منى زيتونفي مجال المهارات الاجتماعية نهتم بأخذ الخلفيات الثقافية في الاعتبار، لأن تفسير الرسائل اللفظية وغير اللفظية التي تصدر عن أي فرد دون اعتبار الثقافة التي ينتمي إليها قد يُحرِّف مدلولات تلك الرسائل، ويجر المستقبل إلى سوء فهم مؤكد لبعضها.

مفهوم الثقافة

في (مختار الصحاح) ثَقُف الرجل من باب ظَرُف؛ صار حاذقًا خفيفًا. وفي (المصباح المنير) ثَقِفْتُه: ظَفِرْت به، وثَقِفْت الحديث: فَهِمته بسرعة. وفي (المعجم الوجيز) ثَقُف فلان ثقافةً: صار حاذقًا فطِنًا. ثَقَّف الشيء: أقام المعوج منه وسوَّاه، وثَقَّف الإنسان: أدَّبه وهذَّبه وعلَّمه. تَثَقَّف: تعلَّم وتهذَّب. ويُقال: فلان تَثَقَّف على فلان وتَثَقَّف في مدرسة كذا. الثَّقافة: العلوم والمعارف والفنون التي يُطلب العلم بها، والحذق فيها.

والثقافة مفهوم شائع، قد نختلف في تعريفه حول ألفاظه، ولكن لا يكاد يُوجد خلاف على أنها نتاج كل نشاط إنساني في المجتمع، وأنها تختلف باختلاف كل مجتمع، لتعبر عن طريقة الحياة فيه.

من المعلوم أن للثقافة جانبين هما: الجانب المادي، ويشمل مخترعات الإنسان، والجانب المعنوي؛ المتمثل في مجموعة من قيم المجتمع والعادات والتقاليد والأعراف الاجتماعية السائدة فيه التي يعتنقها أفراده، والسلوكيات التي تنبني على هذه المنتجات العقلية، والتي يتم تشكيل الفرد بالمجتمع ثقافيًا ليؤديها. وكلا الجانبين يشكلان معًا التراث الثقافي لأي مجتمع.

ولا يكفي لفهم ثقافة أي مجتمع النظر إلى عناصره الثقافية بشكل مستقل؛ فالثقافة ظاهرة مركبة لا تُدرك إلا بعد التأليف بين عناصرها المختلفة.

وهناك فرع من علم الأنثروبولوجيا الثقافية يُعرف بالأثنولوجيا، ويهدف إلى مقارنة الثقافات المختلفة، ودراسة آثار الاتصال بين تلك الثقافات، ومن ثم تصنيفها إلى مناطق ثقافية.

وتختلف الثقافات في اتساع الرقعة التي تمتد فيها، فثقافة مثل الثقافة اللاتينية أو ثقافة حوض البحر المتوسط هي ثقافات متعددة الجنسيات، بينما تكون هناك ثقافات أقل اتساعًا وشديدة الخصوصية بمجتمع محلي صغير.

وبالرغم من أن ثقافة كل مجتمع مركبة بشكل يعكس تكامل عناصرها، وتكون خاصة بذلك المجتمع، إلا أننا رغم تلك الخصوصية يمكن أن نلمح قرابة بين بعض الثقافات، تظهر في انتشار عناصر من ثقافة ما في ثقافات أخرى.

في المقابل يوجد مفهوم الثقافات الفرعية، وتأثيره في الالتفات إلى الفروق الثقافية داخل المجتمع الواحد. ولها دورها في تشكيل سلوكيات أفراده على نحو مغاير. تتأثر تلك الثقافات غالبًا بالموقع الجغرافي، كما تتكون في ضوء الظروف الاجتماعية التي يحيا فيها الأفراد، ما بين طبقات عالية المكانة تشيع بينها أنماط تواصلية وطبقات أقل تتباعد عنها سلوكيًا بمقدار تباعدها في المستوى الاجتماعي. لكن ينبغي التأكيد على أن الثقافات الفرعية داخل أي مجتمع لا تستقل تمامًا عن الثقافة العامة للمجتمع الأكبر، وتبقى بينهما قواسم مشتركة في كثير من الجوانب.

فيما يخص التواصل الاجتماعي تحديدًا يمكن القول إن الدراسات النفسية تتأرجح ما بين اتجاهين؛ أولهما يركز على وجود ثقافة واحدة تخص الجنس البشري، حيث عالمية قوانين ومبادئ علم النفس، والقول بنظرة أكثر اتساعًا للسلوك الإنساني، وأن المجتمع الإنساني يعيش حالة من التلاقي الثقافي منذ تطورت وسائل الاتصالات والتواصل، جعل الثقافة الإنسانية عالمية.

بينما تُوجد نظرة أخرى تؤكد على الاختلافات بين الثقافات، حيث الملامح الثقافية الخاصة بكل منها، ووجوب أخذها بعين الاعتبار لظهور نتائج عن فروق دالة بين الثقافات المختلفة في الكثير من عناصر مهارات التواصل الاجتماعي؛ فتأثير الثقافة على قنوات التواصل يظهر في جميع الجوانب، فكما تؤثر في اختلاف أصوات اللغة، وتراكيبها، وأساليبها التعبيرية، وتعبيرات الوجه وإيماءات الأيدي، فإن الثقافة تؤثر أيضًا في الأزياء وطريقة قص الشعر وعادات تناول الطعام وغيرها. هذا الاتجاه الثاني يرى أنه مهما كانت قوة أدوات العولمة، فإن تجذر عناصر الثقافة الخاصة في أي مجتمع أقوى وأقدر على الإبقاء على التنوع الثقافي في العالم مقابل محاولات التهميش للثقافات الأخرى لصالح الثقافة الغربية.

والحقيقة تتوسط كلا الرأيين؛ فهناك عمومية ثقافية لا شك، كما أن هناك خصوصية ثقافية. وهناك تلاقٍ ثقافي، وعلاقة تأثير وتأثر بين الثقافات المختلفة، كما أن هناك محاولات أحيانًا لهيمنة الثقافة الغربية. وكما أن هناك أصالة فهناك تجديد، وقد يكون التغير الثقافي استجابة لمتغيرات حقيقية في المجتمع، أو قد يكون استجابة لنزعة نحو التقليد.  

الفروق الثقافية في التواصل اللفظي

رغم تنوع ما يمكن أن نُطلق عليه مصطلح لغة، إلا أن اللغة الصوتية التي يصدر البشر فيها أصواتًا معينة للتعبير عن رموز معينة تبقى مميزة للإنسان، وسبب تميزه عن باقي المخلوقات، لأنها أتاحت للبشر التواصل فيما بينهم، ونقل خبراتهم ومراكمتها، وصنع الحضارة، وهو ما لم يُتح لباقي الكائنات التي تُعتبر نُظمها التواصلية بدائية مقارنة بالإنسان.

ينبغي فقط أن نشير إلى وجود لغات بشرية خاصة بجماعات صغيرة تستخدم نظامًا لغويًا يخلو من الألفاظ، ويعتمد على إطلاق أصوات صفير تتنوع وفقًا للمدلول المراد توصيله. توجد هذه اللغات الصوتية البدائية في جزر الكناري وفي بعض المناطق الجبلية التركية.

واللغات الإنسانية تُقسم إلى عائلات كما نعلم، تتحدد بناءً على تشابه قواعدها وبناء جملها بالأساس، ثم أصول وتشابه الكلمات بالدرجة الثانية. وانتماء مجموعة من اللغات إلى عائلة لغوية واحدة يشير –غالبًا- إلى أن الشعوب التي تتحدث بها توجد بينها روابط تاريخية وجغرافية ولها نظم اجتماعية متشابهة. وأشهر مثال على ذلك وأكمله: اللغات السامية، التي تضم اللغة العربية واللغة العبرية واللغة السيريانية واللغة الأرامية واللغة النبطية وغيرها.

وبالرغم من أن اللغة هي وسيلة الاتصال الأساسية بين البشر فإن فهم الكلمات وحدها لا يكفي للادعاء بأن البشر من ثقافات مختلفة يفسرونها التفسير نفسه! فالأمر أعمق من هذا التبسيط لأن اللغة لا تختلف مدلولات ألفاظها بين الثقافات المختلفة وحسب، بل وقد تختلف تلك المدلولات أيضًا باختلاف الثقافات الفرعية داخل المجتمع الواحد، والذي يتحدث أبناؤه اللغة نفسها! فهناك تعبيرات وتركيبات لغوية تكون لها مدلولات خاصة في ثقافات فرعية لا يفهمها الغرباء عنها، وتعيقهم عن استيعاب المعنى المقصود منها. كما أنه كلما اختلفت خبرات الناس باختلاف طبقاتهم الاجتماعية اختلف المدلول اللغوي للعبارات التي يستخدمونها رغم كونها تتركب من الألفاظ نفسها.

وإذا ما وضعنا في اعتبارنا أن المفاهيم تنقسم إلى مفاهيم مادية محسوسة concrete كـ (الشجرة والقلم) ومفاهيم مجردة abstract كـ (الحب والسعادة والحرية والديمقراطية والعدالة) فإننا نفهم من أين ينشأ اختلاف المدلول –خاصة للمفاهيم المجردة- باختلاف الثقافات، خاصة مع زيادة مستوى التجريد وعمومية اللفظ للمفهوم. مع الأخذ في الاعتبار أن ثراء أي لغة يتحدد بزيادة المحصول من تلك المفاهيم. وتزيد المفاهيم الحسية في المجتمعات البدائية، فنسمع عن أن للأسد أكثر من خمسمائة اسم في لغة العرب القدماء، وأن للون الأبيض درجات عديدة عند الإسكيمو لا يدركها ولا يميزها غيرهم، بينما وفي المقابل يزيد تنوع المفاهيم المجردة في المجتمعات الأعلى ثقافة.

كما وقد تختلف الألفاظ العامية التي يُطلقها أبناء الثقافات الفرعية المختلفة على المسمى نفسه، مما قد يسبب أيضًا صعوبات في التواصل اللفظي أحيانًا! على سبيل المثال: لأهالي الإسكندرية مفرداتهم اللفظية التي تختلف كثيرًا عن المفردات القاهرية، والحال كذلك بالنسبة للهجات الصعيد والريف المصري. والحال نفسها عند تواصل أفراد ينتمون إلى طبقات اجتماعية مختلفة في المجتمع. لكن هذه الصعوبة لا تكون دائمة ففي حالات كثيرة يكون اختلاط أصحاب كل لهجة بأصحاب اللهجات الأخرى عن طريق الهجرة الداخلية أو وسائل الإعلام كافيًا لتحقيق درجة ممتازة من الفهم وتلافي أي صعوبة في التواصل. كما أن للتميع الطبقي في المجتمع المصري بسبب التغيرات الاقتصادية التي أثرت في التركيب الاجتماعي دوره الواضح في تقارب لغة أبناء المجتمع المصري ككل.

والحقيقة أننا لا نتعلم الكلمات فقط، بل نتعلم معانيها والاتجاهات والقيم والمشاعر التي تحملها ثقافاتنا تجاهها، ونتفهم أن للكلمات معنى ضمني Connotative إضافة إلى المعنى الدلالي الاصطلاحي Denotative، وأن معاني الكلمات الضمنية Connotative تختلف باختلاف البشر. لا تختلف باختلاف الثقافة التي نشأوا فيها وحسب، بل تُوجد فروق فردية بين أفراد المجتمع الواحد في تفسيرها! وقد تختلف أيضًا بالنسبة لشخص بعينه في ظل عوامل مختلفة. فهل تعني كلمة "نجاح" المعنى الضمني ذاته لكل البشر؟

إضافة إلى ذلك فاللهجات المحلية قد تتفاوت مصادرها، وترجع كثير من كلماتها تحديدًا إلى لغات غير اللغة الأم التي يتحدثها سائر المجتمع، فكثير من لهجات الصعيد تنتشر بها كلمات من اللغة المصرية القديمة وليس اللغة العربية. ولهجات أهالي مدن القناة -خاصة كبار السن- تنتشر فيها كلمات يونانية وإنجليزية وفرنسية.

كما أن الألفاظ الدارجة في اللهجة تتغير بسبب التبادل الاقتصادي والثقافي والهجرة؛ فمنذ منتصف القرن العشرين أدى انتشار الفن المصري إلى شيوع اللهجة المصرية واستخدام كثير من مفرداتها في البلاد العربية المختلفة، ومع هجرة السوريين إلى مصر بعد الحرب الدائرة في سوريا ظهر أثر لهجتهم بين سكان مدينة الشيخ زايد في مصر التي توطن الكثير منهم فيها.

واللغة التي يستخدمها الفرد؛ متمثلة في مفرداته وطريقة تحدثه، هي أوضح دليل على مستواه الثقافي، ويتعدى هذا إلى المجتمع ككل. وكلما ارتقت ثقافة المجتمع نهضت لغته، وكلما انحدرت الثقافة خبت اللغة. وكما أن لكل ثقافة لغتها، فلها فنونها المختلفة التي تعبر عنها وتتأثر بلغة المجتمع التي تتشرب ثقافته، وتأتي متلائمة مع عمارته وموسيقاه وسائر فنونه.

والعلاقة بين اللغة وثقافة المجتمع علاقة تأثير وتأثر أوضح من أن تحتاج إلى تأكيد؛ اللغة مرآة تعكس ثقافة المجتمع وتتأثر بها. وهي أحد أهم عناصر الثقافة، وأكبر دلالات القومية، كما تتأثر اللغة بثقافة أي مجتمع وتقاليده وعاداته، فتعكس ثقافة المجتمع؛ وهي وسيلة حفظ التراث الثقافي الإنساني، وطريق نقله عبر الأجيال، ويمكن أن نلمح قيم المجتمع الثقافية متمثلة في أمثاله الشعبية ومأثوراته الحكمية التي تدور على ألسنة الناس، ومن جهة أخرى لا شك أن عناصر الثقافة الأخرى تؤثر في اللغة، وأي تغير ثقافي فيها يُلاحظ تأثر اللغة به؛ فتُضاف مصطلحات للتعبير عن ذلك التغير الثقافي الحادث، كما قد تضاف مدلولات جديدة لمفردات قديمة فيها. وهل هناك من لم يلاحظ إضافة مدلول جديد لكلمة (فأرة) لتكون وسيلة إدخال في جهاز الحاسوب (الكمبيوتر) بحيث تعدى المدلول القديم لحيوان؟! كذلك قد تختلف طرق التعبير، فيكون التغير اللغوي أحد أشكال التغير الثقافي.

والزمن عامل أساسي في تغير اللغات الحية، فكل حي يتغير، وقد تصل درجته على المدى المتعاظم من القرون إلى تغير كبير في بنية اللغة حتى يصعب فهم اللغة القديمة على من يتحدثونها في العصر الحديث، وحتى اللغة العربية التي تتميز عن باقي اللغات أن بنيتها لم تتغير قد تغيرت مدلولات كثير من مفرداتها، مما يجعل أغلب العرب المعاصرين يصعب عليهم فهم قصائد الشعر الجاهلي، بل وقد تبقى للمفردات المدلولات نفسها ولكن يشيع استخدام ألفاظ وتعبيرات أخرى، ومشاهدة فيلم من أفلام السينما المصرية في أربعينات القرن العشرين كفيل بالتأكد من تغير مفردات اللغة الشائعة عبر الزمن القصير نسبيًا.

ولأجل هذه الحقيقة تعددت لغات الشعوب بتعدد حضاراتها، واختلفت مجموعة الأصوات المستخدمة في كل لغة منها عن أصوات اللغات الأخرى، واختلفت تراكيبها وقواعدها اللغوية، وأساليبها التعبيرية. مع الإقرار بأن التلاقي الثقافي لتجاور شعبين أو للتجارة أو للهجرة أو للحروب خاصة عند سيطرة شعب على الآخر واستعماره هي من أهم الأسباب التي يمكن أن تحدث تلاقحًا بين لغتين ينتج عنه تغير في كلتيهما.

ولا يقتصر التغير على اللغات الرئيسية، فقد تنشأ من رحم تلك اللغات لهجات محلية تمثل بعض أشكال التغير اللغوي؛ حيث تتأثر أصوات ومفردات ومدلولات الألفاظ في اللهجات المحلية بمظاهر النشاط الاجتماعي والاقتصادي المختلفة داخل بيئاتها الإقليمية؛ فلهجة البيئة الريفية تختلف عن اللهجة الساحلية عن لهجة أهل الصعيد، وكلهم يختلفون عن اللهجة القاهرية. ويمكن أن تكون اللهجات المحلية –وربما اللغات المحلية كالنوبية- سببًا لعزلة المجتمع المحلي وخصوصيته، كما يمكن أن تتعرض لتغير بدورها بسبب الاتصال بلهجات الأقاليم الأخرى، وزيادة أعداد المتعلمين والمثقفين الذين يتكلمون اللغة الفصحى. كما تتأثر اللغة واللهجة باختلاف الطبقات الاجتماعية لأفراد المجتمع بسبب الفوارق الاجتماعية والاقتصادية فيما بينهم، مما يؤثر في اختلاف مفرداتهم، ومدلولات تلك الألفاظ، وتطورها.

وعندما نقرر أن أناسًا يتحدثون لغة واحدة، فهذا يعني ما هو أكبر من مجرد النطق بالكلمات. إنه يعني أنهم يفكرون باستخدام اللغة نفسها. فاللغة تعتبر محددًا أساسيًا من محددات التفكير، يتأثر بها كيفية التفكير ومحتواه. كما أننا نلمس الانحدار الفكري الذي أصاب المجتمع المصري مع التغير الشاسع الذي أصاب لغته العامية بمفرداتها وأساليبها التعبيرية العجيبة، والذي تزامن مع ضعف اللغة الفصحى.

وكل تغير في اللغة يؤثر في تغير ثقافي، وكل تغير ثقافي يؤثر في إحداث تغير في اللغة، فتتغير تبعًا له أنماط وأساليب التواصل اللفظي بين الناس في المجتمع، وبين الذكور والإناث تحديدًا، وهو أحد محاور اهتمامنا في هذا الكتاب؛ حيث تؤثر في تحديد المسموح والممنوع التعبير عنه في العلاقات الاجتماعية. تؤثر كذلك في طرق التعبير، بل تؤثر أيضًا في إدراك الفرد لهويته الجنسية كذكر أو أنثى، فهناك لغات كالعربية تتضح فيها الفروق بين الجنسين بجلاء في صيغة الصفات (جميل وجميلة) والأفعال (جلس وجلست- يذهب وتذهب- ذاكر وذاكري)، وفي أسماء الإشارة (هذا وهذه)، وفي الأسماء الموصولة (الذي والتي)، وكذلك في استخدام الضمائر للذكور والإناث (هو وهي- أنت وأنتِ)، ولغات أخرى أقل تمييزًا كالإنجليزية، حيث الفروق تكاد تنحصر في ضمائر الغائب؛ فالذكر والأنثى يُميز بينهما عند استخدام ضمائر الغائب He & She، بينما كلاهما يخاطبان بضمير المخاطب you، وقد يختفي التمييز تمامًا حتى في ضمائر الغائب في لغات أخرى وأشهرها اللغة الفنلندية، مما يؤخر إدراك الأطفال المتحدثين بها لهويتهم الجنسية عامًا كاملًا عن أقرانهم المتحدثين بلغات أخرى، وفقًا لإحدى الدراسات الشهيرة. ولعلنا نلمح هذا التميع في إدراك الهوية الجنسية لدى الأجيال الجديدة من أبنائنا التي نشأت في مدارس لغتها الأولى هي اللغة الإنجليزية!

 

د. منى زيتون

 

علي المرهجعنوان يبدو متناقضاً في الوهلة الأولى، ولكنه عند (عبدالكريم سرّوش) لا تناقض فيه ولا استفزاز إلَا لمن هو لا عقل له، أو قاصر الفهم، فالعلمانية عند (سرّوش) "تطابق إدارك الأنبياء مع ما وصل له العقلاء، لأن الأنبياء اكتشفوا التوافق بين مطلوب الله (الشرع) ومطلوب العقل (الحكمة)، وما الأنبياء غير طريق مباشر لمعرفة الله تعالى، فخبر الأنبياء أنهم أعلمونا بأن امكانية أن نسلك طريق الحق يضمنه السير وفق ما أخبرونا به، أو وفق ادراكنا العقلي لهذا الطريق، وهو قول يتوافق أو ينسجم مع فلسفة ابن رشد حيناما قال (الشريعة حق) و(الحكمة حق) والق لا يُضَادَ الحق، بل يوافقه ويشهد له. فطريق التعاليم السماوية بحسب (سروش) هو ذات الطريق الذي يسلكه العُقلاء بعيداً عن مُقتضيات الأهواء والشهوات الفردية.

مقاصد الإيمان لا تتعارض مع مقاصد العقل، "فالمؤمنون لا يتحركون في طريق يختلف عن طريق عُقلاء الناس".

الإنسان العاقل هو الإنسان الفاضل = الإنسان المؤمن هو الإنسان الفاضل، وبهذا فالربط بين المؤمنين والعقلاء هو الفضيلة، والفضيلة منبع الأخلاق وأصلها بعبارة (برغسون)، ولكن هذا لا يعني مرادفة الأخلاق للدين، فكل دين ينبغي أن يكون أخلاقياً، ولكن ليس كل ما هو أخلاقي يلزم أن يكون دينياً، لذا تكون مهمة الدين متماهية مع قول الرسول الأعظم (إنما جئت لأتمم مكارم الأخلاق، بمعنى أن مكارم الأخلاق موجودة قبل الإسلام، ولكن أهل الجزيرة العربية يحتاجون لدفع وحياني لاتمامها.

في ضوء ما سبق، يُمكن لسروش أن يفترض أن علمانية الدين هي من ايجابيات الدفاع عنه لا كما فهم (المتطرفون) أنها مُناقضة له، لأن العقلاء الذين لا يسيرون وفق شهواتهم لا تناقض عندهم مع المؤمنين الذين يسيرون مع الله ولا يتبعون شهواتهم، فكلاهما قريب من طريق الحق

 

ا. د. علي المرهج

 

صادق السامرائيالسبيكة هي إتحاد كلي أو جزئي بين عنصرين كيميائيين أو أكثر مع بعضهما البعض على أن يكون أحدهما فلزا، وتكون السبائك ذات خواص مختلفة عن العناصر المكونة لها وأقوى منها.

والسبيكة تتكون من صهر العناصر في بودقة واحدة، فتختلط وتتفاعل لتنتج مركبا قوي القوام.

فالألمنيوم عنصر ضعيف لكنك، إذا صهرته مع الحديد والرصاص، سيصنع سبيكة أقوى من أي العناصر الثلاثة على إنفراد.

أي أن التفاعل ما بين العناصر المختلفة ينتج مركّبا أكثر قوة منها، وهذه الفكرة يمكن تطبيقها على الواقع الإجتماعي البشري.

فعندما يكون المجتمع متنوعا وفيه ألوان متعددة، يكون اللون الواحد أو النوع الواحد ضعيفا لوحده وبمعزل عن الأنواع والألوان الأخرى، بينما إذا تفاعلت تلك الأنواع والألوان، فأنها ستحقق نسيجا إجتماعيا زاهيا وقويا.

أي أنها ستصنع سبيكة إجتماعية ذات قوة فائقة، وقدرة على الحياة والتحمل الأكبر.

فالمجتمعات تكون أكثر صلابة وقوة وعزة وجمالا، بتفاعلات أنواعها وتداخلها مع بعضها، لتحقيق السبيكة الإجتماعية المفيدة والراعية للأنواع الداخلة فيها.

فحكمة الوجود وقوانين الخالق، تستدعي تفاعل الأنواع وتداخلها مع بعضها، لصناعة لوحة الحياة الإجتماعية والجغرافية، التي تنعم بها المخلوقات وتزداد حبا للإستمرار والعطاء الطيب في ربوعها.

والقاعدة الأساسية لقوة الوجود الحي، هو التفاعل والتمازج والتزاوج والتداخل والإنصهار، لتحقيق قوة البقاء وديمومة البناء البشري وحيوية الإبداع الخلاق، الذي يضيف جمالا جديدا لمهرجان الحياة.

ولهذا فأن التمحور في ذات اللون أو الرأي، والإنغلاق على ذات المعتقد، يؤسس لمملكة الضعف الإجتماعي ويدفع إلى تفاعلات سلبية لا تنفع النوع أو اللون، ولا تخدم مسيرة الحياة، بل تؤذيها وتحطم أسس الصفاء والمحبة فيها، وتلقي بالبشر إلى مهاوي الإنتهاءات وضيق الرؤى والتصورات، وتجعل الأرض موقدا لحرق ما هو حي ومفيد.

إن وعي ضرورة السبائك البشرية لقوة الأوطان، يؤسس لإنطلاقات حضارية وتفاعلات نافعة تخدم الرسالة الإنسانية، وتمنح القدرات التعبيرية مكنونات الإبداع والخلق والتطور.

ووفقا لهذا فأن الرسالات السماوية قد تنوعت، والأديان في الأرض تعددت، لتحقيق التفاعل المعرفي والإدراك الجامع لمعاني الخلق والوجود، ولكي يتأكد الفهم الواضح للصيرورة والإنتهاء، وليتفجر الإيمان في القلوب، وتزهو الرحمة وأسباب العبادة والتقرب إلى الخالق العظيم.

فلم يكن تنوع الأديان عبثا، وإنما مقدرا وفقا لإرادة الديمومة وجواهر التقرب إلى خالق الأكوان ، وإستحضاره عند أي خطوة في الرأي والتفكير.

إن هذه التنوعات عناصر قائمة لبناء سبيكة بشرية، قوية بإيمانها ورؤيتها وقربها من بارئها.

سبيكة يكون فيها الإنسان أخو الإنسان، فيحترمه ويقدره ويحسبه جزءً لا يتجزأ منه، وإن الإعتداء عليه يعني الإعتداء على إرادة الخالق، وعلى وريثه الشرعي في الأرض التي أرادها أن تكون مسرحا للإعمار والتطور والبناء، ولخوض غمار الإمتحانات الصعبة في مسيرة الحياة الطويلة والمزدحمة بالإرادات.

إن الأوطان الحية هي التي تبني سبائك إجتماعية تحقق قوتها، وتعبّر عن طاقاتها وتحميها من القوى التي تريد إنتهاك حرماتها.

فالنسيج الإجتماعي المترهل يسهل إختراقه، أما إذا كان متينا وسدة نسجه مضغوطة جيدا، فأنه سيستعصي على النفاذ، وعندما تكون عناصر تكوينه مسبوكة سباكة جيدة، فأن إنكساره ودماره يكون بعيد المنال.

وهكذا فأن الشعوب الحية تصنع سبائك وجودها الإجتماعي وتتفاعل فيما بينها، حتى ليستعصي إنفراط نسيجها وكسرها من قبل الآخرين. 

أما الشعوب الضعيفة فأنها تكره التفاعل، وتتقولب في كياناتها الضعيفة، حتى ليسهل إبتلاعها وتدميرها.

والخلاصة، أن تخندق الكيانات الإجتماعية ضعف لها، ودمار لكلها، وتفاعلها وإنصهارها مع بعضها قوة لها جميعا، وشد لأواصر تفوقها وإقتدارها وتواصلها مع إرادتها الواعية وأهدافها السامية.

فهيا إلى سبائك الحياة المقتدرة، ولنصنع سبيكتنا الوطنية، التي تستعصي على الخرق والكسر والإنحناء!!

 

د. صادق السامرائي

 

جواد بشارةبعد الجمود والمراوحة، هل ستحدث انعطافة في الفيزياء المعاصرة؟

وهل نحن على أبواب ثورة فيزيائية مدوية؟

حدثت الثورة الفيزيائية الأولى في القرنين السادس عشر والسابع عشر مع كوبرنيكوس وكبلر وفيما بعد غاليلو غاليله وأخيراً نيوتن . وهي الثورة التي انتصرت على الطرح الآرسطوطاليسي، الذي تبنته المؤسسة الدينية الكنسية المسيحية واعتبرته متوافقاً مع الطرح الديني لمسألة التكوين وخلق العالم وفق أطروحة سفر التكوين في التوراة. أما الثورة الثانية فقد حدثت في فجر القرن العشرين على يد ألبرت آينشتين بين 1905 و1955 وكانت أعظم ثورة علمية شهدتها البشرية . فأغلب الأجهزة التكنولوجية والتطبقيات العلمية اليوم كما الإنجازات التكنولوجية، تستند على نسبية آينشتين الخاصة والعامة كالأقمار الصناعية والليزر وأجهزة الكومبيوتر العادية والفائقة وتكنولوجيا النانو والإنشطار النووي والإندماج النووي وأجهزة رصد أمواج الثقالة أو الجاذبية وحركة النجوم والسفر إلى الفضاء، والتحديد الموقعي للعناوين بواسطة الأقمار الصناعية GPS إلى جانب العديد من التنبؤات التي ثبتت صحتها بعد مرور عقود طويلة كمكثفات بوس ــ آينشتين عن الحالة التي تقترب من الصفر المطلق التي تنبأ بها آينشتين سنة 1924، والثقوب السوداء الذي تم تصوير أحدها مؤخراً في 14 نيسان 2019، والثابت الكوني الذي يعادل اليوم الطاقة المظلمة أو السوداء، والحلقات والعدسات الثقالية التي تساعد علماء الفلك في قياس أبعاد ومسافات الأجرام السماوية وحركاتها والموجات الثقالية التي تم اكتشافها مؤخراً، إلى جانب أبحاث هذا العالم الفذ في الضوء وطبيعة المكان والزمن الذي ابتدع لهما مفهوم موحد سماه نسيج " الزمكان" وعلاقته بالجاذبية وسعيه للعثور على نظرية المجال الموحد أو النظرية التوحيدية الجامعة والوحيدة التي تعمل على الربط بين النسبية والكوانتوم أو ميكانيك الكموم، والجمع بين كافة قوانين المادة والطاقة، المرئي منها والمظلم أو الأسود وغير المرئي، بغية الوصول إلى " نظرية كل شيء" الخ.. في نفس الحقبة الزمنية من 1900 إلى 2019 تطورت ثورة علمية أخرى بالتوازي وهي فيزياء الكموم أو الكونتوم وأبطالها، آينشتين نفسه وماكس بلانك وبور وهايزنبيرغ وشرودينغر وغيرهم.

كانت الفكرة والبحث الدءوب والمستمر والمثابرة والرغبة في الذهاب إلى أبعد ما يمكن دوماً لتحقيق الأحلام أو مواجهة التحديات والمعضلات العلمية والتساؤلات العالقة والجوهرية في مجال العلم، هي التي تقود العلماء إلى التفكير والتأمل والتمعن أعمق فأعمق وبجرأة متزايدة بغية بلوغ الحقيقة النهائية عن الأصل والمصير.

عالم الكموم أو الكوانتوم، غريب وبعيد عن المنطق السليم أحياناً. خاصة مع مفاهيم الريبة واللايقين l’incertitude والتراكب superposition والتشابك intrication والترابط corrélation، واليوم يحاول بعض العلماء الشباب تجاوز حدود ميكانيك الكموم أو الكوانتوم من خلال توسيع وتجاوز الأسس الأولية التي بنيت عليها فيزياء الكموم أو الكوانتوم. وابتدعوا وتخيلوا من أجل ذلك مفاهيم جديدة وثورية تتجاوز المحظور والمتعارف عليه من قبيل Les intrications et les contextualités et les supra-quantiques،التي يمكن أن نفهمها على غرار فهمنا للتراكب والتشابك والسياقات المتداخلة وفوق أو مايتعدى الكموم أو الكوانتوم. والغرض دائماً هو نفسه، أي إيجاد الوسيلة للجمع بين دعامتي الفيزياء المعاصرة النسبية والكموم أو الكوانتوم وتوحيدهما في نظرية واحدة هي نظرية كل شيء، التي تصف الكون المرئي برمته من اللامتناهي في الصغر إلى اللامتناهي في الكبر.

هذا الحلم ليس وليد اليوم. فلقد شغل بال واهتمام آينشتين حتى نهاية حياته لكنه لم ينجح في تحقيق هذا الحلم، لا هو ولا غيره. فالنسبية تختص بوصف الجاذبية أو الثقالة الكونية كخاصية من خواص الزمكان، الذي يتحدب وينحني تحت تأثير الكتل، أي وصف الكون على النطاقات الكبيرة وفي الطاقات القصوى. من جانب آخر، هناك الميكانيك الكمومي أو الكوانتي، الذي يعمل في النطاقات الصغرى، ما دون الذرية، ويقدم تنبؤاته في حدود عالم الذرة وما دونه كالإلكترونات والجسيمات الأولية والأوتار وغيرها. لكن لا توجد مشتركات بين العالمين الماكروسكوبي والميكروسكوبي . أحدهما يحتل فضاءاً مسطحاً وساكناً، والآخر فضاءاً منحنياً وديناميكياً، أحدهما يخضع لمقتضيات الصدفة والاحتمالات، والآخر لا يعطي أي اعتبار للمصادفة والاحتمال، أحدهما ينظر للزمن باعتباره مجرد خاصية تطورية بينما يراه الآخر باعتباره عنصر مركزي جامد وثابت، والحال أن الثقالة أو الجاذبية، التي تحتل مركز النسبية العامة، لا يوجد لها أي وصف أو مكان أو اعتبار في الميكانيك الكمومي أو الكوانتي. فنظرية بلانك لإشعاع الجسم الأسود كانت بمثابة اللحظة الخالدة التي أسقطت ميكانيكا نيوتن وكل تفكير منطقي وسببي causale وحتمي déterminé. وهكذا يستمر عدم التوافق بين دعامتي الفيزياء المعاصرة مع أنهما يتحدثان عن نفس الكون المرئي الذي نعيش فيه، كل بطريقته الخاصة وقوانينه . لم يبق أمام العلماء سوى القبول بالأمر الواقع والتعايش مع نظريتين متباينتين ظاهرياً لا يمكن التوفيق بينهما ناهيك عن جمعهما وتوحيدهما، أي التخلي عن برنامج ومشروع التوحيد الذي تسعى إليه الفيزياء النظرية . فمنذ غاليله في القرن السادس عشر، كانت كل نظرية جديدة تسقط ما قبلها وتحل محل سابقتها، وتكون أعم وأشمل، ولقد حدثت عمليات توحيد بين بعض القوانين الجوهرية خلال القرنين الماضيين، بين الكهرباء والمغناطيسية مثلاً، ونتجت القوة الكهرومغناطيسية، ومن ثم أدمجت هذه القوة بالميكانيك الكمومي أو الكوانتي. أما جاذبية نيوتن فلقد تم تجاوزها وتوسيعها على يد النسبية العامة . وفي كل مرة يصاغ إطار نظري جديد أكثر سعة وشمولية. ومن المفترض أن يستمر هذا البرنامج فهو في غاية الأناقة والجمال، كما كتب آينشتين يوماً ما لصديقه هيرمان فيل Hermann Weyl سنة 1923.

طالما ما تزال هناك ظواهر يتعذر علينا وصفها وتفسيرها، فمن المستحيل، بدون نظرية ثقالة كمومية أوجاذبية كوانتية، معرفة ما يحدث حقاً عندما ندخل ثقباً أسود على سبيل المثال، ولا فهم أوإدراك لولادة الكون المرئي، ولا كيفية تكوين الجسيمات الأولية. كانت هناك محاولات عديدة خلال القرن المنصرم، للموائمة والمصالحة بين النظريتين المتناقضتين الشقيقتين اللدودتين، وظهرت قائمة طويلة من النظريات التي تصدت لهذه المهمة العويصة قادها كبار العلماء الأفذاذ والمشهورين جداً والتي انطلقت سنة 1918، والتي بدأت مع العالم الفيزيائي وعالم الرياضيات الشهير هيرمان فيل Hermann Weyl، وتواصلت مع آينشتين، وثيودور كالوزا وآرثر إيدينغتون وروجيه بينروز وأندريه زاخاروف وستيفن هوكينغ، ومؤخراً كارلو روفيللي وليونارد سيسكايند وآلان كون .

وفي كل مرة أعتقد المنظرون الفيزيائيون أنهم بلغوا الهدف كما حصل في سنوات الثمانينات عندما بلورت مفاهيم وقوانين ومعادلات نظريات الأوتار والأوتار الفائقة، التي بدت وكأنها تتوافق مع تعديل بسيط، مع النموذج المعياري لفيزياء الجسيمات الأولية، ونظرية التماثل والتناظر الفائق supersymérie. حيث تخيل العلماء كون ذي عشرة أبعاد مكانية وبعد زماني تكون فيه الجسيمات الأولية ناجمة عن تذبذبات وترددات متنوعة لمختلف الأوتار البالغة الصغر القريبة من طول بلانك بحدود 10-32 من المتر، والتي تتذبذب كأوتار آلة الكمان. لكن الأمور تغيرت اليوم في العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين. فالتجارب الحديثة أسقطت عدد من النظريات التي كانت تعد بديلة للنسبية العام، وأنهت صلاحيتها كما يقول العالم الإيطالي الأصل كارلو روفيللي وهو منظر ومدرس في جامعة مرسيليا الفرنسية. ولقد بلغ مسرع الجسيمات الأولية ومصادم الهدرونات الكبير LHCالتابع لسيرن Cern، وكالة الفضاء الأوروبية، بالقرب من جنيف، طاقته القصوى سنة 2015 ولم يعثر على الجسيمات الفائقة التماثل والتناظرsuper symétriques particules في حين تم حساب الثابت الكوني الذي يحدد سرعة التوسع الكوني، وتبين أنه موجب، بينما كان أغلب علماء نظرية الأوتار الفائقة يعتقدون ويتوقعون أنه ذو قيمة سالبة.

ثم تحقق اكتشاف الموجات الثقالية كما يقول كارلو روفيللي وهو حدث مهم وإنجاز علمي كبير عندما تم حساب أن الموجات الثقالية والكهرومغناطيسية الناجمة عن إندماج نجمتين نيوترونيتين، تنتقلان بنفس السرعة، والحال أن جزء كبير من النظريات البديلة للنسبية العامة كانت تتوقع أن سرعة نموذجين من الموجات الثقالية يجب أن تكون مختلفة ومتنوعة. ما تزال هناك نظرية الثقالة الكمومية أو الجاذبية الكوانتية الحلقية أو العروية قيد التجريب وكانت تحتل المرتبة الثانية بعد نظرية الأوتار الفائقة . فبدلا من أن ترى الجاذبية كنتيجة أو تأثير لتشوه الزمكان، اقترحت أن يكون الزمكان نفسه كتجلي وتمثل أو تمظهر للحقل الثقالي. ولم تتعرض هذه النظرية للدحض التجريبي أو تعرض لصعوبات إثر التوصل إلى نتائج تجريبية . فالمشاكل التي كانت تعتبر هامة في سنوات الثمانينات من القرن الماضي تم حلها بفضل هذه النظرية ويجري البحث عن توقعات وتنبؤات لمقارنتها مع نتائج التجارب المختبرية كما يصرح كارلو روفيللي رافع لواء هذه النظرية مع العالم الأمريكي لي سمولين.

