عامر صالحفي الأزمات المستعصية على الحل لعقود يشتد فيها اعادة انتاج خطاب الكراهية للمكونات الاجتماعية القائمة على أسس من الجغرو طائفية وأثنية، وهو خطاب انتجته السلطة السياسية على شكل اسقاط سايكولجي لأزمتها على الآخرين من المكونات الأثنية والدينية والمذهبية في محاولة بائسة منها لتصريف ازمتها وتحميل الآخرين جوهر فشلها في بناء دولة المواطنة التي تسموا خارج الأنتماءات الفرعية، وبالتالي حصر المكونات في دائرة ضيقة وتشديد الخناق عليها في محاولة لدرء خطر أي مطالبة للتسوية الاجتماعية العادلة والاعتراف بأن المجتمعات الانسانية والعراق منها حصرا ليس حكرا على مكون واحد إن كان قوميا أو دينيا او ثنيا ومذهبيا، وبالتالي فأن اللجوء الى تجزئة المجتمع الواحد الى اجزاء متنافرة، قومية ومذهبية وجغرافية هو جوهر الخطاب الرسمي المعلن منه والمخفي لأثارة العدواة والبغضاء بين المكونات المجتمعية.

وقد استخدم هذا الخطاب لعقود النظام الدكتاتوري المنهار في 2003 ومن ثم اعادة انتاجه من قبل نظام المحاصصة الطائفية والاثنية الذي أتى به الاحتلال الامريكي. وكلا الخطابين نتاج للفشل الذريع في بناء دولة المواطنة الآمنة التي تحتضن الجميع الى جانب الفشل في تأمين مستلزمات العيش الكريم. وللأسف الشديد يقوم "اكاديمين" و"اساتذة" جامعات لترويج هذا الخطاب عبر الاستخدام التعسفي والغبي لبعض الدراسات في علم الاجتماع ومحاولات توظيفها لأضفاء الشرعية في تكريس التجزئة الاجتماعية خدمة لمصالح ابقاء النظم القمعية والاثنوطائفية واعادة انتاج الازمات ورمي مسبباتها على طبيعة المجتمع لا على طبيعة النظام الذي انتجها. 

ينتعش اليوم على خلفية الفشل والازمة العامة للبلاد استخدام مصطلح "الشروكية" ويتم تداوله في الاوساط الأمية وأشباه الأميين وتحميل ازمة العراق ومحنته وتعليقها برقبة "الأشروكين" دون معرفة دقيقية لهذا المفهوم والاستخدام ومن هم الأشروكين وكيف أتوا للعراق واندمجوا فيه بل وشكلوا جزء لا يستهان به من اجهزة النظام السابق القمعية، كقوى الأمن والمخابرات والأقبية السرية، كما يجري خلط جاهل وتعميم سفيه بأن الأشروك هم شيعة والشيعة هم الأشروك.  الى جانب كون نعت الشروكية ليست اكتشافا سنيا أريد به وصم الشيعة.

وهذا ما يؤكده علي الوردي في كتابه " دراسة في طبيعة المجتمع العراقي" حيث يقول: " ينبغي ان نذكر ان قبائل الفرات الاوسط  تنظر الى قبائل دجلة القاطنة الى الشرق منها نظرة لاتخلوا من احتقار.. وهي تطلق عليها اسم "الشروقيين" نسبة الى الشروق اي الشرق"(ص. ١٦١) و" ان قبائل الفرات الاوسط تنظر الى المعدان مثل نظرتها االى الشروقيين" (ص. ١٦١).. وعلي الوردي يضيف بنظرة قِيَميّة شائعة في كتبه ولا تمت لعلم الاجتماع بصلة لمن يريد قراءة الوردي نقديا وليست نصوصا جاهزة انتقامية :" يبدو ان قبائل الفرات الاوسط لها بعض الحق في احتقار المعدان .. فالمعدان لم يستطيعوا ان يحافظوا على القيم البدوية" ويضيف مستشهداً بالكاتب البريطاني ثيسيغر ان "لهم سمعة واسعة باللصوصية" (ص. ١٦٢). وهنا رغم تفصيل الوردي بالفروقات بمعنى الشروك، فأنه يلغي تأثير تحسين ظروف الحياة وانعكاستها في خلق ظروف افضل للعيش عبر تأصيل تلك السلوكيات سيكوفطريا. ولا اريد الخوض في موجات الهجرة التي أتت لجنوب العراق والاهوار أسوة بكل ما تعرضت له المنطقة تاريخيا من مختلف الهجرات.

أنه خطاب كراهية أنتعش في ظروف انتكاسة و يمكن القول ان الكراهية خطاب ذو طاقة انفعالية سلبية تلغي مكانة العقل وقدرته على التحكم منطقيا في الاحداث التي تجري في البيئة القريبة او البعيدة، وهو خطاب رافض للآخر ويسقط كل السلبيات على المختلف ويدعي لنفسه كل الايجابيات وهو يدافع عن العنف الذي يمارسه ضد الآخر ويرفض كل محاولات الدفاع عن النفس من قبل الآخر. وللتفصيل سأضع التعريف الآتي لخطاب الكراهية من عدة مراجع: 

كل ما يشتمل إساءة أو إهانة أو تحقيراً لشخص أو جماعة من منطلق انتمائه أو انتماءاتهم العرقية أو الدينية أو السياسية أو بسبب اللون أو اللغة أو الجنس أو الجنسية أو الطبقة الاجتماعية أو الانتماء الإقليمي أو الجغرافي أو المهنة أو المظهر أو الإعاقة هو خطاب كراهية ، وكل ما يشتمل تحريضاً أو قولبة لجماعة في إطار يثير التهكم والسخرية أو تقليلاً من قدر جماعة واتهاماً لها بالنقص والدونية وكذلك كل تبرير للعنف ضد جماعة ما وكل تعبير عن التميز والتفوق على الآخرين لأسبابٍ عرقية أو ما شابهها، وكل ما يشتمل معاداة للمهاجرين أو الأقليات أو تحريضاً على منعهم من الإقامة في مدن أو أقاليم بعينها وكل ما يشتمل اقتباسات وإحالات وإشارات فيها ازدراء أو تقبيح لجماعة عرقيّة أو جغرافيّة أو دينية، وكل تزييف أو تزوير أو تحريف للحقائق وكل استعارة أو تعبير مهين، وكل خطاب يفرق ولا يجمع، لا يصل بل يقطع هو خطاب كراهية.                                                                 

ولعل ابرز ما يستخدم اليوم بين صراع مكونات المجتمع العراقي هو مفاهيم تأصل العنف في الشخصية العراقية دون غيرها، وازدواجيتها الأبدية في التعامل اليومي والسياسي، وفطرية العداوة بين العرب والكرد وبين الوسط والجنوب وبين مكونات الوسط والجنوب نفسه الغير قابلة للحل إلا عبر اجتثاث الآخر ونفيه والخلاص منه. ونظرا لتعقد الخلافات الأثنو قومية والجغرو طائفية عبر تاريخ الدولة العراقية ومنذ تأسيسها، وعدم العثور على الحلول الانسانية والناتجة اصلا من غياب البنية السياسية والاقتصادية الحاضنة للمكونات، أصبح من السهل التعميم واللجوء الى الدراسات التي تأصل المشكلة وتبتعد عن الحل. وهو بالتأكيد عجز فكري ومنهجي لفهم السلوك الانساني. السلوك الانساني في معظمه نتاج الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، وأن التأصل النسبي فيه هو ناتج من تأصل الظروف التي انتجته تاريخيا وحاضرا.

وكما أن السلوك الفردي قابل للتعديل ويخضع للقياس والتجريب عبر التحكم في الظروف التي انتجته، فأن السلوك المجتمعي والمكوناتي هو الآخر قابل للتحكم فيه واعادة ضبطه وانتاجه أو تغيره عبر التحكم بمجمل الظروف التي تنتج مختلف انماط السلوك. 

وعلى نسق الدراسات السيكولوجية التي تجري لدراسة الوحدات الانسانية المتماثلة بيولوجيا ولكنها تعيش في ظروف متباينة، والتي تؤكد ان حتى التوأم المتطابق والمتماثل عند عزلهما في ظروف مختلفة انتجت لنا سلوكيات وشخصيات متباينة، ولم يجمعها مشترك الا بعض الملامح العامة ذات الطابع الجسمي، وعلى نسق ذلك لو اخذنا توأم كردي أو غير توأم احدهما عاش في المناطق العربية وغير العربية، والآخر بقى في بيئته الأم، فعلى ماذا سنحصل من نتائج لاحقا، وبالمقابل لو فعلنا ذلك مع اطفال عرب وتركناهم يترعرعوا في بيئة كردية مثلا، عن ماذا سنحصل. نتائج ذلك هي التي تدفعنا للتدقيق بعوامل الاختلاف سواء على المستويات الفردية والاجتماعية. 

ويشكل تدهور الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية من الأسباب القوية في زرع الكراهية والمناطقية والعنف في البنية المجتمعية، فانتشار الفقر وتدني مستوى الحياة وضعف الخدمات الاجتماعية من صحة وخدمات عامة، وكذلك ارتفاع نسبة الأمية الأبجدية والحضارية بين مختلف الفئات الاجتماعية وخاصة الفقيرة منها، واستشراء  الفساد بمختلف مظاهره الإدارية والمالية والأخلاقية، وغياب العدالة الاجتماعية في توزيع الثروات الوطنية واستئثار الحكم وحاشيته بالثروة الوطنية، جميعها عوامل تأسس للكراهية والحقد والعنف بين مكونات المجتمع.

أن العنف والكراهية الناتجة من الأسباب المجتمعة و المذكورة أعلاه تفضي إلى اضطراب في منهجية التفكير النقدي البناء وقصور في الفكر الجدلي الذي تجسده حالة العجز في الجمع في سياق واحد بين الأوجه الموجبة والأوجه السالبة، والعجز في الجمع بين المميزات والعيوب لمسألة ما سياسية كانت أم اقتصادية أم اجتماعية وسيطرة المستوى السطحي من التفكير الذي يشكل قناعا يخفي الحقيقة، وإطلاق الأحكام القطعية والنهائية بشكل مضلل، وطغيان الانفعالات وما يرافقها من نكوص على مستوى العقلانية والعودة إلى المستوى الخرافي، والى الحلول السحرية والغيبية، والى الإرهاب باعتباره واجبا " مقدسا " أو حلا قسريا للأزمة النفسية والسياسية.

 

د.عامر صالح 

 

صادق السامرائيالدماغ كون عضوي داخل جمجمة صلدة تحتاج إلى قوة لتحطيمها، لكن حقيقة الجمجمة أنها ذات أخاديد وخطوط إرتباط مع أجزائها وفي بعض عظامها هواء، والأدمغة التي تكون جمجمتها صلدة حقا ومغايرة لمواصفات الجمجمة الطبيعية، تكون قاصرة وغير قادرة على التفاعل الحيوي مع الحياة.

وبمعنى آخر أن طبيعة الجمجمة وصلادتها وسمكها وتجاويفها ذات تأثيرات متباينة على وظائف الدماغ، وقدرات إمتلاك العقل المتفاعل المتواصل مع بناء الأفكار وفضاءات الخيال الإبداعي.

ويبدو أن للأدمغة جمجمة أخرى غير عظمية وإنما نفسية، فالأدمغة تتمترس داخل جماجم نفسية، فقد تكون في جمجمة طبيعية لكنها أيضا في جمجمة نفسية صلدة، تتسبب لها بالتداعيات الناجمة عن إصابة الجمجمة بالأوستيوبتروسز، كفقدان الرؤية والسمع والعوق العقلي الشديد.

ترى كيف يضع البشر أدمغتهم في جماجم نفسية صلدة؟

من الملاحظ أن القوة تلعب دورها الأكبر في التمترس الدماغي داخل جمجمة نفسية صلدة، ويكون للكرسي أثر كبير في صناعة تلك الجمجمة.

وكما هو معروف فأن الجالس على كرسي السلطة، وعلى مر العصور لا يرى ولا يسمع ولا يفكر، فيتحرك وفقا لما في ظلمات الجمجمة النفسية التي تمترس في داخلها، وإنقطع عن فضاءات الحياة وأنوار الوجود بأسرها.

والمتتبع لما نسميهم بالطغاة والمستبدين والمدمرين لوجودهم الذاتي والموضوعي، يدرك بأنهم قد أمعنوا بالإنزواء داخل متاريسهم النفسية، وأحاطوا أدمغتهم بالقوى الموانع والمصدات حتى لتحسب أن رؤوسهم أثقل من الجبال، لما يحوم حولها من مصدات نفسية عاتية لا يمكن إختراقها والعبور إلى أدمغتهم.

وهذه الجمجمة النفسية التي حُشرت بها أدمغة المتسلطين على الآخرين، والذين تستعبدهم نفوسهم الظلماء، وتسوّغ لهم أجندات غريبة وتبعدهم عن المنطق السليم والبديهيات الواضحة، إستطاعت بناء ذلك الترس النفسي عبر مسيرة إنفعالية متراكمة العطاءات السلبية، التي تشابكت وتلازمت في مسيرة بناء الجدران التي لا تسمح بنفاذ أي شيئ، ولايمكنها أن توفر منفذا صغيرا لأوكسجين الوجود الإنساني، للوصول إلى بعض معطيات الأدمغة المعتقلة في المتراس النفسي.

وما يجري داخل الجماجم النفسية عبارة عن تفاعلات تعفن وفساد الأفكار،  ومنطلقات مخنوفة مستنقعة تفوح روائحها الكريهة في السلوكيات والقرارات المتخذة، والتي لا تجد فيها مَن رأى أو سمع أو نظر، وإنما هي إنتاج خالص أصيل لأدمغة محجوبة لا تتمكن من التحرر والإنفلات من قبضة جمجمة نفسية قاهرة ماهرة النداءات، والآليات اللازمة لتسخير طاقات السوء والبغضاء والإستثمار فيها إلى أقصى ما يكون الإستثمار السيئ الشديد.

وفي عالمنا المتعاظم التداعيات تجدنا نعيش حالات يومية متفاقمة معبرة عن سلوك تلك الأدمغة ونتفاعل معها بحيرة وإندهاش، ولا نعرف تفسيرا لما يجري سوى أن ننفعل ونحزن ونتألم ونغضب، ونغذي الجمجمة النفسية لأصحاب تلك القرارات والسلطات بمزيد من الصلادة والممانعة، والإمعان بالتصرفات القاضية بما توحي به أدمغتهم المعفرة بالبلاء.

والمشكلة أن هذه الأدمغة حالما تضع خطوتها الأولى على سبيل منهجها المظلم المقطوع، تنزلق في دوامة سريعة متوافدة من القرارات والتفاعلات، القاضية بزيادة متانة آليات الإندحار الأسود في داخل الجماجم النفسية المتزايدة الصلادة والممانعة والإنغلاق.

وفي هذا المحتدم القاسي والتفاعل المشبع بالمآسي تتغير الموجودات على بساط الأيام، وتتحرك بعشوائية وإضطراب يدفعها للدخول في متواليات إنقسامية وإصطراعية، ذات معوقات متنامية لأية حركة ذات قيمة إنسانية.

وهكذا فأن التفاعلات يشفطها ثقب أسود، ويعيد صياغها وتحرير طاقاتها ودمجها بذرات موجودات ساعية إلى الصيرورة والإنطلاق، في عالم تتوازن فيه قدرات الجذب والتنافر والتفاعل اللازم للحفاظ على جوهر الطاقات.

ووفقا لما تقدم فأن معضلة السلطة الأساسية في مجتمعاتنا وعبر العصور الطويلة، تتلخص بقدرات بناء الجمجمة النفسية المعوقة لمهارات التفاعل مع المستجدات، والمنغلقة على موضوعات وثوابت يتم تخمرها وتعفنها، وتحولها إلى نبيذ سوء وبلاء فيسكر به الجاثمون على الكراسي، ولا يستيقظون من سكرهم وغثيانهم إلا وقد تحول كرسيهم إلى تابوت، أو موقد متأجج يحرقهم، أو يكون العشماوي الذي سينفذ قرار ختامهم، وهكذا دواليك، ولا جديد في سوح الإستثمار بالويلات والتواصل في مسيرة التداعيات، التي تحيل موجودات الخير إلى أساطين شر وطوابير شرور.

فهل لنا أن نعمل على فتح نوافذ أدمغتنا لأنوار الحياة؟!!

 

د. صادق السامرائي

 

مجدي ابراهيممادام هناك استعبادٌ للنفوس الآدمية، ومادمنا نرى أحوالنا العربية تتردى بين الحين والآخر في مهاوي الذلة والمهانة، ومادمنا نشعر من أعمق أعماقنا بفقدان الثقة في أنفسنا، فلا نقدر مطلقاً على المواجهة ولا على وضع الحلول التي لا نخرج بها من مآزقنا اليومية والمستقبلية؛ فمن اللازم اللازب لدينا جميعاً - شعوباً وقادة، مثقفين وذوي اختصاص، كلاً في مجال اختصاصه - أنْ نبحث في الأسباب التي أدت إلى حصول هذه الظاهرة، حتى لكأنها لم تعد ظاهرة، بل صارت حقيقة لازمة واقعة ثابتة للشعوب العربية، وللأفكار العربية، وللضمائر العربية، وللقيم العربية على غير استثناء ..!

ولا نجد سبباً واحداً - بعد البحث الدائب الموصول - يؤدي إلى هذا كله سوى "فقدان الحرية"؛ فنحن أقرب في أحوالنا إلى العجز والضَيْم مِنَّا إلى التحرر من قيود الأغلال المفروضة علينا قسراً أو قهراً. وحيثما كان الاستبداد في أرض؛ فلن تقوم عليها الحرية أبداً؛ فالاستبداد في الأرض كالاستبداد في القلب، وكثيراً ما تجد في القلوب الضالة العمياء استبداداً يشغل حيزاً كبيراً من قناعاتها الداخلية ويحتل مساحة وافرة من منطقها الوجداني؛ فيَعْميها عن الحق ويعوقها عن التحرر اللازم للطلاقة وللوضوح ولإدراك الغاية التي من أجلها خلقت القلوب لإدراكها، لكنما الاستبداد هو الحائل المنيع يحجب عنها وضوح الرؤية فيصيبها بالغشاوة لينطمس أمامها نور الحقيقة فلا تعقل، بفضل استبدادها، شيئاً. وكذلك الأرض التي نَبَتَتْ فيها جرثومة الاستبداد قلما تقوم عليها الحرية أو ينشط فيها قانون الأحرار. ومتى وجدنا للحرية متنفَّساً استطعنا أن نضرب على الاستبداد والمستبدين بأيدي من حديد، عَسَانَا نزيل بتلك الضربات القاصمة بعضاً من أركانه الثابتة في أدمغة الذين يستبدون ولا يطيقون الوجود بغير تحكم الاستبداد!

وإذا نحن تكلمنا عن الاستبداد، تذكرنا من الوهلة الأولى كتاب الفاضل المرحوم عبد الرحمن الكواكبي :" طبائع الاستبداد"؛ الذي عرض فيه مع المقدمة فصولاً ضمَّنها : الاستبداد والدين، والاستبداد والعلم، والاستبداد والمجد، والاستبداد والمال، والاستبداد والأخلاق، والاستبداد والتربية، والاستبداد والترقي، والاستبداد والتخلص منه. وقد وصف "الكواكبي" في مقدمة كتابه أقرب خاصة نفسية للمستبد وأدناها بساطة إلى أفهام الناس؛ فمَنْ هو المستبد في مفهوم الكواكبي؟

إنما المستبد هو الذي :" يتحكم في شئون الناس بإرادته لا بإرادتهم، ويحاكمهم بهواه لا بشريعتهم، ويعلم من نفسه أنه الغاصب المعتدي، فيضع كعب رجله على أفواه الملايين من الناس يسدّها عن النطق بالحق والتداعي لمطالبته، وأن المستبد إنْ هو إلا رجل عدو للحق، عدو للحرية، وهو قاتلهما، والحق أبو البشر والحرية أمَّهُم..." (أ . هـ، ص : 8). فمعنى الاستبداد لغة : هو اقتصار المرء على رأي نفسه فيما ينبغي الاستشارة فيه. فلئن كان مبنى علم السياسة هو أنه :" إدارة الشئون المشتركة بمقتضى الحكمة"؛ فالطبع يكون أول مباحث السياسة، وأهمها "الاستبداد" هو :" التصرف في الشئون المشتركة بمقتضى الهوى" (طبائع الاستبداد : ص4 - 5).

لست بصدد عرض الكتاب ولا إبراز جوانبه المضيئة فهو موجود متاح بين يدي القاريء العربي، ومن أراد المزيد فليرجع إليه، لكنني أتحدَّث هنا في هذه العجالة عن الاستبداد الفكري وتوابعه من فقدان الحرية. والرأي عندي أن الحياة الفكرية إذا انصلحت، انصلحت معها سائر الحيوات الثقافية والاجتماعية والسياسية، وغير هذه كلها من حيوات تستمد شعلتها المستنيرة من مادة الفكر المتوهجة، كلما أضاءت، أضاءت ما حولها من حيوات أُخَر. وإذا هى انطفأت وتآكلت شعلتها، فلن تجد من الوضاءة ولا من النور ما يهيئ الحياة في مجملها إلى الاستنارة والتفكير.

وعليه؛ فمادة الفكر لا تترعرع ولا تنمو إلا في ظل الحرية ولا يرجى من ورائها ثمرة في ظل القهر والتسلط وضيق الأفق وتسطيح المفاهيم، ولن يكون الفكر فكراً حراً وهو في عين الوقت مقيّد بأغلال الاستبداد والاستعباد. ولستُ أشك في أن أهون صنوف الاستبداد في مجال الفكر هو الاستبداد بالرأي، ومحاولة فرضه على الآخرين، على غير قناعة منهم، ولكن على شرط المستبد الذي يفرض رأيه لا على شرطهم هم، دون أن يكون هنالك ما هو أحرى لمواجهة الفكر بفكر مثله، والرأي برأي يخالفه أو يضاده.

إن الأزمات السياسية والاجتماعية والثقافية في الوطن العربي من خليجه إلى محيطه، مَرَدَّها إلى اغتيال التفكير المستنير وفقدان لغة الحوار العقلي وخنق حرية الرأي فكراً وقولاً، لفظاً وتعبيراً، نظراً وعملاً، شكلاً ومضموناً، ثم غلق باب الاجتهاد غلقاً شديداً محكماً حتى لا يتصور أحد، ولا يمكن له أن يتصور، إنه ليس من المناسب قط أن تقام فينا حرية على أنقاض العنت والجهالة والتعصب وإعجاب كل ذي رأي برأيه، لكأنما هو وحده الموجود ولا موجود سواه. هنا نطالب، وينبغي علينا أن نطالب، وأن نلحَ في المطالبة، بمزيد من حرية الرأي والتفكير لتتسع أمامنا الرؤية وتنقشع من ثمَّ سحب الظلمات التي تترائى باستمرار في ظل الاستعباد وفرض الرأي بالبطش والقوة أو بالكيفية التي تتشابه مع البطش والقوة على تعدد الوسائل في ذلك، وتداخل العناصر المشتركة في تلك الوسائل، مما يصعب معه التنفُّس في جو مُلَغَّم ببطش النفوذ وسطوات الاستبداد.

الاستبداد الفكري دليل مباشر بل هو من أقوى الدلالة على التخلف العقلي وظلام الرؤية وانطماس البصيرة فى غير وضاءة ولا شروق؛ فلا يستبدُّ بفكره عقل مستنير، ولا يفرض رأيه على الناس رجل عرف للحرية الفكرية معنى وقيمة ودوراً ومسؤولية، وإنما الذي يفرض الرأي بقوة المنصب، أو بقوة الرياسة، أو بقوة السطوة والمنعة والنفوذ، أو بما شئت أن تضيفه أنت من طواغيت السلطة، لهو أقرب إلى الاستبداد في الفكر واستعباد الذين يفكرون ويجتهدون.

وإنه لمِمَّا يصيب الإنسان"المفكر" بالغصَّة المريرة الخانقة هو أن يكتم له رأى، أو يقصف له قلم أو يرد مدحوراً إلى ظلمات التخلف والرجعية، فيستسلم لأهواء الآخرين غير راض بما هو مفروض عليه قسراً من آراء أو أفكار تنبعث عن قلوب يعلم الله وحده خرابها، وعن عقول يعلم الله وحده جهالتها وخرافتها وقلة حيلتها فيما تفكر أو تكتب أو تقول، ذلك لأنها عقول لا تتصف بشيء قدر ما تتصف بــ" الصَعْلكة الفكرية"، ولأنها كذلك قلوب لا تحمل غير الحقد والضغينة لكل مجتهد صابر على الاجتهاد ذي أصالة.

معنى أن الإنسان مفكر؛ أنه كائن حرُّ فيما يفعل أو يقول، لا يدين للولاء في قوله أو في فعله إلا للذي خلقه، فهو وحده المسئول أمامه، وهو وحده الذي يحاسبه فيما يفعل وفيما يقول، فإن التفكير إرادة، والإرادة طاقة داخلية حرة وعاملة لها توجهاتها نحو ما ينبغي أن تناله وتصبو إليه من مطالب وأهداف، فإذا ما قَيَّدَتها في الإنسان قوى خارجية، فلن يصبح في تلك الحالة إلا حيواناً أعزلاً لا عقل له ولا تدبير؛ فإن الحيوان بمعنى مطلق النزوع إلى الحيوانية هو الذي يمتلك إرادة تقوده إلى مطالب حياتية وكفى، فهو الذي يأكل ويشرب ويتناسل بمقتضى الإرادة النزاعة دوماً إلى هذا الفعل أو ذاك، حين ينزع نزوعاً تدفعه إليه طاقة الدم واللحم لا طاقة العقل والتفكير، بمعنى أنه يريد أن يأكل، ويريد أن يشرب، ويريد أن يتناسل من غير تفكير فيما يريد، ومن غير تدبير ولا روَّية، بحكم الغريزة فقط يريد، ولا حكم لغيرها عنده فيما يتناوله من شئون الحياة، وليس في مستطاعه أن تحكمه سواها، لا لاشيء إلا لأنه حيوان وكفى.

ومعنى أن يكون الإنسان كائناً مفكراً، هو نفس المعنى الذي يكون فيه حراً فى اختيار هذا الفعل أو ذاك، له أن يفعله إنْ شاء، وله أن يدعه، وسيكون مسئولاً مباشرة أمام الله عما عَسَاه يلاقى على فعله من جزاء : إنْ خيراً فخير، وإنْ شراً فشر. وقد تقررت المسؤولية في عقائد الدين وعرفت بهذا التقرير فهى لن تستقيم قط بغير اجتماع ركنيها الأساسيين : العقل من جهة، والحرية من جهة أخرى. ولا تعني المسؤولية في عقائد الدين خروجاً بالعقل إلى حيث الحرية المطلقة، تلك التي تفضـي به إلى اللامبالاة وعدم الاكتراث؛ لأنها لو كانت كذلك، لكانت غفلة وعبثاً، ولكانت فوضى لا نظام فيها، ولكنها تعني طاعة شاملة "للضمير الإنساني"، يتحرَّر به الفرد من العلائق والقواطع والعوائق والأغيار. لكأنما الدّين يقر المسئولية ولا ينفيها، ثم إنه لا يطلقها عبثاً في غير قيود.

ومن أجل ذلك؛ فلا تتقرر المسئولية الفردية على الكائن الحر المفكر من أعضاء الجماعة البشرية التى يعيش معها في مجتمع واحد أو في بيئة واحدة، ولكنها تتقرر عليه من قبيل "ضميره"، وإلا فلن يكون حراً على الحقيقة؛ لأن الفكر والضمير هاهنا مترابطان، لا انفصام بينهما، فإذا أنا كنت حراً في مجتمع معين، فمعنى ذلك أنني صاحب "ضمير" يعاقبني على ما يصدر عنى من آثار في مجال القول والفعل، أو في مجال التصرف والسلوك. فالرقيب الحقيقي على "الفعل" الإرادي الحر هو "الضمير" لا الجماعة البشـرية، ولا القانون، ولا العرف، ولا التقليد، ولا شيء غير أولئك جميعاً. ولكننا مكبلون من الدخل بأغلال القوانين الوضعية، وأغلال العرف والتقليد، كما هو الحال في فرائض الجماعة الحديثة التي يعيش بين آحادها الإنسان، ومادُمنا مكبلون بضمائرنا التلفانة ومقيدون بأهوائنا الفاسدة، فلن يكون الإنسان منا حراً على الإطلاق؛ لأن حريته تلك موهومة، فهو حر باللفظ واللغة والحرف لا بالمعنى والجوهر والحقيقة، حر بالكلمة لا بالفكرة، وفى الظاهر لا في الباطن، وفى الشكل لا في المضمون ... وتلك الحرية بلا ريب عَرَضيَّة لا حقيقية، فارغة في الأساس من المعنى.

إنما الحرية الحقيقية هى قدرة الإنسان المفكر على إجادة التفكير والتعبير فى شئون الدنيا وشئون المصير غير عابئ بترهات المجموع وأباطيل العجزة المفلسين، وإني لأعني بإجادة التفكير والتعبير؛ ذلك التّحَرُّر من سطوات الأغلال الخارجية والداخلية على حدٍ سواء. فالسطوات الداخلية ممثلة في الضمائر الخربة والقلوب المريضة والتوجهات الخبيثة والدسائس الماكرة ومكائد الزملاء والقرناء والأنداد التي هى العائق الأحمق أمام حرية التفكير. والسطوات الخارجية ممثلة في القوانين الوضعية وأغلال العرف وقيود التقليد ونفوذ السلطة، وتسلطها على الضمائر واستبدادها بنفوذها. هذا فضلاً على أهواء الآخرين بكل ما يصدر عنهم من مطالب عائقة بالطبع عن حرية التفكير لهى هى التي تقف عقبة كأداء أمام العقل المستنير والفكر الجاد، ولا يعنى مثل هذا التحرر من السطوات بشقيها (الداخلي والخارجي) تسيُّباً واستخفافاً بما هو أصيل وتليد من القيم والأعراف والتقاليد، بل يعنى حرية الفكر، وحركته الحيوية في فهم كل قيمة نبيلة وكل معنى أصيل.

إذا نحن عرفنا للحرية الفكرية معنى، وقيمة، وريادة، فقد يسوؤنا مثل هذا العَسَف الضال يستشري في حياتنا كلها، لا نستثني منها حياة من الحيوات، بمقدار ما يسوؤنا هذا القهر وهذا التسلط مما تراه أمامك من ذوى السلطة والنفوذ، فقلَّ أن تجد شعاعاً من تلك الحرية يقفز إلى الساحة مطالباً بحقه في العقيدة والرأي واختيار اللفظ الذي يعبر عن رأيه واعتقاده، ولا تجد في الوقت نفسه ظلمات تحاول أن تكتمه كلما ظهر أو حاول الظهور، ولكن شعاع الضوء - كما كان المغفور له الدكتور زكى نجيب محمود يقول - مصيره إلى ظهور مهما طال احتباسه وراء حجب القهر والتسلط والعَسَف والتعطيل.

فمن استبداد الفكرة عندنا ألا نجعل لنقيضها وجوداً ولا نعترف بما يقابلها؛ لأننا لا نؤمن بوجود نقائض لأفكارنا ولا نقائص لآرائنا؛ ولأننا نتصور جاهلين أننا وحدنا الذين نملك حق خلق الأفكار وابتكارها، وغيرنا هم الذين يستقبلون ويجيدون فنون الاستقبال، مع أن الفكر ما سمى فكراً إلا لكونه يحتمل "الفكرة " ونقيضها، و"الرأي" وما يضاده.

هذه بداهة التفكير العلمي الصحيح، ولكنها عندنا حتى مع العلماء وأهل الرأي تصير أزمة خارجة عن اللياقة العلمية والأدبية؛ فيما لو أنك قلت هذا أو طبقته أو دعوت إليه. ولابدَّ مما ليس منه بدُّ : أن تتلاقح الأفكار المتناقضة والمتعارضة، وأن يكون الحوار بيننا شريفاً عفيفاً ذا غاية نبيلة، منزهاً عن لوثة الأغراض القذرة والأهواء الوبيئة، كيما تتولد، من بَعْد هذا، حياة فكرية منتجة وخصبة وثرية. لقد كان الراحل ذكي نجيب محمود يقول :" الأصل في الفكر إذا جرى مجراه الطبيعي المستقيم هو أن يكون حواراً بين " لا ونعم" وما يتوسطهما من ظلال وأطياف، فلا الرفض المطلق الأعمي يعدُّ فكراً، ولا القبول الأعمي يعدُّ فكراً؛ ففي الأول عناد الأطفال ، وفي الثاني طاعة العبيد".

ولكننا في زمن التسلط على الأفكار والضمائر، وتقويم العقول وتقييمها بمعايير ليست تستند إلى حرية القول والرأي والتفكير، بل تستند على المغالطات والأخطاء العلمية المزرية، وعلى الكذب والتجديف، وعلى العلاقات الشخصية والمجاملات البهلوانية بين الأفراد.

أقول؛ في زمن التسلط على الأفكار تختفي الحرية وتزول، ولا تكاد تجد لها شعاعاً من ضوء، الأمر الذي تسبَّب بالقطع إلى "فقر الفكر" أدى بدوره إلى إفساد الحياة الفكرية والثقافية عندنا فساداً شنيعاً بشعاً قلَّ أن يعالج. ومن أجل ذلك نكاد نقطع قطعاً، ونحن نتحدث عن تلك الظاهرة على الإجمال دون الدخول في التفاصيل لأن تفاصيلها أكثر من أن تحصى، بأن نظامنا التعليمي هو الذي تسبَّب في حدوث الاستبداد الفكري وبلادة العقول والأذهان، لا ينمي التفكير الحر ولا يغذي ملكات الإبداع ولا يطوِّرها، يقوم على الحفظ والتلقين، واستذكار الدروس ثم صبَّها صباً فى ورقة الامتحان، بنفس الكيفية التي تصب بها الزيت في قارورة بها ماء فلا تمتزج بها ولا تختلط، ومنذ متى كان الزيت يتصل بالماء فيكوِّن خليطاً مثمراً أو نافعاً؟ هكذا بالضبط العلوم التعليمية والدراسية في المدارس والجامعات : أكداس من الحشو، ثقيلة كالزيت كثيفة لزجة؛ إذا أنت صببتها في قرائح التلاميذ والطلاب تظل في عزلة عنها غير ممزوجة بالعقول ولا بالضمائر، فلا تتشكل منها شخصية علمية متكاملة أبداً، ولا هى بمسنودة على أساس قويم يهيئها للثقافة والاستنارة والتعقل وممارسة شئون الحياة - من بعدُ - على الوعي بتلك الجوانب المضيئة.

يوم أن كنَّا تلاميذ بالمدارس الأوَليَّة، كانت هنالك حِصّة دراسية تسمى بــ" القراءة الحرة"، ولست أدرى إنْ كانت موجودة حتى اليوم أم لا؟ كان التلميذ يطالع فيها كل ما يترائى له من مقبول المعارف على قدر استعداده، وبحسب ما تحكم به لديه مواهبه وهواياته، وكان أفيد ما فيها أنها حرة عن القيود، حرة عن ورقة الامتحان، حرة عن الرغبة في النجاح أو الرهبة من الرسوب. هذه القراءة الحرة هى التي جعلت البعض منا أديباً وشاعراً وعالماً وكاتباً وفناناً ومفكراً وصاحب قضية وداعياً إلى الإصلاح الفكري والثقافي، وهى التي جذبت العقول إلى التعرف على المكتبات العامة، بجانب العملية التعليمية التي تُفرض على الأذهان فرضاً فتكدَّها، وعلى العقول فترهقها، وعلى المشاعر فتثقلها بالتوابع والشوائب والتشتت وعوائق المسيرة العلمية الناجحة والمنتجة.

