جواد بشارةصار التنوع الكوني جزءاً من البديهيات تقريباً لدى نسبة كبيرة من العلماء الراغبين بالخروج من مأزق التناقضات والألغاز المحيرة والغامضة التي تشوب  النظريات الكونية والفيزيائية السائدة اليوم. ففكرة العوالم المتعددة قد تجذرت في أذهان الكثيرين وأصبحت شبه مألوفة بفضل روايات وأفلام الخيال العلمي، وأحياناً على هيئة أمل أو شعور مسبق أو ما يشبه الحدس لظهور اعتقد أو إيمان جديد، علمي هذه المرة أو على صيغة نظريات علمية، يحل بديلاً عن الاعتقاد الثيولوجي القروسطي والماورائي أو الغيبي الذي يحكم ذهن البشرية اليوم. بعض المتدينين والمتشبثين بالإلوهية، اعتبروا خطاب العوالم الأخرى بمثابة إجلال وتعظيم لقوة إلهية خارقة، لم تكتف بخلق كون واحد وتضعنا فيه فحسب، بل خلقت عدداً لا متناهياً من الأكوان والكائنات، في حين اعتبرها البعض الآخر من رجال المؤسسات الدينية التقليدية المتكلسة بمثابة هرطقة وزندقة وبدعة وخروج عن الدين. فقبل بضعة عقود كان العلماء يغامرون بسمعتهم ومستقبلهم العلمي عندما يتحدثون عن فرضية الأكوان المتعددة أو تعدد الأكوان multivers في حين غدت هذه الفكرة أو النظرية  هي الموضة السائدة اليوم. وتتأتى هذه الفكرة من فروع  علم الفيزياء الأكثر غرابة وتنوعاً وصعوبة : من الفيزياء الكمومية أو الكوانتية، ومن فيزياء الكونيات أو الكوسمولوجيا، ومن فيزياء الجسيمات الأولية، ومن نظرية الأوتار الفائقة. وبالتالي هناك كم هائل من المفاهيم والمصطلحات والمقاربات في مجال التعدد الكوني، إلى درجة يضيع فيها حتى المتخصصون . برز من بين المتخصصين في هذا الحقل العالم الفذ ماكس تيغمارك Max Tegmark صاحب الكتاب الرائع والبالغ الصعوية والتعقيد،" الكون الرياضي L’Univers Mathématique" والذي حدد مفهوم التعدد الكون  بأربع مستويات: الأول، يقتصر على المبتدئين حيث تكون قوانين الفيزياء هي ذاتها في كل مكان، وهو نفس مفهوم تنوع وتعدد العوالم الذي تحدث عنه الفلاسفة القدماء من أمثال ديموقريطس ولوكريس على سبيل المثال. المستوى الثاني من نظرية التعدد الكوني تحصر القوانين الكونية الجوهرية في إطار زمكاني متجانس ومقبول أو قابل للفهم والتصور أو الإدراك ولو بصعوبة. بعض أكوان المستوى الثاني تحتوي على مجرات  ونجوم، بينما البعض الآخر تكون فارغة، إلا أن قوانين الطبيعة فيها تختلف من كون لآخر . المستوى الثالث من التعدد الكوني مستلهم من نظرية العالم العبقري الفذ  والغريب الأطوار هيوغ إيفرت Hugh Everett، حيث تغدو الأمور والطروحات في غاية التعقيد والتجريد فالعوالم لاتتواجد جبناً إلى جنب في فضاء وزمان أو حيز زمكان فيزيائي معلوم بل في فضاء أو حيز زمكاني ذو ترتيب وصياغة رياضياتية مجردة وتجريدية وتقول  نظرية هيوغ إفريت أنه كلما كان هناك اختيار ما، لن يحدث اختيار على حساب اختيار ثاني، كأن يختار شخص أن يكون رياضياً  لكنه لظروف خاصة يصبح طبيباً، يقول إيفريت أن نفس الشخص سيكون رياضياً وطبيباً وشيئاً آخر في عدد من النسخ عنه تتواجد في أكوان أخرى موازية. أما المستوى الرابع فهو الأكثر غرابة وغير قابل للإدراك البشري في الوقت الحاضر وهو موجه للنواة الصلبة وللنخبة المتعصبة من علماء  التعدد الكوني فلا يوجد أي قانون طبيعي مثبت ولاتوجد نظرية فيزياء شاملة وشمولية جامعة يمكن أن تصف أكوان المستوى الرابع فالمستويات في صرح أو مبنى ماكس تيغمارك الكوني المطلق، تبني نفسها وتتشكل الواحدة تلو الآخر في ذات الوقت، والواحد فوق الآخر، وفي حالة تداخل وتدافع، وهي في آن واحد متجاورة ومتباعدة . فالأكوان المتعددة في المستويات الدنيا تشكل جزءاً من عوالم المستويات الأعلى، ولاشيء يشير إلى أن الأكوان المتعددة، في كافة المستويات قريبة من بعضها البعض أو متجاورة، أو متداخلة أو موازية لبعضها البعض، فيمكنها أن تتواجد في كل لحظة زمكانية ممكنة الوجود وربما يولد بعض من تلك الأكوان المتعددة بالقرب منها لكنها خفية لا نراها ولا يمكننا رصدها بأي حال من الأحوال. وقد تكون مختفية داخل أعماق ثقوب سوداء موجودة ظاهرياً في كوننا المرئي، وهذه الفرضية الأخيرة تعود لعالم فيزياء الجسيمات الأمريكي جيمس بجروكن James Bjroken، والحال إن نظريات التعدد الكوني، داخل الوسط العلمي التقليدية تعتبر هامشية أو مهمشة رغم أهميتها وما تثيره من فضول على غرار  العلماء شتينهارد Steinhardt  ولي سمولن Lee Smolin، وهذا الأخيرة تمرد على وضعه وتراجع عن تطرفه ونشر كتاباً نقدياً  تحت عنوان مثير واستفزازي:" مشكلة الفيزياء العويصة" هاجم فيه بشراسة طروحات وحيثيات  نظرية الأوتار الفائقة التي كان هو أحد روادها ومعلميها. في حين أن نظريات أكثر كلاسيكية  كنظرية التضخم الكوني الفوري المفاجي la théorie de l’inflation والفيزياء الكمومية أو الكوانتوم، مازالت تدرس رغم أن هذه الأخيرة تنزلق أحياناً باتجاه " هلوسات هيوغ إفريت " حسب وصف البعض لها. لكنها تتفق مع الاتجاه العام الذي تغلغل في الوسط العلمي اليوم بخصوص تقبل ومناقشة مقتضيات وتفاصيل ومعادلات نظريات الأكوان المتعددة والتعدد الكوني مبدئياً داخل الجامعات ومراكز الأبحاث، لذا لم يعد مقبولاً نبذ وتهميش تلك الأطروحات وعدم اعتبارها علمية وأكاديمية .

763 الكون

الميتافيزياء العلمية:

المخيلة البشرية ليست بحاجة إلى صيغ ومعادلات رياضياتية علمية رصينة ومعقدة، ولا إلى تلسكوبات، أرضية وفضائية، متطورة جداً، لكي تنتشر وتزدهر. لذا لا شيء يثير الدهشة من إنتشار فكرة تعدد العوالم وتعدد الأكوان والأكوان الموازية حتى قبل أن يأخذها الوسط العلمي بمحمل الجدية . فمنذ بضعة عقود لمسنا تطوراً مشهوداً في مجال الفيزياء لا سيما في فرع الكونيات الكوسمولوجيا. فالنظريات  عن الكون  لدى العلماء المتخصصين  الجادين  تبدو أحياناً أكثر غرابة وجنوحاً من السيناريوهات الهوليودية وروايات الخيال العلمي . فبعض العلماء تخيل على نحو جدي ورصين، أنه في امتدادات التعدد الكوني اللامتناهية، توجد عوالم تشبه عالمنا في كل ذرة من ذراته، وهناك نسخ مطابقة تماماً لما يحتويه كوننا المرئي، أي نسخة من مجرة الطريق اللبني أو درب التبانة  ونسخة مكررة من نظامنا الشمسي  ومن أرضنا وكل كائن موجود فيها. في بعض الأكوان الموازية أو المجاورة أو المتداخلة مع كوننا هناك نسخ منا تقلد كل حركة نقوم بها في نفس الوقت الذي تحصل فيه في كوننا وبأدق التفاصيل، بينما تتخذ مسارات واختيارات أخرى مغايرة في أكوان أخرى ولكن لايوجد أي أثر يشير إلى وجود النسخ اللامتناهية العدد منا نستطيع أن نقتفيه، ولا يمكننا رصدها بتلسكوباتنا ولا نتلقى منها أية إشارات يمكن رصدها بالتلسكوبات الراديوية. ومع ذلك هناك أستاذة وباحثين وعلماء ذوي مكانة وسمعة رصينة مقتنعين بوجودها، يستند بعض العلماء في تسويق اعتقاداتهم إلى حجج ومبررات علمية مستقاة من نظريات علمية كنظرية الإحتمالات théorie des probabilités، وفيزياء الكموم أو الكوانتوم physique quantique. فتعدد الأكوان، حسب نظرية الاحتمالات، من السعة بمكان، بحيث يتجاوز المنطق البشري، فكل احتمالية تزيد على الصفر لا بد أن تغدو ممكنة الحدوث حتماً في مكان ما، بما في ذلك الأشخاص المكررين لذواتنا أو نسخنا التوائم لنا . عالم الفيزياء الكونية الشهير الكوسمولوجي جون بارو John Barrow يلخص هذا الموقف بالقول: نعتقد إن احتمالية نشوء وتطور حياة تفوق الصفر لأنها سبق أن تشكلت على الأرض بطريقة طبيعية تماماً، وليست بعملية خلق رباني خارق كما تقول النصوص الدينية، وبالتالي من الممكن أن يوجد في كون مطلق لامتناهي، عدد لامتناهي من الحضارات الكونية، ومن المفترض اأن يوجد في بعضها نسخ عنا وفي كل الأعمار وربما نسخة عن كوننا المرئي بما فيه من أصغر مكون إلى أكبر مكون فيه . وعندما يموت أحدهم، يوجد نسخ لامتناهية العدد منه تستمر في العيش في أكوان أخرى ولديها نفس ذكريات وذاكرة الشخص المتوفي التي تستمر في مراكمة الأحداث والذكريات فهي نفس الذكريات ونفس التجارب لكن الفرق أن نسخة تموت ونسخة أخرى تستمر في العيش، ما يعني أن هناك استمرارية في الحياة ولكن في مواقع مختلفة وأكوان مختلفة حيث يعيش المرء على نحو أبدي في حالة من الخلود وإن بعث الأموات إلى الحياة مرة أخرى يوم القيامة للحساب حسب المنطق الثيولوجي أمر غير وارد. أما سبب عدم الاتصال بين النسخ فذلك لأن كل نسخة تعيش في زمكان مختلف  رغم تطابقه من زمكاننا لكنه عصي على التماس والتواصل وخارج نطاق الرصد.

نحن سجناء مفاهيمنا البشرية المحدودة والاختزالية التي لم تتعد مجال التمني  للوصول إلى نظرية كل شيء، كما لو إنها الكأس المقدسة، للفيزياء. وينتظر منها أن تجيب على كافة الأسئلة والتساؤلات الوجودية من قبيل: لماذا يوجد الكون على هذه الحال  وكما هو ظاهر  لنا اليوم وليس على نحو مختلف؟ ولكن لم نتوصل لحد الآن إلى هذه النظرية الجامعة والشاملة والموحد لكافة النظريات، أي نظرية كل شيء La théorie du Tout. فالدعامتين الرئيسيتين للفيزياء المعاصر وهما النسبية العامة والميكانيك الكمومي أو الكوانتي، يتواجدان جنباً إلى جنب لكن يتعذر الجمع بينهما وهما بمثابة القلب والروح للفيزياء، فكليهما ضروري لبقاء لفيزياء على قيد الحياة في الوقت الحاضر . لكنهما لا يتوافقان معاً لتوضيح وتفسير الانفجار العظيم والتضخم الفوري المفاجيء والنظرية المعيارية للجسيمات الأولية، واللانهايات، مما برغم العلماء على اللجوء إلى إدخال عشرات الثوابت في المعادلات الرياضياتية . ففي سنوات الثمانينات بزغ أمل حظي بوفرة من الحماس تمثل بنظرية قامت بمقاربة ثورية تجديدية للجسيمات الأولية المكونة للكون المرئي، ليس باعتبارها نقاط مجسمة في الزمكان بل على هيئة أوتار أو حبال مهتزة لكنها من الصغر بمكان بحيث يتعذر رصدها مختبرياً في الوقت الحاضر نظراً لتأخر وبدائية التكنولوجيا التي نمتلكها في هذا المضمار حالياً وأهمها هو مصادم ومسرع الجسيمات العملاق  التابع لمركز الدراسات والأبحاث الأوروبي LHC – CERN، الموجود تحت الحدود الفرنسية السويسرية، وهناك نوايا لبناء معجل أو مسرع ومصادم للجسيمات الأولية أضخم منه بكثير وذو كلفة عالية جداً. بيد أن هذا المقترح أو هذه المقاربة تمتلك ميزة أو خاصية تفادي اللانهايات الرياضياتية في المعادلات  المقترنة بالنظريات، بل وحتى قوة الثقالة الجاذبة  في النظرية النسبية العامة تجد مكانها في هذا البناء الذهني المجرد والتجريدي المسمى نظرية الأوتار الفائقة، ونظرية الثقالة الكمومية أو الكوانتية théorie de la gravitation quantique . ويتوقع العلماء التوصل في المستقبل المنظور إلى دمج الثقالة الجاذبة والفيزياء الكمومية أو الكوانتية . ولكن مر عقدان من الزمن ولم تتوصل نظرية الأوتار الفائقة إلى هذه النتيجة المرتجاة . فهي ماتزال معقدة وذات صيغ متعددة حتى إن بعض العلماء صار يتردد في إضفاء صفة النظرية العلمية عليها. والمشكلة تكمن في ضرورة إضافة عدد إضافي من الأبعاد المكانية، التي يصل عدده إلى عشرة أبعاد وأكثر إلى جانب البعد الزماني.  وبما أننا لانعرف ولا ندرك ولا نستوعب أكثر من ثلاثة أبعاد مكانية وبعد زماني لواقعنا الذي نعيش فيه، فإن ذلك أفقد بعض المصداقية لهذه النظرية. فالكل يتساءل أين تتواجد تلك الأبعاد المكانية الإضافية؟ اقترح بعض العلماء المختصين بنظرية الأوتار الفائقة أن هناك إمكانية أن تنطوي تلك الأبعاد على نفسها في لفائف في غاية الصغر، في نطاق اللامتناهي في الصغر، أي أصغر من الذرات، بل والكواركات بكثير. كان الأمر بمثابة فنطازيا علمية لو لم يأتي اكتشاف الميكانيك الكمومي أو الكوانتي وتطورات هامة أجريت على النسبية العامة لآينشتين فلم يعد هناك شيء يمكن أن يرهب الفيزيائيين ويكبح جماحهم، ومن هنا فإن نظرية التعدد الكوني أو الأكوان المتعددة والأكوان الموازية  التي أفرزتها نظرية الأوتار الفائقة، اندرجت بسهولة في رؤية علماء فيزياء وكونيات عباقرة للعالم  والوجود من أمثال ماكس تيغمارك  وأندريه ليند Andrée Linde وفيلنكن Vilenkin وغيرهم كثيرون وتبنوا فكرة التضخم الكوني الفوري المفاجيء والهائل  والدائم والعشوائي. وهي النظرية التي تقول بحصول عدد لامتناهي من الانفجارات العظيمة وفي كل لحظة وفي كل مكان.  فكل فقاعة  ــ كونية ، تبدأ بانفجارها العظيم الخاص بها وتشكل كونها الخاص بها وتتضخم، على غرار كوننا المرئي الذي قد يكون مصدره فقاعة كونية تتواجد إلى جنب عدد لانهائي من الفقاعات الكونية. وهناك سيرورة كمومية أو كوانتية تحدد على نحو فوضوي وعشوائي القوانين والثوابت الكونية لكل كون ناشيء، قد يموت على الفور وقد يستمر في الحياة ويتطور كما حصل لكوننا، بما في ذلك سعة المضاد للجاذبية أو الجاذبية المضادة أو الثقالة المضادة، l’amplitude de l’antigravitation، فأكوان التعدد الكوني ليست متشابهة بالضرورة، فبعضها لديه ثقالة أو جاذبية، وبعضها لديه ثقالة أو جاذبية مضادة بحيث تؤدي إلى تفجره فوراً وبعضها ينتفخ أو يتضخم ببطء. وبين الأكوان، مثلما هو الحال بين المجرات في كوننا المرئي، يستمر التضخم ويتسارع لذلك لايمكننا أن نمر من كون لآخر بالنسبة لنا نحن البشر، بسبب أن الفضاء أو المكان بين الأكوان  يتمدد بأسرع من الفقاعات الكونية نفسها، في حين أن هناك حضارات فضائية أخرى متطورة علمياً ومتقدمة جداً وأقدم منا بكثير،، نجحت في استغلال الأكوان الأخرى لتحقيق  السفر بين الأكوان وبين المجرات . ويعتقد العلماء أن الأكوان المتعددة التي تشكل الكون المطلق باعتباره كل وجودي، ليس له بداية ولا نهاية فهو خالد أزلي وابدي وسرمدي مثل الله السماوي الثيولوجي.

يتبع

 

د. جواد بشارة

 

 

اهتمَّ كثيرٌ منَ الباحِثينَ بحديثِ الفِرقةِ الناجيَةِ، وَأَولَوهُ عنايةً خاصةً، في اشباعِهِ مناقشةٍ، سَنَداً ودِلالةً .وانا لايعنيني ان أُناقشَ هذهِ المسأَلةَ، ولاأرى أن يجعلَ الباحثينَ هذه المسأَلةَ من اولى أَولَوياتهم .

حديثُ الفِرقةِ الناجيَةِ، رواهُ ابوداود، ورواه الحاكم وصححَهُ، وَحَسَّنَهُ ابنُ حَجَر . وضَعَفَّ الشوكانيُّ زيادةَ (كُلُّها في النارِ الا واحدة)، وقالَ ابنُ حزمٍ عن الزيادةِ المذكورةِ: (انها موضوعة) . وصَحَحَ الالبانيُّ هذهِ الزيادةَ، وَرُوِيَ الحديثُ بروايةٍ اخرى: (كُلُها في الجَنَّةِ الا واحدة)، والحديثُ من طرقِ الاماميّةِ، رواهُ الكُلَينِيُّ، والصدوقُ، والشيخ المفيدُ.

كُلُّ هذا الكلام لايعنيني، ومااريدُ ان اقولَهُ في هذا المقالِ المُختَصَرِ، هو التفريق بينَ مَجالَينِ، ارى التفريقَ بينهما ضرورياً.

المَجالُ الأُخروي للحديث

حَدِيثُ الفِرقةِ الناجيَةِ مَجالُهُ أُخروي وليس مجالُهُ دُنيوياً، الحديثُ يتحدثُ عن ثُنائِيَةِ (النجاة- الهلاك)، وهذه الثُنائِيَةُ مجالُها الاخرة لا الدنيا، والقران الكريم في اياته تحدث عن هذهِ الثُنائِيَةِ الأُخروية .

العقلُ التَكفيريُّ الاقصائيُّ، نَقَلَ حديثَ الفِرقَةِ الناجِيَةِ من مجالِهِ الأُخروي الى المجال الدُنيَويِّ، والأَزمةُ تكمنُ هنا ؛ ولذلك ليس مطلوباً من الباحثينَ ان تكونَ أُولى اولَوِياتِهم مُنصَبَّةً على هذا الحديثِ ؛ فهُم ليسوا مُحَدِّثين، ولامخَرِّجي أَحاديث . أُولى اولوياتهم ينبغي ان تكون مُنصَبّةً على التفريقِ بينَ المجالَينِ الدنيوي والأُخروي، واعداد وتأهيل العقلِ المسلمِ للتفريقِ بينهما .

في المجال الدنيوي لاتوجد ثُنائِيَةُ (النجاة - الهلاك) ؛ فهذا مجال أُخرويٌّ، المجالُ الدنيوي محكومٌ بفكرةِ التعايُش . وهذه الفكرةُ تحكمُ كل المجتَمعاتِ البشريّةِ، سواء أَكانت هذه المجتمعات تؤمن بالاخرة ام مجتمعات دنيويّة لاتعرف الاخرةَ.

القران الكريم وتمييزه بين المجالين

مَيَّزَ القرانُ الكريمُ بين المجالَينِ الأُخروي والدُنيَويِّ في كَثيرٍ من اياتِهِ ؛ فقد تحدثَ القرآنُ الكريمُ عن الفوزِ في الآخرةِ والنَّجاةِ من النارِ، وهذا في المجالِ الأُخروي، امّا في المَجالِ الدُنيَويِّ ؛ فقد حَثَّ القُرآنُ على التَعايُشِ، والتَسامُحِ، وقبولِ الاخرِ المختَلِف . ومن الايات التي تحدثت عن المجالِ الأُخروي، قولُهُ تعالى:

(لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ ۚ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ). الحشر: الاية: 20 . وهذه الاية تتحدثُ عن المجالِ الأُخروي في عدم الاستواءِ، وفي الهلاك والخسرانِ، والفوز والنجاة، والا فيمكن ان يكونوا سواء في المجالِ الدُنيَوِيِّ المحكومِ بقانون التعايش . وقوله تعالى:

(إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (54) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ (55)) . القمر: الاية: (54-55) .ومجال الفوزِ هذا مجالٌ أُخرَوِيٌّ.

(يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89)). الشعراء: الاية: (88-89). وقوله تعالى:

(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (168) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا). النساء: الاية: (168-169).

(إِلَّا بَلَاغًا مِّنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ ۚ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا).الجن: الاية: 23.وهذه الاية مجالها أُخروي ؛ لانَّ الرسولَ (ص)، لم يأمربقتلِ احدٍ من المنافقين .

المَجالُ الدُنيَوِيُّ

المَجالُ الدُنيَوِيُّ يقومُ على فكرةِ التَعايُشِ، والتَسامُحِ، والرَّحمةِ في العلاقات ِ الانسانيَةِ، وهذا ماأوضَحَتهُ الاياتُ القُرآنِيَةُ، يقولُ اللهُ تعالى:

(لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ). الممتحنة: الاية: 8.

(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَىٰ وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) .الحج: الاية: 17.

والاية الكريمة ميّزَت بين الفصل الالهي بينهم، ومجالُهُ أُخرَوِيُّ، والمَجال الدُنيويِّ الذي يقوم على اساس التعايش بين كل هؤلاء المُختَلِفينَ.

والعدل قيمة في المجالِ الدُنيَويِّ، ينبغي ان نُخضعَ لها العدوَّوالصديقَ على حدٍ سواءٍ، يقولُ اللهُ تعالى:

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ). المائدة: الاية: 8

والودُّ مجال دنيوي تظهر فيه محبَّةُ الناسِ للذين امنوا وعملوا الصالحات، يقول الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَٰنُ وُدًّا). مريم: الاية: 96.

والتعارف قيمة مجالُها دُنيوي، تظهر تحت مظلة التعايُش، يقول الله تعالى:

(يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ). الحجرات: الاية: 13.

والعلاقات الانسانيّة التي مجالها الحياة الدنيا تتطلب دفع العداوة بالتي هي احسن، حتى يتُمُّ تقديم افضل صورة للتعايُشِ بينَ بني الانسان، يقولُ اللهُ تعالى:

(وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ۚ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ). فصّلت: الاية: 34.

وخلاصةُ القَولِ: انّ الازمة ليست في الاعتقاد أنَّ هناك فرقةً ناجيةً في الواقع ونفس الامر ؛ لانَّ هذا الاعتقاد مجالُهُ الاخرة، ولاعلاقةَ لهُ بالحياة الدنيا التي مجالها يقوم على اساس التعايُشِ بين المختلفينَ؛ فلابدَّ من التفرقة بين المجالينِ الدُنيوي والاخروي.

 

زعيم الخيرالله

 

739 thumbnailتحدّث الشيخُ أمين الخولي عن فكرة تلوّين النص بوضوح في قوله: "إن الشخصَ الذي يفسّر نصًا يلوّن هذا النص– ولاسيّما النص الأدبي – بتفسيره له وفهمه إياه. وإذ أن المتفهم لعبارة هو الذي يحدد بشخصيته المستوى الفكري لها، وهو الذي يعين الأفق العقلي، الذي يمتد إليه معناها ومرماها، يفعل ذلك كله وفق مستواه الفكري، وعلى سعة أفقه العقلي... لأنه لا يستطيع أن يعدو ذلك من شخصيته، ولا تمكنه مجاوزته أبداً... فلن يفهم من النص إلا ما يرقى إليه فكره، ويمتد إليه عقله. وبمقدار هذا يتحكّم في النص، ويحدد بيانه"[1].

وأظن اقتبس أمينُ الخولي مصطلحَ "يلوّن النص" من التعبير المشهور للمتصوّف الجنيد البغدادي[2]: "لون الماء لون إنائه"[3]. وذلك يؤشر للأهمية الفائقة لنصوصِ المتصوّفة والعرفاء، وطرائقِهم في تبصّرِ واكتشافِ ما لبث مجهولًا من رؤيتِهم للحقيقة الدينية، ومناهجِ قراءتهم للنصّ، خارج أسوار قواعد التفسير وأصول الفقه الموروثة. فمثلما يصطبغ الماءُ بلون الإناء، يذهب الخولي في تحليله للكيفية التي يغدو فيها النصُّ مرآةً تنعكس فيها ألوانُ صورة المفسِّر، وكأن القارئَ يرى صورتَه في النصِّ، وتتلوّن هذه الصورةُ بأحكامه المسبقة، فيتشكّل معناها في ضوء ما يرسمه أفقُ انتظاره. يشير الشيخُ الخولي إلى ذلك قائلاً: "فهو في حقيقة الأمر يجر إليه العبارة جرًا، ويشدها شدًا؛ يمطها إلى الشمال، وحينًا إلى الجنوب؛ وطورًا يجذبها إلى أعلى، وآونة ينزل بها إلى أسفل؛ فيفيض عليها في كل حالة من ذاته، ولا يستخرج منها إلا قدر طاقته الفكرية واستطاعته العقلية؛ وما أكثر ما يكون ذلك واضحًا حينما تسعف اللغة عليه، وتتسع له ثروتها، من التجوزات والتأولات، فتمد هذه المحاولة المفسِّرة، بما لديها من ذلك... وإنّ المستطاع منه في اللغة العربية لكثير وكثير"[4].

هكذا يتخذ الخولي المقاربةَ الهِرْمِنيوطيقية مرجعيةً في تقويم اتجاهات التفسير القرآني المتنوعة، ولا يستثني من ذلك أيَّ شكل من أشكال التفسير، فسواء كان التفسيرُ عقليًا اجتهاديًا، أو نقلياً مروياً، أو غيرَ ذلك، تحضر بصمةُ المفسِّر لتطبع تفسيرَه، فكلُّ تفسير يحمل توقيعَ المفسِّر وطبيعةَ شخصيته، مهما حاول ذلك المفسِّر أن يتجرّد ويكون موضوعيًا ومحايدًا. يكتب الخولي: "على هذا الأصل وجدنا آثار شخصية المتصدين لتفسير القرآن، تطبع تفسيرهم له في كل عهد وعصر، وعلى أي طريقة ومنهج، سواء أكان تفسيرهم له نقليًا مرويًا، أم كان عقليًا اجتهاديًا"[5].