في نهاية تسعينات القرن الماضي انتشرت في الوسط العلمي محاولات العالم الفيزيائي خوان مالداسينا Juan Maldacena المدهشة، وهو أحد أعمدة نظرية الأوتار الفائقة وكان لها أصداء كبيرة. وصرح بهذا الصدد :" في بعض الأكوان النظرية المبسطة، يمكن لكافة التأثيرات التي تعزى لقوة الثقالة، أن توصف كما لو إنها ظواهر كمومية أو كوانتية، تحدث على أطراف هذا الكون المرئي، حيث لايوجد أي أثر للثقالة أو الجاذبية وهنا بالذات تحدث مصالحة وتوافق واتساق وانسجام بين الميكانيك الكمومي أو الكوانتي والنسبية العامة في كون مبسط. Univers Simplifié" . واعتقد كثيرون أن العلماء على وشك بلوغ الهدف والغاية القصوى كما صرح جوزيف بولشينسكي من معهد كافيلي في كاليفورنيا وكان ذلك الاكتشاف من القوة بمكان بحيث جعل الكثير من العلماء يعتقدون أن حلمهم على وشك التحقق . وتفرعت عدة نظريات عن ذلك مثل نظرية العالم الهولندي إريك فيرليند Erik Verlinde، الذي وصف الثقالة أو الجاذبية كتجلي أو كمتظهر ماكروسكوبي لظواهر ميكروسكوبية . أو فرضية خوان مالداسينا وليونارد سيسكند التي تقول بمسلمة أن تلك الظواهر الميكروسكوبية ما هي إلا مؤشرات كمومية أو كوانتية . بيد أن الأمر يحتاج لتطور أكبر ولمعادلات رياضياتية جديدة فلا يكفي استبدال نقطة جسمية في اللامتناهي في الصغر بوتر وبالتالي على النسبية العام والميكانيك الكمومي أو الكوانتي أن يتحركا ويصنعان ثورة جديدة، وابتكار أفكار جديدة. وفي خضم هذا التحرك والهيجان النظري والتنظيري الجديد برز جيل جديد من العلماء المنظرين وانطلقوا في مقاربات غاية في الغرابة والجرأة والجدية والندرة : قاموا بعزل الظواهر الأكثر غرابة للنظرية ودفعها بعيداً لكي يتخيلوا مافوق أو مابعد أو ماوراء الكموم أو الكوانتوم. إنطلاقاً من السببية causalité واللامحلية la non localité والسياقات المتداخلة أو القرائنية contextualité، ما من شأنه أن يشق طريقاً جديداً نحو الثقالة الكمومية أو الكوانتية. وأكثر ما تقدمت به هذه الحركة كان في مجال " السببية causalité، منذ اكتشاف ذلك التشابك والتراكب الكمومي أو الكوانتي الغريب وعلاقة السبب والنتيجة أو العلة والمعلول de cause à effet، تخيل الباحثون باباً نحو النسبية فالسببية هي بمثابة نقطة تلاقي بين النسبية العامة والميكانيك الكمومي أو الكوانتي كما لاحظ العالم آلكسي غرينبوم الذي علق قائلاً على ذلك:" إن الكوانتوم أو الكموم يسمح بأشياء لايمكننا تفسيرها أو شرحها في الزمكان". أما غاسلاف بوركنر Caslav Brukner أحد المختصين بهذا المجال في جامعة فينا في النمسا، فقد صرح:" لو وضعنا جسيم هائل الكتلة في وضعية تراكب سببي superposition causale، فإن المسافات المكانية الزمانية بين الأحداث في الحقل أو المجال الثقالي للجسم المذكور تغدو متشابكة intriquées بدورها مع موقع أو موضع الجسم. " والتكنولوجيا الحديثة قد تساعدنا في اختبار هذه الطرح وهذه الفكرة تجريبياً ومختبرياً بشأن أجسام كمومية أو كوانتية أكبر حجماً وكتلة وربما سنبلغ درجة من الدقة كافية لدراسة كتل بحجم إلكترونين .

ما بعد الكوانتوم : أو ماذا يعني ميكانيك الكموم وما يتعداه؟

هناك، في الفيزياء المعاصرة، في الربع الأول من القرن الواحد والعشرين، مقاربة علمية جديدة لتجاوز حدود الميكانيك الكمومي أو الكوانتوم، يقوم بها شلة من العلماء الشباب، على غرار ما قام به آينشتين سنة 1905 عندما نشر نظريته النسبية الخاصة، بعد أن تيقين من حقيقة ثبات سرعة الضوء، من خلال دراسته لتجارب مايكلسون ومورلي قبل ثلاثة عشر عاماً من نشره لنظريته، ووضعه لها معادلاتها الرياضياتية اللازمة.

النتائج يمكن أن تسبق الأسباب؟ هذا هو اللامعقول بعينه، ومع ذلك، يبدو أن ذلك يحصل في نطاق يتجاوز حدود النظرية الكمومية أو الكوانتية، ولكن لا أحد يعلم على وجه الدقة مدى ما ستصل إليه هذه المحاولات والتجارب والاكتشافات العلمية كما يقول سيريل برناسيارد Cyril Branciard لأنها ماتزال حديثة العهد ومدهشة وغير قابلة للتصديق في الوقت الحاضر. فلقد خرج الاكتشاف من تجربة أجريت قبل عامين في جامعة بريسبان في استراليا. الاكتشاف يتلخص بجملة مذهلة تقول: يمكن لحدث أن يكون في آن واحد السبب والنتيجة، العلة والمعلول، لحدث آخر. بعبارة أخرى أكثر دقة ووضوح، العلاقات السببية بين حدثين يمكن أن توضع في حالة تراكب كمومي أو كوانتي superposition quantique .، ورغم غرابته، فإن مبدأ التراكب الكمومي أو الكوانتي بات مألوفاً اليوم بالنسبة لخبراء وأخصائيي عالم الجسيمات الأولية. والجميع يعلم أنه يوجد، في فيزياء الكموم أو الكوانتوم، لا حتمية جوهرية indéterminisme fondamental بالنسبة لبعض الخصائص الفيزيائية، وإن حالة فيزيائية ما يمكن أن تكون تراكباً كمومياً لعدد من الحالات المختلفة في آن واحد. إذ يمكن لإلكترون أن يتمتع بعدد لانهائي من المواضع والمواقع في المكان، إلى أن يتم قياس واحدة من تلك المواضع أو المواقع التي يتواجد فيها الإلكترون . أو أن يمر فوتون ضوئي في فتحتين في نفس الوقت. ولكن لا أحد سبق له أن فكر بأن هذا التراكب يمكن أن يطبق على العلاقة بين السبب والنتيجة. ولقد تقبل علماء فيزياء نظرية الكموم أو الكوانتوم، ولو ضمنياً أو على نحو غير مصرح به، بأنه على غرار ما يحدث في الفيزياء الكلاسيكية فإن الأحداث التجريبية مترابطة ومتزامنة زمنياً أو داخل الزمن. كان ذلك صحيحاً قبل أن يقوم ثلاثة علماء فيزياء نظريين شباب سنة 2012 بتعميم الشكلانية formalism الكمومية أو الكوانتية والتي افترضوا فيها أنه لا توجد أية احتمالية مقامة على هذا السياق أو النسق السببي، والغاية هي معرفة ماذا سيحدث عند التعميم تجريبياً. فاكتشفوا إعدادات وتكوينات ,configurations غريبة يظهر فيها هذا النسق غير محدد بدقة indéterminé كما يقول مبدأ اللادقة أو اللاتحديد لهايزنبيرغ، وهي اعدادات سهلة يمكن تحقيقها تجريبياً في حين أن نتائجها وتداعياتها تبدو مذهلة . أجريت التجربة في مختبرين منفصلين، في فينا قبل أربعة أعوام، وفي بريسبان قبل عامين، وهي على صيغة دورة فوتونية كمومية أوكما تعرف علمياً بــ " الدارة الضوئية الكمومية أو كوانتية circuit photonique quantique " حيث إن نظام العمليات تتحكم به حالة كمومية أو كوانتية، والمعروف بــ كيوبايت السيطرة qubit de controle . فلو برمج هذا الكيوبايت في حالة O فإنه سيقوم بتوجيه المعلومات أولاً نحو A الذي بدوره سوف يحولها إلى B .ولكن لو كان معداً في الحالة 1، فإنه سوف يوجه المعلومات نحو B أولاً ومن ثم يقوم هذا بدوره بإرسالها نحو A، والحال إن كيوبايت السيطرة هذا موضوع في حالة تراكب كمومي أو كوانتي لذا فهو يأخذ في آن واحد قيمة O و1 والمعلومات توجه نحو A ومن ثم نحو B، وفي نفس الوقت نحو B وبعده A، بعبارة أخرى يتسبب A بتغيرات في B وفي نفس الوقت يتسبب B بتغيرات في A، أي يوجد هناك تراكب ذو منحى تسببي . فلو أدى سبب إلى نشوء نتيجة، يمكن لنتيجة أن تنشيء سبباً، اي تسبق السبب. وهذا يفتح حفرة أو هوة محيرة gouffre، فمصفوفة السيرورات المترابطة متميزة على نحو جوهري، ليس فقط بكون النظام أو السياق فيها محدد وحتمي لكننا لا نعرفه، بل إن النظام أو السياق غير محدد على نحو جوهري . ماذا يعني كل ذلك؟ يعترف الفيزيائيون الشباب بأنهم لم يقدروا بعد مديات هذه الأعمال والتجارب، لكنهم يشيرون إلى أن هذا الشكل الأولي للتراكب السببي لا تمنعه قوانين الكموم أو الكوانتوم. فتجارب فينا وبريسبان كمومية أو كوانتية بامتياز. وحين كشف الفيزيائيون فرضية السياق السببي، فإن مايحدث لاحقاً يتوافق تماماً مع الشكلانية formalisme المبتكرة في سنوات العشرينات من القرن الماضي.

ينبغي مراجعة مفاهيمنا عن الزمن والمكان، لأن هذه التجارب رسخت جزء من نظرية أوريشكوف Oreshkov, والتي طورها وعمقها فيما بعد كوستا وبروكنير Costa, Brukner، والحال إن هذه النظريات أو المقاربات النظرية الجديدة تتنبأ بنوع من الحالات السببية التي لم نكن نعرف تنفيذها أو تحقيقها كمومياً أو كوانتياً. فلا يملك علماء الفيزياء الشباب الذين يشتغلون عليها حالياً أية فكرة عن كيفية القيام بذلك، فالشكلانية formalisme تعني أن مايقوم به هؤلاء من تجارب جريئة تجعلهم يعتقدون بأنهم يتجاوزون الحدود الكمومية أو الكوانتية. وهذا الأمر جعل بعضهم يحلم بالتوصل إلى نظرية فائقة الكمومية supraquantique، من خلال تسللهم عبر هذه الثغرة التي فتحتها لهم " السببية" خاصة وإن مفهوم السببية موضع سجال منذ قرون عديدة في عالم الفيزياء. وهو موجود في قلب النظرية النسبية لاينشتين، والمرتبطة بمفهوم الزمن وطبيعته وماهيته وجوهره ونسبيته أو إطلاقيته، الأمر الذي يطرح بدوره تساؤلات جوهرية في كافة مجالات الفيزياء. فما هي الظواهرية أو الفينومينولوجي الجديدة التي يمكن تطبيقها على فكرة البنيات السبيية غير المحددة indéfinies؟ فلو لم يكن ممكناً استبعاد مثل تلك البنيات على أساس أو قاعدة منطقية، فهل هي موجودة حقاً في الطبيعة؟ ولو كانت موجودة حقاً فلماذا لم يتم رصدها في التجارب العديدة التي أجريت حولها؟ كما تساءل كاسلاف بروكنير Caslav Brukner سنة 2014، وتبقى مثل تلك التساؤلات مفتوحة اليوم ومطروحة بإلحاح. ويمكن أخيراً صياغتها، وللمرة الأولى على هيئة صيغ رياضياتية.

المراقب جزء أساسي من النظرية ومنصهر في التجربة:

حدث في الآونة الأخيرة ما يشبه الانسداد في آفاق تطور الفيزياء النظرية المعاصرة عدا استثناءات قليلة. فهناك شبه استسلام لمعضلة الدمج والتوحيد بين دعامتي الفيزياء الحديثة وهما النسبية الآينشتينية والميكانيك الكمومي أو الكوانتي. ولكن مجموعة من العلماء الشباب ظلوا مثابرين بصبر على أمل العثور على حل لهذة المعضلة، اي شبه استحالة الجمع بين نظريتي اللامتناهي في الصغر واللامتناهي في الكبر. ومن مشكلة كمومية أو كوانتية في مجال التشفير أو الكريبتوغرافي cryptographie الكمومي أو الكوانتي ــ اي فك التشفير ــ عولجت في تسعينات القرن الماضي، وتتعلق بالوثوق في المصادر، حيث وفق الشكلانية المعيارية formalism standard للنظرية الكمومية أو الكوانتية، من الضروري، في بداية أي تجربة، أن نفترض بأن الإعدادات أو معالم parameters التحضير المختارة للحساب والقياس تكون منتقاة بأمانة تامة، ما يعني أنه يفترض بالمراقب الذي يجري التجربة ألا يكون لديه أدنى شك بطبيعة النظام الذي يراقبه ويقيسه. على سبيل المثال عندما يتم حساب الاستقطاب في فوتون يفترض présuppose مسبقاً أن الأنظمة المقاسة أو المحسوبة هي حقاً فوتونات، وإن الليزر الذي ينتجها هو فعلاً أشعة ليزر .. من هنا بادر العلماء الشباب إلى ابتكار تجارب جديدة بدون أنظمة فيزيائية، فمثل هذه الثقة باتت تحصيل حاصل عند المنظرين الفيزيائيين الشباب إلى أن تزعزع يقينهم بالكريبتوغرافي الكمومي أوالتشفير الكوانتي، فكيف يمكن التيقن والتأكد من أن حزم الليزر المستخدمة لم تتعرض للتحريف والغش truqués؟ كيف يمكن معرفة أن وكالة الفضاء الأمريكية ناسا أو مركز الأبحاث الروسي لم يخفوا أشياء ؟ فعادة نبدأ بالقول في الميكانيك الكمومي أو الكوانتي : إن النظام معد على هذا النحو أو هذه الحالة، ولكن إذا تزعزعت الثقة بالمصادر لن يكون لدينا أنظمة دقيقة ومضبوطة وأكيدة. لذا تجاوزت المسألة حدود أو إطار الكريبوتغرافي أو فك التشفير الكمومي أو الكوانتي وإعادة النظر في الفيزياء برمتها، فلايمكن الحديث عن أشياء تحوم حولها شكوك . جاءت الإجابة الأولى سنة 1988 على يد العالمين دومنيك مايرز وآندرو ياو Dominic Mayers, Andrew Yao من جامعة برينستون للحديث عن نظام لم تحدد مسبقاً ميزاته وخصائصه، مجرد علبة سوداء، والتركيز فقط على العلاقات القائمة بين المعطيات الداخلة والخارجة قبل وبعد التجربة مع تقديم المرادفات الرياضياتية اللازمة من قبل الباحثين . وسرعان ما حازت هذه المقاربة على رضا وتقبل الفيزياء النظرية حتى اعتبرها اليوم العديد من الفيزيائيين النظريين بمثابة المقاربة الأكثر خصوبة لدراسة وسبر أغوار، ومن ثم تجاوز، الميكانيك الكمومي أو الكوانتي. وتعددت التجارب والأبحاث في هذا الإطار منذ بضعة سنوات والتي استخدمت هذه المقاربة المستقلة للعملية البحثية كجهاز بحثي متقدم. dispositif

الجملة السحرية تمثلت بــ" المقاربة المستقلة للعملية البحثية" التي غدت بمثابة المفتاح السحري، فلم يعد هناك حديث عن أنظمة فيزيائية بعينها تخرج لنا فوتونات وإلكترونات وجسيمات أولية أخرى. وانتهى عهد التعامل مع الجداول البصرية وأجهزة الكريبتوغرافي أو فك التشفير، وتم استبعاد الفيزياء التي تصف ذلك . ففي هذه المقاربة الجريئة ليس هناك سوى " علب سوداء " مربوطة بمخارج وبدوائر منطقية على غرار تلك التي تقولب الدوائر الحاسوبية الأنفورماتيك . فتلك الدوائر تمثل رياضياتياً خصائص وإعدادات حسابية تشبه المعلومة الحاسوبية التي تدخل إلى الدائرة الحاسوبية وما يترتب عليها من نتائج حسابية، أي المعلومة التي تخرج من الدائرة الحاسوبية. وتختزل العلب إلى مجرد أدوات ذات دالات أو وظائف رياضياتية والتي تحول المعطيات الداخلة إلى معطيات خارجة. ومن هنا يغدو ممكناً عمل تحويلات إذا كان محتوى العلبة السوداء يتوافق مع ما يصرح به . وهذه المقاربة رغم ثوريتها إلا أنها تتلائم وتتوافق مع الميكانيك الكمومي أو الكوانتي المعياري . يكفي تحديد الدالات المرتبطة بكل علبة حسب شكلانيتها formalism، وفي نفس الوقت تسمح بالخروج من الإطار الكمومي أو الكوانتي المعياري واختبار نظريات مختلفة وطرح تساؤلات غريبة غير مألوفة حيث يمكننا تخيل أن تلك المداخل والمخارج مرتبطة بشيء ما يتجاوز قدرات الكموم أو الكوانتوم.

بوسعنا تصور نظام ذو مجرى زمني محلي، وبالتالي ليس فيه يقين بوجود زمن شامل أو مطلق. وهذه المقاربة تمنح موقعاً مؤثراً للمراقب للمرة الأولى، أي ذلك الذي يتعامل مع المداخل والمخارج وفي نفس الوقت يؤثر على النتائج الناجمة عن فعل المراقبة والقياس أو الحساب، وهذه كما نعلم إحدى غرائب النظرية الكمومية أو الكواتية. فمجرد عملية مراقبة فوتون ما، على سبيل المثال، تؤدي إلى تغيير حالته ووضعه. فمنذ اكتشاف النظرية الكمومية أو الكوانتوم في سنوات العشرينات من القرن الماضي شعر الفيزيائيون المختصون بالكوانتوم أن مفهوم " المراقب" هو حجر الأساس للنظرية، أو بالأحرى الزاوية الميتة من النظرية، وهو عنصر لا يمكننا بدونه وصف عالم اللامتناهي في الصغر، لكنه كان لغاية اليوم يرفض أن يدخل في صلب النظرية. من هنا بدأ العالم ألكسي غرينبوم Alexei Grinbaum بصياغة توسيع وامتداد نظري يتعدى أو يتجاوز حدود الميكانيك الكمومي أو الكوانتي برفعه هذا المحرم أو المانع والعائق النظري ويقول بهذا الصدد:" في هذا الإطار، يغدو " المراقب" أنموذج رياضياتي . فتركيبة هذا المفهوم الغامض والمشوش تصبح رسمية formelle، فهي عبارة عن مجموعة من التعاقبات والارتباطات الرمزية ذات التعقيدات المحدودة والصعبة Abscons. هذا يعني أن " المراقب" لم يعد خارج النظرية التي تصف العالم بل جزء جوهري من الموصوف مدمج بالنظرية . فهذه الحدود التي كانت غير قابلة للعبور بين الطبيعة ومن يراقبها، قد ألغيت، وهذا سيغير كل شيء. وقد يشكل ذلك امتداداً وتجاوزاً وتوسعاً هائلاً في ما وراء الكموم أو الكوانتوم. فهو الوحيد الذي يحتوي على نوع من " الوعي" والحضور الخارجي يقوم بالتأثير على العالم أثناء عملية وصفه وحسابه، وقد يشكل ذلك المسودة الأولى لما يمكن أن نسميه " الميتافيزيقيا الكمومية أو الكوانتية" métaphysique quantique فيما يتعدى الميكانيك البسيط المألوف والمعروف لدينا .

التشابكات الفائقة super intrications، فيما يتعدى الكموم أو الكوانتوم باتت ممكنة:

لا يمتلك العلماء الجدد الشباب رؤية واضحة وحدس جلي عما اكتشفوه لأنه هائل بكل المقاييس. لكنهم يبحثون بجد عما إذا كانت العلاقات والترابطات أو الارتباطات شبه الكمومية أو الكوانتية المتداخلة تقريباً corrélations presque quantiques، والتي أبرزوها بما يشبه البديهيات، يمكن أن تكون هي التفسير الحقيقي للعالم. الميكانيك الكمومي أو الكوانتي تنبأ بوجودها في إطار الظواهر التجريبية الرمزية emblématique للتشابك ففي حالات كثيرة يمكن لجسيمين أوليين أن يرتبطا آنياً مهما كانت المسافة التي تفصل بينهما، كما لو أن الفضاء والمكان غير موجود أو لم يعد موجوداً. فأي قياس على أحدهما سوف يحدث نظيره في نفس الوقت للآخر مهما كان بعيداً عنه. ويسمي الفيزيائيون في النظرية الكمومية أو الكواتية هذه الأنظمة بالترابط الذاتي corrélés intriqués أو اللامحلية non locaux. فالتشابكات الفائقة super intrications، فيما يتعدى الكموم أو الكوانتوم، أو الترابطات ما بعد الكمومية أو الكوانتية corréllations plus que quantiques، باتت ممكنة. فهناك نظرية شهيرة تسمح بتكميم هذه الأوبكواتية ubiquité، ومن خلال لعبة حذقة من الإحصائيات تمكن العالم جون بيل John Bell في ستينات القرن الماضي من وضع سلم يمكننا من مقارنة كثافة الترابطات corréllations وفقاً للنظريات الفيزيائية السائدة آنذاك، وذلك في عالم كلاسيكي تكون فيه كل الأشياء محددة المواقع تماماً ومستقلة. فالكرسي موجود هناك فقط وليس في مكان آخر. وهذا السلم échelle ينص على أن قوة كل ترابط بين جسيمين أوليين يكون دائماً اقل من أو مساوي لــ 2 . ولكن في عالم كمومي أو كوانتي، حيث يمكن للجسيمات أن تتشابك s intriquer، فإن تلك الكثافة تغدو أكثر من كلاسيكية ويمكن أن ترتفع إلى 2√ 2 أي مايقارب الــ 2.83. وبتطبيق هذه النظرية في بداية سنوات الثمانينات، أثبت العالم الفرنسي آلان آسبيه Alain Aspect بتجربته الشهيرة، إحصائياً ورياضياتياً وبدعم التجربة المختبرية العلمية، إننا نعيش حقاً في عالم كمومي أو كوانتي، إذ في بعض الظروف تبلغ قوة الترابط la force de corrélation معدل 2√ 2 ومن ثم فرضت اللامحلية non localité كخاصية كمومية أو كوانتية أصيلة وأساسية وعليها بنيت التكنولوجيات الكريبتوغرافية ــ فك الشيفرات ـ الكمومية أو الكوانتية. والحال إن علماء النظرية الكمومية أو الكوانتية المعاصرين وجدوا أن لا شيء يعارض إمكانية أن يتجاوز معدل الترابط قيمة 2.83، فيمكن، من الناحية النظرية، الوصول إلى قيمة 4، وبالتالي هناك، على الورق نظرياً ورياضياتياً، ترابطات ما فوق الكمومية أو الكوانتية قد يمكن للطبيعة أن تكون لا محلية جداً مما توقعه أو تنبأ به الميكانيك الكمومي أو الكوانتي وهو اكتشاف مذهل حققه قبل ربع قرن ساندو بوبيسكو  Sandu Popescu ودانيل روهرليش Daniel Rohrilich. واليوم يبدو الميكانيك الكمومي أو الكوانتي كحالة خاصة من بين فئة من النظريات أكثر عمومية تحتوي على مختلف القوى الترابطية بين الجسيمات الأولية. وهو الأمر الذي استدعى طرح تساؤلات جديدة أكثر راديكالية من قبيل: لماذا يتوقف كمومنا عند قيمة 2√ 2 ؟ وهل يمكن للترابطات ما فوق الكمومية أو الكوانتية أن تعتبر فيزيائية؟ وهل يوجد مبدأ عميق أو خفي يسمح باللامحلية ولكن يحد من قوتها؟ وبظهور هذا النوع من التساؤلات الجديد تحفز الفيزيائيون الشباب للمضي ابعد وسبر الحدود الكمومية أو الكوانتية، وذلك بدراسة قوة تلك الترابطات على نحو أعمق وأكثر جرأة.

انطلق العشرات من المنظرين الشباب في بناء نماذج تقترب من القيمة2√ 2 ولكن لم يتجاوزوها بعد، وتجلى لهم أن ذلك ممكن من الناحية النظرية. ولقد أنشأوا مجموعة من الترابطات الكمومية المتداخلة الواحدة في بطن الأخرى كالدمية الروسية تاركين في قلب المجموع أو الكل الكمومي أو الكواتي، الترابطات الكمومية أو الكوانتية الأساسية. وفي كل تجربة يبرز تقدير قيمي خارج عن المجموع الكمومي أو الكوانتي كما أنهم عثروا على جزء من الحدود وليس كلها. أحد تلك المجموعات جذب الأنظار أكثر ولفت الانتباه والذي تم اكتشافه قبل خمس سنوات وسمي " المجموع أو الكل الكوانتي أو الكمومي تقريباً ensemble Presque quantique وهو أصغر توسع معروف للترابطات التي ما تزال متوافقة مع المباديء الكبرى للفيزياء الجوهرية من نوع لا يمكن لأي شيء تجاوز سرعة الضوء، أو القوانين الفيزيائية الجوهرية الأربعة المطبقة على الكون المرئي برمته.في حين أن باقي الترابطات الجديدة المكتشفة تنتهك على الأقل واحداً من المباديء الفيزيائية الجوهرية الكبرى أو أكثر . تتضمن تلك المجاميع، الترابطات الكمومية أو الكوانتية المألوفة لكن العكس ليس صحيحاً. لأنها تتضمن ترابطات لا تنبثق أبداً داخل النظرية الكمومية أو الكوانتية، بيد أنها قريبة منها إلا أنها أكثر عمومية أو أكثر تعميماً. ولو قسنا تلك الترابطات في تجربة مختبرية لثبت لنا ربما أن النظرية الكمومية أو الكوانتية خاطئة وهذا بمثابة زلزال يهز البنيان الفيزيائي برمته ويهدد بانهيار إحدى الدعامتين الرئيسيتين للفيزياء المعاصرة.

في الوقت الحاضر لا يدرك الفيزيائيون الشباب ماهي حقاً تلك المجموعات أو المجاميع التي تنفتح على أفق يتعدى الظاهر الكمومي أو الكوانتي الرسمي formele quantique، وماهي سوى ومضات وسط الضباب لكن حالة الإنذهال والدوار موجودة لدى جميع من تصدى لذلك من العلماء الشباب. من الصعب على غير المتخصصين أن يتخيلوا أن البنية الزمكانية للكون وهي مليئة بالتشابكات الكمومية intricuations quantiques، وعليه علينا أن نروض أنفسنا ونقنعها بأن عالمنا منسوج من عدد مذهل من الروابط أكثر كثافة وتعقيداً .

مبدأ اللاحتمية في الكموم يتعمم:

إن تداخل السياقات contextualité هو الأساس لكل شيء ولإنطلاقة العلماء الفيزيائيين الشباب في مقارباتهم الجديدة لتجاوز حدود النسبية والكموم أو الكوانتوم نحو فيزياء جديدة. وربما يكون هذا المفهوم الكمومي أو الكوانتي مهماً بقدر أهمية التشابك intrication والتراكب superposition، إلى جانب مبدأ الشك واللادقة أو اللاتحديد والمشهور بمبدأ الريبة لهايزنبيرغ l’ incertitude ومبدأ اللاحتمية l’ indértemination، وكل هذه المفاهيم تشكل الأساس والظاهر المميز للميكانيك الكمومي أو الكوانتي وما يميزه على نحو أدق عن العالم الكلاسيكي الذي ترسمه الفيزياء الكلاسيكية.

فتداخل السياقات الكمومية أو الكوانتية contextualité لا يقل إثارة للحيرة عن باقي غرائب bizarreries وهوس الفيزياء الكمومية أو الكوانتية. فمنذ عام 1927 يعرف الفيزيائيون في مجال ميكانيك الكموم أو الكوانتوم، أن السياق والظرف الذي تنجز فيه القياسات والحسابات يؤثر على نتائج تلك الحسابات مما يجعلها غير دقيقة كلياً أو غير ثابتة تماماً. وكانت صياغة هذه الحقيقة العلمية على شكل مبدأ اللادقة أو اللاتحديد أو الشك والريبة الشهير l’ incertitude الذي صاغه العالم هايزنبيرغ Heisenberg، الذي يعاكس ويقلب على عقب مفهومنا المنطقي المألوف للعالم والحسابات الفيزيائية الكلاسيكية، وهو ينص على أن بعض الكمات من الجسيمات الفيزيائية في الميكانيك الكمومي أو الكوانتي، مثل الموضع أو الموقع وكمية الحركة أو السرعة، أي نتاج الكتلة والسرعة، لايمكن قياسهما بدقة في آن واحد، عكس ما نعرفه في الفيزياء الكلاسيكية مثلاً عن دراجة تسير حيث يفترض أن لها في كل لحظة موقع أو موضع وكمية حركة أو سرعة معروفتين تماماً ومقاستين بدقة. لكن ليست هذه هي حال الإلكترون، وهو جسيم مادي، أو الفوتون، فكلما كانت لدينا دقة بمعرفة مكانيهما كلما قلت تلك الدقة فيما يتعلق بسرعتيهما أو كمية حركتهما، والعكس صحيح.

وفي سنوات الستينات من القرن الماضي تمكن العالم الكندي سيمون كوشن Simon Kochen، من إثبات صحة مبدأ هايزنبيرغ في اللادقة أو اللاتحديد أو مبدأ الشك والريبة وذلك بتجربة علمية مختبرية، وقام كذلك العالم السويسري إرنست سبيكر Ernest Specker، بتجربة علمية مختبرية مماثلة وجاءت النتيجة مؤكدة لصحة هذا المبدأ الكمومي أو الكوانتي. وكان هذا الأخير يبحث عن الحضور الإلهي اللامحدود omniscience ودوره في تسيير العالم ومكوناته، فلاحظ في صياغته بلغة المنطق، أن هذه المشكلة تشبه إلى حد ما شكلانية formalisme الكموم أو الكوانتوم التي تمنع مثل هذا الحضور الدائم واللامحدود والمعرفة اللامحدودة في التجارب المختبرية، خاصة لدى العلماء التجريبيين حيث لايمكنهم قياس كل شيء في نفس الوقت وفي آن واحد وبدقة تامة. ولذلك عمل بالتعاون مع سيمون كوشن على إعطاء الدليل والبرهان الرياضياتي لمبدأ هايزنبيرغ وإثبات صحته مختبرياً ورياضياتياً ونشرا نظريتهما التي حملت إسميهما معاً.

إلا أن نظرية كوشن ــ سبيكر، كما سميت فيما بعد، تذهب إلى أبعد من مبدأ الريبة والشك لهايزنبيرغ فهي تطعن بفكرة أن خصائص جسم كمومي أو كوانتي ما، تمتلك قيماً معينة قبل أن نسلط عليها فعل المراقبة أو القياس . فمبدأ هايزنبيرغ يخبرنا إن بعض الحسابات أو القياسات سوف تتغير عندما نجريها في نفس الوقت لكننا يمكن أن نتمسك بفكرة أن الجسيم الأولي لديه دائماً موقعاً وكمية حركة أو سرعة قبل مراقبته، والمشكلة التي تواجهنا هي أننا لا نستطيع أن نشاهدهما ونراقبهما بدقة في نفس الوقت، والحال أن تداخل السياقات contextualité الكمومية او الكوانتية يذهب إلى أبعد من ذلك حيث يحرمنا من هذه الإمكانية المفترضة. فنظرية العالمين كوشن ــ سبيكر تظهر وتثبت أن المنطق الكمومي أو الكوانتي لا يمكن التعبير عنه بأي صيغة أو طريقة كلاسيكية متعارف عليها وبالتالي فالنظرية المشار إليها أعلاه التي صاغها كوشن وسبيكر لها منطقها الخاص، وبالتالي فهي نظرية منطقية. إلا أن العلماء لم يستوعبوها طيلة نصف قرن وأهملوها إلى أن تبناها شلة الفيزيائيين النظريين الشباب بعد أن فهموا فحواها ومدياتها وأهميتها في حساب تأمين، ومعرقة قوة ومتانة الحسابات الكمومية أو الكوانتية، حيث يكمن تميز وتفوق الحساب الكمومي أو الكوانتي في مبدأ تداخل السياقات ويمكن أن يترتب على ذلك تداعيات وانعكاسات ثورية في مجال المعلوماتية والصناعات الحاسوبية والحواسيب أو الكومبوترات الكمومية أو الكوانتية، مما سيتيح لنا أن نتحرر من القيود الحالية وننجز أخيراً القوة الحقيقية، التي ما تزال نظرية لحد الآن، للأنظمة الكمومية أو الكواتية في شتى المجالات.

يعتقد بعض العلماء الشباب أن تداخل السياقات الكمومية أو الكوانتية هو المصدر أو النبع الحقيقي لقوة الحسابات والحواسيب الكمومية أو الكوانتية وهي القاعدة لما يعرف بالغرابة الكمومية وعليه ينبغي سبر أسرار هذه النظرية ومعرفة أسرار تداخل السياقات الكمومية أو الكوانتية لمعرفة الحدود الفاصلة بين الفيزياء الكلاسيكية والفيزياء الكمومية أو الكوانتية وما يتعداهما. ولقد استخدم هؤلاء العلماء الشباب كل ترسانة العلوم الرياضياتية المعاصرة لاختبار كل النماذج الموجودة أو المفترضة والممكنة في نطاق تعدد المقاربات ما أدى إلى انبثاق غابة من تداخل السياقات الكمومية المختلفة تحتوي على كافة التنويعات من تداخل السياقات مثل : لغة المعلوماتية Langage de l information، والرسومات البيانية الفائقة hypergraphie، والرياضيات الطوبوغرافية mathématique topollogique، الخ.. كما استغل نظرية، كوشن ــ سبيكر واستلهم منها، عدد من العلماء لاختبار قوة وفعالية وصلاحية نماذجهم في التداخلات السياقية الكمومية أو الكوانتية شبيهة بتلك التي أجراها العالم بيل Bell في ستينات القرن الماضي لإثبات صحة مبدأ التشابك بين جسيمين أوليين في ميكانيك الكموم أو الكوانتوم بتجربته الشهيرة وبنفس الطريقة التي استخدمت في تكميم قوة التشابك، يمكن تكميم كثافة تداخل السياقات الكمومية أو الكوانتية من خلال إعادة الصياغة بحيث تغدو نظرية تداخل السياقات الكمومية أو الكوانتية شكلانية عامة ومعممة لرؤية الاختلافات والتنويعات بين مختلف النماذج الفيزيائية الحتمية التي جاءت بها الفيزياء الكلاسيكية، إلى جانب النماذج العشوائية في الأساس، أو الأنماط العشوائية جوهرياً modèles fondamentalement aléatoires، وهكذا بات بالإمكان اختبار تداخل السياقات في النظريات الكلاسيكية وفي الميكانيك الكمومي أو الكوانتي، وفي الكمومية الفائقة supra quantique، وربما التوصل إلى مدخل للفيزياء الجديدة المستقبلية وقد يتفتق ذهن العلماء عن فرضية تقول أن الضوء ناجم عن تداخل سياقات ما فوق كمومية أو كوانتية contextualité plus que quantique ومعرفة سر وماهية التذبذب أو التقلب الكمومي أو الكوانتيfluctuation quantique فالتذبذب أو التقلب الكمومي أو الكوانتي، في صيغته التقليدية، هو حالة ظهورٍ مؤقت للجسيمات دون الذرّية إلى حيز الوجود، وكما ينص مبدأ عدم التحديد (مبدأ اللا دقة) لهايزنبرغ، فإنه يُعتبر مرادفاً لتذبذب الفراغ. ينص هذا المبدأ على أنه لا يمكن تحديد خاصيتين مُقاستين من خواص جملة كمومية إلا ضمن حدود معينة من الدقة، أي أن تحديد إحدى الخاصيتين بدقة متناهية، ذات عدم تأكد ضئيل، يستتبع عدم تأكد كبير في قياس الخاصية الأخرى، ويشيع تطبيق هذا المبدأ بكثرة على خاصيتي تحديد الموضع والسرعة لجسيمٍ أولي. صاغ المبدأ العالم الألماني هايزنبرغ عام 1927. فعلى سبيل المثال من الممكن ظهور زوجٍ من الجسيمات المترابطة خلال مدة قصيرة جداً من الزمن. يمكن توضيح مبدأ عدم التحديد بيانياً من خلال عملية محاكاة حاسوبية أو كومبيوترية، يُطبَّق هذا المبدأ على الزمن والطاقة كذلك (الطاقة هنا تمثل معادلة آينشتاين E=mc2). ويُطبَّق هذا المبدأ على الزمن والطاقة كذلك ولكن لحسن الحظ، عندما تكون الكتلة كبيرةً جداً (مثل الأجسام المرئية) يُصبح مبدأ عدم التحديد واللاحتمية indétermination وكذلك التأثير الكمومي صغيراً جداً، وحينها يمكن أن تُطبّق قوانين الفيزياء الكلاسيكية. يُسمى الزمكان الخالي في الفيزياء الكلاسيكية (الأجسام الكبيرة) بالفراغ، وهو ساكنٌ تماماً، ومع ذلك فإنه في الفيزياء الكمومية أو الكوانتية(الأجسام دون الذرّية) يُصبح الأمر أكثر تعقيداً بكثير وهو أبعد تماماً عن كونه ساكناً وفارغاً فهو مليء بالجسيمات الافتراضية. فالفراغ الكمومي هو مجرّد حالة خاصة من الحقل الكمومي أو الكوانتي( يقابل ذلك بعض الجسيمات). إنه حالةٌ ميكانيكية كمومية تكون فيها الحقول الكمومية غير مثارة، أي لا توجد أيّة جسيماتٍ، لذا تكون هي الحالة الأقل فعاليةً (أقل طاقة ممكنة للجسيمات) في الحقل الكمومي. وهنا نعثر على التفاعلات التي تحصل في الفراغ الكمومي في المستوى الإحداثي للزمكان (المكان والزمان)، حيث تنبثق أزواجٌ من الجسيمات من العدم ثم تقوم هذه الجسيمات بفناء بعضها البعض وفقاً لمبدأ اللادقة L’ incertitude.

