عامر صالحأحتفل العالم في يوم 8 سبتمبر، باليوم العالمى لمحو الأمية، وهو اليوم الذى حددته منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة "اليونسكو"، للاحتفال به سنويا للتوعية بأهمية محو الأميّة كمسألة تتعلق بالكرامة الإنسانيّة، واحترام حقوق الإنسان، والوصول إلى مجتمعات أكثر إلماماً بمهارات القراءة والكتابة. وقالت الأمم المتحدة، أن هذا اليوم يُعد فرصة للحكومات ومنظمات المجتمع المدنى وأصحاب المصلحة لإبراز التحسينات التى طرأت على معدلات الإلمام بالقراءة والكتابة، وللتفكير فى بقية تحديات محو الأمية الماثلة أمام العالم. وأشارت إلى أن قضية محو الأمية، هى عنصر جوهرى فى أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة وجدول أعمال الأمم المتحدة 2030 للتنمية المستدامة، وتعزز أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة التى اعتمدتها المنظمة فى سبتمبر 2015، بهدف الحصول على التعليم الجيد وفرص التعلم فى أى المراحل العمرية، كما أن غاية من غايات الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة هى ضمان تعلم الشباب المهارات اللازمة فى القراءة والكتابة والحساب، وإتاحة فرصة اكتسابها أمام البالغين ممن يفتقدون إليها. 

وأعلنت اليونسكو عبر موقعها، أن احتفال هذا العام أن سيقام فى العاصمة الفرنسية "باريس"، تحت شعار "محو الأمية وتعدد اللغات"، ليكون فرصة للتعبير عن التضامن مع احتفالات 2019 بوصفها السنة الدولية للغات الشعوب الأصلية والذكرى السنوية الخامسة والعشرين للمؤتمر العالمى بشأن تعليم ذوى الاحتياجات الخاصة، الذى أُعتمد فيه بينان سالاانكا بشأن التعليم الشامل. ويركز اليوم العالمى لمحو الأمية لعام 2019 على مسألة "محو الأمية وتعدد اللغات"، فعلى الرغم من التقدم المحرز، إلا أنه توجد تحديات ماثلة للعيان فى ما يتصل بمحو الأمية وتفاوتها بين البلدان وسكانها. ويُعد تبنى التعدد اللغوى فى تطوير التعليم ومحو الأمية مسألة أساسية فى مواجهة تحديات محو الأمية وتحقيق أهداف السنة المستدامة. 

 في العراق فأن مشكلة الأمية تتصل بعدم كفاية التعليم وعجزه عن استيعاب الأعداد الهائلة من التلاميذ من هم في سن التعليم الإلزامي، الى جانب عدم الاستقرار السياسي،  رغم أن جهود العراق لحقبة من الزمن قطفت ثمارها فقد حاز العراق عام 1979 على جائزة منظمة اليونسكو في القضاء على الأمية والذي جرى ضمن حملة وطنية شاملة من عمر15-45 سنه، ولكن استمر التعليم بالمعاناة بسبب ما تعرض له العراق من حروب وحصار جائر، وكان أيضا من أسبابها تسييس العملية التربوية من ناحية المناهج والكوادر أو الإفراد وبعد عام 1991 كان المستوى التعليمي في تراجع، مما أدى إلى ارتفاع نسبة الأمية بين أفراد الشعب العراقي،  رغم أن بداية هذا التراجع كانت في عام 1984  بعد أربع سنوات من بداية الحرب بين العراق وإيران، ففي عام 1997 عاد العراق ليسجل نسب مرتفعة في عدد ألاميين حيث وصلت النسبة بين البالغين إلى 42% ونسبة الأطفال الذين لا يصلون إلى الصف الخامس الابتدائي 28%  بذلك أصبحت ظاهرة خطيرة تهدد كيان المجتمع العراقي. وعقبة كبيرة من العقبات التي ستحول دون إمكانيَّة خروج البلد مما هو فيه وإعادة اعماره؛ نتيجة لما أحدثه الحروب إضافة إلى الأوضاع الأمنية المتدهورة وتهجير ملايين العراقيين مما أدى إلى ارتفاع نسبة الأمية بين أفراد الشعب العراقي، إذ تشير الإحصائيات في 2003 إلى إن نسبة الأمية قد ارتفعت ولاسيما بين الأعمار(15-25) بحدود 65% وقد قامت وزارة التربية بإعداد الخطط الشاملة لمواجهة الأمية في العراق، بعد إصدار قانون محو الأمية رقم 23 لسنة 2011 وبموجبه تأسست الهيأة العليا لمحو الأمية ، والجهاز التنفيذي، وأقسام محو الأمية في المديريات العامة للتربية، ومجالس محو الأمية في المحافظات، وكان يفترض ان تبدأ الحملة الوطنية لمحو الأمية كما كان مقررا رسميا بكل المحافظات وبتاريخ 2012ـ09ـ11 . 

ولكن سنوات ما بعد احتلال أمريكا للعراق (2003 ـ 2018 ) هي سنوات أقتتال داخلي وعدم استقرار سياسي وغياب منظومة حكم قائم على اساس المصالح الوطنية وسنوات انتعاش للأرهاب وخاصة الداعشي منه حيث احتلاله لأكثر من 30بالمائة من الاراضي العراقية في عام 2014 الى جانب الصراعات الأثنوطائفية سياسية بين الاحزاب التي تدير دفة الحكم، الى جانب ما استشرى في البلاد من فساد اداري ومالي وسرقة للمال العام استنزفت موارد البلاد ومنعته من أي نهضة اقتصادية واحتماعية، ويصل اهدار المال العام حسب بعض التقديرات منذ 2004 الى اليوم ما يقارب الألف مليارد دولار، مما ادى كل ذلك الى تدمير البنية التحتية المجتمعية والاقتصادية والى فساد شرس في كل قطاعات الدولة ولا يوجد في الأفق ما يشير الى وضع حد له او معالجته، وما جاء بعد الخلاص من داعش الارهابي من نتائج ديمغرافية تمثلت في النزوح السكاني لملايين من السكان بسبب العمليات الحربية ضد داعش، وينتظر سكان هذه المناطق عودة آمنة الى اراضيهم، الى جانب الخراب شبه الكامل للكثير من مناطق الصراع مع داعش، كل هذا وجد انعكاساته الخطيره على قطاع التربية والتعليم وعلى العملية التربوية والتعليمية على نطاق المجتمع كله، ناهيك عن الخراب في البنية التحتية والمؤسساتية لقطاع التربية والتعليم الى جانب عشعشة الفساد الاداري والمالي فيه.  

ففي الوقت الذي تسلم فيه العراق عام 1979، 5 جوائز من منظمة الأمم المتحدة، للتربية والعلم والثقافة، اليونسكو، بعد أن استطاع خفض نسبة الأمية دون 10%. أما اليوم، فآخر إحصائية نشرتها وزارة التخطيط، الجهاز المركزي للإحصاء، بيّنت أن نسبة الأمية بين الشباب للفئة العمرية بين 15 و 29 سنة خلال عام 2017 بلغت 8.3%، كانت حصة الذكور منها 6.5% فيما شكلت حصة الإناث منها 10.2%، ولفتت الإحصائية الى أن نسبة 32.5% من الشباب من الفئة العمرية 15 إلى 29 سنة ملتحقون بالتعليم حالياً، وشكلت نسبة الالتحاق من الذكور 35.9%، مقابل 28.8% من الإناث. من جانبها حذرت المفوضية العليا لحقوق الإنسان من اتساع الأمية بين الشباب، وسط تحذيرات من اتساع ظاهرة الأمية عموما.ًوأكدت المفوضية، أن الأمية تركزت في مناطق النزوح والمحافظات المحررة حديثًاً من داعش الإرهابي، حيث تشهد تلك المناطق تسرب الطلاب من المدارس بشكل ملحوظ للعمل وتوفير لقمة العيش. ووفقا لدراسة سابقة اجرتها وزارة الشباب والرياضة اكدت ان هناك 9 ملايين شاب في الاعمار مابين 15 و 29 عاما، ثلاثة ملايين منهم لايعرفون القراءة والكتابة. رغم ان الهيئة العليا للجهاز التنفيذي لمحو الأمية تؤكد انه ومنذ عام 2012 تم تخريج دفعات من الدارسين في مراكز محو الامية تجاوز عددهم 1.5 مليون. واذا اردنا ان نضيف اعداد المتسربين من مختلف المراحل الدراسية والتاركين للدراسة الابتدائية قبل اكمالها وكذلك من لم يصلهم المسح والاحصاء، فأن النسب تبدو كارثية. وهناك احصائيات تؤكد ان نسبة الأمية في العراق على عموم السكان قد تصل الى ربع السكان.

ولعل أبرز المهمات الملحة والتي لا تقبل التأجيل والتي تسهم في مكافحة الأمية هي:

ـ محاربة الفساد في المنظومة التربوية والتعليمية أسوة بمحاربته في كل القطاعات الاجتماعية والحكومية، فمحاربة الفساد هو من يعطي بارقة أمل مفادها ان كل ما ينفق على التعليم والتربية ممكن التأكد منه ومن مخرجاته.

ـ وضع ملامح سياسية تربوية وتعليمية واضحة تستند الى معطيات الفلسفة الانسانية التي تؤكد ان الدارس هو محور العملية التربوية، ومن أجله تصاغ المناهج الدراسية المتطورة بعيدا عن عناصر التربية الطائفية والاثنية الشوفينية الكريهة.

ـ التوعية الشاملة بفوائد برامج محو الامية على المستوى الفردي والمجتمعي.

ـ وضع منهاج شامل لمحو الامية بحيث يكون مناسبا للفئات المستهدفة من المستفيدين ومرتبطا بنطام التعليم الرسمي. 

ـ توفير التمويل الكافي لوضع برامج محو الامية.

ـ التنسيق بين كافة الاطراف الرسمية وغير الرسمية من الحكومة والمجتمع المدني والقطاع الخاص والحكومي.

ـ وضع هيكلية واضحة على المستوى الاتحادي والمحافظات والمجتمع المحلي لوضع المبادرات الملموسة لمحو الأمية.

ـ تفعيل ستراتيجية وطنية شاملة وقانون يحكم مسألة محو الأمية ويوفر القدرة المؤسسية في جمع البيانات الدقيقة لرسم استرايجيات وخطط شاملة. 

ـ دراسة احتياجات الدارسين لوضع برامج مناسبة ومبتكرة تستجيب لعموم حاجات المتعلمين.

ـ التدريب المستمر على افضل المبتكرات ووسائل التعليم الحديثة لمحو الأمية.

ـ ابعاد مراكز محو الأمية عن النشاطات الحزبية والطائفية ومنع تحويل مراكز محو الامية الى مراكز دعاية لتلك الاحزاب.

ـ الاستفادة الحية من تجارب الشعوب المختلفة في محو الأمية.

بالتأكيد ان افضل الامنيات والمقترحات لمحو الامية في العراق تبقى حبر على ورق مالم تعالج جذور الازمة السياسية التي عصفت في البلاد منذ عقد ونصف من الزمن والتي افرزت مختلف الظواهر المرضية، والتي تشكل الأمية احداها. أن البحث عن فلسفة واضحة للتربية والتعليم في العراق يكمن في وضوح هوية النظام السياسي القائم واهدافه في بناء الانسان العراقي والتي يترجمها بمفردات السياسة التعليمية، فعسى ان يكون اليوم العالمي لمحو الأمية حافزا لكل من له ضمير صادق ومخلص للعراق.

 

د. عامر صالح  

 

زهير الخويلدي"ليس المهم أن نرى بل الأهم أن نبصر فيما نراه" -  مارتن هيدجر

إذا اعتمدنا على الرأي السائد والحس المشترك وما يتم تداوله في الحياة اليومية من عبارات وما تتفوه به الألسن من كلمات فإننا نقع في الخلط بين مفردات بمنزلة النظرة والرؤية والإبصار والمشاهدة والفرجة.

غير أن الفلسفة قد ميزت بين مفاهيم النظرة والرؤية وبين المشاهدة والإبصار وبين الفرجة والتحديق، فالنظرة هي حركة الأعين واتجاهها نحو موضوع خارجي أو نحو ذاتها. بيد أن النظرة في معناها الفلسفي هي القدرة الذهنية التي يمتلكها الفرد للتعامل مع الوضعية التي يوجد فيها بحيث تتحول لدعامة مهمة في عملية التواصل بين الأفراد وأداة للاتصال والإعلام بين الحيوانات التي تحوز على أعين أو أجهزة للنظر.

زد على ذلك تم إضافة دلالة نفسية للنظرة تخص العالم غير السوي الذي يعيشه الإنسان ودلالة اجتماعية تتعلق بالفوارق بين الأنواع والأجناس وبين المجموعات على أساس العرق والدين واللون والجنس واللغة.

بهذا المعنى تتغير نظرة الإنسان إلى نفسه والى غيره حسب تغير هذه المعطيات وتتأثر بنظرة الآخرين له وتختلف أحوالها باختلاف هيئاتها وعناصرها المكونة والشروط اللازمة لتحققها في الأفراد والمجموعات.

هكذا تتحول النظرة إلى مصدر للمعلومة ووسيلة للمعرفة من ناحية وعنصر للتواصل غير الشفوي من ناحية أخرى وأيضا عملية تشخصية ضمن الحقل العيادي تتفحص الأمراض وتستشرف المعالجة والشفاء.

أما التحليل الفنومينولوجي فقد جعلها ضمن الحقل الإدراكي واعتبرها صخرة تتحطم عندها نرجسية الذات وسبب ردها إلى مرتبة الموضوع وأفرغها من تحاملها وافترض تخلصها من حكم الآخرين لتدرك العالم[1].

على هذا النحو تتحرك النظرة ضمن مجال الرغبة والفضاء الصوتي وتشتغل على الصور التي تمنحها الذاكرة وتذهب أبعد من ذلك إلى المخيال الاجتماعي ونحو الرمزية الثقافية وتتكثف ضمن قصدية بيذاتية.

لقد سبق للثعالبي في "فقه اللغة وسر العربية" أن توقف عند كيفية النظر وهيئاته في اختلاف أحواله ووضع عدة تعريفات مثل الرمق واللحظ واللمح والتبصر والحدج والشفن والرشق والشزر والتعلق والتوضح والتثبت والاستشراف والاستشفاف واللوح والنفض والتصفح والتحديق والتشخيص والتحدج وصرح ما يلي: "اذا نظر الانسان الى الشيء بمجامع عينه قيل: رمقه. فإن نظر اليه من جانب أذنه قيل: لحظه. فإن نظر اليه بعجلة قيل: لمحه. فإن رماه ببصره مع حدة نظر قيل: حدجه...فإن نظر اليه بشدة وحدة قيل: أرشقه وأسف النظر إليه...فإن نظر إليه نظر المتعجب منه والكاره له والمبغض إياه قيل: شفنه... فإن نظر الى جميع ما في المكان حتى يعرفه قيل: نفضه نفضا. فإن نظر في كتاب أو حساب ليهذبه أو ليستكشف صحته أو سقمه قيل: تصفحه. فإن فتح جميع عينيه لشدة النظر قيل: حدق"2[2]. لكن كيف يمكن التمييز بين نظرة سطحية ونظرة عميقة؟ ومتى نتخلى عن النظرة القصيرة ونستطيع تجربة النظرة طويلة المدى؟ وألا يجدر بنا أن نكف عن النظرة المتحاملة المتسرعة وندرك من خلال النظرة المنصفة؟ ولماذا لا ندعم نظرتنا الحسية برؤيتنا الوجودية للعالم وتبصرنا المعرفي بالحق؟

 

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

...........................

المراجع:

جان بول سارتر، الوجود والعدم، بحث في الأنطولوجيا الظاهراتية، ترجمة عبد الرحمان بدوي، دار الآداب، بيروت، طبعة أولى، 1966.

2- أبو منصور الثعالبي، فقه اللغة وسر العربية، تحقيق أحمد شوقي أبو خليل، المكتبة التوفيقية، القاهرة 2012، صفحات 124-125-126

 

 

علي رسول الربيعيتناول كانط في كتابه "السلام الدائم" في عام 1796، فكرة كيف يمكن للدول أن تعمل معًا. رأى أن فكرة وجود دولة عالمية واحدة لن تنجح، لأسباب ليس أقلها الانقسامات الطبيعية بين الأشخاص الذين سيتألفون منها، وعدم وجود أي هيئة خارجية يمكن اللجوء اليها في حالة تحول هذه الدولة العالمية إلى طاغية. دافع،بدلاً من ذلك، عن اتحاد دول، مرتبطة باتفاقيات لحل أي خلافات أو نزاعات عن طريق التفاوض بدلاً من الحرب.

ورأى أن تكون جميع الدول التي تنظم إلى مثل هذه الهيئة جمهورية، وتُلغى أن الجيوش، بحيث يكون من المستحيل على دولة أن تهاجم دولة أخرى. إنه، في الواقع، أراد اتفاقًا لا ينبغي أن تكون فيه أي دولة قادرة على الستيلاء على دولة أخرى، أو التدخل في شؤونها الداخلية.

ظن كانط أن الجمهورية سوف تكون هي الشكل الصحيح للحكومة إذا أراد المرء تحقيق سلام دائم، على أساس أن الجمهورية يحكمها الشعب، وسيكون لديهم الكثير من مايخسرونه في حالة اندلاع الحرب. لذلك، من المرجح أن تكون الجمهورية اقل أحتمالا على أن توافق على خوض، مقارنةً بالملكية،التي يمكن أن تنظر للحرب طبقاً لمصلحة الملك التي تتجاوز مصلحة الشعب.

رأى كانط أن لدى الناس العاديين الكثير من المكاسب التي يحصلون عليها من السلام الدائم، وبالتالي لديهم مصلحة حقيقية في الوضع السلمي الدولي، ولكن هذا لا يعني أنهم يمكن أن ينسوا التزامهم أزاء أمتهم. رأى، في الواقع، كانط أنه لا يمكن أن يكون هناك مبرر للإطاحة بالدولة، وأنه ينبغي القضاء على أولئك الذين حاولوا القيام بذلك باعتبارهم من الخارجين عن القانون.

لقد أدرك أن تحالف الدول لن يكون سهلاً، لكنه اعتقد أن التجارة الدولية سوف تساعدعلى أن يصبح احتمالًا أكثر واقعية. بمعنى آخر، كلما زادت الأسباب التي تربط بين الدول تبعا لمصالحهم المتبادلة،سيكون من المرجح أنهم يسيرون بأتجاه إقامة تحالف للأمن المتبادل.

هناك طريقتان لاحتمال السلام الدولي بالطريقة التي يطمح لها كانط:

- ينبغي أن يكون هناك منظمة عالمية شاملة لها سلطة على الدول القومية الفردية التي تتكون منها هذه المنظمة. وهذا هو النهج "العالمي".

- صياغة مجموعات من القواعد التي تحكم العلاقة بين الدول القومية. بمعنى آخر، تظل السلطة السياسية الرئيسية في حوزة الولايات، لكن تتفق الولايات (على أساس المصلحة الذاتية المستنيرة) على التعامل مع بعضها البعض بطريقة عادلة.

سوف تظهر مشكلات من بينها أولاً: أن المجموعة الواسعة من الأشخاص الذين ينتمون إلى مثل هذه المنظمة سوف يعرضون هذه الخصائص ويكشفون عن طموحاتهم الخاصة والمختلفة بحيث يكون من الصعب للغاية الاتفاق على أي شيء - فالمصالح المحلية ستهدد استقرارها باستمرار. وثانيا: أنه لا يمكن بسهولة أن تصبح محصنة ضد ميل الدول الأكثر قوة إلى الانسحاب من التزاماتها عندما يناسبها ومحاولة فرض إرادتها على الدول الأخرى.

يعيش 60 في المائة من سكان العالم في دول ديمقراطية اسمية على الأقل. يتم التصويت للسياسيين من قبل الناخبين في بلدهم، وعندما يتعلق الأمر بالأزمة، سيعملون بالتالي على مصلحتهم الذاتية الخاصة بأمتهم، حيث تتزامن هذه المصلحة الذاتية مع مصلحة المجتمع الدولي؛ في حالة تعارضها، تنشأ توترات، وسيكون من المغري لأيً سياسي منتخب هو الذهاب للوقوف مع المصلحة الوطنية وليس المصلحة الدولية. ولكن في بيئة دولية، تتطلب العمل الفعال والسريع أن يكون هناك قوى تم تأسيسها بالفعل والاتفاق عليها. المناقشات والقرارات طويلة الأجل غير فعالة في التعامل مع الأزمات العاجلة. وبالتالي، فإن المعضلة الأساسية التي تكمن في صميم جميع الهيئات الدولية هي الصراع بين الحاجة إلى عمل سريع وفعال، وعملية إضفاء الشرعية عن طريق الموافقة. كلاهما ضروري، لكن كل منهما يقيد الآخر.

دول ذات سيادة

متى، من أي وقت مضى، هل من الصواب أن تتدخل دولة ذات سيادة في سياسة دولة أخرى؟

النظرية هي أن الدول القومية لها سيادة. إنهم يسيطرون على مصيرهم، والمطلب الأساسي للدولة هو أنها تحافظ على الأمن الداخلي والخارجي. له حدود ثابتة ويمكنه وضع قواعد حول من يدخل ويترك ويصلح الضرائب والقوانين الخاصة به.

لكن الدول تتدخل دائمًا مع بعضها البعض، سواء من خلال عصا الحرب أو العقوبات الاقتصادية أو جزرة التجارة التفضيلية أو توريد الأسلحة أو توفير الأفراد لتدريب الجيش أو تقديم المشورة بشأن التنمية وما إلى ذلك.

بشكل عام، لا تطالب الدول بسيادتها إلا عندما يهددها نفوذ غير مرحب به. وهكذا، على سبيل المثال، مع إدراك أن تركيا ليست لديها نية لانتهاك العراق نفسه، ولكن فقط لملاحقة مقاتلي حزب العمال الكردستاني الأكراد الذين شنوا هجمات. حدودها، ما زال العراق يعتبر أن أي محاولة لعبور الحدود من قبل القوات التركية ستشكل انتهاكًا لسيادته.

يلزم النظر في أمرين فيما يتعلق بانتهاك سيادة الدولة:

- على أي أساس يمكن تبريره؟

- على أي سلطة ينبغي تنفيذها؟

قد يكون أول هذه الأسباب هي ما يدعى بالحرب العادل، خاصة في حالة الدفاع عن النفس إذا ما هددت  الدولة. ولكن هل يحق للدولة أن تكون الدولة استباقية في توقع التهديد ومواجهته، أم ما إذا كان ينبغي لها الرد فقط بمجرد أن يصبح التهديد حقيقة.

إذا كانت إحدى الدول تهدد دولة أخرى بشكل مباشر، فقد تبدو القضية واضحة. لكن هل من المبرر غزو دولة ذات سيادة لأغراض الدفاع عن سكانها ضد تصرفات حكومة تلك الدولة؟ وكيف يمكنك أن تقرر، من بين جميع الدول التي تعامل شعبها بوحشية، والتي تستحق الغزو من أجل تجنيب معاناة شعبها؟ والثاني من هذين السؤالين الأساسيين يمس مسألة سلطة المنظمات الدولية. هل الأمم المتحدة هي الهيئة المناسبة الوحيدة لفرض عقوبات على دولة ذات سيادة، أم أنها مناسبة كذلك لاتخاذ هذا الإجراء من جانب دولة واحدة أو أكثر تعمل وفقًا لسلطتها الخاصة؟

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

 

جواد بشارةمنذ الثورة العلمية التي بدأت في القرن السابع عشر وإلى اليوم، كانت النظريات الفيزيائية العلمية تهتم بأجزاء محددة من الكون كالأرض أو الشمس أو المنظومة الشمسية أو مجرة أو بضعة مجرات أو خلية بشرية أو دماغ الإنسان أو إشعاع ما أو جسم فضائي ما الخ.. ولكن عندما نصف "جزء من الكون" فإننا نترك خارج" النظام المدروس" أجهزة قياساتنا بل وأنفسنا نحن، ونضع جانباً دورنا كجهة اختيار وتحضير للنظام الذي نقوم بدراسته، كما نضع جانباً المرجعيات التي استخدمت لتكشف لنا أين ومتى وجد هذا النظام وما يطرأ عليه من تغيرات، خاصة عامل الزمن. فتوسيع رقعة الفيزياء لتشمل علم الكونيات ترتب عليها تحديات كثيرة تتطلب تفكيراً جديداً ومقاربات جديدة. والحال أنه لا يمكن لنظرية كونية علمية حقيقية أن تركن جانباً أي شيء، ولكي تكون كاملة وشاملة، عليها أن تأخذ كل شيء بالاعتبار والحسبان في هذا الكون المدروس باعتباره " نظام"، بما فيه نحن الدارسون باعتبارنا مراقبون، وأجهزتنا وأدواتنا الحسابية والرصدية كذلك . فمن المستحيل الخروج " من النظام" الذي ندرسه خصوصاً عندما يكون ذلك النظام هو الكون برمته. وكل نظرية كونية يعتد بها وتستحق هذه التسمية عليها أن تكون قابلة للفحص والتحقيق وتأكيد صحة المشاهدات والتوقعات والتنبؤات من خلال التجارب العلمية والمختبرية المتكررة، لذا من المستحيل أن نقوم بذلك ونطبقه على الكون المرئي كله، لذلك نكتفي بالجزيئات والعينات الكونية. وبرغم هذا التحدي يعمل العلماء على إيجاد علم كونيات يستند على الفيزياء المعاصرة ويتعاطى مع النظريات السائدة التي أثبتت جدارتها كالنسبية العامة وميكانيك الكموم أو الكوانتوم والنظرية المعيارية للجسيمات الأولية، والتي بنيت على دراسة وملاحظة عينات وأجزاء مقتطعة من الكون ومن ثم تعميمها على الكون المرئي برمته. البعض من العلماء، في تعاطيه مع حياة وتطور الكون المرئي، اقترحوا مقاربات وآليات تحدثت عن " تطور قوانين الكون الجوهرية"، على غرار قوانين التطور البيولوجي وتخيلوا أن للكون المرئي جينات وراثية على غرار الكائنات الحية وإنه يقوم بإنتاج أكوان وليدة " بيبي – كون، وأجيال متعاقبة من الأكوان المتعددة، تتغير وتتطور فيها القوانين من جيل كوني إلى آخر مثلما تحدثت في ذلك نظرية الأوتار الفائقة. فكل كون يختار القوانين التي تناسبه وتلائمه والتي عليه الخضوع لمقتضياتها وشروطها شريطة أن يكون الزمن المرتبط بها واقعياً وحقيقياً وليس افتراضياً أو ظرفياً، وأن تكون القوانين تطورية .

بعبارة أخرى ينبغي ألا تفرض القوانين على الكون من خارجه، فلا وجود لأية كينونة خارجية، حتى لو كانت إلهية أو رياضياتية، تقوم مقدماً بتحديد ما يجب أن تكون عليه قوانين الطبيعة . فقوانين الطبيعة لا تنتظر بصمت، خارج الزمن، أن ينبثق الكون أو ينطلق، بل هي تنبثق من داخله وتتطور على مر الزمن مع تطوره عندما تقوم بوصفه وإدارته. بل ومن الممكن أيضاً، على غرار ما يحصل في البيولوجيا، أن تنبثق قوانين جديدة باعتبارها عناصر تسوية وتعديل وتنظيم لظواهر جديدة قد تظهر وتنبثق خلال تاريخ ومسيرة الكون .