739 thumbnail

ويرفض الشيخُ الخولي رأيَ من يستثني التفسيرَ الروائي من بصمة ذات المفسِّر، مسوغًا ذلك بأن هذا الضرب من التفسير لا يعدو أن يكون سوى بيانٍ لمعنى الآيات في ضوء الأحاديث المروية، وفي مثل هذا التفسير لا يتدخل المفسِّر عادة. غير أن الخولي يرفض حيادَ المفسِّر الروائي في هذا الصنف من التفسير، ويدلّل على أن انتخابَ المفسِّر لروايات دون سواها يؤشر إلى أفقِ انتظاره وإطارِ تفكيره ومسلّماتِه وأحكامِه المسبقة، وهذا هو سببُ الاختلافِ الواسع في التفاسير الروائية، واستنادِ كلّ مفسّر إلى نوع معين من  الروايات المفسِّرة لكلّ آية وبيان مضمونها. يكتب الخولي: "ولعله لا يبدو هذا الأثر الشخصي واضحًا في التفسير المروي لأول وهلة، ولكنك تتبينه إذا ما قدرت أن المتصدي لهذا التفسير النقلي إنما يجمع حول الآية من المرويات، ما يشعر أنها متجهة إليه، متعلقة به، فيقصد إلى ما تبادر لذهنه من معناها، وتدفعه الفكرة العامة فيها، فيصل بينها وبين ما يروى حولها في اطمئنان... وبهذا الاطمئنان يتأثر نفسيًا وعقليًا، حينما يقبل مرويًا ويعنى به، أو يرفض من ذلك مرويًا – إن رفضه – ولم يرتح إليه... ومن هنا نستطيع القول حتى في التفسير النقلي وتداوله، تكون شخصية المتعرض للتفسير هي الملوِّنة له، المروجة لصنف منه"[6]. في ضوء هذا الفهم يصبح التفسيرُ الروائي أحدَ أشكال التفسير بالرأي، حسب المصطلح المعروف في أنواع التفسير، وحتى انتخاب آية لتفسير آية أو كلمة قرآنية أخرى أو ما يعرف بـ " تفسير القرآن بالقرآن" يخضع لهذه المعادلة التي شرحها الشيخ الخولي.

تظهر ذات المفسِّر والإطارُ المعرفي له في تلوّين ما يفسّره، فمثلًا لو كان المفسِّرُ متكلمًا، يكتسي تفسيرُه صبغةً كلامية، ولو كان فقيهًا يكتسي تفسيرُه صبغةً فقهية، ولو كان متصوفًا يكتسي تفسيرُه صبغةً صوفية، ولو كان أديبًا يكتسي تفسيرُه صبغةً أدبية... وهكذا.

وكأن الخولي يقرّر قاعدةً كليةً في التفسير، لا تستثني أيَّ شكل من أشكال التفسير من التحرّر من بصمةِ المفسِّر وفهمِه الخاص، حتى تفسير القرآن بالقرآن، الذي يُظن بأنه التفسير الوحيد الذي يتحرّر من ذات المفسِّر، يخضع فيه المفسِّر إلى هذه المعادلة، فليس بوسعه أن يتخلص مما هو مستتر من مسلماته ومضمراته، حين ينتخب آيةً أو كلمةً لتفسير آيةٍ أو كلمةٍ قرآنية.

وكما يتحدّث الخولي عن التأثير المتبادَل بين رؤية المفسِّر للعالَم والعلم الذي يتخصّص به وبين عمليةِ التفسير، ينبّه أيضًا إلى تفاعل ذلك العلم مع تخصّص المفسِّر، ليتطور في طور جديد يثريه ويتكامل به، بعد توظيفه في حقل التفسير. إنه يتحدّث عن ذلك في إشارة دالّة بقوله: "إن التفسير على هذا التلوّين، يتأثر بالعلوم والمعارف التي يلقى بها المفسِّر النص، ويستعين بها في استجلاء معانيه، كما أن وصل هذه العلوم بالتفسير يكسب هاتيك العلوم نفسها ضربًا من الثروة، بقدر أثره في تاريخها... وقد جاءك ما فعل الرازي في تفسيره... فهذا ومثله تلوين كلامي للتفسير، يضفي على القرآن؛ من منهج علم الكلام ويوجه تفسيره...كما تجد تلوينًا فقهيًا للتفسير، وآخر بلاغيًا، وغيرهما قصصيًا..."[7]. فالعلوم تنمو وتتطوّر من خلال اتساع مجالات تطبيقها في حقول علمية جديدة، إذ يفضح التطبيقُ ثغراتِها ويكشف عيوبَها، ويحذف أخطاءَها.

لا أظن الشيخَ الخولي يورطنا بنسبية الفهم، بل أراه يحاول تحريرَ فهم النصّ القرآني من سوء فهم وأخطاء المفسِّرين، الذين ظلوا على الدوام بشرًا، يتحدثون إلى زمانهم وبيئاتهم وثقافاتهم ونمط رؤيتهم للعالم، وهم أنفسهم تعاطوا مع تفسيرات المفسِّرين من قبلهم بوصفها آراء نسبية، تخضع لمشروطيات اللغة والزمان والمكان والبيئة والثقافة، وليست فهمًا أبديًا يتعالى على أيّة مشروطية تاريخية.

ويمكن للباحث أن يكتشف تلوين المفسِّر للنص الذي يفسره لدى تلامذة الخولي، ففي الوقت الذي تمثّل محمد أحمد خلف الله نهج أستاذه الخولي في اطروحته للدكتوراه[8]، أخفقت تلميذتُه وزوجتُه عائشة عبدالرحمن في أن تتمثّل ذلك النهجَ في تفسيرها[9]، وكانت أشدَّ وفاءً لماضي التفسير منها إلى متطلبات الواقع، ولم تجسّد ما كان يتبناه أستاذُها أمينُ الخولي في التفسير، ودعوتَه لتوظيف مناهج التأويل الحديثة والهِرْمِنيوطيقيا. فبينما يتجه بعضُ تلامذة الخولي لمغامرة ركوبِ سفينة علومِ الإنسان والمجتمع الحديثة ومناهجِ التأويل والهِرْمِنيوطيقيا، ويجازف بتطبيقها في التفسير في مجتمع تقليدي، ويتعرض إلى هجمة عنيفة، كانت عائشةُ عبدالرحمن تغرق في أمواج التراث، وكأنها غفلت أو تجاهلت دعوةَ شيخها للتجديد في صدر قوله: "أول التجديد..."[10]، فغرقت في العجز: "قتل القديم فهمًا"، وتشبّعت بالقديم أعمالُها، بلا أن نقرأ فيها ملامحَ للجديد، وحتى أعمال تلامذتها ورسائلهم في الدراسات العليا، التي كانت ترشدهم إليها وتشرف عليها، ظلّت مسكونةً بالقديم أيضًا[11].

وكأن بنتُ الشاطئ لم تشأ أن تتورط في الخروج على المناهج الموروثة للتفسير، لخوفها من ردود الأفعال، لأن ما تلقّته أطروحةُ خلف الله من هجومٍ عنيف جعل كلَّ تلامذة الخولي يفكرون طويلًا قبل أن يترسّموا نهجَ أستاذهم التجديدي. وربما لم تدرك عائشةُ عبدالرحمن بعمق مأزقَ التفسير الموروث، وما كان يرمي إليه أستاذُها الخولي من تحريرِ المعنى القرآني من رؤية المفسِّر القديمة للعالم، ووضعِ هذا المعنى في لغةٍ تكتشف المتطلباتِ الروحيةَ والأخلاقيةَ والجماليةَ للمسلم اليوم.

التجديدُ شديدُ الوطأةِ على النفس والمشاعر والمصالح، لا يستسيغه إلا عقلٌ شجاع، وإنسانٌ يمتلك قدرةَ المغامرة في الخروج على المألوف، ومستعدٌّ لدفع ضريبة موجعة. لذلك لم يكن موقفُ بنت الشاطئ غريبًا، فقد تكرّر هذا الموقفُ لدى كثيرٍ من التلامذة الذين عجزوا عن تمثّل النهج التجديدي لأساتذتهم، فوقفوا خارج آفاق رؤية الأستاذ، فركنوا إلى التراث ليتشدّدوا في استئنافه كما هو، وهذا ما نراه ماثلا في النزوع السلفي للشيخ محمد رشيد رضا، بعد رحيل أستاذه الشيخ محمد عبده، وغيره.

 

د. عبدالجبار الرفاعي

.......................

[1] تعقيب على مقالة "التفسير" في: دائرة المعارف الاسلامية ص 2332 – 2334.

[2] أبو القاسم الجنيد بن محمد الخزاز القواريري، متصوف شهير من متصوفة بغداد في القرن الثالث. ولد ببغداد وتوفي ودفن فيها سنة 297 هـ.

[3] الكلاباذي، ابو بكر محمد بن اسحاق، التعرف لمذهب اهل التصوف، ضبطه وعلق عليه وخرج آياته وأحاديثه: احمد شمس الدين. بيروت: دار الكتب العلمية، ط1، ١٩٩٣، ص ١٥٦. ومحيي الدين بن عربي، الفتوحات المكية، بيروت: دار الكتب العلمية، باب 341، ج5: ص 239.

 [4] الخولي، أمين. مناهج تجديد. ص 224.

[5] المصدر السابق. ص 224.

[6] المصدر السابق. ص 224.

[7] المصدر السابق. ص229.

[8] اطروحة محمد أحمد خلف الله بعنوان: "الفن القصصي في القرآن الكريم" أشرف عليها: الشيخ أمين الخولي، ورفضتها لجنة المناقشة. سنتحدث عن الضجة التي أثارتها في الحلقة القادمة.

[9] عائشة عبد الرحمن بنت الشاطئ، التفسير البياني للقرآن الكريم، القاهرة، دار المعارف، 2ج.

[10] الخولي، أمين. تعقيب على مقالة "التفسير" في: دائرة المعارف الاسلامية. ص 2336. يقول الخولي: "أول التجديد قتل القديم فهمًا".

[11] ذكرت عائشة عبدالرحمن في مقدمة الجزء الأول من تفسيرها عنوانات اطروحات الدكتوراه لتلامذتها التي اقترحتها وأشرفت عليها عندما كانت أستاذة للدراسات القرآنية والإسلامية العليا في جامعة القرويين في المغرب، وهي دراسات تتناول موضوعات قرآنية تراثية، وتحقيق كتب قديمة.

 

احمد شحيمطالفلسفة للجميع وفكرة المؤرخ الروماني شيشرون أن سقراط انزل الفلسفة من السماء إلى الأرض وادخلها إلى كل البيوت فكرة منبهة للفلاسفة والمشتغلين في حقل تدريسها للنزول في تعليمها وتلقينها للأجيال ممكنة في تشكيل وبناء فكر نقدي وإنساني يهتم بإثارة السؤال نحو التفكير وإزالة ترسبات المعرفة الجاهزة والقائمة على منطق الرأي الأحادي الذي لا تعترف الفلسفة بقيمته حيث لا يساهم في بناء فكر الاختلاف والتعدد. ومن يتأمل في القولة المأثورة لشيشرون سيجد من المعاني في تفلسف سقراط باليات الحوار والتهكم وفن التوليد وما يعرف بالطريقة السقراطية في الساحة العمومية والفضاء العام نموذج يحتدى في التفلسف والعودة للذات . فقد انزل سقراط الفلسفة من البرج العالي والمغلق إلى فضاء أرحب للتأمل في مرامي الإنسان وصفاته . وإمكانية تعليمه الفضائل الأخلاقية والعملية إيمانا بالفكرة القائلة "أيها الإنسان اعرف نفسك بنفسك ". المعرفة تذكر والجهل نسيان . والفلسفة في الساحة العمومية وفي الحلقات السقراطية وجه آخر للشمولية والفضاء العام التي تلقن فيه مبادئ التفكير والحوار السليم بين أطياف المجتمع اليوناني ومن مجالات متباينة .

لا سبيل للحق في التفلسف إلا بإنزال الفلسفة من عالم الطبيعة والتأملات الطبيعية ونقلها للطبيعة الإنسانية . والتحول من التأملات الفلكية ومشاهدة العالم الفيلسوف للسماء خصوصا مع الحكماء السبعة ومنه طاليس الملطي .أن يعود الإنسان إلى تقصي الحقيقة الذاتية والكشف ما يوجد في أغوار النفس من حقائق ويقينيات ينبغي استنباطها مباشرة باليات منهجية .حقائق تشكل نقطة البداية في تحولات الفكر وبناء قاعدة صلبة للتفكير ومنطق التفلسف . كانت الدهشة منبعا واصلا للفلسفة والتفلسف. لم يقتنع الإنسان بالأجوبة المألوفة وبالأشياء الغامضة والتأويلات الأسطورية الخيالية لكل ما يتعلق بالظواهر الطبيعية فاكتشف الإنسان المبدأ وارجع الأسباب إلى كل ما هو طبيعي مادي في عناصر مادية موجودة ومكونة للطبيعة بذاتها في القول بالماء والهواء والنار . يستمر التفكير الفلسفي واليات التفلسف في إنتاج ما هو أساسي من مذاهب فلسفية ونظريات علمية . ويكشف منطق التفلسف عن دوافع الإنسان للبحث عن الحقيقة وإثارة السؤال الفلسفي من جديد . وفي سياق علاقة الفلسفة بالتفلسف يبقى التقابل بين كانط وهيجل في ضرورة تعلم الفلسفة والإلمام بتاريخها والمثال أن الإنسان لا يمكن أن يسبح في النهر من دون ماء في وجهة نظر هيجل . وقابلية تعلم الفلسفة وتعليمها تنطلق من الفكرة القائلة أن الإلمام بتاريخها وأسسها يتمكن الإنسان من التفكير الفلسفي وسلك منطق آخر في التفلسف. أو من منطلق كانط ان التفلسف عملية بناء للمعرفة وان قراءة الفلسفة يمكن أن يمدنا بمعارف معينة دون أن تكون الفلسفة قابلة للتعلم لأنها لا تشتمل على قواعد صورية ثابتة أو مبادئ وقوانين في التعلم كتلك السائدة في علم الرياضيات . ومن خلال هذا التقابل تبدو الأفكار نوعا ما متشابهة ومتقاربة للجمع بين الفلسفة والتفلسف .

فالحق في التفلسف يبدأ من سياق القابلية في فهم الفلسفة واستيعاب مضامين الدرس الفلسفي باستدعاء العدة الديداكتيكية والحمولة الفكرية للمدرس في قلب الفصول الدراسية . وإذا كانت المقررات الدراسية مقيدة بعامل الزمن والامتحانات وتكريس نوع من الفلسفة الخاصة بالمفاهيم والتقيد بالنصوص والبرنامج المقترح من قبل الوزارية المعنية بالشأن التعليمي فان للمدرسين كامل الحرية في عملية الاجرأة والانتقال إلى عملية التفلسف وجعل المتعلم يكتسب كفايات ومهارات . تدريبه على التراكيب والأسئلة والمناقشة والتحليل والحوار وتمرين المتعلم على قيم المواطنة والتسامح والتعايش .وما يتعلق بالقيم المحلية والكونية. وهكذا يكون الحق في الفلسفة والتفلسف للجميع من قاعات الدرس إلى الفضاء العمومي في مناقشة موسعة للقضايا التي تهم الشأن العام بهدف البحث في مشاكلنا والارتقاء بالذوق وتحسين العقل وتمكين الناس من آليات التفكير الفلسفي والحق في الاختلاف وإبداء الرأي .

فالحق في التفلسف وفق رؤية المفكر المغربي طه عبد الرحمان ينبع من صميم تهيئة مفاهيم في السياق العربي في ضرورة تأسيس فلسفة عربية تفك الارتباط بالفكر الفلسفي الغربي . خصوصية الفلسفة تنطلق من البيئة الثقافية والحق في الاختلاف وتجاوز منطق الكونية الذي يفيد التفكير بالسياقات والآليات التي أطرت الفلسفة في مشهدها اليوناني والغربي على السواء . تكييف المفاهيم من قلب الثقافة العربية للرفع من آليات التفلسف في إنتاج أفكار ومذاهب .في خلق فلسفة مميزة بمفاهيم نابعة من الثقافة العربية يمنحنا فكرة أن الفلسفة يمكن استنباتها بدرجة أقوى في مجالنا عندما تكون المفاهيم المتداولة من قيمنا وليست نابعة من ثقافة الآخر .عندما أنشأ المأمون بيت الحكمة من خلال رؤية منامية كانت بالفعل الفكرة صائبة في نشر الفكر المضاد لكل نزعة منغلقة ومجابهة التهديد من قبل الفرق والنحل الأخرى . ومقارعة الأفكار باليات الفكر الفلسفي .

حاجتنا للفلسفة والتفلسف من منطلق ما في قيمنا من دعوة للحكمة والتبصر والتعقل . والنظر في الوجود والموجودات .والحق في التفلسف مبني على حجة أن التفكير الفلسفي كوني وشمولي من جهة الإلمام باليات الفلسفة بالطريقة التي وضع معالمها اليونان ولكن بالعقلية العربية في تحقيق خصوصية مميزة للفلسفة العربية الإسلامية . كتب عبد الرحمان بدوي عن الفلسفة الإسلامية في موضوع شامل عن التراث الفلسفي .وكتب محمد عابد الجابري عن التراث الفلسفي في الشرق والغرب .عن معالم فلسفة ابن سينا وعقلانية الفارابي وقمة الفكر الفلسفي لابن رشد في بناء منطق يروم الحق في الفلسفة والتفلسف . من منطق ما في فلسفة أرسطو بالذات من ميل نحو الوسطية والأخلاق المتوازنة وتوازن النسق الفلسفي . بالشرح والتعليق والإضافة . وما في الشريعة الإسلامية من مقاصد وغايات قصوى كالفلاح والصلاح والخير العميم للفرد والمجتمع .هنا يبدو أن الحق في التفلسف مشروع بناء الإنسان على التفكير المنطقي السليم وتحسين المدارك وإصلاح العقل من ترسبات التقاليد والقيم البالية وإصلاح الذات في بعدها الأخلاقي من خلال تربية النفوس وتهذيبها بالعلم والنقاش وروح التعايش على أساس الاختلاف وبناء المجتمع بدون عقد نفسية وكوابح اجتماعية . وهذا يستدعي في البيئة العربية الإيمان بقيمة التفكير الفلسفي في بناء الفرد والمجتمع إيمانا بالوحدة بين المشروع الفردي والمشروع المجتمعي. فالحق في التفلسف يقتضي تعميم الفلسفة في كل الأوطان العربية حتى لا تبقى الفلسفة حبيسة عند النخب أو عالقة في سياسة الرفض والنبذ بدعوى الإساءة للدين والتعارض مع الإيمان أو أسباب أخرى ظلت لصيقة بالفلسفة في محاربة بعض الفقهاء وتحالف الفقيه ورجل السياسة في قص أجنحة الفلسفة من زمن الغزالي ونزعة الفكر الأصولي .

فالحق في التفلسف يتجلى في الجانب الديداكتيكي عند تبسيط الفلسفة وتعليمها بطرق ميسرة . ونقل المعلومات والآراء وتحليلها في السياقات المتنوعة إلى تعلم آليات التفلسف وتجريبها في الواقع المادي أو لنقل التمكن من المهارات والمعارف وتعبئتها في سياقات معينة عندما يكتسب المتعلم مجموعة من الكفايات في الدرس الفلسفي. ويصبح هذا الدرس مدخلا لتعلم التفلسف والتدرج بالتفكير الفلسفي من مجال المواقف الفسلفية إلى إنتاج أفكار ذاتية تساهم في خلق نماذج فلاسفة في عالمنا . فتجربة الدرس الفلسفي في الجامعات العربية والثانويات خلق انطباعا ايجابيا عندما تمرست عقول وذوات في التفلسف وفسحت المجال للقول أن هذا العالم يتوفر على طاقات ونخب ساهمت في إنعاش الفلسفة والتفلسف. من نجيب بلدي وفؤاد زكريا ومحمود سامي النشار وعبد الرحمان بدوي ومحمد عزيز الحبابي ومحمد عابد الجابري والطيب تيزني وصادق جلال العظم والقائمة طويلة . هكذا يعتبر الحق في التفلسف مشروع وحق أصيل . ومن حق الشعوب العربية أن تسلك طريقا في ترسيخ الفلسفة والدرس الفلسفي واستنبات التفكير الفلسفي في قلب المدرسة والأسرة والمجتمع وما تقدمه الفلسفة من تنوير وإمكانية بناء الحداثة وفق مقياس الثقافة .في طموح النخبة ورغبة المثقف لإرساء مجتمع مدني وعقول متنورة.      

 

بقلم : أحمد شحيمط كاتب من المغرب

 

المهدي بسطيليإن السوسيولوجيا كتخصص علمي متكامل من حيث الموضوع والمنهج لم يتبلور إلا في سياق تاريخي محدد، وارتبط بشكل رئيسي بظهور الرأسمالية وما رافقها من ظواهر ومشاكل والتي نتجت عن عمليات التصنيع في المجتمعات العربية كظاهرة الهجرة والبطالة وغيرها .

فالسوسيولوجيا من هذه الزاوية كانت استجابة لضرورات داخلية فرضتها  التحولات التي اقترنت بنشأة الرأسمالية، وفي نفس الوقت شكلت محاولة لفهم وتفسير التحولات والتغيرات وكان ذلك بهدف الضغط والتحكم، لكن حينما يتعلق الأمر بمجتمعات تقليدية لم تعرف التصنيع والرأسمالية وما زالت في المرحلة الزراعية فبأي معنى يمكن الحديث عن سوسيولوجيا ؟

إن الجواب عن هذا التساؤل يكمن في فهم السياقات التاريخية التي عرفتها المجتمعات الأوربية، نتيجة عمليات التصنيع وما رافقتها من تحولات عميقة والتي مست كل البنيات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية على مختلف الأصعدة، وجدت أوربا نفسها مجبرة على التمدد والتوسع إما بحثا عن أسواق خارجية لمنتوجاتها المصنعة أو لجلب المواد الأولية التي كانت محاجة اليها.

فكان ذلك بداية اهتمام الأوربي بالأخر المختلف ثقافيا وبذلك تشكلت تخصصات في مختلف العلوم الاجتماعية والتي حاولت فهم هذا الاخر المختلف، وانطلق الباحثين في شكل كشافة ورحلات تبشيرية دينية بين دريعة ظاهرة وهدف خفي في البداية .

يمكن اعتبار معركة إيسلي سنة1844 لحظة كشفت عن ضعف الجهاز التقليدي المغربي و هشاشة الوضع الداخلي بالمغرب الأمر الذي سيذكي المزيد من الأطماع وسيدفع الدول الأوربية الى تعزيز مواقعها داخل المغرب، ففرنسا اعتبرت المغرب هدفا استراتيجيا بحكم قربه من مستعمرتها الجزائر، وفرض عليها الوضع حماية مكتسباتها في الجزائر وحسم التنافس حول المغرب لصالحها ومن جانبها وقعت انجلترا اتفاقيات تجارة مع المغرب تتعلق بفتح الاسواق والحماية القنصلية.

ثم ان فرنسا وبحكم وجودها على الحدود مع المغرب كانت لها حصة الأسد بكل ما يتعلق بالبعثات الانسانية والدراسات والأبحاث، استطاعت الإدارة الفرنسية بالجزائر وبتنسيق مع الحكومة الفرنسية جمع رصيد هام من الوثائق حول شمال إفريقيا؛ وبالخصوص حول المغرب باعتباره هدفا استراتيجيا، وشملت هذه الوثائق كل جوانب الحياة سواء الاجتماعية أ الدينية أو الاقتصادية، حتى الجغرافية وغيرها ...

وبموازاة هذا التنافس بين الدول الأوربية حول المغرب من خلال إرسال البعثات والقيام بالدراسات والأبحاث، اذ اعتبر الصراع حول المغرب  يمر عبر امتلاك اكبر قدر من المعرفة، اذ بموازاة هذا التنافس كان هناك تنافس آخر يدور داخل الأوساط الفرنسية، ونعني بذلك فرنسيو المترو بول وفرنسيو الجزائر بهدف التحكم في البحث العلمي، ولهذا الغرض تكتلت الأطراف المتنافسة ضمن مؤسسات ومهيآت وشكلت جماعات الضغط، فظهرت لجنة المغرب ولجنة إفريقيا الفرنسية، هذه اللجان كانت تضم سياسيين ودبلوماسيين، علماء، شخصيات من عالم الاقتصاد، وشخصيات أخرى مؤثرة في الحياة العامة.

شكلت سنة 1890 حدثا مهما في تاريخ البحث العملي حول المغرب أعطى قوة للبحث العلمي حول المغرب حيث مو( جول كابمو الذي عيين  حاكما على الجزائر وعرف عن هذا الحاكم انه كان من دعاة الاستعمار الجديد أي الاستعمار  المبني على العلم والمعرفة،) نشرة من أربعة اجزاء وهي : وهي وثائق لدراسة الشمال الغربي لإفريقيا، وبذلك بدا وكأن كفة البحث العلمي تميل لصالح فرنسيي الجزائر، غير أن تشكل لوبي اقتصادي، أعاد خلط الأوراق من جديد، يضاف الى ذلك انشاء الشركة المغربية واتحاد الابناك الذي كان يقوده بنك باريس والبلاد المنخفضة، وبدأ هذا التحول من خلال إنشاء كرسي السوسيولوجيا الإسلامية سنة 1908 من طرف الفريد جورج، وإن كانت ارهاصات هذا الكرسي ترجع الى قبل هذا التاريخ وتمثلت أهداف هذا الكرسي في تكوين منظرين في الشؤون الأهلية أو اعداد جيل من الأطر  والباحثين الذين ستوكل اليهم عمليات التدخل الاستعماري وإدارة شؤون المغرب بعد احتلاله، وذلك على أساس من العلم والمعرفة، غير أن هذا الكرسي سرعان ما تفرعت عنه بعثة علمية صغيرة عرفة بالبعثة العلمية بالمغرب والتي كان مقرها طنجة 1904 على يد le chatelier.

