اكرم جلاللقد أولَت الفلسفة السياسية وعلوم النفس والاجتماع العبوديّة الطوعية اهتماماً كبيراً، لأنَّها ارتبطت بمنهج الذلّة الاختياريّة وسلوكيّاتها.

كتب إتيان دو لا بويسيه (1530 - 1563)، مؤسّس الفلسفة السياسية الحديثة في فرنسا، مقالاً نشره في العام 1552 أو 1553، ويتحدّث فيه عن أسباب نشوء العبودية الطوعية وانتشارها بين طبقات الشعب، ويُعتبر من أشهر مقالاته. وقد تحوّل بعد ذلك إلى كتاب يحمل العنوان نفسه "مقال في العبودية الطوعية".

يقول في بعض صفحات الكتاب:

"ينتشر الداء السياسيّ في ظلِّ حكمِ طاغيةٍ ما انتشاراً ضمن طبقات متعاقبة، فيتقرّب إلى المستبدّ خمسة من الطامعين أو ستة، ليصيروا متواطئين مع مطالبه تواطئاً مباشراً، لكن هؤلاء الستة ما يلبثون أن يصيبوا بالعدوى ستمائة من الأشخاص السلسي القيادة أو ذوي المنافع الكبرى، ليعود هؤلاء فيصيبوا ستة آلاف من المتزلّفين الطامعين... وهكذا حتى تصيب العدوى غيرهم من الطامعين الأذلاء... إنَّ العيون التي يترصَّد بها السيد أتباعه، إنما هي التي يتولّون منحه إياها، والأيدي التي تنهال عليهم بالضرب لا يأخذها إلا من بين صفوفه... لا سلطة لسيّدهم عليهم إلا بهم. لذا يغدون بكلّ يسر شركاء اللصّ الّذي يسرقهم والمجرم الَّذي يقتلهم. لم تُستعبد الشعوب إلا لأنَّها استسلمت للفساد وقبلت بالاستغباء".

وفي السّياق ذاته، يقول المفكّر الجزائري مالك بن نبي (1905-1973) في كتابه "شروط النهضة":

"الاستعمار ليس من عبث السياسيين، ولا من أفعالهم، بل هو من النفس ذاتها التي تقبل ذلّ الاستعمار، والتي تمكّن له في أرضها. وليس ينجو شعب من الاستعمار وأجناده، إلا إذا نجت نفسه من أن تتَّسع لذلّ مستعمر، وتخلَّصت من تلك الروح التي تؤهّلها للاستعمار. ولا يذهب كابوسه عن الشعب - كما يتصور بعضهم - بكلمات أدبية أو خطابية، وإنما بتحول نفسي يصبح معه الفرد شيئاً فشيئاً قادراً على القيام بوظيفته الاجتماعية، جديراً بأن تُحترم كرامتُه. وحينئذ يرتفع عنه طابع "القابلية للاستعمار"، وبالتالي لن يقبل حكومة استعماريَّة تنهب ماله وتمتص دمه، فكأنّه بتغيير نفسه قد غيّر وضع حاكميه تلقائياً إلى الوضع الذي يرتضيه".

من هنا، ندرك أنّ الأمم الناهضة هي تلك الّتي تتوهّج حضاراتها، وتتجلّى عظمتها من خلال الثبات على طريق الحريّة ورفض العبودية بكلّ أصنافها، وتقاوم الجهل والتخلّف من أجل تهيئة الطريق نحو مستقبل يَنعَم فيه الجميع بالتقدّم والازدهار.

أمّا الأمم المُستعبدة، فلا نجاة لها إلّا من خلال التسلّح بالوعي والمعرفة، والإيغال في غياهب الواقع الاجتماعي، وتحليل علاقاته السببية بجميع أبعاده ومسمّياته، وأهمها دراسة سلوكيات الأفراد ضمن فترات زمنية متباعدة (الأنثروبولوجيا)، والبدء باستقراء الواقع الحقيقي للأمة عبر مراحلها التاريخية. وهذا الأمر لن يكون متاحاً إلّا من خلال دراسات علميّة مُعمّقة لمنهجية النُظُم الاستبداديّة والطاغوتيّة التي توالت على صدر الأمة منذ عقود وطبيعتها.

لذا، إنّ أيّ محاولة للسَّير نحو الانعتاق والخلاص لن يُكتب لها النجاح ما لم يكُن المنهج مبنياً على قاعدة الفهم والإدراك والإحاطة بالأسباب التي أدّت إلى نشوء النظم الطاغوتية، وكيفية مساهمة أفراد المجتمع أنفسهم في قيامها، من خلال الارتماس في مستنقعات الجهل والأميّة ورفض التحرر الفكري، فيما يكمن طريق الخلاص في تنوير العقول والتسلّح بالوعي المفاهيمي.

إنَّ العلم هو طريق النجاة، وأهل العلم أحرار، وإن قَيَّدَتهم السلاسل، وأهل الجهل عبيد، وإن اتّسعت بهم المنازل، فالنّاس عبيد بقدر جهلهم بذواتهم وما أنعم الله تعالى عليهم من قوة الفكر وجمال البصيرة، والتي إن أحسنوا استخدامها، فسيدركون أنّ الله تعالى إنّما وَهَبَها إكراماً لهم ليكونوا أحراراً، لا ليركنوا إلى العبودية.

لقد أولَت الفلسفة السياسية وعلوم النفس والاجتماع العبوديّة الطوعية اهتماماً كبيراً، لأنَّها ارتبطت بمنهج الذلّة الاختياريّة أو الطوعية وسلوكيّاتها، والتي أمْلَتها انحرافات الوعي المفاهيمي، وغياب الإدراك الحسّي، والضياع الأخلاقي، والسلوكيّات السقيمة.

والذات الإنسانيّة متباينة في طبيعة علاقتها بالنظام السلطوي، فَمِنْها ما يعيش الحريّة، وينعم بقوّة الوعي، وينظر إلى الحياة بِعَينٍ مُبصرة، وهيَ النّفس التي لا تتوقف عن السُموّ وترفض الذلّ والهوان، لكننا في المقابل، نرى النّفس الذليلة التي يهمّها علفها، مثل حيوانات مُدَجّنة تُصبح وتُمسي على هدف واحد ومطلب لا يتغيّر، وهو البقاء.

إنّ من المحزن أنْ ترى أمّة تحمل إرث رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وفيها أناس يعشقون العبوديّة؛ أمّة تحمل أعظم منهج سماويّ في الحريّة والتحرر، ولكنها ترزح راغبةً تحت سلطة الطاغوت بعد أن افتتنها بسحره، فغضّت النظر عن معاجز الله }نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ}.

والإنسان حين ينسى نفسه، فإنّه يعيش الوهم ويراه حقيقة، فتجده قد تمسّك بالخيال الذي تعطّف به عليه الطاغوت، فرضخ صاغراً طائعاً متلهّفاً لأفكاره ومنهجه.

إذاً، إنَّ العبودية الطّوعية هي سلوك اختياري وممارسة ينتهجها الفرد من تلقاء نفسه ليكون عبداً للطاغوت، بغض النّظر إن كان هذا الطاغوت مستعمراً أو حاكماً سياسياً أو تنظيماً حزبيّاً، أو حتى مسؤولاً في دوائر الدولة، فالعبد عندما يتّخذ غير الله رباً، فهو بذلك يخرج مفهوم العبادة والتعبّد عن معناه الحقيقي الَّذي أراده الباري جلَّ وعلا، فالعبادة إنّما هي لله وحده. وحين تكون لغير الله تصبح عند ذلك شركاً.

والطاغوت، بحكم طبيعته، لا يملك القُدرة على فَرض انتصاراته وإملاء إرادته على جمهوره بالقوة ما لم يُعينوه ويمنحوه حريّتهم، بإرادتهم وبكامل إدراكهم، فالحريّة عندما تُسلب سيضيع بعدها الفكر والتفكير، ليبدأ بعدها الزّحف نحو الإله الجديد بعقول فارغة، فيملأها الطاغوت بأفكار ومفاهيم شتى بما شاء، وكيفما شاء، ومتى شاء، لتكون تلك الأفكار المشوّهة منهجاً مقدّساً، تُخصّص له الدروس، وتكرّس له العقول، وتُفدى من أجله الأرواح، فالزعيم والقائد الأوحد هو السند والوتد، وهو الرّبّ الذي يُعبد.

لقد نشأت حلقات العبودية مُنذ أن قبلَها طواعية نَفَر من المقرّبين، فبدأ الطاغية بممارسة التسلّط والإرهاب على هذا الصّف من العبيد. ولأن الأخير توّاق إلى التسيّد والظهور، ويحمل فكر الطاغية ومنهجه، ويسعى إلى نشر أفكاره، فإنّه سيبدأ ببناء صفٍّ ثانٍ للعبيد. وهكذا تتزاحم الصفوف، والكلّ يتسابق من أجل نقل فضائل الزعيم الرؤوف، مستخدماً جميع الطرق والوسائل، والويل لمن يتجرأ على النقد أو المساس، فالقائد هو الأساس!

وعند البحث عن تفسيرات وتأويلات للأسباب التي تدفع الإنسان الحرّ إلى أن يشتري العبودية بمحض إرادته، فإنَّنا سنقف عند الكثير منها. ولعلّ أهمها ما طرحه ابن خلدون في الفصل الثالث والعشرين في المقدمة، إذ يقول: "المغلوب مولع أبداً بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيه ونحلته وسائر أحواله وعوائده"، إلى أن يقول: "وتأمّل في هذا سر قولهم "العامة على دين الملك"، فإنه من بابه، إذ الملك غالب لمن تحت يده، والرعية مقتدون به لاعتقاد الكمال فيه اعتقاد الأبناء بآبائهم".

هذا هو ما يفسّر التوجّه السلوكي إلى العبودية. هو حالة من الدونيّة والنقص، وسلوك أخلاقي غير متّزن، ثم إنّ الطّمع والرغبة في الرئاسة والتسيّد على أوجاع المقهورين هما أيضاً من الأسباب التي تدفع الإنسان الحرّ إلى أن ينسلخ عن حريّته، ويخلع عنه رداء الكرامة التي منَّ الله تعالى بها عليه، ليلبس رداء المتعبّد لغير الله، لعلّه بذلك يبلغ بعضاً من حطام الدنيا، مع علم هذا المتعبّد بأنَّ الطريق الذي اختاره سيبقيه عبداً، وأنّه لن يَنعم بالحرية أبداً، وإن ملك ما تمنّى.

لذلك، إنَّ الخروج من مستنقع العبوديّة يتطلّب وقفة حقيقيّة مع الذات الإنسانيّة، من أجل مسح جميع العوالق والموروثات التي تراكمت عبر السنين، والخروج من قولبة الذلّ والانبطاح وحالة النقص المتوارثة، والبدء بإطلاق العنان للعقل والوعي.

كما أن الارتباط المطلق بالله تعالى هو الطّريق الأوحد نحو فجر الخلاص، فالإنسان، بطبيعته، مجبول على الحريّة، وحقّه في ذلك مُقدّس فَرَضَته الشرائع السّماويّة، والعبودية منشأها وجودي طوعي، وهي بطبيعتها تتناقض مع الفطرة الإنسانية.

والشعوب، وإن ارتضت العبوديّة ردحاً من الزمان، فلا بدّ من أن يأتي الوقت الذي تستفيق فيه، لتخرج من ذلّ عبوديّة الطغاة إلى كرامة عبادة الله وحده. وفي ذلك تكون الحريّة قد اكتملت، وتكون الأغلال قد كُسّرت، وعادت للإنسان إنسانيته التي أرادها الله تعالى له.

 

د. أكرم جلال

 

اسماء محمد مصطفىربما بات الحديث عن الاخلاق او القيم العليا والذوق العام  في نظر البعض او الكثيرين في بلدنا، العراق، حديثا شاذاً وقديماً ليس له مكان له اليوم مع تردي الاخلاق والذوق العام، نذكر في طفولتنا  كان أهالينا يعلموننا ويربوننا على القيم السامية وتعزز المدرسة مايربينا أهالينا عليه ، أما اليوم وبسبب الظروف العامة المعروفة لدينا وبسبب غياب سلطة القانون وهيبته، تمادى كثيرون في التجاوز على الكثير من القيم وإزاحتها بسلوكيات طارئة وأفكار ظلامية فوضوية، حتى بات يُنظر الى المتمسك بالاخلاقيات العالية على أنه إنسان غير واقعي بل هو خارج السرب، وأصبح النظر الى الاخلاقيات على أنها مثاليات، والمثالية ينظر اليها على أنها  خيال او أقرب الى الخيال،  بينما الاخلاق ليست خيالا، لأنها واقع فعلا، مترسخ في البعض ممن حافظ على قيمه العليا بالرغم من الفوضى واللامبالاة والإغراءات حوله، وهذا يجعل المتمسك بقيمه إنسانا فريدا عن الآخرين ، يشعر بالغربة عن محيطه .

أهمية الاخلاق

إنّ الاخلاق السامية مهمة بشكل استثنائي الآن لغرض إعادة بناء البلد والحياة، لأنَ بناء الإنسان قيميا وثقافيا يسبق بناء الجدران، ولأنَ بناء الاوطان يبدأ ببناء الإنسان اولاً .

وتحتاج القيم العليا كي تنمو او تعود او تستعاد الى : التربية والتعليم وتشجيع البيئة لها، ولكن التشوه أصاب هذه المجالات، الامر الذي جعل موضوعة تنشيط القيم صعبة، هنا، ومع شيوع الفوضى ومرور البلد بظروف صعبة واستثنائية تبرز الحاجة أكثر الى الإعلام المسؤول  بجميع أشكاله (المقروء والمسموع والمرئي) كي يقوم بدوره في تعزيز  القيم بعد إعادتها الى السطح وتذكير الناس بها،  لكن ثمة معوقات تعترض هذه المهمة ، في مقدمتها التقاطع بين مضامين الرسالة الإعلامية الهادفة ومصالح بعض الناس ممن يرون أن قيماً كالصدق والأمانة والنزاهة  والالتزام بالقوانين لاتصب في مصلحتهم ولاتنفعهم على العكس من المخالفة التي تسهل لهم أمورهم وسط الفوضى العامة .

الامر الآخر إن وجود سلطات فاسدة ومسؤولين فاسدين يسبب الإحباط للمواطن الذي يقول لماذا التزم بالاخلاق بينما السلطة لاتلتزم وعدم التزامها يؤدي الى ثرائها بينما انا أبقى فقيرا .  هنا، ليس كل الناس بالقابليات نفسها، هناك من لايتخلى عن قيمه وذوقه مهما كان الثمن وهناك من يركض مع القطيع .  الحقيقة، هناك شيء مهم لايتوقف عنده المخالفون، وهو احترام الذات وهو شعور  تصنعه أمور كثيرة من بينها التمسك بالقيم العليا والذوق .

المهنية الإعلامية مطلوبة

نعود الى دور الإعلام الذي تقسم وظائفه الى (إعلامية، ترفيهية، ثقافية)، ربما الصحافة المقروءة تهتم أكثر من المسموعة والمرئية بموضوعة القيم، هناك مقالات وموضوعات كثيرة تتناول الاخلاق والذوق، لكن وسائل الإعلام المسموعة والمرئية تأتي بدرجة أقل في الإهتمام مع أن المرئية أكثر تأثيرا من المقروءة لأنها تدخل الى كل بيت وتبث برامجها في صور اولقطات وهذه تبقى في الذاكرة أكثر من الكلمة، ولكن وسائل الإعلام المسموعة والمرئية غالبا ماتكون مشغولة ببرامج الترفيه وأخبار السياسة ومشاكل الناس، بعيدا عن موضوع التوعية، تحتاج هذه الوسائل الى نهضة او دفعة لتهتم بالاخلاق والذوق، ـ فحولنا الكثير من الضجيج اللااخلاقي (سلوكيات رديئة مثلا) والبصري (التجاوزات والتشوهات التي أصابت الشوارع والأمكنة العامة مثلا) والسمعي (الألفاظ السيئة مثلا) ـ وفي حال نهوض وسائل الإعلام يشترط في برامجها وتمثيلياتها أن لاتكون شعاراتية مباشرة تسبب الملل للمستمع والمشاهد بل يفترض بها أن تعتمد الأساليب الجاذبة المقنعة وهذا يتطلب  طاقات ذات خبرة ومطلعة على ماتقوم به وسائل إعلام عالمية .

من المعروف إن الاعلام البناء القائم على أسس متينة يمكن أن يغير من إتجاهات الجمهور ـ وإن كان هذا الامر ليس سهلا ـ ولكن يجب أن يتمتع بالحرفية حتى لايتخبط ويؤدي الى نتائج عكسية، لاسيما أنّ السوء يعمّ ويقاوم الجودة لأنه أسهل على الكثيرين، على سبيل المثال، قد تُبث رسالة إعلامية على أنها إيجابية لتعزيز القيم ولكنها ـ أي الرسالة ـ  تتضمن سواء عن قصد أم عن عمد رسالة أخرى تحرض ضد قيمة اخلاقية، او قد تقدم الرسالة بشكل كوميدي فج يسيء أكثر مما ينفع .

يمكن للإعلام القيام بحملات مستمرة ترتكز على نقاط أساسية مهمة ، ولن يكون التأثير سريعا او واسعا بالضرورة، لأنّ المسألة تتطلب صبرا وأعواما وظروفا أفضل ، فالحملات الاخلاقية لن تؤثر في الجميع بل ستحرك نوازع الخير لدى من يمتلكها في باطنه من الذين خالفوا القواعد الاخلاقية الجميلة اما سهوا او جهلا او تناغما مع الجماعة الغارقة في الفساد او اللامبالاة مثلا .

نقاط مهمة لحملات إعلامية

نقول، ترتكز الحملات الإعلامية التي يمكن أن تقودها صحف ومجلات وإذاعات وفضائيات على النقاط والإجراءات الآتية :

ـ الاستعانة بالشخصيات المشهورة والناجحة التي يحبها الناس لبث الرسائل المطلوبة، ولكن يشترط في تلك الشخصيات أن تكون بعيدة عن أية شبهة، فليس من المعقول أن نأتي بشخصية مشهورة لكنها مرتشية مثلا لتتحدث عن الأمانة والصدق مثلا !

ـ يمكن استثمار الأطفال لأنهم الفئة الموثوق من صدقها ونقائها، في تمثيل او بث الرسائل على شكل مشاهد تمثيلية او أغانٍ . الأغاني تلقى رواجا أكثر بين الجمهور. (هل تتذكرون أغنية .. لو كلنا نلتزم بالنظام .. ماكان صار ازدحام) ؟

ـ  استخدام اللافتات والشاشات الإعلانية في الشوارع  لتعزيز القيم العليا بأن يبث من خلالها رسائل بأسلوب بسيط محبب جاذب .

ـ عرض مشاهد عن شباب، مثلا، يقومون بممارسات إيجابية تصب في احترام الذوق العام،  كقيامهم بحملة شعبية لتنظيف الشوارع .

ـ عرض مشهد : مواطن يرمي قمامته في الشارع ثم يتخيل أن بيته صار شارعا ورمى الناس فيه القمامة، هذا التخيل يفضي به الى الشعور بالندم فيسارع الى جمع قمامته والتوجه الى المكان المخصص لرمي النفايات.

عرض مشهد ترمي فيه الأم علبة العصير او بقايا الحلوى الخاصة بطفلها من نافذة السيارة الى الشارع أمام ناظري الطفل،  ثم يظهر الطفل في البيت وهو يقود سيارته اللعبة ويرمي الأزبال في الغرفة او حديقة البيت مثلا، تنهره الأم وتقول له لاترمِ الأوساخ هنا، فيستغرب ويقول أنا أفعل مثلك ياماما، أرمي الأزبال في شارعي . تشعر الأم بالندم لأنها سلكت سلوكا مشينا وتقرر الكف عن رمي النفايات في الشارع .

ـ عرض مشاهد حول مساعدة الناس لبعضهم البعض، وحول الاعتذار شجاعة، ومراعاة الآخرين في كل تصرف،  والأمانة الخ .

ـ شكرا، من فضلك، لطفا .. هذه مفردات تدل على الذوق تحتاج الى تنشيطها عبر وسائل الإعلام، مقابل محاربة مفردات أخرى طفت الى السطح بكل خاص عبر شبكات التواصل الاجتماعي .

ـ الاستعانة بفن الرسم اما في صفحة من صفحات جريدة او مجلة ورقية او الكترونية او برنامج تلفزيوني او مهرجان او أية فعالية ثقافية او تربوية، كالمعارض التي تركز على موضوعة القيم . وهنا أود الحديث عن تجربتنا قليلا في شبكة الحياة لوحة رسم لدعم التفكير الايجابي والطاقات والمواهب .. شبكة إعلامية الكترونية تطوعية، تهتم بربط الإبداع بالاخلاق من خلال معارضها وورشها التدريبية الموجهة الى الطفل والشاب . الطفل كالعجينة يمكن أن نصنع منها مانريد ولهذا وجدنا أن استجابة الأطفال لمضامين الورش كبيرة، نتواصل مع الأطفال وأولياء امورهم أيضا حتى يكون هناك تناغم في تحقيق الأهداف المرجوة .

ـ البحث عن حكايات الناس الذين لديهم مواقف اخلاقية واضحة يمكن أن تُضرَب أنموذجا عبر تجاربها الواقعية، مهما كانت قليلة ، لأن من المآخذ على الإعلام عموما تركيزه على السلبيات أكثر من الايجابيات، وكأنّ البلد خالٍ من الخير والطيبين تماما، فضلا عن تداول فيديوات تظهر الإنسان الغربي إنسانا محسنا ومقارنته بشخص عراقي سيء ـ وبلغة التعميم التي تعد من مشاكل التعبير لدى كثيرين ممن يجهلون الأسلوب السليم لوصف حالة او حالات من غير تعميم  ـ، في الوقت الذي يمكن مقارنته أيضا بشخص عراقي محسن او الأخذ بنظر الاعتبار أن كثيرين يقومون بأعمال خير صمتا بعيدا عن الإعلام .

ـ إعداد برامج ونشر كتابات تتضمن حكايات جاذبة عن القيم الجميلة موجهة الى الصغار عبر قصص مخصصة لفئتهم العمرية، وكذلك  أخرى موجهة للكبار .

ـ إعداد برامج مسابقات حول قضايا الاخلاق كي يتحفز الجمهور ويبحث وخلال بحثه سيطلع على  كنوز القيم،  على سبيل  المثال مسابقة تتضمن طرح سؤال يتعلق بحكاية قديمة تتجلى فيها الاخلاق، او مسابقة  في الرسم او كتابة قصة او إنشاء  عن القيم العليا، بدلا عن المسابقات التافهة التي يشغل بها بعض وسائل الإعلام الجمهور .

ـ تحتاج وسائل الإعلام الى إعلاميين يتمتعون بالخبرة والكفاءة والوعي المهني والاخلاقي حتى يتخلص المشاهد من البرامج السطحية التي تسخر من الناس وتشجع على السخرية وقلة الذوق  كبرامج تنفذ في الأمكنة العامة والمولات يستضاف فيها الناس وتطرح عليهم أسئلة تافهة عن موضوعات غير ذات قيمة او تحريضية وتتسبب بتجاوزات على الضيوف او الاستهزاء بهم، فإذا كانت البرامج فاقدة للذوق فكيف لها أن تسهم بتعزيز الذوق؟

على سبيل المثال قرأنا رد فعل لشاب يشجع اللقاءات التلفزيونية التي تجعل من الزوجة مادة للسخرية .. يقول .. نريد المزيد حتى نضحك على عقولكن ! وآخر يستهزئ بالزوج ويتلفظ بألفاظ غير لائقة بحقه ..  ونقول لولا هذه البرامج الفجة لماقال هذا الشاب ماقاله . برامج كاميرا خفية ساذجة وغير مدروسة، تتطفل على الخصوصيات وتشجع على انعدام الاحترام، وهي بذلك تتجاوز على الذوق .

ـ الانتباه الى نقطة مهمة وهي من الذي يكتب عن الاخلاقيات والقيم والذوق ؟ من يقدم برنامجا عن ذلك ؟

إن من يشترك في الحملات والبرامج عليه أن يكون مهنيا ولايمكن أن يكون كذلك مالم يتمتع بأخلاق صحفية قبل كل شيء .

مثال : لايقتنع الجمهور بصحفي او مقدم برامج يتداول الأخبار الكاذبة والمفبركة او يتلفظ بالألفاظ السوقية ويتجاوز بشكل فج على الرأي الآخر  في الإعلام او وسائل التواصل الاجتماعي ، لأنه ليس محط ثقة، ووجوده يضعف الرسالة النهضوية الاخلاقية .

ـ إشراك صفحات  لاسيما مشهورة في شبكات التواصل الاجتماعي في المهمة النهضوية  من خلال بث الرسائل الإعلامية من خلالها، ذلك أنها تمتلك جماهير واسعة وبالإمكان التأثير فيها .