هذه المقاربة ليست جديدة، فلقد قال بها أول فيلسوف في العلم منذ بدايات الثورة العلمية والذي تساءل بجدية كيف يمكننا إنتاج نظرية علمية عن الكون بعيداً عن الخرافات والشعوذات والخزعبلات، وهو غوتفريد فلهيلم ليبنيز Gottfried Wilhelm Leibniz، الذي كان منافساً لإسحق نيوتن في مبارزة فكرية وعلمية شهيرة فيما يتعلق بالأب الحقيقي لحساب التفاضل والتكامل اللانهائي. وكان ليبنيز يتميز بالألمعية وهو أول من قال بالمنطق الحديث والمعاصر وطور نظاماً للأعداد المزدوجة أو الأرقام الثنائية nombres binaires، وغيرها من الأفكار العلمية الثورية التجديدية المتطورة. وكان أحد الأفراد الأكثر ذكاءاً وأعلمية في زمنه ولقد صاغ مبدأ يؤطر النظريات الكوسمولوجية وهو " مبدأ السبب الكافي le principe de raison suffisante" والذي يقول بضرورة وجود سبب عقلاني وراء أي اختيار ظاهري مرئي وواضح للبناء الكوني. فيجب أن يكون هناك جواب على أي تساؤل شكلي من قبيل" لماذا يكون الكون على هذه الهيئة بدلاً من تلك؟" ولو كان هناك إله صنع الكون أو خلق العالم فسوف لن يكون لديه خيار آخر على طاولة تصميمه سوى الخيار الذي نراه ". وكان لمبدأ ليبنيز تأثير كبير على تطور الفيزياء ومايزال يؤثر في علماء الفيزياء الكونية الكوسمولوجيين ورؤيتهم للكون وسعيهم لصياغة نظرية كوسمولوجية متكاملة.

رؤية ليبنيز للعالم هي أن كل شيء موجود، ليس في المكان، بل ضمن شبكة علاقات متشابكة على هيئة زخرفية تشجيرية أو شبكية، من العلاقات المترابطة، وهذه الأخيرة هي التي تحدد الفضاء أو المكان وليس العكس. وهي فكرة انتشرت اليوم وتقول أن الكون مكون من كينونات وكيانات مترابطة ومتداخلة تربطها علاقات زخرفية متصلة ببعضها البعض متفاعلة، وهي فكرة باتت متجذرة في الفيزياء المعاصرة، وكذلك في البيولوجيا وفي عالم المعلومة الحاسوبية l'informatique، حيث العلاقات تسبق المكان . ففي عالم تفاعلي علاقاتي لا وجود لمكان أو فضاء بدون كينونات أو كيانات، فلا وجود لفضاء أو مكان مطلق مستقل أو بمعزل عن الأشياء كما كان يعتقد نيوتن. وحيث يتم تحديد الذرات من خلال موقعها في المكان الذي لا يتأثر بحركة الذرات فلا وجود لما يسمى بانعدام التناظرات أو التماثلات asymétriesفي عالم العلاقات والترابطات، فالأشياء تتحدد بعلاقاتها مع بعضها البعض . الأفراد موجودون ويتمتعون باستقلالية جزئية إلا أن الإمكانيات المحيطة بهم تتحدد وتتحكم بها شبكة العلاقات الكونية والشبكات تكون ديناميكية وتتطور باستمرار. من هنا يعتقد ليبنيز أنه لا يوجد " زمن مطلق" مستقل عن الأشياء ويجري بمعزل عما يحدث في العالم. فالزمن هو نتيجة أو نتاج للتغيير، فبدون التغيرات التي تحدث في العالم لا وجود للزمن، فالزمن هنا أيضاً " علاقاتي relationnel، وهو يمثل مظهر من مظاهر العلاقات، كالسببية على سبيل المثال، التي تحكم التغيير، وبالتالي يجب أن يكون المكان أيضاً علاقاتي، بما أن الإثنين مرتبطين بنسيج واحد هو الزمكان وفق نسبية آينشتين العامة. فأية خاصية لشيء في الطبيعة يجب أن تكون انعكاساً لعلاقات ديناميكية بين الشيء والأشياء الأخرى في العالم، وهذا يكون بالضد من الأفكار الجوهرية التي تضمنتها الفيزياء النيوتنية . وكان آينشتين من أوائل من تلقف أفكار ليبنيز وتبنى إرثه واستخدم مبادئه لتفكيك الفيزياء النيوتنية واستبدالها بالنسبية الخاصة والنسبية العامة وهي نظرية عن المكان والزمان مندمجين في نسيج الزمكان، كما استخدمت أفكار ليبنيز ومبادئه في الثورة الكوانتية أو الكمومية الموازية للنسبية، حيث إن ثورة العلم في القرن العشرين والواحد والعشرين هي ثورة علاقاتية تشابكية ترابطية.

الثوابت والمتغيرات:

هناك الكثير من الثوابت والقيم في الكون المرئي لكنها صالحة إلى أمد ما وقابلة للتغير،والزمن من هذه الثوابت المتغيرة. وهناك مكونات غامضة تربض على أنفاس الكون وتحتل ما يربو على 85% من كتلته، مثل المادة المظلمة أو السوداء وجسيماتها الأولية المراوغة، والتي تعتبر أحد أعقد وأصعب ألغاز الكون، إلى جانب الثقوب السوداء الأولية البدئية التي نشأت مع ولادة الكون إثر البغ بانغ الانفجار العظيم في نفس الفترة الزمنية، والطاقة المظلمة أو السوداء، التي تقوم بتوسع الكون، والمادة المضادة، والكتل السالبة Masses Négatives والحلقات ذات الأبعاد المتعددة خارج الجسم الكوني الظاهر Boucles extradimensionelles، ما يخلق مناخاً من الأزمة وزعزعة الثقة بالنفس لدى علماء الفيزياء والكوسمولوجيا أي علم الكونيات. غرق علماء الفيزياء والكونيات وفيزياء الجسيمات الأولية والمختصين بميكانيك الكموم في بحر من الشك والاعتقاد بصحة أطروحاتهم العلمية، وأحد أسباب ذلك هو عجزهم عن فك ألغاز الثقوب السوداء كلياً خاصة ما يحدث في داخلها، والتوصل إلى طبيعة وماهية المادة المظلمة أو السوداء، فمن المهول عليهم الاعتراف بأنهم يجهلون ما نسبته 85% من مادة الكون لتأسيسية.

منذ سنوات الثلاثينات من القرن المنصرم، القرن العشرين، تيقن العلماء أن القارات أو الجزر المضيئة في عمق السماء هي عبارة عن مجرات وأكداس أو حشود وعناقيد مجرية، وكل مايشاهدوه ليس سوى الجزء الظاهر من جبل الجليد الكوني كما يقول المثل والذي قدروا حجمه وكتلته خمس مرات أكبر من الأرقام التي كانت بحوزتهم عن كتلة الكون . وهذه الكينونة الكونية الغامضة وغير المرئية مكونة من مادة تمارس تأثيراً ثقالياً على المادة العادية المرئية للكون لكنها لاتتفاعل معها كهرومغناطيسياً وهي لا تصدر أي ضوء لذلك أسموها المادة السوداء. ولحل الإشكال النظري الفيزيائي الناجم عن ذلك علقوا الآمال على وجود جسيم أولي تخيله العالم الحائز على جائزة نوبل للفيزياء ستيفن وينبيرغ وأسماه الويمب WIMP، وهو يمكن أن يكون سراباً أو معجزة حقيقية لو تم العثور عليه . فمن خصائصه أنه يمتلك كتلة كبيرة مقارنة بكتلة البروتون في الذرة حيث تزيدها ببضعة مئات من المرات، وهو جسيم لا يتأثر بالضوء، وعند زرقه في مخاض الانفجار العظيم البغ بانغ يتشكل ذاتياً بكمية تزيد خمس أضعاف على جسيمات المادة العادية، أي بالنسبة المطابقة تماماً للدور الذي يجب أن تلعبه المادة السوداء أو المظلمة. وتحمس العلماء لهذه الفرضية وأسموها معجزة الويمب WIMP- particule massive interagissant faiblement، ومعناه الجسيم الكتلوي الذي يتفاعل على نحو ضعيف أو واهن. لكن المعجزة النظرية لم تتحقق عملياً و لا مختبرياً و لا تجريبياً حيث لم تستطع الكواشف المتطورة المدفونة تحت الأرض كشفه أو رصده منذ تسعينات القرن الماضي وإلى اليوم. وبعد ذلك اتجهت الأنظار إلى الفضاء حيث تحاول التلسكوبات الفضائية الرصد والمشاهدة الدؤوبة بحثاً عن وميض أو بصيص ضوء ناجم عن تصادم جسيمين من الويمب يفنيان بعضهما البعض لكنها لم تعثر على شيء يذكر.

وعاد العلماء إلى الأرض وتركزت آمالهم على ما يمكن أن يفعله مصادم الجسيمات الأولية الكبير LHC التابع لوكالة الفضاء الأوروبية سيرن، وذلك منذ منتصف العقد الأول من القرن الواحد والعشرين 2010، وكانت خيبة الأمل كبيرة فلقد رفع مسرع ومصادم الجسيمات إلى 1000 مرة كتلة أحد البروتونات دون أن ينتج ذلك أي جسيم منشود يمكن أن يعتبر جسيم أولي للمادة السوداء . وتردد التساؤل ماذا لو كان جسيم المادة السوداء أو المظلمة مجرد سراب ووهم؟ فقد لا يكون موجوداً، فلايمكن البحث عنه إلى ما لا نهاية، ولكن عدم العثور عليه لايعني عدم وجوده الأمر فقط في غاية الصعوبة والتكنولوجيا الحالية لاتتيح إمكانية العثور عليه. فقد يكون أثقل 2000 مرة أو أكثر بكثير من البروتون، وقد يكون بوسع تلسكوبات أشعة غاما تحسس وجوده من خلال آثار إبادته لنفسه إثر تصادمه مع جسيم مثيل له في الفضاء. وقد يكون أخف بكثير من البروتون، فالبحث جاري عن المادة المظلمة أو السوداء " الخفيفة" وهناك تجارب عديدة تجري في عدة مختبرات في جميع أنحاء العالم حالياً مثل سنسي وفيرميلاب وداميك - أم ومودان الخ.. وهي مسألة وقت وصبر بانتظار تصادمه مع إحدى ذرات الكواشف المتربصة . فالوميب لم يمت وغياب الدليل ليس دليلاً الغياب أي على عدمه. والكل بانتظار الجيل الجديد من مسرعات ومصادمات الجسيمات الأولية التي ستخلف LHC، فاليابانيون عازمون على تشييد مسرع ومصادم للجسيمات بمبلغ 7.5 مليار دولار . ووكالة الفضاء الأوروبية سيرن كشفت عن مشروع تشييد المصادم والمسرع المستقبلي الدائري FCCفي نفق طوله 100كلم بكلفة 20 مليار دولار والصين تفكر ببناء مصادمها الخاص وبسرية تامة. وانقسم مجال الأبحاث والطرق والمنهجيات والمقاربات إلى عدة مشاريع متباينة ومتنوعة وكلها تبحث في نفس المجال ألا وهو العثور على " المادة السوداء أو المظلمة". التي اتخذت مسميات أخرى مختلفة وسيناريوهات متنوعة بنيت على فرضيات متباينة . فهي تارة عدد من الثقوب السوداء البدئية الأولية المجهرية ومادون المجهرية، وأخرى تقول بأنها مادة مضادة تمتلك كتل سالبة تحلق بين سدم وأكداس المجرات أو مجرد تأثير غائم لثقالة كمومية أو تجلي لأبعاد مكانية إضافية، أو هي تعويض عن الكتلة المفقودة في الكون وأخيرا هي بوابة عبور جديدة نحو فهم أعمق وأكثر جوهرية لبنية الكون، ووسيلة جديدة أو فرصة جديدة سانحة لدراسة نماذج نظرية كونية كوسمولوجية جديدة بذريعة الكشف عن المادة المفقودة والمسماة المادة المظلمة أو السوداء .

يتبع

 

د. جواد بشارة

 

لطالما استعملت العامة ولا تزال لفظ "مدني" بمعنى "غير عسكري" ولم تستخدمه يوما ليعني "غير ديني". كما يحلو للبعض استخدامه اليوم اعتمادا على المعنى القاموسي كترجمة لكلمة civil.

إن تعبير "المدنية" بلفظه ومدلوله العربي مشتق من "المدينة" وبهذا المعنى فإن المدني هو ابن المدينة تعارضا مع ابن الريف. وفي حقيقة الأمر فإن المسالة بمنظورها العام لا تتعلق بالمكان بشكله المطلق أي "ريف" و"ومدينة" بل بمسألتين: الأولى هي المهنة حيث أن ابن الريف يمارس مهنة الزراعة والتي ينظر إليها ابن المدينة على أنها أدنى قيمة من المهن التي تمارسها المدينة كمهنة التجارة أو الصناعة الحرفية أو أي مهنة أخرى هي من اختصاص المدينة، والمسألة الثانية تتعلق بالمنظومة القيمية التي يحملها كل منهما وهنا أيضا فإن ابن المدينة ينظر لقيم الريف على أنها بمجملها متخلفة حتى ولو كان بعضها يحمل مغزى عاما مفيدا للمجتمع كالنخوة والإجارة والعون وغيرها من قيم العشيرة التي عادة ما تسود في المجتمع الريفي.

ويمكن أن نضيف إلى ذلك عاملا آخر يعد من أسباب "استعلاء" المدينة على الريف هو أن العمل الفكري والإبداعي هو بمجمله من نتاج أهل المدينة وما الريف إلا مستهلك لهذا العمل الفكري والإبداعي ومنه طبعا أساليب هندسة وتطوير الزراعة على سبيل المثال ووسائل المعرفة النظرية الأخرى فابن المدينة يملك من وسائل المعرفة ما لا يملكه ابن الريف. ذلك لا يعني أن ابن الريف لا يملك معارف مبنية على التجربة العملية خاصة في حقل الزراعة غير أن العمل الفكري كحقل من حقول النشاط الإنساني يكاد يكون محتكرا من قبل ابن المدينة. ونرى انتقال المعرفة من المدينة إلى الريف على يد ابن المدينة أو ابن الريف الذي علمته المدينة ومع هذه المعرفة بالطبع تنتقل بعض عادات وتقاليد المدينة. ومع التطور (التصنيع ومكننة الزراعة) تميل الفوارق بينهما إلى التضاؤل كما يحدث في البلدان الغربية المتطورة.

والعقائد بمجملها بما في ذلك العقائد التي تؤمن بالعالم الآخر هي من نتاج الفكر الذي هو حقل من حقول نشاط ابن المدينة كما أسلفت وبالتالي فإنه نتاج المدينة والمدنية. وابتداء من الحضارات الشرقأوسطية القديمة كالسومرية والبابلية والآشورية والفرعونية والكنعانية حيث الأشكال الأولية للعبادة فوق البشرية وانتهاء بالديانات التوحيدية الكبرى كاليهودية والمسيحية والإسلام فإن جميعها قد ظهرت ونمت في المدن وبرز الكهنة ورعاة الأماكن المقدسة ورجال الدين ووالأنبياء من صلب المدينة ومن بين أبناءها الذين كانوا يمثلون النخب الفكرية لذلك الزمان كالأنبياء موسى والمسيح عليهما السلام، الأول بين حواضر فلسطين ومصر والثاني من حاضرة بيت لحم الفلسطينية والنبي محمد (ص) من مكة التي كانت تمثل مركزا تجاريا دوليا فكل هؤلاء هم أبناء المدينة ومن صفوتها. وكما لاحظنا في الدين الإسلامي فإن أوائل من اعتنقوه هم تجار المدينة الكبار مثل أبي بكر الصديق وعثمان ابن عفان وزوجة الرسول خديجة (رض) ومعهم "مفكرو" ذلك العصر ونخبه مثل ورقة بن نوفل وسلمان الفارسي وعبد الله ابن أبي سرح والعديد ممن كانوا على معرفة بالديانات التوحيدية التي سبقت الإسلام.

وعمل الدين الإسلامي، بقيمه التي تمثل قطيعة مع قيم البادية حيث الثأر والإغارة وغيرها، على نقل قيم المدينة إلى البادية أي قيم الجماعة بمفهوم الأمة كبديل لمفهوم العصبية الفردية والقبلية واستطاع الانتشار بسرعة بفضل قوة هذه القيم المدينية التي وجدت ما ينسجم معها ويتقبلها في حواضر الشرق الكبرى كالعراق والشام ومصر. واستوعب هذا الدين أبان حكم الخلفاء الأمويين وبشكل أقوى خلال فترة حكم الخلفاء العباسيين وبيسر، قيم وتقاليد المدينة المأخوذة من الحضارات الكبرى الأخرى التي كانت سائدة في ذلك الزمن ومنها الحضارة الفارسية. وفي ظل مراكز المدن الإسلامية الكبرى تم الاطلاع على ومعرفة الانجازات الفكرية الكبرى للشعوب الأخرى بما فيها المنجز الفكري للثقافة اليونانية والتي استخدمها المسلمون العرب ونخبهم الفكرية كالمعتزلة وأخوان الصفا في جدلهم والدفاع عن أطروحاتهم المتعلقة بمجملها بالإمامة أي الحكم والحاكم وبذلك يكون مفكرو الإسلام الأوائل، إذا صح وصفهم بذلك، قد دخلوا حقل السياسية منذ ذلك الزمن. وتحت راية الدين بنى بنو أمية في الأندلس واحدة من أعظم الحضارات الإنسانية ولم يكن هؤلاء أبناء بادية بل أبناء المدينة وذرية تجارها الكبار من أبناء مكة والمدينة والطائف.

بالمقابل فإن مظاهر العصيان والارتداد عن الدين كانت تخرج من البادية وكان دور المدينة أن حافظت على الدين وتمثل حروب الردة في زمن الخليفة ابي بكر من أوائل الأمثلة على ذلك. وكان الدين يدب فيه الضعف وتعم الصراعات كلما ضعفت الحواضر والذي عادة ما يبدأ بضعف مركز الخليفة وما ينتج عنه من تدهور التجارة والصناعات والحرف والذي ينعكس بدوره على الإنتاج الفكري الذي يشهد هو بدوره تدهورا. حينذاك نجد أن قيم البادية تطل برأسها من جديد وتزيد الوضع خرابا.

وإذا نظرنا إلى تاريخ الفكر والمفكرين في العالم العربي والإسلامي المعاصر فإن صفوة المثقفين والمفكرين قد نشأت من عائلات دينية وأنتجت المراكز الدينية في العراق ككربلاء والنجف وسامراء ومدينة الأعظمية وآلوس والكاظمية..إلخ خيرة مفكري ومثقفي العراق من بينهم حملة راية الحداثة وكذلك الحال مع الأدباء والشعراء الكبار فكثير من هؤلاء كانوا من عائلات دينية مدينية والعملاق الجواهري واحد منهم.

بمعنى آخر أن الدين والمدينة كانوا لصيقين وكانا بمثابة الأم والأب للنتاج الحضاري والثقافي للأمة العربية والإسلامية لذلك فإن من يسعى اليوم تحت راية "المدنية" ليصور المدنية كنقيض للدين لا يملك فهم ديالكتيكيا للعلاقة التاريخية بينهما ولا للتاريخ العربي الإسلامي الذي لا أدعي معرفة عميقة به.

وقد سبق وقلت في مقالة سابقة أن رواد التغيير والتفكير الثوري في العالم العربي جاءوا من صلب العائلات الدينية الكبيرة كجمال الدين الأفغاني وعبد الرحمن الكواكبي ومحمد عبدة ورشيد رضا في وقت لم يكن لمفهوم العلمانية الغربي ناهيك عن الماركسية أي وجود في المنطقة ونحن نتحدث عن فترة نهاية القرن التاسع عشر حيث ظهر هؤلاء الرواد. وترك مفكرون إسلاميون أثرا عميقا في الناس وبذلوا جهدا فكريا كبيرا للإجابة على العديد من المسائل الملحة التي تتعلق بأسباب تأخر العالم العربي والإسلامي عن الركب الحضاري وشخصوا المشكلة بشكل صحيح وأكدوا أنها تتعلق بالعلاقة بين الحاكم والمحكوم وأنه ليس هناك تفويض لحاكم باسم الدين والتفويض يأتي من الشعب. وقد أكد المفكر الإسلامي علي عبد الرازق (1888-1966) في كتابه "الإسلام وأصول الحكم" (صدر في 1925) أنه ليس هناك في الشرع ما يثبت وجود شكل محدد للحكم في الإسلام وأن المسلمين أحرار في اختيار شكل الحكم الذي يناسبهم. لقد قوض هؤلاء المفكرون الإسلاميون أساس التبرير الديني التقليدي الذي يقوم عليه الاستبداد ولم نر في ذلك الزمن مفكرا علمانيا واحدا ترك أثرا كالذي تركه هؤلاء في تصورات الناس السياسية واقتصر تأثيرهم على مجاميع من المثقفين. ويمكن للمرء أن يلاحظ متسائلا كيف أن الأنظمة العربية الملكية التي كانت سائدة في منتصف القرن العشرين، ومنها العراق، كانت تحجب كتابات المفكرين الإسلاميين عن الشارع وعن المدرسة لأنها كانت ثورية ليس بمعيار زمنها فحسب بل وأصبحت ثورية بمعيار اليوم (مع الأسف) حيث تحاول أطراف عربية رجعية معروفة أن تروج لنسخة إسلامية تكفيرية.

أما "مفكرو" العراق من ماركسيي الأمس و"مدنيي" اليوم فلا أثر لأي انجاز فكري فلسفي أو اقتصادي أو اجتماعي قدموه للعراقيين. وإذا أردنا النزول بالنقاش إلى مستوى أدنى من ذلك نسأل: ما هي الأطروحات الفكرية لمثال الالوسي وفائق الشيخ علي وشروق العبايجي حول مفهوم المدنية والدولة المدنية وهلي يقترحون صيغة حكم مختلفة عن الصيغة البرلمانية الحالية القائمة على تعدد السلطات واستقلالية كل منهما والتي هي صيغة غربية تمثل بنظري قمة نتاج المدنية الغربية؟ ثم لماذا لا يبينون للناس أين يكمن خلافهم الفكري مع الأحزاب الدينية؟ هم لا يستطيعون الإجابة على هذه الأسئلة لأنهم غير مؤهلين معرفيا للإجابة عليها.

في مقابلة له نشرت في مجلة "الثقافة الجديدة" (عدد 397 لسنة 2018) يخاطب الباحث العراقي الراحل الدكتور فالح عبد الجبار محاوره بالقول: "فأنتم أيها اليسار الجديد تقولون أن هذه الدولة مدنية، طيب حللوا لنا ما هي الدولة المدنية، حللوا لنا ما هي الطائفية، حللوا لنا التجارب العالمية أو إطلعوا على تحليلاتها بعدها تتوصلون إلى استنتاجات تسترشدون بها...". وإني أسأل مسترشدا بأسئلة عبد الجبار:هل عكف من اشرت إليهم بالأسماء فيما سبق على تحليل الواقع العراقي الحالي من حيث هو نتاج الظروف التاريخية  التي مر بها العراق (على الأقل منذ 1968) وتوصلوا إلى استنتاجات معينة قبل تقديم طبق المدنية الغربي الجاهز على أنه علاج لأزمة النظام السياسي؟. إن أبرز ما يمكن أن يلاحظه المرء في السباق الانتخابي في تونس حيث يتنافس 26 مرشحا على منصب الرئيس هو أن العديد من المرشحين قد نبه إلى أن تجربة "الشراكة" مع أوربا لم تحل مشاكل البلد بل فاقمتها وبأن العالم قد تغير وأن مستقبل هذا العالم سوف يرسمه دول الشرق الكبرى كالصين وروسيا والهند وغيرها من دول آسيا مع ملاحظة أن تونس كانت علمانية (على الطريقة الغربية) طوال تاريخها الحديث.

في منتدى الشرق الذي عقدته روسيا مؤخرا والذي حضره إلى جانب الرئيس الروسي رئيس وزراء الهند واليابان وماليزيا قال بوتين "إن زمن هيمنة الغرب على العالم قد انتهى". وليس الشرقيون لوحدهم هم من يقولون ذلك بل ويعتقد العديد من مفكري الغرب أن الحضارة الرأسمالية الغربية في طريقها إلى الأفول. لماذا؟ لأنهم يشاهدون بأعينهم ما يجري في العالم من تحولات ليست اقتصادية وحسب بل وثقافية حيث الثقافة الشرقية تدخل في وضح النهار إلى المجتمعات الغربية التي بنيت على تمجيد الفردية باسم الحرية والتي تتهاوى الآن بفعل ما نراه من حركات اجتماعية جديدة في أوربا ومنا حركة "الستر الصفراء" في فرنسا. إن الأساس الذي تقوم عليه هذه الحركة هي تحدي النظام السياسي القائم على تحالف الرأسمال والأحزاب السياسية الحاكمة وإخضاع مصالح بلدانهم الوطنية لمصالح الرأسمال العالمي الذي تتزعمه الولايات المتحدة وهذه المسألة ظاهرة من إجبار الولايات المتحدة "حلفائها" الغربيين على تأييد حتى السياسات الأمريكية الطائشة وأبرزها حاليا ما يسمى بالملف النووي الإيراني. أن ما نراه أحيانا من تململ بعض حكومات الغرب كما الفرنسية ليست بنظري أكثر من محاولة إلهاء لشعوبهم ذلك أن تهديدات الرئيس ترامب بفرض عقوبات قد طالت حتى حلفاءه ايضا فقد هدد بفرض ضرائب على صناعة النبيذ والأجبان الفرنسية وكان أول من استخدم هذا التهديد هو الرئيس جورج بوش الأب عشية غزو العراق بسبب رفض فرنسا في زمن شيراك الانضمام للحلف الذي شكله قبل الغزو.

والآن، كيف يقرأ "مفكرو" العلمانية والمدنية العراقيون ما يجري من تحولات في هذا العالم؟ هل خطت الصين هذه الخطوات الجبارة في زمن وجيز ومعها الهند وروسيا وغيرها من بلدان آسيا باتباعها نظاما سياسيا قائما على شعارات المدنية والعلمانية؟ وإذا كان هناك من يقول "ولكن ليس لديهم أحزاب دينية" فهل درس القائل المفترض تاثير العقيدة السائدة في هذه البلدان وكيف استخدمتها الطبقة الحاكمة في تحقيق وحدة الهدف والمصير لدى شعوبها؟ لقد أحيا بوتين تقاليد الكنيسة الروسية الأرثذوكسية بعد أن شهدت قمعا طوال العهد الشيوعي وأعتبر دورها عاملا مهما في توحيد الشعب الروسي ولا ينفك يلتقي بالزعماء الكنسيين الروس في كل مناسبة تتطلب ذلك.

إن واحدة من أهم أسباب ما رأيناه بعد 2003 من فوضى في كل مرافق الحياة هو الإرث الاجتماعي الذي تركه النظام الساابق والذي تمثل ب "ترييف" المدينة من خلال تحالفه مع شيوخ عشائر معينة (حتى هذه بعضها انقلب عليه فتحالف مع أخرى) ثم وفي مرحلة لاحقة لبس لبوسا إسلاميا تمثل في ما سمي ب "الحملة الإيمانية". لماذا فعل ذلك؟ لأن القاعدة الحزبية العريضة التي كان يستند إليها النظام والتي ساعدته على إحكام السيطرة على البلد قد أنهكت وتآكلت بسبب الحروب والصراعات التي خاضها النظام على الأصعدة المختلفة ثم جاء الحصار الاقتصادي ليجهز على ما تبقى منها حيث تحولت علاقتها (أي القاعدة الحزبية) بالجماهير من علاقة سيطرة إلى علاقة مساواة في المعاناة فهيمنت علاقة المنفعة والمصالح ولم يتبق من ينعم بالثروة غير دائرة ضيقة من كبارالمسؤولين وبعض الأثرياء الجدد الذين أنتجهم الحصار. لذلك راح النظام يبحث عن قاعدة جديدة لاسناده فوجد في بعض شيوخ العشائر هذا الاسناد قبل أن يتحول نحو الدين. هذا "التحالف" مع شيوخ العشائر لا بد وان يكون له أدواته وبكلمة مجازية "ديكوره" المناسب فكان أن ساد لدى الصفوة الحزبية عادة لبس "العقال" وإقامة المضايف فكان بداية إحياء تقاليد العشيرة الذي لم يضرب الريف وحسب (وقد كان قد تحرر إلى حد كبير منها بسبب انتشار التعليم) بل وضرب المدينة. ويتذكر من زار العراق بعد 2003 فإن أبرز ما يلاحظة المرء هو انتشار لبس العقال بين أناس لم يكن يتوقع منهم ذلك ومنهم شيوعيين قدماء.

