راغب الركابيسأسلط الضوء هذه المرة على جزئية من تصورات - العقل الإسلامي -، وأوهامه وأحكامه التي تعتمد التضليل والمُكابرة والتقليد ومجارات الغير، يظهر هذا في أدب المتكلمين وأهل المنطق ومقولات الفلاسفة، وفي التاريخ وإسقاطاته الشيء الكثير من النماذج وهاكم على سبيل المثال - أكذوبة المعراج - وتهافت قضية - الإسراء - في المفهوم والمصداق، ودعونا نُركب الحكاية كما هي، وكما وردت في القرآن الكريم حيث النص القائل: - (سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ..) – الإسراء 1، يقول أهل اللغة: إن معنى - أسرى - هو المشي ليلاً أو السير ليلاً، لكن النص لم يكتف بالمعنى اللغوي فجاء بالمفعول - ليلاً - زيادة في التوكيد، مع إن هذه الزيادة لا مبرر لها كما يقول أهل اللغة، فلا هي تفيد البيان ولا تزيد في صحة السير الليلي توكيداً، ومع ذلك نحن نُسلم بما هو ولا نضفي على النص مزيداً من الشكوك، وكلمة - سبحان - تفيد الإستغراق في الوصف تارةً وفي الثناء أخرى، والمفيد إنها وردت شارحةً لما بعدها، والجملة خبرية ومضمونها يدل على الماضي البعيد ..

من هنا أقول: إن هذه الحكاية تثير لدينا الكثير من القلق والإبهام والكثير من الغموض، والكثير من الوهم والخيال، وهذا كله ناشئ بفعل عدم الدقة الوثائقية التي يمكن الرجوع إليها، أو الإهتداء إليها في إثبات أصل الحكاية أو عدمها، سيما وإن الحكاية وردت هكذا من غير تحديد وتميز في الكتاب المجيد، وهذا ما زاد في مساحة الوهم والخيال والقيل والقال لدى الكثيرين، والأخبار والروايات التي تحدثت عنها ينقصها الكثير من التحقيق والصحة، وقد شارك في نسجها أناس لايعتدُ برأيهم ولا يُقاس عليهم من أمثال معاوية وعائشة التي لم تكن حاضرة الوقعة، وحسب الميثولوجيا الدينية كانت صغيرة وقتها ولم تكن في عصمة النبي بعد ولم تدر ماحدث في حينه .

وللتوكيد هنا نقول: إننا لاننكر أصل الحكاية كما وردت في الكتاب المجيد وفي شكلها العام (الإسراء)، ولكننا ننكر جملة الروايات والأخبار التي تحدثت عنها، لأن مجمل تلك الروايات قد زادت في غموضهاً غموضاً وتعقيداً، ومايسميه اليوم المسلمين ذكرى - الإسراء والمعراج -، فهو قول لا دليل عليه وهو ليس سوى إجماع فقهاء ووعاظ سلاطين من الفئة الرديئة، ولا علاقة للحكاية بمفهوم الإجماع المنصوص عليه في كتب الأصول، ومن هنا فلايمكننا الإعتماد عليه أو التصديق به من غير دليل .

وحين نقول: - إننا لا ننكر أصل الحكاية فهذا القول منا نابعا من إيماننا بصحة نصوص وقصص الكتاب المجيد -، ولكننا ننكر أن يكون (يوم أو ليلة 27 من شهر رجب هي تلك الليلة التي يزعمون إنها بها وفيها حدث الإسراء وحدث المعراج) !!!!!، والحق إن الإسراء شيء .

والمعراج شيئاً أخرا مختلفا في الشكل وفي المضمون، وإذا كنا لاننكر الإسراء كقصة ورد ذكرها في الكتاب المجيد، لكننا بكل تأكيد ننكر - المعراج - في الجملة وفي التفصيل، فإنتقال النبي وركوبه دابة يسمونها (البراق) كما يزعمون هو مجرد هذيان وكلام فاسد لايمكننا الركون إليه والإيمان بصحته، ولأن هذا القول: - يخالف أصول الإعتقاد فالله وأنبياءه وملائكته وسماواته، ليست محلاً مادياً يمكن للنبي التجوال والتنقل، وفي الحكاية التاريخية توحي للقارئ ويكأن كل واحد من الأنبياء قد أحتل ركنا وأعتكف به في أحدى السموات السبع .

كما لا يصح الإعتقاد على صحة نبوة محمد بهذا الإستدلال الخرافي الوهمي، كما لا يصح الركون إلى هذا الخلط بين أصل الإيمان وهذه الميثيولوجيا الزائفة، ومن يقرأ قصة - المعراج - يُخيل إليه ويكأنه يقرأ فيلماً كارتونياً مُعداً للأطفال، فالنبي ونبوته قد تخلصت مع القرآن من ثقل الماضي بكل تجاربه ومعجزاته ودخلت عالم المعرفة والتجريد والعلم، وتخلصت من الوهم والخرافة وسطوة التجربة ووسائل الإيضاح البدائية في الثبوت والإثبات .

ولهذا نرفض حكاية المعراج إنطلاقاً من إيماننا بان القرآن إنما يخاطب العقل الإنساني، بعيداً عن التسويف وعن الخرافة وعن حكايات الإعجاز التي يميل إليها في الغالب قليلي الحيلة، ومن ذوي المدارك والعقول البسيطة .

أضف إلى هذا وذاك فإن الربط بين قضية الإسراء وقضية المعراج، تم بفعل العامل السياسي والجبر التاريخي والعقيدي، إذ إن قضية الإسراء: (هي حكاية نبوية وقصة تاريخية خالصة) جاء بها النبي محمد كدليل على صحة نبوته لأنها تتحدث عن الماضي عن ذلك العبد، وهي لا تتحدث عن النبي محمد لا في لسان الحال ولا في لسان المقال، وليس لفظ - عبده - الوارد في سورة الإسراء يعنيه أو يدل عليه، لأن النص إنما يتحدث بشكل مطلق عن العبد الذي جرت حوله هذه الحكاية، كحكاية العبد الصالح في قصة موسى، وكقصة أهل الكهف، وكقصة أصحاب الأخدود وغيرها، هي قصة نبوية لا غير، والذي يؤكد ذلك الرأي ما قاله الزمخشري: فيما رواه عن أنس وعن الحسن في: - [إن الإسراء قد وقع قبل البعثة النبوية] -، أي قبل إن يكون النبي محمد نبياً -، إذن هي حكاية قديمة، تحدث عنها النبي محمد عندما صار نبياً، كما تحدث عن غيرها من القصص الموجودة في الكتاب المجيد .

كما إن المسجد الحرام عندنا: لايعني خصوص الكعبة المشرفة بل هو عنوان عام لكل ما يكون محلاً ومكاناً للسجود والعبادة، والكعبة المشرفة هي واحدة من هذه المصاديق الدالة على معنى المسجد الحرام، بدليل إن أهل التراث أنفسهم قد أختلفوا في معنى المسجد الحرام،

 فمنهم من قال: - إن المسجد الحرام هو كل مسجد يُعبد فيه الله -، والحرمة المضافة فيه تعود على العبادة وذكر الله، فهو محرم أو حرام من هذه الجهة .

ومنهم من قال: - إن المسجد هنا يعني بيت النبي - .

ومنهم من قال: - إنه يعني شعب إبي طالب - .

وإلى ماهنالك من الأقوال وهي كثيرة، ثم إن الرواة قد أختلفوا ا في زمن حدوث الإسراء، كما أختلفوا في زمن حدوث المعراج، فمنهم من قال: - إن الإسراء تم قبل الهجرة بسنة - .

ومنهم من قال: - إن الإسراء تم قبل الهجرة بسنة ونصف -،.

ومنهم من قال: - إنه حدث في رجب - .

ومنهم من قال: - إنه حدث في ربيع الأول - .

ومنهم من قال: - إنه حدث في ربيع الأخر - .

والأقوال فيه كذلك متعددة وكثيرة ومضطربة، ومن أجل هذا الإضطراب وهذا التفاوت، أختلفوا وقالوا: بان ليلة الإسراء هي غير ليلة المعراج .

ويجب التنويه بان المسجد الأقصى الذي ورد ذكره في الكتاب المجيد لا يعني - بيت المقدس -، ذلك لأن لفظ (الأقصى) في اللسان العربي إنما يدل على المكان الأبعد من جهة القياس من المكان الذي أنت فيه، فيكون معنى المسجد الأقصى هو المسجد الأبعد وليس بيت المقدس، وهذا القياس بلحاظ مفهوم المسجد الحرام ومن جهته، وليس كما يدعي أو يقول أهل الإعلام والسياسة المحدثين، وكلامنا هذا ينطلق من كون هذا اللفظ قد ورد في سياق بيان كثرة البيوت التي كان يعبد الله فيها، وليس في سياق المفاضلة أو التحديد لمسجد بعينه كما يذهب إليه أهل السياسة اليوم، والتحديد كما نعلم مذهب يعتمد التشويه والخلط والتعميه.

وهذا كما ترون تشويه لمقاصد الكتاب المجيد ومايدعوا له وما يريد بيانه، ومن هنا نقول: - إن الإسراء حدث نبوي وقصة تحدث عنها كتاب الله المجيد وهي لا تدل على أن المُراد بها خصوص النبي محمد ولا تعنيه، بل هو حكاية من الحكايا وقصة من القصص التي يجب ان نؤمن بها، كما آمنا بكل القصص التي ذكرها الكتاب المجيد .

لكن - المعراج - وهم وخرافة وخيال، والإيمان به خلاف العقيدة الصحيحة ومذهب النبي محمد ودين الإسلام، أقول قولي هذا وأنا أرى زيف المدجلين من وعاظ ومرشدين ومحرفين للكلم ومعناه، بما لا ينسجم ولا يستقيم مع العقل السليم، أقول هذا مشيراً ومبيناً إن العقل الإسلامي في كثير من مفاهيمه وتصوراته، يعيش الوهم والخرافة والتقليد مما جعله في كثير من الأشياء متخلفا عن أقرانه ..

 

راغب الركابي

 

ميثم الجنابيان اشكالية الفكرة الوطنية هي اشكالية الوعي الاجتماعي والسياسي والثقافي. فهو الثالوث الذي يحدد نوعيتها وصيغتها العملية. ومن ثم، فإن أي خلل في أضلاع هذا المثلث التأسيسي للفكرة الوطنية سوف يودي أما إلى انهيارها مع مرور الزمن أو تشوه مسارها. مع ما يترتب عليه من امكانية ازدياد وتنوع أثرها التخريبي بالنسبة لحياة الأفراد والجماعات والمجتمع والدولة. من هنا تبرز أهمية التأصيل الفكري والنظري للفكرة الوطنية، وفِي الحالة المعنية للفكرة الوطنية العراقية.

إن ظهور القضية الوطنية العراقية والتفكير بإعادة تأسيسها سواء عبر النقد السياسي والاجتماعي والثقافي والنفسي والتاريخي وغيرها يشير إلى تعقيد الظاهرة من جهة، وتفاعل عوامل ومسببات متنوعة أدت إلى انهيار نسبي وعميق لبنية الفكرة العراقية بمعناها السياسي والاجتماعي والثقافي، من جهة أخرى. من هنا كمية ونوعية الخراب الجلية للعيان حاليا.

لقد أخذ يتوسع في الفترة الأخيرة مدى الفكرة الوطنية العراقية والفكرة العراقية وصداها بأثر تأمل حالتهما المزرية. ومن دون التوسع في هذا المجال، فإننا نقف أمام أشكال وأنواع عديدة من الصراع والاختلاف تدور في أغلبها، وبالأخص من جانب "النخبة السياسية" حول مصالح ضيقة وأنانية مثيرة للتقزز والاشمئزاز، بحيث جعلت وتجعل من هذه النخبة وأزلامها أشبه ما تكون بأكياس خراء! وهو وصف يستمد عبارته من الحادثة التي رد بها أحد رجال الثقافة الإسلامية المتسامية في معرض إجابته على سؤال أمير فيما إذا كان يعرفه أم لا فأجابه: نعم أعرفك! أولك نطفة حقيرة وآخرك جثة نتنة وما بينهما كيس يحمل الخراء!

إننا نقف أمام نفس الحالة التي يواجهها أهل الفكر السياسي والثقافي النقدي في التصدي لأكياس الخراء المبتهجة بما فيها والعائشة على حالة الخراب. ومن بين أهم معالم هذا الخراب، إن لم تكن أكثرها جوهرية، هي الفكرة الوطنية العراقية والفكرة العراقية.

إن الفكرة الوطنية العراقية هي الفكرة السياسية للدولة والمجتمع، بينما الفكرة العراقية هي فكرة الوجود التاريخي الثقافي للعراق وأصالته. بمعنى إن الفكرة العراقية هي بؤرة وجوهر الفكرة الوطنية العراقية، وما لم يجر إعادة غرسها في الوعي الاجتماعي العراقي فمن المستحيل إرساء الأسس المتينة للفكرة الوطنية. 

فالمساعي المهمومة بتأصيل الفكرة الوطنية وأصالتها في الأغلب تبرز زمن الانحطاط أو الانهيار أو الانكسار أو الانحسار للدولة والمجتمع، أي زمن الازمات البنيوية الحادة. والردود عليها مختلفة ومتباينة. وتتمادى هذه الردود من أقصى حالات التطرّف والغُلو حتى أكثر النماذج عقلانية وانسانية.

وفيما يخص العالم العربي فإنها ظهرت في الغالب بصيغة التضاد أو الاختلاف أو التوازي بين الفكرة العربية القومية (العامة) والفكرة الوطنية (الخاصة). وهذه خاصية الفكرة الوطنية في العالم العربي. وسبب هذا التضاد والاختلاف والموازاة يعود أساسا إلى محددات تاريخية وسياسية وثقافية. ففي وحدة هذه المحددات تكمن منظومة هذا التنافر النسبي وأحيانا الحاد، وذلك لأن تاريخ العالم، والعربي جزء أو مظهر منه، يكشف عن أن انهيار المركز السياسي الثقافي العام يودي إلى ظهور مختلف أشكال الانغلاق النسبي أو الجزئي أو الحاد. فانهيار المركز السياسي الثقافي لدمشق الأموية أدى إلى تجزئة وصراع على النفوذ الجغرافي. والشيء نفسه يمكن رؤيته على مثال تدمير المركز السياسي العباسي في بغداد. وفِي حال افتراض قدرة العالم العربي، بعد انهيار السلطنة العثمانية أو نجاح مشروع محمد علي باشا، على إرساء أسس الدولة العصرية الموحَّدة لأدى ذلك إلى تذليل أو نفي فكرة ونفسية التضاد والاختلاف والتوازي بهذا الصدد. لقد كان بإمكانه أن يودي إلى ظهور التنوع الثقافي المتوحد بفعل تباين المناطق الثقافية في العالم العربي. وهذه بدورها حالة تاريخية وليست جوهرية أصلية. لكن المسار التاريخي الفعلي قد أدى لحد الآن إلى نتائج مختلفة عن الفرضية المشار اليها أعلاه، مع أن ذلك لا ينفي القوة الكامنة فيها بوصفها فرضية مستقبلية.

 وبالعودة إلى القضية مثار البحث نرى بأن التاريخ العربي الحديث والمعاصر لم يفرز هذا النوع من الاختلاف والتضاد إلا في ما يسمى بالعودة إلى مصر الفرعونية أو إلى لبنان الفينيقية. ويتميّز كل منهما باختلافات كبيرة لكنهما يشتركان بنفسية وذهنية الاستلاب الثقافي أمام الغرب الأوربي. وهز أمر جلي في محاولتهما الرجوع إلى مراحل منفية في تاريخهما العربي الإسلامي الذي أسس لمرجعيات جديدة في كل مسام الوجود التاريخي لمصر ولبنان. كما انه لا مرجعيات ثقافية في الفكرة الفرعونية والفينيقية ما يمكِّنها من أن تكون بديلا نوعيا وشاملا للصيرورة العربية الإسلامية في مصر ولبنان. من هنا اندثارها بسلام وأمان دون أن يؤديا إلى احتراب داخلي. مع أن بقاياها القوية مازالت تنخر الكيان اللبناني. بعبارة أخرى، لقد كانت تلك محاولات أقرب ما تكون إلى نزوات فردية أو طائفية. وكلاهما لا يصنعا تاريخا.

أما التيار الوحيد الذي حاول أن يجد صيغة عملية معقولة لإبراز اهمية الجغرافيا السياسية للمشرق العربي وليس العالم العربي ككل أو لبلد واحد لحاله فهو ما قام أنطون سعادة وأيديولوجيته القومية. وهي فكرة عميقة ودقيقة وعملية في ظروف الصيرورة التاريخية للعالم العربي المعاصر ودوله. فقد سعى أنطون سعادة إلى تأسيس الفكرة القومية الوطنية لدولة وادي الرافدين (العراق وسوريا الطبيعية) تحت عنوان "القومية السورية" و"الدولة السورية". واعتبرها كيان له كينونته التاريخية الثقافية الخاصة مقارنة بغيره من أجزاء العام العربي( الجزيرة والشمال الأفريقي).

بينما لم تظهر في العراق دعوة الرجوع إلى تاريخه الرافيديني من اجل تأسيس فلسفة أو أيديولوجية سياسية وطنية او عراقية. إذ لا دعوات إلى سومرية وبابلية وآشورية وغيرها في الوعي السياسي. لكنها تبرز بأقدار قليلة لحد الأن في مجال الروية التاريخية والثقافية. وهذه فضيلة تحتاج إلى توسع وتعميق وترسيخ في العقل التاريخي الثقافي للعراق، وذلك لأهميتها العراقية والعربية والعالمية.

إننا نقف أمام نماذج متميزة في الدفاع عن الفكرة العراقية وخصوصيتها بوصفها هوية أصلية. ولعل اكثر من بمثلها في العراق كل من سليم مطر وعلي ثويني.

واكتفي هنا، من دون الخوض في دراسة وتحليل كل ما كتبه سليم مطر بهذا الصدد، بذكر الاعمال التي انجزها، والتي من خلالها حاول تأسيس ما يدعوه "بهوية الأمة العراقية". وقد بدأ سليم مطر بالعمل على نحت هذا المفهوم والتوسع فيه والتأسيس في سلسلة من الأعمال الفكرية مثل كتاب (الذات الجريحة) و(العراق.سبعة آلاف عام من الحياة)، و(جدل الهويات)، و(مشروع الإحياء الوطني العراقي) و(مجلة ميزوبوتاميا) أي بلاد النهرين والتي اخذ باصدراها عام 2004. وقد كانت اقرب ما تكون اإى موسوعات متنوعة تهتم بالشأن العراقي والهوية العراقية. وهو أمر جلي في أسماء ومضامين "الموسوعات" التي احتوت عليها مثل (المدائن العراقية) و(خمسة آلاف عام من التدين العراقي)، و(خمسة آلاف عام من الانوثة العراقية)، و( موسوعة اللغات العراقية) و(موسوعة البيئة العراقية) و(كركوك قلب العراق). وجميعها كانت تتمحور حول مختلف قضايا الهوية العراقية. والغاية منها البرهنة على ان عراق بلا هوية وطنية مشتركة توحد العراقيين، يستحيل بناء دولة موحدة ومستقرة. واعتبر ان كل ما جرى في تاريخ العراق من خلل يعود اساسا الى غياب الانتماء الثقافي الوطني المشترك. كما كان يؤكد في كل ما كتبه بهذا الصدد على أن الهوية الوطنية يجب أن تكون ذات بعد إنساني وديمقراطي.

واستنادا الى معرفتي بالأعمال الأساسية يمكنني حدّ أو تعريف هذا النمط بنموذج التأصيل التاريخي التراثي للفكرة العراقية. وهو أمر جلي في محاولاته العديدة في إبراز قيمة وأهمية التراث العراقي القديم والإسلامي والمعاصر بالنسبة لفهم ماهية العراق الخاصة او أصالته، وحقيقته التاريخية الجغرافية بوصفه موطن الحضارات السومرية والبابلية والآشورية وكثير غيرها. ومن ثم السعي الحثيث والعميق لنفي كل ما جرى ويجري "سرقته" او تشويهه او ابتذاله من تاريخه الذاتي. وأن تاريخ العراق الذاتي هو تاريخ الإبداع الهائل والذي ينبغي وضعه في أساس الفهم الوطني باعتبارها أولوية جوهرية على ما عداها من قومي عربي وإسلامي عقائدي ومذاهب جزئية أيا كان نوعها. بعبارة أخرى، إن العراق مكتف بذاته، والمهمة تقوم في العمل من اجل أن يكون مكتفيا بذاته. وهنا تكمن حدود الفكرة العراقية والوطنية العراقية. ولعل نقده العميق واللاذع والموثق بحقائق التاريخ والثقافة لما يدعوه بفرسنة (من الفارسية) للتراث العراقي وبالأخص ما له علاقة بالمرحلة الإسلامية، ونقد آراء ومواقف الحركة الكردية بوصفها كمية من الجهل والغباء وانعدام الوعي الذاتي العراقي الوطني أحد النماذج الواضحة بهذا الصدد. والغاية من وراء كل ذلك هو وضع الهموم العميقة بإشكالية الهوية والأصالة العراقية في صلب الفكرة السياسية.

ينما يقدم الدكتور علي ثويني نموذجا لما يمكن دعوته بالتأصيل السياسي التراثي للفكرة العراقية. فهو يمثل الفكرة الموازية لما يسعى لتأسيسه سليم مطر ولكن بمعايير الرؤية السياسية الثقافية. من هنا اهتمامه العميق بالفكرة الوطنية والعراقية بمعايير النقدي السياسي. وبما انه محترف اساسا في فن العمارة وتاريخها، لهذا نعثر على تأسيسها فيما اسميته مرة بتحويله فهم العمارة إلى فكر أقرب ما يكون إلى هندسة الروح والجسد وتنظيمها وجعلها مرآة تنعكس فيها معالم الإبداع الذاتي وقيم جمال الحياة والآفاق. وهي الفكرة التي نعثر عليها في جميع ما يكتبه الدكتور علي ثويني، ليس فقط في ميدان المعمار بل وفي ميدان الكتابة الاجتماعية والسياسية. لكن الباعث الجوهري والأعمق يبقى بالنسبة له الكشف والبرهنة على أن تاريخ العراق بمختلف جوانبه يفعل بمعايير الوجد والوجدان، والعقل والإيمان، والروح الجسد. وهو سر ديمومته إمام أعاصير الزمن والغزاة والطغاة. ولم يقف عند هذا الحد بل يسعى في كل كتاباته الى تأكية اهمية وقيمة فكرة الانتماء الثقافي والروحي للأمة (العراقية).

في كتاباته نعثر على الخيط الرابط لكل ما يريد قوله، الا وهو ان العراق هو الي يحمي كل من فيه. ومن ثم ينبغي تحويله في وعي الأجيال إلى مبدأ ونهاية الرؤية السياسية والاجتماعية والإبداعية. من هنا نقد الشديد والعقلاني للحركات والتيارات العرقية (الكردية) والقومية العربية والشيوعية (الاممية)، أي كل ما يفرط بقيمة العراق بحد ذاته. بينما حقيقة العراق والرؤية الوطنية تفترض عل العراق مبدأ وغاية وجود من فيه. ومن ث تحريره من كلا رابط يجعل منه تبعا بأي مقياس ومعيار كان. وضمن هذا السياق يمكن فهم بواعث معارضته الشديد لتأثير وتدخل العامل الإيراني الفارسي والأمريكي، أي ضد كل من يجعل من العراق ذيلا أو تابعا.

وبغض النظر عن الاختلافات بين سليم مطر وعلي ثويني في الكشف والتاييد لما يودان قوله، إلا أن هذه الخلافات في اغلبها تتطابق مع فكرة التباين. إنهما يتباينان في جوانب فرعية لكنها يلتقيان في القضايا الجوهرية. إنهما يلتقيان في الموقف من الفكرة العراقية ومهمة تأسيس الهوية العراقية والأمة العراقية. وكلاهما ينبذان كل ما يعيق ذلك في مجال الفكر والثقافة والسياسة والتاريخ. من هنا موقفهما الصلب وثباتهما الفكري والسياسي تجاه نقد الحركة القومية الكردية ونوعها الانفصالي. وكذلك نبذ الطائفية. وأخيرا الدفاع عن الكينونة العراقية الأصلية بوصفها كينونة شعوب ما بين النهرين انطلاقا من أن كل ما كان في تاريخ العراق فهو عراقي.

أما السؤال المتعلق بالسرّ القائم وراء هذه الرؤية فهو مرتبط باعتقادي في كونهما من جيل المرحلة العاصفة في تاريخ العراق الحديث، تاريخ الصعود الوطني وانكساره بسبب صعود التيار البعثي القومي العنصري والطائفي والمعادي للفكرة الاجتماعية والهوية الوطنية العراقية والعراق بوصفه أمة مستقلة بذاتها. كما أنهما كلاهما من الجنوب العراقي، بوصفه الحامل التاريخي للهوية العراقية منذ سومر وبابل، أي منذ المرحلة التأسيسية للعراق بوصفه كيانا تاريخيا ثقافيا مستقلا. فكلاهما يتمثل حقيقة الجغرافيا العراقية، وجغرافيته الثقافية. وكذلك الحال بالنسبة للمرحلة العربية الإسلامية. فقد كانت البصرة والكوفة قاعدة التأسيس النظري لكل ما هو جوهري في المرحلة العربية الإسلامية ليس في العراق فحسب، بل وفي العالم العربي والإسلامي ككل. الأمر الذي حدد ما يمكن دعوته بسرّ التفاؤل المستقبلي تجاه العراق رغم كل معالم انحطاطه الحالي. فالذي نشأ وترعرع بوصفه جيل المعاناة الحية والمأساة الكبرى للتاريخ العراقي الحديث لا يمكن زعزعة يقينه بالعراق، الذي جعل السياب يقول بأنه حتى الظلام في العراق جميل.

أما الأمل الباقي بوصفه شعاع المستقبل بهذا الصدد فيقوم في أن يستكمل كل منها لحاله أو يلتقيا في مشروع كتابي موحد يسعى لتأسيس رؤيتهما في منظومة فكرية متكاملة وعملية ومستقبلية. وعموما ليس هناك من شيئ أنبل بالنسبة للمثقف العراقي من أن تدور همومه الفكرية والروحية الآن حول إشكاليات العراق من أجل انهاضه من جديد ودفعه صوب البحث عن "الخلود"، ليستعيد رؤية معاصرة عن معنى الخلود الذي بحثت فيه ملحمة جلجامش .

***

ميثم الجنابي

 

محمود محمد عليذكرنا في المقالة السابقة كيف أسهم قدماء المصريين بنصيب وافر في النهضة العلمية، وهنا في هذه المقالة نركز علي حضارة العراق القديم أو حضارة وادى الرافدين؛ وهي تشمل الأراضي الواقعة بين نهري دجلة والفرات، واللذان ينبعان من جبال أرمينيا في تركيا الحديثة وتغذيهما روافد عديدة ؛ حيث يذكر المؤرخون أن أقدم الآثار التاريخية الخاصة بحضارة وادي الرافدين " العراق" جاءت من بلاد سومر، وهى الأرض التي سكنها السومريون فى النصف الجنوبى من وادى الرافدين "، وهى الآن المنطقة الواقعة بين الخليج العربي وشمال بغداد "، وقد دخل السومريون إلى وادى الرافدين فى حوالى 35000 ق . م نازحين من مرتفعات شرق دجلة، وهى المنطقة التي جاء منهم أسلافهم قبل ذلك، وقد حلت حضارة السومريون محل حضارة " تل العبيد " وأصبحت اللغة السومارية هي السائدة فى المنطقة. واختلف السومريون عن الساميين الذين عاشوا في منطقة أكاد فى شمال وادى الرافدين، وقامت بينهم نزعات وحروب طويلة، وفى منتصف القرن الثالث قبل الميلاد أخضع الملك سرجون الأكادى " شروكين " 3637- 2582 ق.م " بلاد السومريين "، وأنشأ المملكة المتحدة بين سومر وآكاد، وطغت على هذه المملكة عناصر الحضارة السومرية.

وقرب نهاية القرن الثالث قبل الميلاد اندحرت " مملكة سومر وآكاد " تحت غزو العموريين، الذين أتوا من شمال بلاد الشام وأسسوا عاصمتهم " بابل ". ويرجع تاريخ الامبراطورية البابلية إلى حوالى 2100 ق. م، وكان سادس ملوك هذه الدولة هو " حامورابى " 1728 – 1686 ق . م، أشهر حكامها، بل قد يكون أعظم شخصيات التاريخ القديم، قد وضع قانون حامورابى الذى كفل بنظامه درجة عالية من الحضارة البابلية.

والجدير بالذكر أن البابليين قد استعملوا اللغة الآكادية أو البابلية، وهى لغة سامية بالإضافة إلى اللغة السومرية، وخلال الألف الأولى قبل الميلاد تغلبت أقوم قوية أتت من الشرق على دولة البابليين، وأسسوا الدولة الآشورية في شمال العراق، وحل اسم آشور محل بابل، فقد أصبحت آشور عاصمة الدولة الجديدة، ثم اتخذوا مدينة " نينوى " عاصمة لهم بعد ذلك . وفى عام 612 ق. م سقطت الدولة الآشورية في يد " العموريين " الذين اتخذوا بابل عاصمة لهم وكونوا " الدولة الكلدانية "، غير أن هذه الدولة لم تعمر طويلاً؛ حيث احتلها الفرس بقيادة " قورش " في عام 539 ق.م ثم تلاها الفتح في عهد " الاسكندر الأكبر " .

