإسلام علماني، وإسلام بدون علماء دين، وإسلام مدني، وإسلام بروتستانتي؛ وصولا الى الإسلام الإلحادي.

نعم؛ هناك من بات يطرح ـ بكل جرأة ـ إسلاماً إلحادياً، وليس علمانياً وحسب. فكما أن بعض المناهج التحريفية ينتج عنها إسلامٌ دموي سلطوي طاغوتي؛ فإن مناهج أخرى منفلتة ينتج عنها إسلام إلحادي.

 

د. علي المؤمن

 

محمود محمد علينعود إلي الجزء الثاني من حديثا عن المفارقات المنهجية في نشأة لغتنا العربية فنقول : كان أول من تعرض للحديث عن نشأة النحو "ابن سلام الجمحي" (المتوفي 232هـ) قال : " وكان أول من أسس العربية، وفتح بابها، وأنهج سبيلها، ووضع قياسها أبو الأسود الدؤلي "؛ ويذكر أبو الطيب اللغوي (المتوفي 351هـ) روايات أخرى تُجمع على أن أبا الأسود هو الواضع لعلم النحو، ولا تشير إلي الإمام علي بن أبي طالب (كرم الله وجهه)، أو غيره، وذكر "أبو سعيد السيرافي"  (284هـ - 368هـ) بعد الرواية التي تشير إلى اختلاف الناس في واضع النحو روايات متعددة تُجمع على أن أبا الأسود هو الواضع لعلم النحو بعد قوله في الرواية السابقة "وأكثر الناس على أبي الأسود". ونفس الشيء  ذهب إليه ابن قتيبة الدينوري في كتابه " الشعر والشعراء " (213 هـ-15 رجب 276 هـ)، إذ يجعله " أول مَنْ عمل في النحو كتابا ".

ويمكن أن نعلق على الروايات الثلاث، ففيما يتعلق بالرواية الثانية والثالثة  التي تعزي وضع النحو إلى "أبي الأسود الدؤلي" بمشاركة "نصر بن عاصم الليثي"، و"عبد الرحمن بن هرمز" الإمام "علي بن أبي طالب" (كرم الله وجهه)، أو تفرده بوضع النحو  فإننا نقول استناداً إلى الروايات الكثيرة الواردة في وضع أبي الأسود للنحو إن أبا الأسود هو الذي يصح أن يعد واضع النحو والمؤسس الحقيقي له، وذلك لما لهذا الرجل من علم واسع في علوم العربية، وإطلاع غزير على مسائلها، زد على ذلك أنه وضع أول نقط يحرر حركات أواخر الكلمات في القرآن الكريم . علاوة على أن أبا الأسود هو البادئ بوضع هذا العلم بتدوين يء من أصوله وضوابطه . ولا يعنينا إن كان عمله هذا بدافع ذاتي أو بحث من الإمام علي أو زياد أو ابنه عبيد الله .

وأما فيما يتعلق بالرواية الأولي، التى تُعزي وضع النحو لعلي بن أبي طالب (رضي الله عنه)، فإننا لا نؤيد أن يكون الإمام علي بن أبي طالب (كرم الله وجهه) هو من وضع علم النحو كما قالت الروايات في هذا الصدد، وذلك لأن  " الأعباء التي كان يضطلع بها الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه أثقل من أن تتيح له التفكير في وضع النحو ؛ إذ كان - كرم الله وجهه – موزع الجهد والفكر لتثبيت دعائم الدولة، وإقامة أحكام الدين، وتدبير شئون الرعية، وإحباط المكائد.

وننتقل إلى نقطة أخرى نود أن نناقشها، وهي تتعلق بعملية نشأة القاعدة النحوية، فمن المعروف أن النحو العربي قد مر في نشأته بمرحلتين :-

المرحلة الأولى - ضبط النص القرآني، وكانت هذه المرحلة العاجلة التي تطلبت حلاً سريعًا، ولقد كان هذا الحل – الذي قام به أبو الأسود الدؤلي – خطوة تمهيدية لنشأة القواعد اللغوية، بيد أنها مع ذلك جوهرية . ولقد اتسم ضبط النص القرآني، الذي اصطلح عليه فيما بعد بنقط الإعراب – بالضرورة باعتبار أن الحاجة العاجلة إلى العربية لغة إنما تنطلق من الرغبة في صحة التعامل مع النص الديني أداء، وهذه الرغبة متصلة أوثق الاتصال بالعقيدة، ومن ثم كان يشتد إلحاحها مع اتساع دائرتها، وازدياد انتشارها.

المرحلة الثانية - الانتقال إلى التصدي المباشر للمشكلة اللغوية، ولقد بدأت هذه المرحلة عقب الانتهاء من المرحلة السابقة، إذ لفت نظر أبي الأسود أثناء ضبطه للنص القرآني هذا الاختلاف في الحركات في أواخر الكلمات، وليس من المستبعد أن يحاول  أبو الأسود إيجاد تصنيف من نوع ما لهذه الحركات، بل لقد صنفها بالفعل إلى : مضمومات، ومفتوحات، ومكسورات : منونة، وغير منونة . وهكذا أدرك  أبو الأسود ظواهر التصرف الإعرابي، وإن لم يستخدم بالضرورة المصطلحات التي وضعت له من بعد، وكان هذا الإدراك نقطة البدء في التفكير في ظواهر اللغة، ومن ثم التناول الموضوعي لهذه الظواهر.

وهكذا أثمرت الخطوة الثانية، التي تم فيها التصدي لمواجهة تحديد المشكلة اللغوية – بعد فترة طويلة من المعاناة في استكشاف ظواهر اللغة، وتحديدها، والتردد في تصنيفها وتشكيلها – وضع قواعد النحو، تلك القواعد التي أتيح لها أن تنمو، وتتطور، وتنضج، وتستقر، حتى يصيبها الاستقرار بما يصيب كافة الظواهر من تجمد واحتراز، وهذه القواعد كما قلنا من قبل، قد انفرد بروايتها " أبو القاسم عبد الرحمن الزجاجي، (توفي عام 340 هجري) "، وهو أحد نحاة القرن الرابع الهجري حين نسب علم النحو إلى الإمام علي بن أبي طالب من خلال الرواية التي ذكرناها له من قبل، عندما دخل عليه  الصحابي الجليل "أبو الأسود الدؤلي" وبدأ يملي عليه أبواب النحو " ؛ وهذه الرواية تناقلها المؤرخون بعد ذلك بنصها، فوجدنا " أبو البركات الأنباري (513 هـ-577 هـ )، وهو أحد نحاة القرن السادس الهجري في كتابه "نزهة الألباء "؛ وكذلك كل من ياقوت الحموي (المتوفي 626هـ) في كتابه "معجم الأدباء"، والقفطي (المتوفي 645هـ) في كتابه " أنباء الرواة "، وهما من نحاة القرن السابع الهجري، وعنهما سار كل النحاة الباحثين عن نشأة النحو يعولون على روايتهما.

وهذا الأمر يجعلنا نتساءل : كيف تسني لعصر أبي الأسود أو الإمام علي بن أبي طالب( والذي أطلقنا عليه بأنه يمثل المرحلة الوصفية من نشأة علم النحو)، أن يحمل كثيراً من التعريفات، والتقسيمات، والأبواب، في النحو؟  من أين جاء تقسيم الكلام إلى أسماء، وأفعال، وحروف، ثم يضع لكل منها تعريفا ؟! وكذلك تقسم الأسماء إلى ثلاثة : ظاهر، ومضمر، ومبهم، ويوضع لكل منها تعريفاً، ثم يُضرب لها أمثلة ؟! وكذلك تُوضع أبوابًا في النحو عديدة منها : باب الفاعل، والمفعول، والتعجب، والمضاف، وأدوات الرفع، والنصب، والجر، والجزم، والنعت، والاستفهام ؟! وليت الأمر وقف عند ذلك، بل رأينا الكثير من كلام بعض المؤرخين ما يُفهم منه أنه قد وضعت أبواب النحو جميعًا وبتمامها؟!

إنني أعتقد بأن هذه الرواية التي رواها " الزجاجي "، ومن بعده " ابن الأنباري "، و"ياقوت الحموي"، و"القفطي"  عن نشأة النحو وأجمع على ذكرها عليها جميع النحاة المتأخرين بعد ذلك، قد حملت في تقسيم أبواب النحو بُعدين : بُعد شيعي، وبُعد منطقي، ويمكن توضيح ذلك على النحو التالي:-

1- البُعد الشيعي:

وهذا البُعد رجحه الكثير من أساتذة النحو المعاصرين ؛ حيث رأوا أن كل الروايات التي رواها المؤرخون بداية من القرن الرابع الهجري وما بعده، والتي أكدت على أن "علي بن أي طالب" رضي الله عنه،  هو الذي قسم أبواب النحو، حملت بُعداً شيعياً، فوجدنا مثلاً بعض الباحثين المعاصرين المتعصبين للفكر الشيعي أثناء تعليقه على روايات النحاة المتأخرين، يقول :" والذي نراه أن الإمام "علي بن أبي طالب" رضي الله عنه، لم يكن شخصاً اعتيادياً، بل هو إمام معصوم، نشأ نشأة عربية خالصة، وتربي على يد الرسول الأكرم" محمد" صلي الله عليه وسلم، فليس غريبًا أن يوجه أبا الأسود الدؤلي ويرشده ويشرف عليه في وضع اللبنة الأولى للنحو العربي وكثرة المعارك التي شهدها عصره، لم تعفه من هذه المهمة الجليلة، فالإمام خاض المعارك ضد المشركين والمنافقين والطامعين من أجل إعادة الناس إلي جوهر الإسلام ولب العقيدة، ووضع القواعد النحوية جزء لا يتجزأ من واجباته التي يراها ضرورية لحفظ القرآن الكريم، وتنقيتها من الشوائب واللحن والفساد، وقدراته في العربية غير خافية على أحد وتُعد خُطبه التي جمعها "الشريف الرضي (ت:406هـ) " فيما بعد خير دليل على ما نقول، ففيها من براعة الأسلوب ومتانة اللغة ما يدل على علو باع الإمام علي بدقائق اللغة، ومعرفة دقائق مسائلها .

وإلى مثل هذا الرأي ذهبت الدكتورة " خديجة الحديثي"  في كتابها "الشاهد وأصول النحو في كتاب سيبويه"، ولكنها لم تنسب ذلك إلى التشيع، وإنما إلي أن أبا الأسود ربما نسب ما فعله إلى الإمام "علي" ليضفي عليه صفة دينية ؛ وفي هذا تقول :" ومثل هذه الرواية القائلة بأن الإمام "علي بن أبي طالب" هو الواضع الأول لعلم النحو، لأن الصحابة الأوائل، وعلي رأسهم علي (رضي الله عنه)، لم ينصرفوا إلى هذه الناحية، إنما كان جل همهم منصباً على تثبيت أركان الإسلام ونشره خارج الجزيرة العربية، والذي نراه أنه كان من بين الذين حثوا "أبا الأسود" إلى ما وضعه مما اشتهر به من نقط المصحف، والذي هو جزء من الإعراب والنحو، لما عرف عنه من ملازمته إياه واتصاله الدائم به . وقد يكون "أبو الأسود" نفسه هو الذي وضع النحو للإمام "علي" حتي يشتهر ما وضعه ويأخذ به الناس بعد أن يكتسب صبغة دينية تبين قيمة هذا العمل الذي قام به .

ومن جهة أخرى تؤكد الدكتورة "خديجة" في كتابها " المدارس النحوية"، حين قالت :" إنه من غير المعقول أن يكون الإمام "علي"، قد وضع أول ما وضع هذه التحديدات والرسوم والتقسيمات الناضجة المحددة للكلام، وأقسامه، وتحديد كل قسم بلا أمثلة، إنما بتحديد نظري لم نجد مثله في كتاب سيبويه، الذي جاء بعد "علي" رضي الله عنه، بمائة وأربعين سنة، وكذا تقسيمه الأشياء،أو الأسماء، إلي ظاهر، ومضمر غير منطقي، وغير معقول وجوده في زمن كزمن الإمام "علي" . أما وضع أبي الأسود لحروف النصب ونسيانه "لكن" وقول الإمام "علي" له: هي منها فزدها فيها "، فيدل على أن النحو قد بلغ في أيامهما أوج نضجه واكتماله ؛ لهذا فالرواية غير واقعية ولا مقبولة . وسار على منهجها من التشكيك الشيخ "محمد الطنطاوي".

وبالسياق نفسه يحاول المفكر اللغوي الدكتور " علي أبو المكارم" (المتوفي في 26 يوليو 2015م)  في كتابه "تقويم الفكر النحوي"، استبعاد أن يكون الإمام "علي" من أوائل الذين وضعوا النحو محتجًا بسببين : الأول - وضوح الهدف السياسي من نسبة هذه الأولية إليه . والثاني - أن طبيعة الظروف السياسية وعمق التغيرات الاجتماعية التي جابهته كانت من العجلة بحيث فرضت عليه مواجهتها، وشغلت فكره عن الالتفات إلى غيرها .

وأما أستاذنا الدكتور " شوقي ضيف " (المتوفي 10 مارس 2005م)، في كتابه " نشأة النحو وتطوره"، فقد أعلن أن "الروايات التي وردت بشأن نشأة النحو على يد أبي الأسود أو الإمام "علي"  تحمل تضاعيفها ما يقطع انتحالها لما يجري فيها من تعريفات، وتقسيمات منطقية، لا يُعقل عن علي بن أبي طالب أو عن أحد معاصريه، ولعل الشيعة هم الذين نحلوه هذا الوضع القديم للنحو الذي لا يعقل في شيء  وأولية هذا العلم ونشأته".

وذهب إلى مثل هذا المذهب الدكتور "أحمد مكي الأنصاري" في بحث له بعنوان "التيار القياسي في المدرسة البصرية"، فقال :" وإذا أردنا أن نناقش هذه الروايات – يعني نشأة النحو مناقشة علمية هادئة هادفة، ينبغي أن نستبعد منذ البداية تلك الروايات التي تنسب إلى الإمام "علي" كرم الله وجهه أنه هو الذي وضع النحو العربي، وليس معني ذلك أن الإمام عليا أعجز من أن يضع مثل هذا النحو المفصل، ولكن لأن الزمن لا يلائم هذا التفصيل المنطقي، كما أن الإمام "علي" كان مشغولاً بما هو أهم من ذلك بكثير في تلك الظروف السياسية المضطربة التي كانت في أمس الحاجة إلي جهود متكاملة". ثم ذهب الدكتور "الأنصاري"، وهو يحاول أن يرد الروايات التي نسبت وضع النحو إلى الإمام علي إلى أن " نسبة الوضع التفصيلي للإمام علي جاءت من فكرة التشيع التي تنسب إليه دائمًا عظائم الأمور، في حين أن مكانته العظيمة في غنى عن مثل هذا الانتحال الواضح، ولكن العصبية المذهبية تطغي على العقول، ومن يدري لعل أبا الأسود نفسه هو الذي نسب ذلك إلى الإمام "علي" إرضاء للنزعة الشيعية المتعمقة ". وللحديث بقية!!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

الاستبداد ظاهرة تاريخية مارسها الفرد-، ومارستها الشعوب في التاريخ، وكان لها تداعيات تراكمية على تشكيل عقل الإنسان-، وبالتالي على بنيته الفكرية، التي أسست له رؤيته للحياة وكيفية سلوكه فيها.

فكانت الرسالات السماوية التي جاءت على فترات زمنية متتالية، تعيد النصاب للمسار التاريخي وفق السنن، وتسعى لتقيم نصاب العدالة الاجتماعية، وتعيد بنية الأفكار وفق المسار السليم.

ومازال التحدي مستمرا في الصراع بين الاستبداد، ومحاولة سلب العقول والوعي الإنساني، وبين محاولات التحرر وتحقيق العدالة.

ويكمن خطر الاستبداد جوهريا في محاولة ممارسه تقمص دور الرب، وجعل الناس عبيدا، من خلال خفض مستوى وعيهم، وتغيير سُلَّم أولوياتهم، وتشويه رؤيتهم الكونية، ليصب ذلك كله في صالح المستبد، الذي يهمه جدا التجهيل، ليبقى هو متربعا على العرش وعلى رقاب الناس.

١.٢ نظم الاستبداد وموت العقل:

إن الانفتاح والتطور الحضاري الذي شهدته حقب تاريخية سابقة تألقت فيها حضارات، كانت سماتها العامة والأساسية تتميز بانفتاح الفكر وتلاقحه مع الآخر وتكامله معه، على أساس تعدد القراءات البشرية للكون والـتألق العقلي، الذي تميز بتطبيق القاعدة القرآنية الداعية بكثرة إلى التدبر، وعمق التفكر والإعقال، واتباع الأحسن من القول. وهي قاعدة تشكل بنية أساسية لأي حضارة تنشد الكمال، وتسير في طريقها التكاملي تصاعديا لخدمة محور الكون والدين ، أي الإنسان.

ينبني مفهوم الحضارة عند ابن نبي، على اعتقاده الراسخ بأن "مشكلة كل شعب هي في جوهرها مشكلة حضارية، ولا يمكن لشعب أن يفهم أو يحل مشكلته، ما لم يرتفع بفكرته إلى الأحداث الإنسانية، وما لم يتعمق في فهم العوامل التي تبني الحضارات أو تهدمها".

وانطلاقا من هذا الاعتقاد الراسخ بأهمية الحضارة، وضرورة "فقه" حركتها منذ انطلاقتها الأولى إلى أفولها، يحاول ابن نبي إعطاء تعريف واسع للحضارة، يتحدد عنده في ضرورة "توفر مجموع الشروط الأخلاقية والمادية، التي تتيح لمجتمع معين أن يقسم لكل فرد من أفراده، في كل طور من أطوار وجوده، منذ الطفولة إلى الشيخوخة، المساعدة الضرورية له في هذا الطور أو ذاك من أطوار نموه"[2].

وعلى هذا، فكل ما يوفره المجتمع لأبنائه من وسائل تثقيفية وضمانات أمنية، وحقوق ضرورية تمثل جميعها أشكالا مختلفة للمساعدة، التي يريد ويقدر المجتمع المتحضر على تقديمها للفرد الذي ينتمي إليه[3].

وللتعرف على حضارات الشعوب يتم دراسة العناصر التالية:

ـ طرق العيش والظروف الطبيعية.

ـ الوضع الاقتصادي.

ـ العلاقات الاجتماعية بين فئات المجتمع.

ـ أنظمة الحكم السائدة.

ـ الإنجازات العلمية، والثقافية والعمرانية.

ـ منظومة القيم والمعايير، التي تحكم العلاقات الخاصة والعامة، والفردية والاجتماعية.

وقد تعدد معنى الحضارة في الاصطلاح، فهي بمعناها العام: ثمرة التفاعل بين الإنسان والكون والحياة، أي: ثمرة الجهود المبذولة من قبل الفكر الإنساني، للاستفادة من الأجهزة الكونية المتناثرة حولنا.[4] أو هي الجانب الآخر غير المادي في حياة الأمة، وهي العلم والتصورات والأفكار والسلوك والآداب، وكل المعاني التي تدخل في الجانب المادي.

وبعض الباحثين يرى: أن الحضارة الحقة هي التي تطلب من الإنسان في مظاهر الحياة كافة أن يتذكر الله، ويتذكر فطرته هو، بحيث يستطيع أداء دور وظيفته التي كُلِّف بها من الله، وهو الدور الذي وجد فيه على هذه الأرض.[5]

والمودودي يرى أن الحضارة: مجموعة المبادئ والأفكار والأصول والتربية، التي تثمر لوناً من ألوان الحياة الاجتماعية بمقوماتها المختلفة.

وربما كان معناها العام أيضاً: طريقة الإنسان في الحياة، أو مجموعة أفكاره عنها، وأعني بالحياة: الأعمال اليومية التي يمارسها الإنسان في معيشته، ففكرته عنها ونظرته إليها، يكيف سلوكه فيها، ويحدد طريقة تصرفه في أعماله.

يظهر من هذه التعريفات: أن معنى الحضارة قائم عند المفكرين، لكنهم يختلفون في سعة معناه أو في ضيقه. وبعبارة أخرى: هو غامض عند البعض غير محدد، فمنهم من جعله يشمل الأفكار والعقائد، وما ينتج عنها من نتائج مادية.

فالدكتور يوسف القرضاوي ـ مثلاً ـ يرى: أن الحضارة لها جسم وروح، وجسمها يتمثل في منجزاتها المادية: كالمخترعات والمصانع والطائرات والأسلحة والأبنية وغيرها، وروحها يتمثل في مجموعة العقائد والمفاهيم والقيم والآداب والتقاليد، التي تتجسد في سلوك الأفراد والجماعاتْ[6].

وهو بهذا يتقارب في المفهوم مع "غوستاف لوبون" الذي يرى: أن الحضارة تشمل العقائد كما تشمل المنجزات العلمية والمادية، ولهذا نجده يعقد باباً ذا فصولٍ ثلاثةٍ، يتحدث فيها عن مصادر قوة العرب من رسالة محمّد ـ صلى الله عليه وآله ـ، وفلسفة القرآن وأحكامه، وفتوح العرب وطبيعة هذه الفتوح، ثم بعد ذلك يتحدث عن الدين والأخلاق. ويتناول حضارة العرب في شمولها للمعارف واللغة والفلسفة والآداب، والتاريخ وعلوم الرياضيات والفلك والجغرافيا، والطبيعيات والطب والفنون وغيرها.[7]

ويكاد يتفق معنا المستشرق الإنجليزي "أرنولد" الذي يرى: أن مفهوم الحضارة بمعناها المتخصص، مقتصر على وجهة نظر الإنسان عن الحياة. وهذا هو الذي ينسجم مع تعريف الحضارة الإسلاميّة  التي يمكن ملاحظتها بأنها: (مجموع الأفكار والمفاهيم الإسلاميّة،  عن الإنسان والحياة والكون)، وهي بهذا تحدد سلوك الإنسان، وطريقته في الحياة، ونمط معيشته وتعامله مع الكائنات المحيطة به.

ويخبرنا التاريخ بسننه ونواميسه الثابتة، أن تقويض أي حضارة وانهيارها يبدأ بإعلان موت العقل أو قمعه، ويليه انهيار منظومة القيم والمبادئ-، فالحضارة انعكاس سلوكي عملي للثقافة، التي مخزنها ومصنعها ومنتجها العقل البشري فإذا ما تم قمعه تم بذلك بشكل تلقائي وتدريجي انهيار الحضارة القائمة.

ومن أبرز مصاديق القمع وإعلان موت العقل، وأفول الحضارات على المدى البعيد، هي نظم الاستبداد بكافة مصاديقها، سواء على مستوى الفرد أو العائلة أو المجتمع أو الدولة أو العالم، وأنظمة الحكم السائدة كما أشرنا سابقا هي من العناصر التي بها تدرس حضارة الشعوب. ومنذ نشأة الاستبداد سواء الديني منه أو السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي أو الأسري، أنهارت حضارات كانت مزدهرة، وقدمت للبشرية خدمات جليلة هي نتاج عقلها عندما تدبر وفكّر، ثم وعى وترجم ما وعاه إلى سلوك شيد حضارته.

ولعل العصور الكنسية وما مثلته من سطوة الاستبداد الديني على العقل، حيث قمعته وأحيت ثقافة تقديس الرجال على حساب تقديس الحق والحقيقة، والذي كان له الأثر الكبير في ثورة التنويريين، بغض النظر عن تقييمنا لها، هو ما قوض ذلك العصر بما فيه من شبه حضارة، وأقام على أنقاضها حضارة غربية جديدة لفظت الماضي بكل ما فيه، وشيدت حضارتها الجديدة على ما استخلصته من الرؤى التي تمخضت عن ثوراتها المتنقلة على واقعها. وهذا اللفظ الكلي لما توصل له الماضون نتيجة انفعال الثوار والمفكرين، هو الخطيئة التي ستظهر آثارها بل أعتقد بدأت تظهر في معالم الحضارة الغربية الحديثة.

إن الدعوة القرآنية واضحة في الانفتاح الفكري والعقلي على الآفاق والأنفس والكون، وعلى كل ما هو نتاج بشري-، حيث اعتبرت أن العقل هو قارئ للوحي (النص)، وأن الوحي هو مرشد ومستثير للعقل-، وأقامت دعوتها للتفكر على أساس تقديس الحق والحقيقة لا تقديس الرجال، وهي أسباب وجيهة ومسببات حقيقية لقيام الحضارات وازدهارها ونهوضها، وتلاقحها مع الحضارات الأخرى.

وإذ أننا اليوم نعيش عصر انهيار الاستبداد، وإعادة الروح إلى نهضة العقل والوعي والتفكر، ونقف على أعتاب بناء حضارة جديدة أفضل مقوماتها عقل الانسان -،علينا أن نعي جيدا ضرورة بنائها، ليس على أنقاض السابقين ولفظ كل ما توصلوا إليه من نتاجات العقل البشري وتجربته-، بل على الأصيل الصالح زمانا ومكانا ومضمونا، الذي سبق من إنجازات يعتد بها على قاعدة: أن للقديم فضل السبق وللاحق فضل الكمال.

ما هو الاستبداد:

“الاستبداد لغة: هو غرور المرء برأيه، والأنفة عن قبول النصيحة، أو الاستقلال في الرأي وفي الحقوق المشتركة.

ويراد بالاستبداد عند إطلاقه، استبداد الحكومات خاصة، لأنها أعظم مظاهر أضراره التي جعلت الإنسان أشقى ذوى الحياة. وأما تحكم النفس على العقل، وتحكم الأب والأستاذ والزوج، ورؤساء بعض الأديان وبعض الشركات، وبعض الطبقات، فيوصف بالاستبداد مجازا أو مع الإضافة.

والاستبداد في اصطلاح السياسيين، هو تصرف فرد أو جمع في حقوق قوم بالمشيئة وبلا خوف تبعة، وتعريفه بالوصف، فهو أن الاستبداد صفة الحكومة المطلقة العنان فعلا، أو حكما، التي تتصرف في شؤون الرعية كما تشاء بلا خشية حساب ولا عقاب محققين. وتفسير ذلك هو كون الحكومة إما هي غير مكلفة بتطبيق تصرفها على شريعة، أو على أمثلة تقليدية أو على إرادة الأمة، وهذه حالة أكثر الحكومات المطلقة التي تسمي نفسها بالمقيدة أو بالجمهورية...وصفة الاستبداد كما تشمل حكومة الحاكم الفرد المطلق، الذي تولى الحكم بالغلبة أو الوراثة، وتشمل أيضا الحاكم الفرد المقيد المنتخب متى كان غير مسؤول، وتشمل حكومة الجمع ولو منتخبا، لأن الاشتراك في الرأي لا يدفع الاستبداد، وإنما قد يعدل الاختلاف نوعا، وقد يكون عند الاتفاق أضر من استبداد الفرد. ويشمل أيضا الحكومة الدستورية المفرقة فيها بالكلية، قوة التشريع عن قوة التنفيذ وعن القوة المراقبة، لأن الاستبداد لا يرتفع ما لم يكن هناك ارتباط في المسؤولية، فيكون المنفذون مسؤولين لدى المشرعين، وهؤلاء مسؤولين لدى الأمة، التي تعرف أنها صاحبة الشأن كله، وتعرف أن تراقب وأن تتقاضى الحساب”[8].

ومن أقبح أنواع الاستبداد، استبداد الجاهل على العالم، واستبداد هوى النفس على العقل والحكمة، فهذا النوع من الاستبداد يبدأ من الفرد ليميل به بعيدا عن قواه العقلية، ويزيد من قابليته للاستعباد ومن ثم تصبح ثقافة مجتمع له قابلية لتحكم المستبد بكل أشكاله عليه، أو ما يسمى قابلية الاستبداد، فيُمَكِّنَه بإرادته المجتمعية ويصبح المجتمع منقادا نحو استعباده انقياد القطيع، دون إرادة ولا وعي، نتيجة ميل الجهل وسيطرته على العقل.

وللاستبداد ارتباط بمفهوم القوة، "فالقوة تحضر في كل العلاقات الإنسانية، وضمن هذه العلاقات يسعى طرف لترويض الطرف الآخر وإخضاعه تحت أمره، إلا أن هذه العلاقات ليست بالثابتة إلى الأبد، بل هي قابلة للتغيروالتحول. فإذاً علاقة القوة أيضا قابلة للتغير وتحول الأطراف فيها، وهي تعطي كلا من الطرفين قدرا من الحرية، فإذا ما اختل تعادلهما بشكل كلي، فإن أحد الطرفين يستطيع فرض قدرته على الآخر في حال واحدة، هي إمكانية أن يقوم الطرف الثاني على الأقل بقتل نفسه، أو أن يرمي نفسه من النافذة، أو يقتل الطرف الأول، وهذا يعني وجود مساحة من القدرة على المقاومة داخل علاقات القوة"[9]. فلا استبداد دون وجود قابلية له في الطرف الآخر، وإلا فإن من يحاول بسط سلطته بالقوة على الآخرين، فإن رد الفعل الطبيعي من الطرف الآخر مقاومته، ورفض سلطته بالقوة. "فالقوة في ذاتها وجوهرها ليست شرا اجتماعيا، وتطبيق القوة على الآخرين ليس بأمر يمكن انتقاده أو رفضه، ولكن بشرط أن تكون العملية بصورة "لعبة استراتيجية"، أي علاقة هلامية يكون فيها تعيين الشخص في مكانته بتصميم مسبق، ودون أن يكون له الثبات في هذا الموقع، وأن يكون لكلا الطرفين القدرة على قلب المواقع".[10]وهذا يتطلب توازن في ميزان القوة بين الأطراف، حتى لا يستبد طرف على الآخر، وأما إذا امتلك أحد الأطراف نفوذا وسلطة أكثر من الطرف الآخر، فإن الاستبداد ستكون النتيجة الطبيعية لذلك. ولكن هذا لا يعني ضرورة وحتمية استسلام الطرف الآخر، بل يعني خلق معايير قوة معاكسة في الاتجاه لقوة المستبد، كمقاومة الاستبداد، هذه المقاومة تكون بمثابة القوة المتولدة عن الاستبداد وفي عكسها، وتعمل على إعادة التوازن لموازين القوة بين الأطراف، بحيث تزيل كل فاعلية للاستبداد، وتمنع تولد قابليات له تمكنه وتقوي نفوذه ووجوده وتوغله في المجتمع.

أشكال الاستبداد السياسي:

والاستبداد في بعده السياسي يتمظهر بعدة أشكال، بعضها يعتمد على النظام الديموقراطي شكلا من أشكال الحكم، إلا أنها في الواقع هي أنظمة تتسم بالاستبداد، حتى في جانب من ديموقراطيتها، ، حيث يتمايز الاستبداد بين:

ـ أنظمة سلطوية مستبدة.

ـ أنظمة شبه سلطوية وشبه مستبدة.

ـ الأحزاب وإشكالية الاستبداد.

الاصلاح بين الأنظمة السلطوية والشبه سلطوية :

وتحت كل قسم تتفرع أشكال الحكومات وتتمايز شدة وضعفا في مستوى الاستبداد، ومن باب عدم الوقوع في اللبس الذي وقع فيه كثير من المفكرين، الذين حاولوا تطوير مفهوم الدولة، فسقطوا  في فخ التنظير لقضية من يحكم، وصفاته ، وشرعيته ومكانته، والسبب في ذلك غالبا هو التداخل والتماهي بين مفهوم السلطة ومفهوم الدولة.[11]

فمفهوم الدولة في الوعي العام مرتبط بوعي قبلي أو ديني وليس بوعيا سياسيا، أي أن أهميتها تكمن في حفظها الأفراد المرتبطين بقرابة الدم أو الدين، لا على أساس المواطنة.

وفي هذه النظرة التقليدية للدولة، يكون العدل مرتبط بمقدار اتسام القيادة بمواصفات أخلاقية مثلى، فإذا أحسن القائد استقر النظام العام ومال الناس إلى الاستقرار والأمان، وأذا أساء تعكر النظام وأصبحت حياة الناس مضطربة.[12]

وهو ما يعني سعي الناس لكسب رضا الحاكم بشتى الوسائل، لا لمحاسبته والمشاركة في الحكم.

بينما عدل الدولة في النظرية الحديثة يتمثل في قوة المؤسسات، وقدرتها على تقنين قوانين تحمي الأفراد وتصون حقوقهم وفق نظام معياري للقيم العامة، فالسؤال ليس من هو الحاكم؟ بل السؤال الحقيقي هو كيف يجب أن يكون الحاكم؟ وما هو الشكل الأفضل للدولة لتحقيق العدالة؟

أي سؤال متعلق بمنظومة معيارية عقلية وقيمية، يجب أن يتصف بها الشخص الذي يريد أن يقود الدولة، لا كفرد، وإنما ضمن مؤسسات منضبطة بمنظومة قوانين تنطبق على الجميع بما فيهم شخص الحاكم، فتكون للدولة منظومة معايير ومقومات ونظم وقيم تأسيسية ثابته، يجب أن تتصف بها المؤسسات والسلطات، بما فيها السلطة التنفيذية وشخص من سيقود الدولة، فلا تتغير تلك المنظومة المعيارية بتغير الأشخاص، بل هي ثابته بمعناها المعياري للثبات، وليس بمعناها المضموني. فمضمونها قد يتطور نتيجة الممارسة البشرية للحكم والدولة والسلطة، لكن وجود المعايير بذاتها هو سمة الدول المتقدمة، فليست الدولة متعلقة بشخص من يحكم ويكون شخصه هو المعيار في تسرية النظم والقيم، لتتسم المؤسسات وباقي مكونات الدولة بصفة الحاكم ومعاييره ورغباته، بل شخص الحاكم بذاته هو من يخضع لمنظومة معايير عقلية وشرعية هدفها تحقيق العدالة، فإن لم يتطابق شخصه مع هذه المنظومة التي تم وضعها من قبل متشرعة ومتخصصين وبقبول الشعب، يكون ليس أهلا للحكم وتسنم موقع السلطة.