تميزت شخصية le chatelier  بقدرة كبيرة على التخطيط، بحيث استطاع في فترة قصيرة أن ينشئ سوسيولوجيا أو كرسي السوسيولوجيا الإسلامية والذي سرعان ما وسع من نشاطه، فأصبح بعثة علمية مرتبطة بهذا الكرسي، الأمر الذي أثار استياء أعمدة مدرسة الجزائر وبالخصوص ادموند دوتي، وقد زاد الاستياء حين عين (gorge  salamon  (على رأس هذه البعثة  فوجهت له العديد من الانتقادات، اذ اعتبر غير مؤهل ليشغل هذا المنصب فهو يمتلك شهادة من معهد الآثار بمصر، غير أنه رغم هذه الانتقادات استطاع أن يثبت جدارته وأحقيته لهذا المنصب، اذ تمكن وخلال شهور قليلة من تعيينه، من إصدار المجلد الأول من المحفوظات المغربية في ماي1904 ،عرف عن le chatelier أنه مؤسس البعثة العلمية بالمغرب، وقبل ذلك ضابط لشؤون الأهلية لمدة عشر سنوات، كما شارك في بعض البعثات الاستكشافية وعمل ملحقا عسكريا زار العديد ممن الدول العربية والإسلامية، منها المغرب مصر، تركيا،

بعد gorge  salamon تولى Michaus bellair  الذي في عهده عرفت هذه البعثة تحولا كبيرا اذ ازداد دورها وتحدد أهدافها، ولم يعد خفيّاْ دورها : كأداة في المشروع الاستعماري، حدد "ميشو بيلير " أهداف البعثة كما يلي: (ان هدف هذه البعثة هو البحث في عين المكان عن وثائق تسمح بدراسة المغرب وبإعادة تشكيل تنظيمه وحياته، وذلك ليس فقط من خلال الكتب والوثائق، بل وكذلك الاعتماد على المعلومات الشفاهية وتراث القبائل والزوايا والأسر ...) إذن الامر يتعلق بدراسات سوسيولوجية أجنبية حول شمال أفريقيا.

 

المهدي بسطيلي

.....................

ملحوظة

اخترنا تقسيم الموضوع لثلاث أجزاء حسب أهميته، لذلك سندرج المراجع التي اعتمدنا عليها في توظيف هذه المعطيات في الجزء الأخير

 

نجيب طلالعتبة الاحتفال: في نظر ما يسمى (الإحتفالية) المسرح حفل واحتفال وتواصل شعبي ووجداني بين الذوات . فمن هذا المنظور فمسألة (الدعم المسرحي) حفل واحتفال ! - احتفال- قبلي؛ ما دمت الجمعية المسرحية؛ تستعِد لخوض غماره؛ بكُل نشوة وفرح؛ من أجل تقديم المتعة والفائدة الفنية / الجمالية؛ بناء على إنجاز ملفها كمشروع مقترح ومختار: نصه وسينوغرافيته وملابسه وممثلوه سلفا؛ وباتفاق كل الأطراف المساهمة؛ في العمل المسرحي؛على نسبة التعويضات وأجور العاملين في المشروع باستثناء الممثل؛ هذا الأخير؛ يتقاضى أتعابه وحقوقه المالية في مرحلة العروض المقدمة والمقتطعة من الميزانية المخصصة للإنتاج الذي ستناله الجمعية ( الشركة / محترف/ وكالة / فرقة / وكيل فني....)!... ويزداد أوج الاحتفال حينما تحظى تلك وهذه الجمعية من الدعم المسرحي؛ مقابل هذا فالتي لا تنال الدعم بدورها تمارس الإحتفال؛ من خلال الغضب والاحتجاج والصراخ بين المقاهي والأندية؛ وتدوين العرائض؛ والتهديد بكشف المستور بين هذا وأعضاء اللجنة؛ أو استخراج المكالمات الهاتفية السرية بين اللامدعم وأعضاء أصحاب الدعم ! وفي كلا الحالتين المدعم واللامدعم يمارسون احتفاليتهم ( لأن الاحتفال هو أصدق تعبير عن الحسّ الجماعي، نحن نحتفل تعبيرًا عن حالات الفرح والحزن والغضب والفقد.( هكذا قالت:الإحتفالية ) والله أعلم . وبالتالي من صنع هذا الاحتفال ؟ أليست وزارة الثقافة والاتصال . فهاته الوزارة منطقية في تدبيرها؛ بحيث لم تصنع الإحتفال/ الكرنفال/عيد جماعي؛ كوَهْم له علائق بالساحات و الاسواق و المواسم؛ بل حقيقة مرتبط بخزينة الدولة ( المال العام) ومحاولة التهافت عليه كل حسب خِبراته وأساليبه وطرق مناوراته. مادام الدعم في نظر البعض لعبة اللاعبين؛ في زمن سنوي محدد؛ وله شروطه المشروطة ومحكومة بقواعد مسطرة في دفتر التحملات .    إذن؛ في كل الأحوال. لنقبل ونتقبل قرارات لعْبة ( الدعم) سواء استفدنا منه أم لا. لأن كل المسرحيين وافقوا على لعبة اللآعبين وتهافتوا على شق ما يسمى ظلما وجورا في بلادنا ب ( الاحتراف) منذ ظهور سياسة الدعم المسرحي في 1998؟

فمن هذا المنطلق؛ لا بدّ من فصل المقال. وبغير هذا الفصل، فستصبح تجربة – الدعْم - خارج سياقها التاريخي و شروطها الذاتية والموضوعية ، مؤكدين على أن هذا هوليس الواقع الحقيقي للمسرح المغربي، ومن أراد أن يؤمن بواقع آخر فله ذلك، وسيظل الفاعل المسرحي خارج المنطق وخارج التاريخ . من هنا فالكل انجر وراء اللامنطقي واللاتاريخ؛ بما فيهم دعاة التنظير للمسرح المغربي؛ الذين كانوا يوهمون ( ديونيزوس) أنهم يساهمون ويُفعِّلون الحركة المسرحية ! لكن مسألة دعْم [الإنتاج والترويج ] كشفت عورة وسلوكات ومسلكيات الأغلب الأعم من المسرحيين/ اللاعبين/ الانتفاعيين؛ بعْدما مارسوا عملية العبور التعَسفي؛ من تجربة الهواية إلى تجربة الاحتراف؛ لتكون بداية البدايات للمسرح؛ أو العَودة لدرجة الصفر في تاريخ المسرح المغربي. مزاحمين بذلك مجموع خريجي المعهد المسرحي؛ والمتفرغين الذين راكموا تجربة وتاريخا لا يستهان به .

طبعا المسرح / الدعم ! ليس ملك لأحد؛ مادام هو – احتفال- وصادر من مؤسسة تراعي المجال الثقافي؛ ايمانا بأن عصب التنمية البشرية هو الثقافة الواسعة؛ ذات حمولة قيم للمواطنة والارتقاء بالحس المدني وغرس تربية الجمال وعشقه.. . وبالتالي فسياسية الدعم في بعدها الأعم، الحد من المحسوبية و الإقصاء؛ الذي كانت تعاني من أغلب الجمعيات المسرحية؛ وبثر عملية الريع المطلق؛ وما كان يُقدم للمحظوظين /المقربين وذوي العلاقات الشخصية... من دعم بدون شروط وخارج المساطر المالية/القانونية؛ ولا متابعة ومحاسبة للمستفيدين منه . يكفي أن تكون مواليا لحزب الوزير أومن فصيل (ذاك) المجلس البلدية وحتى القروي أو من المقربين للسلطة.

إذن؛ فوضى الريع الذي عمَّر طويلا واغتنى منه العَديد من المسرحيين/ اللاعبين ، هَل فعلا سياسة دعْم [الإنتاج والترويج المسرحي] أوقفت هذا النزيف المالي؟

باب الدعم:

من المغالطات السائدة أن سياسة الدعم المسرحي؛ هي وليدة 1998( حكومة التناوب) بالعكس؛ لأن مصدر الدعم /التنمية "الصندوق الوطني للعمل الثقافي" هذا الحساب تم فتحه برسم السنة المالية 1983 لتغطية كل المجالات والعمليات المرتبطة بالعمل الثقافي؛ وتم تعديله: بناء على الفصل 33 من قانون المالية رقم 24.82 لسنة 1983 الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.82.332 بتاريخ 15 من ربيع الأول 1403 (31 ديسمبر 1982) كما وقع تغييره وتتميمه ولاسيما بالمادة 53 من القانون المالي رقم 12.98  للسنة المالية 1998- 1999وبالمادة 36 من القانون المالي رقم 26.99  للسنة المالية 1999- 2000 (1) والذي يرسخ هذا التعديل [المادة الرابعة] تقول: ترصد ميزانية دعم الإنتاج وترويج الأعمال المسرحية وكذا ميزانية دعم نشر الكتاب المغربي ضمن الاعتمادات المفتوحة في الحساب المرصد لأمور خصوصية المسمى " الصندوق الوطني للعمل الثقافي(2) فمن هذا الصندوق كان الريع مستفحلا بين المقربين وذوي الحظوظ؛ ولا يمكن القفز على هاته الحقبة من ظاهرة الريع الثقافي! والتي كان المال العام يتسرب من الوزارة بدون أي وجه حق والذي يتعارض مع القانون ومع الشفافية والحكامة الاقتصادية الجيدة! ولا علاقة له بالاستحقاق والجهد والمنافسة ! مما خلف وراءه قيما وسلوكات غير مشرفة في النسيج المسرحي وغيره؛ زادت في بهدلة الفنانين؛ مما تم تأطيرهم في برواز ، كفئة تسعى لامتيازات؛ خارج الضوابط واحترام المجتمع؛ لأن في الأصل ، فاقتصاد الريع كسب قائم على منح الامتيازات واكتساب الولاءات حسب طبيعة النوعية والاهتمام؛ مقابل هذا فهو عدو همجي على السوق المبني على العرض والطلب؛ وشَرٌّ رهِيب على الحقوق الاقتصادية والاجتماعية ! ولا ننسى أن للريع الثقافي جذور: قبل حكومة التناوب كان هناك ريع بكل تأكيد، لكنه لم يكن بهذه الفظاعة ولا بهذه الفئوية والحزبية الضيقة ، إذ كانت جمعيات السهول والجبال والأنهار عنوانا كبيرا لهذا الريع، ولكن الأمر لم يكن بهذا الغموض الذي جاء مع حكومة التناوب (3) وبناء عليه فالعديد من الفعاليات والجمعيات الثقافية والمسرحية؛ استفادت من الريع الثقافي واغتنت منه؛ وفي سياق موضوعنا فما يسمى ( الإحتفالية ) بدورها كانت تتغذى وتنمو من الصندوق الوطني للعمل الثقافي .وكانت تتعشى وتتمدد من صندوق تابع لمركز الأبحاث المسرحية؛ والقليل يعرف أن ذاك الصندوق؛ من ثرواته كان يقام المهرجان الوطني لمسرح الهواة؛ الذي لم يستطع أحد أن يجيب [ من أهدر دمه] ؟

إذن؛ فطبيعة التحولات الاقتصادية فرضت تعْديل / تغيير العديد من المساطروالقوانين؛ لملآمتها بمشاريع الخوصصة و تحرير الاقتصاد ومواكبة روح العولمة التي تندرج منها - اقتصاديات الثقافة - كرهان استراتيجي لتحسين حكامة الشأن الثقافي لمحاولة القضاء على مظاهر الريع الثقافي بوضع معايير موضوعية للدعم الثقافي على أساس دفاتر تحملات ذات التزامات واضحة.لأن اقتصاديات الثقافة تمثل في: مجموعة الأنشطة والتبادلات الثقافية الخاضعة لقواعد اقتصادية، من إبداع وإنتاج وتوزيع واستهلاك لسلع ثقافية. ومن أهم خصائص اقتصاديات الثقافة تبرز طبيعتها المزدوجة؛ الاقتصادية ) خلق الثروة وفرص العمل ( والثقافية ) إنتاج القيم والمعنى( تندرج ضمن تقاطع جدلي ما بين الاقتصادي والثقافي، بحيث يجعل من الإبداع والابتكار والتجديد في قلب النشاط أو المنتوج. ويتميز عن باقي القطاعات الاقتصادية بتنظيم مختلف من حيث طبيعة العمل.ويتشكل في الغالب الأعم من مقاولات صغرى ومتوسطة (4) الإشكالية هنا؛ فالمسرح لا يتوفر على مقاولات بل على جمعيات خاضعة للظهير؛ علما أن التقرير يؤكد بأن المقاولات الثقافية تشتغل في السينما و السمعي البصري. وإن كان الدعم في كليته؛ لا يشجع المقاولات على الاستثمار في الشأن الثقافي، نجد مقابلها في المسرح (جمعية /محترف/ فرقة/ شركة/ وكيل فني/...) يبدو لي أن هاته مجرد يافطات للحصول على الدعم المسرحي؛ لأن المجلس الأعلى للحسابات؛ يشير صراحة حول الدعم الموجه للجمعيات بهدف تنشيط الحركة الثقافية بالقول التالي: عدم إدلاء الجمعيات التي تتلقى الدعم من وزارة الثقافة بصفة منتظمة بميزانياتها وحساباتها كما هو منصوص عليه في المادة 32 من الظهير الشريف رقم 1.58.376 بتنظيم الحق في تأسيس الجمعيات(5) فلم يقل (تعاونية/ شركة/مقاولة/...) ففي هذا الإطار هل الدعم يندرج ضمن اقتصاديات الثقافة؛ وهُو مُوجَّه للجمعيات/ الفرق؟ بدون مواربة فالدعم المسرحي لن يحقق ذلك؛ لأنها: تَجمع اقتصاديات الثقافة بين الشروط المؤسسية والمادية ونمط التدبير، وبين ديناميات التنشيط للقطاعات المرتبطة بالثقافة، بحيث من خلالها يتمّ الترويج للمنتوجات الثقافية، وتحريك سوق لها تسمح بخلق التوازن بين العرض و الطلب، وبين الإبداع ومقتضيات التدبير، والإنتاج والتوزيع في هذا المجال(6) ففي شبه غياب الشروط المؤسسية والمادية ونمط التدبير؛ فمن الصعب جدا خلق الثروة وفرص العمل. علما أن الانتاج المسرحي بوصفه شكل من أشكال النشاط الاقتصادي ينطوي على حساب الكلفة والتكلفة والربح والخسارة؛ قبل هذا تهيئة مستلزمات العمل المادية والبشرية والادارية والتقنية؛ التي لامناص من تخطيط و دراسة الموازنة الانتاجية اللازمة لتأمين عملية الترويج له وتسويقه في السوق الثقافية. وبالتالي ما هو كائن ! فالدعم المسرحي يبقى ضرب من العبت ومضيعة للمال العام؛ وإن كان في الأصل تم تعديل صندوق الدعم من أجل خريجي المعهد المسرحي؛ كمتنفس أولي للشغل؛ وبشكل آلي يلاحظ تقديم خريجي المعهد على الفرق المقدمة لطلب الدعم بواسطة قانون الدعم و دفتر التحملات ، والتنصيص على وجوب إشراك الكفاءات الشابة من خريجي المعاهد الفنية وتشغيلهم من طرف الفرق المرشحة للدعم . لكن أغلب المسرحيين انخرطوا في العملية وأضحوا متدافعين ومندفعين نحو( الدعم/ الريع) بدل الانتاج والعطاء الفني والإبداعي. وأصبح البعض ينتظر كل عام لتلك المبالغ الخرافية؛متحايلا على الظرفية؛ وهناك قضايا كثيرة في هذا المضمار( مثلا ): بعد الشنآن الذي حصل بين فرقة مسرح البدوي والوزارة الوصية... والتي أصدرت بيانا توضيحيا في الموضوع، شرحت فيه أن ما جاء في بيان فرقة البدوي هو "ابتزاز غايته الحصول على الدعم فقط"(7) لكن بعض المسرحيين الذين حذروا من الريع الثقافي؛ بعد فترة سقطوا فيه واستفادوا منه وقامت عليهم ضجة ( احتفالية ) ولكن لا أدري لماذا لم تقم الضجة على البعض الآخر؟ فالذي يهمنا في هذا الباب؛ بأن الدعم المسرحي؛ خلق إشكالات متعددة وتساؤلات مثيرة للجدل؛ كهل هناك فعلا شفافية وحكامة أم الأمر يعْدو مدخلا لما بعْد الاستثناء الثقافي؟ وبالتالي هل بالتأكيد يُحارب المسرح بطرق متعددة مدخله [ الدعم] كوسيلة وصك لإدخاله السوق ليخضع للمنطق التجاري كباقي المنتوجات . لما للمسرح من قوة جماهيرية؛ وتواصل مباشر ؟ فلماذا هرول الانتهازيون والانتفاعيون من كل حدب و صوب . ووقف بعض المبدعين وقفة تأمل؛ و منهم من غادر ومنهم من يحاول الاستمرار؟ خارج لعبة الدعم ! لأن هنالك حججا لا يمكن الطعن فيها وخاصة ملاحظة المجلس الأعلى للحسابات حول دعم الفرق المسرحية:

- غياب مجموعة من والوثائق المكونة لملف الدعم: بطاقة نموذجية تعبأ من طرف لجنة الانتقاء، وعقد الدعم،

وجذاذة مفصلة لصرف الدعم...الخ؛

- عَدم احترام بعض بنود عقد الدعم، كتقليص عدد الممثلين الواردين ضمن اللائحة المرفقة بالملف المقدم للجنة

الانتقاء أو تغييرهم .

- عَدم احترام البرنامج المفصل للعروض المتفق عليه في عقد الدعم وعدم تحديد جدول زمني لهذه العروض.

- عَدم احترام مقتضيات المرسوم رقم 2.00.354 المؤرخ بفاتح نونبر 2000 والمتعلق بمنح إعانات مالية في

الميدان المسرحي، حيث أن هناك بعض المستفيدين من الدعم يراكمون عدة مهام في إطار مشروع واحد(مؤلف

وممثل وحيد ومخرج) وينتج عن ذلك استحواذ شخص واحد على قرابة 50 % من مبلغ الدعم الممنوح(8) وهذا

يكشف عن انوجاد فوضى في صرف المال العام المخصص لدعم المسرح المغربي. فهل هاته الفوضى؛ لها علاقة

وطيدة بالفوضى الخلاقة ؟

 

نجيب طلال

...................

الإحالات

1) انظر الجريدة الرسمية عدد 4848 بتاريخ 16/11/2000 الصفحة 3026 ما يتعلق بمنح إعانات مالية في ميداني المسرح والكتاب

2) نفسه

3)هناك ريع ثقافي وعلى الوزير الحالي الكشف عن أسماء المستفيدين من الدعم - حوار مع برشيد: جريدة المساء

حاوره – الطاهر حمزاوي بتاريخ 29/06/2012

4) اقتصاديات الثقافة تقرير المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي- ص12 - إحالة ذاتية رقم 25 / 2016

5) التقرير السنوي للمجلس الأعلى للحسابات برسم سنة 2015 ص52

6) اقتصاديات الثقافة ص21

7) مسرحيون يحذرون من الريع الثقافي بسبب قضية "البدوي والصبيحي" موقع هسبريس - متابعة لعبد الصمد

الراجي في 12/07/2013

8) التقرير السنوي للمجلس الأعلى للحسابات برسم سنة 2015 ص56

 

نجوى السودةبقلم: جون لوفتاس

ترجمة: نجوى السودة

إن القاعدة هي نتاج جماعة عربية فاشية تأسست في عام 1920، دعمها ماليا أدولف هتلر،وإستغلتها المخابرات البريطانية، والفرنسية، والأمريكية بعد الحرب العالمية العالمية الثانية، وفيما بعد دعمتها السعودية و قامت المخابرات الأمريكية بتفعيل دورها .

كان غريبا بعض الشئ أن تجد كاثوليكا أيرلنديا يتحدث عن "يوم هاشوآه " لديه ثقافة غير عادية عن الهولوكست . حينما كنت أعمل محاميا عاما، تم إختياري لأقوم بعمل بحث مصنف عن الهولوكست .لذلك توجهت إلى مدينة صغيرة تدعى سويتلاند،ماريلاند،جهة اليمين من واشنطن، وبها محكمة المقاطعة حيث تدفن فيها حكومة الولايات المتحدة أسرارها .

 - هناك يوجد عشرون خزينة تحت الأرض وكل منها تعادل فدانا .من رأى منكم فيلم المعتدون على التابوت المفقود، سوف يعرف ما حقيقة الخزائن التي بالأرض، ليس فقط كما ظهرت في الفيلم، لكنني إكتشفت شيئا مروعا عن تلك الخزائن التي تحت الأرض. علمت أن هناك العديد من النازيين الذين قد تم تحديدهم ليحاكموا ضمن حسابات لدى المخابرات الأمريكية، إلا أن الحكومة الأمريكية لا تعلم بأنهم نازيين ؛لأن المخابرات الأمريكية قد كذبت عليهم .

 -ما لم تعلمه المخابرات البريطانية أن الذي كذب عليهم هو كيم فيلباي العميل السوفيتي الشيوعي المزدوج -إنها فضيحة بسيطة للحرب الباردة، إلا أن خارجيتنا أخفت السر تحت السجادة وسمحت للنازيين أن يقيموا في أمريكا للدرجة التي جعلتني معتادا عليهم بدرجة لا كافية من الغباء.

 

 

 

 

ماذا تفعل حتى تعتاد على قصة مثل هذه القصة ؟

دعني أعطيك مثالا : كتب صديق لي في المخابرات الأمريكية، يسمى بوب باير ، كتابا جيدا عن المملكة العربية السعودية والإرهاب، أطلق عليه " النوم مع الشيطان " كتب بوب عن الفترة التي كان يعمل فيها مع المخابرات الأمريكية وعن الملفات السيئة .

ذكر أنه على سبيل المثال، أن ملفات الإخوان المسلمين كانت تقريبا لاشئ لم يكن هناك سوى قصاصات ورق من الجرائد، قمت بالإتصال ببوب وقال لي، " إن ذلك خطأ ،إن المخابرات الأمريكية بها ملفات ضخمة عن الإخوان المسلمين، مجلدات عنهم أعرف ذلك لأنني قرأت تلك الملفات من مائة عام. " 

ثم قال " ماذا تقصد ؟ "

من هنا يمكنك أن تجد كل الملفات السرية عن الإخوان المسلمين – يمكنك أن تقوم بذلك . أيضا طبع بوب الكلمتين " الإخوان والنازية " فأخرج منهما من ثلاثين إلى أربعين مقالا من حول العالم قرأهم واتصل بى مرة ثانية وقال " يا إلهي مالذي فعلناه ؟ " ما أقوم به الآن : إنني أعلم جيلا جديدا في المخابرات الأمريكية ( حقيقة ) أن الإخوان المسلمين منظمة فاشية إستأجرتها المخابرات الغربية وتطورت بالتدريج إلى أن صارت القاعدة .

نبذة مقتضبة عن تاريخ ( الإخوان المسلمون )

من هنا تبدأ القصة في عام 1920كان هناك شابا يدعى (حسن البنا ( كون حسن البنا هذه الجماعة الوطنية المسماة بالإخوان المسلمين . كان البنا شديد الولع بأدولف هتلر وكان يكتب له بإستمرار .

من أجل ذلك لم يكن من السهل أن يبدي إعجابه لحزب النازي في سبتمبر 1930وأصبح البنا والإخوان المسلمين الدرع السري للمخابرات النازية . إن النازية العربية تتشابه كثيرا مع معتقدات النازية الجديدة من حيث مقتهم اليهود .

وفى الثقافة الغربية أصبح من المهام الرئيسية للرايخ الثالث أن يطور الإخوان المسلمين حتى يصيروا مثل " البرلمان الخامس " العسكري في مصر،حينما إندلعت الحرب، وعد الإخوان المسلمون كتابيا بأنهم سوف ينهضون ويساعدون رومل وأن يوقنوا بأنه لايوجد جنديا إنجليزيا أو أمريكيا على قيد الحياة في القاهرة أو الأسكندرية، بدأ الإخوان يتوسعوا في أهدافهم وتأثيرهم أثناء الحرب العالمية الثانية، لم يفتهم أن يكون لهم مكانا في فلسطين ترأسه مفتي فلسطين، واحد ممن يتمتعون بالتزمت في الرأي طوال الوقت ،ويمثل الإخوان المسلمين في فلسطين . هؤلاء وبلا شك النازيين العرب . توجه المفتي إلى ألمانيا أثناء الحرب وساعد في إنشاء جماعة للإخوان . أسس قاعدتها في كرواتيا وأطلق عليها تقسيم هندزار المسلمين، بل صارت حجر الأساس لجيش هتلر الجديد من الفاشيين العرب ذلك الجيش الذي يغزو شبه الجزيرة، ومن هناك، إلى إفريقيا - الأحلام العظيمة . و في نهاية الحرب العالمية الثانية كان الإخوان المسلمين مطلوبين في جرائم حرب.

ألقي القبض على رجال إستخباراتهم الألمان في القاهرة . كانت الشبكة كلها تديرها المخابرات السرية البريطانية .بعد ذلك حدث شيئا مروعا بدلا من أن يتم إعتقال الإخوان المسلمين - النازيين -وظفتهم الحكومة البريطانية حيث قاموا بجلب مجرمي الحرب الهاربين من النازيين من العرب والإخوان المسلمين ونزلوا إلى مصر، وقاموا بتدريبهم لمدة ثلاث سنوات في مهمات خاصة . أرادت المخابرات السرية البريطانية أن تستخدم الفاشيين من الإخوان المسلمين لتقر بعدم شرعية دولة إسرائيل الوليدة في عام 1948.  

لم تكن بريطانيا بمفردها . تعاونت المخابرات الفرنسية معها عن طريق إطلاق صراح مفتي الديار وتهريبه بطريقة غير شرعية إلى مصر، من هنا توحد كل النازيين العرب . ومن هذا التاريخ، من عام 1945حتى عام 1948، كانت المخابرات السرية البريطانية تحمي كل نازي عربي بقدر ما تستطيع، لكنها فشلت في أن تحول دون قيام دولة إسرائيل . ما فعلته بريطانيا، حينئذ،هو أنها قامت ببيع النازيين العرب ممن كانوا يعملون بالمخابرات الأمريكية التي صارت فيما بعد الإستخبارات الأمريكية . ربما يكون هذا شيئا غبيا شيطانيا، لكن هذا هو ما حدث . كانت الفكرة قائمة على أننا سوف نستغل النازيين العرب ليكون لهم ثقل لا يقل عن ثقل الشيوعيين العرب . تماما مثلما كان الإتحاد السوفيتي يدعم الشيوعيين العرب ماديا، بالمثل فإننا سوف ندعم النازيين العرب ليجاهدوا ضدهم .هناك الكثير من الأسرار الإقتصادية وكنا نحن من يتحمل النفقات المادية للإخوان المسلمين . صار المصريون عصبيون .أمر ناصر كل الإخوان المسلمين بالخروج من مصر أو سجنهم وإعدامهم . لذلك خلال عام 1950، تم نقل النازيين من الإخوان المسلمين إلى السعودية .

الآن، حينما وصلوا إلى المملكة العربية السعودية، قام البعض من جماعة الإخوان المسلمين، مثل " دكتور عبد الله عزام " بالتدريس في المدارس الدينية . وهنا في هذه المدارس ربطوا بين معتقدات النازية بالفكر الوهابي الغريب جدا وغير المألوف . إعتقد كل من تعلم على هذا النحو بأن الإسلام من خلال الرؤية السعودية هو- دين التعصب، مع أنه في الحقيقة ليس كذلك . تعرضت الوهابية للنقد من الدول الإسلامية كعقيدة تتنافى مع صحيح الدين أكثر من ستين مرة . إلا أن السعوديين عندما صاروا أثرياء توخوا الصمت .

طالبان -هم الوحيدون الذين مارسوا الوهابية وكذلك السعودية - ومن هنا بدأ التطرف .