ومن أهم مظاهر النهضة العلمية فى حضارة وادى الرافدين، نجد أنهم قد تقدموا هائلاً في علم الفلك؛ حيث برع أهل وادى الرافدين في فن الرصد، رغم بساطة الأدوات التي استخدموها لهذا الغرض مثل المزولة الشمسية والساعات المائية، ويرجع اهتمام أهل وادى الرفدين بالأرصاد الفلكية إلى اعتقادهم في تأثير الكواكب على الإنسان فيما يخص بحظه فى الحياة وقد أمكنهم أن يضعوا تقويماً قمريا ً .

كما برع أهل وادى الرافدين فى مجال الطب، حيث احتوت بعض اللوحات الطينية على وصف وتشخيص بعض أمراض الجمجمة والعين والجهاز التنفسى والكبد والأذن والأعضاء التناسلية والأطراف وغيرها، ثم طريقة العلاج ووصف الدواء وطريقة استعماله وعدد مرات استعماله وأي ساعة في النهار يتعاطى فيها الدواء .

وأما فى مجال علم الرياضيات، فقد عرف سكان وادى الرافدين كثيرا من علوم الحساب والهندسة والجبر، ودونوا الأرقام فى خانات تحفظ ترتيب الأعداد في الآحاد والعشرات والمئات، وأنشأوا جدولاً للضرب من " 1× 1 حتى 60 ×60 " وقد كان للنشاط التجاري الذى اشتهر به سكان وادى الرافدين دور كبير فى تطور العلوم الرياضية لديهم، وعرفوا شيئاً عن المتواليات العددية والهندسة، وعرفوا النسبة والتناسب، وقوانين إيجاد مربعات الأعداد ومكعباتها، وقسموا محيط الدائرة إلى ستة أقسام متساوية، وإلى 360 قسماً متساوية، وعرفوا أن الدائرة يتشكل فيها ستة مثلثات متساوية الأضلاع ومقدار كل زاوية فيها 60 درجة، وكان لديهم  طرق لإيجاد مساحات المثلثات والأشكال الرباعية والمستطيلات والأجسام كثيرة السطوح والاسطوانة والمثلثات القائمة الزاوية وأشباه المنحرف .

وفى مجال الصناعات الفنية عرف أهل وادى الرافدين طريقة الشمع المفقود فى صب المعادن وصناعة التمـاثيل وعـرفوا الأسـقف الضمنية " الجمالونات " واستخدموها فى تشييد المساكن والمقابر الملكية فى مدينة " أور"  . علاوة علي أن خضارة وادي الرافدين تمكنت من اخترع العديد من التقنيات بما في ذلك المعادن والاعمال النحاسيه،الزجاج وصنع المصابيح،والنسيج، والتحكم في الفيضانات، تخزين المياه، والري.

وفي مجال اللغة تم اختراع الكتابة التصويرية في بلاد ما بين النهرين قبل العام 3000 قبل الميلاد. وبحلول عام 2400 قبل الميلاد تم اعتماد الخط المسماري لكتابة اللغة الأكادية، كما استعمل نفس الخط في كتابة اللغة الآشورية واللغة البابلية، وهي كلها لغات سامية مثل اللغتين المعاصرتين العربية والعبرية.  وتواصل استعمال الخط المسماري للكتابة في لغات البلاد المجاورة لبلاد ما بين النهرين مثل لغة الحطيين واللغة الفارسية القديمة، واستعملت إلى نهاية القرن الأول الميلادي.  وتم فك رموز الخط المسماري في العصر الحديث أي القرن التاسع عشر وبذلك تسنى لعلماء العصر قراءة النصوص الإدارية والرياضية والتاريخية والفلكية والمدرسية والطلاسم والملاحم والرسائل والقواميس.  ويوجد حوالي 130000 لوح طيني من بلاد الرافدين في المتحف البريطاني.

وقد تأثرت حضارة وادى الرافدين بعناصر الحضارة المصرية القديمة منذ الألف الثاني قبل الميلاد واشتدت هذا التأثير خلال العهد الذى سيطرت فيه مصر على الشرق الأدنى " منذ القرن السادس عشر حتى القرن الثاني عشر قبل الميلاد "، ومعروف أن كل حضارات الشرق القديمة قد تأثرت ببعضها وتفاعلت ثقافتها وتزاوجت أفكارها بدرجات متفاوتة خلال اتصال هذه الحضارات ببعضها البعض سواء عن طريق التجارة أو الغزوات، ونتج عن ذلك تطور العلوم والفنون ورقى الحضارة بصفة عامة . ورغم هذا التفاعل الثقافي، فإن كل حضـارة ظـلت متحفظـة بطابعها الخاص والمميز لها .

وللحديث بقية

 

بقلم د. محمود محمد علي

كلية الآداب – جامعة أسيوط

 

 

رائد عبيستحمل المجاميع المتطرفة المحسوبة على الإسلام اليوم، تسميات مختلفة وجديدة لما هو قديم، ولعل أبرزها "القاعدة" ومن ثم "داعش" الذي أصبح إرهابهما لازمة للدين الإسلامي فكراً وفعلاً، أما إذا تحدثنا عن التطرف، بكونه فعل خارج عن العقلانية، عندها يشمل كل المعتقدات في هذا العالم.

فداعش : هي تسمية لمجاميع متطرفة، تدعي انتسابها للدين الإسلامي، تريد أن تستبدل ما تعتقد إنه خطأ، بما تراه صحيح، أو هي تعلم أن كل ما تعتقد به خطأ، ولكنها أرادت أن تكون أداة تنفيذ لاستراتيجيات استعمارية، ضد الديانات، والإنسانيات، والحكومات، في هذا العالم. لاسيما ضد الشرق الأوسط، ودول معنية منه. مثل: العراق، وسوريا؛ لأنها سمت نفسها بالدولة الإسلامية في العراق والشام، وأرادت حينها أن تؤسس دولتها في هذين البلدين، لتتوجه بعدها إلى كل أنحاء العالم، ضمن سياستها في إلغاء الحدود وامتداداتها العدوانية.

تعززت قناعات بعض الناس بأفكار هذه المجاميع، عبر سياسية الترويج والدعوة والإقناع، التي وَلُد ردة فعل قوية في التفاعل معه، وحول منهم ذوات تشابه تلك الذوات الصانعة لهم عبر فكرة "صناعة الشبيه " التي أوكلت إلى "شيوخ المهمة " مهمة غسل أدمغة الناس، والترويج لفكر الدعوشة وثقافتها، وتحقيق الكسب الانتمائي بإغراء الشباب بقوة وعقيدة داعش.

فقوة داعش اقترنت بالتوحش، والقوة التي تقترن بالتوحش: هي قوة هوجاء وهمجية . لا ترسم حدود لكل ما هو مقدس، وأفعال داعش في العراق وبلدان أخرى من العالم، هي خير شاهد على حجم تحول ثقافة الدعوشة إلى عقيدة، والتي انتهت معها الذات المنتمية (الضمير، النفس، الجسد) إلى شيء لا قيمة له، بفعل أفكاره التي بلورت سلوكاً إجرامياً عند معتقديه مثل فعل تفجير النفس.

هذا ما عمله داعش بعد زراعة الرعب، والخوف في نفوس الناس، في كل دول العالم، وإذا كان موضوعنا العراق، فنجد أن القتل، والخراب، والتهديم، والتفجير، وإزالة واستبدال لكل ثقافة أبناء المدن التي وقعت تحت تأثير وسيطرة داعش، وأفعاله الإجرامية، حاضرة كمَشاهد واقعية، وتَخيَلية عن حجم الخراب الذي طال هذه المدن، فهناك بعض من أبناء هذه المدن تعامل مع ثقافة الدعوشة بالرفض التام، ولاسيما بعد معرفتهم أن داعش هي أحد الطوارئ على ما هو ثابت و مترسخ من ثقافته العراقية، والإسلامية، والعربية المعتدلة التي لا تعتقد بالتطرف، ولا بالعدائية.

وبعضٌ آخر عَرف أن داعش هو راهن قوي يعبر فعله عن ما هو كامن في نفسه، فسارع إلى قبول ثقافته ورحب بها؛ لأنها تمس رغبته في التمثل بمظاهر القوة، والبطش، والرغبة في سحق الآخر، بمعنى قبوله برغبة سايكولوجية.

وهناك أيضاً من رحب بفكر داعش، وسلوكه، ليس اعتقادا أو اعترافاً به فحسب، بل لتوظيفه كأداة انتقام سياسية، واقتصادية، وطائفية، وعشائرية، وحتى إقليمية، فأوجد له حواضن الأمان ."فداعش" ولد من رحم مشوه، ليعيش في حضن آمن، وإن كان مؤقتاً، فقد كفاه أن يظهر، ويسمي نفسه دولة، وعبر فعله الحدود، وأخاف العالم. وهو في الحقيقة أي داعش " تكون من نطفة مشوهة، ونما في رحم مشوه، وعاش في أحضان مشوهه " وهذا التشويه ليس توصيف متصور، بقدر ما هو واقعي ؛ لأن الفكر الداعشي انبثق من ضحالة دينية، ومكونات جينية تاريخية مشوهة، بفعل رواسب التاريخ الموبوء بمغالطات عقائدية، وفهمية، سوقت على إنها الحقيقة، وأصبحت الثقافة المنبثقة منها ثقافة ممسوخة، بل حتى وجوههم مسخت، وأصبح لبسهم القصير وفرض ما يسمى بالزي الأفغاني، واللحى، وإطالة الشعر، وعدم الاستحمام، كلها كونت ملامح القسوة، والسادية، والعنف في سلوكهم. هذه المظاهر تحولت إلى ثقافة تعريفية بالدواعش أنفسهم، وانتمائية لمن هو راض بها، وتقليدية لمن أُرغم على تقليديهم.

فوسائل داعش الناعمة، مثل:الإقناع، والتجنيد، والدعوة للجهاد، والأدلجة عبر المواقع الإلكترونية، ووسائل التواصل الاجتماعي، والتأليف، والنشر، والمساجد، والمراكز والمؤسسات، ووسائل الإعلام المرئية، والمسموعة، كل هذه أدوات تسويق لفكرهم، التي سرعان ما ينتهي بمن يتأثر بها إلى حمل السلاح والالتحاق بصفوف القتال مع داعش، فضلا عن التفخيخ، والأحزمة الناسفة، واستخدام الأسلحة المختلفة الأخرى وتهديد الناس بها.

ما أحدثه داعش بالموصل، هو تطبيق لمنهجيته بالدمار إذ عمد التنظيم إلى تخريب المدينة، وقتل أهلها، وتهديم المراقد، والكنائس، والمساجد، وكل دور العبادة، والمعالم الأثرية، والمكتبات، والجامعات، وطالت أفعالهم كل شيء، هذا وقد بدأ التنظيم عبر تخطيطه الممنهج إلى تغيير مناهج المدارس، وزج التلاميذ في معسكرات تدريب خاصة به، بل وفتح معسكرات للأطفال عبر سياسة "صناعة الشبيه" التي لم تكتفِ بعملية غسل الأدمغة عبر الأدلجة ووسائلها، ومهاجمة الوعي، ومباغتته بالفكر الصادم، فأدوات صناعة الشبيه، ترسخ في وعي الأجيال ملامحه بوصفه البطل الموعود، لمستقبل الدعوشة في بيئة قد رصدت من قبلهم لتكون حاضنة ومرتعاً جديداً لهم، ليظهروا من جديد، بدولة أخرى، تبنى في وعيهم الطامح لإزالة مفهوم الدولة التقليدي، ليعبروا به إلى حيث انتمائهم.

ولم يكتفوا الدواعش بصناعة الشبيه الأيديولوجي، بل تعداه الأمر إلى خلط الدماء والأنساب، عبر سياسة صناعة الشبيه بايولوجياً "فالشبيه البايولوجي" ليس أقل خطورة من الشبيه المتأدلج، بل كلاهما يكمل دور الآخر في صناعة مستقبل للدعوشة، لتبقى في جينات ووعي الأطفال والكبار.

فالحديث الإعلامي الرسمي وغير الرسمي، عن مرحلة ما بعد داعش، يقول إنها مرحلة مجهولة يشوبها الغموض نقول فيها إنها مرحلة دعوشية، والدعوشة نقصد بها : مجموعة من الحُزم الفكرية التي نفذت إلى أفكار الناس، واستقرت في قناعاتهم، لتكون طموحاً منشوداً لمستقبل عودة السيطرة ببذور ذلك الفكر، وبمسمى جديد، وبتنفيذ من قبل البطل الموعود الذي سميناه "الشبيه" ففكرة صناعة الشبيه قد تؤتي ثمارها من نطفة وبيضة، أو من فكرة وقناعة.

فالناس جُبلت على تقديس القوة، وما أجمل هذه القوة عندهم عندما تقترن بالعقيدة، ولاسيما وأن المتحدث باسمها شخص يدعي الخلافة، وإعادة سلطة السلف من جديد. فالوعي التأريخي المزيف أنجب لنا على امتداد التاريخ "ثقافات هجينة " وهذه الهجانة ليس بين ثقافة و أخرى، بل هي وعي مأزوم عن الدين، والعادات، والتقاليد والأحقاد، والضغينة، وحب التسلط، والسادية، وأمراض نفسية مستبطنة، وطموح موهوم ومغالطات فكرية. هذا الهجين التأريخي مازال ينتج لنا دولة أو مفهوم دولة تعاني ويعاني من متلازمة عقلية، تشعر بالتوحد منذ ولادتها ؛لأنها وجدت لتكون دولة فرد لا جماعة.

وهذا ما هو ملاحظ من ثقافة الدعوشة وأهدافها في صناعة الشبيه، داعش أبيدت في العراق وسترحل نهائيا من السوريا ولكن ستترك مخلفاتها و بيوضها، لتوفر لها عوامل الزمن الجو المناسب للتفقيس، وسترتد مرة أخرى، عندما تجد أن عوامل الغضب متوفرة بأحقاد طائفية، وعقد تأريخية، وبمحركات استخبارية من قبل دول مثل: إسرائيل، وأمريكا، وقطر، وتركيا، والسعودية، ودول الاتحاد الأوربي، وبعض الدول المجاورة، ودول أخرى دخلت بهذه اللعبة، وشجعت هذا الفكر المتطرف المتمثل بداعش، ومثيلاتها في عالمنا العربي والإسلامي، ومن المؤسف أن دول مما ذكرنا هي عربية وإسلامية، ولكنها كانت سبباً رئيساً من هذا الخراب الذي طال الإنسانية جمعاء .

أين المواطنة من كل ما تقدم ؟ وكيف نبني المواطنة مع مشاريع الأدلجة ؟

المواطن في العالم العربي الإسلامي، يمكن أن نشبهه " بلوحة للرسم الحر" كل من يريد أن يضيف عليها أضاف. وتاريخنا القريب والبعيد،  يشهد على حجم الأصباغ التي رشت في وجهه، فقبل حديث المواطنة، كانت العبودية، والرق، والتفكير القطيعي، والرعوي هو السائد والذي يحمل صفات مختلفة، مرة باسم ثقافة الجاهلية، ومرة ثانية بإسم الإسلام، وثالثة باسم الإيديولوجيات داخل الإسلام، ورابعة بإسم الإحتلالات السابقة على الاسلام والتي اتت بعد انهيار الخلافة الإسلامية على يد المغول، وتتابع الإحتلالات حتى اليوم الذي أخذ أنماط مختلفة ثقافية وعسكرية، فما تلون بشر بقدر تلون أبناء الشعب العراقي والعربي والإسلامي في كل عصر وقرن وحقبة ثقافة جديدة، بالأمس كانت سياسة التتريك وبعدها الاحتلال الإنكليزي وثقافته، وبعده ثقافة الأحزاب التي صنعت تحت مظلتهم، وصولا إلى الاحتلال الأمريكي وما جلبه معه من ما يسمى الإسلام السياسي وأحزابه. فحديث المواطنة وسط هذه الأجواء المريضة، تكون فعلاً مثار للجدل والنقاش المستفيض، والإشكاليات المترتبة والمنبثقة من حديث المواطنة، وما يتعلق بها من أفكار حول الانتماء والأقليات والتعددية، هي إشكاليات معقدة.

إن أخطر ما يهدد المواطنة والحديث فيها، هي هذه التناقضات الثقافية بين ثقافة الأدلجة الحزبية ذات الأفكار الوضعية أو العلمانية من قومية، وماركسية، وجودية، وناصرية، وبعثية، وغيرها كثير وبين الأيديولوجيات الإسلامية من أخوان، والقاعدة، وداعش، والوهابية، و الثورة الإيرانية، ومن تبعهم من أحزاب دينية شيعية، المشكلة إن صراعهما حول موضوع واحد وهو الإنسان المسمى مواطن في مواطنهم أو من يفكر إن يعبر الحدود تحت مفهوم المواطنة الكونية في معنى الأمة. فالمواطن ضمن حدود الوطن هي صناعة حديثة، الحركات الإسلامية تؤمن بمفهوم الأمة، والمواطنة الأممية، وهذا ما تحدثنا عنه ضمن إطار تمدد ثقافة الدعوشة، وإعلانها لدولة رسمها طموحها في ترسيخ حكم ما تسميه الإسلام الداعشي، وهو غير الإسلام المحمدي، الإسلام الداعشي اعلنها منذ البداية بأنه نموذج دموي عن الإسلام السياسي وإنه يرفض كل وجود للأقليات والتنوع العرقي والاثني والقومي والطائفي، وهذا وحده ينسف كل مقومات المواطنة، ويلغي الحديث عنها أمام فرض هذا الفكر لنفسه بالقوة، والدم والسبي والخراب، بقى مشروع الحديث مع هذا الفكر وغيره وما يؤسس له، موضع إشكال فلسفي يتسأل عن إمكانية تحطيم صنمية العقل المنتج لهذه الدوغمائيات وتجزئتها لتكون أكثرَ قبولاً للعقلانية أو لفتح باب الحوار معها.

والسؤال الآخر هو من يمثل العقلانية؟

هل هم من يدعون الاعتدال والوسطية؟ أو من يعادون هذا الفكر ليزيحوه وليأتوا بما يروه بديلا له؟ ضمن منطق صراع الأيديولوجيات. فالمواطنة لا يمكن لها أن تعيش في جو صراع هوياتي أو طائفي أو أثني أو قومي أو عشائري، وهذه كلها مقوضات دولة المواطنة.

 

الدكتور / رائد عبيس

 

797 Frantz Fanonرغم أن (فرانز فانون) (١٩٢٥-١٩٦١) عاش طفولة سعيدة نسبياً متمتعاً بالجنسية الفرنسية، إلا إنه كان على ما يبدو حساساً للرسائل العنصرية الضمنية، فبكونه أسود البشرة سوف يكتب في إحدى كتبه بأنه حين كان يشاهد أفلام طرزان وهو يافع، كان يجد نفسه متماهياً (أو متقمصاً) مع شخصية السيد الأبيض للغابة، وليس مع رجل الغابة الأصلي أسود البشرة (١).

كان مهتماً بالدراسات الفلسفية، والكتابات الوجودية لسارتر وكامو، ورغم أنه ليس بشيوعي إلا أنه كان قارئاً لكارل ماركس، ومهتماً للإنقاسم العنصري في ولايات أمريكا الجنوبية بين البيض والسود. وكان صديقاً للشاعر (إيميه سيزار ١٩١٣-٢٠٠٨)، الأسود البشرة والناشط السياسي مؤسس (حركة الزنوجة Négritude mouvement)، وتعزو (أليس شركي Alice Cherki) تلك المسحة الشعرية في كتابات فانون إلى تأثره بإسلوب صديقه إيميه سيزار (٢). 

ورغم أنه درس أعمال فرويد إلا إنه رفض فكرة أن السلوك الإنساني يتحدد بشكل رئيسي من خلال النمو النفسي-الجنسي الأولي، فقد كان يرى أن السود يعيشون تجربة إستبداد وإضطهاد داخل المحيط الكولونيالي وهو الشيء الأهم لتحديد السلوك، وكان يعطي أهمية للعوامل الإقتصادية والإجتماعية في تفسير نفسيات المرضى.

رغم كل ذلك فلم يضطره الأمر للإنعزال والحقد ولإزدراء البيض، ففي عام ١٩٤٨ صار لفانون إبنة من علاقة مع طالبة فرنسية بيضاء، ثم في عام ١٩٤٩صار لديه إبن من إمرأة بيضاء أخرى تزوجها بعد ذلك.

لم أجد في المصادر سبب عمل (فانون) كطبيب نفسي في الجزائر تحديداً، فهل كان مجبراً على الذهاب هناك أم كان ذلك من إختياره؟ مهما يكن من أمر فإن الجزائر كانت مناسبة فعلاً له، فهناك سيجد النقاش على أشده حول الهوية والعنصرية والإقصاء، فكل ذلك كان في اللب من الوضع الجزائري حينها. لقد رمى فانون نفسه في قلب المأزق ذاك. ألم تسيل دماء شهداء الثورة الجزائرية المجيدة من أجل هذه المواضيع تحديداً؟ وسال على نحو مواز لها مداد كتاب الجزائر أمثال مولود فرعون وكاتب ياسين؟

عمل فانون في الطب النفسي في الجزائر لمدة ثلاثة سنين (١٩٥٣-١٩٥٦) قضاها أغلبها في مستشفى البليدة (جوانفيل)، ثم عمل سنة واحدة كطبيب نفسي في تونس عام ١٩٥٧. كان الطب النفسي الإستعماري تقوده (مدرسة الجزائر للطب النفسي) تلك التي خصص لها الجزء الأول من هذه المقالة. وبكون (فانون) أحد الأوائل الذين أحسوا أن المرض النفسي والتمييز العنصري يشتركان بخصلة هي الإقصاء من المجتمع، فقد مسته شخصياً ربما تلك (العنصرية البيولوجية) في مقولات (پورو). كتب فانون مقالة ليدحض نظرية پورو وعنون مقالته (متلازمة شمال أفريقيا) اتهم فيها الطب النفسي الكولونيالي صراحة بـ(العنصرية) (٣).

إحدى ملاحظات فانون أن عمليات (اللوبوتومي lobotomy) كانت تجري أكثر على المسلمين من على مرضى المستعمِرين، والمعروف أن نتيجة هذه العمليات تجعل المريض مطيعاً خنوعاً، فهل كان يراد للطب النفسي أن يستخدم كوسيلة لتحضير الشعب المستعمَر الذي أفترض المستعمِر أنه أقل نمواً عقلياً؟ (٤)

كان يسافر بشكل واسع في الجزائر وادرك لقيمة التفسيرات التراثية لأسباب المرض النفسي، بما فيها الروحانية

وكان مع بعض زملاءه الذين شاركوه بعض أفكاره مثل الدكتورين (شارلز جيرونومي Charles Geronomi)، و(جاك أزولاي Jacques Azoulay) قد قام بتأهيل مسجد جامع في المستشفى وأزال العبارات المسيحية والرموز المسيحية التي كانت تزين الجدران فقد عرفوا أن هذه الرموز والعبارات تضيف إلى شعور المريض الأصلي بالتهميش (٥،٦).

في عمله اليومي كان يشجع المرضى على أن يختاروا علاجهم، وبدأ في عمل جريدة تصدر عن الردهة النفسية التي كان يعمل فيها، وأنشأ فريق كرة قدم، وأجرى دراما نفسية، وجلسات تحليل نفسي (٢،٦). 

وحين شارك فانون في مؤتمر للطب النفسي في بوردو-فرنسا عام ١٩٥٦، لم يكن بحثه المشترك مع (جيرونيمي) سوى عن أثر الفروق الثقافية على الفحص السريري. فقد قدما الطبيبان هذان ورقة بعنوان (فحص تفهم الموضوع TAT لدى النساء المسلمات. الآثار الإجتماعية على الإدراك والتخيل)، وفي هذا البحث أخبرنا الطبيبان أن ذلك الفرق المتمثل في أن المرأة الأوربية تسترسل بالكلام وبالخيال أمام الصور التي يحتويها ذلك الفحص عكس المرأة الجزائرية التي تختصر كلامها على وصف الصورة، سببه أولاً أن الصور أوربية، فالمناظر الطبيعية والشخصيات في الصور أوربية وهو الشيء الذي ربما لا يحيل إلى ذكريات معينة وخيالات لدى المرأة الجزائرية. وبالتالي فإن المرأة الجزائرية تجد أنها أما صور أوربية ملغزة عليها فك شفرتها في فحص تراه تلك المرأة الجزائرية هو أقرب لفحص الذكاء من فحص الشخصية، فتحاول أن تجد الجواب الصحيح بدل الوقوع في الخطأ، وهي تتحكم في خيالها هنا بل تمنعه. فيأتي جوابها المختصراً ليس دليلاً على سطحيتها، كما فسرها البعض، بل لأسباب ثقافية. كأن لسان حال الطبيبان يقول فماذا لو كانت الصور مأخوذة من طبيعة الجزائر، ولو كانت الصور تقدم شخصيات بلباس وهيئات جزائرية؟ (٧)

 يا له من إنتباه إنساني لفانون هذا وزميله في ورقتهم البحثية تلك. 

كانت ثلاث سنين كافية لفانون لينقد فيها الطب النفسي بطريقة ممارسته من هؤلاء الأطباء أمثال (أنطوان پورو) الذي لم يكونوا يقدروا أثر ثقافة المريض على سير عملية التشخيص والعلاج. ثلاث سنين ختمها فانون بأنه إستقال من الخدمة تاركاً رسالة توضح أسباب استقالته نقرأ منها:

« إذا كان الطب النفسي عبارة عن تقنية طبية تهدف للسماح للإنسان على أن يكف أن يكون مغترباً عن محيطه، فإني أؤكد من جانبي بأن العربي، الذي دوماً يجري تغريبه عن وطنه بالذات، يعيش في حالة مطلقة من تبدد الشخصية depersonalisation » (٥).

لم تكن هذه المقالة لهدف تاريخي بحث، فالوقوع في خطأ (أنطوان پورو) ليس مستبعداً من قبل أطباء ولدوا وعاشوا في بلدانهم، لكنهم يجدون أن الرفعة تتمثل في إحتقار الشعبي واعتباره سطحي وغبي. فكانت المقالة بجزئيها دعوة للإعجاب بـ(فانون) وللإنتباه للخصوصيات الثقافية للمريض وإحترامها، والإقرار بأن لكل إنسان ذكاءه وعمقه الفريد، وثقافته الجديرة بالإحترام.

 

سامي عادل البدري

...................

المصادر:

  1. Fanon F (1952) Peau Noire, Masques Blancs
  2. Cherki A (2006) Frantz Fanon: A Portrait. Cornel University Press.
  3. Fanon F (1952) Le Syndrôme NordAfricain [Reprinted 1969 in Toward the African Revolution, trans C Farrington. Grove Press].
  4. Keller RC (2007a) Colonial Madness: Psychiatry in French North Africa. University of Chicago Press.
  5. Macey D (2000) Frantz Fanon: A Biography. Picador.
  6. Gibson N (2003) Fanon: The Postcolonial Imagination. Polity Press in association with Blackwell Publishing.
  7. Le tat chez la femme musulmane. Sociologie de la perception et de l’imagination. En coll. avec C. Geronimi, Congrès des médecins aliénistes…, LIVe Session, Bordeaux, 30 août, 6 septembre 1956.

قاسم حسين صالحتنويه: ينفرد العراق عن بلدان المنطقة بأحداث تاريخية اسهمت في تشكيل الشخصية العراقية وشحنها بنقيضين .. المحبة والكراهية، نوجزها بالآتي:

1- انه البلد الذي تؤخذ فيه السلطة بالقوة المصحوبة بالبطش بمن كانت بيده.

2- وأنه البلد الذي سفكت على أرضه أغزر دماء المحاربين من العراقيين والعرب والأجانب، لاسيما: المغول والأتراك والفرس والانجليز.. .وأخيرا، الامريكان.

3- وأنه البلد الذي نشأت فيه حضارات متنوعة ومتعاقبة، انهارت أو أسقطت بفعل صراع داخلي أو غزو أجنبي.

4- وأنه البلد الذي تنوعت فيه الأعراق والأديان والمذاهب، في مساحة مسكونة صغيرة نسبيا.

5- وانه البلد الذي سن القوانين واخترع اول آلة موسيقى واول اغنية حب والأكثر انتاجا في دواوين الشعر بالمنطقة.

6- وأنه البلد الذي كان مركز الشرق الاسلامي حتى الهند والسند، وحيث عاصمته كانت مدينة الخلافة الاسلامية.

7- وانه بلد مفارقات اللامعقول الذي انجب قبل ألف عام مفكرين وعلماء على مستوى العالم، وانجب في الألفية الثالثة سفهاء يقتلون الآخر لمجرد ان اسمه( علي او عمر او رزكار).