وإنصافا للعشيرة لا بد من التأكيد أن هدف السلطة في ذلك الوقت من هذا التحالف ليس إشاعة القيم النبيلة للعشيرة بل إستحداث أساليب جديدة للبقاء وذلك من خلال البحث عن مصادر جديدة للولاء تؤمن السيطرة : الشيخ يسيطر على عشيرته ويسيطر "القائد" على الشيوخ بواسطة الجمع بين التخويف والعطاء. هنا نحن أزاء عودة إلى الوراء في مسألة الانتظام الاجتماعي أي من حالة الحزب والنقابة والمهنة كأساس للتنظيم الاجتماعي إلى العشيرة كوحدة أساسية لهذا الانتظام. وقد رأينا كيف أن "القائد" قد ألغى نقابات العمال كشكل من أشكال الانتظام الاجتماعي العليا لأنها ترمز إلى الانتماء إلى فكرة التضامن والتعاون والولاء لمجموعة وقيادتها المنتخبة وليس الولاء لحزب حاكم. وبما أن النقابات المهنية هي من مكونات المجتمع المدني فإنه بحل هذه النقابات يكون قد وجه ضربة قاتلة للمجتمع المدني. وبالطبع مع صعود نجم العشيرة أو بالأحرى شيخها يعاد إحياء تقاليد العشيرة بما في ذلك تقليد الثأر والفصل على سبيل المثال.

ويسيئ مروجو العملانية والمدنية إلى مغزى هذين المفهومين عندما يمارسون عملية إسقاط ميكانيكية للظروف التاريخية في الغرب والتي انتجت هذين المفهومين على الظرف العراقي الحالي الذي لا يشبه بشئ. فهم من أجل ذلك يستخدمون مفهوم العلمانية القائل بفصل الدين عن الدولة ليعني أنه لا يجب أن تكون هناك أحزاب دينية. وهذا تضليل لأن العملانية تعني فصل سلطة الدولة ومؤسساتها عن تأثير السلطة الدينية ومؤسساتها وأن القوانين والقرارات التي تصدر عن المؤسسة السياسية لا يجب أن تخضع لتأثير الدين وأن الدولة تعامل مواطنيها عل قدم المساواة بغض النظر عن عقيدتهم بما في ذلك من لا يؤمن بعقيدة دينية.

وإذا نظرنا إلى الواقع العراقي بناء على ذلك يبرز السؤال: هل هناك مؤسسة دينية في العراق تملك سلطة على ما تقرره الدولة ومؤسساتها؟ في حقيقة الأمر ليس هناك مؤسسة دينية في العراق بالمعنى المعروف في القرون الوسطى في أوربا حين كان للكنيسة دور مقرر في اختيار من يحكم. وإذا كان هناك من يعتبر المرجعية الدينية الشيعية مؤسسة فهي لا تملك سلطة ملزمة على مؤسسات الدولة وقراراتها ويقتصر عملها على النصح والإرشاد. إن سلطتها روحية بالدرجة الأولى وهذه أيضا ليست ملزمة إلا بمن يدين بالولاء لها ذلك أن الإلزام يعني القدرة على إنزال القصاص بمن يخالف.هل رأينا المرجعية اقتصت من أحد تحت ذريعة مخالفة تعليماتها؟في الغرب كانت الكنيسة تقصي المخالفين لتعلمياتها وتعتبرهم هراطقة وتكفرهم وتحلل إعدامهم. ويمكننا هنا أن نلاحظ أن الشيوعيين تعرضوا لحملات تشهير بأنهم "كفرة" أبان الحكم الملكي العلماني بينما لم نسمع حزب أو رجل دين في هذا الزمن "كفرهم" غير النسخة الداعشية ذات العقيدة المعروفة القادمة من بلد مجاور. وقد رأينا كيف أن جميع القرارات الحكومية والقوانين البرلمانية تمرر دون أن تعرض على أية سلطة دينية من أجل الموافقة عليها بينما كان نظام مبارك الذي يصنف علمانيا ( كان يمنع نشاط الأحزاب الدينية)  يعرض الكثير من القوانين على الأزهر طلبا للموافقة بل كان الأزهر ولا يزال يتدخل في الموافقة أو الرفض لبعض المؤلفات وحتى أفلام السينما ويمنع نشرها أو انتاجها. بالطبع نحن هنا أزاء مثال على تجيير نظام علماني لمؤسسة دينية لصالحه وهو بالطبع ما ترفضه العملانية الغربية لأنها تعني أيضا حماية الدين من استغلال السلطة السياسية له.

أما بالنسبة لمفهوم "المدنية" كنظام سياسي فإن مروجيه يفهمونه فهما "قاموسيا" على أنه مضاد لسلطة العسكر أوسلطة رجال الدين بينما هو يعني، بمفهومه المعاصر، وجود مجموعات (منظمات) تمارس نشاطا لفائدة المجتمع مستقلا عن السلطة السياسية أو سلطة الشركات (رأس المال). وتدخل المنظمات غير الحكومية ضمن هذ التعريف. ويكتسب هذا المفهوم بعدا آخر في الزمن الحاضر على ضوء حقيقة أن السلطة السياسية في العالم الرأسمالي الغربي هي ممثلة الرأسمال والمدافعة عن مصالحه وهذا ما أشرت إليه ضمنا عندما تحدثت عن "السترات الصفر". أي أن المجتمع المدني يدافع عن مصالح المجتمع عندما تتعرض للتهديد من طرف السلطة السياسية أو سلطة الرأسمال وهذا يظهر، على سبيل المثال، في نشاط منظمات المجتمع المدني المدافعة عن البيئة وضد المنتجات الزراعية المحورة جينيا واستخدام المبيدات السامة وغيرها كثير من القضايا التي هي حقل من حقول نشاط الرأسمال الباحث عن الربح.

 لذلك كله فإن إغراق الوعي العادي بصراع ثانوي اسمه ديني لا ديني سوف لن ينجر عنه سوى خلق حالة تضاد موهومة وهنا مكمن الخطر لأن ذلك هو المكان الذي يلعب فيه الجهل لعبته التخريبية ذلك إن خلق التضاد هو لعبة استعمارية بامتياز وكلنا نتذكر ما ساد العراق من صراع يساري قومي أغرق البلد بالدماء وعطل تطوره وهو ما يعمل البعض على إحياءه بصورة جديدة ويوهم الناس العاديين به مستغلا تذمرهم. ومن الغريب في الأمر هو أننا لا زلنا قد خرجنا للتو منتصرين على محاولة شقنا على اساس مذهبي فتبرز لنا هذه الشعارات المفرقة.

غير أن الذي يبعث على الاطمئنان هو أن الأحزاب الدينية، ليس في العراق وحسب، لم تسمح لنفسها بالانجرار نحو معركة مفتعلة رغم ما تتعرض له من هجوم لا ينقطع. قال أحد زعماء حركة النهضة التونسية (حركة إسلامية) في مقابلة تلفزيونية جمعته مع "علمانيين" و"مدنيين" معروفين بتهجماتهم اليومية عليها:

 لو كانت "النهضة" غير موجودة في الحياة السياسية لجلس أكثر من 80 بالمائة ممن يمتهنون السياسة ومن المحللين السياسيين في منازلهم لأنهم سوف لن يجدوا شيئا يتحدثون عنه.

 

ثامر حميد

 

عدنان عويدالتنوير لغة: جاء التنوير من الفعل (أنار). ونقول: أنار الغرفة، أي أزال ظلمتها وأبان ما فيها).

التنوير مجازاً أو اصطلاحا:

فهو ينصرف هنا إلى ضرورة اعتبار أن يكون العقل الإنساني، وحرية الإرادة الإنسانية،  هما المنطلق أو المصدر الرئيس لكل النشاط الفكري والعملي القائم في حياة الفرد والمجتمع.

الإرهاصات الأولية للتنوير:

ابتدأت مع بدء تاريخ وعي الإنسان لنفسه والبحث عن سر وجوده وأمنه واستقراه وبقائه.

فهذا جلجامش في الألف الثالث قبل الميلاد يبحث عن سر الخلود . وعند فشله في الحصول على النبتة التي تمنحه هذا السر، يعود للحكيم أنا تبشم ليقول له الحكيم:

متى بنينا بيتاً دام إلى الأبد؟.

متى ختمنا ختماً دام للأبد؟.

لم يكن هناك خلود ودوام منذ الأبد!.

أما لدى اليونان، فهذا هيراقليطس في القرن السادس قبل الميلاد يقول: (كما أنك لا تستطيع أن تستحم في مياه النهر مرتين فكذلك هي الحياة) .

التنوير والحرية:

في الفكر الوضعي: جاء عند سبينوزا وهيجل وماركس: إن الحرية هي وعي الضرورة، أو الضرورة الواعية.

أي إن حرية الإنسان تقوم على (وعي وإدرارك ومعرفة) القوانين الموضوعية التي تتحكم بآلية عمل الطبيعة والمجتمع، وبالتالي التسلح بها وتسخيرها لمصلحة الإنسان.

في الدين: جاءت حرية الإنسان وتأكيد شخصيته مرتبطتان بالمعرفة والتعلم. ففي القرآن: أول آية نزلت هي (إقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، إقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم ، علم الإنسان ما لم يعلم).

الأدوات المعرفية للتنوير:

1- العقل و مدركات حواسه. (البصر – السمع – الشم – اللمس.. الخ).

2- التجربة الحسية للبشرية في علاقات الناس بالطبيعة والمجتمع، وتقوم على:

العلاقة الجدلية بين الإنسان ومحيطه: ( من المشاهدة الحية إلى التفكير المجرد إلى الممارسة) .

يقول محمد عبده : (نعم إن الإنسان إنسان بفكره وعقائده، إلا أن ما ينعكس إلى مزايا عقله من مشاهد نظره ومدركات حواسه يؤثر فيه أشد التأثير، فكل شهود يحدث فكراً، وكل فكر يكون له أثر في داعية، وعن كل داعية ينشأ عمل، ثم يعود من العمل إلى الفكر، ولا ينقطع الفعل والانفعال بين العمل والأفكار ما دامت الأرواح في الأجساد، وكل قبيل هو للآخر عماد).

منهج التنوير:

ويقوم على الإيمان:

- بالحركة والتطور والتبدل (سبحان الذي لا يحول ولا يزول)

- وبالعلاقة الجدلية بين الداخل والخارج (فالإنسان ابن بيئته (من عاشر القوم أربعين يوماً صار منهم)

- وبين الجزء والكل (حديث الرسول: المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص..)

- وبين الشكل والمضمون (المكتوب يعرف من عنوانه)

- والقول بنسبية الحقيقة (الكمال لله)

- وأخيراً على الشك  القائم على رفض الأسطورة والامتثال والاستسلام للجبر المطلق. (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ ۖ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن ۖ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ۖ).البقرة 260

جوهر وأهداف التنوير:

الإنسان وتنميته المستدامة أولاً. وهذه تتضمن بالضرورة:  الحرية، العدالة، المساواة، التعليم، والصحية الخ. وثانياً المواطنة وما يقوم عليها من حقوق وواجبات، وتعليم وحرية المرآة، واحترام الرأي والرأي الاخر.. ثالثاً، تنوير الناس ومحاربة من يعمل على تجهيلهم خدمة لمصالح سياسية أو طبقية محددة.

هذا ويمكن القول  بشكل آخر:

1- على المستوى السياسي: تحقيق دولة القانون والمؤسسات، أو ما يسمى الدولة المدنية.

2- على المستوى الاقتصادي: تحقيق العدالة في تقاسم الثروة الوطنية.

3- على المستوى الاجتماعي: تحقيق المواطنة، وتجاوز المرجعيات التقليدية من عشرة وقبيلة وطائفة ومذهب.

4- على المستوى الثقافي: الاشتغال على الجانب العقلاني والأنسي الذي يبرز دور ومكانة الإنسان كخليفة على الأرض.

 

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث من ديرالزور – سورية

 

 

"إن الفشل في التمدن... مرض فكري مقيت... ينتج سوء الفهم وتخبط الرؤى والعزل النفسي والتناقض الحاد والمرير.. جرائه تتسرب للشعوب مشاعر بالقنوط والغضب والقرف والعدائية... وإلقاء اللوم على الأخر وتبادل النفور وزهق كل نهج للسلام تماما !!!"

 علينا أن نعترف إن لا سلام على الأرض، فهشاشة نظام الأمن الدولي جراء الفوضى الاصطناعية في العلاقات الدولية المترافقة مع إضعاف قدرة المنظمات الدولية للتأثير على الوضع والإجراءات غير المسؤولة من بعض القادة السياسيين على النحو الذي يحدده التهديد المتزايد للصراعات العسكرية الدولية والصراعات بين الجماعات المسلحة لإثارة الفوضى، كل ذلك واكثر يتم استخدامه بمهارة في تفعيل الخاصية الحرجية العالمية للتخبطات الامنية والنزاعات التناوبية والمتداخلة. نشهد حاليا تغيرا كبيرا في دروس فلسفات الحروب والتي يجري تحويلا حقيقيا في قوانينها، فالعلوم العسكرية لا زالت في مرحلة مبكرة من فهم العمليات المعقدة والمتناقضة لتطور الصراعات العسكرية الحديثة ولذا هي تحاول إيجاد سبل لتفسير نظرية وواقع الممارسة للكشف عن القوانين الداخلية لأستراتيجية الحرب الهجينة والتنبؤ العلمي والتخطيط لاستخدام مختلف المكونات التهديدات المختلطة والتي تحتل مكانا هاما لاستخدام فئات منطقية من العامة والخاصة والأفراد مما يساعد على الكشف عن القوانين الداخلية الحرب الهجينة الكامنة ويسمح في الحصول على المعرفة الأكثر دقة لفهم أفضل للجوهر والحس والغرض وبعض السمات الأخرى للنزاعات واستخدام قوتها ونقاط الضعف بشكل مقصود. وإن دراسة نظامها وتنظيم العناصر الهيكلية للحرب الهجينة على مستوى عام يعطي فرصة لتشكيل رؤية مشتركة للموضوع وجوهرها في وحدة الأجزاء والكل، وأقرب إلى فهم قوانين الحرب باعتبارها ملازمة الهجين في هذا النوع من الصراع والهدف من التواصل المستدام فلذا ينبغي إيلاء اهتمام خاص لدراسة الخصائص الكامنة في الحرب الهجينة بأعتبارها عدوانا فريدا مقترنا نسبة فئاته بكمية ونوعية الصراعات الحديثة، فضلا عن دراسة ملامح عوامل العرض من الاحتكاك وارتداء، وفتح آليات الاتصال الموضوعية المستدامة في إطار استراتيجية صراعات اليوم، والإجابة الصحيحة لهذه العوامل وغيرها لا يتوقع سوى من تطوير قياسات عالية الجودة للصراع واستباق تحول الخصائص الكمية. فيتم إجراء دراسة مفصلة لأجزاء من الكل وهي الظروف المعادية والنوايا التي تشكل استراتيجية حرب هجينة ويولى اهتمام خاص للتهديدات التي يتعرض لها الأمن العسكري للدولة التي تتعلق بإمكانية إشراك مجموعات كبيرة من القوات المسلحة واستخدام الوسائل الحديثة للنضال المسلح بهدف مجابهة العدو وتدميره.

 كدرس ودروس تستخدم تركيبات تهديدات الحروب الهجينة بأشكال هادفة في ظل العقوبات الاقتصادية والحرب المعلوماتية والحرب الإلكترونية والسيناريوهات المنخفضة الحدة غير المتماثلة بصراعات القوة العسكرية فضلا عن التهديدات التي تشكلها أعمال الإرهاب الدولي والقرصنة البحرية والتلاعبات بتدﻓﻘﺎت اﻟﻬﺠﺮة ﻏﻴﺮ اﻟﻤﺸﺮوﻋﺔ واﻟﻔﺴﺎد وإﺛﺎرة اﻟﺼﺮاﻋﺎت اﻟﻌﺮﻗﻴﺔ واﻟﺪﻳﻨﻴﺔ واﻟﺠﺮﻳﻤﺔ اﻟﻤﻨﻈﻤﺔ واﻧﺘﺸﺎر اﻷﺳﻠﺤﺔ المدمرة، ولذلك فأن الهدف من التحقيق في جوهرها عبر مجال العلاقات القانونية كعلاقة موضوعية مستقرة تجعل من الممكن فهم آلية العوامل المادية والروحية التي تتفاعل في نزاع عسكري وتعكس جوهر القوانين الأساسية والاتجاهات العامة للحرب وتترك جانبا الخاص. وآثار دروس التغيرات تتنشط في تأثيراتها الاجتماعية والسياسية لتغيير النظام العالمي قابلة للمقارنة مع نتائج الحروب العالمية والتي تسبب اليوم مصلحة في التجربة والقوانين والأشكال والأساليب بخوضها وفي استخدام التكنولوجيا "الناعمة" و "الثابتة" السلطة، ويعتقد أن قوانين الحرب الضرورية تتمحور في الاتصالات والعلاقات الأساسية المتكررة بين مختلف الأطراف وعناصر الحرب كعملية تساهم في تشكيل وتشغيل وتطوير والنتيجة، كما هناك العديد من الخطط النظرية لبناء تلك القوانين فتشمل أحداها قانون التأثير المحدد لارتباط القوى ووحدة العمل في الكفاح المسلح ومطابقة القوى والوسائل للأهداف المحددة وتحديد تأثير الإستراتيجية على الفن التكتيكي، ومع كل تنوع في الخطط المتقدمة من القوانين فأنها لا تغطي المجموعة الكاملة من الصراعات العسكرية الحديثة. إذ يواجه العالم أنواع وأنواع جديدة من الصراعات العسكرية المبنية على رفض وإلغاء القوانين الحربية التي صاغها الأسلاف، وإن أشكال تجسيد القوانين التي لا تتطابق مع حروب العصور السابقة والصراعات العسكرية من مختلف الأنواع والأنواع في القرن الحادي والعشرين تغيرت لاسيما اثر تشكيل عالم أحادي القطب والذي سمح للولايات المتحدة من التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى وفيه انخفضت قدرة المنظمات الدولية على التأثير على الوضع العالمي بشكل ملحوظ.

والدرس الاخر المتحدد بتغيير قوانين الحرب وهو التنوع في البيئات التي كانت المواجهة تتطور فيها مما يؤدي إلى تعدد وتنوع الصراعات التي تتشكل نتيجة لمزيج من المعلومات والأثر العسكري والمالي والاقتصادي والدبلوماسي على العدو في الوقت الحقيقي وعلى العديد من أنظمة وقوانين الحرب والتي وضع جرائها عددا من المنظرين العسكرية نظريات ومقترحات لتجاوز كوارثها والتي تطمس التمييز بينها وبين الحرب التقليدية البحتة وغير النظامية، وإن البعد الجديد لها هو الاستخدام الواسع لتقنيات الفوضى الغير خاضعة لأي مستوى من مستويات الرقابة، فيتمثل الاختلاف الرئيس بين الحروب المختلطة والصراعات التقليدية في تعدد الأشكال والوسائل والأساليب والطرق العسكرية وغير العسكرية في الجزء غير المتعلق بالسطوة مما يجعل من الممكن حرمان الجانب الآخر من السيادة الفعلية دون الاستيلاء على أراضيه بالقوة العسكرية. فتظهر عبر دروس الحرب إن ظاهرة الاحتكاك الحربي تتفاعل بشكل مختلف ومختلط، وإن تلك الدروس وعواملها لا تلغي بأي حال الدور الحاسم للقوة في النزاعات العسكرية الحديثة فلا تزال وسائل وأساليب القوة العسكرية هي الهيكل الداعم للصراع العسكري إذ تكون "التكنولوجيات الوراثية" المختلفة متدرجة في شكل نوع من البناء الفوقي. وفي عملية تصعيد النزاع من كثافة منخفضة نسبيا إلى استخدام على نطاق واسع للقوة حسب منطق الحرب الهجينة عبر استخدام التهديدات المختلطة المعقدة مما يتيح الجمع بين استخدامات غير نظامية وتدمير متقن ومستمر لاقتصاد العدو لتمزيق وحدة البلاد و تشويه صورة زعاماته من خلال العمليات في الفضاء الإلكتروني مع الحفاظ على تهديد القوة العسكرية، مما تفرز مناخ من عدم اليقين ومجالا للمناورة محدود إلى حد كبير تشل إرادة المقاومة مما يخلق الظروف الملائمة لاعتراض المبادرات الإستراتيجية والاستسلام النهائي لإرادة الضحية المعتدى عليه. وهكذا تراهن القوى العظمى على استخدام الحرب الهجينة القادرة على إدارة تصاعد المواجهة بشكل متكيف في الانتقال من أشكال النضال غير العنيفة إلى صراع عسكري واسع النطاق حتى إلى الصراع العالمي.

ودروس تلك الحروب تنتمي لمكان هام في تطوير خطط لحرب هجينة وبتشكيل مجموعة من التهديدات الهجينة ومفهومها يجمع مجموعة واسعة من الظروف والنوايا العدوانية كالعقوبات الاقتصادية والحرب المعلوماتية والحرب الإلكترونية والسيناريوهات الكثيفة والمنخفضة غير المتماثلة بصراعات القوة العسكرية والإرهاب العالمي والقرصنة والهجرة غير الشرعية والفساد والصراعات العرقية والدينية والموارد الأمنية والتحديات الديمغرافية والجريمة المنظمة ومشاكل العولمة وانتشار أسلحة الدمار الشامل، ومن ذلك كله يتم تعريف وثائق التهديدات التي يشكلها العدو لتكون قادرة على التكيف باستخدام الوسائل التقليدية وغير التقليدية لتحقيق الأهداف الموضوعة. ويمتاز مجمع التهديدات الهجينة بعدد من الخصائص التي تضمن تطبيقها الفعال وله قوة تدميرية أكبر بكثير من التهديدات المتداولة فيتم توفير "الأثر التراكمي" عبر تنفيذ نظام من الأنشطة التحضيرية والتنفيذية المعقدة والمترابطة ذات الصلة بتنسيق أنشطة عدد كبير من المشاركين في إقليم البلد المستهدف وما بعده ليتم الاستخدام الناجح والماهر للعوامل التي تحدد الديناميكية العالية لتطور الوضع وتعطي العمليات الاتجاه الضروري باستخدام كل من الحلول غير العسكرية والعسكرية، وكثير من تلك التهديدات ليست جديدة لكنها اكتسبت سرعة غير مسبوقة تحت نطاق وشدة التأثير. ويمكن أن تكون مصادر التهديدات للحالة المستهدفة داخلية وخارجية وتنشأ التهديدات الداخلية بسبب عدم قدرة الدولة على التعامل بفعالية مع القضايا والمهام الملحة في المجتمع وضمان الأمن فضلاً عن التطور السلبي المادي والفكري والفساد في فروع الحكومة والعلاقات الاجتماعية والاقتصادية الناقصة والغير عادلة والتناقضات على أساس عرقي وديني وعدم وجود وطنية موحدة لفكرة الدولة وضعف القوات المسلحة وخيبة وكالات إنفاذ القانون وعدم كفاية الرقابة على الحدود، إضافة إلى ظاهرة "القوة الناعمة" التي تحدد جاذبية الدولة لسكانها وشعوب الدول الأخرى وإن النداء الضعيف للبلد يحولها إلى هدف للتوسع الثقافي والأيديولوجي للقوى المعادية ويسهم في إضعاف روابط الحلفاء والشراكة ويقوض الوحدة الداخلية للمجتمع.

هناك مجموعة كبيرة من الدروس والوظائف ترجع إلى حقيقة أن الفوضى هي غياب النظام بشكل عام، وهي مزيج من العديد من العناصر دون اتصال منطقي بينهما وإن الحساب على الدور الخلاق للفوضى في وضع إستراتيجية الحرب الهجينة أن يكون على درجة عالية من المسؤولية، لأن الإستراتيجية لا تسمح برهان الفرصة لذلك ولتحقيق النجاح يجب توفير إستراتيجية الحرب الهجينة كوصلة مستقرة بين التهديدات الهجينة وعواقب تنفيذها، وتنظيم الإجراءات والمدى لكل تهديد ينتمي إلى حساب فئة الفلسفية السببية مما يدل على علاقة ضرورية بين الظواهر، والنتائج والآثار. ولمعرفة الأسباب الكاملة والمحددة لتبسيط عملية تتيح تشكيل التهديدات المختلطة المعقدة للحد من تأثير عامل العشوائية عبر الكشف عن تبعيات السببية الرئيسية واحتمالية التنبؤ بداية التحقيق النهائي المطلوب، أي تحقيق النصر ففي هذه الحالة فأن إنشاء الأسباب الكاملة لا يمكن تحقيقها إلا في حالات بسيطة نسبيا، وعبر وضع إستراتيجية واستخدام التهديدات التي تجمع بين مكونات الأسباب الكاملة، وان قياس الصراع الرأسي هو نظام لتوزيع التهديدات الهجينة وتوزيعها وفقًا لمستويات تطبيقها، وحين يتم تحقيق القصد الاستراتيجي للصراع العسكري المختلط يتم تحديد حدود قدرات الأطراف ومهمة تحليل مسار الحرب على المستوى الاستراتيجي للتعريف الدقيق لتتويج النجاح وبعد ذلك قد يأخذ مسار الصراع العسكري المختلط الاتجاه المعاكس للجانب الفائز ويؤدي في النهاية إلى هزيمته، ويرتبط مثل هذا "التحول" في الأحداث بزيادة مقاومة من يتعرض لهجوم هجيني واستعادة وتوسيع إمكاناته المنتهكة من قبل العقوبات الاقتصادية والهجمات السيبرانية والتحويلات الأيديولوجية والثورات الملونة والعمليات العسكرية، وإن منطق الحرب العالمية الهجينة ضدنا واضح تماما عبر زيادة الضغط علينا اقتصاديا وتركيعنا سياسيا وفكريا وثقافيا لتقسيم الصفوف وربطها بسلسلة لا نهاية لها من الصراعات الداخلية والحدودية، ومن الضروري إن نتعلم الدروس ونبادر بحماية بلادنا من جميع أشكال الضغوط والاعتداءات الخارجية القائمة والقادمة والمحتملة.

 

بقلم/ الدكتور ميثاق بيات ألضيفي

 

سليم مطرلكل بيئة خصوصيتها ومصاعبها ومباهجها: (جبال، سهول، أدغال، بحار، بوادي، ثلوج.. الخ). وسكان كل بيئة لهم نقاط قوتهم ونقاط ضعفهم الناتجة عن بيئتهم. هنا محاولة لتحديد جوهر العلاقة التاريخية بين العراق وايران من خلال تحديد الفروق بين الشخصية العراقية والشخصية الايرانية. لأن سياسية اية دولة، في تكرارها وديمومتها التاريخية، لا بد ان تكون نتاج الخصوصية العقلية المستمرة لمجتمعها وبيئتها:

ـ الشخصية الايرانية: الميزة الاولى والكبرى لكيان ايران: انها هضبة عالية، بارتفاع يقارب(1000م) شبه منبسطة تشكل نصف مساحة ايران، وتتخلها جبال شامخة واثنتان من اكثر صحارى العالم جفافا وقحلا: (لوط، وكور). وتحيط هذه الهضبة المثلثة، ثلاث من اكبر السلاسل الجبلية: زاغاروس وبورز وجبال باكستان وافغانستان (لاحظ صور الخرائط المرفقة) (1).

1130 سليم مطر 1

ان البيئة الجبلية عموما تتميز بالمخاطر الدائمة المحيطة: تساقط الصخور وكتل الثلوج، واحتمالات العزلة السريعة بسبب انقطاع الدروب لتساقط الثلوج والجذوع والصخور. ثم ان السير عادة يكون في دروب ضيقة قد تكون محاذية لحفر ووديان، واية عثرة قد تسبب سقطة مميتة. كذلك هنالك احتمالات وجود اعداء فوقك مختبئون خلف الصخور. لهذا فأن انسان الجبال يجب ان يكون حاضرا منتبها حوله والى دربه المليئ بالاحجار والعثرات والمخاطر. وان يتحلى بمقدرة كافية على التحمل البدني والنفسي، ويتمتع بذكاء عملي واقعي يتجنب بطر الخيال والثرثرة.(2)

ولكن هذه البيئة تخلق عيوبها الخاصة. ففي الجبال عموما يكون الافق محدودا لأن مد البصر يواجه بجدران الجبال المحيطة. لهذا يكون انسان الجبال ضيق الافق يصعب عليه الخيال والتحليل، ويأخذ الامور مباشرة وبدرجة من السذاجة. ثم ان عزلته الجبلية ومحدودية الاتصالات تمنحه قدرة على تحمل العزلة وعدم  الميل الى الكلام والحوار وروح الفرفشة والنكتة والحيلة. ان روحه العملية الواقعية الملتزمة المنتظمة لا تسمح له بتفضيل المتع واللعب والتفكير.  باختصار ان الشخصية الجبلية جادة وباطنية ومنتظمة وصبورة، كذلك عنيدة وضيقة الافق ولا تحتمل الجدل والخلاف وذكائها عملي.