لا ينبت فكر حُر داخل مؤسسة تعليمية، وأكبر المؤسسات التعليمة والعلمية هى التي وضعت العراقيل أمام حرية الفكر، فهبطت به إلى أدنى، ورفعت من شأن التقليد والمحاكاة لأناس لم يتعلموا من التفكير معاني الحرية، ولا من الثقافة المحدودة بحدود التخصصات مقدرةً على الإبداع؛ وذلك لأن "التخصص" عقبة في سبيل الإبداع. يستقي الإبداع معينه من الشمول والسعة والحرية، فلا يشعل فتيل الإبداع شيئاً قدر ما تشعله الثقافة الموسوعية الشاملة. أمَّا هؤلاء الذين تعلموا فرض الرأي وسطوة السيادة الفكرية باعتبارهم أساتذة في مجال تخصصاتهم، لا يحق لغيرهم من الناس إلا أن يكونوا أتباعاً لهم وأذيالاً، فهم بهذا الاعتساف البغيض أبعد ما يكونوا عن الحرية الفكرية وأقرب ما يكونوا إلى الاستبداد بالعلم. هؤلاء هم الذين تمتلئ بهم أكبر المؤسسات التعليمية في بلادنا يمثلون في أنفسهم طواغيت للفكر، يفرضونه فرضاً على الطلاب بغير مراجعة أو رويَّة أو حتى اختلاف في وجهات النظر، كائناً ما كان هذا الفكر. المهم هو أن يُفْرَض على الطالب، والسلام! ولا عليهم بعد ذلك أن يكون الفكر خاطئاً أو ضعيفاً أو فقيراً أو تقليدياً أو ظلامياً أو خرافياً لا جدوى فيه أو منه. ونظراً لأننا محكوُمون في الغالب بأهوائنا الشخصية، ففي ظلِّ غياب الحرية غابت الموضوعية، وغابت تباعاً الحركة النقدية تستقيم بها التفرقة بين غثِّ وثمين، فاستحكمت فينا السطوات الفكرية تلازمها سطوات روحية، تشلُّ حركة التفكير والتعبير لدى طالب الدراسات العليا بدءاً من مرحلة الماجستير، ثم دخولاً في مرحلة الدكتوراه، ووصولاً إلى أبحاث الترقيات العلمية التي يكون نصيبها من المؤكد سلة المهملات، والطالب أسير لقهر الأساتذة الذين سبقوه بحكم الأقدميَّة.

تلك كانت ظاهرة - ومن أسف أنها لازالت! - منتشرة بوضوح في الجامعات المصرية، يُضَاف إليها ظواهر كثيرة في المجتمع كبَّلت الحريات، وفتحت الطريق أمام تجَذُّر الاستبداد وتسلط المستبدين، ناسين أو متناسين أن التعليم الصحيح والمنظم هو وحده "القيمة" التي ترفع الاستبداد وتوفر المسيرة الواثقة تجاه الحرية الفكرية.

أما بَعْد : أفنعود إلى الكواكبي مرة ثانية لنراه يضع قاعدة هامة من قواعد التخلص من الاستبداد يبْنيها على فكرة التحميس للتعليم والعناية به فوق كل عناية سواه.

فمن هذه القواعد التي وضعها الكواكبي في نهاية كتابه "طبائع الاستبداد"، قاعدة فحواها :" أن الاستبداد لا يقاوم بالشدَّة وإنما يقاوم بالحكمة والتدريج. أما الوسيلة الوحيدة الفعالة لقطع دابر الاستبداد؛ فهى عنده تكمن في ترقى الأمم في الإدراك والإحساس. وهذا لا يتأتى إلا بالتعليم والتحميس فيه ... (طبائع الاستبداد : ص98).

أذكر إنني قرأتٌ عدة مرات في مراحل عمرية كتاب طه حسين "مستقبل الثقافة في مصر"، وكلما عاودتُ النظر فيه يصيبني الاكتئاب الحاد .. يشعر من يقرأه للوهلة الأولى ويقارن بينه وبين واقعنا الحالي : إنّ الفرق أظهر ما يكون بين الأمس، في الماضي المجيد، واليوم في زمن فقدان القيم : واقعنا الحالي يقول إن مصرنا الحاضرة من ناحية التعليم أسوأ بكثير مما كانت عليه أيام طه حسين، وأن جهود الرجل في إصلاح التعليم والثقافة، وجهوده بالوضع العام الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، بل وكذلك جهود غيره من رواد التنوير، تكاد تكون قد ضاعت عبثاً، وأنه لا أمل - والحال على ما ترى - في الإصلاح ودرء الفساد، ما لم يتمُّ تغيير جذري في أنظمة الثقافة والتعليم.

مُعَلّم الإلزامي في السبعينات وما قبلها، أيام طه حسين (بقيمه وثقافته وأخلاقه)، وبوضعه الاجتماعي، أفضل بكثير من أستاذ الجامعة اليوم.

مستقبل الثقافة في بلادنا مرهون بتصحيح استراتجيات التعليم. ومستقبل الحريات في مصر متصل بتصحيح إستراتيجية التعليم. ومستقبل الفكر والقيم والإصلاح الاجتماعي والسياسي، كل ذلك مرتبط أشدّ الارتباط بالتعليم.

لله درَّ رائدنا المصري العظيم الدكتور "طه حسين"، حين أرسل نفسه على سجيتها في حلم رائع جميل فكتب في يوليو سنة 1973م وهو في بيير فول مورزين ما نشره في "مستقبل الثقافة في مصر"، يقول وهو يحدوه الأمل القريب في أن يشهد ويسمع ويرى :" مصر وقد بذلت ما دعاها إلى بذله من جهد في تعهد ثقافتها بالعناية الخالصة والرعاية الصادقة، ويرى مصر وقد ظفرت بما وعدها بالظفر به فانجاب عنها الجهل وأظلها العلم والمعرفة وشملت الثقافة أهلها جميعاً فأخذ بحظه منها الغنى والفقير والقوى والضعيف والنابه والخامل والناشئ ومن تقدَّمت به السن، وتغلغلت لذتها حتى بلغت أعماق النفوس وأنتشر نورها حتى أضاء القصور والدور والأكواخ، وشاعت فى مصر كلها حياة جديدة وانبعث في مصر كلها نشاط جديد، وأصبحت مصر جنة الله فى أرضه حقاً يسكنها قوم سعداء، ولكنهم لا يؤثرون أنفسهم بالسعادة وإنما يشركون غيرهم فيها.

وأصبحت مصر كنانة الله في أرضه حقاً، يعتز بها قوم أعزاء ولكنهم لا يؤثرون أنفسهم بالعزة وإنما يفيضون على غيرهم منها.. (مستقبل الثقافة في مصر: ص 297).

ثم مضي يقول : هذا حُلمٌ رائع جميل تمضي به نفس هائمة تحب مصر وأهل مصر في هذا الأفق الغريب من آفاق الألب، ولكنه حلم يسير التحقيق قريب التعبير. فإن مصر التي انتصرت على الخطوب، وثبتت للأحداث وظفرت بحقها من أعظم قوة في الأرض في هدوء وأناة وثقة بالنفس وإيمان بالحق، خليقة أن تنتصر على نفسها، وتظهر على ما يعترض طريقها من العقاب، وترد إلى نفسها مجداً قديماً عظيماً لم تنسه ولن تنساه". (مستقبل الثقافة في مصر: نفس الصفحة).

تُرَى ! هل تحقق حُلم "طه حسين" لبلاده، أم صادف "الأمل" الذي كان يحدوه عقبات الاستبداد؟

بادي الرأي عندي : أنه لولا وجود الاستبداد مُتَجَذِّراً وعميقاً فى التربة الفكرية المصرية، ولولا إهمال التعليم، وظهور طوائف وجماعات متطرفة تكره الثقافة التنويرية، ولولا فقد الحريات، ولولا العزوف الدائم المتعمِّد عن الاستماع إلى كلمات "طه حسين" وأمثاله من روادنا التنويريين، لولا ذلك لتحقق الحلم واقعاً فعلياً يحياه المصريون على كافة الأصعدة، وينعمون بما يحييون في شتى المجالات.

 

د. مجدي ابراهيم

 

منى زيتونالملاحظ لي من خلال متابعتي لكثير من النقاشات التي يكون طرفًا فيها بعض من غير المتابعين للصراع العلمي والديني في تفسير التنوع الحيوي أن كثيرين يخلطون بين الاتجاهات المختلفة التي تُفسِّر النشأة الأولى للأنواع الحية. لا أتحدث هنا عن تبني أحدهم اتجاهًا محددًا ضد الآخر؛ بل أعني أنهم قد لا يعرفون حقيقة كل اتجاه على حدة، كما أنهم بالفعل يخلطون بين الاتجاهات المختلفة بعضها وبعض، ويخلطون بين ما هو علمي وما هو ديني من بينها.

إلى وقت قريب كان من يقرأ في تفسير نشأة الأنواع الحية يجد نظريتين كل منهما لها بعض الدعم من المجتمع العلمي، مع تفاوت مقداره، تضع كل منهما فرضيات لتفسير الخلق الأول، وبقدر اتساق فرضيات كل نظرية مع نفسها، بقدر تعارضها مع فرضيات النظرية الأخرى. وأعني بهاتين النظريتين: نظرية التطور، ونظرية التصميم الذكي.

ولم تتنازع هاتان النظريتان فقط إعطاء تفسير متسق لنشوء الأنواع الحية؛ بل تنازعتا ادعاء العلمية ونزع ثوب العلمية عن النظرية الأخرى. وهذا في حد ذاته مبحث مستقل يستحق الكتابة فيه تفصيلًا؛ لنرى أيهما قادر على تحقيق أهداف العلم وأهمها التفسير، وأيهما تضع فرضيات قابلة للتخطئة، ولم يثبت خطؤها. لكن على كل حال، فكلا النظريتين: التطور والتصميم، بناؤهما يشبه بنية النظريات العلمية، مهما اتفقنا أو اختلفنا بعد ذلك عليهما عند التدقيق في أمريهما.

ولنبدأ أولًا بالتعرف على هاتين النظريتين، قبل أن نناقش اتجاهات أخرى لتفسير التنوع الحيوي، بعضها لها جذور أقدم من النظرية ذاتها؛ وأعني: الخلقوية الإسلامية والخلقوية المسيحية، وبعضها أحدث ومنشق عن التطور تحديدًا مثل ما يُسمى بالتطور الموجه وما أصبح يُعرف بالاتجاه الثالث، لكن كل تلك الاتجاهات الأخرى لا يمكن أن تعد نظرية علمية لأسباب مختلفة؛ فالنظرية: هي بنيان من المفاهيم المترابطة والتعريفات التي تقدم نظرة نظامية إلى الظاهرة ‏موضع الدراسة لتحديد العلاقات بين المتغيرات، بهدف تفسير الظاهرة والتنبؤ بها وضبطها.‏ كما يجب أن تكون الاستدلالات على أي نظرية منبثقة من فروع العلوم المختلفة لتعتبر نظرية علمية.

التطور

نشأت الداروينية في منتصف القرن التاسع عشر على يد تشارلز دارون في كتابه "أصل الأنواع"، واعتمدت فكرة نشوء الأنواع الحية من أصل مشترك، وتطور أشكال الحياة المعقدة من أشكال أبسط، وإن كانت تلك الأفكار أقدم من دارون؛ وكان الانتخاب الطبيعي هو الآلية التي اعتمد عليها دارون لتفسير انتقال الصفات المكتسبة للأنواع الجديدة، وبعد اكتشاف مبادئ الوراثة المندلية، والتأكد من استحالة توريث الصفات المكتسبة، كان على التطوريين إيجاد آلية تفسر كيفية تكون المعلومات الجينية الجديدة التي يمكن توريثها، ومن ثم تنشأ من خلالها ‏الأنواع الجديدة المدّعاة وفقًا لنظريتهم؛ فكانت الطفرة.

وقد طرأت على الداروينية الكلاسيكية تغيرات كثيرة لا تختص بإدخال الطفرة وحدها، ويمكن القول إن الحديث عن الداروينية منذ عقود يعني النظرية التركيبية الحديثة ‏Modern Synthesis theory‏ أو النظرية الداروينية الحديثة ‏Neo-‎Darwinism theory‏، والتي تستند إلى علم وراثة العشائر Population Genetics مع إبقاء أسس الداروينية الكلاسيكية، وتقدم تعريفًا للتطور ‏بأنه: مقدار التغير في تكرار المورث "تردد الجينات" في العشيرة، والعشيرة هي أفراد من أحد الأنواع الحية الذين يعيشون ويتزاوجون معًا في بيئة واحدة.

وتعتمد الداروينية الحديثة على تفسير حدوث التطور بواسطة الطفرة والانتخاب الطبيعي معًا، فبينما تولد الطفرة المعلومات الجينية للصفات الجديدة المتطلبة للانتواع، يقوم الانتخاب الطبيعي بالانتقاء من بين المعلومات الجينية المتولدة لتمرير الصفات الجديدة الأصلح للأنواع الناشئة. من ثم، يكون الانتخاب الطبيعي هو المسئول عن توجيه التطور.

وسواء قصدنا عند الحديث عن التطور: النظرية التطورية الكلاسيكية أو النظرية التركيبية الحديثة أو حتى نظرية التطور عن طريق قفزات واسعة وليس تدرجًا تراكميًا، فالقيمة التفسيرية لنظرية التطور مشكوك فيها بشكل كبير. فالطفرة هي البديل الذي أوجده التطوريون لآلية الانتخاب الطبيعي مدّعين قدرتها عبر زمانية ‏طويلة على توليد ملايير المعلومات الجينية التي تولدت عنها ملايير الأنواع الحية والمنقرضة، رغم عدم نفعيتها وعدم ثبوت قدرتها على توليد معلومات جينية.‏

كما أن التطور ليس غائيًا، ومن ثم لا يمكن التنبؤ من نظرية التطور بشيء. يُعرَّف التنبؤ على أنه استخدام المعلومات المتجمعة في مواقف أخرى غير تلك التي تنشأ عنها ‏أساسًا، أي استخدام معرفة علمية سابقة لأجل توقع حدوث شيء في زمن ما أو في مكان ‏ما.‏ ومن ثم، فالتنبؤ يتعلق بالاستفادة من المعلومات المتجمعة من القوانين والمبادئ والنظريات ‏في تصور ما يمكن أن يحدث في مواقف مستقبلية متعلقة. والتطور نظرية تفترض أنها تقدم تفسيرًا لكيفية نشوء الأنواع الحية، وإضافة إلى أنها تفتقد لتقديم آلية مناسبة لنشوء المعلومات الوراثية، فهي علاوة على ذلك ليست لها أدنى قيمة تنبؤية، فلا يستطيع أحد في ظل نظرية التطور أن يتنبأ ‏بنشوء نوع جديد من نوع آخر، بل لا يمكن حتى أن يتنبأ تنبؤًا له شواهد حقيقية تدعمه بنشوء عضو جديد أو زوال عضو مما ‏يدعيه التطوريون أثريًا بلا وظيفة.

وقطعًا فإن نظرية لا تفسر ولا تملك قدرة تنبؤية لا يمكن أن تضبط شيئًا. ‏إن تحديد أسباب أي ظاهرة وإمكانية توقع حدوث أشياء متعلقة بالظاهرة قد يؤديان إلى التحكم ‏في الظاهرة، وكلما ازدادت قدرة الإنسان على تفسير الظاهرة والتنبؤ بها كلما أمكنه التحكم فيها.‏ وهذا ما لا تفعله نظرية التطور.

من ثم، يمكن القول إن نظرية التطور لا تُحقق أيًا من أهداف العلم الثلاثة: التفسير والتنبؤ والضبط!

كما أن التطور نظرية غير قابلة للدحض، ووفقًا لكارل بوبر الذي يعده كثير من الباحثين أكبر فلاسفة العلم في القرن العشرين فإن معيار ‏العلمية لأي نظرية هو قابليتها للدحض (للتخطئة).‏

وقف كارل بوبر موقفًا معارضًا لتحديد الاستقراء كأساس للمنهجية العلمية، ومن ثم رفض ‏الملاحظة كمنطلق للتفكير العلمي، وقال إن المنهج العلمي في حقيقته يقوم على الاكتشاف ‏وينطلق من وضع الفرضيات؛ أي أن المنهج العلمي يقوم على فرض العديد من الفروض ومحاولة تخطئتها للوصول إلى ‏الفرضية التي تقاوم التخطئة في ضوء المعلومات المتجمعة، فيتبناها الباحث، لكن تلك ‏الفرضية تبقى محل دراسة وتستمر محاولة تخطئتها ونقضها لأجل بلوغ فرضية أفضل تسهم ‏في تفسير الظاهرة موضع الدراسة.‏

فالنظرية لا تكون علمية إلا لأنها قابلة للتخطئة، لكن لم تتم تخطئتها بعد، وهذا لا ينطبق ‏على التطور؛ إذ تمت صياغة فرضياتها بحيث تحتمل الشيء ونقيضه، مما ينفي أي سبيل لتخطئتها.

ولأجل هذه الطعون العلمية المتزايدة في نظرية التطور، فإن الانشقاق عنها قد تزايد في العقدين الأخيرين.

http://www.discovery.org/scripts/viewDB/filesDB-download.php?command=download&id=660

التصميم الذكي

بدأت حركة التصميم الذكي أوائل التسعينات من القرن العشرين. نشأت في مقابل التطور، كنظرية علمية تحاول تقديم فروض علمية لتفسير نشوء الأنواع الحية في ضوء المكتشفات العلمية التي لم تكن متاحة في عهد دارون ولا فريق الدراونة الجُدد الذين وضعوا النظرية التركيبية الحديثة، وتتعارض فرضياتها تمامًا مع فرضيات التطور.

والتصميم الذكي نظرية علمية لتفسير التنوع الحيوي، وليست نظرية دينية مرادفة لنظرية الخلق كما يُشيع عنها التطوريون؛ فهي تضع فرضيات متناسقة، تتعلق باقتراحات محددة، كما أنها تشكل إضافة علمية وتهذيبًا للنظريات السابقة عليها في المجال نفسه، ولها قيمة تفسيرية وقيمة تنبؤية، وفرضياتها قابلة للاختبار، وقابلة للتخطئة، وقابلة للتعديل والتصحيح في ضوء نتائج التجارب، فهي مفتوحة أمام الفحص التجريبي.

تضع نظرية التصميم الذكي فرضيات علمية لتفسير نشأة الأنواع الحية، وتتبنى توجهًا مناهضًا للدور العشوائي اللا غائي الذي تعطيه نظرية التطور للطبيعة كأداة فاعلة في الخلق، وتناهض دعاوى التطوريين عن وجود عيوب في تصميم الأنواع الحية؛ كونها تطورت بعضها من بعض، فنشأت العيوب نتيجة السمكرة وإعادة التخليق! ولا تعترف بوجود أعضاء أثرية بلا وظيفة أو غيّرت وظيفتها عبر المشوار التطوري، بل على النقيض ترى نظرية التصميم الذكي في الأنظمة الحيوية تعقيدات وظيفية متخصصة وتعقيدات غير قابلة للاختزال، تعجز الرؤية التطورية التدرجية التراكمية عن تفسيرها.

وتفسر النظرية خلق الأنواع الحية بأنه تم من قِبل مصمم ذكي، ولكن على عكس نظريات الخلق الدينية لا تُسمي الله كخالق وتحدده على أنه ذلك المصمم الذكي، فتحديد المصمم أمر يخرج عن قدرة العلم. وترى النظرية أن الخلق الخاص لكل نوع حي يتناسب كفرضية تفسيرية مع التصميم الذكي، بينما التطور التدريجي للأنواع الحية من بعضها البعض لا يتواءم مع التصميم.

https://www.sasapost.com/opinion/design-flaws-evolutionary-evidence/

https://www.sasapost.com/opinion/members-myth-archaeological-evidence-for-evolution/

تتعدى نظرية التصميم الذكي تقديم تفسير لنشوء الأنواع الحية، وهي الحدود التي تتناولها نظرية التطور؛ إذ تقدم التصميم الذكي تفسيرًا لنشأة الكون ككل، يُستدل عليه من خلال التوافق الدقيق للكون.

منذ بدأت حركة التصميم الذكي، والتطوريون يشيعون عن أصحابها أنهم خلقويون، لكن اللافت أن المنضمين لحركة التصميم الذكي بعضهم دينيون مع اختلاف دياناتهم، وبعضهم لا أدريون؛ وأشهرهم البروفيسور ديفيد برلنسكي. وكان من أشهر المنضمين إلى حركة التصميم الذكي من بدايتها البروفيسور دين كينيون أحد المشاركين في وضع نموذج شهير لتفسير نشأة البروتين في بدء الخلق من خلال الأُلفة الكيميائية للأحماض الأمينية، بعد أن تراجع عن نموذجه واعترف بعدم وجود قيمة تفسيرية له، وكذلك البروفيسور أنطوني فلو، الذي قضى عمره في الإلحاد، ثم عاد عنه وصنّف كتاب "هناك إله" أعلن فيه تراجعه عن إلحاده، وانضم لحركة التصميم الذكي.

ويعتبر معهد ديسكفري الجهة الرسمية التي تتبنى نشر أبحاث التصميم الذكي، ويوجد في الولايات المتحدة الأمريكية. كما أن المعارضة لحركة التصميم الذكي تأتي من جهات رسمية في الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا. على سبيل المثال: صرّحت الأكاديمية الوطنية للعلوم بالولايات المتحدة بأن التصميم الذكي ليس علمًا، كونه يفترض أصلًا خارقًا للطبيعة في نشأة الحياة، واتهم النظرية بأنها لا تقترح أية فرضيات خاصة بها، ولا يمكن إخضاعها للتجربة، كما أنه لا يمكن التنبؤ منها بشيء!

National Academy of Sciences, (1999). Science and Creationism: A View from the National Academy of Sciences, Second Edition

في المقابل يرى مُنظِّرو التصميم أن هذه التصريحات شكّلت درجة عالية من التحيز لنظرية التطور، والتجنّي في المقابل على نظرية التصميم، وأن نظرية التصميم لها فرضياتها القابلة للاختبار؛ وأهمها التعقيد المتخصص، والتعقيد غير القابل للاختزال في الأنظمة الكونية والحيوية.

كما أن النظرية تحقق أهداف العلم الثلاثة (التفسير- التنبؤ- الضبط)؛ فهي:‏ تقدم تفسيرًا متسقًا غير متعاكس للضبط الدقيق في الكون، وللدقة التي خُلِقت بها أجسام ‏الأنواع الحية، وللقدرة على التكيف الموجودة في المناطق التنظيمية من جيناتها.‏ ويمكن من خلالها التنبؤ بالكثير في ضوء فرضياتها مثل توسع أو انكماش الكون، ووصول كائن ما للشيخوخة ‏أو الإصابة بمرض. ونظرية التصميم لا تفترض أن الانتواع يحدث من نوع لآخر حتى تُطالَب بالتنبؤ بظهور نوع جديد، فهذه فرضيات التطور وليست فرضياتها، فما بالنا ونظرية التطور ذاتها تعجز عن هذا التنبؤ.‏ كما يمكن أن نضبط الكثير من العوامل في ضوء فهمنا لنظام الكون والأنظمة الحيوية المتخصصة للأنواع المختلفة.

‏كما أن التصميم الذكي قابل للتخطئة. من فرضياته الأساسية، أن التعقيد في الكون وفي الأنظمة الحيوية غير قابل للاختزال، وأن هذه التعقيدات متخصصة. هذه ‏الفرضيات ليست فقط قابلة للدحض، بل ولم يتم دحضها، وثبت صحتها، فبالتجريب على الكثير من ‏الأنظمة الحيوية ثبت أن غياب جزء واحد فقط عن أي نظام حيوي يجعله يتوقف تمامًا عن أداء وظيفته.

يقول د.مايكل بيهي أحد أقطاب التصميم الذكي: "الآن، لا يمكن للمرء أن يكون في كلا الاتجاهين. لا يمكن للمرء أن يقول كل من: إن التصميم الذكي غير قابلة للتخطئة (أو غير قابلة للاختبار) وأن يقول أيضًا إن هناك أدلة ضده. إما أنه لا يمكن تخطئته ويطفو بهدوء على الجانب الآخر للتخطئ التجريبي، وإما أنه يمكن انتقاده على أساس ملاحظاتنا، ومن ثم هو قابل للاختبار. وحقيقة أن المراجعين الناقدين يدفعون الحجج العلمية ضد التصميم الذكي (سواء بنجاح أم لا) تدل على أن التصميم الذكي هو في الواقع قابل للتخطئة.

Now, one can’t have it both ways. One can’t say both that ID is unfalsifiable (or untestable) and that there is evidence against it. Either it is unfalsifiable and floats serenely beyond experimental reproach, or it can be criticized on the basis of our observations and is therefore testable. The fact that critical reviewers advance scientific arguments against ID (whether successfully or not) shows that intelligent design is indeed falsifiable.

http://www.discovery.org/a/445

لا يمكن تبسيط أي نظام حيوي مهما صغر، ولا يمكن إعطاء تفصيلات تدعم أن أي نظام حيوي هو نظام مبني بشكل تراكمي قابل للاختزال كما يزعم التطوريون. هذه هي ‏الحقيقة التي تدعمها الكيمياء الحيوية، وهذا هو صلب التصميم الذكي.

الرؤية التطورية في ‏المقابل كانت غالبًا تعجز عن إعطاء تفسير مفصّل لتكوّن أي نظام حيوي مما تفترض تكوّنه بشكل تراكمي، كما أن تفسيراتها المبسطة غير المفصّلة –‏ومن ثم غير العلمية لأن العلم يكمن في التفاصيل- تتناقض في أحيان كثيرة.‏

ونظرًا لهذا النقد الذي كثيرًا ما وُجِّه للتفسيرات التطورية فقد لجأوا في العقدين الأخيرين لمحاولة إعطاء تفصيلات أكثر للخطوات التراكمية التي تُكوِّن بعض الأنظمة الحيوية وفق تصوراتهم، وسنعرض تفصيلًا في مقال لاحق لبعض سيناريوهات التطوريين التي طرحوها لخطوات بناء بعض الأنظمة المعقدة كتخثر الدم، واعتراض التسقيل الذي يقدمونه للدفع بإمكانية أن يقوم التطور ببناء أنظمة معقدة عن طريق استغلال جزئيات كدعامات يتم الاستغناء عنها بعد ذلك، وسنرى كيف تنقص سيناريوهاتهم التفصيلات المنطقية كما هو متطلب في النقد العلمي.

https://www.sasapost.com/opinion/irreducible-complexity/

أما بالنسبة للنظام الكوني فيكفي تغيير قيمة أحد الثوابت الكونية نظريًا لتثبت لنا المعادلات ‏الرياضية كيف سينهار الكون بأكمله.‏ وهذا يعني صمود فرضية التصميم الذكي أمام الفحص. فإن كانت هناك نظرية لا يمكن اختبار فرضياتها، وليست لها أي قيمة تفسيرية، وتحيل إلى المجهول؛ فهي التطور وليس التصميم الذكي.

الخلقوية

تعد الخلقوية، بنوعيها الإسلامية والمسيحية، أقدم تفسير لنشأة الأنواع الحية، وينبغي هنا التأكيد على أن الخلقوية لا تعطي تفسيرًا لخلق الأنواع الحية فقط، بل تتبنى ما جاءت به الكتب المقدسة عن خلق الكون ككل، وتتقبل فكرة التدرج في خلق الكون، والتدرج في خلق الأنواع الحية، وإن ترفض قبول العشوائية أو أي دور للصدفة في الخلق، وكذا ترفض أي دور للطبيعة وقوانينها في النشأة الأولى للأنواع الحية. من ثم، يرفض الخلقويون فكرة تطور الأنواع بعضها من بعض، ويعتبرونه تأليهًا للطبيعة، وأكبر مصدر للكفر.

يؤمن الخلقويون بالخلق الخاص للأنواع من قِبل الله عز وجل، ولكن كلا نوعيّ الخلقوية يستند إلى الإيمان بالله الخالق على أساس تعاليم القرآن أو الكتاب المقدس، لذا لا يمكن أن تُعد أي منهما نظرية علمية، فتفسيرهما للخلق يقوم على أساس ديني وحسب، وإن كان المؤمنون بالخلقوية يعتقدون أن ما ذُكِر في القرآن الكريم والكتاب المقدس عن الخلق لا يناقض حقائق العلم الثابتة؛ بل يتناقض فقط مع العلم الزائف، إلا أن هذا ليس كافيًا لتعد الخلقوية نظرية علمية لتفسير الخلق الأول.

بالرغم من ذلك فهناك شواهد علمية يرى الخلقويون المؤمنون أنها تدعم رؤيتهم عن الخلق الخاص للأنواع، أهمها آلاف الأنواع الحية التي توجد فجأة في الطبيعة دون مقدمات حتى يومنا هذا؛ إذ تخبرنا ملاحظة الطبيعة من حولنا أن آلاف الأنواع يتم تسجيلها سنويًا كأنواع جديدة لم ‏تُكتشف وتُصنف من قبل، فلا زال ‏العلماء يكتشفون أنواعًا جديدة من الفونا الحيوانية والفلورا ‏النباتية، لا ‏يوجد دليل على أنها تطورت من أنواع ‏أخرى.‏

وكذا الأنواع التي انقرضت ولا زالت تنقرض حتى يومنا هذا، فاحتمال من الاحتمالات التي وضعها الإنسان قد يصلح نظريًا أحيانًا لتفسير انقراض بعض ‏الأنواع، ولكنه لن يصلح لتفسير انقراض أنواع أخرى، فكل الفرضيات التي وُضعت من قِبل ‏العلماء لتفسير الانقراض لا تكفي لتفسير انقراض كل تلك الأنواع التي انقرضت قديمًا وحديثًا، ‏سواء كان التفسير مدعمًا بالأدلة أم مجرد فرضية، والأمثلة أكثر من أن تُحصى، كما أن كل ‏تلك الاحتمالات لا تستطيع تفسير ضعف معدلات تكاثر الأنواع التي تدخل في لائحة ‏الانقراض، ثم تنقرض.‏

من ثم، فالملاحظات العلمية الموثقة تثبت أن الأنواع الحية تُخلق خلقًا خاصًا إلى يومنا هذا، وتفنى دون أن يتطور عنها نوع جديد. وسبق أن تناولت هذا الموضوع في مقال "الله الخلّاق".

https://www.sasapost.com/opinion/the-theory-of-the-creation-of-species-and-extinction-it/

كما يستدل الخلقويون بقدرة الأنواع الحية الفائقة على التكيف مع ظروف حياتها، والتي يعتبرونها تدعم الخلق الخاص من قِبل خالق حكيم عليم، وليس عبث الطبيعة.

التطور الموجه

نشأ اتجاه متوافق مع نظرية التطور على أساس ديني، وتحديدًا الدين الإسلامي، فهو مناهض للخلقوية الإسلامية أو المسيحية، يُعرف هذا الاتجاه باسم التطور الموجه.

السمة الواضحة في أصحاب هذا الاتجاه أنهم جميعًا ليسوا علماء، بل ممن اشتُهر عنهم أنهم مفكرون إسلاميون إصلاحيون؛ ومن ثم لا قدرة لهم على فحص فرضيات التطوريين ولا الحكم على صحة ما يستدلون به؛ لذا يقبلون التطور لأن غالبية المجتمع العلمي الغربي يقبله.

يرى أصحاب هذا الاتجاه أن نشوء الأنواع وترقّيها من بعضها البعض هو أسلوب الله في الخلق، ومنطلقهم هو التصديق بحدوث التطور وفقًا لاستدلالات التطوريين. ونظرًا لإيمانهم بأن العلم لا يمكن أن يتعارض مع الدين، يقوم هذا الاتجاه على أساس إعادة النظر في آيات القرآن الكريم التي تتحدث عن الخلق الأول للأنواع الحية، وتفسيرها بما يظهر اتفاقها مع التطور، ولا يقدمون أي استدلالات علمية مستقلة عن استدلالات التطوريين.

وهنا تبدو تأويلاتهم لآيات القرآن أشبه بتأويلات الباطنية؛ كونها تخرج الألفاظ عن معانيها الواضحة، وتُخرج الآيات إجمالًا عن سياقها؛ فآيات القرآن الكريم لا تذكر لنا أي شيء عن الأسباب فيما يخص الخلق الأول، والحديث عن الأسباب وتقدير الأقوات في الأرض وغيره لا يأتي ذكره إلا في مرحلة لاحقة من الخلق. بل وحتى في كثير من القصص القرآنية ذكر الله الخلق المباشر كأسلوب له في الخلق عندما يكون الأمر متصلًا به تعالى مثل قصتيّ عُزير وناقة صالح. والله سبحانه وتعالى أخبرنا أنه يبدأ الخلق ثم يعيده، ونموذج التطور عبر ملايين السنين لا يمكن أن يكون هو الحادث عند إحياء الموتى للقيامة، أم أننا يوم القيامة سنُخلق بالخلق الخاص بينما خلقنا ابتداءً بالتطور وعبر قوانين أودعت في الطبيعة العمياء؟

كما أن اعتبار أن النشأة الأولى لا بد وأن تكون تمت بقوانين كالتي خلقها الله لتحكم حياتنا الآن، هي محاولة لحصر قدرة الله تعالى وتضييقها في أن الله سبحانه وتعالى لا يخلق سوى بالأسباب حصرًا. وكأن الله قد أوجد القوانين لنفسه، بينما هو أوجدها لنا؛ لأنها وسيلة لضبط حياتنا! وهو شكل من أشكال قياس الله تعالى علينا، والخالق لا ننزله لمقام المخلوق. والأمر أشبه برئيس الدولة الذي ليس بحاجة ليبرئ متهمًا ويعفو عنه، وكونه يترك الأمر للتقاضي فهذا لأجل تنظيم مصالح الناس، أما إن قرر أن يبرئ متهمًا فلا حاجة له بالقوانين.