 ومفارقة !: نــحن – العراقيون - منتــجون:

- لطغاة، نرفعهم بثقافة الأهازيج للسماء حين يكونون بالسلطة ونمسح بهم الأرض حين يسقطون،

- ولثقافة من يفلقون رؤوسهم بالحراب من أجل التاريخ والموت فداء لمن ماتوا،

- ولثقافة فرهود.. حيثما حلّت بالوطن محنة،

- ومدّاحين للسلطة والسلطان.

 ونــحن منتــجون:

- لثقافة مبدأ يشوى جسد صاحبها بالنار وما يتنازل.

- ولمناضلين أحتموا بالجبال وما أحنوا رقابهم لطاغية.

- ولمثقفين مبدعين من طراز رفيع، وأكاديميين أسسوا جامعات في بلدان عربية.

 

*

 ان الحديث عن (الشخصية العراقية وخطاب الكراهية) يتحدد بما افسدته أحزاب الاسلام السياسي في هذه الشخصية. وللتوضيح فاننا نقصد باحزاب الاسلام السياسي هنا، تلك التي استلمت السلطة او شاركت فيها بعد التغيير (2003)، ونعني بـ(الشخصية) سلوك الفرد او تصرفاته، وحالته الوجدانية او انفعالاته، ونوعية ما يحمله من قيم أوافكار، وطرائق تعامله مع المواقف الحياتية والأجتماعية.ونقصد بـ(ما افسدته).. التغيرات السلبية التي احدثتها احزاب الاسلام السياسي في الفرد العراقي من حيث سلوكه وحالته الوجدانية وما كان يحمله من قيم وافكار.

 وبدءا نشير الى ان النظريات التقليدية في علم نفس الشخصية التي تؤكد على ثبات سلوك الفرد واتساقه عبر الزمن وعبر المواقف، لا تنطبق على الشخصية العراقية، وان هذه النظريات التي ما تزال معتمدة بالمناهج الجامعية تجاهلت تأثير (السلطة) في الشخصية، وأن متابعتنا لتحولات الشخصية العراقية عبر ثلاثة عقود ونصف من الزمن يقدم اضافة معرفية نصوغها بما يشبه النظرية، هي:

(ان الشخصية تتغير عبر الزمن وعبر المواقف

وان النظام السياسي له الدور الرئيس في هذا التغيير).

 وقدر تعلق الموضوع بخطاب الكراهية فان اخطر ما افسدته السلطة (بعد 2003) في الشخصية العراقية هو التعصب للهوية والمذهب.

 وعلميا، يعني التعصب بمفاهيم علم النفس الاجتماعي والسياسي هو (الاتجاه السلبي غير المبرر نحو فرد قائم على اساس انتمائه الى جماعة لها دين او طائفة او عرق مختلف، او النظرة المتدنية لجماعة او خفض لقيمتها او قدراتها او سلوكها او صفاتها، او اصدار حكم غير موضوعي قائم على تعميمات غير دقيقة بشأن جماعة معينة).

ان اخطر انواع التعصب الذي شهده العراق وتجسدت فيه الكراهية بابشع حالاتها هو التعصب السلطوي الذي يأخذ شكل الحروب التي تصل أحيانا إلى حدَّ الإبادة البشرية، كالتعصب العرقي ضد الكرد، الذي مورس من قبل السلطات العربية التي توالت الحكم على العراق وابشعها الأنفال، والتعصب الطائفي بإبادة آلاف الشيعة التي كشفتها المقابرالجماعية.

 والمتعصب، في تحليلنا السيكولوجي، شخص مصاب بالحول الادراكي، ونعني به انه يعزو الصفات الإيجابية إلى شخصه وجماعته التي هو منها بخطاب المودّة والأنتماء، ويعزو الصفات السلبية إلى الجماعة الأخرى التي يختلف عنها في القومية أو الطائفة أو الدين بخطاب الكراهية والأقصاء. والمؤذي فيه انه في حالة حصول خلاف أو نـزاع بين الجماعتين فإنه يحّمل الجماعة الأخرى مسؤولية ما حدث من أذى أو أضرار، ويبرئ جماعته منها، حتى لو كانت شريكاً بنصيب اكبر في أسباب ما حدث.ومع ان هذا التعصب كان موجودا في مجتمعنا قبل التغيير لكن اعراضه ما كانت حادة.. الى عام 2005 حيث انفجر بعنوان جديد هو صراع الهويات.

 والمسألة المهمة سيكولوجيا هنا هي ان للهوية الدور الاكبر في تحديد اهداف الفرد وتوجيه سلوكه ونوع العلاقة التي تربطه بجماعة اجتماعية معينة او جماعات لاسيما في اوقات المحن والازمات.. وهذا ما حصل بين عامي 2006 و2008 في العراق في احتراب راح ضحيته عشرات الالاف من العراقيين وصل الى مائة قتيل في اليوم (في تموز 2007).. اطلق عليه (الأحتراب الطائفي) فيما الأصح تسميته (أحتراب عقائدي) سخيف لا يساوي قطرة دم واحدة.

 ولتقصي الأمر سيكولوجيا، فان اللاشعور الجمعي لجماهير الشيعة والسنة كان معبئأ اصلا بالكراهية الناجمة عن التعصب المذهبي، ولهذا فان احزاب الاسلام السياسي الطائفي الشيعي عزفت على وتر الضحية، فيما عزف نظراؤهم السنة على وتر المظلومية ليفوزوا في الانتخابات.. وكان لهم ذلك، فالذي حسم الموقف في انتخابات 2014 هو الهويات الفرعية، على حساب الهوية الوطنية.وبلغة الارقام فان ما يقرب من (11)مليون عراقي منحوا اصواتهم لهوياتهم الفرعية وان ما يقرب من مليون منحوها لهويتهم الوطنية، اي ان(85-90%) من العراقيين غلّبوا انتماءاتهم الطائفية، القومية، الدينية، العشائرية التي اشاعها خطاب الكراهية لأحزاب الاسلام السياسي على الشعور بالانتماء للوطن.. وانعكس ذلك سلبيا على الشخصية العراقية في مكوناتها الثلاثة:السلوك والوجدان والافكار، تمثلت في تراجع قيمة الحياة واستسهال قتل الآخر. ويعدّ الخطاب الديني المتطرف أخطر خطابات الكراهية والتحريض على العنف والعنف المضاد، الذي يستحضر (بخباثة) احداثا مضى عليها الف سنة ليثير دافع الثأر الجاهلي الكامن في اللاوعي الجمعي لدى الناس يحّول فيه العنف من قيمة منبوذة في الدين الى أمر (الهي) واجب التنفيذ. بل أنني أعتبر (الكراهية الدينية )هي اقبح الشرور وابشعها في القسوة والدافع الأقوى للأنتقام من الآخر، وآخر شاهد لها جريمة نيوزلندا في 15آذار 2019التي ارتكبها برينتون تيرانت (28) سنة، بقتله 49 انسانا دفعة واحدة يصلّون في مسجد وقام ببث مذبحته على الهواء مباشرة عبر الفيسبوك.

 وكان من بين أفدح خسائرنا الناجمة عن خطاب الكراهية هو تهرؤ الضمير الأخلاقي بوصفه (الرادع) الذي يردعنا حين نهمّ القيام بفعل غير اخلاقي . وما لا يدركه كثيرون ان الضمير هو القوة الفاعلة والمؤثرة في السلوك والمواقف والانفعالات، وانه عندما يخفت او يغيب صوته يسود في المجتمع قانون قوة الشارع، وينقسم الناس الى جماعتين:اقلية قوية تمتلك السلطة والثروة ووسائل الاستبداد تمارسها بضمير قاس متحجر ميت، واكثرية فقراء وضعفاء ومغلوب على امرهم تضطرهم الى الاذعان وممارسة السرقة والغش والحيلة.. بضمير يبرر ممارسة كل رذيلة تؤمن لصاحبه العيش. ومن المفارقات التي لا تخطر على بال كثيرين ان تهرؤ الضمير أدى عند العراقيين الى عدم الالتزام بالقيم الدينية، والأيمان بغيبيات وأوهام ومعتقدات ماضوية كثير منها تبدو لآخرين.. سخيفة!.

ولمعالجة خفض الكراهية فان الأمريتطلب وضع استراتيجية علمية تتبناها مؤسسات رسمية ومدنية، وعليه فاننا نوصي بما يمهد للبدء بهذا المشروع بالآتي:

1- الزام كافة خطباء الجوامع والحسينيات والكنائس بالتوكيد على اشاعة قيم التسامح واستحضار ما هو انساني من تاريخ العراق من قبيل اعتماد مقولة:الناس صنفان اما اخ لك في الدين او نظير لك في الخلق.

2- الزام وسائل الاعلام والقنوات الفضائية بشكل خاص بالابتعاد عن صيغ تفضيل جماعة او طائفة او قومية وتضخيم ما اصاب هذه الطائفة او تلك من ظلم او حيف بما يثير مشاعر الكراهية لدى المتلقي ضد طائفة او قومية او مكون اجتماعي .

3- دعوة الجامعات العراقية الى اجراء دراسات ميدانية تستهدف قياس مستوى الكراهية واسبابها والمخاوف منها، وفقا لمتغيرات الطائفة والقومية والدين والمنطقة الجغرافية لتحديد سبل معالجتها بما يؤمن ان يكون العراق عامل استقرار وسلم على الصعيدين الأقليمي والدولي.

4- عقد مؤتمر علمي في بغداد العام القادم تشارك فيه جامعات عراقية تمثل الجنوب والوسط والشمال يتابع ما تحقق من توصيات مؤتمر اربيل ويحدد متطلبات مراحل استراتريجية خفض الكراهية. 

5- دعوة منظمة حكماء العراق وجامعة صلاح الدين الى عقد مؤتمر وطني يضم ممثلين عن الحكومة الاتحادية وحكومة اقليم كوردستان والبرلمان العراقي والبرلمان الكوردستاني وشخصيات فاعلة تمثل مكونات المجتمع العراقي يستهدف توقيع ميثاق وطني يلزم كافة الأطراف الرسمية والمدنية بنبذ خطاب الكراهية واشاعة خطاب التسامح والمحبة بما يؤمن تحقيق حياة جميلة آمنة في وطن يمتلك كل مقومات الرفاهية لأهله.

 

 أ.د.قاسم حسين صالح

مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية

أمين عام تجمع عقول

............................

* مقدم الى مؤتمر (خطاب الكراهية واثره في التعايش المجتمعي والسلمين الاقليمي والدولي، اربيل 26 -28 آذار 2019)

 

 

محمد عرفات حجازيذهب الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه (1844ـ 1900م) إلى أنّ الحياة فقدت قِيمتها عندما تخلّينا عن أخلاق البطولة، وأخذنا بمبادئ المساواة التي تكفر بعظماء الرجال. ولذلك، يبحث نيتشه عن نموذج بشريّ جديد، ما دام التاريخ قد أوصل إلينا نماذج مُشوّهة ومريضة. وقد بشّر بمجيء الإنسان الأعلى ـ الذي هو ذروة هدفه الفلسفيّ؛ وظهر حين أعلن: موْت الإله..

يقول نيتشه: وصادف زرادشت وهو يهبط إلى أسفل الجبل شيخًا ناسكًا أخذ يحدّثه عن الله، فتعجّب زرادشت في نفسه كيف أنّ الناسك لم يسمع وهو في غابته أنّ الله قد مات وماتت معه جميع الآلهة، وبعد أنْ يؤكّد زرادشت موت الإله يُعلن عن مولد الإله الجديد، ذلك السوبر مان الذي يتفوّق على العاديين مِن البشر..

ولكن، هل أراد نيتشه القول: أنّ الله غير موجود، ولم يكن في أيّ وقت من الأوقات موجودًا، أم أنّه يعني أنّ الله موجود ولكن المسيحين أساءوا فهمه بطريقة بشعة، ومن ثمّ، فإنّ القول بموت الله هو رفض لهذه المفاهيم الخاطئة؟. هل يريد نيتشه مُهاجمة فكرة الألوهية كفكرة، أم أنّه يريد أن يهاجمها كما وردت في الحضارة الغربية؟.

لقد تعدّدت آراء الباحثين وتنوّعت حول تفسير مقولة "موْت الله"، والوقوف على دلالتها.

يُلقي الكاتبان توماس التيزر وويليم هاملتون ـ في كتابهما "اللاهوت الراديكالي وموت الله" الصادر عام 1966م ـ الضوء على غموض القول بموت الله، فيذهبان إلى أنّ هذه العبارة الغامضة قد تحتمل عشرة تفسيرات مختلفة تتراوح بين الإلحاد والأصولية الدينية واللاهوتية؛ إذ يمكن تفسيرها على أيّ نحو من الأنحاء التالية:

1- إنّ الله غير موجود ولم يكن له وجود مطلقًا.

2- أنّه كان يوجد إله جدير بالعبادة والمديح والفقه، ولكن هذا الإله غير موجود الآن.

3- إنّ فكرة الله وكلمة الله نفسها في حاجة إلى إعادة صياغة كاملة.

4- إنّ اللغة التي نستخدمها في الطقوس واللاهوت تحتاج إلى تغيير شامل.

5- إنّ المسيحية لم يعد لها القدرة على خلاص البشر وشفائهم.

6- إنّ بعض المفاهيم المُعيّنة عن الله والتي كانت قائمة في الماضي، غالبًا ما تختلط بالمفهوم المسيحي الكلاسيكي عن الله..

7- إنّ الناس في يومنا الراهن يشعرون بأنّ الله صامت ومختفٍ وغائب عنهم.

8- إنّ الآلهة التي تصنعها أفكار البشر وأفعالهم (وهي آلهة زائفة أو مجرّد أصنام) يجب أن تموت دومًا حتى تتّضح صورة الله الحقّ.

9- إنّ هناك معنى تصوّفيًّا في المقولة مفاده أنّ الله يجب أن يموت في العالم حتى يمكن ولادته فينا.

10- إنّ اللغة التي نستخدمها عن الله قاصرة وغير سليمة على الدوام.

وذهب الباحث هوارد بيركل في كتابه "لا وجود الله" (1969م) إلى أنّ نيتشه ـ شأنه شأن هيجل في ذلك ـ لا يرى الله كقوة مُنفصلة فوق الإنسان، ولكن كتعبير عن قدرات الإنسان الخلاقة المُمتدّة بلا حدود. ويُضيف أنّ القائلين بموت الله يرون عجز الإنسان عن الوصول إلى أية معرفة يقينية فيما يتعلّق بالموضوعات اللاهوتية التأمّلية. وقد فسّر الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر (1905ـ 1980م) قول نيتشه بموت الله، بأنّ نيتشه يريد القول أنّ الله غير موجود، وأنّ على البشر أن يواجهوا وحدتهم وغُربتهم في هذا الكون بشجاعة.

ويميل وليم هاملتون في كتابه "الجوهر الجديد للمسيحية"، وكذلك غابرييل فاهانيان (1927ـ 2012م) إلى أنّ موت الله: ظاهرة ثقافية فحواها اختفاء أشكال المسيحية من الحضارة الغربية نتيجة الاضمحلال الذي أصاب العقيدة المسيحية، وتحوّلها إلى مُجرّد مُمارسة للطقوس والشعائر الدينية، ونتيجة فُقدان الكنيسة سيطرتها، فتحوّلت الحضارة من حضارة تؤمن بالمقدسات إلى حضارة علمانية تُضفي صفة الخلود على المادة، وأصبحت حضارة علمية بعد أن كانت أسطورية.

وذهب جيل دولوز (1925ـ 1995م) إلى أنّ معنى مقولة موت الله هي: إنّ الله اليهودي يُميت ابنه لجعله مستقلًّا عن ذاته، وعن الشعب اليهودي. كما أنها قد تعني عنده بأنّ الله يرفع ابنه على الصليب بفعل المحبّة، وأنّنا سوف نردّ على هذه المحبّة بقدر ما سنحسّ بأنفسنا مُذنبين بهذا الموت، وفي ظلّ محبّة الله، والتضحية بابنه، تُصبح الحياة ارتكاسية بكاملها.

ومن جهتنا، نرى أنّه لما كان الأثر الأكبر الذي خلّفه نيتشه إنّما كان في ميدان الأخلاق، فنُضيف هنا معنى جديدًا لمقولة موت الإله يفيد: انهيار سُلّم القِيم التقليدية، وتأكيد إنسانية الأخلاق، وبمعنى آخر: سقوط نظام المعايير والسلوك القائم على التسليم بِتلك الفكرة، والنتيجة المنطقية لهذا الموت: أن يحلّ الإنسان محلّ الإله، ويضع القِيم بِنفسه، وأن تحلّ الأخلاق محلّ الدين، وتحلّ المنفعة محلّ القيم الإلهية، إلى جانب إلغاء فكرة الحياة الأُخرى، الثواب والعقاب.. إلغاء الغائية، وبالتالي أن تصدر كافة القيم الأخلاقية عن شعور بالقوة، لا عن ضعف أو محبّة أو تسامح من أجل نعيم أخروي كما تُبشّر به المسيحية أتباعها.

 

محمد عرفات حجازي/ باحث من مصر

......................

المراجع

1- جيل دولوز، نيتشه والفلسفة، ت/ أسامة الحاج، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، ط1، 1993م.

2- رمسيس عوض، ملحدون محدثون ومعاصرون، دار سينا للنشر، القاهرة، ط1، 1998م.

3- فريدريك نيتشه، هكذا تكلم زرادشت، كتاب للكلّ ولا لأحد، ت/ فليكس فارس، دار القلم، بيروت، د. ت.

 

مجدي ابراهيمالفواصل الشعورية في دائرة القيم العليا دقيقة جدّاً، وتحديد الخطوط الفاصلة بين المعاني الكبرى؛ كالأخلاق والمعرفة والاستقامة والإرادة والحرية والمجاهدة والفناء والمحبة في حديث الولاية، أمرٌ يكادُ يكون على مستوى الشعور من الصعوبة بمكان. فإذا تحدثتَ عن المعرفة يلزمك الحديث عن الحرية، وإذا تحدثت عن الحرية تحدثت عن الاستقامة، وإذا تحدثت عن الاستقامة فلا يخلو حديثك عن الإرادة والمجاهدة، وفي الكلام عن الإرادة يقودك الكلام عن المجاهدة وعن الحرية سواء.

الخطوط الفاصلة في مجال القيم الكبرى لا يتاح تحديدها كما يتاح التحديد الفاصل في المسائل الرياضية.

وربما كان سبب هذا هو أن الكلام فيها خاضع لتجربة روحية وصادر عن بؤرة الشعور، وأن الشعور فيها فوق المفهوم، فلا يتأتى من ثمّ النظر إليها من جهة القياس المنطقي والاستدلال العقلي، ولكن يتأتى من جهة الاستبطان الشعوري الذوقي. وربما كان هذا أيضاً هو سبب ترديد الكتابة عنها بأذواق متباينة ومشاعر متفاوتة.

وإذا كانت هى في ذاتها قيماً مطلقة، فالحكم في الغالب فيها نسبي ليس بالمطلق؛ لأنها من جهة الذوق والشعور لا تخضع لهذا الحكم المطلق. ونسبية الحكم ترتد إلى اختلاف المقوُل بين فرد وآخر حسب الحالة الباطنة، وحسب التذوق الذي يصدرها من باطن إلى ظاهر، ومن مستور خفي إلى مجلوِّ ليس فيه خفاء.

وإنما تخضع للصدق، وحكم الصدق هذا لهو أكثر موضوعية من غيره من الأحكام. لكن مع هذا كله؛ يوجد هناك تعليلٌ لهذه الفوارق الشعورية ينتهي إلى تعميم تتصف به الحالة الواحدة أو مجموعة الحالات المتشابهة، والوقوف على هذا التعميم هو حكم منهجي علمي عام، يكاد يتفق عليه الجميع أو لا يتفقون. وليس هو بالذي يخضع لحقيقة التجربة الصوفية في ذاتها.

فأمّا حالة الاتفاق، فليس شرطاً فيها أن تجيء عامة يُسَلّم بصحتها الجميع، ولكنها حالة تؤخذ من خلال المشابهة بينها وبين حالات كثيرة مثلها، فيكون التعميم من خلال التشابه في الحكم. أمّا حالة الاختلاف، فقد تكون من طريق آخر لا يعبر عن المتشابه بين الحالات، ولكن صاحبها يرى ما لا يراه الآخرون، وهو الأغلب وهو الأعم؛ لأنها كما ذكرنا خاضعة للشعور الفردي ومنازلة الحالة الروحية، فالاختلاف فيها بديهة مقررة سلفاً.

وشيءُ آخر لا بد من أن يؤخذ في الاعتبار وهو : العلاقات والروابط بين الحالات جميعاً بحيث تجيء لتكوِّن مفهوماً مغايراً عن المفاهيم السائدة في الأنظار الفلسفية؛ فإذا قلت الحرية مثلاً بمعناها الصوفي استطعت أن تستخرج مفهوماً مخالفاً تماماً عن مفهومها الفلسفي أو عن مفهومها السياسي المباشر. وكذلك الشأن في المعرفة، وفي العلم، وفي التنوير، كلها مفاهيم تُرد إلى الخلفية الأيديولوجية بين حقل وحقل أو بين دلالة ودلالة.

هنالك مثلاً التفرقة الفارقة بين العلم والعرفان في حدود هذا الحقل الدلالي الذي تعمل فيه مثل هذه الفوارق، وعلاقة كل مفهوم بالآخر من جهة، وعلاقة العلم أو العرفان بالحرية، ومتى تقوم الحرية؟ وفي أي مجال منهما تتحقق : في العلم أم في العرفاني؟ وما هو دور "الإرادة" في هذا كله، وما علاقتها بهذا كله، وهل للأخلاق دورٌ في هذا التأسيس؟

إذا نحن تبينا مثل هذه الفوارق، يمكننا أن نصل إلى مفهوم مغاير للحرية يَقْرُب من الدلالة الذوقية في حقل التصوف. وبمقتضى التفرقة بين الإرادة في مجال المعرفة والإرادة في مجال العلم، نستطيع القول بأن الإرادة في ذاتها شيء، وإدراك الإرادة شيء آخر؛ فجميعُ ما يمكن أن يدركه الإنسان قد يدركه بفعل العلم لا بفعل الإرادة العارفة. ضرورية إذن هذه التفرقة؛ إذْ أن فعل العلم بعيدٌ عن "التحقيق"؛ لأن علمك بالشيء غير تحققك به.

العلمُ بالشيء شيء يختلف عن المعرفة به إذا كانت المعرفة تستلزم إدراكاً موصوفاً بالتَّحَقُّق.

قد تعلم الفضيلة مثلاً وتعلم عنها الكثير، لكن علمك هذا شيء غير إدراكك لها، وكلمة "إدراك" تعني هنا "التحقق بالمعروف"، فالتحقق طريق (= إدراك) يوصل إلى المعرفة، في حين لا يمكن أن يصل الإنسان عن طريق العلم وحده إلى المعرفة ذات التحقق الفعلي، فمتى يكون الإنسان عالماً، ومتى يكون عارفاً؟

في الأوَّل؛ عندما يكون الإنسان عالماً ينبغي أن يكون موصوفاً بالعقل والإدراك النظري، بينما إذا هو أتصف بالإدراك السلوكي الفعلي، أي طَبَقَ النَّظَرَ مع العمل، والتحصيل النظري مع الفعل التجريبي، عند ذلك يكون عَارفَاً لا لشيء إلا لأنه قد تحقَّق. ومعنى كونه قد تحقَّق أنه عاش التجربة وتذوق حلاوة الحال، وَتَبَيَّنَ من طريق تجربته مفردات الحياة الفعلية الموصوفة له من سبيل العلم وكفى، لكنه لما عَاشَ عَرَف، ولمّا أختبر ذَاق، ولما جَرَّب تحقق، فوصفه تجريب، واختباره تحقيق، وتذوقه مقاساة الحياة الروحيّة شعوراً منه بوجوده الفعلي وحقيقته الأصلية، فهو من هذه الجهة لا من سواها، يمكن أن يكون عالماً، لكن علمه هذا ليس إدراكاً من الخارج، وإنما هو معايشة من الباطن. وفي نفس الوقت يكون عارفاً؛ فالمعرفة والعلم يلتقيان عند العارف في ولوج "التحقيق" الفعلي، وفي دخول عالم الممارسة الواقعيّة، وفي مقاساة التجربة ومنازلة الحالة الروحيّة.

كان قدماء الصوفيّة قد فَرَّقوا التفرقة نفسها بين العلم والمعرفة، وكانوا من الدقة بحيث لم يكن لديهم خلط على مستوى الفهم بين المعرفة والعلم.

نعم؛ ظهر التمايز لديهم في فوارق الشعور النَّفسي أولاً قبل الفارق اللفظي، وبناءً على هذا التمايز في الشعور استدلوا من طريق الإدراك والتحقق على الفارق المفهومي والدلالي؛ فها هو "الهجويري" يقول : إنّ شيوخ الصوفيّة كانوا أطلقوا اسم المعرفة على كل علم متصل بعمل تَعبُّدي وحال رَبَّاني؛ إذْ كان حال العبد يدلُّ على علمه، وفي هذه الحالة لا يسمى صاحب الحال عالماً ولكن يسمى "عارفاً". أما اسم العلم، فيطلق على كل فَنِّ خَلَىَ من معنى روحاني وعمل تعبُّدي، وعندهم أن صاحب هذه المعرفة لا يسمى عارفاً ولكن يسمى "عالماً"؛ فمن عرف معنى الشيء وحقيقته يسمونه "عارفاً"، ومَنْ ألمَّ بعبارات منطقية وحفظها بدون إدراك حقيقة روحانية، فهو عالم وكفى، عالم بالشيء غير عارف به.

العالم قائم بنفسه .. والعارف قائم بربِّه :

لاحظ كلمة "إدراك" حقيقة روحانيّة هذه في كلام "الهجويري"، تجد الإدراك هو الفيصل في التفرقة بين حال العالم وحال العارف.

ومن هنا قال الغزالي في منهاج العابدين : العلمُ كرؤية النار مثلاً، والمعرفة كالاصطلاء بها. والمعرفة في عبارة الصوفية هى "العلم" الذي لا يقبل الشك إذا كان المعلوم ذات الله وصفاته؛ أي العلم اليقيني الذي لا يُداخله الشك مطلقاً.

تَغْلُبْ على المعرفة الإرادة ولا تغلب الإرادة على العلم؛ فإذا كانت المعرفة تستند إلى "التحقيق" والمعايشة والحياة، كانت تقتضي أن يكون صاحبها مريداً سالكاً، ذَوَّاقاً للطريق الذي يمضي فيه على بينة وعلى بصيرة، وكان من اللازم اللازب له في كل حال أن تكون إرادته سابقةً على أفعاله، فهو هنا يفعل الفعل لأنه يريده، ويترك هذا الفعل أو ذَاَكَ؛ لأنه لا يقع تحت إرادته، وجميع الأفعال المتروكة بالنسبة له إذْ ذَاَكَ لا تقع تحت الإرادة الموجَّهة لاختبار السلوك العملي ولا تناط بها تجربة التحقق الفعلي.

فالمعرفة من هذه الجهة غير العلم، إذا نحن شَرَطْنَا للمعرفة أن تكون الإرادة أحدى مكوناتها الأساسية، ثم شَرَطْنَا تباعاً للإرادة أن تجيء متصفة بأوصاف التحقق الفعلي المرهون بالسلوك المقرون بالفاعلية التي يَتَحَرَّر فيها المرء من عشوائية الاتجاه بصدد اختيار الأفعال أو تركها، أو بالأحرى يَتَحَرَّر بمقتضى تلك الفاعلية من عشوائية الاختيار.

أما العلم؛ فما هكذا تكون أوْصَافُهُ ولا أشراطه : شأن العلم إدراك عقلي وكفى، يغلبُ فيه النظر العقلي ولا تغلب فيه الإرادة، كأن تعلم عن الدين كثيراً لكنك في ذاتك لن تصبح مُتَدَيّنَاً ما لم تتحقق بالمعرفة في الدين، ومعنى التحقق بالمعرفة في الدين أن يتوافر لك جانب الإرادة القائمة على السلوك العملي، هنالك تخضع العلم للتطبيق، فيجيء التطبيق هو الآخر إدراكاً باطنياً لكل حركة معرفية، وهنالك يمكن لك إدراك ما لا يتسنى لك إدراكه بفعل العقل وحده، ولكن بفعل الإرادة والتحقيق: بفعل العرفان.

 

بقلم د. مجدي إبراهيم

 

محمود محمد عليلا شك في أن أقدم الحضارات الإنسانية قد ظهرت في الشرق، وخاصة في تلك المنطقة التي نعيش فيها الآن ؛ حيث ظهرت منذ عدة آلاف من السنين حضارات مزدهرة في أودية الأنهار الكبرى - كالنيل والفرات، وإلي الشرق منها في أنهار الهند والصين . وتدل الآثار التي خلفتها تلك الحضارات المجيدة علي أنها كانت حضارات ناضجة كل النضج، بالقياس إلي عصرها، ومن ثم كان من الضروري أن ترتكز علي أساس من العلم .