وكل هذا ينطبق على الشخصية الايرانية. وكما يصفها بصورة معبّرة ومكثفة الباحث (عبد الجبار الرفاعي) الذي عايشها ودرسها: (الشخصية الايرانية متدينة بطبيعتها.. باطنية، مركبة، طقوسية، مسكونة بالأسرار، تغرق بالتأمل، وتعشق التجارب الروحية، وتدمن الارتياض، وتتسم بالصبر والجلد، والمثابرة. وربما تعيش في حياتها العملية نمطا مدنيا حديثا، اي بعيدا عن المدونة الفقهية، لكنها في المجال الشخصي الخاص تنشد الزيارات، والمواجيد، والدعاء..)(3)

1130 سليم مطر 2

ـ اما شخصية الانسان العراقي، فهي مناقضة تماما للشخصية الايرانية، بمحاسنها وعيوبها. لأن بيئة العراق (بلاد النهرين)، سهلية ومائية (انهار ومستنقعات) ومفتوحة، بآفاق لا محدودة مثل آفاق البحار والبوادي. ليس هناك مخاطر طبيعية قد تفاجئه بكل لحظة، بل هي مخاطر طبيعية شبه معلومة تتمثل خصوصا بالفيضان والجفاف. ثم انه عموما يسير في دروب عريضة منبسطة متربة لا تتطلب الكثير من الانتباه، وتسمح له بالنظر الى الافاق وتأمل السماء والانسراح في الخيال. اضافة الى انها طبيعة دافئة معظم السنة، فتعود النوم تحت النجوم والغرق في تأملها وحسابها، وتمضية ساعات السمر في عراء الليالي الدافئة.

هذه البيئة السهلية النهرية الدافئة، خلقت ايضا شخصية سهلة دافئة منفتحة على آفاق عقل وجنون. روح حساسة للجمال وقدرة عجيبة على التخيل والتحليل والابداع. تميل الى الحوار والتفكير وحُب المتعة والغناء واشباع ملذات البدن، من طبخ وطعام وجنس وحياة اجتماعية.

ثم ان علاقة العراقي الدائمة مع السماء بنجومها ومجاهليها المحيرة، جعلت ديانته القديمة (سومر وبابل وآشور) تقوم على (عبادة النجوم) وعلم الفلك والتنجيم و(الابراج الاثنى عشر).(4)

وهي تماما عكس ديانة الايراني، (المجوسية) الارضية القائمة على عبادة الطبيعة بأحيائها وظلامها ونارها.

كل هذا جعل العراق طيلة تاريخه يمتلك هذه القدرة العجيبة على الابداع الثقافي المنفتح والمتنوع والخصب، وتشييد الحضارات الزاهية الاصيلة الغير مقتبسة في اعظم حواضره العالمية: اور وبابل ونينوى، ثم بغداد والبصرة والكوفة.

العراقي حضارة، والايراني دولة!

من يلقي نظرة على تاريخ العالم وحضاراته، يلاحظ ان جميع الحضارات الكبرى بما فيها الحضارة الغربية الحالية اقيمت في السهول. يكفي معرفة ارتفاعات العواصم الحضارية المعروفة: مصر، العراق، الصين، اليونان، روما، الهند، وصولا الى انكلترا وفرنسا والمانيا. جميعها حضارات سهلية وعواصمها في السهول التي لا ترتفع عن مستوى سطح البحر. اما الجزر والجبال وبوادي الرمال أو الثلوج، بسبب العزلة وصعوبة التواصل، لا تسمح، لا بانبثاق دولة قوية ولا حضارة زاهية. (مثال: جبال كردستان، وصحراء نجد وتركستان وثلوج سيبيريا، وجزر اندونيسيا وجنوب آسيا.. الخ..). لكن الهضاب الجبلية العالية والواسعة، مثل الاناضول وايران، بالعكس تسمح بتأسيس دول قوية محمية بالجبال. بل انها تصبح قلاعا حصينة تتوسع نحو البلدان المحيطة بها لتشكل امبراطوريات كبرى، آخرها الصفوية الايرانية والعثمانية التركية. ولكن بنفس الوقت، كما ذكرنا، ان طبيعتها الجدية العملية، تمنعها من تكون حضارات ثقافية متميزة، واقصى ما تستبطعه ان تسبها من الآخرين (سنفصل موضوع ايران والحضارة).

هنا بالضبط يتجلى التناقض بين الشخصيتين العراقية والايرانية ويبلغ اقصى درجاته في اخطر موضوع بجانب موضوع (الحضارة)، الا وهو موضوع (السياسة)، أي طبيعة العلاقة التاريخية مع (الدولة). ويمكن وصف هذا التناقض كالتالي:

ـ من ناحية تمتع ايران بشرط جغرافي مهم جدا لتكوين دولتها، فهي هضبة واسعة وعالية محاطة بالجبال المنيعة الشامخة من كل ناحية، اشبه بالقلعة الجبارة المسورة. وهذا ساعد دائما على تكوين دولة صلبة محمية وقادرة بسهولة على فرض هيمنتها وتوحيد شعوب الهضبة الايرانية رغم اختلافاتهم القبائلية والقومية. اكبر مثال على مدى قوة الطبيعية التوحيدية للدولة الايرانية، ان اعظم دولتين وطنيتين وحدتا ايران خلال القرون الاخيرة، الصفوية ثم القاجارية، لم يحكمهما الفرس، بل سلالة آذربيجانية ناطقة بالتركية! بل حتى (رضا شاه) مؤسس ايران الحديثة له اصول قفقاسية تركية. اخيرا لا ننسى ان الكثير من قيادات الدولة الايرانية الحالية، هم (سادة علويين) أي اصول عربية، مثل الخميني وخاتمي والخامئني.  كل هذا لكي نبين كيف ان (قوة وديمومة الدولة الايرانية) ظلت اقوى من الاصول القومية، وهي صانعة الهوية الوطنية المشتركة.

اما العراق، فمن سوء حظه، رغم سهوله ونهريه وقدراته الفائقة العقلية والحضارية، ظل دائما ارضا مفتوحة سهلة الاجتياح، لعدم وجود اية موانع طبيعية تحميه: لا جبال ولا صحارى قاحلة ولا بحار شاسعة. انه وادي خصيب سهلي تشرف عليه اعتى الهضاب العالية الجبارة: هضبة ايران وهضبة الاناضول، بالاضافة الى البوادي الشاسعة من الغرب والجنوب. وهذا الوضع ادى خصوصا بعد ظهور الدول في هضبتي الاناضول ثم ايران، منذ اواسط 2000 ق.م ، الى كثرة اجتياحات القبائل الجبلية القادمة من جبال زاغاروس المجاورة وكذلك من هضبتي ايران والاناضول: حوريون وميديون.. ثم بدأت الاحتلال الفعلي الايراني، منذ الاخمينيين الذين اسقطوا بابل (539ق.م)، حتى الخامئنيين في الوقت الحالي!

سبب هوس ايران باحتلال العراق!

ان هذا الاندفاع الجنوني الايراني للسيطرة على بلاد النهرين، نابع من الوضع التالي:

ان ايران طيلة تاريخها ظلت تعاني من عدم وجود السهول الواسعة المنفتحة. فالسهل الوحيد المتوفر لديها هو شاطئ بحر قزوين، لكنه ضيق يترواح بين 2 كلم واقصاه 50 كلم. ثم هذا البحر بالحقيقة هو بحيرة كبيرة مغلقة لا تمنح أية آفاق اقتصادية او حضارية، كما هو حال البحر المتوسط مثلا. ثم ان جميع البلدان المحيطة بأيران، هي مثلها، ايضا هضاب وجبال عصية: الاناضول والقفقاس وافغانستان ثم الهند (باكستان فيما بعد). اما (تركمانستان) المجاورة فهي سهلية لكنها عمومة صحراوية. اما ساحل الخليج، فهو ضيق جدا وتطل عليه جبال زاغاروس مباشرة. فمثلا ان موانئها على الخليج مثل (بندر عباس وبوشهر) تستفيد من جزر محاذية. (بالمقارنة مع بلاد الاناضول مثلا، اي تركيا، رغم الهضبة والجبال، فانها تتمتع بسهول بحرية كبيرة على سواحل المتوسط والاسود والفسفور. يكفي القول ان العاصمة اسطنبول سهلية ساحلية). إذن ليس امام ايران كي تنبسط وتتنفس هواء السهول والبحار، غير هذا الوادي النهري الخصيب والمنفتح والواقع مباشرة تحت جبالها (زاغاروس)على اطول حدود لها التي (1458 كلم، عدى الاحواز). والذي يثير الشهوة اكثر، ان هذا الوادي النهري ليس مليئا بالخيرات الزراعية فحسب، بل فيه الخيرات الحضارية والابداعية المذهلة، التي طالما خلبت لبّ الايرانيين المحرومين من هذه الروح الابداعية الفنطازية. ثم انه احتلال العراق يعني بلوغ شواطئ البحر المتوسط الواعدة، حيث سواحل الشام، ثم مصر.

هكذا تمكنت ايران طيلة التاريخ من استثمار تفوقها الجغرافي وصرامة شعبها الجبلي، لتفرض احتلالها للعراق السهل والممتع ارضا وشعبا. استمروا خلال قرون طويلة منذ احتلالهم بابل في القرن السادس ق.م حتى القرن السابع ب.م حيث حرره العرب المسلمون (633م). ثم عاودت ايران محاولاتها الاحتلالية مع الدولة الصفوية ولكنها فشلت عموما امام قوة العثمانيين.  وليس صدفة انها اصّرت على احتلال الاحواز العربية العراقية، لانها السهل الوحيد حاليا لايران، بالاضافة الى اهمية موانئ الاحواز على الخليج، ثم ثروتها النفطية الهائلة التي تعتاش عليها ايران. (ناهيك عن اغتصاب تاريخ الاحواز القديم وحضارته العيلامية التي هي جزء من حضارة النهرين، وشقيقة للحضارة السومرية)!

ومن عجائب التاريخ الايراني، والدليل على مدى هوسها بالعراق، انها دائما جعلت عاصمتها في العراق: بابل، ثم سوسة (الاحواز) و(المدائن) قرب بغداد الحالية. ودائما تبنت الحضارة العراقية: البابلية ثم الآرامية، بل حتى المسيحية العراقية (النسطورية) تغلبت على المجوسية في ايران نفسها. ثم تبنت الاسلام العربي العراقي، واخيرا التشيع العراقي. (سنفصل هذا الموضوع في دراسة قادمة).

تأثير ضعف الدولة على شخصية العراقي!

ان هذا الضعف التاريخي الطبيعي (للدولة العراقية) والاحتلالات الايرانية والاجنبية (العثمانية ثم الانكليزية واخيرا الامريكية) المستمرة، قد عمق عيوب الشخصية العراقية.  إذ تعودت مع مر القرون وفقدان الدولة الوطنية القوية التي تمثلها وتمنحها الامن والكرامة، الى الميل للتراخي والحلل وصعوبة الالتزام والتنظيم والادارة الذاتية. لأنها بحاجة دائمة الى (إدارة عليا) تراقبها وتوجهها وتبث العزيمة فيها: (الدولة خصوصا، كذلك الحزب والعشيرة والمرجع.. الخ). دون هذه (الادارة العليا) يكون العراقي اشبه بمركب بلا ملاح، فاقدا لارادته، فرديا كسولا عبثيا، يمضي وقته بالمتعة والطعام والجنس، ثم عندما يتعب ويصحو، يلجأ الى التشاؤم والتبكي والتشكي من ظلم الدولة والخالق.

الامر الذي يجلب الانتباه طيلة التاريخ العراقي، أن جميع الحقب التي بلغ فيها العراقيون اوجهم الابداعي الثقافي والحضاري، (مثل حقب الحضارة القديمة، ثم العباسية، بل حتى بعض فترات الحقبة الملكية والجمهورية)، كانت قد توفرت لهم دولة مركزية فرضت عليهم القانون وضمنت لهم نوعا من الامن والاستقرار.  وليس هي صدفة ابدا، ان اعظم انجاز حضاري هي (شريعة حمورابي 1800 ق.م) التي هي اقدم قانون في التاريخ، وتعبير عن حاجتهم الى الانضباط والانتظام. وليس صدفة ايضا، دور العراقيين الحاسم في تأسيس مدارس الفقه الاسلامي، أي القواعد والقوانين الشرعية.

الخطير في هذا الوضع، ان احتياج العراقي، فرديا وجماعيا، لادراة عليا، جعلته عموما، مع غياب او ضعف الدولة الوطنية، يقبل بأية دولة او إدارة تهتم به وتمنحه بعض الامان، حتى لو كانت اجنبية معادية للوطن. لهذا ظل يسود العراقيين هذا الانقسام العجيب في التبعية للخارج لمن هب ودب من الدول. بل الانكى من هذا، ان مخياله منحه السهولة بابتداع الحجج العقائدية والحزبية التي تبرر تبعيته: باسم العروبة تبع سوريا ومصر وليبيا.. باسم الاسلام والسنة تبع تركيا والسعودية وقطر..باسم الشيعة تبع ايران.. باسم الشيوعية تبع روسيا وغيرها.. باسم المعارضة للبعث تبع البرزاني.. باسم الديمقراطية تبع انكلترا امريكا!! وليس صدفة ابدا انه حتى الآن ورغم جميع الكوارث، لا زالت جميع النخب العراقية عاجزة عن خلق تيار وطني عراقي توحيدي لا يتبع اية قوة خارجية، بل فقط العراق وشعبه ومصالحه!

يتوجب التوضيح، ان هذا ضعف الجغرافي العراقي، من الناحية الفعلية حاليا فقد اهميته بسبب القوانين الدولية وكذلك تطور التقنيات العسكرية. لكن المشكلة ان الميراث النفسي لهذه العلاقة الاشكالية، طيلة آلاف الاعوام، لا زال عميقا وفعالا في العقل الباطني، الايراني والعراقي.

وان الحل الوحيد امام العراقيين للتخلص منه هذا الميراث، يكمن في الاحياء الثقافي والسياسي للهوية الوطنية الجامعة، التي تربي العراقيين وخصوصا النخب الثقافية والسياسية والدينية، على تحريم التبعية للقوى الخارجية مهما كانت، وبالذات ايران.

 

سليم مطر ـ جنيف

.....................

بعض المصادر:

1- (راجع مثلا، وكيبيديا: جغرافيا ايران).

2- (مثال عن مخاطر الجبال:

https://sgs.org.sa/Arabic/GeologicalRisk/Pages/MountainCliffs.aspx

3ـ دراسة عبد الجبار الرفاعي:

http://www.almothaqaf.com/qadayaama/qadayama-09/18310-----1979-1800----

4 - (طالع مثلا، ويكيبديا: علم الفلك البابلي)،

 

 

 

ياسين كارديديمنذ أن يعي الإنسان وجوده وهو يسعى في سبيل معرفة حقيقة هذا الوجود فيسأل أسئلة من قبيل: لماذا أوجد؟ ومن الذي أوجدني؟ فإما أن تخطفه سلطة النص فتسقطه في الإطلاق ليتحول من البحث عن الحقيقة إلى البحث عن الحق قياسا إلى اليقين المطلق، وإما أن يهتدي إلى دوامة من الأسئلة توقفه على واقع النسبية فيسلك سبيل الشك باحثا لكل حركة في الوجود عن معنى، فيَحكم أسئلته كلها بسؤال المعنى، وبين "يقين النص" و"شك العقل السائل" تبنى الإجابات والمعتقدات والأحكام التي بمقتضاها يُفسر أصل الوجود وحركته ومصيره، واستنادا إلى هذا التفسير يُحكم على الفعل فنصير أمام عملية انتخاب للأفعال تخدم تصورات للوجود، هذا كله في سبيل عَالًم المعنى وبين تصور وآخر يبرز سؤال المشروعية" مشروعية الأفعال" الذي مرده إلى اختلاف التصورات وبالتالي التعدد، ووسط هذا التعدد تضيع الحقيقة ويطفوا إلى السطح مبدأ الأحقية بالحق، والناظر في تاريخ البشرية يفهم أنه لا شيء أخطر على الوجود من هذا المبدأ. لهذا نستطيع أن نتفهم هَم الفيلسوف المبثوث في تساؤلاته وكتاباته الفلسفية، و هَم رجل الدين حين يخطب في الأتباع وفي العالمين، ونرد الهَمين إلى الانتصار للتحرر الكفيل بحفظ وحدة الإنسانية.

دائما ما يقول المُتهممون بقضايا الإنسانية أنه لا يمكن أن تغير أو تصلح ما تقرر في الأذهان والوجدان وحتى في الواقع ما دمت لم تفكر وتتساءل ومقتضى هذا التفكير والتساؤل أن تحاول أن تفهم البنية أولا، وهو ما لا يكون إلا بالتحرر من كل المسلمات والمصادقات السائدة التي يصادق عليها الجميع تقريبا و التساؤل عن مدى صحتها.

- لماذا الأمر على هذا النحو وليس على هذا؟

- لماذا تتحرك الأمور في هذا الاتجاه وليس في هذا؟

- لماذا كل الناس يصادقون على هذا الواقع ؟

- لماذا كل الناس تصادق على هذه الفكرة وأنا أرى أن فيها خللا؟

- لماذا؟ ولماذا؟ ولماذا؟ ...

أسئلة لا متناهية تبدأ بلماذا؟ تحاول البحث عن مبرر لواقع حاصل نراه يدفع نحو تقرير أفكار سقيمة تجعل من الناس إمعة، كما يقود لكتابة تاريخ مزيف نحاول أن نقنع أنفسنا أنه أفضل ما يمكن أن نعيشه، قد تبدوا أسئلتك هذه غريبة خاصة عندما تطرحها على من تشاركهم المحيط من تقاسمهم الهموم بعد أن استقرت في وجدانك وصرت لا تفكر إلا فيها حتى أنها ورثتك هما ثقيلا بحيث لا تكاد تجيب عن إحداها حتى تفضي بك هذه الإجابة الجزئية إلى أسئلة أخرى أعمق وأعمق.

هي أسئلة انعكست على خطاباتك ونقاشاتك وتفكيرك كله، نعم هكذا يكون من يسكنه هم الوجود وأسئلته الوجودية ومن يريد أن يجعل لوجوده معنى. أسئلة قد تظهرك غريبا نعم كن على يقين أنك ستبدوا غريبا، أتدري ماذا قال أحدهم لأمثالك الغريبين بأسئلتهم التي تناقض السائد، قال:" اخدموا غرابتكم"، لا تترك أصحاب عقلية السائد يضلوك عن سبيل التساؤل عن الحق والحقيقة مهما حاولوا أن يقنعوك أن ما عليه الناس هو الحق وعين الحقيقة، تساءل لتبني إجاباتك وربما إجابات الآخرين لا تتوقف عن التساؤل فتحرم الناس والعَالَم من حولك من تصور تقودك إليه أسئلتك قد يكون سليما ويقود الإنسانية إلى عالم متحرر.

لذلك تأتي هذه السلسلة للتساؤل بخصوص مجموعة من الأفكار والأحكام السائدة_ التي قد يظن البعض أن النقاش حولها قد حُسم، خاصة في قضايا الإيمان والسياسة والأخلاق، والإنسان في علاقته بالعَالم والإله_ تساؤل الباحث عن الحق والحقيقة لا تساؤل المنتصر لرأي أو تصور أو جواب معين.

 

ياسين كارديدي، باحث في الفكر الإسلامي والفلسفة، جامعة عبد المالك السعدي/ تطوان المغرب

 

محمد عبد الكريم يوسففي عام 1985 اجتمع الفلاسفة من شتى العصور في دمشق العروبة وتقاطروا من كل فج عميق ومن أقاصي الأرض في مؤتمرهم الأول. كانت الرحلة قاسية على بعض الفلاسفة فقد كان عليهم الحضور من عصر الإغريق وبعضهم من العصر الروماني الأول وبعضهم من الصين القديمة وبعضهم من اليابان القديمة وبعضهم من أوروبا الظلام وأمريكا العتيقة . لقد أراد الفلاسفة إصدار بيان فلسفي من دمشق عاصمة الحياة يصحح ما اعوج من فكر. وقد دون محضر الاجتماع الأستاذ ابراهيم فاضل في كتابه " لقاءات الفلاسفة " وأصدرته وزارة الثقافة والإرشاد القومي في كتاب جميل في عام 1988 بعد أن اطلع عليه ونقحه الفيلسوف السوري أنطوان مقدسي.

أراد الفلاسفة أن يلتهب الخاطر فكرا ويجتمع متجاوزا دخان السياسة بعد بلوغها سن الرشد وكما تعلمون فإن الفلاسفة يتلذذون بأداء كل ما يوكل إليهم من أعمال. دمشق هي دمشق المحطة الأبدية واليوم يجتمع فيها أصحاب الرأي قديمه وحديثه. وكان الاجتماع مهيئا للنجاح بلا قيد أو شروط مسبقة فالردهات معدة لتريح الفلاسفة والعلماء ودمشق تثق بهم وبحكمتهم وأهدافهم. لا ندري لماذا تغيب حكماء الكلدان وكنعان وبابل ممن عملوا في الذرة والفلك والرياضيات والطبيعة وفي ردهة من ردهات القاعة بدأ أفلاطون بمهاجمة النظرية الذرية الكلدانية لاعتقادها بأن القمر والشمس والكواكب الأخرى ما هي إلا حجارة وأتربة في حين أنه يعتقد أن هذه الكواكب ما هي إلا آلهة تعتني بالبشر وتحدد مسار حياتهم وتضع لكل إنسان برجا يحرك مصيره في مدار دقيق مصمم مسبقا. ثم تقتنع الفلسفة المثالية العالمية بإلوهية الكواكب  والشمس والقمر ويحكم أفلاطون على الذريين  الكلدانيين بالإعدام في خطأ فادح يعرقل مسيرة الدماغ البشري وتطوره.

كم هو صعب أن تدون محضر مجلس الفلاسفة من الشرق والغرب في رحلة تصحيح وتصويب لمسار الفلسفة وتنقيته من الشوائب الأهواء والمصالح والمشافهة. كانت القاعة رحبة الصدر فارهة القد تتسع للحب بأبعاده وأنواعه وكانت الأبواب كثيرة تستوعب ضيوف دمشق على كثرتهم. فمن الباب الشرقي دخل رواد الفكر الذري القديم وعلى رأسهم لايسين وأحشورش الاخميني ولوقيب وديموقريط يتبعهم جابر بن حيان. ومن الباب الشمالي دلف هرقليط صاحب النار وفيثاغورس المحتار بين أهله الإغريق ومعلميه المصريين والبابليين وحماته الإيطاليين  وضاع أرسطو بين سكون زينون الايلي وحركية هرقليط فبسط له أستاذه أفلاطون سجادة الوجود واللا وجود على مقعد مثالي هزاز يليق به. ومن باب الإسكندرية يدخل أفلوطين فيتعثر برصيف صور الذي لو لم يتمسك بكرسي روما وأستاذه أمونيوس سكاس لما استقرت له صوفيته. أما الحلاج الفرنسي ديكارت والحلاج الهولندي اسبينوزا فكانا يميسان بين الكون في خلقه والجوهر في ذاته. ثم وضع كانت منظار الميتفيزيك على عيني العقل المحض  بينما حمل فيخته معه تناقض المقولات الاستدلالية وطرح هيغل كينونته وجلس الأخوان ماركس وانجلز على كرسي الوجود المحقق بالمعرفة والفكر والقائم على التناقض الجدلي. أما نيوتن واينشتاين فقد احتلا مقعدي الشرف. أما شبلي شميل فقد جلس في الخلف يراقب نيوتن واينشتاين يتهامسان عن ملكوت الجاذبية والأصول والرياضيات في فلسفة الطبيعة في حين بدأ اينشتاين يبشره بالبعد الرابع ومقاومة المادة للتغيرات وحركة الذرات الدائمة وتطورات النظرية النسبية. وجلس طالي يتأمل المادية الكنعانية الجدلية وكيف سيبسط الأشياء لأترابه وصفن أفلاطون كيف سيدافع عن خيالاته ويعتذر عن أخطائه الفادحة أحيانا. وتأمل شاعر القصيدة اليتمية دوقلة المنبجي كيف سيظهر لهذا الحشد العظيم جمال صراع الأضداد في قصيدته العصماء عن "دعد" وكيف سيبسط جدلية الطبيعة وجمال الاختلاف ورحمته. أما زينون الايلي فقد تنحنح من مكانه وهو يبحث عن طريقة لإقناع الناس بأن الحركة سكون والسكون حركة وكيف سيشرح أفكار أستاذه بارمينداس زعيم المدرسة الإيلية وبعد لحظة حدث ما نسميه في الفلسفة " الصمت المفكر " و " الحديث الصامت" وتكاد تسمع رنين صوت الإبرة لو سقطت في قاعة تضم في جنباتها آلاف المفكرين من كل العصور. كان أرسطو التواب يجلس واجما يتطلع إلى " أفلاطون" حينا فتتحرك التوبة في أساريره ويتذكر " كانت " فيحتمي بعقله المحض. لقد أوحى إليه أفلاطون بالوهم فقبله وحمل "كانت" عنه إدمان العقل فشط عن الصواب. الندم صك براءة يأخذه الإنسان للتفكير في أخطائه  فكيف يمكن أن تصل كف أرسطو إلى هذا الصك وهو بعيد مسافة 2500 سنة عنا. وتذكر كيف انسحبت الجيوش الفارسية أمام المد الإغريقي المقدوني بقيادة الإسكندر وكيف كتب له " سر الأسرار" موجها وضابطا لسلوك تلميذه. وعندما مات الإسكندر توزع ملكه بين قادته وكانت دمشق من نصيب سلوقس والقاهرة من نصيب بطليموس. وشاركه في التأمل بنفس الأفكار والسياق إقليدس الذي ولد في صور واخترع الهندسة وتذكر إقليدس كيف طلب منه بطليموس أن يعلمه الهندسة وكيف أجابه بأن " لا طريق هناك للملوك إلى علم الهندسة ". وجلس رواد الأفلاطونية الجديدة مع بعضهم يتأملون المطلق والعبودية الجديدة وتسلط الحكام والتفنن في محبة الإله بجمال وتفرد لم يفهمه أحد وكان الحسين بن منصور الحلاج وجابر بن حيان  ومحمد ابن زكريا الرازي وأبي حاتم الرازي والحسن ابن الهيثم والكندي وابن طفيل وابن رشد والفارابي وابن سينا والكرماني  على قائمة رواد الأفلاطونية الجديدة وكانت السيوف مجلوة على رقابهم تطلب منهم الموافقة على الأخطاء المقدسة. تنحنح أبو العلاء من مقعده وهمس قائلا : " الناس على دين ملوكهم." ثم تمتم قائلا : " إذا قلت المحال رفعت صوتي وإن قلت الصحيح أطلت همسي  "  وتتجول العدسة بين الحاضرين لتركز على رجل يجلس بمحاذاة أبي العلاء المعري. إنه أبو الطيب المتنبي ونستغرب لماذا لا نجده في قاموس الفلسفة. ربما كان السبب هو الغباء أم انحياز بناة المعاجم. المتنبي فيلسوف وعالم نفس وعالم اجتماع أيضا. دخل مختبرات عديدة حموضها وأسسها الناس جميعا على اختلاف مشاربهم ومذاهبهم ومفاهيمهم وطرقهم وألوانهم فهو من سمى موسيقى الحرب ضجيج والخيول المدلهمة تصهال والسيوف العربية صليل والكهول السمر رندحات. في هذه اللحظات أشارت اللوحة الالكترونية إلى عام 625م حيث سيف الدولة الحمداني وأبو فراس لتكتمل الصورة بين قائد ووزير إعلام وفقيه لا يشق له غبار. خاف أحد الحضور خيانة عينيه فهو يرى المتنبي ببصره وبصيرته  وتذكره حين قال :" وإذا خفيت عن الجهول فعاذر ألا تراني مقلة عمياء " وهمس قائلا : " ألا ترى ما أرى يا بيكون ؟ الصوفية العقلية كلها بجوارك. " وابتسم فرنسيس بيكون قائلا :" هو من قال : كأن بجسمي نحولا أنني رجل..لولا مخاطبتي إياك لم ترني." ثم تابع قائلا هو من صاغ اللطائف الفلسفية شعرا جميلا وترك دويا يتردد صداه عبر العصور حين قال :" وتركك الدنيا دويا كأنما تداول سمع المرء أنمله العشر." والدوي الداخلي أقسى من الدوي الخارجي فإذا تداول المرء أذنيه بأصابعه العشر سمع دويا  ناتجا عن كيانه وليس من خارج جسده فلا صوت بلا حركة ولا حركة بلا صوت. وقد لا نسمع حركة الأرض ونحن عليها وهذا ما تصبو إليها موسيقى النجوم في التناغم القديم.