في الحقيقة لا يمت هذا للدين الإسلامي فى شىء .فالإسلام دين السلام، الإسلام دين السكينة والسماحة كان يربط الاسلام دوما علاقات طيبة مع اليهود طوال المائة سنة الأولى لوجوده . واصبحت السعودية هي الموطن الجديد للإخوان المسلمين، إمتزجت الفاشية والتطرف في تلك المدارس، كان بتلك المدارس طالبا شابا لفت الأنظار، تلميذ عزام يسمى أسامة بن لادن، تعلم بن لادن على يد النازية من الإخوان المسلمين الذين هاجروا إلى السعودية كما ذكرنا .  

المخابرات الأمريكية والقاعدة       

قررت المخابرات الأمريكية في عام 1979 أن تخرج النازية العربية من حالة الجمود، لقد قام الروس بغزو أفغانستان، ولذلك أخبرنا السعوديين بأننا سوف ندعمهم ماديا إذا قاموا بجلب كل النازيين العرب على متن سفينة وإطلاقهم إلى أفغانستان ليحاربوا الروس، كان علينا أن نعيد تسميتهم، خشينا أن نطلق عليهم الإخوان المسلمين ؛ لأن ذلك الإسم حساس جدا و ماضي النازيين معروف جدا . من هذا المنطلق أطلقنا عليهم مكتب خدمات المجاهدين،كذبت المخابرات الأمريكية على الكونجرس ولم يعرفوا من الذي ينفق على المجاهدين في أفغانستان، فيما عدا السعوديين .ليست تلك كل الحقيقة . فجزء صغير من المخابرات الأمريكية يعرفون تماما بأننا قد أستأجرنا من جديد النازيين العرب وأستخدمناهم للحرب في حروبنا السرية ‘بزغ نجم مساعد عزام ( بن لادن ) من عام 1979حتى 1989، وكسبوا الحرب، طردوا الروس من أفغانستان . ذكرت المخابرات الأمريكية ( لقد فزنا – دعونا نعود إلى الوطن ! ) وتركنا هذا الجيش من الفاشيين العرب في الميدان بأفغانستان . لم يرغب السعوديون في عودة الفاشيين العرب . بدأ السعوديون الرشاوى إلى أسامة بن لادن وأتباعه حتى يظلوا بعيدا عن السعودية، إنقسم جيش المجاهدين نصفين،أغتيل عزام سريا، وعلى ما يبدو جليا على يد أسامة بن لادن نفسه . إن القاعدة جماعة راديكالية – والأكثر تطرفا دينيا، حتى يومنا هذا تنتسر فروع جماعة الإخوان في أفرع تنظيم القاعدة .

و ينتمي أيمن الظواهري إلى فرع مصر من الإخوان المسلمين - الجهاد الإسلامي المصري، نتاج الجهاد الإسلامي الفلسطيني .

يوجد سمات وفروع عدة، إلا أنها جميعا تصب في قالب واحد هم "الإخوان المسلمين "، منظمة حماس التي نعرفها هي في الحقيقة فصيل سري لجماعة الإخوان المسلمين . حينما إغتالت إسرائيل الشيخ "أحمد ياسين "في 22 من مارس 2014، نشر الإخوان المسلمين تفاصيل موته في جريدة بالقاهرة باللغة العربية، ونشرت أنه كان القائد السري لجماعة الإخوان في غزة .

من هنا صار الإخوان المسلمون هم ذلك السم الذي إنتشر في كل أنحاء الشرق الأوسط، وفي التاسع من سبتمبر بدأت تنتشر حول العالم . إذا قمت بطباعة الكلمات " بنا مع تشديد النون " وكلمة " نازي "، سوف ترى المقالات تنهال عليك .

 تلك هي المعلومات التي كانت الإستخبارات الأمريكية تحاول أن تخفيها عن موظفيها، لم ترد أن يعرفوا هذا الماضي المفزع . في عام 1984 ‘ حينما كنت أعرض نفقات النازيين الأوروبيين على الإستخبارات الأمريكية ‘ كانوا يحاولون أن يخفوا عن الكونجرس حقيقة النازية العرب ليحاربوا بهم الروس - برنامج "غبي وفاسد ."‘ ولهذا حينما درس بوب باير الملفات إنتابه الذهول .

إن الإستخبارات الأمريكية الحالية لا يعلمون شيئا عن ذلك جيل بأكمله .

كانت الهبات السعودية على الملأ وبصورة سيئة .

لذلك السبب ‘قال عملائي في الإستخبارات الأمريكية، ( لا بأس، ماذا تفعل ؟ ) أعطوني مثالا . قالوا :هنا الملفات التي تثبت كيف أن السعوديين يدعمون هذه الجماعات ماديا، لقد أنشأ السعوديون جماعة تجمع الهبات في شارع من شوارع فرجينيا هو شارع جروف 555، هيردون،فرجينيا .

لهذا السبب قلت له: " حسنا، إن السعوديين إرهابيون، ماذا إذا ؟ "

توزع هذه الهبات على الإخوان المسلمين، حماس، حزب الله، القاعدة . إن السعوديين إتخذوا هذا

القرارلكي يدعموا الإرهاب . قاموا بإنشاء جماعات رئيسية تقوم من خلالها كل الجماعات الإرهابية في الولايات المتحدة والسعودية للحصول على هذه الأموال على شكل تبرعات خيرية .

-" تمزح معي أليس كذلك ؟ "

( لا )

وذكروا لي أنه بالقرب من الشارع الذي أعيش به في تمبا،فلوريدا،كان يعيش أحد قادة الإرهابيين في العالم ، في جامعة جنوب فلوريدا أستاذان، أحدهما كان قد غادر لتوه سوريا وعاد إليها حاليا ‘وهو قائد الجهاد الإسلامي العالمي،( رقمه2 )‘ زعيم الجهاد الإسلامي في الغرب،هو الدكتور سامي العريان الذي ما زال يعمل أستاذا في جامعة جنوب فلوريدا، يبدو أنك تمزح . لايمكن أن يكون ذلك حقيقيا .

-إنها الحقيقة، هؤلاء الرجال يجمعون المال من كل أنحاء أمريكا ويرسلونه إلى الفلسطينين، إلى المناطق الفلسطينية، ويستخدمون الإنتحاريين بالقنابل ليقتلوا اليهود، لقد أرسلوا إلي شرائط الفيديو .

 وقف العريان على المسرح ذات مرة ومعه أحد أصدقائه نهض قائلا :" أما الآن من سوف يعطيني 500 دولارا لقتل يهوديا ؟ هناك أناس واقفون على مقربة من أورشليم سوف يخرجون إلى الشارع ويطعنون يهوديا بالخنجر، لكننا نحتاج الخمسمائة دولار . وأضاف :" إن كل هذه النقود سوف تذهب إلى الجمعية الإسلامية بفلسطين، - تلك هي الجبهة الرئيسية للجهاد الإسلامي في الولايات المتحدة لنصرة فلسطين ."

لذلك أخذ كل أصدقائي في الإستخبارات الأمريكية يرسلون فيما بينهم هذه الملفات .

قلت له : " لماذا لم تحاكم هذا الرجل ؟ لقد علمت بأمره منذ عام 1989. "

كنا نود أن نفعل ذلك . لقد حاولنا أن نحاكمه بالقانون لكننا، أخبرنا أننا لا يمكن أن نلمسه لأنه جمع كل المال الذي حصل عليه من السعودية، ونحن تحت وطأة كل الأوامر التي ترد إلينا بألا نفعل أي شئ يسبب الحرج للحكومة السعودية .

رددت عليه :" إنني لا أهتم بإحراجهم ."

تبرعت بالأموال الهبة التي تدعم الإرهاب،لأنه تحت قانون فلوريدا الذي منحني الحق أن أحاكم من يتلقى الهبات سيكتشف إلى أين يذهب المال الذي تبرعت به . كان شيئا يدعو للضحك بشدة .

في بداية عام 2002، قمت بعمل قائمة بكل الجرائم التي قد إرتكبها البروفيسور سامي العريان، وكل التفجيرات التي وقعت في إسرائيل ومن يرعون التبرعات في أمريكا التي لها صلة بالإرهاب . ذكرت كيف حصل على المال من السعودية،وكيف أن السعوديين قد أقنعوا حكومتنا بألا يقدم للمحاكمة القانونية لأسباب سياسية .

لأنني إتخذت إحتياطات أمنية عالية المستوى، فكان كل شئ أقوم به بكتابته يعتبر نوعا من التصنيف للمادة، ويجب أن يُعاد إرساله للحكومة قبل النشر، والنقد، لذلك أرسلت مسودة شكوتي القانونية إلى الإستخبارات الأمريكية، وأعجبوا بها . 

ردوا قائلين : يا ايها العظيم ! نحن لا نحب السعوديين، إذهب أنت وحاكمهم أيضا ."

بعد ذلك بثلاثة أيام،وجدت ثلاثة من عملاء أمام بابي، " أنت تعلم، أن هناك واحدا وعشرين من رجال الحكومة بالولايات المتحدة لديهم علم بهذه المعلومات، وأنت الآن الثاني والعشرين . كيف أتيت بهذه المعلومات ؟ "

قلت :إنني آسف، لا يمكنني أن أخبرك . وفي اليوم الذي سبق ذهابي بالشكوى، تلقيت تليفونا سريعا من وزارة العدل الأمريكية . قالوا لي : " من فضلك جون، لا ترسل ملف الشكوى غدا . نحن في الحقيقة لن نهاجم السعودية بطريقة غير شرعية . سوف نغلق عليها . إمنحنا فقط مزيدا من الوقت ."

- نعم إنك مقدم على الهجوم على السعودية دون سابق إنذار، ذلك ما قلته لي في يناير وتذكره ثانيا في فبراير،والآن تكرره في مارس .تريد مزيدا من الوقت ؟سوف أمنحك مهلة حتى الرابعة غدا .

سأعد ملف شكوتي في العاشرة صباحا، وفي الرابعة تماما بعد الظهر، سوف أفصح عن تفاصيل الهبات التي ترد من السعودية . نعود إلى الغد . لقد قمت بعمل الملف في العاشرة، وذكرت للصحافة أنني سوف أحتفظ بشئ ما قليل من الوقت .

في العاشرة إنطلقت العملية الصعبة جرين، هجوم ضخم على كل الأماكن التي تدفع فيها تبرعات خيرية بالبيوت والأماكن التجارية، وفي ساعة واحدة أقفلنا كافة غسيل الأموال على الشبكة الإلكترونية بأمريكا، لقد وجدت الحكومة من 20 مارس 2002 حتى الآن، مزيد ومزيد من الأدلة في تلك الأرشيفات في هذه الهجمة المنفردة في ذلك اليوم، كان الدليل دامغ جدا أن البروفيسور العريان لم يعد يلقي خطبه، إنه حاليا في السجن الفيدرالي ينتظر محاكمة، لقد إتهم أيضا شريكه في الجريمة (سميح حموده )، إتُهم إثنان وثلاثون من أنماط مختلفة من الناس في الولايات المتحدة كنتيجة مباشرة لهذه الجهود، لكنهم ليسوا السعوديين – ليسوا السعوديين .

بعد مرور شهر من تحرير ملف شكواي ضد العريان، تسببت في حدوث بعض الإضطرابات . دعوت أربعين من كبار محامين المحاكمة في أمريكا أن يأتوا بطرسبرج، فلوريدا . أردت أن أفعل شيئا لأمريكا يااه ! كنت أتمنى أن أعقد صفقة معهم . أردت أن ترتفع قيمة ملاينهم من الدولارات، إنني فقير ليس لدي مال لأمنحهم إياه .

هؤلاء المحامون مثل رون موتلي، الذي حصل على بلايين الدولارات في قضية ضد صناعة الطباق ، قلت له :-" ما أريده منك أن تفعله هو أن تلقي نظرة على ما قد جمعته من دلائل . إنها نفس البنوك السعودية وأن نفس المؤسسات الخيرية التي دعمته ماديا هي نفسها التي دعمت القاعدة ."

قلت :" أتمنى أن تتخذ موقفا جيدا جدا في المحكمة الفيدرالية في واشنطن لتثأرلكل فرد مات في أحداث 11 سبتمبر (2001). إنني على وشك القيام بإنجاز لتحرير وجمع كل دليل، وأن أقدمك إلى الخبراء،وأن أزودك بكل الوثائق .... وعلينا أن نفعل ذلك من أجل أمريكا . " درس المحامون كل الوثائق التي جمعتها، وفي الخامس عشر من أغسطس 2002 قاموا بتقديم أضخم ملف شكوى في تاريخ أمريكا، وقدموه بصورة جيدة جدا وعرضوه على المحكمة الفيدرالية بواشنطن المقاطعة، وطالب السعودية بمبلغ تريليون دولار خسارة. ذكرت الشكوى أن هذه البنوك السعودية يجمع بينها شئ مشترك، كانوا يرشون أسامة بن لادن ب300مليون دولار سنويا ليبتعد عن السعودية وأن يذهب إلى مكان آخر ليقوم بتفجيراته. لابأس في 9/11كان على السعوديين أن يدفعوا ثمن إهمالهم، لذلك سوف أقوم بتقديم الشكوى عاجلا جدا .

درس من الماضي

تضاعفت أعداد أعضاء الإستخبارات الأمريكية ممن يركنون إلي كقناة يحصلون منها على المعلومات . لهذا السبب، تصدق هذا أم لا، لقد منحوني عرض تليفزيوني خاص يعرض الآن صباح الأحد على قناة فوكس التليفزيونية في كل أنحاء الولايات المتحدة .

حينما كنت أصغر سنا، كنت أضأل حجما منذ عشرين سنة مضت، شديد الضآلة إلا أن الأمر الآن ليس كذلك،حيث يصلني ما يقرب من خمسمائة إلى ألف بريد إليكتروني من رجال ونساء صدقوا من كل أنحاء العالم من المجتمع الذكي . علينا أن نخلص هذا العالم من الشر، يجب علينا أن نعترف بأن القاعدة أصل الرذيلة النازية لم تظهر من تلقاء نفسها و لقد سارت القاعدة على نفس نهجها .

كره النا زيون العرب اليهود، كرهوا الديمقراطية وكرهوا الغرب لثقافتهم الغربية . إن القاعدة ماهي إلا تعبير من خلال الدين عن الفاشية العربية، إننا سمحنا لهذا الفرع من قلب النازية أن يعيش ويزدهر، وبعد ذلك يعود ليظهر لنا بإستمرار،علينا أن نقوم بعمل شئ أفضل، أن نولي نظرتنا إلى هؤلاء الأطفال، إنهم ميراثنا الشرعي، إننا إذا ما أمنا لهم حياة آمنة،يجب علينا أن نعلمهم دروسا من الماضي، يجب على كل جيل أن يعرف ما تعنيه هذه الشموع، ليس ذلك فقط إنها واحدة من أعظم التراجيديات التي حدثت في التاريخ، لا بل الشر الذي---- سببته ----النازية -التي عاشت بيننا لأننا لم نحاربها حربا تعادل حجم شرها، لم ننته بعد من المهمة . علينا أن نذكر لأولادنا أن على كل جيل من الرجال والنساء بأمريكا أن يقف جنبا إلى جنب مع إخواننا اليهود والمسيحيين، والمسلمين . علينا الآن أن نقف يدا واحدة ضد البُغض الذي تواجهه أمريكا .

 سوف ننتصرفي حربنا على الإرهاب،وسوف ننتهي من المهمة التي بدأها أؤلئك الجنود الخالدون منذ حوالي قرن ونصف القرن من الزمان،يجب علينا أن نضع الأسس التي يعي من خلالها أطفالنا كيف يكرهون الإساءة إليهم في أسوأ أشكاله،علينا أن نعمل معا لكي نقضي على العنصرية من حياة أطفالنا .علينا أن نعلم أطفالنا أن يتذكروا المحرقة وأن يشعروا بالفخار، فخورين جدا بهؤلاء الخالدين الذين عاشوا وألهمونا بشجاعتهم.من هنا نذكرهم بالفضل،ونكرمهم على ما قدموا لنا،ودعونا نسير على نهجهم ونستمر في طريق جهادنا معا .

 

ترجمة: نجوى السودة

..................

"خطبة ألقاها “جون لوفتاس “ النائب العام السابق بوزارة العدل الأمريكية في يوم ذكرى الهولوكست (نشرت لأول مرة في 18من إبريل 2004 - "

 

فالح الحجيةالشعر العربي تعبير مقصود به أي شعر كتب او مكتوب باللغة العربية، بشرط أن يكون موزونا ومقفى فالوزن شرط لازم في جميع أنواع الشعر، القديم والحديث، على حد سواء، بما فيه الشعر المعاصر باستثناء ما يسمى (قصيدة النثر)، أما القافية فهي لازمة في معظم أنواع الشعر القديم، اما في الشعر الحديث فقد أخذ يتقلص دور القافية الخارجية، فاستعمل مفهوم (الشعر المرسل) أي الشعر دون تقفية خارجية، وإن كان قد سعى، في الواقع، إلى تعويضها بنوع من التقفية الداخلية حيث لا يمكن الاستغناء عنها في عموم أنواع الشعر العربي، وفي أي عصر من العصور التي قيل فيه هذا الشعر، جاهلي أو إسلامي أو أموي أو عباسي أو أندلسي أو حديث او معاصر .

وكان الشعر العربي في الجاهلية، ديوان العرب، وعلمهم الذي لم يكن لهم علم غيره أصح منه اذ كان يصور حياتهم العامة والخاصة بما في ذلك المنازعات والمعارك التي كانت من اهم اسباب وجود شعر الحماسة والفخر في الشعر الجاهلي .

ان اهم ما يميز الشعر العربي التزام الشعراء بالوزن والقافية، في مجمل أنماطه، وفي مختلف أجياله، وإن جاءت بعض المحاولات المعاصرة خالية من الوزن والقافية، إلا أنها في الواقع محاولات قد تحسب على الشعر في بعضها، لكنها تعتبر من الشعر المنثور وهو اقرب لمجال النثر منه في مجال الشعر الا انه والحق يقال ان فيه بعض قصائد النثر جميلة ورائعة وتعبر بحق عن شاعرية قائلها، ومع ذلك اقول ان أبرز ما يفرق بين الشعر والنثر هو الوزن، وما عدا ذلك قد تكون اشبه بعناصر مشتركة بينهما.

الشعر الجاهلي كان لسان الامة العربية ووسيلتها للتعبيرعما يقع في المجتمع العربي وكانت العرب تقيم الأفراح في حالة ظهور احد أبنائها كشاعر مبدع، فالشعر عند العرب قديما يرفع من شأن القبيلة وكذلك ولادة الشاعر فيها .

.وكان الشعر صدر الإسلام وسيلة من وسائل الدفاع عن رسالة الإسلام ازاء كفار ومشركي قريش ومن حولها من القبائل التي لم تؤمن بالاسلام في حينها . واستمر الشعر، في العصر الأموي، وفي العصر العباسي كوسيلة من وسائل الاحزاب والفرق السياسية والفكرية المتنازعة ويمثل كل النزعات التي سادت المجتمع العربي والاسلامي بقصد تبليغ آرائها، والدفاع عن مبادئها، في مواجهة خصومها او بيان خلافاتها مع الاخرين .

لذا فللشعر العربي دور بارز في الحياة الأدبية والفكرية والسياسية،وحتى الاجتماعية والدينية وقد تطور بتطور الشعوب العربية والإسلامية، وعلاقاتها بالشعوب الأخرى المجاورة لها.والتاثير اللغوي بينها مما ادى الى بروز فنون شعرية مستوحاة من الشعرالعربي ومتطورة في كل مجالات التاثير من حيث المضمون ومن حيث الأسلوب واللغة والأوزان والقوافي وما إليها فكان سبيلا لظهور انواع من الفنون الشعرية مثل الفخر والمدح والهجاء والوصف والبكاء على الاطلال ثم ظهور الشعر السياسي، والشعر الصوفي، وشعر الغزل والشعر الاجتماعي ورثاء المدن والاوطان والشعر الوطني، وشعر الموشحات في العصر الاندلسي.

اما في العصر الحديث والمعاصر فحدث ولا حرج حيث كثرت الفنون الشعرية وتشعبت بتشعب مفردات الحياة اليومية وكل ما يعبر عن نوازع هذه الامة والذود عنها فظهر شعر النكبة وشعر النهضة الحديثة وشعر الثور ة العر بية بجوار الفنون الشعرية القديمة والمستحدثة .

 

د. فالح نصيف الحجية الكيلاني

العراق - ديالى - بلــــد روز

 

احمد الكنانيعادة ما يصدَر المؤلفون كتبهم بمقدمات ممهدة لمحتويات المؤلَف تكون بمثابة البوابة والمفتاح لموضوعات الكتاب بالإضافة الى العنوان الدَال على المعنون، و كذلك فهرست المحتويات الموصل الى المعلومة بطريقة اسرع، إضافة الى أمور أخرى تكفلت بها مناهج البحث والتحقيق الحديثة .

لكن وانت امام ديوان شعر على درجة كبيرة من الأهمية كمثنوي جلال الدين الرومي تستوقفك المقدمة قبل ذي المقدمة، لأنها كتبت لذاتها لا لبيان محتويات الديوان، كتبت للاٍشادة بالكتاب والهدف من وراءه، فالمقدمات ذاك الزمان تكتب قبل إتمام الكتاب وليس بعده كما هو الحال في المقدمات الحديثة؛ ليكون المؤلِف على احاطة بما ورد في الكتاب ليمهد له بمقدمة، وانما تكتب المقدمة بمعزل عن الكتاب نفسه، وربما تحتوي المقدمة على اسرار ونفائس لا تجدها في الكتاب نفسه، وخير مثال يصح الاستشهاد به هو مقدمة ابن خلدون التي كتبها مؤلفها للتمهيد لكتابه "العِبر في أيام العرب والعجم والبربر" المعروف ب "تاريخ ابن خلدون" اذ أصبحت المقدمة اشهر من الكتاب نفسه، حيث أورد فيها من الكنوز ما لم يرد في التاريخ نفسه، حتى انها اعتمدت من قبل الباحثين كمؤلف منفصل ذي طابع موسوعي، فكانت مشتملة على ميادين معرفية جمة من تاريخ وشريعة واقتصاد وجغرافيا وعمران وسياسة ...

والاهم من كل ذلك تحدثت مقدمة ابن خلدون عن أحوال الناس، واختلافات البيئة، وأثرها في الإنسان، وتناولت نشوء الدولة، وتطوّر الشعوب والأمم، وأسباب انهيارها، وهي موضوعات لم يسبق لاحد الحديث عنها من قبل، وتوصل ابن خلدون الى نتائج مبهرة تتلخص في ان المجتمعات البشرية تمضي وفق قوانين محددة يمكن تطبيقها على المجتمعات التي تعيش في مختلف الأزمنة، وأشار إلى أنّ علم العمران لا يتأثر بالحوادث الفردية، بل بالمجتمعات ككلّ، وكذلك نظرية العصبيّة وقوانين العمران، ومراحل تطور الدولة وأسباب انهيارها، الامر الذي جعل ابن خلدون ومن خلال مقدمته المؤسس لعلم الاجتماع .

و على هذا الأساس يستحسن دراسة مقدمة المثنوي بمعزل عن المثنوي نفسه، نعم هي ليست بأهم منه؛ لكنها تحتوي على نقاط بالغة الأهمية مرَت الإشارة الى بعض منها والبعض الآخر آت ...

في السطر الأول من المقدمة يقول الرومي: "هذا كتاب المثنوي وهو أصول أصول أصول الدين في كشف اسرار الوصول واليقين ..."

تكرار الأصول ثلاث مرات من شاعر هو الأعظم في التاريخ ليس للمبالغة في المعنى ولا هو توكيد لفظي للأصول، ولا حتى تفننا في العبارة فيكرر اللفظة لكن بمعان مختلفة، وانما هي إشارة الى الاصلين اللذين يبتنى عليهما الدين وهما أصول الدين واصول الفقه .

الأولى هي ركائز العقيدة الدينية

والثانية قواعد استنباط الشريعة .

والمولوي قد خبر الاصلين كليهما بعد ان كان متكلما اصوليا فقيها ثم لم يعد يتذوقهما ولم يعد يذعن انهما أصول ذاك الدين الذي سكنت اليه نفسه وسمت روحه، فصار المثنوي هو قمة ما يمكن الوصول اليه، وبقية الأصول التي قيل انها موصلة هي ليست كذلك .

المولوي الخطيب المتفوه والمتكلم المعلَم لأصول الدين من توحيد ونبوة ومعاد، صار يرى الوجود لله وحده ولا شيء سواه، ويخاطب من يبحث ويناقش في وجود الله ان مسيرك مرجعه ومآله اليك :

آنان که طلبکارِ خدایید! خدایید

حاجت به طلب نیست،شمایید،شمایید

چیزی که نکردید گم، از بهر چه جوئید؟

کس غیر شما نیست، کجائید، کجائید؟

در خانه نشینید و مگردید به هر در

زیرا که شما خانه وهم خانه خدایید

ذاتید وصفایید گهی عرش و گهی فرش

در عین بقایید ومبرا زفنایید

 

يخاطب مولانا المتكلمين واهل العقائد والطالبين معرفة الله : الحاجة لهذا الطلب لا داعي لها هي عبثية محضة، فالله الذي تطلب معرفته هو انت انت، ولا يوجد غيرك فعن ماذا تبحث؟ كن جليس البيت فهو بيت الله .

تلك هي نقطة التحول التي حدثت لمولانا جلال الدين بعد ان كان فقيها واعظا عالما بأصول الدين والفقه وبعد لقاءه بشمس وتعرَضه لهزة عنيفة في الأعماق جعلته يسدل الستار على خزينه من العلوم الدينية التي لم ترثه سوى الشك والظنون، ويفتح قلبه لنوع اخر من العلوم اعتبرها هي أصول الدين الحقيقية وهي الموصلة الى اليقين .

اصبح مولانا نبي العاشقين إيجابيا في عشقه، ولو أجاب الطرف الآخر بالنفي لن ينال منه اليأس شيئا ولم يأخذ منه مأخذا، ولم يدع للغفران وانهم لا يعلمون، بل يخرج الاثبات من ذاك النفي، ويجعل من علقم النفي مذاق العسل .

ان قلتي ني ... سأكسر الناي واستخرج منه السكر :

آمده‌ام که سر نهم

عشق تو را به سر برم

ور تو بگوییم که

نی نی شکنم شکر برم

لا ابالغ في الدعوى ان قلت ان الصورة البلاغية التي رسمها مولانا في هذين البيتين لم اجد مثيلا لها من بين الصور الشعرية المتكثرة في سماء البلاغة، التلاعب اللفظي واستخراج صورة بلاغية يتيمة في دنيا الادب هو مافعله الرومي في هذين البيتين، صورة هي قمة بلاغية سامقة في استخراج الاثبات من النفي، التلاعب هنا يأتي من التقارب اللفظي بين ني النافية التي تعني لا بالعربية، وبين ناي الالة الموسيقية المصنوعة من قصب السكر ...