يقول المؤرخ الفرنسي "جوستاف لوبون": " كان الناس منذ سنين قليلة يظنون أن اليونانيين هم أصل العلم والحضارة، وأن علومهم وفنونهم وآدابهم من مستنبطاتهم، وأنهم غير مدينين بشئ لمن سبقهم من الحضارات القديمة، ثم جاءت نتائج التقنيات الآثارية في مصر ووادي الرافدين والهند والصين وغيرها، فتغيرت هذه المفاهيم تغييراً جذرياً، واقتنع المؤرخون أن الشرق القديم هو منبع العلم والحضارة، ففي الوقت الذي لم يكن فيه اليونانيين الأقدمون إلا جهلة برابرة كانت الإمبراطوريات الزاهرة قائمة على ضفاف النيل ووادي الرافدين ومصر، وقد نقل الفينيقيون إلى اليونان منتجات الفنون والصناعة المصرية والآشورية، وبقى اليونانيون دهراً طويلاً يقلدونها تقليداً قليل الإحكام، وأن اليونانيين يدينون بالفضل في ازدهار حضارتهم وعلومهم وفنونهم وأنظمتهم ومعتقداتهم إلى من سبقهم من أمم الشرق، وقد كان مشرعو اليونان يستسقون العوائد المصرية والقانون المصري الذي يبحث فيه العلماء عن مصادر القانون الروماني الذي تولد منه قانونا الحاضر " .

هذا ويقسم علماء الحضارات القديمة، الحضارات إلى قسمين: أصلية ومكتسبة، والحضارات الأصلية التى اكتشفت هى حضارة وادى الرافدين، وحضارة الهند والصين. أما الحضارة الكريتية واليونانية والرومانية وغيرها من الحضارات المعاصرة، فهى حضارات مكتسبة لأنها بنيت على أساس الحضارات الأصلية كلاً أو بعضاً .

وقد تميزت كل حضارة من تلك الحضارات الأربع الأصلية بميزات خاصة مثل اللغة ونظام الكتابة والفن وأسلوب الحياة.. الخ، وذلك على الرغم من انتشار عناصر الحضارة من مركز حضارى إلى آخر، فلقد اختلف فن العمارة فى مصر عنه فى وادى الرافدين – على الرغم من وجود روابط قوية بين الحضارتين – فلقد اتصلتا قبيل الأسرة الأولى " قبل 3200 ق.م" فى أوائلها وأعجبت مصر بفن السرمريين فى ذلك الوقت وبعض مظاهر حضارتها واقتبست منها شيئاً من طريقة رسم الحيوانات وأخذت عنها الختم الاسطواني وبعض المظاهر الفنية، ولكن العناصر الاساسية لحضارة مصر ظلت مصرية صميمة، نشأت فى وادى النيل، ولهذا لم تلبث حتى تركت من تلك المظاهر ما لا يتفق مع حضارتها وذوقها وعدلت فيما قبلته منها

كذلك لم تكن هذه الحضارات فى مستوى علمى وحضارى واحد؛ بل كان بعضها متقدماً على الآخر فى بعض النواحى، فمثلاً كان الطب متقدماً فى وادى الرافدين. أما أهل وادى الرافدين، فكانوا أكثر تقدماً فى الحساب، لأنهم كانوا أكثر اعتماداً على التجارة فى حياتهم.

وفيما يلى يمكن لنا أن نعرض باختصار لملامح ومظاهر النهضة العلمية فى حضارات الشرق القديم. وقبل أن نعرض لتلك الملامح والمظاهر نود أن نعطى نبذة تاريخية لكل حضارة من تلك الحضارات.

فمثلا وقد نشأت مجتمعات زراعية مستقرة على ضفاف النيل قبل عصر الأسرات بآلاف السنين، وقد أدى الاستقرار والرخاء الاقتصادى المصاحب له إلى ظهور قدر كاف من المركزية السياسية . كل ذلك ساعد مع عوامل أخرى عديدة على نشأة العلم وتطوره فى وادى النيل، وإن كانت هذه الوحدة السياسية لم تكن شملت بعد جميع أرض مصر؛ بل كانت هناك وحدات سياسية صغيرة متعددة انتهت بعد معـارك وحروب طويلة إلى تكوين مملكتين ؛ إحداها فى الوجه البحرى " شمال منطقة الفيوم " والأخرى فى الوجه القبلى، والتى إمتدت من منطقة الفيوم حتى الشلال الأول " أسوان وهى سيتى القديمة ".

كما كان لنهر النيل تأثيراً كبيراً فى تاريخ العلوم المصرية، فضرورة المحافظة على مجراه واستعمال مياهه علمت المصريين هندسة الأنهار وما يتبعها من مساحة الأراضى؛ ولما تفقدوا السماء وجدوا فى حركات نجومها واسطة للاستدلال بها على ميعاد فيضان ذلك النهر العظيم -  ومن ثم بدأ اهتمامهم بالفلك واتسعت دراستهم له، ولما كان الفيضان إذا طغى على الأراضى محا معالم الحقول، لذلك تفنن القوم فى إبداع المقاييس ومعرفة المساحة، ولما زاد اهتمامهم بالفـلاحة اقـنع الفـراعنة رعاياهم بأن المحافظة على الحـدود والأمـلاك الشخصية أمر مقدس تجب مراعاته ويتحتم احترامه.

وبديهى أن كل زوال للفيضان كانت تعقبه مشاحنات ومضاربات، ومن هنا نشأت ضرورة سن القوانين وتوقيع العقوبات، وهكذا أجبر سكان واديه على أن يضعوا لأنفسهم أسس العلوم والقوانين والنظم السياسية.

ثم بدأ القوم يشيدون العمارات الضخمة لدور الحكومة أو التعقيد فعمدوا إلى النيل بوصفه الشريان الرئيسى للتجارة الداخلية، لينقلوا بواسطته تلك الكتل الضخمة التى شادوا بها آثارهم الباذخة. وبهذه الطريقة وحدها تمكنوا من تشييد الأهرامات ونقل الجرانيت من أسوان إلى أنحاء القطر "مثل منف وتنيس - الواقعة بالقرب من البحر الأبيض المتوسط ".

ومن ثم برع قدماء المصريين منذ أقدم العصور فى صناعة السفن، فابتكروا المجاديف والقلاع والقمرات - وغير ذلك من وسائل الراحة فى السفر ومساحة الأراضى وكيل المحاصيل وتوزيعها مما دفعهم إلى معرفة أصول الحساب من جمع وطرح وضرب وقسمة؛ وكذلك فن المعمار دعاهم إلى معرفة الهندسة الفراغية. وإلى النيل أيضاً وتطوراته الطبيعية يرجع الفضل فى معرفة المصريين لطريقة قياس الزمن، فقد تنبهوا فى القرن الثالث والأربعين قبل الميلاد إلى أن السنة الشمسية تتكون من 365 يوماً. ويعتبر هذا الاكتشاف الميقاتى واستعماله فى الشئون الدنيوية " وأهمها الزراعة وقتئذ " خطوة كبيرة نحو الرقى وشرفاً عظيما للوطن الذى اكتشف فيه . وقسم المصريون سنتهم إلى إثنى عشر شهراًُ، والشهر إلى ثلاثين يوماً وذلك حفاظاً للنظام وتسهيلاً للمداولات. وهكذا أثبت سكان وادى النيل أن التوقيت شئ عرفى يصطلح عليه القوم.

ومن ناحية أخرى فقد برع القدماء المصريون فى مجال الطب، حيث تقدموا تقدماً هائلاً فى طب التشريح وطب العيون والطب الروحانى والطب البيطرى وطب الأسنان وطب العقاقير، واهتموا بعلاج الكسور والأورام… وهلم جرا.

كما تقدموا فى مجال الكيمياء، حيث كشفت المعلومات الكيميائية التى خلفتها البرديات، بأن المصريين القدماء كانوا يصبغون أنسجة ملابسهم وحوائط مبانيهم بألوان ما يزال بعضها زاهياً حتى اليوم. كما مكنتهم ثقافتهم الكيميائية من تحنيـط جثث ظلت سليمة لمـدة تقـرب من الأربعة آلاف عام.

وللحديث بقية

 

 

بقلم د. محمود محمد علي

 

 

مجدي ابراهيمالإحساس بمن حولك: من الأشياء، والأفراد، والأشخاص، والمخلوقات، والموجودات، والأنهار والشموس والأشجار والبحار، والهواء والتراب، والسماء، والجبال. الإحساس بكل ما هو حولك إنما هو قمّة النبوغ العقلي والتفوق الروحي؛ نعم ! عمّق فيك الإحساس ينبغ لديك العقل وتتفوق الروح. ثم ماذا؟ ثم التعبير عن قيم العقل والتفكير في هذا الوجود، والقدرة على فهم طبيعة حياة كل مخلوق - أو بعضه - بالكيفية التي يرتقي فيها إحساسك، فيكون الإدراك جميلاً مرهفاً بمثل هذه الحيوات المتعددة لهذه المخلوقات إدراكاً طبيعياً يفرضه إحساسك بجمال الوجود ونواميس الكون وضوابط القانون الإلهي. سواء كان ذلك على مستوى الزماني أو على مستوى الأزلي، على المستوى الطبيعي أو على المستوى الإلهي.

والقدرة على التعبير تتطلب بلا شك قدرة على التفكير، وكل قدرة على التفكير هي في الأصل قدرة تصاحبها ملكة خاصّة من ملكات البيان، تتعدد وتتنوّع وترتقي بارتقاء تلك الملكات في نفس صاحبها، في تجربته وفي وعيه. ويوم أن ترتفع القدرة على التعبير ترتفع معها بلا شك أيضاً القدرة على التفكير، فيجئُ التعبير عن تلك القدرة الأخيرة أقدر وأفعل من التعبير عن القدرة على سواها؛ ولذا اختلفت الطرائق وشاعت، وتباينت بين الشيوع والاختلاف درجات وأنواع.

وإذا نحن أردنا الوضوح زيادة قلنا إن قدرة الانسان على التعبير هي هي قدرته على التفكير، وبغير هذه القدرة القادرة على إدراك العمليات الفكرية لا تكون هنالك قدرة قادرة على إدراك العملية التعبيرية؛ إذ أن إدراك العملية الأخيرة كامنٌ في ارتقاء القدرة الأولى بغير ريب، وهى قدرة العملية الفكريّة، وهذه وتلك لا يمكن أن تقوم لها قائمة في الإنسان بغير الإحساس : عمّق فيك الإحساس تتشكل لديك طرائق التعبير.

فالإحساس العميق باللغة، والاحساس العميق بالمفردات، والاحساس العميق بمدلول الكلمات لهو هو الشئ الذي لا يستغنى عنه مبدع كائناً من كان أو ما كان موضوع إبداعاته : في الشعر والأدب والفن، في العمل الفكري أو في الإنتاج العقلي، ولربما يكون كذلك في اتساع الصّلة مع الأزلي الإلهي على التعميم.

كل العمليات الفكرية المُبدعة إذا نحن نظرنا إليها من وجهة نظر التحليل الذوقي ألفيناها عمليات عقلية عليا مشروطة بالقدرة الخاصّة المُبدعة ليست تتمُّ في قرائح المبدعين إلا بارتقاء القدرة على الإحساس: الإحساس بالآخرين متقدمين ومتأخرين، الشعور بهم والتوحُّد معهم وإدراك الحقيقة التي كانت تعتمل في بواطنهم، وتشتعل جذوتها في دخائلهم، ثم مواجهة النفس الانسانية والغرض الإنساني بالتقرُّب إلى أولئك المبدعين الأفذاذ في كل عصور الإنسانية المزدهرة؛ ليصير التقرّب اليهم سياجاً حافظاً يعصم النفوس من التسفُّل والضياع وانحطاط القيم وانحدار الموازين، سواء كان هذا الانحطاط في القيم العقلية والمعرفية أو كان الانحدار في القيم الخُلقية سواء، كيما يعصمها كذلك من التردي في مهاوي الفناء.

الإحساس بلا شك بالكلية الوجودية وبالمجموع الإنساني إنمّا هو قدرة المبدع بلا خلاف لأن تكون قدرته خاضعة لشعور الشاعر بشعوره، صادرة عنه وموجّهة إليه، واحساسه بما هو موقور وعياً في باطن الانسان.

على أن الإحساس بما هو موقور في باطن الإنسان وبما هو كامنٌ في أعماقه الجوانيّة من هذه الجهة مقرونٌ بالوعي وممزوج به مزجاً محكماً، إذ كان ضرباً من تقدير الانسان لا يخرجه إلى الوجود إلا طريقة التعبير المُمثلة في القلم، ذلك القلم الذي يعلم من صاحبه ما لا تعلمه الأدوات الأخرى ولا الوسائل الأخرى، ولأجل هذا كانت قيمة الإنسان المعرفية في قلمه، أي كانت في وعيه، وفي طريقة تعبيره عن هذا الوعي كلما استطاع. ومن هنا صارت التجارب المعرفية الكبرى تعبيراً عن الوعى العالي لا الوعى العادي. ولم يقدح في الوعي العادي كونه محدوداً عن مدركات الوعى العالي إذا نحن أخذنا التجربة الإنسانية، روحية وعقلية، محلّ اعتبار وموطن قياس؛ فطريقة التعبير عن الوعي العادي ليست كطريقة التعبير عن الوعي العالي، وما يُقال عن الأولى التي هى عبارة صريحة مباشرة، لا يقال عن الثانية التي ربما تكون رمزاً أو إشارة أو لمحة تقتضي التأويل والتفسير.

ولم يكن من قبيل المصادفات أن يقسم الله تعالى بالقلم، إذا كان القلم نفسه هو الوعي، وهو نفسه التعبير الصادق عن الوعي، وأن يُعلّم الله تعالى بالقلم، فإن الذي علم بالقلم علم الانسان ما لم يعلم لهو هو الذي خلق الانسان وعلمه ما لم يكن يعلم، فأقسم في عزيز خطابه بالقلم ليعلمه، وليرشده بالعلم والمعرفة إلى حقائق الزماني والأزلي، ولكن الإنسان المحدود ذي العقل المحدود والنظر المحدود مع تطور أدواته واختلاف وسائله، أهمله وفضّل عليه أحدث الوسائل المعرفية التي لا نعرف لها سراً يضاهي السر الإلهي الذي أودعه الله سنان القلم.

ربما لا يدري أن فقه الوجود كله مرهون بذاك القلم إذا أريد بفقه الوجود كله أن ينجلي تحت سنان الأقلام التي تعرف كيف تُخرّج حكمة الأسرار، من وعي عالي أو عادي سيان، وأن تعتدل منظومة القيم الخُلقية بالصدق في استعمال الأقلام. وماذا عسانا فاعلين لو تسألنا الآن: ما علاقة هذا كله بالإحساس الذي تقدّم الحديث عنه؟ لتجيء الإجابة مختصرة ومركزة في كلمة واحدة لا مزيد عليها هى "التريض بالقلم". وأنا أعني أن الإحساس المدرك بكل ما في الوجود من جوانب الحق وأقدار الخير وأقسام الصلاح مرهون باستخدام القلم ولو كان في استخدامه كلفة غالبة ومشقة فادحة وعناء طويل. غير أنه عناء التجربة، ومشقة التعبير عنها، وكلفة تخريجها من ظلمة العمى الروحي إلى نور الوجود المستنير.

فما من إحساس عظيم بجمال الأشياء وجلال الوجود الباطن إلا وللقلم في إبرازه واظهاره واستيحائه، بعد إدراكه، الدور الفعال والتواصل المحمود بين الأجيال.

 

بقلم د. مجدي إبراهيم

 

هاني جرجيس عيادمن أوائل الذين درسوا الظواهر والمشكلات الاجتماعية، العالم العربي ابن خلدون، محاولا كشف القوانين التي تخضع لها الظواهر الاجتماعية، سواء في نشأتها أو في تطورها. فرغم أن كثيراً من العلماء  قبله تعرضوا للمجتمعات، فإنهم اكتفوا بوصفها، وبيان ما كانت عليه وما هي عليه الآن، ولم يستخلصوا  قوانين تفسر العوامل والأسباب التي قادت الظاهرة لأن تسير على شكل من الأشكال. وهناك من درس الظواهر الاجتماعية أيضاً وبيّن ما يجب أن تكون عليه حسب مبادئ مثالية أبعد ما تكون عن الواقع. وحقا كان التفكير في المجتمع قديم، وتعرض كثير من الفلاسفة إلى دراسة مجتمعاتهم، ووضع بعضهم نماذج لمجتمعات فاضلة ارتضاها، وبيّنوا ما ينبغي أن تكون عليه المجتمعات. ولكن ابن خلدون درس الظواهر الاجتماعية التي تتحكم في مصيرها، وبيّن أنها تسير حسب قوانين ثابتة.

وقد قرر ابن خلدون بأن دراسة ظواهر الاجتماع لابد فيه من إخضاعها للقوانين، باحثا عن مدى الارتباط بين الأسباب والمسببات، ولم يكتف بالوصف وعرض الوقائع وبيان ما هي عليه، وإنما اتجه اتجاهاً جديداً في بحوثه الاجتماعية، جعله يعلن بصراحة أن التطور هو سنة الحياة الاجتماعية، وذلك لأن الظواهر الاجتماعية غير قابلة للركود والدوام على حالة واحدة، ومن ثَمّ كانت الأنظمة الاجتماعية متباينة حسب المكان والزمان. وقد اعتمد ابن خلدون في بحوثه على ما لاحظه في الشعوب التي عاصرها، واحتك بها ووازن بينها وبين سابقيها، ودرس العلاقات الاجتماعية، وذلك بأن جمع معلوماته من التاريخ، ثم أخضعها للعقل، ومن هنا تتجلى أصالته المنهجية.

ويتعامل الكثير من الكتاب والمفكرين والفلاسفة مع المنظومة الاجتماعية الإنسانية برؤى فكرية وآليات علمية، ومنظورات فنية، مختلفة الأساليب، ومتنوعة الاتجاهات المدرسية الفكرية والفلسفية والاجتماعية، مما ينتج  وبصورة طبيعية لاختلاف هذه الأساليب والاتجاهات في تناول المنظومة الاجتماعية بالدرس والبحث ومن ثم بالتحليل، اختلاف النتائج والاستنتاجات والرؤى لهذه المنظومة وماهية تعريفها وكيفية تشكلها، ونوعية أنماطها الفكرية.

والظواهر الاجتماعية تنشأ من التفاعل بين نشاط الإفراد والجماعات ربما تكون لغوية أو تشريعية أو أخلاقية أو دينية أو اقتصادية أو سياسية، حسب تنوع الظواهر الاجتماعية بطبيعتها الإنسانية، ومن خلال دراسة هذه الظواهر الاجتماعية نصل إلى القوانين التي تتحكم بحركة المجتمع أو إلى النظم الثابتة لهيكلية المجتمع ومن هذا فإننا نستطيع ومن خلال علم الاجتماع وإدراك قوانينه واليات تحريكه، أن نستعجل التقدم الاجتماعي أو نهيئ له المقدمات ونلطف أزمات الاجتماع الإنساني بتوفير الظروف الملائمة، كما ويمكنّنا هذا العلم من رصد الظواهر السلبية في المجتمع والعلل المرضية التي تنشأ بالعرض، لمعالجتها وبحث جذورها وأسبابها الأساسية.

والظواهر الاجتماعية السلبية هي أخطر أعداء المجتمع ومظهر من مظاهر تدميره الذاتي لنفسه دون وعي أو إدراك، ويمكن تشبيهها بالرجل قوى البنية الغني والذي يملك مختلف مصادر وأنواع القوة ومهما بلغت هذه القوة فإذا انحرف صاحبها سلوكيا وتحول هذا الانحراف السلوكي إلى مرض وفقد السيطرة على سلوكه تحول الأمر مع مرور الوقت إلى مرض وحينما يشيع هذا النموذج  في المجتمع  يتحول الأمر إلى ظاهرة، فإن لم يتصد لها المجتمع بمؤسساته الرسمية والمدنية تفاقمت الظاهرة إلى مشكلة مجتمعية وصعب الحل وتنامت كلفته الجهدية والمالية. وما يؤكده علماء الاجتماع أن الظواهر الاجتماعية السلبية قد تدمر مجتمعا كاملا وهذه حقيقة ثابتة في التاريخ وفي علم الاجتماع.

ولذا تولي المجتمعات الواعية أهمية قصوى لمحاربة الظواهر الاجتماعية ودراستها وتحليلها لوضع الخطط اللازمة لمقاومتها إن كانت سلبية أو وضع الخطط للاستفادة منها أن كانت ايجابية. وما جعل جميع العلوم في العصر الحديث تتقدم إلا أنها أخذت بخبرات الأجيال السابقة وإتباع المنهج العلمي في البحث والاستفادة منه في الحياة الاجتماعية.

تبدأ الظواهر الاجتماعية في جميع المجتمعات بفرد أو مجموعة قليلة قد لا تذكر من الأفراد تعارضت أهدافهم الشخصية مع أهداف المجتمع  وقتيا، ولرغبتهم القوية ودافعيتهم لتحقيق أهدافهم العارضة لإشباع رغباتهم الملحة خالفوا السلوك الاجتماعي لأول مرة لتحقيق أهدافهم وإشباع رغباتهم ولكن في خوف وقلق تام من ان تكتشف مخالفتهم ويتعرضوا للعقاب أو لا يتمكنوا من إشباع رغبتهم لأنه قد يخالف البعض وهو يعلم أنه سيكتشف أمره، وتعتبر هذه حالة انحراف فردي متوقع في أي مجتمع.

والفرد المنحرف سلوكيا في المجتمع إذ ترك أمره له اثر مدمر غريب على مجتمعه، ولذلك فالمنحرف إن لم يعدل سلوكه بوعي منه فسيعدل سلوك المحيطين به بدون وعي منهم حتي تتساوي الصفات السلوكية فلا يشعر بالغربة بينهم وحتى يمكنه ممارسة انحرافه السلوكي بحرية وبمساعدة منهم. وربما يحاول تعديل سلوكهم محبة فيهم وظنا منه انه سوف يكسبهم خبرة تمكنهم من تحقيق آمالهم وأهدافهم وفي نفس الوقت يتميز عنهم بأنه مكتشف هذه الخبرة. وأيا كانت الأسباب يبدأ الفرد المنحرف سلوكيا أو المخالف ينقل ويثير الدافعية للمخالفة بين المحيطين به سواء بتحفيز حب الاستطلاع والاكتشاف أو بدافع التقليد والمحاكاة أو بدافع الحاجة الفعلية إلا أن محاولة الانحراف تبدأ ويبدأ من جديد اكتساب نفس الخبرة وبنفس القوة لتطور الخبرة الانحرافية ويكون الناتج بعد فترة زمنية تقصر أو تطول تبعا لطبيعة المخالفة هو زيادة عدد المنحرفين.

ومعدل تزايد عدد حالات الانحراف يتوقف على نوع المخالفة وطبيعتها وارتباطها بحاجات الفرد الأساسية والغرائزية وحجم منفعتها وقوة آثارها في إشباع الحاجة...الخ. وبمرور الوقت والزمن تتضاعف اعدد المنحرفين سلوكيا وتتطور الخبرة السلوكية للمخالفة ويزيد معدل الانتشار وسرعته إلى أن يصبح لدينا عينة أو فئة صغيرة منحرفة بمعني اتصافها بهذا النوع من المخالفة السلوكية. وهنا يختلف الوضع تماما بالنسبة للمجتمع ككل بصفة عامة ولإدارته الاجتماعية خاصة لان هذه الفئة غير متوقعة الوجود حديثة المولد ومعلنة بمعني لا يمكن إنكارها كحالات فردية غير مؤثرة على المجتمع ولا يمكن عقابها لكبر عددها وسبب آخر وهو تورط الرقابة الاجتماعية أساسا في هذه المخالفة وتحملها جانبا من المسئولية.

وفي ظل هذه الظروف والملابسات إذا لم تردع المخالفة ويوضع نظام رقابي خاص معد خصيصا لهذه المخالفة وقانون خاص للقضاء عليها في فترة قصيرة للدفع النظام الرقابي وإعادته لحالته الأولى تحولت الفئة المريضة إلى طور الظهور والعلانية واستمدت قوة اجتماعية بالموافقة والرضا على المخالفة وتحول مفهوم المخالفة السلوكية في نظر العامة إلى مفهوم الغاية تبرر الوسيلة أو العادة. وزاد تأثير الفئة المنحرفة على باقي أفراد المجتمع. وزال الخوف والقلق المقيد للمخالفة وتحول المرض السلوكي والانحراف الاجتماعي إلى ظاهرة اجتماعية.

وكلما زاد عدد مرات تكرار الظاهرة أو عدد المشتركين فيها كلما ضعفت القدرة على السيطرة عليها أو علاجها. وأدي ذلك إلى تدمير اكبر عدد ممكن وتوقيع اكبر خسارة ممكنة للمجتمع المصاب  ووفق للفترة الزمنية التي تتمتع فيها الظاهرة بغياب الرقابة والقانون وضعف القدرة على السيطرة عليها أو إهمال الظاهرة من المجتمع على أنها ليست خطيرة بالنسبة للمجتمع. فطالما هي ظاهرة يجب أن تكون مسؤولية اجتماعية فليس بالضروري أن تكون الظواهر المرفوضة هي القتل والسرقة.

ومن هذا المنطلق يمكن احتساب الظواهر الاجتماعية من أخطر أعداء المجتمع غير الظاهرة وهي اخطر واهم من أي ظواهر اقتصادية حتى في زمن المجاعات واخطر من الظواهر العسكرية وحتى في زمن الحروب. ومن اكبر مظاهر الجهل والتخلف أن يهتم مجتمع ما بالشؤون الاقتصادية والصناعية والزراعية والخارجية ويهمل الشؤون الداخلية والسلوكية للمجتمع وخاصة الظواهر الاجتماعية مهما بلغت كلفة السيطرة عليها والقضاء عليها.

ومن المسمى يتضح ارتباط الظاهرة بالمؤثرات الاجتماعية المثيرة لدافع الانحراف السلوكي وهو نتاج خلل تطبيقي في المنهج الاجتماعي وعلاجه لا يتم إلا من خلال تطوير المنهج الاجتماعي ككل ووضع الخطط المناسبة لعلاج الظواهر.

ومن هذا فالتعرف على الظواهر يجب أن يتم عن طريق دراسة شاملة لجميع المؤثرات والدوافع الفردية والاجتماعية المرتبطة بالظاهرة وكذلك جميع الخبرات المكتسبة والوسائل والنظم المخططة لضبط والسيطرة على السلوك المرتبط بالظاهرة. وعلى سبيل المثال التسرب التعليمي قد يكون تلك الظاهرة ناتجة من الحالة الاقتصادية أو بفعل الحالة الثقافية أو الأحوال المجتمعية...الخ، وبالطبع علم الإحصاء والدراسات الاجتماعية قادر على إعطاء معدلات وأماكن وجود الظاهرة في المجتمع. وأيا كانت المثيرات والدوافع والدلائل الإحصائية يجب أن ننظر للظاهرة من منظور ارتباطها بالمجتمع عامة. فالظاهرة مرتبطة ارتباطا وثيقا بعنصر من عناصر المنهج الاجتماعي وهو الدور الاجتماعي الذي تسعي جميع المجتمعات لتأهيل أفرادها لممارسته بنجاح لتحقيق أمال المجتمع. وعندما يفشل هذا الدور كحالة فردية يعتبر انحرافا عن توقع المجتمع وأهدافه وعندما تتعدد الحالات تصبح مرضا سلوكيا وعندما تتعدد وتتكرر تعتبر ظاهرة اجتماعية.

ولنأخذ مثلا مشكلة الطلاق فان من أهم أسبابها اختلاف الطباع، وتفاوت التعليم بين الزوجين، واختلاف الرغبات والتوجهات، وانحراف الزوج في الغالب، وعدم التوافق في العلاقة الخاصة، وبخل الزوج، وصعوبة الإقامة مع الوالدين، وتدخل الآخرين بين الزوجين، بالإضافة إلى أسباب أخرى. كل هذه المعطيات ليست إلا محددات لوضع خطة لتقويم الظاهرة وعلاجها.

طالما نحن بصدد ظاهرة مرتبطة بالسلوك الاجتماعي أو الفردي يجب أن نضع في اعتبارنا أن السلوك ما هو إلا حركة تعبيرية تصدر من الفرد كاستجابة لمثير ما وتتحكم فيها مجموعة من الخبرات المكتسبة أو هي رد فعل لفعل معين وفقا لخبرات الفرد المرتبطة بالفعل، كما أن رد الفعل السلوكي أو الاستجابة السلوكية تتفق مع قوة الخبرة المرتبطة بالموقف والمحركة للدافعية وبالعودة للسلوك المرفوض وهو الطلاق يجب أن ننظر له على انه رد فعل أو استجابة لمثير ما وفق لخبرة سلوكية تحكمت في توجيه الدافعية لاتخاذ قرار هذا السلوك. ومن هنا نلاحظ أن جميع حالات الطلاق لابد أن تشترك في تلك الخبرات المكتسبة والمحركة للدافعية لاتخاذ هذا القرار ويكون السؤال الأهم والفاصل هو: أين ومتى اكتسب الفرد تلك الخبرة القوية القادرة عل اتخاذ هذا القرار؟

وبالبحث ربما نجد بعض الإجابات المحددة مثل من خبرات الآخرين المسموعة في الحالات المشابهة أو من الاجتهاد الشخصي.