ويعتبر صاموئيل هاننغتون، أن الدول لا تتباين في الشكل وإنما تتباين في درجة الحكومة، أي درجة تغلغل الحكومة، أي السلطة السياسية في الشأن العام.

فمفهوم الدولة في العالم العربي مازال يتسم بالبساطة والتقليدية، وهو ما يعيده المؤرخ جواد علي إلى الطبيعة القبلية للإنسان العربي، الذي لم يفهم الدولة إلا أنها دولة القبيلة.[13]

فالدولة الحديثة تسعى لكسب رضا المواطنين، وإشراكهم في السلطة وفي القرار، وتجديد السلطة من خلال إتاحتها للتداول، بينما المفهوم التقليدي للدولة مازال يعتبر الدولة معصومة لأنها تعبر عن الحاكم، وأن المواطن عليه أن يكون خادما مطيعا، وأن أي محاولة للقفز على السلطة أو انتقادها أو المطالبة بمشاركتها، هو بمثابة القفز على ولي الأمر، الذي يحرم شرعا مواجهته ونقده، لأن فقيه السلطة ربط طاعته بطاعة الله كولي للأمر، والخروج عليه هو خروج على الله. فتمحورت الدولة حول الحاكم كشخص، بينما الدولة الحديثة وفق المفهوم الغربي السياسي هي التي تعبر عن الكيان السياسي، الذي يضم جماعة بشرية تعيش ضمن إطار جغرافي وتاريخي وتنظيمي ثابت، تمارس سيادتها عليه، وتشمل مكونات الدولة السكان، الإقليم والسلطة. وبذلك تكون الدولة ممتدة لتغطي وتخدم جميع مكوناتها، أما السلطة فليست إلا أحد هذه المكونات.[14]

"الأنظمة الشبه سلطوية وفق تناول ناثان ج براون  في دراساته التفصيلية[15]: هي تلك التي تسمح للمعارضة ببعض الحيز لتنظيم نفسها والتنافس،لكنها تنكر عليها أي إمكانية لتشكيل حكومة. ومن وجهة نظري هي مرحلية بينية وسطى في المراحل الانتقالية من السلطوية الكاملة إلى الديموقراطية .ففي النظام الشبه سلطوي من الممكن أن تحتل المعارضة فيه أكثر من ٥٪ من القاعدة، أي ما يكفي وفق براون لطرح اقتراحات رسمية للتصويت عليها، والانخراط في أعمال لجان ذات جدوى، فحينها قد يعتبر النظام أنه عبر من الحالة السلطوية إلى الحالة الشبه سلطوية.

فلا المعارضة قادرة هنا على تمثيل إرادة الشعب، كما يجب أن يكون في تحقيق المطالب التي تتعلق بمصلحة المواطن، وتوزيع الثروات وفق أطر العدالة، ولا هي مغلولة اليد كليا عن إحداث أي انزياحات مهمة في مسيرة الاصلاح، والنزوح نحو الدولة الدستورية. لكن حراكها هنا يبقى تحت إدارة السلطة، ووفق مصلحتها لا مصلة الوطن والمواطن غالبا.

وأما عن واقع الدساتير في الوطن العربي في الدول الشبه سلطوية، "لم تكن الدساتير العربية أبدا واجهات يتم انتهاكها بانتظام، أو مجرد صفحات من الورق غير مرتبطة بالواقع السياسي، بل أنها، بدلا من ذلك، قد أفادت عددا من الأهداف غير المألوفة نوعا ما، لدى الباحثين الدستوريين لكنها مهمة جدا للحكام العرب.... فمن المحتمل أن الدساتير تستخدم كتعبيرات عن السيادة القومية، وإن كان هذا هو الهدف المقصود بالدستور، فمن المتوقع أن نجده ينعكس في توقيت صدوره ومحتواه. فمن حيث التوقيت، تصدر الدساتير التي لها الهدف لدى الاستقلال، أو لدى التغيير الثوري أو ما يزعم أنه تغيير ثوري. ومن حيث المحتوى تقدم تلك الدساتير نفسها أيا كان واقع عملية كتابتها، على أنها تعبيرات عن الإرادة القومية.. تعلن الدساتير العربية عن أهمية الأسرة (الحاكمة) بتكرار وغموض، قد يتسبب في إحراج حتى السياسي الأمريكي... سعت الدساتير العربية المبكرة أن تتخفى في زي إعادة التوكيد على الأفكار والممارسات الموجودة، أما الدساتير الملكية فقد ظلت علي قدر الإحجام فيما يتعلق بإبداء الرأي في القيم الأساسية للمجتمع ونمطيا. وظلت الدساتير الجمهورية، خاصة تلك التي صدرت في العقود الأربعة الأخيرة، هي التي تقدم شروحا مطنبة، وقوائم من الأفكار التي لا يمكن تفعيلها، تجمع غالبا بين العناصر الليبرالية والاشتراكية، والقومية والاسلامية في مزيج مربك، كان الدافع الأخير الذي استنتجناه لإصدار نصوص دستورية في غياب نوايا تهدف إلى تبني مبدأ دستورية الحكم، والرغبة في تنظيم سلطة الدولة وتعظيمها. والمعالم المؤكدة للدستور الذي يهدف إلى تنظيم السلطة دونما تقييدها، وجود سلطة تنفيذية غير مقيدة، والنصوص الدستورية الضعيفة الخاصة بالحقوق، وآليات الخلافة التي تفشل في جعل القيادة تخضع للمحاسبة بأي معنى، وثغرات التهرب التي تتيح للحكام انتهاك الأحكام التي وضعوها."[16]

لذلك لا نستطيع القول أن الدول التي أقرت دساتيرا في منطقتنا هي دول ديموقراطية، بل هي دول شبه سلطوية، يتطلب التغيير السياسي فيها للعبور نحوالديموقراطية المحققة للعدالة والمناسبة لقيمنا وثوابتنا، حركة إصلاح مقدمتها الطبيعية خضوع تلك السلطة للنقد والتقويم، وهذا لا يتحقق إلا إذا امتلك أفراد المجتمع والشعب وعيا بمنظومة المعايير والقيم والحقوق، التي يجب أن تتمتع فيها الدول الحقيقية، وإدراك حقوقهم وواجباتهم، والفصل بين الانتماء للوطن والانتماء للحاكم، فالوطن ليس شخص الحاكم ولا أسرته. وهو ما أسسناه في الفصل الأول من ضرورة الموازاة بين التغيير الخارجي والداخلي، فأي حراك إصلاحي لا يركز على النهوض بذوات الأفراد ومنظومة البنية الفكرية، وبين تهيأة الواقع الخارجي وعوامله ورفع قابلياته، هو إصلاح وقتي ثوري آني، ما يلبث إلا أن ينكفئ مجددا على ذاته، فلا يحقق ثمرة الإصلاح والتغيير.

الأحزاب وإشكالية الاستبداد:

تعتبر التعدديات المذهبية والطائفية في المجتمع من الجدليات التاريخية، لما لها من انعكاسات على الاستقرار الاجتماعي، سواء انعكاسات سلبية أوإيجابية اجتماعية . وطرح في هذا الصدد الكثير من النظريات السوسيولوجية[17] التي كان بعضها نتاج تجارب اجتماعية واقعية، وأخرى نتاج قراءات متطورة للنص الديني.

تكمن الإشكاليات السوسيولوجية في الذهنية العربية والإسلامية في ثنائية النظرية والتطبيق، وفق مكونات اجتماعية تتكون في عناصرها من الإنسان والطبيعة والعلاقات التي تربط هذا الإنسان بمثيله والطبيعة ، وهذه العلاقة في المجتمعات العربية والإسلامية يحكمها ضوابط مرتبطة بالدين غالبا، أي ترتبط بالله فتكون محورية ضوابطها الله وفق ادعائها، بخلاف المجتمعات الغربية التي يكون محورها الإنسان في نظم العلاقات الاجتماعية .

وهنا في كلا المجتمعين تظهر الإشكاليات العلائقية[18] ، ففي مجتمعاتنا إشكالية النص، ومدارس قراءته وفهمه، وعلى أساسها تتكون عقيدة يكون لها انعكاسات سلوكية فردية واجتماعية . وفي الغرب ،إشكالية الإنسان ومدى دقة منهجه التجريبي وصدقه من عدمه، وما يترتب بناءا على ذلك من ثغرات في بُناه المعرفية، التي تنعكس على السلوك الفردي والاجتماعي، مع وجود فارق وهو الضبط القانوني .

لذلك ونتيجة الاختلافات القاعدية، لا أميل مبنائيا لعمل مواءمات بين النظريات الغربية والأخرى العربية والإسلامية . والسبب الرئيس المهم، هو وجود تقاطعات جوهرية بين المباني التحتية لكلا الطرفين.

فالأفضل العمل لتأسيس معرفي مستقل للنظريات السوسيولوجية الإسلامية، مع الاستفادة من المواكبة وليس المواءمة، أي مواكبة ما توصلت إليه التجارب البشرية، التي تشكل لنا مؤشرات ومفاتيح عملانية نستفيد منها في الكشف والغوص أكثر في فهم الأبعاد السوسيولوجية في النصوص من جهة، وفي الجهاز الإدراكي للمجتمع من جهة اخرى، والذي استطاع الغرب من ناحية سوسيولوجية أن يُخْضِعْها للتجربة ويصل فيها لنتائج.

لأن قيمة المعرفة فلسفيا عند الغرب ومصادره، تختلف منهجيا عن تلك عند المسلمين، بالتالي يجب إخضاع تلك النظريات لمبضع النقد والتشريح وتقييمها بمجهر فاحص، ومدى تعارضها مع تحتيات الأسس الاسلامية سوسيولوجيا ومبنائيا.

فأنا لا اتفق مع المواءمة، لأنها قد تدخلني في ترقيعات تنتج لي جنينا مشوها سوسيولوجيا، ومرقعا مبنائيا لا يشكل لي وحدة منسجمة بنيويا . انا اتفق مع المواكبة والنقد وإعادة بناء وتشييد خاص بأسس معرفية.

فهناك اختلاف بنيوي ابستمولوجي[19] بين الغرب وبيننا، وهناك تناقض منهجي باعتقادي.

من المهم جدا في دراسة اي بنى معرفية ان نعود الى جذور أعمق وهي المعرفة:

مصدرها،  وقيمتها ، معیارها، لأنها الأساس الذي ينبني عليه كل الفوقيات.

وتوضيح هذا الاختلاف في البنية السوسيولوجية بين المجتمعين، كمقدمة من وجهة نظري في تسليط الضوء على العناصر المكونة لكل مجتمع والعلاقات التي تحكم العناصر في كل مجتمع، ومحورية تلك العلاقات كان مهما، كي تتضح الفروقات البنيوية والتي على أساسها يتم رفض أو قبول المواءمة، وقد أشرت إلى تفصيل عناصر المجتمع في كلا المدرستين، عند الشهيد محمد باقر الصدر في الفصل الأول[20].

مفاهيم ودلالات:

إن التعريف المفهومي لبعض المصطلحات، يفترض أن يكون مبنيا على دراسة الواقع، فدراسة الظاهرة الحزبية وتعريف الأحزاب عليه أن يخرج من رحم المجتمع الذي تتم دراسته، سواء مجتمع يعيش في جغرافيا واحدة ، أو مجتمع يعيش في جغرافيات متعددة لكن تحكمه أيديولوجية واحدة.

فمثلا تعريف الحزب من وجهة نظر غربية، لا يمكن أن يشكل متكأ معرفيا ومفهوميا للباحث العربي والمسلم،

لأن الأنظمة التي تحكم منطقته، هي أنظمة إما سلطوية كاملة أو شبه سلطوية.

وبنية العقل العربي تم تشييدها على العصبيات، والولاءات إما للسلطة أو للقبيلة، وبشكل أعم، تم تشييدها على العصبيات بكافة أشكالها.

بالتالي اعتقد نحتاج حفر أركيولوجي[21] عميق في تلك البنية لتفكيكها، وهو ما يتطلب الخروج بتشكيلات تناسب هذه المعطيات، وتكون قادرة مرحليا على المعالجة البنيوية لمفهوم الجماعة، والقيم والمعايير التي تحكمها وتنظمها، وتذويب العصبيات وتشييد منظومة معيارية، تؤهل القابلية كي تنخرط في أحزاب تشكل أذرعة مدنية في الدولة، قادرة على النهوض بالوعي الثقافي والتربوي والسياسي للجمهور، وتكون رافعة للبناء والتغيير، ومنصة للرقابة والمحاسبة للسلطة في صالح الجمهور.

الأمة والحزب:

وفي فهمي القاصر، يمكن لفكرة التوحيد القرآنية، إن توسعت، أن تعمق مفهوم التعددية المذهبية تحت شعار ومحور التوحيد ) الله (، ومحورية الله، قد تخرجنا في مجتمع تعددي من المظلة الايديولوجية المذهبية الضيقة، الى المظلة التوحيدية التي تتناسب وعالمية الرسالة الإسلامية.

بل إن هذه الفكرة تعزز مفهوم الأمة ضمن إطار ومحور التوحيد، وتقسم الساحة لفسطاطين: فسطاط المحورية فيه لله ، وفسطاط المحورية فيه لغير الله، وهما كما وصفهم القرآن نفسه محورية فرعونية مقاصدها الهيمنة والاستيلاء على البشر والحجر والمقدرات، ومحورية الله، وهي  كفكرة يمكنها أن تتحول إلى مشروع عمل بنيوي تأسيسي، يراكم تجربة الأمة في مضمار العمل الوحدوي، تحت مظلة الاحتلاف البشري الطبيعي في الرأي والفهم.

خاصة عند الحديث عن دور الأحزاب الإسلامية في تربية المجتمع ، لأن البعد الأيديولوجي يحضر بقوة ويشكل رافعة الدفع نحو الالتزام والعمل. فكيف يمكن أن يلعب الحزب الإسلامي دورا تربويا لمحازبيه في عملية الاندماج في المجتمع التعددي، دون أن يقع في محظور تناقض الخطاب بين الداخل حزبي وخارجه ؟ وكيف يستطيع تفعيل قابلية الاستبداد أو تعطيلها وتحرير الإرادات، وهو يمارس ممارسات شبيهة إلى حد كبير غالبا، بممارسات تميل للاستبداد سلوكيا ومنهجيا؟

وفي الأحزاب الإسلامية أي إسلام هنا نقصد ؟ وأي قراءة نعني ؟ وهل المنهج التربوي الأنجع في الاندماج في المجتمع التعددي ينبني على التربية الأخلاقية والقيمية كمعيار، قادر على تحقيق الاندماج، وجامع كونه من الثوابت الإنسانية التي لا يُختلف عليها ؟ أو التربية تعتمد على المنهج العقدي عقليا والفقهي سلوكيا، وما لهذين من أثر في تعميق الاختلاف، لاختلاف المدارس الاسلامية، وغياب قابلية وثقافة قبول الآخر المختلف في ذهنية الناس بكل أطيافهم بما فبهم أغلب النخب، واختلاف القراءات داخل كل مدرسة للنص الذي تنطلق منه الأحزاب الإسلامية في التربية والتعليم ، وعلى أثر هذا الاختلاف، تعددت الأحزاب الإسلامية في الوطن العربي والإسلامي.

هناك تأسيس قرآني لمفهوم الأمة ، فكيف نعالج ضمن تعدد القراءات للنص، وبالتالي تعدد المدارس ضمن كل مذهب، كيف نعالج جدلية الحزب والأمة ؟ فيفترض حتى لا يقع التعارض، أن تكون العلاقة في امتداد بعضها البعض (طولية)، فالحزب في امتداد الأمة ؟ فإذا قلنا تعدد أحزاب في مجتمع واحد ، فهذا يعني تعدد مناهج تربوية ، وبالتالي تعدد مجتمعات وجماعات في المجتمع الواحد، ومع غياب ثقافة الاختلاف والتعددية الفكرية والثقافية والعقدية، هذا لا يشكل في نهاياته الأمة.

فأي منهج تربوي أنجع ؟ ومن وجهة نظري أجد أن الأسس التربوية القائمة على معيارية القيم والأخلاق كنظام عام يحكم المحازبين في المجتمع، أجدى في الانسجام والاندماج في مجتمعات تعددية ، إلا في حال كانت ضابطة المنهج العقدي والفقهي، تميز بين خطاب الداخل والخارج، اذ لكل جهة خطابها وحيثياتها التربوية إسلاميا .

أيهما يقدم في تحديد مرجعية المناهج التربوية، الأمة أم الحزب؟

الأحزاب والنظم:

ومع التجربة العملانية، هناك كثير من الأحزاب الإسلامية وقعت في هذا المحظور نزولا عند رغبة قواعدها، والتي تحت ضغط العصبيات المذهبية، رفعت شعارات التكفير للآخر الشريك في المجتمع جغرافيا، والخارج جغرافيا.

وهذا يحتاج تنزيلا للثقافة من النخبة في الحزب الاسلامي لقاعدته، إذ أن أحد أهم أهداف الحزب، هو التربية الموجهة نحو الهدف الإلهي، لتصبح الثقافة الإسلامية ثقافة الجمهور وليس فقط النخب .

وهنا تنتج لدينا أيضا جدلية العلاقة داخل الحزب بين النخبة والقاعدة، وانعكاس هذه الجدليات في ظل سلطة القاعدة على الاستقرار الاجتماعي من جهة، وعلى الخيارات الحزبية الإسلامية في التأسيس للمناهج التربوية داخليا ، وبين خيار النخب وخيار القواعد من جهة أخرى، حيث تصبح هنا الحقيقة ضحية القاعدة، عندما تتخلى نخبة الحزب الإسلامي عن دورها الوظيفي في التأثير الثوري التربوي في مسلمات القاعدة، خاصة تلك التي تعمق التقسيم الاجتماعي لا الاندماج.

إن الحاجة الفطرية للنظم تخلق الدافع عند الانسان للانتماء إلى جماعة ما، تتشابه معه  في الأفكار والتطلعات، أو في حال غياب الدولة وعدم القيام بدورها وواجباتها كما في منطقتنا، فإنه ينتمي إلى حزب يشكل له حاضنة وظهر حامي له. ويتطور مفهوم الانتماء مع التراكم المعرفي والعملاني للجماعات، لذلك بدأت من القبيلة وتطورت مع الزمن إلى الدولة الحديثة، والانتماء للوطن ومحدداته الجغرافية والقانونية الناظمة اجتماعيا .

لذلك تعتبر الجاهلية وصف لسلوك عنصري، كان يقوم على التوحش بالقتل والإغارات والسَّبي، وهو ما وضحه جعفر بن أبي طالب لملك الحبشة، حينما فر مع مجموعة بأمر من النبي اليها.

أما طريقة النظم التي كانت على شكل قبيلة، فهي كانت وسيلة في ذلك الزمن لحفظ مصالح الفرد ، وما رفضه النبي في المدينة وأوضحته الصحيفة المدنية، أو ما عرف بدستور المدينة، هو القبائلية؛ أي التعصب القبلي . أما القبيلة فقد تم دمجها في الدولة، وإشراكها في النظم والتنظيم الاجتماعي. فالرفض كان للعصبيات وليس لأصل التجمعات.

ومثالا لذلك، هناك بعض أشكال النظم الموجودة في دول كأفغانستان للقبيلة، حيث تم تنظيم القبائل في مجلس يسمى الليوجيرغا، والذي يشارك بآرائه في مجلس البرلمان.

وهي وسيلة نظم تناسب والوضع القبلي، لكنها محاولة سياسية اجتماعية للخروج من الانقسامات القبلية، إلى مجلس ينظمها ويضمها في الدولة .

وفي المجتمعات الخليجية ودور الاحزاب الاسلامية تربويا فيها ، خاصة أن التركيب البنيوي لهذه المجتمعات قائم على العصبيات القبلية والمذهبية، وتتداخل مع بعضها وفق المصلحة السياسية ، نجد أن الجو العام في هذه المجتمعات، جوا تحكمه التحالفات العصبية، وتجربة العراق توضح كيف لعبت الأحزاب دورا عميقا في انقسام المجتمع، وعدم قدرتها إلى الآن من تجاوز الهوية الحزبية إلى هوية وطنية .

هذا فضلا عن تسرب ممارسات السلطة المستبدة إلى الأحزاب في كثير من مظاهرها في الدول العربية والإسلامية، كفرض نمط معين من التفكير والمرجعيات الدينية، ومن السلوك الاجتماعي، وفرض حتى الآراء السياسية والدينية، كمسلمات يجب على المنتسبين عدم الخروج عنها. وكثيرا ما يستخدم في تكريس هذه الضوابط الصارمة شعار التكليف ، ليس في بعده الإيجابي بل في بعده السلبي الذي يقصي أي خيار تحت ضغط طاعة القيادة، الذي يضع المحازبين بين خيارين، الطاعة مع عدم الاقتناع، أو الطرد والإقصاء والتجميد الحزبي في حال المخالفة. وهو تكريس لقابلية الاستبداد، تتمدد في الطول والعرض الاجتماعي، وتساعد على نشر ثقافة المستبد وإن بأشكال أخرى، ومسميات مختلفة الظاهر، لكنها متحدة المضمون والهدف.

خاصة أن النظام التربوي السائد في تلك المجتمعات نظام أبوي تلقيني، متأثر إلى حد كبير بمناهج متعصبة مذهبيا، تم قولبتها في نظام أحزاب مؤسساتية، في ظل وجود ثقافة التقديس والترميز بشكل عميق في هذه المجتمعات، وغياب منهج النقد البناء، الذي حُيد بحجج دينية واجتماعية، وهذا قد يحول تلك الأحزاب إلى أحزاب وراثية، تعمق فكرة الانقسام الاجتماعي من خلال مناهج تربوية إيديولوجية متشددة ، وتكرس ثقافة الاستبداد الديني والسياسي.

فالقبيلة على سبيل المثال، كي تشرعن منهجها تلبست في الخليج بلباس الدين ، حيث كانت الركيزة البنيوية تربويا التي انطلقت في وسط القبائل.

فتراكمت العصبيات وتم شرعنتها ، بل هناك ممانعات سلطوية تحول دون المس بالنظام القبلي اجتماعيا، وهو ما يكرس العصبيات، التي واقعا تعمق الانقسام الاجتماعي. ويتمظهر ذلك خاصة في الانتخابات على سبيل المثال ، حيث يعلو صوت القبيلة على صوت أي خيار منفرد داخلها .

فهل نحتاج هنا إلى نظرية تتناسب وطبيعة كل مجتمع وبيئته ، من خلال تحويل العشائر والقبائل لمؤسسات تلعب دورا في النظم والتوجيه التربوي لاستقرار المجتمع ؟ وفي ذات الوقت تصبح فيها القبائل والعشائر أو الأحزاب ذراعا رقابيا على السلطة، لا ذراعا رقابيا للسلطة؟ خاصة أن كثيرا من الأحزاب التي دخلت في العملية السياسية من باب المعارضة، تم تدجينها بطرق كثيرة من قبل السلطة، وتم الالتفاف على مطالبها الإصلاحية، لتتحول أولوياتها من إصلاح على مستوى الوطن، إلى مطالب خدماتية تقايض بها السلطة لحساب محازبيها غالبا، رغم أن من أبسط حقوق المواطن على السلطة هو الخدمات المعيشية. ولا ننكر وجود بعض الأحزاب ـ وهي قليلة جداـ استطاعت أن تؤثر في مسيرة الاصلاح لصالح المجتمع والوطن، لا لصالح محازبيها. إلا أن الأعم الأغلب، هو تكريس الانقسام في المجتمع من خلال الأحزاب، وتحويل الأحزاب من وسيلة إصلاح ورقابة وسيطة بين السلطة والمجتمع، إلى وسيلة معيقة لعملية النهضة والاصلاح، سواء علمت تلك الأحزاب، أو استخدمت كأداة دون دراية منها في يد السلطة.

فكيف يمكننا الانتقال إلى مرحلة الأحزاب الحرة في هذه المنطقة، وهي ما زالت في أغلبها محكومة بأنظمة سلطوية لا تؤمن بالأحزاب والتعدد ؟

خاصة أن أصل وجود أحزاب في هذه المنطقة، ووفق تراثها الثقافي هو تقسيم للمقسم، مما يجعل فكرة الأحزاب في هذه المجتمعات فكرة مرفوضة، لأسباب أهمها سلطوية أغلب الأنظمة ، وقبائلية المجتمعات وخاصة التيارات الإسلامية ،وبداوتها في فهم الإسلام .

الأحزاب والتربية:

تلعب التربية الموجهة للأحزاب المؤسساتية دورا مهما في التنميط الاجتماعي[22] ، والإشكالية المحورية في عملية التنميط بالنسبة للاحزاب الاسلامية-، أنها تفقد الفرد ومن ثم المجتمع جدارته في الاختيار الحر، وكما سبق وذكرنا تكرس شكلا من أشكال الاستبداد ، خاصة ضمن بيئات اجتماعية تكون فيها الدولة ضعيفة-، أو غائبة عن أداء مهامها تجاه الشعب، أو في ظل بيئة فقيرة اقتصاديا-، يشكل الحزب فيها ملجأ يتم من خلاله توفير وظيفة تؤمن له قوت يومه، فيؤمن بأبجديات الحزب تحت ضغط الحاجة غالبا، لا من خلال ممارسة فكرية حرة تبعث إرادته عن قناعة في اختيار المفردات والاقتناع بالغايات والأهداف  والبرامج-، والإيمان بالمفردات والمناهج التربوية-، التي يشيدها الحزب وفق رؤيته للإسلام. فكيف يمكن للأحزاب الإسلامية تحرير خيارات الفرد، دون الإضرار بالنظم الجماعي الداخلي ؟

ففي قضية عدم الإفراط والتفريط بين المسائل السياسية والثقافية، في الأحزاب الإسلامية  من وجهة نظري على المستوى العملي، وقعت أغلب الحركات الإسلامية في محظور تغليب السياسي على المعرفي والفكري، ، واعتمد كثيرا منها على الشعارات العاطفية، ومارست ممارسات شبيهة إلى حد كبير بممارسات المستبد اتجاه الشعب.

إلا أن التوازن والتوازي يجب أن يكون الأساس، وفي الاستثناءات يجب أن يبقى المعرفي الثقافي حاضرًا بقوة، لأن السائر على غير علم، لا تزيده كثرة السير إلا بعدا .

من جهة أخرى، إن التربية العقائدية بالذات يفترض أن لا تكون في المنظومة التربوية تربية تلقينية ، تحمل توقيع سلطة المعلم المحازب وواضع المنهج والملقن ، سلطة تبسط هيمنتها على العقول في إطار ديماغوجية[23] مغلقة ، بل يفترض أن يكون للعقل دورًا بارزًا في التمييز والمقايسة بين مختلف الآراء على أسس منطقية، تقوم الأحزاب الإسلامية بإمداد منتسبيها بأدواتها ، كي ترسخ مبدأ الإرادة الحرة في الاختيار المنهجي العقدي ، وهو من وجهة نظري يتطلب إعادة نظر في المناهج التربوية، لتكون متوائمة مع دور العقل وتنميته في فضاء ثقافي حر متعدد فكريا وعقديا وثقافيا ، وهذا لا يعني التفلت من الثوابت ، بل يعني تعميقها بإرادات حرة ،وعقول متعددة قادرة على الإثراء والتثوير، لتطوير الفضاء المعرفي العقدي للأحزاب، مما يؤهل أفرادا محازبين، لكنهم يملكون عقلا منفتحا بثوابت قادرة على بث الأفكار العقدية بقالب جامع لكل الطوائف، ضمن المشتركات التي تلتقي معها بها. بل قد يزيل ذلك التناقضات التي تخلقها الأحزاب مع مشروع الأمة .

وهنا تصبح المناهج التربوية سوسيولوجيا متناغمة مع البرامج السياسية، وكلها يقع هدفها في تأهيل المجتمع وإصلاحه وخدمته، لا في خدمة السلطة التي غالبا تلعب على التمايزات الاجتماعية، لترسخ وجودها بالاختلاف لا الائتلاف . وهذه ظاهرة واضحة في المجتمعات العربية والإسلامية والخليجية خاصة .

والأحزاب الإسلامية وإيديولوجياتها المختلفة منهجيا والمتحدة في الهدف وهو التوحيد ، تتلمس وحدة في كثرة، واستثمارها بلا شك، هو في صالح مشروع الأمة. لكن الإشكالية الحقيقية، هي في القراءة المتشددة للنص لبعض الاحزاب الاسلامية التي تصل حدتها إلى تكفير أحزاب إسلامية أخرى ، وإشكالية أخرى محورية، هي في التشدد في قراءة المختلف سوسيولوجيا وإيديولوجيا، مما يجعل فكرة الحزب تكريسا للانقسام والتكفير، وليست تثويرية للتغيير ودعم مشروع الأمة، بل قد يحوله لأداة في يد الاستبداد في اللعبة السياسية، كورقة يستخدمها في المقايضات السياسية وتبادل المصالح .

ففي التأسيسات المنهجية للرؤية الإسلامية سواء على مستوى المفهوم أو الوظيفة أو الأهداف، كان القرآن في هذا البحث يمثل المرجعية المعرفية الأولى في ذلك ، وهو تكريس المنهج الوحدوي من جهة، وتأسيسا لتثبيت الأطروحات الإصلاحية من جهة أخرى في هذا الصدد، خاصة في ساحات الاجتهاد الفقهي .وخاصة حينما يصبح القرآن مرجعية في تأسيس نظريات سوسيولوجية.

خاتمة حول الأحزاب وتساؤلات:

هل تحتاج الأحزاب الإسلامية إلى تغيير الهدف الذي تصبو إليه، من قيام دولة إسلامية إلى هدف تحقيق العدالة؟ وكيف يمكن أن يغير ذلك من مناهجها التربوية، وتأثيرها في المجتمع وعملية النظم والتأثير ؟ بل كيف يجعلها تجسد مفهوم الأمة في كلها، رغم اختلافها الجغرافي والمذهبي والطائفي؟

وما هو الشكل الأمثل للقيادة في تلك الأحزاب ؟ هل تداول السلطة مطلقا، أو عدم تداولها مطلقا، وما أثر كل منهما في بيئات اجتماعية، تتشكل بنيتها العقلية على التقديس والترميز؟ وهل يستطيع الحزب أن يكون نواة تأهيلية لقاعدة المشاركة لا المغالبة سياسيا واجتماعيا ؟ وما هو الشكل الأمثل التمثيلي للقيادة الحزبية ؟ ففي عدم تداول السلطة هناك تكريس كاريزما القائد وقداسته، في قبال سلطة المرجعيات الدينية الرشيدة التي تعتبر صمام أمان في قيادة الأمة كافة، فكيف يمكن حل هذه الإشكالية، خاصة أن الواقع الاجتماعي يبرهن وجود هكذا إشكاليات يقع فيها القائد والرمز في عرض المرجعيات الدينية ، بل بعض الأحزاب الإسلامية تحول قائدها لمرجع ديني يملك سلطة في قبال سلطة المؤسسة الدينية .

و كيف يمكن للأحزاب الإسلامية تجاوز عملية التنميط والشعاراتية في منهجها التربوي، ورفع فضاء الاختيار والتفكير الحر خارج منظومة الحزب التربوية الموجهة ، لتعالج مرض قابلية الاستبداد وتحرر الإنسان داخليا، فتكون معولا يهدم الاستبداد لا مدماكا يكرس وجوده، في ظل تنافس سياسي يطغى على التنافس المعرفي وتوظيف للعقدي؟

بل كيف تُكَوِّن الأحزاب الإسلامية مجاميع تربوية تشكل في كلها الأمة، في ظل تعدد المدارس في قراءة النص وتباينها بين التشدد والتطرف؟ وهل واقعا لأاحزاب الإسلامية ناقضت سلوكيا الأصل القرآني لمفهوم الأمة؟ مازال هناك التباس بين المفهوم والواقع الاجتماعي فيما يخص الحزب والأمة .

و المجتمعات الموغلة في القبلية، كيف يمكن للأحزاب أن لا تعمق انقساماتها الداخلية، وتحولها لمنظومة تثقل كاهل المجتمع بالانقسامات بما يخدم السلطة لا المجتمع ؟

تساؤلات تحتاج إلى إجابات علمية موضوعية، تمكننا من النهوض بالواقع خطوة إلى الأمام، وتعالج ثنائية الانتماء بين الوطن والحزب، وثنائية الاستبداد بين سلطة الدولة وسلطة الأحزاب.

 

إيمان شمس الدين

.....................

[1] من كتاب : التغيير والإصلاح ـ مطالعة في التأسيسات والإشكاليات والمعوقات/إيمان شمس الدين/دار الانتشار العربي/بيروت/ط١

[2] (مالك بن نبي: شروط النهضة، ص: 19-20).

[3] http://www.islamonline.net/arabic/arts/2003/10/article13.shtml - 7#7(مالك بن نبي: آفاق جزائرية، ص: 38، وهذا هو التعريف الحقيقي الذي اختاره مالك بن نبي للحضارة، وليس ما ذهب إليه الدكتور توفيق يوسف الواعي في كتابه "الحضارة الإسلامية مقارنة بالحضارة الغربية"، حين ادعى أن تعريف الحضارة عند ابن نبي "هو البحث الفكري والبحث الروحي").

[4] (الدكتور محمّد سعيد رمضان البوطي في "منهج الحضارة الإسلامية في القرآن": 19.).