ـ التركيز على أهمية تطبيق القانون بلا خطوط حمر واستثناءات،  سلطة القانون وجدت لمن لم تنفع التربية في جعله مواطنا صالحا، سلطة القانون تطبق على الجميع من أعلى الهرم الى اسفله . وهذا يتطلب خطة إعلامية كبيرة وجهودا جبارة .

ليست المهمة سهلة، بل ستواجه سخرية ومقاومة من آخرين ، لاسيما أن الفساد ينخر في معظم مرافق العمل والحياة ، ولكن سنقول للساخرين والمقاومين .. هل لديكم خطة اخرى ؟ وما العمل ؟ وكيف نواصل الحياة وسط  كل هذه الفوضى ؟ أليس من المهم ان نحاول ونحاول  بدلا عن ان نترك سرطان الفساد يستمر ويستشري اكثر ؟

متطلبات الحملات الإعلامية

تتطلب الحملات الإعلامية التي يمكن أن تقودها صحف ومجلات وإذاعات وفضائيات تنسيقا مع جهات معينة لتنفيذ  برامجها كوزارات الثقافة والتربية والتعليم العالي والصحة وأمانة بغداد والدوائر البلدية في المحافظات ومؤسسات أخرى كي تقوم بدورها أيضا في دعم هذه الحملات والبرامج الهادفة .

الامر يتطلب دولة، خطة حكومية، ولكن نعود ونقول .. مع وجود ملفات فساد، لا ثقة في الجهات الحكومية العليا، وعليه، يتطلب أن يقوم الإعلام وحده بالمهمة الشاقة وهذا يتطلب شجاعة ونية حقيقية وطاقات ترغب فعلاً بالتغيير .. يتطلب نضالاً ولو على مستوى أفراد يعملون على استقطاب آخرين  ومعهم منظمات مجتمع مدني فاعلة وليست شكلية، وهكذا يكبر المشروع ويتسع، لعلّهم ينجحون في إعادة بناء النفوس يوما ما على طريق النهوض بالبلد . 

 

أسماء محمد مصطفى

 

جواد بشارةيتمحور تقدير العلماء لعمر الكون المرئي حول الرقم 13.8 مليار سنة أو ما يقارب الــ 14 مليار سنة وهو عمر أول شعاع ضوئي وصلنا منذ نشأة الكون بعد الانفجار العظيم، أي بعد مرور 380000 سنة على ولادته، وقد يكون أقدم من ذلك بكثير. واليوم، ونحن في نهاية الثلث الأول من القرن الحادي والعشرين، نتساءل، أما آن الأوان لإعادة النظر، وإعادة تأهيل دعامتي الفيزياء المعاصرة، ألا وهما نسبية آينشتاين والميكانيك الكمومي أو الكوانتوم؟ فالنسبية صحيحة وصالحة رغم مضي أكثر من قرن على صياغتها لكنها تقف عاجزة عن العمل والتطبيق في النطاق ما دون الذري أو الكمومي أو الكوانتي، وميكانيك الكموم صحيح وصالح لكنه يتوقف عن العمل عند تطبيقه على النطاق الكوسمولوجي الكوني، والعلماء يبحثون منذ عقود طويلة عن الجاذبية الكمومية أو الثقالة الكوانتية بلا طائل. وأمام الجميع تحديات عصية لأنه ما يعرف عن الكون المرئي لا يتجاوز نسبة الــ 5% وما هو مجهول يقارب الــ 95% وهناك الألغاز الدائمة التي تتطلب الحلول و تتعلق بالثقوب السوداء وما يجري في داخلها، وبالثقوب البيضاء المعاكسة لها، وبالثقوب الدودية وهل هي حقاً تأخذنا إلى عوالم أو أكوان أخرى، وهناك المادة السوداء أو المظلمة وكشف طبيعتها وماهيتها، ونفس الشيء بخصوص الطاقة المظلمة أو المعتمة أو السوداء ومعرفة أصلها وتكوينها وماهيتها، وهل الكون محدود أم لانهائي، وماذا وراء الأفق الكوني لكوننا المرئي، و أخيراً وليس آخراً، هناك ما يعرف بلغز ما قبل الانفجار العظيم البغ بانغ وماذا كان يوجد قبل حدوثه. وبدون توحيد هاتين الدعامتين الأساسيتين لا يمكن للفيزياء أن تتقدم.

هناك فريقي بحث من علماء الفيزياء في المملكة المتحدة يحاولان بث حياة جديد لفكرة تجربة   قد تقود في نهاية المطاف إلى توحيد مجالي الميكانيك الكمومي أو الكوانتي la mécanique quantique والنسبية العامة la relativité générale، المجال الأول هو فرع الفيزياء الذي يقوم بدراسة ووصف الظواهر الجوهرية التي تحدث في الأنظمة الفيزيائية وبشكل خاص على المستوى الذري أو النطاق ما دون الذري، وبموجبها تتحقق نمذجة الجسيمات الأولية والمبنية على مبدأ الاحتمالية، والتي لا توجد لها قيم ثابتة طالما لم نقم بعمل قياسات وحسابات لها. ليس لأن الفيزياء الكمومية أو الكوانتية فضفاضة، فبعد أكثر من قرن من التجارب جعلت منها أحد النظريات العلمية الأكثر صلادة ورسوخاً. والمجال الثاني هو نظرية النسبية العامة التي تصف الثقالة أو الجاذبية التي تحدث تأثيراً على نسيج ممتد ومتصل ومتسق أو متجانس يعرف باسم الزمكان l’espace-temps، وهي كذلك النظرية الأكثر صلاحية وصحة من كل النظريات التي ظهرت في مجال علم الفيزياء لغاية الآن والتي بفضلها يمكننا توقع حركة الأجسام على المستوى أو النطاق الكوني وبدقة بالغة. لكنهما رغم نجاحهما المدوي في وصف الكون المرئي بين اللامتناهي في الصغر واللامتناهي في الكبر، إلا أنهما لا يعملان معاً، خاصة عندما تدخل الجاذبية أو الثقالة، وهي إحدى القوى الجوهرية الأربعة للكون، في موضع الدراسة في النطاق الذري وما دون الذري نظراً للضعف الكبير للتفاعلات الثقالية مقارنة بتفاعلات القوى الجوهرية الأخرى للطبيعة كالكهرومغناطيسية، والقوة النووية الشديدة أو القوية، والقوة النووية الضعيفة.

في سنة 1957 ابتكر العالم الفيزيائي الأمريكي الشهير ريشارد فينمان Richard Feynman نموذج تجريبي حيث تخيل كتلة صغيرة موجودة فعلياً في مكان معلوم ومحدد في حالة وجود قياس أو حساب بشأنها، لكنها لا توجد على نحو مغاير في أي مكان آخر معلوم أو محدد، أو توجد في حالة تراكب superposé، وعند وضعها في مجال أو حقل ثقالي ينبغي أن ترتبط الكتلة بالسمات أو الخصائص الكمومية أو الكوانتية للثقالة عن طريق ما صار يعرف بالتشابك الكمومي أو الكوانتي intrication . ومن أجل أن نرى فيما إذا كان المجال أو الحقل المذكور قد كمم quantifié في الطبيعة، اقترح ريشارد فينمان البحث عن علامات تداخل بين الموضعين الممكنين، قبل حساب الموضع الحقيقي. فلو تفاعل الموضعان الممكنان قبل انفصالهما عن المجال أو الحقل، عندها سيكون للثقالة طبيعة كمومية أو كوانتية يمكن دراستها. هذه هي الفكرة التجريبية الأساسية التي اقترحها ريشارد فينمان كأساس. ولكن، وحسب أبحاث الفريقين المذكورين أعلاه، فإن أحد الجسيمات الأولية في حالة تراكب يمكن أن يتفاعل مع نفسه، حتى داخل مجال أو حقل ثقالي كلاسيكي متواصل، ما لا يدع مجالاً للشك. ففريقي بحث جامعة أكسفورد أظهرا أن أي زوج من الأنظمة الكمومية أو الكوانتية يمكن أن يتداخلا في نظام ثالث، ولكن فقط في حالة أكممة quantifié هذا النظام الثالث، وهذا يترك المجال للافتراض أن من الممكن لزوج من الكتل، كل واحد في حالة تراكب، يتزاوجان على نحو منفصل بتداخلهما في صيغة كمومية أو كوانتية لمجال أو حقل ثقالي، وإذا لم تكن الثقالة كمومية أو كوانتية، عندها لن يكون هناك تشابك كمومي أو كوانتي.

ربما حان الوقت للعثور على نظريات جديدة للزمكان:

لم يدحض أحد لحد الآن نظرية النسبية العامة لآينشتاين لكنها تعرف حدودها. وهناك محاولات لتجاوزها أو تطويرها من قبل نظرية الأوتار الفائقة le théorie des supercordes ونظرية الثقالة الكمومية الحلقية أو العروية la théorie de la gravité quantique à boucle

المتنافستان. فالنسبية العامة لم تتمكن من وصف ما يحدث داخل الثقب الأسود ولا وصف جزء من مليار المليار من الثانية الأولى للكون قبل زمن بلانك. والميكانيك الكمومي أو الكوانتي لم يتمكن من وصف الثقالة على المستوى أو النطاق الفائق، إلا أنه يفترض أن انتقال الطاقة يتم على شكل حزم من الكموم وعلى نحو غير متصل discontinue عكس ما تدعيه النسبية العامة التي تقول أنه يتم على نحو متصل continu وبالتالي لا بد من إيجاد نظرية جديدة في الجاذبية أو الثقالة الكمومية gravité quantique .

يتبع

 

د. جواد بشارة

 

 

قاسم حسين صالحتناولنا في الحلقة الأولى مفهمومي (الرمز) و(اللاوعي الجمعي) وختمناها بتساؤل ما اذا كانت هذه الصفات السيكولوجية وتأثيراتها في السلطة والحراك الجماهيري السياسي تنطبق على السيد مقتدى الصدر في تحليل سيكولوجي لشخصيته ملتزمين بمنهجية اختصاصنا في علم نفس الشخصية وخبرتنا في تحليل شخصيات عالمية (باراك أوباما وترامب اللذين توقعنا، بخلاف المحللين السياسيين، فوزهما..وقد نشر غوغل تحليلنا لشخصية ترمب مصحوبة بصورة شخصية لنا تتوسط اربع صور لترمب..فضلا عن شخصيتي السيدين حيدر العبادي وعادل عبد المهدي، ومؤشرات سيكولوجية اولية عن شخصية السيد محمد توفيق علاوي.

نقول هذا لأن بين من يعنيهم الأمر قد يعتبرون تحليلنا العلمي هذا (حجي جرايد).

تـقديـم

يرث مقتدى (1974) عن عائلته اعتبارين : ديني كونه من ابرز العوائل الدينية الشيعية في العراق، ورسمي يرثه من جده محمد حسن الصدر الذي كان رئيسا للوزراء عام 1948 وعضوا ورئيسا لمجلس الأعيان زمن النظام الملكي.

هذان الأعتباران يمنحانه هالتين : دينية على صعيد طائفة الشيعة، وسياسية على صعيد الدوله. ومقتدى هو نجل السيد محمد محمد صادق الصدر أبرز رجال الدين الشيعة المعارضين للرئيس الأسبق صدام حسين الذي قتله، ومنها يرث هالة الجهاد التي جسّدها عمليا في الانتفاضة الشعبانية (1999)، وقيادته المقاومة ضد القوات الأمريكية في (2003) التي وضعته على رأس المطلوبين..وصولا الى تأسيسه (سرايا السلام)عام 2014.

وفي الجانب الديني التحق الشاب مقتدى بالحوزة العلمية في النجف عام( 1988 ) وحصل على درجة (حجّة السلام)، ويدرس حاليا في قم للحصول على درجة المجتهد التي تخوله أن يكون مرجعا دينيا وهو ما يزال في السادسة والأربعين من عمره في مسعى لأن يكون خليفة للسيد علي السيستاني.

ان رجلا بهذه المواصفات التي ينفرد بها عن كل السياسيين الذين تولوا الحكم بعد( 2003) قادته سيكولوجيا الى ما نصطلح على تسميه بـ(تضخّم الأنا)..فلنتوقف عنده، ولكن بعد ان نتعرف على آراء عينة من العراقيين.

استطلاع راي

مع أن عينة المستجيبين ليست ممثلة للمجتمع الا انها تقدّم مؤشرات سيكولوجية عن شخصية السيد مقتدى الصدر، حيث توجهنا عبر وسائل التواصل الاجتماعي والبريد الألكتروني بهذا الطلب:

(استطلاع لدراسة علمية : حدد، بموضوعية بعيده عن تحيز مع او ضد، اخطر صفتين سلبيتين، وافضل صفتين ايجابيتين في شخصية السيد مقتدى الصدر.)

شملت عينة الاستطلاع (367) مستجيبا بينهم اكاديميون ومثقفون ومن كلا الجنسين، وفيما ياتي أهم النتائج:

الصفات الايجابية:

وتحدد اهمها في الآتي:

- انتسابه لعائلة كريمة

- قدم نفسه قائدا لطبقة الفقراء والمهمشين

- قائد اكثر الحركات الشيعية نفوذا وشعبية في البلاد

- طيب القلب ولكن من السهل ( توظيفه نحو الشر)

- شجاع وذكي

- احدث توازنا مقابل الاحزاب الشيعية الاخرى، وهو اطهر من قادتها

- قائد بالفطرة، ولديه كارزما القيادة

- له حنكة سياسية، ويمتلك قابلية تحريك الشارع بسهولة ما يجعله عنصرا فعالا في اي معادلة تطرح على الساحة العراقية سياسيا واجتماعيا

- يحظى بمقبولية اغلب دول المنطقة، ما يجعله عنصرا مؤثرا في الخارطة السياسية

- واضح، لا يعمل بنظام الغرف المظلمة، صريح في كلامه ولديه قدرة تلقائية لكسب مشاعر الناس.

- يتمتع بخاصية عجيبة هي التنقل بين كل الاحزاب والكتل وفرض سلطته.

- ملتزم دينيا (متناقض سياسيا)

الصفات السلبية:

وتحدد أهمها في الآتي:

- متناقض، متذبذب، متعدد الأهواء وكثير التقلبات.

- قراراته سريعه، ولا يركن الى قرار.

- يعيش حالة جنون العظمة.

- ايمانه بسلالة رجال الدين وقدسيتهم جعلته قائدا، الا انه لا يمتلك سمات القائد الرشيد

- فقر فكري، غير منفتح، محدود الأفق، ليست لديه خبرة سياسية، ولا تتوفر فيه شروط القيادة، ولا يعرف ماذا يريد

- شخصية مأزومة، راديكالي ديني متطرف

- وصولي نفعي

- صار في الاحداث الاخيرة بالوجه مرايه وبالكفا سلايه

- تابع لكبار، وانتماؤه ومرجعيته الى ايران

- استعماله منهج العنف ولا يهتم لقتل البسطاء

- تناقضه جعله يخسر مشاعر كثيرين من بينهم اصحابه

- ادرك العراقيون انه اذا استمر في تغريداته فانهم سيكونون من رواد وادي السلام

- لا توجد لديه رؤيا مستقبلية واضحة المعالم وليست لديه استراتيجية

- شخصيته مثل الساعة الصينية التي دوخت انشتاين، فارغه وعطلانه ومن تريد تصلحها ما تعرف من وين تبدي.

مقتدى..وعقدة تضخّم الأنا.

قدمت لنا نتائج الأستطلاع مؤشرات عن مقتدى الصدر، ومع اختلافها وتناقضها الحاد فأننا نخرج بنتيجة نتفق عليها جميعا هي انه (شخصية جدلية.. وبتطرّف). فلندخل عالم هذه الشخصية.

لدينا مفهومان متشابهان في علم النفس والطب النفسي هما " تضخّم الأنا " و " قوة ألانا " ينبغي التفريق بينهما، اذ تعذ الثانية حالة صحية نابعة من الثقة بالنفس والتقدير الموضوعي الواقعي لقدرات وقابليات صاحبها، والمعبّرة عن الاعتزاز الإيجابي بالنفس واحترام الذات، فيما يعدّ " تضخّم الأنا " حالة عصابية " مرضيه " لها أسباب متعددة أهمها تراكم الشعور بالاضطهاد والحيف.

وتفيد الدراسات بأن شخصية " الأنا المتضخم " تجمع صفات في " توليفة " من ثلاث شخصيات مختلفة هي: النرجسية والتسلطية والاحتوائية. فهي تأخذ من الشخصية النرجسية حاجتها القسرية إلى الإعجاب..أي إنها تريد من الآخرين أن يعجبوا بها بالصورة التي هي تريدها، وأن لا يتوقفوا عن المديح والإطراء، ويسعى صاحبها الى ان يكون بطلا بعيون جماعته من خلال التظاهر بامتلاكه قدرات فريدة.

ويأخذ صاحب " الأنا المتضخّم" من الشخصية التسلطية، انفعالاتها الغاضبة واندفاعيتها ومزاجها الصارم (قليلا ما يجامل ويبتسم)، وتصنيفها الناس بثنائيات في مقدمتها ثنائية الأصدقاء مقابل الأعداء، أي من كان معي فهو صديقي وما عداه فهو عدّوي، وتصرفها بالتعالي نحو من يعتبرهم اندادا، فيما تأخذ من الشخصية الاحتوائية السعي إلى السيطرة على الآخرين واحتواء وجودهم المعنوي وأفكارهم، سواء بالإبهار أو بأساليب درامية أو التوائية، اوبطرح نفسه كما لو كان الأنسكلوبيدي العارف بكل شيء.

ان الكثير من هذه المواصفات بنوعيها تنطبق على شخصية السيد مقتدى الصدر، وتؤكد لنا بان (الأنا) لديه متضخّم لخمسة عوامل اساسية :

- الهالات الثلاث التي حددناها في اعلاه.

- الجماهير الشعبية التي منحته (القدسية) لدرجة ان عددا منهم يقّبلون سيارته حين يسير في الشارع للتبرك به.

- اقتحامه المنطقة الخضراء الشديدة التحصين في (20 ايار / مايس 2016 ) برغم تصدي قوات الأمن وأطلاقها الرصاص الحي ووصول انصاره الى مكتب رئيس الوزراء، وهروب معظم قيادات احزاب الاسلام السياسي، ورفعه شعار (شلع قلع) الذي عزف به على اوتار ملايين الفقراء الذين اذلتهم وافقرتهم حكومات بهويات شيعية..ونجاحه في ايصالهم الى منحه صفة (القائد).. وتوليد اليقين لديهم بأنه (المنقذ المخلّص).

- فرض سلطته على سلطات الدولة والأيحاء للناس بأنه هو الأقوى.

- اشتراك الحزب الشيوعي معه في كتلة سائرون، ما يعني ان القوى التقدمية في العراق التي تختلف معه ايديولجيا وعقائديا..تطلب ودّه ايضا.

ختاما:

ان ظاهرة السيد مقتدى الصدر نلخصها، سيكولوجيا، بأنه (يختزل الوطن والناس في شخصه)..فكل شيء، جماعة، حالة، موقف..تعزز (اناه المتضخم) فانه يحتويها ويتبناها ويجعلها تتباهى به، وكل من يخدش (أناه) فانه يزدريه، يحقّره، يذلّه..فأن تمادى استخدم معه القوة المصحوبة بالعنف. ولأن المعيار لدى هذه الشخصية هو (الأنا) فان صاحبها يكون (زئبقيا)..يتحول بسهولة من الضد الى ضده النوعي..في المواقف السياسية والجماهيرية بشكل خاص.

ومع ذلك فان السيد مقتدى الصدر اكتسب (سلطة الرمز الديني في اللاوعي الجمعي العراقي- الجماهير الشعبية الشيعية تحديدا) بالمفهوم الذي تناولناه في الحلقة الأولى من هذه الدراسة، ولسبب آخر علمي هو غياب قوة وطنية او تقدمية او قومية تنافسه، فوجدت هذه الجماهير المسحوقة في شخصيته انه وطني محب للعراق، وأنه (المخلّص) لأنه (منهم وبيهم)..على صعيد الجماهير الشيعية المسحوقة، وصعيد سلطة أحزاب الأسلام السياسي الشيعي التي خذلتهم وخدعتهم واستفردت بالسلطة والثروة، وأنه قد يفاجأ العراقيين يوما باقتحام الخضراء ثانية ليصبح بطل التغيير والثورة.

اخيرا .

ان هذه الدراسة يعوزها اهم شرط علمي، هو تطبيق اختبارات في علم نفس الشخصية، واجراء مقابلة بحوار مفتوح واسئلة مغلقة على السيد مقتدى الصدر، وانا حاضر لمقابلته (علميا) ان ضمن لي سلامتي من انصاره. 

 

أ. د. قاسم حسين صالح

مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية

6 شباط 2020

*

 

 

يوسف القرشييعد الإنسان الكائن الأعظم الذي قذف به إلى معترك هذا الوجود وأعظم مشكل أيضا، لأنه وجد نفسه داخل ازدواجية/ ثنائية أنطولوجية تعبر عن كينونته، حيث ينقسم وجوده إلى جسد أو حيوانية كجانب أول منه، لكن في الجانب الآخر هناك روح أو حرية. ولا سبيل لتفسير الحب وفهم أبعاده لو اقتصرنا على إرجاعه إلى الجانب الأول «الجسد» كحاجة جنسية، غير أن الواقع سنجد الحب يتجاوب/ يتمازج/ يتماهى مع السمو السيكولوجي للموجود البشري، من حيث أن هذا الموجود سواء باتصاله بالأرض/ الإنسان أو بالسماء/ الله هو في حاجة ديناميكية مستمرة إلى أن يحب وأن يحب وأن يربط جميع الجسور الموصلة إلى الحياة بواسطة الكراهية أو الحب في غالب الأحايين. ورغم ما تفعله يقظة الغرائز الجنسية كونها تساعد على خلق الجو النفسي الملائم لميلاد الحب، فإن المعنى الحيوي للحب يتجلى في التحرر من العزلة النفسية، لذلك فالحب إذن هو الوعاء الذي يسمح لشخصين بأن يكونا من هما ذاك الجسد الواحد بروحين أو جسدين بروح واحدة.

والحب هنا نداء يحاول الانسلاخ عن الذات لكي ينشد الآخر مما يجعل من الذات المحبة هي الأنت/ الآخر إلا أنها غيرها، كون الحب بعيد كل البعد أن يكون تعبيرا عن النرجسية المتعالية أو التمركز الذاتي لفتح حوار جواني مع الذات، لأن كلما اتسعت دائرة حب الذات، فإنها لن تستطيع أن تستوعب حب الغير، وكما أن المرء لا يتعلم كيف يريد فإنه لا يتعلم أيضا كيف يحب، بيد أنه يجب أن يتجه دائما نحو الآخر/ الأنت ويعبر باستمرار عن وجود حبل متين بينه وبين الذات التي هي في نهاية المطاف صورة الآخر نفسها، وهو بذلك ينتقل من عالم الانشغال بالذات إلى عالم التثنية، حيث تكون المحبة والمساواة والاعتراف والتقدير والاختلاف أساس العلاقة، وبهذا المعنى لا يعني الحب أننا نحب الآخر لأننا بحاحة إليه، بل الأنا/ النحن في حاجة إليه لأننا نحبه، وهذا هو نشيد كل أناشيد الحب.

إن حب الآخر أعظم صورة من صورة حب الذات، وحبه لا يكون كما تريده الذات، بل كما هو مغاير لها ومختلف عنها، وهذا استنادا إلى الحب نفسه، كونه يفرض الثنائية باعتبارها قواما/ أساسا لإمكان بدايته وقيامه، ففي الحب إذن علاقة بين حدين لا يتمايز الواحد منهما عن الآخر إلا لكي يساند أحدهما الآخر أو كما قال الفرنسي المعاصر لويس لافل: « أنا حين أحب فإنني أتصور الآخر باعتباره مختلفا عني، ومن ثم فإنني أريده من حيث هو ذات أخرى، لا من حيث هو ذات أمتلكها أو ذات موجودة بالقياس إلي»1، لذلك ليس الحب الحقيقي هو ذاك الذي ينشد نفسه لدى الآخر، بل هو ذاك الذي يريد أن ينسي نفسه في الآخر وينبثق من داخله بلون جديد، وفي نفس الوقت يكون رائد الذات البحث عن الخير الأعظم/ حب الآخر، بحيث تكون سعادته هي الهدف الذي تعمل من أجله الذات، وتكون سعادة الذات هي النتيجة التي تترتب على تحقيق هذا الهدف، ولو أننا أخذنا بتعريف ليبنتس: « الحب هو أن تسعد بسعادة الآخر » لكان في وسعنا القول إن الحب هو القدرة على الاهتمام بالآخر والعمل على تحقيق سعادته والشعور بأن سعادتنا من سعادته، كون سعادة الذات هي أعظم هدية بإمكاننا أن نهديها للآخر، وهذا هو السبب في أن الحب كعاطفة/ كقيمة/ كجوهرة نادرة قلما تجود بها قلوب البشر.