كما لا يتحرّج أصحاب هذا الاتجاه في محاولة إيجاد تناسق بين التطور والإيمان بالله من ترويج أننا مخلوقون بتصميم معيب؛ لأن ‏الكمال لله وحده، بينما المنطق يقول إنه لا يمكن للحكيم العليم أن ينتج تصميمًا مشوهًا معيوبًا.‏ ورغم أن كل ما ادّعاه التطوريون من عيوب تصميمية وأشهرها العصب الحنجري الراجع مردود ‏عليها، وثبت علميًا قصر نظرهم في ادعاءاتهم، إلا أن دُعاة التطور الموجه المسلمين لا زالوا يُصدّقون على كلام التطوريين‏؛ إذ لا يفرق التطوريون بين ما ‏يسمونه عيوب التصميم التي يعيبون فيها على الخالق وينتقصون من عظمته وإبداعه، وبين ‏حدوث ‏بعض ما شاعت تسميته بالعيوب الخلقية للجنين منذ الميلاد، بل ‏وأحيانًا لا يميزون بينها ‏وبين المرض ويعتبرونه عيبًا.‏ فهذه مغالطة واضحة.

https://www.sasapost.com/opinion/design-flaws-evolutionary-evidence/

ولا أرى تعارضًا بين جودة التصميم، وقابليته للعطب بعد ذلك؛ فتصميم الله سبحانه وتعالى لكل عضو ‏يكون في أعلى وأفضل جودة وفقًا ‏للوظيفة التي أوجده ليؤديها، ‏ولكن الله لم يخلقنا لنخلد، بل لنعيش على الأرض فترة نبتلى فيها ‏ثم ‏نفنى، ويأتي بقوم غيرنا. ومن ثم، فهذا الكيان المصمم بطريقة ‏رائعة عُرضة لأن يعطب سواء كان ‏هذا العطب ناشئًا من لحظة ‏الميلاد، ما يسميه الناس عيوبًا خلقية، أو بعد الميلاد خلال ‏مشوار ‏حياته، فيما يعرف بالمرض.‏ ويمكن التشبيه بسيارة ذات تصميم مثالي، ومع ذلك قد يحدث ‏فيها خطأ أو عجز سواء من ‏المصنع أو بسبب الاستخدام حتى ‏تتكهن في آخر المطاف بعد سنوات.‏ ومن يعرف حقيقة الحياة والغرض من وجوده فيها لا يسأل عن ‏سبب مشكلة لازمته من لحظة ‏ميلاده ولا مرض ولا موت. أنت ‏لم تُخلق لتُعمر في الأرض. أنت وُجدت فيها لتُبتلى ثم ‏تُحاسب ‏وتجازى وتبدأ بعدها حياتك الحقيقية.‏ والعجيب ليس أن يتبنى تصور عيوب التصميم ملاحدة؛ بل أن يتبناه مؤمنون بالله!

والإشكال الأساسي أن أصحاب هذا الاتجاه يظنون أن وضعهم فرضيات نظرية التطور جنبًا إلى جنب مع فرضية وجود خالق للكون لا تتعاكس، ويجعل من اتجاههم نظرية علمية أو هو نظرية التطور معدّلة. هؤلاء لا يفهمون أن ما يضعونه من فرضية توجيه الخالق لعمل آليات التطور (الانتخاب الطبيعي- الطفرة-...) يفقد فرضيات التطور اتساقها؛ ومن ثم يفقدها أي محاولة للزعم بعلميتها؛ فالفروض التي يضعها أصحاب هذا الاتجاه هي فروض تفتقد الاتساق، على العكس من فرضيات التطوريين أو أصحاب التصميم الذكي.

ريتشارد دوكينز زعيم الملاحدة، على سبيل المثال، يفهم جيدًا حقيقة التعارض بين افتراض التطور كأسلوب لنشوء الأنواع وافتراض وجود إله؛ فالتطور يناقض وجود إله تمامًا، لأنه يحيل مهمة الخلق إلى الطبيعة بصدفها العشوائية التراكمية، والتي لن ينجح الانتخاب الطبيعي الحكيم في إقناع أي شخص يؤمن به بحتمية وجود إله.

إن محاولة جمع النقيضين والإيمان بتطور موجه من إله عاجز يفتقد القيّومية على عملية الخلق، ويفتقد الحكمة والعلم، أغلب البشر لا يقبلونها لسببين:

الأول، إله بهذه الصفات كالرئيس الشرفي، ومن ثم فإن ألوهيته مطعون فيها. وهذا ما يجر المؤمنون بالتطور إلى الإلحاد؛ لأنهم شيئًا فشيئًا سيسألون: "الطبيعة تفعل، فأين الله؟".

الثاني، ليست هذه صفات الله كما عرّف نفسه إلينا؛ لهذا يرفض المؤمنون التطور جملة وتفصيلًا؛ لأنه يعطي صورة مشوهة عن الله، ويعدون الإيمان بالتطور الموجه إلحادًا في أسماء الله.

الاتجاه الثالث

أصحاب هذا الاتجاه كانوا من دُعاة نظرية التطور الجديدة حتى سنوات قريبة. ولكن نظرًا لظهور أدلة علمية كثيرة تدحض في فرضيات نظرية التطور، يبدو أنهم قد شعروا بضرورة البحث عن فرضيات جديدة تُفسِّر نشوء الأنواع الحية، تخالف فرضيات نظرية التطور، مع تأكيدهم على عدم قبولهم فرضيات نظرية التصميم الذكي مطلقًا، كونه يفترض وجود قوة خارقة للطبيعة تدخلت في النشأة الأولى للأنواع، وهذا من وجهة نظرهم منظور غير علمي.

يمكن اختصارًا القول بأنهم يوافقون على أن يكون التطور هو الشكل الذي نشأت من خلاله الأنواع الحية، ولكنهم لا يوافقون على فرضيات نظرية التطور ذاتها، ويعترفون بقصورها؛ فالتطور حقيقة، وجاري البحث له عن أدلة علمية بديلة، وافتراض فرضيات تتكيف معها. وهو تصور يكاد يكون مناظرًا لما يقوم به أصحاب التطور الموجه من المسلمين الذين يرون التطور حقيقة، ويبحثون عما يدعمه من الدين.

يقول أصحاب هذا الاتجاه على موقعهم الرسمي: "قام بعض الداروينيين الجُدد بترقية الانتخاب الطبيعي إلى قوة إبداعية فريدة من نوعها تحل جميع المشاكل التطورية الصعبة دون أساس تجريبي حقيقي. يرى العديد من العلماء اليوم الحاجة إلى استكشاف أعمق وأكثر اكتمالًا لجميع جوانب العملية التطورية".

some Neo-Darwinists have elevated Natural Selection into a unique creative force that ‎solves all the difficult evolutionary problems without a real empirical basis. Many ‎scientists today see the need for a deeper and more complete exploration of all aspects ‎of the evolutionary process.‎

http://www.thethirdwayofevolution.com/

يمكن القول إنها محاولة علمية لتفسير نشوء الأنواع، مثل التطور والتصميم الذكي، ولكنها لم تتبلور بعد، ولم تجد تجاوبًا كبيرًا من المجتمع العلمي الذي إما يُصر على التطور مهما تآكلت وتهاوت أدلته، وعجزت فرضياته عن التفسير، وإما يُقر أن سقوط التطور يعني أن هناك تصميمًا ذكيًا للأنواع منذ نشأتها الأولى، ومحاولة ترقيع نظرية التطور لن تفيد.

طعون التطوريين أنفسهم في فرضيات نظرية التطور في السنوات الأخيرة بلغت مداها. على سبيل المثال: في أحد أعداد يناير/ كانون الثاني 2009، من مجلة New Scientist، ظهرت شجرة التطور على الغلاف، مكتوبًا عليها أن دارون كان مخطئًا! وفي داخل العدد كانت افتتاحية تتحدث عن "اقتلاع شجرة دارون"، ومقال آخر يعرض الأسباب التي بسببها اعتُبر دارون مخطئًا لافتراضه وجود تلك الشجرة.

https://www.newscientist.com/article/mg20126923-000-editorial-uprooting-darwins-tree/

https://www.newscientist.com/article/mg20126921-600-why-darwin-was-wrong-about-the-tree-of-life/

ووفقًا للبروفيسور فورد دولتل في مقال له على Scientific American ‎ فإنه من دون شجرة التطور لا يمكن أن تكون نظرية التطور لدارون صحيحة.

Doolittle, W. Ford (February, 2000). Uprooting the tree of life. Scientific American 282 (6): 90–95.

معروف أن مفهوم شجرة التطور أو "شجرة الحياة" هو مفهوم اقترحه دارون لشرح العلاقات التطورية بين الأنواع المختلفة كما افترضها؛ فهي تتتبع تسلسل نشوء الأنواع الحية من بعضها البعض وصولًا للإنسان. وحتى لا نطيل ونخرج بالمقال عن سياقه، فقد اتضح للعلماء بشكل قاطع أن قرب وبعد الأنواع المفترض على شجرة التطور لا يظهر بشكل ‏واضح من دراسة ‏DNA‏‏، كما اتضح وجود علاقات بين الأنواع مع أنواع أخرى بعيدة تمامًا على شجرة التطور، فيما يُعرف بالتطور الأفقي؛ وأشهر تلك العلاقات بين الجرابيات وقريباتها من المشيميات.

من ثم، ووفقًا لهذه المقالات الثلاثة ومقالات علمية غيرها، فهذه الشجرة لا تعطي صورة كاملة عن تطور الحياة ولا تستطيع أن تفسر التعقيدات فيها، وقد تم الاتفاق على ضرورة اقتلاعها، ومحاولة إيجاد تفسيرات أخرى للعلاقات بين الأنواع الحية، وغالبًا هناك شبه اتفاق من التطوريين على الشكل الشبكي؛ كونه أكثر توافقًا مع عشوائية التطور.

وعلى موقع أصحاب الاتجاه الثالث، نجد محاولات لتوضيح معلومات عن البيولوجيا الجزيئية وتسلسل الجينوم التي يرون أنها توفر إجابات بديلة لكيفية نشأة الأنواع الجديدة عما تقدمه نظرية التطور، وإن كان من الواضح أن الإجابات جاري البحث عنها، فلم يتم التوصل إليها تحديدًا بعد.

إن أصحاب هذا الاتجاه، وكما طعنوا فيما أضفاه بعض الداروينيين الجُدد Neo-Darwinists‎ من قوة خارقة على الانتخاب الطبيعي، فهم أيضًا يطعنون في الطفرة! وهما آليتا نظرية التطور، كما هو معلوم. فيما يخص الطفرات، يذكر الموقع أن "سجل الحمض النووي لا يدعم التأكيد على أن الطفرات العشوائية الصغيرة هي المصدر الرئيسي للتنوعات الجديدة والمفيدة".

The DNA record does not support the assertion that small ‎random mutations are the main source of new and useful variations.

ولا نجد من يخبرنا في المقابل عن المصدر المقترح الذي يدعمه سجل الحمض النووي؛ فهم لا يبرحون يتحدثون عن الطفرات ولكن بطرق أخرى، وأهمها التضاعف الجيني.

وفي رأيي المتواضع، فإن ظهور الاتجاه الثالث هو نجاح لأصحاب نظرية التصميم الذكي؛ لأنه يمثل اعترافًا طال انتظاره بقصور فرضيات نظرية التطور، واقتلاع شجرته.

 

د. منى زيتون

 

لا يعرف الإنسان نفسه إلا عبر هويته.. لكننا بلا هويات حية.. وبلا أفكار حية.. وبلا أحلام حقيقية.. فأينه مستقبل الهوية؟ وكيف ستكون هويتنا؟ ونحن الأكثر تفككا وتضييعا!!

لا ينتمي الدين أو الأيديولوجية ولا حتى الثقافة إلى حيز المعلومات في تسونامي الفضاء الافتراضي الذي يكون فيه الخضوع لكل شيء ولأي شيء بشاكلة انحراف معين عن النسخ البسيط للواقع، وهذه وجهة نظر تشابكاتها أكثر تعقيدًا في العالم لأنها لا تتعلق بتكرار قواعده بل بوضع قواعد بديلة له، وكل كائن افتراضي لابد له كي يعيش إن يعيش على معلومات أطول منه عمرا، غير إننا ألان لسنا مهتمين بجريدة الأمس ولا بمعلوماتها لكننا لربما يمكننا قراءة روايات القرن الماضي ولذلك نرى إن مساحة المعلومات في هذا الصدد هي تكتيكية افتراضية إستراتيجية، فيتطابق كائن المعلومات مع الواقع بهذه النقطة في الزمان والمكان، وعبر ذلك تعتمد الظاهرية على الذاكرة لأنها تركز على ما كانت عليه، فلذلك يتضح أن الشخص المعاصر ليس لديه فهم للمستقبل وهو يحاول ببساطة أن يأخذ من ما حدث بالفعل وهو خطأ جوهري لأن الشخص لن يكون قادرا على معرفة إلا ما تم بالفعل من دون الاسباب ولا المقاصد وسيعجز عن إدراك الأمر وفهمه وتحليله. فتبنى اﻟﺣروب ﻋﻟﯽ ﻣﺣﺎوﻟﺔ ﻟﺗﻐﯾﯾر اﻟﮭوﯾﺔ وعالم اليوم لا يختلف عن عالم الماضي فتعمل الهوية بمثابة "شبكة" معينة تُلقى على الحيز المادي والخيالي وتربطها ببعضها البعض وحسب مفهوم السرد الاستراتيجي الذي يعتمده الجيش الأمريكي والذي بموجبه يغطي فقط رؤية العالم من وجهة نظر الهوية، ولا يعتمد السرد الاستراتيجي على اللغة على الرغم من أن اللغة هي بلا شك عنصرا أساسيا في الثقافة  لكنها قد تكون موجهة للأدب نحو الأنماط الأخرى كما أن توجيه الحياة نفسها لا يمكن أن يكون عبر الأدب فقط فهناك الكلمات والأساطير والأفكار والتي لا تزال أكثر أهمية من الأفعال والأشياء والواقع. وحروب الهوية شائعة بين الدول المختلفة فعلى الصعيد الغربي أثبت نموذج "بوتقة الانصهار الأمريكية" أنه ناجح، وقد أظهر وصول شخص دونالد ترامب لمنصب الرئاسة الأمريكية أن قدر حرب الهويات على اشدها حين شعر الجانب التقليدي للشعب الأمريكي بقوة "الأجانب" على أراضيه ولذلك نرجح وبقوة قيام حرب أهلية أمريكية مستقبلية لكنها لن تكون حرب دموية إنما حرب ثقافية على غرار الصراع بين الثقافة التقليدية والثقافة المضادة.

الهوية واللغة والثقافة، كلها آليات مختلفة تسلط الضوء على عناصر مهمة في العالم من حولنا فالحروب التي تفرزها تلك الاليات تخاض من جهات غير تابعة للدولة وعبرها يختفي التمييز بين الحرب والسلام، وتصبح العمليات النفسية هي السلاح المهيمن فيها، والهدف الرئيس هو تدمير الدعم العام لسلوكيات الجانب المهاجم، وتلك هي حروب هوية التي تتضح وتتحقق عندما يحاول أحد الطرفين فرض هويته الخاصة من جهة أخرى. وهذا هو الذي يفسر الزيادة في الدعاية التي ترافقها، فيتم شن الحرب الحديثة في البعد الإنساني لذلك من الضروري معرفة ثقافة العدو، لا إن نرفض ببساطة السلوك البشري القائم على أنه غير عقلاني مما يعني إننا نظهر فشلًا كبيرًا في فهم البعد الإنساني الحقيقي لان الحروب على همجيتها لكنها هي من جوهر طموح الإنسان، والناس كائنات عقلانية حتى عندما تسترشد بمبادئ ومفاهيم مختلفة عنك فالمشكلة إذن تتأرجح بشرط التوصل إلى فهم لتلك المبادئ والأفكار. وعبر كل ذلك فما هو مستقبل البشرية؟ وأين هو مكان الهوية في ذلك؟  الغريب في الموضوع انه ومن مفارقات التقدم  إن تم تحليل سيناريوهات التطوير المحتملة المختلفة فمن الواضح أن الذكاء يجب أن يركز على القضايا الشوكية السلبية المحتملة في المستقبل وهنا يُذكر بوضوح أن الربيع العربي قد أثبت أن الدول ضعيفة في مواجهة التهديدات التي لا تتصرف بها وسائل القوة التقليدية، غير إننا وبذات الوقت نرى إننا حتى لو استمرينا بذات خططنا وبذات إستراتيجياتنا فأننا سنستمر كدول عرضة للصدمات المستقبلية لأننا سنتمحور حول الإدارة المركزية والفساد السياسي والاقتصاد القائم على الاستثمار والصادرات من أجل النمو ومع إن الغرب يرى إن عوامل الصمود تتمحور في الإدارة اللامركزية والاقتصاد المتنوع والمجتمع الشامل وموارد الأرض الكبيرة والتنوع البيولوجي وإمدادات الطاقة الآمنة والقوة العسكرية العالمية، غير إن التركيز لا يجدر إن يكون فقط على العوامل المادية، لأن المرجح أن يكون تحديد استدامة الدول أفضل مؤشر للنجاح في التغلب على الفوضى والدمار في المستقبل من الوسائل التقليدية لنفس القوة المادية ومن المرجح أن تكون الدول الناجحة في الغد هي تلك التي تستثمر في البنية التحتية والمعرفة والعلاقات التي يمكنها تحمل الصدمات الاقتصادية أو البيئية أو العامة أو السيبرانية.

ينظر إلى معظم بلاد الشرق الاوسط على أنها توليفة للسلطوية والفساد والقومية وكل هذا هو حقيقة بديهية لأولئك الذين يعيشون في المنطقة ومن ناحية أخرى يدفع الناس هنا ثمن هذه الحقائق بالدم والحياة إن لم يكن هم فأحبائهم، وعبر هذا وذاك نستطع الجزم إن هويتنا متعلقة بتحديد الأفكار والهويات لتترجم ماهية نحن ولتعكس الأفكار الفردية عن أنفسنا ودورنا في العالم وتقدم بتمثيلاتها إرشادات أخلاقية ونورا يشع عبر زجاجًا ضوئيًا لنفهم من خلاله المستقبل وننتقل إليه، كما وتحدد الهوية من ينتمي إلى الجماعة والمجتمع والدولة والثقافة والحضارة، وعلى الرغم من كونها مستمرة، فإن الأفكار والهويات ليست ثابتة فتتفاعل مع بعضها البعض مما يقوضها أو يعززها وكيف ينبغي أن يتعامل الناس معها لأنها تتأثر بالتنميات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والتكنولوجية وغيرها. ويتمثل أحد الاستنتاجات في تعزيز الهويات العابرة للحدود أن المعلومات والأفكار في غضون العشرين سنة القادمة سوف تتحرك بحرية عبر الحدود ومن المتوقع أنه نتيجة لذلك فإن التوترات بين الجماعات الدينية المختلفة وبين المجتمعات الدينية والعلمانية ستزداد، وإن توقع التبادل المتسارع للأفكار والمعلومات يثبت مرة أخرى أن الدول العربية ما زالت غير قادر على تحمل مثل هذا التحرك الحر للمعلومات، وإذا فعلت ذلك، فإنها لن تكون الدول العربية التي نعرفها، ومن ذلك نخرج إن عالم العرب الأكثر اتساقا مع تضييع الهوية سيزيد بدلا من أن يحد من الاختلافات في الأفكار والهويات، فبيئة المعلومات تفكك السكان ووقائعها المتصورة التي لا نهاية لها، وتقوض الفهم المشترك للأحداث العالمية كما ستعمل على تحدي هذه المثل العليا كحرية التعبير وسوق الأفكار.

 ولو اردنا إن نصف وقتنا فسنجد أن الواقع قد اختفى وغابت الرموز والخطوط القديمة وحدود حياتنا انقسمت إلى آلاف الشظايا وحتى الحقيقة لم نعد نراها إلا بأيقونة المعلومة السياسية التي تصلنا عبر صندوق البريد الإلكتروني وعبر وسائل التواصل الاجتماعي وليس ما نراه بأعيننا وفي مجتمعاتنا، فكل شيء أصبح سياسيا حتى اختيارنا للكلمات صار سياسياً، وملابسنا سياسية، وترفيهنا سياسيا، كما ويجب أن نكون شخصا سياسيا واحدًا أو آخرًا، لأن كل شيء تشابه مع كل شيء. وهناك حقيقة أن عالم المستقبل لن يصبح أكثر تعقيدا فحسب، بل سيكون مرتبطا بالعديد من المخاطر الجديدة على البشرية والهوية، وسيعتمد القادة السياسيين على الهوية لتعبئة مؤيديهم ولتفعيل السيطرة السياسية وستكون مجموعات الهوية أكثر تأثيراً وبعضها سيكون ذا طبيعة عابرة للحدود الوطنية، وفي موازاة ذلك سيحدث تآكل لتقليد التسامح، كما ستصبح الهوية الدينية مرنة فتخيل الشخص الذي سيذهب إلى المعابد الدينية في المستقبل ما الذي سيبحث عنه بداخل جدرانها؟ إن كان هو فاقدا لميزة وقدرة  التواصل الروحي!! وسوف يحتاج حقيقة لنوع من الوعي ولنوع من البساطة ولإمكانية الاتصال الروحي، وللصدق، والإخلاص، والإيجاز، وإن وعيه سيؤدي إلى طلب لفهم معنى ما يحدث، أي لإصلاح لغة العبادة لتتلائم مع فهمه المتجزئ والمتشظي، فعندئذ في لغة الأجيال الجديدة سينشأ صراع بين متطلبات الوضوح والبساطة ومن ناحية أخرى بين المعاني المتشعبة وفحوى النصوص الدينية. وستزول في الوقت ذاته تيارات المعلومات القديمة وسيتم استبدالها بمعلومات جديدة عبر الوسائط الاجتماعية أو التدفقات الافتراضية، إذ يمكن لوسائل الإعلام الاجتماعية أن تحول الهوية الفردية بطريقة متناقضة وتزيد من الشعور بالوحدة، ومع إن نظرية المعلومات كانت قد وضعت منذ زمن طويل ووضعت لتكون فيها المعرفة والحكمة على قمة الهرم وفي أسفلها كان يستقر مفهوم الحقيقة، غير انه ينبغي علينا التأكيد أن عالم اليوم أصبح مليئًا بالمعلومات ولكن ليس المعرفة التي انعدمت فيه!! إذ وبطريقة غريبة فإن التكرار في المعلومات قد أغلق الطريق أمام المعرفة، فألان نحن نعرف أقل فأقل، ويوم اثر يوم ستزيد الأجهزة الرقمية من جهلنا وسلب هويتنا وبشكل أسرع وأفظع !!!

***

بقلم/ الدكتور ميثاق بيات ألضيفي

 

رحيم الساعديVan. s. Riet By

From Encyclopedia Iranica

ترجمة: د. رحيم الشياع الساعدي

تعرفت أوروبا الغربية على ابن سينا عندما ظهرت النسخ اللاتينية من بعض أعماله العربية في الفترة ما بين منتصف القرن الثاني عشر وأواخر القرن الثالث عشر. كانت هذه الإصدارات نتاجًا لحركة ترجمة كبيرة والتي أصبحت مجموعة كبيرة من الأدب الفلسفي والعلمي ذات الاصل اليوناني، العربي واليهودي، وأثرت بشكل كبير على الفكر في القرون الوسطى في القرن الثالث عشر.

من أشهر أعمال أبن سينا (افسينا كما يلفظه الغرب) الفلسفية في العصور الوسطى كان كتابه الموسوعي كتاب الشفاء ويتكون من سيرة ابن سينا كما في مقدمة تلاميذه الجوزجاني وأربعة ملخصات، أي مجموعات، وتعامل مع تخصصات معينة، وهي المنطق والفيزياء والرياضيات والميتافيزيقيا.

ويقسم وفق التخصصات أو الأقسام والفيزياء (الطبيعيات أي فروع من فلسفة الطبيعة والميتافيزيقا (الالهيات) أي فروع معرفة الله وترجمت الى اللاتينية ولم تُترجم الرياضيات والاجزاء الوحيدة من المنطق التي تمت ترجمتها هي المقدمة (المدخل)

فصل من القسم الخامس عن الإثبات (البرهان، أي عن طريق القياس المنطقي)، ومقطعان من القسم الثامن حول البلاغة (الخطابة) ويقدر بـحوالي عُشر النص العربي، وتم إجراء بعض الترجمات خلال النصف الثاني من القرن الثاني عشر في مدينة طليطلة  وهي :

1-  مقدمة للمنطق، تسبقها مقدمة الشفاء وفصل من قسم الإثبات 2- العلوم الطبيعية، تشكل ثلاثة أرباع القسم الأول وهي عن الفيزياء بالمعنى الدقيق للكلمة اما المادة التي تشكل محور العمل فهي حول الروح (كتاب النفس)؛ 3-  الميتافيزيقيا بأكملها.

وقد ترجم القسم الثامن من العلوم الطبيعية، الذي يشكل أطروحة عن الحيوانات حوالي 1230م للإمبراطور فريدريك الثاني، ملك صقلية تم ترجمة لمقطعين يخصان الخطابة، تقريبا في سنة 1240م وهي لأسقف بورغوس (مدينة في شمال إسبانيا في قشتالة) .

وفي بورغوس أيضًا، استؤنفت ترجمة علم الطبيعة تحت رعاية الأسقف غونزالفو غارسيا دي غودييل، بدايةً من الجزء الأول الذي تركه غير مكتمل في طليطلة (مدينة في وسط إسبانيا على نهر تاجوس، عاصمة منطقة كاستيا لا مانشا -المترجم -) على الرغم من العمل المنجز في برغوس، فإن النص اللاتيني لا يصل إلى ترجمة كاملة للنص العربي

أما الأجزاء الأخرى المترجمة من العلوم الطبيعية فهي الأقسام 2 و3 و4 و5، عن السماء والعالم، و(الكون والفساد)، الأفعال والانفعالات، والأرصاد الجوية، أي الظواهر الجوية. وتمت ترجمة ثلاثة فصول من القسم الأخير بشكل منفصل في نهاية القرن الثاني عشر؛ ولدينا بالتالي نسخة من هذا الجزء في وقت سابق من نسخة بورغوس.

تمت ترجمة القسم السابع من العلوم الطبيعية، والذي يشكل أطروحة قصيرة عن النباتات، تحت عنوان

Liber de vegetabilibus (كتاب عن النباتات) وهذا العنوان مذكور في قائمة مكتبة السوربون العظيمة التي تعود إلى القرن الرابع عشر والتي تم تجميعها في عام 1338م.

إن أسماء جميع المترجمين الرئيسيين في الشفاء تقريبًا (وليس مساعديهم) معروفون تمامًا. كان الفلاسفة الإسرائيليين كل من ابن داوود (وهو إبراهيم بن داود، فلكي، فيلسوف ومؤرخ، يهودي عاش في الأندلس الإسلامي. أهم مؤلفاته هي «العقيدة الرفيعة – المترجم).

ورئيس الأساقفة دومينيك جونديالسفي أو جونديسالينوس، وكلاهما مذكوران في الرسالة التي كانت حول رسالة الأسقف يوحنا من طليطلة ؛ ومايكل سكوت، الذي كرس أطروحة على الحيوانات لفريدريك الثاني؛ وجون وشلامون، المذكورين في جزء من العلوم الطبيعية المترجمة في بورغوس .

وهيرمان الألماني، الذي ورد ذكره في مقدمة ترجمته لخطاب أرسطو الذي أدخل فيه مقاطع من شفاء ابن سينا؛ المترجم من المقتطفات الثلاثة من علم الأرصاد الجوية وقسم من العلوم الطبيعية

من ناحية أخرى، تقدم المخطوطات اللاتينية إشارات متناقضة لدور جيرارد كريمونا (جيراردو الكريموني أو جيرارد من كريمونا مترجم إيطالي للأعمال العلمية العربية، والذي عثر على أعماله في مكتبات طليطلة في إسبانيا –المترجم -)، الذي أقام في طليطلة مع دومينيك غونديسالفي وترجم كتاب ابن سينا في الطب. 

وتشير بعض المصطلحات اللاتينية المستخدمة في ترجمة الميتافيزيقا إلى أن جيرارد ربما كان له بعض الدور بهذه القضية، لكن لواحد فقط من المخطوطات الأربعة والعشرين المعروفة المترجمة. اما الثلاث مخطوطات الاخرى فتُنسب الترجمة إلى دومينيك جونديالفي، لكن ذلك لم يكن من مصادر مستقلة – ينظر:

 - Van Riet، Liber de philosophia prima I-IV، p. 123.

وبالإضافة إلى الشفاء، عُرفت أعمال فلسفية أخرى قام بها ابن سينا من قبل الأوروبيين في العصور الوسطى، وهي الأدوية القلبية (دواء القلب)، وهي مقالة عن مواضيع معينة نوقشت أيضًا في كتاب النفس. تمت ترجمة هذا العمل القصير إلى اللاتينية في أوائل القرن الرابع عشر من قبل أرنود دي فيلنوف (وهو طبيب من بلنسية وعالم لاهوت من العصور الوسطى – المترجم -) في برشلونة في عام 1306م، وقد أدرج تلميذ ابن سينا   الجوزجاني (أبو عبيد الجوزجاني توفي في 1070 م  وهو طبيب ومؤرخ فارسي – المترجم -) جزءًا من المقال في النص العربي لكتاب النفس في ضوء علاقته بالموضوع .  وقد تم بالفعل ترجمة هذه الفصول إلى اللاتينية.

أخيرًا، يذكر كتابان آخران من أعمال ابن سينا في كتاب بوجيو ((بوجيو براشيوليني  1380  - 1459م) وهو باحث من بدايات عصر النهضة الإيطالية. نجح في استرداد عدد كبير من النصوص اللاتينية الكلاسيكية حيث كان أغلبها طي النسيان في مكتبات الرهبانية الألمانية والفرنسية ونشر نسخاً مخطوطة بين المتعلمين - المترجم -)

 والأخر الذي كتبه الراهب الدومينيكي ريمون مارتن في 1278م وكان أحدهما هو كتاب الإشارات والتنبيهات وفسر ريموند مارتن العنوان على أنه " الخالي من الإشارة، والآخر هو كتاب النجاة، الذي تُرجمت إحدى صفحاته إلى اللاتينية.

وشكلت أعمال ابن سينا الفلسفية جوهر مجموعة كبيرة من الأدب تضم ترجمات أخرى من اللغة العربية، حيث كُتبت كتابات ابن سينا المترجمة مع نصوص لمؤلفين مسيحيين وافلاطونيين. كما ترجم دومينيك جونديالفي نفسه ملخصا لفلسفة الغزالي الذاتية ولابن جبرول، وقام بتجميع العديد من الأطروحات المشهورة التي تحتوي على اقتباسات من إعادة صياغة اعمال ابن سينا .

ونسب الى ابن سينا كتبا منحولة ومنها ما نشر لمؤلف يتحدث عن مفهوم إضاءة الروح من خلال مادة منفصلة، على النحو الذي يدرسه الفارابي وابن سينا، ويحاول تجميع ذلك مع تعاليم القديس أغسطين، ويُطلق على مجمع الأفكار السائدة في هذه المرحلة التاريخية، كما تشهد على ذلك مؤلفات الأفلاطونية العربية والمسيحية، اسم "السينوية الاوغسطينية، ان هذه المصطلحات هي موضع تساؤل من قبل مؤرخين معينين في فلسفة القرن الثالث عشر.

في الثلث الأول من القرن الثالث عشر، لم تعد أعمال أبن سينا تدرس فقط ما يتعلق بكتاب الإلهام الأفلاطوني الجديد مثل ديونيسيوس الزائف أو القديس أوغسطين أو جون دونس سكوتوس أو إريجينا ؛ بل كانت تستخدم أيضا في دراسة أرسطو عبارات ابن سينا الخاصة بـ ارسطو وتلبي احتياجات أوائل المترجمين لأرسطو إلى أن حلت محلها تعليقات ابن رشد الحرفية وقبل أن يتعرف المسيحيون الغربيون على ابن رشد، كان تأثير ابن سينا على الأرسطية اللاتينية ملحوظًا للغاية  (ينظر : فان ستينبرجين، الفلسفة، الصفحات 186-87).

في وقت مبكر من عام 1210 م، حُظرت في باريس قراءة كتب عن الفلسفة الطبيعية لأرسطو و"التعليق" عليها. وفي عام 1215 م ، تم التأكيد على الحظر وتوضيحه من قِبل روبرت دي كورسيل، بمرسوم البابا إنوسنت الثالث، في أحد اللوائح التي حددت ما يمكن تدريسه في كلية الآداب بانه (يجب ألا تقرأ كتب أرسطو حول الميتافيزيقيا والفلسفة الطبيعية، ولا" الملخصات) .

ويقترح المؤرخون تفاسير متباينة إلى حد ما لهذه الحظر، مع مراعاة ظروف وهويات المعلمين المشتبه بهم مثل (أموري بين، دافيد دينانت، وغيرهم)، لكن يتفق الجميع على أن عبارة التعليقات  تشير بالتأكيد (إن لم يكن حصرا) إلى انها إعادة صياغة أبن سينا .و يشار إلى أن الحظر لا ينطبق إلا على تدريس هذه النصوص، وليس على القراءة الشخصية واستخدامها، وأن نطاقها كان محليًا تمامًا. لكن في عام 1229 م، يمكن قراءة كتب أرسطو والتعليقات عليها التي كانت قيد الحظر في باريس وتعليمها في جامعة تولوز الناشئة .

وتدخل أعمال أبن سينا المختلفة بشكل بارز في الموسوعة الفلسفية العلمية الكبرى لألبرتوس ماغنوس (معروف أيضا باسم القديس ألبيرت الكبير، وهو كاهن وراهب دومينيكي حقق الشهرة لمعرفته الشاملة ودعوته للتعايش السلمي بين العلم والدين. ويعتبر أعظم لاهوتي وفيلسوف الماني من العصور الوسطى. كان الأول من بين دارسي القرون الوسطى الذي طبـّق فلسفة أرسطو في الفكر المسيحي –المترجم -  .

والذي بدأ العمل عليها في منتصف القرن الثالث عشر، في الوقت الذي انتصرت فيه الأرسطية في باريس. وكانت رغبته في "إعادة صياغة أرسطو لاستخدامه من قبل اللاتين" و"وضع في متناول اليد جميع النتائج العلمية التي توصل إليها العقل البشري حتى عصره" وبدلاً من التعليقات الحرفية على أعمال أرسطو، يستشهد بصيغ ويستخدم بشكل متكرر أعمال ابن سينا الخاصة، وفي معظم الأحيان من دون شكلها الصريح يستخدم الاعمال في اقتباسات لم يتم تحديدها بعد (ينظر : فان ريت، Liber de philosophia prima I-IV، ص. 159 * -163 *). لذلك، يمكن وصف فلسفة البرت الكبير، كما هو معروض في موسوعته، بأنها افلاطونية جديدة، وقبل كل شيء أرسطوطاليسية (أرسوتيليانيسم) (ينظر : فان ستينبرجين، الفلسفة، ص 303).

تحتوي كتابات توما الاكويني (توماس أكويناس) على أكثر من 400 اقتباس واضح لأبن سينا، مأخوذة أساسًا من (القسم 6) والميتافيزيقا وفي بعض الحالات من الفيزياء بالمعنى الدقيق للكلمة، وعلى أساس التفسير القوي لأرسطو الذي كان في ضوء انتقادات ابن سينا، فإن توما الاكويني يؤيد أو يرفض أطروحات ابن سينا المقتبسة، مما يضعها في منظور أكثر وضوحًا وهو يفعل هذا في مناقشاته عن الله الخالق، العناية الإلهية، التمييز الحقيقي بين الجوهر والوجود في الكائنات المحدودة، تشبيه الوجود، وفكرة الضرورة (التي يدرجها في قائمة الصفات التجاوزية)  (ينظر Verbeked، ص 36).

باتباع الأمثلة التي وضعها البرت الكبير وتوما الاكويني من بعده، أصبح من المعتاد دمج جوهر ترجمات ابن سينا وتجميعها في مجموعة من نصوص مؤلفين آخرين مثل أرسطو، وبوثيوس (فيلسوف وسياسي روماني اشتهر بعجلة الحظ و‌عزاء الفلسفة التي أصبحت واحدة من الأعمال الفلسفية الأكثر شعبية وتأثيراً في العصور الوسطى-المترجم – وبرقلس   وأفرويس، وكان مستقبل ابن سينا في الغرب مرتبطًا بالمصنفات التي تم فيها دمج الكثير من الأفكار المستخلصة منه (ينظر جويشون، الفلسفة، ص 127).