البحث عن الكأس المقدسة في الفيزياء المعاصرة:

هل هناك حقاً كأساً مقدسة Le Graal في الفيزياء الحديثة يبحث عنها العلماء كما يبحث المسيحيون عنها في الميثولوجيا الدينية ؟ يبدو أن هذه الفكرة هي المحفز الأساسي والأول، والفكرة المرشدة والموجهة، لمجموعة العلماء الشباب الجدد في سعيهم لتجاوز معوقات الفيزياء الكلاسيكية وهي فيزياء النسبية وميكانك الكموم المتنافرتين والتي يصعب، إن لم نقل يستحيل، جمعهما وتوحيدهما، وهو الحل الذي راود منذ قرن وربع القرن مخيلة العلماء في كل العقود وعلى رأسهم أينشتين نفسه. فكل ما قدمه وجربه العلماء الشباب من نظريات ومفاهيم ثورية تجديدية جريئة يهدف بالأساس إلى العثور على الوسيلة الأنجع للتوحيد في نظرية واحدة هي نظرية كل شيء تجمع النسبية والكوانتوم أو ميكانيك الكموم، والتي ستحيط بالكون المرئي برمته من اللامتناهي في الصغر إلى اللامتناهي في الكبر، من الكوارك إلى النجوم والمجرات والسدم والحشود المجرية.

لم يكن هذا الحلم وليد الأمس فلقد هيمن على فكر وحياة ونشاط وعمل وأبحاث آينشتين طيلة أربع عقود ولغاية وفاته ولم ينجح، لا هو ولا غيره، في تحقيق ذلك الحلم. والمشكلة تبقى ماثلة أمام الجميع وقابلة للفهم لكن الحل اللازم لها يفلت من بين أيدي العلماء، فكلما وجدوا حلولاً ومقترحات ونظريات تنتج عنها لانهائيات كثيرة وتناقضات ومفارقات وتحديات وتساؤلات جديدة تعيق إنجاز النظرية الشاملة والموحدة. فمن جهة هناك نظرية النسبية العامة التي تعرف وتصف الجاذبية أو الثقالة باعتبارها خاصية من خصائص الزمكان L’ حسب التعبيرespace-temps الاينشتيني، والذي ينحني ويتحدب تحت تأثير الكتل، والذي يصف تماماً وبدقة الكون المرئي على نطاق اللامتناهي في الكبر وفي مستويات الطاقة العليا الفائقة . ومن جهة أخرى هناك الميكانيك الكمومي أو الكوانتي الذي يصف بدقة تامة ويتوقع ما يوجد في، وما يكون عليه، عالم اللامتناهي في الصغر من مستوى مادون الذري، أي عالم الذرات والإلكترونات والفوتونات والجسيمات الأولية الأخرى . بيد أن العالمين اللذين تصفهما هاتين النظريتين لايتوافقان على الإطلاق وليس بينهما مشتركات . أحدهما يتمركز في فضاء أومكان مسطح وساكن أو ثابت، والآخر في حيز مكاني محدب وديناميكي متحرك . أحدهما يسلم أمره للصدفة والاحتمالات ويمنحهما دوراً جوهرياً أساسياً مؤثراً، والآخر لا يعطي أي مكانة أو يعير أية أهمية أو قيمة للاحتمالات والصدفة، فهي غير موجودة في قاموسه. أحدهما يرى الزمن وكأنه معلم بسيط من معالم التطور، بينما يراه الآخر كأنه عنصر مركزي ثابت لا يتغير باتجاه واحد يسميه "سهم الزمن" المتجه من الماضي نحو المستقبل. ولكن ماهو موقع الثقالة او الجاذبية الكونية؟ وهي التي تحتل الشخصية الأساسية الرئيسية في النسبية العامة؟ لامكانة ولا دور لها ولا أي وصف في الميكانيك الكمومي أو الكوانتي، باختصار فإن دعامتي الفيزياء الحديثة غير متوافقتين وغير متساوقتين على الإطلاق بالرغم من أن من المفترض أنهما يصفان نفس العالم .

يمكن أن نتقبل هذا اللاتساوق بينهما ونعتبره واقع حال لا محيد عنه والثمن هو التخلي عن البرنامج التوحيدي الكبير للفيزياء النظرية، الذي شغل بال العلماء طيلة قرن ونيف. فمنذ غاليله، في القرن السادس عشر، كانت كل نظرية جديدة تزيح وتحل محل النظرية القديمة وتكون أوسع وأكثر عمومية وشمولية، ولقد نجح العلماء في توحيد جزيئات نظرية كالتوحيد بين الكهرباء والمغناطيس في صيغة عرفت بالكهرومغناطيسية ثم أدخلت في الميكانيك الكمومي بدون معوقات أو صعوبات كبيرة. وكانت الجاذبية النيوتنية قد احتوتها وتجاوزتها النسبية العامة. وفي كل مرة يصاغ إطار نظري جديدة له قوانينه ومعادلاته الرياضياتية، يكون أوسع وأشمل وأكثر استجابة لاحتياجات العلماء التنظيرية وكانت النتائج خصبة وواعدة ولقد عبر عن ذلك آينشتين نفسه حين قال: يجب مواصلة هذا البرنامج فهو في غاية الأناقة والجمال . وذلك في رسالة بعضها لزميله هيرمان ويل Hermann Weyl سنة 1923.

ولكن لاتزال هناك ظواهر كونية مشتركة لايمكننا اليوم وصفها وفهمها بدون الثقالة الكمومية أو الكوانتية gravitation quantique، وكأمثلة على تلك الظواهر اللغزية : استحالة أن نعرف ما يحدث داخل الثقب السود، ولا فهم ولادة الكون المرئي ولا شرح ووصف تكوين الجسيمات الأولية . ومنذ أكثر من قرن كانت هناك عدة محاولات لإجراء المصالحة والجمع بين الشقيقتين اللدودتين، وإن الإبحار في محيط النظريات التي ادعت ذلك يغرقنا في لج عميق كما أغرقت أسماء علماء عباقرة فطاحل وشخصيات فذة. بدأ السعي الجدي منذ العام 1918 مع عالم الرياضيات والفيزيائي اللامع هيرمان ويل Hermann Weyl.وتابعها آينشتين وثيودور كالوزا Theodor Kaluza، ووآرثر إيدنغتون Arthur Eddington، وروجر بنروز Roger Penrose، وأندريه زاخاروف Andrei Sakharov، وستيفن هاوكينغ Stephen Hawking، وكارلو روفيللي Carlo Rovelli، وليونارد سوسكايند Leonard Suuskind، وآلان كونس Alain Connes، ولقد اعتقد العديد من هؤلاء وغيرهم أنهم كانوا على وشك تحقيق الهدف. مثلما هو الحال عندما تفتقت ذهنية العلماء في ثمانينات القرن الماضي عن نظرية جاءت غاية في التعقيد والغرابة والجمال والأناقة في نفس الوقت، وكانت نظرية فاتنة ومغرية وهي نظرية الأوتار théorie des cordes، ومن ثم الأوتار الفائقة théorie des super cordes، مع قرينتها التوسعية التي أعطتنا النموذج المعياري لفيزياء الجسيمات modèle standrd de physique des particules، ونظرية التناظر الفائق théorie de supersymétrie، وتخيلوا عالماً أو كوناً مكوناً من عشرة أبعاد مكانية وبعد زمني بحيث تكون الجسيمات الأولية الأصغر في الكون عبارة عن أوتار في غاية الصغر بطول 10-32 من المتر تتذبذب كأوتار آلة الكمان الموسيقية، مولدة عدد لامتناهي من الجسيمات الأولية المتنوعة. ومع ذلك بعد الحلم فشلت هذه النظرية الثورية في تحقيق الهدف المنشود ألا وهو توحيد داعمتي الفيزياء المعاصرة.

اليوم وفي نهاية العام 2019، تغير كل شيء . الوسط الفيزيائي في حركة دؤوبة ونشاط محموم، والتجارب الجديد قادت إلى صياغة العديد من النظريات الفيزيائية الجديدة التي يمكن أن تعد بديلة للنسبية العامة كما يقول كارلو روفيللي الأستاذ في جامعة مرسيليا في فرنسا وهو أحد كبار الفيزيائيين النظريين. لقد بلغ مسرع ومصادم الجسيمات الكبير LHC التابع لوكالة الفضاء الأوروبية سيرن CERN الواقع على الحدود الفرنسية السويسرية قرب جنيف، طاقته القصوى سنة 2015 ولم يعثر على أي شيء يشير إلى الجسيم الفائق التناظر particule supersymétrique، ولا الثابت الكوني الذي يحدد سرعة التمدد والتوسع الكوني الذي تم قياسه وظهر أنه موجب في حين أعتقد أغلبية الأخصائيين في نظرية الأوتار الفائقة أنه سالب.

وكذلك جاء اكتشاف الموجات الثقالية أو موجات الجاذبية ondes gravitationnelles، ولقد توصل العلماء إلى أن الموجات الثقالية والموجات الكهرومغناطيسية الناجمتين عن تصادم نجمتين نيوتريتين تنتقلان بنفس السرعة، والحال إن جزء كبير من النظريات البديلة للنسبية العامة تنبأت أن سرعة هذين النوعين من الموجات مختلفة . بقيت نظرية بديلة على قائمة التنافس وهي نظرية الجاذبية الكمومية أو الكوانتية الحلقية la gravitation quantique à boucles، وهي الثانية بعد نظرية الأوتار الفائقة ضمن نظريات كل شيء المرشحة كبدائل . فبدلاً من النظر إلى الجاذبية باعتبارها تأثير ناتج عن تشوه الزمكان la déformation de l espace-temps، فإن نظرية الجاذبية الكمومية الحلقية تعتبرها بمثابة تجلي أو تمظهر لحقل ثقالي أو مظهر من مظاهر حقل الجاذبية manifestation du champs gravitationnel. لم يتمكن أي من العلماء المناوئين تعريض هذه النظرية إلى وضع صعب أو دحضها من خلال نتائج التجارب المختبرية التي أجريت عليها، والحال إن المشاكل النظرية أعتبرت جوهرية وأساسية في سنوات الثمانينات، وقد تم حل الكثير منها، ويجري البحث اليوم عن توقعات وتنبؤات كمومية أو كوانتية لمقارنتها مع التجارب، والجدير بالذكر أن هذه النظرية هي من أطروحات العالمين الإيطالي كارلو روفيللي والأمريكي لي سمولين Lee Smolin، وهذا الأخير شن هجوماً كاسحاً يعتبر بمثابة إعلان حرب، على نظرية الأوتار الفائقة المنافس الرئيسي لنظريته، بعد أن كان أحد أقطاب نظرية الأوتار الفائقة سابقاً وتخلى عنها.

كل ذلك لا يمنع من فتح طريق أخرى. ففي نهاية سنوات التسعينات، وعلى إثر تجربة مدوية أجراها العالم الفيزيائي المختص بنظرية الأوتار الفائقة، خوان مالداسينا Juan Maldacena، إتضح منها أنه، في بعض الأكوان النظرية المبسطة، فإن جميع النتائج والتأثيرات التي عزيت لقوة الثقالة أو الجاذبية الكونية يمكن أن توصف بأنها ظواهر كمومية أو كوانتية تحدث على حدود أو تخوم هذا الكون، حيث لا وجود لأي أثر للجاذبية أو الثقالة، وبالتالي ولدت إمكانية لإجراء مصالحة بين الميكانيك الكمومي أو الكوانتي مع النسبية العامة ولكن في كون مبسط ونظري. استبشر الكثيرون بالخير وظنوا أنهم باتوا قريبين من الهدف المنشود كما يقول العالم جوزيف بولشنيسكي Joseph Polchinski من معهد كافلي في كاليففورنيا، وواصل الإعراب عن رأيه قائلاً :" كان الاكتشاف من القوة بمكان بحيث شعر أغلب الفيزيائيين أن كل شيء سوف يتحقق قريباً وبسرعة . لكن أدى ذلك فقط إلى ظهور ولادات لأوليات عدد من النظريات الفرعية، مثل نظرية العالم الهولندي إريك فيرلندي Erik Verlinde، التي وصفت الجاذبية بأنها تمظهر أو تجلي ماكروسكوبي لظواهر ميكروسكوبية كامنة، أو نظرية خوان مالداسينا وليونارد سيسكايند اللذين افترضا مسلمة تقول أن تلك الظواهر الميكروسكوبية هي بالتحديد تشابكات كمومية أو كوانتية. أما الجزء الآخر من العلماء فلم يقدموا شيئاً يذكر بعد. فالأمر برأي كارلو روفيللي، يحتاج لمعادلات جديدة أكثر متانة وإتقاناً وجمالاً وأناقة". فاستبدال نقطة بوتر صغير لا يكفي للوصول إلى حل على حد تعبير نيكولا جيسين Nicolas Gisine المختص بالكموم في جامعة جنيف، الذي يعتقد إن على النسبية العامة والميكانيك الكمومي، ليس فقط التحرك ومغادرة منطقة الجمود فحسب، بل عليهما أن يحدثان ثورة في داخلهما، فنحن بحاجة لأفكار جديدة".

في ظل مثل هذه الأجواء المتأججة والهائجة إنطلق الجيل الجديد من العلماء في مقاربة جديدة غير مالوفة سابقاً المتمثلة بعزل الظواهر الأكثر غرابة في النظرية ودفعها إلى ابعد ما يمكن لمعرفة ورؤية ما يتعدى الميكانيك الكمومي أو الكوانتي. وذلك إنطلاقاً من " السببية" causalité واللامحلية la non –localité، وتداخل السياقات الكمومية أو الكوانتية contextualité، وهي محاولة في طريقها لفتح آفاق جديدة نحو الثقالة الكمومية الصعبة المنال حالياً . ومع مفهوم السببية تقدمت هذه الحركة الجديدة كثيراً منذ اكتشاف هذا التراكب الكمومي أو الكوانتي الغريب بخصوص السبب والنتيجة والعلة والمعلول، إذ وجد الباحثون فيها باباً للولوج من جديد إلى النسبية. فالسببية هي نقطة تلاقي وتوافق بين النسبية العامة والميكانيك الكمومي أو الكوانتوم.كما يقول آليكسي غرينباوم Alexei Grinbaum، "وهنا على وجه التحديد يسمح الكموم أو الكوانتوم بشيء في الزمكان لا نستطيع شرحه". ويوضح العالم كاسلاف بروكنر Caslav Brukner المختص بالموضوع في جامعة فينا، قائلاً :" لو وضعنا جسم هائل الكتلة في وضع تراكب سببي، فإن المسافات الزمانية المكانية أو الزمكانية spatio-temporelles بين الأحداث داخل حقل ثقالي أو مجال جاذبية champ gravitationnel للجسم المعني، ستصبح تشابكية intriquées أي تتشابك مع موضع أو موقع الجسم المذكور". والتكنولوجيا المتقدمة حالياً سوف تسمح قريباً باختبار صحة هذه الفكرة مختبرياً وتجريبياً على أشياء أو أجسام كممومية أو كوانتية أكثر ضخامة، وسوف نصل قريباً إلى درجة عالية من الدقة كافية لدراسة كتل بمستوى إلكترونين ويستعد العالم الشاب سوغارو بوس Sougaru Bose للتحضير لهذا النوع من التجربة في جامعة كولج أوف لندن .

وهناك أمل، رغم التشوش والذهول الطاغي، في التوصل قريباً إلى نظرية كل شيء أو الغرق مرة أخرى في السراب والوهم والبدء من جديد من نقطة الصفر بحثاً عن الكأس المقدسة في الفيزياء.

 

د. جواد بشارة

 

 

 

 

زهير الخويلدي"حساب الهند قوامه تسع صور يكتفي بها في الدلالة على الأعداد الى ما لا نهاية له وأسماء مراتبها أربعة وهي الآحاد والعشرات والمئون والألوف" ، الخوارزمي، مفاتيح العلوم،

عاش محمد ابن موسى الخوارزمي بين 781 و850 ميلادي بين خوارزم وبغداد وتأثر بأبي كامل شجاع ابن أسلم وعاصر المأمون وعمل في بيت الحكمة ولقد اهتم بالجغرافيا والفلك ولكنه برع في الرياضيات.

لقد ألف الكثير من الكتب وترك عدد من الرسائل العلمية على غرار الجمع والتفريق في الحساب الهندي وتقويم البلدان ومفاتيح العلوم والعمل بالإسطرلاب وصورة الأرض ورسم الربع المعمور، ويبدو أن كتابي المزولات والتاريخ الذي ذكرهما ابن النديم في الفهرست قد ضاعا وأن مسلمة المجروطي قد أنقذ النسخة العربية من كتاب علم الفلك الهندي المنقول إلى اللاتينية ، غير أن كتابه المختصر في حساب الجبر والمقابلة هو العمل العلمي الذي نال به شهرة واسعة وخلده وجعل منه عالما رياضيا فائق الابتكار.

لقد قام بإضافة عدة شروح على كتاب المجسطي لبطليموس وأعاد كتابة عالم الفلك الهند المسمى السند هند الكبير وترجمه إلى اللغة العربية وأطلق عليه تسمية السند هند الصغير، كما نقل إلى لغة الضاد كتاب الجغرافيا لبطليموس وعدة كتب أخرى في الفلك والتنجيم والحساب واشتغل بطلب من المأمون في بيت الحكمة على رسم خارطة للأرض رفقة سبعين جغرافيا من مختلف أصقاع العالم وقدم في كتاب الجبر والمعادلة حلولا للكثير من المشاكل الرياضية المستعصية وعالج منهجيا المعادلات الخطية والمربعة وقدم النظام العشري إلى العالم واشتغل على الأرقام الهندية واستخدم الجبر في حل المعادلات التربيعية وأدخل الصفر إلى العمليات الحسابية وأوجد حساب المثلثات في الهندسة وعرض طرق أساسية للحد والموازنة.

لقد فقدت النسخة العربية عن كتاب علم الحساب للخوارزمي ولكن أديلار الباثي كان قد ترجمه صحبة الجداول الفلكية إلى اللغة اللاتينية سنة 1126 ميلادي وحافظ لنا على كنز علمي ثمين كاد أن يضيع منا. بهذا المعنى يعتبر الخوارزمي المسؤول الأول عن إدخال الأرقام العربية على أساس نظام الترقيم الهندي المطور على أساس حساب النظام العشري إلى العلوم الغربية ولقد أفضى لتشكل البرمجيات والألجورزم.

من ناحية ثانية حرص الخوارزمي على معالجة أبحاث الجبر بصورة مستقلة عن نظرية الأعداد ومباحث الحساب وترتب عن إدخاله الصفر إلى مجموعة الأعداد الطبيعية إلى تحويل الحساب إلى النظام العشري المعروف في عمليات الجمع والطرح ولقد ترتب عن ذلك معالجة العديد من المشكلات الرياضية العالقة.

والحق أن الخوارزمي يشترك في مبحث الجبر والمقابلة مع عدد من العلماء العرب مثل الطوسي وسهل بن بشر والدينوري وعبد الحميد بن ترك ولكن لا أحد يمكنه أن يقلل من إسهاماته في اكتشاف علم الجبر وتطوير علم الحساب وتطبيق الرياضيات في مجالات لم تعهدها من قبل وتبارح المواضيع التقليدية التي تتراوح فيها فيها بين العدد والهندسة وتتعامل مع الأجسام الجبرية من حيث هي عناصر نظرية مستقلة عن الهندسة وتهتم بالأعداد الكسرية واللاكسرية واستفادت في ذلك من الرياضيات البابلية ومن كتاب ديوفانتوس المعنون بالأرتميطيقا، ولقد مثل الاعتماد على الجبر خطوة ثورية في العلم نقلت العقل البشري من مجرد إثارة المشاكل والبحث عن حلول إلى عرض كتابة تفسيرية تتكون من تركيب لأوليات ونماذج.

إذا عدنا إلى كتاب مفاتيح العلوم فإننا نجده يتحدث في الباب الأول بلغة معجمية واضحة عن الفقه والكلام والنحو والكتاب والشعر والعروض والأخبار وينتقل في الباب الثاني إلى معالجة قضايا عقلية وعلمية أكثر دقة وواقعية مثل الفلسفة والمنطق والطب وعلم العدد والهندسة وعلم النجوم والموسيقى والحيل والكيمياء.

يمكن تلخيص اكتشافات الخورازمي في الفصل بين الجبر والحساب ووضع أسس علم الجبر الحديث ومعالجة الجبر بأسلوب منطقي وابتكار مفهوم الخوارزميات الذي وقع استخدامه اليوم في علم الحاسوب وتعويله على الصفر في الحساب حيث اعتبره رقما موحدا يحتاج دوما إلى رقم آخر إلى جواره ، كما اخترع شكلا لكل رقم يحمل نفس عدد الزاوية التي تدل عليه وبرع في الجغرافيا برسم خرائط دقيقة، وساعدته المعادلات الخطية والتربيعية على حل مشاكل الخلل في التوازن التجاري وقسمة الميراث ومسح وتخصيص الأراضي وحاول صناعة ساعة شمسية ضمن علم الفلك الكروي يضبط فيها الاتجاه والميقات.

اللافت للنظر أن كتاب المختصر في حساب الجبر والمقابلة بقيت منه نسخة واحدة باللغة العربية مؤرخة في1361  ولقد ترجمها فدريك روزن إلى الأنجليزية وكانت قد نقلت قبل ذلك إلى اللاتينية والى الفرنسية.

فكيف ساهمت الخوارزميات في قيام علم البرجمة وتشكيل العالم الافتراضي واللغة الرقية في الراهن؟

 

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

...................

المراجع:

الخوارزمي محمد ابن أحمد ابن يوسف ، مفاتيح العلوم، تحقيق إبراهيم الأبياري، دار الكتب العربي، بيروت، طبعة ثانية ، 1989. 284 صفحة.

 

احمد الديباوي"الاستسلام للتراث، واستدعائه بكافة عناصره في حاضرنا"، هكذا يلخّص الدكتور عبد الجبار الرفاعي، بإيجازٍ غيرِ مُخلٍّ، سببًا رئيسًا من أسباب تفشّي نزعات التعصُّب وكراهية ونفْي الآخَـر، والتشهير الدائم به، وما ينجُم عن ذلك من احتراب، وعنف، وإرهاب، وصراعات دينية وعِرقية وطائفية، تأكل في طريقها الأخضر واليابس، وتُغذّي رُوح الانتقام والتشفّي، حتى لتبدو صورة الآخر، المخالف في الدين والعقيدة والمذهب، في المخيال الإسلامي مشوَّهة، مشيْطَنة، تحت وطأة الوقوع في أسْرِ نرجسية دينية زائفة غير واقعية، ومنطق عقائدي أُحادي، وإيمان تقليدي حصري لا يعرف طريقًا إلى النقد أو العقل أو الحُبّ!

في كتابه "الدين والنزعة الإنسانية"، الصادر هذا العام، عن دار التنوير، في طبعته الثالثة المعدَّلَة والمزيدة، يُبحر بنا عبد الجبار الرفاعي في مبحث (من أين تشتق الكراهية مفاهيمها؟)، كما لو كان رُبَّانَ سفينةٍ ماهرًا يعرف تمامًا كيف يدير دفّة القيادة بانسيابية ودِقّة حتى تصلَ بحمولتها إلى برّ الأمان، فيستدعي في أول كلامه أُسّ المشكلة، ومنبع الداء، وهو "هاجس التراث"، ذلك الهاجس الذي تفوق المجتمعات الإسلامية أي مجتمعات بشرية أخرى في الاستسلام والإذعان له، بل تقديسه والتعاطي معه باعتباره شيئا لا تاريخيًا ومطلَقًا ونهائيا وكاملا، كأنهم يطبّقون قول العربي القديم الكسول: "ما ترك الأول للآخِر شيئا"، على الرغم من أنّ عربيًا آخرَ مبرّزًا، هو عثمان بن بحر الجاحظ، قال: "إذا سمعت الرجلَ يقول ما ترك الأول للآخر شيئًا فاعلم أنه ما يريد أن يفلح"، لكنه التقديس والتكاسُل العقلي في آنٍ، حتى أضحى التراثُ قيدًا يكبّل حاضرنا، فيحكم عليه بالفشل، لأننا نرضى بأن يحكمنا الأموات وهم قبورهم، "بل يغدو الأموات هم مصدر الإلهام للكثير من المعاني في حياتنا، وتعلي مجتمعاتنا من مقاماتهم عندما تنصبهم حُكاما على الأحياء، وتعود إليهم في ما تواجهه من تحديات، وتستعير آراءهم في أكثر القضايا والمستجدّات، فيصير مستقبلنا هو ماضينا"، كما يقول الرفاعي.

هذا هو موطن الداء، فعندما نعيش تحت وطأة التراث، ونقبله ككُتلة واحدة، ونسيج واحد دون أن ندركَ أن لذلك التراث سياقات زمانية ومكانية خاصة أنتجته، وأبعادًا سوسيولوجية وأنثروبولوجية وسيميائية وسيكولوجية، تشكل معانيه ومفرداته وخطاباته وأنساقه، دون أن ندركَ ذلك كله فإننا لن نستطيع الإفلات من أسْره وطغيانه على نفوسنا وعقولنا ومشاعرنا، وسنظل نتعامل معه بصيغة تبجيلية ربما تصل إلى حدّ التقديس والعبادة!

يرى الرفاعي أن التراث بمعنى مجموعة الممارسات الدينية والعقائد والمفاهيم السائدة في حقبة معينة من حياة المسلمين، فهو مفهوم ثقافي أنثروبولوجي، كما يرى أن المجال مفتوح لنقد هذا التراث وتفكيكه، "إذ بوسعهم غربلة ونقد المسلمات والمسبقات والميول، والمسلّمات المعرفية لفهم الكتاب والسنة، والتطلعات الدينية الموروثة من عصور سالفة"، وتأتي اللغة – في نظره – متهمة هي الأخرى؛ فهي وسيلة التواصل والاتصال وحمل المعاني، وما دمنا نروم مواكبة إيقاع الحياة، وقبول الآخر، وإلغاء المنطق العقائدي الأحادي، والتخلص مما سمّاه الرفاعي "التعبئة الأيديولوجية"، إذن ينبغي علينا أن نهجر ونستبعد من قاموس حياتنا كل الكلمات والمصطلحات الدينية الموروثة، المشبعة بالكراهية والعنف، منذ أن اشتجر الخلاف واستعر الصراع العنيف بين الفِرَق المختلفة، وهي تلك الكلمات والمصطلحات التي نهجو من خلالها الآخر، ونحطّ من شأنه، ونحتكر بواسطتها مفهوم النجاة!

1014 الدين والنزعة الانسانية

إن اللغة – إذن – ليست بريئة من تفشي الكراهية، ونشر أفكار التشدد والتعصب، عبر الأساليب والجُمَل ذات الحمولة السلبية، التي تفرّق ولا تجمع، لذلك ينادي الرفاعي بأن تُطهَّر المقررات والمناهج الدراسية في سائر مراحل التعليم من كل مفردات ومصطلحات العنف والقدح والتشهير بالآخر، فذلك ضرورة يفرضها الواقع المعيش الذي يغصّ بالعنف والإرهاب والكراهية، ولا يتوقف الأمر عند حدّ تطهير لغة المقررات الدراسية فحسب، بل لا بد من تأهيل المعلمين والمربين تأهيلا لغويًا يطهر اللغة من الكلمات المسمومة، إلى جانب تأهيلهم التربوي المعتاد، وكذا تأهيل الصحفيين والإعلاميين، بحيث يعرفون خطورة الكلمات والأساليب اللغوية ذات الحمولة السلبية، "وما يمكن أن ينجم عنها من تشويه لصورة الشركاء معنا في الإنسانية، فضلا عن شركائنا في المواطنة".

ويجعل الرفاعي من اللغة مدخلًا مهمًا وحاسمًا لفهم طبيعة القراءة السلفية التبسيطية أو الحرفية للنصوص؛ إذ إن قراءة النص بتلك الطريقة يعمل على تحجيمه، ويلبسه معنى واحدًا، ورؤية واحدة، دون أن يسبر أغواره، ويدرك مراميه، ويعرف تأويله، وما يحمله بداخله من عناصر روحية وأخلاقية وعقلانية، وهذا من نتائج القراءة المختزلة البسيطة، ويلاحظ الدكتور الرفاعي أن تلك القراءة، تحديدًا، هي السائدة في خطابات وفتاوى الجماعات الأصولية، التي "تنشد تدينًا مجوفًا، يفتقر إلى استيعاب المضمون التنزيهي المفعَم بالمعنى للتدين"، وهو تدين لا يعرف معاني الانفتاح والتعددية والثراء الجمالي والروحي، التي ترسّخ النزعة الأخلاقية والإنسانية قبل أن ترسخ الإيمان. وقد أجاد الرفاعي حقا في تشريح وتفكيك النظرة السلفية التقليدية إلى النصوص والحياة عمومًا، وهي نظرة لا عقلانية، تنبع من اللاتسامح، وتحض على العنف والكراهية، وتفرغ الدين من معانيه السامية ومحتواه الروحي والأخلاقي والعقلاني. والحال ان استحضار هذا المحتوى والتركيز عليه كفيل بالقضاء على كل مظاهر الكراهية وبُغض الآخر، لكن هيهات؛ فالسلفيون لا يرون الإسلام إلا دينًا مغلقًا على نفسه، وتراثه لا نهائيًا في التاريخ، ويستدعون بحماس منقطع النظير مفردات وتقاليد وثقافات البيئة البدوية القاسية التي نزل فيها الإسلام، دون اعتبار للتطور ودينامية الاجتماع البشري!

وبذكاء الباحث وتمكنه من أدواته، يغوص عبد الجبار الرفاعي في عُمق المشكلة، فيربط بين قساوة البيئة التي شهدت ارتباط الإسلام في نزوله بها، وطبيعة نمط التمدن الحاكم آنذاك، وبين تصورات المسلمين المتوارثة عن مفهوم الإلهيات، إذ "ترتكز الإلهيات الموروثة على بنية تستعبد الآخر، وتكرّس مركزية مطلقة، تجد مثالها الأرضي في الخليفة أو السلطان، وحكومته الشمولية المستبدة"، فصورة الإله التي تتجلّى في مخيالهم وأذهانهم هي صورة الإله المستبد، الأمر الذي جعلهم يلجؤون إلى تفسير النص الديني تفسيرًا قمعيَا أُحادي النظرة، يضج بالكراهية ممن يخالفهم في فقههم ومصطلحاتهم ولغة الخطاب الذي يتبنونه، فيحتكرون رحمة الله، ويحسبون أنفسهم أوصياء على المجتمع، كونهم يمتلكون وحدهم الحقيقة المطلقة، في الوقت الذي لا يكادون يذكرون فيه أي نصوص تتحدث عن الرحمة والعفو والغفران والرفق، ولا يعرفون سنة الله في التعارف وخلق الناس مخلفين: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ ۚ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمْ) [هود:118-119]،  أي أن أولئك السلف يتبنون أفكارًا لا تمت إلى روح الدين وجوهره ومقاصده بصلة أو وشيجة، الأمر الذي يجعل من أفكارهم مباءة خصبة لأي فكر متطرف إرهابي، يتعاطى مع المخالفين بالقتل والإبادة.

ويشير الرفاعي في معرض تفسيرهه للآية: "لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ" [البقرة:256]، إلى حقيقة لطالما تغافل عنها السلفيون، ممن يصرون على أن تلك الآية منسوخة بما سموه آية السيف، رغم أن القرآن كله لم ترد فيه، قط، لفظة (السيف)، هذه الحقيقة هي أن المعتقَد ما لم ينبثق الإيمان به من قناعة وجدانية، وإرادة قلبية، لا يمكن أن يلامس شغاف القلب، لأن النفاق لا ينشئ إيمانًا أو اعتقادًا، ذلك أن المعتقد ليس بمثابة الثوب الذي يُلبس ويخلع بسهولة، على حد تعبير الرفاعي، الذي أخذ في ذكر الآية الكريمة التي يتحدث فيها القرآن عن المشيئة الإلهية التكوينية الحتمية، التي بموجبها يمكن أن يجعل الله جميع من في الأرض مؤمنين قسرا وإكراها، لكن الله لم يفعل ذلك؛ قال تعالى: " وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ۚ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ" [يونس: 99].

ثم يُنهي الرفاعي هذا الفصل بذكر طائفة متتالية من الآيات البينات، التي تحدد نمط دعوة الرسول الكريم الآخرين إلى الدين، فيصفه تعالى بأنه: مذكِّر، مبشر، منذر، شاهد، سراج منير، رحمة للعالمين، مبلِّغ، ليس على الناس بمسيطر أو بجبار... وما ذلك كله إلا لأن الله تعالى يمنح الإنسان حرية الاختيار، وطبيعي أن لا يكون ثمة حساب في الآخرة ومسؤولية مع سلب الاختيار في الدنيا.

ويختم الرفاعي هذا المبحث بسؤالين إنكاريين لعلّ الغافلين الجامدين يفهمون مغزاهما، وهما: إذا كان النبي، وهو صاحب الرسالة، لم يفوَّض في إجبار الناس وإكراههم، فكيف يفوَّض غيره بذلك؟! وإن كان ذلك ليس من وظائف النبي، فكيف يسوغ لمن يدّعون أنهم من أتباعه سلب حرية الناس ومصادرة حقهم في اختيار المعتقد؟!

إن الإجابة عن هذين السؤالين المهمين كفيل بأن نفهم من أين تأتي الكراهية؟ ومن أين تشتق مفرداتها في محيطنا المعرفي؟ إنها تأتي ممن يفرضون وصايتهم على غيرهم، ويشنّعون عليهم، اعتقادا منهم بأنهم يحتكرون حصريا مفهوم النجاة، ويهجسون بهاجس التراث، دون النظر إلى كونه إنتاجا بشريا، وفهما للدين وليس هو الدين نفسه، لذلك ما على المصلحين والباحثين عن الحقيقة سوى الإعلان عن المهمّش والمسكوت عنه، وفضح السائد والمتغلب في التراث، على حد تعبير الدكتور الرفاعي.

وفي الفصل الأول من كتابه: (الدين والاغتراب الميتافيزيقي) يرى الرفاعي أن (الرحمةَ مفتاحُ فهمِ المنطق الداخلي للقرآن). وكل ما جاء في القرآن معارضًا لذلك يعبر عن ظروف تاريخية خاصة فرضتها الظروف القاسية التي عاشتها الدعوة في مجتمع البعثة النبوية الشريفة. ويخلص د. الرفاعي إلى أن: (السِّلْمَ وليس الحرب هو الهدفُ المركزي الذي يرمي إليه القرآن. القاعدةُ التي أسّسها القرآنُ هي السِّلْم كما تتحدّث عنه كثيرٌ من الآيات، ومنها هذه الآية: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً" [البقرة، 208]. إذ ورد "السِّلْمُ" والكلمات ذات الصلة به في القرآن بحدود 140 مرة).

 

أحمد رمضان الديباوي، كاتب مصري

 

منى زيتونلا يتعلق النفاق بالدين وحسب، بل كثيرًا ما يدّعي الناس إيمانهم بقيم ومبادئ اجتماعية في الظاهر، ونلمس منهم في الباطن سلوكيات تتعاكس تمامًا مع صحة الاعتقاد بهذه المبادئ!

العلاقات الثلاثية!

ما أسُميت العلاقة الزوجية بهذا الاسم إلا لأن لها طرفين فقط لا ثالث لهما؛ هما الزوجان. ولعل أحد أهم أسباب فشل تلك العلاقة هو تحويلها إلى علاقة ثلاثية third party؛ بتدخل طرف ثالث من جهة الزوج أو الزوجة، وغالبًا لا نفهم سبب الفشل إلا بعد فوات الأوان!

قد يكون الطرف الثالث مستشاري سوء، طُلبت مشورتهم وغشوا من طلبها، ولم ينصحوا له، أو منحشرين طويلي الأنوف، دسوا أنوفهم في العلاقة، وبدأوا يتكلمون ويلوكون ما يخربها.

في العادة يكون أغلب المنحشرين نساء من العائلة، وأغلب مستشاري السوء رجال من الأصدقاء، وقد نبهنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أنه من الأمانة –ولا إيمان لمن لا أمانة له- أن ننصح للآخرين بما نعلم أن فيه نفعهم. قال عليه الصلاة والسلام: "الْمُسْتَشَارُ مُؤْتَمَنٌ". لكن بعض الناس يغش من يطلب نصحه، ويشير عليه بما يفسد حاله. ليس صديقك من كلما أشار عليك عدت إلى أسوأ حال! وإن كانت مشكلة بعض الناس أنهم لا يستشيرون أحدًا، فمشكلة آخرين أنهم يستشيرون كل أحد! وتحديد الإنسان موضع مشورته هو أحد أهم أسباب نجاحه أو فشله في علاقاته الاجتماعية، وفي الحياة بوجه عام.

كما أخبر الرسول عليه الصلاة والسلام أن أكثر أهل النار من النساء؛ ذلك أن هناك صنف منهن يشغلن بالهن بما أنعم الله به على غيرهن، ويتناسين ما أنعم به عليهن مهما كثر، ويجدن راحتهن عند زوال النعم من الآخرين -أو بالأدق الأُخريات-، بينما إن تحدثن عن الرضا -الذي تلوكه ألسنتهن ولا تعرفه قلوبهن- ظن من لا يعرفهن أن الواحدة منهن وليّة من أولياء الله! هذه حقيقة، ولهذا فكثيرًا ما تفسد العلاقات الزوجية عندما يتدخل فيها هذا الصنف من النساء على وجه الخصوص.

في حالات الرجال الذين يرتبطون كثيرًا بعائلاتهم، كثيرًا ما يطلب هؤلاء مشورة نساء العائلة كالأم أو الأخت ومن لهن منزلة عنده؛ متصورًا أنهن سيُشرن عليه بالصواب، بينما إن كن قليلات العقل فهن سيخترن له ما يكون أنفع لهن لا له، حتى وإن كان في ذلك تفويتًا عليه لفرصة الاقتران بامرأة مميزة، أو خرابًا لعلاقته الزوجية القائمة مع زوجة صالحة؛ ذلك لأنهن متعلقات به ولا يردن من تنازعهن في قلبه. وفي رأيي إن هذا منتهى الأنانية.