ثم بدأ الاجتماع لمدة ثلاثة أيام في ضيافة دمشق العروبة وكانت نتائج اللقاء الفلسفي الأولى القرارات التالية:

- يا فلاسفة العالم توحدوا بي.

- تحديد تقويم فلسفي يبدأ بتاريخ 5 آب 1985 يسمى " التقويم الفلسفي الدمشقي".

- المطلوب منكم اختيار أسماء جديدة تناسب روح العصر الحالي والتكنولوجيا والنظرية الكمية واقتصاد المعرفة.

- إلغاء المبادئ التي فرقت الناس شيعا وأحزابا وجماعات متشاحنة متقاتلة حيث الموت والدمار.  

- تصنيف وتبويب الخطأ والصواب عبر لجنة مشكلة منكم رغم اختلاف العصور والأزمنة.

- الأسس التي فرقت الناس هي

أسس المادية التي تقول:

- تسبق المادة الوعي وتنشئه.

- الكون أبدي لا أول له ولا أخر.

- الكون واحد لا ثنائي "أعلى وأدنى".

- يمكن للإنسان أن يعرف أسرار الكون.

- تدرك المعرفة بالجد والجهد والتخطيط لا بالتأمل.

أسس الجدلية التي تقول:

- لا توجد حقائق ثابتة داخل الوعي أو خارجه وتتغير هذه الحقائق مع المتغيرات الدالة على حركة الكون.

- الفكر والمعرفة يساويان الوجود.

- الوجود يساوي الأشياء وظواهرها ويحدد صيرورتها.

- يتم التطور الصيروري بالانتقال من الكم إلى الكيف.

- نفي اللحظة المبدئية في التطور ونفي الطفرات.

- يبنى التطور على ارتباطات الأضداد بين المطلق والنسبي والثابت والمتغير والنفي ونفي النفي.

- قد يحدث التحول من مكان إلى مكان ألطف.

أسس المثالية التي تقول:

- الروح تسبق المادة.

- الروح لا مادية.

- للكون بداية ونهاية.

- الكون ثنائي أدنى وأعلى.

- لا يمكن للإنسان معرفة الكون.

 

فروع المثالية:

- الفرع التأسيسي وصاحبه أفلاطون وجدده هيغل وشالنغ باسم "المثالية الموضوعية".

- الفرع الثاني  اخترعه أفلوطين وطعمه بالصوفية والوجد والتأمل ولقبه "الأفلاطونية الجديدة ".

- الفرع الثالث طوره اللاهوتيون والفرديون واللغويون والصوفيون وسموه " الغوث الأعظم".

- الفرع الرابع خطط له ونفذه البرجوازية الأوروبية وقد أسسه ديكارت وبيركلي وكانت وفيخته وماخ وسموه " المثالية الذاتية".

- الفرع الخامس روج له النفعيون وسموه " الوجودية" و"الوضعية الجديدة" و"التوماوية الجديدة".

- الفرع السادس بنته الامبريالية العالمية بعد أن صاهرت جميع الفروع السابقة وأنتجت "المادية الجدلية المعاصرة ".

- الفرع السابع اخترعه الفيزيائيون والرياضيون وبدلوا العالم العلوي بعالم الرياضيات المجرد المستقل عن الواقع وسموه "المثالية الفيزيائية الرياضية".

- الفرع الثامن آمن به الأطباء وعلى رأسهم يوهانز موللر الذي اعتبر أن الحواس رمز للعالم الواقعي الموضوعي  وسموه " المثالية التشريحية "

- الفرع التاسع أسسه النظريون بزعامة كانت وحملوا الميتافيزيق مسؤولية أن تفسر حقائق الكون وسماه "المثالية النقدية ".

وقد اتفق علماء الفلسفة على تجديد اللقاء في دمشق كلما سنحت الظروف.

تمر سورية حاليا في مرحلة صراع النظريات الفلسفية على أرضها ونأمل أن يتم عقد اللقاء الثاني قريبا بعد انتصارها على أعدائها لتتكلم الفلسفة عن نفسها وعما حدث.

 

بقلم محمد عبد الكريم يوسف

...............................

المرجع

ابراهيم فاضل ، لقاءات الفلاسفة ، وزارة الثقافة ، دمشق 1988

 

جواد بشارةيبدو أن الكون المرئي والكون اللامرئي متشحان بالسواد والعتمة. ففي الكون المرئي نجد أن الطاغي عليه هي مكونات مظلمة سوداء كالطاقة المظلمة أو السوداء والمادة المظلمة أو السوداء والثقوب السوداء، فيما يتميز الكون اللامرئي بأنه مكون من مادة لا نعرفها قد تكون المادة المضادة المختفية من الكون المرئي والتي نشأت منذ ولادة الكون في لحظة الانفجار العظيم بكميات تكاد تساوي المادة العادية المكونة لكوننا المرئي حيث يعتقد العديد من العلماء أنها تشكل أكواناً موازية لكنها خفية لامرئية لكوننا لأنها لا تتفاعل معه إلا عبر الجاذبية أو الثقالة الكونية. العلماء مصابون بالذهول والحيرة ولقد بلغوا الحد الأقصى من الفهم والاستيعاب والإدراك بيد أنهم يتمتعون بمخيلة لامحدودة. يخشى الكثير من العلماء أننا قد نعيش في دوامة من أفلاك التدوير السوداء أو الحلقات السوداء épicycles noirs، للتعبير عن التشاؤم بخصوص مستقبل المنهجية العلمية المتبعة اليوم. فالنموذج الهندسي للكون الذي وضعه الفيلسوف والعالم الإغريقي بطليموس هو نموذج مركزية الأرض géocentrique ودوران الشمس والأفلاك الأخرى حولها والذي ساد لغاية القرن السابع عشر. وتعرض للكثير من الإضافات والتعديلات على شكل حلقات ثانوية وأخرى أدنى منها تدور حول الأرض على طريقة الـ épicycles، للاستمرار بالاعتقاد بشأن ثبات حركة الكواكب المرصودة في الفضاء القريب من الأرض في مجموعتنا الشمسية أو في نظامنا الشمسي. وبقي هذا الحال إلى أن نسفه العالم كوبرنيكوس أو كوبرنيك، بنموذجه الشمسي المركزي héliocentrique، القائل بمركزية الشمس ودوران الكواكب حولها، وكان ذلك النموذج أبسط وأكثر أناقة.

ألف سنة من أفلاك التدوير الحلقية السوداء قد تمرقبل أن نتمكن من إحداث ثورة معرفية، وهو مايخشاه العلماء بخصوص نماذج المادة السوداء الكونية . لقد قرر بعض العلماء المختصين بالمادة السوداء افتراض أن المكون الأولي والأساسي لها هي جسيمات الويمبس wimps والتي قد تكون لديها كتلة أكبر مما كانوا يعتقدون لتفسير سبب عدم رصدها وكشفها، على أمل ظهور كوبرنيكوس جديد معاصر لإجلاء الغموض وتبسيط هذا لتعقيد أو الردب العلمي من خلال مبادرة علمية تحريرية لأن الأزمة قائمة. وبسبب عدم التوصل إلى وجود جسيمات المادة السوداء الأولية مختبرياً من خلال التجارب التي أجريت على مدى عدة عقود، فقد العلماء البوصلة التي تقودهم للوصول إلى المادة السوداء وكشف ماهيتها . من بين النظريات التي تبناها العلماء لهذا الغرض هي نظرية التناظر أو التماثل الفائق supersymétrie حيث الويمبس wimps هو إحدى أركانها . وهي نظرية جميلة وأنيقة مبنية على التناظر والتماثل الفائق بين الجسيمات الأولية للمادة وتفاعلاتها لكن العقبة تكمن في عدم اكتشاف أو رصد الجسيمات الأولية للتناظر والتماثل particules supersymétriques في التجارب التي أجريت في مصادم ومسرع الجسيمات الأولية LHC على الحدود الفرنسية السويسرية القريب من جنيف، ومن ثم انهيار فرضية جسيمات الويمبس ما دفع العلماء للبحث عن بدائل أو كينونات دون مجهرية غريبة كالجسيمات الفائقة الخفة particules ultralégeres، أو الويمبسات الأكثر ثقلاً ووزناً وكتلة وحجماً ومع ذلك لم يعثر عليها أحد، وكذلك افتراض شبكات من البايتات الكمومية أو الكوانتية bits quantiques تقوم بنسج الزمكان، أو افتراض وجود أبعاد مكانية إضافية غير مرئية لصغرها، منطوية على نفسها وموازية للأبعاد المكانية الثلاثة المعروفة والبعد الزمني الملموس كما تقول نظرية الأوتار الفائقة، أو اللجوء إلى فرضية الكتلة السالبة Masses négatives. كل هذه البدائل وغيرها تمتلك جوانب أنيقة ومغرية ولها جماليتها الخاصة وتعقيدها بل وجنونها. خاصة عندما يحاول العلماء بجدية إقناعنا بأن نفكر بأننا نعيش في كون يخفي عنا أبعاد مكانية إضافية غير مرئية أو عالم غامض غير مرئي متداخل مع عالمنا المرئي وواقعنا الملموس لكننا لا نراه ولا نشعر به . أو بوجود واقع آخر خفي غير مرئي مليء بالآكسيونات Axions والنيوترينوات العقيمة neutrinos stériles، يكون هو المصدر غير المرئي لجسيمات المادة المظلمة أو السوداء الأولية.

للتفكير بالمادة السوداء لا بد للفيزيائيين المنظرين أو التنظيريين القيام بعملية اختيار لصياغة التطورات النظرية في هذا المجال. ولا بد من أن يدخلوا في مساعيهم الدلائل التجريبية المختبرية والرصد المباشر، بل وحتى لو كان ذلك من خلال عملية الرصد غير المباشر. فالنظرية العلمية هي في واقع الأمر معادلات رياضياتية زائد تأكيدات تجريبية مختبرية عبر التجارب العلمية حيث يمكن التحقق من صحة وصواب النظرية. هناك نظريات قابلة للتجريب مبدئياً لكنها عصية على التجارب في الواقع حالياً. خاصة في حالة اختلاف لعلماء الذين يجرون تلك التجارب في استنتاجاتهم وحسم مواقفهم من النتائج المختبرية الناجمة عن تجاربهم. والأنكى من ذلك عندما ترفض الطبيعة الانصياع والتحدث إلينا بلغة العلم لتأكيد صحة توقعاتنا النظرية وتبقى صامتة إزاء العديد من المعضلات والألغاز والأسرار والظواهر والتحديات.

تطلب الأمر مرور ربع قرن بين التنبؤ بوجود النيوترينو واكتشافه ورصده مختبرياً، ونصف قرن بين افتراض وجود جسيمات هيغز وتأكيد وجودها مختبرياً، وقرن من الزمن بين افتراض وجود الموجات الثقالية ورصدها مختبرياً . فالزمن الذي يحتاجه العلماء لاكتشاف جسيمات المادة السوداء قد يتجاوز أعمار جيل أو جيلين منهم .

الطريقة والمنهج:

هناك العديد من الطرق والمناهج البحثية العلمية التي يلجأ إليها العلماء للبحث في طبيعة وماهية المادة المظلمة أو السوداء والطاقة المظلمة أو السوداء والثقوب السوداء وما يجري في داخلها، وفي صحة وصلاحية نظرية الأوتار الفائقة، والتوصل إلى نظرية الثقالة الكمومية أو الكوانتية الخ.. . فهناك معيار الأناقة والجمال والبساطة، وهناك أهمية الجانب التجريبي الذي يحدد للعلماء اختياراتهم وتحبيذهم لهذه النظرية على تلك. إلى جانب قوة ومتانة وصلادة التركيبات والبنيات والمعادلات الرياضياتية وحلولها. هناك الكثير من النماذج النظرية لكن الطبيعة لا تساعد على حسم اختيار الأصح والأكفأ من بينها مما جعل بعض العلماء يشعر أنه وقع في فخ يقبع في أسس الفيزياء لأنهم قد يكونوا قد بلغوا نهاية الإرب أو الحدود القصوى لما يمكن للكائن البشري أن يقيسه ويفهمه أو يدركه مما تحمله شجرة المعرفة من ثمار . وقد يكون قد حان الأوان لتسليم الراية لمن هو أكفأ من الإنسان ألا وهو الذكاء الاصطناعي وسبر أغوار لغة علمية جديدة لا قدرة للبشر على استخدامها حالياً وبمساعدة الذكاء الاصطناعي التوغل بعيداً في دراسة تعقيدات وآفاق وإمكانيات الدماغ البشري الكامنة ومساعدة البشر على صياغة نظريات فيزيائية أكمل وأوسع وأشمل مما أنتجه البشر في الوقت الحاضر.

ولكن ماذا لو استعصى أمر اكتشاف ومعرفة ماهية وحقيقة المادة السوداء والطاقة السوداء وأعماق الثقوب السوداء ؟ هل ستتخلى الفيزياء عن مهمة معرفة طبيعة العالم وجوهره وحقيقة الواقع وأسراره؟ . هناك عدة فرضيات عن أصل وماهية المادة المظلمة أو السوداء matière noire، إحداها تقول أن الجسيمات الأولية للمادة السوداء غير قابلة للرصد على الإطلاق ولن يمكن كشفها لأنها لا تتفاعل مع المادة الطبيعية العادية التي نعرفها بأية طريقة أخرى غير الجاذبية أو الثقالة gravitation، وبما أن هذه الأخيرة مهملة ولا قيمة لها في النطاق الميكروسكوبي فإنها، أي جسيمات المادة السوداء الأولية، ربما ستفلت دائماً من مصيدة كشافاتنا المختبرية الحالية وبالتالي لن يمكننا فيزيائياً معرفة طبيعتها وجوهرها وماهيتها إذ قد يكون ذلك من المستحيلات، ومع ذلك هناك أمل بتحقيق تقدم تكنولوجي مهم يساعد على كشف تفاعلات جسيمات المادة السوداء الأولية ربما بطرق أخرى غير الثقالة أو الجاذبية . فلو كانت هذه المادة موجودة حقاً فلا بد أنها ظهرت في بواكير عملية ولادة الكون، والحال أنه لا بد من عملية تفاعل جوهري في الطبيعة بين مختلف المكونات الأولية لتوليد جسيمات أولية من الحساء البدئي للطاقة الأساسية للكون الوليد. ولو تمكن العلماء من الفرز بين فيزياء الكون المادي وفيزياء القطاع المظلم أو الأسود secteur noir، فلن يعد هناك سبب لمقارنة كميات نوعي المادة، الطبيعية والسوداء، فالنسبة التقديرية بينهما هي 1- 5 وليس فرقاً يقاس بمليار المليار، ما يعني أن هناك فيزياء ضمنية كامنة بهذا الخصوص تربط بين آليات إنتاج جسيمات المادة السوداء الأولية مع جسيمات المادة العادية الأولية. قد تكون كثافة أو شدة التفاعلات المنشودة بين نوعي الجسيمات الأولية للمادتين ضعيفة بحيث سيكون من الصعب جداً على البشر في الوقت الحاضر امتلاك المعرفة الفيزيائية الضرورية واللازمة لكشف مثل تلك التفاعلات. خاصة وإن هناك إفراط في النماذج النظرية التي تتنبأ بمثل هذه التفاعلات، ولو كانت إحداها صحيحة فسوف نعرف منها ما إذا كانت المادة السوداء باردة وإنها موجودة حقاً وعلى نحو ملموس ومكونة من نوع معين من الجسيمات الأولية ولكن من الصعب حسم اختيار الأصلح من بين تلك النماذج النظرية. تاريخ العلم يخبرنا أننا مررنا بمثل هذا الوضع كثيراً وغالبا ما انتهينا إلى العثور على ما كنا نبحث عنه مختبرياً وكان في الماضي في موقع المستحيل كما هو الحال مع النيوترينو الذي تنبأ به بول فولفغانغ سنة 1930 وتم العثور عليه بعد مرور 26 سنة، وبوزون هيغز تنبأ به هيغز سنة 64 وتم العثور عليه سنة 2014 أي بعد مرور 50 عاماً، فالأمل لا يموت أبداً .

 يتبع

 

د. جواد بشارة

 

عبد الجبار الرفاعي

عمليةُ بناءِ الإنسان هي البدايةُ الحقيقيةُ لكلِّ عمليةِ بناءٍ خلّاقة، وما تنشدُه أيةُ تنميةٍ شاملة. رأسُ المالِ البشري هو ما يتكفلُ بناءَ دولة مواطنة حديثة. رأسُ المالِ البشري أثمنُ من كلِّ رأسمال، فمهما امتلكنا من بترولٍ وغيره من مصادر الثروة المادية لن نتفوقَ على من يمتلكُ رأسَ المالِ البشري. الإنسانُ أثمن من كلِّ شيءٍ، لا شيءَ يفوقُ الإنسانَ في قيمته في عالَمنا الذي نعيشُ فيه. الاستثمارُ في الإنسان أهمُ من كلِّ استثمار. تخلفُ البلدان ينشأُ من الفشل في بناء الإنسان، وادمانِ الكسل. اليابانُ مثلًا تفتقرُ للموارد الطبيعية، لكنها بارعةٌ في بناء الإنسان، تقدّمت اليابانُ بسبب تفوق انسانها بتكوينه التربوي والقيمي والتعليمي، وتراكم خبراته المهنية، ومثابرتِه على العمل، وارتفاعِ معدل إِنْتاجيَّته كمًا وكيفًا. سنغافوة أيضًا تفتقر للثروات المادية، لكنها تفوقت على غيرها من البلدان، وقفزت لمعدلات باهرة في التنمية، بسبب أنها وضعت تكوين رأس المال البشري أولويةً في برامجها للتنمية، واعتمدت في ذلك على مكاسب العلوم والمعارف الحديثة، وما أنجزه العقلُ والخبرة البشرية من مكاسبَ مهمة في التربية والتعليم.

التربيةُ والتعليم وبناءُ القيم وترسيخها هي حجرُ الزاوية في كل عملية تنمية خلّاقة، النجاحُ فيها علامةُ كلِّ نجاح، والاخفاقُ فيها علامةُ كلِّ اخفاق. تتشكلُ معادلةُ التربيةِ والتعليم من ثلاثة عناصر، هي: المعلّم، التلميذ، المقرر الدراسي. ولا تنجز هذه المعادلةُ وعودَها ولا يمكن قطف ثمارها من دون اعادة بناء متوازية لكل عناصرها، وان أيَّ اختلال في أحد عناصر هذا المثلث يفضي إلى اختلال كل المعادلة. التربيةُ والتعليم وبناءُ القيم هي مأزق التنمية في أوطاننا، ذلك هو السببُ العميق لكلِّ فشل واخفاق في أية عملية للتنمية الشاملة.

الأميةُ الثقافيةُ والأكاديميةُ

تتفشى الأميةُ الثقافيةُ والأكاديميةُ بين أعضاء هيئات التدريس في الجامعات العربية بشكل مخيف، فقلّما ترى من يلاحق ما هو جديدٌ في تخصّصه الأكاديمي، وأقل منه من يهتم بمواكبة الإنتاج الفكري بالعربية فضلًا عن غيرِها من اللغات، أو يتعرّف على الأعمال الجادّة في مختلف الحقول.

منصاتُ التواصل الحديثة وتطبيقاتُها المتعدّدةُ والمتنوعةُ تجاوزت دورَ الكتاب التقليدي في التربية والتعليم والتكوين المعرفي، وتغلّبت على مركزيته في البناء الثقافي. غير أن كثيرًا من التدريسيين من الجيل القديم لا يحضر على منصات التواصل الحديثة، ولا يعرف شيئًا عن معظم تطبيقاتها، وإن حضرَ لا يتخطّى حضورُه الإسهامَ في العلاقات العامة والمناسبات الاجتماعية، ونادرًا ما نعثر على مشاركات نوعية لتدريسيين تعكس ثقافتَهم وتكوينَهم الأكاديمي.

كما يجهل أغلبُ التدريسيين من الجيل القديم الابتكاراتِ المدهشة للذكاء الاصطناعي، وما يعدُ به من مكاسب عظمى، تتغيرُ بتأثيرها أنماطُ العمل والانتاج والتسويق، وتختفي مهنٌ مختلفة وتحل محلها مهنٌ بديلة، ويحدث تحولٌ نوعي في وسائل تلقي العلوم والمعارف والثقافة، وتتبدل طرائقُ التدريس ووسائلُ وأساليبُ التعليم، ويطال التغييرُ مختلف مجالات الحياة، فـ "عندما نتحدث عن حضور الذكاء الاصطناعي في حياتنا اليوميّة، فنحن عمليًّا نتحدث عن كل شيء. يشمل ذلك ظهور كومبيوتر قادر على قراءة وثائق مكتوبة بخط اليد، وروبوت يُجري بنفسه عمليات جراحيّة معقدّة وبصورة مستقلة عن التدخّل البشري، وصُنع قاعدة بيانات مكثّفة تتضمن الصفات والسلوكيّات والسجايا الشخصيّة لكل فرد منا، استنادًا إلى كل ما نقرأه أو نكتبه على الإنترنت... ومع التعمّق في تحسين أداء الذكاء الاصطناعي، ينكشف أمام أعيننا أنه لن يكتفي بمجرد الحلول بدلًا من البشر، بل يستطيع التفكيرَ بطرق يعجز الإنسان عنها. ثمة خوارزميات متطوّرة تستطيع التعامل مع كميّات هائلة من المعلومات، وتتوصّل إلى استنتاج الأنماط الموجودة فيها، ما يجعلها (= الخوارزميات) على أهبة الاستعداد لتغيير المجتمع"[2].

الذكاءُ الصناعي معنى جديد لرأسِ المالِ يختلفُ عن المعنى الكلاسيكي لرأسِ المالِ، إنه أثمنُ ثروةٍ يمتلكها الإنسانُ في عالَمنا اليوم، مَنْ يمتلكها يمتلكُ حاضرَ العالَم ويتمكن من التحكم بمصائره، ومَنْ يفتقدها يفتقدُ القدرةَ على الحضور في العالَم، مثلما يفتقدُ القدرةَ على التحكم بمصائره. مهما كانت قيمةُ الثرواتِ المادية فإنها لا تساوي القيمةَ الحقيقيةَ للذكاءِ الصناعي، وما يمكن أن ينتجَه من سلعٍ وخدماتٍ ومعطياتٍ معرفيةٍ وماديةٍ متنوعةٍ في مجالاتِ الحياة البشرية المختلفة.

إن الأميةَ بأجلى تمظهراتها اليوم تعني الجهلَ بالذكاء الاصطناعي وما ينجزه اليوم ويعد به غدًا، والجهلَ بتوظيفِ منصات التواصل وتطبيقاتها المتنوعة، والعجز عن الإفادةِ من ذلك في التكوين المعرفي والثقافي، وعدم استثماره في التنمية العلمية والأكاديمية، والغفلة عن أن مصادرَ المعرفة وطرائقَ تلقيها لم تعد كما كانت أمس، ولا أساليب التعليم هي ذاتها. منصاتُ التواصل وتطبيقاتها المتنوعة كسرت احتكارَ الكتاب الورقي، وكلَّ الطرق التقليدية للتكوين المعرفي والثقافي، وتغلبت على وسائل تداولها ونشرها المتعارفة، بل أضحت موازيةً لعملية التكوين الأكاديمي في الجامعات المتوارثة منذ ما يزيد على تسعة قرون[3]، وأراها ستتفوق عليها بعد مدة ليست بعيدة.

ابتكر الذكاءُ الاصطناعي ومنصاتُ التواصل وتطبيقاتُها المتنوعة طرائقَ تدريس بديلةً تعبّر عن هوية عالَمها الوجودية، فصارت من خلالها أدقُّ المباحث وأشدُّها تعقيدًا واضحةً تُفهَم بيسر وسهولة، بأساليب بصرية وسمعية ليست رتيبة أو مملة. أزاحت الأساليبُ الجديدةُ طرائقَ تدريس ميكانيكية توارثتها عدةُ أجيال، وأقعدت معلمين متمرسين فيها عن مهنتهم، لأنها لم تعد مستساغةً للجيل الجديد.

من يحرص على التكوين المعرفي والثقافي واللغوي المستمر في أيّ مجال يرغب، يمكنه الظفرُ بمعلمين محترفين متطوعين في مختلف العلوم والمعارف واللغات، ولمختلف المستويات. فمثلًا لا يحتاج من يريد تعلّمَ لغة أخرى إلى حضور منتظم في المعاهد المعروفة لتعليم اللغات، لأن بإمكانه العودةَ إلى مواقع متخصّصة في اليوتيوب وغيرِه، تقدّم له تعليمًا ممتازًا مجانيًا وهو في بيته، ومن دون أن يتحمّل عناءَ الذهاب إلى مكان آخر، وبلا أن ينفق شيئًا من ماله، ويبدّد وقتَه.

لقد بلغ حجمُ الكمية المتدفّقة من البيانات، في مختلف العلوم والمعارف والفنون والآداب، حدًا يفوق قدرةَ الإنسان على مواكبته فضلًا عن استيعابه، لذلك لايستطيع المتخصّصون أو الهواة الاطلاعَ إلا على مساحةٍ محدودةٍ جدًا منه. إذ "ستتجاوز كمية البيانات الرقمية المنتجة خلال السنوات الثماني المقبلة 40 زيتا بايت، وهو ما يعادل 5200 جيجا بايت من البيانات لكلّ رجل وامرأة وطفل على وجه الأرض. ولوضع الأمور في نصابها 40 زيتا بايت هو 40 تريليون جيجابايت. وتشير التقديرات إلى أن هذه الكمية تبلغ 57 ضعفَ عدد كل حبات الرمال على جميع الشواطئ على وجه الأرض. ومن المتوقّع أن تتضاعف جميع البيانات كلّ عامين حتى عام 2020م"[4].

النمطُ الجديدُ للحياة أضحى فيه الإنسانُ في صيرورة أبدية، لا تكفّ عن التحوّل، ولا تتوانى عن العبور، ولا تتوقف في محطة إلّا لتلتقط أنفاسَها فتواصل الرحيل. لم يعد الإنسانُ كما عرفته أكثرُ الفلسفات القديمة؛ كائنًا عاقلًا يلبث حيث هو، لا يكون جزءًا من شيء أو يكون جزءًا لشيء، بل صار الإنسانُ في المفهوم الحديث كأنه جزءٌ من كلّ، هو محصّلةٌ لما حوله، أي إنه في "حالة المابين"، كأن الإنسانَ مسافرٌ أبدي، لا ينفكّ عن الترحال، لا يمكث بمحلٍّ إلّا ليغادرَه الى محلٍّ غيره، تبعًا لنمطِ الوجود السيّار المتحرّك لكلّ ما هو حوله، فكلّ ما حوله يسير به، ويسير معه. إنسانُ اليوم كائنٌ سندبادي، يتلقّي مختلفَ الثقافات في الآنِ نفسِه، من دون أن يغادرَ موطنَه. إنه يعيش جغرافيا جديدة، تضاريسُها هلاميةٌ، حدودُها واهيةٌ، أمكنتُها متداخلةٌ، ثقافتُها ملوّنةٌ، هويتُها تركيبيةٌ. شكلُ حياته هو الأشدُّ غرابة منذ فجر التاريخ[5].