وتهدف دراسة المشكلات الاجتماعية الى الإدراك الفعلي لظاهرة ما، وفق الأسلوب العلمي للمعرفة الصحية المدققة، والوقوف على أبعاد المشكلة. ورصد الآراء الاجتماعية الممكنة للحلول المنتظرة. وفهم المشكلات الاجتماعية لعلاجها وتجنبها.

وهناك جوانب يجب مراعاتها أثناء التصدي للمشكلة مثل الإمكانات المتاحة، وترابط المشكلات فيما بينها ترابطا عضوياً، وحل المشكلات بشمولية من أجل تغيير الحياة فالحلول المؤقتة لا تجدي، وأن المشكلات تعكس النظام القيمي، ودراسته مدخل للعلاج.

وتتمثل اتجاهات تفسير المشكلات في التفسير التاريخي ويعتمد على التاريخ ومراحل وتطور الإنسانية، والتفسير النفسي بحكم أن المجتمع يتكون من أفراد ولهم نفسياتهم، والتفسير الاجتماعي لأن الترابط بين المؤسسات والتغيير في أحدها يؤثر في الآخر.

يتفق المشتغلون بالعلوم الاجتماعية ومهن المساعدة الإنسانية عموما على أن الإنسان مدني بطبعه، بمعنى أنه بطبيعة تكوينه محتاج للحياة في جماعة أو مجتمع يتعاون فيه مع غيره على إشباع حاجاته وحاجاتهم، ولكن الحياة في جماعة تتضمن الدخول في عدد هائل من التفاعلات الاجتماعية التي لابد من تنظيمها، مما يؤدي إلى ظهور عدد من النظم الاجتماعية (كالنظام الأسري والنظام الاقتصادي والنظام التعليمي …الخ) التي يضم كل منها عددا من المؤسسات التي يتم في إطارها إشباع الحاجات الإنسانية، ثم إن التفاعلات التي تتطلبها عملية إشباع الحاجات في نطاق كل منها تحاط بمجموعة من المعايير والقيم التي تضبطها، والذي يعنينا هنا هو أن النظم الاجتماعية في النهاية تتضمن مجموعة من المكانات الاجتماعية التي يحتلها الأفراد بحسب موضعهم في ذلك النظام (مثل مكانة الأب، الابن، الزوجة في النظام الأسري، أو مكانة التلميذ، المعلم في النظام التعليمي وهكذا)، ثم إن المجتمع يرتب توقعات للأدوار التي ينبغي على شاغل كل مكانة من هذه المكانات أن يقوم بها، فإذا تصرف شاغلو المكانات واقعيا على الوجه المتوقع منهم فيما يتصل بأداء أدوارهم فيقال عندئذ أنهم متوافقون اجتماعيا، أما إذا عجز الأفراد عن القيام بمتطلبات شغلهم لمكاناتهم الاجتماعية (الأب الذي يقصر في رعاية أبنائه، التلميذ الذي يتكرر رسوبه أو يتعاطى المواد المخدرة، العامل متكرر الغياب عن العمل أو المعرض للحوادث بصورة متكررة) فهنا يقال أنهم غير متوافقين اجتماعيا، وعادة ما يصحب ذلك اضطراب في العلاقات الاجتماعية بينهم وبين من ترتبط مكاناتهم الاجتماعية بهم (النزاع بين الزوج والزوجة، مشاجرات التلميذ مع زملائه أو معلميه… الخ)، وهنا يبدأ الحديث عن وقوع الفرد في المشكلات الفردية أو الشخصية أو المشكلات النفسية/الاجتماعية أي المشكلات التي تتفاعل فيها شخصية الفرد بجوانبها البدنية والنفسية مع قوى البيئة الاجتماعية.

وبطبيعة الحال فإن حياة الأفراد لا يمكن أن تخلو من بعض المواقف الصعبة أو حتى الإشكالية التي يتمكن الفرد من التعامل معها سواء بمفرده أو مستعينا بأفراد أسرته أو أصدقائه، ولكن بعض المواقف والصعوبات و المشكلات الشخصية قد تستمر وتستعصي على تلك المحاولات والجهود الذاتية للحل، وهنا لابد من تدخل مؤسسات المجتمع والإسهام في حلها.

وإذا رجعنا إلى الكتابات النظرية الحديثة للتعرف على التفسيرات التي تقدمها لنا للمشكلات الاجتماعية نجد بعضهم يرى أن المشكلات عبارة عن سلوك يتم تعلمه من خلال مثيرات بيئية خارجية، وآخرون يركزون جهودهم على تحليل المشكلات على أنها مشكلات "اجتماعية" فيميزون بين عملية التفكك الاجتماعي وبين السلوك الانحرافي، ويرون أن هاتين الفئتين متشابكتان متفاعلتان في الواقع تؤدى كل منهما إلى الأخرى، بحيث أنك إذا تعرضت لدراسة أي مشكلة واقعية فستجد ما يشير إلى كل منهما ولكن بدرجات متفاوتة.

ويقارن بعض علماء الاجتماع بين التفكك الاجتماعي والسلوك الانحرافي بقولهم أنه إذا كانت نظرية التفكك الاجتماعي تركز على التغير الاجتماعي وما يؤدى إليه من اضطراب المعايير والنظم الاجتماعية فإن نظرية السلوك الانحرافي تركز على انحراف الفرد عن المعايير الاجتماعية، وبلغة أخرى فإن تفسير السلوك الانحرافي يقوم على الافتراض بأن المعايير الاجتماعية العامة سليمة، ولكن لسبب أو لآخر فإن الأفراد لم تتم تنشئتهم تنشئة اجتماعية صحيحة تضمن التزامهم بتلك المعايير.

وبصفة عامة فإننا نلاحظ أن التفسيرات التي تقدمها لنا تلك الأطر التصورية تتسم بالتركيز على الآليات والعمليات الاجتماعية من جهة، وبالنسبية الثقافية من جهة أخرى، فالتركيز على التغير الاجتماعي والتفكك الاجتماعي والتنشئة الاجتماعية والضبط الاجتماعي يجعل المشكلات الاجتماعية الواسعة النطاق تبدو وكأنها أمر طبيعي تحتمه ميكانيكية هذه الآليات الاجتماعية التي لا ترحم، وأما التفسيرات التي تركز على دور المعايير الاجتماعية والثقافات الفرعية فإنها تبدأ وتنتهي من القيم الاجتماعية السائدة أيا كانت تلك القيم، فتحيل التفسير إلى قضية فنية بحتة تتم فيها مضاهاة توجهات الثقافات الفرعية والسلوكيات الفردية على القيم التي تبنتها الثقافة الحاضرة في المجتمع، أما نقد تلك القيم المجتمعية من منظور أرقى.

وعموما يمكن اجمال أسباب المشكلات في ثلاثة، أولهما النقص أو القصور في إشباع الحاجات الإنسانية (مع تعريف الحاجات تعريفا ضيقا يكاد ينصب أساسا على الحاجات المادية ثم ما يتبعها من حاجات نفسية واجتماعية) وما يترتب على ذلك القصور في إشباع الحاجات من إحباط وعدوان. أما ثانيهما ما يترتب على استمرار القصور في إشباع الحاجات من مشكلات في العلاقات مع الآخرين وفي التوافق الاجتماعي، وهو ما يعبر بالمشكلات المتصلة بعملية " أداء الوظائف الاجتماعية". وثالثهما العمليات الاجتماعية الأشمل التي تحيط بهذا كله كالتغير الاجتماعي وما يؤدى إليه من تفكك اجتماعي يتصل بقصور النظم لاجتماعية عن القيام بوظائفها بكفاءة.  

ويتضمن الأسلوب العلمي لعلاج المشكلات الفردية جانبين أساسيين يترابطان فيما بينهما أشد الترابط وهما تقدير الموقف أو الحاجة أو المشكلة أو السلوك في ضوء الافتراضات الأساسية حول الطبيعة الإنسانية، وفي ضوء النظريات المفسرة للسلوك الإنساني في محيطه الاجتماعي، وفي ضوء فهم الأسباب العامة لتلك المشكلات، واسترشادا بالنسق القيمي للمجتمع وأهدافه العامة. ويتضمن ذلك جمع البيانات الدقيقة حول الوضع الراهن الذي يعايشه الفرد بدءا من وصف الشخصية إلى مسح الظروف البيئية إلى توصيف طبيعة العلاقات بين الشخص والبيئة في الوقت الحاضر، ومقارنة الوضع الراهن بالوضع المثالي المطلوب، وتحديد مواضع الافتراق عن النمط المعياري.

 

بقلم: د. هاني جرجس عياد

 

المقدمة: من الطبيعي أن يشعر كل طبيب ببعض الفوقية أمام مريضه، فما ان يجد علة المرض ويفسرها للمريض ويبدأ بالعلاج فإنه سيستحق حتماً ذلك الإمتنان والإعجاب والتبجيل الذي سوف يحيطه به المريض وأهله. سيشعر حتى أكثر الأطباء تواضعاً ببعض الفوقية.

793 انطوان يورولكن الطبيب يمكن أن يخطئ في تحديد الحدود المقبولة لمسؤوليته، فيتجاوز حده مثلاً في التدخل في بعض خصوصيات المريض الثقافية فيوجه له نقداً أو ما يظنه تصحيحاً لفكرة لا تخص المرض، وهي بذلك لا تدخل ضمن السبب الذي دعى المريض للجوء له. ففي الوقت الذي تعتبر مثلاً نصيحة ترك التدخين وممارسة الرياضة مثلاً من ضمن النصائح الطبية المقبولة، فمن غير المقبول أن يوجه الطبيب تعليقاً أو نقداً للمعتقد الديني للمريض مثلاً، أو حتى لنوع ملابس المريض أو طريقة قصه لشعره. 

ومن شدة إعجاب الناس بالطبيب فهم يمكن أن يوجهوا له أسئلة تتجاوز حدود تخصصه. وفي تلك الحالة يتوجب أخلاقياً على الطبيب أن يصرح بكل وضوح بأنه يجهل فيها، أو أنه ليس الشخص المناسب للإجابة. إلا أن التصريح بأننا نجهل هذا الأمر أو ذاك يتطلب الكثير من الوعي والصدق والنزاهة، وهي أمور يصعب أحياناً حيازتها. وذلك التصريح يمثل تنازلاً عن ميزة وهبها له السائل وهي ميزة أنه الأعلم، والأكثر حكمة، وبالطبع فإن ذلك التنازل سيكون صعباً. لكننا لو رجعنا في الزمن إلى فترة قريبة سنجد أن التخصصات العلمية كانت قليلة بل مختلطة مع الأدبية حتى، فكان الطبيب النفسي مثلاً يجد أنه معني بالحديث عن المجتمع وأصل الإنسان وتطوره وتطور معتقداته، لأن هذه الأمور لم يكن لها مختصيها وحدودها الفاصلة. ألم يكتب (فرويد) مثلاً كتباً تجاوزت تخصص الطب النفسي الذي أختص به؟

نعم، لقد وفق فرويد في مسعاه حين صار في أواخر عمره يكتب صراحة عن الدين كما في كتابيه (الطوطم والحرام) و(موسى والتوحيد)، وعن الحضارة كما في كتاب (مستقبل وهم)، إلا أن فرويد مفكر شامل حقاً، وكان يصوغ الأمثلة والمقارنات كأنه فعلاً مختص بعلوم الأنثروبولوجيا وغيرها من تخصصات ربما كانت في وقته ما زالت في بداياتها، فأحس بأنه يسد نقصاً ما، وفعلاً لقد كان رائداً بصيراً في ذلك.

لكن هذه المقالة ستركز في بقيتها على طبيب نفسي فرنسي عمل في الجزائر وتجاوز حدود تخصصه فوقع في مطب العنصرية البيولوجية.

العنصرية البيولوجية لأنطوان پورو

يعتبر الطب النفسي من التخصصات الجديدة نسبياً، ولم يكن هناك كتاباً مرجعياً للطب النفسي الفرنسي قبل سنة ١٩٦٠ وهي سنة صدور كتاب (هنري إي Henri Ey) المعنون بـ(موجز في الطب النفسي Manuel de Psychiatrie)، فهو الكتاب الذي سد النقص وصار المرجع. أما قبله فلم يكن هناك مرجع واضح، وكان يرجع لمقالات متفرقة وآراء من هنا وهناك، ومن بين تلك المصادر التي سادت قبل ١٩٦٠ هو كتاب (الموجز الأبجدي للطب النفسي Manuel alphabétique de psychiatrie)، الذي هو أشبه بالقاموس للمصطلحات المستخدمة في هذا التخصص وتعريفاتها، إلا أننا سنجد شيئاً يثير الإنتباه في بعض تفاصيله، ففي تعريف كلمة (الإندفاعية impulsivité) على سبيل المثال سنقرأ: (بعض الإصناف العرقية لديها هذه الإندفاعية في تكوينها بدرجة عالية مثل أبناء البلد الأصليين للشمال الأفريقي حيث نجد عندهم نوبات التهيج الحركي والإندفاعية الإجرامية) (١).

إن تلك الإشارة التي تخص أبناء البلد الأصليين لشمال أفريقيا تثير الفضول حقاً، لكن العجب ربما يزول قليلاً لو عرفنا أن النسخ الأولى لهذا الكتاب قد كتبت من قبل طبيب نفسي فرنسي كان يمارس مهنته في الجزائر، وهو أنطوان پورو، فماذا عنه؟

إن أنطوان پورو (١٨٧٦-١٩٦٥) هو الطبيب النفسي الفرنسي الذي بدفع منه تأسست في ثلاثينات القرن العشرين أربع مصلحات للطب النفسي في الجزائر، الأولى سنة ١٩٣٣ في وهران، والثانية سنة ١٩٣٤ في الجزائر العاصمة، والثالثة سنة ١٩٣٥ في قسنطينة، والرابعة سنة ١٩٣٨ في البليدة. لم يكن إنشاء تلك المصلحات لخاطر عيون الجزائريين أبناء البلد الأصليين، بل كان من أجل المستعمرين الفرنسيين حيث كان يتوجب نقل المرضى لفرنسا من أجل علاجهم مع كل التعقيدات المترتبة على ذلك.

إلا أن نشاط (پورو) لم يبدأ في الثلاثينات من القرن العشرين، فلم يكن إنشاء تلك المصلحات ربما إلا بمثابة التتويج لجهود إستمرت حوالي عقدين من الزمن، فلو رجعنا في الزمن قليلاً سنجد أن ما يسمى بـ(مدرسة الجزائر في الطب النفسي) قد تأسست عام ١٩١٨، أي قبل ١٥ سنة من إفتتاح أول مصلحة للطب النفسي في وهران. ويحدد تأسيس تلك المدرسة بتلك السنة على إعتبار أن نشر (أنطوان پورو Antoine Porot) لمقالته (ملاحظات حول الطب النفسي الإسلامي Notes sur la psychiatrie musulmane) عام ١٩١٨، في مجلة (الحوليات الطبية-النفسية Annales médico-psychologiques)، هو العمل التأسيسي لتلك المدرسة (٢).

كانت إحدى مسلمات تلك المدرسة المزعومة أن ابناء البلد الأصلي لم يجتازوا كل مراحل النمو النفسي فهم ثابتين في مرحلة طفولية تسودها النوازع البدائية. وبأن إبن البلد الأصلي (قابل للإيحاء suggestible)، وهو خاضع لتأثير الخرافة.

نقرأ في مقالة پورو التأسيسية تلك أن: « إبن البلد الأصلي ليس لديه أي شهية علمية ولا أي أفكار عامة، وتكفيه قياسات بسيطة لصياغة استنتاجات غبية أحياناً » ونقرأ بأن أبناء البلد الأصليين: « لديهم روح بدائية ». وبأن: « معارفهم وجدانية أكثر من كونها موضوعية ». بأن: « العقل لديهم لا يصنف الأشياء، فهو لم يصل لمرحلة التجريد، يبدو راكداً في مستوى ما قبل-المنطق ». وبأن: « الشمال-أفريقيين يمتازون بإندفاعية إجرامية ».

ولدى پورو بحث مشترك مع شخص آخر بعنوان (البدائية لدى سكان شمال أفريقيا الأصليين)، نشر سنة ١٩٣٩ في مجلة طبية ونقرأ منه وصفه لدماغ السكان الأصليين:

« إن عملية التواصل بين أجزاء القشرة الدماغية هشة، وكأن هذه القشرة غير متكاملة أو غير مندمجة أو غير منسجمة مع بعضها، وهو الشيء الذي يجعل فعاليات (الدماغ البيني diencephalon) هي السائدة، وهذا ما يفسر كثرة حالات الصرع والهستيريا، والإيمياءات الفظة، وحالات التهيج النفسي-حركي » (٣).

إننا اليوم نقوم بقياس التواصل بين أجزاء الدماغ بواسطة تقنيات التصوير بـ(الرنين المغناطيسي الوظيفي Functional Magnetic Resonance Imaging (fMRI))، أو بـ(التصوير المقطعي بالإصدار البوزيتروني Positron Emission Tomography (PET))، ورغم ذلك فإن علماء اليوم يصرحون أنه من الصعب دراسة الدماغ بسبب تعقيده وعدد خلاياه وإتصالاتها مع بعضها المتفرعة والمتغيرة دوماً، فكيف توصل (پورو) إلى ذلك الإستنتاج التشريحي الوظيفي؟

ألا يبدو (پورو) كذلك المستعمر الذي يضيق ذرعاً بإبن البلد الأصلي الذي يطالب بحقه؟ ألم تكن صفة (مندفع بشكل إجرامي) موجهة لذلك الجزائري الذي إنتفض لإسترجاع أرض زراعية سلبت منه على سبيل المثال لا الحصر؟

كانت إحدى مصادر پورو هي مقالة (غوبينو Gobineau) المعنونة بـ(مقالة حول عدم تساوي الأعراق Essai sur l’inégalité des races) الصادرة عام ١٨٨٤، والتي تدعي بأن العنصر الأوربي هو الأكثر تفوقاً وعليه أن لا يختلط بعرق أصحاب البلد الأصليين، ونقرأ في تلك المقالة أننا لو مزجنا (دماء وأوردة) الطرفين فإن (إنحطاطاً dégénérescence) سوف ينتج عن ذلك.

تلك هي مصادر (پورو)، فقد توصل لإستنتاجه ذلك وكتبه في الكتب ليس فقط بغياب أدوات التصوير الدماغي للمرضى، بل حتى بغياب عنصر التواصل الأهم مع المرضى وهو اللغة، فبأي لغة كان (پورو) يكلم المرضى الجزائريين، وما هو عمق معرفته بثقافتهم؟ ألم يكن (پورو) يغلف جهله بلغة وثقافة سكان الجزائر بذلك الغلاف من العنجهية العلمية، الذي أقرب وصف له هو (العنصرية البيولوجية)؟

إلا إن واحدة من مقالات (پورو) الأخيرة، التي نشرت في الأربعينات من القرن العشرين حين كان له من العمر ٦٧ سنة وأغلب الظن أنه كان قد تقاعد، وكان عنوانها (منجزات فرنسا في مجال الطب النفسي في مستعمراتها منذ قرن)، تحتوي أخيراً على جملة مقبولة: (على الأطباء النفسيين أن يتدربون على التقاليد والثقافة المغربية، وأن لا يترددون في أن يشملون العائلة في عملية الشفاء) (٤).

نعم، كان يستطيع أن يفعل أفضل من ذلك. كان علينا أن ننتظر أن يأتي طبيب نفسي آخر هو (فرانز فانون) لكي يشعر بأنه قبل أن يتجرأ ليكتب شيئاً عن هذا الشعب الحي، عليه على الأقل أن يقوم بجولة يزور بها مدنه وقراه العميقة، أن يختلط بهذا الشعب ويتعلم منه أولاً، ثم ليقول ما يقول ضمن حدود عمله.

 

سامي عادل البدري

................

المصادر:

1- Porot A. (impulsivité). In: Manuel alphabétique de psychiatrie (2ed). Paris: PUF, 1960

2-Saïd Chebili (2015) La théorie évolutionniste de l’école d’Alger: une idéologie scientifique exemplaire. L’information psychiatrique 2015; 91: 163-8

3- Porot A, Sutter J. Le (Primitivisme) des indigènes nord-africains. Ses incidences en pathologie mentale. Sud médical et chirurgical 1939:226-41

4- Porot A. L’œuvre psychiatrique de la France aux colonies depuis un siècle Annales-médico-psychologique 1943: 356-78

 

صالح الطائيإن الحديث عن الفتوحات الأموية في النصف الثاني من القرن الهجري الأول، يبين أن الدموية المفرطة كانت منهجا عاما في أغلب الأحيان، وان أخلاق الحرب الإسلامية تم التخلي عنها كليا، ولم تعد للهارب ولا للأسير حرمة في حساباتهم، ففي سنة تسعين للهجرة، تم فتح بخارا على يد قتيبة بن مسلم الباهلي، فقال لجيشه بعد أن انهزم العدو من أمامهم: "من جاء برأس فله مائة"(1). وفيها فتحت الطالقان، افتتحها قتيبة أيضا، فقتل من أهلها مقتلة عظيمة، وصلب منهم سماطين أربعة فراسخ في نظام واحد(2 ).

وفي سنة اثنين وتسعين غزا مسيلمة بن عبد الملك أرض الروم، وغزا طارق بن زياد الأندلس، وغزا قتيبة بن مسلم سجستان، وسالت دماء المسلمين وأعداؤهم في كل هذه الوقعات.

وفي سنة ثلاث وتسعين بعث قتيبة أخاه مالك إلى ملك خام جرد، فقاتله فقتله وقدم منهم على قتيبة بأربعة آلاف أسير، فقتلهم بشكل فيه الكثير من الإفراط، إذ أمر  بسريره، فأخرج، وبرز للناس، وأمر بقتل الأسرى، فقتل بين يديه ألف، وعن يمينه ألف، وعن يساره ألف، وخلف ظهره ألف(3 ).

وفي سنة أربع وتسعين، غزا العباس بن الوليد ارض الروم، وفتح أنطاكية، وفي هذه السنة غزا قتيبة الشاش وفرغانة، ففتحوها، واحرقوا أكثرها( 4).

وفي سنة ست وتسعين، غزا بشر بن الوليد الشاتية. وفيها فتح قتيبة كاشغر فسبى منها سبيا فختم أعناقهم ( 5)، وغزا الصين، وقاتلهم، فدفعوا له فدية عظيمة.

وفي سنة سبع وتسعين، جهز سليمان الجيوش لغزو القسطنطينية، وعين يزيد بن المهلب واليا على خراسان (6)، وفي عام خمس ومائة غزا مسلم بن سعيد الترك من جديد فلم يفتح شيئا(7).

في كل هذه السنين كان البشر من المسلمين وأعدائهم يدفعون ضريبة الدم سوية لمجرد أن يتلذذ القائد بدمويته، وينعم السلطان بما تأتي به الحروب من أموال وعطور وغلمان حسان وإماء وقيان، وكان الذبح في هذه المعارك بلا عدد، حيث تتكرر جملة: "وقتلنا منهم" أو "وقتل الله منهم" تتبعها جملة "عددا كثيرا" مع كل سرد لواحدة من قصص تلك الغزوات. وبين هذه وتلك وقعت عشرات المعارك والحروب وحالات النهب والسلب في كل الأنحاء.

وقبل هذه التواريخ هناك تواريخ الدم الحجاجي، فالحجاج بن يوسف الثقفي والي الأمويين على العراقين (الكوفة والبصرة) لوحده كان أمة من الطيش والرعونة والبطش وسفك الدم، إذ قام سنة سبع وسبعين بإخراج خمسين ألف من مقاتلة الكوفة بإمرة عتاب بن ورقاء لمقاتلة شبيب الخارجي، ولما التقوا به، أوقع فيهم القتل فانهزم من بقي منهم(8).

وفي سنة ثمان وسبعين، في غزوتهم ارض الروم، أصابهم مطر عظيم وثلج، فأصيب بسببه ناس كثير (9).

وفي سنة تسع وسبعين غزا عبيد الله بن أبي بكرة بأمر من الحجاج رتبيل ملك الترك (10)، وكان الحجاج قد أوصاه أن يستبيح أرض رتبيل، ويهد قلاعه، ويقتل مقاتلتهم، فخرج في جمع من أهل الكوفة والبصرة يقدر عددهم بأكثر من خمسين ألفا، وحاصرهم الترك قرب مدينتهم العظمى، حتى فنى أكثر المسلمين، ثم خرج من خرج من الناس صحبة عبيد الله من ارض رتبيل؛ وهم قليل.. وقيل: إنه قتل من المسلمين (أهل الكوفة والبصرة) في تلك المعركة ثلاثين ألفا، ومات بسبب الجوع منهم خلق كثير أيضا.. وقد قتل المسلمون من الترك خلقا كثيرا أيضا، قتلوا أضعافهم(11).

وكان الحجاج قد حارب رتبيل في سنة ثمانين حربا كادت تودي بنظام الحكم، قال ابن كثير: "وفي هذه السنة جهز الحجاج الجيوش من البصرة والكوفة لقتال رتبيل ملك الترك... فجهز أربعين ألفا، من كل من المصرين عشرين ألفا، وأمر على الجميع عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث"(12). فتصالح ابن الأشعث مع رتبيل وزحف على الكوفة، ودارت حرب استمرت ثلاث سنوات، قتل فيها بحدود مائتي ألف مسلم من الطرفين المسلمين المتحاربين.

تدلل هذه الأرقام ان القيادات الحاكمة وقيادات الجيوش لم تكن ترقب حرمة سفك الدماء ولا تتحرج من سفك الدم البريء، وإنها كانت تتلذذ برؤية الدم، وتتفنن بطرق القتل، وكانوا ينزعجون إذا ما صمدت مدينة ما بوجههم، فيصبون جام غضبهم على أهلها من النساء والأطفال والشيوخ، وعلى مبانيها الحكومية والسكنية، وعلى بساتينها ومزارعها، وعلى طرقها ومصادر مائها. روى الطبري أن صمود سمرقند، أزعج قتيبة بن مسلم الباهلي، فوقف في الرواق محتبيا بشملة؛ وهو يقول كالمناجي لنفسه: "حتى متى ياسمرقند يعشش فيك الشيطان؟ أما والله لئن أصبحت لأحاولن من اهلك أقصى غاية"، قال سليم ناقل الخبر: فانصرفت إلى أصحابي، فقلت: كم من نفس أبية ستموت غدا منا ومنهم! فأخبرتهم الخبر(13). فما كانت تدره الفتوح من خير لم يكن بالأمر الهين، والتنافس بين القادة كان على أشده، حيث كانت طاحونة الحرب تدور في جميع الأنحاء، وكافة الاتجاهات، روى ابن قتيبة: أن علي بن رباح نقل خبر فتح الأندلس إلى الخليفة الوليد بن عبد الملك، فخر الوليد ساجدا، فلما رفع رأسه أتاه فتح آخر، فخر أيضا ساجدا، ثم رفع رأسه، فأتاه آخر بفتح آخر، وخر ساجدا، فقال علي بن رباح: حتى ظننت انه لا يرفع رأسه (14).

وفي الوقت الذي أمر فيه الإسلام ورسوله (صلى الله عليه وأله وسلم) بالحفاظ على سلامة الأسير وإكرامه، وحث على معاملته بالحسنى، كان قتل الأسرى في زمن الفتوح الأموية جزء من المنظومة الدموية، ومن ذلك أنه بعد فشل ثورة عبد الرحمن بن الأشعث، أسر الجيش الأموي عددا كبيرا ممن اشتركوا فيها من القراء وغيرهم: "ولما قدمت الأسارى على الحجاج قتل أكثرهم وعفا عن بعضهم"(15)، وفي رواية أخرى: "فجعل يقتلهم مثنى وفرادى، حتى قيل: إنه قتل منهم بين يديه صبرا مائة ألف وثلاثين ألفا"(16).

ولذا لا غرابة أن تجد بيننا اليوم من يسعى إلى سفك دم الإنسان لأبسط الأمور وأكثرها تفاهة، لأن ما قام به الأقدمون تحول إلى مقدس، وأصبح منهجا للخلف يتبعونه على أنه من تراث السلف، وهم يدركون أن سلفهم ذاك اكثر منهم ضلالا وجهلا، لأنه قبلهم انحرف عن جادة الإسلام!.

 

صالح الطائي

........................

1ـ تاريخ الطبري، ج 6 ص 337

2ـ المصدر نفسه، تاريخ الطبري، ج 6 ص 337

3ـ  المصدر نفسه، ج 6 ص 355

4ـ المصدر نفسه، ج6، ص 364ـ365

5ـ  المصدر نفسه، ج6، ص 376

6ـ المصدر نفسه، ج6، ص 364ـ365

7ـ المصدر نفسه، ج7 ، ص 14

8ـ  ينظر: البداية والنهاية، ابن كثير، ج 5/ص23 .

9ـ  المصدر نفسه، ج 5/ص28

10ـ المصدر نفسه، ج 5/ص34.

11ـ  المصدر نفسه، ج 5/ص37.