يقول الرومي لمعشوقته :

جئت لاًبدي واظهر عشقي فأن اجبتي : ب ني

سأكسر هذه الناي واستخرج منها السكر

بگوییم که نی نی شکنم شکر برم

الني الأولى هي لا النافية

والني الثانية هي الناي

المولوي لم يتوقف عن التذكير بمرحلة كونه عالما دينيا وان تلك العلوم لا تقدم ولا تؤخر في سمو الانسان بل على العكس توهم متلقيه وتجعله اكثر جدلا وتحصننا من الرضوخ الى المنطق والدليل، طرق المحاجة الارسطية توصل طالبها الى اثبات الباطل و أستيقانه، الاحكام تابعة لموضوعاتها تحقق أرباحا للفقيه بتحويلها لموضوع الرشوة والفساد المالي الى هدايا وعطايا يحكم باستحبابها اتَباعا للسنة، التورية تصيَر الفقيه كاذبا اشرا، الحيَل الشرعية تخلق رجال دجل لا رجال دين ...

وفي المثنوي تجده هنا وهناك دائم التعريض بالفقهاء وعلومهم وكان يسميه بفقه الاستنجاء، الاستنجاء طريقة التنظيف في بيت الخلاء، ويتمسخر بالاحكام المذكورة في باب النجاسات والطهارات ...، ستاتي إشارات لبعض ابياته في هذا الاطار كقصة الاعرابي وحمله الثقيل، وذاك الصياد الذي يرمي سهمه بعيدا عن الهدف ...

 

احمد الكناني

 

مجدي ابراهيمالله في عون العبد ما دام العبد في عون نفسه على طريق الله. ومن عون نفس العبد على طريق الله أن يفهم كلامه وأن يتقرب إليه به، وأن يراقب نفسه من خلاله، وأن يكون بالقرآن خلوصاً في القصد والتبعة، وأن يعقل من حكمة هذا الكلام بمقدار ما يفهم، ولا عقل له ولا فهم وهو بعيد من حيث يظن القرب؛ لأنه بعيدٌ عن فهم القرآن. وقد تَرَادَفَ فهم القرآن مع الحكمة فقيل في حقه إنّه الحكمة بعينها، وما الحكمة إلا فهم لطائف القرآن ووجوهه ومعانيه كما حكى عن الإمام على بن أبي طالب رضوان الله عليه أنه قال :"لو شئت أن أوقر سبعين بعيراً من تفسير فاتحة الكتاب؛ لفعلت".

بالقرآن تتوارد على قلوب العارفين نفائس الحكمة ولطائف العرفان. وبالقرآن ينظرون ويفكرون ويتأملون ويعيشون أخلد الحيوات. ومن أجل ذلك؛ فهم يخرّجونَ من القرآن على منهج الذوق لطائف ومعان قلَّ أن تجد لها مثيلاً في تخريجات المفسرين وتفسيرات العلماء والحكماء والمؤولين. من ذلك أنهم قالوا : ما من آية من في القرآن إلّا ولها سبع معان : ظاهر، وباطن، وإشارات، وإمارات، ولطائف، ودقائق، وحقائق. هذه سبعة ألفاظ لسبع معان، لسبع طوائف يفهمون القرآن على نحو لا يفهمه به سواهم؛ فالظاهر للعوام، والباطن للخواص، والإشارات لخواص الخواص، والإمارات للأولياء، واللطائف للصديقين، والدقائق للمحبين، والحقائق للنبيين. ثم قالوا : تحت كل كلمة، بل تحت كل حرف بحرُ حِكَم عجاج ذو قعر مواج؛ فإذا قرأه الشاهد من العارفين والصادق من الخائفين أعطى بكل حرف ذهن، ولكل ذهن ألف فهم، ولكل فهم ألف فطنة، ولكل فطنة ألف عبرة، والعبرة لا تقوم بها السموات والأرض؛ فذلك قوله تعالى :"ومن يؤتَ الحكمة فقد أُوتىَ خيراً كثيراً، يعني فهم القرآن ومعانيه" (أ. هـ).

ولربما قُوبِلتْ هذه العبارات بالسخرية والتهكم والمناكرة من أناس لا ترتفع عقولهم ولا أرواحهم فوق النعال التي يدوسون بها قُرَاب الأرض؛ فينكرون أن يكون لهذه الحقائق وجودٌ على الحقيقة في الواقع ملموس. وإنما هى فيما يرون مجرد تخيّلات أو أشبه بالتخيّلات لا وجود لها إلا في أوهام قائليها! فهم معذورون؛ لأن أرواحهم في عزلة عن هذه المعاني؛ ولأن عقولهم المحدودة بحدود ما تفكر فيه لا تدرك غير ما تدركه السائمة، إنْ صح للسوائم أن تدرك ما يدركه إنسان! على أن إدراك السوائم والحشرات قد يكون فيه النفع لجنسه أكثر من إدراك الآدمي الذي حمل تبعة الأمانة وهو ظالم لنفسه جهول.

هم معذورون؛ لأنهم يلهون ويقودهم اللهو إلى السّهو بعيداً عن حظيرة الإيمان. ولا شرط لفقه القرآن إلا شرط البقاء دوماً على الإيمان، وعلى معدنه الأصيل الذوقي في طوايا الكرماء الأصلاء من بني الإنسان. قال الفضيل بن عياض :"حاملُ القرآن حامل راية الإسلام، لا ينبغي له أن يلهو مع من يلهو، ولا يسهو مع من يسهو، ولا يلغو مع من يلغو، ولا يكون له إلى مخلوق حاجة، حتى الخلفاء فمن دونهم ينبغي أن يكونوا محتاجين إليه". وعن ابن عباس رضوان الله عليه إنه قال :"من قرأ القرآن من قبل أن يحتلم فهو ممّن أُوُتىَ الحكمة صبياً". وعن النبيّ صلوات الله وسلامه عليه قال :"من أُوتِىَ القرآن فقد أدرجتْ النُّبُوّة في جنبيه إلا إنّه لم يوح إليه". وقال :"الماهرُ بالقرآن مع السَّفرة الكرام". وأقلُ ما يُقال فيمن يطالع هذا الكلام أن يدعو الله بصدق ليقول : اللّهم اجعلنا ممن أطلعتهم بفضلك على حكمة القرآن.

وأقلُ ما يُقال كذلك أن ينظر الناظر إلى الآية الكريمة في سورة الفرقان (آية 63) حين تصف عباد الرحمن :"وَعِبَادُ الرَّحْمَن الذّينَ يَمْشُونَ عَلَىَ الأرض هَوْنَاً وإذا خَاطَبَهُم الجَاهِلُونَ قَالوا سَلَامَاً "؛ ليطالع أدب القرآن مع المنكرين والمستخفين من جهة، ويطالع من جهة أخرى أدب القرآن فيمن يتحلىَ بأدبه ويعيش حياته على هداه.

فالقارئ مرجوُّ أن يلاحظ معي ظاهر المعنى في كلمة "هوناً" أي : مشياً هيناً ليّناً ذا سكينة ووقار. والقارئ مرجوُّ كذلك أن يقلِّب في ذهنه معنى كلمة "هوناً" ليحددها كما أحددها أنا تحديداً يخرجها أو يكاد عن مرادها القاموسي إلى حيث الاستهانة.

وهو مرجوُّ مرة ثالثة أن يقرأ الآية مراراً ليرى فيها مثل هذه الاستهانة بعد التحديد على ضربين : (1) استهانة اتصال. (2) استهانة انفصال.

فأمّا استهانة الاتصال؛ فلأن عباد الرحمن الموصوفين في الآية الكريمة، نظراً لاتصال قلوبهم بالحق، لم يشهدوا غيره ولم يبصروا سواه، هانت عليهم خِلاق العبيد لا لشيء إلا لأنهم عباد على الحقيقة، قد نظروا إلى الحق باعتبار كونهم عباداً لا عبيداً؛ فاكتملت رؤيتهم للحق في القلوب والسرائر؛ فلم يشهدوا غيره أصلاً؛ فإذا خاطبهم الجاهلون خطاب الغفلة والسَّفَه والطيش والفجور الذي هم به محجوبون، كان شهودهم للحق يدعوهم إلى البقاء في معيّته لا في معيّة الخلق؛ فهم على الدوام في معيّة الرحمن، وهم بتلك المعيّة محجوبون عن رؤية الخطاب أو سماعه من أولئك الذين تسفّهوا عليهم بطيش الخطاب.

هذه هى استهانة اتصال يكون فيها عباد الرحمن على صلة قوية بالله يستهينون فيها بسواه، ولو كانوا فجاراً جبابرة. أمّا استهانة الانفصال؛ فلأنهم عباد الله على الحقيقة، ما كان يمكن لهم أن يعترضوا على الجاهلين في سفه الخطاب، وهم يرون أفضال الله تعالى مسبوغة على خلقه، ومن بينهم أولئك الذين يعصونه ولا يطيعونه. وفي الحق ما عصوا إلا أنفسهم وما أضافوا إليها إلا الصّغار والموات والعدم والفناء.

ففي الطاعة لا شك حياة، وفي العصيان دمار وموات؛ ولأنهم عباد الرحمن على الحقيقة؛ فقد عرفوا من هذه العبوديّة أن الله تعالى ما كان عطاؤه مقصوراً على عباده وكفى، ولكنه أيضاً عطاء مشمول لعبيده؛ فاحترموا قضاء الله المبرم على عبيده حتى إذا ما صَدَرَ عن العبيد خطاب فيه من الطيش والفجور ومن السّفه والضلالة ما من شأنه أن يؤذي عباده على الحقيقة، كان استقبال العباد لهذا الخطاب، عينه أو مثله، ضرباً من ضروب العبودية؛ لأنه ضرب من التسليم المطلق بقضاء الله على عبيده والرضا به من خلف حجاب السبب، ولو كانوا من الجاهلين.

تلك كانت ولا ريب، استهانة انفصال : انفصال السّر عن رؤية شرور العبيد، واتصال من جهة أخرى برؤية أقدار الله فيهم. ولكونه منفصلاً من تلك الجهة لا جَرَمَ كان السّر متصلاً بالجهة العلوية. فهؤلاء العباد الموصوفون في الآية الكريمة بأنهم "عباد الرحمن"، متصلون من جهة، منفصلون من جهة أخرى. متصلون بجهة الحق فهم يستهينون بأفعال الخلق الذين هم من طائفة العبيد. ومنفصلون عن جهة الخلق فهم يستهينون بأفعال الخلق لا من أجل الخلق في ذواتهم بل من أجل مراعاة أقدار الله في خلقه وفي عبيده.

ومن أجل أنهم يفهمون دلالة هذه الأقدار فيراعونها مع الاحترام مراعاة اللطف والشفقة بالعبيد فهماً عن الله، يمشون على الأرض هوناً محفوفاً بالسكينة والوقار، وهو في الوقت نفسه محفوف بالاستهانة بأفعال العبيد وبأخلاق العبيد؛ لا لشيء إلا لأنهم (العبيد) يجهلون أقدار الله فيهم، في حين يعلم العباد من هذه الأقدار ما من شأنه أن يجعلهم قادرين على تحملها، وتحمل ما يصدر عنهم من أعبائها ولسان حالهم يقول : سلامُ سلام، لكنه سلام مُتَاركة وتجنُّب لا سلام تحية واتصال. وهو، من بعدُ، سلام انفصال مع احترام قدر الله المشهود فيهم من خلف حجاب الأسباب والأفعال، وهو شهود لا من أجل العبيد، ولكن من أجل الله وكفى.

والله، الله، على ألطاف الله بعباده في كل حال.

معدن الذوق لا شك حياة .. ذُقْ مَذَاقَ الآية ثم انظر ماذا عَسَاَكَ بالذوق ترى؟ الخطاب الإلهي يُذاق أولاً فيتحرك بمذاقه الشعور، فيتولّد عن الشعور  طاقات من الفكر والعقل والفهم والتّدبُّر والاستبصار . والأصل في ذلك قوة في الشعور ومذاقٌ في أعمق طويا الضمير.

ليت شعري .. ماذا عَسَانَا كنّا فاعلين لو حرمتنا الأقدار نعمة التذوق في آي القرآن؟ لا شيء. من آراء الإمام محمد عبده - عليه رحمة الله - المأثورة في الدلالة على عمق الشعور باعتباره الأصل الأصيل لتفريعات الفكر والعاطفة؛ أن العاطفة هى المصدر الذي ينبثق عنه قوة الوجدان. وعن قوة الوجدان يصدر التعقل والتأثر والفهم والتدبُّر كأصول أصيلة لفهم القرآن. وهذا الرأي كان تحدّث عنه الدكتور محمد إقبال كذلك؛ فجعل من منبت الشعور قوة خلاقة مبدعة متميزة خالصة، يقوم عليها الفكر ويعتمد اعتماداً كلياً ولا شك على أسسها ومقوماتها، وليست هى بالقوة السطحية السلبية العارضة.

وفي ردود الأستاذ "العقاد" على شاعر العراق "جميل صدقي الزهاوي" وكان هذا الأخير علمانياً يأخذ بالعقل والعلم ويُقصي العاطفة جانباً، مالَ "العقاد" ميلاً جارفاً إلى هذا الرأي الذي يحتكم فيه صاحبه إلى قوة الشعور فيؤمن بالعاطفة والوجدان قبل إيمانه بالبحث والتفكير، أو يجعل من الشعور مصدراً لكل بحث ولكل تفكير، لكأنما كانت غزارة العاطفة وقوة الوجدان أشياءً علويّة مُلهمة لكل تفكير صائب ولكل بحث أمين.

ومن رأيه : أنّ الشاعر صاحب خيال وعاطفة. والفيلسوف صاحب بديهة وبصيرة وحساب مع المجهول. والعالم صاحب منطق وتحليل وحساب مع هذه الأشياء التي يحسُّها ويدركها أو يمكن أن تحسّ وتدرك بالعيان أو ما يشبه العيان؛ وذلك في معرض التفرقة الفارقة بين الملكة العلمية والملكة الشعرية، وبين بديهة الفيلسوف وبديهة العالم.

وعنده : أن الزهاوي صاحب ملكة منطقية لا حجاب عليها، وآراؤه في مواطن التحليل والتعليل ملموسة، ولكنك تضل فيها الخيال كثيراً والعاطفة أحياناً، وتلتفت إلى البديهة فإذا هى محدودة في أعماقها وأعاليها بسدود الحسّ والمنطق لا تخلي لها مطالع الأفق ولا مسارب الأغوار.

العقاد يقول هذا عن الزهاوي، ونحن نقوله عن الذوق كمعدن علوي لا يتقوّم الوجدان إلا به، لأننا نلتمس فيه البديهة التي تنطلق من مقرراتها الشعورية وتصدر عنها صدوراً مباشراً مع الأخذ بالتفرقة بين الملكات الثلاث ومع الأخذ بالفوارق العليا فيها فليس من شك أن هنالك ملكة أعلى من الأخرى بمقدار ما يكون أيضاً هنالك ما هو أجمع لتلك الملكات جميعاً.

وإذا كان الذوق كما قلنا معدن الحياة، فالحياة كذلك في ظلاله هي أسمى الحيوات، وبخاصة إذا تعلقت بالمقاصد السامية واتصلت بالشعور بها. وكما يكون للعقل منطقه فكذلك يكون للوجدان منطقه الفاعل المؤثر يتكئ على العاطفة الجياشة ولا يخلو منها ويطالب بتفعيلها ولا ينزعها عن منطق الشعور ومنطق الوجدان.

 

بقلم : د. مجدي إبراهيم

 

رائد عبيسعم المجتمع قحط قيمي منتظم، فتساقط الناس عطشى وصرعى، وهم يطالبون بالرغيف أيضا ويتساقطون موتى من الجوع، فبدأ نصف ميتهم يأكل نصف حيهم،بلا عتاب أو عقاب أو كتاب، وبلا تقديم معذرة أو إلتماس عند مقدرة أو وعد عند مقبرة أو لقاء في آخرة ! كل هذا ولا رجاء من رخاء أو أخاء أو براء. لم يعد للبراء وجود في عالم بدأ يلوث نفسه،بدأ ينزل إلى وحل الخرف والتلف المنظم للمنظومة القيمية التي الفنا انهيارها، ونحن نكتفي بالشهادة على ذلك!!

هناك ثلاثة مجالات يتحقق بها عنف المجتمع المنظم لنفسه، ولعل من أبرز هذه المجالات هي الأسرة والسياسة والدين، مع كثرة وسائل التعنيف القاتلة والمخيفة والخطيرة بل والمؤسفة جدا.

أول هذه الثلاثة،هي العنف الأسري الذي بدأ يتفاقم في مجتمعنا الى حد كبير، نتيجة انعدام قيم المعاشرة بين الازواج، أو بين الآباء والابناء، ولعل مرجع ذلك إلى عوامل عدة أبرزها اقتصادية،اذا بدأ يضيق كل منهم بالآخر نتيجة متطلبات الحياة،لا سيما مع النساء والبنات في العوائل، أو حتى مع الابناء العاطلين عن العمل، فالأحداث الملة التي مرت على العراقيين من ظروف حرب وصراعات سياسية او اجتماعية وبطالة، فضلاً عن عناصر الانفتاح التي تجعل من كل فرد بالعائلة يطمح بعيدا عن حاجيات الأسرة ومستوى دخلها، بل وحتى تقاليدها إزاء هذه المسائل التي نقلتها الحداثة والعولمة، وكذلك تنامي الوعي السلبي بقيم الانفتاح الذي فهم بشكل خاطئ، زادت من كاهل الأسر ومشاكلهم، فنرى في العوائل حدوث مشاكل كبيرة من قبيل تقبل تعاطي المخدرات بأنواعها، أو الرغبة بإعلان الشذوذ، أو الانحراف واعتياده، بل وامتهانه عند كثيرين من أفراد المجتمع،فالأرقام المتصاعدة بهذه المشاكل مخيفة و مزلزلة فعلاً، اذ ترتب على إشاعة مثل هذه المشاكل بين العوائل، حدوث جرائم الزنى بالمحارم، والافعال الأسرية الشاذة من قبل العقوق أو غيرها، فوسائل التعنيف باتت متنوعة ومختلفة ومتشكلة بحسب بيئة العوائل ومحيطها، ومدى انفتاحها وحدود نشاطها، وقدرتها في معالجتها، قبل أن تصبح ظاهرة في المجتمع،فالحادثة الواحدة في العائلة أو الأسرة الواحدة ممكن أن تُقلد أو تنتقل عدواها بين أفراد المجتمع حتى تصبح ظاهرة، كظاهرة تعنيف النساء للرجال وتحول ضعفهن إلى قوة بسبب قسوة المجتمع،بل وتسخير قوة الغضب النفسي والعنف إلى قوة بدنية يترتب عليها فعل وسلوك عدائي عضلي اتجاه الرجل الزوج أو الابناء. وكذلك الرجل أتجاه المرأة أو الابناء بحق بعضهم بعض، والحالات مثل هذه بدأت تتزايد بشكل لافت حتى أن الدولة انشأت ما يعرف بمراكز العنف الأسري، او محاولة تشريع قانون من قبل البرلمان بذلك، وهذا كله يعد اعترافاً واضحاً بحجم الظاهرة وتجذرها في المجتمع.

ثانيها العنف السياسي،الأمراض الاجتماعية المختلفة سرعان ما تتحول وتنتقل إلى الفعل السياسي الذي يعد أهم نتاج المجتمع، فالعنف الأسري ينتقل كفعل ممارسة الى المجتمع، ومن ثم إلى إنتاج سياسة، تحمل اسقاطات الطفولة وقسوة المجتمع، والاحتقان الذي يُنفس به بشذوذ الممارسة السياسية، وما يترتب عليها من اخطاء ونتائج تأتي كفعل تأسيس الى أخلاقيات سياسية شاذة في المجتمع، تحمل معها ابتعاد عن قيم الدين، والمجتمع، والإنسانية،مثل ظاهرة الاصطفافات السياسية على حساب الحق العام والعدالة المجتمعية، من محسوبية و منسوبية وتغالب سياسي بين أطراف الصراع السياسي الحزبي الذي هو الآخر غير بريء من تلك الأمراض وجذورها، فالعنف السياسي يتبلور من تلك الأسس المجتمعية فضلا عن برامج العنف السياسي المبرمج من قبل الأحزاب وسياستها اتجاه المجتمع، بأفعال التصفية، أو الاعتقال، أو التضييق، أو المنافسة غيرة العادلة، في كل مجالات الحياة بما فيها ارزاق الناس وما يتعلق بمعايشهم.

ثالثها العنف الديني، وهو يمثل كل ما تقدم من عنف أسري وعنف سياسي فيما لو فُعل مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو فُعل أمر الحاكمية الدينية،او فُعل أمر المحاكم الشرعية أو إظهار وإشاعة أمر التنابذ، والتقاذف، أو الشتم، أو الاتهام، أو التضييق، أو المحاربة، أو المنافسة، أو المزاحمة، أو التسقيط، أو التشكيك، أو التكفير، أو التفسيق، أو التنكيل، أو الحرمان، أو التخوين، وإلى آخره من أفعال العنف الذي ممكن أن يمارس بحق الخصم أو العدو. كل أشكال العنف ممكن أن تظهر في افعال النفس البشرية المتبنية لها وفي أي قضية كانت ممكن أن تراها جوهرية في فحواها ومدلولها. فالوهم العنفي المتخيل من جراء تلك التصورات سواء كان منها ما يتعلق بعنف الطفولة، أو عقدة أوديب، أو القمع السياسي، أو التعنيف الديني - المبني على أساس اللوم، أو التهديد بالعذاب، أو العقاب، أو ترسيخ فكرة الانتقام، والقصاص أو فرض العقيدة وتطبيق ما فهم من أحكامها بعنف وشدة يحدث ردت فعل تجاه قبول النصحية، أو الاستماع لها، أو الانصات الى الموعظة، أو تقبل الحقيقة بدون عناد أو تعنت أو رفض غير موضوعي لها -

ينتج عنف اجتماعي متوارث ومستحدث ومتجدد، تبعا لعوامل واسباب ظهوره وتناميه في المجتمع، الذي يرتد بها الى ذاته ليعنفها حزناً وكآبة ويأس وضجر من الواقع الذي يعيشه، فيميل الى تعنيف ذاته انتقاماً من نفسه التي هي في الواقع مشتركة بينه وبين الآخرين، وهذا ما ذكر في الآية القرآنية (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً) مريم 21.فاصل العنف الاجتماعي أو اصل عقوبة المجتمع لنفسه، متأتي من عقوبة الفرد لنفسه الذي يتحول الى عقوبة جماعية، ومن ثم يتحول إلى ظاهرة مجتمعية، فنجد عندها بأن المجتمع يعاقب نفسه بنفسه، أو يهمل نفسه بنفسه، لسوء إدارته لنفسه، وسوء إدارته لإرادته التي عادة ما تنتج له ما يترشح من نفسه، سواء كان بأسرة مفككة أو معنفة، أو نظام سياسي أو طبقة سياسية بائسة وفاشلة، أو يرتد الى تزمت ديني، و تمسك بمسائل دينية أكثر تشددا.

 وهذا ما يحول الضعف إلى قوة، عند من يكون بهم الضعف والاستسلام جزء من كمالهم وامتثال طاعتهم، كطاعة الزوجة لزوجها، أو الابناء الى الآباء، وهذا ينتهي إلى علاقة سوية وقوية، يكن بها المجتمع متصالح مع نفسه، ميال الى السلم والمدنية، بعيدا عن لغة السلاح والتهديد الذي يمثل قمة العنف والشروع به بين أفراد المجتمع كافة.

فتحول الضعف الى قوة شاذة،قد شهدناه في عنف المرأة تجاه زوجها أو أتجاه المجتمع،وذلك بمشاركتها بجرائم مثل القتل او الخطف او الاتجار بالبشر او التجارة بالممنوعات وغيرها، وكذلك شهدناه بممارسة الأطفال لأعمال العنف مثل حمل السلاح أو التهديد أو المشاركة بالجرائم وغيرها،وهذا يعني أن المجتمع الذي يحول عناصره وشرائحه الضعيفة بمكانتها لا ضعيفة بعضلاتها او ضعف شخصيتها - ليس بهذا المعنى ولكن نقصد بالضعف المقترن بالمكانة قياساً مع مكانة الرجل وقوته بمواجهة المجتمع والمصاعب الحياتية- إلى مصدر قوة عنفية فهو مجتمع يفتقر إلى كل تأثير لمنظوماته العقائدية والأخلاقية والقيمية والأعراف الاجتماعية العربية التي لها الشأن في تحقيق توازن قيمي يتحرر به من عنفه لنفسه.

 

الدكتور رائد عبيس

 

 

جواد بشارةاللانهاية L’infini  معضلة واجهها علماء الرياضيات وعلماء الفلك وعلماء الكونيات  الكوسمولوجيين، على مدى قرون طويلة، حتى تمكن أخيراً العالم كانتورCantor، على حد زعمه، من السيطرة على المفهوم من خلال إدخال مجموعة من المفاهيم الجديدة بشكل راديكالي في نظريته، خاصة فكرة أو مفهوم وجود عدة أنواع من " اللانهاية" يمكن حسابها ومقارنتها باستخدام أعداد جديدة عادية وترتيبية  وكاردينالية  ordinaux et cardinaux. ومنذ كانتور أعتقد الرياضياتيون أنهم عرفوا كيف يتعاملون مع " اللانهايات" . حتى إسحق نيوتن تعاطى مع  معضلة  الكون النهائي واللانهائي أو اللامنتهي. وحاول الجمع بين الإثنين لتقديم صورة أو رؤية خاصة عن العالم . وهو يتصور  بأنه طالما يتمثل البشر عالمنا كونه ذو حدود ونهاية فمن المفترض وجود فضاءات تتعدى أو  تتواجد ماوراء أفق العالم الذي نعيش فيها وبالتالي فإن "كوننا" ليس سوى "جزيرة" عائمة داخل محيط من العوالم اللامتناهية . ولقد نظمت حلقة نقاشية كبرى سنة 1920 لتؤكد صحة المنطق النيوتني وتنعش ثيمة اللانهاية التي تؤرق بال العلماء والرياضيين خاصة في ذلك الوقت الذي كان الجميع يجهل فيه عدد النجوم في كوننا المرئي وربما يكون عددها لانهائياً. ولكي نرصد جرماً فضائياً ننتظر وصول الضوء الصادر منه إلينا وذلك يستغرق وقتاً،  فالضوء يحتاج لثمان دقائق لكي يقطع مسافة 150 مليون كلم التي تفصل بين الشمس والأرض.ويحتاج الضوء القادم من أقرب مجرة جارة لنا هي المرأة المتسلسلة أندروميدا، إلى 2.5 مليون سنة ضوئية. فالنظر إلى أعماق الكون المرئي يعني رؤية الماضي وما حدث فيه وهذا الماضي محدود زمنياً : يقدر عمر الكون المرئي بــ 13.8مليار سنة، وهو قطعاً أقدم من ذلك بكثير. من هنا لانستطيع رؤية أجسام في الفضاء إلا تلك التي ترسل ضوءاً يحتاج إلى أقل من 13.8 مليار سنة ضوئية . والحال، يضم الكون المرئي مكونات محصورة في نطاق قطر لا يتعدى الـ 13.8 مليار سنة ضوئية ولكن في حقيقة الأمر يحتوي الكون المرئي على أكثر وأوسع من ذلك بكثير. فبيننا وبين الأجرام  والمجرات والنجوم البعيدة جداً، التي يستحيل رؤيتها أو رصدها، هناك 45 مليار سنة ضوئية حسب التقديرات والحسابات الرياضياتية والكوسمولوجية الحديثة. فرؤيتنا للكون محدودة كما لو أننا في صحراء حسب قول عالم الفيزياء الفلكية غنثر هاسينجر Gunther Hasinger، الذي صرح معلقاً " لدينا انطباع أننا نحدق في اللانهاية  لكننا نعرف أننا لا ننظر على وجه الدقة سوى على بعد 10 كيلومترات في الصحراء، وأن هناك خلف الأفق الصحراوي أكثر من ألف أفق ". ماذا يوجد وراء الأفق الكوني للكون المرئي أو المنظور؟ البعض يعتقد أن من العبث التنظير حول شيء لايمكننا رؤيته مهما طال الزمن، والبعض الآخر يقول أن من اللامنطقي  القول أن شيئاً ما غير موجود لا لشيء إلا لأننا لايمكن أن نراه، فكل ماهو غير مرصود  غير واقعي بالنسبة لهؤلاء وبالتالي فهو ليس جزءاً من الكون المرئي الذي لا نعرف شيئاً خارجه أو وراء أفقه اليوم. فهو إذن ليس جزءاً من كوننا المرئي على أية حال، وقد ينتمي، لو ثبت وجوده، إلى أكوان أخرى.