وإذا ما تأملنا في كوننا ننجذب لهذا الشخص دون ذاك سنجد أن الحب في حقيقته عاطفة سابقة على عملية اختيارنا لموضوع الحب، كون عندنا صورة نمطية سابقة عن كيف نرغب/نريد هذه التركيبة البشرية التي ستلعب دور البطولة في مهزلة حبنا، ولو فكرنا في الدافع الذي من أجله وقع اختيارنا على هذه المرأة أو تلك لأدركنا أن الجمال في ذاته ليس هو الدافع الذي يوقد في قلوبنا شرارة الحب، وإنما تلك الدهشة التي أثارها في حياتنا مسبقا وحب الاستطلاع الماكث في أذهاننا، لذلك فالسعادة التي تقترن بالحب لا تكون في صميم الواقع، بل في خيالنا لا غير، وبهذا المعنى سوف يصبح كل من الحبيب والمحبوب قوالب نمطية يعيدون الصيغ التي ابتكرها الحب من قبلهم ويلعبون أدوار البطولة في الحياة العاطفية، على اعتبار أن الخيال هو كل شيء في الحب.

هذا ليس من باب السلبية والسوداوية نقوله، بل من أجل ذلك السر الذي تنطوي عليه كل تربية حقيقية هو أن نتصور الإنسان أفضل مما هو عليه في الواقع، فإن الرهان الذي ينطوي عليه الحب الصحيح هو أن نتخيل الشخص على نحو ما تؤهله إمكانياته لأن يكون هو هو وينفرد بشخصيته بكل استقلالية، فالمحبين لا يحبان ما عليه كل منهما في صميم الوقع، بل هما يحبان ما يرجو كل منهما أن يصيره بدعمه من الطرف الآخر و عن طريقه، على اعتبار الحب فعل ديناميكي تنتقل عن طريقه من القيم الدنيا إلى القيم العليا، فنرى في موضوع حبنا أسمى ما هو ميسر له من إمكانيات وقدرات، وهو بذلك حرية/حركة إيجابية ندرك عن طريقها في صميم القيمة الحالية لموضوع حبنا، تلك القيم العليا الجمالية التي تكمن فيه، فالحب إذن هو القادر على فتح عيوننا الروحية أكثر فأكثر على ما للموضوع المحبوب من قيم ومثل عليا، بحيث أن المحب الحقيقي ليصبح أكثر الناس مقدرة على رؤية القيم العليا التي تكمن في باطن موضوعه، بعكس ما يتوهم أولئك الذين يزعمون أن الحب أعمى، فالحب مصباح يرينا ما لا تفطن إليه أعين الغرباء رؤيته.

الحب الأسمى يكون من أجل الحب نفسه، أي أن الإنسان في حقيقة الأمر يحب لمجرد الحب دون أن يكون هناك دافع للحب إلا هو عينه، وهذا النموذج المثال للحب قليل جدا ولا تستوعبه العقول العادية، وهو وحده القادر على تحرير الحبيب والمحبوب معا بإخراجهما من دائرة الحب العابر/ المؤقت المرتبط بمصالح سواء كانت ايجابية أو سلبية، ليدخلهما عظمة سر الحب التي هي دائرة الأبدية/ الخلود/ اللانهاية، وعندما نحاول تعليل الحب بغير نفسه نكون أمام اعلان بداية موت الحب، لكن عندما يكون علة نفسه، فنعني بذلك أننا لا نحب صفات الآخر، بل نحن نحب الآخر نفسه. ولعل هذا ما قصده مونتني حينما قال: « لو أنهم ألحوا علي قائلين: ولكن لم تحبه؟»، لما وجدت ردا على هذا السؤال سوى أن أجيبهم بقولي: «إنني أحبه لأنني أنا من أنا، ولأنه هو من هو »، وإذا ما تأملنا في قول مونتني سنجده يعني أن الحب يتجه نحو الكينونة ولا نحو الملك، وكل من يحب شخصا لجماله أو جاهه أو مكانته، فإنه لم يعرف بعد معنى الحب، لأن هذه كلها ليست سوى صفات، فهي ليست بالشخص نفسه موضوع حبنا، لذلك فهو يحب الصفات لا الشخص، أم الحب الحقيقي فإنه لا يحب الآخر لصفاته أو لمميزاته، بل يحبه لذاته فوق كل شيء وأكثر من كل شيء، فكل إنسان يفضل أن يكون الحب تلقائيا/ عفويا/ لامشروطا. إذن الحب حقيقة مطلقة ليست مقيدة بأي شرط/ قيد ولا تعرف التعليل/ التبرير، فالآخر لا نحبه لأنه هذا أو ذاك، بل لأنه الآخر وفقط، فهو ليس علة الحب، بل إن الحب هو في حد ذاته كتجربة حية يعرفنا بأسرار هذا التلاقي الأنطولوجي مع الآخر.

إن السمة الأساسية التي ينفرد بها الحب هو أنه يقبل الآخر كوحدة/ كمركب/ ككل متجانس دون تفتيت عناصر ومقومات شخصيته، كونه لا يسعى إلى غربلة مميزات المحبوب لكي يأخذ بعضها ويطرح البعض الآخر أو يتخير فيما يريده وما لا يريده، وإنما يجب أن يقع اختيار شخصية محبوبه بأكملها ويقبل كل ما تنطوي عليه من مزايا وعيوب. وعلى حين أن هناك هواة في الحب يعرفون كيف يصنفون طبائع النساء وكأنها بضائع، وكيف يأخذون من هذه بطرف ومن تلك بطرف آخر، نجد جماعة المحبين هم على العكس تماما من جماعة الهواة، باعتبار الحب عندهم ليس عملية اختيار/ انتقاء لبعض الصفات أو الطباع في كل واحد، بل هو انتخاب إجمالي لهذا الكل باعتباره شخصا حيا هو غاية في ذاته. إذن المحب يتقبل شخصية محبوبه بأكملها ويريد موضوع حبه على ما هو عليه وبما يتسم به من صفات سواء سلبية أو ايجابية، لا على نحو ما نريده أن يكون، وكل حب يشترط شروطا سرعان ما يفقد طابعه الحيوي بوصفه حبا، ليتحول إلى شيء آخر غير الحب، أما الحب الحقيقي يراهن على هذا القول: «لتصبح ما أنت كائنه» لدرجة أن تصبح العيوب مصدر سحر الحبيب، فشأن الحب دائما أن يبتلع/ يهضم عيوب المحبوب، ليحولها إلى محاسن ومزايا، وينتقل من التركيز على نعرات التباعد إلى وسائط للتقارب والتقابل، إنني أحب تعني « إنني لأهوى الأرض التي يدوسها بقدميه والهواء الذي يتنسمه، وكل ما تلمسه يداه، وكل ما تنطق به شفتاه، أجل إنني أهوى كل نظراته وكل حركاته، وأنا أحبه بأكمله حبا جما، حبا كاملا غير منقوص»2. غير كافي أن يحب الحبيب محبوبه كله، وإنما يجب أن يحبه لوحده دون سواه، وبمعنى آخر لا يحبه بالإضافة إلى جانب موجود آخر قادر على أن يشكل موضوع الحب، والمحبوب هنا يصبح بمثابة آخر يطرد جميع الآخرين، فيصبح بالنسبة إلى المحب مركز للعالم كله وما دونه هوامش، فالحب لا يقبل المشاركة/ التعدد/ التنوع، فهو لا يعرف سوى بطل حبه الأوحد الذي هو بالنسبة إليه كل شيء.

سيبقى الحب في آخر المطاف هو الحل الأمثل لمشكلة الوجود الإنساني أو للإشكالات التي تقلق الإنسان وتدفعه للبحث عن جواب لها في دواليب الحياة، فلا تغرق في الحياة بحثا عن أنثى، وإنما اغرق في الأنثى بحثا عن الحياة على حد تعبير حسين البرغوثي، ومعنى ذلك أن موضوع الحب هو الحياة بالنسبة للحبيب، كما أن الحب هو الترياق المضاد للعزلة النفسية باعتبار الآخر كيانا يحمينا منها وبه ومعه يتم تشكيل حياة بكل الألوان على تلك الأرض التي لم تطأها قدم، اثنان يذهبان إلى هناك.. إلى النرڤانا كسعادة قصوى تتجاوز كل معاني الألم، حيث تكون حالة بديلة للوعي. بالحب نحيا ونحيا لنحب وبه نحيي الموت نحول الموتى إلى أحياء، لأن الذي يحب شخصا فكأنما يقول له إنك لا يمكن مطلقا أن تموت بالنسبة إلي، أي أن الكائن المحبوب لا يمكن أن يكون غائبا حتى وإن مات حقا، فهو حاضر دائما وأبدا بالنسبة إلى تلك الذات المحبة التي ارتبطت به، فجو المحبة هو الجو الروحي الأوحد الذي تتنفس به الذوات الإنسانية، والقادر على تعليمنا القيم الأنطولوجية التي تنسج خيوط هذا التلاقي البشري المذهل الذي اسمه «حب.»

 

  بقلم: يوسف القرشي

......................

البيبليوغرافيا :

1 - Louis La velle, "De l'acte", paris, aubier, 1949.

2 - E. Bronté : " Les Hauts De Hurle. Vert", trad. franç.

 

اكرم جلاليقول روبرت بروكتور - المؤرخ العلمي بجامعة ستانفورد -: "نحن نعيش في عالم من الجهل المتطرف، والغريب أن أي نوع من الحقيقة يمر عبر الضجيج، على الرغم من أن المعرفة متاحة، فهذا لا يعني أنه تم الوصول إليها، على الرغم من أن معظم الأشياء تبدو تافهة.".

أصبَحَت دول العالَم المُتقدّم تَعيش نَهضة علميّة غير مَسبوقة، وأصبحت الدراسات والتخصصات العلميّة مُتعددة، مُتنوّعة، والجامعات والمعاهد العلميّة تتبارى في تقديم مختلف البرامج، وتتسابق مراكز البحوث والدراسات في نشر مشاريع متقدّمة، والكثير منها متاح لمن أراد القراءة والأطّلاع؛ لكنّنا في المقابل وأمام كلّ هذا الوَهَج العلميّ نرى حالة من الجّهل قد خيّمت فوق ربوع بلداننا وضربت أطنابها بين ظهرانينا، في زمن أصبح الأثير فيه مفتوحاً وناقلاً للعلوم والمعارف وأنّ العالم قد تَحوّل إلى قرية صغيرة!

هذا التباين بين المشهدين يدعو الى التوقف والتأمل قليلاً، ويدفع إلى جولة في البّحث والمُطالعة، فسيكتشف أنّ الدول التي امتلكت العلم والمعرفة قد بَلَغَت حَدّ القدرة على إدارة الفّهم الأنساني والتّحكم به عن بُعد، وأنّ العقل البشري إنّما هو صندوق للعلم والمعرفة، فإذا ما أُدخِلت مَعلومات وَحُذِفَت أخرى واستمرّت هذه العمليّة لفترة معينة، فإنّ هذه العقول ستكون تحت السيطرة. تَخَصّص علميّ نادر يَجري توظيفه لصناعة وَنَشر الجّهل بطُرُق عِلْميَّة عالية الدقّة، إنّه "عِلْمُ الجَّهل" Agnotology))، وهذه الكلمة مشتقة من "agnosis" وهي كلمة يونانيّة وتعني الجّهل، وكلمة "ontology" أي ما يعرف بعلم الوجود.

والجّهل بطبيعته على نوعين، الأول: الجّهل الذاتي، وهو ما يَنتِجُه الأنسان بنفسه، وأمّا الثاني، والذي هو مَدار بحثنا، فهو الجهّل الصناعي، أو عِلمُ صناعة الجّهل، أو ما يّطلق عليه بـ"عِلْمُ الجَّهل"، حيث يتمّ نشره بأحدث الطرق والوسائل العلميّة، وليكون بضاعة مُصَنّعة، ونتاج لبرامج وبحوث ودراسات علميّة، تُحوَّل الى سلعة، وتُعرض وتُسوّق في متاجر السياسة، ليكون المُستَهلِك قطاع واسع من المجتمع لا يفقهون خطورة البضاعة ولا حجم الكارثة التي ستحل بهم.

لقد بَدَأت فكرة "عِلْمُ الجَّهل" تظهر الى العيان عام 1922 بعد أن نَشَرَت إحدى شركات تصنيع السكائر مذكّرة تقول فيها: "الشك هو وسيلتنا الفضلى لمواجهة الحقائق التي تسكن عقول الجمهور. وهو أيضاً وسيلة لإثارة البلبلة". فبدأ المؤرخ في جامعة ستانفورد روبرت بروكتر بدراسة مكثّفة عن سبب نشر البلبة والتشويش وتقدّم بالسؤالين التاليين: كيف ولماذا "لا نَعْرف ما لا نعْرف"؟، فتوصّل إلى أنّ هذه الأمور إنّما هي مُفتَعلة من أجل خلط الأوراق على المُستَهلك وإشغاله عن البحث والتقصّي عن أخطار التدخين، وبذلك فإنّ هذه الشركات كانت ومازالت تجني المليارات من الدولارات كأرباح لمنتجاتها. هذا البحث الأستقصائي الذي قام به بروكتر قاد إلى أنْ يُقدّم ولأول مرة اختراع  كلمةAgnotology .

وقال بروكتور: "كنت أعكف على استكشاف كيفية نشر الشركات الكبيرة والقوية للجهل من أجل بيع منتجاتها. الجهل قوة كبيرة، ويتعلق ذلك المصطلح الجديد بإشاعة الجهل عن سبق الإصرار. وبدراسة ذلك، اكتشفت أسرار عالم العلوم السرية، وبت على قناعة بأنه يتوجب على المؤرخين إعطاء هذا الأمر اهتماماً أكبر".

ويُؤكد بروكتر أنّ أفضل وسيلة لنشر الجّهل هي بخلقِ مَناخ يتمّ فيه التّشجيع والحثّ على النقاش أو حتى الصراع شَريطَة أنْ يكون متكافئاً ومتوازناً بين فكرتين أو جبهتين، وأنْ لا يُسمح لأحدهما بالتفوّق والغَلَبة على الآخر، بل الأبقاء على حالة التكافؤ بين وجهتي النّظر، والذي نتيجته في الغالب هي غياب النتيجة، وهذا هو المطلوب.

فالجهل إذن هو قوّة، من حيث أنّك لا تستطيع التعامل معه إلّا من خلال علم ومن خلال  معاينة المعلومات المعرفية ومن ثم التحكّم بها وتوجيهها سلباً أو أيجاباً. فالجّهل وإنْ كان نتاجاً طبيعياً لحالة التردّي في المنظومة التعليمة والأنحطاط الذي تشهده الجامعات العربيّة، لكنّه في المقابل يمثّل نتاجا لعميّة فعليّة أُسست وفق منهج علمي.

وهذا المنهج بدأ يَتَعمّق أكثر ويتّسع ليتمّ استخدامه من قِبَلِ الأوساط السياسية والأقتصادية والأكاديميّة وحتى الأعلاميّة، وأصبح البعض يُعرّفه بـ"إدارة الإدراك"، وهو أسلوب يَتَّبع التضليل والخداع من خلال نشر بعض الحقائق وأخفاء البعض الآخر باستخدام تقنيّات وفنون ومهارات عالية الدقة بغية خلق حالة من التشويش والإرباك لدى المُتلقّي. عِلمٌ لابدّ لِمَن أرادَ تطبيقه أنْ يكون مُلمّاً ومحيطاً بعلوم أخرى كعلم الأنسان (Anthropology) وعلم التفس (Psychology) وعلم الأجتماع (Sociology) والسياسة ( Political Science ) والأقتصاد (Economics).

فَعِلمُ الجَّهل أو صناعة الجّهل أو إدارة الأدراك كلها مُسمّيات لعلمٍ تقنيّ يقوم بإنتاج معلومات مزيّفة ونشرها على أنّها حقائق، وَمَحو حقائق ثابتة معتبراً أنّها مزيّفة، ويُعتبر من أهمّ الأدوات التي يستخدمها الحاكم المُستبد والسلطات المهيمنة من أجل تطبيق مبدأ التجهيل وإدارة الأفهام الأنسانية كمنهج لتدجين العوام من الناس وتحويلهم الى جيل خانع؛ مَنهجٌ لا تقرأ من خلاله إلا الأنحطاط ورَدَاءةَ الخُلُق؛ اسلوب لبثّ حالة الرّعب وزعزعة الأستقرار وإثارة الشكوك وإدخال الفرد في مَتاهات ومطبّات، تُمنَع عنه الحلول ويُترك وحيداً يعيش التّخبّط والحيرة، ولتكون قراراته بعد ذلك انفعاليّة غير مدروسة تعكس حجم الضغوط النفسية وغياب المعلومة الصحيحة.

وحينما نَقفُ أمامَ نُظُم إستبداديّة تُسمي نفسها سياسية، لا بدّ لنا نُعيد سُؤالي بروكتر: كيف ولماذا "لا نَعْرف ما لا نعْرف"؟ حينها سنَعرف سبب عدم معرفتنا وجهلنا وانحدارنا، سنعرف كيف أننا لم نَعرف، وسنعرف بيقين أنّ ما كانوا يُصوّرونه لنا على أنّه عِلمٌ وتَعليم إنّما هو جَهل وَتَجهيل، وإنّ أكثر المُصنّعين لبضاعة الجّهل هم ممّن باعوا وطنيّته فتمّ أختيارهم وتأهيلهم بعناية وعلميّة فائقتين، وهم على أنواع، فمنهم من يُقدّم الأستشارات السياسية والأقتصادية والأعلاميّة، مُتّكئين على قاعدة إكذب ثم إكذب ثم إكذب ومحصنين ومؤهَّلين بـ"عِلمُ الجَّل"، ليبدؤا بنشر التّجهيل وبثّ الأشاعات وزرع حالة اليأس حتى يبدأ بتصديقها المُستهلك، بل ويقاتل في الدفاع عنها.

وحينما أقِفُ أمام الحالة المُفزِعَة والأنحطاط والتّردي الذي أصاب مؤسسات التعليم عموماً والجامعات على وَجه الخصوص وحالة الإسفاف والأنحدار وفقدان البوصلة والركون والرضا بالجّهل والتخلّف، فإني أقف أمام أحَدَ أعمدة الجّهل المُصَنّع، تّجهيل أُعدّ بعناية، وشارك في إنتاجه وتمريره أُناس قَفَزوا الى مجال التّعليم ومواقع اتخاذ القرارات المصيريّة في غَفلَة من الزّمن؛ حوّلوا المناخ التعليمي والجودة في البّحث العلميّ وطرق التّدريس إلى مناخ أدهم حالك، أرض جرداء لاتنمو فيها بساتين العلم والفكر والمعرفة.

لقد كان الفيلسوف الفرنسي غاستون باشلار (1884 – 1962) يرى أن نمو العلم إنّما هو نموّ متعرج، لا يسير في خط مستقيم، بل يَحدث التقدم فيه من خلال نزاع دائم مع الخطأ، فالحقيقة العلميّة خطأ تمّ تصحيحه، فليس ثمّة قيمة كبيرة لتلك الحقيقة الّتي تظهر منذ البداية واضحة ساطعة متميزة عن كل ما عداها، بل إنّ الخطأ كامن في قلب الحقيقة. لذلك فإنّه بات لزاماً على الأحرار الوقوف بشجاعة أمام كل الطبقات المُنتفعة والتي يزعجها مَحو الجّهل وعودة العلم والمعرفة؛ علينا أن نقف متدرعين بضياء الفكر صفاً واحداً أمام رياح الجهل والظلام، وإلّا ستتحوّل مجتماعتنا الى مَفاقس لتوليد المفاهيم المُنحَرفة والنظريّات السّقيمة ويتوقّف الوعي المفاهيمي عن العمل فيتوقّف بعدها الأنتاج الفكريّ وَيَنمَحي الأبداع وَيَحلّ مَحلّه النزاع، لنبدأ بعدها مسيرة الضياع.

 

د. أكرم جلال

 

 

محمد الدعمينرتجع إلى الماضي في حالات عدة ومن أهمها الحالات المشحونة بالدروس والعبر، زيادة على الحالات الجديدة في تواريخ الشعوب (“الجديدة” في سياقي هذا يأتي بمعنى: غير المجربة من ذي قبل). لذا أفدت من دراستي للأدب والتاريخ والفكر البريطاني كثيرا، خصوصا على عصر الثورة الصناعية (عبر القرن التاسع عشر)، إذ واجهت أذكى العقول المسؤولة حقبة ذاك معطيات اجتماعية وسلوكية لم يسبق لبريطانيا أن عهدتها. وقد كان أهمها ما يلي: (1) ظهور وتبلور الطبقة البروليتارية العاملة العامة؛ (2) ظهور المدينة الصناعية بمسالكها العصية كظاهرة لم يسبق للبلاد أن عهدت مثيلا لها؛ (3) تبلور آثار المكننة وغزو الماكينة على حياة الجمهور؛ (4) إفراز طبقة مفكرة مرهفة الحس وعالية المسؤولية من نوع جديد، يختلف تماما عما سبق من نخب مثقفين.

والحق، فإن الفقرة (4) أعلاه كانت الأكثر أهمية وحساسية، نظرا للمسؤولية التاريخية الملقاة على عاتق هذه العقول في سياق التعامل مع المستجدات الفكرية والاجتماعية البنيوية عامة: ففي لحظة تاريخية مثل هذه، يتوجه الجمهور نحو الأذهان المثقفة الوقادة بحثا عن الإجابات الذكية الناجعة لما يواجه المجتمعات والحكومات على حد سواء. والحق، فإن النخبة الفكرية البريطانية قد تصدت للتعقيدات الجديدة بدرجة عالية من إرادة التغيير، درجة يتوجب علينا في دول الشرق الأوسط أن نحسدهم عليها الآن: فقد ظهرت عقول عبقرية فلسفية المنحى من عيار “توماس كارلايل” Carlyle و”جون ستيوارت مل” Mill و”ماثيو آرنولد” Arnold من بين سواها من الأذهان الوقادة التي لم تحاول حل ألغاز العصر الجديد (أي عصر الماكينة) للإجابة على أسئلته ومستجداته، ولكنها (كخطوة أولى) حاولت هذه العبقريات “وصف” أهم التعقيدات والمستجدات على سبيل تشخيصها أسبابها وجذورها، كما تشخص الأمراض من قبل الطبيب: فبدون التشخيص الدقيق لا يمكن مباشرة الفكر الاجتماعي ثم معالجته. وإذا كان المفكرون الاشتراكيون من أمثال كارل ماركس Marx وفردريك أنجلز Angels قد تعاملوا مع معضلة اتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء مع تبلور الطبقة البروليتارية على سبيل طرح نظرية الاشتراكية، حاول آرنولد حل خانق بريطانيا الجذر (كما أراه) عبر أوروبا بكاملها باعتماد طريق أخرى، وهي إصلاح وتطوير نظم التربية والتعليم، على سبيل التأسيس لثقافة مستنيرة جديدة قادرة على استيعاب “النقلة التاريخية” وإيجاد الحلول الموائمة لمعضلاتها، ناهيك عما تقدم به كارلايل للعالم بأسره عبر “نظرية البطل” Theory of the Hero، إذ ارتجع هذا المفكر الفذ إلى الماضي ليلاحظ بأن خوانق التاريخ التي تمر بها الأمم عامة عبر دورات التاريخ إنما تتطلب “البطل” المنقذ والراشد القادر على السمو بنفسه وبرؤيته فوق تعامي الجمهور وغموض وتخبط الحاضر كي يعاين الحاضر على نحو دقيق يوفر له أسباب انتشال الأمة من حال اللايقين والخوف من المستقبل بمعالجة فريدة لمعضلة “البحث عن مركز سلطة قوي”، وهي المعضلة التي أرقت جميع المفكرين أعلاه، من بين آخرين، في سبيل أن يستحضر شخصية الرسول الكريم محمد بن عبد الله (صلى الله عليه وسلم) واحدا من أعظم الأبطال في التاريخ بضمن شريط البطولة التاريخية الذي، كما يرى كارلايل، وجه وشكل جوهر حركة التاريخ عبر جميع الأمم، مؤكدا على حقيقة خطيرة، مفادها بأن البطل لا يتمكن من ليّ المشاكل المستعصية بدون جمهور بطولي يستجيب له ولرؤيته. وهنا تكتمل “المعادلة المنتجة” التي تصنع التاريخ.

 

أ. د. محمد الدعمي

 

 

منى زيتونناقشت أثر تفشي الفقر في المجتمع في مقالات سابقة مثل "شح الموارد وأثره في تغير السلوكيات" و"التواء المنحنى الجرسي وهلاك الأمم". وهذا المقال هو مزيد من التأملات في أحوال ومشكلات المجتمع التي تنشأ من تباين المستوى الاقتصادي لأفراده، وتجاور ذوي الثراء وذوي الفاقة.

العزل الطبقي؛ لماذا يرتاح الأغنياء في أحياء خاصة بهم؟!

يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ ۚ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا ۖ فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَىٰ أَن تَعْدِلُوا ۚ وَإِن تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: 135].