لا يعرف إلا القليل عن عملية نشر المواد الطبيعية والتي تُرجمت في بورغوس بعد وفاة توما الاكويني في 1274 وربما قبل وقت طويل من وفاة ألبرتو الكبير في عام 1280 ونصوص هذه الكتب ليست مدرجة في في اعمال ابن سينا المطبوعة في البندقية في عام 1508 ولم تتم دراستها بشكل منهجي بعد.

في القرن السادس عشر، قام الطبيب الفيلسوف أندريا ألباجو بترجمة العديد من الأعمال الفلسفية القصيرة لابن سينا من العربية إلى اللاتينية، لكن هذه الترجمات الجديدة لم يكن لها أي تأثير يذكر على الفكر الغربي المعاصر.

ان حصيلة العمل المنجز خلال الثلاثين عامًا الماضية تعد بإحياء دراسات ابن سينا في الغرب في العقود القادمة، مع إيلاء الاهتمام الخاص بها .

 

..................

المراجع:

Andrea Alpago, Avicenna philosophi . . . Compendium de anima. De Mahad . . . Aphorismi de anima. De deffinitionibus et quaesitis. De divisione scientiarum . . . , Venetiis, apud Juntas, 1546.

M.-Th. d’Alverny, “Notes sur los traductions médiévales d’Avicenne,” Archives 19, 1952, pp. 337-58.

Idem, “Avendauth,” in Homenaje a Millas Vallicrosa I, 1954, pp. 19-43.

Idem, “Les traductions d’Avicenna (Moyen Age et Renaissance),” in Avicenna nella storia della cultura medievale, Accademia Nazionale dei Lincei 304, 1957, pp. 71-87.

Idem, “Avicenna Latinus I à XI,” Archives 28-39, 1961-72. Idem, “Les traductions d’Avicenne. Quelques résultats d’une enquête,” Correspondance d’Orient, no. 11 (Actes du Ve congrès international d’arabisants et islamisants), Brussels, 1970, pp. 151-58.

  1. Baur, Dominicus Gundissalinus, “De divisione philosophiae,” Beiträge zur Geschichte der Philosophie des Mittelalters IV, 2-3, Münster, 1903.
  2. Cortabarria Beitia, “L’étude des langues au Moyen Age chez les Dominicains,” MIDEO 10, 1970, pp. 189-248.

Ēt. Gilson, “Avicenne et le point de départ de Duns Scot,” Archives 2, 1927, pp. 89-149.

Idem, “Les sources gréco-arabes de l’augustinisme avicennisant,” Archives 4, 1929, pp. 5-149.

  1. M. Goichon, La philosophie d’Avicenne et son influence en Europe médiévale, 2nd ed., Paris, 1951.
  2. Mandonnet, Siger de Brabant et l’averroïsme latin au XIIIe siècle, Louvain, 1908-11.
  3. T. Muckle, “The treatise "`De Anima" of Dominicus Gundissalinus,” Mediaeval Studies 2, 1940, pp. 23-103.

 

  1. Van Riet, Avicenna latinus.Ēdition critique de la traduction latine médiévale: Liber de anima seuSextus de naturalibus I-V, Louvain and Leiden, 2 vols., 1968-72; Liber de philosophia prima sive scientia divina I-X, 2 vols., Louvain and Leiden, 1977-80; Lexiques, 1 vol., Louvain-la-Neuve and Leiden, 1983.
  2. Van Steenberghen, La philosophie auXIIIe siècle, Philosophes médiévaux 9, Louvain and Paris, 1966.
  3. Vansteenkiste, “Avicenna-citaten bij S. Thomas,” Tijdschrift voor Philosophie 15, 1953, pp. 457-507.
  4. de Vaux, Notes et textes sur l’avicennisme latin aux confins des XIIe-XIIIesiècles, Bibliothèque Thomiste 20, Paris, 1934.
  5. Verbeke, “Introductions doctrinales” in Avicenna latinus, ed. S. Van Riet: “Une

منى زيتونيُعتبر مصطلح العلوم الاجتماعية مصطلحًا واسعًا، يشمل عددًا من العلوم التي تهتم بالمجتمع وعلاقات أفراده. وعلى رأس هذه المجموعة المتنوعة من العلوم علم الاجتماع بفروعه المختلفة، وعلم النفس بفروعه، والتاريخ، وعلوم اللغة، وعلم الاقتصاد، والعلوم السياسية، والقانون، وغيرها من العلوم الإنسانية، التي تتعامل مع المجتمع كمنظومة، وعليها استكشاف الأساليب التي ينتظم بها.

والأهداف الرئيسية من سائر هذه العلوم هو فهم الظواهر التي تحدث في المجتمع، وتفسيرها، والتنبؤ بالتغيرات في السلوكيات والعمليات الاجتماعية التي تربط البشر كأفراد وجماعات، ونقد سلوكيات البشر أثناء تفاعلهم الاجتماعي، بغرض ضبطها وتحسينها. ولا بد أن يكون الهدف الرئيسي منها هو تفسير الظواهر الاجتماعية لا الحكم عليها.

ولسعة وتنوع مجالات البحث في العلوم الاجتماعية، فإنه قد يصعب تصنيف بحوثه، وكثيرًا ما يتشارك باحثون في تخصصات مختلفة البحث في موضوع واحد، لتشعب أهداف البحث، ووجود علاقات واضحة بين النظم الاجتماعية.

كما تتنوع مناهج البحث العلمية في مجال العلوم الاجتماعية، فقد يُستخدم المنهج الوصفي أو المنهج التجريبي أو المنهج التاريخي، وعليه فقد تكون أساليب جمع البيانات كمية أو كيفية.

والبحوث الاجتماعية هي دراسة علمية للبناء الاجتماعي للمجتمع، لجوانب ومكونات الحياة فيه، والعمليات الاجتماعية الحادثة فيه، وهي المعرفة المتجمعة باستخدام المناهج العلمية على اختلافها في الدراسات الاجتماعية المتنوعة.

إن أحد أهم أسباب مشاكلنا هو التفكك الاجتماعي، وعدم التعامل والتعاطي مع قضايا المجتمع كمنظومة متكاملة، والإصرار على الانعزالية في فهم الظواهر والقضايا والمشكلات الاجتماعية، وهذا نراه ونلمسه على مستوى الدول ككل، وكذا على مستوى أفراد المجتمع؛ ولأجل هذا فإن المنظور التكاملي لقضايانا في ضوء تخصصات العلوم الاجتماعية المختلفة، والابتعاد ما أمكن عن تصور الجزر المنعزلة عند معالجتها ضرورة لمجتمع سوي متحضر.

ما ميز علم الاجتماع في بداياته أن علماء الاجتماع كانوا يناقشون في أعمالهم الأديان، وعلم النفس، والفلسفة، والتعليم، والأخلاق، لكن في مرحلة لاحقة ظهرت نزعة تجريبية في بحوثه على يد كارل ماركس، وسادت تلك النزعة لفترة، لوحظ فيها تزايد مشكلات المجتمعات الإنسانية، وتفاقمها، وأزعم أننا بحاجة إلى العودة بقوة إلى المنهج الوصفي في البحوث الاجتماعية، لأن الفهم الدقيق هو أول خطوات حل المشكلات الاجتماعية؛ فللآراء ووجهات النظر التي تستند إلى تحليل للظاهرة أو القضية الاجتماعية أهميتها، والبحوث الاجتماعية لا تبنى فقط على التجريب، ولست من أنصار اعتبار نتائج البحوث التجريبية حقائق اجتماعية، مهما كان حجم العينة المستخدم فيها.

فالاستقصاء الكمي يوجه عنايته للكشف عما يسميه الحقائق الاجتماعية، فاصلًا إياها عن سياقها الاجتماعي وأحيانًا التاريخي! بينما من المعلوم أن العلوم الاجتماعية تختلف في طبيعتها عن العلوم الطبيعية، فلكل مجتمع خصائصه. والمجتمعات الإنسانية تتميز بوجود معايير وقيم وقواعد أخلاقية وثقافات، تؤثر في القضايا الاجتماعية، والإنسان ليس آلة، ولا يعمل بمعزل عن مجتمعه، كما أن قضايا مجتمعه ومشاكلها تتشابك معه على تنوعها، ولا يمكن النظر إليها بمعزل، وما نستدل عليه من نتائج بحث اجتماعي أُجري في مجتمع قد يختلف كثيرًا عن بحث مناظر في مجتمع آخر، أيًا كان المنهج العلمي المستخدم. بل إن مقارنة المجتمعات المختلفة أحد مجالات العلوم الاجتماعية.

وعلى هذا فالاستقصاء الكيفي من وجهة نظري له أهميته القصوى في مجال الدراسات الاجتماعية، حيث ندرس الظواهر الاجتماعية في مواقف طبيعية وليست اصطناعية، ونسعى من خلال ملاحظاتنا إلى تفسير تلك الظواهر، وتبسيطها، وإعطاء معنى اجتماعي للظواهر، مع تحليل العلاقات بين الظواهر والسلوكيات الاجتماعية والعوامل الخارجية. ولا بد أن نقر أن لكل باحث مهما كانت الطريقة والمنهج الذي يستخدمه أفكاره وآراؤه وقيمه، وموضوعية الباحث في النهاية هي التي تحدد قيمة البحث، وليست الأرقام.

وأرى أن مستقبل العلوم الاجتماعية في البحوث الكيفية الإثنوجرافية Ethnography تحديدًا، التي تستخدم الملاحظة أساسًا في جمع البيانات، والاستقراء أساسًا في تحليل البيانات، فالباحث يغمر نفسه في الظاهرة التي يلاحظها ليتحصل على صورة عقلية كلية كاملة واضحة عنها، مستبعدًا أي تأثيرات من نتائج الأبحاث المقاربة التي تمت في بيئات أخرى.

ونتائج البحوث الاجتماعية على تنوعها تسهم في تطور المجتمعات وتقدمها، كونها توجه عنايتها لفهم مشكلات المجتمع، وتضع حلولًا لها، وما يميز المجتمعات المتطورة والناهضة بقوة أنها تهتم بنتائج هذه البحوث، على مستوى القادة والمشرعين والسياسيين والأكاديميين، فلا تقف عند حد التنظير، بل يتم تطبيق نتائجها؛ فتسهم إسهامًا حقيقيًا في صياغة السياسات العامة لتلك الدول، والتغلب على مشاكلها، وحتى مواطنو الدول المتقدمة فإن مما يميزهم اهتمامهم بنتائج هذه البحوث، فيضعوها نصب أعينهم لتحسين سلوكياتهم الاجتماعية.

فلأن الإنسان كائن اجتماعي، وعلى اتصال دائم بغيره من أفراد المجتمع، تعد الدراسات الاجتماعية بوجه عام من أكثر الدراسات أهمية للفرد العادي في المجتمع، والناس لا ينفكون يسألون عن سبب تزايد التعصب، أو سبب ارتفاع أعداد حالات الطلاق، وغيرها من القضايا الاجتماعية التي تنشأ من سلوكيات الأفراد في المجتمع، وتؤثر على أصحابها وعلى المجتمع ككل.

ولإيماني الشديد بأن العلم تكاملي البناء، وليس فقط تراكمي البناء، فأنا أحاول جاهدة أن أدمج معارفي المختلفة في نطاقات علم النفس وعلم الاجتماع والعقائد والتاريخ والنقد الأدبي وغيرها من فروع الإنسانيات، بل وحتى علم الأحياء، ومناقشة جميع القضايا الاجتماعية التي أطرحها في مقالاتي، حتى الدينية منها، من وجهة نظر اجتماعية.

فهدفي هو بحث مجموعة متنوعة من أهم القضايا التي تهم المجتمع العربي، والتي للوهلة الأولى قد يستشعر القارئ غرابة في وجود هذه الموضوعات والقضايا المتباينة ضمن اهتمامات كاتب واحد، ولكنها جميعها رغم تباينها تمت مناقشتها من منظور اجتماعي. ناقشت في مقالاتي موضوعات في عدة اختصاصات اجتماعية هامة كالتعليم، وعلم النفس الاجتماعي، وعلم الاجتماع السياسي، والإدارة والتنظيم الاجتماعي، والعلاقات العرقية والدينية، والتطرف الفكري، والإلحاد، والممارسات الاجتماعية، والتغير الاجتماعي، والتقسيم الطبقي، وحرصت حرصًا تامًا على التنويع في طرق العرض، حتى أن بعض الأفكار التي أردت طرحها طرحتها من خلال النقد الأدبي لروايتين أدبيتين وبعض من الميثولوجيا اليونانية! وأرجو أن يجد كل قارئ فيما أكتب فائدة، وأن أسهم في التغلب على مشاكل مجتمعاتنا العربية.

إن النظرة التكاملية لقضايانا الاجتماعية ضرورة ملحة، إن أردنا أن نصل بمجتمعاتنا إلى التحضر الذي نبتغيه، مع الحفاظ على هويتنا، ولكنه يتطلب توسيع أفق الباحثين في الميادين الاجتماعية وزيادة إطلاعهم على اختصاصات عديدة؛ للقضاء على حالة التفكك والمنظور الأحادي في بحوثنا الاجتماعية.

 

د. منى زيتون

 

عبد الحسين شعبانفي الـ 9 من نوفمبر / تشرين الثاني عام 2009 أعلنت الجمعية العامة للأمم المتحدة اعتبار يوم الـ 18 من يوليو / تموز من كل عام «يوماً عالمياً لنيلسون مانديلا» تقديراً وعرفاناً لدفاعه عن قيم السلام والحرّية والتسامح وحقوق الإنسان والمساواة ومناهضة التمييز العنصري، الذي قضى جلّ حياته يناضل من أجلها. وأصبحت تلك المثل والمعاني الإنسانية ملازمة له، سواء في سجنه المعتّق، والذي دام 27 عاماً، أو بعد تحرّره وإطلاق سراحه، ولا سيّما عند انتخابه رئيساً للجمهورية عام 1994، فلم يدع الكراهية أو الحقد أو الانتقام تتسلّل إلى قلبه وتسيطر على عقله، لأنه ترك الماضي وراءه، وكان يتطلّع إلى المستقبل بثقة وأمل.

وكان مكسيم غوركي الروائي الروسي قد وصف أحد ثوريّي عصره بأنه كان «نصف عقله يعيش في المستقبل»، وأظن أن مثل هذا الوصف ينطبق بدرجة كبيرة على مانديلا، فحين أصبح رئيساً لجنوب إفريقيا شرع بإعداد خطة للمصالحة الوطنية عبر مقتضيات العدالة الانتقالية، ولم يبقَ أسير الماضي، بل ذهب بنظره بعيداً إلى المستقبل، ولا سيّما في البحث عن سبل التعايش بين الأجناس والأعراق والتكوينات وعن المشترك الإنساني القاسم المشترك الأعظم.

وتستوجب العدالة الانتقالية المساءلة لما حصل، وذلك لكشف الحقيقة كاملة، ليطلع عليها الضحايا أو عوائلهم، ومن ثم لجبر الضرر على المستوى الاجتماعي والأخلاقي، بهدف إبقاء الذاكرة حيّة وإطلاق أسماء الضحايا على مؤسسات ومرافق عامة ثقافية واجتماعية، إضافة إلى التعويض المادي والمعنوي على المستوى الشخصي.

ولكيلا يتكرّر ما حصل، لا بدّ من إصلاح الأنظمة القانونية والقضائية والأمنية، وتهيئة الظروف المناسبة للانتقال الديمقراطي عبر مصالحة وطنية بعيداً عن الثأر والكيدية، في ظل أوضاع انتقالية، تتجه فيها البلاد للانتقال من ضفة إلى أخرى، ومن حكم عنصري «أقلوّي» إلى حكم ديموقراطي «تعدّدي».

وفي عام 1989 أُسست «مؤسسة مانديلا»، ودعت كل فرد إلى تخصيص 67 دقيقة من وقته لمصلحة «العمل من أجل الآخرين»، وتعود رمزية الرقم 67 إلى أن مانديلا قضى 67 عاماً من حياته في خدمة الآخرين ومساعدتهم، فمقابل كل عام دقيقة، وإذا ما أضيفت الجهود الجماعية إلى بعضها، فستكون لها قيمة حقيقية، سواء على مستوى المؤسسة أو الجمعية أو منظمة المجتمع المدني أو الحي أو البلدة أو المدينة أو الدولة، فضلاً عن هدفها الإنساني وتأثيرها النفسي في المضحي بجزء من وقته أو راحته أو ماله أو على الآخر الذي يحتاج إليها.

وإذا كان الاحتفال هذا العام اختار شعار «العمل من أجل الآخرين»، فإنه في سنوات سابقة رفع شعارات عديدة منها «العمل ضد الفقر»، أو ضد «مرض نقص المناعة - الإيدز» أو غيرها، والذي كانت ترافقه حملات توعوية وتعليمية تتعلّق بالشعار الأساسي، فضلاً عن مساعدة اللاجئين والنازحين والمهاجرين من إفريقيا ومن البلدان النامية، بما فيها من البلدان العربية.

ومنذ عام 1999 بدأت مؤسسة مانديلا عملاً مكثفاً في المجال الإنساني مركزة على التنمية الريفية والتعليم، وخصوصاً بناء المدارس والصحة، ولا سيّما ضد وباء «الإيدز»، فضلاً عن سوء التغذية ونقصها وضعف وتدهور التعليم وازدياد البطالة واتساع نطاق الهجرة، ولعل جميع تلك الإشكاليات حين لا تجد حلاً مناسباً وإنسانياً، فإنها ستكون تربة صالحة لتفقيس بيض العنف بكل أشكاله وألوانه ومبرّراته، بما فيه «الإرهاب الدولي»، ولا سيّما في ظلّ التعصّب والتطرّف التي تولّده تلك التحديات الأساسية.

لقد تسامى مانديلا على الأحقاد والضغائن، وجنح خارج ردود الفعل إلى الفضاء الإنساني، وسعى لمشاركة وشراكة الجميع وفقاً لمبادئ المواطنة التي آمن بها، والتي تقوم على الحرية والمساواة والعدالة، إضافة إلى المشاركة، وكانت مساعدة المستضعفين والنساء والأطفال هدفاً أساسياً لديه، خصوصاً في المجتمعات الأقل تطوراً، بل إنه كان يشعر بالسعادة حين يساعد الآخرين، فثمة تلازم بين التضحية والعطاء، وإذا كان الأخير للغير، فإن التضحية للنفس، وهكذا يجد الإنسان قيمة في نفسه يريدها قيمة عند الآخر، وكلّ ذلك جزء من العمل الخيري والتطوّعي.

ووفقاً لعلم النفس الاجتماعي، فإن الإنسان يشعر بالرضا والتأثير الإيجابي الذي يحدثه عمل الخير لمصلحة الآخرين، وقد توصل مانديلا إلى ذلك من خلال سيرته المهنية والقانونية وفترة سجنه ومعاناته وقناعته بأن العنف لن يولد إلّا العنف، وإنّ أي تقدّم حقيقي لن يحدث إلّا في ظروف السلام والتعايش والتسامح، وكان نيله جائزة نوبل للسلام حافزاً جديداً ومسؤولية إنسانية مضاعفة لمواصلة مشواره بعد إنهاء نظام الفصل العنصري الذي حكم البلاد أكثر من قرنين من الزمان، وهو الذي كان يردّد «لا يمكن إيقاف سيرنا نحو الحرية، وعلينا ألا نسمح للخوف بأن يقف في سبيلنا».

إن 67 دقيقة من عمل الخير من كل عام لا تعيق مسيرة أي إنسان، بل على العكس تسهم في «أنسنته» وجعله يرفل بالسعادة والراحة، فعسى أن يكون لكل إنسان 67 دقيقة!

 

د. عبد الحسين شعبان

 

الإجابة عن هذا السؤال تتوقف،كما  قال المفكر الاسلامي طارق رمضان: التعريف بالإسلام السياسي، وذلك  هل المقصود به الخلايا الجهادية العالمية؟، أو النمط السعودي؟، أو الإخواني في مصر؟، أو التركي، أو الإيراني؟ أو حركة العدل والإحسان المغربي؟، أو حزب النهتة التونسي؟، أو غير ذلك من الأحزاب الأخرى في العالم الإسلامي؟ حيث يرى طارق رمضان أن الإسلام السياسي ينطبق على التيارات الإسلامية التي تسعى أنصارها إلى سلطة الدولة سواء كانت أصولية أم إصلاحية.[1]

والجدير بالذكر، أن الإسلام السياسي يصطلح على التيا رات الإسلامية التي تؤمن بأن الإسلام ليس دينا فحسب، بل هو نظام سياسي واجتماعي صالح لإصلاح العالم الإسلامي المعاصر، ويسعى لتطبيق ذلك في مجتمعه عن طريق الممارسات الديمقراطية، أو التي ترى أنها لا تتعارض مع مبادئ الإسلام، وعلى رأسهم الإخوان المسلمين، ومن تأثر بهم من الجماعات الإسلامية الأخرى، والتي تتمسك دوما بمبدأ عدم الفصل بين  الدين والسياسة، رغم أنهالم تستطع أن تحدد بقدر كاف،العلاقة الثنائية بين الدين والسياسة، بدليل قول الدكتور  سعد الدين العثماني، الأمين  العام لحزب العدالة والتنمية في المغرب: إن العلاقة الأوفق بين  الدين والسياسة في الإسلام ليس هو الفصل القاطع، وليس هو الوصل والدمج التامين، بل هو وصل مع تمييز وتمايز[2].

هذا، وقد تنبأ العديد من رجال الغرب مثل أوليفييه روي  Olivier Roy وجيل كيبيل  Kepel Gilles منذ أكثر من عشرين عاما على فشل الإسلام السياسي[3] ، كما أكد ذلك كثير من مفكري اليساريين  والليبراليين هذا الفشل، وخاصة بعد الإطاحة بالرئيس السابق محمد مرسي من طرف الجيش، إلا أن الإعلان بفشل الإسلام السياسي أو نهايته فيه نوع من التسرع في الحكم على التنيجة من حيث التحليل، فالفشل قد يكون عثرة مؤقة تخص التجربية السياسية ليس إلا، وهناك كثير من الحركات الإسلامية السياسية، قد فشلت فعلا من حيث التجربة السياسية، في تنفيذ مشروع الإسلام السياسي في العالم الإسلامي، كالمحاكم الإسلامية في الصومال، وحركة طالبان في أفغانستان، وقبلهم المجاهدون الأفغان الذين حاربوا الإتحاد السوفيتي  في أفغانستان، والقاعدة في المناطق التي خضعت لهم في العراق وسوريا ، ويمكن أن يصنف هذا الصنف في إطار: الإسلام الأصولي الجهادي ذات التوجه السلفيّ من ناحية الفكر،كما أن هناك بالمقابل من قدّم نموذجا حيا على أرض الواقع، كالنموذج التركي المتمثلة بحركة التنمية والعدالة و الثورة الاسلامية في إيران، هذا فعلا على أن حركة النهضة التونسية، تحاول أن تسير على نهج النموذج التركي، بخلاف تجرية الإخوان المسلمين السياسية في مصر، فإن تجربتها أخفقت، بحيث لم تستطع مجاراة التجربة التركية، سواء من ناحية عدم قبولهم التعددية السياسية أو الفكرية، أو عدم طرحهم لمشروع نهضوي إقتصادي وطني، وذلك يرجع، كما قال د.عمار علي حسن إلى عدم أمتلاكهم نظرية سياسية متكاملة وعدم انفتاحهم بالقدر الكافي على التجديد النظري الذي أنتجته قريحة الباحثين المهتمين بتطوير رؤية سياسية عصرية للفقه والفكر الإسلامي  [4].

من جهة أخرى، فرغم أن حزب النهضة التونسية يعيش حاليا أزمة سياسية واقتصادية داخلية، إلا أن منطلقاته الفكرية وتصوراته السياسية البراغمتية  السياسية تمكنه، إلى حد ما من تجاوز الأزمة الحالية في تونس، أما فيما يتعلق بالنظام السياسي الإيرني ، فرغم وجود أزمات إقتصادية داخلية، وإخفاقات عامة من جهة الحريات، إلا أن خصوصياتها الأيدلوجية أوأمنها القومي في المنطقة، يكسب لها الاسمرارية في الحكم والسلطة.

وخلاصة القول: فإن مستقبل الإسلام السياسي في العالم الإسلامي، مرهون بمدى تحقيق الإسلام السياسي عاملين  أساسيين يرتبطان بإشكاليات السلطة السياسية:

الأول: بمدى تقبل الإسلام السياسي الدولة المدنية التي جوهرها النظام الديموقراطي، ومن ثم، تركيزهم على التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وتطوير البنىية التحتية للمجتمع، كالتعليم ومناهجه والخدمات الصحية وتعزيز الرفاه الاجتماعي.

الثاني: قدرة حركات الإسلام السياسي، على الانتقال من شعارها الراهن الإسلام هو الحل، إلى تقديم حل إسلامي بديلا، يتطلب مستلزمات عملية التغيير والتنمية والتي تحقق الازدهار والاستقرار، وهذا  يتركز كما ذكر الكاتب السوري علي العبد الله، على خمسة مبادئ:

الأول: التحرر من المنهجية التقليدية التي سادت الفقه الإسلامي التقليدي، وبخاصة الاجتهاد الفردي والمنهج التوليدي، واعتماد منهج جماعي وتكاملي يشارك فيه علماء من كل الاختصاصات.

الثاني:التخلص من تبعات التخندق المذهي ، الذي حول الإسلام إلى أديان، بالانفتاح على الجميع وأخذ اجتهاداتهم بالاعتبار.

الثالث: اعطاء عمارة الكون وإقامة العدل والمساواة  بين البشر .

الرابع: تقديم حل عقلاني وعملي لقضايا الفرد والجماعة، المجتمع والدولة، قضايا الاقتصاد والاجتماع والثقافة، التعليم والصحة والخدمات والفن، مستوى معيشة المواطنين  ونمو وتفتح الشخصية الإنسانية.

الخامس: وضع أسس لمواجهة المشكلات السياسية، ووضع قواعد وآليات لإدارة مؤسسات الدولة والشأن العام واقتراح تكييف مؤسسي إجرائي لممارسة الشورى وأهل الحل والعقد، يأخذ الانقطاع الحضاري الذي أمتد لقرون بالاعتبار، يتسق مع روح العصر ومستدعيات الدولة الحديثة[5].

  

الدكتور بدر الدين شيخ رشيد

كاتب وباحث :في القضايا الاسلامية المعاصرة

...............

هوامش 

[1] Tǟriq, Ramadan, The Arab Awaking :Islam and the New Middle East, Allen Lane an imprint of Penguin Books, London, U.K. P,108

 [2]  (سعد الدين العثماني، الدين والسياسة تمييز لا فصل،) تاريخ النشر،  2008- 7- 11م (

http://www.algomhoriah.net/atach.php?id=15535

[3] -Tǟriq, Ramadan, The Arab Awaking :Islam and the New Middle East, Allen Lane an imprint of Penguin Books, London, U.K. P,108

[4]عمار علي حسن، دولة المرشد،) تاريخ النشر، 31-12-2011 م  (   انظر الرابط:

http://www.almasryalyoum.com/news/details/139062

[5]   - علي العبد الله، الاسلا السياسي: التكيف أو الفشل؟ ) تاريخ النشر،  7-9- 2013 م(

، أنظر الرابط: http://alhayat.com/OpinionsDetails/549174

 

عبد الجبار العبيديقال الحق: "ألم تَرَ كيف فعلَ رَبكَ بأصحابِ الفيلِ*ألم يَجعل كَيدهم في تضليلٍ*وأرسلَ عليهم طيراً أبابيلَ*ترَميِهم بحجارةٍ من سجيلٍ*فَجعلهم كعصفٍ مأكولٍ".. الفيل1-5.

آية قرآنية فسرت تفسيرا لغويا وليس تأويلاً علميا مُقنعا للقاريء اللبيب، تفسيرها يوحي ان أبرهة المسيحي أراد تدمير مكة والاصنام.. اي تدميرالعرب ونزع سلطة قريش.. والسؤال هنا هل كانت أصنام مكة تخيفهم وتنافسهم حكم الدين.. والعداء معهم لهذه الدرجة..؟ وهل العرب كانوا قبائل ضعيفة لا تملك قوة مقاومة الحبشيين وفيها من المسيحيين الكثير؟. فاذا كان ذلك صحيحا.. فكيف احتمى محمد (ص) بالنجاشي ليحمي دعوته واصحابه من قريش في بداية التنزيل.. وان محمداً كان يعرف ان الحبشة فيها مَلِكُ لا يُظلم عنده احد، وهي ارض صدق، (الطبري، الرسل والملوك ج2 ص333-334)؟.

 .ألم يكن ذلك تناقضا في التفسير؟ وبين عام الفيل ودعوة محمد (ص) اربعين عاماً.. (570 م مولد محمد-610 م مجيء الاسلام) وهي ليست مدة طويلة بعمر ذلك الزمن البعيد؟ اعتقد ان هناك اسبابا اخرى للهجرة ارتبطت بالعلاقات بين الدعوة والمجاورين وخاصة الروم في بلاد الشام الذين نزلت فيهم اية التمجيد والتنبأ بنصرهم القريب"سورة الروم آية 1-5".. وان العرب المسلمين كانوا منذ ذلك الزمن يعادون الفرس ويخافون من تطلعاتهم في اراضيهم.. كما قرأنا في مصادر التاريخ القديم.. أنظر اطروحة ماجستير للسيد قيس الجنابي.. تاريخ العراق القديم تحت الاحتلال الساساني، كلية التربية – جامعة بابل العراقية؟

نتمنى ان نسمع من فقهاء التفسيرالذين ضيعوا الامة في آتون التفسيرات اللغوية للقرآن الكريم وتركوا التأويل.. بعد ان حولوه الى ترتيل.. والقرآن هو الذي امر بالتأويل مع الراسخون في العلم.. "آل عمران آية 7" وكلمة فقيه لا تعني عالم.. فكيف تصرفوا بالنص على هواهم دون تأويل لهذه السورة المباركة التي توحي بالكثير المبهم والتي لازالت تقرأ دون تأويل.... حتى بقينا نردد ما كتبوه أعتباطاً دون فهم عميق..؟ فأسسوا لنا كل مذاهب الغريب.. ففرقوا بيننا كل تفريق..

الى من يؤمنون بالحق والكتاب المبين.. نكتب هذه السطور نتمنى ان تظهر دراسات جديدة من علماء المثيولوجيا عن جدلية الذات الآلهية وأرتباطها بتعدد الأديان لتوضيح ما غمض من مراسيم الحياة منذ القدم وما زال يعشعش في رؤوس الناس على كونها حقائق مقدسة غير قابلة للنقاش.

لقد حفلت شبه جزيرة العرب بتاريخ قديم يكتنفه الغموض عموماً.. ويكاد يكون هذا الغموض عميقا وشاملا في بعض نواحيه، والاستدلال عليه يفرض على الباحث التعامل مع الروايات المتناثرة والمتناقضة في أغلب الاحيان بعد تمحيصها وتحكيم المنطق العلمي فيها.. فنحن لا نملك وثائق تاريخية مكتوبة مما يجعل الخوض في تاريخها الديني عسيراً ومضنياً في اغلب الأحيان.. فكيف يجوز لنا التصديق بهم دون سند أكيد..؟

لقد احتلت القصص القرآنية مكانة كبيرة في تاريخنا وعقولنا.. .فجاءت في غالبيتها على شكل اساطير تحاكي الحياة الحية فيها.. وكانت حملة ابرهة الحبشي عام 570 للميلاد احدى هذه القصص التي ذكرها القرآن الكريم بسورة قصيرة واحدة.. فكيف تمكن الفقهاء والمفسرين وحسب تفسيرهم لها ان يأتونا بحقائق غامضة فأخذناها على علاتها وحسبناها صحيحة.. ولم تبين لنا بعد ما غمض منها والاسباب والاهداف والمجريات فيها.

والقصة بدأت برغبة النجاشي ملك الحبشة بالايحاء لأبرهة ممثلهُ في اليمن والتابع له الذي بنى كنيسة كبيرة هناك سماها "القليس" ليحول الحجيج من مكة مقام ابراهيم اليها.. وهذا التوجه يعكس جدلية التناقض بين الاديان السماوية الواحدة التي كان المفروض ان تكون واحدة دون تعارض في الآيديولوجيا وتوابعها فيه.. ما دامت هي من مصدر واحد هو الله.. وكانت شبه الجزيرة العربية يومها تحوي الاديان الثلاثة اليهودية في المدينة، والمسيحية في اليمن، والصنمية في مكة.. وكانت التجارة والعلاقات الاجتماعية قائمة بينها "رحلة الصيف والشتاء، سورة قريش 1-4".. فلمَ هذا التوجه الغريب الجديد من الحبشة..؟ نعم انه بحاجة الى تفسير تاريخي رصين..؟ نعم هكذا كتب تاريخنا واخذناه حجة للفرقة والتباعد بيننا والتخريب.

من هنا تبرز اهمية المقالة التي تستطيع كشف اللثام عن معلومات خبيئة قد تسهم في ايضاح الرؤية العلمية وتنير متاهات طويلة في تاريخ هذه الحملة واهدافها وتاريخها.. لا بل تسهم في التفسير لماجاءنا منهم دون توثيق..؟                     

لقد أقسم أبرهة الحبشي ان لا يبقي لمكة من أثر ليخرب بيت أبراهيم الذي اقام عليه القواعد.. ليحَوَل العرب الى كنيسته القليس.. حتى أقسم ان يغزوها بجيش عظيمٍ.. وسار حتى وصل المغمس، موضع قرب مكة،.. وهو لم يعرف الطريق اليها.. فاستمال احد الخونة الأعراب وهو"ابو رغال" على ان يكون دليلا لهم الى مكة - كما خان أبن العلقمي الخليفة العباسي عند المغول عام 656 للهجرة.. وكما خان حكام بغداد اليوم وطنهم مع المحتلين- وهو الذي قتلته العرب فيما بعد انتقاما من الخيانة – العرب لا تعترف بالخائنين - ولا زال قبره يُرجم هناك الى اليوم.. وقيل هو القبر الذي ترجمه الحجيج اليوم.. وقالوا لنا ان الذي يرجم هو الشيطان.. ولاندري هل الشيطان لا زال حياً في مكة حتى يُرجم في كل حجيج..؟ نريد تفسيرا للصحيح..؟ لقد مللنا تفسير التراثيين..

 ولكن لا ندري ايضاً كيف فكر بهذا وبعض العرب على دين المسيحية يعبدون تحت راية القسيس ورقة بن نوفل خال خديجة الكبرى زوجة رسول المسلمين؟ اين المؤرخ الثبت ليقول لنا الحقيقة التي كتبها السابقون؟وهل يعقل ان الفيل يمشي الف كيلو متر من اليمن الى مكة بحجم جسمه الكبير.. لا.. ان جيش ابره الحبشي كان على ما يبدو رمزه الفيل.. فلم يدرك المفسرون تأويل النص الديني المكين بصحيح.