12ـ البداية والنهاية، ابن كثير، ج 5/ص39

13ـ تاريخ الطبري، الطبري، ج 6/ص 360

14ـ الإمامة والسياسة، ابن قتيبة، ج2/ص89ـ90

15ـ العقد الفريد، ج2، ص 394

16ـ البداية والنهاية، م5،ج9،ص61

 

علي ثوينيحدث بعد إستقلال الجزائر أن ألقى أحد كبار المستشرقين محاضرة في مدريد عنوانها(لماذا كنا نحاول البقاء في الجزائر؟)، وأجاب على هذا السؤال بشرح مستفيض ملخصه: إننا لم نكن نسخر النصف مليون جندي من أجل نبيذ الجزائر أو صحاريها أو زيتونها. إننا كنا نعد أنفسنا سور أوروبا الذي يقف في وجه زحف إسلامي

محتمل يقوم به الجزائريون وإخوانهم من المسلمين، عبر المتوسط ليستعيدوا الأندلس التي فقدوها، وليدخلوا معنا في قلب فرنسا بمعركة بواتيه جديدة (يقصد بلاط الشهداء)، حيث ينتصرون فيها ويكتسحون أوروبا الواهنة ويكملون ما كانوا قد عزموا عليه أثناء حلم سابق بتحويل المتوسط إلى بحيرة إسلامية خالصة ([9]).

 وتسنى للمركزية الغربية النضوج في الأزمنة الحديثة وذلك منذ قرنين ونيف، حيث تعلمت من تجاربها أن دراسة الآخر وبث المفاهيم المحرفة في ثنايا ثقافته ضمانة لتبعيته اللاحقة. وهكذا فإن حركة الإستشراق عندهم والإستغراب عندنا سياقات لهذا التوجه المضلل، والساعي إلى تكريس المركزية الغربية التي صحى عليها الشرق الإسلامي وقابلها بالمثل أو كاد منذ الرعيل (التنويري) كما وصفوهم، مثل جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وعبدالرحمن الكواكبي وحزب الجامعة الإسلامية في الهند الذي تحول إلى حركة الأخوان المسلمين في مصر. ولتضخيم المركزيات الدينية والعرقية والطائفية بوصفها أشكالا صيانية للمركزيات عموماً، والتي تتمحور حول الذات النقية، والسلف الصالح والفرقة الناجية، مقابل اتهام الآخر بالإنحراف والنأي عن صلب العقيدة. وقد شاركت طبيعة المجتمعات المخاتلة حتى الأوربية منها (ولمستها حتى عند السويديين مثلا) أو المتبعة لمبدأ (التقية) اي إظهار ما ليس يظمر. كل ذلك تداعى إلى يقينات محرضة، وكان سبب في إنتفاء الحاجة للحوار والنقد الثقافي، وأسهم في تعويم معرفة الآخر لنزع فتيل العدوانية، وفي التقريب بين مصالح المركزيات بشكل واع.

ولم يخلى الغرب من التفتت الداخلي، فقد عانت الفرق الدينية والأقليات العرقية من التهميش والإزدراء حتى اليوم قبل أن يحل المهاجرون المسلمون بينهم. وربما كان هذا سبب مباشر في ظهور مبدأ (الكيتو) وفحواه أن حارة اليهود في مدينة البندقية الإيطالية عام 1516م، وضعوا بابا توصد بعد الغروب وتفتح في الصباح، وتجعلهم بمأمن من الآخر المخالف بالدين وتضمن لهم الإختلاء إلى بعضهم لتاسيس فكر الجماعة المصغرة المناقض والمناهض أحيانا للجماعة الأكبر الحاوية. وإذا كان الغرب قد تلاعب في ورقة الأقليات عندنا، فقد فشل العالم الإسلامي في تأجيج وضع الأقليات المضطهدة، أو الدولة الهامشية داخل كيانه.

وتعاني المركزية الغربية اليوم من الوهن وضعف الحجة، وذلك من جراء عدم إيصال البشرية إلى حالة من الرفاهية الموعودة، وتخبطت في حمى المادة وتهافتت على أسواق المال، حتى لنجد أن طرح المركزية الغربية كبديل وقدوة اليوم أقل من ذي قبل. فقد أنتظرت أفريقيا والهند قرنين أو ثلاث لترتقي، لكنها لن تطأ مصاف المثل الغربي الأعلى.

نلاحظ في تصاعد الفتنة خلال السنين الأخيرة صعود تيارات مادعوه الغربيين (الإرهاب الإسلامي) للإيغال في عدوانيتهم، رغم أنهم من صنعوه ومرروه بلعبة الأمم فنجد مثلا أن جماعات إسلاموية في مصر تتمادى في سلوكها الإرهابي وقتل الأبرياء وهدم الدولة وليس السلطة، استناداً إلى فهم يقوم على القياس الخاطئ والتأويل المنحرف للآيات القرآنية، كما عبّر عن ذلك أحد قادتهم واسمه الدكتور فضل في كتابه (العمدة في إعداد العدة)، أنه بعد البعثة المحمدية، يحق للمسلم أن يقتل من لم يدخل طواعية للإسلام، سواء كان في الداخل أم الخارج. وهذا إستهتار حقيقي بحق النص القرآني غير القابل للتأويل بأن (لا إكراه في الدين) وأن النبي جاء منذر وليس مسيطر، كما عليه مشايخ ومراجع اليوم.

وحري ذكر احد المركزيات التي ظهرت في القرن العشرين، ألا وهي الماركسية التي ادعت في تطبيقها (للإشتراكية العلمية) أنها تمتلك الحقيقة المطلقة، انطلاقاً من الشعور بتضخم الذات(التقدمية) والعداء للآخر(الرجعي) متمثلاً في العالم الرأسمالي والإمبريالية. وقد قاموا بالمتاجرة بالشعوب الضعيفة والطبقات المسحوقة والمغرر بها من النخب في حالة من (الحرب بالنيابة)، وذلك تحاشيا للمصادمة بين الغرب والدول الشيوعية. ومن المفيد ذكره أن سوسة النخر كانت قد أكلت السلطات الشيوعية من الداخل، وقد عشتها شخصيا في رومانيا و، وذلك من خلال التعسف والشمولية. ومن الطريف أن الشيوعية أنتقدت ظاهرة الأديان التي عدتها (أفيون)، لكنها أستثنت اليهودية ، مجاراة ومداراة ومحاباة، لكون جل القيادات الشيوعية في العالم كان من اليهود، وفي العراق فإن الرعيل الأول من الشيوعيين كان جلهم من اليهود، وأتمر بين أول خلية أسست عام 1922 على يد السفارة البريطانية في بغداد، حتى ترحيلهم عام 1950، فسلموها للأكراد الذين حولوها من الأممية إلى القومية العرقية([10]).

 تعد (المركزية الغربية) أهم مركزية نعاني من سطوتها اليوم، بعدما أدعت إمتلاكها الحقيقة المطلقة، كونها الإيديولوجية السياسية النموذجية التي ستحقق السعادة للبشر. وحدث أن زادت ثقتها بنفسها بعد سقوط الشيوعية 1992، بحجة أنها كانت محقة في مناصبتها العداء لحقبة 45عام ، رغم المشتركات الكثيرة بينهما، ولاسيما مناصبة العداء للشرق عموماً وثقافاته وأديانه. وأنتفخ الغرب إختيالا، وأنبرى الكل شامتا مثل فوكوياما، الذي كتب عن (نهاية التاريخ) احتفالاً بالانتصار. ولكن يشاء القدر أن تقوم أزمة اقتصادية كبرى في الولايات المتحدة الأميركية في العام 2008 مثلت انهياراً كاملاً للنموذج الرأسمالي الذي أجبر إدارة الرئيس أوباما على ضخ تريليونات الدولارات لإنقاذ الدولة الأميركية من إعلان إفلاسها. وأكد انهيار النظام الرأسمالي الاقتصادي الفرنسي توماس بيكتي في كتابه (رأس المال)، والذي تنبأ فيه بسقوط الرأسمالية كنظام اقتصادي، ونهاية الديموقراطية كنظام سياسي. وهذا معاكس لما اشاعته المركزية الغربية بأنها باقية سرمدية، رغم الداء والأعداء!.

مكثت المركزية الغربية تتبنى نظرة استعلائية في زعمها أن الغرب هو المعيارية في الفرز بين التقدم والتخلف، ومركز العالم، والمنتج الأوحد للقيم الإنسانية، والمرجع الأوحد في تسجيل انتقال شعب أو ثقافة من "البربرية" إلى "المدنية". وأمسى الغرب المشرّع الأخلاقي العالمي، ليغطي على تنظيمه للعلاقات العالمية من خلال المنظمات التي تبدوا نزيهة من خلال تسميتها المنمقة الحيادية، لكنها تنصاع وتسير من قبلهم كما الأمم المتحدة ومجلس الأمن والمنظمات الملحقة بها، والنظام المصرفي العالمي.

إن المركزية الأوروبية، قامت على مجموعة من الأساطير صبت في قالب مفاهيمي يقيني، ومنها مثلاً أن الشعوب رحلت من الشمال إلى الجنوب، وهذا مخالف لسنن الطبيعة حينما نشأ الإنسان في المناطق الدافئة في وسط الأرض، أفريقيا بالذات، وهاجر نحو الشمال بعد أن دب به الدفئ :ما هو حال إنتقال الأكديون إلى شمال العراق حوالي 2400 ق. م وبداية بناء الحضارة الآشورية. حيث أن تلك المركزية رامت أن تجعل كل الشعوب قد سكنت أوربا قبل رحيلها للشرق والجنوب. وتشير الحقائق أن أوربا هي من آخر الأراضي التي سكنها البشر، ومازال شمالها فارغ من السكان، بحالة من تزوير الحقائق وتدوير الوقائع.

أكتشفنا بالصدفة أن اللغة التي يتكلمها شعب الباسك في شمال إسبانيا وجنوب فرنسا هي لغة بربرية قديمة اي تحاكي لغة سكان شمال أفريقيا القدماء، وهذا يؤكد أنهم قدموا من الجنوب لأنقطاع نسلهم ومكوثهم كأقلية على عكس شمال أفريقيا. وغيرها أن الغربيون لم يعلنوا عن لغة الأتروسكيين، الشعب الذي رحل من سواحل شمال الشام إلى إيطاليا ليؤسس لجذور الحضارة في أوربا حوالي 1000 ق. م. ومكث الأمر مجهول ردحاً، رغم فك رموز تلك اللغة، حتى أعلن قبل سنوات قليلة أنهم تكلموا لغة سومرية متأخرة، أي قدموا من الجنوب ليسكنوا (توسكانيا)ويؤسسوا للمشروع الحضاري في تلك الأرض، التي غزاها الشماليون مراراً بحثا عن الدفئ والشمس والعيش الرغد، وهدموها كل مرة، ولم ينشأوا بها حضارة، مثل شعوب اللومبارد والقوط والوندال والنورمان والجيرمان.

وثمة الكثير من التأثيرات الشرقية القديمة أو حتى العربية تتعدى المسكوت عنه رغم إفتضاحه في جنوب أوربا، بل في شرقها، غير المسكوت عنه في بريطانيا نفسها. إذ نجد في روسيا كثير من التسميات، ربما تعود لأثر آشوري، أو حتى لحقبة دولة قازان التترية التي سحقها إيفان الرهيب(1530-1584)، عام 1552م، مثلما سبق وأن قضى السلاجقة والروس على مملكة الخزر اليهودية، التي كان سبب في هجرات تركمانية وتترية يهودية ووثنية بإتجاه الغرب، ووجدوا الملاذ في شعاب الجبال شحيحة بالسكان وكونها ملاذ أمن من هجومات الدول. لذا نجد نسبة اليهود في وسط أوربا أكبر ولاسيما جنوب بولنده (كراكوف مثلا)، والجيك والسلوفاك والنمسا وهنغاريا وتمددوا لاحقا نحو ألمانيا والغرب، وهم غير اليهود الذي وصلوا أنكلترا وإيطاليا وسويسرا وهولندا من هجرات أندلسية أو من جنوب البحر المتوسط. وهنا نلمس إيحاءات بتسميات في شرق ووسط أوربا أصلها شرقي محض، مثلا مملكة جنوب رومانيا كانت تسمى (فلاحياValahia ) التي حرفها الأتراك إلى (الأفلاق)([11])، وهي منطقة فلاحية فعلا، وسكنتها شعوب آرامية، وثمة إنتماء ثقافي للشرق يدركه من يتعايش مع القوم، بغض النظر عن ألسنتهم، التي لاتعني عقليتهم الشرقية([12]).

ربما يكون لانهيار الأخلاق اللاهوتية بعيد النهضة في أوربا، ثم مرحلة نقد الموروث الإغريقي الذي قام به: روجر بيكون، وغاليلو، وبيكن، ثم لوك، وهيوم، وباركلي، وصولاً إلى ديكارت، وسبينوزا، وعمانوئيل كانط، وهيغل، وماركس، قد أعطى دفق من الغرور لتلك المركزية، رغم أن أفكارهم توحي بالعقلانية، لكنها كانت تحمل في طياتها خيلاء العالم الذي ينتفخ غروراً. وفي العقود المتأخرة ورد نقد للمركزية من المدرسة الفرنسية أكثر من غيرها، مثل جاك دريدا(1930-2004)، ، الناقد للتمركزات الخطابية في الثقافة الغربية منذ افلاطون إلى دوسوسير، والآخر الألماني يورغن هابرماس(ت:1929) نقد ممارسات مادعي "الواقعية" الغربية، بما في ذلك تصنيف العقل أداة مجردة خالية من النزعة الانسانية، ودعا الى العقل التواصلي من خلال مفاهيم ماركسية. وكان قد سبقهم بول فاليري الذي قال :كل الحضارات ذائقة الموت، وان الحضارة الغربية دقت بداية نهايتها، وهذا ما تبناه الفيلسوف الفرنسي "اليساري" ميشال أونفري. وبات يتحسر على مصير حضارة يهودية-مسيحية تعيش أعمق أزماتها الاقتصادية والأخلاقية والنفسية، وبثها في كتابه (الانهيار، من يسوع إلى بن لادن، حياة الغرب وموته).

ويعدد أونفري المؤشرات على الإنهيار ذاكرا: تحويل مباني الكنائس إلى أغراض أخرى غير روحية، وانعدام أيّ رغبة لدى الشبان في الغرب للالتحاق بمهنة الكهانة، نقض وضعف الإيمان والتملص والتحرر إزاء العقائد الدينية من قبل المؤمنين أنفسهم، والتعامل مع الدين كما يحلو للمؤمن دليل على تفكك الأساس، حتى تصدّعت جدران الكنائس وانهارت أقسام منها. ويشهد على الانهيار: اضمحلال القيم وظهور مفهوم ما بعد الحقيقة الذي يعني انتشار النسبية على نطاق واسع، والعجز عن تكوين مجتمع حيث يسود الانشطار، بمعنى هيمنة الفرد الواحد المنفرد، الأناني، المتبجح، المُطالب. وكذلك موت الواجبات التي لم يعد يستسيغها أحد بينما تعطى الإمكانية كلها للحقوق التي يطالب بها الجميع لنفسه وجماعته، وانتشار الأمية حتى بين الذين يفترض فيهم حمل وامتلاك المعرفة. الابتذال أصبح يعلق كقلادة ويحتفى به كجمالية عندما يقترفه لاعبو كرة القدم والممثلون والرياضيون بصفة عامة والمغنون ذوو الشهرة والنجاح ومقدمو البرامج في التلفزيون. أما المال القذر فأصبح المتحكم في كل شيء كعلامة على قيمة الذات، ورفض البلوغ والوصول إلى الرشد والأطفلة جعل الراشد يعيش نكوصا كالصغار، وهيمنة دين الاستهلاكية الذي يقيس قيمة الذات بما تملكه، ناهيك عن الفساد المستشري لرجال السياسة على نطاق واسع وحصانتهم، والاستهتار الذي أمسى يمارس في العلن، يواكبه اختفاء الشجاعة، وقبول العبودية الطوعية برحابة صدر وسرور([13]).

لقد ركز كل هؤلاء الفلاسفة على أكثر الأساطير والدعاوى الغربية خيلاء ودجل بأنها سليلة الحضارة اليونانية ثم الرومانية، ومكثت عذراء ولم تؤثر عليها ثقافات أخرى، وأنتفوا قطعاً تأثرهم بالحضارة الإسلامية من معابرها في إسبانيا وجنوب أوربا وصقليه ثم بالبلقان. ولم يعترفوا بأن طرز عمائرهم مثل القوطي والباروك أتى من تأثيرات ثقافة المسلمين المعمارية، لا بل أن الرومان واليونان أخذوا كل معطيات ثقافتهم من الشرق القديم، ومنه اللغة والكتابة والأديان والعمارة والفنون. وهكذا تداورت الكذبة لقرينين، لكن جلائها جاء على يد مارتن برنال في كتابه (أثينا السوداء) حينما كذب الأسطورة الغربية، وأثبت ورود الحضارة اليونانية من تأثيرات مصرية وشامية وعراقية محضة. ثم ذهب نفس المذهب الأمريكي (جورج جيمس) في كتابه الهام (التراث المسروق)، حيث إتهم اليونانيين بسرقة الفلسفة والعلوم من الشرق القديم ونسبتها إلى رموزهم وعلماءهم كـسقراط وأرسطو وفيثاغورث وغيرهم. وقد شارك في نقد المركزية الأوروبية رهط من الغربيين غير برنال مثل روجيه جارودي وكلود ليفي شتراوس وغيرهم.

إن فشل الدولة الحديثة في احتواء التنوع الثقافي والهوياتي، وتأجيجها صراعات إفتعالي بغرض تكريس سلطتها، جعلها في مرمى النقد بعدما عبرت على ظهرها المركزيات بأنواعها (الأنا المنتفخة) أو(عقدة الخواجه) أو (عقلية الكيتو)وكلها تؤدي نفس الوظيفة البائسة في بناء ثقافة تصاعدية. وهنا نشعر بحاجة إلى تفكيك هذه المركزيات، والى إعادة النظر بأنماط خطابها القائم على وهم القوة وعدوانية الآخر، وتشويش التصورات الثقافية والدينية/ الطائفية التي تسندها، وهذا يتطلب بالضرورة تغذية وجود أفكار أكثر واقعية وعلمية ووسطية في مواجهة هذه التصورات، ودحض كل عناصر الخوف التاريخي من الآخر التي شرعنتها التشرذمات، بعدما فرضت أوهاما لاتمثل هوية رغم أنها تدور في (أنا والآخر). ومن سمات نكوصها أنها شجعت على (الجهل المقدس) ليكون المعيار لكل علاقة في العقد الإجتماعي غير المبرم. وقد كشفت الايام أن السلطات القومية السابقة، والمتبرقعة بالورع الديني اللاحقة محض ثلل جاءت مع المحتل بغرض سرقة المال العام، واضطرتها غاياتها ووهن حجتها في ممارسة القمع بأشكاله الشمولي أو الترهيبي أو التصفية الجسدية. مازلنا نشعر بأن العلة تكمن بنا، وحري ان نفرز نخب بعيدة عن الإنتهازية والإرتزاق والوصولية والنفاق والشلليه والتصفيق للأقوى والدفاع عن الظالم. لقد حل المثقف المتفذلك اليوم محل الواعظ المساند للسلطان بالأمس القريب، لتكرس حالة هبوط نوعي للإنسان.

رباط الكلام Conclusion

اليوم يحتدم الصراع بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، على الأقل "ظاهريا"، وقد أستقطب الأهواء وحمس الآراء، وألتبس فيه ماهو ثقافي –إجتماعي أو سياسي-حربي، مصلحي أم مبداي. مع من نقف وأين تكمن مصلحتنا كعرب، هل نتضامن ضد "عدو مسلم" ونؤازر "صديق كافر". سجالات عقيمة بين دهماء تخضع لوعي متدن، ونخب مشتته، تسبق الأدلجة على الحمية الوطنية، والأمر يحتاج إلى سبر وعمق معرفي يتلمس الجذور المؤسسة، ليؤسس لموقف واقعي وحكيم.

إذا تسنى لنا تفكيك مفاصل هذه الفوضى، فإننا سنكتشف أن المتناطحين يحملان أجندات "مركزية"، فبين (الغربية) و(الفارسية) تجاذبات من التمازج والتحاجج. المركزيتان يدعوان إلى سطوة وتفاضل (آري)، كما يبدوا للوهلى الأولى، على حساب عرب (ساميين). لكن من الغريب أن إسرائيل (المنتشية بساميتها) تقف مع "آريي" أمريكا، وأن بعض العرب المسلمين (المصنفين ساميين) يقفون مع أمريكا"، رغم عداء بعضهم الظاهري مع اليهود، وتحفظهم في الولاء لأمريكا التي تشيح عن وجهها "المسيحي" بين الفينة والأخرى. نتذكر حينماأعلن (جورج بوش) إبان إحتلال العراق، بأنه تلقى (نداء الرب) وأن حربه (صليبية)!. لكن تبين لاحقاً أنه نداء الجيب السابق لنداء الرب!، بعدما استحوذ الأمريكان على نفط العراق وتناصفوه مع إيران، التي توحي العلاقة بينهما سياق سابق لأتفاق "جنتلماني" مبطن ضمن لعبة الأمم، ولم يأت من فراغ وعبثية وصدفة، والدليل في سكوت إيران على إحتلال العراق 2003. وهذا ما يزيد الأمور التباس وضبابية.

قبل أن ننحاز إلى هذا أو ذاك من المتناطحين. لابد من قراءة المركزيات بتأني وموضوعية قبل الإنحياز للأمريكان أو الإيرانيين. وأن نلتمس أين تكمن مصلحتنا كشعوب وثقافة عربية. إن تواتر الأحداث يوحي بما حصل إبان شفق الرسالة المحمدية، حينما ترك المسلمون الروم(الأمريكان) والفرس (إيران) يتطاحنون بحروب الإستحواذ، حتى خارت قواهما الأثنين، فأجهز المسلمون البسطاء، على دولتين عظميين وأراحونا من غطرستهما لـ1400 من تأريخنا المضطرب، الذي يحتاج إلى قراءة واقعية وعقلانية، بعد إخضاعه لمرشح نظريات أزمنتنا في الإجتماع والنفس والسياسة والإقتصاد، لنقترب من الحكم الصائب الذي نسعى له، متمنين أن تكون خسائرنا الأقل، وربحنا الأوفر، وهذا يحتاج إلى سلطان الضمير والعقل.

 

د. علي ثويني

.....................

هوامش

[1] د. ميثم الجنابي –مقال: المركزية الإسلامية المعاصرة- قوانين التاريخ ومنطق الثقافة-الحوار المتمدن 2014 / 8 / 17

[2] نتذكر في شبابنا هالة الإعجاب بين الشيوعيين العراقيين على اثر إعلان الرئيس الصومالي محمد سياد بري، في بداية سبعينات القرن الماضي عن إصراره بغرور على تطبيق (الإشتراكية العلمية) وبعد أن استلم دعم السوفيت، تحول إلى (إمبريالي) امريكي، ليتخبط ويضيع الصومال حتى اليوم.

[3] ترجم المنشور البرت ناصر، ونشر في 22-نيسان\أبريل 2013

[4] التقينا المرحوم جورج طرابيشي عام 2013، وسألناه إن كان قابل الجابري خلال ربع قرن من السجال، فأجاب بأنه لم يقابله، ولا يعلم إن كان يقرأ مايكتبه في الرد عليه.

[5] وهو أحد مسميات الأخوان، كما حزب أردوغان(العدالة والتنمية) في تركيا.

[6] السيد ياسين: مقال : المركزيات الثقافية بين النسق المغلق والآفاق المفتوحة. جريدة الحياة. 21 فبراير 2015

[7] الدكتور عبدالله إبراهيم. صدر في بيروت، من المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2004.

[8] لقد فضح علي صالح السعدي أحد القياديين البعثيين العراقيين وأمين سر الحزب بالعراق، حينما لجأ لبيروت بعد إنقلاب عبدالسلام في تشرين/1963، على قيادتهم، بأنهم جاءوا في شباط/فبراير 1963 (بقطار أمريكي)!.

[9] جلال العالم (عبد الودود يوسف الدمشقي )- قادة الغرب يقولون دمروا الإسلام أبيدوا أهله-طرابلس 1974.

[10] التقينا بالسويد عام 1992 مع المرحوم زكي خيري وهو شيوعي مخضرم، والذي اخبرنا بأنه كان عضو في أول خلية شيوعية في بغداد عام 1922، أي قبل الإعلان عن تأسيس الحزب عام 1934، حيث كان يعمل مترجم في السفارة الإنكليزية. ومن المنقول أن الإنكليز أنفسهم من فرض شخص ساطع الحصري القومي البلقاني ليعرب العراق، رغم حساسية الملك فيصل الأول منه. وهو من آزر تأسيس المنظومات السلطوية والتيارات القومية العروبية في العراق.

[11] ثمة وثائق في سوريا تشير إلى أن مؤسس حزب البعث ميشيل عفلق الذي حكم العراق وسوريا اصله من يهود تلك المنطقة ورحل أبوه وجده في نهايات القرن التاسع عشر، وقد حرف أسمه من (أفلاق)إلى (عفلق). (راجع كتاب إسلام عفلق لمطيع النونو-لندن 1995).

[12] عشت في رومانيا بين 1976-84) وتعلمت لغتها ودرست العمارة بها وأطلعت على ثقافتها التي لها تطابق عجيب مع الثقافات الشرقية ومنها العربية.

[13] ميشال أونفري-مقال: انهيار الحضارة الغربية أمر لا مرد له –ترجمة حميد زناز -نشر في 2017/05/28، العدد: 10646، ص(12)-جريدة العرب –لندن.

 

سامان سورانيبما أن الحداثة أمر مختلف كلیاً عن التحدیث، لأن الأخیر هو نوع من الأخذ بالتطور العلمي والتقني وتفعیل البنیة التحتیة للمجتمع حسب الأفكار الأساسيّة المرتبطة بالتطور كنقطة إنطلاق في جوانب الحیاة العمرانیة المختلفة وفي أنماط الإستهلاك والعیش وأدوات وأسالیب المواصلات والإتصالات وغیرها من المنتجات والمخترعات التي وصل إليها العقل البشري.

بالتأكيد هناك مجتمعات فاعلة تصنع التحدیث ومجتمعات غیر فاعلة تطبق وتنقل وتقلد التحدیث، تبقی قاصرة وتلعب أخیراً دور المستهلِك.

أما فيما يخص الحداثة فنری أنه مختلف عن التحديث بشکل كبير، فهي تهتم بالدرجة الأولی بالجوانب الفلسفية والفكرية والثقافية والسياسية القائمة في المجتمعات ومفاهيمها.

هناك مفاهيم جدیدة في الفلسفة تم تقدیمها من قبل الحداثة، التي شددت على تبني العقلانية وتفعيل العقل وأكدت على العلمانية وأحدثت قفزة فكرية شديدة الأهمية في تاريخ الفكر الإنساني وحققت ثورة سياسية من خلال تبنيها أُسُساً جديدة للدولة الحديثة كمفاهيم الحرية وتسليط الضوء علی مفهوم الفردانیة (الفرد الحر) والمساواة والديمقراطية وإصلاح الخطاب الدیني ونقد التراث والأفكار العقائدية الجامدة.

وبفضل الحداثة تمكنت المجتمعات من الإنتقال من عصر الزراعة الی عصر الصناعة ومن الفكر الإقطاعي الی الدولة القومية ومن الإستبداد والسلطة المطلقة الی الديمقراطية والديمقراطية الجذرية. إذن التحديث هو نتيجة من نتائج المجتمعات الحديثة وتابع الزامي لها.

الحداثة دخلت الی كوردستان عندما تم صدور أول جریدة كوردستانية في الثاني والعشرين من أبریل عام ١٨٩٨، ماضينا يقودنا الی ما نحن عليه في حاضر هذا العصر المعولم.

في أقليم كوردستان هناك ومنذ سنوات سعي جاد من قبل القيادة الكوردستانية الحکيمة في إدخال الديمقراطية من الباب الأمامي، بغية تأسيس الديمقراطية والتحول والتغير الديمقراطي، اللتان لاتأتيان إلا من خلال إصلاح واع وجريء.

هناك بوادر لإحترام التميز الفردي وفضاء إيجابي يفسح المجال للإبداع والإبتكار ويكافئ ويقدر المتفوق لتحقيق ذاته.

إن إعطاء هذا الحق الأخلاقي الطبيعي للمواطن الكوردستاني في تحقيق ذاته هو الأساس الناجح والصحيح لنظام یعمل بعقلية الحکم الرشيد. وحب الشعب الكوردستاني لقياداتها السياسية الفاعلة يزداد بإزدياد قدرة القيادات علی تحمل المسؤوليات وإشراك الشعب معها في إدارة الأزمات.

لقد تمكن السید نيجيرفان بارزاني بسياسته الحكيمة المتوازنة، أن يؤدي دور رئيسي في نهضة الإقلیم من خلال بناء الوحدة الوطنية والتماسك الاجتماعي المساهم في الإعمار والبناء وأثبت کرجل دولة ولمرات عدیدة قدرته علی إدارة الإختلاف والتنوع بعقلية الحوار والإستيعاب وبإشتغاله علی المعطی الوجودي بكل أبعاده من أجل تحويله الی أعمال وإنجازات.

نحن نعرف بأن الحوار بالعنف هو عجز عن استخدام لغة العقل والمنطق. أما الحوار المتبادل بين مختلف الفئات والأفكار والاتجاهات بشكل موضوعي يستمع فيه الجميع إلى الآخرين بوضوح وتفهّم فأنه يمكن أن يؤدي بالنتيجة إلى إيجاد قنوات مشتركة تحقق التفاعل الاجتماعي الحيوي وترسم معالم الإصلاح والتحديث بشكل طبيعي مستمر على ملامح الشعب الكوردستاني، وتنشئ أسساً متجذرة من التماسك والتلاحم والوحدة.