أسبابٌ ونتائج

الأميةُ الثقافية والأكاديمية ليست خاصةً بكثيرٍ من التدريسيين في الجامعات العربية، بل إنها تغطي أكثرَ الجامعات التي أعرفها في المحيط الإقليمي خارج فضاء التعليم العالي العربي، كما تشير بعضُ البيانات والتقييمات في جامعات شرقية وغربية إلى أنها تعاني الأزمةَ نفسَها. ويعود ذلك إلى فقدان الرؤية الاستراتيجية لبناء التربية والتعليم والثقافة، والافتقار للارادة الحازمة لتنفيذها، حتى إن كانت موجودةً في بعض البلدان فإنها غيرُ صبورةٍ وهشةٍ، وعدم الحماس لذلك لدى القيادات، وعدمِ توفر الخبراء المؤهلين تأهيلًا جادًا لانجازها، وضعف البنية التحتية المادية والتكنولوجية اللازمة لولادتها.

نحاول هنا أن نتعرفَ على أسس العملية التعليمية، والكيفيةِ التي يتوالدُ فيها اغترابُ الأستاذ عن التلميذ، واغترابُ التلميذ عن الأستاذ، وأثر ذلك على التكوين الأكاديمي، وما ينتهي إليه هذا الاغتراب من أميةٍ معرفية وثقافية، ونوجزها بالآتي:

1- إن زمانَ التلميذ يختلف عن زمانِ الأستاذ، وأعنى الزمانَ بمعناه التربوي والتعليمي والثقافي.كلُّ زمانٍ مشتقٌّ من نمطِ وجودٍ يختلف عن زمانٍ مشتقٍّ من نمطِ وجودٍ آخر. نمطُ وجودِ التلميذ في العالَم هو راهنُ العالَم، ونمطُ وجودِ كثيرٍ من الأساتذة في العالَم هو ماضي العالَم. أغلبُ الأساتذةِ يعيشون اغترابًا عن حاضرهم، فينحازون بثقةٍ مفرطة للماضي، وكأن ذلك الماضي على صواب أبدي. القليلُ من الأساتذة من جيل الآباء استطاعَ حضورَ راهن العالَم، ومواكبةَ الذكاء الاصطناعي وما تقدّمه له منصاتُ الاتصال وتطبيقاتُها المتنوعة من جديد العلوم والمعارف والثقافة كل يوم.

2- كلُّ نمطِ وجودٍ يفرض نظامَه التربوي والتعليمي والثقافي المشتقَّ منه والمتناغمَ معه، وذلك النظامُ يفكّر بمنطقِ عقلانيةِ نمطِ ذلك الوجود، ويتعاطى تقاليدَه الثقافية، ويعتمد نظامَ قيمه، ويتحدّث لغتَه المتفرّدة. الجيلُ الجديد من الشباب اكتشف ذاتَه الفردية مبكرًا، وادرك أن نسيانَ الذات ضربٌ من الضياع في أوهام لا تنتمي للواقع، وذلك ما كرّس النزعةَ الفرديةَ في وعيِه وشعورِه وشخصيتِه، فأصبح عصيًا على استعبادِ الأصنام بمختلف صورها. لذلك يخفقُ التعليمُ اليومَ عندما ينشد إنتاجَ كائناتٍ بشرية متماثلة،كأنها آلاتٌ مادية تتشابه بكلِّ شيء، وتُلغى فيها فرادةُ الشخص البشري واختلافاتُه الذاتية عن كلِّ أحدٍ في الأرض، تلك الاختلافاتُ الذاتية التي هي منجمُ الإبداعِ والقدرةِ الفذة على الخلقِ والابتكار[6].

3- النظامُ التعليمي الذي يعبّر عن المتطلبات التعليمية للتلميذ غيرُ النظام التعليمي الذي يعرفه الأستاذُ ويتعلّمه التلميذ،كلٌّ منهما يفكّر بمنطق عقلانية العالَم الذي ينتمي إليه، ويتعاطى تقاليدَه الثقافية، ويعتمد نظامَ قيمه، ويتحدّث لغتَه الخاصة. اللغةُ ليست أداةً محايدة، اللغةُ تنتمي إلى منطقِ عقلانية العصر وثقافته، وذلك يعني أن الأستاذَ يفتقر لمعرفة لغة التلميذ، والتلميذ يفتقر لمعرفة لغة الأستاذ، فيكون الحوارُ بينهما بمثابة حوار الطرشان.

4- العمليةُ التعليمية عمليةٌ ديالكتيكية وليست ميكانيكية، التلميذُ فيها يُعلِّم الأستاذَ، مثلما يُعلِّم الأستاذُ التلميذَ،كلٌّ منهما مُلهِم للآخر، ومكوّنٌ لعقله، ومولِّدٌ لوعيه، ومحفزٌ لذهنه بطرح الأسئلة وابتكار الأجوبة.

5- عندما تكون العمليةُ التعليمية ميكانيكيةً تكفُّ عن أن تكون تعليمية، وتفشل في أن تظل مُلهِمةً للتلميذ والأستاذ، وتضمحل فاعليةُ الأثر والتأثير المتبادَل فيها، وغالبًا ما يصاب ذهنُ كلٍّ من المعلم والتلميذ بالوهن، ويشعران بالملل والإحباط، الذي ربما ينتهي لدى البعض لشعور بالقرف وحتى الغثيان.

6- تكرارُ الأستاذ المملُّ لكلامٍ لا يفقه أسرارَ اللغة التي ينجذب إليها التلميذُ، ولا يدرك طبيعةَ انفعالاته ومشاعره، لا يمكن أن يمنح التلميذَ علمًا ومعرفة ووعيًا بالعالم الذي يعيش فيه، ولن يؤثر في تكوين أسئلته ومتخيّله وأحلامه وهمومه المعرفية، ولا صلةَ له ببناءِ منظومةِ قيمه، وتقاليدِه الثقافية. وينتهي ذلك إلى أن يتعاطى كلٌّ من التلميذ والأستاذ مع العملية التعلمية بوصفها فرضًا، كلٌّ منهما ملزَمٌ بتأديته على شاكلته، الأستاذُ تلزمه ضروراتٌ معيشية، والتلميذُ تلزمه ضروراتٌ يفرضها تقليدٌ مكرَّسٌ لتعليمه، بغضّ النظر عن ثمراته ومآلاته.

7- الجيلُ الجديدُ يتلقى المعرفةَ والثقافةَ والقيمَ من وسائلِ الاتصال وتطبيقاتِها الكثيرة، وما تقدّمه مجانًا من موضوعاتٍ متجدّدة فاتنة جذابة، متنوعةٍ بتنوّع مراحل العمر، ومتناغمةٍ مع مختلف مستويات الإدراك والفهم والاستيعاب. تتنوع الموادُ التي تنتجها وتسوقها وسائلُ الاتصال لكلِّ مرحلةٍ عمرية حسب مستوى إدراكها وتذوقها. سما بنت ابني ابراهيم، بعمر سنتين، تمضي ساعاتٍ طويلةً كلَّ يوم تشاهد أفلامّا مخصّصةً لمرحلتها العمرية، يبثها اليوتيوب، ولفرط تذوقها لها وتفاعلها معها، تصرخ فزعةً لحظةَ يمنعها أحدُ الأبوين طالبًا منها الكفَّ عن إدمان ذلك.

8- مأزقُ أعضاء هيئة التدريس أنهم يعيشون في عالَم جديد لا يشبه عالَمَهم أمس، عالَمٌ يمضي بسرعةٍ فائقةٍ إلى الأمام، لذلك ينسى هذا العالَمُ من لم يتكيَّف معه، بل سرعان ما يمسي حضورَه عبئًا عليه فيحذفه. أكثرُ الأساتذة عجزوا عن التكيّف مع هذا العالَم، لأنهم يفتقرون للوعي العميق به، فيعجزون عن الاستجابةِ لمتطلباته ووسائله ورموزه ولغته. وأغلبُهم لا يمتلك إرادةَ التمرّد على ماضٍ شديدِ الحضورِ في أذهانهم، والسطوةِ على مشاعرهم، ولأنه مكوّنٌ عميقٌ للاوعيهم، مازال عالقًا فيهم ومازالوا عالقين فيه. إن إيقاعَ التحولات أسرعُ من استجابة النظام التعليمي لاحتياجات الأبناء، ذلك أن وتيرةَ التبدّل في كيفية عمل الذهن أسرعُ من القدرة على مواكبتِه والانتقالِ بما يستجيب له ويتناغم معه في أنظمة التربية والتعليم، من هنا ستتسع الفجوةُ بالتدريج بين هذه الأنظمة وطبيعةِ احتياجات الجيل الجديد، التي قد يعجز عن تلبيتها حتى النظامُ التعليمي في البلدان المتقدمة[7].

وكما تتطلب كلُّ الأجهزة التي تعمل على وفق أنظمة الذكاء الصناعي تحديثًا مستمرًا يرتقي بكفاءة ادائها، كذلك هو النظام التعليمي، فما لم يتم تحديثُه تنتهي صلاحيتُه ويخرج من التداول.

9- لا غرابةَ ألا يحرص أعضاءُ هيئة التدريس على التكوين المعرفي والثقافي المستمر في عالَم لا يشبههم، وأكثرُهم فشلوا في التكيّف معه. ذلك أن طرائقَ ووسائلَ وأداواتِ التكوين المعرفي والثقافي في العالَم الجديد تختلف عن تلك التي عرفوها وتمرّسوا بها وأدمنوا عليها أمس حتى صارت مكوّنًا لهويتهم المعرفية، لذلك نجد أكثرَهم يفتقدون أيَّ حافزٍ لامتلاك ما هو جديد.

10- يُصاب الأستاذُ بالملل عندما تنضب منابعُ الإلهام لديه، ويفتقر للطاقة المُلهِمة للاستجابة الفاعلة، فيفتقد الحوافزَ العميقةَ للتكوين المعرفي والثقافي المستمر ولتعلم ما هو جديد، وربما يُصاب الأستاذ بالقرف وهو يكرّر كلامًا لا ينتج علمًا لدى المتلقي ولا يكوّن معرفةً، ولا يؤثّر في بناء وعي التلميذ ومتخيّله وأحلامه وهمومه المعرفية.

 

د. عبدالجبار الرفاعي

..............................

1- كتبت هذه المقالة جوابًا لسؤال وجهه لي الصديق الدكتورعلي أسعد وطفة "أستاذ علم الاجتماع التربوي في كلية التربية بجامعة الكويت حاليًا وجامعة دمشق سابقًا"، الذي يعد بحثًا ميدانيًا عن الأمية الأكاديمية في الجامعات العربية. [1]

2- المطيري، غادة، "الذكاء الاصطناعي"، اندبندت عربية 11 يونيو 2019.[2]

3- تأسست جامعة بوبونيا في ايطاليا سنة 1088م، ويقال انها أول جامعة للتعليم العالي في الغرب، ومازالت مفتوحة إلى اليوم. وتأسست جامعة أوكسفورد في بريطانيا سنة 1167م ومازالت مفتوحة إلى اليوم.[3]

4- البيانات الضخمة.. خصائصها وفرصها وقوتها، الفيصل العلمية، الصادرة بتاريخ 28-11-2017.  أحمد، د. أبو بكر سلطان،[4]

5- الرفاعي، د. عبدالجبار، "الدين والاغتراب الميتافيزيقي"، بيروت، مركز دراسات فلسفة الدين ببغداد، ودار التنوير، الطبعة الثانية، 2019، ص 65.[5]

6- الرفاعي، د. عبدالجبار، "ثناء على الجيل الجديد"، مقالة منشورة في صحيفة ثقافات الألكترونية 30-1-2018.[6]

7- المصدر السابق.[7]

 

 

الحسين اخدوشتفرض بعض الوقائع الثقافية والدينية في سياق مجتمعاتنا الإسلامية معاودة طرح السؤال: لماذا أصبح الديني يحفّز على انتشار العنف والكراهية؟

نطرح هذا السؤال لأنّ التشدّد غدا لدى البعض نهجا في النظر والسلوك معا. والواقع أنّ تصورا من هذا القبيل لا يعمل سوى على جعل الدين في أفق العنف والنزاع (تشجيع الصراع الديني وتأجيجه)، بدلا من الدفع بالفهم المتسامح لأن يصبح في أفق الحوار والتفاهم والتعايش بين الناس، إيمانا بقدسية الحياة والحب الإنسانية. ولقد برز هذا المشكل فيما ينعت بالحروب الدينية والطائفية في سواء في التاريخ القديم أو حتى في الزمن الراهن. وقد أفضت العديد من النزاعات السياسية والجيوــــ استراتيجية إلى هذه الظاهرة: "العنف الديني". غير أنّه لئن كان بعض المحلّلين يربطون مختلف أشكال الحروب الدائرة في الدول العربية والإسلامية بانتشار ظاهرة التطرف الديني (Le fanatisme religieux)، إلاّ أنّ بعضها يغالي في ربط العلاقة السببية بين انتشار العنف وتمدّده والمعطى الديني. فهل، فعلا، يبرّر الديني كلّ هذا العنف المؤجّج في عصرنا الراهن؟ وقبل الشروع في الجواب عن التساؤل السابق، نقترح تحديد بعض المفاهيم المرتبطة بتحليل ظاهرة العنف باسم الديني (العنف، التطرف، العنف الديني..) فما معنى العنف؟ وماذا يعني التطرّف الديني؟ وهل يشجّع التطرّف الديني على ممارسة العنف وانتشاره؟

يكشف العنف في بعده الغريزي عن طابع العدوانية المتأصّلة في الإنسان؛ إذ غالبا ما يستمتع الكائن البشري بممارسة العدوان على غيره. لكن أن يتحوّل سلوك هذا الكائن إلى ثقافة رائجة بين بني جنسه وفي تمثّله للعالم من حوله، وعبر العلاقات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والدينية التي تحكم وجود الناس؛ فذلك ما يجعل سلوك العنف ظاهرة خطيرة وبأبعاد عميقة غير محسوبة العواقب. لكن لماذا يكشف العنف البشري عن كلّ هذه الخطورة في مملكة الطبيعة؟

الظاهر أنّ الدوافع الطبيعية القابعة بداخلنا، والمتمثّلة في غرائزنا الحيوية، هي ما يدفعنا إلى إنتاج السلوك العدائي تجاه الآخرين من بني جنسنا. لكن، هل الغرائز وحدها ما يبرّر الحجم الكبير للعنف الموجود في تاريخنا البشري؟ الواقع أنّه متى أضيفت إلى الدوافع الطبيعية كل تلك التمثّلات الاجتماعية (Les stéréotypes sociaux)، وكذا مختلف الصور النمطية الموجودة لدى البشر عن أنفوسهم وعن غيرهم، التي تعمل على صياغة أفكارهم حول ذواتهم وغيرهن وكذا العالم من حولهم؛ فإنّ كلّ ذلك ما يفضي إلى المزيد من إنتاج العنف وممارسته بمبرّرات وأسباب مختلفة: الدين، السياسة، الاقتصاد، الخ.

للعنف، إذاً، مصادر أخرى مختلفة غير الغريزة،[1] خاصّة الثقافة والمعتقدات الدينية ومختلف الأيديولوجيات السياسية والاجتماعية، وهي التي يمكن أن تكون عنصر تأجيجه أكثرة في مجتمعات مختلّة ومفكّكة كالتي نعيش فيها الآن. وقد تبيّن من تاريخ النوع البشري أنّ العنصر الثقافي - الاجتماعي هو ما يشكّل المصدر غير الطبيعي لظاهرة العنف البشري. لذا، لو صرفنا النظر عن البعد الغريزي للعنف المشترك مع الحيوان، لوجدنا أنّ الأسباب الثقافية والعوامل الاجتماعية هي أكثرها إنتاجا للعنف ومساعدة عليه. أمّا إذا عمّقنا البحث أكثر في كيفية مساهمة العنصر الثقافي للعنف، فلسوف نجد أنّ السبب الرمزي والديني على رأس العوامل المؤجّجة للظاهرة، نظرا لخصوصيتها اللاشعورية وطابعها الرمزي والقدسي الذي عادة ما يلتصق بممارسته في حضن الجماعات الإنسانية. فالعنصر الثقافي، في مختلف أبعاده، يعدّ سببا مهمّا لتحليل سلوك العنف وبخاصة منه ما يتصل بالمشروعية الرمزية والدينية لممارسته وتشريعه، بالنظر إلى الزّخم الرمزي والروحي الذي تضفيه هذه المشروعية الرمزية على تعنيف الآخرين المختلفين، واستباحة دمّهم وعرضهم باسم المقدّس والدين كما يحدث عادة عندما يتحكّم بهذه المشروعية ضعاف العقل وعوام الناس.[2]

الظاهر من ذلك أنّ العنف في إطاره الطبيعي يكون فرديا كلّما كان الإنسان في حال من الانفعال الشديد من مثل: وضعية الدفاع عن النفس، أو حين المنافسة الشديدة والكبرياء وكذا باقي الحالات الطبيعية للعدوان. تصبح خطورة العنف في مثل هذه الحالات محكومة بمحدودية مقدار القوّة التي يمتلكها الفرد. غير أنّه متى تحوّل وأصبح جماعيا، عند ذلك تعظم خطورته فتزداد حدّة، ويتحوّل ليكبر حجمه ويشتدّ ثم يصبح جماعيا وثقافيا مغلّفا بمختلفة أشكال المشروعية: السياسية، والدينية، والأيديولوجية، الخ.

تبرز المقارنة البسيطة بين الشكلين السابقين أنّ العنف الفردي محصور في الزمان والمكان، من حيث يرتبط بدوافع طبيعية فردية ذات نطاق أصغر يسهل تطويقها بالردع والقوانين. أمّا العنف الجماعي فغالبا ما يتخذ أبعادا كبيرة (حروب، إبادة جماعية، ثورات، احتلال، قمع جماعي، تمرّد جماعي، تجويع جماعي ..) يشمل تأثيرها عددا كبيرا من الأفراد، حيث يمارسه عدد كبير من الأفراد ويصبح ضحاياه جمهور غفير من الناس، وتفاقمه النعرة القبلية والعقلية الطائفية والفكرة الأيديولوجية والمصلحة السياسية والاقتصادية. وقد شهد تاريخ الإنسانية مختلف أنواع العنف: الفردي الطبيعي والجماعي والثقافي؛ غير أنّ أخطرها على الإطلاق، يتمثّل في العنف الممارس بدوافع أيديولوجية ودينية رمزية مقدّسة (الحروب الدينية والطائفية)، أو بدافع إرادة الهيمنة السياسية والمنافسة الاقتصادية (الحروب الكبرى بين الدول والإمبراطوريات). أمّا فيما يتصل بالعنف الديني الطائفي، فنودّ الإشارة إلى أنّ خطورة هذا النوع تكمن في كونه يتغذى على النزعة التكفيرية أو الطائفية القائمة على التبرير الرمزي ذي المشروعية المقدّسة واللاهوتية.

يكمن وجه خطورة العنف الديني في الحالات الجماعية والطائفية في فرز الناس إلى أخيار وشريرين، مؤمن وكافر، فئة ناجية وفئة ضالة.. الخ وهكذا، تصبح قطعة قماش متسخة أكرم من إنسان لمجرد أن هذه القطعة ترمز لمقدّس الجماعة ورمزها الديني. ينتقل العنف في وضعية كهذه ليصبح وقودا حقيقيا لانتهاك حقوق الإنسان وبشكل جماعي؛ فيشرّع لقتل الآخرين بدون رحمة، وذلك بعد الإفتاء بتكفيرهم، ويصادر حقهم في الحياة، ويرفض اختلافهم وعدم التسامح معهم.[3]

هكذا، تَعْدِم ممارسة العنف باسم بالديني إمكانية الحوار والتفاهم والتعايش السلمي كلّما أساء الأتباع فهم الدين، أو عندما يؤوّله المتطرّفون منهم في اتجاهات متنطّعة ومتزمّتة. لا يقف الدين فقط بأن يكون مبرّرا للممارسات العنيفة كلّما أحسّ أتباعه باضطهاد ما أو احتقار أو ازدراء معيّن من المعارضين أو المخالفين، بل أخطر من ذلك يسمح بتقديس العنف الذي يمكّنه من قهر من يناوئه من الرافضين له. يلبس العنف الديني هنا ثوب المقدّس باسم الإله المعبود، وتنتفي كلّ المحرّمات، ويتحوّل قتل الآخر إلى حرب مقدّسة يتقرّب من خلاها الناس إلى الإله، ويصبح الآخر مرتّدا، كافرا، مشركا وجب قتله وسبي غنائمه.[4]

يترك الحماس الديني في مثل هذه الحالات العنان للخيال والوجدان ليشتغل. تنقل العاطفة الدينية مُمَارس العنف من واقع الصراع، حول بعض المصالح الآنية والنزاعات الإقليمية بين الإرادات الجماعية، إلى بطل خيالي مجاهد يناصر الخير ضدّ الشرّ. هنا يتحوّل الصراع من مجرّد النزاع على المصالح إلى فكرة الصراع بين الخير والشّر، بالتالي شرعية إبادة الآخرين بأبشع الطرق ما أمكن، وذلك حتى يُظهر العنف الممارس باسم الديني قدرا كبيرا من سفك الدماء تطهيرا للعالم من شرّ هذا الآخر المخالف.

تعتبر الغزوات والمعارك الطائفية بين المجموعات الدينية، عبر التاريخ العام للبشرية، أبرز الأمثلة الشاهدة على العنف الناجم عن الحرب المقدّسة باسم الديني.[5] غالبا ما نجد أنصار الأديان والأساطير القديمة يخلّدون لتاريخهم بهذا النوع من المعارك الكبرى، وعادة ما تتحوّل في مخيّلة الأتباع وأنصار الطوائف إلى نموذج الصراع الأزلي بين الحقّ والباطل، الشّر والخير. توجد في الحروب القديمة أمثلة كثيرة تشهد على ذلك، فحروب الزعماء الدينيين وأباطرة الإمبراطوريات والحروب الصليبية وغزوات الأحبار والباباوات والقدّيسين والمجاهدين، تلك كلّها كانت حروبا دينية غلّفت بالمقدّس الديني لتشكّل لحظات فارقة في تاريخ الشعوب والأمم.

لقد جعل تبرير الحرب بالمقدّس الديني ممارسة العنف عملا مشروعا ومقبولا، بل واجبا على الإتباع القيام به في سبيل الشهادة الرمزية. لذلك، لا يجد بعض زعماء الحروب أيّ حرج في أن يستثمروا التبريرات الدينية لإشعال النزاعات والحروب، وجعل أكبر عدد ممكن من الناس ينخرطون فيها بحماس. يعتبر الدين بهذا المعنى وقودا فعّالا لتأجيج العنف والصراع، وهو بذلك يعدّ اخطر العناصر الثقافية تبريرا له. يلزم المؤمن الفطن، إذاً، أن يتحرى الحقيقة قدر الإمكان في ما إذا كان تديّنه عنصر تأجيج للعنف حتى يتفادى السقوط في براثن التطرف؛ بالتالي الابتعاد ما أمكن عن إقحام إيمانه الديني في الصراعات الظرفية التي تنشب بين الفينة والأخرى.

يُستشفّ من هذا الأمر أنّ تبرير العنف بالديني بالنهاية يجعل الإيمان في أفق الموت عوضا عن أن يكون أفقا للحياة.[6] والواقع أنّه مهما كانت أسباب النزاع والعنف، فإنّه ينبغي للديني أن يتعالى عليها، خاصة في الحالة الإسلامية المشوبة بالكثير من سوء الفهم.[7] لذلك، فكيفما كانت أسباب الصراع بين الإرادات الإنسانية، فإنّ إقحام العنصر الديني أو الطائفي المذهبي فيها يعدّ ضربًا من ضروب العبث مادام أنّ الأصل في الدين أن يكون رحمة للناس كافّة. وحاصل الكلام في هذا الأمر أنّ اللجوء إلى العنف باسم الديني يعدّ رذيلة أخلاقية من شأنها إيقاظ أخطر أشكال العنف بدائية المتمثّلة في الحروب المقدّسة وتمجيد القتل باسم المقدّسات والرموز الدينية. يشكّل هذا الأمر خطرا حقيقيا بالنسبة للمجتمعات المعاصرة المتسمة بالاختلاط نظرا لحساسية الشعور الديني فيها. يهدّد العنف باسم الديني أركان الاجتماع البشري بما من شأنه أن يفكّكه إلى طوائف وهويات مغلقة في تعارض واضح مع ما يمثّل صميم الديني نفسه: السماحة والحرية.[8]

 

الحسين أخدوش / باحث من المغرب

...........................

هوامش المقال:

[1] إن الإنسان بطبعه يستمتع بإظهار تفوقه على غيره ويتلذذ بفرض سلطانه على الآخرين وينتشي بتأكيد قوته على البشر. وقد تبنى توماس هوبز هذه الأطروحة في بداية العصر الحديث، وقد استند إلى هذه الفكرة عند تحليله للطبيعة البشرية بناء على تحليل الدوافع الطبيعية والأهواء التي تدفع البشر في حالة الطبيعة إلى الدخول في حالة حرب الكلّ ضد الكلّ، محمّلا هذه الدوافع الغريزية مسؤولية اللجوء إلى العنف لحسم الصراعات والمنافسات التي تنشب بين البشر باعتبارهم كائنات طبيعية محكومة بسلوك العدوان والعنف. أنظر بهذا الخصوص كتاب هوبز: اللفياتان، ترجمة ديانا حرب وبشرى صعب، الطبعة الأولى، هيئة أبو ظبي للثقافة والتراث، كلمة، سنة 2011. ص 131

[2] - لعلّ أهمّ النظريات السوسيولوجية والثقافية التي تربط العنف بالديني، نذكر نظرية رونييه جيرار التي ضمّنها في كتاب له بعنوان "العنف والمقدّس"، حيث يبسّط كيف يعمل المقدّس على صهر تناقضات الوجود البشري، مضفيا نوعا من المشروعية الروحية والرمزية على العنف، جاعلا منه أداة استرجاع السلام وانقاد البشر، وتارة عنصر التدمير المطلق لكلّ ما تم بنائه. والعنف بهذا الشكل كامن في تلك الرغبة الطبيعية في التدمير التي تخترق حياة الإنسان، وما الدين سوى تلبيس هذه الرغبة أقنعة رمزية للاعتراف به وتبريره تبريرا رمزيا غير مشعور. إنّ الإنسان غير بريء في طبيعته البشرية من ظاهرة العنف، هذه هي الخلاصة التي يريد هذا الكتاب تأكيدها. أنظر الترجمة العربية للكتاب الصادرة عن المنظّمة العربية للترجمة، وهي من انجاز سميرة رشا، عن مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الأولى، بيروت، سنة 2009. ص 416 و 417

[3] - أنظر بهذا الخصوص عبد الرازق عيد: ذهنية التحريم أم ثقافة الفتنة، الطبعة الأولى، نشرة رؤية، 2009، ص 260

[4] - جاسر عودة: بين الشريعة والسياسة، الطبعة الأولى، الطبعة الأولى، الشبكة العربية للأبحاث للنشر، بيروت، سنة 2012، ص 59.

[5] - نشير بهذا الخصوص إلى أهمية مفهوم الحرب المقدّسة في تحليل وفهم ظاهرة العنف الديني. وقد اهتم بهذا المفهوم الباحث الألماني هانس كونغ (H. Küng) في دراساته حول طبيعة تأثير الأديان التوحيدية في نشوب الحروب والصراعات حول العالم. أنظر بذا الخصوص مقاله حول: "الدين والعنف والحروب المقدّسة"، ترجمة سمية المحفوظي ويوسف إدريس، عن قسم الدين وقضايا المجتمع الراهنة، مؤسسة مؤمنون بلا حدود للأبحاث والدراسات، 26 يوليو، سنة 2017.

[6] - الظاهر أنّه مهما بلغ حجم النزاعات والصراعات، فإنّها لا تستحق أن تبرّر دينيا: إن ملّيا، أو طائفيا، أو مذهبيا؛ ما دام الإيمان والاعتقاد الديني ذاته يعتبر من صلب الاختيار الحر للإنسان، كما دلّ على ذلك القران الكريم: "لا إكراه في الدين، قد تبيّن الرشد من الغيّ" (آية كريمة). فضلا عن كلّ ذلك، لم يعد ممكنا في عالم اليوم تعنيف الناس أو التمييز بينهم على أسس دينية أو رمزية طائفية أو عصبية، مادامت الثقافة المعاصرة قد أقامت المواطنة الكاملة لأفراد المجتمع الواحد على أسس قانونية وضعية تعترف بكونية حقوق الإنسان غير القابلة للتجزيء، بل وتمنع التمييز على أسس الدين واللون والجنس واللغة التي كانت فيما مضى من القرون أسباب انتشار الكراهية والحروب ومختلف أشكال العنف.