بعد عام الفيل بأربعين سنة"610 م" نزل الاسلام على محمد (ص) لينذر الظالمين.. "أقرأ باسم ربك الذي خلق.. "فهل كان الاسلام يريد نسخ الاديان الاخرى وهي اديان الهية ايضاً.. نعم يريدها للتوحيد بموجب الآية "اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا المائدة 3".. علما ان من نوح الى محمد (ص) كلهم مسلمون، الآية 35 من سورة الاحزاب".. في وقت قال المفسرون ان النسخ جاء في الآيات القصار وليس في الاديان- وهم مخطئون - لم يفهموا التفسير بهذا التناقض الكبير.. فكان ما كان.. نحن لا نريده تاريخا واسلاما لنقرأ قرآنه و نسمعه طرباً من المقرئين.. ولانقرأه للعضة والاعتبار.. بل نريده تاريخا لنحرك به جدلية واقع التحريك التاريخي لأمة ظلمت من الفقهاء والمفسرين ولا زلنا على هداهم الغامض نسير.. وهل كان للامة تعريف يومها بالمعرفة الحقيقية وليس بالمبهمة في التعريف؟ المسلمون كانوا أمة واحدة لا يجوز التفريق بينها بحجة المذاهب والاتجاهات كما في قوله تعالى :" ان هذه أمتكم أمة واحدة وانا ربكم فأعبدون، الأنبياء92".

فلا يجوزلأي جماعة ان تنصرف عن هذه الوحدة بحجة المذاهب أو الاجتهادات الفردية او الأدعاءات الوهمية كما نحن اليوم.. فمن منحهم التخويل..؟

لا تجعلنا يا آلهي المعبود بعد أن أمنا بك وبقرآنك.. ندخل دائرة الشك.. لان دينا لا يحمينا.. واسلاما لا يرحمنا.. ومرجعيات دين تبيعنا لفاقدي قيم الدين.. .نحن لسنا باحاجة اليهم.. والقرآن لا يعترف برجال الدين ولم يخولهم حق الفتوى عند المسلمين ولم يميزهم بلباس معين كما فعل رجال الدين في العصر القديم.. ونحن كذلك لسنا بخراف ليذبحنا ابراهيم فداءً لاسماعيل لمجرد حلم او نذر لقتل الشيطان الذي كان يعشعش في بيته اقاويل.. نحن بحاجة الى دين رصين بديل ما دمنا نملك البديل الذي خلقتنا به على الصحيح..

والعبرة في تاريخ القصص القرآنية التي تمثل الجزء المتغير من تراكم الاحداث الانسانية بعد وقوعها.. وقد حَدثت من امام مبين وان كانت من نسج الاساطير، لذا قال عنها القرآن :"نحن نقص عليك نبأهم بالحق، الكهف 13".

هنا اعطانا القرآن خط تطور التاريخ الانساني بالمعرفة والتشريع ليتفاعل القدر مع السلوك والانسان والقانون فيتحول الى واقع تحقيق.. لذا فالقصص القرآنية ما جاءت لتقرأ وأنما جاءت للعضة والاعتبار والتطبيق.. فحين نفذها الله في الظالمين.. نأمل منه تعالى وهو القادر القدير ان ينفذها اليوم في الظالمين الجدد.. وهو القائل "كن فيكون".. في دول المظلومين.نحن ننتظر ولكن متى نرى التنفيذ في يوم الصور الذي سيكون على الجميع حسابه وقرأنه الكريم..؟

هذا ما نقصد ونريد. لنقول ان الشعوب يجب ان تحرر نفسها بأيديها ولا تعتمد على الاخرين.. فقد انتهى عهد ابراهيم والنجاشي وابرهة وغرق نوح وما ذكرته الاساطير.. التي لا زالت طقوسها ممثلة بمراسيم اداء فريضة الحج الغامضة الى اليوم نؤديها ولا نعرف لها من معنى في التاريخ.. وعلينا ان لانسكت عن الباطل الذي يضحك علينا به وكلاء الدين في الارض كما يضحك علينا اليوم قادته " قدس سرهم" في التهويل بادعاء الوطنية والدين وهم سارقيها بامتياز ونبقى نهرول خلف من يسعون الى سرقة حياة الناس دون رادع وخوف من الله والضمير..؟

فهل سنبقى ننتظر من غرس في صدورنا سهام القاتلين.. أم الأخرالذي يريد قتلنا بالمخدرات ليستبدل شعبنا بشعب اخر على افكار الموالين؟؟

فمتى نوظف حقيقة الدين في اسعاف انفسنا والمظلومين.. وهل سنبقى كما يريد ان نسير من ورائهم دون عقل وتفكير.. لا.. لا نريد ان تتكرر علينا حملة الفيل . .كفاية يا رب العالمين من دينك ننتظر الفرج ضد الظالمين.. هل ستنفذ فيهم ما نفذته باصحاب حملة الفيل..؟ ام نبقى كما يريدون عبد النيران من زنادقة الدين..؟

 

د.عبد الجبار العبيدي

 

عبد الجبار الرفاعيفرضت "قوةُ الواقعِ" على من كانوا ينادون بتطبيقِ المدونةِ الفقهية عند تأسيس دولتهم الدينية التنازلَ بالتدريج عن أهم شعاراتهم الأساسية. وأعني بـ "قوةِ الواقع" شيوع ثقافة الحقوق والحريات في مجتمعات عالَم الإسلام اليوم، اثر غزارة ما يتدفقُ من الفضائياتِ ووسائلِ الإتصال والاعلام المتنوعة. لذلك لم تعدْ الدعوةُ لتطبيقِ الشريعة وإقامةِ الحدود حاضرةً في أحاديث وكتابات الجماعات الدينية، فقد تعاطتْ هذه الجماعاتُ معها بمنطقٍ ذرائعي بعد شيوع ثقافة الحريات والحقوق، إذ فرضتْ "قوةُ الواقع" عليها أن تُؤجّل أو تُترك الدعوةَ لتطبيق الحدود والتعزيرات المعروفة في المدونة الفقهية، كقطع اليد والرجم والجلد وغيرها، بل لم نقرأْ أو نسمعْ من معظم الإسلاميين في السلطة منذ سنوات حديثًا يردّد شعارَ تطبيق الشريعة في مؤسّسات الدولة والمجتمع. مع ان هذا الشعارَ كان وما زال أهمَّ مبرّر في أدبياتهم لإقامة الدولة الدينية، والهدفَ المحوري لتأسيسِ هذه الجماعات وانخراطِها في العمل السياسي وصراعِها المزمن على السلطة والثروة

لكن بموازاة هذا الموقف اللافت لا نعثر على ما يؤشر لتحوّل فكري تعكسه مراجعاتٌ نقديةٌ لمؤلفات كتّابهم، أو رؤيةٍ نظرية تحدّد الأسسَ الأولية لخارطة طريق بناء دولة حديثة خارج أحكام الفقه ومقولات علم الكلام القديم، أو وثيقةٍ فكرية تعلن انتقالَهم إلى محطة أخرى تتصالح مع أصوات الحريات والحقوق التي أرغمتهم على الصمت، وفرضتْ عليهم نسيانَ حدِّ الرجمِ والجلد وقطعِ يد السارق وغيرِ ذلك من الحدود والتعزيرات.

ميزةُ الدولة الحديثة أنها دولةُ متخصصين وخبراء في مجالات العلوم والمعارف البشرية المختلفة. يتعذّر بناءُ أية دولة حديثة من دون هؤلاء المتخصّصين والخبراء، وإن عدمَ الاكتراث بالعلوم والمعارف البشرية، وتجاهلَ أهمية الخبراء المتخصّصين في بناء الدولة، هو بمثابة من يريد تأسيسَ مستشفى بلا أطباء. الموقفُ الارتيابي من المعارف والعلوم الحديثة، تشبّع به الكثيرُ من أدبيات الجماعات الدينية، وعلى الرغم من اختلاف أشكال وأساليب تعبيرها عنه، فإنها تشترك في حالة سوء الظن من أية معرفةٍ في مجال العلوم السياسية والحقوقِ والحرياتِ لم ينتجها مسلمون، على الرغم من كونيتها واشتراك كل البشر فيها.

واحدةٌ من الثغرات التي يُمنى بها التفكيرُ الديني في الإسلام اليوم كثرةُ المتحدّثين والكتّاب باسم الدين، رغم أن معظمهم من غير الخبراء، فكثيرون منهم لم يتعلّموا في الحوزاتِ والحواضر والمدارس والجامعات ومعاهد التعليم المتخصّصة بالدراسات الدينية، ولم يكتسبوا تكوينًا تراثيًا يستوعبون فيه معارفَ الدين. مضافًا إلى أن هؤلاء المتحدّثين والكتّاب "غير الخبراء بالدين"، هم أيضًا لم يتكوّنوا تكوينًا حديثًا في الفلسفة وعلوم الإنسان والمجتمع، ومع ذلك نجدهم يُفتون بما لا يعلمون في مختلف الوقائع، ويتحدّثون بما لا يعرفون، ويكتبون ما لا يفقهون.

أذكر هنا مثالًا لذلك في كتابات وأحاديث من يشدّد على ضرورة دمج الديمقراطية بالدين، فقد تكرّر كلامٌ مبسّط يصفُ الديمقراطيةَ بأنها مجرّد ظرف وآلية، يمكن الاستعانةُ بها لوضع كلّ مظروف تتطلّبه الحياةُ اليوم بداخلها، وإلباسُها لأيّ ديانةٍ أو مُعتقَد أو أيديولوجيا. وكأنها بمثابة الأوعية الفارغة التي يمكننا أن نستعملها لشرب الماء، فيما يستعملها غيرُنا لشرب الخمر. وهذا ضربٌ من الفهم ينطوي على الكثير من التبسيط، ذلك أن الديمقراطيةَ ترتكز على رؤيةٍ للعالَم وللإنسان مشتقةٍ من فلسفة تقدّم تفسيرًا يقوم على مركزيةِ الإنسان في الوجود مقابل مركزيةِ الله، وتقدّم فهمًا في إطار رؤيتها هذه للشخص البشري ولحقوقِه وحرياته، وهي رؤيةٌ تختلف كليًّا عن رؤيةِ العالَم في علمِ الكلام أو الفقه في تراث الإسلام. فمثلًا لا يتطابق مفهومُ الحقوق لدينا بالضرورة مع كل ما تتضمنه الحقوقُ بالمفهوم الحديث، لأن مدلولَه في نصوصنا وتراثنا الديني أخلاقي، مثل: حقوق الوالدين والأرحام والجيران والمؤمنين والمسلمين، وغيرها. وهي غير الحقوق الطبيعية والمدنية والسياسية الحديثة التي يشرحها الفكر السياسي الحديث وينصّ عليها الميثاقُ العالمي لحقوق الإنسان، وتُمنح للإنسان بوصفه إنسانًا، بلا أيّ قيد أو شرط يخصّص إنسانيتَه ويطبعها بمعنى اعتقادي أو ديني أو عرقي، أي تُمنح له من حيث هو إنسان، وليس بوصفه منتميًا إلى معتقد أو جنس أو عرق أو جماعة.

ليس في عالمنا ما هو آلياتٌ وأوعيةٌ محايدة، حتى التكنولوجيا ليست محايدة، ذلك أن التكنولوجيا تحدّد نمطَ حضورنا في العالم، وتخلق لنا الكيفيةَ التي يتحقّق فيها وجودُنا على وفق تفسير الفيلسوف مارتن هايدغر. التكنولوجيا ليست آلاتٍ وأشياءَ مادية صمّاء ميتة، التكنولوجيا تمتلك لغتَها التي تحكي رؤيتَها البديلة للعالَم، ومنظومةَ القيم التي يفرضها الطورُ الوجودي الذي تعدُ به، لذلك تفضي استعارةُ التكنولوجيا إلى تصدّعِ البنى التقليدية، وتهشيمِها لاحقًا. تكنولوجيا المعلومات مثلًا، تحقّقَت من خلالها كيفيةُ حضورٍ مختلفة لنا اليوم في العالَم. الإنسان مثلما يبتكر التكنولوجيا ويصنعها، هي أيضًا تعيد ابتكارَ حضوره في العالَم، وتصنع له نمطَ حياته الجديد؛ المشتقَّ منها، والمحاكي لها.

وهذا النمطُ الجديدُ للحياة أضحى فيه الإنسانُ في صيرورة أبدية، لا تكفّ عن التحوّل، ولا تتوانى عن العبور، ولا تتوقف في محطة إلّا لتلتقط أنفاسَها فتواصل الرحيل. لم يعد الإنسانُ كما عرفته أكثرُ الفلسفات القديمة؛ كائنًا عاقلًا يلبث حيث هو، لا يكون جزءًا من شيء أو يكون جزءًا لشيء، بل صار الإنسانُ في المفهوم الحديث كأنه جزءٌ من كلّ، هو محصّلةٌ لما حوله، أي إنه في "حالة المابين"، كأن الإنسانَ مسافرٌ أبدي، لا ينفكّ عن الترحال، لا يمكث بمحلٍّ إلّا ليغادرَه الى محلٍّ غيره، تبعًا لنمطِ الوجود السيّار المتحرّك لكلّ ما هو حوله، فكلّ ما حوله يسير به، ويسير معه.

إنسانُ اليوم كائنٌ سندبادي، يتلقّي مختلفَ الثقافات في الآنِ نفسِه، من دون أن يغادرَ موطنَه. إنه يعيش جغرافيا جديدة، تضاريسُها هلاميةٌ، حدودُها واهيةٌ، أمكنتُها متداخلةٌ، ثقافتُها ملوّنةٌ، هويتُها تركيبيةٌ. شكلُ حياته هو الأشدُّ غرابة منذ فجر التاريخ.

 

د. عبدالجبار الرفاعي

 

علي رسول الربيعيأبتداءً من الأخلاقيات العلمية الأعتراف بما أنجزه الآخرون وحفظ مكانتهم في السبق الفكري أهدي هذه الدراسة لرائد هذا الحقل الأستاذ د. حسن مجيد العبيدي، فأنا أول ما تعلمت عن العلاقة بين الفلسفة وتاريخ الفلسفة عندما كنت طالباً في المرحلة الجامعية الأولية، كانت من خلال قراءة دراسته المنشورة في مجلة "آفاق عربية" في ذاك الحين بعنوان:" موقف الفلاسفة من تاريخ الفلسفة"، ويُخيًل اليً أنه أول من افتتح النقاش في الفكر الفلسفي العربي عن هذا الموضوع.

التاريخ وفهمنا للفلسفة

إن التفكير في فلسفة الفلسفة وشروط التفلسف تأخذنا أحد روافده الكبرى الى العلاقة بين الفلسفة وتاريخها، وهذا بدوره يتطلب منا أن ننظر في معنى التاريخ وسياقاته هنا ومعنى التفلسف الذي يكون ذي صلة وثيقة بهذا التاريخ. لقد طرحت حول مسألة العلاقة بين الفلسفة وتاريخها وجهات نظر عديدة ومختلفة. مناقشة هذا يتطلب منا أن نتناول الموضوع بعقل مفتوح بدون التزام أيديلوجي أو دوغمائي بوجهة نظر مدرسة فلسفية بعينها ابتداء ومسبقاً. كذلك أن لانقف عند الخطاطات العامة لتصنيف الفلسفة الذي تتبنى وجهة نظر تقول أن "الفلسفة أما مادية الأتجاه أو مثالية الهوية والتفسير." وعليه سوف نتناول علاقة الفلسفة بتاريخها ونقلبها على أكثر من وجه، وأكثر من تفسير. فلا نريد أن نقفز الى خلاصات من البداية و اصدار أحكام نهائية بصدد هذه العلاقة.

نريد أن نفحص ونحلل ما هي أنواع المعرفة التاريخية التي تساهم في فهم الفلسفة والتفلسف، على عكس مجرد الفهم التاريخي البحت للفلسفة. قد نتفق بشكل عام على أن التاريخ الفكري هو مسعى مهم لأن يكشف لنا عن كيف فكرَ المفكرون وشيئًا عن كيفية اشتغال عقولهم عندما يفكرون فيما فكروا فيه. وقد نتفق أيضاً على أن الأستعراض التاريخي للفلسفة يُضئ جميع فروع التاريخ الثقافي الأخرى. أنه يقدم وصفا لرد الفعل الفكري للعقول البارزة الكبيرة (عقول الفلاسفة) أزاء الأحداث الثقافية الهامة الأخرى أو عليها، وأنه لايقف عن عرض الأفكار في عملية أشتغالها فقط، لكنه يصفها في عملها كما تدخل في أنشطة الأنسان الأخرى، وتؤثر على مسار تطور الوعي والتطور المؤسسي. وبالتالي يساعدنا على فهم أنفسنا، وثقافتنا، وعالمنا الفكري. أنه يلقي الضوء على الأسباب التي نكتشف بواسطتها الأفكار التي تتحكم في تفكيرنا، ويتيح لنا الفرصة لمزيد من التفكير حول استخدامها. يساعد تاريخ الأفكار الفلسفية في توضيح ماهية أفكارنا المتاحة. ولو أنه يقوم بهذا جزئيا فقط، الأً أنه ما يضيئه تاريخ أفكارنا هو ما كانت عليه أفكارنا، وما مكنت من فعل ما تمكن الناس من تحقيقه من خلال توظيفها حتى الآن. لكن لايمكن لهذا التاريخ أن يخبرنا بما يمكن أن تفعله تلك الأفكار في الحاضر، وما الذي يمكن أن نأمل في تحقيقها عن طريق استخدامها وربما إعادة هيكلتها. لأن ذلك لايعتمد على ماضي الأفكار بقدر ما يعتمد علينا، على ما لدينا من طرافة المحاولة وجدتها وقدرتنا على الاستمرار في التفكير. أنه يعتمد على ما يمكننا القيام به مع ما أكتشافناه من الأفكار. وهكذا يمكننا أن نقول إن التاريخ يكشف الكثير، لكن لا يُـعلم شيئًا. يكشف ما كان، ويضيء ما كان. لكنه لا يُـعلمنا ماذا سيكون.

يمكننا القول أن تاريخ الفلسفة قد ساهم في فهمنا للعديد من الأشياء في ثقافتنا. ولكن لا يزال بوسعنا أن نسأل – ويسـألنا العديد من طلاب الفلسفة اليوم - ما علاقة تاريخ أسلافنا من الفلاسفة بفلسفتنا في عصرنا؟ كان لهم مشاكلهم الخاصة بهم ولدينا مشاكلنا المختلفة اليوم. كان لديهم أساليب الفكرية الخاصة بهم. ولكن وجدنا أفضل منها. لماذا، إذن، لانستخدم أساليبنا الحديثة في مشاكلنا الفلسفية الخاصة، وننسى الماضي غير ذي الصلة بحاضرنا ؟ لماذا لا نستخدم التقنيات الجديدة القوية التي وضعناها الآن في المنطق الرمزي أو تحليل المقولات وفلسفة اللغة أو أي شيء يبدو أننا أنه يقدم وعدًا لتسوية أي من المشاكل التي جاءت من الماضي، مرة وإلى الأبد ،ثم انتقل إلى أسئلة جديدة؟

لماذا لا نتعلم من إجراءات العلم، ونأخذ هذه الإجراءات الناجحة كنموذج؟ أفلا تعتمد ممارسة الاستقصاء العلمي على تاريخ العلم. أليس الأمر كذلك وهو أن التفلسفة وممارسة الفلسفة ليست هي تاريخها؟ يمكننا أن نهتم في الماضي بمقاصده وسحره الخاص. ولكن على أن لا نخدع أنفسنا. عندما نبدأ في التفلسف بأنفسنا، علينا أن ندير ظهورنا بحزم للماضي وأن نتصدى لمشاكلنا الفكرية بشكل جديد ومباشر.

قد يبدو هذا التوجه جذابًا، وبالفعل قد لاقى قبولًا واسعًا بين طلاب الفلسفة اليوم لاسيما الذين يتبعون تقاليد الفلسفة الأنجلو- سكسونية. وربما يعود ذلك لسبب، إنه يعفيهم من الكثير من المسؤولية الفكرية عن متابعة المعرفة التي يجب أن تكون مهمة وعن العمل الكثير وبشكل مضني. بالطبع، يجب أن نكون مستعدين لمعالجة المشكلات الفكرية في عصرنا، وليس مجرد النظر في مشاكل الماضي. ومن المؤكد يجب علينا أن نستخدم أفضل الطرق التي وجدناها، مع كل الأفكار التي يمكننا اكتشافها أو تخيلها.

إنه من المهم ملاحظة، أن معظم أولئك الذين يرددون بصوت عالي أنهم يمتلكون طريقة فكرية جديدة اليوم، أنهم لا يستعملونها للتعامل مع مشاكل جديدة، أيً مع المشاكل والصراعات الفكرية والتوترات الكامنة في ثقافتنا اليوم. يبقدرما أنهم يطبقون طريقتهم أو منهجيتهم الفلسفية الجديدة هذه على صراعات المشاكل الموروثة والأخفاقات الماضية. يبدو أنهم يستعملونها، لا من أجل الوصول إلى حلول تفسيرية وعمليًة للصعوبات الفكرية التي تواجهنا بتحدي، ولكن للقول أن المفكرين السابقين توصلوا إلى إجابات مغلوطة وصاغوا الاستنتاجات الخاطئة. أنهم فقط يريدون أن يخبروننا بأنهم جديون في محاولات علاجية لتطهير أحشاء الماضي، وعلاجنا من القلق بشأنها. إنهم يزدرون مسؤولية وأهمية المحاولة الصعبة للكشف عن استشراف المستقبل وتوجيهه.

يبدأ المرء في شك من الراي القائل : يأتي الحل من أن ندير ظهرنا للماضي، فهو الذي يخلصنا من الوقوع في شراك الأهتمام بالمشاكل المروثة من ذاك الماضي التي غير ذات صلة بحاضرنا، والتعامل مع الأمور من جديد بتقنياتنا الجديدة التي تؤدي إلى وضع أكثر دقة تجاه الافتراضات الموروثة التي تشوه القضايا الفكرية الحالية. لذلك يبدأ المرء في التساؤل ما إذا كان ينبغي أن ننسى الماضي ونتبع الإجراءات الخاص بنموذج العلم! لكننا نتسـائل الاً يؤدي هذا الموقف المتأثر بالعلموية إلى فقدان الفلسفة الأكاديمية والتعليمية، أي وظيفة حقيقية في الحياة الفكرية اليوم!.

من المؤكد الآن، أن تركيز الأهتمام على الفلاسفة السابقين ومشاكلهم حصريًا بقصد أن نحدد مجال السعي وراء الفلسفة وطرق التفلسف الذي يأتي من خلال دراسة تاريخها، يعني التنازل عن شروط التفلسف وكذلك التخلي عن المشروع الفلسفي. في الواقع لقد كان ذلك الأهتمام الكثير سائدا في الفلسفة الأكاديمية في أواخر القرن التاسع عشر، ويأتي على رأس المهتمين أتباع هيجل أوالتقليد الالهيجلي في التفلسف ودراسة الفلسفة لاسيما بعد أن فقدت الفلسفة وعودها وتحفيزها الأصلي. وهذا يساعدنا على تفسير النفور ورد الفعل اللاحق ضد هذه العلاقة وهذه الطريقة في التفلسف. لدينا عديد الأمثلة على ذلك منها الأتجاهات الفلسفية ضد الهيجلية لاحقا، وكذلك ما يخبرنا تاريخ المعاصر عن ردود طلاب الفلسفة في الجامعات الفرنسية ضد الانشغال الحصري للغاية من قبل التدريس الجامعي وتقاليده الفكرية المهتمة بالعرض التاريخي للفلسفة، ونتيجة لهذا أن حدثت أزمة حقيقية في عام 1940، شعر معها طلاب الفلسفة بالحاجة للعمل، والتفكير في العمل.

ولكن لننظر الى كلا الحالين على قدم المساواة، يبدأ المرء في الشك، عندما يلاحظ فشل، محاولات التفلسف المتحررة كلياً من الكثير مما يتعلق بمعرفة الماضي؛ فيؤدي عدم تعلم كيفية استخدام ماضي الفلسفة الى تكرار أخطاء وحماقات ذلك الماضي. وبالمقابل أن استخدام التاريخ بوصفه البديل الوحيد يبقينا عبيداً للتاريخ. للتخلص من عبودية مستمرة إلى الماضي، علينا أن نفهم ذاك الماضي. وبهذه الحالة فقط يمكننا أن نجعله خادماً وأداة لنا، ولا ندعه يكون سيدنا علينا.

قد يكون للماضي هذا أو ذاك. هذا الماضي يعني هو ما يجب أن نعمل معه لأنه منحنا أفكارنا ومقولاتنا وافتراضاتنا ومناهجنا وتقنياتنا؛ والإجراءات المتاحة للاستفادة منها في حل مشاكلنا. إنه يتضمن مخزوننا الكامل من الموارد الفكرية فهو تراث لا مفر منه: إنه يجسد التاريخ نفسه؛ أن الماضي على قيد الحياة في الحاضر. إن هذا الماضي إنجاز إنساني، يحمل ودائع الصراع الفكري الطويل لعالمه. وهو ذاك ، فرغم أنه إنجاز الاً أنه إنجاز غير كامل. إنه محدود، انتقائي، من جانب واحد، غير مكتمل، ومشوّه. إنه بالتأكيد يشمل، أفكارًا خصبة، وطرقًا لوعود كبيرة، وافتراضات أظهرت قدرتها على أن تؤدي إلى نتائج مثمرة. ولكنه يشمل الأخطاء أيضًا، والمسارات الفاشلة التي لا تؤدي إلى أي مكان، وكذلك الى الأختلافات المضللة، والافتراضات التي قادت مرارًا وتكرارًا إلى الحواجز والأنفاق المسدودة ، وهي نماذج أنتهت ان تكون فارغة أو غير مثمرة. يمكن أن نميًز فقط من خلال الفهم الذي نحصل عليه بواسطة التاريخ ما قد نأمل أن نستخدمه بشكل مثمر في تفلسفنا الخاص، وما من الأفضل أن نتجاهله. ليس تحليل اللغة فقط هو الذي يمكن أن ينجز التحرر و يثبت العلاج. المعرفة التاريخية أيضاً هي أعظم المحررين من الأخطاء والتشوهات الذهنية، ومن طغيان الماضي.

لماذا، إذن، لا يمكن للفيلسوف مثل العالم أن يتجاهل تاريخ الأفكار التي يجدها مفيدة ويبدأ من الوضع الحالي للإنجاز الفلسفي، أين نقف نحن الآن؟ لماذا لا يكتفي الفيلسوف، مثل العالم، بالأنغماس وسط أو حاضر ما يقوم به؟ يعتبر نموذج المشروع العلمي في حد ذاته خادعًا للغاية الآن، ولا يفهمه العالم نفسه بشكل كافٍ دائمًا. وهذا أحد الأسباب التي تجعل من الضروري دائمًا أن يفسر الفيلسوف تغيير مشروع العلم إلى العالم نفسه، وليس فقط الشخص العادي. إن ما ظهر اليوم كحقل فلسفي مركزي ومهم، أقصد حقل فلسفة العلوم، ليس مجرد تبذير لما يعرفه كل عالم. إنه بالأحرى يمسك بالمرآة للعالم نفسه، وتركيز العدسة عليه وعلى أنشطته، مما سينتج عنه صورة أكثر وضوحًا وتميزًا لما يفعله العالم نفسه والذي يكون عادةً لايكون على قدر من الوعي بذلك . إن النموذج العلمي الذي طالب به الفلاسفة اليوم هو أمر صعب، لأنه في حين أن هناك تشابهات ملحوظة بين مشروع العالم وبين الفيلسوف، إلا أن هناك أسوارًا عالية مختلفة على قدم المساواة. من الضروري أن نكون واضحين بشأن كليهما

 

الدّكتور علي رسول الرّبيعي

 

 

مجدي ابراهيمالتعليم غاية الغايات من عمل الإنسان، قيمة باقية لا مناص من وجودها فيه إذا كان يريد لإنسانيته أن ترتقي وتسمو وتتهذب، وهى لا تسمو ولا ترتقي ولا تتهذب إلا بمطالب العلم والتعلم.

إذا وجد العلم وجدت معه القيمة التي تحفّه بالفضل وتسعد صاحبه في الدارين، حتى إذا أخلص له قامت فيه الفضيلة ناهضة قويّة   لتنادي عليه من قريب.

وليس من شرط للتعلم غير شرط  النزوع إلى الكمال، وليس من شرط للكمال غير العلم النافع المقرون بوفاء التطبيق.

كتب الدكتور عصمت نصار، أستاذ الفلسفة، والمفكر المصري الأصيل، والناقد الموضوعي، والكاشف عن آليات النهضة المصرية الحديثة من خلال شخوصها، ومعالمها البارزة في توجُّهات قادة الرأي فيها ثم رموزها (وبخاصّة فيمن بقى منهم مغموراً بالفكرة أو بالتّوجُّه في دائرة الظل)، كتب دراسة وافية عن مسامرات "على مبارك" منظوراً إليها من خلال موقعها في النهضة المصرية الحديثة، تعدُّ - في تقديري - الأولى من نوعها، عن تلك الشخصية التنويريّة الإصلاحيّة المصرية المتفّردة، كان ذلك عبر موقع البوابة نيوز بتاريخ (22/3/2019م) قام فيها بتحليل آراء علي مبارك تحليلاً نقدياً في لغة راقية وأسلوب متميز يرافقهما منهجيّة ناصعة الوضوح، مركزاً غاية التركيز على القضايا التي تناولها "علي مبارك" في أضخم كتبه (علم الدين) وأحشدها لمشكلات عصره، بما فيها قضايا التعليم، والمرأة والثقافة، والمسرح، وتنمية الوعي على وجه الإجمال.

دراسةٌ هى من الأهمية بمكان، حقيقة بالمتابعة جديرةٌ بوقوف النظر عندها، لأنها توضح على الجملة، فضلاً عن التفصيل، ذلك النشاط الفكري الإصلاحي منجز روّاد النهضة المصرية إذ ذاك. وبما أن شخصية علي مبارك (1863-1893) طليعة من طلائع النهضة العامة وأكبر مثقف مصري حمل لواء النهضة بعد الطهطاوي (1801-1873) واهتم بالتعليم المصري الحديث، ولم يثنه عن أداء رسالته التربوية والتنويرية كل ما لاقاه من نفى وعزل واضطهاد، فهو من تلك الجهة يعدُّ من الشخصيات ذات الأثر الفعال في نهضتنا المصرية التعليمية الحديثة، وبما أنه كان من الأوائل المبرّزين لنهضة مصر التعليمية، فقد حق أن يكون نموذجاً تنويرياً للإصلاح على زمنه، وقدوة للذين يواصلون السير على نهجه. ولم يكن أبرع من تلك العبارة التي صدّر بها عصمت نصار دراسته حيث قال :" إنّ الشدائد مصنع الرجال، وإنّ العثرات والانكسارات هى الآتون الذي تُختبر فيه العزائم والقوى المتأهبة لتحقيق الانتصارات".

بهذه العبارة التي تلخّص (القيمة الباقية) في حياة المصلحين التنويريين في الكفاح من أجل التقدّم، لم يكن علي مبارك إلا ذلك البطل المخلص والفارس المغوار في ميدان النضال: " قاسى ألواناً شتى من العوز والوشايات والدسائس التي كادت تقضي عليه، وقد أُغلقت أمامه أبواب الرزق، ولاسيما بعد رفده من وظيفته وكثرة ديونه وتنكر الرفقاء والأصدقاء وجحدهم بصحبته، وقد عزله محمد سعيد باشا (1822-1863) والي مصر من نظارة المهندسخانة عام 1854 وأرسله إلى ميدان القتال إلى حيث حرب القرم بين الدولة العثمانية وروسيا القيصرية، وليس لمصر إذ ذاك فيها ناقة ولا جمل.

ولم تصرفه الشدائد التي لاقاها عن طموحه الإصلاحي، ولم تدفعه إلى الكفر برسالته التنويرية فراح يكتب بمداد قلم فياض بالإيمان بالقيم العلوية، تحدوه الرغبة العارمة في تنقية العقول وترقية الأذواق وتوعية الأذهان وتقويم ملكات العوائد والمعتقدات.

وعلى الرغم من أفول نجمه - هكذا يحدّثنا عصمت نصار- وابتعاده عن المسرح السياسي ودواوين الحكومة والوظائف العمومية، إلا أن حبّه لمصر ومقابلته الشدائد بالصبر والجلد قد مكناه من الصعود ثانية من وهدة الإهمال والتهميش إلى يفاع المجد الرفيع، فاصطفاه الخديوي إسماعيل (1830-1895) لمجلسه الاستشاري، فعهد إليه بالكثير من الإصلاحات والمشروعات بدايةً من القناطر الخيرية، إلى السكك الحديدية ثم نظارة المعارف، ثم التخطيط لمعظم مشروعات الدولة والإشراف عليها.

إزاء القراءة لهذه الدراسة يُلاحظ أن عصمت نصار يختط لنفسه منهجه واضحاً من حيث التوظيف في بعدين :

الأول: كيفية تفعيل قانون التحدي والاستجابة مفصلاً فيما يقول، بمعنى تحدي العثرات والنكبات والأزمات وبذل الجهد لإقناع الرأي العام القائد والتابع بمشروعه، وأحقيته في شغل مكان الصدارة التي يستحقها، حتى إذا ما ذكر قانون التحدي والاستجابة لدراسة آثار وحياة على مبارك المهنية والشخصية، دلّ ذلك على إثارة الحافز النهضوي لهمم الشباب المصري والعربي نحو التبصير بما هو مطلوب منهم من مقومات الإصلاح وتبعات التغيير ومناهج التعليم ورعاية القيم والأخلاق على التعميم.

والثاني: الوقوف على آليات الإصلاح والتجديد في خطاب علي مبارك، ذلك الخطاب الذي نسجه في قالب روائي هو "علم الدين" مع ملاحظة افتقار الدراسات المعاصرة إلى تحليل أفكاره ومراجعتها ونقدها بغية الاستفادة منها، كاشفاً بذلك لأهم أبعاد هذا الخطاب إن من جهة الشكل الأدبي وإن من جهة المضمون الفكري.

وبهذه المنهجية الناصعة راح الدكتور عصمت نصار يُعملها في دراسته ليستخلص من محاورات (التعليم، وقضايا المرأة، والثقافة، والمسرح، وتنمية الوعي) ما عساه أن يكون قيمة باقية نافعة يتطلع إليها المصلحون التنويريون في شتى الأزمان ومختلف العصور، بمقدار ما يتربّى عليها صالح الشباب المثقف الواعي العالم بأن المكارم موصولة دوماً بالمكاره، فلم يعد يضيق زرعاً بمطالب الإصلاح وفروض التغيير.

وقد بدأ الطموح الذي دلّت عليه آفاق على مبارك المعرفية وهمته الاصلاحية جلياً في كتابه "علم الدين"  ،إذ تجاوز عدد صفحاته (1400) صفحة، وقد طبع الكتاب لأول مرة عام 1882 في بيروت، وأجمعت الدراسات - فيما يقول عصمت نصار- على أنه قد كتب بين عامي 1854 إلى 1858 - أي خلال أزمته النفسية ومحنته العملية - وأنه يحوي من المعارف والطرائف والنصائح والأخبار عن شتى العلوم والحقب الحضارية والقضايا الاجتماعية والسياسية، ذلك فضلاً عن المقابلات والمقارنات بين الثقافات والممالك والوقائع والواقعات على مرّ التاريخ الإنساني مالم يظفر به مؤلف من قبله.

ناهيك عن بساطة الأسلوب وسلاسة العبارة ودقة المعلومات التي صنع منها المؤلف نسيجه القصصي في تلك المسامرات التي دارت أحداثها في خياله وهم : علم الدين، وولده برهان الدين، وزوجته تقيّة، والخواجة الإنجليزي، ورجل يُدعي يعقوب، بالإضافة إلى عديد الشخصيات الثانوية التي أجرى المؤلف على ألسنتها كل آرائه تارة بالتصريح وأخرى بالتلميح.