كلما قرأت هذه الآية الكريمة استوقفني قوله تعالى: ﴿إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا﴾، فكأنه تعالى يلفتنا إلى أنه ليس الغني فقط من يمكن أن يجد من يحيد عن الحق لأجله، بل قد يوجد بيننا من يتعاطف مع الفقير حتى وإن كان الحق عليه! رغم أننا مأمورون بمخالفة الهوى وإتباع الحق وأن ندور معه حيثما دار. ﴿فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص:26].

ذلك أن الأغنياء صنفان، فمنهم أبناء الأصول ومنهم محدثو النعمة ناهبو المال العام، وكذلك الفقراء صنفان فمنهم أصحاب الأصل الطيب رغم ضيق ذات اليد ومنهم طبقة قليلة الأصل يملؤها حقد طبقي على الأغنياء، ولا يُستثنى من ذلك أصحاب الأيادي البيضاء عليهم؛ لذا فالمشكلات التي تنشأ بين شخصين من طبقتين اجتماعيتين مختلفتين قد يختلف الطرف صاحب الحق فيها.

ومنذ حوالي عقدين من الزمان انتشرت فكرة إنشاء أحياء الأغنياء الجديدة في مصر كالتجمع الخامس ومدينتي والرحاب كبديل لأحياء الأغنياء المعروفة في القرن الماضي؛ وذلك بعدما اتسعت رقعة أحياء الأغنياء القديمة في العاصمة والمحافظات، فزال الفاصل بينها وبين أحياء شعبية أو عشوائية كانت تجاورها، فالتغت خصوصيتها وسابق عزلها عنها، فسعى الأغنياء إلى عزل طبقي جديد متطرف في أقاصي القاهرة والمدن.

وانتشرت إعلانات هذه الأحياء الجديدة في الوقت ذاته الذي كان يتم الترويج لحملات تبرع للمرضى والمحتاجين، وصار كثيرون من أبناء الطبقة المتوسطة يتندرون على من يتبرعون للفقراء ولا يريدون أن يجاوروهم! فهل الأمر حقًا يستحق التندر؟!

إن تجمع الأغنياء في أحياء منفصلة في المدن -تتغير كل بضعة عقود وربما قرون- ليس وليد المجتمع المصري، بل هو نمط وتقسيم معماري معروف عبر العالم، والمحافظة عليه لا يكون فقط لأجل الاستثمار العقاري ولا للمباهاة الطبقية، بل لأن الأغنياء يكونون أكثر راحة في تلك الأحياء بمعزل عن الفقراء. حتى أولئك الذين لا تقتلهم المغالاة ولديهم حس إنساني عالٍ ويساهمون في الجمعيات الخيرية ويجمعون التبرعات لأجل المحتاجين لا يشذون عن هذه القاعدة، لوجود نوعيات من المشاكل الاجتماعية تنشأ عند تجاور فئتين من الأفراد بينهما بون اجتماعي واسع.

وغني عن الذكر أن المجتمع الواحد يتكون من ثقافات فرعية مختلفة؛ والأغنياء بصورة عامة -وعلى العكس من الطبقات الشعبية- أكثر انعزالًا وأقل اختلاطًا وانشغالًا بأحوال الجيران، لا ينشغلون بقيل وقال، وفلان دخل وفلان خرج، وهذا سافر وهذا عاد من السفر، وهذه تمت خطبتها، وتلك لا. ورغم أن المستوى الثقافي يسهم في الانتماء إلى ثقافة فرعية ما لكن يبقى للمستوى الاجتماعي الاقتصادي تأثيره، فما يراه الأغنياء يصح من منظورهم قد يختلف الحكم عليه تمامًا من منظور من ينتمون إلى الطبقات الاجتماعية الشعبية.

حُكي لي قريبًا عن أزمة حدثت في حي من أحياء القاهرة الراقية القديمة؛ حيث احتاجت إحدى الشقق لإصلاح أمر طارئ يتعلق بالسباكة والصرف، ولما كان رب الأسرة مديرًا كبيرًا في أحد البنوك، وليس من السهل أن يأخذ إجازة طارئة وقتما يشاء، والأبناء يلزمهم الذهاب إلى مدارسهم، فقد اتفق رب الأسرة مع عمال على أن يقوموا بإتمام مهمتهم في إصلاح السباكة في وجود زوجته، ولم تستغرق عملية الإصلاح تلك سوى سويعات من نهار أحد الأيام، وكان باب الشقة مفتوحًا أثناء اشتغال العمال. وما حدث يعد في عُرف أي فرد ينتمي لطبقة راقية في المجتمع أمرًا عاديًا، لكن بالنسبة لزوجة صاحب كُشك بالمنطقة لم يكن عاديًا على الإطلاق؛ إذ أخذت تتحدث مع كل من يشتري منها -وعلى مدار أسبوع- عن كيف تسمح السيدة فلانة لنفسها بأن تبقى وحدها في الشقة مع العمال أثناء عملهم؟ ولماذا لم تطلب من إحدى جاراتها أو منها هي أن تبقى معها طيلة اليوم؟! واستمر ذلك اللت حتى وصل إلى أسماع زوج السيدة، وكاد أن يتأذى صاحب الكشك من ورائه وينقطع رزقه من المنطقة، لولا أن تأسف واعتذر نيابة عن زوجته طويلة اللسان.

والمشكلة الفائتة من الواضح أنها لم تنشأ عن حقد طبقي، ولكن من اختلاف مفاهيمي واضح، ومحاولة السيدة الشعبية إلزام من ليسوا من طبقتها الاجتماعية بمفاهيمها.

لكن مشكلة أخرى كرمي القمامة أمام منازل وفلل الأغنياء تعد أحد أشهر الأساليب المصرية لتنفيس الحقد الطبقي! ذات مرة أثناء قيام عامل النظافة بحمل كيس قمامة مُلقى بجوار منزلي وقع من الكيس إيصال سداد كهرباء، وتعجبت لبعد المسافة بين منزلي ومنزل السيدة صاحبة الكيس، وهو ما يظهره عنوان منزلها المكتوب على إيصال الكهرباء، وكأنها قد حملته كل هذه المسافة لتلقيه أمام منزلي، أو بعثت من يلقيه من أبنائها، رغم وجود صناديق جمع للقمامة أقرب إلى منزلها! ورغم أن هذه المعاملة ليست خاصة بمنزلي، فكذلك يفعلون مع باقي البيوت والفِلل بالمنطقة! فأنا أقر وأعترف أن تجاور منطقتي السكنية مع منطقة أخرى تقطنها طبقة اجتماعية أقل في المستوى الاجتماعي جعلني أكره المنطقة برُمتها.

وهذه الأمور الدالة بوضوح على أحقاد طبقية ليست مستجدة في المجتمع المصري على كل حال؛ سيدة كريمة حدثتني مرة عن أيام تأميم المصانع والشركات في بداية الستينات من القرن الماضي، وكيف فوجئوا بشماتة من كانوا يحسنون إليهم، وأخرى قالت لي: أحد الفلاحين الذين كانوا يعملون لدينا ظل يركب حماره رائحًا غاديًا أمام منزلنا الريفي، حاملًا بيديه الجريدة التي جاء بها قرار ما سُمي بالإصلاح الزراعي، مُشرِّعًا إياها. وهؤلاء ينطبق عليهم قول الشاعر: إن أنت أكرمت اللئيم تمردَا، وأمثال هؤلاء من قليلي الأصل قد يدفعون بعض الأغنياء الطيبين إلى إخراج زكاة أموالهم لمن لا يكادون يعرفونهم أبدًا من الفقراء أو إلى مؤسسات وجهات متخصصة لأن نفوسهم لا تطيب بإخراجها إلى من يزيدهم الكرم معهم لؤمًا!

فلسفة الزكاة

يقودنا الحديث عن العزل الطبقي بين الأغنياء والفقراء إلى حديث آخر متعلق بالمال؛ عن الزكاة وإخراج الصدقات، فربما لو أخرج كل من وجبت عليه الزكاة حصته لاختفى كثير من الحنق الذي نلمسه من الفقراء في المجتمع والناتج عن ضيق معيشتهم.

وفلسفة الزكاة هي جزء من فلسفة الكون، فكل ما في الكون طبيعته التبدل والتغير، ولا باقي إلا الله، ومحاولة البخلاء الإمساك على المال لأجل جمع الثروة –وهو الحال نقيض الزكاة- مناقض للتغير الذي من المفترض أن يطرأ على المال، فإمساكه الزائد يجعله يعاكس الطاقة الكونية؛ فيقل ولا يزيد! على العكس من ضخه في الكون ما يجعله يدور ويعود إلى صاحبه مرة أخرى، ولعلني لست بحاجة للتذكير بقوله صلى الله عليه وسلم: "ما نقص مال عبدٍ من صدقة".

ومن يبخل بجزء من ماله على الفقراء يفعل ذلك في العادة إما لبخله أو لكثرة إنفاقه وشهوته الزائدة تجاه متاع الدنيا، فكأنه يبقيه لأنه يريده كله لنفسه، إما كــــمالٍ مخزون أو لامتلاك كل ما يريد، وما أكثر ما يريد! بينما الإنسان هو روح وعقل وقلب وجسد مادي، والاعتناء بالحاجات المادية فقط هو تغذية للجانب المادي منا كبشر، ما يفقد الإنسان توازنه الداخلي ويزيد معاناته ولا يسعده، ولن يجد إنسان سعادته إلا عندما يغذي روحه وعقله وعواطفه أيضًا، وليس كما يفهم من له هذا الفكر بأن السعادة أن تمتلك ثم تمتلك ثم تعاود فتمتلك، وأن يكون لديك من المال ما يجعلك تنفق وتبذخ ثم تنفق وتنفق، ولا تجد داعيًا للتوقف!

والزكاة هي الطريقة الربانية لضبط ميزان العدالة الاجتماعية فلا يعيش بعض الأفراد في حال ترف زائد بينما تعيش فئة أخرى في فقر مدقع، وتحقيق هذا التوازن وعدم التفاوت الشنيع بين كفتي الميزان كفيل بألا يطيح الميزان! أي بقاء المجتمع وعدم انهياره، كما أنه يحقق السعادة لكلا الطرفين، لأنه لا الوفرة المادية في الإنفاق على النفس ولا القلة يمكن أن تحققا السعادة لإنسان.

ما لا يفهمه كثيرون أن الوفرة الزائدة والفائضة عن الحد تفقد الإنسان متعته وبهجته، وكما قالوا فإن "للعبير اختناق". الوفرة تناسب حياة الإنسان في الجنان وليس على الأرض، وإصرار بعض الناس على تحقيقها لأنفسهم على الأرض لا يسعدهم، وإضافة لذلك يقتطع من الموارد التي كان من المفترض أن يعيش عليها غيرهم من البشر، فلا هم سعدوا ولا أسعدوا غيرهم!

 

د. منى زيتون

 

محمود محمد علياجتاح فيروس كيرونا Coronavirus معظم دول العالم، وأصبح  يهدد البشرية،  فهو يمثل أحد الفيروسات التي تُسبب المعاناة من عدة أعراض، وفي معظم الحالات لا تكون الإصابة بهذا الفيروس خطيرة باستثناء الإصابة بنوعَيه المعروفين بمتلازمة الشرق الأوسط التنفسية  MERS والالتهاب الرئوي اللانمطيّ أو ما يعرف بالمتلازمة التنفسية الحادّة الشديدة

   Severe acute respiratory syndrome

فقد لقي أكثر من 475 شخصاً مصرعهم بسبب متلازمة الشرق الأوسط التنفسية التى ظهرت لأول مرة فى عام 2012 فى السعودية، ثم في بلدان أخرى في الشرق الأوسط، وإفريقيا، وآسيا، وأوروبا، وقد تفشى نوع من فيروس الكورونا مرةً أخرى في الصين خلال الشهرين الماضيين ؛ وبالأخص في ديسمبر 2019، وقد عُرف بفيروس كورونا الجديد 2019 (2019- nCoV)، هذه السلالة الخاصة من فيروس كورونا، لم تُحدد من قبل في البشر.

وأعراض فيروس كيرونا هو التهاب رئوي حاد يرافقه ارتفاع في درجات الحرارة والسعال؛ بالإضافة لضيق تنفس شديد يؤدي للوفاة .. أما بالنسبة للوقاية من المرض فهو غسيل الأيدي بشكل جيد باَلإضافة إلي عدم ملامسة الأعين، وأيضا تجنب ملامسة الأشخاص المصابين أو غير المصابين والمرض لا يوجد له علاج حتي الآن

وفيروس كيرونا لا يري بالعين المجردة ، لكنه فيروس قاتل محترف وفتاك ؛ حيث توقع خبراء أمريكيون أنه سيقتل 65 مليون شخص حول العالم خلال 18 شهرا فقط لسرعة انتشاره بين البشر حتي قبل ظهور أعراضه، فمن الصين وتحديدا مدينة " ووهان " ظهر هذا الفيروس في سوق غير مرخص للمأكولات البحرية والحيوانات البرية ومنه انطلق إلي العالم، وفي 26 يناير 2020م  وبحسب الاحصاءات الرسمية ارتفع عدد ضحايا فيروس كيرونا خلال بداية ظهوره إلي 56 حالة وفاة 1950 حالة إصابة مؤكدة، وكالنار في الهشيم انتشر وصل فيروس كيرونا إلي  13 بقعة حول العالم، هي : كندا، اليابان، كوريا الجنوبية، هونج كونج، ماكاو، إستراليا، الولايات المتحدة، فيتنام، سنغافورة، ماليزيا، نيبال، فرنسا، تايوان.. الخ.

وقد بدأت قصة فيروس كيرونا مع بداية عام 2020، من خلال اكتشاف إصابة خطيرة بفيروس من سلالة الكيرونا بمدينة "ووهان" الصينية، وهذا الفيروس يعد الأقوي والأنشيط والأكثر انتشاراً من فيروس "السارس" الذي انتشر عام 2003 .

وثمة نقطة مهمة وهي أن موضوع فيروس كيرونا  لم يأخذ أي أهمية إلا قبل أسبوع واحد فقط من بداية انتشاره، وكانت الصين تتكتم علي أمره ولما انتشر أمر الفيروس، اضطرت الصين أن تتخذ إجراءات احترازية، وكان من أهمها إغلاق مقاطعة كاملة - وهي "إقليم أوهاي" - وهذه المقاطعة توجد بها مدينة ضخمة،  وعدد سكانها يتجاوز 50 مليون نسمة .. لقد أغلقت الصين الإقليم بالكامل ومنعت التجوال، كما منعت حركة السيارات والقطارات والطائرات، ليس هذا فقط، بل منعت الدخول والخروج في الإقليم بشكل نهائي.

لم تكتف الصين بذلك بل أرسلت جيشا كاملاً من الأطباء والممرضين، بالإضافة إلي شركات المقاولات والمعدات الهندسية لبناء حجر صحي للسكان.. وبحسب بعض المواقع الصينية أن مدة إنجاز تلك المشاريع لم تتجاوز عشرة أيام فقط .

وقد بلغت عدد الوفيات إلي الأن حوالي أكثر من 900 حالة وفاة، بالإضافة إلي أكثر من 65 ألف مصاب يتزايدون كل دقيقة والفيروس انتشر بشكل سريع جداً بداية من الدول الأسيوية وصولاً إلي فرنسا واستراليا وأمريكا كما قلنا، وفي دول أخري لم تعلن عن الحالات الموجودة لديها بعد .. واتخذت بعض المطارات؛ وخصوصاً في دولنا العربية أيضا إجراءات طبية في المطارات لفحص أي مسافر قادم من الصين .

الموضوع لم يتوقف عند الفحوصات الطبية، بل إن بعض دول العالم منعت طائرات كاملة بركابها من الهبوط في أراضيها، وأعادت الطائرات بشكل كامل إلي الصين، وأي طائرة تعود إلي الصين أو يتم اكتشاف حالة تحمل هذا الفيروس يتم احتجازهم بالمئات .

عزيزي القارئ دعنا أوضح أهم التفسيرات التي قيلت بشأن فيروس كيرونا؛  فقد وصفه الكثير من دعاة الإسلام السياسي بأنه يمثل عقاباً من الله علي ما فعلته الصين بسبب اضطهادها لأقلية مسلمي الإيغور في إقليم تركستان الشرقية (تشنجيانغ)؛ حيث أخذت معظم مواقع التواصل الاجتماعي تتداول تلك التغريدة : " فيروس كورونا ده غضب من ربنا بعد ما الصينيين قتلوا مسلمين الإيجور" - هذه الجملة بعد انتشار الفيروس التاجي «كورونا» في الصين، وكأن هذا المرض عقابا من الله على اضطهاد المسلمين بمقاطعة الإيجور خلال العدة أشهر الماضية.

من التغريدات التي خرجت على موقع “تويتر” ؛ حيث قال فيها البعض... “بعد أن عزلت الصين أكثر من 5 ملايين مسلم من الإيغور.. اليوم العالم كله يعزل الصين بسبب انتشار وباء كورونا القاتل بين الصينيين وخوفا من انتشار العدوى، (وما ربك بظلام للعبيد).

وفي فيديو بثه أحد الإسلاميين على حسابه بالفيسبوك، قال: "فيروس كورونا إنذار للبشر، فهؤلاء الصينيون يرتكبون أنواعا فظيعة من المجازر بحق هذه الفئة المستضعفة من المسلمين، حيث يحاصرون مليون شخص من فئة الإيغور وينتهكون أعراضهم، ويمارسون ضدهم إبادة جماعية في وضح النهار، في وقت عجزت فيه أمة المسلمين عن نصرتهم.. وهناك أمثلة كثيرة من هذا القبيل في هذا الصدد يطول الحديث عنها.

بينما هناك من رفض هذا التفسير واعتبر أن الأمر كله راجع إلي نظرية المؤامرة .. تلك النظرية التي تبين أن الولايات المتحدة الأمريكية أوقعت بالصين .. أو أن أحد شركات الأدوية نشرت الفيروس لتساوم بمصل العلاج، وهذا يعني أن الحرب البيولوجية والتي تعرف بالحرب الجرثومية، عادت لتنتشر مع ظهور فيروس كيرونا الجديد الذي أودي بحياة الالاف بالصين قبل أن ينتقل إلي دول عديدة ..

وهنا يقول دعاة نظرية المؤامرة بأن الانتشار السريع فيروس كيرونا الجديد وحالة الهلع التي أثارها منذ 4 سنوات من خطر الحروب البيولوجية التي تستخدم الجراثيم والفيروسات وغيرها لنشر الأوبئة بغية تحقيق أهداف سياسية ؛ ففي عام 2016 حذر "جيمس سترايفيدس" القائد السابق لحلف شمال الأطلسي بحصول دول أو جماعات إرهابية علي أسلحة بيولوجية لإستخدامها في حروب الإبادة، وأصبح الحديث عن تفشي أوبئة فيروسية غامضة قلبت موازين العالم حينها مثل فيروس زيكا وإيبولا .

والسؤال هنا يصبح مشروعا : هل يدخل فيروس كيرونا الجديد في إطار الحرب الجرثومية؟

في هذا الإطار نجد زعيم الحزب الليبرالي الديمقراطي الروسي "فلاديمير جيرينوفسكي" يتهم الولايات المتحدة الأمريكية بالضلوع المباشر في نشر الوباء في الصين، ويعتبرها أزمة مصطنعة تقف وراءها أمريكا التي تتصرف بدوافع اقتصادية، وليست روسيا وحدها مصدر الاتهام ؛ حيث تكشف صحيفة إنجليزية تسمي mail online health خبراء أمريكيين في المجال الصحي قبل نحو 3 أشهر من انتشار فيروس كيرونا الجديد بتصميم تجربة افتراضية للتعرف علي رد فعل السلطات الرسمية في حال وقوع المزيد من التفشي للفيروس حول العالم، والذي قد يؤدي إلي هلاك 65 مليون شخص في العالم، وضلوع الولايات المتحدة في انتشار الفيروس قد فرض افتراضية تحتمل الشك من دون أن تلغي بحسب مراقبين المصلحة الأمريكية من انتشاره، أدت نفسها إلي إعاقة التقدم الصيني في ظل الحرب التجارية بين البلدين ومنافسة واشنطن علي الاقتصاد العالمي، ومن دون أن ننسي تجارة  العقاقير الطبية، وتعد ثاني اكبر تجارة في العالم بعد الأسلحة لتبرز إمكانية أن تقوم شركات الأدوية بتضخيم مرض ما إعلاميا لتسويق عقاقيرها ورفع أسعارها .

وهناك فريق آخر رفض التفسيرين السابقين وهما التفسير الغائي والتفسير المؤامراتي، وقال بتفسير آخر ؛ حيث السبب لانتشار الفيروس يرجع إلي الثعابين والخفافيش ؛ حيث قيل إنها السبب في نقل الفيروس في مقاطعة ووهان الصينية والتي من عادات شعبها تناول شربة الخفافيش .

فقد قام باحثون بمقارنة تحليل فيروس كيرونا الجديد لنظيره الموجود في الطيور والزواحف وقالوا أنه يشبه الموجود في الثعابين والتي غالبا ما تبحث عن الخفافيش في البرية، وأشارت التقارير إلي الثعابين قد تم بيعها في سوق المأكولات البحرية المحلي في ووهان، وأن الفيروس قفزا من الخفافيش إلي الثعابين ثم إلي البشر .

لكن صحيفة إنجليزية قد ذكرت رواية أخري قالت أنه في عام 2017م حذر خبراء من إمكانية تسرب فيروس يشبه كيرونا، من المختبر الوطني للسلامة البيولوجية في ووهان وأن الفيروس القاتل انتقل من المختبر إلي سوق للحيوانات والمأكولات البحرية الذي يبعد عنه 30 كيلومتر فقط وأنه عاش في أجساد الحيوانات وأصبح قادرا علي إصابة البشر أثناء احتكاكهم بالحيوانات في السوق.

وأخيرا ً نتساءل: أي التفسيرات السابقة تعتقد أنها الأصح؟..  وهل للتفسير الغائي.. أو لنظرية المؤامرة تواجد هنا.. أو الخفافييش .. نرجئ الإجابة لما تسفر عنه الأيام القادمة !!!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل.

 

 

انور الموسويفي البدئ هنا أود الإشارة إنني لست بصدد محاكمة الوعي بما هو وعي ناضج ومحترم ومهم، ولا بما هو انسيابية مشروطة للعقل لمجموعة من الاختبارات، والجهد، والتعلم، كي يتولد ذلك الوعي. والذي هو ليس بالضد من الجهل، بل هو عكس عدم المعرفة، هذا ما يصح قوله في هذا البحث.

لكن هنا أود أن أشير على الفاصل بين امرين، بين الوعي، واللاوعي الجمعي، أي ما يسمى "عتبة الوعي" مستندا على أدوات بحثية مختصة بسيكولوجيا الشخصية الجماعية والفردية وإلى مصادر فلسفية، وسيكولوجية، وفكرية.

مفهوم الوعي قائد:

هذا المفهوم تجذر بصورة استباقية في نفوس جميع المتظاهرين والثوار أبان ثورة أكتوبر المباركة، وبحسب الفهم الأولي لهذا المصطلح فانه يجسد حالة من المعيارية لرفض الانقياد، مع رفض التجزئ إلى أي مفهوم فئوي أو حزبي، وكانه يراد منه القول: إننا الوحيدون القادرون على انتتاج منظومة متكاملة من التغيير السياسي ونرفض أي تدخل من أي جهة وخاصة السياسية منها.

ضبابية المصطلح لا تكمن بالمصطلح نفسه، ولا بتعريفه أيا كان التعريف غير الذي أشرت اليه مسبقا، أن المجهول في تلك المعادلة يكمن في طريقة الانقياد للوعي، وفي الية التعامل مع ذلك الوعي، وماهي أهدافه المرسومة. ضمن الأهداف المرسومة لم يحقق مصطلح " الوعي قائد " أي فعالية منسجمة بين الجماهير التي تدعيه. بل حقق مجموعة من الانقسامات والاختلافات المفصلية في تحديد نوعية الأهداف وأولوياتها، وكمثال على ذلك لم ينجح (الوعي قائد) في تحقيق اطلاق جمعي بالقبول بقانون الانتخابات ولا في رسم أهداف حقيقة للعمل السياسي المنظم، ولا حتى في قبول أو رفض بشكل مطلق رئيس الوزراء أيا كان اسمه. لذلك فهنا مصطلح الوعي قائد للأفراد هو مصطلح هلامي ضبابي لا يتسم بتحقيق أهداف مضمونة النتائج بل هو يزيد من حدة التنافرات والاختلافات ومن ثم الصراع والانقسام وهو مفهوم يجب أن ينظر له على انه نسبي وليس مطلق وهذا ما يؤكده كانط في كلامه (إذ يميز بين الوعي بالذات والمعرفة. فهو يرى أن وعي الذات لنفسها كوجود أخلاقي لا يعني بالضرورة وعينا المطلق للأشياء؛ لأننا نجهل النومينات (الأشياء في ذاتها)، ومن ثمة يظل وعينا بالأشياء وعيا نسبيا).