وكثيرًا ما يعمل الطرف الثالث وفق مقولة "فرِّق تسد"، والتي لا زالت مقولة صحيحة على جميع المستويات؛ من مستوى العلاقات الشخصية، وصولًا لمستوى سياسات الدول! ومرحلة استفادة الطرف الثالث تنتهي عندما يقرر أحد الطرفين الاقتراب من الطرف الثاني، وعندها يصيران أقرب لبعضهما من المسافة التي بين أي منهما والطرف الثالث؛ فالحل الأمثل فيما يخص العلاقات الزوجية تحديدًا أن تبقى زوجية، فلا طرف ثالث في العلاقة.

لكن قد يذهب الطرف الثالث ويبقى الخلاف! بسبب عدم قيام الطرف الذي ينبغي عليه أخذ زمام المبادرة بدوره، أي تتحول المشكلة من مشكلة "طرف ثالث" إلى مشكلة "عدم إدراك متطلبات الدور الاجتماعي"؛ وفي العلاقات الشخصية، فإن كثيرًا من المشاكل في هذا النطاق تنشأ من عدم قيام الرجل بدوره الاجتماعي. إذًا، فقد تبقى المشكلة قائمة لأن التسامح بين الطرفين قد يحدث مع استمرار التباعد، ويظل التباعد قائمًا ما لم تحدث المبادرة من الطرف الذي ينبغي عليه أن يبادر. وجانب كبير من مشكلاتنا الاجتماعية -على تنوعها- ينبع من عدم تربيتنا على أخذ زمام المبادرة فيما ينبغي علينا أن نبادر نحوه. سبق وأن ناقشت تلك القضية من قبل، والتي تتصل بتحولات مفهوم "الدور الاجتماعي الذكري" في مقال سابق. وباختصار، فإن كثيرًا من الرجال في المجتمع المصري حدثت لهم طفرة اجتماعية سلبية غيرت طريقة تعاملهم مع النساء، فلا احترام للمرأة ولا مبادرة نحوها!

وعودة إلى الأنانية في الحب، والتي تجعل الأناني يقدم مصلحته على مصلحة من يدعي حبه، وهي من أكثر أشكال النفاق الاجتماعي شيوعًا؛ ويلزمنا لنفهمها أن نتعرف إلى مفهوم نفسي يُعرف باستحقاق الذات Self entitlement، يعني أن لدى شخص ما شعور بالثقة أن من حقه امتيازات فوق الآخرين، تظهر في توقعات غير منطقية عما يحق له الحصول عليه، سواء تمثل ذلك الحق في معاملة خاصة أو موارد إضافية، ومهما يأخذ يريد المزيد، وإعطائه ما ليس من حقه مرة هو تعزيز لهذا السلوك وسبب رئيسي في استمراره حتى يتحول لوحش.

وفي العلاقات الاجتماعية قد يستشعر مثل هذا الفرد بأن من حقه أن يتدخل في تسيير حياة الآخرين بما يضمن تحقيق مصالحه كأولوية قبل مصالحهم! فهؤلاء الأفراد يفتقدون التعاطف ويتسمون بسلوكيات أنانية غير مسئولة، ويمكن أن تبرز في أشكال عديدة، كمن تريد ابنتها بجانبها فتلحقها بجامعة متواضعة حيث تعمل في دولة خليجية بينما البنت بإمكانها أن تلتحق بجامعة أفضل بعيدة عن الأم، ومن تريد أن تُطلق ابنتها كي لا تكون بعيدة عنها! وغيرها من الحالات. وأغلب هذه السلوكيات الاجتماعية غير الواعية تصدر عن نساء وليس رجال! وما أفهمه أن الحب الحقيقي يجعلني أقدم مصلحة من أحب وليس مصلحتي، بينما أمثال هذه الحالات هي حالات حب للنفس واستحقاق للذات توضح درجة منخفضة للغاية من النضج الانفعالي، ودرجة أكثر انخفاضًا من الذكاء.

إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا!

قال أجدادنا: الشر الحقيقي ليس في العدو الظاهر بادي العداوة، بل الشر فيمن يظهر المحبة ليتقرب منك ويؤذيك، والأكثر شرًا من لا يحتاج إلى التقرب لأنه قريب! ويُفسد ما بينك وبين الناس، وهو يدعي أنه يناصرك ويساعدك في تحقيق أهدافك!

والعاقل من يعيد تقييم الناس من خلال مواقفهم أولًا بأول، ويتساءل: هل فعلًا أدى ما يفعلونه إلى تحقيق أهدافه أم أنهم على العكس جعلوها أبعد منالًا؟! ولا يغتر بما يظهرونه من مؤازرة باللسان تعاكس الفعل. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾.

خواطر جاءتني بعد مراجعة مشكلة لحالة عُرضت عليّ، تسببت فيها عقربة من ذوات القرابة لصاحب المشكلة، ثم تسببت في تفاقمها، بينما هي تدعي الإصلاح!

***

منذ أكثر من خمسة عشر عامًا اختلفت إحدى صديقاتي المقربات مع زوجها خلافًا كبيرًا، وصل إلى أن تركت منزل الزوجية وانتقلت للإقامة في منزل والديها.

لا أتذكر أي تفاصيل عن أسباب الخلاف، ولا إن كان يستحق ردة فعلها أو لا. لكن كأي زوجين محبين، وبينهما عشرات المعارف المشتركين كان من الطبيعي أن يلين موقفهما بعد فترة قصيرة، وصار جميع معارفهما يلمس منهما الرغبة في الصلح، لكن الغريب أنهما لا يصطلحان!

كانت حماتها وبعض المقربين منهما يذهبون لإعادتها إلى بيتها، فما تلبث أن تشتعل الجلسة، وترفض أن تعود معهم! وزوجها بعد أن كان يتمنى عودتها، بدأ يسترجع عيوبها ويعددها! وتكررت محاولات الإصلاح المزعومة عدة مرات.

أذكر بعد ما تكرر هذا السيناريو أني قلت لها: من يحضرون إليكِ مدعين الرغبة في الإصلاح أحدهم نيته غير سليمة. الشيخ الشعراوي في تفسير الآية ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ قال: لو رأيتموهما لا يصطلحان اعرفوا أن من يتدخلون بينهما أحدهم على الأقل لا يرغب في الإصلاح.

بعد حديثي معها بأيام فوجئت بأنها رجعت بيتها، وسألتها عما حدث. قالت لي: كلامك كان صحيحًا، ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾، المشكلة فيمن كانوا يتدخلون. وتابعت: بالأمس أخو زوجي جاءنا ومعه فلان، ولا أعرف حتى الآن ما الذي حصل، فبعد أن كان مخي مغلقًا ولا أقبل فكرة الصلح، وجدتني أهُم بجمع متعلقاتي وأعود معهم لبيتي!

بعد هذه الواقعة رأيت في حياتي حالات كثيرة مشابهة، لا تقتصر على الصلح بين زوجين، فيمكن أن يكون مثلًا صلحًا بين أصدقاء أو حتى صلحًا بين أم وابنتها، أو طرفين يتعرفان وهناك جس نبض لمشروع زواج. وفي كل حالة كانت المساعي فيها تفشل، كان دائمًا ما يوجد أشخاص تدعي الإصلاح والتقريب بينما أفعالهم وأقوالهم تخرب وتوقع بين الطرفين، وتنخر في العلاقة نخرًا قد لا يُرجى بعده صلاح.

ولا يُشترط أن يكون من تصدر عنه هذه السلوكيات يفتقد الهناء في حياته، فهناك صنف من البشر يزعجه أن ينعم غيره بفضل الله ونعمه، أيًا كانت نوعية الفضل والنعمة، ويستكثرها عليه، وقد لا يمانع في محاولة تخريب حياة الآخرين، أو إشعارهم بأن ما هم فيه من نعمة ضئيل. يريد أن يشعر أنه الأفضل، حتى لو صار مثل عواجيز الفرح لا يعجبه شيء، أو بالأدق يدعي أنه لا يعجبه شيء.

استراتيجية الإلهاء (شُفت العصفورة)!

ردًا على تساؤل جاءني عن تنبيهي المتكرر في طيات بعض مقالاتي لضرورة وضوح الهدف تارة، وضرورة التركيز على مصدر المشورة تارة أخرى.

أقول: لعل كثيرين قرأوا عن استراتيجية الإلهاء التي تحدث عنها ناعوم تشومسكي، والتي تستخدمها بعض الحكومات للمحافظة على تشتيت اهتمامات العوام بعيدًا عن مشكلاتهم الحقيقية، لأنهم لو أفاقوا وانتبهوا وحددوا مشكلاتهم الحقيقة، وعرفوا السبيل الحقيقي إلى حل تلك المشكلات، فليس هذا من مصلحة تلك الحكومات. لكن أغلب الناس لا ينتبهون أن هناك من البشر من يفعل ذلك بنفسه في حياته الشخصية، أو يسمح لمستشاري السوء أن يفعلوه به!

عندما تواجه مشكلة وترغب في حلها، تذكر أن ليس المهم أن تفعل، بل المهم أن يكون لما تفعله قيمة، وإلا فإنك ستبقى تحرك قدميك في المكان ذاته، ولن تتقدم خطوة. وكما أن تشخيص الداء بشكل صحيح خطوة مهمة، فإن وصف الدواء الفعال خطوة لا تقل أهمية، فإن حاولت معالجة الداء بطريقة خاطئة قد تقضي على المريض وليس على العلة!

على سبيل المثال: رجل لديه خلاف مع زوجته التي يحبها وتحبه، بسبب موضوع جوهري، والعلاقة بينهما على مشارف الطلاق النهائي، وقد تركت له المنزل، بينما هو منشغل بمحاولة التواصل معها من خلال حسابات وهمية على الفيسبوك، وكلما أوقفت التعامل مع حساب من حساباته تلك لشكها فيه، التف ليتواصل معها من حساب آخر! وعندما طلب مشورتي رغبة منه في إصلاح علاقته بزوجته، وصارحني بما يفعل، والذي لم أكن أتخيل أن يصدر عن رجل مثله، نصحته بأن علاقته بزوجته لن تنصلح باستخدام هذا الهراء، فليس أكثر من إضاعة للوقت ولا عائد من ورائه، وعليه أن يتعامل معها من خلال شخصيته الحقيقية، لكنه لم يعبأ، ولا زال يركز على سلوكياته غير الناضجة! والنتيجة أن العلاقة بينهما تتدهور من سيء لأسوأ، على عكس ما يرجو!

والذي اكتشفته أنه لا يتمسك بتلك الأفعال الخرقاء فقط لأن انتفاخه وغطرسته تمنعانه من التعامل مع الموقف بإيجابية، ولكن وراء تمسكه بهذه السلوكيات ابنته المراهقة من زوجته الأولى التي تنصحه بها، معللة له الأمر بأن عليه أن يتأكد من كذا أولًا ثم كذا من خلال حواراته مع زوجته ومتابعته لها عبر الحسابات الوهمية! وتجعله كذلك يعزف في المقابل عن أي سلوك ناضج من جهته يمكن أن يصلح العلاقة الآيلة للسقوط، وهي تفعل ذلك عن وعي تام فيما يبدو لي، ومن ثم فهي بدلًا من أن تظهر له عدم موافقتها له على إعادة المياه إلى مجاريها مع زوجته، تستخدم معه استراتيجية الإلهاء بخبث وكيد نسوي مبكر ليبقى منشغلًا وملتهيًا بتفاهات!

حقيقةً، أصبحت أشعر في الآونة الأخيرة أن كل المشكلات الاجتماعية تبدو متشابهة بشكل أو بآخر من حيث مسبباتها، وإن اختلفت التفاصيل!

وقيعة تكنولوجية!

يبدو أن التطور التكنولوجي كما أسهم في تحسن تواصلنا الاجتماعي على نحو إيجابي، فإنه قد تسبب في الوقت ذاته في تطور جميع أشكال خبائث التواصل الاجتماعي، ومنها الوقيعة.

من أغرب محاولات الوقيعة التي حُكيت لي مؤخرًا، استخدام الحسابات الوهمية للوقيعة! وإليكم هذه القصة:

فتاة منافقة خبيثة تسعى إلى تخريب وتدمير علاقة صديقتها بخطيبها السابق، والتي كانت سبب خرابها منذ البداية –كما تكشف الآن-، وتريد أن تتأكد أنه لا يُرجى لتلك العلاقة انصلاح. قامت بعمل حساب وهمي على موقع الفيسبوك باسم رجل، ومراسلة صديقتها من خلاله، ثم أقنعت صديقتها أن هذا الحساب بلا شك لخطيبها السابق، وأنه يريد أن يجس نبضها لإعادة المياه إلى مجاريها، ثم أرسلت لها عبر الحساب الوهمي بطاقات حب، ورسالة فيديو محملًا بكلمات جميلة، تنتهي بأن تطلب من المرسل إليه إعادة إرسال الفيديو مرة أخرى للراسل إن كان يحبه.

كان المفترض وفقًا لمخطط الخبيثة أن تعيد الفتاة الطيبة إرسال الفيديو لذلك الحساب، ظنًا منها أنه حساب خطيبها الذي يطلب الصلح، لتقوم الخبيثة بإطلاع الخطيب على صور المراسلات بعد ذلك، لتبدو الصديقة الطيبة في عينه خائنة، تحاول جذب انتباه رجل آخر! لكن حدث ما جعل الفتاة الطيبة تكشف الحيلة.

نصيحتي الأثيرة للفتيات على وسائل التواصل الاجتماعي: تعاملي مع الظاهر، وطالما أن الحساب ليس حساب خطيبك أو زوجك، لا تدعي أحدًا يوهمك أن الحساب له، أو أنكِ يمكن أن تردي بطريقة تختلف عما يلزمك أن تردي بها مع الغرباء.

عريس بالإكراه!

في مقال سابق لي باسم "الأفكار والأفعال.. أيهما يؤثر في الآخر؟!" تناولت تلك الفرضية التي يفترضها علماء النفس عن وجود صلة بين المعرفة والسلوك، وقلت إني مع النظرة القائلة بأن تفكيرنا يتحكم في سلوكنا.

تذكرت هذا المقال بسبب موقف حُكي لي عن أم متعلمة جامعية لديها ولد وثلاث بنات. البنات الثلاث لا ينقصهن أي شيء؛ جميلات ومتعلمات تعليمًا راقيًا، ومنفتحات اجتماعيًا مع حُسن خلق، والثلاثة رافضات زواج الصالونات وتعتبرنه تمثيلية اجتماعية. ومن يعرف هذه الأم سيجد أنها دائمًا تتكلم عن حرية بناتها في تقرير أي شيء يتعلق بحياتهن، وأنها تحترم قراراتهن. اثنتان من البنات يعملن خارج مصر، أما الثالثة فهي من كان حظها أن يحدث لها الموقف الذي سنحكي عنه مع الأم.

في أحد الأيام تحدثت الأم مع ابنتها تلك حول أن هناك لقاء عمل ضروري ستحضرانه، وتفننت في إقناعها دون أن تجعل الشك يتطرق إليها بأنه لا يوجد أي غرض آخر لهذا اللقاء غير الحديث في مهمة العمل المتعلقة. وكأي شخص عملي ناجح جهزت الفتاة أوراقها واستعدت وفقًا للغرض المعلن، لكنها ومنذ أول لحظة في الجلسة مع الشخص الذي يُفترض أن يتفاوضوا معه بشأن العمل، فوجئت الفتاة بمحاولة من الأم لتغيير مسار الحوار والحديث عن الشخص نفسه! هنا فقط أدركت الفتاة أنها تعرضت لخدعة محكمة من أمها لتوريطها في زواج صالونات! وفي لحظة أخذت الفتاة القرار؛ أنا جئت لأجل الحديث عن العمل، ولم يُخلق من يضعني في موقف لا أرغبه، ويتصور أنه ورطني، ولو كان أمي.

تحكي لي الفتاة فتقول: في فيمتو ثانية قاطعت كلامها التعريفي عنه، وكيف أنه يطبخ لنفسه لأنه عازب ووو.... وكأني لم أفهم هدفها الحقيقي من اللقاء، وحمدت الله أن الأمر لم يكن كذبة برُمته، وأن هناك مهمة عمل بالفعل يمكن أن نتحدث عنها، وفردت الأوراق أمامي، وبدأت أناقش المهمة، وأكملت الجلسة كلها مثلما من المفروض أن تكون، وأنهيت الموقف على هذا النحو!

تقول الفتاة: أنا لا أعرفه، ولا يهمني أن أعرفه. المبدأ مرفوض في حد ذاته بالنسبة لي. وهو ليس مخطئًا، بل الخطأ يقع فقط على أمي، والتي التزمت الصمت تمامًا، وتجنبت الحديث في الموضوع وكأنها لم تدبر لشيء! مستغلة أن مهمة العمل حقيقية، وأنها تمت بالفعل.

قد نتفق مع الفتاة أو نختلف في رأيها من زواج الصالونات، لكن الأهم هو موقف الأم والتناقض بين أقوالها وأفعالها؛ بمعنى أن من يسمع كلامها عن حق بناتها في تحديد خياراتهن في الحياة، وطالما هن رافضات زواج الصالونات فهن أحرار، لا يرى ترتيبها المحكم للموقف واستدراج البنت للحضور لهدف آخر رئيسي غير الهدف الذي أخبرتها به.

ولعل من إشكالياتنا الاجتماعية الرئيسية في مصر أن المحيطين والمقربين –خاصة القرابات من النساء- لا يرون أن محاولة البحث عن عريس أو عروسة مناسبة سواء للفتيات والشباب -مع عدم ترحيب هؤلاء الشباب بذلك- يعد انحشارًا في حياتهم الشخصية! وكم من حالة قابلتني لشباب وفتيات تصادفهم سلوكيات عجيبة من بعض المحيطين بهم، يعجزون عن تفسيرها في البداية، ليكتشف الشاب بعدها أن فلانة تظنه خطيبها المستقبلي لأن أمه جسّت نبض أمها بشأن زواجهما! وتجد فتاة أن سيدة لا علاقة بينهما، تحاول خلق حوار عجيب معها، تكرر فيه كثيرًا اسم امرأة، وهي تتغامز وتتضاحك! بينما الفتاة لا تفهم ما يجري! لتعرف الفتاة بعدها أن أختها تتحدث مع تلك المرأة التي ذُكر اسمها عن عريس لها، بينما هي آخر من يعلم حرفيًا!

أعود لأقول: أفكارنا يجب أن تتغير أولًا لتتغير سلوكياتنا، وإلا سندخل في شكل من أشكال النفاق الاجتماعي، وادعاء اقتناعنا بأفكار لا نؤمن بها.

 

د. منى زيتون

 

عبد السلام فاروقثمة مخاوف وتساؤلات حول مصير الصحافة الورقية نشأت بسبب ذلك الهجوم الكاسح والنجاح الهائل والمتواصل للصحافة الإليكترونية، بحيث باتت تمثل عفريتاً أو لصاً بإمكانه أن يسرق من الصحافة الورقية عرشها التاريخى .. فهل من الممكن أو من المقبول أن يحدث مثل هذا الأمر فى مصر؟

مخاوف لها أساس

المهتمون بالصحافة المصرية لديهم كل الحق فى أن يشعروا بالقلق والخوف من تراجع دور الصحافة الورقية إلى درجة الانهيار أو الاندثار، ليس فقط بالنسبة للصحف المستقلة بل والقومية، بعضها أو جميعها، وهناك مرتكزات وأسباب لهذه المخاوف:

1- إن هناك صحف عالمية قررت إيقاف طباعة النسخ الورقية بالفعل والاكتفاء بالنسخة الإليكترونية مثل صحيفة "الإندبندت البريطانية" .

2- صحف أخرى عالمية واسعة الانتشار غدت على حافة الإفلاس مثل "اللوموند الفرنسية" بسبب ضعف مبيعات النسخ الورقية رغم نجاح النسخ الإليكترونية وسعة انتشارها .

3- تراجع توزيع الصحف القومية والمستقلة المصرية مؤخراً بدرجة مثيرة للهلع، مع ارتفاع تكلفة الطباعة، بحيث صارت تمثل عبئاً مالياً سببها الفجوة المالية بين التكلفة الفعلية وسعر البيع .

4- تراجع عائدات الإعلانات لأسباب كثيرة تتابَع حدوثها خلال السنوات الأخيرة .

أزمات ومتاعب ومشكلات

لا يوجد من لا يعانى من أزمات ومتاعب ومشكلات سواء على المستوى الفردى أو الجماعى أو المؤسسي أو الدولى .. ولا توجد مشكلات تستعصى أو تستحيل على التحليل أو التحايل أو الحل .

هناك عشرات المشكلات والمعوقات مرت بمهنة الصحافة منذ نشأتها، وتم تجاوز المعوقات وتحقيق المنجَزات . ثم إذا بالصحافة تصادف رتلاً من المشاكل المتفاقمة والأزمات المتلاحقة، وإذا بالبعض يدعى أنها القاصمة وأن الاستسلام للمصير المظلم هو الحل الوحيد !

وليس من قبيل المبالغة القول بأن الصحف القومية هي بمثابة رموز قومية أو كنوز وطنية لا ينبغى التفريط فى شئ من مكتسباتها التى تراكمت على مدى أجيال مضت . لأن الأمر يتجاوز مسألة المطبوعة أو الصحيفة المنشورة، فليست الصحافة المصرية مجرد كلمات وأخبار تُكتب، وأوراق وأحبار وأخبار تُطبع ثم توزَّع، بل هى صروح تاريخية ارتقت عبر الأجيال المتعاقبة، وإن محاولة هدم تلك الصروح أو أجزاء منها يشبه محاولة هدم برج القاهرة أو أجزاء من أبى الهول .

لذلك فإن الحرص على الصحافة القومية ومكتسباتها ومؤسساتها مهما كانت الخسائر والأثمان المؤقتة أمر فى غاية الأهمية، ليس لهذه المؤسسات فقط، وإنما للدولة المصرية بأسرها ومكانتها الإعلامية والسياسية .

فلا يجب مثلا المساس برموز صحيفة قومية كالجمهورية أو الأخبار أو الأهرام، ولا ما يتعلق بها من مؤسسات فرعية وإصدارات دورية، لأنه يعد مساساً بقيمة مصر الثقافية والتراثية ومكانتها التاريخية التى لا تنال إلا بمثل تلك الروافد المهمة من القوى الناعمة ذات التأثير الإقليمى والعالمى الممتد .

لكن الاعتراف بوجود أزمة تواجه مستقبل الصحافة الورقية هو اعتراف ضرورى ومطلوب، لكن ليس من أجل وأدها واغتيالها، وإنما لمحاولة إحيائها وبعثها من جديد ثم تطويرها وإعادة تدويرها على النمط العصرى الحديث . نعم لا ينبغى التكتم على الأزمة أو تجاهل المعضلة كأنها بلا وجود . لكن الحديث عن مصير حتمى مخيف تنساق إليه الصحافة الورقية هو حديث متسرع مجافى للمنطق السديد والحكمة السياسية الرشيدة .

أوراق فى مهب الشهب

تعرضت الصحافة الورقية خلال السنوات الأخيرة الماضية لألوان من المتاعب والأزمات تحدَّث عنها المراقبون للشأن الصحفى والملامسون للأزمة عن قرب، ويمكن تصنيف هذه المتاعب وتلخيصها فيما يلى:

1- أزمات مالية:

عدد من المشكلات المالية برزت واستفحلت فى مواجهة المؤسسات الصحفية لعل أهمها:

- تراجع المبيعات وانخفاض التوزيع بنسب تجاوزت 50% عما كان قبل بضع سنوات مضت.

- مؤسسات صحفية قومية كبرى بدأت تعانى من ديون متزايدة نتيجة لذلك، والأمر مستمر ويزداد .

- الفجوة الكبيرة بين التكلفة وسعر البيع بالنسبة للمطبوعات اليومية والدورية .

- قرارات وتشريعات فاقمت الأزمة كقرار تحرير سعر الصرف، مما سلب من الصحف دخلاً سنوياً كبيراً يقدر بالملايين .

- ارتفاع تكاليف الطباعة والخامات بسبب التضخم .

- تراجع عائدات الإعلانات لأسباب كثيرة كالقرارات العشوائية ووجود بدائل أقل تكلفة مثل وسائل الإعلام الإليكترونية .

2- أزمات فنية:

تزامنت المشكلات المالية للصحف مع مشكلات داخلية فنية من أهمها:

- تفشى المحسوبيات والبيروقراطية بين أروقة العمل الصحفى مما أنهك المهنية فى الأداء.

- الاتجاه نحو أساليب صحافية تضعف الأداء الفنى كاللجوء لأسلوب الصحافة الصفراء المفتقرة للمصداقية أو غير الملتزمة بأخلاقيات المهنة، أو الاتجاه نحو الإغراق فى التدنى اللغوى .

- غياب الأسماء الأدبية والصحفية الكبرى من كتاب لهم جماهيرية كما كان فى الماضى .

- تسرب الأخطاء اللغوية للمحتوى الصحفى بعد أن كانت الصحف بمثابة المرجع اللغوى والأدبى الأول للقراء.

- الفجوة الهائلة بين المستوى الفنى للصحف شكلاً ومضموناً وبين الصحافة العالمية أو حتى الإقليمية . كما أن الصحافة الإليكترونية تتمتع بمزايا كبرى تجعل طريقة العرض والشكل المبهر الجذاب لعيون المتابعين لا يكاد يقارن بالشكل الروتينى الكئيب للصحف المقروءة، مما أدى إلى عزوف القراء عن متابعة الصحف وانصرافهم نحو الصحافة الإليكترونية عديمة التكلفة والأكثر جاذبية.

- بروز عيوب فنية لم يكن ينبغى أن تتسلل للصحافة القومية كتدنى مستويات الدقة فى النقل والمصداقية فى المصادر والتحرير والجمود فى المحتوى والإملال والروتينية فى اختيار المانشيتات بحيث باتت وجبة الصحافة وجبة ثقيلة على رأس وعين القارئ .

3- أزمات قهرية:

هناك أزمات أخرى حدثت بسبب مؤثرات خارجية عامة، أصابت كل المؤسسات الاستثمارية أو الحكومية الأخرى، ومنها المؤسسة الصحفية، مثل:

1- مؤثرات إقليمية:

- بزوغ الصحافة الإقليمية فى ثوب تنافسى أقدر على غزو السوق العربى، وظهور دور للأموال الخليجية التى تجتذب الكوادر المصرية المتميزة من الفنيين والعمال والإعلاميين، ما يؤثر سلباً على واقع الصحف المصرية داخلياً .

- السباق الإعلامى الإقليميى المحموم لم يعد فى صالح الصحافة المصرية بصفة عامة بسبب الفجوة التمويلية .

2- مؤثرات محلية:

- أزمة الدولار وتراجع سعر صرف الجنيه المصري بسبب التعويم .

- ارتفاع التضخم وزيادة أسعار الخامات كالورق والأحبار .

- قرارات وتشريعات متسرعة تصب ضد مصلحة المؤسسات الصحفية .

- المتغيرات السياسية محلياً وإقليمياً .

3- أزمات عالمية:

- انسحاب البساط من تحت أقدام الصحافة الورقية لصالح الصحافة الإليكترونية هو أزمة عالمية، غير أن دولاً أخرى استطاعت أن تخلق حلولاً وتحتال على الأزمة فى حين ظللنا نمارس سياسة رد الفعل دون إحداث فعل استباقى .

آفاق الحل

الانطباع العام السائد أن هذه الأزمة شبيهة بالنار تحت الرماد لا يشعر بها إلا القريبين منها، ولهذا لا يتحدث عنها إلا القليل، ولا يقترح لها حلولاً إلا أقل القليل، ما يعنى أنها لم تبرز للسطح ولم تشكل بعد قلقاً عاماً داخل الوسط الصحفى، ربما لأن لسعة الرماد باردة، وربما لأن البعض اختار أن يدير ظهره لأزمة لم تولد بعد .

لكن الحلول موجودة دائماً فقط لو توافرت الإرادة والإدارة لإيجاد حلول استباقية قبل أن تعلو الجذوة من باطن الرماد ويمتد لهيبها فى سرعة لا يستطيع أحد ملاحقتها .

ويمكننا هنا طرح بعض الخطوط العريضة لفك رموز الأزمة تمهيداً لحلها أو حلحلتها خلال فترة زمنية محددة طبقاً لخارطة طريق متفق عليها بين الجماعة الصحفية وحكمائها .

وفيما يلى نستعرض بضع مقترحات ربما تمثل خطوطاً عريضة لها ما بعدها:

1- لا بد من تفكيك المشكلة إلى أجزاء صغيرة يسهل حلها، بحيث يتم الاستعانة بالمتخصصين لدراسة كل جزئية على حدة كل فى تخصصه . فالمشكلات المالية يعالجها مختصون واقتصاديون داخل المؤسسة الصحفية وخارجها، والمشكلات الفنية يعالجها أكاديميون وخبراء فى الأداء الصحفى والإعلامى "كالشكل والأداء المهنى وجودة المحتوى والمنتَج الإعلامى التنافسى" .

2- طرح الأزمة على نطاق أوسع بين جميع العاملين فى مهنة الصحافة فى شكل جلسات نقاشية مستمرة، مع الاهتمام أكثر بآراء حكماء وشيوخ المهنة حتى ممن تركوها بعد سن المعاش أو ما شابه، كذلك الاهتمام بآراء من يعملون بكواليس الصحافة كالإداريين وعمال المطابع والتوزيع، فربما كانت لديهم زوايا رؤية وآراء قيمة يغفل عنها آخرون .

3- البحث عن حلول غير تقليدية خارج الصندوق من خلال جلسات العصف الذهنى والفكرى لأصحاب الحلول والرؤى والأفكار الجادة .. ثم تفريغ نتائج الجلسات لاختيار الحلول المناسبة وتنفيذها تباعاً .

 

عبد السلام فاروق

 

من المعروف ان المراهقة هي المرحلة العمرية الممتدة بين الطفولة والنضج، وتختلف هذه المرحلة من شخص لاخر ومن بيئة لاخرى من حيث الجنس والتنشئة الاجتماعية كل حسب مجتمعه..

كل واحد منا مر بتلك المرحلة الصعبة التي مرت بسلام عند بعضنا في حين احدثت شرخا عانى منه البعض الاخر ماتبقى من حياته..

ومما لاشك فيه ان هذه المرحلة تعتبر من اخطر المراحل العمرية لما لها من تاثير على شخصية المراهق/ة،، فهي المرحلة التي تشهد ثورة فسيولوجية ونفسية تحدث اضطرابا ملحوظ عند المراهق/ة اذا لم يتم التعامل معها بحكمة فانهة كفيلة بان تترك اثارها السلبية فيما بعد..

ان المراهق/ة في هذه المرحلة يكون حساسا جدا تجاه المواقف والعبارات الموجهه اليه، اذ يقوم بتاويل اي كلمة او نصيحة حسب مزاجه، فتراه تثور ثائرته عندتوبيخه او توجيه نصيحة ما اليه، اومطالبته بالدراسة، او الاقلاع عن ظاهرة جديدة عليه كالملابس الغريبة التي يعتبرها موضة، او قصة الشعر، او النطق بكلمات سوقية تحت اي بند، اوالاصرار على صديق يراه الاهل غير مناسب، وهكذا، فتراه يخترع الاكاذيب لتمرير موقف مابل ويصر على ان تصرفه صحيحا والاخرين كلهم على خطا..

ومن هنا تبدا العقدةالتي تتطور الى مشكلة ثم الى معضلة في ظل اصدقاء السوء الجاهزين دائما لاسداء النصائح الهدّامة وجعله يشعر بانه مضطهد من قبل اهله وان عليه التمرد لاثبات شخصيته وبانه لم يعد طفلا حتى وان كان ذلك برفع صوته اوفعل اي شئ يثبت به وجوده كالتهديد بترك البيت او ايذاء نفسه وقد يتفنن بهذا الامربوجود،  الوجه الاخر للنت الذي يجد المراهق/ة فيه ضالته لاقناع نفسه حتى وان كان مخطئا، ناهيك عن ان مدة اصغاءه واستيعابه للنصح التي لاتتعدى العشر دقائق بعدها يبدا بالتذمر واشغال نفسه باي امر، اي انه يتصرف كحاضر غائب يتظاهر بالاستماع في حين انه شارد الذهن يرتب لامر ما في ذهنه، اي حجة للخروج، اختلاق كذبة ما، اوالتمارض كي لايؤدي الامتحان وهكذا..

ان التعامل مع المراهق/ة امرا ليس سهلا ابدا بل يتطلب حكمة وصبر وموضوعية ونفس طويل لاحتواءه، وذلك يتم عن طريق:

1- مصادقة المراهق/ة من قبل الابوين واحتواءه باسداء النصح عن طريق الايحاء وليس مباشرة، وان يكون تحت انظارنا من بعيد او من قريب.

2ه -الابتعاد عن مقارنته باقرانه لان ذلك يشعره بالنقص.

3-عدم توجيه الانتقاد اللاذع خصوصا امام الاخرين لان ذلك يكسر نفسه ويجعله يشعر بالخجل.

4-الاستماع اليه ومحاولة مشاركته مشاكله مهما كانت، واشعاره بان هناك ملاذ امن يمكنه الرجوع اليه حتى وان كان مخطئا لحل مشاكله لئلا يقع باخطاء كبيرة يتعذر عليه حلها بمفرده.

5- معاملة جميع الاخوة والاخوات بنفس المعاملة دون اي فروق، وذلك هو الخطا الكبير الذي يقع فيه الابوين، فتراهم يجلون الابن الكبير ويبالغون بتدليل الصغير، وتلك مشكلة كبيرة تؤثر سلبا بنفس المراهق/ة.

6- اعطاؤه مساحة من الحرية المشروطة، والابتعاد عن الضغوطات الخانقة التي ستقوده فيما بعد الى التمرد والثورة.

7- اعطاؤه ثقة مع مراقبته من بعيد اي اننا نعطيه ثقة وان كنا لانعتمد على تلك الثقة، لكن علينا ان نشعره بانه مسؤول عن نفسه التي هي وديعة عنده لكي نعززفيه الثقة بنفسه وبالاخرين.

8- خلق وتشجيع موهبة ما يجد فيها متنفسا له في اوقات فراغه وقد تعود عليه فيما بعد بالنفع وتكون مصدردخل ثان يعتمد عليه في حياته..

واخيرا ان تنشاة الطفل من البداية تنشاة صحيحة قائمة على الاحترام المتبادل والثقة حتما ستمتد الى مراحل المراهقة والنضوج فيما بعد، اي ان نجعل نفسه تمنعه من الخطا والانحراف، بتعزيز الوازع الديني والاخلاقي عنده منذ الصغرلان "التعلم في الصغر كالنقش على الحجر" وذلك بزرع قيم الفضيلة عنده وبذلك نكون قد حصنّاه ضد كل انواع الرذيلة، قال تعالى"ونفس وماسواها فالهمها فجورها وتقواها قد افلح من زكاها وقد خاب من دسّاها"..الشمس

 

مريم لطفي

 

أن تَكتُب عن التجدّد الحضاري يعني أن تَكتُب عن الإنسان والوطن والزمن، وفي الوقت عينه عن المستقبل والحاضر والماضي. ولكلّ من هذه الأقانيم معضلاته ومشكلاته في وطننا العربي الكبير.

فالإنسان العربي مٌمزّق بين هُويّة  يَنشدُها ويبحث عن طريق لتحقيقها، وهي الهويّة العربيّة الجامعة والحضاريّة، وبين هويّات تُفرض عليه فيعيشها رغماً عنه كالهُويّات الطائفيّة والمذهبيّة والمناطقيّة والإثنيّة، أو هُويّات يتعايش معها كالهُويّات الوطنيّة القُطْريّة التي ترسّخت على مدى عقود ما بعد الإستقلال.

والإنسان العربي ينشد الوحدة لكنّه يعيش التمزّق . وينشد التقدّم لكنّه يعيش التخلّف بأسوأ مظاهره. وإذا كان لجيلنا أن يعايش عصر المدّ القوميّ أو بعضاً من تجليّاته في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، فإن الجيل الحالي يعيش، ليس فقط داخل أسوار وطنه الصغير، بل في قمّعة الطائفة والمذهب والعرق والمنطقة. واذا كان لجيلنا ان يرفع رأسه مُفاخراً برحيل الإستعمار، فإن الجيل الحالي يشهد عودة هذا الإستعمار بطلب من بعض ممن يدّعون الحريّة والسيادة والإستقلال أو بسبب إرتهان بعض الأنظمة له.

لقد عاش جيلنا عصر المدّ القوميّ العربيّ بإيجابيّاته الكثيرة وسلبيّاته، بنجاحاته واخفاقاته، وسلعد على ذلك تعليم الشباب الجامعي في اغلب تخصصاته وجامعاته مادّة عنيت بالجغرافيا السياسية والاقتصادية والمعرفية للوطن العربي منم محيطه الى خليجه.. أمّا الجيل الحالي فإنه بعيد كل البعد عن دراسة هذه المادّة موضوعيّا وعلميّا، فضلاً عن أنّه يعيش اللحظة الراهنة من خلال إغراقه بسيل من المعلومات والأخبار التي يبثها الإعلام بمختلف وسائله وعبر وسائل التواصل الإجتماعي، دون أن يدري ابناء هذا الجيل أن وكالات الأنباء الأساسيّة في العالم التي توزع المعلومات والأخبار الأساسية على مدار الساعة هب وكالات مملوكة من قبل كارتيل إعلامي وسياسي واقتصادي مرتبط بالصهيونيّة والاستعمار. وبالتالي فإن جُلّ ما يُقدّم الى الإنسان بعامّة، والى الإنسان العربيّ بخاصة، انما يأتي في اطار خدمة اهداف ومخطّطات القائمين على هذا الإعلام.