ويعدُّ كتاب "علم الدين" في رأي أحدهم من باكورة الرواية العربية الحديثة، ومع ذلك ليس هو بالرواية عندنا بل "مسامرات" تتوافر فيها عناصر آليات الإصلاح والتجديد، فهو يمثل البعد الحقيقي لعبقرية علي مبارك في تأليف الأعمال القصصية الجامعة بين الشكل الأدبي والمضمون الفلسفي، وهو يبرهن بالأساس على أصالة مشروعة التنويري ونضج أفكاره وعمق الرأي في التعبير عنها.

وإذا كان كتاب "علم الدين" لم يدرس دراسة وافية، ولم يلتقى بحثاً منظماً حديثاً؛ ليفرز فيه المشكلات والقضايا فرزاً يليق بمستوى الكتابة التي كتبت لأجله، ومستوى الدلالة المحققة في غاياته ومطالبه، فلا يكفي أن يقال في حقه إنه رواية سابقة من روايات الأدب العربي كما قال أحدهم؛ لأن شروط الرواية في شكلها الأدبي وبعدُها الفني ليست كشروط المسامرة ولا هى من جنسها من حيث هى لمح دالة تجمع فنون الحقائق والدقائق والرقائق بين عوارف وخلائف ولطائف من نزهة الآداب.

انظر مثلاً إلى هذا العنوان (محاضرة الأبرار ومُسامرة الأخيار في الأدبيات والنوادر والأخبار) وهو كتاب لابن عربي الصوفي الفيلسوف، ولاحظ موضع "المسامرة" في سياق العنوان فماذا تجد؟ تجد المسامرة إن هى الا وعي مباشر يتحقق خلاله التوجُّه الفكري للمؤلف وكشف الدلالة المعرفية الباقية بالمباشرة لا على أسلوب الرواية ولا على شرطها. وقد تتضمن المسامرة مكارم تُعزى لقوم من ذوي الأحساب، وعجائب ومواعظ فيها نُبذاً من الأنساب، وربما اتفقت بضروب من الآداب والفنون والمواعظ والأمثال والحكايات النادرة والأخبار السائرة بمكارم الأخلاق وأخبار ملوك العرب والعجم وعلمائهم وفلاسفتهم وطرائف من أذكيائهم ونبهائهم، بما يجعلها في المطلق غير الرواية في جميع أركانها ومقاصدها. هذا نمط فني من الكتابة لا يقال فيه رواية سابقة، أو باكورة متقدّمة من بواكير الرواية العربية إذا نحن فهمنا أن شروط الرواية غير شروط المسامرة، فلا الجنس الأدبي هو الجنس ولا النمط الفني هو النمط.

ألم يقل على مبارك نفسه في مقدمة كتابه "علم الدين" إنه جاء :" ليشتمل على جُمع شتى من غرر الفرائد المتفرقة في كثير من الكتب العربية والإفرنجيّة، في العلوم الشرعية والفنون الصناعية وأسرار الخلقية وغرائب المخلوقات وعجائب البر والبحر، وما تقلب نوع الإنسان فيه من الأطوار والأدوار في الزمن الغابر، وما هو عليه في الوقت الحاضر، مع الاستكثار في المقابلة والمقارنة بين أحواله وعاداته في الأوقات المتفاوتة والأنحاء المتباينة؛ ليطلع مُطالعهُ على ما يشحذ خاطره وينبّه قريحته، ويستنهض فكرته، ويدرجه لإعمال عقله وإمعان نظره واستعمال بصيرته في نقد الأمور وسيرها، وتدبرها ومقارنتها والموازنة بينها، والتمييز بين الخير والشر والنفع والضُّر، وتميز النافع والأنفع والحسن والأحسن منه، على نمط يسمو على السآمة ولا يميل إلى الملامة، مُفرّغاً في قالب سياحة شيخ عالم مصري، وسم بعلم الدين، مع رجل انجليزي، نظمهما سمط الحديث، لتأتي المقارنة بين الأحوال الشرقية والأوروبية ... ثم قال : وقد قسّمته إلى مسامرات ينتقل فيها القارئ تنقل المسافر، ويجد فيها فكاهة المسامر، كما ينتفع به المعلم والمتعلم، فيكون للأول مفكراً منبّهاً، وللثاني معلماً مُفقّهاً ...".

فهي إذن مسامرات لا رواية، مسامرات تُشبه في كتب التراث إلى حدٍ كبير- مع ظاهر الفروق - كتاب ابن عربي "محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار" أو كتاب التوحيدي "الإمتاع والمؤانسة" : المباشرةٌ فيها أوفى من خيال الروائيين، والقصد أولى على الجملة من حبكة الرواية الفنية، ذاك طراز وهذا طراز آخر.

ثم تأتي منهجية علي مبارك مقصودة قصداً من وراء تأليف الكتاب؛ بهدف واضح لا لبس فيه : شحذ خاطر قارئه، وتنبيه قريحته، واستنهاض فكرته، وإعمال عقله، وإمعان نظره، واستعمال بصيرته في نقد الأمور وسيرها والمقارنة بينها والموازنة .... فهي إذن منهجيّة مُوظّفة هادفة نحو ارتقاء التعليم والمعرفة وإعلاء شأن القيم الكبرى في الإنسان على التعميم.

ثم تتلو المنهجية تلك الرؤية التي ضمّنها كتابه ممتثلاً غايات وأهداف لم تكن بعيدة عمّا أشار إليه سلفاً، فإذا الرؤية موصولة بشرايين تلك المنهجية مؤسسة عليها، قائمة في محيطها باقية ببقائها من حيث التوظيف والقصد والغاية.

*     *    *

هذا، وتنتقل إلى عنوان المقالة المخصصّة للقراءة (منافع العلم وآداب المتعلمين) من واقع دراسة الدكتور عصمت نصار لمسامرات على مبارك وآليات النهضة الحديثة، فنقول:

يكادُ لا يخطئ من يقول إنّ المنفعة من العلم والأدب أحدهما أو كلاهما من الضرورة بمكان، مع يبدو فيما يتناولانه من تناقض؛ فأنت إذا قلت منفعة فقد نزعت بها إلى الصالح الخاص، لكأنما تقول : إن العالم ينفع نفسه بما يتاح له من علم، لكن هذا النفع قد يكون ماديّاً وقد يكون معنويّاً، فلئن كان الأول فقد رفع المادة إلى المقام الأعلى وهبط بالعلم إلى الزائل الأدنى، ولئن كان الثاني فقد حبس الأدب في مقام العلم وشرطه بشرطه، وهو شرط لا نُدحة عنه بحال، فكل علم بلا أدب باطل لا شك فيه، وكل أدب بلا علم عاطل لا ريب فيه.

هذا عن العنوان، وفيه حيرة من لا يحتار!

أمّا على مبارك؛ فيظهر أنه أستخدم القيم الإسلامية مشروطة على شرطها التطبيقي. ولم يكن شرطاً ينزع إلى الفلسفة ويقف في مجرّداتها النظريّة؛ ليُحلق في أجوازها بل كان مشروطاً بحظيرة المبادئ العقديّة وتطبيقاتها العملية وممارساتها المباشرة في الواقع الفعلي، لم تكن استشرافاً وكفى بل تحقيق. ومقولات الإمام عليّ، رضوان الله عليه، ظاهرة في مناحي تفكيره كنحو قوله :  لا تعرف الحق بالرجال بل أعرف الحق تعرف أهله.

وقد سبقه إلى هذا المنزع كثيرٌ ممّن كتبوا في آداب العلم والتعليم كالطوسي في رسالته عن آداب المتعلمين، وعبد الباسط بن محمد العلموي (ت 981 هجرية) صاحب كتاب (المعيد في أدب المفيد والمستفيد)، وهو كتاب بلا شك نافع، كلّه عن أخلاق العلم وآداب التعلم من الوجهة الإسلامية يخضع لحضور القيم المعرفية في الإسلام، ناهيك عمّا ذكره من لُمح خُلقيّة وفرائد أدبية شهاب الدين محمد بن أحمد الأبشيهي صاحب الكتاب المشهور (المستطرف في كل فن مستظرف)، وكتاب ابن قتيبة (عيون الأخبار)، وكتاب ابن السيد البطليوسي (الاقتضاب في شرح أدب الكتاب). ولا ننسى في هذا الصدد كتاب الإحياء للغزالي، والقابسي وآدابه التربوبية والتعليمية.

هذه مصادر إسلامية خالصة لا شك فيها، لو أمكننا أن تكون هى هى "الفرشة" النظريّة دون سواها، تأطيراً للفكرة الخُلقية من وراء آداب العلم، يعوّل عليها ولا يعوّل على غيرها، لقامت فينا فلسفة الأخلاق مُغايرة عن تنظيرها الفلسفي عند اليونان وهو تنظير لا يعدو أن يكون مُفارقاً للتطبيق، ماتعاً للعقل وكفى!

نقطة أخرى تثيرها الدراسة مع تعدد محاورها وكثرة نقاطها المُلفتة لنظر المُحققين، وهى شرف علوم الدين التي هى أيضاً تحفظ الأرواح وتنجيها من الوباء الأبدي، أي والله هذه حقيقة تمسُّ مسائل المصير في صميم الصميم، لكنها حقيقة تقوم على العلم أولاً قبل أن تقوم على التطبيق، فلا تكفي فيها منافع التطبيق فقط بل الأصل أن يكون العلمُ معها ناقداً ومصححاً لكل اعوجاج يفسد التطبيق ويضرُّ العمل، ولولا العلم ما صحّ العمل، ولولا صحة الاعتقاد لفشلت الممارسة.

غير أن هذه البديهة ربما تنقلب في الأذهان؛ لتصبح علوم الدين وسط هذا الواغش الذي نعيشه محتقرة لا يُؤبه لها، وقد قرأنا وقرأ معنا ألوف الألوف من الناس من يدعو إلى التحلل من علوم الدين، ليصرف نظر الناظرين إلى علوم الدنيا لا لشيء إلا ليقف عند هذا الحدّ لا يتعدّاه. مع أن وحدة القصد والتوجُّه ظاهرة في كلام علي مبارك في مثل قوله :

" ... ولا يظن من تعظيم علوم الدين وتفخيمها تحقير غيرها من العلوم وتقبيحها، فمن قصد وجه الله وسبيل الخير بالعلم، أي علم، كان نفعه ورفعة قصده لا محالة، وينبغي ألا يحكم على علم بفساد أربابه ووقوع الاختلاف حول مسائله، ولا بخطأ أحدهم. مقصد المتعلم هو الخير دومًا، وأن غايته هى إسعاد نفسه والآخرين، فإن أحبّ الناس إلى الله أنفعهم لعباده، ولا يكون مقصد المتعلم بتحصيل العلم من أجل المفاخرة والمباهاة والمحاسدة للناس ومزاحمة أرباب الوظائف في وظائفهم ومضايقتهم في مناصبهم، فإن هذه المقاصد ذميمة". ومع أن هذا المقصد الأخير إنمّا هو واقع معاش وسلوك محقق في الواقع الفعلي بغير مراء؛ فإن أكثر طلاب العلم لا يطلبونه لذاته ولكن لغيره يطلبون : للمفاخرة والمباهاة وتحصيل الزائف الزائل من القيم الساقطة.

*     *     *

لم أكد أكمل هذه الفكرة تعليقاً على دراسة الدكتور عصمت نصار إذ نشرت إذ ذاك في موقعها، حتى هبّ صديقُ لي يشاركني الحوار دوماً بين وفاق وخلاف، شارعاً سيف المعارضة، مخالفاً الرأي والفكرة والعنوان، غير أني تعوّدت منه المعارضة كما يتعوّد من يُلقي بالفكرة؛ لينتظر النقيض فيتكون منهما مركب جديد.

ولم يكن العنوان برمته ممّا هو سائغ مقبول لدى الصديق المفزوع، فهو لا يرى مثل هذا الرأي ولا يقر صياغة العنوان ولا يعجبه من علي مبارك ولا من غيره تأصيل الأخلاق بالرجوع إلى عقائد الإسلام، فلم يلبث أن قرأ كلماته الأولى حتى هبّ فزعاً ممّا قرأ فقال : صدمني تعبير "أخلاق العلم" هذا، فضلاً عن استمرار الصدمة مع المتابعة لآداب المتعلمين من الوجهة الإسلامية.

لقد ظن القارئ المحترم أنه لا خلاف بالمطلق بين المفهوم الإسلامي للأخلاق ونفس المفهوم في الثقافات والحضارات الأخرى، وعليه رتّب عناصر مناقشته للموضوع على هذه التساؤلات الآتية :

أولها: هل يعني ذلك أن مفهوم الأخلاق بداية من اليونان ومروراً بالرومان ووصولاً للحضارة الأوروبيّة يختلف عن مفهومها الإسلامي؟ أليست الأخلاق في مفهومها البسيط تعني المُثل والقيم العليا التي تحتفي بها وتتفق عليها الإنسانية جمعاء من صدق وأمانة وإخلاص وغير ذلك من القيم؟ أم نحن الإسلاميون ننظر للأخلاق من زاوية أخرى؟

ثانيها: لم أر شعوباً  تحصّل العلم لمجرّد التفاخر والتباهي به إلا شعوبنا العربية (هكذا يقول صديقنا المناقش تعليقاً على جوانب الموضوع). والدليل على ذلك أن العلم لدينا جسد ميت لا تجري به الدماء ولا ينبض له قلب. وأننا لا ننتفع به في المجال التطبيقي في حياتنا، فهو مجرّد لقب أو ترقية أو شهادة أو علاوة مادية أو مركز اجتماعي يعتمد عليه للارتباط والزواج، على النقيض من ذلك تماماً، على الجانب الأخر المضيء من العالم، العلم مادة ينتفع بها وتستفيد منه البشريّة ابتداءً من لقاحات الأمراض ووصولاً الى غزو الفضاء.

ولم أر فيما يقوله الصديق مقنعاً بالسكوت عن توضيح ما ينبغي توضيحه في سياق النظر إلى العلم، مطلق العلم، هذه واحدة. ثم في سياق التوظيف المفهومي والدلالة التي تجلب الفائدة من ورائه. ثم ثالثاً، وهو الأعجب، في سياق المُسامرة التي انقلبت في أقل من لمح البصر مع هذا الحوار من النظرية إلى الممارسة، فجاءت كما لو كانت نموذج تطبيقي لفعل المسامرة كما توخّاها علي مبارك. وعليه رحتُ أقول : حنانيك يا صديقي حنانيك !

لم تكن صدمتك في محلّها، ولم يكن التعبير عن أخلاق العلم وآداب التعلُّم من الوجهة الإسلامية ببعيد عن المقصد الذي قصدناه، وهو أن مفهوم الأخلاق لدى اليونان مفهوم نظري، جانب العمل والتطبيق فيه ضعيف، عكس مفهوم الأخلاق في الإسلام ينزع إلى العمل، وتتضمّنها الأوامر والنواهي الإلهيّة، فالأمر الإلهي هو الفضيلة بلا ريب، والنهي الإلهي يحتمل الرزيلة بلا شك، وإتيان الأمر الإلهي خيرٌ في ذاته، واقتراف النهي الإلهي شرٌّ في ذاته، وقسّ على ذلك سائر الأعمال الإنسانية، فضائل كانت أم رذائل، فالشر كل ما نهى الله عنه، والخير كل ما أمر الله به، فالأخلاق من الوجهة الإسلامية عمليّة تنزل منزلة الفرض شأنها شأن الصلاة والزكاة والصوم والحج، ولم تكن كذلك عند اليونان والرومان ولا في فلسفات العصور الحديثة النظريّة.

الفارق جوهري، يا عزيزي، بين التطبيق في ظل المعتقد الديني والأمر الإلهي، والتطبيق نفسه - إن كان هنالك تطبيق - في ظل المبدأ العقلي أو الولاء للمذاهب والأفكار. النظريّة هنا غالبة ولا شأن لها بالمعتقد الديني ولا بمسائل المصير الإنساني ولا بتربية الضمير الديني على الإجمال.

هذا الفارق يعوّل على وحدة القصد في الإسلام ولا يعوّل على سواها، فلا يفصل النظرية مع الملاحظة عن التطبيق، في حين ليس هناك صلة بين النظرية والتطبيق في الغرب القديم أو الحديث. لا يكاد العمل أن يلحق النظر في شئ، ولا تكاد الممارسة تتحقق مع المعطيات النظريّة، ولا يمكن في مجال الأخلاق عزل المبدأ عن التطبيق.

قد ينظّر أرسطو للأخلاق مجرّد نظريّة لا تقبل الممارسة، ولولا العقيدة الدينية والنشأة الكلاسيكية الأولى ما صدرت لدى كانط الفيلسوف الألماني صرامة المبدأ الخُلقي القائم على العقل.

حديثي ولا شك هنا عن الفكرة الخُلقية في الإسلام لا عن الممارسة العملية في الغرب الآن، فقد تجد سلوكاً في الغرب يسلكه الغربيون أفضل بكثير ممّا نحن الآن عليه، فهل معنى ذلك أن المسلمين متخلفون والغرب مُتقدّم عليهم خُلقيّاً؟

لا لا .. معناه أن المسلمين لم يتخلّقوا بأخلاق الأوامر الإلهيّة، ولا بالأخلاق الإسلاميّة فسقطوا في مستنقع آسن من مظاهر التقليد والدونيّة. ولم يشأ المشهد الفعلي أن يكذبه الواقع العملي بوجه من الوجوه، فنحن مقلدون غارقون في التقليد والتبعيّة إلى أبعد الحدود، مكتفون بما ينتجه لنا الغرب في كل شئ : في النظريّة وتطبيقاتها، وفي العلوم ومكتشفاتها، وفي الفنون وإبداعاتها، وفي قوانين الاجتماع وأنظمتها، كل ما نفعله أننا نستلم الأشياء الجاهزة استلاماً لا نسهم قيد أنملة في مشاركة إنتاجه. إنّ التقليد فينا لذو نسب عريق، والإبداع خرافة عقل محدود بحدود ما يُفكر فيه سواء أحسنه أم لم يحسنه .. المهم أنه لم يكن يقوى عليه، ولم يكن يرغب في تدريب الذهن على مطالبه وفروضه.

هذا عن العنصر الأول في مناقشة الصديق. أمّا العنصر الثاني؛ فواضح جداً في كلام علي مبارك كما خرّجه الدكتور عصمت نصار : عزل العلم عن فساد الأدعياء ممّن ينتسبون إليه وهم من غير أهله فيسيئون إليه من طريق النصب والحذلقة والدعوي العريضة التي لا يقوم عليها فيهم من أنفسهم دليل؛ فتجريده عن أمثال هؤلاء الأدعياء اللصقاء لفتة توحي بتقدير الرجل وسمو مقصده ونبل غايته. وليس من مكسب يحصّله طالب العلم أشرف له ولا أنبل من تحصيله لذاته قصداً مُجرّداً عن كل مظاهر المفاخرة والمباهاة ورياء القلوب والعقول.

لم يلتفت صاحبنا إلى المقاصد الذميمة التي ذكرها علي مبارك عن طلاب العلم حين يطلبونه لغيره لا لذاته، فالعلم في ذاته شرف من أشرف المقاصد النافعة، لأنه ينير القلب ويجلو غشاوة العقل ويكشف عن البصيرة حُجُب الجهل والتعطيل.

*       *        *

وما كان نقد المصلحين وقادة الرأي وزعماء الإصلاح في بلادنا العربية إلا موجّهاً منصباً في المقام الأول على هذه الآفة الملعونة : جرثومة التخلف التي لم تشأ تنخر كما السوس في أرض خصبة، التقليد يرويها، والخنوع والانبطاح يسقيها مع تربة صالحة للإنبات والإرواء .

ولم يكن غريباً أن يهتم المصلحون من قادة الرأي عندنا بالتعليم المنظم والثقافة العليا والتنوير المباشر؛ لقلع تلك الآفة من الجذور كيما يجئ الإصلاح مثمراً على أرض خصبة، "فمن يزرع الحبّ في السّباخ يندم زمان الحصاد"، والأرض السّبخة ذات نزٍّ وملح لا تنب. ولأجل هذا قيل إن إزالة ما لا ينبغي شرطٌ في إثمار ما ينبغي. وعليه؛ فعناية المصلحين الممتازين بالعلم والتعليم له خطره عندهم بل هو أهم خطوات الإصلاح، إذ موقع الحكمة من قلوب الجُهّال كما يقول بطليموس، كموقع الذهب من ظهر الحمار.

ولست أجدُ قولاً آخذاً بلب لباب المفكرين أصدق ولا أفعل من قول الأستاذ عباس محمود العقاد - طيّب الله ثراه - تحليلاً لجوانب العبقرية المطبوعة على التعليم، وذلك فيما كتبه عن الإمام محمد عبده في تلك الأسطر المحيطة الشاملة : فعمل صاحب هذه العبقرية يُعلّم ليدفع المتعلمين إلى عمل ويستنيرهم إلى غاية، يستحثهم ويزيدهم، ويبث في نفوسهم من الحماسة مثل ما انطوى عليه في أعماق ضميره من الحماسة لعمله وغايته، ولا مطمع له في أجر يناله منهم أو من سواهم، بل هو يعطي الأجر ويجزله لو استطاع. وليس له بالسائغ في طبعه أن يتحمّل العلل لإعفاء نفسه من عناء تحمله إذا توانى المتعلمون على يديه ولم يستجيبوا لدعوته بمثل حميته وإخلاصه؛ لأنه يحسب استجابتهم غاية له تعينه قبل أن تعينهم، وإن كان فيها غاية النفع لأولئك المتعلمين.

وأكثر ما يكون هذا الباعث الوجداني في نفوس المُعلّمين المطبوعين خصلة من خصال النخوة الإنسانية في كل ما تمثلت فيه من غوث الضعيف والرثاء للذليل وكراهية الجهل المذل للمبتلين به من ضحايا الغفلة والغباء وصرعى الظلم والخديعة.

ولا يثيرُ هذه النخوة شئٌ كما تثيرها عزة الظالم الخادع واستكانة الجاهل الغافل، ولكنها نخوة ترتفع مع ارتفاع الهمم وتقوى مع قوة الطباع فلا تقنع بمحاربة الجهل في واحد أو آحاد وهى قادرة على محاربته في أقوام وجماعات، ولا تقصر الغوث على الدرس وهى قادرة على غوث الضعيف المفتقر إليه كيفما كان.

وأعمق ما تكون النخوة حاضرة إذا كانت سجيّة موروثة تنتقل من الأجداد إلى الآباء والأبناء، هنالك تعمل عملها الفاعل ولا تعمل غيره من أعمال الجاحدين" (أ.ه).

وبعدُ؛ فلئن كان الأستاذ العقاد قد خصّ الإمام محمد عبده بتلك اللوحة القلميّة؛ فجاءت قطعة فنية تحليلية نفسية، غير أنها في معرض التحليل تنطبق أكثر ما تنطبق كذلك على الذين توافرت لهم تلك الحقيقة الباطنة في النزوع إلى التعليم، فلا يتصل بها الإمام محمد عبده وكفى، بل يتصل بها علي مبارك ومن قبله الطهطاوي، بل ويتصل بها وتشمله ويشملها كل باحث أعطى وأجزل العطاء في ساحة العلم المباركة بهذا المعيار؛ فشمولها أصدق من قصورها على رمز بعينه، وعمومها أبلغ من خصوصها وأوسع من أن تُحد بحدود أبناء الفناء.

ولو كتب العقاد عن علي مبارك وأشبع القول فيه كما أشبعه في محمد عبده، لكانت أوفى صفة وأصدقها عليه هى تلك الصفة، فكما توجد في محمد عبده، فلا أقلّ من على مبارك - وغير علي مبارك - صفة خاصّة تنطبق عليه.

ولا مبالغة عندي في شئ إذا أنا قلتُ : إنّ عصمت نصار نفسه فيما كتبه عن رموز الثقافة التنويرية في مصر والعالم العربي، وفيما كشفه عن شخصيات لم تزل باقية في دائرة الظل، يعدُّ واحداً جديراً عن استحقاق بهذه الصفة، ممّن يتصلون بتلك الخصيصة التي ينطوي عليها "عمل العبقرية المطبوعة على التعليم"، فليس أقدر منه وصفاً ينطبق عليه تماماً كما ينطبق على الطهطاوي وعلي مبارك ومحمد عبده والعقاد وكثير من رموزنا التنويرية والثقافية ممّن والوا بالعناية هذه الخصوصية في أصل عناصرها الرفيع.

 

د. مجدي إبراهيم

 

"أصحيحا ان الأسطورة الإنسانية الفطرية لممثلات الجنس "الضعيف" ما هي إلا خرافة تاريخية لم يتم تأكيدها ولا حتى بأدنى شكل من الأشكال؟!.. وهل صحيحا انه قد كتب عن إجرام ودموية النساء الإرهابيات مجلدات كاملة؟؟!"

هناك غموض كبير يطرح الآن حول النساء اللواتي يعشن في عالم الجماعات الإرهابية فهن فيها يؤدن دور أمهات أو بنات أو أخوات أو زوجات أو حتى ارهابيات، وإن الاهتمام بهن وبدورهن في عالم عرفنا ورأينا فيه البصمة الذكورية الجامدة، وأيضا به رأينا الأمهات اللواتي نبذن بناتهن الهاربات من الأرهاب عبر الادعاء العلني بأنهن ميتات لأنهن خائنات الهدف الاكبر لذلك وصموهن ب "سيئات السمعة"، وفي مجتمعاتنا وبالعقدين الأخيرين حدثت تغييرات كبيرة وكما حدثت أيضا تغيرات صادمة في مجالات الرقابة والحماية والنظرة الاجتماعية في مواجهة الحاجات بكل انواعها والتي تطورت إشكالها بعالم امتلئ بالجماعات الإرهابية والأيدلوجيات الفاشية، فتمت إعادة قولبة الرؤى الفكرية في سياق الحملة التحررية العامة للمجتمعات والصورة الأنثوية للمرأة المشتركة في الجماعات الإرهابية مما دفع حتى رجال القانون الدولي والجنائي لاعتبارهن ليس فقط مجرد شريكات فاقدات للوعي وأنما اقروا قوانين على أنهن جزء لا يتجزأ من جميع جرائم الإرهاب. ولمواجهة تلك التحولات تتفتح مختلف المشاكل فأولاً وقبل كل شيء هناك ثورة حقيقية على الضمانات المجتمعية التقليدية لأنه من السخف التمسك بالافتراض السابق والقائم على براءة النساء نظرًا لدورهن الثانوي في عالم الإرهاب، وإن هذا الإسناد العام يبدو خطيرًا بنفس القدر والمسؤولية، علاوة على ذلك يتمثل الخطر في حقيقة الأمر بمكافحة بناء الجريمة الحقيقية المتعلقة بالوضع القائم على العلاقات الأسرية وخاصة بالنسبة للمرأة والتي لا تميز بين المسؤولية الجنائية والمسؤولية الأخلاقية، وإن الضمانات لذلك ليست كلمات فارغة لأنها تقوم بالتحديد على إمكانية الاقتراب من الحقيقة في توجس العمليات التي قد تم تأسيسها بشكل مغاير، فمن الشائع أن النساء محرومات من الانتماء الرسمي إلى عضوية المنظمات الإرهابية التي يحكمها طقوس صارمة تمتاز بالطابع الذكوري الحصري، ومع ذلك فأنه يُسمح لهن بالقيام بأدوار الدعم الهامشية وادوار الدعم الثانوية، غير إننا نرى أنه قد تغير ذلك بشكل كبير في السنوات الأخيرة عبر منهجية الطريقة الملموسة للقيام بذلك الدعم والتي تم التعبير عنها بالطبع عبر الوسائل والأشكال المناسبة لتطور العنف والتعصب للمجتمع المعاصر.

 ولو تأملنا في الأيدلوجية الاجتماعية للمنضمات الإرهابية لوجدناها مجتمعات "ذكورية تمامًا" بنموذج عالم مغلق يُسمح بوصوله فقط للرجال ذوي القوة المؤكدة، إما النساء فبسبب نظرتهم لهن بأنهن بلا ثبات لميولهن الغرامية فلا يعول عليهن ولا يتعين عليهن معرفة الوقائع ولا مشاريع ومخططات العمليات الإرهابية لأن هذا سيكون خطيرًا غير انه وحسب وجهة نظرهم "فيمكن لهن أن يعرفن فقط ما يتوافق مع أسباب السلامة، وهم موقنين إن النساء يفكرن بطريقة مؤذية لهم وانهن في اية لحظة قد ينقلبن تماما، لأنهم جيدا يعلمون إن المراة حين تهان عواطفها وتتعرض مشاعرها للخيانة سيفقد كل شيئ وأغلى شيء قيمته بنظرها وحينها لم يعد هنالك شيئا أو سببًا يدفعها للوفاء ولم يعد هناك ميزة للصمت "، ومع ذلك الإدراك غير أن المنظمات الإرهابية تحاول أن تبقي زوجات وأخوات وأمهات رجالها بعيدا عن الأحداث وهي تفعل ذلك لحمايتهم ولإنقاذهم ولكسب ودهم الدائم. وعلى كل حال فلا يتم السماح للنساء بأختيار ادوارهن بل إن زعماء الإرهاب هم من يحددوا لهن الدور الحالي والمنتظر منهن القيام به في الناحية المفعلة والمميتة بموضوعية ليقومن عبره بالتوسط بالمعنى المزدوج في العالم الخارجي لثقافة الإرهاب بنشاط وتوفير وجلب اتباع لهم، ولكن ذلك الدور لا يبدو على انه غاية في حد ذاتها إنما يتعزز بما لديهن من إرادة وعزم بإطلاق الرسائل واقتراح أنفسهن كرسائل تتجاوز أي خطاب ممكن، وربما ليس من قبيل المصادفة أبدا أن ما يقرب من نصف الإرهابيين المطلوبين دوليا من قبل الانتربول هم من النساء !!

مع كل التقدم العلمي والجنائي الحديث لكنه لا زال من الصعب تجنب الأنماط القديمة التي تُفسر بها اساطير "شر" النساء وصورتهن الممتزجة ببعض الخرافات والاساطير، فلا يمكن تجاوز التناقض الكمي للجريمة النسائية والتي قد تغذي دوما التفسيرات الأكثر غرابة وتناقض، فالصورة التقليدية للمرأة كشخص غريب الشكل بسبب الطبيعة والطبع البيولوجي والتشكيل الجسدي قد ألهمت التحيز الجنسي ضدهن وهن بمفهومهن كن دوما بريئات لخضوعهن بشكل طبيعي أو حتى سلبي  للهيمنة الذكرية مما ناقض بعض المفاهيم المتداولة! مع ذلك فعلى حد سواء فبعين المجتمعات أن المرأة هي دائما المذنبة وإنها تقوم بجرائمها بطرق ماكرة وخبيثة وخفية!! وهذا في الواقع هو المصدر الملهم للعديد من الجرائم التي يرتكبها الرجال ويقوموا بألصاقها بالنساء كسبب أو دافع، وبما إن تطورات تلك الصور النمطية والتعميمات التي تميل إلى إلهام الأصولية الجامدة لا تزال حيوية بربطها بالتناقض الموضوعي لدمج الجريمة بالمرأة مع دمج صورتها الحصرية السلبية والتبعية التقليدية مما ينهي الأمر حتماً بتجانس الإيماءة الإجرامية وتحقيق النتيجة النهائية المتمثلة في وصمها بأنها "العامل الإجرامي". ومع ما تقدم فلا زال يصعب علينا تفسير دور المرأة في المنظمات الإرهابية باستخدام أدوات تحليل الجريمة الشائعة فالنساء لا "ينتمين" ولكنهن "ينتمين" لها وبذلك فالقضية لا تؤكد فقط الدور الأنثوي التقليدي في استنساخ النماذج الثقافية القديمة والأبقاء عليها ولكنها تضيف شيئًا أكثر اليوم فالنساء في تلك المنظمات هن ليس فقط منتجات لدمج ثقافة الارهاب بين وفي فكر أطفالهم، إنما يعتزمن معالجة حالة من حالات القوة غير المرئية ونشر رسالة غير متاحة، وهن حتى عندما يتنصلن من أزواج أو أطفال "سيئي السمعة" فإنهن لا يفعلن ذلك فقط لمصلحتهن الخاصة أو لأسباب تافهة من الراحة مثل الخوف من الانتقام أو الخوف من مواجهة حياة مختلفة في الخارج وضد شبكة العلاقات الاجتماعية، وإنما اكمالا وانجازا للقيم بدور وعمل مستقبلي مقنن للرؤية العامة والسياسية لنساء المنظمات الارهابية.

كل ذلك قد يؤكد إن المرأة جزءًا لا يتجزأ من عالم الإرهاب، ومع ذلك فهناك سوء فهم يستحق التبديد فأحيانًا ما يتم تفسير إفلات المرأة من العقاب على شهادة الزور أو التحريض على زوجها أو ابنها أو والدها أو أخوها، كدليل على الخيانة أو حتى لكسب الحماية وبالتالي فمن الواضح أنه سيكون من الصعب دوما التمييز في النظر تجاه الرجال والنساء وبين المنافسة والتيسير وبين المشاركة في المنظمات الإرهابية والاحتيالات الإجرائية وبين التواطؤ و تغطية التقاعس عن التنصل!! ولكن هذه هي الصعوبات التي تحدث دائمًا في حالات من هذا النوع سواء كان القائمين بها رجالًا أو نساء أو كانت جرائم إرهابية أو أنها تلك الجرائم الشائعة بسبب الحدود الضعيفة التي تفصل بين تلك الشخصيات المختلفة وقبل كل شيء الشكوك التي لا مفر منها والتي ينطوي عليها تقييم الأدلة عبر التمييز بشكل تحليلي ضمن الظواهر المعقدة للمنظمات الإرهابية وبين المواقف والأدوار والحقائق المختلفة لتجنب الامتيازات غير الضرورية أو التمييز غير المبرر، إذ إن إفلات النساء من العقاب لا يستبعد بالتأكيد الاستنكار الأخلاقي لهن من قبل المجتمعات وهو أمر لا يمكن تبريره إلا في حالة ملموسة ولهذا فإن المعركة الثقافية والمدنية والسياسية للمرأة لا يمكن تمييزها دائمًا بوضوح لانها وقبل كل شيء هي معركة الخلط النسوية بين المسؤولية الفكرية والمسؤولية الأخلاقية والمسؤولية الجنائية مع المسؤوليات الدينية بحيث يكون من الممكن التعزيز على المستوى المدني حتى عندما يتم الاعتراف بغياب الضمانات الحية, ولذلك تركت لكم الإجابة عن فحوى محور مقالتنا بما هي الطبيعة الحقيقية لنساء الجماعات الإرهابية؟ وهل هن إرهابيات؟؟ أم إنهن مجبرات على الانضواء في تلك الجماعات ولا سلطة لهن ولا قدرة على النطق ب لا ؟؟

 

بقلم/ الدكتور ميثاق بيات ألضيفي

 

"الشخصية البوز" bose، بين الفاعل.. والمستفيد من انتاج التفاهة.. أية علاقة.

تقديم: إن التنظير الذي قدمه الرسام الأمريكي " آندري وورهول " الذي تنبأ بظهور وسيط إعلامي يصنع من حلم الشخص العادي واقعا ملموسا لم  يتوقف عن كونه تنظير بل سرعان ما تحقق، فقد عبر هذا الأخير في إحدى مقابلاته بمقولته الشهيرة " في المستقبل سيتمكن الجميع من أن يصبحوا مشهورين شهرة عالمية خلال 15 دقيقة فقط..."