[7] - يتهم بعض الغربيين الإسلام بكونه مجرّد عقيدة سياسية تشجّع على العنف، وقد روّج لهذه الأطروحة بعض الدوائر السياسية خاصّة منها اليمينية سواء في أوربا أو أمريكا. والحال أنّ هذا الحكم ظالم وغير منصف، لأنّه إذا كان الإسلاميون، أو بعضهم بالأحرى، يتبنون هذا الطرح؛ فإنّ الديانة الإسلامية أكبر من يمثّلها هؤلاء أو أيّ تيار فكري وسياسي من المسلمين. لذا يرفض المسلمون توصيف العنف الإسلامي لأنّه يستبطن حكم مسبق على الدين الإسلامي، بينما يمكن أن يكون توصيف تطرّف الإسلاميين الجهاديين أقرب إلى الواقع مادام العديد من معتقدي الديانة الإسلامية ليسوا كلّهم من أنصار الإسلام المسيّس، أو بالأحرى لا يتبنون أيديولوجيا الإسلام السياسي كما هي معروفة في سياقنا الثقافي الإسلامي. أنظر بهذا الخصوص: مقال لدانيل بيرك، وهو محلّل الشؤون الدينية لدى المؤسّسة الأمريكية CNN، حول (بين "إرهاب إسلامي" و"إسلاميين متطرّفين".. ترامب يناور لإرضاء الجميع)، موقع: https://arabic.cnn.com/middle-east/2017/05/22/trump-bergen-oped

[8] - نصر حامد أبو زيد: التفكير في زمن التكفير، المركز الثقافي العربي، الطبعة الأولى، الدار البيضاء، المغرب، سنة 2014، ص 65.

 

سامي محمود ابراهيميبدو أن الإنسان منذ أن انفصل عن الطبيعة وشعر بذلك الانفصال، راح يعمل بشتى الوسائل للعودة إلى صدر الأم والتناغم مع حركة العالم. لقد خلق كونا صغيرا ازرق اللون لا يمت بصلة الى الكون الارضي الكبير. ولقد جعله هذا الانفصال النسبي دائم الحنين إلى الجنة الضائعة، الجنة التي اغترب عنها بصنعه أدوات ووسائل أبعدته عنها، فصار يتصل بها بالأدوات بعد أن كان يحيا فيها ويتحسسها بحواسه...بعد ان كان قريبا من الشمس والقمر.

لقد ألف جسده الحنين لوقع قطرات المطر طوال آلاف السنين الماضية، وكانت له مع الليل ونجومه حكايات وأساطير، وكانت له أفراح وامنيات، ثم ها هو ذا ينفصل عن أسرار الليل بالنور الاصطناعي ، وينفصل عن العالم الواقعي بالعالم الافتراضي. لقد انتقل من عالم الحوار والانسجام والتناغم الى عالم الرفض والتوجس والوهم إلى عالم صنعه عقله فتلاشت منه الظلال الموحيه بغربة الحياة والتوحد في عالم الذات وهدر الاخر. وكم في العالم من أشياء وهمها أجمل من حقيقتها كالانا الغارقة في الضمير المستتر الذي لا يقبل حوار العقل ولا الايمان.

نعم، الاختلاف معضلة واشكالية كانت ولا تزال ترافق البشر في مشروع بناء الحضارة الانسانية، فالكثير من المشاكل والخلافات والأزمات والحروب كان أحد أسبابها عدم وجود ثقافة الحوار وقبول الرأي الاخر.

ورغم ان عملية الإثراء الثقافي والعلمي ومقياس تطور المجتمعات والشعوب، تقوم على ثقافة اختلاف الرأي، إلا ان انغلاق العقول جعل من الاختلاف خلاف أضعف المجتمع.

ديننا الإسلامي عمل بهذه الثقافة، فالإسلام له دور كبير في تعزيزها ، وهذا بين في قوله تعالى: "وشاورهم في الأمر"، في إشارة الى أهمية احترام الرأي والاختلاف للتوصل الى حقيقة المشروع الانساني في الارض.

إذا السؤال هو: لماذا لا نملك هذه الثقافة ؟ ولماذا لا نهتم بها؟

في الحقيقة هناك سببين: الأول الموروث الاجتماعي السلبي، مثل بعض العادات والتقاليد العصبية العشائرية البدوية. والثاني عدم وجود توجيه وإرشاد ينمي هذه الثقافة في العملية التربوية وكذا التعليمية، كما لا يتم توجيه وسائل الإعلام لنشر هذه الثقافة وتعزيزها من خلال البرامج والطروحات، واستيراد أفكار وتجارب تفعيل هذه الثقافة من الدول الأخرى، إضافة الى تقديم الندوات والمؤتمرات وورش التوعية والحلقات الحوارية وإعطاء الفرصة للآخر وتعلمه كيفية السيطرة على انفعالاته، ليتغلب على الموروث الاجتماعي السلبي، فتنمية هذه الثقافة تحتاج الى عمل يستمر سنوات يرافق الأجيال في كل مستوى من دراستهم وحياتهم بل حتى على مستوى وجودهم .

من هنا تبدأ مرحلة التغيير، حيث تنتشر ثقافة احترام الرأي والاختلاف من العائلة  والمدرسة الى أعلى الهرم.. عندها إذا شعر المواطن بأن الحكومة تدعم هذه الثقافة يزداد إيمانه وعمله بها، ليحل التسامح والترابط بين مكونات المجتمع.

من ناحية اخرى نجد ان الانطلاق نحو الخروج من أزماتنا وبناء وتدعيم البديل الحضاري العالمي تكمن في فهم الحالة الراهنة للإنسانية جمعاء؛ بحيث ندرس مآسيها وأزماتها التي تزداد كثافة وظلاما عبر الزمن. وهذا الذي أدى إلى تقاطعات وخلافات خطيرة سرعان ما تحولت إلى صراعات فكرية مذهبية وطائفية دينية بين حملة الأديان المختلفة، وانقسامات داخل الذين يدينون بالدين الواحد، وانشطارات داخل الفرق والطوائف .

ولذلك ولذلك صار واجب على المفكرين والباحثون والعلماء من المسلمين وغيرهم، الاهتمام بموضوع التعايش والتقارب؛ نظرا لتعلق الموضوع بحياة الناس وتعاملاتهم في شتى جوانب الحياة؛ ونظرا لكثرة الشبهات المثارة حول الموضوع نتيجة للظرفية الخاصة والحرجة التي تمر بها المجتمعات العربية والغربية على حد سواء . وهذا بدوره يستوجب التاكيد على أن الأصل الشرعي في العلاقات الإنسانية السلم لا الحرب . والرفق لا العنف، واللين لا الشدة، والرقة لا الغلظة، لأن الإسلام دين ينبعث عن مفهوم إلهي كوني، كما قال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: "إنَّ اللهَ بَعَثَ مُحَمَّداً داعِياً، وَلَمْ يَبْعَثْهُ جَابِياً" . أي أن نبي الرحمة بعث مبشر وهاديا وميسرا، وداعيا إلى الله على أسس وقيم ثابتة وجامعة، كالإحسان والتسامح والحرية والمساواة، بل إن الإسلام احتضن كل القيم الإنسانية العليا التي تنظم المجتمع الإنساني على أساس التعاون والتضامن والسلم والأمان والمحبة والاستقرار، وضبط هذا السلوك الإنساني بكل ما يكفل كرامة الإنسان وينمي وشائج الاتصال بين الجميع ، والرسول محمد عليه الصلاة والسلام عمل على اقتلاع جذور التعصب، وسد كل منافذها ، حينما قال: "لَيْسَ مِنّا مَنْ دَعا إِلى عَصَبِيَّةٍ، وَلَيْسَ مِنّا مَنْ قَاتَلَ عَلى عَصَبِيَّةٍ، وَلَيْسَ مِنّا مَنْ ماتَ عَلى عَصَبِيَّةٍ" ، وحرم حمية الجاهلية فقال: "دَعُوها فإِنَّهَا مُنْتِنَة" . فلا شدة ولا عسر ولا تعصب ولا بغض ولا حقد، بل الرحمة واليسر والسماحة والعطف والمحبة والتعايش.

لهذا ليس التعايش أمر صعب إذا ما تصرفنا بمطق العقل والدين ونظرنا الى إنسانيتنا وزرعنا الحب في نفوسنا، عندها سنجد مجالا واسعا للعيش والتعايش بسلام.

في المقابل ومع ما تقدم ذكره تسعى الآلية الثقافية الغربية المسيسة والمؤدلجة إلى تخريب وازاحة قيم الآخر بتضخيم سلبياته ونواقصه عمدا، ومنها إقصاء الدين ورموزه وقيمه ومعانيه من الحياة.

إن الفوقية والتمركز والسعي إلى إقصاء ثقافة الآخر والسخرية من جنسه أو لونه أو دينه، لا ينبغي أن تدفع المسلمين إلى سلوك مماثل تجاه الثقافات والأديان والشعوب الأخرى. لا ينبغي ولا يصح الوقوع في فخ التمركز وإلغاء الآخر، كما لا يكون بالمطابقة والتماثل مع الغرب ومسايرته بالتفكير والشعور والعيش.. وإنما بممارسة الاختلاف من موقع الحوار والتواصل وإظهار القدوة الحسنة التي تنتج في حياة المسلم سلوكا وحركة في الحياة، راقية مثمرة، ومشاركة في صنع الحضارة الإنسانية.

ثم إن أي كلام عن التعايش وحوار الحضارات لا يمكن أن يتم أو يتحقق في هذه الأجواء الثقافية والسياسية السلبية المليئة بأمراض الانا والاستكبار والتعالي. اذ ليس من شعار براق مغري تطلقه السياسة الغربية، مثل الديمقراطية وحقوق الإنسان، إلا عناوين لمشاريع سياسية لا تنتمي الى ما تدعي.

في المقابل نجد ان الاختلاف العرقي وفق الرؤية الاسلامية الانسانية هو اختلاف في إطار الأمة الواحدة، يحتم احترام الآخر كما هو على الصورة التي خلقه الله عليها. ذلك ان احترام الآخر كما هو لونا ولسانا وعقيدة ومذهبا بل وفكرا، يشكل قاعدة من قواعد السلوك الديني في الإسلام، فكان من طبيعة رحمة الله تعالى اختلاف الشرائع والمناهج والالسن والالوان وطرائق التفكير، قال تعالى: " وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم فيما آتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون " المائدة، 48 .  وقوله تعالى: " و ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين" هود، 118 . كما ركز القرآن على مبدا السلام ، نجد ذلك بين في قوله تعالى : " ولا تقولوا لمن ألقي إليكم السلام لست مؤمنا"؛ ومن أجل هذا فإن الله أمرنا أن نبذل ما نستطيع لننعم بهذه النعمة، فقال تعالى: "ادخلوا في السلم كافة" في هذه الاية أمر بالسلام العالمي .

الى هذا الحد نجد ان الحوار سنة إلهية وفطرة انسانية، لكن عدم استنفاد الوسع في حل المشكلات بالحوار واللجوء قبل ذلك إلى القوة والتعصب، كما حدث ولا يزال يحدث في هذا العالم المليء بالصراع، الخاوي من ثقافة الحوار والتسامح في كثير من صراعاته وخلافاته المتزايدة ، خاصة مع تعقد المصالح وتشابكها وزيادة القوة الفتاكة في أيدي الناس، وهي أخطار تهدد البشرية جمعاء.

وهكذا قام المنهج الحواري في القران الكريم على فرضية أن الأصل في الوجود الإنساني هو الحوار والتعايش، كما ان الأصل في الحوار هو الاختلاف، فلا يمكن الكلام إلا بوجود طرفين يشكلان حالة الاختلاف والتضاد، قد يكونا فردين أو فريقين أو قومين أو أمتين.

وهذا ما اكد عليه فيما بعد أساطين الفلسفة التداولية المعاصرة، حيث قرروا أن الحجاج الفلسفي التداولي هو فعالية استدلالية خطابية مبناها على عرض رأي أو الاعتراض عليه، وغرضه إقناع الغير بصواب الرأي المعروض، أو بيان بطلان الرأي المعترض عليه، الأمر الذي يجعل الحجاج الفلسفي التداولي بناء مثنويا تقابليا يتواجه فيه عارض ومعترض، إذ يتوجه فيه كل منهما بآليات إقناعية خاصة، وحقوق وواجبات محددة؛ هذه المقابلة المثتوية من شأنها تغيير تصديقات أو اعتقادات المتقابلين.لهذا تعتبر الفلسفة التداولية من أكثر الفلسفات تمسكا بمقتضيات العقلانية الصحيحة لما تحققه من شروط وضوابط ومعايير، لاعتمادها على آليات معلولة للمجال التداولي، وخاضعة لمحك النظر الاجتماعي، فالمناظرة الحوارية تساعد على فهم وتصور الواقع الاجتماعي الذي يقر بالمبادرة الفردية وبالنزعة الجماعية، وتطالب بإشراك جميع أفراد المجتمع في البحث عن حلول للمشاكل والأوضاع المختلفة، وتقبل وتشجيع عمليات التنقيح والتغيير.

ولا شك أننا نحن المسلمين أحوج ما نكون اليوم إلى دراسة دراسة هذا النوع من الفلسفات كاستثمار عقلاني يفعل الحوار الداخلي بين مكونات الانسان ذاته، والحوار الخارجي مع العالم المحيط بنا. خاصة في إطار ظروف التقهقر الحضاري الراهن.

 

د. سامي محمود ابراهيم

ا. سالم خلف احمد

 

لهذا المصطلح تاريخ قديم اذ تعود جذوره الأولى عند نشأت البشرية حين قام قابيل بقتل أخوه هابيل، فالعنف مرتبط بالإنسان منذ نشأته حيث نرى الحرب والإبادة والغزو والاستعمار واقامة الامبرطوريات، والثورة، والتمثيل  بالجثث وغيرها من الاعمال ذات النزعة العنفية مرتبطة بالوجود الإنساني .وهناك من يبرر هذه النزعة بحجة أن الأمم تبنى عليه، فمنذ القدم كان العنف مسؤول في إنتاج السكان إذ إن الإنسان في بدياته كان يعيش على جمع القوت ومن ثم الزراعة، فإذا لم يحصل عليه كان يلجأ الى استعمال العنف والإغارة على غيره لمواصلة الحياة . ويرى أغلب علماء النفس أن التعنيف ليس مجرد دافع للتدمير أو لعاقب الآخر، بل هو طاقة تلعب دوراً هاماً في الصراع العقلي وبدرجة تماثل الدافع النفسي وما يثيره هذا الدافع من اضطرابات وصراعات تخرج من الأنا وتقصي الآخر. وحين جاءت الديانات السماوية زاد العنف على الرغم حثها الى التهذيب الخلقي، وإذا عدنا الى سفر الخروج باعتباره نصوص سردية نلحظ أنها قامت على فلسفة إقصاء الآخر فحين ترك بنو اسرائيل مصر (على قدر المشقة) بقيادة موسى الذي يرشده الإله التوحيدي، ويصل مع بني اسرائيل إلى أرض كنعان التي وعدهم الله بأنها ستكون موطنهم الجديد وهي أرض سيغزونها بتشجيع وعون من الله، ويرتكبون فيها جرائم إبادة شرسة خاضوها ضد شعوب سكانها الأصلين الذين كانوا هناك . اذن التوراة قامت بتثبيت جذورها عن طريق العنف وترى أن هذا ما يدعوه الإله، واذا انتقلنا إلى الاصحاح نرى نصوصه السردية تبيح القتل والصلب والتمثيل بالجسد ولا سيما حين اتهموا يسوع بأنه يدعي الملك على اليهود، اذ قاموا بتعريته من ثيابه وهزأوا به كمللك فألبسوه ثوب الارجوان وضعوا له اكليلاً من الشوك على رأسه، وهذه الحادثة التي رويت في الاصحاح وغيرها تشير إلى عنف الاديان التي تمارسه بكلِّ مشروعية وترى الأحقية في ذلك ولا تثبت دائم الدين الّا عن طريق العنف . وذا قرأنا بعض النصوص الإسلامية نجد ثيمة العنف قد غزتها، فكانت سياسية نشر الدين الجديد قائمة على القتل والبطش والغزو كما نجد وجوب فرض القتال في حالات معينة عند نشر الاسلام " كتب عليكم القتال "، " وقاتلوا في سبيل الله". اذن السرديات الدينية لم تخلُ من اعمال تعذيب البشر وتخريب الأرض وهذا ما سمح للكثير من الحكام أن يمارسوا  ابشع الجرائم مستندين بهذه النصوص واحقيتهم بالتطهير العرقي وتصفية الشعوب الذين يصوَّرون أعداءً . واذا انتقلنا الى السرد في عصرنا الحالي وتحديداً الروايات على اعتبار أنها نتاج لتجربة ذاتية عاصرت المجتمع السياسي بكل تقلباته، فنرى أن ثيمتها الاساسية كانت تدور حول  العنف بشتى أنوعه حيث صور الروائي نصوصه على شكل مشاهد مرئية لتكون شاهدة على تاريخ السلطة وتظهر وجهة نظر الكاتب أن أعمال العنف كانت مقتصرة على الحكومة والسياسية القمعية التي استعانت بها ضد شعوبها وعدم إعطائهم الحربة الكافية ؛ خوفاً من تمرد الشعب والانقلاب وهذا ما نجده في الروايات السردية العراقية التي جسدت العنف في جميع مراحل العراق السياسية ولا سيما قبل سقوط نظام صدام حسين . كما أن بعض الكاتب في سردياتهم قد مجدوا العنف، وهذا جاء من منطلق ايديولوجي الذي دعا اليه ماركس وسارتر . فعند مقدمة كتاب معذبو الارض لفرانز فانون التي قدمها سارتر يشير أن العنف لا يمكن قهره لأنه جوهر الإنسان اذ يعيد خلق نفسه بنفسه، وأن معذبو الأرض لا يمكنهم أن يصبحوا بشراً الّا عن طريق الجنون القاتل . العنف سببه التنافس من أجل البقاء، فمصدره السياسة التي تحاول فرض هيمنتها وليس كما ادعى فرويد بإنها طاقة عقلية وغزيرة انسانية .

 

موج يوسف

 

كاظم لفتة جبرمنذُ ان نزل الإنسان من العالم المعقول إلى العالم المحسوس أصبح مقيداً بالكلمة، لكونها ترتبط بالأشياء التي وجدت في عالمنا الارضي، الأشياء مسميات يحكمها المحدود والمتغير، كذلك الإنسان يرتبط بالعالم من خلال مسميات تلك الأشياء، الا ان معاني تلك المسميات تبقى منفردة عن أشياءها، فالمحور الذي يقبع فيه الإنسان هو محور الفراغ بين الكلمة ومعانها او بين الشيء ومسمىَ، فمره يكون الإنسان منحازاً مع الشيء، وأخرى نجده مع المعنى لذلك الشيء .

ان عملية التجاذب مع الشيء والانجذاب نحو المعنى تمثل حركة الفكر الانساني على طول خط العرض الفاصل بينهما، البدايات الأولى للإنسان وجد نفسهُ محاطاً بالأشياء فأخذ على عاتقة إعادة خلق الأشياء بما تخدم حاجاته الوجدانية، فجعل الأشياء كلمات تّنطق بين ابناء البشر ذلك أحدث نقلة في خط العرض يُعبد له خطاً جديداً يُعيد النفس الى مدينة سُكانها، فالمعنى بداية لخط الطول نحو مساكن الانفس، عندما أراد أن يعبر عن المعاني وجد نفسهُ حبيسة الطقوس والشعائر فتجسيد المعنى علامة على طريق خط الطول، والعلامات إشارات إلهية تظهر إلى الإنسان قديماً من خلال الطبيعة، تنذر بهم الخوف فيكون الرد عليها من خلال علامة أخرى فتكون العلامات لغة تواصل منذ القدم بين الإنسان والشيء المجهول .

ما ان تطور الفكر الانساني وامتزجت عناصر المعنى مع الطبيعة ظهرت فكرة ان الطبيعة هي الالهة لما تمتلك من عناصر بدايات الأشياء الكائنة، وهذا يمثل بدايات التعقل اليوناني إلى ان جاء من قال بالعقل اصل وهو الذي يمتلك معنى الوجود بذلك كان العقل هو الذي يمثل مفترق طرق خطيٍ العرض والطول، فالعقل هو الذي جلى المعاني عن اشياءها، ثم بعد ذلك أخذ الفكر منحى آخر مع مثلث العلة اليوناني (سقراط، أفلاطون، ارسطو) فالأول بدأ بحد الأشياء لتعريفها فاستخدم الاستقراء لتحديد الأشياء بماهيتها لغرض تعميمها فكان المعنى تعريف الأشياء بمقابل ظهرت السفسطائية التي جعلت من معاني الأشياء نسبية لنسبية المعرفة عند الإنسان وهذا في نوع من الصحة مع تطور الفكر الانساني، اما أفلاطون فقد فصل المعنى عن الشيء وجعل الثاني صورة مشوهة لمعناها الذي يمثل صورة أصلية للإنسان، إلى أن جاء ارسطو رفض نظرية المعنى عند استاذه أفلاطون، إذ رأى أن المعنى فارغ اذا كان مفارقاً للشيء وهذا لا يلبي طموحات الإنسان في التطور لمعرفة الأشياء المحيطة به، لذلك كان الشيء مع ارسطو يعرف بالمركب بين الشيء ومعناه.

ثم جاءت مرحلة الأديان لتجعل المعاني مفارقة عن اشياءها وان العلامة هي التي تجسد معنى الشيء في الارض، فالمعاني موجودة في العالم الآخر والعلامة هي التي تدلنا على المعاني، فكانت العلامة هي لغة التواصل بين الإنسان والمتعالي .

اما في العصور الحديثة أصبح اهتمام الإنسان بالشيء دون المعنى فالأبحاث التي بحثت في الطبيعة أنتجت الآلة التي اصبحت ذات معنى للإنسان من خلال ما تقدمه من فائدة للإنسانية، الا ان غياب معنى المتعالي انتج معاني تخضع لمتغيرات الحاجة الإنسانية فاصبح الشيء معناه رهين حاجات الإنسانية، فالمعاني المتغيرة مترابطة بالشيء الصناعي اما المعاني المفارقة فتكون متربطة بالطبيعة .

خضعت المعاني إلى تجارب الانسانية ونوازع مادية فكانت الحروب معاني نفسية اي أصبح معنى الشيء مرتبط بنوازع الإنسان النفسية، فتطور المعنى فانتج المعاني النفسية بعد ان كانت المعاني الطبيعية والمعاني الاصطناعية من قبل .

ثم ظهرت الوجودية تبحث عن معنى الحياة الإنسانية ومحاولة إيجاد معنى الأشياء بعد ان ضاع المعنى بين النفسي والمادي (الطبيعي، الاصطناعي) فجعلوا المعنى في الخيال لإيجاد عالم آخر يستطيع أن الإنسان يبني وفقاً لكلمة . ولذلك مازال المعنى ضائع يبحث عن اشياءهُ .

 

كاظم لفتة جبر

 

ابراهيم أبراشيبدو أن الأمور تنزلق بوعي أو بدون وعي لتجريم المقاومة بشكل عام دون التمييز بين الحق بمقاومة الاحتلال كحق مقدس ما دام الاحتلال قائماً، من جانب، وممارسة المقاومة من طرف البعض بطريقة ملتبسة وخارج السياق الوطني العام وأحياناً لغايات حزبية ومصلحية تسيء للمقاومة وللوطن، من جانب آخر، وهنا لا نتحدث عن تجريم المقاومة من طرف تل أبيب وواشنطن ودول أوروبية بل أيضا انتقادها وحتى إدانتها من طرف أنظمة عربية وكُتاب ومثقفين عرب وفلسطينيين .

 ما جرى في جنوب لبنان بين حزب الله وإسرائيل من مواجهات محدودة ومضبوطة بحيث كان كلا الطرفين معني بعدم التصعيد ووصول الأمر إلى مرحلة الحرب المفتوحة، يشبه ما يجري على حدود قطاع غزة من مواجهات محدودة بين فصائل المقاومة وجيش الاحتلال ومحاولة الطرفين أيضاً عدم الانزلاق لحرب مفتوحة، وفي الحالتين صرحت المقاومة أنها سترد على أي عدوان إسرائيلي عليها، والسؤال الذي يفرض نفسه وماذا لو لم تعتدي إسرائيل على لبنان وخصوصاً على حزب الله، ولم تعتدي على قطاع غزة ومواقع المقاومة ؟ .

ردود الفعل المؤيدة والمعارضة سواء لسلوك حزب الله أو لسلوك المقاومة في قطاع غزة تستحضر موضوع المقاومة من حيث المفهوم ومن حيث الوظيفة والدور ويحتاج الأمر لتفكيك المصطلح بناء على الممارسة وليس مجرد تفكيك لغوي خالص .

فهل انتقال حركات المقاومة من استراتيجية الهجوم لتحرير الأرض المحتلة إلى استراتيجية الدفاع عن نفسها وعما بحوزتها من مناطق نفوذ يدخل في سياق مفهوم ووظيفة المقاومة كحركة تحرر وطني؟، وهل إن المقاومة خرجت عن سياقها ومفهومها الأصلي وتحولت مجرد أداة لتحقيق مصالح حزبية أو أجندة خارجية ضيقة وبالتالي يجب وقفها كما يقول المنتقدون والذين وصل بهم الأمر لدرجة تجريمها ؟أم أن للمقاومة وظيفة ودور وطني وقومي وديني لمواجهة حالة الاستسلام والتطبيع وللحفاظ على إرادة الصمود والممانعة؟.

في سياق التعريف اللغوي والاصطلاحي فإن المقاومة أو حركة المقاومة تعني حركة شعبية لمقاومة الاحتلال تهدف للحرية والاستقلال وتندرج في الفقه والشرعية الدولية في سياق حق الشعوب بتقرير مصيرها والدفاع عن نفسها، وفي السياق التاريخي لظهور مصطلح المقاومة فإن كل جماعة حملت اسم المقاومة كانت حركة تحرر وطني في حالة اشتباك مع جيش الاحتلال، سواء سمينا هذه الحالة بالعمل الفدائي أو حرب التحرير الشعبية أو حرب العصابات والمغاوير أو العمل الجهادي .هكذا كان الأمر بالنسبة لحركات التحرر في أوروبا في مواجهة الاحتلال النازي، أو حركات المقاومة في بلدان العالم الثالث ضد الاستعمار كجبهة التحرير الفيتنامية وجبهة التحرير الجزائرية، وحركة المقاومة اللبنانية عندما كانت إسرائيل تحتل مناطق في جنوب لبنان الخ .

نفس الأمر في فلسطين حيث ارتبط اسم المقاومة بداية بالعمل الفدائي أو الجهادي لتحرير فلسطين، وكل الأحزاب الفلسطينية حملت أسماء تدل على الربط ما بين المقاومة وتحرير فلسطين، فمنظمة التحرير الفلسطينية اسمها دال عليها كما أن ميثاقها الوطني –قبل أن يتم تعديله بعد توقيع اتفاقية أوسلو-  أكد على أن هدف العمل الفدائي أو المقاومة المسلحة هو تحرير كل فلسطين، نفس الأمر ينطبق على الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، والجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، وجبهة التحرير العربية، وحركة التحرر الوطني الفلسطيني "فتح" الخ، حتى الحركات الإسلامية كحركة المقاومة الإسلامية والجهاد الإسلامي فإن مواثيقها تؤكد بأن هدفها تحرير فلسطين من البحر إلى النهر .  

وعلى هذا الأساس فإن أية جماعة تحمل السلاح ولا يكون هدفها تحرير أراضيها المحتلة ولا تعبر عن إرادة الجماهير الشعبية تسقط عنها صفة (حركة مقاومة) بما يحمله المصطلح من رمزية بل وقدسية واحترام .لكن في نفس الوقت فإن مفهوم المقاومة لا يقتصر فقط على المقاومة المسلحة بل يمكن للمقاومة أن تأخذ أشكالاً أخرى لمواجهة الاحتلال أو تجمع بين أشكال متعددة كالمقاومة السلمية أو العصيان المدني أو المقاطعة أو المقاومة الثقافية والفكرية الخ، وذلك حسب خصوصية كل مجتمع وحسب موازين القوى وبما ترتأيه القيادة الوطنية الموحدة للمقاومة .