الفرضية الأكثر إقناعاً وقبولاً هي تلك القائلة أن العالم يمتد إلى ما وراء أفقنا الكوني المرئي أو المنظور والقابل للرصد، وقد يكون مماثلاُ أو مشابهاً أو مختلفاً عما يوجد في نطاق كوننا المرئي. يفترض هذا الطرح وجود مجرات ونجوم لايمكن لضوئها أن يصل إلينا أبداً لأنها بعيدة جداً وقد تحتاج لأكثر من 45 مليار سنة ضوئية لكي تصل إلينا  وتلك النجوم المتواجدة خارج كوننا، تشكل مجرات  والمجرات تشكل أكداس وحشود وعناقيد مجرية تشبه أو تختلف عما هو موجود في كوننا المرئي وتكون أكواناً خاصة بها. إن كوننا المرئي أو المنظور متجانس وكل شيء فيه متناظر ومتماثل ومتجانس وفق ما عرف بــ " المبدأ الكوسمولوجي  le principe cosmologique" حسب تفسير العلماء للمعطيات والمعلومات الفلكية المتراكمة لديهم. فنحن نعيش في " فراغ كوني أكبر بكثير من كوننا المرئي أو المنظور وهو فراغ لا نهائي. في حين أن قطر  الوعاء الكوني لكوننا المرئي أو الفراغ الكوني النسبي الخاص بكوننا المنظور يمتد لحوالي مليار سنة ضوئية حيث المادة أقل كثافة مما هي في أماكن أخرى وبالتالي يتمدد ويتسع هذا الفراغ أسرع مما نظن. ويمكن اعتبار ذلك بمثابة نظرية بديلة لفرضية وجود الطاقة المظلمة أو المعتمة أو السوداء التي يفترض العلماء أنها هي السبب في تسارع التمدد والتوسع الكوني للكون المرئي. هناك قلة من العلماء من يتبنى هذه النظرية، أي نظرية الفراغ الكوني vide cosmique في حين تتبنى أغلبية العلماء فرضية الطاقة السوداء أو المظلمة، ومبدأ كوبرنيكوس. فمن وجهة نظر رياضياتية محضة، يمكن أن يكون الفضاء مسطحاً ليس له حدود illimité  لكنه نهائي fini، لكن أقلية من العلماء تعتقد بمثل هذه الإمكانية، فيما يعتقد كثيرون أن الشمس والأرض والقمر والنجوم  والمجرة التي تحتوينا تتواجد في فضاء  أو زمكان يمتد بعيداً وفي جميع الاتجاهات على نحو لانهائي. يعتقد جون بارو John Barrow أستاذ الرياضيات والفيزياء في جامعة كمبردج، أن الكون المطلق كبير على نحو لانهائي وأن كوننا المرئي أو المنظور ليس سوى واحد من بين عدد لانهائي من الأكوان، وهذا العالم هو أحد رواد الفيزياء  والكوسمولوجيا الجديدة، فبالنسبة له من البديهي أن ننتهي من النظرة القياسية الضيقة والاختزالية السائدة اليوم ونتطلع إلى كوسمولوجيا ثورية تعددية أو تتقبل فرضية تعدد الأكوان وتعدد العوالم.

بداية أم بدايات؟

إذا كان الكون المرئي في حالة توسع، فهذا يعني أنه كان في الماضي أصغر، وقبل ذلك أصغر فأصغر، ولو استمرينا في هذا التصور الذهني لوصلنا إلى أن الكون كان مضغوطاً في حيز  بحجم حبة بزاليا أو أصغر بكثير، بل حتى أصغر من الذرة البدائية التي تحدث عنها جورج لوميتر، بل وأصغر من ذلك في نقطة لامتناهية الصغر ولامتناهية الكثافة سميت " الفرادة الكونية" وهذا جوهر نظرية الانفجار العظيم. فالكون المتمدد والمتوسع يتوافق مع فكرة،" الحالة البدئية الأساسية للنشوء état initial " وهي ساخنة جداً وكذلك تتوافق مع حل لمعادلات رياضياتية أفرزتها نظرية آينشتين النسبية العامة وهي التي توصل إليها الراهب والعالم الفيزيائي البلجيكي جورج لوميتر سنة 1920وقادت إلى نظرية البغ بانغ وكان المعارض الأشرس لهذه النظرية آنذاك هو العالم الفرد هويل من جامعة كمبردج الذي كان ينادي بنظرية الكون الأزلي والأبدي الخالد الثابت اللامتغير والساكن، وإن النجوم والمجرات جزء من حلقة دورية تعاقبية من الولادات والاختفاءات فلا وجود لبداية ساخنة ولا لخاتمة منتظرة أو متوقعة . وكان الفرد هويل يعتقد أن الكون متشابه ومتجانس في كل أركانه وعلى نحو دائم. ولكن في سنوات الستينات حسمت المعركة بين دعاة الكون المستقر الثابت والساكن و أنصار  وأتباع نظرية الانفجار العظيم البغ بانغ لصالح هذه الأخيرة وذلك إثر اكتشاف آرنو بنزياس  وروبير ويلسون اللذان يعملان لدى مختبرات بيل إثناء اختبارهما للاقط اتصالات مع الستلايت أو القمر الصناعي وبعد فحص وتدقيق لنوع من الإشارات الصوتية  الخفية المثابرة والمستمرة كضوضاء خلفية منتظمة في تردد الموجات المكروية فاكتشفا أن هذا  الصوت هو من بقايا الإشعاعات الخلفية الأحفورية المكروية المنتشرة في الكون كله والذي عرف بإشعاع الخلفية الكونية المنتشرة وفي سبعينات القرن الماضي هيمنت نظرية البغ بانغ الانفجار العظيم على الوسط العلمي وتم قبولها كحقيقة مفروغ منها إلى جانب تجارب مختبرية لإثبات صحتها ومعرفة المزيد عن المادة وتكون العناصر التي تصب في صالح النظرية وصلاحيتها.

من المصيب ومن الخاطيء؟

عند استجواب علماء الكونيات الكوسمولوجيين، هناك من يعتقد أن علم الكونيات في أوجه اليوم أو أنه على حافة الهاوية، حسب البعض الآخر . وهناك مشكلتان لهذا التصادم في الرؤى والاختلاف في الموقف، وهما مرتبطتان ببعضهما البعض. الإشكالية الأولى تقول أننا لو جمعنا كافة المعطيات الناجمة عن عمليات الرصد والمشاهدة والمراقبة، مع النظريات الفيزيائية، بنموذج كوني كوسمولوجي، فسوف نحصل على تحفة فنية أو أثر فني كامل ومقنع ومنتهي أو ختامي. لكن ثمن ذلك سيكون مرتفعاً . فعلينا أن نتقبل مسلمة أن الكون المرئي مكون بنسبة 95% من كتلة وطاقة غريبة وغامضة لانعرف منهما اليوم سوى أسميهما وهما المادة السوداء أو المظلمة والطاقة السوداء أو المظلمة أو المعتمة . والإشكالية الثانية تقول أنه في النانو / ثانية بعد الانفجار العظيم، في تلك اللحظة الزمنية بالغة الصغر، كانت المادة والطاقة من الكثافة بمكان، أنه لا النظرية النسبية و لا الميكانيك الكمومي أو الكوانتي، يمكنهما وصف تلك الحالة، لذا نحن بحاجة لنظرية نسبية وكمومية مندمجة  جديدة عرفت باسم نظرية كل شيء والتي هي غير موجودة في الوقت الحاضر. كل ما لدينا سيناريوهات وافتراضات وتمنيات وتخمينات ليس إلا، عن اللحظة البدئية والتأسيسية الأولى للكون المرئي أو المنظور. أفضل تلك السيناريوهات المتخيلة هو سيناريو التضخم الكوني الهائل والمفاجيء حيث حصل تمدد خارق فوراً بعد الانفجار العظيم وبسرعة مذهلة تتجاوز سرعة الضوء بكثير ولقد حاز سيناريو التضخم الفوري على قبول وتقدير الباحثين والعلماء لأنه يقدم العلاج لمعضلات شائكة ناجمة عن نظرية الانفجار العظيم التقليدية الأولى . ولكن ظهر سؤال جديد يحتاج إلى جواب، ماهي القوة التي تسببت بوقوع هذا التضخم الفوري المفاجيء والهائل ؟ ربما تكون الطاقة السوداء أو المظلمة أو الداكنة أو المعتمة التي تعمل كقوة ثقالية نابذة أو طاردة وليست جاذبة . هذا ما يؤكده بعض العلماء والمنظرين المستمرين منذ عقود طويلة بحساباتهم لتأكيد وإثبات صحة هذا السيناريو فحسب فرضية التضخم الكوني الفوري المفاجىء كانت كافة عناصر الكون في الأصل في حالة اتصال واندماج وبامكانها أن تتخذ درجة حرارة متساوية ومتجانسة مثل الجزيئات في كأس ماء. ومن ثم  نفخ التضخم الكون بسرعة مذهلة تفوق بكثير سرعة الضوء فالفضاء أو الزمكان المتمدد تفوق على الضوء ومن ثم جاءت مرحلة التوسع المنتظم بسرعة عادية أدنى من سرعة الضوء وغدت الآفاق المكانية للكون من السعة بحيث تعذر قياسها أو حسابها ومعرفة المسافات  والمديات التي بلغتها ولم يعد هناك أي اتصال بينها ولكن لديها جميعاً ماضي واحد مشترك. وكانت درجة الحرارة متماثلة ومتساوية في كل مكان. استمر هذا التصور  لغاية سنة 1997، إذ قضت النظرية السائدة في الكوسمولوجيا بأن توسع الكون تباطأ بفعل قوة الثقالة الكونية الجاذبة للمادة المرئية والمادة السوداء أو المظلمة . وإن الكون سوف ينهار على نفسه في يوم ما في نوع من الارتداد والتقلص والانكماش العظيم Big Crunch، وربما سيعقب ذلك انفجار عظيم جديد على نحو تعاقبي. ولكن اكتشف العلماء أن هناك تسارع في التوسع الكوني بدل التباطؤ ويحدث التمدد بسرعة أكبر فأكبر وبأن هناك قوة خفية ومجهولة الهوية والماهية لا نعرف طبيعتها ومكوناتها تقف خلف مثل هذا التسارع في التمدد والتوسع سماها العلماء الطاقة السوداء أو المظلمة أو المعتمة وكلما توسع الكون تشتت المادة العادية داخله وهيمنت عليه الطاقة المظلمة أو الداكنة أو السوداء وبعد بضعة مليارات من السنين سيكون الكون المرئي برمته مكون من الطاقة السوداء أو المظلمة وهو ماتخبرنا به قصة النشوء المتعارف عليها اليوم ويمكن أن يبدأ من جديد انطلاقاً من الطاقة السوداء أو المظلمة كما يعتقد علماء البغ بانغ الذي حلوا بذلك معضلة أو لغز الخلق من لا شيء  فبفضل هذا الطريقة الغامضة اخرجنا الباحثون والعلماء من نطاق السحر والميتافيزيقيا الربانية لأن الطاقة السوداء أو المظلمة هي جزء من خصائص ومكونات المكان الكوني فكمياتها تحصر في أحجام مكانية  تسمى كثافة الطاقة وهي ثابتة وهذا يعني أنه عندما يتوسع المكان فإن الطاقة السوداء أو المظلمة لا تذوب فيه بل تزداد . ولكن يطرح سؤال آخر يحتاج إلى جواب، ماهي الطاقة السوداء أو المظلمة لا يوجد لدى العلماء سوى المضاربات الذهنية والتخمينات  والافتراضات بهذا الصدد ويتقنون قواعد اللعبة لإقناع المتسائلين عن ماهية وسر هذه الطاقة اللغزية السوداء أو المظلمة.  يتبع

 

 د. جواد بشارة

 

علجية عيشيعاني العرب من ظاهرة التأزم السياسي، وهي الظاهرة التي تطرق إليها المفكر البحريني محمد جابر الأنصاري في بحوثه، ووصفها بالحالة المزمنة، ولذلك وجب دراستها بعناية تامة وتفهم طبيعة القاعدة المجتمعية (السوسيولوجية) في حديثه عن الصراعات التي تشهدها الساحة السياسية العربية، وتشابك المصطلحات بين القومية العربية والوحدة العربية، إذ يفضل المفكر محمد جابر الأنصاري استخدام مصطلح الظاهرة العربية كبديل عن مصطلحي القومية العربية والوحدة العربية التي تم تداولها عبر عصور التاريخ في السياسة والثقافة وفي الفنون والآداب وفي العلوم، كونها ظلت محافظة على شريانها الحي المتصل بالقرآن الكريم

 يرى الأنصاري أنه لا ينبعي استخدام الوحدة العربية كدعوة عاطفية انفعالية كما يصورها خصومها أو بعض دعاتها، لكنه يرى أنه لا جدال في أن العاطفة السامية كوجدان أصيل تعد جزءًا من مكونات الأمّة، إلا أنه ينبغي أن تستند إلى أسس موضوعية من التواصل، يقول الأنصاري أن العرب اليوم أمة موحدة الوجدان مفرقة الكيان، ولذا يرى أنه لا مستقبل لعروبة بقيادة مستبدين ومتسلطين يقودونها نحو الكوارث، ولا قيام للعروبة مجددا، إلا بقبول التعايش والتسامح داخل تعددياتها (القبلية...المناطقية...المذهبية ..الخ)، ولا مستقبل للعروبة إلا بالإنفتاح على العصر وتياراته ومستجداته أسوة بالأمم الأخرى، بعد التخلص من الرواسب الإنحطاطية التي نعيشها إلى اليوم مجتمعيا وذهنيا، فانفتاح الكيانات الوطنية العربية - كما يرى هو- من شأنها أن تصبح لبنات صالحات في اللحظة التاريخية المناسبة لبناء وطن عربي أكبر.

 ولدعم فكرته يقدم الأنصاري تجربة اليمن في طرحها لمشروع اتحاد الدول العربية على صعيد الجامعة العربية، وتجربة السعودية في توحيد الجزيئات المبعثرة في صحاري وواحات الجزيرة العربية، ثم تجربة ليبيا وسوريا ولبنان قبل الربيع العربي، والكويت التي مثلت الوحدة بين من كانوا داخل السور ومن هم خارجه، وكذلك البحرين، في حين يتساءل الجابري بالقول: أليس حريّ بالعراق أن تأتي دولة قطرية عراقية جديدة توحد الجزيئات العراقية التي هي اليوم مبعثرة؟ في الوقت الذي نرى الإتحاد الأوروبي يتأسس على وحداته الأصغر بعدما كانت امبراطوريات تحاربت فيما بينها إلى العظمن وهنا يتحدث المفكر محمد جابر الأنصاري عن إشكالية المثقف والسلطة، ودور كل واحد منهم في رفع شعار "الوحدة العربية" وقال أن العلاقة بينهما متوجسة ومشوبة بالتوتر، وقلما كان هناك لقاء فعلي بين المثقف والسلطة، ويصف الجابري هذه العلاقة على أنها مغامرة مفتوحة لمختلف الإحتمالات.

 وبالرجوع إلى التراث السياسي نجد كما يقول الأنصاري الثقافة والحضارة تقفان في جانب والسياسة في جانب آخر، وهذه من أسباب الأزمة، ولتجاوز هذه الأزمة وجب أن يتثقف السياسي وأن يتسيس الثقافي إلى حدٍّ بضوابط ومنهج معين، لأنه للإنتقال إلى طور جديد من أطوار الحضارة سواء في السياسة أو في الثقافة، وجب أن يكون حوار بين المثقف والسياسي، يقدم الأنصاري وصفا للسياسي إذ يقول: إن السياسي القدير هو السياسي الذي عنده جانب فكري وجانب ثقافي، لكن كلما تقدمت السياسة وتقدمت الثقافة فإن النموذج الإيجابي هو الذي يتقدم أيضا، وفي هذا يدعو الأنصاري إلى نبذ "القطيعة" في التاريخ ومع التاريخ لأنها مضرة بالجانبين، ومن هذا المنطلق يولي الأنصاري أهمية للنشر والإبداع الذي يلعب دورا في تثقيف السياسي، على أن يعتمد المثقف المصارحة الفكرية، طالما الوضع الثقافي العربي لم يعد يحتمل المجاملة ومسايرات الصالونات الأدبية، خاصة بين أهل القلم.

و السؤال الذي يمكن أن يطرح هنا هو: لماذا رسم الأنصاري صورة سوداء للمثقفين العرب؟ وهو يتحدث عن الظاهرة ألإنتحارية في كتابه بعنوان : "انتحار المثقفين العرب" في ظل الهزيمة القومية الكبرى ولا ستحدث الأنصاري في هذا الكتاب كما يقول الدكتور منصور محمد سرحان عن الإنتحار الإنساني والعالمي، وإنما عن الإنتحار الأدبي لبي حيان التوحيدي، والإنتحار الفكري للفيلسوف الوجودي جون بول سارتر، وقدم الشاعر اللبناني خليل حاوي نموذجا عندما بدأ الجيش افسرائيلي يزحف نحو بيروت، وتوصل الأنصاري أن الثقافة العربية هي ثقافة غيديولوجية أكثر مما هي ثقافة معرفية وثقافة حضارة.

و المفكر محمد جابر الأنصاري من مواليد مدينة المحرق البحرين عام 1939، حفظ القرآن مبكرا وسنه لا يتجاوز 07 سنوات، فتح عينيه عن النضال والمعركة ضد الإستعمار الإنجليزي بعد تأميم قناة السويس والعدوان الثلاثي، انتمى إلى مدرسة الهداية الخليفية، التي مثلت الإتجاه القومي والثقافي، يقول: ما إن نضج وعيي الوطني والعروبي نتيجة تلك التفاعلات حتى أدركت أن البحرين بكل مناطقها ومكوناتها بلد واجحد منن بلدان العروبة السمحة، تابع دراسته ببيروت  قبل ان يشارك بمسابقة مصرية ونجح فيها بامتياز، فدرس بالأزهر، ومنه حصل على بعثة علمية في الجامعة الأميركية ببيروت، فكانت أهم محطات حياته، حيث قضى فيها 12 سنة نا خلالها على شهادات عليا، آخرها الدكتوراه، وقد دخل الأنصاري الحياة المهنية بتنقلات من بلد إلى آخر ارتبطت كلها بالعمل الأكاديمي والثقافي والفكري، فكانت إحدى محطاته السفر إلى باريس، وفتحت له باريس البواي للكتابة في الصحف، ارتقى الأنصاري إلى منصب مستشار لدى الملك حمد بن عيسى آل خليفة عاهل البلاد.

 ويعتبر محمد جابر الأنصاري من المفكرين الباحثين عن الحقيقة، تميز اسلوبه بنقد الفكر العربي، وأصدر كتبا عديدة في هذا المجال، من أهم مؤلفاته كتابه الموسوعي بعنوان : "الفكر العربي وصراع الأضداد"، وكتب أخرى بعنوان: " تكوين العرب السياسي" و التأزم السياسي عند العرب" و" العرب والسياسة أين الخلل؟"، كل هذه البحوث من اجل الوصول إلى الحقيق، كما كان الأنصاري يميل إلى "الواقعية" في تصنيفه لواقع العقل العربيو من هنا انطلق مشروعه في التعامل مع المنطق والواقع وعدم الهروب من المأزق الذي تعانيه الدول العربية، ونادى بأهمية دراسة الإخفاقات العربية والهزائم التي شهدتها الأمة العربية، وتأتي هذه الدعوة كنتاج اهتمامه بالفكر العربي، حيث كرّس ابحاثه حول العقل العربي، وأجرى دراسة بعنوان: "مساءلة العزيمة" تحدث فيها والكيان العربيعن هزيمة يونيو 1967 وآثارها العميقة على الوجدان.

(نقلها الد/ منصور محمد سرحان)

 

علجية عيش

 

تحدّثَ المفكرون عن قطيعة معرفيّة بين القديم والجديد، وبين التراث والحاضر، وتحدثّوا عن كل انواع القطيعة... وتناسَوا القطيعةَ الاهمَّ، والتي هي مصدر لكل قطيعة وهي قطيعة الانسان مع خالقه . فالحضارةُ الحَديثةُ بعدما أَعلنت موتَ الالهِ على لسانِ نيتشه؛ اوقعت الانسانَ في اضطرابٍ روحيٍّ، وقلقٍ نفسيٍّ، واِرباكٍ وَحَيرَةٍ .

أَلقَطِيعَةُ المَعرِفيّة

التَساؤُلُ حول كيفيةِ تقدم العلوم، هل تتقدم بطريقة الوصل والتراكم المعرفي، الذي ذهب اليه (اوغست كومت) والمدرسة الوضعيّة المنطقيّة، ام بطريقة القطيعةِ والفصل الذي ذهب اليه فيلسوفُ القطيعة المعرفيّة (غاستون باشلار)، الذي يرى ان تأريخَ العلم عبارة عن قطائع معرفية تنفصل في لحظتها المعرفة الجديدة كليّاً عن المعرفةِ القديمة؛ فلايوجد تواصل وتراكم معرفيٌّ بين فيزياء نيوتن وفيزياء اينشتين، بل بينهما قطيعة ابستمولوجية (معرفية) .

القطيعةُ مع التُراث

مفهوم القطيعة المعرفية الذي قال به (باشلار) في مجال العلوم التطبيقيّة، نقله ميشال فوكو الى حقول العلوم الانسانيّة . وجاء المفكرون العرب، ونقلوا هذا المفهوم الاوربيَّ المنشأَ ليطبقوه على التراث. ومن الذين نادَوا بالقطيعةِ مع تراثنا العربيّ الاسلاميّ المُفَكِّرُ اللبنانيُّ (حسين مروّة) في كتابه: (النزعاتُ الماديّةُ في الاسلام)، والمفكر المصري حسن حنفي، في كتابه: (التُراثُ والتجديدُ) وكتابه: ( منَ العقيدةِ الى الثورةِ)، والمُفَكّر الجزائري محمد اركون في كتابه: (تأريخيّةُ الفكرِ الاسلاميِّ )، والدكتور محمد عابد الجابري في كتابه: (نحنُ والتُراث)، ومشروعه الموسوعي: ( نقدُ العقلِ العربيِّ) .

الصلةُ باللهِ والقطيعةُ معهُ

في زحمةِ الانشغالِ بالحديث عن هذهِ القطائعِ المُختلفة، نَسِيَ الجميعُ الحديث عن القطيعة الاهم في حياة الانسان، والتي تتركُ اثارَها المُدَمِّرَة في حياة الانسان، والتي تُحيلها الى قلقٍ واضطرابٍ وتعاسةٍ .

الله تعالى يتحدثُ في كتابه عن الاثارِ المُدَمِّرَةِ لقطعِ صلةِ الانسانِ بخالقهِ، يقول الله تعالى (إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (21) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (22) الَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ (23)). المعارج: (الاية: 19-

وقوله تعالى: (إِنَّ الْإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ) العاديات: الاية: 6 . والصلة التي كانت للنبي يونس (ع) مع ربِّهِ من خلال التسبيح، هي التي جعلته يطمئن الى رحمة الله وقدرته على خلاصه، يقول الله تعالى حكاية عن نبيه يونس (ع):

(فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (143) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ). الصافات: الايات:143و 144.

الكفر بالله، والشركُ بهِ، ونسيانُهُ، عوامل لقطعِ صلةِ الانسانِ بخالقه، التي تكون سبباً لاضطراب ِ الانسانِ، وحيرتهِ وتخبطهِ، وقلقهِ ؛ لانَّ الانسانَ وجود ربطيٌّ، بل هوَ عينُ الربطِ حسب تعبيرِ الفيلسوف الاسلاميِّ (صدر الدين الشيرازي) . والقران الكريم يذكر في كثير من اياته هذه الاثار للكفر والشرك والنسيان.

(فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ) . المائدة: 12.

(فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ) ال عمران:56.

(الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ ۖ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ). البقرة: الاية: 22.

(وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ). الحشر: الاية:19.

(فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ). الانعام: الاية: 44.

وخاتمةُ القولِ: ان الصلة بالله هي سببٌ لكل صلة، والقطيعةُ مع الله هي سببٌ لكل قطيعة الصلة مع الله تعمق صلاتنا بكل الكائنات، وتجعلنا نشعر بصلات قرابة بيننا وبين كل كائناتِ هذا الوجود.يجب ان نُعَمِّقَ صلَتَنا بخالق الوجود، ولانقطع الصلة بهِ.

 

زعيم الخيرالله

 

علي المرهجتُطلق كلمة (مُفكر) كمرادف (بتحفظ) لكلمة (فيلسوف)، وهي تعني بتلخيص القول أن هذا الشخص لديه رؤى نقدية جديدة تُمكن صاحبها من اقناع مُريديه - بعبارة صوفية، وقُرائه بعبارة (حداثية) من تغيير وجهات نظرهم في النظر لتفكير سائد على أنه لم يعد صالحاً للاستخدام وفق مُتغيرات الحال والأحول، بل وحتى الأهوال، فهو كاتب يُعيد انتاج الفكر والأقوال بما يجعل القديم لا قيمة له في البناء ويحتاج لرؤى هذا الفكر للتعديل والتجريح، بمعنى آخر هو أن هذا الكاتب (المُفكر) قد تمكن من تغيير المقول المُتداول في الرؤى المعرفية التقليدية واختراقها لبناء نظام معرفي جديد ورؤية تجديدية ـ على الأقل ـ عمل الكاتب (المُفكر) فيها على تقويضها والاتيان ببديل معرفي جديد يحل محلها.