ورغم أنه في الستينيات من القرن الماضي لم تكن وسائل الإعلام واسعة الانتشار بما يحقق نبوءة "ووهول" غير وأنه بعد مرور عقود قليلة من الزمن على نبوءته ، بدأت في التمظهر إلى الوجود بعض المواقع والتطبيقات التي تدخل ضمن قائمة وسائل الاعلام والتواصل الاجتماعي، والتي حملت على عاتقها مهمة تحقيق نبوءة ما نظر إليه الرسام الأمريكي.. فأصبحت المعلومة تنتشر وتكتسح العالم  شمالا وجنوبا في  اللازمن.

 وحسب إحدى الأبحاث التي قام بها موقع "Mamsys"، فإن النتائج التي توصل لها خبراء الموقع تكشف حقيقة هذا الامر، ففي عام 2017 فقط، كان معدل الدخول على موقع فيسبوك نحو.  (900.000) في الدقيقة الواحدة، مقابل (46.200) صورة يتم تنزيلها على إنستغرام، و(452.000) تغريدة على تويتر، ونحو (4 ملايين) مشاهدة على يوتيوب في الدقيقة ذاتها.

ويظهر ذلك بشكل واضح الدور الكبير والكبير جدا الذي تحققه وسائل الإعلام في صناعة الأحداث وانتاج المشاهير، فأصبحت بذلك وسائل التواصل الاجتماعي زاخرة بالكثير من الأسماء المشهورة على اختلافها ما بين الذي يقدم المحتوى العلمي المعرفي الجاد والناذر، والذي يتفنن في تقديم المحتوى الفراغ التافه والمرضي أحيانا مثل تلك التي تنتشر داخل المجتمع المغربي من قبيل " أدومة، إكشوان إكنوان، ساري كول، نيبا...والقائمة طويلة، والذي يلقى إقبال على نطاق واسع خاصة في المجتمعات المتخلفة والمرضية التي يشملها العالم الثالث،  فتبرز لنا ظاهرة " البوز " bose على مواقع التواصل كظاهرة تحتاج إلى التأمل والتساؤل ثم التقصي.

فعلى جل مواقع التواصل الاجتماعي (فايسبوك، سناب شات، إنستغرام، تويتر، تيك توك...) تتفاوت أسماء العارضات والعارضين - الفاشيونيستا- وصناع المحتوى في تسابق على أرقام المتابعين المقدرة بمئات الآلاف، وربما الملايين، لأنهن يقدمن صورتهن في أزياء ومستحضرات ومنتوجات  لا تضيف قيمة تتناسب مع شهرة صاحبها، فهذا يحرك شفتيه على أنغام أغنية شعبية فيحصد مئات ملايين المشاهدات بلا أي سبب منطقي لهذا، وهذا يعتمد صورة الجسد لحصد المتابعين، وذاك يسوق لغته المرضية، وآخر يصور محتوى ساخرا عن يومياته وأسرته، وهذا يستعمل إفيهات الأفلام، وآخر يقلد المعلقين الرياضيين، وإلى آخر تلك القائمة الطويلة..

ذلك العرض المستمر في تقديم الذات على الآخرين لاجتلاب اهتمامهم والحصول على متابعاتهم اليومية، بصرف النظر عن المحتوى المقدم يدفعنا إلى التساؤل حول الأمر،ان هذه المواقع الاجتماعية كشفت ونفضت الغبار عن منظومتنا الاجتماعية الهشة بحيث أفرزت لنا عن الكثير من الأسئلة المهمة التي أصبحت تطرح نفسها بشدة على باحث اليوم.

إذن كيف يمكن الحديث عن ظاهرة الشهرة أو  " البوز " bose في ظل الدور المباشر الذي تلعبه وسائل الاعلام في تفشي هذه الظاهرة؟ وهل يمكن القول بأن البوز مفهوم يخدم مصلحة المجتمع الرأسمالي؟ هذا من جهة، ومن جهة أخرى ماهي التفسيرات العلمية خاصة منها السيكولوجية المقدمة في إطار هذا الطرح؟ وما دور الجمهور في انتاج التفاهة وبروز المشاهير الفارغين؟

الصحافة والسوشيال ميديا أي دور في انتاج التفاهة

في إحدى الأعمال السينمائية المتناولة لظاهرة البوز قدم المخرج وودي آلان في  فيلم "To Rome with Love إلى روما مع حبي"، يسرد "وودي ألان" قصة لرجل إيطالي بسيط ذي مكانة عادية بين من حوله ويعيش حياة تكاد تكون "مملة سخيفة"، يستيقظ يوما من نومه، ليكتشف أن منزله محاصر بعشرات المصورين ورجال الصحافة، إذ أصبح بين ليلة وضحاها مادة لاهتمام الناس دون أن يفعل شيئا مجديا أو يقدم أمرا له معنى، في إشارة واضحة لدور الصحافة الحديثة في افتعال القضايا بحثا عن الإثارة وصنع الأخبار والنجوم من لا شيء.

يصبح هذا المواطن الإيطالي البسيط حديث وسائل الإعلام لأيام طوال، إذ تبقى تلاحقه لتسأله وتعرف عنه وعن حياته أدق التفاصيل الشخصية والتي تبدوا سخيفة أكثر لا تتعدى بكونها حياة روتينية عادية لأي فرد في المجتمع، ثم تنسحب عنه كافة الأضواء والكاميرات فجأة بعد أن عثرت على شخص آخر تجعله محورا لأحاديثها، فيجد الرجل نفسه وقد أدمن الشهرة ويسعى لجذب الانتباه وتذكير الناس من حوله بأنه كان مشهورا يوما ما، فما كان له إلا الخروج متعريا بشكل كلي وسط أحد الشوارع، هادفا لجذب الانتباه وإخبار الآخرين بوجوده...

إن المغزى الذي يمكن  استنباطه من قصة هذا الفيلم واضح وضوح القمر في عمق الليل فالمعلومة الشخصية أصبحت مادة تجارية تباع وتشترى ويتم الترويج لها لعرضها واستهلاكها كالسلعة تماما، ومنه تختار الصحافة أخبارها  -كالسلع أيضا- وبنوع من الذكاء والدراسة الدقيقة من أجل تقديم المادة المطلوبة وفقا للمزاج العام ولاحتمالات انتشار الخبر وتناوله بشكل سريع داخل الأوساط الاجتماعية، ومن ثم جني الأموال والارباح على حساب تفاهة وربما اضطرابات الآخرين.

فيسبوك وإنستجرام وغيرها من مواقع وتطبيقات السوشيال ميديا، وحدها كفيلة  بجعل البعض يشبه ذلك الرجل الذي دارت عليه أحداث الفيلم تماما، الأمر يبدأ بمعلومة أو معلومتين عن الحياة الشخصية، يتبعها صورة فصورتين تلقى اهتماما واسعا من المتابعين، أو قد تثير ضجة تزيد من شهرة ذلك الشخص، ويبدأ بعدها بالخوض في تفاصيل حياته واحدة تلو الأخرى ظنا منه أنها باتت مستباحة ومهمة تعني متابعيه وجمهوره.

وإذا رجعنا إلى عقد الستين من القرن الماضي وتحديدا سنة 1967 وهي نفس السنة التي نشر فيها الكاتب والمفكر الفرنسي " جي ديبور " كتابه الذي يحمل عنوان " مجتمع الإستعراض "بحيث وصف المفكر  المجمتع بمجتمع الفرجة أو العرض، بحث حاول فيه تحليل جدلية التقافة الاستهلاكية التي تسموا وتطغى على مجتمعات العصر الحديث والتي في الغالب ما تتحكم في خيوط تحريكها المجتمعات الرأسمالية عن طريق، الاعلام والإعلان، والتلفزيون، والأفلام، والمشاهير.

تلك الثقافة الاستهلاكية التي  أصبح فيها "تسليع" الأشياء ممتدا لجميع نواحي الحياة، بدءا بالسياسة والاقتصاد ومرورا بالمسرح والفكر والثقافة وانتهاء بالعلاقات الشخصية، فأصبحت المعلومة الشخصية تباع وتشترى ويتم الترويج لها لعرضها واستهلاكها كالسلعة تماما.

أما في العقدين الأخيرين ومع ظهور مواقع التواصل الاجتماعي فإن الأمر أصبح مختلف فاتخد مجرى مختلف فباتت الأخبار تعتمد على القدرة على تجميع أكبر عدد من الإعجابات والتعليقات، والمشاهدات، والمشاركات... ولو كان ديبور على قيد الحياة حتى يومنا هذا فإنه من شبه المؤكد أن يمتد تحليله وقراءته لمجتمع الاستعراض لتشمل كل ما يحدث على شبكة الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعية ومختلف مواقعها.

الوهم عند تلك المجتمعات وحده هو المقدس، وأي حقيقة أو محاولة نقد ليست سوى محاولة لتدنيس ذلك المقدس، لذلك ترى الأفراد مصدقين لكل ما ينشره كل تلك الأصنام والشخوص الفارغة التي صنعها فيسبوك وانستجرام، تويتر، ووسناب شات.. مستميتين في الدفاع عن كل ما يمسهم من خبر أو رأي أو تقرير.

مصلحة الرأسمالية في تضبيع الرأي العام وإنتاج البوز

إن الشيء المتفق عليه والذي لا مجال للاختلاف فيه هو أن معظمنا  في هذا  العالم الصغير يمتلك حساب او حسابين على أقصى تقدير في مواقع السوشال ميديا فالعديد من الاشخاص يمضون الكثير من الوقت على مواقع التواصل الاجتماعي  مثل الفايسبوك Facebook وانستغرام Instagram وتويتر Twitter ويوتيوب YouTube  إلى حد يمكن وصفه بالإدمان عند البعض وهذا موضوح آخر يستوجب المزيد من التقصي والدراسة في مستقبل الأيام…و غالبا مان الغرض الأصل من هذه المواقع هو تحقيق التواصل بين الأشخاص ومشاركة اللحظات الجميلة معهم ومتابعة الأخبار أو قراءة المعلومات المفيدة أو مشاهدة مقاطع الفيديو فهذه هي الغاية أو القصدية التي خلقت من أجلها هذه المواد الإعلامية الرقمية.

لكن وعلى مقولة الشاعر تجري الرياح بما لا تشتهي السفن قد جرت الرياح فغير شراع هذه الوسائل لتنحرف بذلك عن مقاصدها وغاياتها فمنذ ما يقارب العقد على ظهور هذه الوسائل الرقمية ظهرت مادة تجارية جديدة يمكن تسميتها الشهرة Bonne volonté لتتحول إلى مادة تجارية عن طريق ما يسمى بالبوز “bose” كناية على شركة امريكية متخصصة في الصوتيات وباعتبار مواقع التواصل الاجتماعي هدفها الأول وقبل كل شيء هو التواصل بين الناس؛ لكن سرعان ما اخترقت التجارة الرقمية هذه المرة المواقع الاجتماعية التي اصبحت كل وسائل الإعلام والاتصال التقليدية تتربع على منصاتها من جرائد إلكترونية وقنوات إعلامية…

وأمام سيف المنافسة التجارية الذي خلقته وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة بفضل ايقوناتها المتطورة في نقل المعلومة ونشر الثقافة بين مختلف ابناء المعمور عبر قنوات وجرائد إلكترونية أو مواقع الكترونية حرة (اي ملكية خاصة) تتسابق فيما بينها في نشر المعلومة ليس من أجل تنوير الرأي العام ونشر ثقافة القيم تتماشى مع عصر الثورة الرقمية لذلك يلاحظ اليوم عدم هيكلة وتاطير هذه المواقع الاجتماعية الشيء الذي دفع معظم هذه الفضاءات الإعلامية الرقمية تبحث عن البوز”bose” قصد الحصول على اكثر المشاهدات لجني العملة الرقمية _الصعبة_ الأمر الذي دفع أرباب هذه المواقع الاجتماعية إلى التخصص في مادة معينة تافهة من قبيل نشر الشطيح والرديح أو السب والقدف في أعراض الناس أو نشر العدمية خاصة في المجال السياسي والاجتماعي، بحيث يتم اهام الجميع من خلال ما يتم نشره إنه من أجل النضال لكن الحقيقة هي من أجل جني الأموال على ظهر الخصوم السياسيين بمفهوم التواصل الاجتماعي وليس بمفهوم السياسة، وكذلك التخصص في نشر الفضائح ليس من أجل التشفي بل من أجل جلب العملة الصعبة.

إذن ما يمكن ملاحظته أيضا من خلال البحث الذي قمنا به حول هذه المادة الإعلامية الرقمية هناك عدم قابلية التطرق إلى المواضيع الهادفة مثل نشر ثقافة القانون وخلق فرص التشغيل والثقافة وقضايا الإقتصاد التضامني والخروج من أزمة البطالة.

والسبب في ذلك يرجع الى عدة عوامل من بينها ان المواضيع المميزة والهادفة لا تحصل على المشاهدات في الغالب الأعم (1000vu) بالمقارنة مع المواضيع التافهة أو الرديئة التي لا تفيد في اي شيء وعلى سبيل المثال في هذا الإطار الرقص والكلام الساقط والنشر الفضائح. تحصل على ملايين المشاهدات.

هذا كله يرجع إلى تضبع المجتمع أمام الحرب الإعلامية التي انسفت القيم والمبادئ الإنسانية والاجتماعية والثقافية أمام سخرية المجتمع وسيطرة المال على المبدأ...فأصبحت الرأسمالية تتغذى من وراء هذا التضبع إذا يكفي فقط انتاج محتوى تافه يتضمن بعض الكلمات القمامة أو المشاهد المثيرة...لجمي العملات الرقمية التي تقدر أحيانا بملاين الدولات.

سيكولوجية الشهرة: النرجسية المرضية وموضة البوز أيه مقاربة

في عصر انتشار وسائل التواصل الاجتماعي والثورة في عالم الإنترنت، بات حب الشهرة او البوز يستحوذ على كثير من البشر، والسعي نحو تحقيق أكبر قدر من الشعبية والانتشار، خاصة في ظل انتشار وسائل التواصل الاجتماعي. فكيف يمكن الحديث عن ظاهرة البوز من الناحية السيكولوجية وهل للنرجسية دور في إنتاج الشخصية البوز وهل يمكن اعتبار هذه الشخصية تنطوي تحت لواء المرض؟...أم الأمر يتعلق فقط بظاهرة الموضة؟

عندما تبحث عن الاحتياجات البشرية، فإن عالم النفس الأميركي "أبراهام ماسلو" سيعطيك الإجابة، وفق دراسات قام بها على زائري عيادته، على النحو التالي: في البدء، يحتاج الإنسان إلى إشباع رغباته الفسيولوجية، ثم الأمنية، مرورا بالرغبات الاجتماعية، ليقف بك التدرج عند الحاجة إلى التقدير، ثم يمضي إلى الحاجة الذاتية في التميز والتف

الحاجة إلى التقدير إذن، ذلك الدافع الطامح إلى إشباع رغبته والمتمركز حول "الأنا"، "حيث تقترن حاجات تحقيق الذات اقترانا وثيقا بالسعي وراء الشهرة وحب الظهور، وفي هذا السياق، يذكر الدكتور "ميتش برينشتاين" أحد الباحثين البارزين في علم نفس الشعبية بجامعة "نورث كارولينا"، أن الباحثين يُقسمون الشعبية إلى نوعين:    

النوع الأول، وهي الشعبية القائمة على التفضيل الاجتماعي، أو المحبة والاحترام اللذين يلقاهما المرء نتيجة لتمتعه بشخصية جذابة و"كاريزما" لطيفة. والنوع الثاني، وهي الشعبية المتمحورة حول السمعة الاجتماعية، والتي يسعى من خلالها المرء لحيازة الإعجاب بصرف النظر عن كونه محبوبا أم لا.

ويرى "برينشتاين" أن هذا النوع الأخير بات الأكثر انتشارا في العالم، وهو آخذ في التزايد بصورة خطيرة، "ومقارنة بالعقود القليلة الماضية، أصبحت أهداف حياتنا اليوم تعكس رغبتنا في امتلاك المزيد من الممتلكات، والحصول على المزيد من القوة، والشعور بمكانتنا ونُفُوذِنا، وكوننا مؤثرين وأصحاب سلطة بين مجتمعاتنا. ويتناقض هذا بشكل صارخ مع رغبتنا في تعزيز المجتمع وتنميته، والتعاون بعضنا مع بعض كما كان منذ بضعة عقود.

فالرغبة في الشهرة -لدى هذا النوع- قد تخفي إحباطا أو اضطرابا نفسيا غير مشخص، كما تقدم الشهرة وعدا -كذلك- بالهروب من العزلة، سواء كان ذلك حقيقيا أو بصورة متخيلة. إنها تردع المنتقدين، بل وربما تعتصر بعض الفتات من التقدير من أولئك الذين استكثروا علينا الابتسامة بينما كنا نتشبث بطريقنا للخروج من أرض النكران. فكلما جمعنا المزيد من التقدير كانت الجرأة على تجاهلنا أقل، فالشهرة أو البوز -في حالات كتلك- تلعب دور الدرع المُحصِن لنا من الإحباط، إنها تصرح بأهميتنا لأي شخص يحاول أن يضعنا جانبا وتهدده بعواقب في حال تماديه.. إنها تساعد على تهدئة الأصوات المنتقدة التي قمنا بكبتها في داخلنا من الآباء والأمهات، وزملاء الدراسة والمدرسين.

و في وصفه لطبيعة التفاعل الاجتماعي يرى عالم الاجتماع "إرفينغ غوفمان" في نظريته عن عرض الذات أن ثمة جدلية أساسية تكمن خلف جميع تفاعلاتنا الاجتماعية، وهي أن الفرد عندما يكون في حضور الآخرين فإنه يسعى لاستكشاف واقعهم، ومن ثم يقوم بتصدير صورته إليهم بالشكل الذي يتسق مع مصلحته الذاتية، وهو ما يحققه له الاهتمام بالمظاهر في كثير من الأحيان.

فحسب "باوميستير وهيوتن"، فإن عرض الذات يمكن التعبير عنه بالسلوك الذي "يتوخى توصيل بعض المعلومات حول الذات أو بعض من صورة الذات إلى الآخرين، وهو ما لا يتم "إلا إذا كان هناك من سيطلع على هذا العرض ومن سيقيمه. فحينها يتحرك المرء لعرض ذاته بدافعين رئيسيين، أولهما: هو إرضاء الجمهور، بمقارنة المعروض من الذات مع توقعات وتفضيلات الآخرين لينال إعجابهم وإثابتهم.

وثانيهما: هو إرضاء الذات نفسها، أو بمعنى أدق بناؤها، وذلك عن طريق مقارنة المرء لها (ذاته الفعلية) مع التصور النموذجي لديه عنها (ذاته المرجوة)، فتراه يصدر للجمهور صورة الذات التي يود أن يكون عليها، لا ذاته التي هو عليها بالفعل، فترضى ذاته الفعلية عن تلك الصورة المعروضة التي تجتذب الإعجاب، وكأنها هي في حقيقة الأمر.

 ذلك الدافع الأخير، وحسب الباحث "طارق عثمان"، قد وفرت له وسائل التواصل الاجتماعي منصة عريضة لمزاولته من خلال "بروفايل" المرء ومدوناته و"سيلفيهاته"، "فالأصدقاء والمتابعون على فيسبوك بمنزلة الجمهور الذي يعرض المرء جزءا من ذاته أمامه"، إما لكسب رضاهم، وإما لإقناع ذاته بصورته التي يود أن يكون عليها.

الأمر الذي يوافقه "جيفري هانكوك"، أستاذ التواصل بجامعة "ستانفور" من خلال بحث نشره في مجلة "Cyberpsychology Behavior and Social Networking"، يفيد أن فيسبوك قد يملك تأثيرا إيجابيا على تقدير الذات لدى طلاب الجامعات؛ "لأنه في الغالب يُظهر النسخة الإيجابية من أنفسنا. كذلك، وجدت دراسة أخرى نشرت في نفس المجلة، أن استعراض وتعديل حساب الفيسبوك الخاص بك، يمكنه أن يُعزز ثقتك بنفسك وتقديرك لذاتك".

أن تكون مشهورا.. أن تكون نرجسيا

نستنتج مما تقدم، أن تكون مشهورا يعني أننا أمام احتمالين: أن تكون مستحقا لذلك لما لديك من الإفادة أو الشخصية النافعة/ذات الكاريزما، وإما أن تكون ساعيا للشهرة بلا أي رصيد معرفي يضيف إلى متابعيك أي شيء. لكن ماذا عن النرجسية؟ هل تدعم الشهرة النرجسية، أم نسعى نحن لها لكوننا نرجسيين؟

بداية، فيمكن تعريف النرجسية بأنها "سمة أو خصيصة شخصية تنطوي على رؤية الشخص لنفسه ككائن متفوق وأرفع مقاما ومنزلة. وهذه الشخصية تأتي مع الإحساس بالتخويل أو التفويض "أستحق الأفضل، أي الميل لوضع الذات أولا والاستخفاف برغبات وحاجات الآخرين وفرط تقدير الذات.

وفي هذا الشأن، فقد أفضت دراسة لمجموعة من الباحثين الكنديين بجامعة "يورك" إلى أن الأفراد الذين يمضون أوقاتا أطول على فيسبوك، يميلون إلى امتلاك شخصيات نرجسية وشعور دفين بعدم الأمان. الأمر الذي يدفعهم إلى ترويج ذاتهم كالسلعة المعروضة للجماهير، ويزيد -بدوره- من نرجسيتهم واعتدادهم بأنفسهم.

حيث أثبتت العديد من الدراسات "وجود صلة مباشرة، بين الزيادة الحادة في تشخيص اضطراب الشخصية النرجسية خلال عشر السنوات الأخيرة، وانتشار شبكات التواصل الاجتماعي في كل مكان" ذلك فضلا عن تصنيف الباحثين لبعض السلوكيات، التي يتبعها رواد تلك الشبكات مثل السعي لاجتذاب مزيد من المتابعين، والظهور في صورة إيجابية أمامهم طوال الوقت، ومشاركة تفاصيل حياتهم معهم، ضمن صفات الشخصية النرجسية على وسائل التواصل.

كما أجريت بعض الدراسات على عينة من المشاهير، فأظهرت مستويات عالية من السمات النرجسية أعلى مما لدى الناس الآخرين، لكن ما وجدته هذه الدراسات هو أنه لا علاقة للنرجسية بالفترة الزمنية للشهرة، مما قد يعني "أن النرجسيين ينجذبون إلى أسلوب حياة المشاهير وليس أن أسلوب حياة المشاهير يحول هؤلاء تدريجيا إلى نرجسيين.

ويضيف "دانييل بورستين" في تفسير العلاقة بين عالمين: بين عالم حقيقي نحياه، وعالم افتراضي نحيا به. ففي نظرية "باومان" عن تلك العلاقة، يرى عالم الاجتماع البولندي أن مواقع التواصل الافتراضية قد عكست القواعد التي ينبني عليها التفكير والشعور، فأصبح العالم الافتراضي هو المعيار الذي يحتكم إليه العالم الحقيقي، لا العكس، وبهذا تصبح شهرة مواقع التواصل -والتي لا تعبر بالضرورة عن قيمة صاحبها في الواقع- شيئا حقيقيا يستحق كل هذا المجهود لعرض الذات.

كما أن "باومان" يرى أن الشهرة فقدت قيمتها عما كانت عليه فيما سبق، ويضع في ذلك مقارنة بين شهرة الشهداء -مثلا- في العصور السابقة، وشهرة نجوم الصورة والبروباغندا الحالية.

فيقول: "كانت شهرة الشهداء والأبطال تستمد من أفعالهم، وكانت ذكراهم حية حتى يمكن تخليد تلك الأفعال". فالأسباب التي وضعت المشاهير في بؤرة الضوء هي أقل الأسباب أهمية للاشتهار، فالسبب الرئيسي هنا هو تكرارهم وانتشارهم بصورة فجة على وسائل الإعلام/التواصل دون أن يمتلكوا سببا نافعا لشهرتهم.

الأمر الذي يسلع هؤلاء المشاهير مرة أخرى، أي يحولهم إلى مجموعة من السلع، فبعد عرض الذات الذي يتجاوز أحيانا أدق الخصوصيات كما تسمح بعض الفاشيونيستا للجمهور بمعاينة تفاصيل يومها الخاصة، يقف المشهور ثانية على خشبة الجمهور كسلعة يمكنه الاستغناء عنها والانتقال إلى غيره، فالاشتهار يختلف عن الشهرة في كونه يتكون من أحداث منفصلة/مجموعة من المنشورات أو الفيديوهات غير ذات القيمة.

فكل "موكب من مواكب المشاهير يطلع من مكان غير معلوم لتطويه بعد فترة وجيزة صفحة النسيان"، فمعجبو المشاهير غير معجبي الشهداء أو الأبطال؛ ذلك لأنهم لا يستبعدون ولا يمتنعون عن الانتقال إلى غيرهم ممن يقدّمون أنفسهم في أثواب الموضة أو الابتذال، وهو ما تشجع عليه سمات العصر الاستهلاكي الحديث وفقا لـ "باومان".

فالأمر في النهاية -حسب "باومان"- لا يبدو ذا قيمة حقيقية ما لم يكن للمرء نفع أو بطولة فعلية تغير وجه الحياة لمعجبيه، فلو كانت الشهرة، بصورتها السائلة الحديثة، شيئا يسعى إليه، بل تكتب فيه النصائح لتضج بها محركات البحث على الإنترنت، فما القيمة الفعلية التي يحققها المرء من ذلك؟

هل هي احتياجات الذات الساعية إلى التقدير؟ وإن كان الأمر كذلك، فهل كل ما تحتاجه النفس يكون مشروعا دون تحجيم أو تهذيب؟ وهل يمكن اعتبار هذا الطلب خللا نفسيا يفضي بصاحبه إلى النرجسية والتعالي على الآخرين بسبب عدد المتابعين في صفحته على أحد مواقع التواصل.؟.

دور المشاهير نفسهم في انتاج التفاهة

لا أحد يمكن له أن يتنكر من واقع اليوم ولا نستطيع تجاهل مرارة ما تبصم عليه سياسة المجتمع من استغباء واستحمار تبتث جدورها  بسلاسلة عليه أصبحنا نعيش في زمن التفاهة بامتياز ، بحيث أصبح كافيا أن ترفع فيديو على اليوتيوب، أو بتقنية البث المباشر على الفيس بوك، تتحدث فيه بكلام سوقي أو ببلاهة لتصبح واحدا من مشاهير المغرب ، وتتسابق نحوك بعض المواقع الإخبارية والمنابر الإعلامية من أجل التسجيل معك ولو بمقابل مادي في عدة أحيان، لا لشيء سوى أنك تمثل لها مادة أو محتوى تسويقي مضر للدخل ومواقع التواصل الإجتماعي مليئة كثيرا بمجموعة من النماذج والمعروفة عند المجتمع المغربي، ساري كول، إكشوان إكنوان، نيبا، أدومة..والقائمة طويلة، والغريب في الأمر أن الأمر يتطاول متجاوزا الطبقة اللاواعية ليمتد إلى أهل الفكر والوعي والثقافة.  ففي أحد الأيام انتشر فيديو على نطاق واسع لطلبة فصل ما وداخل قاعة معينة من الفضاء الجامعي المغربي وهم يرددون ويغنون "حتى لقيت لي تبغيني عاد جايا تسولي فيا " وهي أغنية أنتجتها ظاهرة البوز وهنا

 بل ووصل الأمر بكون الفنان والسينما والتلفزيون المغربي إلى الاستعانة ببعض من الشخصيات البوز المذكورة سلفا في تصور برنامج أو فيلم أو فيديو كليب ماجن من أجل تحقيق "البوز" المنشود..

خلاصة

إذا كانت لـ”البوز” قواعده وتقنياته وخصائصه المتعارف عليها عالميا في عالم الدعاية والترويج لسلعة أو منتوج ما، فإن “البوز” على الطريقة المغربية، يشكل استثناء، كما العادة. يدفعنا إلى التساؤل عن علاقة البوز بالشوهة

“البوز” المغربي يرفع شعار الشوهة أكثر  والفضائحية و”الشوهة” أكثر من كونه بوز له معايير محترمة. وبدون هذه “التيمات”، يستحيل أن يتحقق. إنها المعادلة الوحيدة التي تصيب الهدف وتفي بالغرض وتمكن من حصد أكبر عدد ممكن من “اللايكات” و”البارتاجات” وتحقيق الدخل والشهرة الواسعة والسهلة.

الكل منخرط في اللعبة. سياسيون وفنانون ورياضيون، وعامة. ومن كان خارجها، أصبح مهمشا ومتجاوزا.

 

إسماعيل أيت حمو

 

قاسم حسين صالحNo Easy Walk to Freedom

قراءة وتحليل ومقاربة

ايتها النخبة المثقفة المحبة للقراءة في زمن العزوف عنها.

هذه الندوة مخصصة لقراءة كتاب ( نيلسون مانديلا ليس سهلا الطريق الى الحرية- No Easy Walk to Freedom ).. ترجمة ميرنا الرشيد واصدار دار المدى في طبعته الاولى 2019.

الكتاب كتب عنه الكثير.. عربيا واجنبيا، من بينها كتاب (شخصيات غيّرت العالم) تأليف نيكولاس جال، والصادر حديثا ضمن سلسلة الكتب التي تصدرها جريدة “لوموند” الفرنسية.. وسأبتعد عنها جميعا بما فيها الذي نشرته المدى بمقالة طويلة في ملحقها الثقافي.

ستكون قراءتنا مختلفة عن الذي كتب في ثلاث مسائل:

الأولى:بحكم تخصصي في تحليل الشخصية، فأنني ساركز على تحليل شخصية مانديلا في جانبها السيكولوجي وعلاقة ذلك بالفكرة او المعتقد، ولماذا يضحّي المناضل بحياته في سبيل معتقده فيما يتخلى آخر عنها يحمل نفس الفكرة؟. ولماذا نحب نلسون مانديلا وهو من قارة أخرى؟.. وعلاقة ذلك ايضا بالسيكوبولتك.

الثانية: ان معظم السجناء السياسيين العراقيين عاشوا ظروفا كانت في بعض الحالات أقسى من التي عاشها مانديلا. وبوصفي سجين سياسي فأن ذلك يساعد قراءتي في فهم خبرة السجين وحواره مع نفسه في القضية التي اودعته السجن.

الثالثة:اجراء مقاربة، موازنة، اخلاقية ، سياسية، فكرية.. بين مانديلا بوصفه حاكما وبين حكّام العراق.

لنبدا بتقديم شكلي للكتاب، وسأسرع في قراءة ما هو عرض وأتأنى في قراءة ما هو فكر.

يقع الكتاب في (250) صفحة تتصدره مقدمة جميلة للمترجمة ميرنا، ومقدمة أخرى لطبعته عام(1990) بقلم (والتر سيسولو)، وتمهيد لطبعته عام (1973)، ومقدمة رابعة للناشطة الافريقية المناهضة للفصل العنصري (روث فيرست) التي قتلت بتفجير طرد مفخخ، وتعليق لمحرر الكتاب وصديق عمره السياسي الثوري الجنوب افريقي (اوليفر تامبو) عام ( 1964 )، يشير فيه الى ان هذا الكتاب يتضمن احد عشر مقالا لمانديلا، ومؤتمرا خطابيا عقد في الخارج، وادلة وعناوين من ثلاث تجارب تمتد لعشر سنوات بين عامي ( 1953 و1963).. موضحا ان مقالات مانديلا استنسخت تماما بالشكل الذي كتبت فيه مضافا لها بعض التعديلات لتجنب التكرار، وانه تم حذف المقاطع المتعلقة بالادلة التقنية لشهادة شهود من رجالات الدولة. ويبدأ الكتاب بموضوع (ليس سهلا الطريق الى الحرية) الذي اختير عنوانا له وينتهي بمحاكمة ريفونيا التي تبدأ هكذا:

" انا المتهم الاول. احمل درجة البكالوريوس في الاداب، وزاولت المحاماة لعدة سنوات في جوهانسبرغ بالشركة مع اوليفر تامبو.وانني سجين مدان بالسجن خمس سنوات بتهمة مغادرة البلاد دون تصريح، وتحريض الناس على الاضراب نهاية شهر ايار من عام 1961".

وبأسم حضراتكم، نشكر المترجمة ميرنا لسلاسة اللغة وجمال الأسلوب، وشكرا للمدى على اخراج الكتاب بشكل انيق وخاليا من الأخطاء اللغوية والطباعية.. وحتى الفوارز ما بين الجمل، والنقاط في نهاياتها جاءت بنسق سليم.

تعريف موجز بـ(نيلسون مانديلا)

ولد مانديلا عام 1918 بقرية في اعماق الريف.وكان اسمه ( روليهلاهلا ) الذي يعني المشاكس او مثير المتاعب، ولأن معلمته في المدرسة الابتدائية لم تتمكن من لفظ اسمه فانها اسمته مانديلا.

كرّس حياته مبكرا للنضال من اجل المساواة السياسية والقانونية لشعبه.وعرف بقدرته على التخفي وتنكره بشخصيات متنوعه: سائق تكسي فلّاح طباخ. القت حكومة الهمينة البيضاء القبض عليه ووقف في المحكمة مدافعا عن حق شعبه بالمساواة والحياة الكريمة، ووضع عام 1980 على لائحة الارهابيين الدوليين الى عام 2008 مع انه صار رئيس دولة عام 1994 في انتخابات ديمقراطية!.

اقتيد الى جزيرة روبن فاستقبله حراسها البيض بعبارة ( هذه هي الجزيرة.. هنا سوف تموتون).

عومل السجين مانديلا رقم ( 46664 ) المحكوم (27 )عاما بوصفه سجين سياسي يسمح له بزيارة لمدة نصف ساعة ورسالة واحدة كل ستة اشهر كانت تقتطع منها ما هو سياسي.

قاد على مدار 20 عامًا نشاطات سلمية تهدف للوقوف بوجه سياسات القمع للحكومة، وحين أدرك فشل تلك النشاطات، تبنى الحل العسكري بوصفه السبيل الوحيد لتحقيق أهدافه.

والده كان مستشارا لزعماء القبائل ومتوقع ان يصبح زعيما لكن خلافا مع الحاكم المحلي التابع للحكومة البيضاء جرّده من لقبه وثروته فانتقلت العائلة لقرية صغيرة وعاشت في اكواخ صغيرة معتمدة على المحاصيل المحلية.

توفي والده وهو بعمر تسع سنوات وتولى رعايته احد افراد الاسرة الحاكمة لقبيلة ثيمبو ليعيش في مقر الحاكم، وتعرّف على زعماء القبائل الذين كانوا يفدون الى القصر الكبير في المناسبات الرسمية.. وكانت احاديثهم تحكي قصص كيف عاش الافارقة بسلام واخوّة قبل ان يأتي البيض.

عيّن مانديلا مستشارا للعائلة الحاكمة وكان متفوقا في الرياضة والملاكمة والجري وكان زملاؤه يسخرون منه لأصله الريفي.

التحق بالجامعة عام 1939 وركز على دراسة القانون الهولندي الروماني ، وانتخب عضوا في مجلس الطلبة وحصل على شهادة المحاماة ثم انخرط في الحركات المناهضة للفصل العنصري لينضم لحزب المؤتمر الوطني الافريقي عام 1942. وفي العام 1949 اعتمد الحزب التظاهرات والاضراب والعصيان المدني والمقاطعة لتحقيق اهدافه بتمتع السود بالمواطنة الكاملة، واعتقل مع 150 ناشطا عام 1962 بتهمة التآمر لقلب نظام الدولة والخيانة العظمى.