ويكفي ان نشير الى انه بعد احداث 11 ايلول 2001، استعرضت مساعدة وزير الخارجيّة الأميركي للشؤون التعليميّة والثقافيّة السيدة باتريشيا هاريسون، أمام لجنة الشؤون الدوليّة في مجلس النوّاب الأميركي، الجهود الديبلوماسيّة لسياسات الإختراق الثقافي في العالمين العربي والإسلامي. وقد جاء على لسان السيدة هاريسون أن الإستراتيجية تقوم على اساس التفاعل مع الجماهير الأجنبيّة لتعزيزتفهم هذه الجماهير للقيم والسياسات والمبادرات الأميركيّة، وتضيف لقد تمّ تعديل وجهة التمويلات بهدف الوصول الى النُخب ، لاسيّما المؤثّرين على الشباب، ابتداء من وزراء التربية الى المعلّمين الى رجال الدين. وتضيف السيدة هاريسون: إن مواد مكتب برامج الإعلام الخارجي المنشورة باللغة العربيّة تستخدمها السفارات الأميركية وتزّود بها الصحف والأكاديميّين والسياسيّين والإقتصاديّين،... وهناك اكثر من 140 زاوية أميركيّة تعمل ضمن برنامج "اميركان كورنر" في الجامعات او المكتبات تزّود الباحث بمعلومات عن الحياة في أميركا  وحول الحكومة الأميركيّة (1).

ولو بحثنا عمن يعدّ مناهج التعليم حديثاً في بلداننا العربيّة، لوجدنا بصمات البنك الدولي في غالبة . وقد جاءت نتائج هذه المناهج مخيّبة للآمال على مستوى جودة التعليم ومخرجاته في بُعديه الأدبي والعلمي. لقد قُيّض لي وانا استعدّ لكتابة هذا البحث المختصر ان اشارك في بحث آخر مع اخصائيين حول الواقع التعليمي في بعض الدول العربية الغنيّة، التي تَصرف على التربية والتعليم فيها ما يوازي ما تصرفه الدول المتقدمة، إلا أنها تحلّ في مراتب جد متأخرّة في السلّم التعليمي العالمي. وما ذلك الا بسبب المنهج التعليمي المُعتمد، مضافا اليه تسفيه مهنة التعليم، وتعظيم استقلاليّة الناشئة وشيوع وسائل التواصل الإجتماعي بغير ضوابط، والسقوط في براثن التعصّب والتطرّف أو في براثن الإستهتار واللامبالاة .

يشيرمدير مركز الحوار العربي في واشنطن الأستاذ صبحي غندور الى جزء مهم مما يجب ان يكون عليه المنهج التعليمي  لطلاب الإعلام فيقول:" يتعلّم طلبة كليّة الإعلام والصحافة في العالم أن الخبر الصحفي الجيّد او القصّة الإخباريّة السليمة بحاجة للإجابة على اسئلة:" من، متى، أين ، ماذا، ولماذا" ، فتكون الإجابات على هذه الاسئلة هي مصدر المعرفة الصحيحة ومعيار الأداء الإعلامي الجيد. لكن سؤال لماذا له اهميّة خاصّة ليس فقط في العمل الإعلامي بل ايضا في الحياة اليوميّة للناس وتحديداً في تربية الجيل الجديد" (2).

ومن خلال عملي الطويل في مجال التربية والتعليم أدرك تماما ان "الحشريّة العلمية" وحب الإستطلاع والتدقيق في المعلومات الحديثة والموروثة والتحقق منها وفيها، لا يكون بدون سؤال لماذا. وللأسف فإن أغلب مناهجنا التعليميّة هي تلقينيّة تقوم على القبول بما هو موروث، او بما هو مدّون،كما هو واعتباره من المسلّمات او من الحقائق المطلقة التي لا تقبل النقاش ولا حتى مجرد الشك او التساؤل، لا سيما تلك التي تتعلق بتاريخنا فتكون النتيجة ما قاله الدكتور ساسين عساف:" خطؤنا اننا لم نقرأ تاريخنا، بل قرأناه بعد ان قرأوه لنا، فنشأنا على عداوة له او قطيعة"(3).

أما الدكتور والشاعر والأديب الهندي محمد إقبال فيذهب أبعد من ذلك بكثير حول أهميّة وخطورة مضمون المنهج التعليمي فيقول: (إیّـاك أن تكـون آمنـًا علـى العلـم الـذي تدرسـه، فإنـه یسـتطیع أن یقتـل روح أمـّة بأسـرها ... إن التعلـیم هـو الحـامض الـذي یُـهذّب شخصـیّة الكـائن الحـي ثـم ُیكونّهـا كمـا یشـاء. إن هـذا الحـامض هـو أشـدّ قـوّة وتــأثیراً مــن أي مــادة كیمیائیـّـة ، وهــو الــذي یســتطیع أن یحــوّل جــبلًا شــامخاً إلــى كومــة تراب).(4)

وللأسف فإن وطننا العربي لا يُعاني فقط من سيئّات المناهج التعليمية المعتمدة ، بل انه يعاني من  هجرة الأدمغة العربية المميزة، بسبب عجز الأنظمة عن استيعابها والإستفادة منها في التنمية والبناء، ومن لم يهاجر من العلماء قضى قتلاً على يد المحتل أو مسجوناً في ظلمات المعتقلات، او عاش منعزلاً،  لأن السلاطين يفضلّون جهالة الأتباع على نصائح العلماء.

ان ارتباط التجديد الحضاري بمسألة العلم ليست اكتشافاً جديدا، فلطالما كتب المفكرّون مُحلّلين ومُفسرّين وناصحين، لكن المعضلة تكمن في عزلة أصحاب القرار السياسي عن إنتاج اهل العلم والفكر والمعرفة.

يقول الفيلسوف العربيّ مالك بن نبي أن (مشكلة كل شعب هي في جوهرها مشكلة حضارته، ولا يمكن لشعب أن يفهم أو يحل مشكلته ما لم يتعمق في فهم العوامل التي تبني الحضارات أو تهدمها) (5)، ويقول الدكتور محمد عابد الجابري ان " أزمة الإبداع في الفكر العربي المعاصر، هي ازمة بنيوّية.. انها ازمة ثقافة ارتبطت منذ بداية تشكّلها بالسياسة، فكانت السياسة فيها، لا العلم، هي العنصر المحرِّك، مما جعلها تخضع باستمرار لتقلّبات السياسة وتتأثر بنجاحها وإخفاقها وتنحطّ بانحطاطها" (6).

فيما يذهب الطيب برغوت الى الجزم " ان الجماعات البشرية كلها مسكونة بتحقيق نهضتها الحضارية، بل هي مجبرة على ذلك لارتباط حاجات حياتها ووجودها الحضاري بها، وكل ذلك مشروط بامتلاك الوعي الحضاري وارادة النهضة الحضارية وامكانات النهضة الحضارية"(7).

ويؤكد آخرون أن "مفهوم الحضارة وثيق الصلة بحركة المجتمع وفاعلية أفراده، سواء في إقلاعه في أجواء الرقي والازدهار، أو في هبوطه وتراجعه، ومن أجل ذلك ينبغي أن يتوفر فهم واع وفقه حضاري لكل من يتطلع إلى إعادة الأمة لمجدها الحضاري، ويحقق لها ازدهارها المنشود."(8)

ونحن كقوى شعبيّة عروبية نمتلك إرادة النهضة الحضاريّة ، وندرك أن لدى الأمّة امكانات كبيرة لهذه النهضة، لكننا نفتقر الى الوعي الحضاري الشامل وإلى الإرادة العربيّة الرسميّة التي تملك مفاتيح القرار السياسي والمالي والاقتصادي والتربوي والتعليمي للإستفادة من الإمكانات البشرية العربية او لتوظيفها في المواقع الصحيحة والمناسبة.

عليه، وكي لا نبقى في موقع الشكوى ورمي الأسباب على الآخرين، ولأن وطننا العربي يعيش في واحدة من اسوأ مرحله الحضارية في التعليم، ولأن التطوير الذي نشهده يغرق في المظاهر العمرانية والفنيّة والشكلانية على حساب الجوهر، ولأن اغلب المحاولات التجديديّة تأتي في سياق تقليد الحضارة الغربية ومعاييرها التنافسية التي لا تنسجم بالضرورة مع هويتنا ولا مع حاجاتنا، ولأن الأمم التي انطلقت في نهضتها التجديديّة كالصين واليابان وسنغافورة انطلقت من ميدان التعليم تحديدا بالإعتماد على الخصائص الوطنية لهذه الدول والأمم ، فإنني ارى ضرورة إيلاء قضايا التعليم اهتماماً اكبر، وان نضغط  جميعا لإصلاح المناهج  التعليمية ونسعى جاهدين للإبقاء على الأدمغة العربية المميزة في أوطاننا، وأن نوفّر لها مستلزمات البحث العلمي والتطوير بما لا يقل عن 3% من الناتج القومي، وان نجتهد في تقديم الإستراتيجيات المطلوبة لتطوير التعليم في وطننا العربي انطلاقا من الأسس التالية:

1- انتقال النظم التعليمية من مرحلة نقل المعرفة الى مرحلة انتاج المعرفة، وغرس مبدأ التعلم المستمر عند المتعلم  وبناء الحس النقدي عنده ، ودفعه الى الإبتكار والإبداع. ولا ينبغي ان يخدعنا ارتفاع نسبة الملتحقين بالتعليم لأن ذلك لا يعني بالضرورة تحسين جودة التعليم. فقد يكون الإهتمام بالكميّة بديلاً عن الاهتمام بالنوعيّة. اننا نتذكر جميعا الصورة الكاريكاتوريّة المعبِّرة التي جسدّتها مسرحيّة مدرسة المشاغبين قبل نصف قرن، فالطلاب عصابة والمعلّم متخلّف والمدير غبيّ وانتهازيّ.

2- بناء مهارات الإنسان العربي بما يتواءم ومنطلقات المشروع النهضوي  العربي وغاياته. يقول الدكتور عبد العزيز الحر بأن" مشكلة التعليم تتمثل في اللاهُويّة ، واللارؤية، واللااستراتيجيّة، واللاتحدّي" (9) فإلى متى يبقى الضياع سيد الموقف في الأمّة؟، والى متى تبقى المشاريع الإقليميّة والدولية هي الغالبة والسائدة ونبقى نحن المتفرجون والمقلِّدون والناقمون على تقدّم الآخر فيما نحن نتراجع ونتقهقر؟. إن إعادة تعليم مادّة  تعنى بالجغرافيا السياسية والاقتصادية والمعرفية للمجتمع العربي اكثر من ضرورة كي يعرف الجيل الجديد مكامن القوة والضعف، وكي يدرك ان التكامل بين الوطنيّات العربيّة يوفّر على سبيل المثال لا الحصر: الأمن الغذائي لنا جميعا. فهل يعقل ان نستورد بما يزيد على 80 مليار دولار سنويا مودا غذائية فيما السودان وحده يكفي لسد الحاجات الغذائية لكل ابناء الوطن العربي؟. هل يعقل ان تكون مصارفنا ومصارف الدول الغربية مليئة بأموالنا العربية وتكون نسبة الفقر في اقطارنا مرتفعة الى هذه الدرجة؟ هل يعقل ان نستمر عاجزين عن توفير فُرص العمل لشبابنا العربي فيما مدننا وقرانا ودساكرنا تكتظ بالعمالة الأجنبية؟.

3- تعزيز تعليم اللغة العربيّة واعتماد تعليم جميع المواد العلميّة بهذه اللغة. فقد اثبتت الدراسات ان المتعلّم يُتقن العلوم أكثر إنْ تعلّمها بلغته الأم. وهذا  ما يظهر جليّا في البلدان التي نهضت من كبوتها وجدّدت حضارتها، فلا الصينيّون الذين ينافسون الولايات  المتحدة الأميركيّة على الصدارة اقتصاديّا وتجاريّا وعلميّا تعلّموا العلوم باللغة الانكليزيّة، ولا ايضا النمور الآسيويّة تعلموا العلوم باللغة الانكليزية، بل تعلّموها بلغتهم الأم. دون ان يعني ذلك تخلّينا عن اتقان اللغات الأجنبيّة باعتبارها لغات تمكين اما لغتنا العربيّة بالنسبة لنا فهي لغة تكوين.

ختاما نقول: لا يتحضَّر شعب إلاَّ إذا امتلك وعيًا حضاريًّا يُميِّز بيْن البناء والتكديس، وبيْن الإنتاج والاستهلاك. ان المال يتيح لنا استيراد المنتجات لاستهلاكها، لكن المعرفة تتيح لنا انتاج ما نحتاج الى استهلاكه.

ان  امتلاك المنتجات المستوردة لا تعني امتلاك الحضارة.

 

عدنان برجي

....................

(1) (كتاب خبايا مكشوفة ص 131 وص 132 للباحث، صادر عن المركز الوطني للدراسات 2018).

(2)  صحيفة البيان الإماراتية 2 /5/2019 (مركز الحوار العربي – واشنطن.)

(3) (الدكتور ساسين عساف، كتاب المشروع النهضوي العربي- رؤية وحدويّة ص 11).

(4) حكم نت: اقوال محمد إقبال/ 13 اقتباس من كلام محمد اقبال

(5) مالك بن نبي: شروط النهضة . ابراهيم رضا: مالك بن نبي وفلسفة الحضارة الإسلامية الحديثة، موقع الإسلام.

(6) مركز دراسات الوحدة العربية/ / الدكتور محمد عابد الجابري/ اشكاليات الفكر العربي المعاصر ص.61

(7) النهضة الحضارية ومركزية شرط الوعي الحضاري فيها / الجزء الأول./ موقع السننية/ اخبار السننية.

(8) معالم مدرسة التجديد الحضاري في الفكر الإسلامي المعاصر – مالك بن نبي نموذجا (الجزء الأول)/ دار الفكر.

(9) واقع التعليم في العالم العربي/ د.عبد العزيز الحر استاذ المناهج في جامعة قطر.. موقع برق/ الإصدارات.

*عضو الأمانة العامّة للمؤتمر القومي العربي

*امين العلاقات الخارجية في اتحاد الكتاب اللبنانيين

*مدير المركز الوطني للدراسات

ورقة مقدمة الى الدورة 30 للمؤتمر القومي العربي

 

صادق السامرائيخاض المبدع تجارب إنسانية عميقة ومتميزة وذات مواصفات فريدة لم تتحقق لغيره من قبل، وعندما نتأمل العطاء المترشح من التجربة وقيمته الفكرية والإنسانية، يتضح لنا بأنه لم يهضمها ويتمثلها تماما ويرتقي بها إلى آفاق عالمية التأثير والمدى.

وقد يكون السبب الأساسي الذي يقف وراء هذا القصور هو الإنغلاق في التجربة، وتحويلها إلى منظار تقاس عليه الأمور، فلم تكن التجربة عبارة عن شرنقة ينضج فيها المبدع وينطلق إلى الآفاق الإبداعية الرحبة الغنية بالمعاني الخالدة السامية، التي تساهم في تحقيق رؤية جديدة وفهم آخر للحياة ومعاني الصراع وتأكيد الذات والتعبير الأمثل عن الموضوع.

ويبدو أن المبدع - في معظم الأحيان- قد أصبح ضحية للمشاعر السلبية الفاعلة في أعماقه، وعجز عن تصريفها وتهذيبها والإرتقاء بها إلى الحالة الإيجابية ذات التأثير الأصلح والأصدق في الحياة، وإنما إستسلم للعواطف والإنفعالات التي إمتلكت عقله وسخرته للتعبير المنحرف عما يراه صحيحا ومصيبا، وفي حقيقته قول مكتوب بمداد تلك العواطف العاصفة في كيانه.

وهذه الحالة المريرة التي تأسر المبدع تجعلنا نتساءل أو نبحث عن الإبداعات الفنية والأدبية ذات القدرة التعبيرية عن الحالة التي عاشها الإنسان ويعانيها كل يوم.

ومن الصعب أن تجد عطاءا مؤثرا ومهما ومتفوقا على التجربة ومستوعبا لها بأساليب ذات معاني مطلقة.

والملاحظ أن الجهود قد بذلت والطاقات قد أهدرت على مدى الأعوام السابقة في موضوعات (سياسية) لا تجدي نفعا، فهي لم تغني من فقر أو تمنع من جوع، بل أن الحالتين قد تفاقمتا وتسيّد الفساد وتحكم بالواقع المعاش.

ترى لماذا لم يحطم المبدع صندوق تجربته وينطلق منها إلى الدنيا؟

هل أنه إستلطف هذا الركون السلبي واستكان؟

من المشاعر السيئة التي قضت على أصالة الإبداع وأنزلته من عليائه، هي إنفعالات التحامل والإنتقام وسورة الغضب المحتقنة في العروق والصدور.

فترانا نقرأ ذلك لمبدعين أكفاء يمكنهم أن يقدموا عطاءات مؤثرة وخالدة، لكنهم يكتبون بمداد الضحية لهذه المشاعر السلبية التي تقيد رؤاهم ومنطقهم.

وهذا يعني أن العافية النفسية نادرة مما يحتم أن نقرأ ما يشير إلى حالات غير سوية تريد أن تكون فاعلة في المجتمع، لأن الرؤية مشوشة ومحقونة بطاقات إنفعالية شديدة لا تعرف غير الإنفجار والتحول إلى رماد بعد أن تفعل فعلها في الواقع الموضوعي والذاتي.

كما أن هناك مزج ما بين الأشياء وتغييب للصورة الحقيقية، والرضوخ لإرادة القوى الموجهة والمؤثرة في الإعلام والواقع بصورة عامة.

فالحالة ليست واضحة وإنما أريد لها أن تكون معقدة وتختلط فيها الصور والمشاهد والأحداث، حتى لا يتبين المواطن صراط مصلحته الوطنية والإنسانية، فيبقى في حالة من الخوف والحذر وعدم الإطمئنان، ويكون صيدا سهلا وأسيرا مذعنا لإرادة الفاعلين به وفقا لمخططاتهم وتصوراتهم البعيدة، وهذا ينعكس بدوره على الكثير من المبدعين ويسقطهم في قبضة الفاعلين، فيتحولون إلى مفعولين بهم وهم يظنون العكس.

وقد ساهم المبدعون في إدامة التشويش وترسيخ الشعور بالقلق والتوجس والشك، مما أربك التفاعل وألزم الناس بالتبعثر والتمحور حول الكراسي والأحزاب، التي تناثرت وتعددت إلى درجة غير معقولة لكنها مقبولة في واقع يتوطنه الحذر.

وفي هذا يتحقق إضعاف لدور المبدعين في بناء الصيرورة الأفضل وتقديم العطاء الأمثل، لأنهم قد وجدوا الساحة مناسبة للتعبير عن عواطفهم المخزونة والمعتقة في أعماقهم على مدى الأعوام الصعبة، بدلا من إستلهام تجاربهم وإستخلاص العبر والقوانين المفيدة منها وتسخيرها لبناء الحياة الأحسن والأرقى.

وفي واقعنا هناك صفة نتميز بها عن غيرنا من أبناء العالم المتقدم، وخلاصتها أننا عندما نعيش تجربة مريرة وقاسية نريد جميع الناس أن يمروا بها بل ويعيشوا أقسى منها، وهذه طاقة كامنة في لاوعينا تدفعنا إلى سلوكيات تعبر عنها وتؤكدها لكي نكسب الراحة النفسية المنحرفة.

بينما الناس في العالم المتقدم عندما يمرون بتجربة صعبة فهم لا يتمنونها للآخرين، ويعملون بجد ونشاط وإبداع لكي يتوصلوا إلى أسبابها وتوفير عناصر الوقاية منها، أي أن التجربة الفردية أو الشخصية عندهم، تكون محطة إنطلاق لتأسيس حالات إيجابية ذات قيمة إجتماعية وإنسانية، وهذا ينعكس على الإبداع أيضا، فالكثير من الروايات الناجحة والقصص والقصائد عبارة عن تجارب شخصية ذات حس إنساني غني بالفضيلة ومعانيها السامية.

ولكي نقدم إبداعا بمستوى تجربتنا، علينا أن نتحرر من الإنفعالات السلبية المريرة وأن نتخلص من قيد التجربة وأسر الإستنقاع فيها، وأن نرى بعيون أخرى وعقلية رحبة ذات قدرات عالية على المطاوعة والفهم والتفاعل الفكري النقي النزيه.

 

د. صادق السامرائي

 

زهير الخويلدي"إن الإنسان آخر الموجودات، وان التركيبات تناهت اليه ووقفت عنده وتكثرت الأغشية واللبوسات الهيولانية على جوهره النير أعني العقل، ولما حصل الإنسان آخر الموجودات صارت الأشياء التي هي في أنفسنا أوائل، آخرة عنده"

ينتمي أبو علي مسكويه إلى العصر الذهبي لحضارة إقرأ حيث عاش بين سنة 932 و1030 في الري وأصفهان وبغداد أين تأثر بالكندي وتتلمذ على يد مترجم كتاب تهذيب الأخلاق يحي بن عدي وتناظر مع ابن سينا واشتغل بالأدب والتاريخ والطب والكيمياء والمنطق والفلسفة والإنشاء والأخلاق والسياسة.

لقد كان ناشطا سياسيا زمن البويهيين وشاعرا وموظفا في الدولة ولكن أحيطت حول شخصيته الكثير من الغموض حول مذهبه وهويته ولكن وجد إجماع حول منزعه الإنسي وحكمته العملية وأسلوبه في الحياة.

اصطحب ابن العميد وأب الفضل وترفع عن خدمة الصاحب بن عباد وذكره أبو حيان التوحيدي في كتبه كثيرا واشتغل بالكيمياء وأراد استخلاص الذهب من التراب ولكنه أقلع عن ذلك واهتم بالأدب والفلسفة.

كان أول من تناول موضع الأخلاق والقيم بأسلوب علمي وخصص لإصلاح الأنفس وتهذيب الطباع عدة مؤلفات أهمها: تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق والفوز الأكبر والفوز الأصغر وترتيب العادات والأنس الفريد وتجارب الأمم والمستوفى والأدوية المفردة وتركيب الباجات في الأطعمة والأشربة والجامع وطهارة النفس ورسالة في اللذات والآلام في جوهر النفس ورسالة في حقيقة العدل وفي النفس والعقل وترتيب السعادات والحكمة الخالدة وآداب العرب والفرس ورسالة نديم الأحباب وجليس الأصحاب.

كان يتقن العربية والفارسية وجملة من اللغات الشرقية وكان له السبق قبل غيره في القول بنظرية التطور ووجود تسلسل بين القرد والإنسان وبين الهمجي والمتمدن وبين النفس النباتية والنفس الحيوانية والناطقة.

لقد جمع بين الفلسفة والتاريخ ونظر إلى السياسة من جهة الأخلاق والطب وحاول التفريق بين الحكمة والفلسفة وبين الأخلاق والإيتيقا وسعى لتفادي القسمة المغلوطة بين النظر والعمل الموروثة عن الإغريق.

قام بإثبات وجود الصانع لهذا الكون وأقر بالنبوة ضد منكريها وزاد على ذلك بقوله بخلود النفس وبحث سبل فوزها بالسعادة ووجد ذلك في إتباع الفضيلة والابتعاد عن الرذيلة وصحة المزاج وجمال الفعل وركز على مطلب العدل بالنسبة للحكام ورأى في الحاكم العادل المثل الأعلى للمجتمع وأصل النظام في الدولة.

لقد جعل من مبحث السعادة حكمة الحياة في المجال العملي شغله الشاغل وفرق فيها بين السعادة العامة والسعادة الخاصة وبين سعادة النفس وسعادة البدن وبين السعادة الجزئية والسعادة التامة ووجدها في الحكمة. كما عمل على التمييز بين الفلسفة الحكمة وقسم الأولى إلى بعد نظري يحدث بالقوة التأملية وبعد عملي يتم بالقوة العاملة في حين أنه عرف الثانية بفضيلة النفس الناطقة المميزة وخصها بالمعرفة من المعقولات ما يجب أن يفعل وأن يترك وأن تدرك النفس المعقولات الضرورية للحياة العقلية السعيدة.

ان الفلسفة هي الغاية القصوى للوجود الإنساني وغاية الحياة الإنسانية والوسيلة الوحيدة للترقي الدائم من خلال التدبير المدني والمزج بين العلم والعمل وجعل تنظيم الأفعال وفق سنن الكون سبيل السعادة المطلقة.

لقد عالج مسكويه الخوف من الموت بالإقبال على مسرات الحياة ورفض التعامل معه كعقوبة وألم عظيم واعتباره نتيجة حتمية ونهاية منطقية وزيادة الأمل والتقليل من الانزعاج حول ما يحدث للمرء في الآخرة. لقد ذكر في وصيته الأخلاقية الشهيرة أن من " علامة حكمته أن يستبصر في اعتقاداته حتى لا يفوته بقدر طاقاته شيء من العلوم والمعارف الصالحة، ليصلح أولا نفسه ويهذبها ويحصل له من هذه المجاهدة ثمرتها التي هي العدالة، وعلى أن يتمسك بهذه التذكرة ويجتهد في القيام بها والعمل بموجبها"، فمتى تتمكن الثقافة التي تخصنا من استعادة المنزع الإنسي والإيتيقي الذي كان له الفضل مع غيره في تأسيسه؟

 

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

...................

المراجع:

أبو علي مسكويه، تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق ، تحقيق ابن الخطيب، مكتبة الثقافة الدينية ، الطبعة الأولى، جزء واحد.

أبو علي مسكويه، الحكمة الخالدة، تحقيق عبد الرحمان بدوي، دار الرافدين، طبعة أولى ، 459 صفحة.

أبو علي مسكويه، تجارب الأمم وتعاقب الهمم، تحقيق سيد كسروي حسن، دار الكتب العلمية، بيروت، 2003.

أبو علي مسكويه، الفوز الصغر، تحقيق صالح عضيمة، الدار العربية للكتاب، مجمع بيت الحكمة ، قرطاج، تونس، طبعة 1987، 126 صفحة.

أبو علي مسكويه، رسالتان في اللذات والآلام والنفس والعقل، منشورات دار الجمل، بغداد، طبعة 2009.

أبو علي مسكويه، رسالة في الخوف من الموت، تقديم علي محمد اسبر، دار بدايات ، دمشق، طبعة 2007. 93 صفحة.

 

مع التطور التكنولوجي، وظهور شبكات التواصل الاجتماعي وتحولها لمنصات رأي حر فردية أو مؤسساتية، ظهرت مجددا تساؤلات حول المعرفة وقيمتها ومعياريتها، وضوابطها، وكيفية تحديد صدقها من عدمه، حيث باتت المعلومات متوافرة وكثيرة، وأتيحت الفرصة للجميع للتعبير عن آرائهم، دون وجود ضابط محدد يشخص مدى أهلية الفرد ومكنته العلمية والمنهجية في التصدي والتعبير عن الرأي وتقديم المعارف.

وظهر تحديا جديدا على السطح طرح كثير من الشبهات، وأثار كثير من التشكيكات، وطرح كثير من التساؤلات، وأثار كثيرا من رياح الفتن العابرة للجغرافيا، وهو ما يجب الوقوف عند هذه الظواهر الجديدة، كحاجة ملحة تتجدد عبر التاريخ وتطرح تساؤلاتها المعهودة حول المعرفة ومصدرها وقيمتها ومعيارها وضوابطها، لإعادة تنظيم المعطيات المعرفية الواردة إلي الذهن والتي تشكل بينة الفكر، وهو بدوره يبني منظومة الاعتقادات ويوجه السلوك البشري. فالمعرفة إذا لها مدخلية محورية في تنظيم السلوك الإنساني وبناء رؤيته الكونية و شبكة علاقاته على أسس سليمة غير عبثية ولا فوضوية.

المعرفة:

لعملية اكتساب المعرفة جهتان: العلم والمعلوم، والبحث عن العلم والمعرفة هو من فروع العلم الذي موضوعه العلم نفسه، وهو المعبر عنه بعلم المعرفة.

وغاية علم المعرفة هو البحث حول المعارف الإنسانية الصحيحة التي يمكن الاعتماد عليها وطرح الحقائق في ضوئها.

ونظرية المعرفة هي: العلم الباحث حول معارف الإنسان وأنواعها، وتحديد صحتها وسقمها بيان المعيار في ذلك“.[1]

إن المعرفة كنظرية نشأن وتطورت نتيجة الجدليات الفكرية والفلسفية حول المعرفة وحدودها وإمكانيتها ومدى يقينيتها من عدمه، وكان تطورها تدريجيا مع تطور الفكر والعقل البشري، ولعل أول كتاب في نظرية المعرفة في الغرب كان هو ” بحث حول فهم الإنسان ؛ للفيلسوف جان لوك (١٦٢٣ ـ ١٧٠٤) التجريبي البريطاني الذي عاش في القرن السابع عشر الميلادي.

وقد اشتد ظهور الاهتمام بنظرية المعرفة في الغرب كنتيجة التحولات الفلسفية التي وقعت بعد عصر النهضة، أي منذ ثلاثة قرون تقريبا، فظهرت كنظرية وكفرع من فروع العلوم.

أما على الصعيد الإسلامي فكان أول من بادر إلي تنظيم مباحث في نظرية المعرفة هو العلامة محمد حسين الطباطبائي رحمه الله في كتابه ” أصول الفلسفة والمذهب الواقعي“ كخطوة أولى في تخصيص مباحث ذات طابع مستقل لنظرية المعرفة.

فنظرية المعرفة تكمن أهيمتها في كونها تتناول كعلم معارف الإنسان، وتبين أقسامها، وتميز بين صحيحها وغيره، وتطرح معاييرا تشخص صحة هذه المعارف من عدمه، أي تشخص قيمة المعارف، لأهيمتها في الإيمان والسلوك وبناء العلاقات. وتعتبر نظرية المعرفة من المعارف من الدرجة الثانية بمعني؛ أن كليهما يبحثان عن معارفنا وأحكامها وقوانينها“[2]. لأن موضوع المعرفة هنا هو المعرفة ذاتها.

وتنقسم المعرفة إلى:

١- معرفة مطلقة تبحث في مطلق المعرفة الإنسانية؛

٢- معرفة مقيدة تتناول المعارف الإنسانية في نطاق خاص.

وتعتبر نظرية المعرفة مقدمة في الترتيب المنهجي على المنطق، لأنها معنية بتحديد وتشخيص قيمة المعلومات، ومن ثم يستفيد المنطق من هذه المعلومات اليقينية والصحيحة بعد تشخيصها من قبل نظرية المعرفة لتنظيمها في إطار عملية التفكير. فنظرية المعرفة تشخيصية تحدد مدى صلاحية المعلومات من عدمه، قبل أن يستخدمها المنطق في الانتقال بها من المجهول إلي المعلوم لتشكيل بنية فكرية متكاملة منهجية.

فالعلم في اللغة العربية يطلق على معنى واسع يشمل جميع أقسام المعرفة مضافا إليها الفنون والمهارات المختلفة، أما العلم في موضوع نظرية المعرفة فمن معانيه الاصطلاحية:

١- مطلق الفهم والوعي؛

٢- العلم الحصولي؛

٣- التصديق؛

٤- التصديق الجزمي؛

٥- الجزم المطابق للواقع؛

٦- الجزم المطابق للواقع مع استحالة الزوال؛

٧- التصورات الكلية؛

٨- القضية التركيبية؛

٩- مجموع القضايا المتناسبة؛

١٠- مجموع القضايا الكلية المتناسبة؛

١١- العلوم الحقيقية؛

١٢- العلوم التجريبية.

نظرية المعرفة بين المفكرين الإسلاميين والغربيين:

هناك تفسيران لموضوع المعرفة في نظرية المعرفة، تفسير للمفكرين الإسلاميين، وآخر للغربيين.

وقد ذهب المفكرون والفلاسفة المسلمون إلى أن المراد من العلم أو المعرفة في موضوع نظرية المعرفة، هو مطلق العلم والفهم الشامل لكل أقسام العلم من الحضوري والحصولي وأنواع كل واحد منهما، والغاية من البحث هنا هو معرفة القيمة المعرفية لأقسام العلم والمعرفة. وقد عرفها الدكتور أيمن المصري بأنها:“ مطلق حصول المعلوم لدى العالم، أعم من كونه حصوليا أو حضوريا، كليا أو جزئيا، بديهيا أو كسبيا، نظريا أو عمليا“[3].

أما الفلاسفة والمفكرين الغربيين، اعتقدوا أن العلم عبارة عن الاعتقاد الصادق المبرهن الشامل لبعض أقسام العلم الحصولي المتوافر على ثلاثة عناصر هي:

الاعتقاد (= التصديق المنطقي الجازم) والصادق (= المطابق للواقع) والمبرر أو السبب (= الدليل).

ويلاحظ هنا الفرق بين كلا التفسيرين، فالأول شامل وعام لا يستثني حتى الظن مع تراكم احتمالات صحته، والثاني ضيق دائرة العلم والمعرفة وحددها بمحددات أخرجت العلم الحضوري، والتصورات والتصديقات غير الجزمية (الظن والاطمئنان) عن دائرة المعرفة بخلاف التصديقات الجزمية؛ إذ تندرج أيضا في نطاق المعرفة، كالجهل المركب والتقليد واليقين بالمعنى الأخص[4] .

أقسام المعرفة:

معارف البشر منحصرة بين مصدرين لا ثالث لهما:

١- العلم الحضوري: وهو العلم بالأشياء دون واسطة أو حكاية.

٢- العلم الحصولي: هو العلم بالأشياء عن طريق الصور الحاكية أي بتوسط أمر آخر.

وهناك ثلاث مراتب للعلم بالموجود في العلم الحصولي والحضوري:

١- العلم بموجودية ذلك الموجود.

٢- معرفة خصائص هذا الموجود سواء كانت معرفة لكل الخصائص أو لبعضها. وسواء كانت مرحلية أو دفعية.

٣- معرفة حقيقة الشيء وذاته: سواء كانت معرفة حقيقة الشيء بتمامه أو جزء من تلك الحقيقة. وهذا خاضع لاعتبارات البيئة والمعطيات العلمية وتوفر كثير من اللوازم الخاصة بهذه المعرفة. لذا غالبا معرفة حقيقة الأشياء كما هي غير تامة دائما.

والعلم الحضوري والحضولي مشتركان في مراتب كاشفية العلم بحيث ينقسم كل منهما إلى:

١- ملتفت إليه؛

٢- وشبه ملتفت إليه؛

٣- مغفول عنه.

كما أن كليهما (العلم الحصولي والحضوري) قابلا للزوال، مع الالتفات إلي أن العلم بذاته هو أمر وجودي ينقسم إلي علم إمكاني وعلم ضروري، والزوال المقصود ينطبق على العلم الإمكاني كونه قابل للزوال ذاتا، فليس كل علم قابل للزوال فاقتضى التنويه، فإدراكنا ومعرفتنا بالحقيقة كما هي ومطابقتها لواقع الأمر، سواء كانت علما حصوليا أو حضوريا هي معرفة غير قابلة للزوال.

فمثلا إدراكنا بوجود الشمس هو إدراك ومعرفة مطابقة للواقع، وهذه المعرفة لا تزول فالشمس وجود حقيقي خارجي، وإدراكنا لهذا الوجود هو إدراك مطابق للواقع، وزوال هذا الإدراك والمعرفة هو زوال لوجود الشمس الخارجي الحقيقي، وهذا من مصاديق اجتماع النقيضين وهو الوجود والعدم، وهو محال، إذ كيف يجتمع حقيقة وجود الشمس خارجيا مع زوال إدراكي بهذه الحقيقة؟ فهو محال.

إن المعرفة سواء كانت حصولية أو حضورية حينما تكون معرفية حقيقية مطابقة للواقع، لا يمكن أن تكون لها حقائق متعددة متناقضة أو متضادة، فالفهم الحصولي والحضوري، إذا كان صحيحا وحقا مطابقا للواقع لا يمكن افتراض فهم اخر صحيح متناقض أو مضاد له، فالواقع واحد لا يتعدد، نعم درجة إدراك الواقع ومرتبته تختلف وتتعدد، نتيجة اختلاف القابليات والإدراكات ومستوياتها، لكنه يبقى واقعا واحدا وفهما واحدا له بمراتب مشككة. وهذا لا يعني نسبية الحقيقة والواقع، بل نعني تشكك فهم الواقع والحقيقة. فمثلا حينما نقول أن الشمس اليوم مشرقة، فإدراك ومعرفة شروق الشمس هو إدراك وفهم حقيقي واقعي، فلايمكن أن يكون النهار ويقول شخص أن الشمس مشرقة اليوم ويأتي شخص آخر ويقول في ذات الوقت وذات النهار أن الشمس غير مشرقة، نعم درجة إشراق الشمس وتشخيص هذه الدرجة قد تختلف من شخص لآخر، وهذا الاختلاف خاضع لاعتبارات عديدة ليس محلها هنا.

فشروق الشمس في النهار وفق الظروف الاعتيادية هو حقيقة ثابتة مطابقة للواقع، لكن درجة إشراق الشمس في هذا النهار هي التي يمكن أن تكون لها قراءات متعددة، تختلف في تشخيص نسبة شروقها ودرجته، وهي هنا ذات مراتب مشككة.

وقد يقع كثيرا تعدد الآراء حو لحقيقة واحدة نتيجة للتالي:

١- النزاع اللفظي: بمعنى أن يكون هناك عدم إدراك بمقصود الرأي المطروح، فقط يكون اللفظ المقصود له نفس المعنى لكنه كلفظ متعدد، وهو ما يسمى تعدد الألفاظ لمعنى واحد، وعدم إدراك الباحثين لهذا اللفظ أدى لهذا الاختلاف، وهنا يبحث إمكانية جمع الآراء المتعددة من عدمه. فمثلا قد يقول شخص إن في الغابة ضرغاما، ويأتي آخر من الغابة ليقول رأيت أسدا في الغابة، ويشتد النزاع بين الطرفين ويكون كلاهما على حق، وحينما يتم تبيان الأمر، نجد أن الأول عنى بالضرغام الأسد، بينما الثاني قال بوجود أسد، ولو تم استيضاح المعنى من البداية لعلم كليهما أن ما شاهداه حقيقة واحدة هي لحيوان واحد قد يطلق عليه في اللغة لفظ الأسد وقد يطلق عليه لفظ الضرغام، وهنا أمكن الجمع بين الآراء المختلفة كون النزاع كان حول حقيقة واحدة ومعنى واحد لكن ألفاظه متعددة.

٢- النزاع المعنوي: هنا يكون النزاع حول المعنى وليس اللفظ، أي أن كل رأي مطروح يختلف في معناه عن الرأي الآخر، وهنا لا يمكن الجمع بين الآراء حتى لو تشابهت ظاهريا الألفاظ، فقد يكون لفظا واحدا لمعان متعددة، كأن يقول الأول رأيت في الغابة ضرغاما شجاعا، ويأت الثاني يقول رأيت ضرغاما متوحشا ، ويقع النزاع حول معنى ومقصد كل منهما حول حقيقة ومعنى ما شاهداه في الغابة، وحينما يتم استضياح المعنى من الأول يقول رأيت الرجل الشجاع المعروف في القرية هناك في الغابة، بينما الثاني يقول عنيت بالضرغام المتوحش هنا الأسد، ويتضح هنا عدم إمكانية الجمع ين الرأيين كون الأول عني الرجل الشجاع والثاني عني الأسد، ووفق كل معنى سيترتب عليه سلوك ورد فعل مختلف، لأن رد الفعل على وجود الرجل الشجاع هو اطمئنان أهل القرية، ورد الفعل على وجود الأسد المفترس في القرية هو استنفارهم وخوفهم.