[5] (الدكتور محمّد حسين في "الإسلام والحضارة العربية" 4.).

[6] (الدكتور محمّد حسين في "الإسلام والحضارة العربية" 4.).

[7] (الدكتور محمّد حسين في "الإسلام والحضارة العربية" 4.).

[8] طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد/ عبد الرحمن الكواكبي / دار النفائس/ الطبعة الثالثة١٤٢٧هـ ـ ٢٠٠٦ م / ص ٣٨ـ٣٧.

[9] مجلة الاستغراب ١٢ / ص ٥٠

[10] مصدر سابق ص ٥٠

[11] أحمد شهاب/الحداثة المغلولة ص ٤٤ بتصرف

[12]  مصدر سابق ص ٤٥

[13] جواد علي، الموسع في تاريخ العرب قبل الإسلام ٤/٣١٥ بتصرف

[14] أحمد شهاب / الحداثة المغلولة/ ٥٠

[15] المشاركة لا المغالبة -الحركات الإسلامية والسياسة في العالم العربي - ناثان ج . براون - ترجمة: سعد محيو/ مركز كارينغي للشرق الأوسط

[16] دساتير من ورق ـ الدساتير العربية والسلطة السياسية/ ناثان براون/ الناشر state Univ of New York press/ 2002/ ص ١٧١،١٧٢ ولمزيد من التفصيل ص ١٧٣،١٧٠.

[17] علم يدرس المجتمعات الإنسانية والمجموعات البشرية وظواهرها الاجتماعية،قاموس المعجم الوسيط

[18] الإشكالات الناتجة عن العلاقات في الإطار الاجتماعي

[19] فرع من فروع الفلسفة يهتم بنظرية المعرفة

[20] راجع ص ٤١

[21] علم الآثار الذي يهتم بدارسة بقايا مخلفات الإنسان تاريخيا ويكشف من خلالها تفاصيل كثيرة، وهنا يستخدم في المجال المعرفي للحفر العميق في المفهوم ودلالاته تاريخيا واستخداماته الاجتماعية والمعرفية

[22] يطلق مصطلح التنميط في علم الاجتماع على ظاهرة في الحضارة الغربية وهي أن كثيرا من المنتجات الحضارية تصبح متشابهة ونمطية بسبب الانتاج الصناعي السلعي الآلي.

على عكس المجتمع التقليدي الذي له لمسات خاصة بكل منتج وفق منتجها وصانعها وسمات مستقلة.

والتنميط في المنتجات الحضارية يؤدي إلى تنميط أسلوي الحياة العامة والخاصة فيقضي الإنسان حياته في سلسة محكومة من روتين يومي منظم

[23] القدرة على كسب تعضيد الناس ونصرتهم عن طريق استثارة عواطفهم واللعب بأحاسيسهم ومشاعرهم وليس عن طريق الحوار العقلاني معهم، والديماغوجي هو الشخص القادر على الوصول إلى السلطة السياسية مستخدماً مهاراته الخطابية ، حيث يستطيع أن يتحكم في انفعالات المستمعين إليه وأن يدفعهم إلى التحرك في الاتجاه الذي يريده هو بالرغم من وجود اعتبارات كثيرة موضوعية ترجح عدم التحرك في هذا الاتجاه

 

مادونا عسكر (ردّاً على مقال الدّكتور جعفر الحكيم، قصّة قيامة المسيح، كيف بدأت، وكيف تطوّرت؟)

هذا الرّدّ ليس بمثابة ردّ لاهوتيّ لأنّني أميل إلى الرّأي القائل إنّ الحوارات العقائديّة مضيعة للوقت. فهذه الحوارات لا تثمر ولا تغني، لأنّ كلا طرفي الحوار مقتنع بإيمانه بغضّ النّظر عن صوابه أو ضلاله. وكلاهما ينطلق من كتابه المقدّس ليثبت صحّة إيمانه. وبالتّالي فهذه الحوارات أشبه باستعراضات إيمانيّة لا أكثر ولا أقلّ.  كما أنّ هذا الرّد ليس بمثابة دفاع عن العقيدة المسيحيّة لأنّ مبدأ الدّفاع يفترض هجوماً، ما لم أقرأه في مقالة الدّكتور جعفر الحكيم. لكنّني وبعد الاطّلاع على مقال "المسيح قام... ثمّ ماذا؟" وبالعودة إلى مقال " قصّة قيامة المسيح، كيف بدأت، وكيف تطوّرت؟" لا سيّما أنّ بعضاً من سلسلة مقالات للدّكتور جعفر تحت عنوان "حوارات في اللّاهوت المسيحيّ"، بدت لي هذه المقالات وكأنّها نقداً للنّصوص المسيحيّة المقدّسة بل استفاض الدّكتور جعفر غالباً في مقالاته في شرح هذه النّصوص بما يتناسب مع بحثه. وذلك لأنّه يتعامل مع شرح النّصّ انطلاقاً من فكره الشّخصيّ ومنطقه الخاص. ويكفي أن أورد مثالاً واحداً وهو عبارة (عودة يسوع النّاصريّ إلى الحياة) الّتي بدت مترادفة والإيمان بقيامة المسيح. وهنا يقع أيّ ناقد لنصّ دينيّ في فخّ اللّغة وفخّ المنطق الشّخصيّ. وبناء عليه ينتفي هدف المقال ويلتبس مضمونه لأنّ ناقد النّصّ أو الباحث في أصوله وتاريخيّته انطلق من فكره ولغته المنطقيّة الشّخصيّة. فقيامة المسيح لا تعني أبداً عودته إلى الحياة كما يعتقد الدّكتور جعفر.

من ناحية أخرى، يستهلّ الدّكتور جعفر مقاله بما يلي: "تعتبر عقيدة (قيامة) يسوع الناصري بعد (صلبه) هي الحدث الأعظم في سرديات قصته، حسب المنظور المسيحي، فعقب موت يسوع على الصليب، قام من الموت وعاد ثانية الى الحياة بعد ثلاثة أيام، كما تقول النصوص الدينية المسيحية، والتي تعتبر حادثتي الصلب والقيامة، هما الحدثان الضخمان في تاريخ المسيحيةُ، حيث اعتبرت الكنيسة المسيحيةُ، أن قيامة يسوع المسيح هي برهانها الضخم، والحدث التاريخي الفريد المعجز في تاريخ البشرية!"

ولئن كانت القيامة عقيدة المسيحيّة فلا بدّ أنّها مرتبطة بالإيمان المسيحيّ. والإيمان أمر خاصّ ومشخّص ولا يمكن تقييمه أو قياسه. كما لا يجوز نقد النّصوص المرتبطة بهذا الإيمان أيّاً كانت، مسيحيّة أم غير مسيحيّة. مع العلم أنّ الدّكتور جعفر وضع مقالاته ضمن إطار البحث التّاريخيّ لكنّ من يقرأ هذه المقالة يستشف نقداً غير متّزن ورصين للنّصوص الّتي قرأها في الكتاب المقدّس. "لقد شكل الحكم بموت يسوع الناصري، صلبا، صدمة كبيرة في نفوس تلاميذه، وانهيار كامل لكل الآمال المرجوة في تحقق صدق نبؤات معلمهم، الذي أحبوه واتبعوه، ولم يشكّكوا في كلامه أو وعوده... وفجأة.. يموت المعلم.. وينهار كل شئ!! وهذا الأمر، يبدو واضحا، في قصة التلميذين، الهاربين من أورشليم، بعد موت يسوع، كما وردت في إنجيل (لوقا 24)

عندما يواجه الإنسان، أو مجموعة من الناس، صدمة شديدة محزنة، عادة، ما تكون ردة فعل الاغلبية منهم، إما رفض تصديق الحدث، وإما إعادة قراءة الحدث وما سبقه، من أجل صياغة تفسير مقبول ومريح، يزرع الأمل مجددا في النفس!

وهذه الظاهرة، معروفة في أدبيات علم النفس والسلوك البشري، حيث نجد أن الفاقد لشخص عزيز عليه، أحيانا، يؤكد للآخرين أنه رأى ذلك الشخص الميت، وهو يجلس في المكان الذي اعتاد أن يراه جالسا فيه!!!"

يشرح الدّكتور جعفر ردّة فعل تلاميذ يسوع انطلاقاً من علم النّفس، وقد يجوز ذلك نقديّاً، لكنّه يبقى ذلك رأيه الشّخصيّ الّذي نحترمه وحسب. لكن إذا أراد الدّكتور جعفر أن ينقد النّصوص المقدّسة علميّاً فلقد فاته أنّ هذه النّصوص تنطلق من الحرف ولا تنحصر فيه. كما فاته أنّ هذا المنهج يجب أن يطبّق على جميع النّصوص المقدّسة مسيحيّة وغير مسيحيّة. وهنا سيدخل في متاهات لا حصر لها، تاريخيّاً وإيمانيّاً. النّصّ المقدّس ملك للمؤمنين به، يشرحونه بحسب منهجهم الخاص. فمن غير المنطقي أن ينتقد مسلم نصّاً مسيحيّاً والعكس صحيح، لأنّ لكلّ منهما منهجه وتأويله الخاصّ. وكلّ ما عدا ذلك استعراض للمعلومات لا أكثر واستنتاج شخصيّ كما ورد في المقال: "من هنا، يظهر، أن التعاطي مع قصة عودة يسوع المسيح إلى الحياة، يختلف، حسب الخلفية الإيمانية لكل جهة، فالذين يؤمنون بالعقيدة المسيحية، يعتبرون هذه القصة، حقيقة تاريخية ثابتة، بينما يعتبرها غيرهم، مجرد ادعاء لا دليل عليه، وربما يكون مرده إلى توهمات أو هلوسات شخص أو مجموعة أشخاص، مصدومين بفقدان معلمهم وزعيمهم، الذي أحبوه وتعلقوا به، خصوصا أن نصوص الأناجيل تؤكد على أن أول شخص ادعى رؤية يسوع بعد موته كان امرأة …!!". ويبدو لي أنّ الدّكتور جعفر يناقض نفسه في هذه الفقرة إذ يعترف من جهة أنّ القيامة مرتبطة بالخلفيّة الإيمانيّة، ومن جهة أخرى يربطها بالتّوهّم والهلوسة مستدلّاً بذلك على أنّ أوّل شخص ادّعى رؤية يسوع بعد موته امرأة. ما يدفعني إلى القول إنّ الدّكتور جعفر وقع في فخّ تركيبته الفكريّة والنّفسيّة والاجتماعيّة مدّعياً استدلالات علميّة.

للمسيحيّين ما يؤمنون به، وكذلك سواهم وما علينا إلّا أن نحترم هذا الإيمان، ونتخلّى عن استعراض معلوماتنا في سبيل دحض هذا الدّين أو ذاك تحت غطاء البحث التّاريخيّ. ما ينقص مجتمعاتنا الغارقة في الجهل والتّخلّف إعادة بناء الوعي والفكر حتّى تنهض من بؤسها الفكريّ.

"المسيح قام.. ثمّ ماذا؟"، السؤال العنوان الّذي أراده الدّكتور جعفر لمقاله الثّاني. العنوان الّذي يمكن إسقاطه على أيّ فكر دينيّ وعقائديّ.  "المسيح قام.. ثمّ ماذا؟"، المسيح قام... حقاً قام.

 

مادونا عسكر/ لبنان

 

حيدر حسن الاسديما تمر به منطقتنا من استهداف متعدد الجوانب في ضوء ما يسمى بحروب الجيل الرابع، والتي تهدف إلى تمزيق المجتمعات وتحللها في جميع الجوانب قيمًا وأخلاقًا بشتى السُّبل:

1- الإلحاد الممول.

2- بالإرهاب المصنوع.

3- بإثارة النعرات العرقية أو الطائفية.

وما يهمنا في هذه الورقة الامر الاول، وان كانت له صلة بالثاني، حيث أصبح الإلحاد ورقة سياسية توظف لضرب المجتمعات وتفكيكها ضمن حروب الجيلين الرابع والخامس المستهدفة إعادة رسم خريطة المنطقة. أن الإلحاد أصبح موجهًا ومسيسًا وممولاً، قصد الإسهام في إحداث حالات الفوضى والإرباك، إذ لم تعد كثير من الأمور فى مجتمعاتنا عفوية أو طبيعية، أن مخططات الأعداء تستهدف النيل من كل جوانب حياتنا ومقوماتها، مما يتطلب التوعية بمخاطر كل الظواهر السلبية، إذ أن هذه المخططات تهدف من خلال الإلحاد الممول إلى نزع القيم الإيجابية من نفس الملحد، وبما يفرغه من الرقابة الذاتية الأصيلة، رقابة الضمير، ومراقبة خالق الكون والحياة، فلم يعد أمامه سوى القانون الذى يسعى إلى التفلت منه ما وسعه ذلك.

وما نقصده من مصطلح " الممول"-هنا -: هو التمويل الرمزي، أي المساهمة المادية او المعنوية، بقصد او دون قصد والتي تسهم في تنامي وزيادة وانتشار هذه الحالة الفكرية في الأوساط الاجتماعية في إطار ما يمكن تسميته" رد الفعل الآني على ما هو راهن"، والرمزية او السلطة الرمزية بحسب عالم الاجتماع الفرنسي( بيير بورديو Pierre Bourdieu): توظيف معطيات مختلفة لموضوع ما، على مجتمع ما عمادها التحليل، وهو هذا التمويل ينشط بفاعلية غير مرئية  للوصول الى المبتغى، دون شعور المحيط او المجال العام محل نشاط الظاهرة.

وما نعنيه بالمقاربة "Approach" الوارد في العنوان هو: " معالجة الظاهرة المدروسة أو المادة المقصودة بتقريبها لشيء اخر يكون اكثر وضوحا، وهي طريقة لفهم موضوع ما، أي نوع من الاجتهاد في التنظير العلمي لإيضاح نظرية ما او مفهوم معين في اتصاله بتصورات او مفاهيم أخرى، بهدف الكشف عن الغموض الذي يكتنفها"، واعتقد ان دراسة مفهوم او ظاهرة الالحاد، لا تتم الا بمقاربتها مع السياق الثقافي والاجتماعي الذي اُنتجت او وُجدت به، ويبدو ان اقرب الظواهر لذلك " ظاهرة التطرف"، الذي هو "فعل ديني" وان بني على فهم مغلوط للشريعة السمحاء.

كما ان للفعل السياسي وممارساته العملية في الوسط الاجتماعي شكل حافزا وعاملا مسرّعا في نشر وانتشار الظاهرة، بقصد او دون قصد، ودون وعي، مما يصدق عليه تمويلا رمزيا واضحا.

وعلى الرغم من أن العديد من الأسباب التي دفعت بعض العرب إلى التخلي عن الدين مماثلة لتلك التي يذكرها الملحدون في أي مكان آخر في العالم، فإن هناك أسبابا أخرى يمكن أن تتسق مع السياق السياسي في مجتمعاتنا، منها:

1- أن العنف الذي تمارسه بعض الجماعات الدينية المتشددة والمتطرفة (فعل ديني) قد دفع بعض الشباب إلى التشكيك في عقيدئهم الدينية التي اعتنقوها وتربوا عليها "كرد فعل آني" في ظل غياب او فقدان الحلول الأخرى، كما يعتقدون.

ولذلك لا نرى صحة وواقعية بعض الاحصائيات التي ذكرتها بعض المؤسسات الاوربية عن الالحاد في العراق في ظل غياب المعطيات الحقيقية لهذه الظاهرة، ومنه ما ذكرته صحيفة وول ستريت حيث ترى ان" نسبة الإلحاد في العراق هي 38%" ، وهو رقم لم يتفق عليه العراقيون، فهناك من يزيده وهناك من ينقصه وينكره، فيما يرى اخرون ان ذلك جزء من "المؤامرة التي تحاك ضد الاسلام والمسلمين من الغرب واميركا تحديدا"1 .

2- أن "أبرز الأسباب التي تدفع الشباب إلى الإلحاد هي ممارسات الجماعات الإرهابية التكفيرية التي تنتهج الوحشية والترهيب والذبح باسم الإسلام والتي صدرت مفهوماً مشوهاً لتعاليم الدين، ورسخت صورة وحشية قاتمة له، مما نفر عدداً من الشباب من الإسلام ودفعهم إلى الإلحاد2".

3- أن تغلغل "الحركات السياسية" في الحياة الخاصة والعامة، وفشلها الذريع في الادارة وتوظيفها للدين لتحقيق مصالحها الخاصة؛ يمكن أن يكون سببا رئيسا لردة الفعل ضد الدين، ولذلك نعتقد ان الالحاد الموجود في العراق إن صحّ وجوده هو  ردة فعل على الخطاب والممارسة السياسية بطابعها المتشدد ، ولا يقارن بردة الفعل التي حصلت في  أوربا تجاه الكنيسة، وأهم دليل على ذلك " غياب التنظير الفكري والمعرفي العراقي لمن يتبنى هذه الظاهرة، وان وجد مثل هذا التنظير يكاد ان يكون في اطار ما يسميه جورج طرابيشي بــــالهرطقات".

ان  تجريد العقل المسلم من أقوى أسلحته في التصدي للإلحاد، عبر محاربة التيارات المتشددة للفلسفة،  وعلم الكلام، والتفكير العقلاني الذي هو عماد مناهج الاجتهاد في الإسلام اسهم وبشكل كبير في تنامي دعوات الالحاد، في ظل تراجع تفعيل مناهج الحوار والجدل من قبل المعنيين، خصوصا على مواقع التواصل الاجتماعي، والسوشيال ميديا بشكل عام، لان الباحث الإسلامي يرى ان هذه الوسائل الإعلامية لا تليق به، وما يليق به هو القاء محاضرة او ندوة او ارتقاء المنبر ليواجه المتلقين وجها لوجه، والحال ان تأثير الاعلام المرئي التواصلي - بحسب المتخصصين- اكثر فاعلية من الطرق التقليدية، واسرع انتشارا، وعليه لا بد من تفعيل هذا الجانب، وايلائه أهمية كبيرة، وتدريب متخصصين فاعلين في هذا المجال يشكلون خلايا رصد وتدقيق ودراسة لهذا الامر.

 

الدكتور حيدر حسن الاسدي/ جامعة الكوفة

.................

 2- نقلا عن سكاي برس ( SKY PRESS)، الالحاد في العراق مؤامرة ضد الاسلام ام ردة فعل على الاحزاب السياسية تقاريـر السبت 12 آب 2017 الساعة 14:24 مساءً

 2- موقع دار الإفتاء المصرية.

 

محمود محمد عليما زلت أؤمن بل ربما أكثر من أي وقت مضي بأن العلم كما أكد أستاذنا الدكتور "حسن عبد الحميد" في رائعته عن "التفسير الابستمولوجي لنشأة العلم"، حيث قال " يمر في انتقاله من مستوي الممارسة التلقائية العفوية إلى مستوى الصياغة النظرية لقواعد العلم، الأمر الذي قد يحدث نوعاً من القطيعة المعرفية "، وهذه القطيعة الذي ذكرها الدكتور "حسن عبد الحميد"، أشبه ما تكون في نظري نوعاً من المغايرة النسقية.

ولتوضيح ما يعنيه هذا المبدأ يمكن القول  بأن أي علم على الإطلاق قد مر في تاريخه بمرحلتين أساسيتين ومتميزتين: مرحلة الممارسة اليومية التلقائية، التي يغلب عليها الطابع الأيديولوجي، ومرحلة الصياغة النظرية للقواعد الأساسية والمبادئ العامة التي تجعل من المعرفة معرفة علمية بالمعني الدقيق للكلمة.

أو هو الانتقال مما هو ضمني إلى ما هو صريح وواضح، فالطفل أو الرجل الأمي – على سبيل المثال - يستطيع كلاهما أن يستخدم اللغة استخداماً صحيحاً نسبياً ودون حاجة إلى تعلم قواعد النحو الخاصة بهذه اللغة أو تلك، ولو سألنا أحدهما أن يستخرج لنا قواعد اللغة التي يتحدث بها، وأن يصيغها صياغة نظرية، لما كان هذا في إمكانه.

والسبب في ذلك أننا ننقله في هذه الحالة من مستوى الممارسة اليومية للغة إلى مستوى الصياغة النظرية لقواعدها. والانتقال هنا هو انتقال من مستوى الممارسة اليومية العفوية للمعرفة إلى مستوى الوعي بالقواعد النظرية التي تنظم هذه المعرفة، وقد أصبحت علمًا .

وهذا الانتقال من المستوى الأول إلى المستوى الثاني لا يتم إلا عن طريق " قطع الصلة" (إلي حد ما) بالممارسات اليومية ذات الطابع الحدسي والتلقائي التي تسيطر علي المعرفة قبل أن تتحول إلي علم . والقطيعة المعرفية (أو المغايرة النسقية) هي " التغير الذي ينتج عنه أمراً جديداً كل الجدة، ولكنها عبارة عن مسار معقد متشابك الأطراف تنتج عنه مرحلة جديدة متميزة في تاريخ العلم "، ومعالم تلك القطيعة (أو المغايرة) يمكن تتبعها علي ثلاثة مستويات: "مستوى لغة العلم من جانب، ومنهجه من جانب آخر، ومستوى نظرية العلم من جانب ثالث".

والسؤال الآن: هل يمكن تطبيق هذا المبدأ على النحو العربي في مرحلة نشأته ؟

يذهب غالبية مؤرخي النحو سواء القدماء منهم والمعاصرون إلى أن النحو هو " علم بأصول تعرف بها أحوال الكلمات العربية من حيث الإعراب والبناء، أي من حيث ما يعرض لها في حال كونها مفردة أو مركبة"، وأن " سيبويه"  أول من صاغ بطريقة علمية نظرية هذا العلم الذي سبق تاريخياً كل العلوم في التأسيس، حيث يمثل كتاب سيبويه أفضل " صورة لما وصل إليه التقدم العلمي في النحو في أواخر القرن الثاني الهجري، لأن الكتاب ثمرة لهذه الجهود المتصلة في تلك المادة منذ أن بدأها أبو الأسود، وهو (يمثل كذلك أفضل) صورة لما كانت عليه دراسة النحو، في ذلك الحين من التعليل والقياس، والاستنباط، والتفريع، واستيعاب الفروض ..وهو الكتاب الأول والأخير في النحو، فالكتاب سجل لقواعد النحو، وقف العلماء عنده، ولم يزيدوا عليه، وكل من جاء بعده جعل الكتاب أساس دراسته"، وبهذا يعد سيبويه بشهادة الكثير من الباحثين والدارسين " أهم تلميذ للرعيل الأول من أئمة اللغة، كما يعد أول عالم يكرس مجهوده الذهني بصورة متخصصة، إلى حد كبير في الدرس النحوي بمعناه الواسع، فليس من شك في أنه قد مهد بذلك الطريق للمباحث النحوية، وهو أمر لم نعهده من قبل".

ومع احترامنا لهذا الرأي، إلا أن المنطق والتاريخ يؤكدان أن الناس لم ينتظروا صياغة لقواعد النحو حتي يفكروا، والإنسان حيوان مفكر منذ أن وجد على سطح الأرض . النحو كعلم يفترض – مسبقاً - المقدرة على الاستخدام المسبق للغة، فالعلم آيا كان لا يبدأ إلا حين يتجه المفكر إلى الواقع العملي لهذا العلم، وواقع النحو العربي، وخاصة في بداياته الأولى يكذب ذلك وينفيه، فحتى الآن لم ينكشف لنا الفهم الصحيح لطبيعة المرحلة، التي تنسب إليها نشأة الدراسات النحوية، ولا فهم لطبيعة اللغة العربية، التي تتناول نشأة نحوها بالدرس، والبحث، والاستقصاء، إذ قبل "سيبويه" لم تكن معالم الدرس النحوي واضحة، ولم يكن له تخطيط معين، ولا منهج محدد، فـ "لا يزال الباحث في حيرة من أمر النحو العربي، ومن الظروف التي لا بست نشأته، فلا القدماء أماطوا اللثام بطريقة معقولة عن هذا الغموض الذي لا نزال نحس به، ونتعثر في دياجيه، ولا المحدثون استطاعوا أن يتناولوا هذه المسألة بطريقة جدية فيتعمقوا فيها بعد أن يمهدوا لها بالدراسة الواسعة، والتفكير الحر، والمنطق السليم ".

ولذلك نحاول بقدر استطاعتنا أن نناقش نشأة النحو بطريقة منهجية، ونبدأ حديثنا بمناقشة الشخصيات التي يعزي إليها نشأة النحو، فنتساءل من صاحب الفضل في نشأته: أهو أبو الأسود الدؤلي (16 هـ- 69 هـ)؟ أم الأمام علي بن أبي طالب (13 رجب 23 هـ - 21 رمضان 40 هـ) كرم الله وجهه؟، أم شخصيات أخرى، مثل نصر بن عاصم (توفي عام 89 هـ)، أو عبد الرحمن بن هرمز (ت:117هـ) ؟

لقد اختلف المؤرخون في أول من وضع أبواباً من النحو أو تحدث فيه، وظهرت روايات متعددة بخصوص هذا الموضوع يمكن إجمالها كالآتي:

الرواية الأولى: يرى أصحابها أن الإمام علي بن أبي طالب هو الواضع الأول لعلم النحو .

الرواية الثانية: يرى أصحابها أن أبا الأسود الدؤلي هو الواضع الأول لعلم النحو بمشاركة نصر بن عاصم الليثي (توفي عام 89 هـ) وعبد الرحمن بن هرمز .

الرواية الثالثة: يرى أصحابها أن أبا الأسود وحده هو الواضع الأول لعلم النحو .

ولا بد لنا قبل تحديد هذا الوضع من أن نعرض لهذه الروايات، ومن قال بها .

أما بخصوص الرواية الأولى، فقد وردت في كتب علماء القرن الرابع الهجري، وما بعد ذلك، ورددتها المصادر التي تلت ذلك التاريخ، حيث ينقل لنا " أبو القاسم عبد الرحمن الزجاجي، (توفي عام 340 هجري) "في" أماليه"، رواية عن أبي الأسود الدؤلي أنه قال:" دخلت على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه فرأيته مطرقًا مفكرًا، فقلت: فيم تفكر يا أمير المؤمنين ؟ قال: إني سمعت ببلدكم هذا لحنا فأردت أن أضع كتاباً في أصول العربية، ثم أتيته بعد أيام فألقى إلي صحيفة فيها: بسم الله الرحمن الرحيم، الكلام: اسم وفعل وحرف، فالاسم ما أنبأ عن المسمى، والفعل ما أنبأ عن حركة المسمى، والحرف ما أنبأ عن معنى ليس باسم ولا فعل، ثم قال: تتبعه وزد فيه ما وقع لك، واعلم أن الأشياء ثلاثة: ظاهر ومضمر، وشيء ليس بظاهر ولا مضمر، وإنما يتفاضل العلماء في معرفة ما ليس بمضمر ولا ظاهر . قال أبو الأسود: فجمعت منه أشياء، وعرضتها عليه، فكان من ذلك حروف النصب، فذكرت فيها إن، وأن، وليت، ولعل، وكأن، ولم أذكر لكن فقال لي لم تركتها فقلت لم أحسبها منها فقال هي منها فزدتها فيها .

ونفس الشئ يؤكده "أبو بكر بن الأنباري" (271 هـ - 328هـ) فيقول: " الصحيح أن أول من وضع النحو الإمام علي (رضي الله عنه)، لأن الروايات كلها تسند إلى أبي الأسود، وأبو الأسود يسند إلى علي ... وسبب وضع علي (رضي الله عنه) لهذا العلم ما روى أبو الأسود قال: " دخلت على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (رضي الله عنه)، فوجدت في يده رقعة، فقلت ما هذه يا أمير المؤمنين ؟ فقال: إنـّي تأملت كلام الناس فوجدته قد فسد بمخالطة هذه الحمراء (يعني الأعاجم)، فأردت أن أضع لهم شيئا يرجعون إليه ويعتمدون عليه، ثم ألقى إليّ الرقعة وفيها مكتوب " الكلام كلـّه اسم وفعل وحرف، فالاسم ما أنبأ عن المسمى، والفعل ما أُنبى به، والحرف ما جاء لمعنى " وقال لي: انحُ هذا النحو وأضف إليه ما وقع إليك .

ويعتمد الشيخ محمد الطنطاوي، في كتابه " نشأة النحو وتاريخ أشهر النحاة " هذا الرأي، ويعلل بأن ابن الأنباري: " أغناهم بهذا المقام، وقد سرد معظم نقول السابقين عليه مع جودة الترتيب، فذكر مختاره أولًا مع روايتين في سبب وضع الإمام "علي بن أبي طالب " كرّم الله وجهه، ثم ذكر مختار غيره مع روايات أربع في سبب وضع أبي الأسود رضي الله عنه ... ثم عاد مصرحاً برجحان اختياره".

وممن أكد نشأة النحو علي يد الإمام "علي بن أبي طالب " كرّم الله وجهه،  أيضا الزبيدي في " طبقات النحويين واللغويين، حيث يروى أنه قال:" تلقيته من علي بن أبي طالب رحمه الله "، وفي رواية أخرى قال: " ألقى إليّ عليٌّ أصولا احتذيت عليها ". أمّا ابن النديم (توفي 384 هـ) في كتابه (الفهرست)، فيقول: " زعم أكثر العلماء أن النحو أخذ عن أبي الأسود الدؤلي، وأن أبا الأسود أخذ ذلك عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب " .

وهنالك شهادات أخرى كثيرة سجلها لنا القدماء غير ما ذكرنا عن "الزجاجي" و" محمد بن القاسم الأنباري  (الشهير بأبي بكر الأنباري) 271 هـ - 328هـ "و" المرتضى الزَّبيدي (1145 - 1205 هـ) " و" أبو الفرج بن أبي يعقوب النديم (المتوفي 384هـ-1047م)"، تؤكد إشارة الإمام "علي" (رضي الله عنه) وإرشاده وتوجيهه، فالسيوطي (أعني جلال الدين السيوطي " 849 هـ - 911 هـ") يقول وينقل ما يلي: " اشتهر أن أول من وضع النحو: علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) لأبي الأسود، قال الفخر الرازي في كتابه (المحرر في النحو): " رسم علي (رضي الله عنه) لأبي الأسود باب (إنّ)، وباب الإضافة، وباب الإمالة، ثم صنف أبو الأسود: باب العطف، وباب النعت، ثم صنف باب التعجب، وباب الاستفهام، وتطابقت الروايات على أنّ أول من وضع النحو: أبو الأسود، وأنه أخذه أولاً عن علي "، ووضح ذلك أيضا أبو الطيب اللغوي في (مراتب النحويين) قائلاً: " أخذ ذلك عن أمير المؤمنين "علي" (رضي الله عنه)، لأنه سمع لحنا فقال لأبي الأسود: اجعل للناس حروفا، وأشار له إلى الرفع، والنصب، والجر"، وابن كثير الدمشقي في (البداية والنهاية ) يذكر: " إنما أخذه عن أمير المؤمنين علي بن طالب ..ذكر له الإمام: "الكلام: اسم، وفعل، وحرف، وإنّ أبا الأسود نحا نحوه ..."، وابن خلكان في (وفيات الأعيان) يوضح أيضا أن " الإمام "علي" (رضي الله عنه) وضع له أقسام الكلام،ثم رخصه إليه وقال له: تمم على هذا " .

أما بخصوص الرواية الثانية التي تنسب وضع النحو إلى أكثر من واحد فهي متأخرة، يقول أبو سعيد السيرافي (284هـ - 368هـ): "اختلف الناس في أول من رسم النحو، فقال قائلون "أبو الأسود الدؤلي"، وقال آخرون "نصر بن عامر الليثي"، وقال آخرون "عبد الرحمن بن هرمز"، وأكثر الناس قالوا أبي الأسود " . وسار فى قوله الزبيدي الذي زاد على قول السيرافي " فوضعوا للنحو أبوابا، وذكروا عوامل الرفع، والنصب، والخفض، والجزم، ووضعوا أبواب الفاعل، والمفعول، والتعجب، والمضاف ". ثم تابعهما من جاء بعدهما ممن قال بهذا القول .

والذي يبدو من هاتين الروايتين أن تعاصر هؤلاء الثلاثة كما يري بعض الباحثين هو السبب المباشر في التباس الأمر على المؤرخين اللذين جاء أولهما بعد أبي الأسود بثلاثمائة سنة، وهي كافية للاختلاق والتزيد . أما "الزبيدي" فيبدو أنه أخذ ما نسب وضعها إلى أبي الأسود إلى هؤلاء جميعاً لكي تتم لهم المشاركة والمتابعة له في تطبيق نقط المصحف وهي نقط الإعراب .

أما فيما يتعلق بالرواية الثالثة التي تؤكد  ذلك، فهي تفرّد أبي الأسود الدؤلي بأنه واضع علم النحو، فقد أثبت له المؤرخون وكُتاب التراجم والباحثون في الأعمال القرآنية نقط الإعراب، وكانت جميع روايات المؤرخين تذكره عند تعرضها لوضع النحو أذكرته وحده أم مع الإمام "علي" أم مع معاصريه، وقد كان ذلك منذ أول نص وصل إلينا يتحدث صاحبه فيه عن النحو والنحاة حتي يومنا هذا . وللحديث بقية !!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

سليم مطرـ ندعو (مؤتمر القمة الاسلامي) الذي سيعقد في مكة اواخر هذا الشهر، الى اقرار لجنة من القانونين وعلماء الاجتماع والنفس، لكي تنشط بين الدول والهيئات الدينية في العالم اجمع، من اجل فرض قرار في الامم المتحدة يلزم دول العالم الى منع ومحاربة الافلام الاباحية.