خارطة طريق الوعي قائد:

كما أسلفت في التعريف السابق لهذا المصطلح، فاني أضيف انه يضع معيارا لعدم الثقة، عدم الثقة هذه قد تكون منطقية لظروف موضوعية وسياسية للأحزاب الحاكمة، لكن معيارها المطلق على الارتكاز على نفسها كونها هي فقط من تقود أي (أصحاب الوعي قائد من الثوار) فهذا يشكل تطرفا من نوع أخر، بل أقصاء ذو أبعاد نفسية سيكولوجية ولربما نرجسية، وبذلك لن يصبح وعيا بشكله الحالي، بل يكون فكرا ناتج عن ذلك الوعي متوضع ضمن الرفض للأخر، والإقصاء، وقد يصل إلى مدار التخوين والتشكيك في النوايا، وهذا امر يشكل خطرا أكيدا على ذاكرة المفكر نفسه (المثقف الوسطي) وعلى منهاج الإدارة لذلك الوعي وطريقة تعاطيه مع الآخر سواء الناصح له أو المختلف عنه في المتبنايات جذرا أو عرضا وبالتالي خطرا مجهضا لأهداف الثورة، حينها يسقط الوعي كقائد بسقوط عدم التعددية والقبول وسماع الأخر. لن يصبح وعيا بل يكون تعنصرا وتموضعا متطرفا لغاية ما، وان كانت هادفة أو منطقية، في حين نظرة سارتر للوعي تختلف تماما عما نجده اليوم ضمن محركات ثورة تشرين، يرى الوعي بالآخر في فلسفته الوجودية إذ يقول: (أن الآخر هو الذي يجعلني أعي ذاتي: فأنا حين أكون لوحدي أحيى ذاتي ولا أفكر فيها، لكن بمجرد أن أرفع بصري فأرى الآخر ينظر إلى أخجل من نفسي، لأنني أصبحت أنظر إلى نفسي بنظرة الآخر إلي. فنظرة الآخر إذن هي التي تجعلني أعي ذاتي كشيء خارج عني. فالآخر هو الوسيط الذي يجعلني أموضع ذاتي. هكذا يكون الآخر، الوجود الأساسي الذي يجعلني أجعل من ذاتي موضوعا للوعي)

الوعي قائد لجماهير ذو حدين (فاضلة أو مجرمة)

الوعي وحده لا يكفي لتلك المهمة، فالانحياز إلى مشروطية الوعي الجمعي فحسب، يؤدي إلى فقدان السيطرة في لحظة ما على الأوضاع، وقد يسبب نتائج فادحة الخطورة والخسارة.

تشكل الجماهير روح الأمة، روح الأمة النابض بالإنتاج والإبداع والتقدم وهي مرتكز أكيد لتقييم حالة البلدان فيما لو تم تقنين عمل تلك الجماهير تحت رعاية الدولة من جانب الأيدي العاملة، أو تحت رعاية من يقودها كأحزاب ومنظمات وجمعيات...الخ. هذا من جانب. من جانب أخر الجماهير المتكونة على شكل مجموعات تتبنى اعتراضا أو احتجاجا معينا_ هي الجماهير المستهدفة ضمن حلقة المقال هذا.

فجماهير التنوع السياسي، والتغيير السياسي، والواقع السياسي التي خرجت من رحم المعاناة وضيق الخدمات بل وانعدامها، وعدم وجود العدالة، تلك الجماهير هي التي تقود الاعتراض والاحتجاج، بصرف النظر عن (دراسة طبيعة تلك الجماهير إن كان بعضها مسيسا أو لا، ممولا أم لا، مدفوعا ضمن اجر أم لا). هنا نأخذ العينة الأبرز والأنقى في روح الجماهير المنتفضة ونسقط عليها الافتراضات العلمية.

ضمن فرضية (الوعي قائد) فان الجماهير تتجه نحو الدلالة الإيجابية لهذا الهدف، هذا هو المفهوم (الطهراني) لتلك الجماهير، لكن حين النظر إلى البعد السيكولوجي لطبيعة الجماهير، بغض النظر عن الشاعرات أو الفرضيات المتبناة، والتي منها شعار السلمية، تبقى الجماهير بحسب طبيعتها النفسية، ومدارات الإرث والرثاثة الماضوية والعرقية، تبقى الجماهير علميا غير مستعدة دوما لممارسة الدور الطهراني هذا، وذلك ما يشهد به حتى أصحاب الحراك (الثورة) انفسهم حينما تقع أخطاء، واختراقات تؤدي إلى مساوئ كثيرة وكبيرة أو صغيرة، فهم سرعان ما يحاولوا تبرئة ساحة الاحتجاج من تلك الأفعال والتركيز على نقاء هذا الحراك وإعطاء مبررات الاندساس أو غيرها على أصحاب الأفعال التخريبية. في الحقيقة هي ليست أفعال عابرة، وليست طارئة إلى حد ما، (إن السلوك الفردي المغاير لطبيعة تلك الأفعال، ما إن ينسجم مع الإرادة الجماهيرية حتى تحركه الإرادة اللاوعية لروح الجماهير) أو " الوحدة النفسية للجماهير " فبالإمكان أن تكون الجماهير طهرانية فاضلة إلى حد ما، وأيضا بالإمكان أن تكون مجرمة أو منتهكة ومخربة أو تختلط لديها الرغبات النفسية في وحدة جماهيرية متحدة لإسقاط الغضب والحقد والانتقام والتكسير والحرق وحتى القتل ربما. يقول المنظر الاشتراكي الألماني كاول كاوتسكي عن الجماهير (إن تصرفاتها تظل غير متوقعة، وهدامة. وميالة للمحافظة جزئيا على الأقل. ويضرب كاوتسكي أمثلة المذابح التي جرت ضد اليهود في اوربا، وذبح السود في امريكا من قبل البيض. يستخلص قوله نجد إن عمل الجماهير لا يخدم قضية التقدم دائما، فما يدمره ليس دائما تلك العقبات الأكثر عرقة للتنمية. فالجماهير تجيش العناصر الرجعية مثلما تجيش العناصر الثورية)

الوعي قائد أسير اللاوعي الجمعي (عتبة الوعي):

هذه الدراسة تتخصص في وضع نتاج الوعي الفردي، في قبالة الوعي الجماعي، وهو ما يتولد عنه ما يسمى الإرادة اللاوعية، أو اللاوعي الجمعي للجماهير.

فكرة الوعي قائد هي فكرة تحتاج إلى تعمق اكثر في النظر اليها، وكذلك تحتاج إلى محاكمة فلسفية وفقا لرؤية اللاوعي الجمعي للأفراد حينما ينخرطون ضمن دائرة الوحدة الذهنية للجماهير، ففي تلك الحالة تتبلور أفكار وأطروحات وأيضا أفعال ليست كلها إيجابي، أو مضمون النتائج، فبعضها قد يكون هداما، فالرجوع إلى حكمة قيادة معينة، أو هرمية منتظمة للتفكير والتنظير ذلك اجدى واقرب للصواب من عشوائية فرضية (الوعي قائد) فهي بحق عشوائية تقود إلى استنزاف الحراك الثوري، والجماهيري، والأهداف على حد سواء، وبالتالي تخلق فوضى ليست خلاقة، تتحد معها العقلانية في بادئ الأمر وسرعان ما تنهار تلك العقلانية لعدم القدرة في السيطرة عليها، فتكون لا خلاقة كما أسلفت، وبالتالي ينتج عنه المحاباة والمجاملات للاستمرار من قبل الأفراد أو الخوف ضمن نسق اللاهدف، ونقع في متاهات مربكة غير مبررة ولا مرتكزة على أنظمة وقواعد تجدد روح العصر والبنية السياسية. لذلك يعبر كانط عن ذلك بقوله (يجب الفحص عن سائر المبادئ المطوية في العقل، وتعيين وظائفها في المعرفة العلمية. هذه هي الفكرة النقدية التي بنى عليها كانط فلسفته) فمبادئ الفكر الخلاق ضمن الإرادة الجماهيرية يجب ومن التعقل أن تفرز قيادة منظمة، أو تختار وتلجئ لقيادة تظنها حكيمة أو هي حكيمة فعلا، وهنا يأتي التعيين في "الوظائف المعرفية لإدارة الحراك الجماهيري". في تلك التفصيلة يقترب الحراك الثوري التشريني المجيد ضمن هذا الخط في بعض تجلياته المعرفية، من خلال انسجامه في بعض الحالات مع المرجعية الرشيدة ونصائح خطبة الجمعة، أو مع من يظنه قسم كبير من أبناء الثورة انه القيادة الحكيمة للإصلاح وقيادة الثورة نحو أهدافها السامية واعني به (السيد مقتدى الصدر) أو حتى كلاهما أي (المرجعية الرشيدة والسيد الصدر) هنا تتبلور منظومة المعرفة الكانطية لدى الجماهير وهي إما منقسمة باختيار أحداهما أو متفقة على كلاهما. وبالتالي فان تعيين "وضائف المعرفة" ضمن فلسفة كانط تحققت ضمن هذين المدارين أو كلاهما بحسب ما اسلفنا، هنا فرضية الوعي قائد بإطلاقها المزعوم قد سقطت ضمن هذه الاختيارات، ونحن نشاهد بوعي أو دون وعي بدراية أو دون دراية أصحاب مقولة (الوعي قائد) يرفعون صور المرجعية الرشيدة، وتهتف باسمها لأنها متماهية مع أهداف وعيها، آو صور السيد مقتدى الصدر لبعض المنتفضين، وهذا ليس معناه أن فرضية الوعي قائد القت بضلالها على حكمة المرجعية أو غيرهم، كلا بل العكس، فان حكمة وتنظيم تلك الأطراف المهمة في التشخيص والتنظيم هم من فرضوا الإرادة الحية على سلوك الوحدة الذهنية للجماهير ولولاهم لما تحقق الانبعاث الحاصل بالتنظيم والترتيب. آذن الهرمية في القيادة حاصلة وتحصيل حاصل شئنا أم أبينا، وهنا يزاح ستار فشل أطروحة (الوعي قائد) ، يبقى من لا يقتنع بتلك الأنشطة الحكيمة والفارضة نفسها كقوة على الارادة للجماهير فهو إما بلا وعي أصلا، وبلا تنظيم، أو هو يخفي خلف فرضية (الوعي قائد) قيادة مخفية غير معلومة تدير خيوط وعيه المزعوم بالسر! وهنا أيضا أين فرضية الوعي قائد في تلك الحالة؟! . وهذا خطر كبير على منظومة الحراك ومنظومة الأهداف الحقة والمشروعة، لعدم فهم نوايا تلك الأطراف، فالأطراف البائنة مثلا ضمن الوعي قائد يقودهم السيد فائق الشيخ علي، هذا امر حاصل، آو يقودهم مثلا غيث التميمي، أو غيره من الأطراف الواضحة التأثير في سلم الحراك الاحتجاجي، اذن الجميع تحت إدارة وإدارة منظمة، فاين الوعي قائد؟!. الكل تحت قيادة إما وطنية تنظيمية موجهة كالمرجعية، أو وطنية تنظيمية سياسية إصلاحية منفذة كالسيد مقتدى، أو إدارة تنظيمية سياسية حزبية كالأخرين ومن ضمنهم الأحزاب الحاكمة أيضا، فخلط الأوراق واضح جدا في تلك الفرضية (الوعي قائد) أو على الأقل عدم الاعتراف بعكسها لعدم القدرة بالاعتراف بجرح الذات. فاصبح هذا المصطلح واقع تحت طائلة (غير الموجود البتة) وتم التلاعب به لتصدير الاتهامات على الآخرين فحسب، من قبيل فلان منافق، وفلان ذيل، وفلان تابع للأحزاب... الخ بينما لو رجعنا للجميع سيجد نفسه تابع لإحدى تلك التنظيمات الفكرية والسياسية، دون التشكيك باي احد منها لأننا هنا ليس في صدد محاكمة أي طرف في متبنياته، بقدر مانحن نناقش تبعات فرضية (الوعي قائد) ومدى تحققها ولاحظنا عدم مصداقيتها في اي مورد، فالنترك تلك الخيالية غير المجيدة ونعتمد على دراسة واقعية ومنظمة والاهم من ذلك كله نعترف بها ونذعن لها بلا مصطلحات حديثة هلامية فارغة أو مدسوسة لأهداف مبهمة.

تقلبات الجماهير في أبستمولوجية غوستاف لوبون:

(لأشيء معتمد لدى الجماهير، فهي تستطيع أن تعيش كل أنواع العواطف، وتنتقل من النقيض إلى النقيض بسرعة البرق، وذلك تحت تأثير المحرض السائد في اللحظة التي تعيشها)

(الجماهير التي ترغب في الوصول إلى الأشياء بنوع من السعار المجنون لأتثبت عليها لفترة طويلة، فهي عاجزة عن الإرادة الدائمة، مثلما عاجزة عن التفكير الدائم والمستقر).

تلك هي الجماهير التي تخرج بلا قيادة، فخصائص الجماهير أما مطيعة لقيادة ما أو مجموعة قيادات، أو عشوائية وكما يسمى (الوعي قائد)، فهي إما ضامنة لذلك الوعي الخاص بالأفراد وتشكل ضمن نسق الجماهير الواعية ككل وهذا محض افتراء وخداع حتى على العلم نفسه، ومغاير تماما لوظائف الفيزولوجيا للجماعات، بالتالي فهي أكيدا ستكون ضمن هذه الفرضية غير نشطة لفترات طويلة في ثورتها وتكون ضمن النظرية السالفة الذكر للوبون حتما، دام ذلك لم يتحقق إلى الآن، أذن هي مقادة وليست قائدة! وكما اسلفنا. فعلاما كل تلك النرجسية والتضليل في الطرح غير الموضوعي؟!.

الصفات التي تتشكل عند الجماهير وتتحكم به مع قبولنا لفرضية الوعي قائد ولو تنزلا:-

يعطينا لوبون وحدة موضوع تفصيلي في كتابه سيكولوجيا الجماهير ضمن هذه الخارطة، فهو يحصر تلك الأسباب التي سآتي عليها بتلخيص ضمن:

1- الفرد المنضوي بالجمهور يكتسب بواسطة العدد المجتمع فقط شعورا عارما بالقوة، وهذا ما ينتج له الانصياع إلى بعض الغرائز، لولا هذا الشعور لما انصاع. (أين الوعي قائد أذن؟)

2- العدوى العقلية أو الذهنية، فلدى الجمهور أن كل عاطفة وكل فعل هما معديان بطبيعتهما، وهما معديان إلى حد أن الفرد يضحي بسهول كبيرة في مصلحته الشخصية، من اجل المصلحة الجماعية، فهذه فعالية معاكسة لطبيعته. ولا يمكن للمرء أن يمتلكها إلا اذا اصبح جزءا من الجمهور. وهنا تحققت العدوى وليس الوعي قائد! عدوى من قائد واحد او مجموعة بعينها تم تبني طروحاتها فلا وعي ولا قائد.

هنا يضع لوبون فارق بين هذه النظرية وبين الفرد غير المنخرط ضمن محرضات الجماهير أو (الوعي قائد) ليقول: (أن الجمهور، الذي يمثل لعبة واقعة تحت تاثير كل المحرضات الخارجية، يعكس متغيراتها التي لا تتوقف، وبالتالي فهو (عبد للتحريضات) التي يتلقاها، والفرد المعزول يمكنه ان يخضع لنفس المحرضات المثيرة كالإنسان المنخرط بالجمهور، ولكن عقله يتدخل ويبين له مساوئ الانصياع لها، وبالتالي فلا ينصاع. ويمكن قراءة ذلك ضمن فيزيولوجيا تلك الظاهرة عن طريق القول بان الفرد المعزول يمتلك الأهلية والكفاءة للسيطرة على ردود فعله.

ان الانفعلات التحريضية المختلفة التي تخضع لها الجماهير يمكنها ان تكون كريمة او مجرمة، بطولية أو جبانة، وذلك بحسب نوعية هذه المحرضات، ولكنها سوف تكون دائماً قوية ومهيمنة على نفوس الجماهير إلى درجة أن غريزة حب البقاء نفسها تزول أمامها.( بمعنى أنها مستعدة للموت من أجلها). ومن هنا نلاحظ لو سلمنا بتلك الفرضية ( الوعي قائد ) ستكون الجماهير (عبيدة لعشوائية مريبة ومخيفة دون أن تعلم أو حتى بعلمها لا فرق) وبالتالي فإنها قد تسلك سلوكا بطوليا لكنها في نفس الوقت وتحت تأثير واقع ما أو سخط ما أو أي حالة من شانها أن تفرض نفسها على عكس رغبات الجماهير من شانها أن تسلك سلوكا فوضويا أو مجرما كما يعبر لوبون وبالتالي في كلتا الحالتين فإنها تكون مستعدة للموت نتيجة لزوال غريزة حب البقاء، وهذا خطر كبير تشكله الوحدة الذهنية للجماهير لو سلمنا بصحة فرضية الوعي قائد على نفس تلك الجماهير وحياتها قبل الآخرين وعلى بقاء ونقاء وديمومة أهداف الثورة.

تسليم وخلاصة:

لو سلمنا وفقا لما اقترحناه أعلاه ضمن قبولنا لفرضية (الوعي قائد) ولو تنزلا...

فان النتائج تأتي بالشكل الاتي وهي نتائج يجب الانتباه لها بل دراستها بشكل جدي ووضع الحلول لها:

فوفقاً لاكتشافات علم وضائف (الفيزيولوجيا) وضع الفرد في حالة معينة يفقد فيها شخصيته الواعية، عندئذٍ يقترف اكبر الأعمال مخالفة لطبعه الحقيقي وعاداته. وعلى نفس الشاكلة وبنفس الشاكلة فإن الفرد المنضوي منذ بعض الوقت في وسط جمهور هائج سرعان ما يسقط في حالة خاصة تشبه كثيراً حالة الانجذاب الشديد الذي يشعر به المنوم مغناطيسياً فإنه يصبح (عبداً) لكل فعالياته اللاواعية ويصبح منوَّمه قادراً على توجيه الوجهة التي يشاء، وهكذا تصبح الشخصية الواعية مغمياً عليها، وتصبح إرادة الفهم والتمييز ملغاة...هذه هي حالة الفرد المنخرط بالجمهور فإن بعض ملكاته تصبح مدمرة ولا يعود واعياً بأعماله. فحالته تشبه حالة المنوم مغناطيسياً. وبما ان المحرض هو واحد لكل افراد الجمهور فإنه يكبر ويتضخم عن طريق التبادل، وأفراد الجهمور الذين يمتلكون شخصية قوية جداً تمكنهم من مقاومة المحرض هم ذوو عدد ضئيل وبالتالي فإن التيار يجرفهم معه. وكل ما يستطيعونه هو محاولة تحويل الأنظار باتجاه آخر عن طريق تقديم اقتراح مختلف. واحياناً تجيء كلمة في الوقت المناسب، آو تثار صورة معينة، فتتحول الجماهير عن اقتراف أبشع الأعمال الدموية.

وبذلك نخلص إلى مجموعة خصائص أساسية للفرد المنخرط بالجهور.

- تتلاشى الشخصية الواعية

- هيمنة الشخصية اللاواعية

- توجه الجميع نحو التحريض ىالعدوى للعواطف والأفكار ومن ثم الميل الى تحويل الأفكار المحرض عليها إلى فعل وممارسة مباشرة وهكذا لا يعود الفرد هو نفسه، وإنما يصبح عبارة عن إنسان آلي ما عادت إرادته بقادرة على أن تقوده.

اعمال واقعة تحت تأثير النخاع الشوكي، أكثر مما هي واقعة تحت تأثير المخ أو العقل.

والله العالم ....

 

انور الموسوي

 

علي رسول الربيعي

يبدأ هابرماس مقولاته عن الحقوق بالتأكيد على أنظمة الحقوق التي تتضمن تلك الحقوق التي يجب على المواطنين منحها لبعضهم البعض إذا كانوا يريدون تنظيم حياتهم معًا بطريقة مشروعة عن طريق القانون. إن مبدأ الخطاب وهدفه هو افتراض شكل مبدأ الديمقراطية فقط على طريق إضفاء الطابع المؤسسي القانوني، ويمنح مبدأ الديمقراطية قوة الشرعية لعملية تشريع القانون.[1] عموما، لدى هابرماس ثلاثة حقوق أساسية، اثنان منها ناتجة عن تطوير حقوق مستقلة سياسيا. والثالث هو الحق الاجتماعي. تشتمل المقولة الأولى على فرعين.وتتضمن هذه المقولات:

(1) الحقوق الأساسية الناتجة عن التطور المستقل سياسيا للحق في الحريات الشخصية المتساوية. وتتطلب هذه الارتباطات الضرورية مايلي؛ (I. 1) الحقوق الأساسية التي تنجم عن التطور المستقل سياسيا لمكانة أو وضعية الفرد أو العضو الإجتماعي  في الفعل الأختياري كالتواصل الاجتماعي بموجب القانون (1.2) الحقوق الأساسية التي تنجم مباشرة عن قابلية تطبيق الحقوق وعن التطوير المستقل سياسيا للتدابير القانونية.

(2) الحقوق الأساسية في تساوي فرص المشاركة في تشكيل الرأي والإرادة التي يمارس المواطنون فيها استقلالهم السياسي  ويشرعون من خلالها القانون.

(3) الحقوق الأساسية لأحكام الرفاه والأمن الاجتماعي، وتوفير الحماية من المخاطر الاجتماعية والتكنولوجية وكذلك توفير الظروف البيئية غير التالفة للحياة، وفي الواقع، يعد هذا ضروريًا، في ظل الظروف السائدة، لتكافؤ الفرص في استخدام الحقوق المدنية المدرجة.[2]

أريد  أوضح فيما يلي، تستند مقولات الحقوق عند هابرماس إلى تشريعات مستقلة سياسياً، وهي مصدر تشريع القوانين الديمقراطية. وأن جميع مقولات الحقوق التي حددها هابرماس هي حقوق دينطولوجية ( deontological rights)، تستند إلى القانون الوضعي، في تناقض مع القانون (الحقوق) الطبيعي. وبالمثل، نشأت الحقوق الأساسية الأولى والثانية من تطور الأستقلالية السياسية. ويكشف تحليل الاستقلالية السياسية من بين أشياء أخرى، عناصر من الحقوق المدنية والسلطة التشريعية. وبالتالي، فإن الحقوق الناتجة عن تطوير الأستقلالية السياسية مليئة أو مثقلة بالمضمون القانوني. إن معظم المبادئ القانونية والخطابات القانونية العملية المعروفة و المعترف بها ، في المجتمعات الديمقراطية ،هي تلك التي تسنها تشريعات مستقلة سياسيا أو من خلالها. هذه هي القوانين المدنية التي يمكن أن تتخذ شكل دول أو دساتيروطنية، أو الناشئة عن تطور الدساتير في أبعاد مختلفة في التطبيق.

يكشف تفسير نظام الحقوق والشكل القانوني، وبالطريقة نفسها، عن كيفية تكوين وترتيب المؤسسات القانونية  في المجتمع الديمقراطي، من خلال تطبيق هذه المقولات من الحقوق. ومن هنا نستمر في التأكيد على أن فكرة التشريع الذاتي للمواطن تتطلب أن يُفهم من يخضعون للقانون كجهات مخاطبة وفي الوقت نفسه على أنهم مشرعون للقانون. ولا يمكننا تلبية هذا المطلب من خلال التفكير في الحقوق المتساوية في الحريات الشخصية كحق ذو أساس أخلاقي يجب على المشرع السياسي أن يسنها كقانون وضعي. إن تشريع القوانين المستقلة سياسيا هو وحده الذي يمكِّن الجهات المرسل إليها القانون من الحصول على فهم صحيح للنظام القانوني ككل.[3]

وبالتالي ينقسم الحق في الحرية الشخصية  داخل مقولة الحقوق الأساسية الأولى ( المذكروة أعلاه)، إلى حقين آخرين؛ بوصفه عضو في جمعية طوعية من المتحدين، بموجب القانون أولاً، والتدابير القانونية ثانياً. إن الحرية الذاتية في المقام الأول هي حق خاص أو حق سلبي. وهذا هو الحق الذي يؤمن للفرد منطقة عدم التدخل من قبل أي اقتحام خارجي. يقول هابرماس إنه بالنسبة للفاعل الذي يتصور قراره بمقتض حقوقه الشخصية أو حريته ... لا يهم ما إذا كان يمكن  للآخرين قبول الأسباب التي تعتبر  قاطعة بالنسبة له للقيام بالفعل.[4] الخطوة الأولى في تطوير الحقوق الشخصية هي تلك الخاصة بوضع العضو في رابطة طوعية من المنتسبين. وتسدعي هذه الخطوات وجود علاقة بيذاتية، ويتواصل المواطنون طواعية وبدون أيً  تعسف أوإكراه. غالبا ما يأخذ التفاعل شكل عقد؛ ويكون للفاعل عادة معرفة كاملة بماهية الأتحاد وكافة وشروط الاتفاق. كما يستخدم المواطنون في هذا المستوى حقوقهم التواصلية أيضًا.