ولكن قد يختلف المعنى، كما هو حال من ينكر وجود حقيقة خارج عالم المادة، ومن يثبت وجود حقائق غيبية. فلا يمكن هنا الجمع بين الرأيين، لاستحالة اجتماع النقيضين، فأحدهما مطابق للواقع بوجود الله وهو خارج الوجود المادي، والآخر مخالف للواقع وهو نفي وجود حقيقة خارج عالم المادة المحسوس.

قيمة المعرفة:

المعرفة تقع بين أمرين إما ما هو كائن أو ما ينبغي أن يكون، لذلك تكمن قيمتها في التساؤل المحوري معرفيا حول ماهية هذه المعرفة وقيمتها، من حيث كاشفيتها عن الواقع، أو كونها مجموعة من التصورات والأوهام؟

فكاشفيتها عن الواقع تكسبها قيمة ذات بعد إيجابي تصديقي، يستطيع الباحث عن الحقيقة من خلال هذه الكاشفية، البناء على هذه المعارف الكاشفة بناء فكريا منهجيا صحيحا، وهذا البناء المنهجي لمنظومة الأفكار تكمن أهميته كما أسلفنا في بعدينن:

البعد الفردي في بناه العقلية والسلوكية؛

البعد الاجتماعي، والذي يتعلق بالفرد ومنظومة علاقاته المحيطة التي تربطه بالحق الواجب ومنظومة القيم والأخلاق والمعايير، سواء على مستواه الأسري أو الاجتماعي.

أما لو كانت هذه المعارف مجموعة تصورات وأوهام، فإنها ذات قيمة سلبية لا يمكن اعتبارها ولا الأخذ بها، بل هي كم مهمل عن الاعتبار، ولا يمكن بناء أي منظومة فكرية منهجية عليها، وفي حال عدم فهم كونها أوهام وتصورات نتيجة تقصير أو قصور لدي الفرد، فإن ذلك كفيلا بأن يحرف مساره باتجاهات مغايرة للواقع، وهنا يقع الفساد.

”فالبناء الحقيقي ـ كما يقول الشيخ أيمن المصري ـ المحكم للصرح العلمي لا يتم إلا من خلال تأسيس الكيان المعرفي لعقولنا، ولا تقتصر دائرة هذا الأمر على الطالبين والدارسين للحكمة أو الفلسفة، بل الأمر يشمل سائر العلوم الأخرى، فالترتيب السلمي للبناء يقتضي ذلك، والتعاقب المرحلي لا يقوم بدون هذا الشيء، والإحكام والدقة قائمتان على الصلابة الارتكازية للمباني المعرفية، وفي حالة عدم الوصول إلى الإثبات المبنائي للنظرية المعرفية فستكون النتائج حينئذ وخيمة للغاية.[5]“

فقيمة المعرفة تكمن في البحث عن اعتبارها أو عدم اعتبارها سواء نظريا كان أو عمليا.

فنظريا نبحث عن مدى كاشفيتها عن الواقع من عدمه، وكونها ليست خيالات وأوهام، فيصح الاعتقاد بها والتعويل عليها، وعمليا بمعنى كشفها عن الحسن والقبيح لترتيب الأثر عليه من حيث لزوم الترك والفعل، بحيث يمكننا بناء على ذلك تشييد المنظومة الأخلاقية والحقوقية والاجتماعية ،السياسية بناء عليها في المجتمع البشري.

وهنا يتضح سبب الاختلاف الجوهري بين النظريات الغربية والإسلامية في موضوع القيم والأخلاق والحقوق، والتي غالبا ما تختلف البناءات وأدوات المعرفة، وتختلف على ضوئها النتائج والمنظومات والسلوكيات في تشخيص الوهم من الواقع والقبيح من الحسن. وهذا لا يعني عدم وجود مشتركات، بل هناك مشتركات خاصة فيما يتعلق بالمنطق القائم على العقل البرهاني والذي يملكه البشر جميعا، وبالتالي قدرته على كشف الواقع أيضا.

ولكن ما هي أدوات المعرفة التي من خلالها نكشف المعارف الكاشفة عن الواقع؟

انقسم العلماء أو الباحثين المعنيين في موضوع المعرفة إلي عدة مدارس بناء على انقسام أدوات المعرفة التي اعتمدوها كأداة رئيسية لكشف الواقع:

أولا: العقل

حيث اعتمدوا هنا على العقل البرهاني كأداة رئيسية، تعمل سائر المناهج المعرفية تحت إشرافه وتستمد مشروعيتها منه، وأطلق عليهم ”العقليون“.

ثانيا: التجربة

وهنا يعتبر الحس والتجربة الأداة الوحيدة في كشف الواقع معرفيا، ونفي أي قيمة معرفية لأي معرفة خارج حريم التجربة، وأطلق عليهم ”التجريبيون“.

الثالثة: الإخبار

وهم من اعتمد النص الديني منفردا كأداة معرفية مهيمنة في المعرفة وكشف الواقع، لذلك أطلق عليهم الإخباريون.

الرابعة: الإشراق

وهنا كان الاعتماد على المكاشفات القلبية في معرفة حقائق الأشياء، لذلك زطلق عليهم ” الإشراقيون“[6].

فالأدوات إذا نعني بها الطرق والقنوات المعرفية التي يمكن أن يعتمد عليها الإنسان في كشف الواقع المحيط به[7]“

وبذلك تكون أدوات المعرفة هي:

الحس

التجربة

العقل

الوحي

الإشراق

إن اختلاف أدوات المعرفة والاعتماد على بعضها دون غيرها، يؤدي إلى اختلاف الرؤى الكونية وبالتالي اختلاف سلوك المدارس، والمنظومات المعرفية التي تشكل له منظومته الفكرية والحقوقية والقيمية والمعيارية، كون هذه الأدوات تلعب دورا هاما في الكشف عن الواقع، فاعتماد إحداها دون غيرها كما ذكرنا، له أثر في بناء الرؤية الكونية، وتعددها تتعدد الرؤى الفلسفية للوجود، وباتالي على عقيدته وأفكاره وسلوكه ومصيره في الدنيا وما بعدها.

مصادر (أدوات) المعرفة وتداخل المناهج:

التداخل في تطبيق المناهج واستخدام أدوات المعرفة في العلوم والتداخل في أخذ النتائج بين العلوم أحدث فوضى معرفية، فمنهج دراسة العقائد على سبيل المثال وبالتالي نتائجه، يختلف عن منهج دراسة العلوم الطبيعية ونتائجها، قد يكون هناك تداخل في البين لكن هذا لا يعني أبدا تطابقا في المناهج والنتائج.

فالعقل في فهم العقائد ومدعوما بالنص الديني هو الطريق الأداتي والمصدري في تشكيل منظومة الإنسان العقدية، فيكون العقل هو المهيمن والذي يعطي شرعية المعارف التي تكشف عن الواقع، بينما المنهج في العلوم الطبيعية قائم على الحس والتجربة والملاحظة ومن ثم تسجيل النتائج، وغالبا نتائجها تكون غير قطعية، أو قطعية أحيانا، لكنها تعتمد الحس والتجربة أي الملاحظة المتكررة ومن ثم الاستنتاج، بالتالي لا مدخلية للنص الديني هنا فيها.

فمنهج دراسة العقيدة يعتمد في مصادره المعرفية الأساسية على النص القطعي الصدور والعقل، وهما أساسان لجميع من يؤمن بالنص، أما الوجدان والتجربة الروحية فهما خاصان بكل شخص، ومنهج الدراسات الطبيعية يعتمد على الحس والتجربة والعقل.

وبالنسبة لمصدرية النص المعرفية، فمن الانصاف العلمي ومن باب عدم إقصاء مصدرا للحقيقة، يفترض أن لا يتم إبعاده كمصدر معرفي.

كما لا يجوز استبعاد أي مصدر وأداة للمعرفة يمكنها كشف الواقع، لكن نحتاج أن لا نقع في فخ تداخل الأدوات والمناهج، بمعنى استخدام أدوات ومصادر للمعرفة في علوم وبحوث تتطلب مصادر وأدوات مغايرة، بحيث يصبح هناك خلط بين الأدوات وتطبيقاتها المعرفية، وهو ما يؤدي لنتائج لا تكشف عن الواقع ولا تعطينا قيمة معرفية إيجابية، وهذا لايعني إقصاء لأداة معرفية في الككشف عن الواقع، بل يعني معرفة الأدوات الأساسية الخاصة في هذا البحث والتي تشكل الأدوات المهيمنة والمشرعنة للمخرجات المعرفية، والأدوات الفرعية التابعة لها.

قد يقول البعض هناك تعدد في النصوص المعتبرة بين الأديان والمذاهب، لكن أصل الفكرة هو اعتبار النص مصدرا معرفيا، وكل دين ومذهب لديه أدواته في التنقيب العلمي عن وثاقة الصدور.

شريطة اتباع مبدأ كشف الواقع وليس تثبيت ما أعتقده واقع. وهناك اليوم أدوات حديثة للتنقيب عن النص، يمكن إضافتها لما هو موجود من أدوات ومناهج للتنقيب والحفر بشكل أعمق في النص ودلالاته ووثاقة صدوره من قبل المختص، والأساس هو اعتباره مصدرا معرفيا وعدم إقصاء أي مصدر معرفي يفيد كشف الواقع.

فمثلا عقيدة التوحيد في إثبات وجود الخالق كشفها في الأساس يعتمد على العقل والنص، وقد يعضد هذا الكشف مناهج البحث العلمي في الطبيعيات التي تعتمد الحس والتجربة كالاستقراء المنطقي، فتجتمع هنا كل المصادر المعرفية التي تعضد ما أثبته النص والعقل، فالأصل هنا معرفيا للعقل والنص كمهيمن معرفي ومرشد وكاشف، بل ومشرعن لما ينتج من معرفة وليس للحس والتجربة. المعرفة هنا حتمية في أصلها وتشكيكية في عمقها، بمعنى إثبات وجود الخالق يصبح حتمي في نتيجته، ولكن التعرف على هذا الخالق هو تشكيكي) ذو مراتب مختلفة (يعتمد على قابلية الباحث المعرفية وعمقها، وهنا يصبح الوجدان والتجربة الروحية مصادر معرفة مشتركة لكن كاشفيتها ليست عامة بل فردية، وعمقها ونتائجها تختلف من شخص إلى آخر لاختلاف القابليات المعرفية.

وحتى في المعتقدات قد يخطئ العقل أو يكون هناك قصورا في الإدراك، ومن يحافظ على بقاء العقل في طريق علمي رصين هو النص. فالنص يشكل السياج الحامي من انحراف العقل، وتداخل الميول والرغبات والأهواء في فهم الحقيقة.

بينما عندما أقوم بعمل تجربة علمية للكشف عن قانون علمي في الطبيعيات، فاعتمادي سيكون على الحس والتجربة والعقل الذي ينتزع النتيجة، و التي تعتمد على: التجربة، الملاحظة، ومن ثم تسجيل النتيجة، التي قد لا تكون حتمية ونهائية، ومع تراكم الخبرات والاكتشافات قد تتغير هذه النتيجة إما بتطويرها أو باكتشاف خطأ في الكشف أو التطبيق، أو قصور في إدراك العقل نتيجة خطأ في الحواس.

بالتالي العلوم التجريبية ليست دائما حتمية في نتائجها، وقد أثبت الواقع العلمي خطأ بعض النتائج العلمية نتيجة عدم معصومية حواس الإنسان وعقله، أو نتيجة خطأ في خطوات التجربة، كما أثبت صحة بعض النتائج وتطويرها خاصة أداتيا، بينما الاعتقادات غالبا حتمية في نتائجها ذات مراتب مشككة في عمقها وتفاصيلها، شريطة اعتماد منهجا صحيحا ومنطقيا في الأدوات الكشفية للواقع، وعدم سقوط العقل في وحل الصناديق المغلقة مذهبيا ودينيا، ومع بعدنا عن عصر التشريع يمكن اعتماد الاستقراء المنطقي كوسيلة مساندة تعضد النتائج، ولكنها ليست وسيلة أصيلة بل مساندة، حيث ذكرت سابقا بأن التجربة يمكنها أن تعتبر وسيلة مساندة في ذلك والتجربة تعتمد على الاستقراء.

وقد يقول البعض أن النص له بعض الإضاءات المعرفية مصدريا في العلوم التجريبية، نعم قد يكون هناك إضاءات نصية دينية في العلوم الطبيعية، لكنها مجرد إضاءات عامة مرشدة للعقل، إلا أنها ليست منهجا أساسيا في علوم الطبيعيات، بل هي قد تشكل إضاءة مساندة للتجربة والحس والعقل، فالمنهج الأصيل في الطبيعيات يعتمد على الحس والتجربة وقدرة العقل في انتزاع النتيجة.

فكما ان في العقيدة المنهج الأصيل معرفيا يعتمد على العقل والنص، ويعضده ويسانده أحيانا التجربة والحس، كذلك في الطبيعيات المنهج الأصيل معرفيا يعتمد منهجيا على الحس والتجربة وقدرة العقل الانتزاعية للنتيجة، وقد يعضده أحيانا كمساند إضاءات بعض النصوص الإرشادية.

العناوين الكبرى والقلق المعرفي:

في العناوين الكبرى التي لا يختلف عليها عاقل، تكمن تحتها تفاصيل لا يمكن أيضا لعاقل أن يطلق أحكامه عليها اطلاقيا وتعميميا، بل يحتاج دراسة كل حالة تفصيلية تحت العنوان الكبير حتى يشخص الحالة وفق معطياتها الخاصة.

بحيث تشخيص أدوات المعرفة ومصادرها في البحث هي الخطوة الأولى مرحليا، ويضاف إلى هذه الخطوة منهجيا دراسة الحيثيات والظروف والمناخات المعرفية المحيطة بموضوع البحث، لفهم واقعه وامتلاك المكنة والقدرة على التشخيص السليم، في وصف الظاهرة أو تقييم العنوان، أو تشخيص دقة الدراسة وقيمتها المعرفية، كون سلامة المصادر والأدوات المعرفية منفردة لا تكفي، بل يضاف إليها سلامة التشخيص وفهم الملابسات وظروف الزمان والمكان.

فالنسوية على سبيل المثال عنوان كبير، لكن تكمن تحته تفاصيل كثيرة، فنجد من تصنف نفسها كنسوية متشددة مثلا، عندما نذهب للظروف التي تعانيها في محيطها، من قمع واضطهاد وعنصرية وذكورية سواء على مستوى قوانين الدولة، أو على مستوى النظام الأسري السائد، أو على مستوى عادات وتقاليد المجتمع ومعتقداته حول المرأة وشخصيتها، فعندها يمكننا أن ندرك وصفها لنفسها بالتشدد، لأن محيطها الضاغط أوجد لها ظروفا شديدة التعنصر، فولد عندها ردود أفعال عكسية شدتها أقوى من شدة الفعل الممارس عليها، هذا الجو المتطرف عنصريا يفقد الإنسان تحت الضغط العنصري قدرته على التشخيص السليم لمصادر المعرفة، وبالتالي للمنهج الذي يبنى عليه معارفه، ولطبيعة النتائج التي تتوالد عنده معرفيا شدة وضعفا. لكن لو خرجت هذه من ظروفها الضاغطة عنصريا إلى بيئة معتدلة، لانكشف لها واقعا آخرا أعاد لها اتزانها فكريا وسلوكيا وباتت انفعالاتها أكثر اتزانا وردود أفعالها المعرفية أكثر تعقلا.

إذا أدوات المعرفة ومصادرها هي الخطوة الأولى في كشف الواقع، ولكن تحتاج إلى خطوات تابعة ومهمة على الباحث التحلي بها وأهمها:

١- الخروج من البيئة وظروفها وملابساتها خروجا عاطفيا وانفعاليا، ومحاولة إدراك الواقع بتعقل واعتدال واتزان.

٢- عدم التبني السريع للمنتجات المعرفية التي تقتحم مجالنا الإدراكي بشكل سريع نتيجة هبوب ريح متطرفة عاصفة في المجتمع، واستغلال هذه الثغرة وهبوب ريح مضادة تقدم نفسها كعلاج لهذه الأزمة المعرفية، فالمعارف تتطلب بيئة متزنة غير انفعالية ولا عاصفة، تحاول أن تتطلع على الآراء بإنصاف كي تستطيع فهم طبيعة المعطيات المعرفية لكل ريح معرفية عاصفة ومصدريتها المعرفية وأدواتها، ومن ثم تفنيدها معرفيا وبناء معرفة حول موضوع البحث قائمة على التعقل والاتزان النفسي، والإنصاف العلمي، والاعتدال.

٣- معالجة التشدد المعرفي، سواء كانت قيمة المعرفة الناتجة إيجابية أو سلبية لا يتم بالتشدد، بل يكون بفهم واقع هذه المعارف وإدراك قيمتها ومن ثم معالجتها بالحكمة وليس بالصدام المعرفي، لأن من لوازم الصدامات المعرفية الجدلية الانحراف عن كشف الواقع، و الدخول في المناكفات الشخصية على حساب الحقيقة.

وهذا يقاس أيضا على غيرها من العناوين الكبرى، التي تتفق عليها البشرية، كالعدالة والحرية، و غيرها من العناوين الكبرى القلقة التي تؤرق الفكر الإنساني عبر التاريخ.

فحقوق الإنسان، والمطالبات بالعدالة والحرية، وحقوق المرأة، وحرية الاختيار والتعبير والاعتقاد، والتعددية الدينية والفكرية، وغيرها من الهموم المعرفية القلقة والعناوين الكبرى، لا يمكن أن تتم معالجتها بطريقة الرياح المعرفية العاصفة، تحت ضربات العولمة الفكرية، ولا يمكن بناءها وكشف واقعيتها ومصدريتها المعرفية، إلا بعد تأسيس رؤية كونية في ظروف معرفية متزنة لا على شكل ردود أفعال معرفية يتمترس فيها كل رأي خلف ترسانته المعرفية المغلقة، فتبنيها كما هي تحت ضغط العولمة الشعبوية التي تستخدم وسائل الضغط الإعلامي والسياسي لأجل فرض رؤيتها المعرفية في هذه المعناوين، هو انفعال شعبوي قطيعي غير قائم على أسس سليمة في تشخيص قيمة هذه المعارف الواردة إلينا تحت هذه العناوين الكبرى المهمة.

كما أن رفضها مطلقا كنوع من التمترس المضاد معرفيا، هو انفعال شعبوي مضاد غير قائم على أسس سليمة في تشخيص قيمتها، وحتى في فهم ملابساتها ومحاولة بناء منظومة معرفية تحت هذه الهذه العناوين الكبرى تتجاوز الإنفعال ورد الفعل، إلى الفعل المعرفي المعتدل المتزن في بناء مشروع متزن معوفيا لهذه العناوين الكبرى. فهي من مصاديق النزاعات المعنوية التي تتفق فيها الألفاظ وتختلف فيها المعاني بطريقة لا يمكن فيها التوليف بين الآراء، لأن الأصل الذي تنطلق منه تلك الدعوات صاحبة هذه العناوين الكبرى، الأصل المصدري والأداتي للمعرفة يختلف عن منطلقاتنا كمسليمن المصدرية والأداتية المعرفية، مما يؤدي لاختلاف حتمي في المعطيات والنتائج وفي المنظمومات المعيارية والمرجعية في تشخيص مفاهيم كالحريات والحقوق والعدالة وغيرها. نعم قد نتفق في عناوين فرعية وهذا وارد كون العقل قادر على تشخيص القبيح والحسن على مستوى الماينبغيات، ما ينبغي أن يكون وهو المستوي العملي.

فغالبا هي عناوين موجودة عبر التاريخ، لكن قد يكون بروز عنوان في بيئة وحقبة زمنية، وضمور آخر في ذات البيية والحقبة، هو بسبب الأحداث السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية المحيطة، هذه الأحداث صانعة للأفكار القلقة والهموم المعرفية، وعادة تخلق حالة من اللاتوازن المعرفي، بين إفراط وتفريط، وقليل من الأشخاص الذين يمتلكون مكنة الخروج من الحدث وضغوطه المعرفية، لمحاولة رؤية الواقع ومعالجة الإشكاليات المعرفية وفق الواقع ومعطياته، لا وفق الانفعالات وردود الأفعال النفسية على تلك الجدليات المعرفية القلقة والمتمظهرة نتيجة الأحداث.

اذا نحن هنا بصدد الحديث عن الجودة والضوابط والمصادر والمعايير، فهناك ضوابط لوصف ما لدينا بأنها معرفة، وأهم هذه الضوابط هي انطباق معايير المعرفة على ما لدينا وأهم معيار هو معيارية المصدرية بمعنى مصدر هذه المعرفة، كون المصدر يحدد مدى صدقها وقيمتها وحقيقتها وأثرها على الواقع الخارجي بل قبله على واقعنا الداخلي أيضا، هذا فضلا عن دراسة الظروف المحيطة بهذه المعارف وأسباب تولدها، وكيفية تولدها في الإدراك العام الشعبوي أو النخبوي، لفهم ملابساتها وتفكيك بنيتها وإعادة التوازن لعناوينها لإعادة توليدها من جديد بطريقة كاشفة عن الواقع والحقيقة، الذي نعيش ملابساته في زماننا ومكاننا، وليس في زمان ومكان تحكمهما ظروف معرفية مغايرة ومؤثرة على النتائج وما يترتب عليها.

فليست الفوضى التي نعيشها اليوم باسم المعرفة إلا نتاج الخلط بين التصورات والأوهام وبين المعارف الكاشفة عن الواقع، هذا الخلط هو بسبب الخلط في أدوات المعرفة والمناهج، وفي عدم فهم ملابسات المنتجات المعرفية وظروفها المحيطة التي نتجت فيها، هذا فضلا عن الطريقة الشعبوية القطيعية التي باتت تهيمن على طريقة تبني الآراء دون فهم لمدى كشفها عن الواقع من عدمه، ومدى مصداقيتها من عدمه، بل عدم فهم غايات انتشارها و تبنيها بطريقة غير علمية ولا منهجية.

 

إيمان شمس الدين

.....................

[1] المدخل إلى نظرية المعرفية /دروس تمهيدية/ الشيخ غلام رضا الفياضي / تعريب أيوب الفاضلي/ مركز السراج للتأليف والتحقيق/ ط ٢٠١٣م ـ ١٤٣٤ هـ/ ط١ ـ ص ٢٠ ـ ٢١

[2] المصدر السابق ص ٣٥

[3] أصول المعرفة والمنهج العقلي ص ٢٩

[4] ص ٦١- ٦٢لمدخل إلى نظرية المعرفية /دروس تمهيدية/ الشيخ غلام رضا الفياضي / تعريب أيوب الفاضلي/ مركز السراج للتأليف والتحقيق/ ط ٢٠١٣م ـ ١٤٣٤ هـ/ ط١

[5] أصول المعرفة والمنهج العقلي/ ص ١٩

[6] المصدر السابق ص ١٩

[7] المصدر السابق ص٥١

 

منى زيتونفعلتها تونس منذ أشهر! كما فعلتها تركيا منذ قرن مضى!

منذ فترة طويلة ونحن نقرأ عن نية واضحة في تونس لتعديل أحكام المواريث؛ بإقرار المساواة بين النساء والرجال في الميراث، لتتناسب مع التوجه العلماني للدولة التونسية. ومن الواضح أن أغلب نساء ورجال تونس راضون بهذا التعديل الذي تم مؤخرًا، ولم يشكل لهم أزمة، ولكن الأزمة أبت إلا أن تحدث في مكان آخر!

في مصر، صرّح الدكتور الأزهري سعد الدين الهلالي بأن تعديل آيات المواريث لا يناقض الشريعة الإسلامية، وأننا يومًا ما سنسير على درب تونس ونطبقه في مصر، ليسارع الأزهر بإصدار بيان يناقض فيه تصريح الهلالي.

الأهم، كان رد فعل الرجال في مصر، من كل التيارات، تجاه الأمر، وكأن أحكام المواريث هي صلب الإسلام الذي يكادون ينتهكون ثوابته عيانًا جهارًا، في كل سلوك، قولًا وفعلًا. أما النساء فقد اختلفت نظرتهن، وانقسمت رؤيتهن حول الموضوع، وقد لمست ذلك بنفسي، وإن لم تصرح سوى قلة قليلة منهن بذلك، تجنبًا للتسافه المؤكد الذي يمكن أن يرد به الرجال.

أتذكر يوم عزاء والدي أن عمتي –رحمة الله عليهما- قالت لي: لم يكن هناك أحن منه، لم يزرني يومًا إلا وأخذني في آخر الزيارة إلى جانب، ومد يده، وأعطاني مالًا.

وحتى عهد قريب، كانت هدايا المواسم والأعياد تُعد للأخوات من بيوت الإخوة، محملة بكل ما لذ وطاب من الطيور واللحوم وغوالي أصناف الأطعمة.

لم تكن أي امرأة تستشعر ضيقًا لأن أخاها أخذ ضعف نصيبها في الميراث، ليس فقط لأن الشرع قد قرر ذلك بوضوح، ولكن لأن الرجل بالفعل كان هو من يتولى مسئوليات الإنفاق وحده على بيته، ويبر بأخواته البنات لأعوام طوال حتى مماته. من ثم، كانت أحكام المواريث متناسبة مع قوامة الرجل على المرأة، وداعية لبر وصلة الرحم.

أما الآن، فأسر كثيرة تعيش على إعالة المرأة، وحرفيًا يمكننا القول إنه لولا عمل الأم لتضور أبناء تلك الأسر جوعًا، بينما الأب ينفق أمواله على نفسه، ما بين جلسات مقاهٍ، وتعاطي مخدرات، وبعضهم ينفقها على مظهره، وقد يعطي القليل لأبنائه، وقد لا يعطي! فإن كان أشباه رجال لا ينفقون على أولادهم، هل يُنتظر منهم أن يبروا بأخواتهم؟!

حُكي لي عن إخوة ذكور –رغم غِناهم- رفضوا شراء تجهيزات زفاف أختهم الصغرى من مالهم، وقاموا بشراء جزء من نصيبها في الميراث في أرض زراعية كي تشتري ما يلزمها لبيتها، ورضيت صاغرة، لكن لم يفتها أن تسألهم: ولماذا أعطاكم الله إذًا ضعف نصيبي في الميراث إن لم تدفعوا لأمر كهذا؟!

في المقابل، أعرف نموذجًا مخالفًا تمامًا لأخ وحيد، أشرف على تربية أخواته البنات بعد ممات والده، وزوجهن من ماله، وأعطى كل منهن نصيبها في الميراث كاملًا غير منقوص، فهل شعرت إحداهن للحظة أن شرع الله قد ظلمها؟!

أعلم أن المتنطعين ليسوا إلا فئة من رجال المجتمع المصري والعربي، ولكن أعدادهم في تزايد، ومسئوليات المرأة عن إعالة نفسها وأولادها تتزايد هي الأخرى، وكان طبيعيًا أن تشعر هؤلاء النساء بالغُبن، لأن المقصد الشرعي لتقرير نصيب الرجل المضاعف لنصيب أخته قد انتفى فعليًا على أرض الواقع، بينما بقي الحكم، والرجال يدافعون تحديدًا وبشراسة عن بقاء أحكام المواريث لأنها في مصلحتهم، وليس حبًا في العمل بالشرع المعطلة أحكامه في مواطن عديدة، دون أن نجد أي مواقف عنترية مماثلة للدفاع عنها.

يمكنني القول أيضًا إن دفاع الرجال عن بقاء أحكام المواريث دون مساس، هو جزء من نظرة الرجل المصري الدونية للمرأة، التي تتزايد كلما زادت الحياة في إلقاء ضغوطها عليه؛ فالرجل المصري الذي تشعره كثير من مواقف الحياة غير الكريمة بالإهانة، يرى في نظرته للمرأة ككائن أقل منه في الحقوق، ويشعر أمامه بالقوة والتميز، تنفيسًا عن أزمته النفسية الخانقة. إنه دفاع عن النفس، وليس عن الشرع.

قد تكون الأزمة الاقتصادية سببًا رئيسيًا من أسباب الإشكالية، وهي التي تقف وراء تغير كثير من مفاهيم الرجولة في المجتمع، ولكن الحقيقة أنها أزمة أخلاق في المرتبة الأولى، وليس كل من يتنطع فقيرًا، ولا كل من يجود بغني، وليس كل من يسيء إلى المرأة مضغوطًا اجتماعيًا، ولا كل من يحسن إليها بمُرفهٍ.

وما قصدت قوله إن هناك نظامين؛ نظام إسلامي ونظام علماني. النظام الإسلامي الذي وضعه الله سبحانه وتعالى لا تنطوي تحته أحكام المواريث وحسب، هناك القوامة وهناك بر وصلة الرحم. وأشباه الرجال يأخذون من النظام الإسلامي أحكام المواريث لأنها في صالحهم، وأحيانًا في بعض المناطق في دول العرب كصعيد مصر، يمنعون البنات من الميراث كليًا -وعندها لا نجد أحدًا من المتباكين على الشرع يفتح فمه-، كما يأخذ أشباه الرجال من النظام العلماني إسقاط القوامة والبر بالأخوات!

فإما النظام الإسلامي كله أو النظام العلماني كله، وعن نفسي فأنا مع النظام الإسلامي؛ فلأن الله سبحانه وتعالى هو من شرع أحكام المواريث، أرى أن تغيير أحكام المواريث ليس هو الحل، بل الحل أن يعود الرجال رجالًا.

 

د. منى زيتون

 

مصطفى المتوكل الساحليإن نخب الطبقة الحاكمة مثلها مثل كل النخب الأخرى تكون مشكلة من قوتين:

 نخبة واعية وناضجة ومتفهمة، تميل الى العقلانية والواقعية وتجنح الى الديموقراطية وتقوية مؤسسات دول الحق والقانون مع الدعوة ألى انتهاج سياسة اقتصادية واجتماعية تحقق الحد الأدنى من الاطمئنان والرضى والتفاؤل الإيجابي بالمزيد من التطور والتقدم المتدرج والمتحكم فيه وغير المخل بالتوازنات وفق فهمها وقراءتها لها وتدعو الى تجنب القرارات والإجراءات المخلة بالاستقرار، وفي نفس الوقت تضع كل الضمانات والتشريعات التي تحمي وتطور قدرات البورجوازية والراسمال الخاص ...

وجزء آخر من النخبة الحاكمة يميل إلى الجمود والمحافظة ببعدها الإقتصادي والتدبيري لكل مرافق وثروات وموارد الوطن حيث تميل إلى تقوية نخبتها بتشجيع تجمع الثروة بين يدي قلة حليفة ولاتكترث كثيرا لأوضاع الطبقات الشعبية وحتى الطبقة الوسطى التي تعتبر محورا مهما للتوازن بالمجتمع إن كانت هي الأخرى مدركة لموقعها وطبيعة انتمائها وعالمة بمصالحها الحقيقية،،

 وتنظر هذه النخبة الحاكمة إلى باقي النخب الخارجة عن دائرة طبقتها الحاكمة بنظرة الإحتراز والحذر حتى لاتقوم مقامها وتنهي أو تحد من دورها اعتبارا لتعارض المصالح وتناقضها أحيانا، حيث أن اغلب المنظومات الفكرية السياسية الداعية للتغيير والإصلاح تنظر بشكل مباشر أو مضمن ضرورة القطع مع توجهات النخبة المعطلة للتطور والعدالة الإقتصادية والإجتماعية ...

ان البورجوازية والبيروقراطية والمستفيدين من ثروات الوطن بكل أشكال الملكية والتملك ومسالك وآليات تدوير الثروة يميلون الى انتهاج سياسات ارستقراطية موغلة في التقليد بصيغته التي ترى ان الولوج للحكم والتسيير العمومي يكون من طبقتهم ومجتمعهم الخاص ومن التكتوقراط ومن الهيئات التي تقبل بسياساتهم وتتفانى في تنفيذ ما يعجزون عن تنزيله ،،

...ويدخل في هذا السياق البعض من الأطر والموظفين المتشبعين بكل أشكال السلوك البيروقراطي التحكمي الذي يحول المسؤولية وخذمات الوظيفة العمومية الى ريع ومورد لدخل غير مشروع يحقق الثراء والمكانة المتوهمة حيث يعتبرون انفسهم اليد الطولى للإدارة والدولة، بل ويتخذون قرارات تفرغ القوانين والسياسات من التزاماتها وتعهداتها ...

إن من تجبر الأغلبية الحاكمة وسوء تطبيقها لإرادة الشعب كقوة وآلة انتخابية أنها مخولة بقوة القانون لإستصدار كل القرارات والإجراءات التي تشرعن لإفراغ جيوب الكادحين والشغيلة بإثقال أجورهم بارتفاع الأسعار وتكلفة العيش،وتجميد الأجور،، وبالاقتطاعات الضريبية المختلفة المباشرة وغير المباشرة ولفائدة صناديق أو أبواب مستحدثة بإسم الإصلاح أو الرعاية الإجتماعية والصحية،، لأنهم لايمتلكون الجرأة على القيام بالمعالجات الجوهرية والديموقراطية التي تقوم على معادلة تقاسم الثروة واستفادة الشعب منها،، ومعها تقاسم أعباء مصاريف الدولة والحكومة كل حسب ثروته ودخله .. أي عدالة في التوزيع وفي التضريب وفي الإسهام والبناء التنموي المستدام ...

إن التغيير والتطور وبناء مجتمع تكافؤ الفرص والعالة الشاملة ودولة المؤسسات وحقوق الإنسان والكرامة الفعلية الملموسة من طرف عامة المواطنين والمواطنات، يحتاج إلى وجود نخبة حية صالحة ومؤمنة بحقوق الشعب المقدسة والضرورية وحتى الكمالية في وطنه .. نخبة تصنع لنفسها مكانتها الريادية بمصداقيتها ووفائها وتضحياتها مع الشعب، تتنصح وترشد وتحرص على تقوية المجتمع بتوعيته بحقوقه وواجباته، وتؤطره للدفاع عن نفسه بل وتحميه بقوتها الإعتبارية وترافعها الحكيم والصريح،، وتنتج المعرفة الرافعة للتنمية الفكرية وترشيد العقل والسلوك العام وتكشف عن إيجابيات وسلبيات الحاضر وتتوجه إلى المستقبل ببرامج عملية موضوعية تفتح أبواب التجديد والتحديث والتطور،، كما تسعى لبناء مجتمع متضامن متكامل يحمي ويثمن مكتسباته ويبني وينشئ أخرى له وللأجيال المقبلة ..

إن تراجع النخب الوطنية المثقفة عن أدوارها التاريخية الواجبة أخلاقيا يحولها إلى آلة تساهم بصمتها وعدم القيام بمهامها في تفكك المجتمع وتدهور أحوال الوطن واختلال التوازنات وتهديد الدول بالسكتات والأزمات السياسية والفكرية والأخلاقية التي تتسبب في الفتن التي تمزق المجتمع إلى فئات وجماعات ومرجعيات متناحرة تأتي على الأخضر واليابس لا أحد يقبل بالآخر ..

 إن علامات الأزمة والتردي واضحة في العديد من الدول المتخلفة والسائرة في طريق النمو،، ويعلم بأسبابها الجميع،، لكن الجرأة في اتخاذ القرارات التي تحمي الدولة بحماية قدرات الشعب الكادح وضمان حرياته ورخائه ضعيفة ومترددة إن لم نقل أنها بالغت في الإستخفاف بالمآلات والنتائج التي لايتجاهلها إلا جاهل ومعاند مكابر .. وهذا يسري على القوى الحية والأحزاب والنقابات وهيئات المجتمع المدني ...

 

بقلم: مصطفى المتوكل الساحلي – تارودانت

 

1006 داليا لاماالذي دعاني لاختيار عنوان هذا البحث، ومناقشةِ هذا الموضوع، هو كتابٌ وقعَ في يدي عُنوانُهُ

BEYOND RELIGION "Ethics for a Whole World

كتبه زعيم البوذيين في التبت " DALAI LAMA (*).

والكتابُ كما يبدو من خلالِ عُنوانهِ "ماوراء الدين"، اخلاق للعالم كله، والمؤلفُ سعى لطرحِ اخلاقٍ لاتستمد اسسها من الدين، ولاتتعارض مع مفاهيم الدين ومقولاته، وهي صالحة لكل الناس على اختلاف مذاهبهم وافكارهم ودياناتهم، وهي تستوعب حتى الملاحدة الذين لايؤمنونَ بدين، وتشمل اللاادريين والناس جميعاً.

والمُؤلفُ اطلق على هذه الاخلاق العالمية " الاخلاق العلمانية"، ووضح الكاتب مايعنيه بكلمة "علمانية"، فهو لايعني بالعلمانية، العلمانية التي نشأت في السياق التأريخي للغرب، وفي ظل مُناخات الغرب المشحونة بالصراع مع الدين ورجاله . مفهوم العلمانية الغربي مشبع بحمولة الكراهية للدين، ونبذ الدين .اما الاستخدام الهندي للكلمة فغير مُعَبَأ بهذه الحمولة . الاستخدامُ الهندي لكلمة علمانية، لايحمل عداء وكراهيةً للدين، بل يحترم كل التدينات التي يتدين بها البشر، ولكنه لايستقي مفاهيمه منها .

والسؤالُ الذي يَطرحُ نفسَهُ، هل يمكننا ان نتصورَ اخلاقاً بلا دينٍ ؟ وهل يستطيع الملحدُ الذي لايؤمنُ بدينٍ، ولابالهٍ، ولابآخرةٍ، ولابحسابٍ، ان يُنشئ منظومةً اخلاقيةً، وهل تستطيع المجتمعات المادية ان تقدِّمَ لنا وصفةً اخلاقيّةً شاملةً، وهي تعاني من امراضها الاخلاقية . التقدم الماديُّ الذي وصلت اليه هذه المجتمعات، ليس بالضرورة، يصحبهُ تقدمٌ اخلاقيٌّ .