ـ اشنع درجات النفاق والازدواجية الغربية: التطبيل لحقوق المرأة، وبنفس الوقت إنتاج ونشر أقذر الافلام التي تهينها وتعاملها كحيوان جنسي!!!؟؟؟

ـ ان الدول والمنظمات الاوربية والامريكية، دائما تسمح لنفسها باعطائنا دروسا اخلاقية وسياسية بكيفية التعامل مع مجتمعاتنا ونسائنا واطفالنا وووو حتى مع حيواناتنا.. فلماذا لا نسمح نحن ايضا لانفسنا بان نعطيهم درسا اخلاقيا وانسانيا باحترام المرأة اولا والرجل ثانيا؟!

ـ ان تحريم الافلام الاباحية، قبل ان تكون لاسباب اخلاقية أو دينية، هي اولا لاسباب نفسية اجتماعية خطيرة جدا جدا.  بالاضافة الى تأثيرها الخطير على دماغ الاطفال والشباب:https://urlz.fr/9MdF

ـ الافلام الاباحية اخطر الامراض الاجتماعية النفسية التي تهدد صحة الانسان وسلامة العائلة! وتسب واحدا من اخطر امراض العصر(الادمان على الاباحية Pornography addiction)

ـ مثل الهيئات الاسلامية، كذلك الكنائس المسيحية وخصوصا الكاثوليكية تكافح وتثقف بخطورة الافلام الاباحية.

ـ هنالك العديد من الدول مثل الصين وكذلك جميع الاديان في العالم، تدين وتحذر من خطورة هذه الافلام، لكن مع ذلك لازالت تتكاثر بصورة مجانية واغرائية عجيبة! لماذا؟؟!!!

904 سليم 1ـ لأن القوى الشيطانية العالمية والصهيونية غايتها افساد البشرية نفسيا واخلاقيا من اجل تسهيل السيطرة عليها سياسيا ثم عملية نهبها وتدميرها.

ـ ارباح الافلام الاباحية وشبكات الدعارة المرافقة لها تفوق عشرات المليارات سنويا!

ـ ان اخطر رسائل هذه الافلام، الادعاء بأن النساء رخيصات جدا جدا، ويمكن ان يوافقن بكل بسهولة على الممارسات الاباحية مهما كانت شاذة وقاسية ومهينة. كذلك الادعاء الشيطاني بانه من الطبيعي جدا الممارسة بين المقربين: ام وابنها، اخ واخته، اب وابنته!!!!؟؟

ـ ان هذه الافلام تقتل كل قيمة معنوية وانسانية وشاعرية للعلاقة العاطفية والجنسية، وتحولها الى علاقة وحشية قذرة تخجل منها وترفضها حتى الحيوانات!

ـ غالبية النساء يشكون من ان رجالهن يطالبوهن بممارسات شاذة ولا انسانية تقليدا للافلام الاباحية!

اكذوبة المجتمعات الغربية المكتفية جنسيا!؟

ان انتشار هذه الافلام الى درجة كبيرة بين الرجال الغربيين، يفضح مدى الدجل والكذب ادعاء انهم(مكتفون جنسيا). واكبر دليل على مدى انحطاط العلاقات الانسانية بين الرجال والنساء:

1 ـ انتشار شبكات الدعارة بصورة تفوق الخيال. مثلا، في سويسرا وحدها التي لا يتجاوز عدد سكانها (8 مليون)، هناك حوالي 25 الف بغي من جميع جنسيات الارض. ضمن حوالي الف مبغى، بالاضافة الى الشبكات السرية. والارباح تقدر بين 500 مليون الى مليار دولار سنويا!

2  ـ انتشار حالات الاغتصاب الى مئات الالاف سنويا. في فرنسا وحدها اكثر من (62) الف حالة اغتصاب عام 2016. أي ما يعادل 12% من المجموع الكلي للنساء: https://urlz.fr/9MbO

3 ـ انتشار حالات الطلاق الى ارقام مرعبة، الى حد حالة طلاق تقابل حالة زواج؟!  وبدات تنشأ اجيال جديدة من الاطفال نصف يتيمة، تعيش فقط مع احد الابويين: https://urlz.fr/9MbN

4 ـ انتشار السياحة الجنسية حيث يضطر رجال الغرب بسبب الجوع والاثارة المكبوتة الى الاستفادة من ارتفاع قيمة الاورو والدولار والسفر الى الدول الفقيرة، من اجل إشباع ملذاتهم الطبيعية والشاذة حتى مع فتياة صغيرات جدا: https://urlz.fr/9MbA

904 سليم 2

اخطر التأثيرات على الرجال والنساء!

ـ جميع الدراسات اتفقت على  تاثيرات هذا الادمان:

1ـ انه يحطم الرجل والشاب خصوصا، نفسيا ويشعره دوما بالاثم والعار، ويعزله عن المجتمع ويحرمه من القدرة على العلاقة الطبيعية مع النساء. وبالتالي يضعفه صحيا وحياتيا وكثيرا ما يؤدي به الى الجريمة والجنون والانتحار.

2ـ انه يؤدي الى تدمير العلاقات الزوجية، لأنه يشعر الرجال خصوصا بأن نسائهم اقل قيمة ومقدرة وجاذبية من نساء الافلام. وبالتالي يؤدي الى خراب العلاقات العاطفية والجنسية بينهما ثم الى المشاكل والعنف حتى الطلاق.

3ـ ان يشوه تماما قيمة النساء في نفوس الرجال. إذ يكونوا مثارين دائما وينظرون الى المرأة كحيوان جنسي، وبالتالي معاملتها بشهوانية وشذوذ، حتى العنف والاغتصاب. وهذا يشرح سبب الانتشار العجيب لحالات العنف والتحرش والاغتصاب في المجتمعات الغربية، وفي مجتمعاتنا طبعا.

4 ـ بنفس الوقت يتم تشويه صورة الرجال في نفوس النساء. فهن حتى لو لم يشاهدن هذه الافلام، فأنهن عموما قد عرفن بها وبمضامينها الهمجية، وبالتالي انتشر بنيهن خوف وتقزز من الرجال باعتبارهم وحوش جنسية لا يمكن الوثوق بهم ولا يستحقون محبتهن.

904 سليم 3لمزيد من التفاصيل، طالع:

فلم نصائح:

https://www.youtube.com/watch?v=S0FHl1z8whA

فتوى ضد الاباحية

https://www.youtube.com/watch?v=YYIsfKr6OoI

كاهن كاثوليكي يشرح بالانكليزي مخاطر الافلام الاباحية:

https://www.youtube.com/watch?v=3vckjb0GI_s

جراح أعصاب أمريكي: المواد الإباحية تدمر أدمغة الشباب

https://urlz.fr/9MdF

تحليل علمي عن ادمان الاباحية:

http://islam.ahram.org.eg/NewsQ/7952.aspx

ـ الإدمان على الأفلام الإباحية/ تفاصيلها واضرارها

https://urlz.fr/9M7D

Your Porn Addiction Isn’t Realـ

https://www.thedailybeast.com/your-porn-addiction-isnt-real

 

سليم مطر ـ جنيف

 

عبد الرضا حمد جاسمملاحظة: في هذا الجزء سأتطرق الى الأرقام التي وردت في مقالة/ رد أ. د قاسم حسين صالح واقارنها بالأرقام التي وردت في الدراسة ستُصْدَمْ عزيزي القارئ عندما تجد ان الأرقام غير متطابقة.

6- اليكم العرض المركز الذي كتبه أ. د قاسم حسين صالح لخلاصة الدراسة...ولأهمية ما ورد فيه وخطورته وضرورة مناقشة ذلك بدقة وانتباه، وبعض التوضيح ربما المُمل لكنه ضروري كما أعتقد. عليه سأُجزأ العرض كالتالي:

[سأضع على كل جزء من تلك الخلاصة علامة (*) ورقم تسلسل واضع النص بين قوسين (.) تسبقهُ كلمة "وَرَدَ" وأختم ب"انتهى"].

*1- ورد: [وتَوَصَلَتْ "يقصد الدراسة" الى ان هنالك (647) حالة انتحار في العراق لعام 2015، بمعدل حالة واحدة لكل 100000] انتهى.

تعليق: قبل أن أطرح الأرقام الصحيحة التي وردت بدراسة اللجنة، وقبل أن اُناقشها اسأل من أين أتى أ. د قاسم حسين صالح بهذه المعلومة وهي لم تتضمنها الدراسة أو لم يتم ذكرها فيها؟

 اُناقش الأرقام التي سطرها أ. د قاسم حسين صالح:

 يقول أ. د قاسم: ان الدراسة توصلت الى ان هنالك: (647) حالة انتحار في العراق عام 2015، بمعدل واحدة لكل (100000)"مائة ألف شخص"

هذه المعلومة خاطئة او غير صحيحة. وعلى فرض ان الأستاذ وجدها هكذا في الدراسة ...ألا يستدعي التأكد منها وتدقيقها وتحليلها قبل نشرها وبالذات عندما توفرت الرغبة في مناقشتها؟ وبالذات فأن هذا الرد سيكون على دراسة قام بها مجموعة من الدكاترة وخبير بريطاني وصفهم

 أ. د قاسم حسين صالح ووصفها بأحسن الأوصاف وقيَّمهم وقيَّمها أحسن تقييم وهو يعرف انها نُشرت باللغة الانكَليزية في مجلة علمية متخصصة وسيطلع عليها المختصين في كل العالم وتدخل /دخلت الارشيفين العراقي والعالمي عن الانتحار وقد تضمن الرد تعهد أ. د قاسم بترجمته ونشره في المجلات المتخصصة العالمية. ويعرف أ. د قاسم حسين صالح جيداً أهمية الأرقام في مثل هذه الدراسات وقد إشارة الى "حنبلية تعامل اللجنة مع الأرقام". هذا يستوجب من أ. د قاسم ان يتوقف عندها/امامها ملياً يناقشها ويحللها ليكتشف عيبها او يتأكد من دقتها. والأرقام تعني عند كل مراقب اوقارئ أو متابع الكثيرلأنها نتائج تعكس قيمة الجهد المبذول ودقته.يمكن ان تنفع ويمكن ان تقلب الأمور وتشوهها.

 ماذا تعني هذه المعلومة؟ وكيف يمكن استخدامها أو كيف تشوهه الدراسة. ماذا يفعل من يريد معرفة عدد سكان العراق من هذه المعلومة لأن 

أ. د قاسم لم يذكر في رده عدد سكان العراق؟ الجواب: ...سيقوم بالتالي:

(647) حالة انتحارx (100000) (لكل فرد) = (64.700.000) مليون شخص عدد سكان (13) محافظة تلك التي شملتها الدراسة وعند تقسيم هذا الرقم على (13) نحصل "ولو غير دقيق لكن للتوضيح" على معدل عدد السكان في كل محافظة وحتى نحسب "حسابياً /تقريبياً ايضاً " عدد السكان الكلي للعراق نحتاج عدد سكان المحافظات الخمس غير المشمولة بالدراسة:

64700000÷13= حوالي(5000000) [خمسة ملايين نسمة تقريباً عدد نفوس كل محافظة]. اذن سكان المحافظات الخمس غير المشمولة هو: (5000000x5=25000000) خمسة وعشرين مليون نسمة]. فيكون بذلك عدد سكان العراق التقريبي هو:(65) +(25)=(90) مليون نسمة.

هل يمكن قبول هذا؟ ماذا سيكون الموقف بعد (10) سنوات او ربع قرن لو اطلع طالب دراسات او باحث أجنبي او عربي على مثل هذه الأرقام ووجد ان سكان العراق بهذه الحدود؟

 لو كان الخطأ في الدراسة كان يمكن التغاضي /التساهل عنه/معه حيث في الدراسة ذُكِرَ عدد سكان المحافظات ال(13)، في سنتي الدراسة لكن هذا الخطأ الكبير لا يمكن قبوله من أ. د قاسم لسببين الأول: عدم ذكره عدد سكان المحافظات والثاني: أنه ناقد للدراسة ومعترض عليها وليس مساهم فيها او قارئ عادي لها.

 اليكم الأرقام التي وردت في الدراسة:

عام 2015: نحو(290) حالة انتحار. معدل الانتحار لكل 100 ألف فرد هو (1.09)

عام2016: نحو(357) حالة انتحار. معدل الانتحار لكل 100 ألف فرد هي: (1،31)

 اعود الى: من أين نقل أ. د قاسم الرقم: (647) حالة انتحار؟ يمكن لي أن اُجيب وهو احتمال لا غير: الجواب: نقلهُ أ. د قاسم كما يبدو من الجزء الأول من عبارة وردت في صفحة "النتائج" من الدراسة حيث ورد تحت عنوان فرعي: "التركيبة السكانية" التالي: [بلغ مجموع حالات الانتحار (647) منها (290) حالة في عام 2015 و (357) حالة في عام 2016]. او كما سيأتي في نص ما ورد في رد "لجنة الدكاترة".

ورقم (647) هو حاصل جمع: (290) حالة انتحار في 2015+ (357) حالة انتحار في 2016= (647) حالة انتحار... "" هذي لكينالها حل ولو أن الدكتور حصر هذا الرقم في عام 2015 ولم يتركه سائب"... لكن (بمعدل واحد لكل (100000) ""منين اجت """؟؟؟

*2- وَرَدَ: [...وبمعدل (1، 21 للذكور و0، 97 للإناث) لعام 2015، مقابل (1، 31 للذكور و1، 07 للإناث) للعام 2016] انتهى.

تعليق: هنا فَصَلَ أ. د قاسم نسبة الذكور للإناث الى 2015 و2016 ...يمكن ان نحسب عدد الذكور والاناث خلال 2015 وفق ما ذكر من ان عدد المنتحرين هو(647) شخص لعام (2015) لكن كيف نحسب الاعداد في عام 2016 وفق أي رقم ...؟

قبل طرح الأرقام الصحيحة من الدراسة نناقش الأرقام التي طرحها الأستاذ قاسم بخصوص الاناث والذكور.

نأخذ ارقام 2015: التي هي: (1، 21 للذكور و0، 97 للإناث). اولاً: من أين أتى بهذا أ. د قاسم؟؟؟؟؟ ثانيا: ماذا تعني؟

 لو فرضنا ان ما مؤشر للذكور هو الرقم (21.1) صحيح، يمكن ان يكون مقبول كأن يعني عدد الذكور المنتحرين مقابل عدد من الاناث. لكن عندما نأتي لمعرفة عدد الاناث الذي يقابله نُصْدَمْ حيث ستكون:(97.0) ما معناه: مقابل كل(21.1) ذكر ينتحر هناك (97) اُنثى تنتحر. وهذا رقم غريب لم يُسجل في أي دراسة في أي بلد في أي زمن.

وعندما ننتقل الى معدلات عام 2016 نجد: للذكور (31.1) والاناث(07.1) أي مقابل كل(31.1) من الذكور المنتحرين تنتحر(7.1) أنثى ...

من أين أتى الدكتور قاسم بهذه الأرقام أيضاً وبالذات رقم (97،0) غير المفهوم والمثير للاستفهام ويفترض ان يثير الانتباه؟ لا اعرف!

 وفق الأرقام التي كتبها أ. د قاسم حسين صالح تكون حالات الانتحار من الاناث لعام 2015 إذا أخذنا رقم الحالات الكلي الذي ورد في أصل الدراسة أي (290) حالة سيكون منها: اناث(236) وذكور(58) تقريباً...اما لعام (2016) فستكون الاناث: (66) والذكور: (292). أي أنه في عام واحد هو عام (2016) حصلت زيادة في انتحار الذكور بمقدار: (244) ذكر وانخفاض في عدد الاناث بمقدار: (170) انثى عن عام (2015)..هذا التغيَّر الهائل في سنة واحدة لم يحصل في أي مكان و في أي زمان في تاريخ البشرية القديم والحديث.

اليكم الأرقام التي وردت في الدراسة عن نسبة الذكور الى الاناث حيث كانت كالتالي:

 في عام 2015 كانت: (1,26) وفي عام 2016 كانت: (1.46). [نسبة الذكور للإناث]

والغريب ان "لجنة الدكاترة" اشارت في دراستها الى تقارب العدد بين الذكور والاناث سواء في حالات الانتحار او في التركيبة السكانية للمحافظات ال(13) حيث ذكرت التالي:

في عام 2015 كان عدد سكان المحافظات ال(13) المشمولة بالدراسة هو(26.460.324) (ستة وعشرين مليون واربعمائة وستون ألف وثلاثمائة واربعة وعشرون نسمة). كان عدد الذكور منهم هو: (13.349.621) [ثلاثة عشر مليون وثلاثمائة وستون ألف وستمائة وواحد وعشرون] وعدد الاناث كان: (13.110.703) [ثلاثة عشر مليون ومائة وواحد ألف وسبعمائة وثلاثة] ... والانتحار كان: نحو (290) حالة انتحار منها (162) ذكور بنسبة: ( 55.9%) مقابل (128) انثى بنسبة (44.1%).

أما في عام 2016 كان:(27.140.895) (سبعة وعشرين مليون ومائة وأربعون ألف وثمانمائة وخمسة وتسعون نسمة!!!!! كان عدد الذكور منهم هو:(13.692.985) [ثلاثة عشر مليون وستمائة واثنان وتسعون ألف وتسعمائة وخمسة وثمانون]. أما الاناث فكان: (13.447.910) [ثلاثة عشر مليون واربعمائة وسبعة واربعون ألف وتسعمائة وعشرة] والانتحار كان: نحو(357) حالة انتحار منها (212) ذكور بنسبة (59%) مقابل (145) اناث بنسبة (40%)." [يرجى ملاحظة التقارب في عداد ونسب الذكور والاناث].

*3: ورد: [وان 67,9% كانت بين الاعمار(29) سنة فما دون] انتهى

تعليق: هذا يدل على ان الدراسة ليس كما ورد في العنوان "ما هكذا نقدم للعالم انتحار الشباب في العراق!" حيث أن هذا الرقم يعني حالات الانتحار في صفوف الشباب بعمر(29) فما دون هو (67,9%) والباقي بأعمار مختلفة تتعدى الشباب أي ان الدراسة لم تقتصر على الشباب" ولو ان النسبة الأكبر من المنتحرين هم من الشباب من الجنسين.

لا اعرف هل ان عمر الشباب محدد ب(29) عام فما دون وهل هذا الرقم معتمد عالمياً أم أن هناك عمر شباب لكل بلد؟

*4- ورد: [وتوصلت "يقصد الدراسة" الى ان وسائل الانتحار الأكثر شيوعا كانت هي الشنق (41%) تليها قتل النفس برصاصة (31%)، تليهما الحرق بنسبة (19%)] انتهى

تعليق: ونحن في سياق مناقشة دراسة نُشرت في مجلة علمية عالمية متخصصة فمن الضروري التعامل ما ورد فيها من أرقام بدقة وذِكْرها كما وردت وإن اقتضت الضرورة تقريب بعضها يجب ان يُشار الى ذلك حتى لو كان الكاتب لا يثق بدقة تلك الأرقام حد الكسور العشرية.

اليكم الأرقام التي وردت في الدراسة: "شنق (41%)"بإطلاق الرصاص (31.4%)"الحرق (19.2%).

*5- ورد: [وان (54%) منهم لم تكن لديهم محاولات انتحار سابقة. واشارت الى ان (24%)منهم يعانون اضطرابات متعلقة بالطب النفسي psychiatri  disorders، وان الاضطراب الأكثر شيوعا بينهم هو الاكتئاب بنسبة (54%)، فيما كانت نسبة الانتحار لسبب اقتصادي (12%)] انتهى.

تعليق: لا اعرف من أين جاء الأستاذ الدكتور قاسم ب (54%) بخصوص من ليس لديهم محاولات انتحار سابقة؟  فالرقم الذي ذُكِرَ في الدراسة هو (82.1%) والأرقام الأخرى هي: لديهم اضطرابات نفسية (24.1%) الاضطراب الأكثر شيوعاً (53.9%)، مشكلات مالية (12.4) ؟؟؟؟؟

ملاحظـة: لقد ردت "لجنة الدكاترة" كما ورد في الجزء السابق على مقالة أ.د قاسم حسين صالح .اليكم منه التالي:[أولاً، نشكر الأستاذ قاسم على اهتمامه بالدراسة، ووصفه إياها بأنها "جهد علمي كبير" وقوله أنها امتازت "بالمنهجية العلمية العالية والدقة في تحليل البيانات الإحصائية" وعلى ترجمته وتقديمه للقراء جزءاً من ملخص البحث، نود هنا ان نشير الى خطأ في الترجمة التي ذكرت الرقم647 على أنه يمثل عدد حالات الانتحار في العام 2015 في حين ان هذا الرقم يشمل عامي الدراسة، نحن لا نعلم ان كان المقال مبنياً على هذا الملخص أو على النص الكامل للبحث والذي ارسلناه الى الأستاذ كاتب المقال قبل مدة من كتابة المقال أو قراءة معمقة لهذا النص الكامل كما يُفترض، ولدينا عدة أسباب لهذا التساؤل: أولاً ،أن جميع الاقتباسات التي ذكرها المقال مبنية على الملخص ،ثانياً وقع المقال في أخطاء جسيمة يندر الوقوع بها في حالة قراءة النص الكامل أو قراءته بتمعن] انتهى

هذا يعني ان "لجنة الدكاترة" كانت قد أرسلت ملخص الدراسة للدكتور قاسم ثم أرسلت له أصل الدراسة قبل فترة من تاريخ نشره الرد عليها أي قبل يوم 08/01/2018 وإن الخطأ في الرقم(647) تقع على مسؤولية أ. د قاسم حسين صالح ...علماً ان رد "لجنة الدكاترة" هذا نُشر بعد ثلاثة أشهر تقريباً من نشر دكتور قاسم رده أي في 03/03/2018.والمستغرب هو ان أ. د قاسم حسين صالح كما يبدو لم يُجِبْ على أسئلة اللجنة و لم يصحح الخطأ حيث فوت فرصة الثلاثة اشهر تقريباً قبل رد "لجنة الدكاترة" ليعيد تدقيق الرد علماً أن ذلك كما اعتقد ضروري وبالذات عندما كتب انه سيقوم بترجمة الرد و نشره في المجلات العلمية العالمية و لم يستغل فرصة رد "لجنة الدكاترة" على رده و لم يستغل كل تلك الفترة الممتدة من 08/01/2018 لغاية نشر الجزء الأول من هذه المناقشة التي هذا الجزء الثاني منها، أي حتى يوم 13/05/2019 أي بعد مرور سنة وثلاثة اشهر تقريباً ليقوم بواجب التصحيح لتلك الأخطاء غير المسبوقة وهي أخطاء كبيرة، تصحيحها و الاعتذار عنها واجب يتقدم على كل شيء، والاعتذار يكون الى لجنة الدراسة و الى القراء و المواقع التي نشرت ذلك الرد و هذا شأن المتميزين و العلماء وهو منهم. وللعلم لقد تابعتُ رد أ. د قاسم في: (المثقف) وفي (الحوار المتمدن) لغاية اليوم 14/05/2019 وكذلك رد "لجنة الدكاترة" في "الحوار المتمدن" حتى نفس التاريخ، عسى ان أجد في حقل التعليقات على تلك المقالات ما يشير الى التصحيح او الاعتذار فلم أجد شيء وهذا ما دفعني لطرح موضوع التصحيح هنا...واعتقد ان عدم تصحيح الخطأ غير مقبول علمياً/اجتماعياً حيث ان التصحيح والاعتذار عن ذلك واجب والباب لا يزال مفتوح لذلك التصحيح وذلك الاعتذار حتى ولو بكتابة تعليق في حقل التعليقات على تلك المقالات. علماً أنه ورد في رد اللجنة انها أرسلت ردها هذا الى الصحيفة الذي نشر فيها أ. د قاسم حسين صالح رده على الدراسة حيث ورد التالي: [نود أن نوضح أن هذا الرد قد أرسل إلى صحيفة (!!!!!) ووُعدنا بنشره، ولكن بعد عدة أسابيع من الوعود، ثم تحاشي الإجابة عن تساؤلاتنا بشأن موعد النشر، حتى وصلنا إلى قناعة بأن الصحيفة لا تريد نشر الرد لسبب لا نعلمه وبشكل يتنافى مع حرية الرد التي كنّا نتمنى أن تكون مبدأ يحترم في جميع الأحوال] انتهى.

7- كتب أ.د قاسم حسين صالح وتحت عنوان فرعي هو: "ظاهرة الانتحار...أكبر من ان تستوعبها دراسة"

الى اللقاء في الجزء التالي الذي يبدأ ب". كتب أ.د قاسم حسين صالح وتحت عنوان فرعي هو:"ظاهرة الانتحار.أكبر من ان تستوعبها دراسة".

 

عبد الرضا حمد جاسم

 

محمد فتحي عبدالعاللقد حملت الرسالة المحمدية اطيافا شتي من نور العلم والمعرفة حلقت بالامة الاسلامية في ميادين تعددت ما بين التربية وعلوم الدين واللغات والحكمة والعلوم التجريبية والاجتماعية والانسانية وهذة هي معجزة النبي صلي الله عليه وسلم الحقيقة وليست أميته فأمية النبي كانت وقتية قبل الرسالة والي مرحلة معينة من حياته بعدها تعلم النبي صلي الله عليه وسلم القراءة والكتابة وَرُوِيَ عَنِ الشَّعْبِيِّ أَنَّهُ قَالَ: مَا مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى كَتَبَ. وَقَدْ ذَهَبَ إِلَى ذَلِكَ جَمَاعَةٌ، مِنْهُمْ أَبُو ذَرٍّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ الْهَرَوِيُّ، وَالْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ الْبَاجِيُّ وَغَيْرُهُمَ . ان الدفع بأمية النبي صلي الله عليه وسلم للتدليل علي اعجاز رسالته هو أمر يعافه العقل فهل يا تري كانت أمية النبي مؤثرة الي هذه الدرجة في صد الاتهامات عنه أثناء حياته وبعد مماته ؟! الاجابة بالطبع لا ...فمسألة أمية النبي لم ترتقي في أي مرحلة من مراحل الدعوة لتكون الاساس الذي يبني عليه حديثوا العهد بالاسلام ثقتهم بالدين الجديد وفي الوقت نفسه لتكون حائط الصد ضد هجمات العرب الجاهليين بأقتباس نصوص القران من أهل الكتاب المنتشرين بمكة والسبب وببساطة أن الاقتباس لا يحتاج الي لغة فيكفي الاستماع الشفهي ليحدث الاقتباس خاصة وأن ما حمله القصص القراني من شخصيات ووقائع كان متداولا في مكة من خلال القصص الشعبي الذي كان يطلق في مسامر وأندية قريش للعظة والأعتبار والتسلية والذي يمكن أن نطلق عليه أساطير الاولين فالمجتمع الجاهلي كان علي قدر كبير من الأنفتاح واستخدام وسائل الاتصال التي توفرت له عبر التجارة فالمجتمع الجاهلي -ونعني بالجاهلية هنا البعد عن معرفة الله ووحدانيته وليس غياب الاسس الحضارية والقيمية -قد شهد رحلات منتظمة في الشتاء الي بلاد اليمن والصيف الي الشام وهو ما مثل فرصة كبيرة لاكتساب المعارف والعلوم والاطلال علي الحضارات المتاخمة وآثارها ومنها القصص الديني ومنمن نسميهم أعمدة أدب الرحلة بصورة بسيطة وتناسب هذه العصور كان النضر بن الحارث وهو أول من نقل الي مكة العزف علي العود ممزوجا بألحان الفرس متزودا في رحلاته الي الشام والعراق وفارس بالعديد من القصص ككليلة ودمنة وأحاديث رستم واسبنديار والعديد من الاساطير التي تحفل بها حضارات هذه البلدان ولم يكن القصص الديني ببعيد عن هذه الاساطير فقد كانت قصة كطوفان نوح عليه السلام حاضرة وبقوة في أساطير مثل جلجامش في شخص الرجل الطيب أوتنابيشتيم الذي أمرته الآلهة بأن يبني سفينة، يحمل عليها بذور كل شيء حي وفي قصة بيروسوس حيث الملك (أكسيسو ثووس) الذي يري الطوفان في منامه فيبني سفينة أضافة لقصص الخلق السامري والبابلي والكنعاني وهي نصوص وأن كانت مكتشفة حديثا الا انه من غير المستبعد أن تكون متناقلة كقصص شعبي علي ألسنة الناس في هذه العهود وقد رسخت لديهم وجود خالق لهذه السماوات والأرض قال تعالي: (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ۚ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ) كما كانت أشارة النابغة الذبياني وهو من شعراء الجاهلية الي النبي سليمان في أحدي قصائده : ( إلاّ سُليمانَ إذ قالَ الإلـهُ لـــهُ  قًــمْ فــي البريَّة فــاحْــدُدْهــا عنِ الفَنَـدِ وخيِّسِ الجنَّ إنّي قد أَذِنْتُ لهمْ  يَبْنون تَــدمـر بـالـصُّـفَّــاحِ والــعَـــمَـــدِ)

مؤشرا هاما علي أنتشار هذه الاخبار في الجاهلية .. كما عرفت قريش العديد من القيم مثل نصرة الضعيف ويظهر هذا بوضوح في واقعة “حلف الفضول”، حيث كانت شكوي أحد التجار ضد العاص بن وائل وقد كانت علي قدر كبير من السطوة والمنعة ولكن ذلك لم يمنع سادة قريش من الاجتماع في دار ابن جدعان والانتصار لحق التاجر ورده اليه وقد حضره النبي ، وقال عنه لاحقاً، "لقد شهدت مع عمومتي حلفاً في دار عبد الله بن جدعان ما أحب أن لي به حمر النعم، ولو دعيت به في الإسلام لأجبت". كما كان للمجتمع العربي دار الندوة والتي كانت بمثابة مجلسا تشريعيا وتنفيذيا في آن واحد حيث كان التشاور واتخاذ القرار وعقد الوية الحرب تتم هناك ... أضافة الي معرفتهم بما يمكن تسميته بالابتعاث الخارجي لتحصيل المعارف والذي مثله طبيب العرب الشهير الحارث بن كلدة الثقفي والذي تعلم الطب في فارس وله محاورة شهيرة مع كسري تمثل المكانة العليا التي وصل اليها وقد كان يداوي الصحابة فيما بعد ومنهم سعد بن أبي وقاص..كما شهد المجتمع العربي الجاهلي طفرة أدبية شعرية جسدها شعراء المعلقات وكذك المكانة التي ارتقاها بعض شعراء العرب من أمثال النابغة الذبياني في بلاط النعمان بن المنذرملك الحيرة .

ومن هذه الأمة كان اصطفاء الله عز وجل للمصطفي صلي الله عليه وسلم ليكون حاملا لرسالته الخاتمة قال تعالي: (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُوْلاً مِنْهم) وقد كان تفسير القرطبي الأسبق في تعريف (الأمي) بنسبة النبي صلي الله عليه وسلم إلي مكة أم القري..

أن اشكالية قريش مع النبي لم تكن ابدا في هذا القصص القراني الذي لم يكن مفاجئا لهم في شخوصه أو محتواه من حيث الاطر الشكلية العامة وبالتالي لم تكن محاولة التيقن من أميته أو الوصول الي أشخاص علي صلة بالنبي من احبار او رهبان أخبروه بهذه القصص كان شغلهم الشاغل .وانما كانت مشكلتهم مع العلم ..أجل العلم الذي استخدمه القران في التدليل علي التوحيد قال تعالي:  ( لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا ۚ فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ) ..أنها معركة العلم والتنوير في كل العصور في تحرير العقل ليصبح مهيمنا وموجها للبشرية في معركتها الأزلية مع الجمود وأن تتخلص البشرية من ربقة عبادة العباد والتوجه الي اله واحد يحيطهم بتعاليمه وينزع عنهم صفات العنصرية والتعصب القبلي البغيض..