التطور الثالث لهذا الحق الأساس هو اتخاذ تدابير قانونية ضد أولئك الذين ينتهكون حقوق الآخرين. هذا هو الحق في اتخاذ إجراءات قانونية ضد المتطفلين على حق الفرد وحياته. وفقا لهابرماس ، تتطلب الطبيعة القسرية للقانون أنه في حالات النزاع يجب أن تكون هناك إجراءات خاصة لتفسير وتطبيق القانون  الساري بطريقة ملزمة. يمكن للأشخاص الاعتباريين تقديم التظلمات (klagebefognissen)، وبالتالي حشد السلطات القسرية المرتبطة بحقوقهم، إذا كان لديهم حرية الوصول إلى محاكم مستقلة وفعالة تعمل بشكل فعال وتفصل بين النزاعات بشكل نزيه ومُخوَّل ضمن إطار عمل القوانين.[5] ويمكن أن يكون هذا الحق أيضًا بمثابة أساس قوي لسيادة القانون المعروفة باسم ( Habeas Corpus)  "يوجد هذا القانون في العديد من الدول، وينص على أنه لا يمكن احتجاز شخص ما في السجن ما لم يمثل أمام قاض، وعليه أن يقرر ما إذا كان  يستحق أن يظل هذا الشخص في السجن أم لا. "

يتطلب إنشاء مدونة قانونية، وفقًا لهابرماس، الحق في  الحريات الشخصية المتساوية مع حقوق العضوية المتلازمة مع جماعة أو مجتمع، وكذلك ضمان حقه في اللجوء الى القانون . يقول هابرماس لا يوجد قانون شرعي بدون هذه الحقوق. هذه الحقوق التي رأيناها حتى الآن هي حقوق ذاتية وهي تطور للحقوق الأساسية التي تنتج عن الاستقلال السياسي: الحق الأساسي الثاني هو الحق في فرص متساوية في المشاركة في الرأي. وتشكيل الإرادة التي يمارس المواطنون فيها حقوقهم في الأستقلال السياسي وتشريع القانون. هذه هي الحقوق المدنية التي يمارس من خلالها المرء اللأستقلالية والحكم الذاتي. لا يمكن للحقوق الشخصية بمفردها التشريع على المستوى المدني، لأن ذلك يقع ضمن نطاق الحقوق المدنية أو السياسية. وبالتالي، يجب أن تضمن الحقوق السياسية المرغوبة المشاركة في جميع العمليات التداولية ذات الصلة بالتشريع.[6]

ومن ثم فإن تشريع القوانين المستقلة سياسياً هو فقط الذي يجعل من الممكن لخطاب القانون أن يقدم الفهم الصحيح ككل. وفقًا لهابرماس، يستخدم المواطنون الاستقلال الذاتي السياسي في إطار تأسيس الدستور لتفسير ملزم قانونًا لنظام الحقوق الذي يشكِّل نفسه بطريقة مرجعية ذاتية الأداء. يكمن وراء هذه الخلفية، فهم الحقوق الأساسية التي اختارها الدستور على أنها قراءة تعتمد على السياق لنفس نظام الحقوق. يتم تقديم البيانات القانونية، في حالة القانون الطبيعي، لمقدم القانون الدستوري مقدمًا ويأتي دخول هذه الحقوق أولأ  للوعي فقط من خلال ايجاد تفسير دستوري محدد. تشير هذه الفكرة أيضًا إلى الطبيعة  الدينطولوجية لنظام الحقوق. وبالتالي، فإن مقولات الحقوق عند هابرماس دينطولوجية وأنها تتحقق في وقت تشريع القوانين، ولا سيما تطبيقاتها.

  

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

........................

[1] Habermas, Jürgen, 1997, Between Facts and Norms, Polity Press, 154.

[2] Habermas, Between Facts and Norms,122-123.

[3] Habermas, Between Facts and Norms,121.

[4] Habermas, Between Facts and Norms,119-120.

[5] Habermas, Between Facts and Norms.125.

[6] Habermas, Between Facts and Norms.127.

 

 

محمد الورداشيتمهيد: يعد مبحث لسانيات النص/ الخطاب من أهم المباحث في اللسانيات الحديثة، إذ إنه كان بمثابة تتمة للسانيات الجملية التي انكبت على دراسة الجملة- كوحدة لغوية كبرى- لفترات طويلة، سواء تعلق الأمر بالبنيوية الأوربية مع سوسير، أو البنيوية الأمريكية مع بلومفيلد وسابير، أو مع التوليدية التحويلية خلال الخمسينات من القرن الماضي. لكن ظهرت مجموعة من القضايا التي كشفت الحجاب عن حدود اللسانيات الجملية، وسلبيات وقوفها عند الجملة كموضوع لها، فظهر أطروحات جديدة تهتم بالنصوص، وتحليل الخطابات بشتى أنواعها. ومنه، يمكن أن نبسط التساؤلات الآتية:

- كيف تم الانتقال من نحو الجملة إلى نحو النص؟

- ما النص؟ وما الخطاب؟ وما العلاقة بينهما؟

- ما المقصود بلسانيات النص/ الخطاب؟

بعد هذا، سنحاول أن نقدم إجابة تقريبية وليست قطعية لهذه التساؤلات، ونأمل أن نشكل صورة واضحة المعالم عن مبحث لسانيات النص/ الخطاب، الذي تجاوز الجملة ليهتم بما يكبره شكلا ودلالة.

1) من نحو الجملة إلى نحو النص

اهتمت اللسانيات الحديثة لفترة طويلة من تاريخها بدراسة الجملة، من حيث حدودها، وبنيتها، ونحويتها من عدم نحويتها.. وغيرها من المستويات، ومرد هذا الاهتمام كون الجملة شكلا لغويا مستقلا عن أي تركيب نحوي آخر. فاستمر ثلة من اللسانيين منكبين على الجملة، على سبيل المثال لا الحصر، نذكر بلومفيلد وهاريس في التوزيعية، وشومسكي في التوليدية التحويلية، كل حسب منهجه في الدراسة، ولعل هذا ما تمخض عنه اختلاف في تبني الآراء بين منظري وباحثي لسانيات الجملة، إلا أن هدفهم كان موحدا؛ وهو الاهتمام-إلى جانب ما ذكرناه- بقواعد الجملة سواء المعقدة أو البسيطة.

لقد انتبه الباحثون أن لسانيات الجملة تشتغل في مجال ضيق. بهذا الصدد يقول روبيرت دي بوغراند: " من المتعلق أن هذا التركيب الأساسي (ويقصد به الجملة) قد أحاط به الغموض والتباين حتى في وقتنا الحاضر... وما زالت هناك معايير مختلفة لجملية الجملة دون الاعتراف بصراحة بأنها تعريفات نهائية، كونها أساسا لتوحيد تناول موضوعها (1). بالرغم من الأبحاث التي قدمت من قبل اللسانيات الجملية، إلا أنه هناك مشاكل كثيرة كانت دافعا قويا لتجاوز الجملة إلى دراسة النص، من بينها:

- وقوفها عند تحليل الجملة كوحدة كبرى، وكموضوع للسانيات.

- عجزها عن تقديم وصف وتفسير لمتتالية من الجمل المتماسكة، وكذا عدم القدرة على الإحاطة بسياقاتها الاجتماعية والثقافية والتداولية الاستعمالية.

- دراسة الجملة النظامية (2)

للأسباب التي ذكرنا ولأسباب أخرى وقفت اللسانيات الجملية عاجزة عن تقديم وصف عام، وتفسير شامل لمتتالية من الجمل المتماسكة من حيث الشكل والدلالة. ما جعل بعض اللسانيين يدعون إلى انفتاح الدرس اللساني على دراسة النصوص، وفي هذا الصدد يمكن أن نقدم إسهامات هاريس التنظيرية في الانتقال من الجملة إلى النص، في سياق ما يدعى ب" لسانيات النص، نحو النص، علم النص، علم اللغة النصي، لسانيات النص/الخطاب... إلخ. لكن قبل ذلك، سنحاول أن نقارب مفهومي النص والخطاب، ثم نوع العلاقة التي تجمع بينهما في إطار لسانيات النص وتحليل الخطاب.

2) مفهوم النص.

2-1: في الثقافة العربية:

قصد البحث عن المفهوم اللغوي لمفهوم النص، سنقوم برصد ما جاء في معجم لسان العرب، حيث نجد أن النص من مادة"نصص" إذ عرفه بقوله" نصص: النص: رفعك الشيء، نص الحديث ينصه نصا: رفعه، وكل ما أظهر. وقال عمرو بن دينار: ما رأيت رجلا أنص للحديث من الزهري، أي أرفع له وأسنده(...) ونص المتاع نصا: عل بعضه على بعض، ونص الدابة ينصها نصا: رفعها في السير... والنص والنصيص: السير الشديد والحثن ولهذا قيل: نصصت الشيء رفعته ومنه منصة العروس. وأصل النص أقصى الشيء وغاياته، ثم سمي به ضرب من السير السريع (3).

من هنا، يمكن القول إن النص يحمل دلالات متعددة؛ كالظهور والارتفاع، وإدراك الشيء وغايته، ومن ثمة، فإن الدلالة الحقيقة للنص أنه عبارة عن سلسلة من الجمل المترابطة والمتماسكة، والتي تجمعها علاقة انسجام وتتابع، حيث إنه لا يمكن فهم مغزى النص، إلا بتتبع ملفوظاته واستقصائه جملة جملة.

2-2: في الثقافة الغربية:

إن تتبع مفهوم النص والتطورات المطردة التي لاحقته في الثقافة الغربية، تجعل منه مفهوما عاما وشاملا. بهذا الصدد يمكن للنص" أن يكون منطوقا أو مكتوبا، نثرا أو شعرا، حوارا أو مونولوجا، يمكن أن يكون أي شيء من مثل واحد حتى مسرحية بأكملها، من نداء استغاثة حتى مجموعة المناقشة الحاصلة، طوال اليوم، في لقاء هيئة (4).

في ضوء ما سبق، يمكن للنص إذن أن يأتي حوارا أو مسرحية...إلخ. ثم إن ما يميز النص عن الجملة أنه" وحدة دلالية كبرى، يتشكل من سلسلات متتالية من الجمل، مجتمعة لتشكل وحدة دلالية منسجمة تركيبيا ودلاليا، ما يجعلنا نقر على أن النص وحدة دلالية كبرى (5). وبهذا تكون الجمل المكون الذي تبنى عليه النصوص.

هذا، إلى جانب الإشكال الذي يثيره مصطلح النص من حيث التدقيق والتحديد والضبط. فالنص إذن عام وشامل، يختلف عن الخطاب من حيث السياق وظروف التلفظ، ما يجعلنا نتساءل عن مفهوم الخطاب؟ وعن علاقته بمفهوم النص؟

3- مفهوم الخطاب.

3-1: في الثقافية العربية:

إن البحث عن دلالة مفهوم الخطاب في الثقافة العربية، سيحيلنا على ما ورد في معجم لسان العرب، مادة خطب، حيث قال: " الخطب: الأمر الذي تقع فيه المخاطبة والشأن والحال(..) والخطابة والمخاطبة: مراجعة الكلام وقد خاطبه بالكلام مخاطبة وخطابا، وهما يتخاطبان(...) الخطبة اسم للكلام الذي يتكلم به الخطيب(...) الكلام المنثور المسجع ونحوه... والخطبة مثل الرسالة التي لها أول وآخر(...) والمخاطبة مفاعلة من الخطاب والمشاورة (6).

نستشف من النص أعلاه أن الخطاب كمفهوم يحمل دلالة متعددة، فهو الكلام الذي يحمل معنى وقصدية، وهو فعل كلامي بين شخصين يسعيان إلى مقصدية واحدة، وهي تحقيق التواصل الإيجابي الفعال، وفهم الرسالة.

أضف أن الخطاب قد يؤدي وظيفة إقناعية بلاغية، ذلك، بتوخي الإقناع والتأثير في المتلقي، انطلاقا من الاعتماد على اللغة الواضحة ما يجعل من الخطاب مفهوما متشعبا، يقارب نظريات مختلفة. ومفهوم الخطاب من المنظور البلاغي يتأسس على بناء دلالي محكم وحكم ومتسق ومنسجم. في هذا السياق يقول رشيد بنحدو (249:1991) معرفا الخطاب في البلاغة أنه: " مجموعة من الجمل منطوقة كانت أو مكتوبة، في حالة اشتغال أفقي- أي نمط أو تركيب- على موضوع محدد. ويسمى التلفظ به إلى التأثير في المتلقي بواسطة فرضيات ورؤى وأحاسيس، مما يتطلب مبدئيا ديمومة في إنتاجه وتلقيه، وتماسكا داخليا وتدليلا مقنعا وصورا تعبيرية ولغة واضحة (7).

3-2: في الثقافية الغربية:

إن الخطاب Discours في الثقافة الغربية له دلالات، يمكنها أن تساعدنا على استخلاص العلاقة التي تجمعه بالنص.

يعد الخطاب من الألفاظ التي شاعت في الحقل اللساني الحديث، والتي لقيت إقبالا واسعا من لدن الباحثين والدارسين من مختلف المجالات المعرفية. وقد بدأ مصطلخ الخطاب ينسجم ومناخه الدلالي، بعد ظهور كتاب "محاضرات في اللسانيات العامة" ل فردينا ندي سوسير، لما تضمنه هذا الكتاب من مبادئ ومنطلقات أساسية أسهمت في وضوح الخطاب كمفهوم، إذ إنه يرادف الكلام عند سوسير؛ أي الانجاز الفعلي للغة، بمعنى أن اللغة تعمل وتتحقق في سياقات معينة. يشير سعيد يقطين(21:1997) إلى أن الخطاب يعني: " اللغة في طور العمل، أو اللسان الذي تتكلف بإنجازه ذات معينة، وهو هنا مرادف للكلام بتحديد دو سوسور... ويتكون من متتالية مرسلة لها بداية ونهاية (8).

فالخطاب بهذا المعنى يكون مرادفا للكلام من منظور سوسير، لئن كان النص متتالية من الجمل الخالية من السياق؛ فإن الخطاب أضحى عملية تواصلية بين طرفين، يحكمهما سياق محدد، وزمان ومكان محددين. إن الخطاب من منظور رائد اللسانيات التلفظية الفرنسي بنفينست: " هو كل تلفظ يفترض متحدثا ومستمعا، تكون للطرف الأول نية التأثير في الطرف الثاني بشكل من الأشكال (9).

من هنا يبدو جليا أن بنفينست نظر للخطاب من زاوية لسانية، وهذا يدل على أن الخطاب- كما أشرنا قبل قليل- يستدعي طرفين يتبادلان أطراف الكلام، ما يجعل أولهما يكون غرضه التأثير في الثاني.

ومع ظهور اللسانيات الاجتماعية، والتي اتخذت الخطاب موضوعا للدراسة، مما نتج عنه إعادة النظر في مناهج الدراسة اللسانية بصفة عامة، فظهرت اتجاهات لسانية جديدة تناولت الخطاب دراسة وتحليلا. في هذا السياق أشار خليفة الميساوي(179:2013) إلى أن هذه الدراسات ظهرت" خاصة في مجال الدراسات اللسانية الأمريكية، والتي اعتمدت منحى لسانيا اجتماعيا، وانتقل البحث اللساني من المكتوب إلى العناية بما هو منجز من الكلام وأصبح الخطاب يعرف بأنه" محاولة لتوسيع نظرية لسانيات قادرة وموحدة تعنى بإنجاز الكلام الطبيعي (10).

تبعا لذلكن يمكن القول بأن مفهوم الخطاب عرف تطورا مع اللسانيات الأمريكية من الاهتمام بما هو مكتوب إلى الكلام المنجز في سياق اجتماعي، ما أسهم في تطوير الدرس اللساني حتى غدا الخطاب مفهوما متشعبا تدارسته مختلف العلوم المعرفية، كعلم النفس وعلم الاجتماع، ما دفع باللسانيين المهتمين بهذا الاتجاه إلى الركون إلى حقول معرفية أخرى، تدارست الخطاب من منظورها الخاص. فمثلا في أمريكا لعبت الأنتروبولوجيا والسوسيولوجيا دورا مهما في تحليل الخطاب. أما في فرنسا فيوجد ثمة تأثير من التحليل النفسي على مجال تحليل الخطاب. "أمام تشعب هذه القضية اعتمد الدارسون الفصل بين الخطاب (discours) وتحليل الخطاب (analyse de discours) وتحليل المحادثة (analyse de conversation) فاتخذت الدراسات في هذا المجال مسارات مختلفة خاصة في الثمانينات (11).

بعدما حاولنا تقديم تعريفات لكل من المفهومين(النص، الخطاب) سنحاول بحت العلاقة بينهما، وكذا أوجه الاختلاف والتشابه. ما يجعلنا نقر أننا أمام إشكال عويص: هل يدلان على المعنى نفسه، أم أنهما مختلفان؟

4- النص والخطاب أية علاقة؟

هناك من اللسانيين من يرادف بين النص والخطاب، فيما نجد فريقا آخر ينظر إلى المفهومين من زاوية الاختلاف والتباين، بيد أن هذا الفرق جوهري؛ فالخطاب مرتبط اشد الارتباط بالتلفظ وإقحام المتكلمين وعلاقتهم بالسياق التواصلي، في حين أن النص يتميز بكونه مجردا مما قلناه عن الخطاب، إذ إن هذا الأخير يتشكل من النص زائد ظروف إنتاجه. أما النص فإنه خطاب دون النظر إلى ظروف إنتاجه. ولربما هذا هو الاختلاف الجوهري بينهما، كذلك يمكن أن نضيف بأن الخطاب يضم اللغة وهي تعمل وتتحرك، إنه جري على لسان المتخاطبين. ومنه، فإن الخطاب مجموعة من الملفوظات المتماسكة والمنسجمة، والتي تضم سياقا معينا، ومتخاطبين ثم الزمان والمكان، في حين أن النص عبارة عن متتالية من الجمل المتماسكة. بالإضافة إلى أننا يمكن أن ندرس النص إذا نظرنا إلى الظروف التي أنتج فيها. ومنه نخلص إلى أن النص منبن على علاقات تراتبية ومتوالية، وفي المقابل يركز الخطاب على التلفظ والسياق، بتعبير آخر إن النص هو ذاك الكل العام، والخطاب جزء منه. ولعل هذا ما تؤكده ربيعة العربي(2012) فغريماص وكورتيس: " يعرفان الخطاب انطلاقا من مقارنته بالنص، وسيخلصان إلى سبعة معان تعكس سبعة جوانب سيمو-لسانية مختلفة للخطاب هي:

1- إنه مرادف للنص.

2- مرادف للفظ.

3- متوالية من الجمل الملفوظة.

4- موضوع نحو الخطاب.

5- مقدرة خطابية.

6- نتيجة لتفعيل الخطاب (أي تحويل البنى السيميو-حكائية إلى بنى خطابية).

7- إجراء يفرض نسقا يركز على الطابع المكتوب أو المنطوق في إقامة هذا الفصل.

ومن ثمة يصبح النص مادة خاما، إنه مضمون أو ملفوظ قابل لأن يتجسد في خطاب (12).

خلاصة القول إن من الباحثين من يجمع بين المفهومين في إطار ما سمي "لسانيات النص والخطاب، علم النص والخطاب، اللسانيات النصية وتحليل الخطاب، ومن بين الذي يرادفون بينهما فان ديك في النص والسياق.

ومنه نسلم بأن علم اللغة النصي يتناول تحليل الخطابات والمحادثات في بداية السبعينات من القرن الماضي، هذا ما يعلنا نتساءل عن مفهوم لسانيات النص/ الخطاب؟

5- لسانيات النص/ الخطاب

تعرف لسانيات النص الخطاب أنها اتجاه لساني، يعنى بدراسة النص كوحدة لغوية كبرى من خلال النظر إليه من جهات متعددة؛ كالاهتمام بالاتساق والانسجام في النص، بالإضافة إلى كيفية بنائه وتركيبه، فضلا عن البحث في الآليات اللغوية والدلالية التي تجعل من النص نصا. " أضف إلى ذلك أن كل نص يتوفر على خاصية كونه نصا يمكن أن يطلق عليها ‘‘النصية‘‘، وهذا ما يميزه عما ليس نصا (13). إنها اللسانيات التي انتقلت من دراسة الجملة إلى دراسة ما يكبرها شكلا ودلالة، ذلك من خلال النظر إلى البنى التي تساعد على انتقال الملفوظ من الجملة إلى النص والخطاب. وكذا من ما هو شفوي إلى ما هو مكتوب.

يرجع أغلب الباحثين بدايات هذا المبحث اللساني إلى الشكلاني الروسي فلاديمير بروب سنة 1928؛ إذ إنه قدم أول دراسة لسانية تحليلية لمقاطع الحكاية قصد تحديد المكونات والوظائف السردية. في أن فريقا آخر يزعم أن هاريس هو أول من تنبه إلى أن اللسانيات الجملية تجعل الدرس اللساني يشتغل في مجال ضيق ومحدود، فدعا إلى ضرورة دراسة ما يكبر الجملة. فنشر في هده المرحلة – أي 1952- كتابه المعنون ب " تحليل الخطاب discours analysais فاهتم من خلاله بتوزيع العناصر اللغوية في النصوص، كما أنه قدم دراسة للنص وفق اللسانيات التوزيعية، وأكد أن المقاييس النحوية التي تدرس بها الجملة، يمكن تطبيقها على دراسة نحوية النص؛ لأن النص من منظوره جملة كبرى يضم مستويات: صوتية وفونولوجية، وصرفية، وتركيبية.

يشير جميل حمداوي (24:2015) قائلا: إن هدف التحليل الهاريسي هو بيان أن الجملل تترابط فيما بينها اعتباطيا، وأن هناك نحوا لهذا الترابط مختلفا عن نحو الجملة، يستطيع التحليل التوزيعي أن يرصده. وهذا ما بينه الذين جاءوا من بعده، بشكل واسع في الخمسين سنة الأخيرة (14).

في ضوء ما سلف ذكره يبدو جليا " أن الولايات المتحدة الأمريكية كانت سباقة إلى تحليل النص أو الخطاب بفضل إسهامات هاريس التوزيعية (15).

بهذا، يمكن القول إن هاريس هو همزة وصل بين لسانيات الجملة ولسانيات النص. حيث يبقى الهدف الذي ميز مبحث لسانيات النص والخطاب، هو دراسة النص وتحليل الخطاب، إذ إنه ينطلق من النص وينتهي عند النص، لعل هذا ما يؤكده أحمد عفيفي (32:2001) إذ يقول: " ويأتي علم لغة النص مرتبطا بعلم النص الذي يدخل في حساباته دراسة النص من جوانب كثيرة، بعضها لغوي، وكثير منها غير لغوي، مما يجعلنا ندرك حجم هذا العلم (علم النص) الذي يدخل في مناهجه علوما كثيرة متشابكة ومتداخلة إلى حد كبير مثل اعتماده على البحوث التجريبية، والمنجزات النظرية لعلم نفس المعرفة، وارتباطه الوثيق بميدان الذكاء الاصطناعي (16).

لقد رسمت لسانيات النص هدفها الرئيسي منذ البداية، إذ إنها لم تأت نتيجة تطور شكلي، وإنما كانت الحاجة إلى قيام نظرية لسانية جديدة، تدرس النص من جوانب عدة: الجوانب النحوية، والجوانب الدلالية والتداولية، فكان لزاما عليه أن يلجأ إلى مفاهيم ومناهج جديدة، أكثر دقة وموضوعية تتماشى والنص، باعتباره وحدة كبرى، يحتل مكانة ضاربة لدى مختلف النظريات والعلوم التي اتخذه موضوعا لها؛ كعلم الاجتماع وعلم النفس... وغيرها.

إن الجديد في مبحث لسانيات النص وتحليل الخطاب أن ينظر إلى النص كحدث تواصلي- لغويا كان أو غير لغوي- يضم مرسلا ومتلقيا، فكان من الضروري أن يعود علم النص إلى المعايير الخارجية التي تشكل المستوى الدلالي الاجتماعي، ما سمي ب " الإحالة المقامية"، بالإضافة إلى الجوانب الداخلية التي تمثل دلالة النص العميقة، عن طريق دراسات التعالقات والأدوات التي تربط الجمل المتماسكة ما يشكل نصا. ومنه، يمكننا القول بأن علم النص لم يبعد الجملة من مجال اشتغاله، فينطلق من النص عامة، ثم يدرس أجزاءه والعلاقة بين جمله خاصة. بعبارة أخرى تكمن دلالة النص حينما يؤكد على فكرة أساس، مفادها أن دلالات الجمل تكمن في علاقتها بالجمل التي تسبقها، والتي تأتي بعدها، خلافا للسانيات الجملية التي تنكب على الجملة دون غيرها.

لقد اعتمد علم اللغة النصي على معايير تميز النص عن اللانص، حيث حددها دي بوغراند في: الاتساق، الانسجام، المقصدية، المقبولية، الإعلامية، التواصلية، المقامية، التناص.