هناك ضرورة ملحة للتحدیث والعصرنة في المجتمع الكوردستاني، لأن إستمرار وجود البنيات التحتية القديمة وعدم تطورها وتكاملها مع التغييرات العالمية المتصاعدة تصبح أساس للتخلف المتجذر في قواعد الفكر والعمل.

فالتحدیث مابعد الحداثة تساعدنا علی أن لا تُنتزع منّا أسس الأصالة والثبات في المبادیء الأساسية للثقافة الكوردستانیة وأن لا ندخل في متاهات العصر المتقدم ونضيع في دوامات الانخراط في مظاهر الحضارة الحديثة.

أن ثورة الاتصال والمعلوماتية بفضائها المفتوح في كل الاتجاهات إخترقت كل خصوصيات المجتمع وايقاع العصرنة يتسارع في كل جوانب الحياة. أما التحديث فلا يتم إلا عبر إصلاح العقول التي صدئت من انغلاقها على نفسها، ورفضت الانفتاح على الآخرين.

ولكي نتمکن من التغلب علی صعوبات العصرنة، علینا أن نحدد العصرنة السياسية ونشجع، كما يعتقد العالم السياسي الأمريكي ومنظّر "صدام الحضارات"، صاموئیل هنتنغتون، الإصلاح الإجتماعي والسياسي في نشاط الدولة، بمعنی تغيير القيم وأنماط السلوك التقليدية وتوسيع نطاق الولاء ليصل ولاءنا الی الأمة الكوردستانية، بعد دفع النخبة الشابة من المثقفين، الذين يمتلكون مقومات التحديث لإعادة الهياکل المؤسسية الی مؤسسات فعالة في الدولة تساهم في ترسيخ الديمقراطية والتعایش السلمي وعلمنة الحياة وعقلانية البنی في السلطة.

وختاماً نقول مع الفيلسوف الهولندي باروخ سبینوزا (١٦٣٢-١٦٧٧)، "بقدر مايعيش الناس تحت رعاية العقل، فإنهم يکونون فاعلين، يقومون بالضرورة بما هو خير بالنسبة للطبيعة الإنسانية."

 

الدکتور سامان سوراني

 

رائد عبيسمحاولة فلسفية جادة لتفعيل النقيض

يمثل طموح اصلاح المجتمع هم عند جميع من يحمل وعي بالواقع وتغيّره، ووعي تتسع مديات باتجاه صورة أخرى، لواقع اجتماعي أكثر تنظيماً، وقلنا أ كثر تنظيماً حتى يأخذ تفكيرنا بُعداً عملياً لا يوتيوبياً اصلاحياً لا تخريبياً، وفكرة اصلاح المجتمع وخرابه، فكرة حاضرة في جميع السياسات التي تهدف إلى حكم المجتمع، وهذا الهدف كلف المجتمعات كثير من الخسائر في كل المجالات الحياتية. في واقع الأمر هناك أهداف شريرة في طموح حكم المجتمع، تتضح في سلوك السلطة ورغباتها وكل مشاريعها، إزاء البلد الذي تحكمه ومجتمعه. كيف نَعرف ذلك ونقيمه؟ اي فعل الشر لأي حكومة وسلوكها، بما أن المجتمع ينقسم بالعادة إلى أناس خيرين صالحين، واناس اشرار وعدائيين وفاسدين. فان السلطة واي سلطة تستغل ذلك، وتؤكد على شريحة تناسبها من هذا المجتمع، فالسلطة التي يتولاها أشخاص ذو نزعات شريرة، يتخذون من اولئك الناس الاشرار مناصرون ومؤيدون، وهذا شيء طبيعي فالشبيه ينجذب لشبيهه.وهنا يكمن منطق التغالب بين هذه الشرائح التي يصعب تصنيفها بسبب النفاق الاجتماعي. وكذلك يصعب فرزها أفرادها من وسط الزحام الاجتماعي، الميال لخلط بين هذه المواقف، فالناس الاشرار يعلى صوتهم بدعم وتأييد من السلطة المقربة لهم. والناس الاحرار الذين لا يتضح لهم موقف، بسبب غياب الداعم والمؤيد، فتبقى جهودهم جهود فردية في كل محاولة اصلاح أو دعوة لها، وان أصبحت ظاهرة فهي مقتصرة على أشخاص قلائل يسمون ناشطون. فالخاملون هم أناس لديهم رغبة بالإصلاح، ولكن يتملكهم اليأس والإحباط بسبب هيمنة أصحاب القوة الشريرة في المجتمع. وهؤلاء الاشرار يملكون طاقة مظلمة في المجتمع، تظهر في كل ما يحاولون السيطرة عليه والتواجد فيه جغرافياً وسياسياً، ومناصب إدارية ونشاطات تجارية وغيرها، وما يترتب من أفعال نتيجة هذه الهيمنة، فالمجتمع العراقي مازال يأن من كل الأخطاء التي وقعت بحق إدارته ومجتمعه،ومازالت هذه الأخطاء تُنسخ وتعمم على كل الحكومات المتعاقبة في إدارة شؤون البلد. مثال ذلك الإنقلابات، والحروب، والصراعات، والحصار، والفوضى التي تظهر وتختفي بين مدة وأخرى. هذه هي مخلفات السلب والشر المستبطن في نفوس اهله، والخراب الذي يمتلك عقولهم، والجهل الذي اقترن بهم، فضلا عن ذلك الشر الذاتي، هناك شر خارجي يسخر هؤلاء الأفراد المستعدون للشر الى تنفيذ اجندات بهم وعن طريقهم.

فالطاقة المظلمة في المجتمع العراقي، هي طاقة مثيلها موجود في اغالب المجتمعات، ولكل مجتمع فيه نسبة من هذه الطاقة، والسلطة تُسخر منها ما تحتاج وتقمع منها ما لا تحتاجه . وعلى المجتمع ايضا أن يُنظم قواه ويسيطر عليها من أجل محاولات الاصلاح التي يدعو لها العقل والدين. وهذا يعني أن على المجتمع اظهار قواه المضيئة الخيرة. وهذا يحتاج إلى مبادرات، وأفكار، ومشاريع تقرب فكرة الإصلاح في أذهان المجتمع الظلامي، وارجاعه الى نقطة الضوء. وهذه الخطوة لا تحتاج إلى أفكار سيطرة وقمع ذاتي أي ان يقوم المجتمع يقمع ذاته. بل تحتاج إلى حوار،  ونقاش، وروح سلام في أجواء من الحرية على أن لا تتجاوز حريات الآخرين. بمعنى أننا نرفض أي سلطة فرض لأي قوة على الأخرى، لا القوة المظلمة على المضيئة والا المضيئة على المظلمة. فبين دخول الظلام ودخول النور خيار ذاتي شخصي مستقل، أما دور المجتمع أو السلطة فيكمن بالمراقبة والسيطرة بما يحقق السلم المجتمعي العام.

أما دور المعرفة والوعي الناتج منها، فهو يدخل كعامل قوة في رفض وأبعاد القوة المظلمة عن المجتمع وإشاعة ثقافة الوعي، والحماية الذاتية، والتحصين المجتمعي، فالطاقة المظلمة ليس شرطاً أن تكون منظورة، وبهذا تكون أكثر خطورة من قوى اجتماعية مظلمة تظهر بين حين وآخر، بعنوان حركات وتيارات، سواء كانت دينية، أو سياسية، أو حتى معرفية، أو اجتماعية. وهذه القوى لا ينظرها الا أصحاب الوعي، والإدراك المُقيم لحالة المجتمع وحاضره ومستقبله.

الفلسفة تمنح نفسها هذه المسؤولية، في تقوم بتوصيف الواقع، وتحليله، ونقده، وإعادة تركيبه تربوياً وفكرياً وعلمياً، وبما ينسجم مع طاقة المجتمع على أن ينهل منها، ويتخذها طريقاً ومنهجاً يكون الأقرب به الى العقلانية والحكمة. حتى يتسنى له إمكانية معالجة الأخطاء وتصحيحها. والوقوف بتسلح الوعي والمعرفة بوجه القوى الظلامية وطاقتها، ومن يمثلها من أفراد المجتمع. فالطاقة السلبية موجودة في نفوس الأفراد، ولكن عندما تسخر كطاقة تضر بالمجتمع ومقوماته واسسه، الحماية بالوعي التنويري هو باب خلاص من الطاقة المظلمة في المجتمع و تمظهراتها.

 

الدكتور رائد عبيس

 

عبد الحسين شعبانلا تزال أوضاع النساء ومسائل التطرّف والعنف تثير مناقشات متعدّدة، سواء من جانب جهات رسمية حكومية ودولية أم من جانب هيئات ومنظمات مدنية ودينية عديدة، ولاسيّما في البلدان التي شهدت صراعات مسلحة ونزاعات عنفية. وقد حظي هذا الموضوع باهتمام الأمم المتحدة ومنظّماتها المختصّة على مدى عقود من الزمان، لكن اندلاع موجات من التطرّف وهو نتاج التعصّب ويعيش في قلبه، ناهيك عن استشراء العنف بجميع أشكاله ومظاهره، جعل المسألة أكثر راهنية وتحتاج إلى معالجات وتدابير وإجراءات للحدّ منها.

وقد نظّمت الأسكوا «اللجنة الاجتماعية الاقتصادية لغرب آسيا» في بيروت حلقة نقاشية ساهم فيها خبيرات وخبراء حول «النساء ومنع التطرّف في المنطقة»، وذلك في الجامعة الأمريكية ببيروت وبالتعاون معها ومع معهد الأصفري للمجتمع المدني والمواطنة. وقد ركّزت الحلقة على بحث أوضاع النساء في خمسة بلدان هي: تونس والجزائر وفلسطين والعراق ولبنان، وبقدر وجود مشتركات بينها، فثمة مختلفات وخصوصيات لكل منها، علماً بأن الجامع بينها هو التعصّب والتطرّف والعنف والإرهاب الذي عانت منه هذه البلدان، والنساء بشكل خاص، مثلما تعاني من هذه الظاهرة المستفحلة بلدان عربية أخرى، مثل اليمن وليبيا وسوريا، وتعيش النساء أنواعاً متعدّدة من العسف والحرمان، بما يترك تأثيراته على الأمومة والطفولة والتربية والصحة والمشاركة وغيرها من العوامل التي تمسّ حقوق الإنسان بالصميم.

وقد اعتمدت بعض البلدان ومنها العراق «خطة وطنية» خاصة بقرار مجلس الأمن الدولي رقم 1325 الصادر في العام 2000، وهو القرار الذي دعا إلى إشراك النساء باعتبارهن صاحبات مصلحة نشطة في مجال درء الصراعات وحلّها، «كعنصر فاعل في السلام والأمن». وقد واجه هذا القرار تحدّيات أساسية قسم منها يتعلّق بالحكومات والآخر بالمجتمعات والقسم الثالث بالنساء وهي حالة تعاني منها الغالبية الساحقة من البلدان النامية، علماً بأن البلدان التي تتّبع التدابير والإجراءات المنسجمة مع قرار مجلس الأمن الدولي قليلة جداً ولا يزيد عددها على 20 دولة، وهذا يعني أن القرار المذكور ما زال غير فاعل أو غير مطبّق بسبب الصعوبات والعقبات التي تعترض طريقه، وهو ما ينطبق على العراق والعديد من البلدان العربية، حيث لم يتم مراعاة خصوصية المرأة وإشراكها في عملية الحفاظ على الأمن وبناء السلام، إضافة إلى انخفاض مستوى الوعي لدى أجهزة إنفاذ القانون والسلطة القضائية، يضاف إلى ذلك عدم تأمين المستلزمات الضرورية لمشاركة المرأة في حلّ النزاعات، وعدم تمثيلها في أجهزة صنع القرار كشريك على قدم المساواة لمنع الصراعات وتحقيق السلام.

وفي أية خطة عراقية أو عربية أو دولية، يفترض اتباع تدابير وقائية وأخرى حمائية، ثم تدابير علاجية، خصوصاً للنساء اللواتي تعرّضن للعنف أو شاركن فيه في ظروف مختلفة ولأسباب عديدة، قادت إلى التطرّف الذي ترك آثاره وانعكاساته عليهن أو على المجتمع ككل، وهناك نساء عشن تحت كنف العنف وفي ظل هيمنة المنظمات الإرهابية، أو التحقن بالتنظيمات الإرهابية لأسباب أسرية أو تأثيرات خاصة عاطفية أو نفسية أو اجتماعية أو أوهام دينية أو فكرية أو تعاملن معه أو اضطررن تحت عوامل مختلفة للتعاطي مع الجماعات الإرهابية إيماناً أو بفعل الأمر الواقع أو خوفاً.

وتلعب عوامل عدم المساواة الفعلية دورها في ذلك، ففي العراق على سبيل المثال، وعلى الرغم من أن الدستور ساوى بين المرأة والرجل ونصّ على تكافؤ الفرص وعلى منع جميع أشكال العنف والتعسف ضد الأسرة والمرأة، لكن عدم المساواة قائمة في جميع المجالات.

وما زال العنف الأسري مستمراً، بل ارتفعت وتيرته على نحو كبير، خصوصاً في عدم صدور قانون يحرّم ذلك ويعاقب عليه، على الرغم من المطالبات العديدة من جانب بعض منظمات المجتمع المدني والمنظمات المعنية بالدفاع عن حقوق المرأة، لكن مجلس النواب والقوى المتنفذة فيه ذات العقلية الذكورية تحول دون ذلك، ويبلغ عدد النساء اللواتي تعرضّن إلى العنف ما يزيد على 20% من النساء في العراق لأسباب اقتصادية أو اجتماعية أو فكرية أو دينية (الزعم بشرعية العنف ضد المرأة) أو نفسية.

وكان من عوامل زيادة تفشي العنف هو سيطرة داعش لمدة 4 سنوات على الموصل (العام 2014) وما يزيد على ربع مساحة العراق، لاسيّما في التعامل مع النساء غير المسلمات: المسيحيات والإيزيديات، إضافة إلى معاناة النازحات، واحتجاز زهاء 4000 امرأة من الديانة الإيزيدية وتعرّضهن للتعذيب والسبي والاتجار بهن.

وهناك أسباب اجتماعية للعنف ضد النساء تتعلّق بالطلاق والعنوسة والتشرّد وجرائم الشرف، إضافة إلى الممارسات العشائرية، التي ما تزال تعتبر المرأة سلعة للتبادل، وبعض الأعراف البالية التي ما تزال مستمرة.

وإذا كانت الحروب والنزاعات الأهلية والطائفية وذيولها أسباباً أساسية لشيوع ظاهرة العنف، فإن ضعف مرجعية الدولة لحساب مرجعيات دينية وطائفية وعشائرية، إضافة إلى الفساد المالي والإداري والسياسي، كانت أسباباً أخرى للتطرّف والعنف التي كانت النساء أولى ضحاياه.

 

عبد الحسين شعبان

 

المهدي بسطيليالاستثمار في المعرفة أولا

"إنه القحط.. مرة أخرى ! وفي مواسم القحط تتغير الحياة والأشياء، وحتى البشر يتغيرون، وطباعهم تتغير، تتولد في النفوس أحزان تبدو غامضة أول الأمر، لكن لحظات الغضب، التي كثيرًا ما تتكرر، تفجّرها بسرعة، تجعلها معادية، جموحًا، ويمكن أن تأخذ أشكالاً لا حصر لها".

"عبدالرحمن منيف، نهايات"

في الحقيقة هو سؤال وجودي أصلا، كيف نحقق النهضة؟  يبدو أننا فعلا في سبات عميق، يطرح إشكالية المواكبة وتحقيق التنمية أو النهضة المنشودة في أدبيات الخطاب الرسمي، مر أكثر (من نصف قرن) ونحن نعد بالإصلاح، تنوعت الإيديولوجيات وتكررت وفي كل مرة تخيب الآمال أوتتحقق بنسب ضئيلة، بين حسابات ضيقة وخطط ارتجالية وأداء سطحي هزيل، لأقليات استراتيجية لايهمها سوى الوصول إلى السلطة وضمان مصالحها الخاصة، داخل صراع الاحتكار والضحية هي المواطن الهزيل.

وهكذا تغيب الفرض وتراوح المجتمعات مكانها بسبب ضعف لغة التقويم والاعتبار والمحاسبة، فلا أحد يتحمل مسؤولية أخطائه والكل يتفنن في الهروب وترك الجرح الغائر، والبحث عن شماعات لتعليق أخطائه.  لكن ماهو السبب؟

مستعد اللحظة أن أدافع عن موقفي بالحجة والدليل، وأقول أن مجتمعاتنا لم تستثمر في التعليم وهو السبب الرئيسي في كل كوارثنا بين المدخلات والمخرجات الممكنة، لم نستوعب أنه السبيل لبناء المجتمع، لاسيما بناء وطن وفرد يستجيب لمقومات الدولة الحديثة والقدرة على تحقيق الانخراط الفعال في سياق الابتعاد عن العمق، والاهتمام السطحي والتافه والمتاجرة بآمال شعوب تجيد لغة الصيدلي والمقهى فقط.

إن المجتمعات الأوروبية والتي صنعت في الحقيقة لنفسها زمنا خاصا، وجعلت أمام الشعوب الأخرى أملا للوصول عبر تبعية الاستغلال، كانت واعية تمام اليقين بأهمية المعرفة والتعليم، ليس في بناء وحدتها وهيكلة مؤسساتها فقط، بل حتى في خطط استعمارها للشعوب الما وراء الزمن، وكانت المعرفة كفيلة بفهم هذه الشعوب وتحليل بنياتها وصيغ هيكلة مؤسساتها التقليدية، بل حتى الاستعمار العسكري كان استعمارا تخترقه المعرفة، عبر سياقات مضمرة واستطاعت ّأن تتحكم في مستعمراتها وتمسك بزمام القيود ودرست لتنتج معرفة مرجعية، كفيلة بتأطير زمنها الحداثي، وتخلق تنمية تبدو مستحيلة في سياقات تنمية لا ننشدها إلا في خطاباتنا الرسمية، والزمن يقدم الدليل والبرهان، سؤال مهم.  ما عدد المؤسسات السجنية وما عدد المؤسسات الجامعية بالمغرب؟

فمن خلال الموقع الرسمي للمديرية العامة لإدارة السجون، وصل عدد المؤسسات السجنية إلى (83) مؤسسة سجنية،  في المقابل عدد الجامعات المغربية لا يتعدى (24) جامعة بين جامعات خاصة وجامعات عامة، ألا يبدو السبب واضح يا ترى؟

وكأننا نستثمر في الجريمة والانحراف وإعادة إنتاج الجنوح، عوض أن نستثمر في التعليم وبناء بناء الفرد المواطن، وعلى ما يبدو أن ما حققته بعض المجتمعات في التخلي عن المؤسسة السجنية بشكل نهائي لا يغدو سوى حلم أمامنا.

أثارتني ملاحظة أخرى جاء بها التقري،  أن نسبة السجناء بشكل إجمالي ارتفع من سنة 2008 من  (83290)سجين إلى (127610) سنة 2015،  وهي النسب الرسمية التي كشف عنها التقرير وتبدو خطيرة ولا تبشر بالخير أبدا، ألا يبدو الأمر خطيرا ومخجلا؟

و الغريب في الأمر أننا نرفع شعارات الحكامة والادماج والعناية وحقوق الإنسان... داخل المؤسسات السجنية، وقد تكون تكلفة هذه الشعارات تفوق التكلفة التي ينالها كل فرد حر طليق يعايش الفقر والتهميش، لتصبح المؤسسات السجنية خيارا أما فئات معينة، على الأقل تتحقق فيها شروط الحياة الضرورية، وهذا واقع مخجل للأسف فلا فرق في الحقيقة بين سجين القضبان وسجين الجهل والتهميش والفقر.

لكن ما هي سياقات التغير الممكن؟

أولا لابد أن نتوقف لحظة تأن نجيب فيها عن أسئلة مرجعية، ماذا نريد؟ ماهي أهدافنا؟ ماهي أولوياتنا؟

ونعقد جلسة صلح مع الزمن، نغادر خلالها الماضي وسياقات التفاهة والانتهازية التي ترسخت قي بنياتنا الثقافية، وإذا أردنا أن نبحث في مفاهيم ودلالات التغيير الممكن، لابد أن نبحث في  الثوابت التي تطبع صورة المجتمع المغربي، قصد التوصل إلى دقة المعنى وصفاء الفهم، لابد لنا من أن نزاوج بين إنصاتنا إلى خطاب العوام، كلاما ولغة، وقول الثقافة العالمة، حتى نبلغ إلى المقصد، ونرفع الستار عن رائحة الحيرة، التي تنبعث من خطاباتنا العشوائية ومخططاتنا المؤقتة . هناك معطيات ثقافية مهمة، يمكنها أن تنير لنا الطريق، لتشخيص أبعاد السؤال حول طبيعة المجتمع المغربي المغرية للبحث، والأهم والمهم أن ننصت للعلم ولاشيء غير العلم.

لابد أن نعي اللحظة أن التعليم هو المدخل الوحيد والأوحد في بناء مجتمع على أسس مواطنة ديموقراطية،  لا بد من مأسسة استراتيجيات وتقويم مستمر بخطط عقلانية، والابتعاد عن سياسية الترقيع، فالأمر لم يعد يبشر بالخير، لابد أن تترفع سياساتنا عن اعتبار السياسيات التعليمية خطط تجريبية يمكن تعديلها في كل لحظة، وأعتقد أن اللحظة لحظة حرجة تضيع فيها القيمة الرمزية للمعلم والمدرسة المغربية، والانتقال من اعتبار التعليم حرفة قبل أن تكون مهنة نبيلة، إلى مدخلات مؤقتة تتقصى السطحي والممكن في سياق سياسة (السلاك وصافي)، نحن بحاجة لمأسسة نظام تعليمي يتوافق مع المدخلات والمخرجات،

مدخلات المعرفة المستنبثة والمستقدمة، ومخرجات سوق الشغل وتحفيز الفئات المتعلمة، والسبيل دائما في تصالح رجل المعرفة والسياسي في هذا الوطن العزيز، فلا يمكن أن يتضح الطريق إلا بهذا التوافق، ويكون رجل العلم والمعرفة نظارات السياسية ورجل القرار.

" لنعاين أن اليد الطولى، هي لخطاب الجهل أو المعرفة الأدنى، ولسريان التوهيمات ب "المعنى السينمائي " وتناسلها، وكذلك لأوهام الحوار المزيف سواء في ما بين مثقفي القطر الواحد أو مع الآخر"

(بنسالم حميش، "عن عواقب أزمة القراءة)

 

المهدي بسطيلي

 

المهدي بسطيليإن مفهوم المجتمع المدني من أكثر المفاهيم التي يصعب ضبطها، وتقديم تعريف واحد لها، وذلك لارتباط المفهوم بالسياقات الثقافية والفكرية والاقتصادية والاجتماعية لكل مجتمع على حدة،  لذلك فمختلف المفكرين الذين حاولوا مقاربة المفهوم في تطور استخداماته لا يوجد بينهم اتفاق ثام حول تعريف معين لاسيما حول الشروط والمبادئ الأساسية للحديث عن المجتمع المدني وعن دوره واستخداماته، فهو الحياة الاجتماعية المنظمة انطلاقا من منطق خاص بها بكيفية تضمن ديناميكية اقتصادية وثقافية وسياسية [1]، ويعرفه "برتراند بادي"[2] بأنه كل المؤسسات التي تتيح للأفراد التمكن من الخيرات والمنافع، دون تدخل أو وساطة من الدولة، كما أنها منظمات منفصلة عن الدولة تتمتع باستقلال ذاتي في علاقتها مع الدولة وتتشكل بشكل تطوعي من أفراد يهتمون بالصالح العام، ويهدفون إلى حماية قيم معينة[3].

والمجتمع المدني يشمل الجمعيات والروابط والنقابات والأحزاب والأندية والتعاونيات، وكل المنظمات التي لها صبغة تطوعية فهي كل ما هو غير وراثي أو عائلي[4].

يرى محمد عابد الجابري أن المجتمع المدني هو مجتمع المدن مؤسسات أنشئها الأفراد بينهم في المدينة، لتنظيم حياتهم الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، مؤسسات إرادية ينخرط فيها الأفراد، وذلك على النقيض من مؤسسات المجتمع البدوي، التي هي مؤسسات شبه طبيعية يولد الفرد منتميا إليها، مندمجا فيها ولا يستطيع الانسحاب منها كالقبيلة والطائفة...

وهو مجموع التنظيمات التطوعية التي تملئ المجال العام بين الأسرة والدولة، تنظيمات تطوعية حرة تنشأ لتحقيق مصالح أفرادها، وتقديم خدمة للمواطنة وممارسة أنشطة إنسانية متنوعة، وتلتزم في وجودها ونشاطها  بقيم ومعايير الاحترام والتراضي والتسامح والمشاركة والادارة السلمية للتنوع والاختلاف[5]

إن ظهور المجتمع المدني، مرتبط أساسا بقيم المواطنة والاشراك في الحياة العامة وبالتالي فظهوره وتطوره مرتبط بشكل وثيق بتطور المجتمع الذي يحتضنه،

ففي الفكر السياسي الحديث، كانت نشأة مفهوم المجتمع المدني في سياق تطور أوروبا وانتقال المجتمع من نمط إنتاج زراعي الى نمط صناعي رأسمالي، عبر هذا الانتقال عن صراع وتناقضات متعددة الجوانب، تبلورت فيها مجموعة من المفاهيم النهضة، الحداثة، التنوير، الديموقراطية، المجتمع المدني...

وبالتالي فظهور هذه المفاهيم، كان تجسيدا لفكرة النهضة والاصلاح الديني والتنوير وسيادة روح القانون، من خلال إرساء قواعد المجتمع المدني الذي يكون فاعلا في ممارسة هذه المفاهيم ونقلها من التنظير إلى التجسيد[6]

إن النقطة الأساسية الأخرى مفادها أن بناء مفهوم المجتمع المدني هو في نفس الوقت إعادة بناء المجال السياسي، على أسس غير دينية ترتبط بالمجتمع نفسه بشكل وضعي وليس بتكليف إلهي، وهي لحظة إنتقال من نظرية الحق الإلهي، إلى نظرية  السيادة الشعبية وهو تطور للفكر الاجتماعي  في سياق الفكر السياسي الحديث والحداثة السياسية، وهذه الأفكار تتجسد في فكر "هوبس" أيضا فكل سلطة مدنية يجب أن تكون انعكاس لأصل مجتمعي دنيوي وليس إلهي أو ديني[7].

أما عند جون لوك فتجسدت الفكرة في كون المجتمع المدني، هو ذلك المجال الذي ولجه الأفراد لضمان حقوقهم المتساوية التي يتمتعون بها في ظل القانون، وبالتالي فالفكرة تتجسد حسب تطور وعي الأفراد بحقوقهم ومشروعيتها [8]

كما أن فكرة المجتمع المدني عند نظرية العقد الاجتماعي فكرة سياسية بالأساس نحو وعي وإرادة حرة في خلق قانون سيادي يضمن الحق في ممارسة الحقوق الطبيعية على الأقل وبالتالي فهي فكرة تجسد المشاركة الفعالة والحق المدني، وتطور هذا الوعي هو تطور في اتجاه بناء المجتمع .

ثم إن فهم العلاقة بين تطور الدولة والمجتمع المدني فهم لايمكن أن يتأتى إلا في سياق تشريح العلاقة في ظل مجموعة من المفاهيم (مفهوم الدولة بنفسه، والديموقراطية، وفكرة المواطنة والتنمية ,,,) وهو ما سنحاوله رصده اللحظة .

المجتمع المدني والدولة

إذا كان "هوبس" قد  طالب الجماعة المدنية بالتنازل لصالح الحاكم، لأنه سيوفر لهم السعادة فإن العمل السياسي هو الذي يصنع العمل المدني اذن، واختلف "جون لوك" معه عندما أضفى صفة الاجتماعي على السلطة التي يمارسها الانسان، باعتبار الدولة أصلا منبثقة من المجتمع المدني وبالتالي يطرح سؤال العلاقة بين السياسي والمدني، هل يكون المجتمع المني مرادفا للسياسي دائما؟

فاذا كان العمل السياسي يخدم الحياة كلها، فإن المجتمع المدني يصبح هو الحياة السياسية ويتجلى ذلك حينما طالب "ميكيافيلي" أن تتولى السلطة السياسية تنظيم المجتمع المدني، وبالتالي يكون المجتمع المدني مساهما في القضايا الأساسية ونشاط الدولة.

وتجلت الفكرة عند هابرماس خلال تحليله النقدي للمجال العام من خلال كتابه(المجال العام وأركيولوجية الإعلام) باعتبار المجال العام مجالا مناقضا لسياسة الدولة، يلجه الفاعل المدني، لإنتقاد سياسة الدولة وبالتالي يكون المجتمع المدني سبيل لترشيد سياسيات الدولة.