لقد كان تعلم النبي للقراءة أمر حتميا استلزمته مهمة شاقة هي تدوين وحفظ القرآن الكريم وهو ما يستلزم متابعة النبي لفريق عمل كبير من كتبة الوحي ما بين ستة وعشرين الي اثنان وأربعين كاتباً. ومن الاحاديث الدالة علي ذلك قول مُعَاوِيَةُ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: كُنْتُ أَكْتُبُ بَيْنَ يَدَيِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه و سلم فَقَالَ: " يَا مُعَاوِيَةُ، أَلْقِ الدَّوَاةَ، وَحَرِّفِ الْقَلَمِ، وَانْصُبِ الْبَاءَ، وَفَرِّقِ السِّينَ، وَلا تُقَوِّرُ الْمِيمَ، وَحَسِّنِ اللَّهَ، وَمِدِّ الرَّحْمَنَ، وَجَوِّدِ الرَّحِيمَ ".و عَنْ أَنَسٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا غُلامٌ مِنْ عِنْدِ النَّبِيِّ صلى الله عليه و سلم يَبْكِي، فَقَالَ: مِمَّ بُكَاؤُكَ؟ قَالَ: ضَرَبَنِي النَّبِيُّ صلى الله عليه و سلم قُلْنَا: لِمَ ذَاكَ؟ قَالَ: مَدَدْتُ الْبَاءَ قَبْلَ السِّينِ " يَعْنِي فِي بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ . أضافة الي أن النبي صلي الله عليه وسلم كان رجل دين ودولة وما يترتب علي ذلك من ارسال الرسائل الي الملوك والامراء واستقبال الردود وابرام المعاهدات وهو ما يستلزم معه ضرورة الالمام بالقراءة والكتابة ومن أدلة ذلك عن عبد الله بن الزبير ، رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم استكتب عبد الله بن أرقم فكان يكتب عبد الله بن أرقم , وكان يجيب عنه الملوك , فبلغ من أمانته أنه كان يأمره أن يكتب إلى بعض الملوك فيكتب ، ثم يأمره أن يكتب ويختم ولا يقرأه - لأمانته عنده - ثم استكتب أيضا زيد بن ثابت فكان يكتب الوحي , ويكتب إلى الملوك أيضا , وكان إذا غاب عبد الله بن أرقم وزيد بن ثابت واحتاج أن يكتب إلى بعض أمراء الأجناد والملوك , أو يكتب لإنسان كتابا يقطعه ، أمر جعفرا أن يكتب ، وقد كتب له عمر وعثمان وكان زيد والمغيرة ومعاوية وخالد بن سعيد بن العاص وغيرهم ممن قد سمي من العرب ".كما ورد في صلح الحديبية أن النبي صلي الله عليه وسلم قد مارس الكتابة بنفسه فعن البراء ، قال: لما صالح رسول الله صلى الله عليه وسلم مشركي قريش كتب بينهم كتابا: " هذا ما صالح عليه محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم " فقالوا: لو علمنا أنك رسول الله لم نقاتلك فقال لعلي: " امحه " فأبى فمحاه رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده وكتب: " هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله " واشترطوا عليه أن يقيموا ثلاثا ولا يدخلوا مكة بسلاح إلا جلبان السلاح قال شعبة: قلت لأبي إسحاق: ما جلبان السلاح ؟ قال: السيف بقرابه أو بما فيه ..ثمة مهمة أخري لا تقل أهمية وهي مسألة النسخ في القرآن بصوره المختلفة والتي كان يصاحبها أعادة ترتيب الايات والسور وهي مهمة اضطلع النبي صلي الله عليه وسلم بالأشراف الكامل عليها .. أما قوله تعالي: ( وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ) فدخول كان علي المضارع تفيد نفي الفعل أو العادة وليس نفي القدرة أو المعرفة وبالتالي فالاية لا تجزم بأمية النبي ولكنها تعني أن النبي لم يكن يباشر كتابة الوحي بنفسه وهذا أمر منطقي اذا وضعناه جنبا الي جنب مع كيفية نزول الوحي علي النبي فعن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، أن الحارث بن هشام رضي الله عنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله كيف يأتيك الوحي؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أحيانًا يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشده علي، فيفصم عني وقد وعيت عنه ما قال، وأحيانًا يتمثل لي الملك رجلًا فيكلمني فأعي ما أقول . والصورة التي يكون عليها النبي حينها كما وصفها أحمد بن حنبل – (كان النبي يتوجع ويعض على شفتيه ويغلق عينيه ، وفي بعض الأوقات كان يهدر مثل الجمل) لذا فأفتراض تدوين النبي للايات بنفسه وهو علي هذه الحالة تبدو مستحيلة والطبيعي هو اتخاذه عدد من كتبة الوحي ..

كان النبي صلي الله عليه وسلم يحض علي العلم فعن أبي هريره رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة) أخرجه مسلم ولذلك لم يكن من المستغرب أن يكون من صور فداء أسري بدر هو تعليم أولاد المسلمين الكتابة .كما كان النبي صلي الله عليه وسلم يبعث ما نسميه اليوم بعوث علمية لتعليم الناس القران وصحيح الدين ومنها بعثة بئر معونة والتي استشهد فيها سبعون صحابيا من قراء القران الكريم كانت مهمتهم تعليم أهل نجد ليقتلوا غيلة وخيانة فضلا علي حرص النبي علي تعليم الصحابة للغات وأمره لزيد بن ثابت بتعلم لغة اليهود ليتسني مكاتباتهم ..كما يشير التراث الصيني الي صلة ما ربطت النبي بالإمبراطور الصيني حيث يقول صاحب كتاب (هوي هوي يوان لاي)- إن الإسلام قد وصل إلى الصين في عام 628م (توفي النبي عام 632 م)، وكان السبب في ذلك أن الإمبراطور جنغ قوان رأى في منامه أن شيخاً معمَّماً يدفع عنه وحشاً مفترساً غريب الشكل، وقد هاجمه ولم يجد مفراً منه، فعندما أصبح. التقى وزراءه، وسألهم عن تعبير الرؤيا، فقال قائل منهم: إن الشيخ المعمّم هو العرب؛ فلديهم القوة والبسطة، والوحش المفترس الغريب الشكل الذي هاجم الإمبراطور هو عنصر عدائيّ أو شخص ثائر في البلاد، فلا يمكن قمعه إلا بقوّة المسلمين، فبعث الإمبراطور سفيراً إلى بلاد العرب، ملتمساً من ملكهم أن يرسل عدة فرق من الجيوش إلى الصين، فبودل ثلاثة آلاف من جنود المسلمين بثلاثة آلاف من جنود الصين، فكان هؤلاء الجنود هم آباء المسلمين في الصين .قد تبدو هذه القصة بها قدر واضح من الأسطورية الا أنّها لا تخلو من حقيقة أن اتصال ما كان بين النبي والصين جعله يذكر الصين في حثه على طلب العلم...

 

د. محمد فتحي عبد العال - كاتب وباحث مصري

 

محمد ابو النواعيرغالبا ما يكون مفهوم السلطة في المجتمعات القديمة، مرادفا لمفهوم (الدولة)، وغالبا ما كان يمثل أيضا تدرجا علويّا في أدبيات المجتمع والقوانين في تلك الأزمان، فقد مثّل في بداياته التاريخية حالة الإلوهية أو الوكالة عن الإله، وكان يندرج في حيز هذا النطاق باقي المفاهيم الكبيرة، والتي كانت تُرَسّخ في مفهوم السلطة حالة تمايز وانعزال و(انفصال) ما بين السلطة وأدواتها ودعائمها المادية والقانونية، وما بين الحالة المجتمعية العامة لعموم الأفراد والجماعات، بل وحتى أن الفئات الموالية للسلطة، والدائرة في فلكها، من عوام الجمهور، لم تخرج عن إطار الحدود والأعراف والقوانين، التي تجعلهم بعيدين عن الانصهار أو الذوبان في مصطلح السلطة وحدوده.

نشأ مفهوم الاجتماع السياسي بشكله الحالي في فترة قريبة نسبيا، فلم يكن هناك تقبل لفكرة: أن يكون كل فرد في المجتمع جزءا من السلطة! لأن الطبقات الاجتماعية التي تكون ممسكة بزمام السلطة أو الإنتاج أو التجارة أو الأمن العسكري، كانت تنظر لنفسها بمستوى طبقي (بايلوجي) أعلى، مقارنة بغيرها من طبقات المجتمع. إلا أن تطور الوعي البشري، وتطور أدوات التعليم، وتسابق النظريات السياسية في طرح نماذج راقية من أنواع الحكم المستقر، مع ظهور بوادر تمدن الإنسان الحديث، قاد إلى الاهتمام بالاجتماع السياسي للمجتمعات الحديثة، حيث يمكن لأي مجموعة البشرية، من خلال اجتماعها السياسي، خارج أطر اجتماعاتها البنيوية الاجتماعية الأخرى (كقرابات الدم والعشيرة والمنطقة والأديولوجيا) أن تخلق حالة تكافل وتضامن،  في الوعي والإرادة والشعور والهدف.

الاجتماع السياسي هنا لا يقتصر على ممارسة التضامن والتعاطف والتواطن بين الأفراد المكونين لمتحد واحد، وإنما هو الفعل المنشئ للحمة وعلاقة قرابة وتعاطف بين الناس. وليس موضوع الاجتماع السياسي الحقيقي إلا تكوّن هذه القرابة النوعية التي تجعل الناس، أفرادا وجماعات، يتجاوزون حالة التفرد الخاصة بهم من خلال بئائات صغيرة كالأسرة أو العشيرة أو الصداقة، والتي تمثل قرابات جزئية طبيعية موروثة، أي غير مختارة وغير مفكر بها، بعكس الاجتماع السياسي الذي يؤسس لما يمكن أن نسميه جماعة وطنية، أو أمة بكل المعاني.

لا يمكن لأي سلطة حديثة أن تكون مقبولة (اجتماعيا)، إلا من خلال اندكاك المجتمع بأدواتها، وممارسة المجتمع لعمليات تكوينها ومتابعتها وصيرورتها المستمرة، لأن المجتمع ببساطة الكيان الجماعي الوحيد، الذي يملك قوة إسناد السلطة أو إضعافها، من خلال شبكة من التفاعلات والعلاقات الدائمة والمستقرة نسبيا بين أفراده، تسمح باستمرار كيان السلطة واستقراره، وتجدده في الزمان والمكان، أو يؤدي إلى ضعفه واضمحلاله واقتصاره على فئة معينة تكون متحكمة فيه وبموارده.

إن علاقة المفهوم المتعلق بتكون السلطة، وبين المجتمع وحراكه المستمر، مرتبطان من خلال حلقة حديثة النشوء، ألا وهي تأسيس المؤسسات الاجتماعية، المكونة للنظام السياسي؛ فتكوّن النظام السياسي، ودوره في توفير الأمن الداخلي والدفاع الخارجي للكيان البشري المكون له، يخلق له أهمية كبيرة لدى المجموعة البشرية، يدفعها دوما لمساندته وتقويته لأنه سيمثل جانب مهم من جوانب حفظ وجودهم، لذا، في المجتمع الذي تكون السلطة فيه نابعة من بنية اجتماعية ساندة، نرى أن هناك تنظيم ومأسسة مستمرة لهذا النظام، بمعنى أنهم لا يتركونه لهوى الأفراد أو نزعاتهم التلقائية.

لقد قام التأسيس الحديث لمفهوم الدولة على مبدأ أنها تمثل كيان سياسي- قانوني؛ وهو ينطوي على حقيقة أن هذا الكيان هو بناء أو هيكل ل "قوة" ، تحكمها مجموعة من القواعد المقننة. ويتجسد هذا الهيكل في جهاز بيروقراطي، مدني – عسكري – امني، وتعني قواعده المقننة أن له صفات تتجاوز شخصانية الأفراد المتحكمين بإدارته من ناحية، وشخصانية الأفراد الذين يتعامل معهم هذا الجهاز من ناحية أخرى. فهناك تقنين لحقوق من يديرون جهاز الدولة وواجباتهم، وتقنين لحقوق من يتعامل معهم جهاز الدولة وواجباتهم (المواطنون أو الرعايا).

إلا أن التنظير المعاصر لمفهوم السلطة لم يكتفي بما سبق، فالاقتصار على هذا الإطار في التعاطي مع مفهوم السلطة، دون الرجوع إلى ضرورة توافر عنصر الاجتماع السياسي فيها، يقودنا إلى التأسيس لكيان منقوص في أدوات استقراره وتفاعله، وبالتالي، كيان قد يتحول بمرور الزمن إلى كتلة استبدادية، واسعة في مضامينها السلطوية القسرية، ومحدودة في تمثيلها المجتمعي، أي يقود كل ذلك إلى انفصال واضح ومهم بين البناء السلطوي، والبناء المجتمعي، خاصة وأن الدولة المعاصرة قائمة على سلطة مشتركة، يمثل قسمها الأول هيكلها القانوني البيروقراطي العسكري، وقسمها الثاني ذاتها الاجتماعية المتفاعلة بشكل أساسي في تكوين نظامها السياسي، والمتفاعلة  مع مفردات (أومخرجات) السلطة القانونية والإدارية والأمنية والاقتصادية لها.

 

محمد أبو النواعير

دكتوراه في النظرية السياسية- المدرسة السلوكية الأمريكية المعاصرة في السياسة.

 

مصطفى غلمانتكاد نظرية المركز والهامش تستحوذ على جزء كبير من صراع قوى الإنتاج وتأثيره على أنساق العلاقات الدولية، بما في ذلك تلك القوى المهيمنة على القرارات الجيوسياسية، التي تفرض نمطا تبعيا مغلقا بغرض السيطرة على طموحات الهامش والحد من مستوى تطوره ونموه، بما يناسب مصالح ومستقبل المركز. .

وكما هو معلوم فوحدة النظام لا تنفي التناقض والتباين داخله، كما يؤكد ذلك كريستيان باولو في كتابه " الاقتصاد الرأسمالي العالمي".

وتتقوى نزعة تغول واستقواء المركز كلما استعار الهامش منفذا للعبور إلى قضايا المصير الذاتي واستقلال القرارات وما يترتب عنها من فواعل التنمية والبناء.

ولهذا يمتد المآل الديمقراطي في العملية التي تخلف جملة تجاذبات وجدل مستديم الى عمق مفهوم الدولة وانتظاراتها وأفق فهمها للعمران والتنمية البشرية ومناهج تدبير شؤون الدولة المستقلة اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا وسياسيا.

كما تبقى نظرية المركز والهامش عقدة في منشار الأنموذج التنموي المراد تحقيقه واستنفاذه، على اعتبار مستوى طرح الإشكالات الكبرى التي تحول دون قضم علامات التشابك والاحتدام بين الاطارين النقيضين، اللذان ينهلان من نفس قاموس الاستعمار الكلاسيكي، الذي صاغت تركته مناهج الثقافة الكولونيالية " فرق تسد" و"المغرب النافع وغير النافع" و" الظهير البربري"، جملة من الترسبات والانتقالات المعطوبة، حالت دون تفكيك بواعث ما بعد الكولونيالية، حول تأثير الاستعمار الجديد المعاصر، ما يؤكد تواصل فعله كعامل مركزيّ في بلورة وتصميم الوعي الحديث، حتى بعد انهيار الدول الاستعمارية الكلاسيكية.

المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد تنبه في كتابه " الثقافة والامبريالية" في إطار تنوير الاستشراق للقارئ بنقد العلوم والأفعال الإمبراطورية، إلى أمر خطير، يتعلق بالعلاقة المتآمرة التي تجمع الإمبريالية المهيمنة بالثقافة خاصة إبان الاستعمار الفرنسي والبريطاني في القرن التاسع عشر. حيث تصبح الثقافة فن المؤسسات الإمبراطورية التي تهندس تركيب المشاعر وتمنح المستعمر شعرية كبرى للهيمنة والاستعباد. بل تجعل من وجودها التعليلي في إطار وصايتها وتعاليها النمطي جزءا من رهانها على تقليص الحاجز النفسي والثقافي ضمن مخططاتها، على اعتبار إيجاد رؤية تفسر كيف تستعمل الثقافة كبنية فعّالة للاستحواذ والتعصب والأسبقية العرقية والقياس النظري للاقتدار والسمو العقلاني.

إن ترسيخ مفهوم الهامش وقيادة المركز ليس تدليلا اغترابيا عن فعل خارج بدلات التنظير الافتراضي الذي تدعمه مشكلات الوعي الاجتماعي وانغلاق المجتمع وتحلحل بنيات الفكر العربي ما بعد مرحلة تكوين العقل ونقده. بل هو تجسيد لمرحلة تشاكلت فيها جوانب تحليل ظاهرة تهيكل الخطاب الرسمي، أي خطاب أيديولوجيا المركز، وتجاوز سؤال الهوية، إلى تأثير ذلك على وحدة المصير الثقافي وتعدد قواسمه والمشترك التاريخي والمعرفي والإنساني، فكانت بذلك مركزية الكيان الثقافي للاستعمار ممثلة في الحفاظ على مصالحه الاستراتيجية، إن على مستوى ترسيخ حجم التعامل الفرنكفوني في قطاعات تقع في صلب الاستقلالية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، أو على مستوى التقاطعات السياسية والديبلوماسية وصناعة القرار.

في حين ظلت النزعة الذاتية للهامش تتصرف كمركز ثقافي وتاريخي آخر من خارج دائرة الدولة ومحيطها. فلا هي مركزية مركبة تعترف بمحصول الواقع المرعب الذي يجرف بالهوية إلى حدود مصطنعة، ولا هي كيان مستقل عن مركز لا زال يغامر بمستقبل ومصير أمة ضحت بالغالي والنفيس لأجل الاستقلال والانتقال إلى مرحلة البناء.

إن دلالة التمركز في بنى الثقافة والتعليم وسياسة الإدارة والاقتصاد والإعلام لا تزال تشكل سؤالا لنزعة استتباعية متحورة، تراهن على إبقاء حالة الشك في بؤرة العقل المغذي لاستمرار وفعاليات الكيانات التقليدية ، ما قبل البورجوازية التي تساوي ما قبل الرأسمالية، والتي تعمد إلى السيطرة المفصلية على كل أجهزة الدولة، والسيطرة على مدخراتها، واستثمار ذلك على جميع الأصعدة، حتى تتمكن بإيعاز من الدولة المستعمرة السابقة من تحويل الموجهات والأساليب الإمبريالية، الثقافية منها واللغوية والفنون والآداب والعلاقات والتراتبيات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية المرعية إلى أسلحة أيديولوجية واستخباراتية فتاكة.

إن خطاب المركزية يواصل تشدده بإزاء وضعيات خاملة للهامش. وإن تراكم نظام المغالبة لواقع تنموي ملئ بالثغرات والنقائص سيقوض العديد من الجهود المبذولة في إطار ما تسعى إلى تحقيقه التشريعات المتراكمة، التي لن يكون آخرها ميثاق اللاتمركز الإداري، الذي يمنح لسلطة والي الجهة دورا محوريا في مجال نقل السلط من المركز إلى الإدارات في الجهات، باعتباره ممثلا للمصالح المركزية، حيث أنيطت له مهام الإشراف على كل المصالح الإدارية للوزارات.

فهل يحق بعد ذلك الترفع عن النظر في مطالب تقليص نفوذ المركزية وتغليب مصالح المواطنين المهمشين عن بدائع الفئوية والنخبوية المتعسفة؟

إن السلوك الديمقراطي والانتقال الديمقراطي لا يحجب قوة الانتظارات التي تتقصدها سنن التغيير وطفرات العصر، ففي نماذج الدول النامية ألأفريقية والآسيوية الناهضة خير مثال على نجاعة وقوة الرهانات التي تخوضها الشعوب المستقلة لأجل نهضتها وتفوقها. ومن بين تلكم الرهانات تحقيق زيادة سريعة تراكميّة ودائمة عبر فترة من الزمن في الإنتاج والخدمات نتيجة استخدام الجهود العلميّة لتنظيم الأنشطة المشتركة الحكوميّة والشعبية.

أو حسب ما جاء في تعريفها من قبل هيئة الأمم المتحدة: أنّ التنمية هي العمليات التي بمقتضاها تُوجّه الجهود لكلٍّ من الأهالي والحكومة بتحسين الأحوال الاقتصاديّة والاجتماعية والثقافية في المجتمعات المحليّة؛ لمساعدتها على الاندماج في حياة الأمم والإسهام في تقدّمها بأفضل ما يمكن.

فـــهل نـتعــظ؟!

 

د. مصــطفى غَــلْمَـان*

 

محمود محمد علينعود ونستكمل حديثنا عن مكانة دافني في تاريخ العلم، وننتقل للسبب الخامس، والذي مفاده أن كثيراً من مقولات دافنشى تتناول المنهج العلمي المناسب الصحيح، ولديه الكثير مما يقال عن العلاقة بين العقل والتجربة، وما قاله جعلنا نراه سابقاً لفرنسيس بيكون في المنهج الاستقرائي. وكأن هذه الطريقة تقترب إلى حد ما من الطريقة التي استخدمها علماء القرن السابع. من هذه المقولات والتى أوردناها سالفاً: " لا العقل وحده ولا التجربة وحدها تكفى، فالذين يفتنون بالممارسة على حساب العلم كصاحب السفينة التي يقودها بدون شراع أو بوصلة ولا يعرف من أين يذهب . من هذه الناحية نجد أن التفكير المجرد لا جدوى منه "؛ " ويقولون أن تلك المعرفة التي تنبثق من الاختبار هي معرفة آلية،وأن المعرفة التي تتولد في العقل وتنتهي إليه هي معرفة علمية . على أنه يبدو لي أن تلك العلوم التي لا تتولد من التجربة _ وهى أم كل يقين – والتي لا تنتهى فى الملاحظة – أي فى تلك العلوم التي لا تمر في منبعها أو فى سياقها المتوسط أو نهايتها بإحدى الحواس الخمس هى علوم باطلة ومليئة بالأخطاء.

غير أن دافنشى لم يشغل نفسه بتعريف المصطلحات الأساسية مثل " اليقين" و"التجربة" و" الحقيقة " و"العقل". وبالتالي أطلق الأحكام على عواهنها. من تلك الأحكام " اليقين يعتمد على التجربة " مع أن العلم كما يقول " راندال" ليس هناك يقين في عدم وجود مبادئ العلوم الرياضية، ولا عندما ينفصل الموضوع عن الرياضيات .

السبب السادس: إن إجادة دافنشى الثنائية للعلم والفن لم تكن فريدة من نوعها، فقد كانت تلك الثنائية عميقة الانتشار فى عصر النهضة باعتبارها تبدياً مزدوجاً لاهتمامها التوكيدى للعالم، رداً على الأخروية التقليدية لثقافة العصر الوسيط. ولم يكن مشهد عصر النهضة الأسبق زاخراً فقط بأمثلة على الفنانين – العلماء على نطاق محدود؛ بل إن التجوال المرن المتواتر بين الوسائط المختلفة كان هو ذاته جزءً لا يتجزأ من المثل الأعلى الشخصي لثقافة عصر النهضة ألا وهو الإنسان الشامل. وقد اقتسم دافنشى فخره البارز بمواهبه المتعددة مع كل شخصية مبدعة تقريباً فى عصر النهضة .

والأهم فى تقديري هو مواجهة السؤال الذي فرض نفسه فى البداية، ولا بد أن يفرض نفسه في النهاية؛ أعنى السؤال الذي يرتبط بأسباب تراكم النسيان على بحوث ليوناردو دافنشى العلمية بالقياس إلى بحوث جاليليو على سبيل المثال؟

أحسب أن الإجابة أصبحت الآن واضحة من حيث ارتباطها بدرجة الثورة الجذرية التى لم تصل إليها أعمال دافنشى بالقياس إلى جاليليو، حين اكتشف جاليليو قانون تذبذب قانون الأجسام وقانون الأجسام الساقطة ووضع أسس قانون القصور الذاتي، واكتشف البقع الشمسية وقوانين المد والجذر، واكتشف بعض التوابع غير المعروفة للقدماء، واخترع التلسكوب، وقضى حياته يدافع عن نظرية " كوبرنيقوس" فى دوران الأرض حول الشمس، ولقي في ذلك عنتاً شديداً أمام محاكم التفتيش .

وعلى أية حال نحن لا ننكر أن بحوث دافنشى التجريبية فيها من الايجابيات ما يذكر لها بالقطع، ولكننا إذا وضعناها تحت مجهر الابستمولوجيا المعاصرة، وخاصة ابستمولوجيا " جاستون باشلار" القائمة على فكرة القطيعة الابستمولوجية، نجد أنها لا تستطيع أن تخلف لنا الأثر الجذري الذي تركته أعمال جاليليو، ولذلك ظلت بحوثه التجريبية بعيدة عن خلق قطيعة ابستمولوجية كتلك التي أحدثها كتاب " محاورات حول النظامين الرئيسيين: البطليموسى والكوبرنيقوس، أو كتاب أبحاث وإيضاحات رياضية فيما يتعلق بعلمين جديدين ينتميان إلى الميكانيكا لجاليليو.

وخلاصة القول أن دافنشى قد أخذ من كل ملاحظات وتجارب السابقين عليه بطرف، واهتم بالرجوع إلى الطبيعة اهتماماً خاصاً، ولكنه ظل في المنطقة الهادئة من الفكر والإبداع، تلك المنطقة التي لا تعرف الحدية في رفض القديم، أو الجذرية في التجديد، فكان نموذجا للوسطية التي لا تثير العواصف ولا تهيج البراكين ولا تتحول إلى زلزال، وإنما تمضى في يسر إلى هدفها الذي يكمل مهمة غيرها .

لقد كانت اكتشافات أو تجليات دافنشى العلمية كنجمة فى تاريخ العلم الحديث لمعت فجأة واختفت؛ وذلك لأنها لم تحول مجرى التفكير العلمى في العصور الوسطى، ولم تحدث تلك النقلة الكيفية فى أدوات البحث عبر تاريخ العلم الحديث، وإن استخدم وسائل وفرضيات علمية تناسب حركة الحياة فى عصره.

ولقد أدرك "راندال" ذلك حين أراد أن يكشف عن مكانة دافنشى فى ظهور العلم الحديث، وقد خلص راندال بعد إطلاعاته واستقصاءاته فى بحوث دافنشى التجريبية، إلى أنه ما من فكرة طرحها دافنشى وتوهم بعض المفكرين والمؤرخين أنه مبتكرها، إلا وكانت معـروفة لـدى الجامعات الإيطـالية فى القرن الخامس عشر.

والأكثر من ذلك كما ذهب راندال، هو أن جماعة من الباحثين قد بينوا أن هناك فرقاً كبيراً بين نظرية الحركة التى أبرزها دافنشى في بحوثه، وبين علم الديناميكا الذى تمكن جاليليو من ترسيخه عام 1632. نعم قد تكون هناك صلة بين فكرة أو نظرية طرحها دافنشى، ونعلم الآن أنه لم يكن هو مبتكرها، وبين علم راسخ تم تأسيسه بعد قرنين من الزمان مثلاً . ولكن يجب ألا يغيب عن بالنا أن جملة التحليلات التي طرأت على الفكرة أو النظرية فى بداية أمرها وعبر مسيرتها الطويلة، قد باعدت بين الفكرة فى سابق أمرها ولاحقه، حتى ليصعب تصور علاقة بينهما .

وبذلك لم يكن راندال جائراً على دافنشى حين قال عنه أنه لم يكن عبقرياً أو عالماً، بمعنى أنه أتى بنظرية علمية أو أبتكر شيئاً لم يكن قائماً في عصره، والسبب في ذلك يرجع إلى أنه كان يهتم بقضية أو مسألة ما من غير أن يظهر ميلاً إلى تأسيس بناء منظم لمعرفة دقيقة. ولعل موهبته الفنية التى ترتكز على التفاصيل والمفردات وكل مال هو عينى وحقيقى، وهى موهبة تتجلى من خلال دقة ملاحظاته، هى التى دفعت به إلى تحليلات ودراسات تفصيلية لجوانب فرعية. وغنى عن الذكر أن الإسهاب فى تحليل جانب أو فى تفصيل الحديث فى ناحية فرعية لا يعنى الإجابة عن المشكلة التى سعينا إلى دراستها ابتداء. فالمشكلة أو الظاهرة العلمية كل معقد، ولا يتم تفسير الكل من خلال جزء أو بضعة أجزاء منه. صحيح أننا كثيرا ما نتناول الأجزاء المفردة بالدراسة والتحليل لأجل أن نصل إلى نظرية عامة. ولا ضير فى ذلك كله متى كان سعينا يؤدى بنا فى نهاية المطاف إلى تحقيق ما كنا سعينا إليه منذ البداية. ولكن لم يكن ذلك حال دافنشى على وجه الخصوص . نعم أننا نلحظ تدرج الفكر عنده من الجزئيات والخصوصيات إلى الكليات والعموميات. ولكنه لم يبلغ مراده قط، أو على الأقل لم يكن ذلك سيره في ذلك الطريق ليوصله إلى نتائج يمكننا اعتبارها علماً بالمـعنى الصحيح لكلـمة علـم.

ويستطرد "راندال" فيقول: "ولكن إذا لم تكن لدافنشى مكانة أو إسهام في ظهور العلم الحديث، باعتبار أنه لم يؤسس نظرية علمية هامة كتلك التي جاء بها جاليليو فإن الإنصاف يقتضى على الأقل أن نفرد له مكانة هامة في ظهور معرفتنا لتاريخ العالم الحديث، وذلك لكونه على حد تعبير راندال يمثل العدسة المجمعة التي عملت على استقطاب تيارات فكرية عديدة كانت متأججة في بداية عصر النهضة، وكان من فرط تأثره بما يدور حوله أن تمكن من تقديم كتاباته مصورة على أوضح ما تكون عليه صوره لجملة المذاهب والنشاطات الفكرية التى برز العلم الحديث من بين ثناياها " .

هذا هو التفسير الابستمولوجى لأسباب تراكم النسيان على بحوث دافنشي العلمية، وهو أنه لم يتخلص كلية من فكر السابقين عليه في منهجه التجريبي، وبالتالي لم يحقق التغير الجذري كما حققه العلماء اللاحقون عليه والأخص جاليليو . وبالتالي لم تبرح بحوثه العلمية أرض التاريخ الحديث للعلم لتحدث قطيعة أو ثورة على القديم كله كما فعل اكتشاف قوة البخار أو المحرك الآلي في العصر الحديث.

وثمة نقطة أخرى جديرة بالإشارة، وهى أننا إذا كنا قد عرضنا لأسباب هذا التراكم على بحوث دافنشى العلمية، من خلال النظرة الداخلية للعلم، فلابد لنا من أن نعرض لأسباب هذا التراكم من خلال النظرة الخارجية للعلم – أعنى العوامل الاجتماعية، خاصة وأن العلم كما يذكر الدكتور " فؤاد زكريا" :" ليس ظاهرة منفردة تنمو بقدرتها الذاتية وتسير بقوة دفعها الخاصة، وتخضع لمنطقها الداخلي البحت، بل إن تفاعل العلم مع المجتمع حقيقة لا ينكرها أحد، فحتى أشد مؤرخي العلم ميلاً إلى التفسير الفردي أو الداخلي لتطور لا يستطيعون أن ينكروا وجود تأثير متبادل بين العلم وبين أوضاع  المجتمع الذى ظهر فيه، حتى ليكاد يصبح القول بأن كل مجتمع ينال من العلم بقدر ما يريد .

وتاريخ العلم يقدم أمثلة كثيرة تثبت أن المجتمع حدد بقدر معقول من الدقة نوع العلم الذى يحتاج إليه، وهذا لا يتنافى على الإطلاق مع تأكيد أهمية العبقرية الفردية للعالم ودوره الأساسي فى الكشف العلمى، فلا أحد يزعم أن العالم مجرد أداة يستعين بها المجتمع لتلبية حاجاته، وأن الكشوف العلمية يمكن أن تتم على أيدي أناس ممن تتوافر لديهم عبقرية كبيرة، ما دامت تظهر فى المجتمع المناسب، بل إن هذه أحكام باطلة تبخس العالم حقه، وتصوره كما لو كان وسيلة فى أيدى قوة غيبية تتحكم فيه تحكما تاما، حتى لو كان المرء يطلق على هذه القوة الغيبية اسما يبدو فى ظاهره علميا وهو حاجة المجتمع.

وحقيقة الأمر، هى أن الكشف العلمي يحتاج إلى تضافر العاملين معا – حاجة اجتماعية وعبقرية ذهنية، وكل ما فى الأمر أنه عندما تتوافر الحاجة الاجتماعية لا يكون من الصعب ظهور العبقرية الذهنية . ذلك لأن أفراد البشرية الذين يعدون بالملايين لا يخلون فى كل عصر من عباقرة. ولكن من المهم أن يأتي العبقري فى وقته وفى أوانه، وأن يلبى حاجات عصره .

ومن المؤكد أن دافنشى كان عبقرية ظهرت فى غير أوانها ؛ أعنى فى وقت لم يكن المجتمع الإيطالى في عصره مهيأ لقبول كشوفه وبالذات التى فيها نظرة مستقبلية، فكانت النتيجة أن لمعت عبقريته فجأة، ثم انطفأت كالشهاب البارق دون أن يترك وراءه تأثيرا باقيا فيها. فها هو ذا مؤرخ الفن الإيطالى " إدموندو سلمى" يقول : " لقد بدت بحوث دافنشى العلمية غربية فى نظر مجتمعه، مما جعل يدا مجهولة لرجل من رجال القرن السادس عشر تكتب على هامش موسوعة ليوناردو دافنشى أعمال مجانين، ولم يكن " فازارى" (أحد مؤرخي الفن فى القرن السادس عشر) بعد مرور نصف قرن من الكتابة عن ليوناردو دافنشى يجد كلمة مناسبة يصف بها أعماله العلمية سوى كلمة أعمال مجانين وأمزجة وأهواء .

ويمكن أن نفسر سوء فهم الناس لبحوث دافنشى العلمية فى عصره على حد تعبير "كروا ذر" إلى أنه كان يكتب هذه البحوث بطريقة عكسية، كما تبدو الكتابة فى المرآة، لأنه كان أعسر يكتب من اليمين إلى الشمال، ويحتاج من يقرأ  بحوثه إلى تمرين، بل قد يكون من الصعب أحيانا حل شفرتها وفك رموزها حتى بمساعدة مرآه .

ولم يكن السبب فى ذلك إلى أنه كان عليه أن يخفى أفكاره عن أي شرطة دنيوية أو عن أي رقابة كنسية. فلم تكن سلطة البابوية تمتد إلى الدول – المدن الإيطالية الفخورة مثل فلورنسا أو ميلانو، حيث عاش وعمل. كذلك لم تكن الكنيسة المعاصرة ولا الحكام الإقليميون مثل لودفيكو سفورزا – دوق ميلان غير متعاطفين مع بحثه على الإطلاق. كان تكتم دافنشى خاصاً بطريقة عمل ذهنه: ففي تدوينه لملاحظاته كان يتواصل مع نفسه، ولم يرد لأي شخص أن ينظر من فوق كتفه . كانت ملاحظاته انعكاسات ذهنية مكثفة بصورة غير عادية، وكان لابد أن تنأى عن الضوء العام .