اطلق سراحه في 1990، وفي 1993 حاز مانديلا وكليرك على جائزة نوبل للسلام لعملهما المشترك على انهاء نظام الفصل العنصري في جنوب افريقيا. وفي 27 نيسان 1994 انتخب مانديلا ليكون اول رئيس اسود لجنوب افريقيا، ورفض الترشح لولاية ثانية ليفوز بالرئاسة نائبه.

تزوج ثلاث مرات، الاولى ايفيلين ميس (1944-1957) وانجبا اربعة اطفال، والثانية ويني زيلا (1958-1996) وانجبا طفلين، والثالثة غراسا ماشيل وبقي معها حتى وفاته.

في 2004 اعلن رسميا عن تقاعده من الحياة العامة وعاد ليعيش في قريته كونو .. وفي 2013 غادر مانديلا الدنيا بعمر 95 سنة. واللافت ان وكالة الأستخبارات المركزية الامريكية غطت الجانب السياسي من حياته في 13 مليون صفحة من وثائق سرّية عبر الإنترنت.

 

أ. د. قاسم حسين صالح

مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية

..........................

*  نص المحاضرة التي اقامها نادي المدى للقراءة في كوردستان 20 تموز 2019.(يتبع)

 

في البحث بين الواقع والوهم، بين الشك واليقين، تتمخض اكبر ازمة لانهائية للعقل كامنة في كينونته، وفي متغايرات الوعي وعدم القبض على ماهيته، في انتاج فكري بشري تاريخي للمفهوم والقيمة وابعاد لوقائع تعلو على الواقع .. ورموز وتصورات تحجب الواقع بدلا من الكشف عن ذاته لتصبح هذه الوقائع والتصورات واقعا قائما بذاته يحجز ما وراءه، وفي هذا التشكيل يلتبس كل هذا الانتاج في تشابك واشتباك مزمن في صراع وتماهي ومحايثة مكنونة في الاشتغال المتعالي عن الاصل لتقبع بدوران ابدي لإظهار التمثيل الاصطلاحي لتشكيل الانسان والذات معتركا محتدما بين المعنى واللامعنى، وفي انتاج الثنائيات كمحرك في نواة الدوران في انبعاثات نسبية ومتطورة حقبة بعد حقبة وعصر تلو الاخر ليتضخم الانتاج في مخزون هائل بين التراكم النصي وقراءته وبين المفهوم ومطابقته وبين المعنى وادراكه كمرجعية بل مرجعيات لما يمكن ان يتمحور في استحضار الانسان كمفهوم للموضوع والذات كمفهوم للفرد كحجب وغشاوات متعالية تدور في ذاتها وتنتج نصوصها وتشتغل في جدلياتها وتبحث في فلسفتها وتشتغل في نظرياتها، ليبقى السؤال الاكبر قائما .. اين نحن وفي اي بعد، وهل يمكن ان نصوغ معنى لأصل المعنى؟، ام ننفي اللامعنى من ان يكون لامعنى؟ 

لاشك ان الامر معقدا في بواطنه وظاهره وفي ما يتمحور من ذلك من تراكب المفهوم والصورة، الرمز والدلالة، الصفة والكائنية، الشك واليقين .. الوجود والعدم،، ليبقي الباب مفتوحا امام الاحداث والوقائع، الوعي والحاجة، في مسار عميق الاصل والتكوين .. ومتغاير في التنظير والمطابقة .. في البعد الوجودي والماورائي في صراع (السلطة والتنظيم) .

إشكالية الاستعصاء في القبض على اصل القصد في المعنى لم يعد لها اي تأثير ناجز ومتفاعل مع ما يتشكل من الحدث وما وراء الحدث، ليس بسبب نسبية المعنى وتعدد القراءة فحسب، بل ان المعنى في ذاته اصبح محنة واعتلال يتوسع لينكمش وينكمش ليتوسع بلا ادراك للمصاديق .. وهذا يحيلنا الى تساؤل يجترنا الى المعرفة الادراكية بمعنى المعنى في تشكيله قبل ان تجري مطابقته في الواقع وكيف ينساق مع الانساق في هيكلية واضحة المعنى بلا تفسيرات ولا تأويلات ولا توهيمات تحيد المعنى من اصله الى معنى ينتج واقع ما فوق الواقع، يتجلى هذا الاشكال في ما انتجه العقل من الثنائيات، وما يمكن ان يتخفى خلفها من تضخم وتعالي في التنظير والاستغراق في التصورات الطوباوية الفوقانية لترحيل المعنى في اشكالية فهم المعنى في اصله، ولعل المطابقة حاضرة المعنى في (الانسان والذات) .. فمن انتج الاستبقاء بإضفاء الصورة والشخصية الانسان ام الذات؟ ماهية الاواصر المترابطة بين التشكيل المجرد والمعنى المعلق؟ ما مرجعية عملية التفكير والتطور وما مرجعية الانسان في اشكالية السلطة والتنظيم، هذه المحنة انتجت من التوهم والخداع والتضليل مما جعلها تفقد بوصلة الفاعلية المرتهنة بالواقع وتبعتها في ذلك وعلى قدر كبير الخديعة في الممارسة، حتى اصبح ما تنتجه عقما وتشويها لبنى الفكر في اشتغاله على الواقع والحدث، وباتت تحجز القراءة والاستنباط في متاهة تدور في تعاليها الذاتي المفرط في التصورات التي انتجها المخيال البشري في مساره التاريخي، بلا ان تأخذ اي دور فاعل في تغيير المسارات وانما تعرقل حركة التاريخ بوضعها مآلات قد استهلكت وبقيت هامشية في محنة الصراع البشري في الاكتشاف والمطابقة بين ما يمثله المعنى من اشكالية في كشف كل ما يحتجب خلف البداهات والمسلمات من مطابقة للمعرفة والسلوك والممارسة والانجاز في الفاعلية الراهنة.. ويجرنا البحث في معنى الانسان والذات بعلائقية ما ينتج من الاسماء والرموز الخاصة به وينشق عن ما انتج من رموز ودلالات كلية وشاملة، وهذا ما نراه جليا في مدى التوسع في حجم الانشقاقات عن الاصل الى التفرع وتشكيل الاصول ثم التفرع وهكذا، كل هذا باستثمار هائل من تشكيلات السلطة وما تحدثه لخرق جسد التنظيم وتفعيل المتناقضات والاستعارات والمستحدثات لصالحها مع بقاء راهنية المعرفة والتنظيم الاجتماعي في قبضتها وفي مديات ورؤى الاستمكان والديمومة.

وبتعدد مستويات وابعاد ونتاجات الواقع، اصبح العثور على مستوى مطلق من الاستحالة بما يلتبس في الواقع من توهيمات وتصورات باتت قائمة لتنفيذ معاني الواقع، ولعل تلك المعاني قد فقدت وتراجعت عن دورها وخسرت نظريتها التي اطلقتها في الهيمنة على بيئة لواقع في زمان ما، ولذلك تقوم بضخ واقع مرجعي يرسخ الممارسات والسلوك وفق أنماط واطوار لخلق واقع يتعدى حدوده إشكالية فهم المعنى واللامعنى، وهنا تظهر الرغبة والانا العليا والتنظير الفوقاني بصوره ورموزه بعملية الخلط بين مبدأ الواقع ومبدأ الرغبة، في تمثيل الانسان والذات كمبنى يخفي عدم وجوده في الواقع في بنيته الاستراتيجية وموازنة القوى والرهان على الاحداث، بل ان تعدد المعاني لتمثيل الانسان والذات اخذ يتشكل بتعالي من اتحاد يرسم ويكون رموز تقدس النص وتأله العقل المنتج لها، من دون ان يكون لها وجود بأبعاد مؤثرة في احداث تغاير على مستوى السلطة والتنظيم، وتدور في ارجاع وترسيخ كل المفاهيم والقيم التي انتجها التاريخ البشري بالوهم الأعلى واعتباره رمزا عن مطلق هذه المفاهيم والقيم، من دون ان يتشكل بالنتيجة أي مطابقة مع الواقع وجوهر الصراع فيه،، وتبقى مجرد هالات لا تعبر الا عن مستوى الانهيار والفشل في وضع قواعد فكرية تعمل على فهم وتشكيل واقع بإمكانية الشروط الممكنة وليست الحالمة الخادعة بمطلقية (الانسان والذات) واعتبارها محور دلالي بمرجعية أصولية. واجترار الثنائيات التي اكتسبت ابعادها في ما تمثله في الواقع، الحرية والاستبداد، الحق والباطل، العدل والظلم، الخير والشر، لتبدو ان الذات هي المسؤولة الشرعية عن المطابقة بأثر مطلق وبتعاريف تفوق الاستمكان والتحقيق الفاعل المنجز بشروطه البيئية، وبالتالي خلق واقع هلامي فوق الواقع، فما الحرية في اصلها الا الصراع مع الاستبداد، وما الحق في اصله الا صراع مع الباطل، وما العدل الا صراع مع الظلم، وما الخير الا صراع مع الشر، وتبقى هذه الصراعات تتشكل في موضوعيتها واثرها الاجتماعي الفاعل في ترقية معيار التحقيق المطابق لما ينجز من ابتكار وخلق وابداع في عملية ديناميكية متغايرة في الارتقاء بالواقع وليس نفيه كونه لا يستوفي الشروط الحالمة المتعالية التي يبدو انها أصبحت محجوزة في تنظيرات ومدونات وفلسفات وجدليات لا تغذي الا فشل هائل في الاشتغال على ابعاد لها واقعيتها المحسوسة، ربما ان البحث اليوم عن المعنى في (الانسان والذات) بات غشاوة ووهما كي يخفي انهيار تلك النظريات الهائمة في تأليه العقل وتقديسه، فقيمة المعنى تكمن في واقعيتها وفاعليتها، وبما يمكن من ان ترتقي في معيار إنجازها ومن ثم ترسيخها كسلوك وممارسة ومعرفة اجتماعية في صراعها مع إشكالية السلطة في ابعادها المتغايرة .

ان عملية انتاج الحقبة والعصر التاريخي باتت متسارعة ومتشابكة ومتراكبة، وأصبحت صناعة غاية في التشكيل والتعقيد، وازاحت بما انتجت من تطور تقني استباقي .. الأنماط والاطوار التقليدية، ولذا فلا بد من مغادرة الأدوات المعرفية الفلسفية والتنظيرية والثورية والأيديولوجية بدون نفيها ولكن مراكبتها في نسق الإنتاج العالمي وابتكار الفضاء الفكري الذي يعني بما استهلكه العقل وفق منظور المخزن المعرفي الهائل.. وتصنيف المفاهيم وإعادة صياغتها في خارطة التنظيم العالمي وفق اشتغالها على الواقع وبعدها الخاص بما يشكل عاملا أساسيا في عملية التطور والتحديث بما ينجز وليس بما أنجز، وتفكيك جوهري انزياحي لما استهلك من الأدوات المعرفية التقليدية وما انتجته من التنظيرات والشعارات الوطنية والقومية والدينية لغرض إعادة البناء والتشكيل والصياغة والهيكلة كي تأخذ الدور الفاعل في الإنتاج والخلق بدلا من ان تكون بداهات قائمة على التوهم وانشقاقاته، كي تعيد بناء التوهم بعد الاخر، والتصور بعد الاخر، والانشغال بعد الاخر، وترسيخ سبل الدفاع المتعددة من فقه وكلام وتنظير من اجل الإبقاء على ما تستثمره السلطة فيها، وهذا يعني فهم عميق وادراك اعمق في الاشتغال على السلطة بتجريدها من أسلحتها الاستراتيجية التي تعيد انتاج ذات السلطة بأدوات خرقها للواقع بما يتشكل في الواقع، وفي خلط المفهوم والقيمة في ابعاد خيالية لا تستوفي إمكانية المطابقة في الواقع بما تمثله جدلية (المعنى واللامعنى) .

و بالتأكيد ان المنطلقات لن تكون مفاجئة وفورية وربما متأخرة جدا، ولكن الواقع يطرح تساؤلات فيما استهلكه العقل والفكر من طوباويات بمسميات (الانسان والذات) باتت عائق فكري ومفهومي وقيمي في بنيوية عارية امام الواقعية الراهنة، و بافتقار مدقع لما يتشكل ويحدث في النظام، للبقاء في احداثيات ما بعد المؤخرة .

 

قحطان اليابس

 

زهير الخويلدي"الكيمياء هو الفرع من العلوم الطبيعية الذي يبحث في خواص المعادن والمواد النباتية والحيوانية وطرق تولدها وكيفية اكتسابها خواص جديدة"- جابر ابن حيان، الكيمياء في كتابه العلم الإلهي

ولد أبو الكيمياء جابر بن حيان عام 721 ميلادي بطوس في إيران وتوفي بالكوفة في العراق عام 813 ميلادي وتأثر بجعفر الصادق وخالد ابن يزيد والحميري وكان معروفا في اللاتينية باسمyeber وgeber.

ذكر ابن خلدون بأن لابن حيان سبعين رسالة في الكيمياء كلها أشبه بالألغاز ومليئة بالأسرار وبالتالي كان أول من علم الكيمياء ومنزلته منها كمنزلة أرسطو من المنطق ولكنه اشتغل كذلك بالطب وعلم الصيدلة ومال إلى التصوف وسبق غيره في اهتمام بصناعة السموم والتداوي بها وتحضير الحوامض والعلاج بها.

تأثر بسقراط وأفلاطون وأرسطو وفيثاغورس وجالينوس وفرفريوس وديمقروطيس وهرمس وزوزيموس وأغادوثيمون وأخذ العلوم الوافدة من المشارقة والإغريق والمصريين القدامى ومن بابل والهنود والفرس.

اخترع حمض الكبريتيك وسماه زيت الزاج وألف في علوم الموسيقى والكونيات والنحو والفلك والهندسة والأحياء والتقنيات الكيميائية والمنطق والميتافيزيقا ودرس السحر وتم ترجمة مؤلفاته إلى اللغة اللاتينية.

لقد اهتم بعلم المعادن وأدخل المنهج التجريبي إلى الكيمياء وتفطن إلى أهمية الزنبق والنشادر واستعمل ثاني أوكسيد المنغنيز في صنع الزجاج واخترع القلويات وماء الذهب وماء الفضة وملح الشنادر والبوتاس وحرص على تكرير المعادن وتحضير الفولاذ واستعمال المواد الكيميائية في دبغ الجلود وصبغ الأقمشة.

أورد لنا في كتابه "مصححات أرسطو" حوارا كان قد جرى بين أرسطو والخيميائي الفارسي أوستانس وقسم المواد بالانطلاق من المكونات والعناصر التي تتشكل منها وهي: الأغوال والمواد والمركبات ووضع نظرية في الاتحاد الكيميائي بين العناصر في كتابه "المعرفة بالصفة الإلهية والحكمة الفلسفية".

كان له السبق في استعمال الميزان والتدقيق في موازين المواد الكيمائية المستعملة ودرس ظاهرة الاحتراق من زاوية كيمائية وربطها بالكبريت والكلس وقام بالتمييز المواد القابلة للاحتراق عن غيرها وصنع الحبر والطلاء والورق التي تساعد على كتابة المخطوطات والرسائل وتحفظها من البلل وحاول إيجاد الوسائل التي تمنع الحديد من الصدئ وقام بتحضير الفولاذ وكربونات الرصاص وحمض الأزوتيك.

لقد ترك لنا جابر ابن حيان مجموعة من الرسائل والكتب هي أسرار الكيمياء ونهاية الاتقان والرحمة والمكتسب وأصول الكيمياء وعلم الهيئة والخمائر الصغيرة وصندوق الحكمة وكتاب الملك وكتاب الخواص الكبير وكتاب المجردات وكتاب الخالص وكتاب السبعين والخواص والسموم ودفع مضارها وحل الرموز ومفاتيح الكنوز ولقد قام جيرار الكريموني بترجمة كتاب السبعين إلى اللاتينية عام 1187م.

جملة القول أن جابر ابن حيان اكتشف القطرون أو الصودا الكاوية واستحضر ماء الذهب وفصل الذهب عن الفضة بواسطة الحوامض واكتشف أيضا حمض النتريك وحمض الهيدروكلوريك وحمض الكبريتيك وتمكن من اعداد مجموعة كبيرة من المواد الكيميائية مثل أكسيد الأرسين وسلفيد الزئبق واخترع جهاز للتقطير أطلق عليه اسم الأمبيق وأدخل تحسينات مهمة على التبخير والتصفية والانصهار والتبلور وقام بصنع ورق غير قابل للاحتراق وشرح كيفية تحضير الأنتيمون والزرنيخ ولكنه اعتقد في صحة نظرية التولد الذاتي وأضاف إلى العناصر الأربعة الإغريقية جوهرين هما الكبريت والزئبق وربما الملح أيضا.

في هذا السياق جده يصرح: "وأول واجب أن تعمل وتجري التجارب لأن من لا يعمل ويجري التجارب لا يصل إلى أدنى مراتب الإتقان، فعليك يا بني بالتجربة لتصل إلى المعرفة". فكيف لمن أعطى العالم علم الكيمياء وكان له السبق في إجراء التجارب أن يتم تجاهله إلى هذا الحد وأن تغفل إسهاماته في العلوم؟

 

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

منى زيتونهل توجد ميكانيزمات عقلية تقف وراء تشكل كثير من الأفكار والاعتقادات الخاطئة بالأساس في البنية المعرفية للأفراد، ومن ثم ظهور السلوكيات المُشكِلة خاصة في مجال التواصل البشري؟

هذا سؤال هام ولا شك، وينبغي التنبه إليه لأنه أُس البلاء. يُلاحظ وجود ما يُعرف بأخطاء التفكير لدى من يعانون مشاكل في التواصل الإنساني؛ أي الطريقة التي يُفكر بها الإنسان وتتسبب في تكون اعتقادات وأفكار خاطئة، وتدفعه إلى التفاعل الاجتماعي بشكل خاطئ.

 وليس هدفي إجراء بحث علمي موسع عن الموضوع، فما ينتج عن تلك الأخطاء في تفكير الأفراد أعمّ بكثير من أن يُحصر في مشكلات بعينها. هدفي أن ألفت فقط إلى وجود تلك العمليات في تفكيرنا.

ولعل من أهم تلك الميكانيزمات العقلية، إلقاء اللوم على الآخرين،‏ وعدم التفريق بين الحقائق والآراء، والتعميم الزائد، وتشويه الحقائق، وغيرها. هذه الميكانيزمات تتسبب في تكوين أفكار واعتقادات خاطئة ينشأ عن اعتناقها غالبًا سلوكيات مشكلة، قد يتأذى الفرد وحده بسببها، وقد ينتشر أذاها نحو المجتمع.

يعتبر إلقاء اللوم على الآخرين من أكثر أنواع أخطاء التفكير التي يستخدمها الفاشلون لتبرير فشلهم، وإظهار براءتهم من سوء أحوالهم؛ فالأفراد ينقسمون في استجابتهم لما يمر بهم من حوادث إلى ذوي مركز تحكم داخلي، وذوي مركز تحكم خارجي.

من يكون مركز تحكمهم داخليًا يتميزون بارتفاع درجة ثقتهم بأنفسهم، وتحملهم مسئولية نتائج أي سلوكيات يقومون بها، وكما يفتخرون بتحقيقهم للنجاحات وينسبونها لأنفسهم، فهم لا يتهربون من تحمل مسئولية أي فشل حدث بسبب سلوكياتهم وقراراتهم. في حين أن العكس يحدث مع الصنف الثاني الذين يكون مركز تحكمهم النفسي خارجيًا، فهؤلاء لا يحكمون السيطرة على ما يواجهون من مواقف، ويرفضون الإقرار بمسئولية سلوكياتهم وقراراتهم عن أي نتائج سيئة تحدث بسببهم؛ فإما أن يلقي بالاتهام على غيره من البشر أو يدعي أنها إرادة الله تعالى، وأن الأمور جرت على النحو الذي جعل الأمور تؤول إلى ما آلت إليه، ولم يكن بالإمكان تغيير المقادير!

هناك أيضًا خطأ ما يُسمى بالتوجيه المتعمد Intentional Orientation حيث نتأثر بالتسمية التي تُطلق على شيء ما، ونتعامل مع الشيء في ذاته وفقًا للصورة التي يخلقها الاسم في الأذهان، وإن كانت هذه التسمية لا تشير إلى حقيقة الشيء بدقة، ولكنها تشير إلى إدراكنا له.

من أخطاء التفكير أيضًا عدم التفريق بين الحقائق والآراء، والحقائق موضوعية بينما الآراء ذاتية. كثيرًا ما لا تكون المشكلة في التعبير عن الرأي، بل تكمن المشكلة عندما يتعامل الكثير منا مع الرأي على أنه حقيقة، بينما قد يكون الرأي خاطئًا إذا كان مبنيًا على استدلال غير سليم!

وتتسبب إشكالية التعميم وعدم التمييز -كخطأ شائع في التفكير- في مشاكل عديدة لعدد متعاظم من البشر، والتي تنشأ من أن عدم قدرتهم على التمييز تتسبب في إصدار حكم واحد أو سلوك واحد نحو عدد كبير من الأشخاص أو المواقف لأنهم يفترضون تشابهها التام، ويفشلون في النظر إليها بشكل فردي وملاحظة أوجه الاختلافات بينها!

والتعميم الزائد هو أساس تشكل الأنماط الجامدة أيًا كان أساسها، سواء كان الدين أو السلالة أو النوع أو غيرها. والنمط الجامد هو صورة عقلية ثابتة يتم تعميمها على الأفراد التابعين لجماعة ما، دون ملاحظة الفروق الفردية بينهم أو الفروق التي ترجع إلى عوامل أخرى.

والاستقطاب خطأ شائع في التفكير له ارتباطه الواضح بالتعميم. يمكن القول بلا تردد إن أغلب البشر عنصريون، ولديهم ما يمكن أن أسميه الهوس بالتفرع الثنائي ‏dichotomania، فهم يحبون التقسيم الثنائي الحدّي فقط؛ الشيء ونقيضه. جرّب أن تعرض تقسيمًا ثلاثيًا في أي نطاق وستجد عزوفًا ‏عنه؛‏ فالثنائية تعني الحدّية القطبية؛ إما أبيض أو أسود، إما مؤمن أو كافر، إما أنك سني أو شيعي، ‏ودائمًا القطب المقابل هو العدو. من ليس معنا فهو ضدنا. فالتصنيف الثنائي يكرس للعداوة، بينما تقبل وجود تصنيفات متعددة ثلاثية أو رباعية أو أكثر، ‏يمجد التنوع الإنساني، ويصب في النهاية في بحر الإنسانية الذي يوحدهم دون تصنيف، لكن البشر يبحثون عما يقسمهم ويتجاهلون سبب توحدهم "الإنسانية"‏.

فماذا عن تشويه الحقائق؟

يعتبر انتشار الانحلال الجنسي كسلوك على مستوى العالم، وتوجيه الأفراد والمجتمعات إلى تقبله باسم الثقافة، نتيجة مباشرة لتشويه مجموعة من الأفكار الخاصة عن أمانة الجسد للرجل والمرأة، خاصة المرأة، فأصبح قطاع عريض من البشر يعتبرون أن الإنسان حرٌ في التصرف في جسده، ولا معنى لديهم للعفة ولا للشرف. تلك الأفكار المادية غير الأخلاقية في حد ذاتها ناتجة عن الثقافة الغربية المعاصرة التي جعلت من القيم الأخلاقية –فضلًا عن الدينية- مناقضة للحداثة والتطور.

لطالما تم النظر إلى علاقة الرجل الجنسية بالمرأة على أنها علاقة أخذ من الرجل وعطاء من المرأة، وربما لأجل هذا كان اللوم الأكبر يقع دائمًا على المرأة عند الانخراط في علاقات مُحرَّمة؛ كونها الطرف المُفرِّط، ولكن لدى المنادين بالحرية في العلاقات الجنسية فلا أخذ ولا عطاء، وليس للأمر علاقة بالشرف من الأساس؛ فشرف الإنسان لا علاقة له بجسده. وخطأ التفكير الذي يقوم عليه هذا السلوك هو تشويه الحقائق خاصة أمام المرأة؛ فالأمر أشبه بشخص معه خاتم ثمين من الماس قام أحد المحتالين بإقناعه أنه لا يساوي شيئًا فنتج عنه أن فرّط فيه بسهولة. والحقيقة أن المُفرِّط ملام على تفريطه، وهذا لا يعني ألّا يُلام المحتال.

كما لم يقتصر التحول الفكري الحادث، على العلاقة الطبيعية بين الرجل والمرأة؛ فلأن التركيز صار على كون العلاقة الجنسية هي علاقة متبادلة يعطي كل طرف فيها نفسه للآخر، كان مما ترتب على تلك الفكرة الجديدة أن أي شخص بالغ عاقل يمكنه أن يقرر إقامة علاقة مع شخص آخر بكامل إرادته، أيًا كان هذا الشخص، سواء كان من جنسه نفسه، أو حتى من محارمه! وهو تبرير للشذوذ الجنسي وزنا المحارم، أقل ما يُقال عنه أنه مُقرف لمن يمتلك فطرة سليمة.

وبلغ تشويه الحقائق مرحلة أن أصبح بعض الداعين لنشر الانحلال –كثقافة- في مجتمعنا يروجون أن المهر الذي يعطيه الرجل للمرأة قبل الزواج، وعرفته أغلب المجتمعات قديمًا كتعبير من الرجل عن محبته للمرأة ورغبته فيها، ليس أكثر من أن المرأة تبيع نفسها! وللأسف فإن كثيرًا من الرجال –ربما تحت تأثير الضغوط الاقتصادية- قد حدث له تحول فكري فاعتنق هذه الفكرة العجيبة، ووصل الأمر إلى درجة أن فتيات ممن لا يرين العلاقات غير الشرعية انحلالًا صرن يتبنين الفكرة نفسها! وأنا قطعًا لا أتحدث هنا عن المغالاة في المهور، بل عن مفهوم المهر ذاته ودلالته.

ووصلت محاولة تشويه الحقائق وتغيير الأفكار إلى مفهوم الزواج نفسه الذي كان مقدسًا إلى يوم قريب، فالزواج بلا حب هو اغتصاب لا حق للرجل فيه وفقًا لهؤلاء! ويتم تبرير الخيانة للمرأة بناءً عليه، والترويج لها! فالاحترام من وجهة نظرهم مرادف لما نراه نحن انحلالًا. في مسلسلي "جراند أوتيل" و "لا تطفئ الشمس" على سبيل المثال يظهر نموذج الزوجة الخائنة حاضرًا، مع إيجاد مبررات درامية لها ونعومة رومانسية تمتزج بتلك الخيانة لجعل المشاهد يتقبلها، لتتسلل تلك السلوكيات المقرفة والمحرمة إليه تدريجيًا، ويتقبل الأفكار التي تعكسها.

وليست أخطاء التفكير وحسب هي ما يمكن أن تغير البنية المعرفية لأفراد المجتمع، بل يمكن نشر فكرة في المجتمع، والترويج لها، على أن يكون المعروض سطحيًا كقمة جبل الجليد، بينما جذور الفكرة الحقيقية تبقى في العمق، ولا يكون سهلًا على المواطن العادي في أحايين كثيرة إدراكها.

إن بث فكرة جديدة في المجتمع يعني تقبل سلوكيات جديدة ترتبط بها، وانتشار السلوكيات دليل على تخلل الأفكار التي تنبني عليها في العقول وتقبلها، حتى وإن كنا لا ندرك ونعي العمق الحقيقي لتلك الأفكار. والحل يكمن لأجل تغيير تلك السلوكات في تفنيد الأفكار التي تقف خلفها وبيان عوارها.

 

د. منى زيتون

 

سامي محمود ابراهيما. سالم خلف احمد

في مرايا الواقع السياسي وعينا مزيف ومحرف يبحر في الإشاعة ويتيه في لجة بحر الانا الغارق في هموم الدنيا.

لهذا، علينا أن تزيح من ذهنيتنا الاحتجاج بما يفعله السلاطين والآخرون. علينا أن نقرأ التاريخ قراءة واعية وان نتهم انفسنا ونفهمها واذا اتهمنا أنفسنا وقفنا على أحوالنا، فإن الله تعالى لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، وذلك هو الوعي بالواقع والحال والوجود..

هذا من جانب من جانب آخر نجد أن الوعي الحقيقي يتطلب التوازن بين الفرد وذاته، فمعظم الانتكاسات تأتي من عدم التصالح مع الذات، فينشأ الصراع، وللأسف الغالبية يركزون على ما لا يريدون، فتكبر الفجوة الداخلية التي تجعل المرء محدود الرؤية والتفاؤل والانسجام مع ذاته، وهذا يعني عدم التناغم مع عالمه الخارجي، وهنا يضع الفرد العتب على الظروف، مع أن الخلل ليس فيها، وإنما في داخله، لذا من الضروري التصالح مع اعتقاداتنا وأفكارنا وطروحاتنا ورؤانا.. عندها سنكون وهكذا لن تبقى مشكلة .

وفي هذا الصدد:

يروى أن صيادا عاد من رحلة صيد وفيرة إلى المنزل، فجأة يتجه نحوه قارب . انزعج الصياد وصار يصرخ على صاحب المركب ان توقف.. لكن المحظور وقع فقد ارتطم القارب بالقارب، ثم تبين ان لا احد كان يقود القارب الاخر، فقد كان فارغا. لذا شعر بمزيد من الاسى والحزن فلا أحد يمكنه تحمل المسؤولية .

حياتنا مليئة بالمراكب السابحة على غير هدى، ومعظمها فارغة.

من السهل التفكير في أن الآخر خاطئ أو سيء، بدلا من تقاسم المسؤولية .. يمكن أن تشعر بالإحباط عدة مرات، لكنك لست فاشلا حتى تبدأ في إلقاء اللوم على شخص آخر والتوقف عن المحاولة.

كما ان لعبة اللوم تقتضي ايضا البحث عن كبش فداء لا يستطيع الدفاع عن نفسه . وهكذا من السهل إلقاء اللوم على الأشخاص أو الجماعات الذين لا حول لهم ولا قوة . مجموعة مهمشة، تعد هدفا سهلا عندما لا نستطيع التعامل مع شعور بالذن، نرغب في أن نرمي به الى الآخرون من خلال إبراز المشاعر السيئة فيهم، والتي قمنا بإلحاقها بهم قصدا حتى نتمكن من الظهور بشكل جيد.

نحن نعيش ثقافة اللوم والشكوى، لأن الجميع يبحثون دائما عن أشياء يشتكون منها، فنحن باستمرار نريد أن نكون خيرين.

إذا نحن بحاجة الى الوعي روحيا وماديا لنتمكن من اليات النهوض، نستثمر الذات الانسانية في الوجود فنتوسع داخل فلك الحضارة. وبذلك نتخلص من حتمية السقوط والانحدار الى حتمية النهوض في مسار الحياة العالمية.

هذا التحول يتزامن مع رؤية عقلية عالمية تمتلك بصرا حادا يغوص في الاعماق لينتشل سر كينونتنا الغامض، خاصة ان الوعي حالة من الاستنفار العقلي والذهنية الثائرة التي تتجاوز الاعتبارات الظرفية إلى رحاب المسائل الكلية..

إن الوعي الحقيقي هو ذلك المرتكز على الشمولية والعمق التفسيري, إنه ذلك الذي يبحث عن النواميس والسنن الناظمة لهذا الكون, ويربط بين العلل ومعلولاتها.

نعم العقل الواعي القادح لزناد فكره لا يملك تجاهل دهشته ومناهضة حب الفضول المغري باقتحام المجاهيل ومقاومة التوق الجبلي نحو سبر أغوار الأشياء، لكن ان لم يضبط ويقنن فمصيره إلى التيه والتخبط.

إنها دعوة للخروج بالعقل من ازمة اللاوعي، حين يكون العقل انتقائيا حين يكون عقلا للاحتلال، والبحث الدؤوب عن عقلنة التوسع من أجل السيطرة والأسواق، بل حين يتحور العقل إلى ملكة وأداة باعثة على التدمير والتخريب.

ولهذا فان علينا أن نسعى دائما إلى تفحص برامجنا وقراءة أحوالنا وإقامة علاقات نقدية مع ذواتنا ومع العالم. فطعم الحقيقة المطلقة أسعد وألذ من طعم الحيرة المعذبة مهما طرء على الحيرة من التمجيد.

لنقلب صفحات العالم ونقراها من جديد علنا ننتج في قاموس الحضارة. انبعاث ونهضة تحتضن الحياة وتجعل من الإنسان وعيا جديدا يحتمل سعة العالم اللاواعي اللامنتمي وثقله المطرد. لا بد من تحديد بعدنا الذاتي في ارض الواقع، وننسى أثرنا المعكوس تحت الوصاية سنين طويلة. لنتذكر ان مصادر طاقتنا موجودة في منظومتنا الفكرية. فنشهد عندئذ وعي وانسجام تام مع سائر مفردات الحياة.. لنتذكر اخيرا اننا امة واعية قادرة على النهوض رغما عن جميع ما يعتريها من عارض المحنة الحاضرة.... فلنتفكر بمداد العقل والايمان، بجدلية الوعي والانسان عندها سنتجاوز لجة البحر المظلم لنصل الى بر الامان.

وعبر ثنايا الزمن تتشكل ملامحنا بانتظام جميل يبقينا احسن مما كنا بانتظام متلاحق. وان اية حياة مهما كانت بسيطة ستكون جميلة وممتعة أن رويت بصدق.

فحين نرى الجمال نود ان نكون امم وجماعات وشعوب وحضارات وانساب وقبائل. فبعض المشاهد والانفعالات والأحاسيس تجعلنا نضيق بكوننا واحد، إذ لا بد من وجود آخر يقاسمنا مشهد الحياة، يحمل عنا شيئا من فرح وسرور مباغت. خاصة ان حياتنا مليئة بالمفاجات، هي تجربة مفعمة بالمعاناة في مسيرة عبورنا نهر الزمان، الذي نقطعه ونحن نحمل اثقال وجودنا على اكتافنا الى ان نصل جزيرة الامل المفقودة في ابدية جميلة متصلة بكل معاني الوجود . وكأن روح الحياة وجمالها قد اختزلت في حكمة تعطي الزهد اقصى معانيه. معاني تفجر لدينا الاحساس بالتفاؤل برغم التشرب البطيء للماساة التي نعانيها. وفي رحلة البحث عن الذات نقطع المسافات فبيننا وبين السعادة صحاري مجهولة، وهواجس لا تنتهي. خاصة ان الوجود المشروط غياب، ومساحة الصبر قليلة تنتهي بحرف وعلى حافة جرف، بعدها يعلن الوداع الى غياب بنكهة الحضور. ولا زلنا تلامذة في مدرسة الدنيا نتعلم أبجديات الحياة واسماء الواقع وجدول الضمير وكيمياء السعادة وفيزياء الوجود وفن الواقع وجمال الحقيقة.

إن انساننا يحتاج اليوم أمس الحاجة إلى خطاب روحي يوقظ فيه سبات الضمير، ويضخ النور في الإرادات الإيجابية البناءة .. نرغب دائما ببرمجة مسيرة المستقبل إلى إشغال مكان بين نجوم السماء قريبا من موقع الثريا ومشهد سحر الوجود الخلاق. فلنتفكر بمداد العقل والايمان، بجدلية الوعي والانسان.

 

د. سامي محمود ابراهيم