هناك من يرى أنَّ الاخلاقَ لايمكن ان نتصورها من غير دين، منهم الفيلسوف الالماني "فيخته" الذي يقول: (انّ الاخلاقَ من غيرِ دينٍ عبثٌ)، والمهاتما غاندي يرى ارتباط الاخلاق بالدين ارتباطاً وثيقاً، وان الدين هو الذي يغذّي الاخلاق، يقول غاندي: (الدينُ يُغّذّي الاخلاقَ وينميها ويُنعِشها كما أنَّ الماءّ يُغّذِّي الزرعَ وينميه) ويقول القاضي البريطاني "ديننج": (بدون الدين لايمكن ان تكونَ هناك اخلاقٌ وبدون اخلاق لايمكن ان يكون هناك قانون)(1) .

وهذه الصلةُ القويةُ بينَ الدينِ والاخلاقِ تحدث عنها عالمُ الاجتماع ايميل دوركايم بقوله: (انّ الاخلاقَ والدينَ قد ارتبطا ارتباطاً وثيقاً منذُ أَمَدٍ بعيدٍ، وظَلاّ طوالَ قرونٍ عديدةٍ مُتشابكينِ، فلم تصبح العلاقاتُ التي تربطهما علاقاتٍ خارجيّةٍ أوظاهرة، ولم يعُد من السهلِ فصلُهُما بعمليّةٍ يسيرةٍ كما نتصور).(2)

النظريات المتضاربة دليل العجز الانساني

النظريات الاخلاقيةُ المتضاربةُ في مُقارباتِ البشر، دَليلٌ على عجزِ البشر على تقديم منظومةٍ اخلاقيةٍ متكاملةٍ تُنقذُ الانسانَ من انهيارهِ الأخلاقيِّ، فمذهبُ اللّذة عندَ ابيقور، الذي يعتبرُ اللّذةَ هي الخير الاعظم، والغايةُ القُصوى يزري بانسانية الانسان؛ اذ يجعله حيواناً باحِثاً عن اللّذةِ والمُتعةِ الحسيّة . هل هذه نظريةٌ اخلاقيّةٌ ترتقي بالانسان ام تهبط بهِ الى الحضيض والدرك الاسفل. وسقراط اعتبر الفضيلةَ هي الخيرُ الاسمى، وخالفه ارسطو الذي اعتبر الفضيلة وسيلة لاغايةً، هي وسيلة للوصول الى الخير الاسمى الذي هو السعادة عند ارسطو .

ولم يأتِ فلاسفةُ الاخلاق الاوربيين بجديد، لم يضيفوا شيئاً لم يقلهُ فلاسفةُ الاغريق، انما قدموا افكار اليونانييّن عن الاخلاق باساليبَ جديدة، وبصيغٍ حديثةٍ .

الاخلاق عند ديكارت هي تكرارٌ لما قاله الرواقيون، ومذهب سبينوزا هو مذهب الرواقيين، واخلاق كانظ هي اخلاق الرواقيين باساليب جديدة، وصيغ جديدة، ومذهب بنثام وجون ستوارت مل في المنفعة، هو صياغة جديدة لمذهب الابيقوريين .(3)

نعم، اضاف كانط شيئاً جديداً، الفيلسوف كانط طرح فكرة عظيمة، وهي فكرة الواجب، وفكرة الالزام، وطرح فكرة الارادة الانسانيّة، وان الانسان كائن اخلاقي مسؤول عن تصرفاته وافعاله . ركّزَكانط في فلسفته الاخلاقيّة على الدوافع بينما كانت الفلسفات الاخرى كمذهب اللذة والمنفعة، والمذهب البراغماتي في الاخلاق، اولت اهتمامها للنتائج .

الفلسفة الاخلاقية النفعية، وفلسفة الاخلاق البراغماتية انتجت لنا الرأَسماليّة بوحشيتها ولاانسانيتها.. فهل هذه فلسفات اخلاقية ارتفعت باقدار البشر، واعلت فيهم معانيهم السامية، ام انها حولت البشر الذي كرمه الله الى مخلوقٍ يبحث عن اللذة والشهوة والمنفعة، ويسحق الشعوب، ويدوس على كل القيم من اجل تحقيقها.

الاخلاق والقيمُ الداخليّة

فكرةُ الاخلاقِ تنبع من القيم الداخليّة، والقيم الداخليّة كاستعدادات فطرية مزروعةِ في اعماق النفس الانسانيّة، هي التي اشار اليها القران الكريم بقوله تعالى:

(وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا (10). (الشمس: الايات: 7و8و9و10) .، فالنفس الانسانيّة لديها استعدادات الفجور والتقوى، ودور الارادة الانسانيّة هو ابراز هذه الاستعدادات . بدون هذه الاستعدادات، لايمكن ان نؤسس لمنظومةٍ اخلاقيّةٍ .

الدالاي لاما في كتابه، طرح فكرة "القيم الداخليّة "، ولكنه يرى انه بامكاننا زراعة هذه القيم واستنباتها، وانا لااوافقه الراي. انا اقول هذه الاستعدادات فطرية، لايمكن ان نقيم منظومةً اخلاقيّةً بدونها ؛ فهي حجر الزاوية في اقامة صرحٍ اخلاقيٍّ.

الانسان في اعماقه، يدرك الخير من الشر، ويميز بينهما، ويستطيع ان يفرز الخطأ عن الصواب . وهذا ماعبّرّ عنه "بطلر" بالضمير حيث يقول: (انَ اوامرَ الضميرهي صوتُ اللهِ، وانها تمثّل قوانينّ العدالةِ الالهيّة) فاعتبر الضمير اساس الاخلاق . وهذا يقترب من فكرة الواجب عند كانط، اذ يرى كانط: " ضرورة القيام بفعلٍ عن احترامٍ للقانون"، ويقصد كانط بالقانون القانون الاخلاقي . (4)

وهذا الالزام الاخلاقي المرتبط بارادة الانسان الواعية يتحدثُ عنه كاريل فيقول: (يجب على الانسان أن يفرضَ على نفسهِ قاعدةً داخليّةً حتى يستطيعَ أن يحتفظَ بتوازنهِ العقليّ والعضويَ . انّ اي دولةٍ قادرةٍ على فرضِ القانونِ على الشعبِ بالقوةِ، ولكن لاتستطيع ان تفرضَ عليه الاخلاق). (5)، وبنفس الاتجاه يتحدث عن هذه الفكرة (فكرة الالزام الاخلاقي)، عالم الاجتماع اميل دوركايم: (ان النظامَ الاخلاقيَّ يوجهنا نحوَ السيطرةِ على النفسِ بالذات، ويعلمنا كيفَ نسلُك على غيرِ ماتريدهُ دوافعُنا الباطِنَةُ، فلا يترك نشاطنا ينساب في مجراه الطبيعيّ، ولكن يعلمنا كيفَ نُقَدِّمُ السلوكَ بمجهودٍ ؛ ولذا فانَّ كلَّ فعلٍ اخلاقيّ يتضمنُ مقاومةً يبديها لميلٍ معينٍ، وكبتاً لشهوةٍ ما، وتقييداً لنزوعٍ خاص) . (6)

الاشكاليّةُ الاخلاقيّةُ في فلسفةِ افلاطون وارسطو

النظرة الاستعلائية عند الفيلسوفينِ الكبيرينِ افلاطون وارسطو، تمثل اشكاليةً في فلسفتهما الاخلاقية، فهما ينظران الى اليوناني نظرة استعلائية تجعله فوق الاخرين، وهذا ماتحدث عنه الفيلسوف برتراند رسل بقوله: (لقد اخطأ اليونان خطأً فاحشاً حينَ احسوا شعورَ السيادةِ على الشعوبِ البربريّةِ، ولاشكَّ ان ارسطو قد عبّرَ عن فكرتهم العامة في ذلك حين قال: "ان اجناس الشمال مليئةٌ بشعلةِ الحياةِ، واجناس الجنوبِ متحضرة، واليونان وحدهم هم الذين يجمعون الطرفين . فشعلةُ الحياةِ تملؤهم، وهم في الوقتِ نفسهِ متحضرون . وافلاطون وارسطو كلاهما قد ذهب الى انه من الخطأ ان يتخذَ من اليونانِ عبيدُ لكنّ ذلكَ عندهما جائز بالنسبةِ للشعوبِ البربريّة).(7)

الاخلاقُ الوضعيّةُ

المدرسةُ الوضعيّةُ التي اسسها "اوغست كونت"، حاولت ان تقيم كل شيءٍ على اساس التجربة، حتى العلوم الانسانيّة كعلم الاجتماع وعلم النفس، بل حتى الاخلاق، اقامتها على اساس علميٍّ تجريبيّ .

والاخلاقُ الوضعيّةُ عند كونت تقوم على الاسس التاليّة:

1- تقوم على اساس العلم الوضعيّ

2- نسبيّةُ الاخلاق، وتستمد الاخلاقُ نسبيتها من نسبية المعرفة، وليس لها طابع مطلق كما يرى كانط .

3- تتحدد المشكلة عند كونت في تغلب غرائز المودة على دوافع الاثرة والانانيّة، اي بتغليب النزعة الاجتماعية على نزعات الفرد.

4- تغليب العاطفة الاجتماعيّة .

هذه هي الفلسفة الاخلاقية التي اقامها كونت على اساس تجريبي وضعي، وغلّبَ فيها الجوانب الاجتماعية التي تشكل اسس الاخلاق عند كونت وفلسفته الوضعية، وهذه النظرة موجودة عند دوركايم، فالضمير الذي اعتبره "بطلر" صوت الله في الانسان، واعتبره اساس الاخلاق، جاء دوركايم ليقولَ لنا: (ان الضمير يعكس بيئة الجماعة، وتلتقي فيه تعاليمها، فالانسانُ ابنُ عصرهِ، ووليد بيئتهِ). (8)

وقد وجه الدكتور محمود قاسم سهام نقده لاوغست كونت وفلسفته الوضعية للاخلاق، بقوله: (لقد ظنت المدرسةُ الفرنسيّةُ ان المجتمعَ هو الذي يفرضُ القيمَ الاخلاقيّةَ فرضاً، ورأى ابن باديس، ومثله جمال الدين الافغاني، ان الاخلاق هي التي تنبع من اعمال الضمير المتدين، لامن قهر المجتمع ؛ لان صوتَ الضمير اقوى من مئات القوانين).(9)

الاخلاق واحدة والاداب متغيرة

اذا كانت جذور الاخلاق، موجودة في اعماق النفس الانسانية، فهي من الثوابت، والاخلاق واحدة، اما التخلقات فهي المتغيرة . الاداب هي المتغيرة، والتي تختلف من ثقافة الى اخرى، ومن مجتمعٍ الى اخر . فكما ان الانسان لايصنعُ ديناً بل يصنع تدينات وديانات ؛ لان الديانة تأتي صرفياً على وزن فِعالَة، وهذا الوزن يتعلق بالحرف والصناعات، مثل عمارة وسقاية ونجارة، وكذلك ديانة فالديانة صنعة الانسان، والدين صبغة الله، وكذلك الامر مع الاخلاق .

ماقدمه الانسانُ من فكرٍ اخلاقيّ هو تخلقات لااخلاق .

نعم، ادعو الى اخلاقٍ عالميةٍ تسع الجميع على اختلاف دياناتهم، ومدارسهم الفلسفية، تسع الناس على اختلاف دياناتهم وافكارهم، واطلقُ عليها " الاخلاق الحضاريّة " التي تستمد اسسها مما تركه الانبياء حملة رسالات الله، التي تتناغم مع الاسس والقيم الداخلية الموجودة في اعماق النفس الانسانيّة والتي يسلم بها جميع البشر على اختلاف اديانهم ومذاهبهم الفكرية ؛ لان هذه "الاخلاق الحضارية" تعبر عن مشتركات انسانية يقبلها الجميع.

 

زعيم الخيرالله

..............

المصادر

 (*):BEYOND RELIGION,Ethics for a whole world.

1- القرضاوي، يوسف، الايمان والحياة، ص 211 .

2- دوركايم، اميل، التربية الاخلاقية، ص 11.

3- كرم، يوسف، الفلسفة اليونانيّة، ص 233 ..

4- كانط، عمانوئيل، تاسيس ميتافيزيقا الاخلاق، ص 33.

5- اتجاهات الفلسفة المعاصرة، ص 94.

6- دوركايم، اميل، التربية الاخلاقيّة، ص 47.

7- رسل، برتراند، تأريخ الفلسفة الغربيّة، ج1، ص 251.

8- الطويل، توفيق، الفلسفة الخلقيّة، ص 270.

9- قاسم، محمود، الامام عبدالحميد بن باديس، ص 51 .

 

منى زيتونفور انتهاء انتخابات الرئاسة المصرية التي أُجريت في مارس 2018، والإعلان عن نتيجتها المحسومة سلفًا في الثاني من أبريل من نفس العام، بدأ الإعلان عن، ثم تنفيذ حزمة من الإجراءات المتناقضة التي كان من شأنها توسيع الهوة الاقتصادية بين المصريين.

طالعتنا الصحف المصرية في أبريل 2018 بخبر مؤكد عن صدور قانون من مجلس النواب المصري يقرر زيادة كبيرة في رواتب ومعاشات رئيس الحكومة ونوابه والوزراء، وكذا رئيس مجلس النواب ونوابه والأعضاء، مع تقرير عن زيادات قريبة لأعضاء السلك الدبلوماسي. ثم توالت علينا في شهري مايو ويونيو أنباء مؤكدة هي الأخرى عن زيادات في أسعار الكهرباء والمياه والوقود، في الوقت ذاته الذي زيدت فيه ميزانية البرلمان، وتمت الموافقة على سفر عدد كبير من نوابه لحضور مبارايات مصر في كأس العالم على نفقة الدولة!

استفز قانون زيادات معاشات المسئولين والتصريحات المتعلقة به من المسئولين والإعلاميين عموم المواطنين، خاصة وأن الحكومة قد طعنت في الشهر ذاته –أبريل- على حكم القضاء بأحقية أصحاب المعاشات في علاوات اقتطعت منهم دون وجه حق! وكان الأكثر استفزازًا أن تقرر تطبيق القانون الجديد الخاص بالوزراء بأثر رجعي من عام 2015! ثم تنفيذ الزيادات التي كانت متوقعة في أسعار الطاقة والوقود دون حتى انتظار زيادة الرواتب المرتقبة لعموم الموظفين في يوليو 2018.

لم يكن الأمر بالنسبة لي ولا لغيري من المعارضين مفاجئًا؛ فسياسة نظام السيسي واضحة إلا للعميان المُصرِّين على التغافل. النظام يضغط على الفقراء بغباء، لا يهمه أن يزدادوا فقرًا، ويزيد غيرهم غنى. ولا زال أمام الفقراء حزمة جديدة من الغلاء عليهم أن يواجهونها في القريب، لم يبال النظام بالإعلان عنها متبجحًا قبل موعدها، ومتوعدًا إياهم بأنها ليست إلا مرحلة جديدة من مراحل رفع الدعم نهائيا عنهم.

بئر معطلة وقصر مشيد!

يقول تعالى: ﴿فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ﴾ [الحج: 5].

قال الإمام الطبري في تفسير الآية: "﴿وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ﴾ يقول تعالى: فكأين من قرية أهلكناها، ومن بئر عطلناها، بإفناء أهلها وهلاك وارديها، فاندفنت وتعطلت، فلا واردة لها ولا شاربة منها ومن ﴿وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ﴾ رفيع بالصخور والجص، قد خلا من سكانه، بما أذقنا أهله من عذابنا بسوء فعالهم، فبادوا وبقي قصورهم المشيدة خالية منهم"أهـ.

ووفقًا لهذا التفسير لم يكن الإهلاك مصحوبًا بنازلة حدثت بالمباني، بل خص البشر دون الحجر! ولا أفهم كيف يستقيم هذا مع قوله تعالى ﴿فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ بما يعني أن عروش المساكن –سقوفها- قد سقطت، ثم سقطت عليها الجدران؟! صحيح أن بقاء آثار الظالمين مع زوالهم عظة تُترك لمن بعدهم علَّهم يعتبرون، لكن لا يعني هذا أن يُدعى أن آثارهم لا زالت قائمة، خاصة وأن هذا لا يُفهم من الآية عند التدقيق.

وسبب الإهلاك؛ وهو ظلم أهل القرية حاضر في الآية، وإن كان اللافت أنه جل شأنه نسب الإهلاك والظلم كليهما للقرية، والقرية مكان لا يهلك ولا يظلم، وإنما يهلك ويظلم ساكنوه. وهي دلالة على أن الهلاك -إن حق عليهم- يصيب الجميع لا ينجو منه رءوس القوم أو بسطائهم.

و﴿فَكَأَيِّن﴾ للتكثير، فهي مبالغة في الكم؛ فكأن الحق سبحانه يقول: كم أهلكنا أهالي القرى الظالمة. لكن، تراه ما كان هذا الظلم الذي تسبب في الهلاك، وهل كان الكفر بالله؟!

لقد رأى مفسرونا في تعطيل البئر أنه رغم أنها مليئة بالماء إلا أنه لا يُستقى منها لهلاك من كانوا ينتفعون بها. ولكن فاتهم أن ذلك التفسير قاصر عن توضيح المقابلة في الآية بين تعطيل البئر المتخذ لمنافع عموم الناس والقصر المشيد الذي لا يكون إلا لخواصهم. فعلى رؤيتهم يكون هلاك سكان القرية السبب في تعطل البئر، ولم ينتبهوا إلى أنه قد يكون العكس هو الصحيح!

تعطيل الشيء في اللغة هو إبطال منافعه؛ فهناك بئر لا يمكن أن يستقي منها الناس رغم أنها ممكنة الاستفادة منها، ويظهر لنا في المشهد أيضًا ذلك القصر المشيد الذي لا يكون إلا سكنًا لعلية القوم. وما أفهمه من الآية أن ذلك الظلم الذي أوجب الهلاك كان فسق الحكام وترفهم وتخاذلهم في الوقت ذاته عما يتوجب عليهم من إصلاح أمور العامة؛ فهو السبب، والنتيجة هي هلاك سكان القرية برمتها وليس فقط المترفين.

ألا يذكرنا هذا بقوله تعالى: ‏‏﴿‏كَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا﴾ [الأنعام: 123] وقوله تعالى: ﴿‏وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ [الإسراء: 16].

في آية الإسراء كان ترتيب العلاقة السببية أوضح؛ ففسق المترفين أدى إلى هلاك القرية، كما أنه من الواضح أن ذلك الهلاك للقرية كان بتدمير الحجر وليس فقط إفناء البشر مع بقاء آثارهم قابلة للانتفاع وفقًا لما فهمه مفسرونا من آية الحج، وأحسبه فهم خاطئ؛ كونهم عكسوا العلاقة السببية، وما حسبوه بقي من مباني إنما ذُكر لتوضيح تضاد الوضع قبل الإهلاك بين معيشة الفقراء الذين عُطلت أهم منافعهم وهي البئر، ومعيشة الأغنياء الذين تمادوا في الترف فسكنوا القصور، فكان هذا الوضع سببًا لهلاك الجميع؛ من فعل ومن رضخ وأذعن للاستبداد.

المنحنى الجرسي

من المعروف لأي دارس للفروق الفردية أن الصفات الإنسانية تتوزع توزيعًا اعتداليًا بين البشر. نجد هذا في الصفات الجسمية كالطول والوزن، كما نجده في الصفات العقلية وأهمها الذكاء، كما يُلاحظ حتى في السمات الانفعالية وحتى الخلقية. فهناك نزعة مركزية؛ تجعل عموم البشر تميل إلى المركز، وهو متوسط  الدرجات في أي صفة.

بمعنى أنه في حال سحب عينة عشوائية من المجتمع، كبيرة بما يكفي لتعبر عن أفراده، واستخدام مقياس مقنن، فسيتوزع أغلب أفراد هذه العينة في الصفة المقيسة عند المنتصف، حول المتوسط، وتبلغ نسبتهم حوالي 68%، وسيقل التطرف زيادة ونقصًا كلما ابتعدنا عن متوسط الدرجة.

ولأن هذا التوزيع هو الذي يعبر عن الاعتدال في الصفة وعدم الميل والإجحاف، يسمى التوزيع اعتداليًا، ولأنه يعبر عنه بيانيًا في شكل منحنى يشبه الجرس يسمى المنحنى الجرسي أو المنحنى الجرسي الاعتدالي.

1004 منى1

وهذه الفروق الفردية لا تقتصر على البشر، بل يمكن ملاحظتها في جميع الكائنات الحية. كما ولا يقتصر التوزيع الاعتدالي على صفات البشر بل ينطبق حتى في أنصبة البشر من كل الموارد؛ فدرجات الحرارة تتوزع اعتداليًا على مدار العام، وكميات المطر التي تسقط في بلد ما على مدار أعوام تزيد وتنقص بحيث تشكل منحنى اعتداليًا أيضًا!

ومن المفترض أيضًا أن تتوزع الأجور–كنوع رئيسي من الموارد- بين البشر توزيعًا اعتداليًا جرسيًا كي تستقيم الحياة ويستمر المجتمع دون أن يحل غضب الله عليه ويهلك. لكن فئات من البشر بطمعهم تحدث التواءً في التوزيع، فتبعده عن التماثل.

والتوزيع الاعتدالي للأجور في المجتمع لا ينكر تفاوت الناس ووجود الطبقات الاجتماعية، لكنه فقط يُنكر أن تقل الطبقة المتوسطة التي يُفترض أن تكون السواد الأعظم، ويلتوي المنحنى التواءً سالبًا بحيث يكون ذيل المنحنى ممتدًا نحو اليسار، لتكون أكبر فئاته متركزة في الطبقات الفقيرة، والأشد فقرًا، بينما المجتمعات المتقدمة تجتهد في رفع متوسط الدخول، وفي ليّ التوزيع جهة اليمين لتزيد الفئات التي تحيا في رغد من العيش.

1004 منى2

الثورات والعدالة الاجتماعية

ومشكلة افتقاد العدالة الاجتماعية في مصر قديمة قدم التاريخ. وبالنظر في تاريخنا الحديث فقد كان من أهداف ثورة يوليو 1952 تحقيق تلك العدالة الاجتماعية المنشودة. يبدو ‏هذا منطقيًا لأن الطبقية الشديدة في المجتمعات دائمًا ما تكون السبب الأول في ثورة الشعوب، وإن كانت حقيقة الأمر أن الشعب ذاته لم يثر، وكانت صياغة أهداف الثورة محاولة لإكسابها شيء من الشرعية وإظهار حراك الجيش على أنه تلبية لمطالب الشعب.‏

ظاهريًا كانت الثورة مع تحقيق العدالة الاجتماعية، وكان طريقها إلى ذلك اجتزاز الطبقة ‏الحاكمة وعلية القوم في العهد الملكي وإفقارهم، ورفع مستوى الفقراء بالتعليم والتوظيف وتملك ‏الأراضي.‏

يمكن القول إن ثورة 1952 في بدايتها قد خلقت نوعًا آخر من الانحياز للفقراء على حساب ‏الأغنياء، أو بالأحرى الذين كانوا أغنياء في العهد الملكي، لكن في مرحلة لاحقة من عهد عبد ‏الناصر خلقت طبقة ثرية وضيعة من أصحاب النفوذ، ليعود التفاوت الطبقي من جديد. ثم في عهد السادات ساعدت سياساته الاقتصادية ‏في خلق طبقة رجال أعمال انتهازية أوجدت نمطًا استهلاكيًا سيئًا لدى عموم الشعب لأجل تسويق ‏سلعها وزيادة مكاسبها، وذلك على عكس رجال الأعمال في العهد الملكي الذين كانوا رجال ‏صناعة، استثمروا في بناء المصانع، ولم يكن كل همهم استيراد السلع التافهة.

وكان اتساع التفاوت الطبقي مرة أخرى في عهد مبارك ‏الباعث الرئيسي لقيام ثورة يناير 2011. وها هو الوضع يسوء في عهد السيسي إلى درجة مخيفة. يحدث الآن في المجتمع المصري أن أعداد الفقراء فقرًا مدقعًا تتزايد من جديد، بينما تقل أعداد الطبقة الوسطى.

وإن أردنا التشبيه بإسقاط ما يحدث في التركيبة الاجتماعية المصرية على صفة جسمية كصفة الطول سنجد أن الأمر أشبه بمجتمع أفراده متفاوتو الطول إلى حد بعيد، يمشي أفراده العمالقة –على قلتهم- بمعزل عن أغلب أفراده من الأقزام، ولا تكاد تلحظ العين أفرادًا متوسطي الطول بينهم.

وهل يمكن أن نتخيل مجتمعًا يزيد فيه العباقرة عن الحد الطبيعي في مقابل ارتفاع مخيف في أعداد المتخلفين عقليًا، بينما لا يكاد يوجد متوسطو ذكاء؟!

إن أي محاولة جادة لإصلاح المجتمع المصري تقتضي أولًا وقبل كل شيء أن نضع نُصب أعيينا تلك المقابلة القرآنية بين حال المترفين ساكني القصور وحال المعدمين ممن تعطلت معايشهم، وكيف كانت سبب هلاك الجميع. مرة أخرى ﴿وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ﴾.

لكن المشكلة ليست في حدة التفاوت الطبقي وحسب، بل في انعدام الحراك الاجتماعي أيضًا؛ حيث يعتبر الحراك الاجتماعي وسيلة الفقراء للترقي في المجتمع، والمجتمع المصري مع انتشار الفساد فيه صار مقاومًا للحراك الاجتماعي، وذلك على العكس تمامًا من الوضع في العهد الملكي؛ حيث كان النابهون يصعدون في السلم الاجتماعي حتى أعلاه، ويُرحب بهم.

ثم إنه تُوجد كذلك مشكلة في النوعية المحدودة التي يُسمح لها بالترقي الاجتماعي، والذي يتم بناءً على معايير فاسدة، ونظرة إلى الإعلاميين المصريين ووضاعتهم تفهمنا من يترفع في مجتمعنا، وكيف يتم له ذلك.

وخلاصة ما يمكن قوله إن مجتمعًا هذا حاله سيئول أمره إلى كارثة، ما لم يبعث لنا الله من يكشف الغمة على يديه، ويصلح أحوال البلاد والعباد.

 

د. منى زيتون

 

 

منى زيتوننسب أبو نُعيم الأصبهاني في "حلية المتقين" –في رواية عن أنس- إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "كاد الفقر أن يكون كفرًا".

كما ومن المأثور عن سيدنا علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه قوله: "لو كان الفقر رجلًا لقتلته"ـ ويُنسب لسيدنا أبي ذر الغفاري رضي الله عنه قول آخر: "لو دخل الفقر إلى بلد لقال له الكفر: خذني معك".

يتساءل كثيرون عن سبب تغير سلوكيات الشعب المصري؛ لم يعد ذلك الشعب الذي تظهر الأصالة والجدعنة في كل ملمح من سلوكيات أبنائه. لم يعد قطاع عريض منهم يفزع من أن توصم سلوكياته بالعيب، ناهيك عن الحرام.

ظهرت سلوكيات لم نكن نعهدها في المصريين، وأصبح المجتمع بجملته فاسدًا؛ فانتشرت في مجتمعنا شخصيات مثل المتحرش والمرتشي والغشاش، فيما اختفت سلوكيات أخرى كانت تطبع مجتمعنا بطابع الأصالة؛ فقلت العائلات التي على استعداد لرعاية كبار السن، وافتقد أطفال الزوج أو الزوجة من زواج سابق أو الأيتام الاهتمام الذي كانوا يلقونه قديمًا من كرام النفوس، وربما تمت إساءة معاملتهم إلى حد التعذيب.

ومحاولة بسيطة لتحليل كل ظاهرة سلوكية من تلك الظواهر على حدة يُظهر الدور الكبير الذي لعبه ويلعبه ضيق ذات اليد في وصول مجتمعنا للحالة المزرية من الانحدار الخلقي التي وصلنا إليها؛ فالمرتشي والغشاش ومن يرفض رعاية والإنفاق على كبار السن وأطفال ليسوا أطفاله أغلبهم لم يكن ليفعل لو كان ميسور الحال، أما التحرش فمن أكثر الظواهر التي تتعدد وتتنوع أسبابها، ويلزم التفصيل فيها في مقال على حدة.

تجربة الفئران

من التجارب الشهيرة في علم النفس الاجتماعي التي تظهر الأثر السئ لقلة الموارد على سلوكيات أفراد المجتمع، تجربة أُجريت على الفئران.

في قفص ذي مساحة محدودة تم وضع عدد من الفئران يتناسب ومساحة القفص، وتم إمدادهم بكميات من الطعام والمياه تكفي احتياجاتهم. لاحظ الباحثون الجو الودي الذي اتسمت به سلوكيات الفئران في القفص، وعدم تهاوشهم مطلقًا على الطعام عند إحضاره إليهم.

بمرور الوقت تكاثرت الفئران وتزايدت أعدادها، مع تركها في القفص ذاته، الذي لم يعد يسعهم بما يكفي ليرتاحوا فيه، كما لم تصبح كميات الطعام المقدمة لهم كافية لعددهم. وهنا بدأ التدافع والتصارع بين أفراد المجتمع الذي يضمه القفص، وكلما قلت الموارد وزاد الازدحام كلما ساءت السلوكيات، وضاع الهدوء.

مشاهد من الانتخابات المصرية

لعل من أكثر ما أثار الاستياء في مشهد الانتخابات الرئاسية المصرية الصورية 2018، وغيرها من الانتخابات النيابية والاستفتاءات الدستورية، هو منظر تزاحم البسطاء للمشاركة في الانتخابات لأجل الحصول على مكافأة من الأطعمة أو مبلغ مالي لا يتجاوز في أغلب الأحيان المائة جنيه، كما يتم استئجار فتيات وسيدات لإبداء مظاهر الفرح أمام اللجان الانتخابية، على أن تكون أجورهن يومية. وهو ما تشهد به تقارير كبريات الصحف حول العالم.

والعجيب بالنسبة للعقلاء أن تُستهدف هذه الفئات، بينما هؤلاء البسطاء أنفسهم الذين تم إجبارهم على الحضور إلى لجان الانتخابات لإظهار الإقبال على التصويت، وأولئك الذين تم إذلالهم بإجبارهم على التراقص أمام اللجان من الصباح إلى المساء، هم أكثر من عانى في فترة حكم السيسي الأولى، ويُنتظر أن تزداد معاناتهم إن قدّر الله وأمضى عقابه علينا باستمراره في الحكم. لكنهم خرجوا للحاجة. لم تُخرجهم سواها.

اللافت فيما يخص الإنسانيات هو تشابك العوامل التي تؤثر في أي ظاهرة وتعقدها، وكذا بنيتها الهرمية المتصاعدة المتسلسلة التي تسهم في تعقيد أي مشكلة اجتماعية، حتى يمكن لنتيجة عن أحد العوامل أن تمثل سببًا لنتيجة غيرها! من ثم، فإن تغير السلوكيات الناتج عن الفقر لم يتوقف عند هذه الفئات المعوزة؛ فأفراد المجتمع الإنساني ليسوا جزرًا منعزلة، بل تؤثر تصرفاتهم في بعضهم البعض.

شاهدنا كيف كانت ردة فعل المقاطعين للانتخابات الرئاسية تجاه وفاة امرأة بسيطة أثناء رقصها أمام إحدى اللجان بالإسكندرية، وكيف تهكم كثيرون منهم عليها، وأظهروا الشماتة في موتها، باعتبارها ممن باع صوته الانتخابي، وبيّض وجه النظام قليلًا وأخفى عواره، وأعطى بعضًا من الشرعية للاستبداد، ولم تنس صفحات التواصل الاجتماعي أن تنشر بجانب خبر وفيديو وفاتها دعوات بأن يهبنا الله حسن الخاتمة، ليتبين لنا بعدها أنها مريضة بالضغط والسكر، وتعمل خادمة في المنازل لإعالة نفسها، وأنها كانت فيمن تم استئجارهم من منطقة كليوباترا لقضاء اليوم بأكمله رقصًا أمام إحدى اللجان؛ لإظهار فرح المصريين بإجراء الانتخابات وشعبية السيسي الزائفة، ولم تكن تستطيع العودة إلى منزلها سوى آخر اليوم رغم مرضها وإلا ضاع أجرها اليومي المتفق عليه!

ربما أسهمت معرفة الناس بحالها في تخفيف شماتة كثيرين منهم في موتها، وربما أمكننا القول إن فقر المرأة لم يكن له دور في إظهار الشماتة في موتها أمام اللجنة الانتخابية. لكن في النهاية فقد ظهر لنا سلوك غير معهود لدى الشعب المصري ينبني على سلوك آخر لم يكن أيضًا معهودًا؛ فهل كنا يومًا نتصور أن تتم المتاجرة بالبسطاء إلى هذه الدرجة أو أن يشمت أحدنا في موت أخيه؟! ولو بحثنا عن مبدأ البلاء سنجد أنه الفقر.

والحقيقة أنني لا أبرئ نفسي من تغير سلوكي تجاه بائعي الأصوات؛ ففي النهاية لست إلا فردًا من أفراد هذا المجتمع. في اليوم الثاني من أيام الانتخابات الرئاسية توجهت لقضاء حاجة في فرع البنك الذي أتعامل معه، ودائمًا ما توجد بائعة ليمون أمام البنك، تصر على العملاء أن يشتروا منها، فيفعلون. وعدتها بالشراء عند خروجي كعادتي، ولكنني لم أجدها بعدما خرجت. ولأن البنك يقع في شارع رئيسي، وفي أحد الشوارع المتفرعة منه توجد مدرسة بها مقر إحدى اللجان الانتخابية، فقد قررت تفقد الوضع من الخارج، فإذا بي أشاهد بائعة الليمون بجوار المدرسة! ولا أنكر ضيقي منها لانتظارها المكافآت الانتخابية كغيرها، ولولا أني وعدتها بالشراء ما اشتريت منها، كما أنه لأول مرة لا أجزل لها في العطاء!

واقعة أخرى روتها صفحات التواصل الاجتماعي عن سيدة مُسنة مريضة، كان إصبع يدها ملطخًا بحبر الانتخابات، استقلت إحدى الحافلات العامة مع ابنتها، ووفقًا للراوي فركاب الحافلة رفضوا أن يقوموا لها ويجلسوها. وقد دشّن الشباب حملة لمقاطعة القيام لكبار السن بوجه عام في وسائل المواصلات العامة، تحت عنوان "ما دمت عرفت تقف في طابور الانتخابات اقف في المترو!".

إذًا فتغير السلوكيات لم يكن فقط تجاه من باعوا أصواتهم للحاجة، بل وُجه حتى نحو من صوّتوا بإرادتهم للسيسي، وأغلبهم من كبار السن، ولو دققنا لوجدنا الفقر أيضًا هو السبب الرئيسي الذي تسبب في أخذ الشباب تحديدًا هذا الموقف، والذين وصلوا إلى حالة غير مسبوقة من الإحباط التي يطل الفقر برأسه من خلفها.

شح موارد أم زيادة استهلاك؟

دائمًا ما كانت معيشة عموم الشعب المصري بسيطة. لا تشغلهم الكماليات، وفقط ينشدون الستر، لكن منذ نهاية السبعينات من القرن العشرين شاع نمط استهلاكي لدى المصريين لم يكن معروفًا عند غالبيتهم، ثم تفاقم الأمر بالانفتاح الثقافي في عصر الانترنت، حيث زادت معرفة المصريين بمستحدثات العالم من حولهم، وتحركت غريزة الطمع الإنساني فيهم.

وبالرغم من كون زيادة تطلعات البشر للرفاه مؤثر ولا شك في معاناة من تتطاول أعناقهم لما يفوق مواردهم، فإن سوء توزيع الموارد والثروات وتفاوته الكبير بين أفراد المجتمع يقف كسبب رئيسي لإحساس نسبة كبيرة من الفقراء بافتقاد العدالة الاجتماعية، والذي يؤثر بدوره في اكتسابهم سلوكيات يرغبون من ورائها في الحصول على مزيد من الثروة.

والفساد هو السبب الرئيسي ولا شك لسوء توزيع الثروة على وجه الأرض، فقد أخبرنا ربنا أنه خلق الأرض وقدّر فيها أقواتها، وما فيها من موارد يكفي سكانها، ولكن قلة تستأثر لنفسها بالنصيب الأعظم من الثروات وتحرم منه قطاعًا عريضًا من البشر!

الزهد أم عدم التعلق؟!

مما يميز الفلسفة الإسلامية في التعامل مع الموارد أنها لم تتغافل عن الجانب المادي في الإنسان، فلم تطلب منه أن يزهد فيما أباحه الله، لكنها في الوقت ذاته شجعت المسلم دومًا على الانفكاك من أسر تلك الموارد وغلبتها عليه وتحكمها فيه، أو ما يمكن تسميته فلسفة عدم التعلق، فما بالنا عندما يكون الحصول على تلك الموارد حرامًا!

بهذه النظرة فالمسلم الذي يعي مقاصد دينه لا يؤثر فيه شُح الموارد، ولا يمكن أن يؤدي به إلى أن يسلك سلوكيات وضيعة لأجل اكتساب مزيد من المال، لكن ليس كل الناس يبقون على مبادئهم مع هذا الوضع!

وقد علّمنا رسول الله أن المحافظة على الأصل الطيب لا تكون سوى بالترفع عن التعلق بموارد الدنيا ورفض الدنيّة فيها، ومن هنا كانت حكمة تحريم الصدقة على آل البيت.

كما نعرف جميعًا قصة الابتلاء بماء النهر الذي ابتُلي به جيش طالوت، وأخبرنا به الله عز وجل في القرآن الكريم، وأن من اجتاز اختبار عدم التعلق بنجاح كانوا القلة التي شاء الله أن تلاقي العدو وتهزمه.

ولأن شُح الموارد سبب التقاتل على الدنيا بين البشر؛ فالجنة هي الوفرة. هي غنى الموارد؛ حيث لا يتطلع أحد إلى ما في يد غيره من كثرة ما أُعطي. هي النعيم والسلام المقيم؛ لذا حُق أن يصف الرحمن سكانها فيقول: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر: 47].