وعلاوة على ذلك كانت بحوثه غير مسلسلة، ولم تكن معدة للنشر، وكثيراً ما كان يدون آراءه فى موضوعات غير الموضوع الذى يكتب فيه، وفى نفس الصحيفة مما يربك القارئ، وهو يعتذر عن ذلك حيث ينقل عنه " كرواذر" قوله:" ستكون هذه مجموعة غير مرتبة، مكونة من صفحات كثيرة، وإني آمل أن عيد كتابتها مرتبة حسب الموضوعات التى تعالجها، وإني اعتقد قبل أن أنتهي من كتابة هذه المذكرات، أنى سأكرر الشئ الواحد عدة مرات، ولذلك أرجو ألا يلومني القارئ، لأن الموضوعات كثيرة والأفكار تأتيني، فأضطر لكتابتها والذاكرة لا تستطيع أن تعيها .

ويعلق مؤرخ العلم الشهير"كرواذر" على ذلك فيقول "يدل هذا القول على أنه كان يود أن لا يجعلها صعبة وغامضة. وكثيراً ما كان شرحه غير واضح، وكانت النتائج التي يصل إليها تأتى بمعلومات جديدة لا يجد لها اسماً" .

ومن ناحية أخرى، فقد كانت صعوبة إتمام أي بحث علمي فى عصر دافنشى أشد مما في العصور التي تلت، لأن تطور الأسلوب العلمي كان لا يزال ناقصاً، كما كانت لا توجد فى عصره جمعيات أو معامل علمية. يمكن أن تطبق أو تجرى فيها التجارب، ولم تنشأ تلك المعامل للبحوث إلا بعد إنشاء المصانع، ولو كان هناك علماء للبحوث العلمية المنتظمة الذين تعلموا النظام من المصانع لعاونوه على إتمام بحوثه، وكان في وسعه أن يعبر عن قوانين الميكانيكا بأسلوب عصري تام، لكنه لم يستطع ذلك لأن تنظيم العمل، ومن ثم الفكر لم يتقدم كثيرا فى معمل الفنان والصانع الماهر فى عصرة .

وفى دعوة دافنشى إلى تطبيق العلم الرياضي على الأبحاث الطبيعية، كان هناك عاملاً اجتماعياً واقتصادياً وراء ذلك؛  فقد كان ظهور طبقة التجار فى عصر النهضة الأوربية، وإزدهارهذه الطبقة فى المدن الأوربية على حساب طبقة النبلاء الإقطاعيين، باعثاً للحاجة إلى تطبيق الحسابات الرياضية على المعاملات النقدية التي كان يقوم بها هؤلاء التجار. ذلك لأن إدارة الأعمال التجارية تقتضى معرفة واسعة بالعد والحساب، وتحتاج من رجل الأعمال إلى نظرة تجريدية صارمة، بدونها لا يكون ناجحاً فى أعماله. وحين يشيع التعامل بالنقود ويتغلغل فى حياة الناس اليومية، ويحل محل المقايضة بالسلع، يكون معنى ذلك مزيدا من التجريد، إذ أن النقود أشبه بالرموز الرياضية، من حيث أنها لا تعنى فى ذاتها شيئاً. بل إنها تكتسب معناها كله مما يستعاض به عنها في التعامل النقدي.وهكذا اكتسبت الأعمال التجارية صبغة مجردة بفضل انتشار المعاملات المالية، واستخدام الكميات والمقادير النظرية الخالصة في حسابات التجار.

ومن خلال ذلك كان العلم في عصر دافنشى يسير فى اتجاه مماثل، حيث يرمى إلى الاهتمام بالعلاقات الرياضية بين الأشياء، لا الصفات النوعية أو الكيفية الكامنة فيها. لذلك لا نتعجب حين نجد دافنشى يدعو إلى اتخاذ الدقة الرياضية والتجريد الكامل مثلا أعلى يهدف إلى تحقيقه فى كل بحث فى الطبيعة.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

قاسم حسين صالحمداخلة هيفاء الأمين مثالا

لا يعنيني هنا المواقف السياسية والتفسيرات والتأويلات (مع او ضد) ما جاء في مداخلة النائب السيدة هيفاء الأمين في بيروت التي تحدث عنها الاعلاميون وجمهور الفيسبوك وجعلوا منها قضية اكبر من حجمها بكثير، انما دراسة سيكولوجيا الاعتذار عند العراقيين وعلاقتها بطبيعة الشخصية العراقية.. في تساؤلين: هل ان العراقيين هم اصعب خلق الله؟، وهل ان التسامح يصعب على الشخصية العراقية لعقد نفسية تتحكم بها؟.. وتساؤل ثالث له علاقة:

ما الموقف الأفضل للسيدة هيفاء الأمين: اعتذارها بقولها (خانني التعبير)، ام التوضيح والدفاع عن مضمون مداخلتها؟

تمعن في تاريخ شعوب العالم فانك لن تجد أصعب من العراقيين في علاقتهم بالسلطة او بمن يمثلها. فتاريخهم يحدثنا بأنهم أكثر الشعوب قياما بالثورات والانتفاضات.واللافت أن جوهر المسألة لا يتعلق فقط، بظلم السلطات التي حكمتهم، بل بطبيعتهم الشخصية ايضا.. ولهذا كان الخلفاء الراشدون أول الحكّام في التاريخ الاسلامي الذين فهموا سيكولوجية العراقي فكانوا يراعون العراقيين في التعامل ويأخذون اعتراضاتهم مأخذ الجد.

ومشكلة السياسي العراقي أنه مصاب بـ(تضخّم الأنا) وحب الشهرة.. بمعنى أنه يرى نفسه الأجدر والأحق بالقيادة. وما لا يدركه كثيرون انه ينجم عن هذه العلّة أمراض سلوكية أخطرها (العناد العصابي).. وتعني الأصرار على الموقف حتى لو كان خاطئا، بطريقة يبدو فيها للآخرين محيّرا، وخالقا لأزمات تحدث فوضى فكرية يختلط فيها خطأ وصواب أطراف الأزمة.. وأحداث  ما بعد 2003 تثبت ذلك.

والعراقيون عموما مصابون بعقدة الخلاف مع الآخر والبعد عن الاتفاق فيما بينهم، حتى في القضايا التي تهدد حياتهم بالخطر لدرجة أنهم ما اتفقوا على واحد من بينهم يكون ملكا عليهم فاستوردوا لهم ملكا يحكمهم.ويندر أنهم حلّوا خلافاتهم بالتفاهم فكانوا أول من قام بانقلاب عسكري في المنطقة(1936).. وأبشع من قتلوا ملوكهم ومثلّوا بجثثهم، ثم صاروا يترحمون عليهم. وأنهم ما اتفقوا حتى على عبد الكريم قاسم الذي قتلوه ولم يجدوا بجيبه ما يساوي دينارا.

وعقدة ثالثة في الشخصية العراقية انها من نوع (اما.. أو) وهذا النوع من الشخصية يضعك بين خياريين، كليهما لصالحه ويشترط مسبقا شروطا حادة تقع في اضيق الزوايا واسوأ الأماكن، ويعمد الى اغلاق الحوار ليدفعك اما الى القبول برأيه.. او أن يدبّر لك مكيدة فكرية، اجتماعية، سياسية.

لتلك الأسباب، لتلك العقد.. فأن ما حصل من ردود فعل سلبية  ضد مداخلة السيدة هيفاء الأمين كان متوقعا، سيما وانها شيوعية، وامرأة في مجتمع عشائري، وعضوة برلمان تطالب بما يتعارض مع مصالح احزاب اسلامية تنفرد بالسلطة والثروة.. وحكّام قال عنهم كبيرهم الذي  حكم العراق ثمان سنوات (ان الأحزاب الأسلامية في العراق استطاعت ان تدحر الماركسيين والعلمانيين والحداثويين وان تنتصر عليهم).. مع انه رئيس وزراء ينبغي ان يكون ممثلا لكل العراقيين.

وجوابا على التساؤل: (ما الموقف الأفضل للسيدة هيفاء الأمين:اعتذارها بقولها "خانني التعبير"، ام التوضيح والدفاع عن مضمون مداخلتها؟).

ان الشخصية العراقية تعتبر التسامح هوانا، تساهلا،  ضعفا، استجداءا،  او خوفا، وليس كما يفهمه المتنورون  بأنه  فضيلة، ولا كما تفهمه الأديان والثقافات التي نبّه لها معهد جنيف لحقوق الانسان بان التسامح "قيمة ما خلا منها مذهب او معتقد او دين او ثقافة"، فيما قدّم عراق ما بعد التغيير (انموجا) للمتطرف طائفيا انه يتصيد هفوات وزلات لسان الخصوم فيستثمرها لشن الهجوم ولن يغفرها حتى لو ركع متوسلا.

وكان على السيدة هيفاء ان لا تعتذر بطريقة (خانني التعبير) التي ارادت بها استرضاء هذا الصنف من الخصوم، بل ان توضح بأن تخلّف الجنوب هو حقيقة واقعة من حيث انعدام الخدمات وارتفاع البطالة وزيادة نسبة الفقر، توثقها باحصاءات الجهاز المركزي للأحصاء، وتستشهد بشركات استثمار جاءت للبصرة وأرغمتها العشائر على دفع فصل عشائري، لتعلن ان سبب هذا التخلف هو احزاب الاسلام السياسي التي انفردت بالسلطة والثروة وما جلبت للعراقيين غير الفواجع وخراب وطن يمتلك من الثروات ما يجعل اهله يعيشون برفاهية.. وتستعين بقول المرجعية الذي جاء على لسان الشيخ عبد المهدي الكربلائي (ان انشغال الطبقة السياسية بالنزاعات والتجاذبات والأختلافات على المواقع والمناصب، ادخل البلد في دوامة من عدم الاستقرار والتخلف عن بقية الشعوب.. ).. وبهذا فانها تنقل الخصم من موقف الهجوم الى موقف الدفاع، وتنقل جماهيره، والأخرى المتفرجة، من حالة الشحن الانفعالي (الطائفي) الى حالة التفكير بما حصل له ولأهله والوطن من فواجع وخراب.

ختاما.. نصيحة لكل العراقيين حين يتحدثون للغرباء، ان لا تسيئوا لشعبكم، وتذكّروا ان بلاد ما بين النهرين (ميسوبوتاميا) فيها نشأت حضارات سومر وأكد وبابل وآشور وكلدان، وكان متوقعا للعراق ان يخرج في العام 1989من خانة الدول النامية الى خانة الدول المتقدمة لولا حماقة حاكم ادخله في حرب كارثية، وأنه بما يملك من ثروة وعقول تحتل الآن مواقع متقدمة في مؤسسات وجامعات العالم، ان يستعيد دوره الحضاري لولا ان جاء التغيير(2003) بحكّام اعتبروا العراق غنيمة لهم فتقاسموه وجاءوا بجهلة جعلوا بغداده اسوأ عاصمة للعيش، ووطن الأنبياء والأئمة ثالث افسد دولة في العالم.

ونصيحة خاصة لكوادر الحزب الشيوعي العراقي والعلمانيين عموما، ان ابتعدوا عن الارتجال بالكلام في الاعلام، وأجيدوا حسن اختيار مفرداتكم لاسيما في القضايا الحساسة اجتماعيا وسياسيا، والتصرف بما لا يمكّن خصوم خبثاء من توظيفها جماهيريا لصالحهم. فلقد بلغني ان السيدة الأمين (تجاوزت على مديرات المدارس بسبب لبس الحجاب ووصفتهن بالملايات وتابعات للاحزاب),وأنها قامت (بتصرفات تدل على عدم وعيها ونضجها السياسي.. وكلام غير رصين فيه اساءة للقيم والطقوس الدينية).. فان صدق هذا فان على الحزب الشيوعي العراقي ان يعالج الموقف بشجاعة مبدئية يجّنبه ما تدبره عقول مأزومة تجيد فن التحريض على العنف بخباثة.. ومن يدري فان ما حصل ضد هيفاء الأمين سيخلق منها رمزا نسويا للشجاعة وانموذجا للمرأة العراقية البطلة!

 

أ.د.قاسم حسين صالح

مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية

 

 

محمود محمد عليكان ليوناردو دافنشي أعجوبة عصره ومتقدماً فى فنه عن معاصريه بمراحل كبيرة، فكان مهندساً ومخترعاً للآلات الحربية وبارعاً بعلوم التشريح والطبيعة والموسيقي. بالإضافة إلى أنه كان مثالاً ومصوراً ومهندساً؛ كما كان واحداً من أعظم فناني عصر النهضة الذين اهتموا بحدود المنهج التجريبي، وبقيمة التجربة باعتبارها سبيلاً لا بديل عنه لإدراك حقائق العالم الطبيعي، ومراعاته لضرورة استعمال الرياضيات في البحث في الطبيعة، الشئ الذي أغفله فرنسيس بيكون الإنجليزي، ثم محاولته الوصول إلى نتائج هامة حول مركز الثقل والروافع والقوة والحركة وبعض قوانين الجاذبية، ثم تشريحاته القيمة حول جسم الإنسان .

وهنا نجد أستاذنا الدكتور "زكى نجيب محمود" يقول عنه: " لا أحسب أحد فى تاريخ الفكر كله يلخص عصره تلخيصاً جامعاً مانعاً بقدر ما لخص ليوناردو دافنشى عصره !. وأي عصر !. إنه عصر النهضة الأوربية التي انبعثت فبها الحياة انبعاثا، أوشك ألا يترك نحواً من أنحاء الأرض ولا رجا من أرجاء السماء إلا أرتاده . ولعلك قد سمعت به مصوراً فناناً، فهو صاحب "العشاء الأخير" – صورة رائعة رسمها في أحد أديرة ميلان أثناء مقامه بتلك المدينة فناناً رسمياً لقصر الأمير لودوفيكو سفورتزا، وهو صاحب " الجيوكندا " الموجودة الآن في متحف اللوفر بباريس رسمها وهو في فلورنسا إبان عهد قيصر سيزار بورجيا. ثم لعلك قد سمعت به مهندساً في قوى الماء، وفي ابتكار الآلات لشتى المناسبات. وقد تكون سمعت به أيضاً عالماً في الجيولوجيا والنبات. ولكن القصة التي تروي لك شيئاً من تفصيلات حياته تلك التي كانت كأنها مائة حياة لمائة عظيم اجتمعت كلها في رجل واحد. ستثير فيك العجب ما لا يثيره إلا قلة قليلة من أحداث التاريخ ورجاله

والسؤال الآن : إذا كان ليوناردو دافنشي بهذا الشكل، فلماذا أغفل الباحثون والمؤرخون مكانته في تاريخ العلم الحديث؟.

أتصور أن بداية الإجابة ترتبط بمدى التغير الجذري الذي يمارس به العالم دوره في الحياة العلمية في عصره، ومدى الأثر العميق الذي يحدثه فى مجرى الحياة العلمية التي ينتسب إليها، من حيث قدرته على خلخلة الثوابت الجامدة، وزعزعت الأفكار السائدة، وتأسيس نوع من الانقطاع الابستمولوجى بين المعارف القديمة من جانب، والمعارف الجديدة من جانب آخر، مستهلاً الجديد الجذري الذي يطرح سؤال المستقبل بقوة على العلم، نفياً لتقاليد الأتباع وتأسيساً لقيم الابتداع.

وتتجسد فى حضور هذا النوع من العلماء نقاط التحول الحاسمة في تاريخ العلم، حيث " لا توجد استمرارية فى المناهج المستخدمة في العلم، بقدر ما توجد قطائع واستحداثات لا تنتهى" .

هذا النوع من العلماء يهب على مجتمعه بما يشبه العاصفة الجائحة التى تتغلل فى كل الأركان، فلا تبقى شيئاً على حاله الذى كان عليه، حتى فى دائرة القوى والتيارات المناقضة والمناوئة للتحول والتغير. فحدة العاصفة التجديدية التى تندفع بها رؤية هذا العالم لا تقل عن الاتساع الممتد لتجلياتها والأثر العميق لمتولياتها والتغلغل الناتج لنوافذها، خصوصاً إذا كانت اللحظة التاريخية مهيأة للتغير الجذري، دافعة إليه ومتجسدة فى الرؤية الشاملة للعالم ومـتحققة بها فى الوقت نفسه .

عندئذ يكون الأثر التجديدى لإنجاز هذا العالم شبيها بالزلزال، الذي يحدث تأثيراً جذرياَ فى صميم بنية العلم السائدة، وتكون حدة الاستجابات المتعارضة لهذا الإنجاز التجديدى في تتابعه المتصل أو تصاعده المستمر متوازية مع عمق الأثر الذى يتركه في مجالات كثيرة، تصل بين دوائر عديدة تشمل المجتمع بأسره .

وبقدر عمق الأثر الذي يحدثه هذا الإنجاز من حيث جذريته ونفاذ تأثيره إلى صميم الأنساق والأنظمة والعلاقات في بنية العلم السائدة، يظل هذا العالم حياً في الذاكرة العامة، باقياً كالعنصر المستفز للوعي، مثيراً للأسئلة التي لا يتوقف ما يتولد عنها من أسئلة على امتداد العقود، والتي لا تكف عن وضع هذا العالم موضع المسألة بالقدر الذي لا تكف به عن إعادة قراءة إنجازاته وتأويلها، أو تفسيرها بما يتيح نوعاً جديداً من الأجوبة التى لم تخطر ببال أحد .

وقد كان "جاليليو" على سبيل المثال واحدا ً من هؤلاء العلماء ذوى الحضور العاصف الذي أقام الدنيا ولم يقعدها مرات ومرات، وذلك حين أكد مادية الأجرام السماوية، وقضى على تصور تقسيم الكون إلى العالم الروحاني العلوي والعالم السفلى المادي الفاسد. بل وخرج بنظرية كوبرنيقوس من حيز الرياضيات إلى حيز الوجود الطبيعي، بعد أن ثبتها تجريبياً من خلال تلسكوبه الفلكي الذي اكتشف به عدداً من النجوم وهضاب القمر ووديانه.

كما أهتم جاليليو بالبحث عن العلاقات التى تربط بين الظواهر وترك جانباً البحث عن المبادئ والأسباب الميتافيزيقية التى استحوذت على الفكر القديم، وبذلك أحدث قطيعة معرفية بين الفكر القديم والفكر الجديد، قطيعة لم يعد من الممكن بعدها العودة إلى أساليب التفكير القديمة والتصورات الأرسطية والوسطوية التي كانت تشكل أساس العلم والمعرفة؛ لذلك ظلت اطروحات جاليليو أكثر جذرية وحدية من اطروحات غيره، كما ظلت أعمق تأثيرا وأكثر قدرة على الإثارة.

ولأن هذه الأطروحات شغلت بأسئلة المستقبل، وطرحت على نفسها أسئلة العهد الجديد التى استبدلتها بأسئلة العهد القديم، فإنها ظلت عنصرا تأسيسياً من عناصر العهد الآتي والمقبل الذى هو صيرورة دائمة من التحول، كما ظل محل رعاية من الأزمنة اللاحقة التى تطلعت إليها هذه الأطروحات، تطلع الاستشراف والترقب والإرهاص والبشارة والتحذير فى آن واحد، وذلك هو السر فى تعدد الاستجابات اللاحقة إلى إنجازات " جاليليو " سواء فى تباينها أو تعارضها أو تصارعها الذي يكشف عن عمق الإشكاليات التي تنطوي عليها الاطروحات أو تثيرها.

وهذا هو السبب الذي جعل معظم مؤرخى العلم يربطون اسم جاليليو بأحداث هامة فى تاريخ العلم الحديث، فنرى اسمه، يرتبط بولادة العلم الحديث، والثورة الكوبرنيقية، والإطاحة ببعض النظريات الأرسطية التى طغت على العلم قرونا طويلة، ونرى جاليليو يرتبط اسمه كذلك بمبدأ الكفاح ضد أى سلطة تقف فى وجه العلم ومسيرته .

وقد كان ليوناردو دافنشى مثل جاليليو، متمرداً على القديم الجامد الذي يفرض منطق الأتباع، بدليل أن بحوثه العلمية تؤكد أنه كان يبحث فى مشكلات وقضايا علمية أظهرت نتائج خاطئة فى الوقت الذي تكشف فيه تلك البحوث أنه بحث منذ سنوات خلت فى المسائل ذاتها ووصل إلى نتائج صائبة بشأنها، بدليل أن دافنشى شمل بفكره الخصب معظم الفنون الهندسية المعروفة في عصره، وتعرض بالدراسة والتطبيق والابتكارات لمعدات شتى لم نحاول أن نحصيها عداً، أو أن نقدم لها حصراً ولا يكاد يخلو جانب من جوانب الهندسية والميكانيكا والفيزياء وعلوم التشريح…الخ من آثار فكره وعلمه.

وأكثر من ذلك أكد دافنشى على أكد على أهمية الملاحظة والتجربة في كشف آيات الطبيـعة والوقوف على أسرارها قبل فرنسيس بيكون، كما نصح العلماء في بحوثهم إلى ضرورة تدوين ملاحظاتهم والقيام بتجاربهم، ونادى بأن التأمل النظري أمر عقيم لا يليق بالإنسان، وحث على التروي في الملاحظة والتأني في التجربة، وحذر من التسرع في التعميم واستنباط القوانين.

كما أكد على أهمية استعمال الرياضيات فى البحث فى الطبيعة، الشئ الذي أغفله " فرنسيس بيكون"، فهو يرى أن طريق المعرفة الصحيحة يجب أن يكون طريقاً رياضياً.

وقد حاول دافنشى أن يطبق أسلوبه التجريبي فى الوصول إلى نتائج هامة حول مركز الثقل والروافع والقوة والمقاومة والقصور الذاتي فى السكون والحركة وبعض قوانين الجاذبية، وبعض قوانين الاحتكاك وبعض قوانين الصلابة…الخ.

كما استطاع أن يتنبأ بإمكان الوصول إلى اختراع سفن وغواصات تسير بآلات دون حاجة إلى مجداف أو شراع، وطائرات يحرك الإنسان أجنحتها كما يفعل الطير، ومفرقعات ملتهبة تبيد الجيوش، وروافع ضخمة لرفع الأثقال، وعقاقير سامة تبيد الحشرات والهوام …إلى غير ذلك من الاختراعات التي توصل إليها الإنسان فعلاً فيما بعد، والتي تثبت أن دافنشى رسم للعالم الحديث الطريق الذي سار فيه.

وليس من الضروري أن أقوم بتعديد بقية إنجازات دافنشى فى علم الطبيعة، كما أنني لست فى حاجة أيضا إلى تأكيد تعدد أدواره فى بحوثه العلمية فى العلوم الأخرى، فكل ذلك تأكيداً للأثر الجذري الذي يصله بأبناء جيله.

ومع ذلك فإن تقييم عبقرية دافنشى أصعب بكثير من تقييم عبقرية جاليليو، ولعل مرد ذلك يرجع إلى عدة أسباب من أهمها على سبيل المثال لا الحصر:

السبب الأول: ليس فى مذكرات دافنشى علماً جديداً، بل كانت تلك المذكرات تعكس أفكارا علمية كانت شائعة فى المدارس العلمية المنظمة فى إيطاليا فى عصره. فحال الرجل هنا ليس حال عالم يبتكر جديداً، بل على حد تعبير راندال تعكس ما كان قائماً بالفعل، وما تواتر على ألسنة العلماء فى عصره أو دار فى أذهانهم. وما مرد الدهشة العظيمة التى حيرت الباحثين حين طبعت مذكرات دافنشى لأول مرة سنة 1881م، إلا جهلهم بما كان عليه العصر الذى عاش فيه العالم الفنان.

لذلك يؤكد بعض المؤرخين بأن مذكرات دافنشى لم تكن مبتكرة، إذ كان واسع الإطلاع، فقد قرأ ما قاله " ألبرت السكسوني" فى الجاذبية و" جوردانس" فى الروافع و" روجرز بيكون " فى الهندسة الحربية، كما قرأ " فتروفيس" وسعى للحصول على ترجمة " أجير وبولس" العالم الإغريقي، وبكتب " " ألبرت " المهندس المعماري العظيم الذي أدخل تحسينات على الغرفة المظلمة فى التصوير، وقاس عمق البحار واخترع لقياس الرطوبة، وحسن طريقة إنقاذ السفن من الغرق، وزامل "برامانت" المهندس المعماري، وكان صديق " ديلاتور" أستاذ التشريح فى "بافيا"، وقرأ مؤلفات "ابن سينا" و"ابن الهيثم"، وكان على علم بالبحوث التى أجريت فى العصور الوسطي والعصر الأغريقى .

ونفس الشئ يقال على بحوثه التشريحية، فقد ذهب بعض المؤرخين والباحثين   إلى أن تطور علم التشريح لم يكن ليتوقف أو تتأخر مسيرته لو أن دافنشى لم يكن حياً أو لم تكن له إسهامات فى مجال التشريح.؟ ؛ وذهب مؤرخون آخرون إلى القول بأن تأثير دافنشى فى التشريح يكاد لا يذكر.

السبب الثانى: أن دافنشى كان مهتماً على الدوام بكافة القضايا العلمية وشغفه بها يزداد على مر الزمن، ولقد أدى ولعه بقضايا العلم على هذا النحو إلى الانشغال عن بعض أعماله الهامة، فكان أن خلف وراءه تحفاً لم تكتمل. لقد كان عقله كما يذكر راندال خصباً، انشغل بما يزيد عما يلزمه، وقاده عقله الذي يشبه عقل " ليبنتز " إلى أن يتحرك في اتجاه جديد قبل أن ينتهي من مشروع أو فكرة، بل قبل أن يتم بداية المشروع أو الفكرة، ولقد كان لهذا أثره فى أن يصبح أستاذ الأفكار الناقصة والمشروعات غير المكتملة.

لاشك فى أن حب دافنشى للعلم التجريبي وحماسته له لا يحتاجان إلى جدل، فمن المؤكد أن أنشطته تدل على أنه رجل علم، وكذلك فنان . ولكن هل من الممكن كما يقول " جورج سارتون":" أن ننسب إليه اكتشافاً علمياً واحداً، باستثناء تلك التى تحتوى عليه رسوماته ضمناً. فلكي ينسب للمرء اكتشاف علمي لا يكفى أن يقوم به، بل يجب عليه أن يفسره، وأن يثبت بوضوح شديد أنه على استعداد لذلك، ويجب أن يكون مستعدا للدفاع عنه؛ بل إن الاكتشاف لا يتم ولا يكتمل إلا إذا تم تنفيذه وأصبح واقعة حقيقية. أما أن فكرة تراود عقل الإنسان، فهي كبذرة النبات لا تكون كافية، إلا إذا أخرجت لنا ثماراً، ولقد كانت أفكار دافنشى العلمية مثل البذور التى عجزت عن النضج وظلت مدفونة فى ملحوظاته ورسوماته. وربما كان عدم النضج راجعاً جزئياً إلى نقص تعليمه الأدبي، والذي لم تكن عبقريته العلمية قادرة على تعويضه أبداً .

السبب الثالث: حتى لو كان دافنشى يملك بالفعل أفكاراً علمية مبتكرة ونظريات أصيلة، فإنه يظل فى ذلك بعيداً عن احتلال مرتبة هامة جداً فى تاريخ العلم الحديث . ولعل السبب فى ذلك كما يذكر معظم المؤرخين هو أن مذكراته لم تنشر بعد وفاته إلا فى أواخر من القرن التاسع عشر، وبالأخص فى سنة 1881، تحت عنوان " قوانين باريس"، ثم فى سنة 1894م تحت عنوان " الكوديك أتلانتيكو" ( قوانين باريس)، وبالتالي فقد ظلت أفكاره غير معروف . وظل هو نفسه مجهولاً بخطئه، لأنه لم يفعل أى شيء لنشر اكتشافاته. الأمر الذى أدى بكثير من الناس إلى أن يسرقوا مذكراته وينسبوا ما فيها لا نفسهم دون أن يشيروا إليه، حيث يقول " كرواذر" :" إن البحث التاريخي أثبت حديثا أن مذكرات دافنشى قرأها بعض الناس ونسبوا ما فيها لأنفسهم دون أن يشيروا إليه، ومن أشهرهم " جيروم كار دان"، ويرجع الفضل فى رسالة كاستلى فى علم السوائل المتحركة، والتى نشرت فى عام 1621 إلى بحوث دافنشى، وأخذ " فيلابوند بحثه فى مركز الجاذبية،و "بالدى " بحثه فى مركز الضغط من مذكرات دافنشى . ولقد أدت هذه البحوث إلى نظرية مراكز التذبذب لـ" هوجينز"، ودخل كثير من مكتشفاته واخترعاته فى الميكانيكا فى بداية القرن السابع عشر دون أن يذكر له اسم .

السبب الرابع: إن العلم ليس مجرد الميل إلى إجراء التجارب، كما ذهب دافنشى فى رده على منتقديه الذين لا موه على إفراطه فى تجريبيته. لقد كان دافنشى ينعى عليهم أنهم لا يعولون عليها فى كتاباتهم، مع العلم بأنها أولى بالذكر من أي شئ آخر. فذكر تجربة مثلاً أولى وأهم من ذكر كتاب شهير، والاستشهاد بنتائج التجربة أهم من الاستشهاد بالكتب وما ورد فيها. إن العلم لا يتحقق من مجرد رفض أقوال السابقين وطرح أفكارهم جانباً على نحو ما يؤكد دافنشى، الذي لم يكن فى ذلك يمثل أى عبقرية أو ابتكار، بقدر ما كان فى ذلك مقلداً لأفكار السابقين. لقد كان دافنشى بالفعل متأثراً فى كل ذلك بكتابات بعض المفكرين الذين ظهروا فى أواخر العصر الوسيط فى القرنين الرابع عشر والخامس عشر، وهم كما يقول راندال جماعة المفكرين الذين أولوا العمل الذهني ورفعوا مكانته فوق مكانة التقليد والحفظ عن الأولين. ولكن مجرد التأثر بكتابات تلك الجماعة طارحين جانباً أن هذه في ذاتها حجة يمكن أن تساق ضد دافنشى نفسه، فلا تجعل منه عالماً ولا تشكل كتاباته فى إطار المنهج العلمي علما بالضرورة. ومن هنا فإن احتجاجات دافنشى ورفضه لفكر السلف ونظرياتهم كانت عظيمة، ولكنها فى حد ذاتها لا تشكل علماً، ولا يمكن تأسيس علم من خلال ملاحظات متناقضة مهما بلغ وصفها وذكر تفاصيلها. فالعلم فوق كل الاعتبارات السالفة، ليس ضربا من الحدس ينتاب فرداً عبقرياً بين حين وآخر إبان خلوه إلى نفسه، على الرغم من أن الحدس يشكل أحياناً عاملاً مهماً وخطوة واحدة نحو تأسيس نظرية علمية صحيحة. العلم فوق كل شئ جهد مشترك وحصيلة أبحاث عديدة لجماعة تسعى إلى تحقيق هدف واحد على نحو الجهود المشتركة التى استمرت حتى العصر الذى ظهر فيه جاليليو، وهذه الجهود كان لها دور عظيم فى ظهور العلم الحديث. وللحديث بقية!!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

رائد عبيساختلف التفكير السياسي في مفهوم الدولة وشكلها ونموذجها، منذ بداية الوعي البشرية بضرورتها، فكانت البشرية ميالة للحكم، والاجتماع تحت عنوان الحاكم، أو القائد، أو الأمير، او الزعيم، اي من هذه المسميات التي بحثت الناس عنها، لتكون رمز لها، ومصدر للطاعة، فجربت المجتمعات منذ القدم نماذج الحكم، الامبراطوري، الملكي، الجمهوري، الديني واللاديني، وبقيت تحلم الى اليوم، بنظام حكم ينتهي بهم إلى العدل والسلام، وبدولة موعودة يقودها مخلص ومنفذ للبشرية، وان كانت هذه فكرة عامة، الا أننا نقتصر الحديث فيها على الوضع في العالم الإسلامي، إذ ورد في ادبياتها بكونها أمة موعودة بدولة العدل، وهي ما أسميت (بالدولة الكريمة) أي دولة العدل التام، والنموذج الالهي في أرضه، بقيت هذه الفكرة اليوتوبية تغذي وعي الأجيال المسلمة، لا سيما عند الشيعة، بحلم كمال مفهوم الدولة، لذلك بقيت كل المجتمعات المسلمة الشيعية، وعلى مر العصور غير قابلة باي حكومة، وغير راضية عن نموذج اي دولة، وان كان هذا الكلام قريب من الفكر الشيعي، لان الحكم في مفهوم الفرق الدينية الأخرى مختلف، والذي ينطلق من قبول أي نمط خلافة، وحكم ما دام يمثل رمزية أمة، بانطلاقة من الأدبيات المعدة لذلك، والقائلة بوجوب طاعة الحاكم عادل كان أم ظالم، وهذا المبدأ بعيد عن يوتوبيا الكمال المنشود في مفهوم (الدولة الكريمة) وهذا يعني أن مفهوم الدولة الكريمة، غير متفق عليه عند جمهور المسلمين، وادبياتهم السياسية، فهناك تفاوت في القناعات، والمدارك لمفهوم الدولة، تبعاً لطبيعة عقيدة الفرد، ما دام مفهوم الدولة الكريمة يأخذ صبغة عقائدية، ودينية، اكثر من بعد آخر، يبقى في جدال كبير ويأخذ مديات من الاشكلة، ولفك هذا الجدال، وحتى نقدم براهين واقعية، عن ضرورة توحيد الرؤى والأفكار والاعتقدات، اتجاه أهمية الفهم المشترك، لمعنى الدولة الكريمة، يجب علينا أن نوضح نقيضتها، ومعالمها، وشكلها، حتى نحسن المقارنة بينهما، ونقيض الكرم هو اللؤم، فالدولة الكريمة تقابلها بالضرورة دولة لئيمة، وبما أن الدولة الكريمة، هي حلم الأجيال المسلمة والمؤمنة الموعودة بها، منذ بدايات الإسلام، وهذا الوعد يعني أنها لم تكن متحققة ابدا، وكل ما كان هو محاكاة لنموذجها للابتعاد عن نقيضتها، تبعا لكرم قائدها ونبله. سؤال، هل حكوماتنا الإسلامية أو الحكومات الحاكمة للمجتمعات الإسلامية هي حكومات كريمة؟ هل بها يتحقق مصداق الدولة الكريمة؟ نرى أن تاريخ الظلم يُجيب عن هذا السؤال، وان أمنية عز الاسلام بها لم تتحقق بعد، وهذا يعني أنها دولة، ودول، وحكومة وحكومات لئيمة، ولوئمها متأتي من لوئم حاكميها وافكارهم، وتاريخهم الذين يرتكنون إليه، و لوئم بداوتهم وقبليتهم، وجهلهم، والواقع الشعوب المسلمة أبتليت بهكذا حكام، منذ عصر الخلافة الراشدة والى اليوم، فتوصيف الدولة اللئيمة، متحقق في كل أشكال الحكم لبلاد المسلمين، سواء كان جمهوري، ملكي، بقي أمر يجب أن تعيه كل المجتمعات المسلمة، وهو أن الدولة اللئيمة لا تمثل سوى المجتمعات اللئيمة، وان كان لدينا شعور بكرامتنا لنزعنا صوب الكريم، رفضا للظلم والجور والإرهاب التي تمارسه الدولة اللئيمة على مواطنيها ورعاياها، و الشعوب الواعية الثائرة المناضلة، بشكل دائم من أجل حريتها، وعيشها الرغيد، هي شعوب كريمة أدركت لوئم الدولة، وحكوماتها في إدراة بلدها، فالنفوس الكريمة، تأبى اللوئم وأهله، وترفض حكمهم وإدارتهم للشؤون العامة.فدعائنا القائل الوارد عن علي بن ابي طالب (اللهم انا نرغب اليك بدولة كريمة) لا يعني اننا نكتفي بالدعاء دون العمل، والحراك، والثورة بوجه الظلم واللوئم، فالرغبة يجب أن تقترن بالعمل، فالطموح بالعزة يحتاج إلى عزة النفس، وعزة المؤمنين، وعزة الدولة، وعزة الاسلام، وهو غاية كل عزة في دعاء طلب العزة، فالعزة لا تأتي من اللوئم، ولا من أتباعه، ولا يتحقق من مشروعهم في إدراة شؤون الدولة، فلا دولة كريمة مع نفوس لئيمة، ولا نفوس لئيمة، تتمكن من تمهيد دولة الكرم، وما تعز بكرمها، فهما مشروعان، متناقضان متصارعان، لا يستقيم أمر دولة وبلد ومجتمع، مع هذا الصراع الذي لا يمكن أن نتغلب عليه، ونحن نناقض أنفسنا بين الرغبة بالخير وبين العمل بلوئم. فنموذج الاسلام السياسي في العراق، هو على هذه الشاكلة من التناقض الذي يرفضه الضمير. والواقع والقيم، فبين الدعاء والرغبة بالدولة الكريمة، والذي هم يعلمون أنها لن تتحقق إلا على يد المهدي المنتظر، وبين العمل بأخلاق الدولة اللئيمة، بون شاسع من الازدواجية والتناقض، والكذب، والزيف الذي لا يستقيم معها اي مشروع، يحمل اسم الإسلام الذي اتخذه بعض الأطراف قناع يمر به على مجاميع السذج من الناس. وللحديث تتمة......