ما نراه اليوم من شيوع في استخدام كلمة (مفكر) أنها تُطلق على كل من يجتر القول ويُعيد كتابة المقول بصيغة جديدة لربما تكون أقل قيمة من المقول القديم، ومثل هذا لا نحسبه سوى (تسخيف) لمعنى اللفظ و تقليل من القيمة التدالولية له، فكل إنسان بطبيعة وجوده يُفكر، ولكن ليس كل من يكتب هو مُفكر وإن كتب عشرات الكُتب.

الكاتب (المُفكر) هو المُختلف لا لمُجرد الاختلاف، بل لكونه يُجيد التأثير والتغيير في القارئ (المُتلقي) بما يجعله يُعيد حساباته في مألوف قوله ليُشكك فيه ليُشارك الكاتب (المُفكر) "التفنيد" لموروث الفكر لا "التأييد" له..

الكاتب (المُفكر) هو الذي يستفز القارئ كي يتفحص معارفه وأيديولجيته لينتقد ذاته أولاً لفرط ما في مُتبنياته من ركون لكلاسيكيات القول وسكونه بما يجعل القارئ مُشاركاً للمُفكر في (المُغايرة) ونقد الموروث، ومن ثم نقد سكونية العقل (الأنوي) للخلاص من أسطرة الحقيقة المألوفة أو (المتوارثة).

أن أكتب أو يكتب غيري بما لم يألفه القُراء فلا يعني هذا أنني مُفكر، بقدر ما يعني أن بعض مما كتبت أو كتب غيري هو جديد على من لم يألف القراءة، ولكنه ليس شرطاً أن يكون جديداً على من له دراية وتواصل مع عوالمها، ولا يعني أن كل جديد في عوالم الكتابة والفكر هو صالح لتغيير الرؤية واستبدال مناطق التفكر.

وربما يكون ما كتبت وما كتب غيري هو من عوالم ارتاباك في الكتابة وسوء الفهم فظنَ من لا خبرة له أن في غرابة القول نتاج معرفي لا يفقهه هو.

وأنا أقول أن من تسخيف القول أن ما يقوله كاتب ما يقصد بمقوله تجديد الوعي ونقد القول القديم السائد وفي هذا المقول بعض من أو كثير من غموض لا يفقهه من هُم من صنفه، فهو قول يحتاج لاعادة بناء ونظر، وربما يخدع قائله من هُم لا يفقهون (تحذلقه) من بعض بُسطاء الناس بحكم عدم درايتهم بمُعجميته الفكرية أو الفلسفية، ولكنه لا فكر له إن كان في قوله استهجان ورفض من الذين هُم من جماعته وينتمون لمنطقة التفكير ذاته التي يدَعي أنه ينتمي إليها!.

إن مثل هكذا كاتب يدَعي أنه مُفكر أو يدَعي بعض من صحبه الذين أصابتهم لوثته بحكم العشرة (على قاعدة من رافق القوم أربعين يوماً صار مثلهم) أنه مُفكر أن يُراجعوا حساباتهم في مدى أهليتهم العقلية.

لا يُمكن أن نصفَ كل كاتب يستهوي بعض القُرَاء بأنه مُفكر، فمن صفات المُفكر الابداع، والابداع هو الاتيان بجديد لم يسبق الكاتب (المُفكر) أحد في قوله بما يجعل من هذا القول خط سير جديد لبناء حياة أو تجديد لرؤانا وهدم لرؤى سابقة.

وبصياغة منطقية: إن كل مفكر مُثقف، ولكن ليس كُل مثقف مُفكر، لأن من ميزات المُفكر هو خلود أقواله واتخاذها أسلوب تفكير وحكمة في الحياة، وتحمل في طيَاتها اكتناز معرفي ينهل منها الساعون للاصلاح والتغيير وغيرهم، بينما لا تجد في أقوال المُثقف ما يبقى منها أثير في تغيير السائد وفضحه والكشف عن عيوبه، ولو كان في قول بعضهم ما يبقى لكانوا من صنف المُفكرين لا من صنف المُثقفين فقط.

المُفكر هي سمة الذي ينتقد ويخترق بجرأة كل ما يراه وفق وفق مُتبنياته في الحياة المُجتمعية التي هو جزء منها والتي لا صلاحية له بحسب ما يرى في عوالم الإنسانية والحُرية خارج هيمنة أي مُعتقد سائد يرى فيه خللٌ، لأنه ينظر للإنسان بحسب جهته ونشوئه وليس للإنسان وجود خارج صفته الكونية التي يتصورها هذا (المُفكر) المُنتمي.

ما يُميز كلمة (المُفكر) عن كلمة (الفيلسوف) هو أن الأولى تُطلق على كُل من له ذكاء ورؤية نقدية تمكن من خلالها في مجاله أن يُغير من نمط التفكير السائد فيه، بينما (الفيلسوف) يكون اشتغاله في مجالات المعرفة والوجود والميتافيزيقا على أنها أسئلة (كونية) ذات طابع تجريدي لا يغفل الواقع، ولكنه يُعيد صياغته بما يجعله خارج منطقة الوصف (التبعيضي) لكينونته الجزئية، ليجعلة سؤال كينوني بلغة (هيدغر) يحتوي كل أسئلة الوجود والحياة الإنسانية بعيداً عن منهجية التجزئة و (التبعيض)، لأن من مهمات الفيلسف هي تلبية حاجات العقل بكونيته لا بانتمائه العقائدي، وتلك هي مهمة الفيلسوف.

إن مهمة المفكر تكمن في محاولته الجادة في المُشاركة في تجديد وعي المُجتمع الذي هو فيه، بينما مهمة الفيلسوف تكون في تغيير وتجديد نمط المُجتمع الذي هو فيه بحسب صياغة (مقولية) تُمكن المُتلقي (القارئ) لكتاباته من مجتمعات أخرى بتوظيفها وتأويلها بما يجعل من رؤية هذه الفيلسوف تبدو وكأنها نابعة من معاناته هو، ولربما تحدث الفيلسف بلسان ولغة ما لكناها رؤية تصلح أن تكون مُعبرة عن حاجات ورؤى من هم لا ينطقون بلسانه.

المُثقف والمُفكر لربما يشتركان في التبني الأيديولوجي لفكرة أو أدلوجة ما، فكلاهما مُتاح لهما أن ينتميا لحزب أو جماعة، ولربما يكون (المثقف) أو (المُفكر) هو الناطق الرسمي باسم هذا الحزب أوالجماعة، ولكن الفيلسوف لا قيمة لرؤيته إن طرحها وفق مُتبنى عقائدي أو أيديولوجي ما.

المُفكر رغم أنه يأتي بجديد، لكن جديده هذا يُمكن أن يُبوب في خانة (الأيديولوجيا) والانتماء، فلنا أن نقول أن هذا المُفكر إسلامي، أو ماركسي، أو يساري، أو يميني، أو قومي، أو قومي إسالمي، أو ليبرالي إسلامي...إلخ.

ولكن رؤى الفيلسوف لا تُبوب وفق أيديولوجيا ما.

لأعود للمفكر الذي سخفنَا معناه التداولي، فكثير من القوميين مثل: زكي الأرسوزي والبيطار وعفلق مفكرون، وكثير من الإسلاميين مثل: حسن البنا وسيد قطب والمودودي ومحمد باقر الصدر مفكرون، أنتجوا رؤى جديدة وفهم مُغاير لما كان سائد من الفكر، ولكن المُتبنى العقائدي يحف بهم وهو (مسطرتهم) للحُكم على صحيح الفكر من فاسده بحكم مُتبناهم العقائدي = (المسطرة)، ولكنهم ليسوا بفلاسفة، ولكنهم مُصلحون، وأتفق معهم أواتفق، ولكن صفة (المُفكر) لم تعدَ تُطلق على أمثالهم، بل صارت مُفردة تلوكها الألسن وتُطلق على كُل من يجتر قولهم ويُعيد صياغته، بل وصارت تُطلق على من لا فكر له سوى أنه يُجيد كتابة الأفكار لبعض منهم في اتباع وتقليد!.

الفلاسفة لا يحتكمون لنص ولا مُسلمات نهائية لهم، أما المُفكرون فهم لهم مُسلماتهم ومنها وبها يكونون مُفكرون، ولا اعتراض لديَ كبير على مُتبنيات هؤلاء، فهم حشروا أنفسهم في خانة منها لا يخرجون منها وإن رغب المُحبون (القُرَاء) باخراجهم بتفسير أو تأويل!.

أما اعتراضي الأشد فهو على من يوصفون بأنهم مُفكرون وهُم لا ناقة ولا جمل له لا في الفكر ولا في الفلسفة، وإن حضروا لا يُعدون!.

وذلك من سُخف الوصف لهم بأنهم مُفكرون وهم لا يساوون في سوق النخاسة شروى بعير

 

ا. د. علي المرهج - أستاذ فلسفة

 

 

رائد جبار كاظميُدّرس أساتذة الفلسفة طلابهم على بيان فضائل الفلسفة وأهميتها، وتعدد مناهجها وفلاسفتها، على مر التاريخ الفكري والمعرفي للانسان، وهم يدركون تمام الأدراك أن هناك توجهات مختلفة ومتعددة للفلاسفة وفلسفاتهم، وهذا ما يميز التفكير الفلسفي عن غيره من أنماط التفكير، ويضاف الى ذلك ان الفيلسوف يتميز عن غيره بالبحث العميق والتفكير الحر الدقيق غير المقيد وغير المتزمت للافكار، أو التعصب لمذهب ما على حساب مذهب آخر، وأن القناعات متنوعة حسب تفكير وطريقة ومنهج كل فيلسوف. ولكن الأمر المهم هو أتاحة تلك الحرية والتسامح في مجال التفكير، وعدم مهاجمة فكر الآخر المختلف عنه تماماً، وعدم الأنغلاق المطلق على الذات، ودعوة الآخرين بصورة قسرية على الايمان بأفكارهم ونظرياتهم وفلسفاتهم، ويضاف الى ذلك أيضاً هو أريحية الفيلسوف وطريقته الفلسفية في محاكمة الافكار والآراء، ومحاكمة ونقد وتمحيص المسلمات والمعتقدات التي نشأ عليها وتعلمها في مقتبل حياته الفكرية والمعرفية، التي كانت قد حُقنت في العقول حقناً دون دراية أو خيار منا في كسب تلك المعارف والمعتقدات والمعلومات، وبالتالي فالمفكر والفيلسوف يهز معتقداته ومسلماته هزاً، ويفجر الأسئلة داخل نفسه وعقله، ويشكك في كل شيء نشأ عليه نشأة طفولية مبكرة، من خلال تربيته ومحيطه الاجتماعي العام، وحقيقة الأمر كما يذهب الى ذلك المفكر العراقي علي الوردي، من خلال رؤيته بأن الانسان مقيد ومحاط بأطر وقيود فكرية وتربوية واجتماعية تحدد طريقة تفكيره، ومنها الأطار النفسي، والاطار الاجتماعي، والاطار الحضاري، ولا يتخلص من ذلك أي انسان مهما كان، ولكن تختلف درجتها وليس نوعها من شخص الى آخر. فتلك الأطر تحدد طبيعة شخصية الانسان ودرجة تفكيره ومستوى ثقافته في أي مجتمع كان.

صراحة أن معلم الناس أولى بتعليم نفسه، ومؤدبهم أولى بتأديب نفسه، تلك من الحكم المعروفة لدينا، فما أحوجنا لأن نتعلم فضائل الفلسفة ونكتسب طريقتها في التفكير والمعاملة، ولكن مما يؤسف له اننا أصبحنا حالنا حال أي معلم أو خطيب أو متكلم، ندّرس العلوم والمعرفة والثقافة ولا تؤثر فينا أبداً، نعلم الغير ونربيهم على الحكمة والتفكير والمنهج والفلسفة ولا نربي أنفسنا على ذلك، فقد أعتدنا على نسخ الأفكار والآراء ونقلها لطلبتنا دون نقد أو تمحيص أو تقويم، ولم نعلّم طلبتنا على كيفية القراءة والنقد والتحليل، وأعتدنا نحن في قراءتنا على ذلك أيضاً، بل الأدهى والأمر أننا أصبحنا مثل أجدادنا القدماء من الفقهاء والمتكلمين، نتعلم دراسة الفلسفة ومنهجها وطريقتها لأجل أن نحاجج بها أفكار الغير ونحاول الانتصار من الخصم بحجج منطقية، ويعمل الكثير منا ويفكر على طريقة المتكلمين من جهة ومنطق أرسطو من جهة أخرى، يتعلم الفذلكات وطرق المحاججة ليدحض أفكار الخصوم من دين أو مذهب أو عقيدة، عن طريق الدعوة لفكره والزام الآخرين بطريقه وطريقته في التفكير، دون أعطاء فرصة للآخر من أن يقدم رؤاه وأفكاره وفلسفته، فطريقة تفكير الكثير منا طريقة كلامية أيديولوجية بامتياز، ولم تؤثر الفلسفة فينا من حيث دعوتها للتعددية والأختلاف والتسامح مع الغير في أفكارهم والتعايش معهم بامان ومحبة.

لقد ترك المحيط الاجتماعي المنغلق أثره على طريقة تفكيرنا وسلوكنا، ولم يتحرر الكثير منا من أفقه الضيق وموروثه الفكري والثقافي، رغم دراسة الكثير منا في الجامعات وحصولنا على شهادات عليا في تخصصات مختلفة، الا أن الكثير من هؤلاء بقي على طريقته البسيطة في التفكير ولم يحاول أن ينتقد ما نشأ عليه أبداً، بل جدّ وأجتهدّ الكثير منا على أن يدعم مسلماته وقبلياته بما حصل عليه من ثقافة وفكر ومعرفة، وهذه حالة يرثى لها لا تؤهلنا لأن نكون مع الشعوب المتقدمة ولا نحقق رقينّا أبداً، بما نمتلك من طرق تفكير بالية أكلّ الدهر عليها وشرب.

لست أدعّي أنني أكثر معرفة ونقداً وثقافة من بين الآخرين من أهل الفلسفة والمعرفة والثقافة، ولكنني أحاول بما أوتيت من عقل نقدي بسيط، أن أضع ما نشأت وتربيت عليه وتعلمته، في ميزان النقد والتمحيص، ولا أجبر الآخرين على أعتناق معتقدي أو أيديولوجيتي أو طريقتي في التفكير، ولكنني أومن بقيمة الآخر وبأحقيته في الأختلاف والحياة والتفكير، والسعي الجاد لمنح الآخرين حرية الرأي والتعبير والمعتقد، ولكن دون عنف أو أكراه أو تعصب في ذلك، ففرض الأفكار ووصايتها وقيمومتها على الناس طريقة مقيتة وكريهة، تحاول أحتكار الحقيقة أو الدفاع عن المعتقدات بأساليب متطرفة غير متسامحة، مما يجعل الكثير دعاة ومبلغين لا باحثين ومثقفين وأكاديميين، وهذا أمر ينذر بدمار مجتمعاتنا وحياتنا ومؤسساتنا، وما أحرى أهل الفلسفة بالأصلاح والتغيير والنقد والتقويم، على مستوى الذات أولاً قبل أن ننتقل لأصلاح غيرنا ونصحهم وتربيتهم، وما أحرانا في أن نتمثل طريقة التفكير الفلسفي، من حيث المرونة والتسامح والنقد والحرية وعدم التعصب والأنغلاق والهيمنة وتهميش الآخرين فيما يعتقدون ويفكرون، ولا نكن وعاظاً وخطباء منابر، نتكلم بطريقة ونفكر بطريقة أخرى، وهذا ما جعل منا أفراداً ومجتمعات متناشزين في الخطاب والممارسة، في طريقة التربية والتعليم والسلوك، وأن الكثير منا يدعّي الوصول الى الحقيقة، وعلى الآخرين الايمان بما توصل اليه والسير على طريقته في التفكير، ومن يدعّي ذلك فهو عدو للمعرفة وللحقيقة وللفلسفة، وقد ظلمها وظلم نفسه، وهذا لا يقتصر على بعض أساتذة الفلسفة فقط، بل ويتعداه الى الكثير من المفكرين والباحثين، ممن قدموا أيديولوجيات وفلسفات مطلقة، يرون بأنها صالحة لكل عصر ومصر، بل هناك من المفكرين العرب والمسلمين من يحاول تصدير فكره على انه عابر للقوميات والقارات، لأنه ينطلق من أسس دينية سليمة، وفطرة انسانية عالية، وهو في نفس الوقت يحاول اقصاء الغير وتهميش أفكارهم وتقييد حرياتهم، تحت شعارات دينية أو فكرية أو قومية أو حزبية أو فلسفية ضيقة، مدعية النجاة والسلامة لكل من تمسك بها والسير على خطاها، من خلال أدعّاء الحقانية والانسانية لفكره وهو أبعد ما يكون عن ذلك. وهذه الطريقة في التفكير ليست وليدة الحاضر، بل قديمة، درج عليها الاسلاف من الآباء والأجداد، في تراثنا وتاريخنا العربي والاسلامي، وحتى في المجتمعات الغربية ذات التفكير الأصولي والديني المتطرف، ممن أدّعت الكمال والأطلاق وصلاحيتها الدائمة لكل زمان ومكان، وقد حمل بعض الفلاسفة لواء الدفاع عن العقيدة بأسلحة منطقية وفلسفية للانتصار على الغير ممن لا يدينون بدينهم ولا يعتقدون ويؤمنون بفكرهم، وتلك آفة مني بها التفكير الأيديولوجي الضيق على مر التاريخ البشري.

 

   د. رائد جبار كاظم – أستاذ فلسفة

 

احمد الديباويفهم جماعات الإسلام السياسي للدولة الحديثة؟

"تعلمتُ من تخصّصي في معارف الدين وعلم الكلام والفقه أنّ بنيةَ الدولة الحديثة لا يمكن أن تقوم إلا على مفهوم المواطنة الذي يتساوى فيه الكلّ، والذي يكون نصابُ الحقوق فيه الانتماءَ لوطن واحد"، هكذا يأتي، باختصار غير مُخلٍّ، مفهوم الدولة الحديثة في فكر الكاتب والمفكّر العراقي عبدالجبار الرفاعي، الذي استطاع، بمجهود فردي خالص، إنجاز مشروع علمي وبحثي لا يتوقف عند حدود التأليف والترجمة والندوات، بل إنّه تجاوز ذلك كلّه، فجاء عمله الرائد الذي قام على جهد شخصي كامل، رغم قلة الإمكانيات المادية والبشرية، وهو مشروع مجلة "قضايا إسلامية معاصرة" الفصلية، ومركز دراسات فلسفة الدين، وهو المشروع الذي يُعدُّ منبراً لتحديث المعرفة الدينية، وإعادة قراءة التراث، والانفتاح على العصر.

الدولة الحديثة مفهوم ملتبِس لدى جماعات الإسلام السياسي

يناقش الرفاعي في فصل 2 من طبعة 2 لكتابه "الدين والاغتراب الميتافيزيقي"، بيروت 2019، قضية الدولة الحديثة، والبناء القانوني لها في سياق معطيات الواقع، ونسيجِ شبكات المصالح المعقّد والمتحرّك، في محاولة منه لتفكيك البنى الملتبِسة التي يتمترس خلفها الإسلامويون، من خلال تسويق المصطلحات ذات المعاني المتعددة والمتداخِلة، لذلك فإنّ الرفاعي ينطلق من نقطة تحديد المصطلحات، وتسمية الأشياء بأسمائها؛ وهذه النقطة إحدى المشكلات العميقة في التفكير الديني عند الإسلاميين في العصر الحديث.

إذ إنّ مفهوم الدولة الحديثة ملتبِس لدى جماعات الإسلام السياسي، فجميع المصطلحات التي صكّتها الجماعات الإسلامية، مراوَغةً وهروباً من الاعتراف بالدولة الحديثة، إنما هي مصطلحات "مبهَمَة"، لا تعبّر بشكل صريح عن الدولة الحديثة، مع تطعيم ذلك "بشيء من التوابل الدينية، كانتقاء بعض النصوص والفتاوى الملتَقَطة من المدوّنة الفقهية، وشيء من تمثُّلات السلطة في السياقات الإسلامية" عبر التاريخ.

ومما هو معروف، فقد جاء مصطلح الدولة المدنيّة كأهم المصطلحات التي روّجتها جماعات الإسلام السياسي، بعد أن وجدت تلك الجماعات أنّ مكاسب الدولة الحديثة باتت أمراً لازماً في العالم العربي، وعلى رأسها تداول السلطة، والفصل بين السلطات الثلاث، والتمثيل الشعبي في الانتخابات المختلِفة، بل باتت أمراً لازماً لها كي تنقضّ على السلطة عبر تلك الأدوات والآليّات السياسية الحديثة، فاتخذت من كلمة "المدنية" وعاءً تصبّ فيه تهويماتها السياسية، التي تعتمد على أنّ الدولة، بالأساس، ظاهرة إلهية وَحْيانية، أسّس بناءها النبيُّ، عليه الصلاة والسلام، ومن جاء بعده من الخلفاء الراشدين، ثم من جاء بعدهم من خلفاء بني أمية وبني العباس ومن تلاهم، مروراً بما ذكرته المدوّنات الفقهية عبر التاريخ، وكل أولئك مما لا يتفق مع مفهوم الدولة الحديثة المبنية على القانون والقيم المتناغمة معه، والصرامة العادلة في تطبيقه، وهو ما يشكّل أرضية صلبة لبناء مؤسسات الدولة الحديثة.

618 الدين والاغتراب

ما يعني أنّ نموذج الدولة الذي تنشده جماعات الإسلام السياسي والمستمدّ من بطون التاريخ إنّما هو خرافة ووهم، فليس من المعقول أن تتوقف حركة التاريخ الإنساني، وتطور الوعي عند شكل الحكم الذي استمر لقرون بعد وفاة النبي، عليه الصلاة والسلام، ثم الادعاء بعد ذلك بأنّ تجارب الحكم الإسلامي كانت تنشد الدولة الحديثة، التي يخلطون بينها وبين مصطلح (المدنية) دون أن يدركوا السياق التاريخي الذي وُجد فيه ذلك المصطلح، ومتى وُصفت الدولة به الدولة الحديثة التي تقوم على القانون وكفالة الحريات العامة، وتكافؤ الفرَص، والمساواة التامة بين المواطنين بصرف النظر عن الجنس أو اللون أو المعتقَد أو الطبقة، ما يعني أنّ "المواطن" هو أساس الدولة الحديثة، وليس "المسلم"، فالدولة الحديثة -يقول الرفاعي- لا تُبنى على التراث والهويات العِرقية، وإنّما تُبنى على المواطنة التي يحدد نصابَها الدستورُ، فالإنسانُ الذي هو موضوع دولة المسلمين أمس هو الإنسان بوصفه مسلماً، بالمعنى الكلامي والفقهي، أما الإنسان الذي هو موضوع الدولة الحديثة فهو الإنسان بوصفه مواطناً في الفكر السياسي الحديث، من هنا فإنّ عبدالجبار الرفاعي يلمس جذور المشكلة، فيقرّر أنّ "الدولة ظاهرة بشرية أنتجها الإنسانُ ولا علاقةَ لها بالوحي والأنبياء، وكلُّ ما هو بشري في السياسة والحكم لا علاقةَ له بالوحي، وهو ما لا يريده الكثيرون ممن يتداولون هذه التسميات من كتّاب الأدبيات الدينية السياسية، كما تؤشّر إليه كلماتُهم، وهذه مفارقةٌ يقع فيها بعضُ دعاة الدولة الدينية، ممن يختبئون خلف تسميات تحظى بقبول أكثر المواطنين، بُغية تسويقها، وفي محاولةٍ منهم للفرار من تركة النماذج الأولى للأسماء التي أفشلتها تجاربُ التطبيق اليوم، مضافاً إلى البراءة من تشوّهات أمثلتها في التاريخ".

بناء الدولة الحديثة

وأما عن الدين ومدى ارتباطه بأشكال الدولة، فإنّ الدين وإن يكن عنصراً فاعلاً في تربية الإنسان ونشأته، ومكوناً لذاته، بيْد أنّه يتعذّر بناء دولة حديثة بالدين؛ فالسلطة والدولة والمشروعية في الدولة الحديثة مصدرها الإنسان، أما الدين بمعناه الكلامي والفقهي الذي ينص على التمييز والتقسيم، مثل هذا المفهوم للدين يتعذّر معه اشتقاق المفهوم الحديث للمواطنة، الذي يفرضه بناء "دولة حديثة"، يقول الرفاعي.

ثم هو يؤكد أنّنا نفشل توطين الدولة الحديثة في بلادنا، لعجزنا عن إعادة بناء نظام القيم في ثقافتنا بما يتواءم ونظم الدولة الحديثة، لتسيّد قيم البداوة والقبيلة والتدين الشكلي الذي هو على الضد من الدولة الحديثة.

تجدر الإشارة إلى أنّ الدكتور الرفاعي نبّه إلى أنّ جماعات الإسلام السياسي تؤكد فكرة "مظلوميتها واضطهادها والتعسف في معاملتها من كل الأنظمة السياسية، وتتخذ من ذلك ذريعة لكل أشكال التمييز بين المواطنين، والسطو على المال العام، والانتهاكات الواسعة لحق المواطنة"؛ تمثيلاً لدور الضحية، واختراق الوعي العاطفي الجمعي، ومحاولة اكتساب أرضية داخل البنى الفكرية والثقافية والسياسية التي لا تنتمي إليها، في حين أنّها تلعب بعد ذلك دور الجلّاد إن هي انتقلت إلى موقع السلطة، فهي "تتعاطى مع الوطن بوصفه غنيمةً، تجهز عليها وتفترسها، عندما تمتلك السلطة السياسية".

 

أحمد الديباوي - باحث مصري في الفكر الإسلامي

 

جواد بشارةلقد مضى أكثر من قرن على هيمنة دعامتي الفيزياء المعاصرة، النسبية العامة والميكانيك الكمومي أو الكوانتي على عرش العلم سيما علمي الفلك والفيزياء الفلكية، وعلمي الكونيات الكوسمولوجيا وفيزياء الجسيمات، وتقديمهما لنظريتي البغ بانغ أو الانفجار العظيم، والنموذج المعياري أو القياسي لعالم الجسيمات الأولية وميكانيكا الكموم. وبالرغم من ذلك ظلت هنالك معضلات وألغاز وإشكاليات وتحديات كثيرة تواجه هاتين النظريتين وصار لا بد من اكتشاف نظرية جديدة للخروج من المأزق وتجاوز حالة الانسداد التي وسمت الوسط العلمي الذي بات يكرر نفسه . فخرجت نظرية الأوتار الفائقة والنظرية م M سعياً للوصول إلى نظرية كل شيء. ومن تداعيات هذا التجديد ظهور نظرية تعدد الأكوان والأكوان الموازية. تساءل بعض العلماء، ماذا لو لم يكن كوننا المرئي وحيداً في الوجود وهو ليس سوى واحد من بين عدد لامتناهي من الأكوان المماثلة والمختلفة، المتجاورة والمتداخلة، والموازية ؟ ولكل واحد منها زمكانه الخاص وقوانينه الخاصة وثوابته الخاصة؟. وإن هناك نسخ لا تعد و لا تحصى من كل واحد منا ومن كل أرض كالتي نعيش فوقها ولكل كون ككوننا المرئي يحتوي واقعنا؟ في البداية كانت فكرة شبه جنونية ولكن مع مرور الوقت تجذرت واتخذت عناوين عديدة كالتعدد الكونيmultivers  والميغا –كون  mégavers والكون المتعدد plurivers الأكوان التوائم univers jumeaux و الأكوان الموازية les univers parallèles . بيد أن تلك الفكرة لم تكن جديدة في الحقيقة فمنذ الحقب الزمنية الغارقة في القدم تحدث عنها فلاسفة من أمثال ديموقريطس Démocrite  ولوكريس Lucrrèce، وقالوا بإمكانية وجودها . ولقد عادت الفكرة للظهور في القرن العشرين وبقوة، لتحتل مقدمة المشهد الكوسمولوجي وكانت بالنسبة لمنظري البغ بانغ الانفجار العظيم والميكانيك الكمومي أو الكوانتي، بمثابة الفرضية التي تسمح بحل الكثير من المسائل التي بقيت بدون حلول وبلا أجوبة.