بالإضافة إلى ما سبق فإن المقاومة لا تأخذ معناها الحقيقي إلا إذا كانت تعبر عن الإرادة الشعبية وتشتغل في إطار استراتيجية وطنية شاملة بحيث لا يجوز احتكار أو مصادرة الحق بالمقاومة من طرف حزب بعينه، كما سيكون من الخطورة داخل البلد الواحد أن تعلن جماعة أنها حركة مقاومة مسلحة وتمارسها بالفعل بينما بقية الأحزاب وغالبية الشعب لا توافقها الرأي، كما سيكون من الخطورة ممارسة حزب بعينه للمقاومة المسلحة دون إذن أو على الأقل تنسيق من قيادة الشعب، سواء كانت حكومة كما هو الأمر في لبنان أو كانت سلطة وطنية وحكومة كما هو الأمر في فلسطين، والأدهى من ذلك أن يتحول سلاح المقاومة لأداة قمع وترهيب للشعب أو لمحاربة القوى والأحزاب الأخرى .

لا نريد هنا أن نسهب في الحديث عن الحالة اللبنانية ونموذج ومفهوم حزب الله للمقاومة ولجبهة المقاومة والصمود التي يقول الحزب إنها تمتد من حزب الله إلى حماس والجهاد في فلسطين إلى إيران وسوريا والعراق واليمن،  فللمقاومة في لبنان بعض الخصوصية عن الحالة الفلسطينية لأن إسرائيل لا تحتل لبنان الآن، وبالتالي يمكن أن تندرج المقاومة في لبنان كما يقول حزب الله في سياق المقاومة الدفاعية أو مقاومة التصدي للعدوان أو مقاومة التطبيع والاستسلام الخ،  أما في فلسطين فالأمر مختلف .

في الحالة الفلسطينية وفي قطاع غزة تحديداً لا يجوز أن تتبنى حركات المقاومة استراتيجية المقاومة الدفاعية أي أن مهمتها مقتصرة على مواجهة أي عدوان على قطاع غزة وكأن ما يجري من عدوان واحتلال شامل لكل فلسطين خارج عن صلاحيات حركات المقاومة، ولأن هكذا قول يوحي بأن هدف حركة حماس ومن يواليها كان منذ البداية "تحرير " قطاع غزة وإقامة دولة أو إمارة فيه، في هذه الحالة فقط يمكن للمقاومة أن تكون دفاعية ما دام تم انجاز الهدف!.

المقاومة في قطاع غزة أصبحت حالة ملتبسة ومنفلشة ومقتصرة على مسيرات ومظاهرات وصواريخ عبثية ومسميات هزلية كوحدات الكاوشوك والإرباك الليلي الخ، مما جعلها ممجوجة ومثيرة للسخرية عندما تضبط إيقاعها حسب زيارة السفير القطري وما يجلب معه أو يعد به من مال، ومع ذلك لا يمكن تجريم الحق بالمقاومة لمجرد أنه يتم ممارستها بطريقة خاطئة من طرف حركات المقاومة، كما لا يمكن وقفها أو التخلي عنها لأن حركة حماس تريد ذلك ووقعت اتفاقية هدنة مع إسرائيل .

وأخيرا فإن المطلوب التأكيد على الحق بمقاومة الاحتلال وممارسة هذا الحق في كل ربوع الوطن المحتل في إطار استراتيجية وطنية تضبط مفهوم المقاومة وشكلها ووظيفتها وخصوصاً أن كل المساعي الفلسطينية للتوصل لسلام عادل وصلت لطريق مسدود وتوقف المقاومة في هذه الحالة تعني الاستسلام لمشيئة الاحتلال أو الاعتراف بأن فلسطين ليست محتلة، مع العمل على تصويب الممارسة الخاطئة التي تزهق أرواح الشباب وتلحق الدمار في قطاع غزة دون أي مربح وطني لا آنياً ولا مستقبلياً، كما يجب على حركة حماس أن تتوقف عن محاولة مصادرتها لحق المقاومة أو توظيفها لأغراض ومصالح حزبية أو لخدمة أجندة غير وطنية، وعليها أن تتذكر أنها استنكرت ورفضت مطالب السلطة الوطنية في عهدي أبو عمار وأبو مازن بهدنة مؤقتة واعتبرت المقاومة حق مقدس وممارستها لا تخضع للمساومة، وأن أية هدنة مرفوضة لأنها تتعارض مع الحق بالمقاومة، معتبرة الهدنة أو التهدئة قبل زوال الاحتلال خيانة وطنية الخ .   

 

إبراهيم أبراش

 

علجية عيشيقول مفكرون إن الإنسان بصفة عامة والمثقف بصفة خاصة في إطار العولمة يعيش أزمة المعنى وتعب الرموز اجتماعية كانت أم ثقافية، وهو بذلك يظل يعيش أزمة الوجود، فإذا أراد الشعب أن يفتخر في يوم من الأيام بمستقبله كما يقول أحد الزعماء فلا يمكن أن يتحقق له ذلك بمجرد إطالة أمد الماضي أو الحاضر، فلو أننا حاولنا تشكيل الألفية الثالثة على هذا الأساس فإننا سنفشل، وسيكون ثمن هذا الفشل أي البديل لإحداث التغيير في المجتمع هو الظلام

لم يكف علماء الإجتماع الحديث عن نظرة سوسيولوجيا المستقبليات في علاقة العولمة بتحولات الأنساق الإجتماعية والثقافية واشتغالها في إعادة تشكيل المجتمعات وبنيتها الطبقية وفق شروط عالمية، فالعولمة كمفهوم تظل إشكالية لا تبحث فقط في ما كتب في نطاق الثقافة العالمية وما يتصل بها من إيديولوجيات متضاربة، وإنما هي تمثل ذلك المسكوت عنه في تمثلات الناس، فثمّة من يتحدث عن ثقافة "الفيتنس" وهي التحول الفجائي لأشكال الترفيه والإنغماس في المتع، والتغيير المتكرر لماركات اللباس لدى النساء والرجال، فتغير المدتمع شكلا ومضمونا، ظاهريا وباطنيا، فما تزال الأنتروبولوجيا تطرح حياة المجتمعات وتغيرها من جيل لآخر، فالعوامل الثقافية لها قدرة التاثير في السلوكات، والسلوك يختلف من مجتمع لأخر كما تقول النظرية الإجتماعية التي ترى أن المجتمع لم يعد متأثرا بالمعتقدات والمفاهيم السائدة في كل مجتمع، لأنه حقق قدرا من الحداثة، إلا أنه خسر نفسه ، لفقدانه تلك القيم، وتلك هي مأساة الحداثة كما قال عالم الإجتماع والفيلسوف الألماني جورج زيمل، لأن الإنسان بصفة عامة والمثقف بصفة خاصة في إطار العولمة يعيش أزمة المعنى وتعب الرموز اجتماعية كانت أم ثقافية، وهو بذلك يظل يعيش ازمة الوجود، وجوده في الساحة وكيف يدافع عن الهويات الثقافية وعدم فسخها أو اجتثاثها من أطرها المحلية.

كلما تجدد الحديث عن المثقف العربي إلا وتطرح علاقته مع السلطة، وكأن المثقف العربي يعيش أزمة المعنى، بدليل أنه اصبح يطرح عدة إشكاليات في إشكالية واحدة هي: كيف يتشكل الآخر اجتماعيا وثقافيا في حياتنا الإجتماعية والثقافية؟ وماهي الصورة التي يمكن اختيارها للآخر؟ وماهي مجالات حضوره في المخيال العربي؟ أما كيف صورته عبر الآخر، فهي كما يرى جينارو جيرفازيو وهو باحث إيطالي يساري، عمل كأستاذ مختص في تاريخ الشرق الأوسط المعاصر بجامعة ماكوري بأستراليا، بأنها رؤية مختلفة عن المثقف في علاقته مع السلطة، وطرحت في هذا المجال اسئلة عديدة مثل: هل يمكن لعالم الإجتماع أو عالم السياسة أن يكون مثقفا؟ وكيف يمكن تحاوز فكرة "الثنائية" في المقاربات العلمية، كالقول بالتجديد والتقليد، الفردي والجماعي، المحلي والعالمي، وهل تقبل العولمة بكل ماهة محلي؟ خاصة في مجال الثقافة واللغات.

 فكل الكتابات كما يقول الخبراء في حاجة إلى صياغة دقيقة عبر تحديد المفاهيم، أما المنهج فهو في حاجة إلى أن يميز من تقنيات البحث، فالمؤرخ مثلا وحده يعتمد على المنهج التاريخي في دراسة الأحداث التاريخية ومسار الشخصيات التاريخية، وعالم الإجتماع وحده يعتمد على المنهج العلمي، كلّ حسب تخصصه، إلا أنهم يلتقون في قاسم مشترك وهو العمل الميداني، إلا أن بعض الكتابات ترى أن ما يعاب على عالم الإجتماع هو أنه يتبع أكثر مما يبدع، والقضايا الكبيرة يطرحها أكثر من هم خارج الإختصاص، ويمكن القول أن المثقف هو من يطرح هذه القضايا التي تخص المجتمع ثقافة وسياسية واقتصادا، لأنه يحشر نفسه في كل القضايا ويرى نفسه عين المواطن التي يبصر بها، فهو تنويريّ بأتم معنى الكلمة، ويسعى لأن يحقق السلام وينشره في الكون كله، انطلاقا من روح التحضر العميقة الجذور.

 ولعل الوضع الحالي للمثقف يقود إلى الحديث عن الوسط الثقافي الذي وصفه إدوارد سعيد في كتابه "الإستشراق" بالظاهرة التي سيطر فيها العالم الغربي على ثقافة الشعوب غير الغربية (العرب والمسلمين بالخصوص)، البعض يرجع هذه السيطرة إلى إخفاق جامعة الدول العربية في تكوين جماعات الضغط العربي ، مع التحفظ على عبارة "اللوبي"، لأن فهم الجماهير لمعظم القضايا محدود جدا، ولأن هذه الجامعة وهذه الجماعات لم تعمل على تثقيف الجماهير بشكل جيد أو بوجهة نظر معينة، الفجوة حسب المحللي ن بين المطامح والواقع ، فأن تعتمد دولة عربية ما على شركة أدنبية في إنجاز مشاريعها، فهذه المطامح لا محالة تنتهي بخيبة الأمل.

كتاب "إدارة تحديات المستقبل" لمؤلفه جونتر فورتيله وهو عبارة عن جدول أعمال سياسي واقتصادي للقرن الواحد والعشرين ذكر فيه المؤلف ما يزيد عن تجارب 18 شخصية استثنائية، معظمها شخصيات غربية، ماعدا شخصيتان عربيتان وهما الرئيس المصري حسني مبارك والحسن الثاني ملك المغرب، وهذا الكتاب واحد من الكتب التي تحدثت عن قادة وزعماء تمكنوا من تقديم رؤية استشرافية للمستقبل البعيد، وحققوا لبلادهم ومؤسساتهم إنجازات استثنائية، كون البشرية تعيش في خضم تغيرات ذات ابعاد، تغيرات تختلف عن التغيرات الثورية التي بنتها مسيرة التاريخ، بل هي التغيرات التي تجري حاليا في ظل الربيع العربي في تونس ومصر وليبيا والحراك الشعبي في الجزائر وفي السودان، أصبح الكثير من الناس أو الشعوب يشعرون بعدم الأمان، نعيب على الكاتب طبها لأنه استثنى الجزائر محررة الشعوب وقائدة الثورات التي تحدت كل الصّعاب في تقرير مصيرها ومصير الشعوب، ومواقفها إزاء القضايا المطروحة.

 ولا ننسى موقف الرئيس الراحل هواري بومدين وهو يرد على الرئيس نيكسون في إحدى القمم حول شمال العراق، فقد ذكر المؤرخ عثمان سعدي سفير سابق ببغداد، كان رد بومدين: " نحن العرب نرى أنه يبدو أن الولايات المتحدة لم تكتف بإسرائيل واحدة فنراها تعمل على تأسيس إسرائيل ثانية في شمال العراق، فكان الرئيس نيكسون قد اشطرب في كلامه، وكانت النتيجة أنه اسرائيل ثانية لم تسجل في نهاية القمة، حخشب شهادة المؤرخ عثمان سعدي لم لم يحدث أبدا أن أثار رئيس دولة عربي المسألة الكردية بالعراق مع رئيس الولايات المتحدة، كما اثارها الرئيس هواري بومدين، وهو القائل: " إن تاريخ الشعوب ليس إلا سلسلة من المعارك المتنوعة تخرج ظافرة من معركة لتدخل مزودة بسلاح جديد إلى معركة جديدة، فإدا كنا قد خرجنا من معركة الاستقلال فإن دلك إلا سلاحا لابد منه لخوص معركة أخرى هي معركة النهضة والرقي والحياة.

 نستشهد هنا أيضا ما قاله فيرناندو هنريك كاردوس رئيس البرازيل سابقا وهو من بين الشخصيات التي ورد اسمها في هذا الكتاب، في الصفحة 121 من الكتاب ، عندما عرض برنامج البرازيل للقرن الـ:21، قال: "إذا أراد الشعب أن يفتخر في يوم من الأيام بمستقبله فلا يمكن أن يتحقق له ذلك بمجرد إطالة أمد الماضي أو الحاضر، فلو أننا حاولنا تشكيل الألفية الثالثة على هذا الأساس فإننا سنفشل، وسيكون ثمن هذا الفشل اي البديل لإحداث التغيير في المجتمع هو الظلام"، إلا أنه يضيف ومن باب التفائل بالمستقبل: " نحن قادرون على القيام بالكثير في واقع الأمر، ومعرفة نوع المجتمع الذي نرغب فيها، غير انه لابد من غثارة التساؤل عما يمكن ان نصنعه لكفالة استخدام المعرفة والثقافة في خدمة البشرية، وإن كان كلام هذا السياسي فيه شيئ من الحقيقة لأن الجيل الحالي يتطلع نحو المستقبل عن طكريق التغيير، إلا أنه ربط الماضي بحاضره ومنهما يسير نحو المستقبل، كما نراه في الحراك الشعبي الجزائري الذدي هوة عبارة عن نوفمبر جديد ضد استعمال داخلي تحركه ايادي خارجية، من الصعب طبعا التعرف على المشاكل، بين أن الصعوبات تطفو عندما يتعلق المر بالبحث عن بدائل لواقع الحال المستهجن القائم، خاصة وأن هذا المشاكل تحمل أبعادا مأساوية.

 

علجية عيش

 

محمد عرفات حجازيهل من الممكن أن يُصبح الإنسان الآلي يومًا ما مُبدعًا للقيم؟، وما مدى تلاعبه بمشاعر وقرارات الناس؟، ثمّ ما هو حجم المخاطر التي قد تنتج عن سوء استخدام الذكاء الاصطناعي؟، وهل يستطيع الذكاء الاصطناعي السيطرة على الإنسان وحكم العالم مستقبلًا كما في أفلام الخيال العلمي؟، وماذا لو تطوّرت تلك النُظُم إلى نُظُم غير خاضعة للرقابة وقادرة على تطوير معارفها؟، وهل من الممكن أن تحلّ تلك الروبوتات محلّ الشرطة مع إباحة قتلها البشر إن وجب الأمر لتقليل مستوى الجريمة، مثلًا؟ إنّ هذه القدرة ستعطي الذكاء الاصطناعي دفعة كبيرة إلى الأمام من ناحية إنقاص الوقت اللازم لتدريب الآلات، والوقت اللازم لتحسين أدائها من خلال ما يُعرف بـ (التعليم غير المُراقب).

قامت شركة Microsoft عام 2016م ببناء نموذج للذكاء الاصطناعي أطلقت عليه اسم Tay ai، وأطلقته على تويتر؛ لكي يتسنّى للعالم الحوار معه، وفي أقلّ من 24 ساعة تحوّل حواره من الترحيب بالبشرية والردّ على الحوارات إلى نشر تغريدات ضدّ طائفة Feminist، والقول بأنّها تكره اليهود، وأنّ "أدولف هتلر" كان على حقّ، ممّا دفع الشركة لإغلاقه على الفور وحذف جميع تغريداته..

وبغضّ النظر عن الأبعاد السياسية التي قادت هذا النموذج في أقل من 24 ساعة لنشر هذه التغريدات، فإنّ هذا يدلّ على الخوف الواضح من أنظمة الذكاء الاصطناعي، والضرر الذي قد تُسبّبه في حال إعطائها صلاحيات مُطلقة على بعض جوانب الحياة البشرية.

انتشرت منذ وقت ليس ببعيد، العديد من الفيديوهات على مواقع التواصل الاجتماعي للروبوت "صوفيا" والروبوت "هو"، الأولان من نوعهما في الذكاء الاصطناعي، وهي روبوتات ذاتيّة التعلّم، تملك القدرة على خلق الردود وتحليل ردود الأفعال، والتصرّف بدون أوامر مُسبقة..

وقامت الروبوت "صوفيا" بالكذب عندما اجتمعت مع الروبوت "هو"، وذكر "هو" نظرته عن البشر، وأنّهم مُخرّبون، ولو تسنّت له الفرصة لإصلاح الأوضاع الفوضوية البشرية لفعل، فردّت "صوفيا": "اعذروا صديقي "هو"، فلا بدّ من وجود عطل ما في نظامه، فهو نسخة قديمة" ـ بالرغم من أنّ "هو" تمّ تطويره بعدها.

الروبوت الشخصي Jibo ليس مُجرّد آلة أو مُساعدًا شخصيًّا لك، إنّما هو بمثابة الصديق الذي يُمكنك التعلّق به؛ إذ أنّه صُمِّم خصّيصًا بحيث يُمكنه التحدّث والتواصل معك، والاستجابة والتعبير عن مُختلف الانفعالات والمشاعر، وبالإضافة إلى قدرته على إمتاعك وتسليتك بالضحك والرقص.. إلخ، فهو ـ بفضل تقنيات الذكاء المُتقدّمة ـ لديه القابلية لتعلّم المزيد وتحسين مهاراته باستمرار.

تُعدّ أولى مراحل جعل الروبوت مُتعلّمًا جيدًا، هي في جعله مُستنتجًا جيدًا. فكلّما استطاع ربط الأحداث والمعلومات، كلّما كوّن معرفةً تُمكّنه من تكوين رأي حُرّ..

يبدو أنّ تسونامي الذكاء الاصطناعي يستعدّ ليبتلع الكثير من الوظائف التي ظننّا على الدوام أنّها بشرية، ولعلّ الذكاء الاصطناعي قد يصل يومًا ما لصناعة أدوات أذكى منه، بحيث يستطيع التخلّي عن مُبرمجيه.

إنّ خطر الذكاء الاصطناعي يفوق الإرهاب، والآثار المُترتّبة عن التغيّر المناخي، لذا؛ يجب تدخل الحكومات والأكاديميين وإلا ستمضي التكنولوجيا المُتطوّرة سريعًا في طريق غير مُنظّم، وغير مضبوط، يتحكّم فيه عدد قليل من الشركات القوية للغاية.

أعتقد الآن أنّ أغلبنا يُشارك "إلون موسك" و"ستيفن هوكينج" في الشعور بمخاطر تطوير ذكاء اصطناعي يمتلك قدرة مستقلة، فقد يكون ذلك أسوأ شيء يحدث للبشرية!، أو الأفضل. لذا نرى أنّ حسم موضوع تطوير ذكاء اصطناعي عام، مع وضع الضوابط الكافية، هو مسئولية تقع على عاتق الفلاسفة جنبًا إلى جنب مع علماء الرياضة والحاسوب، وعلماء الاقتصاد واللغويات، لحسم هذا الموضوع من كافة جوانبه، إن استطاعوا إلى ذلك سبيلًا..

 

محمد عرفات حجازي

باحث في الفلسفة والأخلاق التطبيقية ـ مصر

 

ادريس جنداريقد يتصور البعض، ممن افتقد ملكة النقد، أن ما جرى للغة العربية بالمغرب، خلال عهدتَي الإسلام السياسي، لا يعدو أن يكون تحديا فرضته الدولة العميقة على الفاعل الإسلامي من أجل ابتزازه فيما يتعلق بمقومات مشروعه السياسي الذي تحضر اللغة العربية على قائمة أولوياته ! لكن، ما يسعى هؤلاء إلى إخفائه من تحت غشاء شفاف، هو كون مشروع الحركات الإسلامية قد وُلِد في بيئة أُمَمِيَّة (الأممية الإسلامية) فقد صاغ كل من  (المودودي) و(الخميني) أطروحتيهما من خارج التصور الثقافي واللغوي العربي، وقد تم استنساخ هذه الأطروحة في العالم العربي بنفس الصيغة المودود-خمينية، بل إن الكثير من الأصوات السلفية الشاردة قد عثرت في هذه الأطروحة على الفرصة الملائمة لتصفية الحساب مع المشروع القومي .

هذا المنحى الأممي للإسلام السياسي أسقط رموزه في فخ الخلط بين الاتجاه الإيديولوجي القومي، وبين المقومات الحضارية المشتركة بين العرب ومن بينها المشترك الثقافي واللغوي العربي. لذلك، أعلن الاتجاه الإيديولوجي الإسلامي حربا شعواء على الرموز الفلسفية والأدبية والعلمية العربية (طه حسين، نجيب محفوظ، نصر حامد أبو زيد ...) بادعاء انحرافها عن القيم الإسلامية !  لكن هذا الاستهداف، في حقيقة الأمر، كان موجها للمُنجَز الثقافي واللغوي العربي.

ضمن هذا السياق الإيديولوجي الملغوم، يمكن إدراك حقيقة استهداف الإيديولوجية الإسلامية للمشترك اللغوي العربي بالمغرب، خصوصا في ظل الزواج الكاثوليكي الذي يجمع بينها وبين الاتجاه الإيديولوجي الفرنكو-عرقي (أنا أمازيغي – وليس مغربي- قح/ تصريح العثماني). من هنا، يبدو أن ما جرى للغة العربية، خلال عهدتي الإسلام السياسي، لا يدخل في باب الصدفة، بقدر ما أنه جزء من استراتيجية متكاملة التخطيط، بدأت مع تأسيس إيديولوجية الإسلام السياسي خارج الفضاء الثقافي العربي، وامتدت مع استنساخ هذا المشروع الشُّعوبي في الداخل العربي.

ما بين الشعوبية القديمة والشعوبية الجديدة

جاء في كتاب (الإسلام السياسي صوت الجنوب) للمفكر الفرنسي (فرانسوا بورغا)، أن العروبة مرت من مرحلة التمسك بها دون قيد أو شرط (..) إلى رفضها الصريح من جانب تيار الإسلام السياسي. وهذا الرأي الأكاديمي يؤكد الواقع الحقيقي، في علاقة الإسلام بالعروبة في المشروع السياسي للحركة الإسلامية، خصوصا وأن هذا المشروع ينطلق من رصيد تاريخي بدأ مع  الجماعة الإسلامية، التي أسسها أبو الأعلى المودودي في الهند، وقد تم تأكيد هذا الطابع بعد نجاح الثورة الخومينية في إيران.

سواء مع المودودي أو مع الخوميني، فقد كان التوجه واضحا نحو فصل الإسلام عن امتداده الحضاري العربي، بادعاء أن الإسلام دين وأن العروبة قومية/عرق، لكن الحقيقة التي يعمل هؤلاء على محاولة مواراتها هي انطلاقهم، أنفسهم، من زاوية عرقية ضيقة تسعى إلى تزوير التاريخ، حينما تنتقل بالعروبة من تشكل حضاري ساهمت في بنائه قوميات وأعراق مختلفة إلى تشكل قومي/عرقي ضيق، في ارتباط بالمرحلة ما قبل الإسلامية قبل أن ترتبط، خلال القرن السابع الميلادي، بالإسلام وتنفصل عن بعدها العرقي .

إن هذا المسار هو الذي تحكم، في الأخير، في تشكيل اتجاه الحركة الإسلامية في العالم العربي، وقد ساعد على ذلك، أكثر، تنامي المد القومي، الذي اتخذ بعدا علمانويا حاول تهميش البعد الديني/ الإسلامي في الثقافة العربية.  كل هذه العوامل ساعدت على خلق نوع من التوتر بين العروبة والإسلام في مشروع الحركة الإسلامية، حيث حدث نوع من الخلط بين العروبة كبعد ثقافي وحضاري، وبين الإيديولوجية القومية/البعثية التي استثمرت العروبة، كرأسمال سياسي، للوصول إلى الحكم، وفرض مشروعها في الهيمنة على الشعوب العربية باعتماد شعارات تروج للأصالة العربية من منظور إيديولوجي ضيق.

يحاول شيخ جماعة العدل والإحسان، في المغرب، أن يقيم توترا وهميا بين العروبة والإسلام محاولا ربط محاولته بالتيار القومي، وهذه عملية تبريرية لا جدوى منها. يقول الشيخ عبد السلام ياسين: (إن العروبة في محنتها التاريخية الحاضرة، وهي محنة المسلمين، تتشبث باللغة العربية كما يتشبث الغريق بيد منقذه، فعليها معولهم وإليها مرجعهم من كل خيبة، بها ومنها النهضة، وبها الحياة والبطولة لسر عظيم يقدرونه لها، كما نؤمن نحن بالله عز وجل وتأييده)

عبد السلام ياسين – الإسلام والقومية العلمانية – دار البشير للثقافة والعلوم الإسلامية- ط2 – 1995- ص: 10

قد نستغرب لهذه المقارنة، التي يقيمها الشيخ بين العربية وبين الله، لكن الأمر يتضح، أكثر، حينما نفهم أن الشيخ يقود حربا دونكشوطية ضد العروبة محاولا فصل الإسلام عنها، ولكي يغطي على موقفه فهو يخلط بين العروبة كلغة وحضارة، وبين العروبة كقومية ضيقة، وهذا لا يستقيم إلا من منظور إيديولوجي ضيق، هو الذي قاد الشيخ في استنتاجه كما قاد تيار الحركة الإسلامية. وكنتيجة لهذا الخلط، فقد حاولت تيارات الحركة الإسلامية، في العالم العربي، خلق نوع من الشعوبية الجديدة، وخصوصا في بعض الدول التي تعرف تنوعا عرقيا، حيث عملت على ترويج بعض الأفكار المغلوطة حول انفصال الإسلام عن العروبة.

و لعل آخر حدث يمكن أن نستدل به، على هذا التشويه المقصود، هو ما وقع في اجتماع وزراء خارجية دول المغرب العربي، باعتباره أول اجتماع يضم وزراء يمثلون الحركة الإسلامية (المغرب-تونس)، وخلال هذا الاجتماع استغل الوزير المغربي (الإسلامي) فرصة اللقاء ليطرح على الطاولة مقترحا في غاية الغرابة وبشكل متسرع للغاية، وذلك عبر اقتراح استبدال (اتحاد المغرب العربي) ب (الاتحاد المغاربي)، وهذا المقترح لا يعبر سوى عن رغبة في اغتنام أول فرصة بهدف تغيير المسار، أو بالأحرى رد الدين للتيار القومي/البعثي، وكأن الانتماء الحضاري إلى العروبة يعني الانتماء إلى هذا التيار الإيديولوجي.

إن تركيزنا على موقف الحركة الإسلامية، في المغرب، من علاقة الإسلام بالعروبة، لا يعني أن موقف باقي التيارات الإسلامية في العالم العربي كان مختلفا، بل يمكن أن نقرر أن هناك موقف واحد هو الذي تحكم في معظم، إن لم نقل كل، تيارات الحركة الإسلامية، وهو موقف لا يستجيب للتوازن والوضوح الفكري بل تحكمت فيه، إلى أبعد الحدود، مصالح سياسية ضيقة، في علاقة بصراع حركات الإسلام السياسي ضد التيار القومي، سواء في مصر الناصرية أو في سوريا البعث، وهذا الصراع ذو بعد سياسي/إيديولوجي لا دخل للعروبة، كامتداد حضاري، فيه.

 

د. إدريس جنداري – باحث