 

دكتور رائد عبيس

 

مقدمة: يعتبر علم الاجتماع السياسي، علم حديث حيث لم يدرس كعلم مستقل وكمادة مستقلة إلا منذ الستينات، ويعتقد الأستاذ إبراهيم أبراش أن بروز علم الاجتماع السياسي جاء نظرا للأزمة الحقيقية التي تكمن في تزايد القناعة لدى علماء السياسة بصعوبة فهم الظواهر السياسية والإحاطة بأولوياتها دون الرجوع إلى البنى الاجتماعية التي تتفاعل فيها ومعها هذه الظواهر، فكان لزاما على علماء السياسة العودة مجددا إلى المجتمع والبحث عن أولويات (السياسي) في (الاجتماعي)، ودراسة الظواهر السياسية ضمن أبعادها الاجتماعية. ويمكن تعريف علم الاجتماع السياسي :"أنه العلم الذي يدرس الظواهر السياسية ليس اعتمادا على مقولات نظرية مسبقة وليس انطلاقا من التمظهرات القانونية والمؤسساتية بل يدرسها انطلاقا من إطارها الاجتماعي الذي انبثقت منه وتتصدى لمواجهته تطويرا وتغييرا، وانطلاقا من علاقات القوة التي تحكم الفئات الاجتماعية في سعيها نحو السلطة حفاظا عليها أو وصولا لها أو تحررا من سطوتها"([1]). فعلم الاجتماع السياسي مجالات اهتمامه هي النظم والنخب السياسية، البيروقراطية، العنف الاجتماعي والأحزاب. أما علم السياسة فأصبح ينحو ليصبح العلم الذي يهتم بعلاقات القوة داخل المجتمع وبالسلطة السياسية وعلاقتها بالمجتمع، حيث لا يمكن أن تكون سياسة دون مجتمع، فقد اعتبر بعض علماء السياسة ان علم الاجتماع السياسي جزء من تخصصهم وفرع من علمهم، كما أن "موريس دوفرجيه" يرى أن لا تعارض بين علم السياسة وعلم الاجتماع السياسي، فالتعبيران مترادفان في نظره([2]). أما تحليل السياسات العمومية فهي معرفة ماذا تفعل الحكومة، ولماذا تفعل ذلك؟ وما هي الفروق والتغيرات التي تحدثها أفعالها؟، أما ويليام دان فهو يحدد سمتين هامتين في تحليل السياسة العمومية، يتمثل في المدخل المتحدد وفي الميل نحو الرشادة في القرار، كما أن تحليل السياسات العمومية يسمح بالولوج في حقل السياسة العامة ولوجا نقديا وموضوعيا، في جميع مراحلها (قبلية ومواكبة وبعدية)([3]). فتحليل السياسات العمومية من الوجهة الاجتماعية تتطلب الإحاطة بالصراعات والتحالفات، بالقيم والثقافة السائدة وبأصحاب النفوذ والقوة داخل المجتمع.

وأهمية الموضوع تتجلى في الكشف عن دور علم الاجتماع السياسي في صنع وتقييم السياسات العمومية. لهذا نطرح الإشكالية التالية: إلى أي حد استطاع علم الاجتماع السياسي من تحليل السياسات العمومية بموضوعية وشمولية؟ لهذا ارتأينا في هذه الورقة البحثية إلى تقسيم الموضوع إلى قسمين: علم الاجتماع ودوره في صنع السياسات العمومية، وسوسيولوجيا تقويم السياسات العامة والحدود التي تواجهها مستعينا بالمنهج الوصفي التحليلي.

علم الاجتماع السياسي وصنع السياسات العمومية

يهتم علم الاجتماع السياسي بدراسة قضايا ومشكلات التنمية السياسية، باعتبارها جزءا هاما من التنمية الشاملة، من ذلك فإنه يدرس الثقافة السياسية، والتنشئة السياسية، ومدى مشاركة المواطنين في العمليات السياسية، ومن صنع وتنفيذ القرار السياسي([4]).

ومنه فإن سوسيولوجيا صنع السياسات العمومية، تتمركز حول النقطتين التاليتين:

الأول: دور الثقافة السياسية

يقصد بالثقافة السياسية بصورة عامة، الجوانب السياسية للثقافة، معتبرين أنها تشكل هي نفسها مجموعة منتظمة، ويرى دوفرجيه أن هناك ثلاث أنواع من الثقافات السياسية، فنجد الثقافة السياسية رعائية، وثقافة الخضوع وثقافة المشاركة.

وعلى الصعيد الوطني ليست الثقافة السياسية من النمط الرعائي سوى تجميع للثقافات السياسية المحلية المستندة إلى القرية والعشيرة والعرف والدين الأمر الذي يعني عدم وجود ثقافة سياسية بالمعنى الصحيح للكلمة، خاصة في الدول التي تضم جماعات غير متجانسة.

أما ثقافة الخضوع والثقافة المشاركة فهما على العكس شكلان للثقافة وطنية حقة. ففي ثقافة الخضوع يعرف الأفراد أعضاء النظام، إلا أنهم يبقون خارجه، فهم ينتظرون منه الخدمات أو يخافون من التجاوزات، لكن دون أن يعتقدوا بإمكانية تغيير النظام، فكلما سادت هذه الثقافة وإلا قلت مشاركة المواطنين في صنع السياسة العمومية، أما الثقافة المشاركة فعلى العكس يعتقد المواطنون بقدرتهم على تحويل مسار النظام بوسائل متعددة كالانتخابات، المظاهرات، العرائض فصنع السياسة العمومية في إطار هذه الثقافة السياسية يكون كبيرا، خصوصا داخل بنية ديمقراطية، تعتبر المشاركة عنصر جوهري للمواطنية([5]).

الثاني: دور النخب

لقد كانت نظريات النخبة من أولى النظريات التي ظهرت في علم الاجتماع السياسي، حيث ظهرت دراسات تهتم بتشكيل جماعات النخبة على النطاق الوطني، وأخرى على النطاق المحلي وثالثة تهتم بمقارنة طبيعة الصفوة في مجتمعات مختلفة([6]).

ويعتبر "باريتو" أول من بدأ بالتنظيم للتنشئة وتوظيفها في الدراسات السياسية، وقد تأثرت مقاربته لنظرية النخبة بعاملين: أولا خليفته كعالم اجتماع، وثانيا غلبت التحليلات النفسية  ويرى  أن كل المجتمعات تنقسم إلى نخبة وعامة الناس، وتسعى النخبة لتوظيف تفوقها لممارسة التسيد على اللانخبة وقيادتها وفي سعيها هذا يصل جزء منها للحكم([7])، ومن هذه الزاوية فإن النخبة التي تتميز بالتفوق هي التي تصنع السياسة العمومية وتفرضها على عامة الشعب.

أما "موسكا" فينطلق من حقائق يؤكدها الواقع والشواهد التاريخية، وهي أنه في كل المجتمعات السياسية كانت دوما ما قلة تحكم وأكثرية تخضع للحكم، وهي ظاهرة تشمل جميع المجتمعات ويرجع تفوق الطبقة الحاكمة على المحكومة إلى قلة عددها وتنظيمها الدقيق في مقابل كثرة الثانية وعدم تنظيمها، ويرى موسكا أنه كلما كبر المجتمع السياسي قلت نسبة الأقلية الحاكمة بالنسبة للأغلبية المحكومة، ومنه ضعفت فرص هذه الأخيرة في القيام بنشاط معاد للأولى([8]).

ومن وجهة نظر موسكا فصنع السياسات العمومية يكون من طرف النخبة الحاكمة، فإنه يسلم بأن الجماهير تستطيع ممارسة الضغوط على الحكام، وتنشأ هذه الضغوط نتيجة لاستياء الجماهير من بعض السياسات التي ينفذها الحكام. وقد يؤدي هذا الموقف إلى الإطاحة بالطبقة الحاكمة، وفي هذه الحالة تظهر إلى حيز الوجود طبقة حاكمة من بين الجماهير تتبنى سياسة جديدة أكثر تلائما مع مصالح الشعب([9]). أما  ميشلز فتحدث عن الأوليجاركية، أي حكم الأقلية من خلال دراسته للحزب الديمقراطي الألماني في بداية القرن 20 م، ويتفق مع الآخرين بوجود حقيقة لا مراء فيها، وهي حكم الأقلية للأغلبية، ومن خلال مقارنته للحزب الديمقراطي الألماني مع باقي الأحزاب المحافظة، فإنه يستنتج أنه حتى في الأحزاب التي تقول أنها تمثل الشعب وتدافع عن مصالحه، فإنه هي الأخرى تحكم بأقلية عوض الأكثرية، حيث أطلق عليه القانون الحديدي للأوليجاركية.

ويبرر ميشلز ذلك بسلبية الجماهير، التي لا تواظب على حضور الاجتماعات السياسية ، بالإضافة إلى ظهور القادة بمظهر الأبطال القادرين على صنع أشياء خارقة. كما أن الجماهير تميل دائما لتفويض من يتولى نيابة عنها المهام السياسية([10])، مما يجعل صنع السياسة العمومية حسب ميشلز محكوما بالأقلية الحاكمة دون الأكثرية المحكومة.

تقترح النخبة رؤيتها في أن الناس غير مشمولين ولا عارفين بالسياسة العمومية، وأن النخبة هي التي تشكل رأي الجمهور حول السياسة العمومية، وهي التي تؤثر في الجمهور بأكثر مما تتأثر هي به، وهذا يعني أن السياسة العمومية تأخذ حالة الإنسياب الرأسي الذي ينزل من النخبة إلى الجمهور([11]).

سوسيولوجيا تحليل السياسات العمومية وحدودها

يعتبر تحليل السياسات العمومية حديثا، حيث لم يظهر إلا في الثلاثنيات من القرن 20 م في الولايات المتحدة الأمريكية بمناسبة تطبيق السياسة الجديدة([12])، حيث ظهرت أولى الدراسات في تحليل السياسات العمومية حيث كان هدفها مساعدة رجال الدولة على اتخاذ القرارات السياسية الجيدة([13]). فما هي المناهج الحديثة التي يستعملها علم الاجتماع السياسي في تحليل السياسات العمومية وما هي حدودها؟

المناهج

سنركز على منهجين حديثين هما المنهج البنيوي والوظيفي، يتعامل التحليل البنيوي مع الشيء باعتبار له بنية، ويشكل منظومة ونسقا له نظامه الخاص من حيث تركيبة ووحدة انسجامه الداخلي والخارجي والقوانين التي تضبطه وتسمح باستمراريته، والتعامل مع الأشياء من منظور التحرر من الإيديولوجيا وكل المؤثرات الخارجية([14]).

ويعد ليفي ستراوس من أهم البنيويين الذين أعطوا للبنيوية موقعها كتيار يزعم العلمية في دراسة وفهم الواقع الاجتماعي، ويستعمل النماذج لمعرفة البنى الاجتماعية([15]).

ومنه فإن تحليل السياسات العمومية يعتمد على تكامل وتناسق جميع الأدوار الاجتماعية، حيث أن المحلل يدرس تشكيل الكل الاجتماعي، ويحدد الأشخاص والجماعات وما ينتج عنها من علاقات وفقا لأدوارها الاجتماعية وعلاقة ذلك بصنع وتنفيذ وتقويم السياسات العمومية.

أما الاتجاه الوظيفي فقد ظهر مع تأثر علماء الاجتماع بالبيولوجيا حيث نظر للمجتمع كعنصر الإنسان الحي، الذي يبحث عن التوازن حتى في إطار التطور المستمر([16])، ويعتمد محلل السياسة العمومية على هذا المنهج بمعرفة المحيط الذي تصنع فيه ، والوظائف التي تقوم بما باقي الأنساق وعلاقتها بصنع السياسة العمومية، وتنفيذها وتقويمهاـ ويعتمد المحلل على الأنشطة والنماذج المتكررة، ويكون هدفه الأساس الكشف عن كيفية إسهام السياسة العمومية في تحقيق استمرارية النسق أو الإضرار به([17]).

حدود منهج علم الاجتماع السياسي

رغم اعتماد علم الاجتماع السياسي على مناهج حديثة في تحليل السياسات العمومية، فإن هناك حدود يمكن ملاحظتها من خلال تحيز المحلل حيث سيجد نفسه يعبر عن موقف ما ليؤيده أو يعارضه وحتى وإن اتخذ موقفا محايدا في قضية مختلف بشأنها، فإن حياده يعد موقفا بحد ذاته، وغياب الموضوعية تفرض نفسها أحيانا خلال كل مراحل البحث، فالتحيز المنافي للموضوعية ناتج عن فعل إرادي يقوم به الباحث قصد تشويه الحقيقة ابتغاء مصلحة خاصة، او تلبيه لميول إيديولوجية خاصة([18]).

الخاتمة:

وفي الأخير فإن دراسة تحليل السياسات العمومية بالاعتماد على علم الاجتماع السياسي، قد حاول الإجابة عن تأثير المجتمع على الدولة عوض الاقتصار على تأثير الدولة على المجتمع التي ظلت من اختصاص علم السياسةـ فزاوية التحليل المجتمعية للظاهرة السياسية وتحليل السياسات العمومية التي تؤثر على المجتمع وكيف يتفاعل مع هذه السياسات بدءا بالصناعة والتنفيذ والتقويم، وتأثير البيئة الاجتماعية من خلال الثقافة السياسية.

وتفاعل جميع الأنساق لرسم هذه السياسة، جعلت من دور الاجتماع السياسي يركز على بعدين بعد سياسي وآخر اجتماعي لفهم السياسة العمومية التي تستهدف المجتمع ، وأيضا كيف يؤثر هذا الأخير على رسم وتنفيذ هذه السياسات، رغم المحدودية التي يصادفها بل تصادف جميع العلوم الاجتماعية.

 

إعداد الطالب الباحث: عداوي هشام

.........................

لائحة المراجع:

إبراهيم أبراش، علم الاجتماع السياسي، دار الشروق، عمان، 1988.

موريس دوفرجيه، سوسيولوجيا السياسة، ترجمة هشام ذياب، دمشق، 1980.

فهمي  خليفة الفهداوي، السياسة العامة منظور كلي في البنية والتحليل، دار المسيرة، عمان، 2001.

مولود زايد الطبيب، علم الاجتماع السياسي، منشورات السابع من أبريل، الزاوية، ليبيا.

موريس دوفرجيه، علم الاجتماع السياسي، ترجمة سليم حداد، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، لبنان، 2001.

أحمد زايد، مقدمة في علم الاجتماع السياسي، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، 2001.

السيد الحسني، علم الاجتماع السياسي، المفاهيم والقضايا، دار المعارف، القاهرة، 1981.

نيقولا تيماشيف، نظرية علم الاجتماع، طبيعتها وتطورها، ترجمه محمود عودة وآخرون، القاهرة، مؤسسة المعارف للطباعة والنشر، 1983.

أحمد القصير، منهجية علم الاجتماع بين الوظيفة والماركسية والبنيوية، الهيئة العامة للكتاب، القاهرة، 1985.

Mosca, G. The ruling class, translated by kahn, New york, MC Graw- Hill Book company, 1996, p. 239.

Thomas, R. Dye, Understanding public plicy, 7éme ED, New Jensey, Prentice Hall, Englewood Cliffs, 1992.

Daniel Kubler et Jacques Maillard, Analyser les politiques publiques, collection politique en plus, presses universitaires de Grenoble, 2éme édition, 2016.

Levis –Strauss, the Elementry structure of Kinship, EYRE and Spottis- woode, London, 1969.

هوامش

[1] إبراهيم أبراش، علم الاجتماع السياسي، دار الشروق، عمان، 1988، ص.ص. 13-15.

[2] موريس دوفرجيه، سوسيولوجيا السياسة، ترجمة هشام ذياب، دمشق، 1980، ص. 22.

[3] فهمي  خليفة الفهداوي، السياسة العامة منظور كلي في البنية والتحليل، دار المسيرة، عمان، 2001، ص.ص. 91- 95.

[4]مولود زايد الطبيب، علم الاجتماع السياسي، منشورات السابع من أبريل، الزاوية، ليبيا، ص. 29.

[5] موريس دوفرجيه، علم الاجتماع السياسي، ترجمة سليم حداد، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، لبنان، 2001، ص. 92-94.

[6] أحمد زايد، مقدمة في علم الاجتماع السياسي، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، 2001، ص ص. 26- 27.

[7] إبراهيم أبراش، مرجع سابق،ص ص. 124- 125.

[8]Mosca, G. The ruling class, translated by kahn, New york, MC Graw- Hill Book company, 1996, p. 239.

[9] السيد الحسني، علم الاجتماع السياسي، المفاهيم والقضايا، دار المعارف، القاهرة، 1981، ص ص. 93-94.

[10] السيد حسني، م. س، ص. 104.

[11]Thomas, R. Dye, Understanding public policy, 7th  ED, New Jersey, Prentice Hall, Englewood Cliffs, 1992, pp. 2- 3.

[12] New Deal.

[13]Daniel Kubler et Jacques Maillard, Analyser les politiques publiques, collection politique en plus, presses universitaires de Grenoble, 2éme édition, 2016, p. 9

[14]أحمد القصير، منهجية علم الاجتماع بين الوظيفية والماركسية والبنيوية، الهيئة العامة للكتاب، القاهرة، 1985، ص 147

[15] في كتابه Levis –Strauss, the Elementary structure of Kinship, EYRE and Spottis- woode, London, 1969

[16] نيقولا تيماشيف، نظرية علم الاجتماع، طبيعتها وتطورها، ترجمه محمود عودة وآخرون، مؤسسة المعارف للطباعة والنشر،القاهرة، 1983 ، ص 320

[17] ومن الذين وظفوا التحليل الوظيفي في موضوعات السياسة العمومية نجد روبرت ميرتون (R. Merton) ودافيد إيستون (D. Eston) وغابريل ألموندو (Gabriel Almondo).

[18] إبراهيم أبراش، م. س، ص 69

 

عبد الرضا حمد جاسمنشر أ.د قاسم حسين صالح بتاريخ 08/01/2018مقالة بعنوان: "ما هكذا نقدم للعالم كارثة انتحار شباب العراق"...الرابط:

http://www.almothaqaf.com/qadayaama/b1d/924257

 رداً على دراسة شارك فيها كل من الدكاترة: (محمد جمعه عباس، نصيف الحميري، عماد عبد الرزاق، شاكر نعوش، وباحث بريطاني) بعنوان:

)The Iraqi National Study of Suicide: Report on Suicide Data in Iraq in 2015 and 2016(

ونظراً لتوافق موضوع هذه المقالة مع مقالة أ. د قاسم حسين صالح التي كانت بعنوان: انتحار الشباب [مهداة لمن يفكر ببناء اسيجة على جسور بغداد]. بتاريخ 26/04/2019/المثقف والتي ناقشتها في ثلاثة أجزاء تحت عنوان: انتحار الشباب/مناقشة مع دكتور قاسم حسين صالح الرابط:

http://www.almothaqaf.com/a/qadaya2019/936413

أجد ان مناقشة هذه المقالة ضرورية جداً لما ورد فيها من أمور عجيبة غريبة ولكون الدراسة دخلت في الأرشيف العالمي عن الانتحار من خلال نشرها في مجلة علمية متخصصة. ورد أ.د قاسم حسين صالح عليها  دخل معها الأرشيف ايضاً وردي هذا او مناقشتي هذه اخترت لها نفس عنوان مقالة أ.د قاسم حسين صالح للأهمية... و قد اطلعت على دراسة "مجموعة الدكاترة"/ من الانترنيت وقارنتها مع رد الدكتور قاسم حسين صالح فوجدت ما قلتُ عنه أعلاه من أمور عجيبة غريبة ...عليه أقول اني في هذه الجولة سأناقش ما ورد في مقالة أ.د قاسم حسين صالح بصفته :أ.د في علم النفس و مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية و له تاريخ حافل في البحوث و الدراسات و التدريس و الاشراف على  دراسات عليا وله موقع محترم في الجامعات العراقية و العربية و حائز على شهادات تكريم كثير من دوائر و جمعيات و جامعات كثيرة وكونه انتقد او ناقش هذه الدراسة ونشر مقالته هذه في الصحف و المواقع الالكترونية  ووعد بترجمتها الى اللغة الانكَليزية و نشرها في المجلات المتخصصة...عليه وجدت ضرورة ان يترافق ردي هذا مع تلك الدراسة و تلك المقالة في الأرشيف خدمة للدراسات و الدارسين الان وفي المستقبل...حيث موضوع الانتحار اصبح مشكلة عالمية و كان و سيبقى رغم كل الجهود التي تبذلها الدول و المنظمات الوطنية و العالمية لدراسته و تقديم البحوث فيه، حيث أنه حاصل و جاري في كل الدول بمختلف اشكال النظم السياسية و الاقتصادية والاجتماعية و الدينية  وفي كل البقاع الجغرافية و كل العصور و الازمان و اسبابه كثيرة و متنوعة لا تُعَدْ ولا تُحصى  ويشمل أعْمارْ مختلفة. مشكلة الانتحار ستتفاقم في كل الدول للزيادة الحاصلة في عدد السكان والجوع المتفاقم والكوارث الطبيعية وتواصل الحروب وانتشار الامراض وتوسع وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي وهيمنة التكنولوجيا والانتشار السريع لمرض العصر أي الإدمان على "الموبايل والكومبيوتر والألعاب الالكترونية" والتلوث الهائل في البيئة حيث سينتج عن كل هذه المتغيرات مشاكل اجتماعية ونفسية هائلة ،وهنا أتمنى ان يتنادى بعض طلاب دراسات علم النفس والاجتماع في الجامعات العراقية" والجامعات اليوم ممتدة على طول العراق وعرضه" لتشكيل فريق رصد لتلك/هذه الحالة واعداد دراسات خاصة بهم بعيداً عن اساتذتهم وبعيداً عن أي شيء لا يمت للعلم بصلة وان يقيموا اتصالات مع منظمات مجتمعية في دول أخرى ومع منظمات عالمية، مع وصيتي لهم التي أتمنى ان يفكروا بها جيداً وأتمنى ان تُفهم و هي ان يتخلصوا من كل""القيل و القال""قال فلان و قال الاخر" لأن من قال ،قال له الشكر و الاحترام وعليهم ان يقولوا ما يريدون بعد ان يدرسوا و يخططوا و يفكروا... هذا أوجب عليَّ ان أكون كما كنت دقيقاً وبالذات مع خطورة ما ورد في رد أ.د قاسم حسين صالح على المجتمع وعلم النفس والبحث العلمي والدراسات العلمية والمقالات والنشر...عليه سأجزأ المقالة كما معروف عن ردودي واُرقم الأجزاء وأُعقب على كل جزء بما يناسبه وفق تصوري وتحليلي واتحمل ما يرد في هذا الرد واتقبل الردود عليه بكل انفتاح ورحابة صدر والشكر مقدماً لكل من يطلع على هذه الردود.

وقبل المناقشة اود ان اُسجل ان لجنة الدراسة ردت على مقالة أ.د قاسم حسين صالح في مقالة دكتور محمد جمعة عباس/الرابط http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=591042

وأضع أمام القارئ الكريم الدراسة في الرابط التالي

http://www.bayancenter.org/wp-content/uploads/2018/02/98978674332.pdf

المناقشة:

1- كان عنوان المقالة هو: [ما هكذا نقدم للعالم كارثة انتحار شباب العراق!] انتهى.

*تعليق: وردت في العنوان كلمتين/مفهومين هما: "كارثة" و "شباب"...أعتقد أن دراسة "مجموعة الدكاترة" لم تقدم للعالم "كارثة" انتحار شباب العراق انما قدمت دراسة عن حالة الانتحار في العراق لعامي 2015 و2016 بشكل عام. والانتحار في العراق لم يصل الى حد الكارثة او لا يمكن ان توصف هكذا كما اتصور، والدراسة لم تقتصر على الشباب انما شملت كل الفئات العمرية...علية اُسجل عدم توفيق الدكتور باختيار العنوان الذي فيه كما اشعر بعض القوة/الشدة التي فهمتها من خلال "ما هكذا..." التي قد تعني رفضه لنتائج الدراسة وبالذات عندما ترافقت مع علامة التعجب في نهاية العنوان(!) وتوحي الى ان له رأي اخر سيطرحه هنا يكون أكثر دقة وشمول.

2- كَتَبَ: [وتُمَثِلْ هذه الدراسة جهدا علميا كبيرا يستحقون عليها الشكر والثناء والتقدير كونها استهدفت أخطر ظاهرة تعرض لها الشباب والشابات بوصفهم اهم وأوسع شريحة اجتماعية في العراق. وتمتاز هذه الدراسة بالمنهجية العلمية العالية والدقة في تحليل البيانات الاحصائية، فضلا عن الجهود الكبيرة التي بذلها فريق البحث للحصول على المعلومات، والصعوبات التي واجهوها من مصادرها المتمثلة بالسلطات القضائية ومراكز الشرطة وعوائل المنتحرين] انتهى.

*تعليق: هنا يمتدح المشاركين فيها ويثني على جهودهم ...لكن اهم ما ورد هنا مدحه لطريقة حصولهم على المعلومات من مصادرها المتمثلة بالسلطات القضائية ومراكز الشرطة وعوائل المنتحرين كما ورد وهذا يعني ان تلك المعلومات لم تكن قد جُمِعَتْ من قصاصات الصحف ومراسلي القنوات الفضائية و"قال فلان وصرح علان" من تصريحات وأقوال مرتبكة غير دقيقة لا يمكن اعتمادها حتى في كتابة مقالة من شخص غير مختص واشرتُ الى بعض تلك العيوب عن المصادر في الأجزاء الثلاثة من ردي على مقالة أ.د قاسم: "انتحار الشباب".

3- كَتَبَ: [ولأن الدراسة منشورة باللغة الانجليزية في مجلة علمية متخصصة (Journal of Affective Disorders)، ما يعني ان العالم سيأخذ فكرة عن (الانتحار) في العراق من فريق علمي متخصص ومعتبر، فان الصادم فيها انها خرجت باستنتاج رئيس هو أن نسب الانتحار في العراق اقل منها عالميا (the suicide rate in Iraq is lower than the global rate)! ما يعني ان العراق بخير إذا ما قورن بنسب الانتحار في السويد او النرويج مثلا] انتهى.

تعليق: هنا بدأ اعتراض أ.د قاسم حسين صالح على تلك الدراسة وهو اعتراض عجيب وغريب، حيث يمكن ان يُفسر هذا القول غير المفهوم، ان الكاتب يعني لو ان الدراسة لم تُنشر باللغة الانكَليزية في تلك المجلة العلمية المتخصصة لما كان لديه اعتراض عليها أو لم يكلف نفسه بالرد عليها وانتقادها او مناقشتها. كما أتصور أن مناقشة هذه الدراسة او غيرها والرد عليها سواء كانت الدراسة قد نشرت بتلك الحالة او لم تنشر في تلك المجلة هو واجب علمي ووطني. ثم يتكلم الدكتور عن وقعها الصادم عليه مع انه اعترف بمنهجيتها العلمية و تحليلها الدقيق للإحصائيات و أشاد بكفاءة القائمين عليها وطرق حصولهم على المعلومات من مصادرها...صدمة الدكتور قاسم كما اعتقد غير مبررة ولا أقول كان يجب ان تكون فرحة وليست صدمة، حيث ان نتيجة الدراسة مهما كان الموقف منها تعني انه رغم الظروف التي مرت و تمر على المجتمع العراقي و قساوتها المفرطة  فأمه بخير في هذا الجانب إذا ما قورن بنسب الانتحار في السويد او النرويج و انا اضيف لها وفي فرنسا و كل الدول خلال المائة وعشرون سنة الماضية. أو حتى يمكن ان نقول انها بينت ان الانتحار في العراق ضمن الحدود العامة عالمياً على ابسط تفسير. يجب ان تدفع هذه الدراسة الى البحث عن أسباب هذه النتيجة المتميزة إذا ما علمنا ان في فرنسا بلد الحرية والضمان الاجتماعي والرعاية النفسية والصحية والانفتاح والرفاهية والامن والأمان سُجلت (8883) حالة وفاة انتحاراً في سنة واحدة من أكثر من ربع مليون محاولة انتحار والأرقام في تصاعد وهو ربما أكثر من كل حالات الانتحار في سنوات الجحيم سنوات ما بعد احتلال العراق وتدميره في"2003"(سكان فرنسا تقريباً ضعف عدد سكان العراق).

 كان على الدكتور قاسم كما أتصور ان يفرح ويفخر بكون هذه الدراسة مَنَحَتْ شيء للمجتمع العراقي هو بحاجة اليه في هذه الظروف التي يعيشها بعيداً عن الموقف من السلطة القائمة اليوم وستعكس صورة مغايرة عنه تختلف عن تلك التي اجتهد الوردي في رسمها والتي تصر على ان كل قبيح اجتماعياً في العالم خلال التاريخ، كان المجتمع العراقي والفرد العراقي هو الأعلى/في الصدارة فيه. وتناقل ذلك ويتناقلها الذين ساروا مع تناقضات وسفسطات وتقلبات الراحل الدكتور علي الوردي له الذكر الطيب ومعهم بعض ممن قرأ مقدمات كتب علي الوردي وكتب عنه وعنها وعن المجتمع العراقي...ونتائج هذه الدراسة فوق ذلك تناسب "حوادث واساطير وحقائق" الانتحار التي نشرها أ.د قاسم حسين صالح في مقالته: "الانتحار...حوادثه وأساطير عنه وحقائق-القسم الأول ـ تلك التي نشرها بتاريخ 12/06/2007 الرابط

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=99464

حيث ورد فيها: [أما في البلاد العربية فان نسبة الانتحار واطئة إذا ما قورنت بالبلدان الأخرى وبالأقطار الغربية على الأخص. ففي العراق تتراوح نسب الانتحار بين (0.1 إلى 0.2) لكل مائة ألف نسمة، وهي نسبة ضئيلة جداً (الدباغ، 1986). غير أن إحصاءاته هذه تعود الي الستينيات من القرن الماضي، ولا تتوافر بيانات حديثة عن حوادث الانتحار. غير أن " الدباغ " يضيف بأن المحاولات الانتحارية آخذة في الازدياد، وانه غالباً ما يحدث في مرحلة الشباب وأوائل الكهولة (ص: 150). ومع أن نسب الانتحار في البلدان العربية الأخرى واطئة أيضا مثل حالها في العراق، إلا أن الأرقام " تشير إلى ارتفاع في معدلات الانتحار ومحاولات الانتحار في البلاد العربية خلال السبعينيات " (الدباغ، ص153). وان أعلى معدل للانتحار في البلاد العربية هي مصر] انتهى

أعلاه جزء مما ورد في كتاب "الموت اختياراً" للراحل الدكتور غانم الدباغ له الذكر الطيب، حيث قال الدكتور قاسم حسين صالح عن هذا الكتاب [انه أول دراسة نفسية اجتماعية عراقية تناولت بدقة وتفصيل موضوع الانتحار والظروف المحيطة به وموقف الأديان والفلسفات القديمة والحديثة ووجهات نظر علماء النفس] كما طرحة في مقالته: ثقافة نفسية (30): الموت اختيارا.. وفخري الدباغ /لتاريخ 02/08/2011

http://www.almothaqaf.com/qadayaama/qadayama-09/52557

4- ورد: [لنقدم اولاً عرضاً مركزاً لخلاصة زملائنا الأطباء النفسيين المشهود لهم بالخبرة والمستوى العلمي الراقي والمهنية المنهجية].