6- خاتمة:

إن ما يمكن قوله إن مبحث لسانيات النص/ الخطاب اتجاه لساني حديث، يدرس اتساق النصوص، وانسجام الخطابات، صحيح أنه تجاوز دراسة الجملة كما كان سائدا، ولكنه في الآن نفسه لم ينفصل عنها، وإنما يدرسها في علاقتها بما قبلها وما بعدها، ثم الاهتمام بسياقها في مقامات تواصلية، لتغدو الجمل سلسلة من الملفوظات التخاطيبة. ومنه، إن علم اللغة النصي مجال شاسع ومنفتح على علوم معرفية مختلفة، ولا أدل على ذلك مما نجد من غزارة في التأليف والاستمرارية، كما أنه انفتح على مبحث البلاغة الجديدة بمختلف اتجاهاتها، باعتبار أن الحجاج غدا مكونا من مكونات اتساق النصوص، وعنصر من عناصر انسجام الخطاب بشتى أنواعها.

 

محمد الورداشي

........................

لائحة المصادر والمراجع:

(1) ديبوغراند: النص والخطاب والإجراء، ترجمة تمام حسان، ط1، القاهرة 1988، ص 88.

(2) الجملة النظام system sentence : هي عبارة عن شكل الجملة المجرد، والذي يمكن توليده في جميع الجمل المقبولة في نحو لغة ما.

(3) ابن منظور: لسان العرب، ج4، حرف النون، مادة نصص، بيروت-لبنان 2003.

(4) نقلا عن: محمد خطابي، من كتاب " لسانيات النص مدخل إلى انسجام الخطاب- ط2،2006، ص 13.

(5) المرجع نفسه، ص 13، بتصرف.

(6) ابن منظور: لسان العرب، مج5، بيروت ط 3/ 2004، مادة خطب ص :97-98.

(7) رشيد بنحدو: النص الأدبي من الإنتاج إلى التلقي، أطروحة مرقونة بكلية الآداب، ظهر المهراز، فاس، إشراف حسن المنيعي.

(8) سعيد يقطين: تحليل الخطاب الروائي( الزمن، السرد، التبئير).

(9) نقلا عن: محمد البردي: إنشائية الخطاب في الرواية العربية، من منشورات الكتاب العرب، دمشق 2000، ص 1.

(10) خليفة الميساوي: المصطلح اللساني وتأسيس المفهوم، ص 179.

(11) المرجع نفسه، ص 180.

(12) ربيعة العربي: الحد بين النص والخطاب، الحوار المتمدن- العدد 9236-2012-04-08، 20:08، المحور: التربية والتعليم والبحث العلمي.

(13) محمد خطابي: سبق أن ذكر المرجع. ص 13.

(14) جميل حمداوي: محاضرات في لسانيات النص، 2015، ص 24.

(15) المرجع نفسه، ص 24.

(16) أحمد عفيفي: نحو النص، اتجاه جديد في الدرس النحوي، ط1، 2001، ص 32.

 

 

عبد السلام فاروقدعونا نتفق أولاً أن الصحافة الورقية تمر بأزمة كبري وأن هذه الأزمة عالمية واسعة النطاق.

لا ينبغى أن ندفن رؤوسنا فى الرمال فندّعى أن الأزمة لا وجود لها، ولا أن نبالغ فنقول: أنها أزمة بلا حلّ!

لقد كانت الصحف قديماً هى الوسيلة الإعلامية الأولى محلياً وعالمياً مما أدى إلى انتعاشها وتشعب اتجاهاتها، حدث هذا قبل التليفزيون والراديو والسينما. أما اليوم وقد امتلأت السماوات بالبث الإعلامى الفضائى، وتكدّست الشاشات الرقمية وغصت بوسائل التواصل والصحافة الرقمية البديلة . فقد حوصرت الصحافة الورقية فى زاوية، وبات الأمر يتطلب حلولاً ناجعة قادرة على تجاوز الأزمة واقناع الجمهور بالتخلى عن شاشته الرقمية المجانية ليقرأ صحيفة لا يستكثر ثمنها، ولا يستثقل قراءتها.

الصحف قادرة على أن تعود كسلعة ثقافية حيوية مطلوبة لجميع فئات وشرائح المجتمع.

الدليل على ذلك أن حاجة الجمهور للمعلومات تزداد يوماً بعد يوم.

عالم التسويق والإعلان يعتمد على المعلومات .. وهكذا الاقتصاد والفن والثقافة والتجارة والصناعة والمال والجريمة والقانون والسياسة .. كلها معلومات . والمطلوب فقط أن تكون تلك المعلومات صحيحة وموثوقة ومثيرة من حيث طريقة تقديمها . هكذا هى لعبة الصحافة الأثيرة، أن تجعل القارئ مثاراً متحفزاً للمعلومة التى يفتقر إليها . فالصحافة هى عالم المعلومات المتجددة الشيقة .

إنها مفارقة كبيرة تحمل سؤالاً تعجبياً استنكارياً .. هذه المفارقة الاستفسارية تقول :

"كيف يمكن للصحافة بصفة عامة أن تفشل ولو جزئياً فى عصر يسمونه "عصر المعلومات" ؟

وهل هناك مصدر للمعلومات أفضل أو أقوى من الصحافة ؟!" .

الصحافة الإليكترونية .. والسياحة!

الإعلام الرقمى له مزية هائلة لم تُستغلّ بعد ..

أنه قادر على اختراق الحدود إلى أبعد مدى ممكن .

وكالات الأنباء العالمية باتت شبيهة بآلة معلومات عملاقة تعمل على مدار الساعة. حجم معلومات ضخم، وحجم عَمالة هائل يتناسب مع شلال الأخبار المتدفق بلا انقطاع . وجميع الفضائيات تتناقل تلك الأخبار باستمرار . لاشك أن تأثير مثل تلك الصحافة العابرة للحدود قوى وممتد.

منصة اليوتيوب هى منصة أخرى من منصات الإعلام البديل . وربما كانت من أقوى المنصات العالمية.

بعض لقطات الفيديو الفنية أو الاجتماعية تستحوذ على نسب مشاهدات بالملايين وقد تتجاوز حاجز المليار خلال أسابيع قليلة . حتى أن جهات الإنتاج العربية تنبهت لمثل هذا الأمر، واستغلت اليوتيوب للدعاية لأحد الفنانين أو الفنانات، أو الدعاية المضادة ضد فنان أو فنانة أو عمل فنى!

والسؤال هنا: هل من الممكن استغلال منصات الإعلام الرقمى العالمية للترويج للسياحة؟

نعم ممكن .. لكن الأمر ليس سهلاً كما قد يبدو.

مجال الدعاية الرقمى مجال احترافى له مقومات وآليات أخرى مختلفة عن آليات الصحافة المطبوعة.

ومجال السياحة مجال متعدد الأوجه والأنشطة . والمنافسة العالمية على أشدها . ولكى تكون مؤثراً فى الذوق العالمى، لا بد أن يكون لك موطئ قدم فى الإعلام العالمى .

هناك أبعاد لامرئية فى العمل الإعلامى الرقمى؛ كعمليات الحماية الرقمية والتوجيه والتحكم والمتابعة والتقييم والتصنيف، كلها تستلزم مقومات مادية وموارد بشرية لإدارتها قد لا تمتلكها مؤسسة صحفية منفردة . لكن تجميع الجهود وتبادل الخبرات فى المجال الصحفى قد يسهم فى تكوين صحافة مصرية رقمية قادرة على اختراق الحدود والوصول للعالمية.

هكذا تستطيع الصحافة لا أن يكون لها دور فى الترويج السياحى من خلال المنتَج الثقافى فحسب. بل فى الترويج لأى سلعة أخرى من السلع المعنوية.

آفاق رحبة

هناك مثلاً فكرة نفذها الغرب ولم نستطع بعد أن نقلدهم فيها .. هى فكرة "غيمة الأفكار" أو "Document cloud"!

 إنها كتلة رقمية محمَّلة ومثقلة بالبيانات والمعلومات الموثَّقة المصنَّفة والمتاحة لكل الصحفيين كمصدر دائم للمعلومات، وهى الغيمة المستعدة لإمطارك فى أى وقت بأى كمية تريدها من الأفكار الجاهزة . إنها أشبه ببنك رقمى للمعلومات والوثائق شارك فى إعداده نخبة من المتخصصين والصحفيين كمؤسسة نيويورك تايمز ومؤسسة "جيمس لى نايت" وعدد من الصحفيين اللامعين مثل (سكوت كلاين) و(أرون بيلهوفر) و(إريك أوماتسيكى) و(أماندا هيكمان). وجميعهم من المتحمسين لدور الإعلام الرقمى فى تبادل الأفكار وإتاحة المعلومات وتطوير العمل الصحفى والإعلامى .

التقنيات الحديثة ومستقبل الإعلام

قيل،على سبيل التخيل، أن حجم المعلومات الرقمية دائمة التوارد والاتساع بلغ من الضخامة ما لو تم تحويله جميعاً إلى مطبوعات لغطى الأرض كلها وأكثر.

فالمحتوى الرقمى المعلوماتى، بكل ما فيه من غث وسمين، يفوق ما تم تسجيله فى الكتب منذ بدء الخلق حتى اليوم بثلاثة ملايين ضِعف! أمر عصِيّ على التصور.

نحن أمام إمكانات افتراضية غير محدودةـ .. فيض لا ينقطع من معلومات تنحدر من عشرات المنابع ومئات المصادر وآلاف المواقع كأنهار من الأفكار لا تنضب ولا تتوقف عن الدوران والتعاقب.

دور الصحافة مستقبلياً سوف ينحصر فى محاولة اصطياد ما هو ملائم للبث من بين أمواج الأخبار اليومية الجامحة. لم يعد دور الصحافة هو السعى خلف الأخبار، فالأخبار الآن هى التى تسعى خلف الصحافة، إنما فقط انتخاب الأخبار وإعادة عرضها بطريقة مثيرة ملفتة.

لغة الصورة والمشهد سوف تسود هنا أكثر من اللغات المقروءة .. فالصورة تمثل لغة عالمية تتحدث دون حاجة إلى ترجمة، وهى لغة محبوبة تألفها العين وتستمتع بها أكثر من لغة الحروف والأرقام.

سوف يتغير الإعلام وتتغير اتجاهاته وأهدافه شاء أم أبَى ..

فالتغيير قادم .. قادم  فى صورة تقنيات جماهيرية غير قابلة للمنافسة . ولكى يستطيع الإعلام أن يواكب ذلك التغيير، لا بد له من أن يتغير ويتطور فى ذاته . أو يبقَى فى ذيل المنظومة الإعلامية العالمية كمتابع ومشاهد لا كمشارك.

 

عبد السلام فاروق

 

جامعات العلم، هي الجهاز العصبي الوحيد لعصرنا!!

تحت تأثير التغيرات الجيوسياسية والاقتصادية والتكنولوجية في العالم، يتم إعادة توجيه أهداف ووظائف التعليم وتغييرها، وليس فقط مدة التعليم وأشكاله تتغير، ولكن أيضًا متطلبات الخريجين والجامعات والهياكل التعليمية الجديدة والمؤسسات الاجتماعية المقابلة، فالتعليم ليس هدفًا فحسب انما وسيلة لتحقيق التنمية المستدامة من خلال تدريب أفراد يتمتعون بدرجة عالية من الذكاء والتوجه نحو العمل من أجل تنمية المجتمع وتعزيز مبادئها وتشكيل سلوك مسؤول اجتماعيًا عن السكان والأعمال التجارية وإجراء البحوث في مجالها وخلق معلومات دائمة المنصات، وتجميع البيانات الإحصائية والمعلومات التحليلية، فالاتجاهات الرئيسة في تطوير التعليم العالي في العالم تتمحور بتركيز التعليم على تحقيق التنمية المستدامة والمسؤولية الاجتماعية، والتركيز العملي للتعليم، والتعليم متعدد التخصصات، وتشكيل نظام التعليم المستمر، والانتقال إلى أشكال التعليم الإلكترونية، والتوجه السياسي للتعليم، ولهذا فيجب على الجامعات إعداد الخريجين الذين يفي مستواهم ومهاراتهم بمتطلبات سوق العمل، كما ويجب أن تأخذ المؤسسات التعليمية في الاعتبار أن دورة إنشاء المعرفة ونشرها وتدريبها واستخدامها تصبح أقصر، وهذا بدوره يؤدي إلى الحاجة إلى التدريب المستمر للقوى العاملة وتحديث محتوى التدريب.

ونظرًا لحقيقة أن جميع الاكتشافات المهمة تتم عند تقاطع مجالات المعرفة المختلفة، فتزداد أهمية تكوين المعرفة الأساسية للطلاب والأجهزة المفاهيمية للتواصل الفعال مع الزملاء من المناطق الأخرى وبالتالي ينبغي أن يشمل جوهر التعليم قاعدة إنسانية وتقنية علمية، أي مجموعة واسعة من المعرفة الإنسانية والرياضية والتقنية وغيرها من المعارف، كما ويجب أن تتحمل الجامعات المسؤولية المباشرة عن تكوين وجهات نظر الطلاب ومواقفهم السياسية التي تزيد من استدامة المجتمع لحروب المعلومات، ونظرًا لحقيقة أن جميع الاكتشافات المهمة تتم عند تقاطع مجالات المعرفة المختلفة، ومن ذلك نجد انه يجب أن تتحمل الجامعات المسؤولية المباشرة عن تكوين وجهات نظر الطلبة ومواقفهم السياسية التي تزيد من استدامة المجتمع لحروب المعلومات، لكن ذلك لن يكون ذلك كافيًا إذا استمرت مؤسسات التعليم العالي في إعداد البكالوريوس والماجستير وفقًا للبرامج التعليمية مع تعديل مكوناتها الفردية، حتى بعد الانتهاء من الدراسة في إحدى الجامعات وينبغي إعطاء السكان الفرصة للعودة إلى تحديث المعرفة وتنمية مهاراتهم في مواقف العمل الجديدة وتصبح الجامعات مراكز حية لتوفير الفرص لخريجيها وغيرهم من أفراد المجتمع لتحديث وتوسيع معارفهم ومهاراتهم طوال حياتهم، ففي الوضع القادم يجب أن تدرك الجامعات وبيئة الأعمال أن وضع العمل المعتاد والتدريب المتقدم لا يمكن أن يكون ذا فائدة كبيرة وعليه ينبغي إنشاء برامج تعليمية خاصة ذات جدول زمني مرن، مع التركيز على التعليم المسائي، والعمل بدوام جزئي، في نهاية الأسبوع أو الإجازات لتلبية احتياجات مختلف قطاعات المجتمع للأشخاص الذين يرغبون في الحصول على مهارات مهنية جديدة، وللأشخاص الذين يبحثون عن معرفة متقدمة ضمن تخصصاتهم، وللأشخاص الذين يريدون ببساطة تجديد أمتعتهم المعرفية أو إرضاء اهتمامات جديدة، وللأشخاص الذين يودوا تعلم تقنيات وظائف جديدة، وللأشخاص الذين يجدون أنفسهم عاطلين عن العمل بسبب التغيرات الهيكلية والتكنولوجية في الاقتصاد، والتخصصات التي عفا عليها الزمن، ويجب أن يكون الوصول السهل والمرونة من السمات المميزة لمبادرات المنظمات غير الحكومية، غير انه لا ينبغي تحقيق المرونة على حساب الجودة، ولذا يجب أن تبنى البرامج على أساس وحدات وأن يكون للطالب القدرة على اختيار أي وحدة والحصول على التدريب المناسب لهذا الاختيار، مع الحصول على العدد اللازم من الوحدات الائتمانية عند الانتهاء من تطوير الوحدة وتحقيق حرية اختيار الدرجة أو الدبلوم الذي يحتاجه، وكذلك تحديد وتيرته وشكله التدريبي المناسب له، اضافة الى الحق في تلخيص الوحدات الائتمانية المتراكمة مسبقًا من وحدات مختلفة للوفاء بمتطلبات الحصول على شهادة أو دبلوم، كما ويجب أن تصبح الجامعات أكثر انفتاحًا على المجتمع من خلال تقديم برامج لجميع المعنيين، ولقد فتح الإنترنت أمام المجتمع الوصول السريع والواسع إلى المعلومات التي لا يمكن أن توفرها أي مؤسسة موجودة في تاريخ البشرية، وعلى الرغم من وجود مشاكل وقيود فإن الإنترنت لم يسمح للأفراد فقط بتلقي المعلومات على الفور، ولكن أيضًا بالمشاركة في المناقشات وتبادل الأفكار والانضمام إلى مختلف الفئات الاجتماعية والعمل والتعلم بالطبع.

 في السابق كان يعتقد أن الجامعات التي تستخدم تقنيات التعليم عن بعد تتيح الوصول إلى التعليم لأولئك الذين يصعب عليهم جغرافيا الحصول على التعليم التقليدي أو الذين لا يستطيعون الجمع بين الحضور الجامعي والعمل، والان يمكننا التأكد من حقيقة أن طلبة أقسام الجامعة بدوام كامل يتم نقلهم إلى أشكال التعليم الإلكترونية اذ يعد التعليم الإلكتروني أكثر ملاءمة للبيئة وأقل تكلفة، بالإضافة إلى فعاليته وآفاقه يوفر التعليم عن بعد فرصًا حقيقية لدخول نظام التعليم الدولي، وتوسيع الاتصالات المهنية، والاستفادة الكاملة من الإمكانات العلمية والمنهجية للجامعات وجذب أموال إضافية لتمويل الأنشطة التعليمية والعلمية للتعليم العالي، وان الأشكال الإلكترونية للتعليم من خلال توفير الخدمات التعليمية القائمة على الكمبيوتر والاتصالات السلكية واللاسلكية ودراسات الحالات وغيرها من التقنيات تجعل من الممكن ضمان الوصول على نطاق واسع من التعليم، والمساواة في الوصول، والتعليم العالي الجودة بتكلفة منخفضة نسبيًا، وإن النظام العالمي للتعليم المفتوح والمرن والفردية والتعليم مدى الحياة وطوال حياة الفرد قادر على حل واحدة من المشاكل الرئيسية في الوقت الحاضر وإضفاء الطابع الإنساني على التعليم لتحقيق التنمية المستدامة والمسؤولية الاجتماعية.

 أحد الأسباب الرئيسية للهجرة التعليمية الدولية تعود لإدراك أن التعليم يمثل رصيدا قيما ولا يمكن إنكار أن التعليم يلعب دورًا مهمًا في تشكيل وجهات نظر الطلبة ومواقفهم السياسية، فمن ناحية تنقل الجامعات المعرفة من جيل إلى جيل، مما يضمن الحفاظ على المعلومات والمعارف واستمراريتها وتراكمها، ومن ناحية أخرى فإن المؤسسات هي حلقة الوصل بين الدولة والأفراد في ترجمة الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وفي الوقت نفسه تم تحديد موقفين متعارضين تمامًا تجاه مسألة دور الجامعات والتعليم العالي في تشكيل الثقافة السياسية من تأكيد اللامبالاة الكاملة للجامعات إلى الإيديولوجيا والسياسة إلى الحاجة إلى تشكيل موضوع سياسي نشط في البيئة الجامعية، وهناك المزيد من المؤيدين لذلك وموقفهم هو أكثر عقلانية فيعزون الحاجة إلى إعداد مواطن قادر على المشاركة السياسية مع تغيير في النموذج التعليمي من المعرفة الرسمية إلى النشاط القائم على الكفاءة كعملية هادفة للتدريب والتعليم، بما في ذلك تطوير للخبرة السياسية للطلبة والتي طورتها البشرية، وتنمية الوعي السياسي وفقًا لمعايير المجتمع الديمقراطي الحديث، والإعداد لواقع سياسي مناسب، لأنه وعندما يعاني سكان جميع البلدان من عواقب الارهاب والحروب والعولمة واستقطاب القطبية والمواجهة المتزايدة لكل دولة على حدة والجماعات الدولية، فيجب أن تتولى الجامعات مهام مراكز الثقافة الوطنية وتقرير مصير الشعوب، والجامعات هي التي يجب أن تعارض "حروب المعلومات" التي تحدث في العالم، وتناقض فعليًا المعلومات المقبولة لدى الدول والجمعيات ذات البيانات والمعرفة الخالصة والموضوعية، لذا يجب أن يستجيب النظام التعليمي بمرونة وسرعة للتغيرات في المجتمع، فلديه مسؤولة مباشرة عن إعداد الأجيال المقبلة في كل من المجالات المهنية والاجتماعية والبيئية ولهذا ينبغي للجامعات، بكرامة وفهم عميق، قبول تحديات الحاضر وجعل مستقبل بلدها اكثر قابلية للاستقرار.

 

بقلم/ الدكتور ميثاق بيات الضيفي

 

احمد عزت سليمإن سيرورة العقل تتحرك ليس فقط بالدوافع السؤالية وانما تتحرك ايضا بالدوافع الإستفهامية التى تحاول الفهم لما يقابل العقل من كل الأمور ووصولا إلى إختراق أسوار المعطيات من أجل الوصول إلى نور المعرفة وإدراك الأشياء بحقائقها وليصبح العقل هو "الأنا المفكرة" وكما عرفه ابن سينا، والعقل أداة للتنوير ولا محدودية لسلطة العقل وإلا توقف الإنسان فى الكهوف منذ سيدنا آدم عليه السلام، وهذا ما قرره الفيلسوف العالم جابر بن حيان مقررا لا محدودية العقل بمقولته:ــ " العلم نور وكل علم عقل، إذن كل عقل نور وكل واحدة منها تصلح لأن تكون مقدمة ووسطا ونتيجة "، وقال التفتازاني من علم الكلام: ــ العقل: ـــ ما يُعقل به حقائق الأشياء، قيل: محله الرأس، وقيل: محله القلب، وقال ابن تيمية فى الفتاوى:ــ العقل مصدر عقل يعقل عقلاً، ويسمى به العلم الذي يعمل به، والعمل بالعلم . وقد يراد بالعقل نفس الغريزة التي في الإنسان التي بها يعلم ويميز ويقصد المنافع دون المضار، وقد رود العقل بصيغة الفعل في القرآن:ــ يعقلون، تعقلون، عقلوه، نعقل، يعقلها.، وبما يدل على أن القرآن يحث الناس على استخدام عقولهم، بشكل متواصل و يعتبر القرآن العقل نشاطاً ينقل الإنسان بطريقة إبداعية إلى الطريق الصحيح .

وفى هذا الإطار يمكن تناول المجادلة المثارة بقوة بين فضيلة شيخ الأزهر الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب والأستاذ الدكتور محمد عثمان الخشت رئيس جامعة القاهرة، فى إطار ضرورة منهجية موضوعية بإعمال العقل فى كل حياتنا وما أحوج أوطاننا العربية إلى إعمال العقل والتوقف عن فرضية السمع والطاعة والتى أدت إلى طغيان الأنظمة السياسية وتحكمها فى أوطاننا فلا سمع وطاعة إلا للقرآن الكريم والرسول صلى الله عليه وسلم، وما دونهما فهو قابل لإعمال العقل .

فالعقل أساس الدين ومنبع العلم ومطلعه ولم يتقدم علم وازدهر فن إلا على أساس العقل وهل يعرف إنسان ما أمر الله به وما نهى عنه إلا بالعقل ؟ قال الله عز وجل:ــ " ولا تقف ما ليس لك من علم أو إن السمع والبصر والفؤاد، كل أولئك كان عنه مسؤولا "وفي هذه الآية القرآنية الجامعة أصول رئيسية في النظر العلمي، فلقد أمر الله عز وجل بالمشاهدة الصحيحة والبصيرة والتفكير الصحيح، وأن على الإنسان أن يتمسك بما يصل إليه من حق أو حقيقة عن هذين الطريقين، المشاهدة والتفكير وكأساليب عقلية للوصول للحقيقة .

وروى لقمان بن أبي عامر عن أبي الدرداء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ــ " يا عويمر ازدد عقلاً تزدد من ربك قرباً، قلت: بأبي أنت وأمي ومن لي بالعقل؟ قال اجتنب محارم الله وأد فرائض الله تكن عاقلاً، ثم تنفل بصالحات الأعمال تزدد بالدنيا عقلا وتزدد مع من ربك قرباً وبه عزاً. . " ونظر الرسول صلى الله عليه وسلم إلى العقل نظرة كلها تعظيم وإجلال، فقد رأى فيه أصل الدين وأساسه، وأن لا دين لمن لا عقل له قال عليه الصلاة والسلام حين سأله على عن سنته، وأمر بالتواصي بالعقل والرجوع إليه ففيه النجاة وفيه الآمان، قال عليه الصلاة والسلام:ــ "اعقلوا عن ربكم وتواصوا بالعقل تعرفوا ما أمرتم به وما نهيتم عنه، واعلموا أنه ينجدكم عنده ربكم " وبين أن الله يأخذ بالعقل ويعطي بالعقل ويثيب به ويعاقب على أساسه، وما تم دين أحد بالا بالعقل، وما عبد الله بشيء أحب إليه من العقل وبمثل العقل.