 

د. منى زيتون

 

عدنان عويدفي المفهوم: تعتبر العلمانية في سياقها العام طريقة أو أسلوب عمل أو منهجاً في إدارة آلية عمل الدولة والمجتمع، حيث يقوم هذا المنهج على الايمان والقناعة بأن من اشتغل على العلمانية من الحوامل الاجتماعية تاريخياً، إن كانت قد جاءت من العلم أم من العالم، فهي تؤكد وجود قوانين موضوعية تتحكم بآلية عمل الطبيعة يشكل عام والمجتمع بشكل خاص بكل مساماته، وبشكل مفتوح على المطلق خارج إرادة أي سلطة كانت دينية أو وضعية، وما على الناس إلا اكتشاف هذه القوانين والتحكم بها وتوظيفها لمصلحة هذا الإنسان نفسه. وبالتالي فالعلمانية وفق هذا المعطى هي منهج في التفكير والعمل يقوم على حرية الإنسان وقدراته في صنع حياته وإعادة تشكيلها وفقاً لمصالحه بناءً على طبيعة المرحلة التاريخية المعيشة، ودرجة تطور بناها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية. والعلمانية أيضاًً وفق هذا المعطى ذاته، هي صيغ قابلة للتطور والتبدل عبر التاريخ، أي هي ليست صيغة واحدة كما يقرر بعض من اشتغل عليها أو انتقدها فكراً وممارسة، وخاصة من رجال الدين الذين يكفرون ويزندقون دعاتها وأتباعها .

أما موقف العلمانية من الدين، فهي في موقفها المنهجي العقلاني النقدي القائم على التجربة البشرية التاريخية، هذه التجربة التي تقر بوجود القوانين الموضوعية المستقلة في نشاطها أو آلية عملها، وتحكمها بآلية سيرورة وصيرورة الظواهر، ترفض ربط الدين بالسياسة أو الدولة، أواعتبار – أي الدين - بأنه المنطلق المعرفي والسلوكي أو الوجودي للدولة، مع إقرار الدولة العلمانية بأن مقاصد الدين الأساسية القائمة على العدالة والمساواة والتسامح والمحبة والحفاظ على حقوق الإنسان الطبيعية (حق الحياة وحق الدفاع عن الأرض والعرض، والاختلاف في العقيدة)، هي جزء هام من مضمون العلمانية من جهة، في الوقت الذي ترفض فيه هذه الدولة العلمانية أيضاً ربط حركة المجتمع بأي أيديولوجيا وضعية سكونيه أو جمودية، دينية كانت أم وضعية، تريد للواقع الاجتماعي بكل بناه  أن يرتقي إليها دائماً لا العكس من جهة ثانية.

بتعبير آخر: إن أي عقيدة أو أيديولوجيا دينية كانت أم وضعيه، ترفض التجربة التاريخية للدول والمجتمعات، بل وحتى الأفراد، مثلما ترفض الاعتراف بأن قوة الواقع أقوى من قوة النص المقدس أو المتعالي على الواقع، وأن الواقع في حركته وتطوره وتبدله يطالب النص المغلق او المتعالي أن يفتح مخزونه على مصالح الناس في حالة تبدلها وتطورها عبر التاريخ، هي عقيدة أو أيديولوجيا تريد للفرد أو المجتمع ودولته، أن يسيروا على رؤوسهم وليس على أقدامهم. أي هي تريد القول بأن الفكرة (المطلقة) الثابتة الصالحة عندهم لكل زمان ومكان، هي من يقوم برسم الطريق الذي على الفرد والمجتمع السير عليه لتحقيق النهضة والتقدم، أي ضرورة ارتقاء الواقع إليها دائماً، وليس السير داخل المحيط الاجتماعي والبحث عن القوانين الموضوعية التي تتحكم بآلية سيرورته وصيرورته، وبالتالي معرفة أن هذه القوانين هي من يتحكم بالواقع، ولا بد لنا من كشف هذه القوانين والتسلح بها والقبض على الواقع من خلالها، لا العمل على لي عنق الواقع كي ينسجم مع نصوصها الثابت.

ملاك القول:

إن العلمانية بنظرنا منهج وأسلوب حياة يقر بأن الإنسان سيد نفسه، وصاحب القرار في رسم الطريق الذي يجد فيه مصلحته ومصلحة الأجيال القادمة... وإن العلمانية حركة تاريخية للمجتمع تساهم في كشف (حكم الضرورة ووعيها)، أي معرفة القوانين الموضوعية التي تتحكم بالواقع وتسخيرها لمصلحة الفرد والمجتمع. وإن أهم مفرداتها العملية في نهاية المطاف هي المواطنة ودولة القانون والمؤسسات والعقد الاجتماعي، أو دولة الحرية المشروطة بالوعي والمسؤولية تجاه مصالح الإنسان الايجابية.. أي الدولة المدنية بامتياز.

 

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث من ديرالزور – سورية

 

في السحر: يتمتع السبعة بمقدرة مطلقة، ويعد العدد السحري الأهم في القرون الوسطى، وهو الحلم الرائع لفيثاغورس.

فمفاتيح السلم الموسيقية سبعة .

والكواكب القديمة سبعة .

وأوتار القيثارة سبعة .

والعصافير السحرية سبعة: البجعة، البومة، الرخ، اليمامة، اللقلاق، النسر، والهدهد.

والسمكات السحرية سبع:

Phoque،Iucins،OElurus،trimallus،mugil،Dauphin،Seiche.

والحيوانات السحرية سبعة: الأسد، الهر، الثعلب، التيس، القرد، الإبل، والخلد.

والمعادن السحرية سبعة: الذهب، الفضة، الحديد، القصدير، الزئبق، النحاس، والرصاص.

والحجارة الكريمة سبعة: Carbunculus، cristal، diamant، emeraude، agate، Saphir، onyx .

والعلامات السحرية سبع: الشمس، القمر، المريخ، الزهرة، ميركور، جوبيتر، ساتورن.

والرموز الفلكية - الدينية سبعة: الإيمان تمثله الشمس / الكبرياء؛ الأمل - القمر / البخل؛ المحبة - فينوس / الفخامة؛ القوة - مارس / الغضب؛ الحذر - ميركور / الكسل؛ الاعتدال - ساتورن / الجشع؛ العدالة - جوبيتر / الحسد.

الرموز الملائكية - الكواكبية سبعة: الشمس ملاك النور، القمر - الأحلام، مارس - الموت، فينوس - الحب، ميركور - الحضارة، جوبيتر - القوة، ساتورن - الوَحدة.

الملائكة السبعة هم: ميخائيل، جبرائيل، صاموئيل، عنائيل، رافائيل، زاخاريال، وأوريفال.

والفنون السبعة الحرة سبعة: النحو، المنطق، الخطابة، الهندسة، الحساب، الفلك، والموسيقى. ومن هنا يقال عن إنسان فائق الذكاء " مسبع الكارات ".

ويقول تراث السحر إن الذهب الخام يحتاج في تصنيفه إلى سبع طبقات؛ وإن الحرف اللاتيني السابع (G) يفسر الحكمة والرؤيا العليا للمعرفة، وهو بداية الحكمة  (God)، (Geometrie)، (Geotie). والجيوسيا هي علم الشيطان. وكذلك، فإن هيئة أركان إبليس في العالم لها سبعة رؤوس. وجهنم مساحة كبيرة تنقسم إلى سبعة آلاف زنزانة يختبئ فيها سبعة آلاف عقربة. ويشير السحر إلى أن الشياطين يعرفون سبعة فنون؛ وأن العَقد بين لوسفوروس، زعيم الشياطين، والشر يتجدد كل سبعة أعوام. ويرمز إلى لوسيفوروس بحية ذات سبعة رؤوس، فيقول إشعيا النبي: " في ذلك اليوم يعاقب الرب بسيفه القاسي العظيم الشديد لوياثان، الحية الهاربة، لوياثان الحية المتحوّية، ويقتل التنين الذي في البحر " (1:27). ويقول السحر إن اللعنة لا تكون نهائية على الإطلاق، بل تتجدد كل سبع سنوات في التاريخ نفسه الذي حلت فيه المصيبة.

وتقول كتب السحر إن القوى الحاكمة بحسب الأعمار سبع: الشمس - الطفولة، القمر - المراهقة، مارس وفينوس - الصبا، ميركور - الرجولة، جوبيتر - الكهولة، وساتورن - الشيخوخة. ويقول كتاب السحر إن يشوع بن نون كان ساحراً، إذ إنه، في أثناء حصاره لأسوار أريحا، تقدم الشعب سبعة كهنة يزمّرون ويطبّلون بسبعة طبول، مدة سبعة أيام، فطافوا حول الأسوار سبع مرات في النهار، وأطلق الشعب صرخة سحرية، فسقطت الأسوار.

وفي السحر، يحمل الخاتم السحري سبعة خواتم وسبعة معادن كواكبية: الشمس - الذهب، القمر- الفضة، ميركور - الحديد، فينوس - النحاس، مارس - القصدير، جوبيتر - الزئبق، وساتورن - الرصاص. ويتألف ورق اللعب السحري من اثنتين وعشرين ورقة، هي هيئة الأركان الكبرى، وست وخمسين ورقة، هيئة الأركان الصغرى. وتنقسم الهيئة الكبرى =  7 × 3 + 1)، والواحد هو الثاني والعشرون ويعني العدم أو المجنون، فيما تنقسم الهيئة الصغرى = (7 × 4 ×2). والعدد أربعة يرمز إلى الألوان الأربعة، سباتي، ديناري، بستوني، كُبّة، وهي تعبير عن الطبقات الاجتماعية الأربع التي كانت سائدة في القرن الخامس عشر: فالعصا ترمز إلى الفلاحين، والسيف إلى النبلاء، وقطعة الذهب إلى السفراء، والكأس إلى الإكليروس. وترمز الورقة السابعة في هيئة الأركان الكبرى إلى النصر: (V = V)، أي الانتصار على الأطباع الأربعة، والغرائز الأربع، والدواليب الأربعة لمصير العربة المرَّبعة، وكل مرَّبع من الأعمدة الأربعة. فالإنسان يحمل في يده عصا القيادة ويحمل على كتفه معدات ألوهة تابوت العهد وهي تعني الربح والانتصار.

في البيولوجيا:

يحمل السبعة أهمية بيولوجية، فمخارج الرأس سبعة: العينان، المنخاران، الأذنان، والفم. وفي مصر القديمة، تعويذة يتلوها الكهنة تقول: " اخرج أيها البرد يا ابن البرد، يا من تهشم العظم، وتتلف الجمجمة، وتمرض مخارج الرأس السبعة، اخرج على الأرض، وفر، وفر، وفر ". ويقال إن الإنسان " الناضج " له سبع فتحات في القلب. ويتألف الإنسان من 7 × 90 = 360 عضلة. وتتجدد الخلايا في الجسم مرة كل سبع سنوات.

ويقسم السحر أطباع الإنسان إلى سبعة كراكتيرات (caracters) كوكبية، قياساً على قسمات الوجه، وهو ما يعرف بعلم الفيزيوغنومونيا (Physiognomy). والأطباع هي: شمسي (مستدير الوجه - فرح)، فانوسي (كامل)، مارسي (قاس)، ميركوري (جميل)، قمري (شاحب)، جوبيتري (شريف)، ساتورني (حزين). وترمز اللحية إلى العنف والانتقام، والجبهة العريضة إلى الكسل، والصغيرة إلى الحماقة. وفي السحر، أيضاً، يتألف جوهر الإنسان المصري من سبع قوى: (كا) النفس الإلهية، (با) النفس الروحية، (ساهو) النفس الإنسانية، (كايبيت) النفس الحيوانية (تيت) الجسد الكوكبي، (هاتي) القوة والحياة، (كو) الجسد البلاستيكي. وفي الهند، القوى السبع نفسها هي:  أتما، بودي، ماناس، كاماروبا، لينغاشارفيا، جيفا، وروبا.

وعند المرأة، تدوم الدورة الشهرية، بشكل وسطي، ثمانية وعشرين يوماً، وهذا العدد يمثل تكرار السبعة أربع مرات. ويبدأ الجنين بالتحرك في رحم والدته في الأسبوع السابع. وتستمر فترة الحمل الجنيني مئتين وثمانين يوماً أي 7 × 40. وأحياناً، تستمر هذه الفترة سبعة أشهر عوضاً عن تسعة؛ وهنا، يقال " إن سابع ابن السابع، ابن عنده القوة في المعالجة والشفاء، وأن سابعة بنت السابعة بنت تعرف الأحلام وتفسرها تماماً ". وفي هذا الإطار، حاول الصينيون منذ القدم معرفة جنس الجنين قبل ولادته، فكانوا يقومون بعملية حسابية لمعرفة ذلك السر، فيضربون 7 × 7، ثم يحسمون من النتيجة عمر الأم، ويضيفون عدد 19 مع رقم شهر الحبل، فإذا جاءت النتيجة مزدوجة، يكون المولود المنتظر صبياً، وإذا جاءت مفردة تكون بنتاً.

وفي علم الكيرومانسيا (chiromancie)، أي فن اكتشاف الأطباع الإنسانية من خلال قراءة شكل اليد، اكتشف الخبراء سبع تلال هي: فينوس، جوبيتر، ساتورن، الشمس، ميركور، مارس، والقمر.

ونشير، أيضاً، إلى أن أفلاطون أدخل السبعة في معادلة الزواج، فنصح الشاب أن يقسم عدد سني عمره على اثنين، ثم يضيف إلى النتيجة العدد سبعة. بمعنى أوضح، إن الشاب الذي يبلغ عمره 36 عاماً، تنسحب عليه، بحسب أفلاطون، فتاة تبلغ من العمر خمسة وعشرين عاماً (36 ÷ 2 + 7).

وتقول التعاليم التيوزوفية (thesophy) إن الأجسام الباطنية التي تؤلف وجود الإنسان سبعة؛ وإن الروح انطلقت من عالم المادة عبر سبع طبقات، فاكتسبت سبع درجات من الوعي؛ وإن الغدد الروحية في جسم الإنسان سبع، والغدد الصماء سبع.

قوس قزح:

يتألف قوس قزح من سبعة ألوان: بنفسجي، نيلي، أزرق، أخضر، أصفر، ليموني، وأحمر.

وفي الكونية، عقود العمر سبعة، والبحور سبعة، وبنات نعش - برج كان الرعيان يهتدون به - سبعة، والكواكب السيارة سبعة. وحول الكواكب السبعة، أو الثريا، جاء في الميثولوجيا الأوسترالية، على لسان روبرت هاملتون، حول أصل النار قوله: إن فتاة اسمها الوطني مون - مون - ديك تمكنت، بطريقة أو بأخرى، أن تملك النار، فاحتفظت بها على طرف عصاها من خشب اليام - وهي عصاً طولها خمس أقدام تصلَّب طرفها الحاد بفعل النار وتستخدم في اقتلاع الجذور - وكانت الفتاة تقدح النار على هواها ولكن  أحدا لم يستطع إقناعها بأن تشاطر الآخرين بفوائدها. فذهبت كل المحاولات للتغلب على عنادها بالقوة أو بالدهاء أدراج الرياح. عندها أرسل بونجيل ابنه لمساعدة بني البشر. وحين لم يتمكن الابن من إقناع الفتاة بأن تخضع عن طيب خاطر لجأ إلى الحيلة للوصول إلى مبتغاه. وبعدما دفن أفعًى سامة في وكر كبير للنمل رجا الفتاة أن تأتي للبحث عن بيوض النمل التي كانت قطعاً حقيقية من الحلوى. وقد نبشت الأفعى، بطبيعة الحال، فصاح تارانغ: " اضربيها، اضربيها "! فلما ضربتها بعصاها من اليام انبثقت منها النار فأمسك بها تارانغ وقدمها لبني الإنسان. ومن أجل أن يمنع الفتاة من أن تستعيد احتكارها، قام بنقلها إلى مكان في السماء حيث أصبحت " كوكبة النجوم السبعة "، أو الثريا، ولا تزال ترى هناك حتى الآن.

وفي إيطاليا، بنيت العاصمة روما على سبع تلال. ويبلغ عدد الجزر الإيونية في البحر الأبيض المتوسط سبعاً. وتطفو اليابان على سبعة وسبعين بركاناً ثائراً. وفي العام 1597، فهرس العالم الفلكي الدانمركي 777 نجمة في السماء.

المستقرضات:

" في شهر شباط - بحسب البيروني -، تقع أيام العجوز وأولها اليوم السادس والعشرون منه وهي سبعة متوالية فإذا كانت السنة الكبيسة كان أربعة أيام منها من شباط وثلاثة من آذار، وإذا لم تكن كبيسة فثلاثة من شباط وأربعة من آذار، ولها عند العرب أسماء فأولها الصّنُّ وهو شدة البرد، والثاني الصنبر وهو الذي يترك الأشياء كالصنبرة وهي ما غلظ وخثر وقد يكون النون زيادة كما قالوا في جمع البَلَصُوصِ بلنصى، الثالث أخوهن الوبر لأنه وبَرَ آثار هذه الأيام أي قصها، والرابع الآمر يأمر الناس بالحذر منه، والخامس المؤتمر أي أنه يأتمر بأذى الناس، والسادس المعلل يعنون به أنه علل الناس بشيء من تخفيفه، والسابع مطفئ الجمر وهو أشدها كان فيه ينطفئ الجمر، ويقال له أيضاً مكفئ القدر يعنون من شدة ريحه الباردة وقد نظم هذه الأسماء أحد الشعراء فقال:

كُسِع الشتاء بسبعة غبر         أيام شهلتنا من الشهر

فإذا انقضت أيام شهلتنا         بالصّن والصنبر والوبر

بآمر وأخيه مؤتمر              ومعلل وبمطفئ الجمر

فهناك ولى البرد منسلخاً     وأتتك وامِدَة من البحر

وقد يسمى السادس شيبان والسابع ملحان. وهذه الأيام لا تكاد تخلو من برد ورياح وكدورة وتلون في الهواء، بل البرد يشتد فيها في الأكثر لانصرافه، وبه سميت الصرفة لأن سقوطها قريب منها، ولا يتعجبن متعجب من قوة البرد عند آخره واهتياجه عند انصرافه فإن ذلك للحر مثله كما سنذكر، ويوجد أمثاله في الطبيعيات المعتادة كالسراج، فإنه إذا قربت من الانطفاء العارض لها من فناء مادة الدهن، توقد واشتد ضوؤها دفعات متواليات شبيهة بالاختلاج، وكالأعلال وخاصة من يفنى منهم بدق أو سل أو بطن أو مثال ذلك، فإنهم يقوون بالقرب من موتهم قوة ويرجوهم من لا يكون له معرفة بهذا الأحوال عندها، وييأس منهم من جربها. ورأيت ليعقوب بن اسحق الكندي مقالة في علة هذا الحادث في هذه الأيام وجملة ما اعتل به هو بلوغ الشمس تربيع أوجها وهو موضع التغير وتأثير الشمس في الهواء أكثر من غيره، فيجب أن يتناسب التغير العارض لها في فلكها والتغير الحادث في الهواء لها، وأن ذلك التأثير ثابت في أكثر الأحوال مدة كون القمر في الربع الذي اتفق فيه أوله والربع من الشمس الذي اتفق فيه. وسمعت أن عبدالله بن علي الحاسب بخارا لما وقف على رسالة الكندي هذه سير تلك الأيام ونقلها على حسب ما اقتضته حركة الأوج فسميت أيام عجوز عبد الله قلم وأنه ما كاد يخطئ فيها وفي التأثير القوي يظهره، وإنما سميت هذه الأيام بأيام العجوز على ما حكاه القدماء لأنها هي التي ذكرها الله في كتابه سبع ليال وثمانية أيام حسوماً، وأن عاداً هلكوا بريحها الصرصر وأعاصيرها وأهوالها فبقيت من جملتهم عجوز ترثيهم وتنوح عليهم وأخبارها مشهورة. قالوا فلذلك سميت أيام العجوز وذكروا أن الريح التي أهلكتهم كانت دبورا. قال رسول الله (ص): " نصرت بالصبا يعني يوم الخندق وأهلكت عاد بالدبور". وقال الشاعر:

أهلكت الدبور حبال عاد  فبادوا كالجذوع مطرحينا

وقالوا إن الأيام النحسات المذكورة في القرآن الكريم كل أربع توافق من الشهر يوما موافقاً لأربعة كأربع خلون أو بقين وأربع عشرة خلت أو بقيت وأربع وعشرين خلت أو بقيت. وزعم البعض أن ذلك لأن عجوزاً رأت الحر فطرحت المحشأ عنها ماتت في برد هذه الأيام. وزعم بعض العرب أن أيام العجوز سميت بهذا الاسم لأنها عجز الشتاء أي آخره، وقد يوجد للأيام الخمسة المسترقة التي بين آبان ماه وآذر ماه أسماء عند العرب كأسماء أيام العجوز: فالأول الهنبر، والثاني الهنزبر، ومعناها الأذى بالبرد، الثالث قالب الفهر أي من شدة الريح، والرابع حالق الظفر يعنون أن الريح تشتد حتى تحلق الظفر مثلا، والخامس مدحرج البعر يعنون في الصحاري حتى يلغ المنازل من شدة الريح. قال القائل ينظمها: "

أولها الهنبر يوم فارط              

وبعده الهنزبر يأتي خابط

يخبطه حتى يجيء القاسط

وقالب الفهر يسمى حقا

وحالق الظفر المبين الحلقا

يفلق بالبرد الصخور فلقا

وبعدها آخرهن الخامس

مدحرج البعر العضوض اللاحس

وما له فيما يسمى سادس ".

البواحير

" يبدأ في الثامن عشر من تموز - بحسب البيروني - هبوب الرياح الحولية عند ابرخس وهو أول أيام الباحور باطباق ممن ذكرها من أهل البحر والفلاحين ومن جرى لهم التجارب وذلك أنها سبعة أيام متوالية آخرها الرابع والعشرون من الشهر. ويستدلون بكل يوم منها على شهور الخريف والشتاء وبعض الربيع من تغيرات، ويكون أكثر ظهورها في العشيات والأسحار. وزعموا أنها للسنة كأيام البحران في الأمراض الحادة فيها يظهر دلائلها والبشارة والإنذار في العواقب من حوادث أحوالها. واسم الباحور والبحران مشتق في اللغة اليونانية والسريانية من حكم الحكام. وقيل إن البحران مشتق من البحر لأن بحران المريض شبيه بالهيج العارض في البحر المسمى مدا وجزراً، وهو قريب لأن العلة في كليهما حركات القمر وأدواره وأشكاله. أما في دورة الليل كالمد يوجد أوله عند بلوغ القمر شرقه وغربه من الأفق وكالجزر يوجد أوله عند بلوغه فلك نصف النهار والليل. وأما في دورة له إما من نقطة إليها بعينها وإما من الشمس إليها، فقد توجد المدود في النصف الأول من الشهر القمري أقوى، وفي الثاني أضعف، وكذلك يوجد للشمس في ذلك فعل. والعجب مما يحكى عن بحر المغرب أنه يمد من ناحية الأندلس عند كل مغيب للشمس فينقص زهاء خمسة فراسخ أو ستة في قدر ساعة، ثم يجزر ولا يخالف ذلك الوقت. قالوا فإن كان عشاء اليوم الثامن عشر غيم في الآفاق فإنك ترى برداً ومطراً في رأس تشرين الأول، وإن كان مثل ذلك في نصف الليل كان البرد والمطر في نصف الشهر، وإن كان في وجه الصبح كان في آخر الشهر، وكذلك الأمر في الأيام إلا أن التغير فيها بالليل أظهر وحيث تراه من الجوانب الأربع كان ذلك فيه، وليالي الأيام محسوبة بعد أيامها ولأجله ظن من يقدم الليالي على الأيام أن ليلة اليوم الثامن عشر هي التاسع عشر فجعل أول البواحير من اليوم التاسع عشر وآخرها اليوم الخامس والعشرين فاليوم الأول من هذه الأيام السبعة دليل على تشرين الأول، والثاني على الثاني، والثالث على كانون الأول، وكذلك إلى أن يكون السابع دليلاً على نيسان. وقد ذكر أصحاب التجارب أنه إذا تقدم قبل ذلك فعمد إلى لوح وزرع عليه من كل زرع ونبات حتى إذا كانت الليلة الخامسة والعشرون من تموز وهي آخرها وضع اللوح بارزا لطلوع الكواكب وغروبها بحيث لا يحول بينه وبين السماء شيء فإن كل ما يزكو في تلك السنة من الزروع يصبح أصفر وما لا يصلح ريعه منها يبقى أخضر. وكذلك كان القبط تفعل ذلك، وقد أكثر أصحاب التجارب من الاحتيالات لتقدمة المعرفة بأحوال السنة من هذه الأيام حتى خرجوا إلى جنس العزائم والرقي، فزعم بعضهم أنه إذا عمد إلى أوراق اثنتي عشرة من شجر الزيتون وكتب على كل ورقة اسم شهر من شهور السريانيين ثم وضعت في هذه الليلة المذكورة في موضع ندي فما جف منها تلك الليلة لم يكن في الشهر الذي كتب عليها مطر وزعم بعضهم أن فيها يوقف على كثرة أمطار السنة وقلتها بأن ينظرموضع مستو ليس حوله شيء يمنعه عن وصول الندى والريح والطل إليه ثم يؤخذ قدر ذراعين من ثوب كتان فيوزن ويحفظ مقدار وزنه ثم يبسط على ذلك الموضع ويترك فيه من أول الليل إلى أربع ساعات منه فإذا تمت وزن ثانية فما زاد فيه فكل زنة مثقال يزيده الوزن الثاني على الأول هو يوم مطير في الشهر المنسوب إلى ذلك اليوم كما قدمت ذكره، وهذه الأيام أعني أيام البواحير هي مرسومة بطلوع كلب الجبار وهو الشعري اليمانية العبور. وقد نهى بقراط في كتاب الفصول عن تناول الأدوية الحارة والفصد حوالى طلوعها في زمانه بعشرين يوماً متقدمة وعشرين أخر متأخرة لأن ذلك زمان اشتداد القيظ وانتهاء الحر منتهاه، والصيف نفسه مسخن محلل مخرج للرطوبات، وما نهى عنه بقراط في إقلالها فإذا جاء الخريف ببرودته ويبسه لم يؤمن فيه انطفاء الحرارة الغريزية. وقد ظن قوم ممن لم تكن لهم دربة بالعلوم الطبيعية ولا بصر بالأحوال العلوية أن التأثير المذكور منسوب إلى جرم هذا الكوكب وطلوعه مع انتقاله وحتى أوهموا فيه وقالوا إنه لعظم جرمه يسخن الهواء فنحتاج إلى أن نشير ونعرف موضعه ونحقق عليه وقت طلوعه كما قال أبو نؤاس:

مضى أيلول وارتفع    وأخبت نارها الشعري العبور

فزعم علي بن علي الكاتب النصراني لأجل ذلك أن أول البواحير اليوم الثاني والعشرون من تموز إشارة إلى أنها نقلت بانتقال الكوكب وهو أعني الشعري دائر طول السنة في مدار واحد مواز لمعدل النهار. وإنما أراد بقراط بذلك الوقت صميم الصيف، واشتداد الحر بقرب الشمس من سمت الرؤوس مع ابتدائها في الانحدار في الفلك الخارج المركز عن الأوج وكان ذلك في زمانه موافقاً لطلوع الشعري فأطلق القول به علما منه أن حقيقة الحال لا تخفى على من ارتاص بالعلوم. فلو أن كوكب الشعري تحرك حتى بلغ رأس الجدي أو الحمل لما انتقل معها الزمان المنهي فيه عن تناول الأدوية. وذكر سنان في كتاب الأنواء أن للرعاة خاصة سبعة أيام معدودة من أول تموز تجري مجرى أيام الباحور في الاستدلال بها على أحوال شهر من شهور الشتاء وتعرف ببواحير الرعاة ويقع فيها أحوال الهواء مباينة لما قبلها وبعدها ولطخ من غيم لا تكاد تخلو منه كلها أو بعضها، وفي التاسع عشر دبور أو حر عند القبط، وفيه تشتد كلاب البحر ويعظم ضررها وفي العشرين دبورا أو ما يشبهه عند القبط. وذكر أصحاب التجارب أن فيه يكثر الرمد، وفي الحادي والعشرين تهب الرياح الحولية عند اوقطيمن وابتداء الحر عند ابرخس ودبور وحر عند القبط، وفي الثالث والعشرين هواء شات في البحر ورياح عند فيلفس ومطروذورس وابتداء الرياح الحولية عند القبط، وفيه ابتدأ أبو جعفر المنصور ببناء مدينة السلام وهي التي تسمى مدينة المنصور في الجانب الغربي من دجلة ببغداد، وذلك في سنة ألف وأربع وسبعين للإسكندر. وأصحاب أحكام النجوم يحتاجون إلى معرفة أمثال هذا الوقت والتاريخ بمعرفة التحاويل والانتهاءات والأدوار والتسييرات من لدنه حتى يستنبطوا الحكم لأهلها وكان نوبخت تولى اختيار الوقت واتفقت هيئة الفلك التي يتشكل بها ومواقع الكواكب ".

عند الحيوان

تحضن النعامة بيضها سبعة أيام؛ والحمامة أربعة عشر يوماً، مضاعف السبعة؛ ويحضن القاوند، وهو طير يعيش على ساحل المتوسط، بيضه سبعة أيام، ثم تخرج فراخه فيزقها سبعة أيام.

في لبنان

في التراث اللبناني أن البيت القروي غدا مثال البيت الثابت، وكان يرتكز على سبعة أعمدة: ثلاثة من كل جهة، وعمود كبير في الوسط يكون الركيزة الأصلية، تستند إليه الجوائز المتقابلة. وينتشر ذكر هذا البيت المثالي المسبع الأعمدة بانتشار البناء اللبناني في الأقطار المجاورة حتى يصبح من الاستعارات الشعرية والصور البيانية.

في الحرب

في 1937/7/7، أطلقت الكتيبة 37 في الفيلق التاسع عشر في الجيش الصيني النار على كتيبة من الجنود اليابانيين، ما تسبب باندلاع الحرب الصينية - اليابانية. وسمي هذا الحادث بـ " تاريخ السبعات الثلاث ".

وبين 1756 و 1763 اندلعت حرب بين إنكلترا وبروسيا من جهة وفرنسا من جهة أخرى، عرفت في التاريخ بـ " حرب السنوات السبع ".

في الاقتصاد

تنادت الدول الصناعية الكبرى في العالم الغربي، وأنشأت تجمعا باسم " تجمع السبعة الكبار " يضم الولايات المتحدة الأميركية، كندا، فرنسا، بريطانيا، ألمانيا الغربية، إيطاليا، واليابان.

وفي المقابل، عقدت في باريس في 14 تموز 1989 أول قمة لأفقر سبع دول في العالم، برعاية عدد من المؤسسات التنموية غير الحكومية، تحت اسم " الدول السبع الأكثر فقراً " وهي: بنغلادش، البرازيل، بوركينافاسو، هايتي، الفلبين، الموزامبيق، وزائير.

في الرياضة

في كرة القدم، يلعب الفريق الذي يتأهل إلى الدور النهائي في إطار مباريات (المونديال) سبع مباريات: ثلاث في الدور الأول، مباراة في الدور الثاني، مباراة في الدور ربع النهائي، مباراة في نصف النهائي، ومباراة في النهائي.

في المسرح

كتب سوفوكليس أكثر من مئة وعشرين مسرحية، لم يبق منها إلا سبع هي: " أجاكس " وتدور حول موضوع موته، " أنتيغوني " وتعالج الصراع بين قوانين الحكومة والدين، " أوديب ملكاً " وسماها أرسطو التراجيديا الكاملة، " أوديب في كولون " وتدور حول موت أوديب، " إلكترا " وتعالج الكراهية بين الفتاة والأم، " فيلوكتيت " وتدور حول استدراج فيلوكتيت للانضمام إلى اليونانيين في طروادة، و" التراخينات " وتدور حول موت هرقل.

في الشعر

صدر ديوان للشاعر الإغريقي أخيل بعنوان " السبعة ضد طيبة "؛ وديوان للشاعر الفارسي نظامي بعنوان " الأميرات السبع " يحكي فيه عن سبعة قصور، كل قصر له لون أحد الكواكب السبعة، وتعيش أميرة في كل قصر؛ وديوان للشاعر الفرنسي بول إليوار (Paul Eluard) بعنوان " قصائد الحب السبع في الحرب "؛ وديوان للشاعرة المصرية وفاء وجدي بعنوان: بيسان والأبواب السبعة. ويقول رينه شار (Rene char) عن القصيدة " إن لها جزمة بطول سبعة فراسخ ".

وفي الرواية

في الرواية العربية، صدر لجهيمان العتبي " الرسائل السبع "، والعتبي هو الذي قاد إحدى الفرق الدينية لاحتلال الحرم الشريف في كانون الأول 1979. وكتب ميلاد حنا " الأعمدة السبعة للشخصية المصرية ".

وفي الفرنسية، صدر كتاب " الكلمات السبع للسيد المسيح على الصليب " للكاتب رينيه باجور؛ و" سبع نساء في التيبت " للكاتبة ماري جول دو بونشفيل.

وفي الإنكليزية، صدر " المنزل ذو الصنوبرات السبع " لنتنايل هاوتورن؛ و" الخطايا الرئيسة السبع للندن " لتوماس ديكر؛ و" أعمدة الحكمة السبعة " لتوماس لورنس؛ و"ليلة القمر السابع " لفكتوريا هولت.

في الموسيقى

صدر لفكتور سحاب كتاب بعنوان " السبعة الكبار في الموسيقى العربية " وهم، بحسب الكاتب: محمد عبدالوهاب، رياض السنباطي، محمد القصبجي، زكريا أحمد، سيد درويش، أم كلثوم، أسمهان.

في الصحافة

في تونس، صدرت مجلة ثقافية فكرية شهرية تحمل اسم " السابع من تشرين الثاني - نوفمبر ". ويعود مصدر هذا الاسم إلى التاريخ الذي تسلم فيه الرئيس التونسي زين العابدين بن علي الرئاسة في السابع من تشرين الثاني 1987.

في الأدب

قال الروائي الإسباني كاميلو خوسيه سيلا، الحائز على جائزة نوبل للآداب لسنة 1989، إنه كان يحلم بالجائزة وهو في السابعة من عمره، عندما بدأ كتابة أول أشعاره.

وفي نهاية حياة بولستوي (Tolstoi)، استمر هذيان الموت يقارع الأديب الروسي سبعة أيام، إلى أن مات صباح 1945/11/7 في محطة استابوفو.

في المقاومة الفكرية

في الصين، أسست الثورة الثقافية الماوية مدارس لإعداد الإدارة الحزبية في مختلف الأقاليم، تسمى مدارس 7 أيار.

وفي تشيكوسلوفاكيا، تألفت " الشرعة 77 " من جماعة من المفكرين والمثقفين المناهضين للشيوعية، تجمعوا في العام 1977 وأعلنوا الثورة الصامتة على كل الممارسات القمعية والتجاوزات التي شملت أبسط حقوق الإنسان.

في اللغة

يبلغ عدد الحروف اللاتينية الصائتة سبعة. وتعتبر اللغات القديمة الأساسية سبع: عربي، عبراني، سرياني، يوناني، هندي، روماني، وفارسي. وتبلغ الصفوف الابتدائية في المدارس سبعة، والصفوف في المرحلتين التكميلية والثانوية سبعة.

في الأمثال

يقول مثل عامي: ينام على سبع خرزات من ظهره، أي أنه ينام نوماً عميقاً.

في الرسم

رسم ميكال أنج (Michael Ange) جداريات كنيسة سكستين (Sixtine) في إيطاليا في سبع سنوات. ويلقب الفنان " مارك شاغال " بالرسام ذي الأصابع السبع.

في التلفزيون

بثت القناة الفرنسية الخامسة برنامجا تلفزيونياً بعنوان " سبعة على سبعة ".

في السينما

يطلق على السينما " الفن السابع ". وقد صورت السينما أفلاما عديدة تحمل في عناوينها السبعة، من بينها: " الساموراي السبعة "، " القراصنة السبعة "، " سبع سنوات من التعاسة " من بطولة ماكس ليندر. وصور إنغمار برغمان فيلم " الخاتم السابع " وأخرج كارل شولتز فيلم " العلامة السابعة ".

في البارابسيكولوجيا

تقول البارابسيكولوجيا إن الحروف تنقسم أربعة أقسام، كل قسم من سبعة حروف: طبع اليبوسة والحرارة ا هـ ط م ف ش ذ وهو طبع النار، طبع البرودة واليبوسة ب و ي ن ص ت ض وهو طبع الأرض، طبع الحرارة والرطوبة ج ز ك س ق ث ظ وهو طبع الهواء، وطبع البرودة والرطوبة د ح ل ع ر خ غ وهو طبع الماء.

وتعتقد البارابسيكولوجيا بإصابة العين. ولكي يشفى من إصابته، على المصاب أن يسكب سبع رصاصات، فيزول المرض حالاً.

وتصف البارابسيكولوجيا العاج دواءً، فيؤخذ منه سبعة دراهم على سبعة أيام فهو نافع جداً، وإذا شربته امرأة عاقر فهي تحبل، وإذا وضع على الجروح فهو يختم.

وإذا كانت زوجتك تبغضك، اكتب لها أسماء القمر في سبع حبات من التمر أو التين وقدمها لها، فإنها تحبك بعد أن تعمل لها حجابا كتبت فيه سورة يوسف بالزعفران.

وتقول البارابسيكولوجيا إن الأسماء السريانية سبعة: للطهطهطيل، مهطيل، قهطيطيل، فهطيطيل، نههططيل، جهلططيل، ولحهططيل. فإذا أردت إحضار امرأة لمضاجعتها، اكتب الاسم السابع يوم الجمعة واعطه للطالب يحمله واكتب الأسماء الستة على شيء حلو، فإنك تحصل عليها. وإذا أردت فصل الرجل عن المرأة فخذ خيط حرير من سبعة ألوان وافتلها خيطاً واحداً ثم اجلس يوم السبت والقمر ناقص النور في برج الجدي واعقد في الخيط سبع عقد وقل الأسماء سبع مرات على كل عقدة، ثم اجعله في حلزونة واختم عليها بزفت وادفنها في قبر لا يزار. وفي سبعة أيام يحصل الطلاق.

السبعة ضد طيبة

تخبر الميثولوجيا اليونانية عن " السبعة ضد طيبة " وهي حرب للإطاحة بأثيوكليس. رفض أثيوكليس أن يقدم عرش طيبة لأخيه بولينيس بحسب الاتفاق الذي يقضي بالتناوب السنوي، فذهب بولينيس إلى أرغوس، فجمع بمساعدة أدراستوس جيشاً يؤيده في قضيته ضد أثيوكليس، في قيادة سبعة هم: أفمياروس، كابانيوس، هيبوميدون، بارتينوبيوس، تيديوس، بولينيس، وأدراتوس. وجاءت النتيجة بأن كل أخ قتل أخاه، فانتهت الحرب بمقتل الأخوين، ومن السبعة لم يبق حيا في هذه الحرب سوى أدراتوس، القائد الأعلى للجيوش.

 

ا.م .هديل عادل كمال