*تعليق: يعود هنا أ.د قاسم حسين صالح ليمتدح المستوى العلمي الراقي والمهنية المنهجية للمجموعة التي أنجزت الدراسة.

5- وَرَدَ: [تبدأ الدراسة بالقول بأنه لا يعرف الا القليل عن الانتحار في العراق، إنها اعتمدت في بياناتها على سجلات الشرطة وتقارير عائلية واخرى خاصة بتحليل حالة الانتحار، وإنها شملت ثلاث عشرة محافظة من وسط العراق وجنوبه.] انتهى

تعليق: نعم كانت المعلومات عن الانتحار في العراق قليلة جداً وربما كانت تعتبرها السلطات قبل 2003 من الأمور التي تمس امن المجتمع وبالتالي امن الدولة كما اعتقد وأ.د قاسم حسين صالح ربما يعرف انها تُعامل بهذه الصيغة، لكن اكيد هناك تقارير تُرفع من وزارة الداخلية ووزارة الصحة الى جهات عليا بشكل دقيق ودوري ولا يمكن التلاعب فيها أي انها ربما بمستوى التقاريرالأمنية...

أما موضوع الثلاثة عشر فهي كما ورد في الدراسة محافظات العراق الثمانية عشر عدا محافظات إقليم كردستان: "أربيل والسليمانية ودهوك" يضاف لها محافظتي نينوى والانبار بسبب سقوطها بيد عصابات داعش الاجرامية...لكن الشعب العراقي يعلم والعالم المهتم بالعراق يعلم ان هناك قلق أمني وعدم سيطرة للدولة خلال عامي 2015 و2016 على ثلاثة محافظات أخرى تعرضت لتواجد داعش أواقترب داعش منها وهي محافظات كركوك وصلاح الدين وديالى ،عليه لا اعتقد ان تقارير دوائر الدولة والأهالي بخصوص هذه المحافظات تقترب من الصحة حيث ربما حتى عام 2017 فأن المعلومات من تلك المحافظات في بعض جوانبها يلفها الشك.

6- اليكم العرض المركز الذي كتبه أ.د قاسم حسين صالح لخلاصة الدراسة...

الى اللقاء في الجزء التالي حيث سيبدأ بالفقرة رقم (6)

 

عبد الرضا حمد جاسم

 

تحدثنا في الجزء الاول من خطابنا الموجه للاخ الاستاذ علاء اللامي عن موضوع غاية في الاهمية ويتعلق بتمسكنا بقيم الحوار المتزن الهادي والهادف الذي نلتزم به جميعا والاستزادة من الاطروحات العملية والفكرية التي يتحفنا بها جمع خير من مثقفينا وعن طريقهم نكسب المعرفة ويتم اطلاعنا على مستجدات البحوث الاثارية والتاريخية وتكشف لنا ما خفى من تاريخ منطقتنا العريقة فيكون هولاء السادة قد اعطوا لامتهم وابناء شعوبهم مالم تقدر ان تمنعه خطابات التخوين والتسفيه والمعارضة اكانت بحق او بغير حق وفي كلتا الحالتين فنحن ملزمين بمتابعة ما يكتب ويقال فلربما استفادت شعوبنا وابناء امتنا وتاكدت الى ان قيم الحوار الجاد وقيم الاحترام والمسامحة ستكون هي الحكم الفيصل في تقييم الاراء سواء اعجبت البعض او رفضها اخرون، فلربما ستدفع بقسم اخر الى الاستزادة والالتزام بمنهج علمي بحثي هادف يرمي لتعزيز او لتفنيد ما يطرح من افكار وبهذه الطريقة سنكون اهلا لنيل ميزة عظيمة وهي صفة الدارسين والمتطلعين الباحثين حقيقة عن المعرفة بتاريخ منطقتنا والتي هي اقدم بكثير من تواريخ اديان المنطقة وسبلها العبادية والاستفادة من افكار علمائنا وباحثينا ومفكرينا جميعا، ونحن اذ نحاول جاهدين عن طريق التواصل مع النتاجات البحثية التي تطرحها نخب من مفكرينا بغرض ايصال خطابهم الي جميع الراغبين بالانفتاح والاطلاع على الخفي من تاريخنا وخاصة معرفة ما لم نعرفه عن تاريخ منطقتنا وخبايا ما تضمه بلادنا المشرقية وما يفكر ويبحث فيه علمائنا ومفكرينا وعن الرموز الحضارية التي زينت تواريخ المنطقة وهذا سوف لن يكون ممكنا الاعن طريق الحوار والمناقشة العلمية الرصينة لكل الافكار المطروحة او تلك التي ستطرح للبحث والحوار فسنصل الى غايتنا المرجوة وسنعرف كيف لنا ان نعيش .

الاعزاء القراء في عودتنا الى موضوع القدس نجد هناك حشد هائل من المعلومات والحشر والادغام في مسالة لاتتطلب كل هذا الاصرار على شي يعتبره البعض من الثوابت التاريخية التي يجب ان تكون من محتويات المتاحف ودور عرض اثار التاريخ الا ان البعض حول تلك الاثار الى ادوات تحريض على رفض منطق العقل وهذا يشمل كل اطراف الصراع المشتبكين بدون تميز التي لايجوز المساس بها سوى كونها كما يعتقدون انها من المحرم والممنوع المقدس . والتي طرحت للنقاش العملي والعلمي من قبل البعض من باحثينا الافاضل وكلها كما نعتقد محاولات تصب سلبا ام ايجابا في محاولة كشف الحجب عن تاريخ منطقة نعيش عليها بكل كوارثها ونجاحاتها وفشلها وتسببت عمليات ومغامرات قادتها السياسيين من كلا الجانبين المشتبكين في صراع ارادات فساهمت كل الاطراف صاحبة المصلحة في اشعال نيرانها وتاجيج صراعات ماكانت ستكون لولا التطرف والاطماع التي تحاول كل الاطراف المشتبكة في الصراع للاستفادة منها وادت الى كل الاشكاليات التي عطلت حياتنا العامة وقطعت الطريق  على كل الوسائل المتاحة للوصول الى الحقيقة التي نعرف جميعا انها عملة ذو وجهين كلاهما صالح للتعامل ولايستقيم الامر بدون وجهي العملة . ايها السادة الاكارم ان تاريخ المنطقة هو تاريخ شعوبها وبناة حضارتها والعاملين على اقامة شواهد التمدن والسلام، ولكي تكتمل المسيرة التي ابتدائت منذ ازمان قريبة بغرض فرض واقع السلام واستمرت وسوف تستمر،لحين الوصول الى حلول واضحة وثابتة مستندة الى قاعدة من العلاقات الانسانية الرصينة ومتى ادرك اطراف الصراع الى ان عملية استقرارالمنطقة وامنها مرتبط ارتباطا فعليا بتعاون كل الفرقاء المتخاصمين او المتحاورين فان الحلول ستكون في متناول اليد ومتى ارادت الامة العربية ان تفرض واقعا للسلام فيجب ان تكون ادوات فرض الواقع متوفرا واوله ان تكون لدينا فكرة واضحة عما يريده الطرف الاخر وكيف يفكر واليات عمله واساليبه وتكتيكاته لكي نكون قادرين على ادارة اللعبة من جانبنا وبشكل احترافي، ان الاخوة الباحثين المحترمين وعلى اختلاف وجهات نضرهم وطرق طرحهم لافكارهم وعرض ما توصلوا اليه،فيجب ان ينضر لهم على اسس من التقدير والاحترام فهولاء الاخوة قد سعوا وكان سعيهم مشكورا، لذا يجب ان ندرس ونفهم ونستوعب طروحاتهم لكي يمكن لنا ان نجادلهم بالتي هي احسن وليس الاتهامات بالعمالة والصهيونية وانهم اذناب للامبريالية وغيرها من الاسطوانات المشروخة التي انتهى دورها واصبحت من ماضي بعيد لايتلائم مع عصرنا الحالي عصر الحوار والعقل والانفتاح والتمدن.

يقول الاستاذ اللامي في مقالته الجميلة ان الباحث الربيعي اخطاء في ما كتبه ان القدس ليست اورشليم والباحث فاضل الربيعي يستند على معطيات اركيولوجية توكد على ان موقع القدس الحالية لم تكن موقع القدس القديمة وهذا من البديهيات فان القدس التي سكنتها قبائل اليبوسيين لم تكن بنفس مساحة القدس التي احتلها داود ووسعها وانسحب عمرانها كثيراعن موقعها الاصلي والذي كان يشغل حيزا صغيرا من جوانب تلة انتشرت فيها بيوت واكواخ لساكنيها من اليبوسين وما ان استحلها داود وجعلها قاعدة حكمه حتى تغيرت حدودها فليست حدود قدس داود هي نفسها حدود قدس سليمان او حدودها اليوم. فان انسحاب العمران ربما باتجاه واحد او بعدة اتجاهات يغير الطبيعة الجغرافية لتلك المدينة او المنطقة . ولنستمر في الحديث عن اورشاليم وباسمها العربي القدس الحالية ولناخذ عمان والتي والي اعوام الستينيات من القرن الماضي كانت تمتد على مساحة جبل عمان وبعض الاطراف القريبة واليوم تمتد وتتوسع عمان فتشمل الجبال او التلول السبعة التي تمتد عمان عليها، وسوالنا هل كانت بغداد الثلاثينيات من القرن الماضي بغداد الربع الاول من القرن الحالي ام هل كانت بغداد ابا جعفر المنصور المدورة هي بغداد اليوم؟ والحق ان اوشاليم اليبوسية ذات الاصول العبرية وليست كما يحاول جاهدا بعض اساتذتنا الكرام الاصرار على كون اليبوسيون كنعانيون عرب وهي مغالطة اسف ان اقول انها مقصودة فالكنعانيون ليسوا عربا وهم حاميون والعرب ساميون فهولاء الكنعانيون هم ابناء عمومية الساميين اكانوا عربا او عبرانبيون. فاوشاليم لم تكن انذاك سوي قرية صغيرة توسعت واختلفت طوبوغرافيتها بعد داود وسليمان وغيرهم وحتى اليوم . وملاحضة يوردها الاستاذ اللامي بتاكيده على ان القدس ورد ذكرها في التوراة في سفر اشعيا ونحميا وباسم القدس كما جاءت في التوراة المترجمة الى العربية من الارامية والعبرية وهذا قول صحيح الى حد ما ولكنه قول لايراد به حق ومع الاسف الشديد فالاستاذ اللامي لم يدرك او تجاهل عامدا ان كلمة القدس هي كلمة القدشايا في العبرية وتعني المقدس وعندما تم تعريب التوراة والانجيل وخاصة على يدي الاخوة من ال اليازجي العرب اللبنانيون واخرين وعربوا الكلمات من العبرية الى العربية فكان يتوجب عليهم ان يكتبوا قديشايا ولكنهم كتبوها قدس كما تلفضها الاعراب لتسهيل الامر على قراء الكتاب المقدس من غير الناطقين بلغة السريان الارامين او العبريين. فلا يمكن ان نستند على نطق كلمة تم تعريبها عن كلمة في كتاب ارامي الحرف هو التوراة تم تعريبه من لغته الاصلية الارامية السريانية والعبرية وهي كما نعرف حروف من احرف القران السبعة . وعجبنا الشديد كيف فات على الاستاذ اللامي مثل هذا الامر وهو الاستاذ النبه الضليع؟ وهو نفسه من ينكر ان الكلمات واسماء المواقع التي جائت في كتابات اساتذة افاضل مثل د.كمال الصليبي من التحويرات في لفظ اسماء للمواقع التي وردت في جغرافية التوراة ومحاولته مطابقة تلك الاسماء على مايلفض او ما يطلق عليه اليوم في بلاد عسير ونجد،ومن حيث يرفض الاستاذ اللامي مجمل حديث التحويرات اللفضية على اسماء الاماكن المتشابه من كلمات مواقع التوراة العسيرية ويقبل بالتحويرات اللفضيةالتي تاتي من اخرين وبشان اماكن اخرى عامدا لانها تخدم طروحاته اليس هذا هو الكيل بميكيالين، وفي مكان اخر نطالع ما يحاول ان يوكده استاذنا اللامي ان كلمة القدس كانت شائعة ومعروفة في زمان النبي وتحدث عن السيدة ميمونة بنت الحارث زوجة النبي محمد وعن نذرها في زيارة البيت المقدس (المقدس تاتي مثقلة باللفظ) او ما خففته السنة العرب الى بيت المقدس فنقول للاخ اللامي ان النبي محمد تزوج نساء كثيرات ومنهم نصرانيات كالسيدة خديجة بنت خويلد وماريا القبطية والاعتقاد بان السيدة ميمونة بنت الحارث واخريات كانت على دين النصرانية، وكانت ايام الاسلام الاول ايام تسامح ديني وانفتاح في الفترة المكية للدعوة المحمدية، فلابد ان السيدة ميمونة حالها حال الكثيرين من المسيحيون او النصارى الذين يعرفون قصص ديانتهم ومواقع مولد انبيائهم وشخوصهم ورموزهم ويحنون دائما الى مكان مولد وموت وقيامة السيد المسيح عليه السلام وامه مريم، ولا ادري هل يستطيع السيد اللامي ان يدلني على سبب يجعل السيدة ميمونة بنت الحارت تنذر هذا النذر؟ لو لم تكن غايتها الحج الى مكان تعرف وجوده وتسميته حيت ولد ومات وقبر وقام السيد المسيح لتتبرك بمكان مولده وموته وقبره وقيامته وهي امور تعلمتها منذ صغرها واسماء الاماكن بلفضها العربي . ام هل كان نذرها بدافع السياحة والاصطياف مثلا، هل يعتقد احد ان العرب لم تكن تعرف بيت الهيكل المقدس واغلب تجار العرب قد زاروا الشام وبلاد فلسطين وبلاد ما بين النهرين وحكو ا للناس عن زيارتهم لمكان مولد السيد المسيح ومحل صلبه وقبره وقيامته وهل هناك من ينكر ان الجزيرة العربية كانت مكانا للكثيرين من النصارى من اتباع المسيح ولنا من الامثال السيدة خديجة زوجة النبي محمد وورقة بن نوفل مطران قريش وابن عم خديجة والنبي محمد وبحيرة الراهب النسطوري السوري المطرود من المجمع والملتجي هاربا الى عمق الجزيرة العربية لاجئا عند ورقة ابن نوفل والكثير من الاسماء مثل مطران اليمن محمد بن مجاشع. اني استغرب من باحث واكاديمي بارع كاستاذنا اللامي ان يتمسك باحاديث وعبارات منمقة وخطاب اغلبه لايمت للحقيفة الكاملة عن بحوث اركيولوجية معينة تثبت او تنقض ان كانت اورشليم الحالية هي نفسها اورشليم اليبوسية وماذا سينفعنا نحن العرب وينفع قضية الفلسطينيون من كل هذا؟ هل تعتقد بان العرب والفلسطينيون والعبرانيون اليهود ولنقل الاسرائيليون لا يعرفون يقينا ان لب المشكلة يكمن في ان شعوب العالم كلها تبحث عن تواريخ تلتجي اليها لتثبيت حقوق اغلب الضن انها ماكانت ستكون حقوق لو لم تتعززبادوات القوة والمنعة، هل هناك اليوم وفي عالمنا المتمدن من لايعرف بشكل قاطع ان محتويات الكتب التي نسميها مقدسة تحتوي على ترهات ونصوص لايقبلها العقل الواعي؟ ام هل هناك متحضر وفي عصر السفر عبر الاكوان من يصدق ترهات التوراة وقصص الخروج الاسطورية وملحمة الطوفان وحرب قاين وهابيل واخنوخ الذي سار مع الله وايليا الصاعد الى السماء محمولا على الغمام ام قصة يعقوب ودرج السماء فلو ان هناك من يصدق هذا الحديث الرمزي فلابد انه واهم وغارق في لجة بحر متلاطم من طلاسم واسحار فعن اي بحر شقه موسى بعصاه وعبر الى الجهة الاخرى ستمائة الف رجل عدا النساء والاطفال والخيل والمواشي والبعران مثلا،وعن اي فرعون وجيش مصري غرق في لجة المياه وهو خبر يخلوا تاريخ مصر الفرعونية منه وهم المشهور عنهم بتسجيل تاريخهم صغيره وكبيره، وعن اية ضربات عشرة انزل موسى المتعاون مع شيطانه يهوي الاذى بشعب مصر؟ استطيع ان اعطي امثلة لاتعد ولا تحصى عن منقولات التوراة من اساطير بابل واساطير اشور وسومر واساطير مصر الفرعونية وعن ما تناقلته ونقله كتاب السبعينية من اخباروترهات مخجلة لايصدقها حتى اكثر متطرفي اليهود من ابناء الشعب الاسرائيلي وعن ترهات لم يؤمنوا بها مطلقا وانما استخدموها لاقامة دولة لهم وكتابة تاريخ لشعب لاتاريخ حقيقي له، فلو ان حكام اسرائيل الحاليين يؤمنون بقصص الخرافة لما كانت الغالبية العظمى من حكام اسرائيل ملحدين ولا يصدقون بترهات التوراة والتلمود وغيرها من الكتب التي كتبت على ضفاف دجلة والفرات، اعود واسال سادتنا الكتاب المحترمين لماذا لانحترم حقوق الاخرين ونسمح لانفسنا ان نطلع على منتجات العقول المتمدنة ونناقشها بعلمية فنصدقها او نفندها بالدليل والبرهان، ولماذا الحروب والمنازعات على مسالة اصبحت ملكا لتاريخ لم نعد نستطيع ان نبدل من وقائعه وحروفه شيئا، اليس الاجدر بنا ان نتطلع الى بناء تاريخ مشترك مسالم امين يعيش فيه ابناء فلسطين بامن وامان مع الاخرين، ماذا سنفعل عندما تحل الكارثة القريبة عندما تتحول اورشليم القدس البيت المقدس او افلنسميها ماتشاء الناس تسميتها وقبل ان تصبح القدس عاصمة ابدية لاسرائيل وعندها سوف يتم حصر الفلسطينيين وحشرهم في كانتون ضيق وهو ماسيحصل بلا شك بسبب من عنجهية حكام لم يفهموا ولن يفهموا حقيقة العمل من اجل مصالح شعوبهم وليكسبوا السلام العادل لشعوبهم؟ لنحمل معاول البحث ولنبداء بنبش معوقات السلام ولنبحث في جذور مشتركة تضمن اسعاد شعوبنا . ونعود الى انفسنا فنبحث بعقلانية وتجرد عن الكم الهائل المدسوس من القصص الخرافية التي ضخت الى عقول المسلمين من قصص الاسرائيليات واعتبرت من المسلمات المحضور والمقدس والتي لايمكن المساس او البحث في صدقيتها لانها تمس صلب العقيدة وتهز اركان الايمان، اعود واذكر اخوتنا المبتلين بوساوس البحث عن تواريخ كتبتها اصابع بائدة متطرفة وتمسحتها وتزايلها ايادي صادقة لتكسب منها احترام شعوب العالم . وهل سيستطيع قول جنابكم بان اورشليم القدس يجب ان تعود لسكانها العرب من اقناع العالم اليوم بان الحق عند العرب فقط ولاحق لليهود فيها، وكيف ستعزز مطالبنا ان كننا لانملك ملتزمات القوة والحجة والاقناع؟ ان حق العرب في ارض اسرائيل اذا حاولنا الحديث بنفس منطق جنابكم الكريم هو حق نسبي كما هوحق اليهود في شبه الجزيرة واليمن والعراق هو حق نسبي كذلك وعلى الرغم من قول احد الاخوة الذي علق على مقالنا بان الحق الذي تفرضه شرعة الامم المتحدة هي للشعوب الساكنة منذ مائة او مائتي عام فتواجدها على اي ارض لهذه المدة يمنحها الحق في استحلالها فهل ينطبق الامر على الدولة العثمانية وحقوق مشروعة مكتسبة لها في بلادنا العربية، ولست هنا في موضع التشكيك بمقولة الاخ لاني وببساطة لم اسمع او اعرف ان هناك مثل هذا الشرح عن حقوق للشعوب القاطنة او التي استوطنت ارضا لاخرين واستحلتها بالتقادم فاجوا معذرتي عن جهلي .هل ان البحث في الاثار من ازمنة وتواريخ قديمة تظل هي الحقيقة المتوارية تحت استار و رمال التقادم والزمن بشكل مطلق ودليل مادي على احقية معينة لاناس معينين ام ان الموضوع يصبح من تراثيات زمن غابر انتهى الى الابد، ام ان الحقيقية المجردة لحقوق الشعوب ا هي في مقدار التراكم التاريخي والحضاري لتلك الشعوب التي سكنت ونشائت واسست واثرت البشرية والتاريخ الانساني ولاتزال تتواجد وتبني بشكل فاعل، وهل سننكر ان العرب جائوا الى ارض الرافدين والهلال الخصيب وارض سوريا وارض فلسطين محتلين ولنهذب القول فنقول فاتحين لاعلاء كلمة الله وكان كلمة الله لم تكن الاعلى والمسموعة بين شعوب المنطقة والتي كانت المسيحية واليهودية والصابئية والزرادشتية هي السائدة فيها، فجاء العرب وسكنوا فيها واصبحوا جزء من تاريخها وتراثها، ام هل سننكر ان بني اسرائيل من ابناء السبي سكنت ارض بابل وسومر واستمر وجودهم وحتى نهاية القرن العشرين، فهل سنقبل بحقوق هذا الشعب الذي سكن العراق منذ 27 قرنا وهل سنقر لهم بمطاليبهم متى ما ادعوا بها مقابل ما نريده لشعبنا العربي هناك في فلسطين، ويبقى لدينا سوال منطقي تمنيت ان لا اطرحه على هولاء السادة الباحثين الكرام لماذا تفتحون على الامة العربية ابواب جحيم نحن في غنى عنه وحتى ياتي من يقول كما يفعل اخرون ان ارض عسير وارض نجد والحجاز هي ارض صهيون التوراتية ويفتحوا علينا ابواب جهنم بمطالب لاقدرة لنا على مجابهتها لاسامح الله؟ ثم اود ان اسال الاخ الباحث المتعمق السيد اللامي عن الخلط في توصيف المسيح مناطقيا ولو على سبيل كقضية الخلط اللغوي باسماء الاماكن الجغرافية مثل ان المسيح قد يرتبط اسمة بالناصرية في جنوب العراق وهي مغالطة مقصودة وتشويش على الحقائق اريد بها اثبات ما لايستحق الاثبات فقط من اجل الحديث الذي لامعنى له وهو امر لم يقله احد مطلق ولم نسمع عنه ابدا. فيسوع الناصري وهوالرجل الذي ارتبط اسمه بمدينة الناصرة من اعمال فلسطين والتي شب فيها واخذ اسمها فلا يمكن لاي عاقل ان يربط اسم مدينة عمرها اكثر من الفي سنة عاش بها المسيح طفولته وشبابه وتقع في فلسطين ومدينة حديثة اسمها الناصرية وتقع في محافظة اور في العراق فاي خلط هذا ياسيدي الاديب الباحث الكبير؟ كم اتمنى سادتي الافاضل ان نستمع الى كل الاراء ثم نزنها بميزان العقل والحقيقة كما يفعل باقي البشر من ابناء الشعوب المتحضرة والمتمدنة والعقلاء منهموعندها سنجد ان مايكتبه الباحثون على اختلاف مشاربهم وافكارهم وخبايا نفوسهم هي قضايا تستحق منا ان ندرسها بعمق ونستخلص منها العبر والحقائق ونترك الغث منها فليس كل الباحثين في شؤون الاثار والتواريخ انبياء منزلين بل ان بينهم وخاصة بين الباحثين اليهود من يقر ويعترف بحقائق تنقض الكثير من فرضيات اليهودية وتعارض كتابات التوراة وطروحاته بل تسفه اقوالها وهو امر نحسدهم عليه نحن العرب والمسلمين الذين لانجروا على قول كلمة الحق بل نغض الطرف غالبا لاننا نخاف ان نتحدث في المحرم والممنوع فهل سمعنا من احد كتابنا وباحثينا وخاصة في هذا الزمن القول ان قبور متنبي بني اسرائيل المنتشرة على كل ارض العراق هي قبور لاقدسية فيها ولا اهمية لدين الاسلام بها فجعلها المسلمون جوامع ومساجد واماكن للزيارة والكسب المادي والارتزاق؟ هل قال احد كتابنا وبحاثتناان الكفل مثلا ليس مقاما اسلاميا بل هو مقبرة لحاخام يهودي من اهل السبي، او ان مدفن الخضر وهو قبر لحاخام يهودي اخر مدفون هناك، اوان الدير في طريق العمارة بصرة ليس مكانا اسلاميا ولا كان يوما جامعا بل هو دير للرهبان عندما كانت ميشان وليست ميسان دارلابرشية نصرانية، وهل سمعنا يوما من الايام ان احدا من باحثينا قال موكدا ومثبتا للحقيقة الناصعة ان دير براثا هو دير نصراني اغتصبته ملة الشيعة عنوة وبحجة باطله واسموه جامع براثا،وهل قال احدا من ادبائنا وباحثينا او تجراء فقال ان اغلب   المواقع لمدافن متنبي بني اسرائيل في نينوى ما هي الا قبور لحاخامات يهود وجعلت اماكن يتم فيه انواع الزيارات والنذور واشكال الكسب المادي والارتزاق المالي، هل تحدث احد اثارينا وكشف صراحة وعلانية ما يعرفه اهل نينوي ان جامع النوري الذي دمره غلاة التطرف من الدواعش هو في حقيقته كنيسة دفن فيها اجداد اعيان وكبار اهل الموصل من المسلمين وهم ابناء النصارى الذين ارغمهم الفاتح على اعتناق دينه، نحن في غنى عن التعقيب على كتابات السيد ديب او المرحوم د.صليبي او الربيعي او يوسف زيدان او فراس السواح فهولاء ايها السادة كان الاجدر بنا ان نشكر لهم جدية بحثهم وسعيهم المشروع وبحثهم عن الحقيقة ورغبتهم في كشف المستور عن تاريخنا وتراثنا فهولاء سعوا وسعيهم مشكور. اما الحديث عن ان يوسف زيدان قد اخطاء في انكار ان يكون المسجد الاقصى هو المسجد الذي عرج واسرى به الى السماء منه النبي محمد وان باحثا اخر هو فراس السواح قد التحق بيوسف زيدان في هذا المسرى والطريق،فهل يقدر الاستاذ الاخ اللامي ان يحدثنا عن مسجد الجعرانة وبحكمته ومعلوماته الوفيرة المعروفة واين موقعه ولماذا بني قريب من المسجد الحرام؟ وكيف يكون المسجد الذي بناه خلفاء امويين بعد التحاق النبي بالرفيق الاعلى هو المسجد الاقصى الذي اسرى منه النبي الى السماء؟ ولو رجعنا الى كتابات تواريخ مكة لوجدنا ان المسجد القصي كان مكانا متواضعا بناه المسلمون في ايام ازمة الاضطهاد الذي عانى منه المسلمون من مشركي قريش ومنعهم من مزاولة صلواتهم واخيرا اود ان اوكد وكما يعرف جنابكم قبل الاخرين ان الكثير من الشراح والمفسرين لا يقبلون او يقرون بحديث الاسراء والمعراج لايمانهم بانه حدث لم يقع في الحقيقة وانما كان حلم راود النبي صلى الله عليه وسلم في منامه ويكفينا حديث السيدة عائشة عندما بلغها حديث النبي عن اسرائه ومعراجه وجوابها الذي لم يخلوا من الابتسامة العريضة عندما قالت قولتها الفصل !! متى اسرى به وهو لم يغادر الفراش فقد كان نائما بجنبي وتحت لحافي؟ والى حديث اخر ان اتسع صدركم لسماعه

 

المهندس صباح الوزير -  باحث في دراسة التاريخ

............................

مبحثنا التالي هو حقيقة قبة الصخرة والمسجد الاقصى وحائط البراق وحقيقة الاسراء والمعراج انشاء الله .                

 

داود السلمانبعض علماء الاجتماع يؤكدون على أن "الدين" يعتبر ضرورة هامة وملحّة للمجتمعات (كي تعيش بسلام ووئام)؛ ويشاركهم في هذا الرأي كثير من الفلاسفة، وخصوصا فلاسفة الاخلاق، كأسبينوزا وايمانويل كانت، واضرابهما؛ وعلماء الاجتماع انما قالوا بهذا الرأي لأنهم اعتبروا "الدين" منظومة اجتماعية، حيث بنوا بعض النظريات الاجتماعية على مبنى الدين، وكذلك فأن الدين هو ايضا اطمئنان نفسي وسلوكي للإنسان، وسنوضح ذلك بنقاط:

1- وجد الدين لترويض الانسان: فالإنسان صحيح أنه حيوان ناطق كما عبر عنه ارسطو، لكنه في نفس الوقت حيوان متمرد، أن صح التعبير، دائما ما تجده يتمرد على الظروف وعلى القيم وحتى على الواقع الذي يعيشه،  واحيانا يرتكب جرائم ويحدث احداث جسيمة، وبالتالي يربك المجتمع الذي يعيش هو وسطه، فيصبح ذلك المجتمع جحيم لا يطاق. وهنا فأن الدين يعطيه الحافز ويشحن فيه روح الامل بأن يجب عليه أن يعيش حياته كانسان فاعل في محيط مجتمعه، وبالتالي تطمئن نفسه، او هكذا هو يشعر. واذن فأن الدين، من هذه الناحية، هو ضرورة نفسية سلوكية للإنسان لا يمكنه الاستغناء عنهما.

2- الدين قوة لكبح جماح الانسان: وذلك فأن الانسان، اذا ما شعر، بفراغ روحي فأن نفسه تطمع الى الوغول في التصدي لأفعال قضايا (كالجشع والامتلاك والحصول على اشياء اخرى مادية كانت او نفسية) وهذه القضايا يراها أنه من حقه أن يحصل عليها، او تأتي من باب الفضول، واحيانا قلة المعرفة، وعدم المبالات بالمخاطر التي ستقع عليه فيما بعد، فيقوم بالسرقة، والاعتداء على الآخرين، وربما يقتل ويرتكب اشنع الافعال، في سبيل الحصوص على تلك الاشياء. وهنا فأن مسألة الدين، وهو قد وضعها نصب علنيه، فأنها سوف تمنعه، او قدر الامكان تذكره، بعدم اتخاذ قرار حاسم بفعل مثل كذا جنايات قد يندم عليها فيما بعد، ولا نريد أن نقول أن هذه القضية تكون هي المانع المحفّز الاكيد، لكنها قد تحد ولو بالشيء اليسير، والا فأن هناك مجرمون لا تنفهم هذه بتاتا.

3- الدين يحث البشر على وجود اله يراقب افعال الانسان ويحصيها عليه، وعند الممات سوف يعرض عليه تلك الافعال. فاذا كانت افعاله حسنة فسيحصل على جوائز ثمينة من ذلك الاله، وادخاله جنة فيها ما فيها من نعيم، كما وصفتها لنا الاديان الابراهيمية. فيحرص الانسان على فعل الخير ويتجنب الفعل القبيح، طمعا في الحصول على تلك الجوائز التي وعدت الاديان الانسان بها، واشترطت عليه شروط يجب تطبيقها حتى يحصل عليها، كي يسكن ذلك العالم بعد الممات ويعيش في سعادة ابدية. فيحاول الانسان قدر المستطاع تطبيق تلك الشروط.

4- هناك كثير من يعتقد: إن كل الاديان هي صناعة بشرية، وهناك من يختلف ويخالف هذا المعتقد، والاختلاف رحمة كما يقولون. الاختلاف كذلك هو من يديم الحياة ويجعلها حيوية وفيها امتداد وعمق في هذه الدنيا الفانية، وكم هو الانسان بحاجة الى هذا الاختلاف، فكما نحن نتذوق الطعم الحلو ونرغب به، فنحن ايضا لا نستغني على الاشياء مرة المذاق، حتى نميز بينهما. والذي اريد قوله هنا: إن هناك كثير من الناس لا تعيش من دون دين، ويفضل الموت كبديل، لكن المرفوض من الدين هو التطرف في الدين، فهذا نرفضه بشدة. أؤمن ايها المؤمن بما تؤمن به، ودع الناس في شأنها، لا تفرض ايمانك ومتعقدك على الآخرين، كلٌ له رأيه ورؤاه. وهذا الكلام مشمول به ايضا اللادينيين والملحدين والربوبيين والعلمانيين والليبراليين، فالتطرف في أي معتقد أو أي نظرية او أي شيء آخر من هذا القبيل هو مرفوض عقلا.

 

داود السلمان