إن المجتمع المدني يخترق الدولة باعتباره الممثل للرأي العام، كما أن الدولة تخترقه عن طريق السلطة العامة وإدارة العدالة، إذ أن  المجتمع المدني قد لا يحقق شرط العقلانية إلى في سياق الدولة وسلطتها التي تجسد هذه القيم، وبالتالي ترى المصلحة العامة وتتجاوز الانقسامات وأنانية المجتمع المدني، وبالتالي لا ينبغي النظر لأحدهما كنقيض للآخر، فسيادة الدولة تحتاج للمجتمع المدني لترسيخ قيم المواطنة والتأطير على احترام القانون والتعاون، لأجل تحقيق المصلحة العليا للمجتمع المدني

المجتمع المدني  والديموقراطية

"يحذر "هابرماس" المجتمع المدني من الطموحات الكلية . ويعتبر بأن ضبط سلطة الدولة من قبل المجتمع المدني مؤشر على الروح الديمقراطية. التي من أسسها الحرية والمساواة والتعدد والمشاركة..."

يعد المجتمع المدني، أحد مظاهر الديمقراطية، ونتيجة من نتائجها، وعلامة من علامتها، وإذا كانت مؤسسات المجتمع المدني، ذات تأثير كبير في المحيط السياسي لدولة ما، دل ذلك على مقدار ما تؤمن به هذه الدولة، من ديمقراطية، في حين إذا كانت هذه المؤسسات، تفتقد إلى التأثير الواضح في مجريات الحياة، السياسية والاجتماعية، للدولة، دل ذلك على مقدار ما تؤمن به هذه الدولة من حظ قليل بالديمقراطية وأهلها. مادامت الديموقراطية تعني المشاركة الفعالة في الحقل السياسي وترشيد السياسيات العامة [9].

إن ارتباط الديموقراطية بالمجتمع المدني، جاء في سياق بظهور حاجيات جديدة مثل حماية الحريات والحقوق الجماعية والفردية، فتوسعت منظومة المشاركة الاجتماعية والسياسية  وتصاعدت المطالب المنادية بتغيير قواعد ممارسة السلطة، كما أفضت إلى تبلور تعبيرات مدنية متنوعة فتغيرت العلاقة بالسلطة، وبكيفية إدارة الشأن العام والتعاطي مع الروابط الاجتماعية الجديدة.  يضاف إلى ذلك تنامي الاحتجاجات المواطنة خارج الأطر السياسية التقليدية للديمقراطية، التي اتخذت من الشارع والساحات العامة ووسائل الإعلام التقليدي وشبكات التواصل الاجتماعي الحديثة فضاء لها،  كل هذه المؤشرات تستدعي إعادة النظر في جغرافية الأدوار والوظائف التي يؤمنها المجتمع المدني عموما، بين تدعيم تماسك الفئات الاجتماعية أو تذكية التوترات بينها، والتفاوض بصيغ مختلفة حول توفير الشروط الضرورية لتأسيس الممارسة الديمقراطية وتأكيد قيمها وتجديد ممارستها، وذلك في مراحل الانتقال الديمقراطي بشكل خاص. [10]

لقد انفتح مفهوم الديمقراطية على مسائل مفهومية متفرعة عنها كالديمقراطية التشاركية والديمقراطية المحلية والحوكمة وقضايا التفاوت، واللامساواة، والفساد، وأدوا الرقابة، وإدارة الصراعات واستراتيجيات الدفاع عن المصالح... ونشأة مجموعات الضغط وأشكال جديدة للفعل المواطني. فكان أن برزت صعوبات في ضبط أدوار المجتمع المدني ووظائفه،  خصوصا مع أزمة التصور والابتكار السياسي (في الأحزاب وفي المؤسسات المنتخبة)، وطريقة ممارسة الفعل السياسي، وكيفية انخراطه في وظائف ثقافية واجتماعية وتنموية.

يبدو هذا الأمر  وكأنه "افتكاك" للوظائف التقليدية  أو تقليص منها على حساب الدولة، ولصالح منظمات المجتمع المدني، فهذه الأخيرة، بصدد فرض نفسها كفاعل سياسي شرعي يؤثر في السياسات العمومية، خاصة أثناء إدارة الانتقال السياسي والتوجه نحو إرساء التعددية[11] وتأصيل المطلب الديمقراطي، وما يثير ذلك من رهانات على مستوى الشرعية السياسية. ألا يشكل تنامي الحراك المواطني خارج الأطر المؤسساتية التقليدية في الشارع والساحات العامة والفضاء الافتراضي خطرا على "تماسك المجتمع" وعلى سيادة الدولة؟

هل يستقيم حال ديمقراطية قائمة على التمثيل والانتخاب بإضعاف دور النخب والأحزاب السياسية وتعويضها بفاعلين مدنيين؟

إن هذه الأسئلة الوجيهة تحث الباحث على تشخيص الرهانات والغوص فيها، والتطرق إلى  أنماط مساهمة مؤسسات المجتمع المدني في تدوير النخب وتجديد الطبقة السياسية والنظر في ما إذا تحول المجتمع المدني فعلا  إلى سلطة مضادة .

وبالتالي فإن هذا لا يخرج عن فعل ممارسة المواطنة التي تقتضي المشاركة والحضور الفعال في تقويم السياسيات العمومية وممارسة الفعل السياسي داخل مؤسسات الدولة .

المجتمع المدني والتنمية

إذا أردنا استجلاء الدور الذي يمكن أن يلعبه المجتمع المدني ضمن سيرورة تحقيق التنمية محليا، وطنيا أو حتى عالميا، علينا أن نحاول تبين مختلف المعاني (في تكاملها كما في تعارضها)، والتي تعطيها المجتمعات في شتى مستوياتها (محلي وطني عالمي) لمفهوم التنمية، والانتظارات التي تحملها إزاءها. هذه العملية تبقى ضرورية على صعوبتها في رأينا، خاصة وأن دراسة التنمية ما تزال في مجتمعاتنا تتم، بدرجة تزيد أو تنقص، من قِـبَـل الاقتصاديين الذين يقيسون ويقيمون مستندين في ذلك بشكل واسع إلى قواعد بيانية رقمية، ومن قبل السياسين الذين عبرو عن سياسية حزبية قد لا تستجيب للمجتمع.

أما المجتمع المدني والقيم والتصورات التي يحملها، فتعود إلى حقل تحليل علماء الاجتماع وعلماء السياسة والقانونيين وكل الأخصائيين الذين يصفون الوضعيات الاجتماعية القابلة للملاحظة (ولكن في معظم الأحيان عبر معايير خارجية مسقطة). ومن هذا المنطلق، لا بد من التأكيد على ضرورة البحث عن المعايير النابعة من داخل المجتمع ذاته، بهدف بناء مقاربة تنموية أوضح، وذات عمق إنساني تعيد للإنسان، داخل عالمه، مكانته المغايرة للمكانة التي تعطيه إياها الأرقام، إلى جانب التأكيد على ضرورة رسم أهداف تنموية لا عبر ربط هذه الأهداف، بأهداف تأهيل التجهيزات والخدمات على أهميتها ولكن عبر ربطها بأهداف دعم الروابط واللحمة الاجتماعية، بما هي واحد من المؤشرات على السلم الاجتماعية التي تسمح بقياس الأشواط المقطوعة والباقي قطعها في مسيرة التنمية.

وهو الدور المنوط بالمجتمع المدني وفعالياته داخل كل مجتمع، خلال هذا المستوى، بتقديم المحددات التي يعبر المجتمع فيها عن وجوده، تشكل أبعادا تنموية حقيقي لا صورية وشكلية فقط، لذلك فالعلاقة أو دور المجتمع المدني بالتنمية، متوقفة من درجة أولى على التنمية المنشودة داخل المجتمع وفهم معانيها فلا يمكن المطالبة بتحقيق شيء  مجهول المعالم،

كما يمكن أن يمثل هذا المؤشر معيار تحكيم صالح لأصحاب القرار سواء في الميدان الاقتصادي أو الاجتماعي وهو الهدف المنشود. [12]

 

المهدي بسطيلي

.....................

[1] المجتمع المدني والتحول الديمقراطي في الوطن العربي،الحبيب الجنحاني، تونس،2005 ص18

[2] أستاذ العلاقات الدولية في معهد الدراسات السياسية بباريس

[3] المجتمع الأهلي ودوره في بناء الديموقراطية، محمد مورو وعبد الغفار شكر،دار الفكر،2003ص 37

[4] المجتمع المدني والتحول الديموقراطي،ايمان حسن،سلسلة كتاباتى برلمانية،2017ص 7

[5] الديموقراطية وحقوق الانسان، محمد عابد الجابري،مركز دراسات الوحدة العربية،ص 8

[6] دفاعا عن المادية والتاريخ،صادق جلال عظم، ص43

[7] مساهمة في نقد المجتمع المدني،محمد ابراهيم نقد،ص67

[8] المجتمع المدني،التاريخ النقدي للفكرة،هرنبرغ جون، ترجمة حسن ناظم،2008 ص172

[9] محمد عثمان الخشت، المجتمع المدني، سلسلة الشباب، الهيئة العامة لقصور الثقافة، ط 1، 2004م، ص 7

[10] ROSANVALLO P (2006), La contre-démocratie. La politique à l’âge de la défiance, Seuil, Paris.

[11] OFFERLE Michel, ( 2003). La société civile en question, problèmes politiques et sociaux, La documentation française, Paris.

[12] السيد ياسين: مستقبل المجتمع المدني: الأزمة الثقافية ومستقبل المجتمع المدني ، ضمن المجتمع المدني في الوطن العربي... المرجع نفسه....ص.ص783-801

 

علي ثوينيمكث العداء المعلن للغرب وإسرائيل شماعة يعلق عليها كل (متدين) أو(ثوري) شعاراته، ولايشترط أن يمارس ذلك. وقد تمادت تلك الحركات في "مهدويتها" والتبشير بالقدم المزهر المثمر، وأعلنت "رومانسياً" أنها ستعيد الخلافة الإسلامية التي الغيت عام 1923 في تركيا الحديثة، وكأنها إشعار بنهاية مصائبنا، حينما نختار خليفه بمواصفات السلطان العثماني الذي ترك شعوب وقبائل تتقهقر حضاريا لينعم بقصوره على البسفور، او الخليفة المستعصم العباسي الذي أختزن المال ليغوي التتار ويحتلوا بغداد ويستحوذوا على الذهب المخزن. ومن المفارقات أن (الولي الفقيه) في إيران لم يدعوا إلى خلافة، بل إلى ولاية سلطوية له وجماعته. وكم راق لي أن أشابه بين تلك الولاية المختارية مع دعاوى لينين في (دكتاتورية البروليتاريا) في حالة للطبيعة البشرية للتمركز حول الثلة والجماعة الصغيرة والحزب، وهي مركزيات بصفة أخرى.

نقرأ في هذا السياق أن المرشد العام لجماعة (الإخوان المسلمين) في مصر الدكتور محمد بديع أنه قال في تصريح له بعيد حصول حزب (الحرية والعدالة) ([5]) على الأكثرية في انتخابات مجلسي الشعب والشورى التي أُجريت في مصر: (يبدو أن حلم حسن البنا في استعادة نظام الخلافة الإسلامية قد قارب على التحقق وسنصبح من بعد - كما خطط لذلك - أساتذة العالم)([6]). لا بل أن جماعة (داعش) التي يثار اللغط بصدد مؤسسها وداعمها ومررها والمستفيد منها ، أستغلت تلك الأوضاع المضطربة في سورية، وأرادت أن تختصر الطريق فأعلنت قيام دولة (الخلافة الإسلامية) في سورية والعراق، وتمت البيعة لأبي بكر البغدادي باعتباره (خليفة المسلمين)، رغم الشكوك حول أصله وفصله وسيرته. ثم توسعت الظاهرة في بلدان عربية أخرى مثل ليبيا، لتبايعه وتمشي على خطاه، ويذكرنا بالتوسعات (القومية) التي بدأت بجمال عبدالناصر وأمتدت لسلطات عروبية في اليمن وليبيا والعراق وسوريا.

لابد من الإقرار بأن المركزية الإسلامية ليس موحدة ومنسجمة مع أهداب الدين المحمدي الواحد، فلكل فئة وطائفة مركزيتها وخطابها، وربما كان هذا سبب في تشرذم الخطاب وعدم وإنضاج برامج دفاعية وهجومية وذرائع وحجج مفاهيمية مشتركة، تؤطر تلك المركزية، كما حدث مع المركزية الغربية رغم عواهنها، سيراً على مبدأ (الجود من الموجود). وهنا نلمس أن الغربيون طرقوا بمركزيتهم الجانب الثقافي بعمق، وذلك من خلال وعيهم بأنه الأخطر والأمضى أثراً، بينما الإسلاميون طرحوها من خلال خطاب روحي مفعم بالغيب والإعجاز الملتبس، ولايطأ البرهان العقلي في كثير من حيثياته، ويلجأ للاسطرة والمهدوية حينما لايجد الحجة المقنعة، في عالم مطنب بماديته وأجيال غمرت بهذا التوجه.

وهنا لابد ان نقر بأن المعرفة تشكل بذاتها سلطة، أي أن الخطاب الواعي الواقعي أو المتفذلك يجد من يذعن له من سواد الناس أو نخبهم. لذا فإن من يسبق إلى الحقيقة وطرحها، سوف يتحصن بمناعة، بل ويكتسي سلطة، لم نعيها بالثقافة العربية للأسف، فتركنا المبادرة للآخر وأذعنا في كثير من التوجهات المصيرية في الثقافة والسياسة. ولنضرب مثلاً إصرار الأمريكان على تطوير علوم الحاسوب، كونه شكل بالنتيجة جزء من هيمنتهم على العالم، بل أنه أخترق العالم، وأطلع على مالم تعرفه جيوش من جواسيسهم في السابق، لابل وجهوا من خلال أحجية (مواقع التواصل الإجتماعي) آراء الناس إلى مايشتهون ويراد أن تكون الأمور والرأي العام. وهنا نقر بحقيقة أن الثقافة الأمريكية جاءت منقذة للثقافة الأوربية بعد ترنحها، بما استوجب الرضوخ لها والإذعان لخطابها، رغم حساسية الأوربيين من عدم مسكهم زمام المبادرة للعالم، لكن بالنتيجة مازالت الأمور تسير لصالحهم ولو لحين. وحسبنا أن (مشروع مارشال) لإعادة بناء أوربا الخربة بعد الحرب الثانية وربط إقتصاديات وثقافات الأوربيين بالحلول الأمريكية المفعم بالعنجهية والأنانية، كان بداية الإستسلام الأوربي وبداية عالم جديد، بل ونفس جديد للمركزية الغربية.

 لقد اشار الشيوعي الإيطالي انطونيو غرامشي صاحب مفهوم (المثقف العضوي)، بإن القوة الخارقة للتغيير الإجتماعي تكمن في الثقافة والفكرة التثقيفية، وأن الاحتلال الحقيقي هو الاحتلال الثقافي لا العسكري أو السلطوي، لأنها تخترق العمق، فنحن لا نسيطر على الثقافة التي نكتسبها ولا على الفكرة التي نتبناها ونؤمن بها، بل هي التي تسيطر علينا، وهذا ما أسماه غرامشي بالهيمنة الثقافية Cultural Hegemony. وهنا نعيد الذاكرة لما طرحة الرعيل الإسلاموي الأول مثل الشامي عبد الرحمن الكواكبي في كتابه "طبائع الاستبداد" بأن الاستبداد (الهيمنة)، ستطأ اقصاها من خلال أدوات الاستبداد الديني، لأن الدين الذي وصل زماننا اليوم، يحاول من خلال الخطاب السلطوي وبمعين وعاظ السلاطين "كما سماهم علي الوردي"، يشكّلون حالة من الخنوع والعبودية التي يتطابق بها حافرا الوضع السلطوي مع الديني ، لتجعل من الإنسان يخاف التفكير في رفض السلطة كما الكفر بالخالق المنزه، وهذا مناف لحقيقة وسببية وجود الدين الذي كان يعني منذ مفهوم (Di)السومري، بما يعني الحق والعدل، ومنه ورد المدين/المدينة، الذي هو الحالة الحضارية التي يمارس بها الحق والقانون بمثالية عالية للهيمنة على نزوات وأنانية وجشع وطمع الإنسان. لذا فالدين الذي نحن به والمركزية التي تدعوا لها القوى الدينية محرفة عن المنطلقات التي تأسس عليها الإسلام.

وحري أن نطرح مركزية قريبة من الثقافة العربية تناصبها العداء وتنتظر التشهير والإستهانة بها، وهي المركزية الإيرانية(الفارسية)، فهي وبسبب التكوين الديني واللغوي تعد من هالات الثقافة العربية بل وتابعة لها، لذا لجأت لتغطي هذا الوهن بالسياسة، وتستغل التشيع لتمرير مركزيتها ولاسيما في منطقة الخليج والجزيرة العربية والعراق وسوريا ولبنان واليمن، وبدأت تتمدد نحو أفريقيا بفعل بعض اللبنانيين التابعين لخطابها، مصلحة أو تعصبا أو تغريراً. وتلك المركزية تعتمد على مقولات تراكمية تحمل وتحث على تأجيج مزاعم تأريحية، أكل الدهر عليها وشرب، وتشوبها ضبابية السرد والنقل والزعم، وتحاول أن تؤطرها بيقين العيارة والحيلة، لتخلط المقدس بالتاريخ والسياسة بالمدنس، وتسعى لأن تكون قطب متبوع وليس تابع، في حالة من نزعة للإنتقام المبطن من الثقافة العربية التي دمغتها منذ التأسيس الأول لتلك الثقافة.

ومن المعلوم أن حوالي 70% من اللغة الفارسية هي مفردات عربية وأنها تكتب بالخط العربي وأن دينها عربي بل أن مذهبها الذي أصله سياسي من خلال التشيع للإمام علي، والإمام عربي وقدوة أخلاقية وثقافية، لكنها تسعى جاهدة للنيل من تلك الثقافة، رغم أنها مقطوعة ثقافياً وتحتاج إلى بعد ومدى ثقافي تتكأ عليه، فهي ليست هندية رغم أن جذور لغتها سنسكريتية، وهي ليست تركية، بل أثرت بالثقافة التركية خلال هجرتها من آسيا البعيدة للصغرى، وهي ليست سلافية رغم غزلها مع الروس جيرانه الشماليين، وهي ليست تترية ولا خراسانية ولا كردية، بل والأنكى تنكرت بأن صلبها الثقافي والتاريخي عربي، وتعيش بها اقلية عربية صادرتهم بمؤامرة مع الإنكليز حينما صادرت منطقة الأحواز العربية.

ونجد أن المعارضين السياسيين، القوميين والشيوعيين والعلمانيين فيها يذهبون أن سلطتهم (الملالي) عربية، رغم التوجه المظلل، والموحي بعداء ومحاولة إحتواء من طرف تلك السلطة الغرائبية، كما حدث في العراق من أثر الإحتلال الأمريكي الذي يبدوا أنه كان مدستر سلفاً مع الإيرانيين حينما تقاسموا السلطة معهم، ثم رجحت لهم اليوم بالحيلة والتزوير والتدوير، وهو الأمر الذي لم يهم الأمريكان قطعاً، فهم اي نعم يمثلون المركزية الغربية ويدافعون عنها، لكن تدفق النفط وبناء القواعد يهمهم أكثر من الثقافة وحيثياتها. فهم لايريدون أن يغيروا العراقيين ثقافيا من خلال مركزيتهم التي أمست سياسية، بيد أن الإيرانيين شاركت مركزيتهم سياسياً، لكنها تسعى للثقافة، بل وتغيير وجه العراق الثقافي من خلال عدة إجراءات تطبيقية تقوم بها سلطة العراق التي عينتهم وهم بجلهم من اصول غيرانية، او ممن يسير بركبهم.

 كان العراق قد تبع لآخر ثلاث ممالك أنطلقت من فرس هي الأخمينية التي قطعتها المقدونية لقرنين ونيف ثم عادت الفرثية ثم كان آخرها (الساسانية)، واستغرقت تسعة قرون، وقد أنهاها المسلمون عام 630 م دون أن تعود ثانية منذئذ، رغم محاولات البويهيين والصفويين لأعادتها دون طائل. لكن مكث القوم يسعون جاهدين للعودة بالهجرة والسياسة والثقافة واليوم بالإحتلال، وسط فوضى عارمة تعم العراق من أثر التحول من الشمولية البعثية إلى (الفوضى الخلاقة) الأمريكية والنهب الإيراني الممنهج.

 وفي لعبة الصراعات التي تلتبس بها السياسة بالثقافة ، كما الإحتلال الأمريكي\ الإيراني للعراق اليوم، والتي لا تفوت اللبيب والمتابع، حينما يوصله وعيه إلى إيحاءات بأن المركزيتين(الغربية والإسلاموية) محركهما واحد، ومسيّرتان من آمر ناه مشترك، تسير نحو خلق بؤر صراعات دائم، يموه ويتماهي مع معطيات الظروف العالمية. فقد ألفنا في الماضي القريب ولاسيما في تجربة تأسيس الأحزاب السياسية والسلطات ببلداننا، بأنها ومن أجل أن تمسك وتتحكم بمجمل خيوط اللعبة، فأنها تصنع التوجه ونقيضه، وتشير المعطيات المنقولة والمعقولة، بأن القوتان اللتان تنازعتا وأقتتلتا وقدمتا (الشهداء) من القوميين والشيوعيين في الماضي القريب، قد اسستهما جهة واحدة كانت تحرك الواحد ضد الآخر، ولايشترط علمهم في ذلك، بين قواعد مغرر بها وتواقة للخلاص وقيادات تعمل بالمبطن مع تلك الجهات، وتابعة لأملاءاتها. وقد أستثمرت تلك اللعبة بشكل مثالي إبان مادعي (الحرب الباردة 1947-92). فنجد اليوم مثلاً أن سلطة العراق التي عينها المحتل الأمريكي بإتفاق إيراني معلن ومبطن، تتعارك مع داعش التي أسسها نفس المحتل الأمريكي ومررتها إيران بالبر من أفغانستان(القاعدة)، ومولها بعض الخليجيين كما قطر المريبة، ومررها أردوغات السلطان التركي الجديد، وسيرتها إسرائيل بعناية، بل عالجت حتى المصابين من المقاتلين في مشافيها، وذلك بغرض إستنزاف سوريا والعراق وتفريق شمل العرب، وإشغال الشعوب بما يديم بقاءها، والأهم تحريك ذيول مخابراتها لتمرير المؤامرة، وإعطاء الإنطباع الاسوء عن الإسلام الذي يتهم بأنه (دين إرهاب) كما سوقوا في الإعلام لذلك، ويكاد أن يصبح مسلم به في المركزية الغربية.

نقرأ للباحث العراقي الدكتور عبدالله إبراهيم في كتابه عن صراع المركزيات :(المطابقة والاختلاف: بحث في نقد المركزيات الثقافية)، حيث خصص فصل فيه لتلك المركزية وأفرد لها عنوان: (المركزية الإسلامية: التفاعلات المعاصرة وحدود المفهوم)، وأرجع نشوءها تاريخياً إلى التفرقة التي أقامها القدماء بين (دار الإسلام) و(دار الحرب). وفي رأينا أن (المركزية الإسلامية) قامت على عدم إدراك وتأويل دقيق وغير واقعي للقبس القرآني (كنتم خير أمة أخرجت للناس)، التي تشير "بماضويتها" إلى دين إبراهيم الخليل، ومن تبعه في خط تصاعدي توج بالإسلام المحمدي، ولم يشر إلى تفاضل أو مختارية كما قال اليهود (شعب الله المختار). ويذهب الدكتور عبدالله إبراهيم إلى أن المجتمعات الإسلامية تعيش حالياً ازدواجية خطيرة تختلط فيها قيم روحية وقيم مادية ولم تفلح أبداً في فك الاشتباك بينهما على أسس عقلانية واضحة، فالقيم الأولى حبيسة النصوص المقدسة وحواشيها، وقد آلت إلى نموذج أخلاقي متعال يمارس نفوذاً يوجه الحاضر انطلاقا من الماضي! ([7]). وهذا برأينا دين كل المركزيات، فلم تتنصل المركزية الغربية عن مزاعم جذرها الماضوي اليوناني الروماني رغم وهنه، ومن المسيحية رغم انها "مستوردة" على ثقافتهم وعقليتهم.

ثمة أمر مريب لابد من تذكره في سياق (المؤامرة)، يشير إلى أن كل الإنقلابات التي حدثت في البلدان العربية سارت على هدى خط مرسوم لها. بل من المستغرب أنها أقتصرت بعشرية الستينات لجلها تقريباً، وكأنها كانت مبرمجة بعناية بعيد الإستقلالات الوطنية الواهية. ولم تتكرر تلك الظاهرة العجائبية إلا اندر. وفحواها أن يتفق مجموعة من العساكر(الضباط الصغار وضباط الصف) ويركبون كم دبابة وآلية عسكرية ويقتحمون قصر الحكم ومحطة الإذاعة، ويذيعون البيان الأول، المعد بتكرار ممل مثل سابقيه ولاحقيه، لتصبح لهم بعد ذلك وبقدرة قادر شرعية (ثورية) وسط تهليل وإسناد مكشوف من قوى خارجية. وكانت في العراق وسوريا نموذجية، ولاسيما في سيناريو إيصال حزب البعث (العروبي) لسدة الحكم عام 1963، بينما لم تحدث في الأردن الواقع بينهما مثلا، كونها وببساطة تتبع سلطة ملكية مرغوب بها، بل منصبة من الاساس، ولايحبذ المساس بها، أو مصلحة بتغييرها.

وحدث إستقرار نسبي لتلك السلطات (الثورية) في بداية السبعينات، أن تنضج حالة صراع طائفي عابر للعلمانية التي سارت عليها كل السلطات الإنقلابية. ويمكن أن نؤرخ للشروع بمشروع الصراع الديني منذ 1979، ومؤشراته الدامغة كانت أربع: أولها إيصال صدام حسين لسدة الحكم وسلطة القرار في العراق بعد 16 عام من إيصال حزب البعث([8]). وثانيها إعادة آية الله الخميني من فرنسا على طائرة (آير فرانس) ليصادر الثورة الشعبية الإيرانية الناضجة. وثالثها هجوم إبن جهيمان العتيبي على الحرم المكي، ورابعها تحريك الروس لأحتلال أفغانستان وإعلان النفير الجهادي بما يشبه حرب بين الإيمان الإسلامي والكفر الشيوعي، رغم أن أفغانستان أحتلت عام 2001 ولم يعلن أحد هذا النفير لنصرتها. لا بل أن بغداد عاصة الخلافة الإسلامية لـ 508 سنين شمسية، أحتلها الأمريكان ولم يبادر أحد لأعلان الجهاد لإفتكاكها حتى اليوم، بل شمت البعض بالعراقيين وأتهموهم بأنهم خذلوا صدام حسين، ولم يفكروا بأن العراق ضاع على أثر ماحدث. وتداعت تلك الأحداث بالنتيجة إلى حالة الفتن الطائفية التي نعيشها اليوم في عالم المسلمين، لاسيما بين (السنة والشيعة) كما في العراق وسوريا مثلا، أو سلطة العسكر و(المجاهدين) كما في الجزائر ومصر.

لقد استمرت دعاوى التفرقة بين الغرب والشرق قروناً أخلت سبيلها إلى مفهومي(العالم الغربي) و(العالم الإسلامي) رغم أننا نعيش في عالم متداخل المصالح والعلاقات والأفكار، بل أن فسيفسائية جغرافيتنا تجعل من الصعب وضع خريطة كتلية منفصلة للعالمين. وهذا الوضع المتأزم يكرر ببغاوية سجالات القرون الوسطى التي يقوم نموذجها الفكري على الثنائيات الضدية العدوانية. لكن ماتناساه مؤلف الكتاب بأن المركزية الغربية نشأت أيضا في حقبة الثنائيات إياها، وبداياتها تشير إلى سبب إقتصادي\سياسي، حينما هيمن المسلمون على مستعمرات شرقية بيزنطية وفارسية، بل واسقطوا الدولتين، والأهم أنهم هيمنوا على طرق القوافل في العالم القديم التي كانت سببا كافيا في إفقار الغرب، بل أن القرون الوسطى ودخول الغرب في دوامة التخلف يعود لأسباب إقتصادية محضة، وتصاعد حتى النهضة بعد الف عام، ولم ينقذهم إلا نهب المستعمرات في العالم الجديد والقديم. لذا لم يكن ممكن أن لايناصب الغرب، الشرق، بل يبيت له كل ضغينه ويتهمه بكل سئ، ويتربص للإنقضاض عليه والإقتصاص منه. وربما كانت الحروب الصليبية إحدى سماتها، ثم حروب (الإسترداد) التي شنتها إسبانيا ومن ورائها الغرب على شمال أفرقيا وأستغرقت ثلاث قرون وتوجها إحتلال فرنسا للجزائر عام 1830. ونتذكر تأريخ دخول القوات الفرنسية، دمشق 1920، حيث قام قائد القوات الفرنسية فى الحرب الأولى، الجنرال هنرى غورو، بالتوجه نحو قبر صلاح الدين الايوبى وذكره اللواء راشد الكيلاني فى مذكراته، حيث قال: (ها نحن عدنا فانهض لترانا فى سورية).

 

د. علي ثويني