ازداد عدد العلماء أكثر فأكثر ممن يعتقدون اليوم بأنه لا يوجد فقط كون واحد بل عدد كبير من الأكوان، تشكل تنوعاً لامتناهياً من العوالم المختلفة والمجهولة كالمحيط الهائل المليء بعدد من الجزر المتباعدة أو المتجاورة، البعض منها مأهولاً بالسكان والآخر فارغ يفتقد للسكان. أصيب البعض بالذهول من هذه الفرضية التي يستحيل إثباتها بالمشاهدة واختبارها تجريبياً لكن الرهان عليها كبير، ليس فقط للعلم، بل ولنا نحن كذلك بل لكل واحد منا على هذه الأرض. فنحن نعيش ما يشبه الثورة العلمية بالبث المباشر حيث يعرض علينا العلماء كتباً وأـبحاث وأفلام وثائقية ومحاكاة كومبيوترية كأنها الواقع، تقودنا في متاهة التعدد الكوني كأننا في نزهة سياحية وكيف فكر الكتاب والفلاسفة والعلماء والروائيون والمخرجون السينمائيون بالصور المختلفة للحياة في العوالم المتعددة . فما هو مغزى الحياة في تعدد كوني مزود بعدة نسخ من الكائن ؟ إحدى الفرضيات تقول بذلك وبأن هناك نسخ عن كل واحد منا في كل كون لكنهم لا يتشابهون في الملبس والمسلك والتخصص والتفاصيل الحياتية، يبدو المشهد كما لو أن الفيزياء تحولت إلى ميتافيزياء والعلم يلتحق بالخيال والكل يتساءل أين هو موقع ّ الله" من هذا التعدد الكوني، وهل لكل كون إلهه الخاص؟

بين النسبي والمطلق:

بدأ البشر بالتفكير البسيط واعتبروا الأرض هي الأهم وهي مركز العالم، والشمس والقمر والكواكب والنجوم تدور حولها فرد عليهم نيكولاس كوبرنيكوس بأن ذلك ما هو إلا وهم واعتبر الشمس هي المركزية التي تدور حولها باقي الكواكب بما فيها الأرض ولقد اهتزت قناعات البشر عن وجودهم وأهميتهم ونظرتهم لأنفسهم ومكانتهم عند خالقهم. وبعد مرور بضعة عقود محيت هذه الصورة القاصرة المختزلة للواقع وحلت محلها فكرة تقول أن الكون ليس فقط النظام الشمسي ولا المجرة التي تحتويه، بل و لا حتى حشود وعناقيد المجرات المحيطة بمجرتنا، والتي تشكل محتويات ومكونات الكون المرئي، بل هنالك كون متعدد أو بالأحرى عدد لامتناهي من الأكوان. وتصادف أننا نتواجد في أحد هذه الأكوان وهو ليس أكثر من جسيم أولي ميكروسكوبي نسبة للكون المطلق، كما هو حال الجسيم المادي الأولي بالنسبة لكوننا المرئي. وكل كون ممكن الوجود يكون موجداً بالفعل وكل قصة لفرد ممكنة الحدوث تحدث حقاً ولكن ليس في نفس الكون الذي يعيش فيه بل في كون آخر، من هنا يمكن أن نحل معضلة وجودنا وسره ومآله ومصيره فهناك عدد لامتناهي من الانفجارات العظيمة الناجمة عن تصادمات كونية أو تقلبات كمومية أو كوانتية، وكل انفجار عظيم يؤدي إلى نشوء عدد لامتناهي من الأكوان على نحو دائم ومستمر، وكل كون يخلق مجراته ونجومه وكواكبه ومكوناته الأخرى وكائناته الحية الخاصة به ومنها ماهو عاقل وذكي ومتطور جداً كالبشر أو الكائنات الفضائية الأخرى المختلفة عن الهيئة البشرية المالوفة. ولقد قام العالم ليونارد سيسكايند Léonard Susskind، أستاذ الفيزياء في جامعة ستانفورد في كاليفورنيا بصياغة نظرية شاملة تشرح البغ بانغ، الانفجار العظيم، كما لو إنه مجرد عالم مجهري nanomonde وقام نظرياً بعملية جمع بين النسبية والنظرية الكمومية أو الكوانتية ليطرح الخطوط الأولية للنظرية الجامعة أو نظرية كل شيء لتفسير محتويات الوجود بين اللامتناهي في الصغر واللامتناهي في الكبر . فعندما نتجاوز الحد الأقصى من اللامتناهي في الكبر نلج إلى الحد الأدنى من اللامتناهي في الصغر والعكس صحيح، في نوع من التعاقب الدوري . وكان سيسكايند يأمل التوصل إلى الصيغة الرياضياتية التي تشرح وتفسر وتحل كافة القوانين والمعادلات الرياضياتية والثوابت في طبيعة هذا العالم المحدد بكوننا المرئي . وابتداءاً من عام 2005 بدأ سيسكايند يفكر بأنه لا توجد نظرية كل شيء واحدة لأن العالم ليس وحيداً، ونظراً لوجود عدة أكوان تستدعي عدد لامتناهي من النظريات، فلكل كون نظريته الجامعة وهو الأمر الذي أثار تخبط العلماء والباحثين لأنه أقرب للخيال العلمي منه للعلم، ولأن ذلك يذهب عكس ما اعتادوا عليه من العرف المهني والأكاديمي. يرد عليهم أتباع التعدد الكوني بأن هذه الفرضية تعود إلى القرن الأول قبل الميلاد عندما تنبأ لوكريس بأن السماء والمحيطات والنجوم والشمس لها مثيلات منتشرة في كل أرجاء الكون وبأعداد لامتناهية. من هنا فإن فرضية التعدد الكوني يمكن أن تغدو الفكرة السائدة في القرن الواحد والعشرين وليست مجرد ثمرة لمخيلة البعض مآلها الاختفاء والانهيار لاستحالة اختبار صحتها تجريبياً لأننا غير قادرون على رؤية ورصد كوننا على نحو مباشر، بأجهزتنا البدائية القاصرة، فما بالك الأكوان الأخرى بعددها اللامتناهي؟ يلجأ العلماء اليوم إلى لغة الرياضيات كما فعل أسلافهم في بداية العلم المعاصر من كوبرنيكوس وكبلر وغاليليو غاليله الذين وصفوا الطبيعة بلغة الرياضيات قبل اكتشاف الأجهزة الحديثة وتطور التكنولوجيا. كانوا يتبنون فكرة أن الطبيعة تتبع قوانين ثابتة حتى لو كان دور" الله" في خلق القوانين وتكريسها لا اعتراض عليه آنذاك. ولكن يشهد علم الكونيات الكوسمولوجيا حالة من السكون والمراوحة بعد تكريس نظرية الانفجار العظيم والنموذج المعياري لفيزياء الجسيمات رغم أن الانفجار العظيم يجيب على جزء من مشاهدات العلماء والفلكيين ولكن ليس كلها. وكلما تقدمت دقة الحسابات والقياسات التي يقومون بها بفضل التكنولوجيا المتقدمة الحالية، كلما لمسوا نواقص وثغرات وعقبات في النظرية، ولم يتم التوصل إلى تعريف كامل وفهم عميق ومبرهن عليه لمحتويات نظرية الأوتار الفائقة التي ظلت على مدى عقدين المرشح الأوفر حظاً للوصول إلى النظرية الجامعة والموحدة، نظرية كل شيء التي تفسر الكون المرئي من الكوارك إلى تخوم الأفق الكوني وهي نظرية الثقالة الكمومية أو الكوانتية. من هنا يعتقد عدد كبير من العلماء أننا على أعتاب ثورة جديدة في الفيزياء وعلم الكونيات واقتراح نظرية أو نظريات جديدة تطرح المزيد من التنبؤات والتوقعات إلى جانب البساطة والأناقة. كانت نظرية كوبرنيكوس تجديدية في وقتها لكنها اصطدمت بعقبة مناقضتها للنص التوراتي رغم جمالها وأناقتها وحلولها للعديد من المسائل سيما تلك المتعلقة بحركة الكواكب مما قاد إلى نشوء محاكم التفتيش في عام 1616 وحرمت نظام كوبرنيكوس الكوني وتبعها محاكمة غاليليو غاليله سنة 1633 وصارت من المحرمات التي يمنع الاقتراب منها أو مناقشتها أو الاطلاع عليها . بدأت الانعطافة في علم الكونيات الكوسمولوجيا سنة 1920 عندما اقتنع العلماء والفلكيون أن مجرتنا درب التبانة هي كل ماهو موجود في الوجود وهي الكون كله وذلك لعدم تمكنهم من رصد مجرات أخرى آنذاك. ولكن سرعان ما تغيرت المفاهيم وأصبح الكون متحركاً ولامتناهياً في أبعاده وحدوده وحجمه وكتلته، وهو في حالة تطور وتوسع وتمدد بل وتسارع في التوسع، كما شهد مرحلة من التضخم المفاجئ الهائل في جزء من مليار المليار المليار المليار من الثانية. وتراكمت معلومات مذهلة ومشاهدات رصدية جراء تطور التلسكوبات الأرضية والفضائية التي مسحت الكون المرئي ورصدت مليارات المجرات البعيدة جداً. ونجح العلماء بفضل دراسة المستعرات العظمى ونجوم السفييد céphéides في حساب وقياس المسافات بين الكواكب و النجوم والمجرات بدراسة الطيف الضوئي ودرجة النصوع للأجرام السماوية المختلفة وكانت حساباتهم الفلكية تتم بالسنين الضوئية ــ السنة الضوئية هي مايقطعه الضوء بسرعة 300000 كلم في الثانية خلال عام كامل ــ واكتشف الناس المسافات المهولة التي تفصل بين النجوم والمجرات مايعكس ضخامة وحجم الكون المرئي غير القابلة للتصور والإدراك والاستيعاب . عند ذلك اتخذ مفهوم اللانهاية بعداً آخر وأهمية أخرى بالنسبة للعلماء وبالأخص علماء الرياضيات . يتبع

 

د. جواد بشارة

 

فخري مشكورالايمان بالغيب اساسي في الدين، والقران هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب، ومن لا يؤمن بالغيب يخرج بلا شك من جماعة المسلمين الى زمرة الكافرين.

 لان الله وحده مصدر علم الغيب، ولأن النبي هو وحده الذي ينزل عليه الوحي؛ فإن أي غيب لا يأتي  من الله لا قيمة له على الاطلاق (عالم الغيب فلا يُظهر على غيبه احداً إلا من ارتضى من رسول) كما ورد في سورة الجن

أما نحن فتصلنا معلومات الغيب عن طريق الرسول ومَن أخبره الرسول من خلفائه، وهؤلاء يخبرون اصحابهم الثقات بتلك المعلومات الغيبية فينقلونها الينا بطرق قابلة للاثبات العلمي، وإن لم تثبت بالطرق العلمية فهي أهون من عفطة عنز

من هنا نعرف أن كل من يدعي علماً غيبيا لا يستطيع ان يثبت وجوده في القران او يثبت صدوره عن النبي واهل بيته فهو كاذب...ومن هنا تبدأ الخرافة                         

***

ابسط تعريف للخرافة هو: معلومات غريبة، لا يمكن اثباتها بالعقل والمنطق.

في اوساط المتدينين يلجأ الى الخرافة كل من يريد الوصول الى مآربه دون ان تساعده الطرق المنطقية على اقناع الاخرين بما يريد.

المآرب التي يسعى لها الخرافيون تتلخص بالزعامة الدينية في اي درجة من درجاتها، وما تستتبعه من فوائد مادية ومعنوية، اي: مال وجاه وأتباع وحصانة

والمحطة النهائية التي يسعى اليها الخرافي هي: أن يصبح قوله وفعله وتقريره حجة!! اي ان يصل الى حالة التماهي بين قوله وقول الله، فاذا قال شيئا فقد قال الله، واذا اراد شيئا فقد اراده الله، واذا رضي عن احد فقد رضي عنه الله، واذا غضب على احد فقد غضب عليه الله.....واذا اعطيته شيئا فقد وصل الى الله!

ولأن الانسان مفطور على التفكير المنطقي، فلا يجد الخرافيون سبيلا لكسر حاجز العقل الا بمعول الدين، وهنا تأتي اللعبة حين يلبّس الخرافيون اهدافهم بلباس الدين لكي تكتسب قداسةً تقنع الدهماء وتخيف العقلاء فيمررون مآربهم على جسر الدين المزيف.

وعادة ما تكون مصادر معلومات الخرافيين احلاماً رأوها، او اشخاصاً مجهولين، او احاديث ضعيفة لا تصمد امام النقد العلمي حسب موازين علم الحديث، اولقاءً مزعوماً بالمهدي، او كشفاً في لحظة تجلي روحية، او ما شابه ذلك من الوسائل غير المعتمدة لدى العلماء الذين يأخذون من القران الكريم وسنة النبي واهل بيته الذين اذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا.

 

ومن أشهر ادواتهم: الاحالة الى الموسوعات الحديثية التي هي اشبه بالخامات المستخرجة من مناجم الذهب...فيها التبر والتراب

ويتعامل العلماء مع الموسوعات الحديثية وفق موازين علمية معروفة فيقبلون الصحيح منها ويرفضون المختلق، ويتوقفون عن المشكوك لأن الغش في الدين اخطر من الغش في الذهب، فاذا خالط الحق باطل مهما كانت نسبته توقف العلماء عن الاخذ به قبل تنقيته من الغش الذي خالطه.

ومن العوامل المساعدة لقبول الخرافة تمتُّع الخرافيين بوجه مشرب بالحمرة -بسبب النعمة التي يعيشها الخرافي- ويسوّقها للعوام على انها وجه نوراني يشع قدسية وهو بالتالي حريٌّ بالاحاطة بحقائق الغيب التي لا ينالها العلماء بالبحث العلمي، ولا العوام الغارقون بالمعاصي.

وأحياناً يلجأ الخرافيون الى إنشاء مؤسسات دينية خاصة بهم بعيداً عن المؤسسات الدينية التاريخية، وذلك لكي يجعلوا من الكيان الجديد كياناً موازياً للكيان الشرعي الذي  يزحفون نحوه لاحتلاله بالوسائل المعروفة في التقرّب، وبالظروف المعروفة في السكوت، وبمساعدة جهات معروفة بالتخطيط.

يستسلم الدهماء للخرافة لانها تنسجم مع حالة الاسترخاء العقلي التي يجنحون اليها وقد اعتادوا على توكيل غيرهم بمهمة التفكير.

 

ويخاف العقلاء من كشف الخرافة والخرافيين لانهم يعلمون ان اشارة واحدة من الخرافيين الى الدهماء تكفي لاتهامهم بالمروق عن الدين، وبقية القصة معروفة.

يحكى ان أحد مراجع النجف المعروفين عاد من حرم الامام امير المؤمنين الى بيته مروراً بسوق الحويش فتقدم اليه احد السوقة وسأله السؤال التالي:-

مرَّ كافرٌ في شارع فيه مجلس عزاء على مصيبة الزهراء سيدة نساء العالمين عليها السلام فوقف يستمع الى القصة التي لامست وجدانه فانفعل معها وبكى، وسقطت دموعه على ثياب مسلم متجه للصلاة، فهل عليه تطهير ثيابه من دموع الكافر النجسة؟ ام ان الدموع التي نزلت بسبب البكاء على مصيبة الزهراء سلام الله عليها طاهرة؟

اطرق المرجع قليلاً وفكر في الجواب لا لمعرفة الحكم الشرعي، فهو يرى ان الكافر نجس، لكنه كان يفكر كيف يقول للعوام ان هذه الدموع التي نزلت بسبب مصيبة الزهراء نجسة؟ اليس هذا - عند العوام- مسّاً بكرامة الزهراء و حطّاً من مكانتها وهي ام الائمة وابنة رسول الله التي يرضى الله لرضاها ويغضب لغضبها؟

هل يقول له ان دموع الكافر نجسة فيوافق فتواه ويُغضب العوام؟

ام يقول انها طاهرة فيخالف فتواه ويرضي العوام؟

بعد فترة من الصمت وجد الحل...رفع رأسه وقال:

جواب هذه المسألة عند الزهراء سلام الله عليها

***

اكتشاف الخرافة وعزلها عن الغيب الحقيقي بسيط للغاية… كلُّ من يدّعي معلومات غيبية او يدعي صلة بالغيب نوجه له السؤال التالي:

أين أجد ما تقوله في كتاب الله وسنة رسوله؟

فان أرجع المعلومة (او المنزلة التي يدعيها) الى آية محكمة في القران، او الى حديث ثابت عن رسول الله، قبلنا المعلومة منه، والا فهي خرافة.

يبقى سؤال اخر اهم من السؤال السابق:-

من يجرؤ على سؤال : أين أجد ما تقوله في كتاب الله وسنة رسوله؟

***

الذين يمارسون الخرافة طبقات ومراتب و منازل

والذين يشجعون عليها طبقات ومراتب و منازل

والذين يسكتون عنهم طبقات ومراتب و منازل

المرجعية تتحمل المسؤولية الاكبر عن حماية الدين من الخرافة لأن الخرافة -وإن تلبست بلباس الدين وبدت  وكأنها تساعد الناس على الاقتراب من الدين - الا انها في النهاية تقضي على الدين والمتدينين وعلى المرجعية والمقلدين وتخلي الساحة للخرافيين الدجالين.

المرجعية لا تقوم على ارضاء العوام على حساب أصالة الدين لانها تعمل بقوله تعالى:

والله ورسوله أحق أن ترضوه ان كنتم مؤمنين

 

د. فخري مشكور

 

مسألة شائكة تعاصر الماضي ولا تقتصر على غابر زمن، فلا الحاضر انهى ما كان، ولا القادم ينهي ما يكون، تلك المسألة التي يثيرها جدل المساواة بين اطر المشهد الاجتماعي والثقافي والسياسي، حتى بات رعب من المطالبة وتحفظ من الالحاح والترويج، وقد يؤدي هذا الى تفتيت وتشظي في كيانية المجتمع، وكيان عنصر مهم في قيام المجتمع بدءا الى الدولة وصولا، ولا ندري هل هو الكيان الثابت (المجتمع الذكوري) هو من يقيم بالقوة هذا التشظي وكأنه استمرار للقهر بالتهميش، معتمدة ترسانة القوامة رغم وجود متيقضين لذات الكيان الانساني، وكينونة الانسان المرأة ذات وخصوصية؟!، ورغم تزايد المقاربات والدعوات! الا ان هناك بؤر تكمن وراء العنت الصريح والعنف المفتوح، ما يخلق فوضى وهوس في بصيرة العقل والوعي بلا بصيرة، وبالمقابل هناك مجانبة للصواب في ان (اكون واكون) بعيدا عن تسعير توترات باي شكل وصنف، فالمجتمع تنوع ولا بد من الاستيقاظ على الخصوصية في التنوع، بعيدا عن عقلية استبدادية تسود هنا او هناك، بضعف او جبروت وحسب، وما الا الامر دعوة لمحو غطرسة تمحو الخصوصية الجندرية المجتمعية، وتهمش كينونتها وبمتابعة واقعية بسيطة يرى ان التمكين والنجاح ليس حصرا على جندر دون الاخر، لانه يعتمد امتلاك القدرة على الاداء والعطاء، خاصة ان شهور الانتماء هو الواعز، وثقافة المواطنة هي الاتساع لانصهار الذات في عمق المجموع، حتى تتحسس الاهمية من غاية العمل وبصرف النظر عمن أتت وممن كمصدر، بل وان التكريم والتحفيز يتوجب ان يكون دارج التعاملات، كأمتنان والتفاتة لابداع، يغفل عنه لسببين والف سبب، واي من هذا يجدي، مهما هي الفروقات جوهرية او اساسية، ودون الانغلاق على فئة ودون شمولية، لان الانغلاق يتحكم في مسيرة ومصير، بعيدا عن الديمقراطية الشمولية، والانفتاح على الطاقات للمساهمة في البناء، دون محاربة مبدأ ومشروع المشاركة، وهكذا يتحقق الاحتضان والحث على تغيير وتجديد عبر اقنية مشروعة لمؤسسية تزيد من المشاركة في مؤسسية تزيد من الحضور في الشأن العام بصرف النظر عن ايدولوجية او عقيدة قائمة او مستهلكة تفكك التواصل وتفصل بين المكونات المجتمعية وتحارب الاندماج، وقد يؤول اي تعامل سلبي الى تضخيم القمع، وما الامر الا حركة مطالبة بالعدالة والانصاف على اسس مدنية تتعامل مع مكونات المجتمع، على اسس الانسانية الجامعة والمواطنة بصرف النظر عن غيرها، وهنا يمكن القول ان العدالة روح وجوهر الاسلام بمفاهيمه المتعددة ونظمه التشريعية في حقول الحياة ومجالاتها دون اتباع هوى كيلا يسبل الى ظلم او يجر الى طريق انحراف وعلـ ى ما ينسجم ويتناغم مع المنطلقات النظرية للعدالة وما يؤمن به الانسان، ان تكافؤ الفرص ومقتضيات العدالة تدعو الى ترسيخ القاعدة الاجتماعية كظرورة من ظرورات الاستقرار ومقتضياته فالفضاءات ليس ملكا لفكر او فيئة شريحة بل هي استيعاب لكل التنوعات بتعبيراتها المكونة للمجتمع واي محاولة لاحتكار اي فضاء باي مستوى لصالح فئة " جندرية " دون اخرى، كما محاولة ساهمة في اذكاء التوترات التي لا تنسجم مع مقتضيات العدالة والانصاف والا لن تتشكل مؤسسات ومنابر على نحو حقيقي ودون مشاركة كل الاطراف لتتحقق ضرورات المواطنة والمواطنة المتساوية وفضاءها المفتوح لكل تنوع لتثري في التنمية بعيدا عن العقلية الاحادية والاحتكارية، وليس من صالح في ذلك لا في فكر ولا في جزئية من وطن ان لم كل الوطن، ان فتح المجال باستيعاب طاقات وامكانيات المرأة دون محابياة او تمييز ينولد عنه نتاج ثقافي ابداعي وفكري، يقوم به ابناء الوطن بصرف النظر عن اي دور سيأخذه او يشكله، لانه انفتاح لامكانات مشاركة وتعزيز خدمة وتمتين جبهة داخلية، باتاحة فرص حقيقة للمرأة بشكل نوعي في مشاريع التنمية والشؤون العامة وادارتها في المجتمع والدولة، والا لن يتحقق مفهوم تكافؤ الفرص في الواقع الوطني وانجاز عدالة اجتماعية ثقافية سياسية بمساهمة نسائية ومشاركة، وهكذا يغادر العنت والتمييز مجتمع او اخر بأرساء معالم حقوق الانسان اجتماعيا ووطنيا من قيام الحقوق هذه، والتي تتراجع عنها عوامل التعنيف التي هي سبب تفاقم ازمات وحدة توترات، حيث ان اتباع معالجة مجتمعية مركبة قوامها صيانة حقوق الانسان بتعميم ثقافة المشاركة والتمكين والحوار، تفضي الى مشروع يتجاوز المآزق ويجيب التحديات من بناء حياة سندها مشروع يجري بقيم العدالة ومفهوم مبدأ الحقوق، وما يحتضنه من قيم ومتطلبات تصان بها كرامة الانسان ودون الانتقال بين التناقض والحاجات الطبيعية، لتقر بذلك الحقوق الذاتية والعدالة الواقعية بعيدا عن الفرضيات مع تبلور الحاجات في الاوساط العامة، ان التحول الديمقراطي في المجتمعات تكنفه العديد من التحديات وكثير من الهواجس والعدالة الانسانية الاجتماعية، وهو الخيار الاقل خسارة وتداعي،، لان العنت والتزمت بالتهميش والابعاد لن ينهي ازمة مطالبة ولن يعالج تحديات بل ان الاشراك هو الذي يعزز قيام المساواة، لانه معالجة حضارية تتجاوز الازمة او تفاقمها، فلا بد من معالجة للمحن والتحديات تزال بها كل الاسباب ان لم اغلبها، والعوامل المفضية لتلك المحن، وبافضل خيار، الا وهو المعالجة المتحضرة او الحضارية القائمة على المساواة واساس حقوق الانسان وبعدالة، بكل مخزونها الرمزي والمعرفي، ومضمونها الاجتماعي، تجاوزا للغلو في التمييز والعنت ضد الجندر والمرأة، وما هو الا خطاب اخلاقي يعالج المشاكل مع ثمة ضرورة لاسناد الاخلاقيات تلك بسن منظومة متكاملة شمولية تجرم من يسيء الى قناعات واعتقادات في حقوق وعدالة وانصاف، او من يتبنى ايدولوجية فكرية، وعليه لابد من ضبط نزعات وغلو تسيء لكيان الانسان والمتمثل في كينونة المرأة، وجماع القول بعد هذا التبسيط والتقديم، ان يعمل على وعي فكري يعالج توترات ويصون الجندر ويحمي مكاسب من تسريع تضامن وضبط تنظيم التباين بين السواد الجندري والشراكة الانسانية والتنمية الوطنية، هكذا يتحقق الوصول الى دولة الانسان، دولة اللامستحيل التي تصون الحقوق وتحفظ نواميسها بقليل من الجهد وكثير من الانجاز، وهناك مجتمعات تمكنت بطاقاتها وطموحاتها  " الحضارية " ان تحقق الكثير واستحقت ان تكون راقية مرتقية بشعوبها، دول وشعوب قمعت وكبحت التضارب في اعتماد مشاركة ومساهمة المرأة وعلى اسس القانون وحقوق الانسان، فبنيت بلادها على ذلك دون ازمات او ضغوط، ودون ان يتأثر مصيرها ومستقبلها، لانها بكل بساطة احترمت حقوق الانسان ولم تتجاوز قانون، ولم تتفه الاسباب الداعية لتغيير وتحول، فنجحت في مشرعات التنمية وانهزمت التحديات امامها، فالعلاقة بين الاخفاق والهزيمة لا سبيل امامها مع دولة تبني انسانها دولة الانسان ونواميس حقوق، فامتلكت بذلك قدرات وامكانات قدرتها بتلاحم المشاركة النسائية وتفاني المناصرين والمتوجهين نحو ارساء مضامين دولة الانسان ايا هو، بلا جندرية ولا سيادة ذكورية ...، وكفى

 

مكارم المختار