وفى خلال سنوات العمر الطويلة لم أسمع فى "خطب يوم الجمعة" من يتحدث عن البصيرة والتفكر والعقل ولدرجة أننى كنت اقول ذلك لبعض الأئمة لماذا لا تعلمون الناس البصيرة والعقل فى القرآن الكريم فلا يردون والبعض يقول إن موضوع الخطبة من الأوقاف ونحن نلتزم به، حتى جاء يوم ذات مرة واحدة منذ عدة سنوات وقف الخطيب على المنبر ليقول فى بداية خطبته الحمد لله إن الأوقاف فكرتنا نتكلم عن العقل فى القرآن الكريم .. ومن منطلق أن العقل ينتج المعرفة والمعرفة تعيد إنتاج العقل، فقد نتفق مع بعض ما أعلنه رئيس جامعة القاهرة ومن هذا:ــ بأنّه لا يمكن تكوين عقل ديني جديد دون تغيير طرق التفكير وتجديد علم أصول الدين، موضحا أن من أهم الشروط لتكوين عقل ديني جديد، إصلاح طريقة التفكير، وفتح العقول المغلقة وتغيير طريقة المتعصبين في التفكير، والعمل على تغيير رؤية العالم وتجديد فهم العقائد في الأديان .

وقد أفاض القرآن الكريم فى ضرورة إعمال العقل والذى شكل نعمة هبة ربانية منحها الله عز وجل للإنسان عن باقى المخلوقات ورأى الأستاذ عباس العقاد أن هذه الهبة التى أشاد بها الله عز وجل فى القرآن الكريم هى إشادة متميزة تحث النسان على التفكير ووجوب العمل به وأن الإشارة إليه ليست عارضه ولا مقتضبة ولكنها تأتى فى كل مواضعها فى مقام التعظيم ومؤكدة جازمة باللفظ والدلالة للعمل به وتحكيم المؤمن لعقله .

ويؤسس القرآن الكريم الدعوة الأساسية لإعمال العقل والتفكير العقلانى فى كل حياتنا فقد ورد فعل العقل في القرآن الكريم في تسعة وأربعين موضعا، ولم يرد بشكلِ مصدر مطلقا، وكل أفعال العقل تدل على عملية الإدراك والتفكير والفهم لدى الإنسان، ومن هذه الأفعال على سبيل المثال ما يلي: ـــ ورد فعل العقل بصيغة "تعقلون" في أربعٍ وعشرين موضعًا في القرآن؛ منها قوله - تعالى -:﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ البقرة: 242، وقوله - تعالى -: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ يوسف: 2، وقد وردت أيضًا كلمة "النهى" في القرآن لتدل على أصحاب العقول أيضًا فى الحياة والعمل، مرتين في القرآن ؛ وهما: ﴿وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى﴾ طه: 54، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى﴾ طه: 128، وكما ورد بالدعوة للتفكر وبصيغة " تتفكَّرون" 3 مرات منها قوله ــ تعالى -: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ البقرة: 219، وورد بصيغة "يتفكَّروا" مرتين منها قوله - تعالى -: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ الروم: 8، -وورد بصيغة "يتفكَّرون" إحدى عشرة مرة، منها قوله - تعالى -: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ الرعد: 3.

 

أحمد عزت سليم  عضو إتحاد كتاب مصر

 

حاتم حميد محسنموضوعات مثل العولمة، الديمقراطية، الهجرة هي دائما ما تثير النقاشات الساخنة، العلمية وغير العلمية. جميع تلك المواضيع لم تكن جديدة. الفيلسوف الالماني عمانوئيل كانط (1724-1804) وبطريقته الابداعية تطرّق الى جميع هذه المواضيع السياسية الهامة والى غيرها.

في العقود الاخيرة نالت كتابات كانط السياسية التقدير العالي من جانب الفلاسفة السياسيين في الدول الناطقة بالانجليزية. هذا التقدير بلغ ذروته لدى العالم جون رولس في كتابه نظرية العدالة (1971)، وكتاب قانون الناس (1993).

تطور الانسانية

في عام 1784، كتب كانط عبارته الشهيرة "من الانسانية العوجاء، لم يُصنع ابداً اي شيء مستقيم". هو مع ذلك، اعتقد ان الطبيعة غير التامة للانسانية يمكن تحسينها من خلال المؤسسات مثل الحكومة الجمهورية (في التعبير الحديث الديمقراطية)، والقوانين الدولية والمعاهدات.

اذا كان الناس حقا قادرين على التحسين الاجتماعي والسياسي، عندئذ فان كانط يعتقد ان المحرك السايكولوجي لذلك التحسّن سيكون ما يسميه "التواصل الّااجتماعي" unsocial sociability". هو يرى ان الانسان يواجه توتراً اساسيا بين رغبته في ان يعيش ضمن جماعة من ناس آخرين ورغبته القوية ليُترك وحيداً. هذا التوتر يقود من بين اشياء اخرى الى تنافس حاد بين الافراد على الرقي والاشياء المادية . غير ان هذا الصراع الاساسي والعنيف احيانا يقود ايضا الى الكشف عن غايات الانسان واهدافة (التيلوس). هدف الانسانية، طبقا لكانط، لايمكن بلوغه لدى شخص واحد وانما فقط لدى البشرية ككل. وهكذا فانه من خلال صراع التواصل الّااجتماعي فان انسانية الكائن البشري تتطور بمرور الزمن. (هذه الفكرة تكررت بوضوح في النظريات السياسية لهيجل اولا ثم كارل ماركس لاحقا).

كيف ينظر كانط للهدف النهائي للبشرية؟ انه انجاز العقل او المعقولية، اولاً ضمن الفرد نفسه ثم مع الافراد الآخرين في جماعة منظّمة عقلانيا او دولة، واخيرا بين مختلف الجماعات او الدول. الآن بالنسبة لكانط، الفرد الناضج هو منْ لا يجعل عقله مأموراً من سلطات خارج ذاته، سواء كانت عقائد دينية او عادات او سلطات سياسية. بدلا من ذلك، فان عقل الانسان يجب ان يتحرر الى حدوده القصوى، ثم يوضع لخدمة الانسان كأنسان والذي في النهاية يعني زيادة في الرفاهية العامة والخير العام لكل الانسانية. وفي الموقف النهائي، سوف تحرر الانسانية ذاتها عبر فترات تاريخية طويلة من التجربة والخطأ ومزيد من الأسى، وسوف تحقق توازن الحكمة في الشؤون الانسانية على المستويين الضيق والواسع الحجم. وفي النهاية، فان السلام العالمي والتجارة الناعمة سيسودان كحالة نهائية .

الشيء الحاسم في هذه المحصلة هو بناء الانسانية للدول الجماهيرية (الديمقراطية) والتي هي قادرة على تنظيم نفسها مجتمعة على اساس عالمي، مفضلة ان تقودها "قوة رائدة"كبيرة. هذا يأتي كنتيجة للتطور العقلاني للانسانية. الدول ذات البناء العقلاني والتي تخدم الاهداف العقلانية للأغلبية (بما في ذلك الحياة، الحرية، والسعي نحو الملكية) لاترى اي فائدة غريزية او عقلانية لتحطيم هذه الاهداف الخيرة المشتركة التي تسعى لها دول اخرى منظّمة عقلانيا بنفس المقدار. المنطق هنا واضح: الناس لايرغبون وبمعرفتهم تحطيم انفسهم، وبهذا سيلجأون ان أمكن الى التحكيم او عمل المعاهدات والطرق السلمية الاخرى لحل الصراعات اذا كانوا قادرين على بناء هياكل وطنية او عالمية تسمح لهم بالقيام بهذا.

وكما لوحظ مراراً خاصة من جانب ستيفن بنكر في (التنوير الآن، 2018) ان كانط كان اول منْ طرح فكرة ان الديمقراطيات لاتقاتل بعضها. وهي الفكرة التي دفعت توماس فريدمن ليعرض فرضيته المعروفة بـ "Golden Arches":والتي تعني ان بلدين فيهما فرعان لمطعم مكدولاند سوف لن يذهبا للحرب. مع ذلك فان فرضية "التجارة الناعمة"تجلب معها تلطيف للعلاقات الدولية وان الالتزام بالمصالح السياسية كان الفكرة المشتركة حتى في القرن السابع عشر (انظر مثلا كتاب Jacques Savary، التاجر التام، 1675). غير ان هذه الفكرة جرى تحدّيها من جانب المعلقين الذين اشاروا الى ان المستوى العالي للتجارة في اواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين لم يمنعا حدوث كوارث الحرب العالمية الاولى.

من الواضح ان كانط حدد نوعا من العولمة ضمن التوتر السايكولوجي للانسان نفسه. الانسان يصارع ليشبع ذاته الداخلية التي لا تميل للارتباط مع آخرين ولكنه مع ذلك يدرك انه بدون الآخرين لا يمكنه تماما اشباع هدفه او تحقيق السب النهائي له في الوجود. مهمته هي ان يجد طرقا عقلانية لتنظيم التعاون مع الآخرين على المستويين المحلي والعالمي . ان العامل الاساسي هو الانتشار العالمي للديمقراطية. هذا يسمح ببناء فعّال ومستقر لضمان عالمي للأمن والازدهار. وهكذا يشتق كانط الفكرة او ربما النبوءة بالسلام النهائي الدائم"perpetual peace".

الحق في الضيافة The Right To Hospitality

الافتراض المسبق للسلام الدائم ارتبط بفكرة اخرى لكانط وهي "الحق العالمي بالضيافة". هذا المفهوم العالمي يرتكز على فكرة ان الكائن البشري يمتلك على الأقل حق ضعيف ليسكن أي جزء من العالم، وبهذا، يجب ان تُقدّم له فرصة المساعدة او على الاقل عدم الأذى اثناء اقامته المؤقتة في البلدان الاخرى.

ان حق الافراد في الانتقال الى أي مكان يختارونه هو، من حيث المبدأ، نتيجة للحق العقلاني بحياة افضل، وبهذا فهو يمكن ان يُقيّد فقط من حيث المبدأ وبنفس المقدار بحق عقلاني آخر وهو الحاجة للحفاظ على الاستقرار الاقتصادي والسياسي والثقافي للبلد المرغوب. من غير المدهش، ان هناك نقاشات سياسية ساخنة حول هذين الحقين العقلانيين تبرز في بلدان قد تكون او لا تكون ديمقراطية بالكامل.

الفهم الكانتي للكوزموبليتية العالمية والحق العالمي في الضيافة اجتمعا في رؤيته لإنتشار الديمقراطية وبناء "عصبة الامم". كلما ازداد انتشار الافكار الديمقراطية والعالمية والحقوق حول العالم كلما انفتحت الابواب بشكل أوسع امام المهاجرين سواء كانوا افرادا ام جماعات، والذي بدوره يقوّي العالمية وانتشار الافكار الجديدة. وهكذا. يكون كانط ربما وضع وبدون قصد الأرضية لفكرة ان الديمقراطية قد تقود الى مستويات كبيرة من التكامل العالمي المرتكز على التوسع المستمر للعالمية cosmopolitanism والحقوق المتصلة بالضيافة. لو اصبح كل مكان في الارض منظّما تنظيماعقلانيا كمكان ديمقراطي، ما الذي يمنع الفرد العقلاني من ان يضع نفسه ضمن المكان المختار؟او هل ان مستقبل الحركة العالمية للناس هو شيء آخر؟ مثلا، من المتخيل، انه اذا اصبح العالم متجانسا سياسيا واقتصاديا (كما تنبأ فوكاياما بذلك)، فان ذلك سيقلّل الحافز لدى الناس في التدفق نحو الحدود. لماذا يحتاج الفرد للهجرة اذا كان النظام السياسي والاقتصادي لبلده هو مشابه بدرجة ما لكل بلد آخر؟لذا، من خلال عملية الدمقرطة الكبيرة فان العالم سيصل مرحلة من التطور السياسي تقل معها الحاجة للهجرة الاقتصادية والسياسية. هذا بالنهاية سيترك فقط الاسباب غير الملحّة لمغادرة المرء بلده الأصلي، كأن تكون فقط الاسباب الجمالية كتفضيل مشهد معين او ثقافة معينة على سبيل المثال.

نحو تقارب اكبر من خلال الديمقراطية

قد يقول قائل ان انتشار الدمقرطة يغذي العولمة. ولذلك من غير المدهش ان الخوف من العولمة يعبّر عن نفسه في الحركات السياسية غير الليبرالية والمضادة للديمقراطية. ولكن يجب ملاحظة ان هذا سيكون رد فعل سياسي مؤقت يستمر فقط عندما تنتشر عملية الدمقرطة الى اماكن ذات حاجة اكبر مثل الصحراء الافريقية.

يمكننا القول ان الديمقراطيات الغربية هي في هذه اللحظة تبين نفسها منسجمة مع الانثربولوجيا الكانطية، هي ترغب ان تبقى وحيدة في عالم يريد الالتحاق بها. نحن نستطيع رؤية ان، العولمة هي ايضا الانجاز الاكبر للمبدأ الكانطي في توسيع امكانات الهجرة الفردية. العالم الأقرب يعني انني استطيع ان اكون اقرب لك، ليس كغريب غامض وانما كصديق اثني محتمل وربما محب. العولمة تعني ان امكانية الالفة مع الآخر تزداد دراماتيكيا. هذه الحقيقة تجعل الكثير من الناس غير مرتاحين. ان قوى رد الفعل لايمكنها بالنهاية الفوز ما لم ترغب برفض عملية الدمقرطة، طالما العولمة هي نتيجة لتلك العملية. بدون دمقرطة، سوف لم يعد هناك وجود للعولمة او انها ستصبح غير مستقرة وبدرجة من الخطورة مثلما كانت في القرن التاسع عشر عندما ساد الفهم الخاطئ للتجارة باعتبارها كافية للسلام العالمي. وكما ذكر نورمان انجل مرة، ان ذلك كان حقا "الوهم الكبير".

في الخلاصة يمكن القول ان الدمقرطة وليس انتشار "التجارة الناعمة" هي منْ يوفر مستقبل آمن للعولمة السلمية الى جانب التسوية العامة لحركة الناس مع حقوق عالمية اكبر، و انحلال تدريجي ضروري للاسباب التي تدفعهم للهجرة. 

 

حاتم حميد محسن

 

 

التاريخ ليس ظاهرةً عقلية مُجرَّدة، أو إحساسًا مؤقتًا بالمراحل الزمنية. إن التاريخَ شرعيةُ الوجود الإنساني، وماهيةُ المحتوى الاجتماعي التراكمي، الذي يحتضن أحلامَ الفرد وطُموحَ الجماعة. وكما أنَّه لا يُمكن تصوُّر شجرة بدون جُذور، كذلك لا يُمكن تصوُّر إنسان بدون تاريخ. والإشكاليةُ في بُنية العلاقات الاجتماعية تتجلَّى في اعتبار التاريخ زمنًا سابقًا وتراثًا ماضيًا، لذلك يرتبط التاريخُ في أذهان الناس بالعَودة إلى الماضي، والرُّجوع إلى الوراء، وهذا فَهْم مَغلوط وقاصر، لأن التاريخ شرعية مُتجدِّدة، وماهية مستمرة، وزمن مُتواصل، وكتاب مَفتوح، وكُل إنسان يَترك بصمته الشخصية في هذا الكتاب، وكُل حضارة تَكتب تفاصيل وجودها فيه. وهذا يعني أن صناعة التاريخ تمتاز بالدَّيمومة غَير المحدودة بالأُطُر الزمنية. وفي حقيقة الأمر، نحن نَتقدَّم إلى التاريخ، ولا نعود إلى التاريخ، لأن التاريخ مَعَنا وفِينا، بكل إيجابياته وسلبياته. والعَودةُ إلى الشَّيء تعني غيابه عن المشهد الراهن، ومُحاولة استرجاعه من ذاكرة الماضي السحيق، ونقله من الماضي إلى الحاضر. في حِين أن التاريخ حاضر في قلب الأحداث اليومية، وليس غائبًا حتى يتم استرجاعه، ولا يُوجد وراء ظُهورنا كي نُحاول إحضاره أمام أعيننا. إن التاريخ كائن حَي نتعامل معه، ويتعامل معنا، في كُل وقت وحِين. وهو كتاب مفتوح على الماضي والحاضر والمُستقبل معًا، ضمن عملية صَهر المراحل في بَوتقة الوُجود الإنساني. والإنسانُ يعيش في قلب التاريخ. وهذا يعني أن التاريخ ليس غائبًا تُنْتَظَر عَودته، ولَيس تُراثًا ضائعًا في متاهة الماضي حتَّى يُسْتَرْجَع، ويُنْفَض عنه الغُبار، ولَيس فِعلًا ماضيًا حتى يُسْعَى إلى تحويله إلى فِعل مُضارع.

2

الشجرةُ الباسقة لا تَعتبر جُذورَها مُجرَّد مرحلة زمنية أتت وانقضت، وتَمَّ تجاوزها. وتاريخُ الشجرة كيان واحد مُتماسك، يتمتَّع بالاستمرارية المعنوية والمادية، ويمتاز بدَيمومة الحياة، ولا يُمكن فصل الجذور عن الأغصان، ولا يُوجد صراع حول شرعية الوجود بين الجذور والأغصان، ولا أحد يَطرح سؤال : مَن الأكثر أهمية الجذور أَم الأغصان ؟، لأن منظومة (الأصل السابق / الفَرْع اللاحق) تتحرَّك في قلب الحياة بشكل مُتوازن ومُنَّسق وفعَّال لإنتاج الثمر. ووُجود الثمر يعني أن أجزاء الشجرة جميعها تعمل برُوح الفريق الواحد، دُون صراع، ولا صِدام، وأن جميع الوسائل والجهود مُتضافرة ومُرتبطة معًا، من أجل الوصول إلى النتيجة المَرْضِيَّة. والعناصر تعرف وظيفتها بدِقَّة ضِمن الكيان الواحد، وهي مَشغولة بالعمل وإنتاج الثمر. والعملُ والجدلُ ضِدَّان لا يَجتمعان، ونقيضان لا يَلتقيان. إذا حَضَرَ أحدهما غابَ الآخَر. وهذا يُشير إلى أن دوران عجلة الإنتاج هو الحَل السِّحري لسد الثغرات، وإزالة الخصومات، وإنهاء النزاعات، لأن الجهود عندئذ تكون مُوحَّدة ومُركَّزة ومُوجَّهة نَحْو التقدُّم والإنتاج والازدهار. وإذا كان فريقُ العمل يَسعى إلى هدف مشترك، وغاية واحدة، ستزول جميعُ الخلافات بين أفراده. أمَّا إذا زالَ الهدف المُشترك، واختفت الغاية الواحدة، وتوقَّفت عجلة الإنتاج، فعندئذ ستظهر الصراعات بين أفراد فريق العمل، ويُسيطر عليهم التناحر والنِّزاع، ويغرقون في الفُرقة والصِّدام.

3

كُل شجرة موجودة في هذه الحياة تَحمِل شرعيتها الذاتية (الجذور)، وهُويتها الخاصة (الأغصان)، ومَظهرها الجَذَّاب (الثِّمار). وهذا يَجعل شخصيةَ الشجرة مُتماسكة، بلا انفصام، ولا تشتُّت. ويَجعل كيانَها راسخًا بلا صراع بين الماضي والحاضر. وكُل إنسان على قَيد الحياة، لا يتحرَّك في هذا الوجود وحيدًا، وإنَّما يتحرَّك حاملًا آباءه في شخصيته الاعتبارية وطبيعة تَكوينه المعنوي والمادي. والإنسانُ جُزء مِن سُلالة مُستمرة ومُتواصلة، لذلك يعيش الماضي والحاضرَ والمُستقبلَ معًا. والأبُ ليس مجموعة جينات وراثية عفا عليها الزمن، وذهبت إلى النسيان. إنَّ الأب وجود وشرعية وشخصية ومعنى وفِكْر. وكذلك التاريخ.

4

التاريخُ لَيس كَومةً مِن الأفعال الماضية التي ضاعت في إحدى زوايا ذاكرة التراث. إن التاريخ فِعل مُتجدِّد، يُولَد باستمرار، ويَتكاثر بلا توقُّف، وهو مرتبط بأدق التفاصيل الإنسانية اليومية المُعاشة، ومغروس في الوَعْي (العقل في حالة الإدراك) واللاوَعْي (الشعور الباطن الذي يَنشأ دُون إدراك). وتاريخُ الإنسان مِثل جِلْده، لا يَستطيع أن يُغيِّره حتى لو أرادَ ذلك. وكُل مُحاولة لمُحارَبة التاريخ ستبوء بالفشل، والواجب على الإنسان أن يُساهم في صناعة التاريخ، وتَرْك بصمته الشخصية، وغَرْس وُجهة نظره، وتكريس رؤيته الشخصية النابعة من تجاربه الشعورية والواقعية. وصناعةُ التاريخ معركة حقيقية يَخوضها الإنسانُ ضِد أحزانه وإخفاقاته ونِقاط ضَعْفه، من أجل الوصول إلى حالة التوازن الروحي، والسلام مع ذاته والآخرين، والمُصالحة مع عناصر الطبيعة. وما دام الإنسان في قلب المعركة (صناعة التاريخ)، فهو يعيش أجواء المعركة بروحه وعقله وجسده، وعليه أن يكون صَوْتًا لنفْسه لا صدى لأصوات الآخرين. والحياةُ قصيرة، وهذا يعني ضرورة أن يَترك الإنسانُ بَصمته الشخصية، ويَعيش حياته الذاتية، ويَكون نَفْسَه، ولا يتقمَّص شخصيات الآخرين، ولا يَعيش حياتهم.

 

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

 

 

عصمت نصار(إنها حقيقة صادمة) بتلك العبارة عقّب الحضور على كلمتي التي ألقيتها في مكتبة الإسكندرية في ندوة بعنوان "الإسلام والجمال" التي نظمها مركز "دراسات الحضارة الإسلامية" تلك التي جاء فيها :

إن أوهام الفهم التي تُصيب الذهن من جرّاء المفاهيم المشوشة والدلالات الملتبسة والمعاني المُطمسة، تحول بينه وبين النفوذ الى حقيقة المفاهيم، شأنها شأن الأصنام التي يعبدها البعض ويزود عنها بالسيف ويروّج لها بالأقاصيص الملفقة، ويجحدها البعض الآخر، ويعبر عن كرهه لها بالإقصاء تارة، والنفور منها تارة أخرى.

ولم يحاول أولئك وهؤلاء التعرُّف على حقيقة ذلك الوهم أو الصنم للحكم عليه أو تحليل مضمونه، وما أكثر الأوهام، الأصنام، التي نُسبت للإسلام في حياتنا المعاصرة وشريعته، فضلّ بها الكثيرون.

ولعلّ مصطلح  "السياسة الشرعية" أكثر تلك المصطلحات التي ذاعت منذ أخريات القرن التاسع عشر في حياتنا السياسية، وصاحبها العديد من الشعارات العقدية مثل (تطبيق الشريعة الإسلامية - الحاكمية الإسلامية - الإسلام هو الحل - الخلافة الإسلامية - والدولة الدينية)، وقد عُقدت حول ذلك الوهم مئات المناظرات وظهرت عشرات الفرق الإرهابية باسم الجهاد ضد المجتمع العلماني الكافر المناوئ لشريعة الله، ولعلّ آخر تلك الجماعات الضالة هى "داعش" التي رفعت راية الخلافة وادّعت أن دستورها هو السياسة الشرعية.

لذلك كله سوف نحاول في عجالة الكشف عن الحقيقة، وإزالة ذلك الوهم وذاك الصنم.

فقد اتفقت جُل الكتابات التي عبّرت عن السياسة الشرعية على أنها " اجتهادات الحاكم في أمور تدبير الدولة على نحوٍ يُمكّنه من إقامة العدل واستتباب الأمن لتحقيق المقاصد الشرعية، وهي الحفاظ على الدين والعقل والنفس والمال والعِرض، ثم الكرامة والحرية والبيئة، ودرء المفاسد وجلب المصالح العامة شريطة الالتزام بقطعي الثبوت والدلالة من الأوامر والنواهي الشرعية، والاستعانة بأهل الدربة والدراية في تدبير شئون الدولة عن طريق مبدأ الشورى والعقد السياسي الذي حَدّد حق الحاكم على الرعية بالطاعة، وحق الأمة عليه  في تنصيبه  ومعارضته وعزله، اذا ما أخلّ بمهامه الرئيسة، ودون ذلك له عليها حق الطاعة والنصرة".

وتبدو مواطن الالتباس والغموض والتشويش في الاجتزاء من ذلك التعريف أو تلخيصه في أحد المعاني الإجرائية السياقية لأحد الفقهاء أو المتكلمين، أو تلبيسه بما ليس فيه، وإدخال عليه ما يُناقض مضمونه، وسوف نتناول ذلك بشيء من الإيضاح:

ادّعاء جماعة الإخوان أو السلفيين أو الجهاديين أو القاعدة أو داعش بأن المقصود بالسياسة الشرعية هو تطبيق الحدود فهو خاطئ، وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم، فصَل بين أمور السياسة وظاهر النص القرآني انتصاراً للغاية الأسمى وهي تحقيق المقاصد الشرعية، فلم يقتل المنافقين، ولم يهدم الكعبة ويعيد بنائها، ولم يأمر بالتنكيل بتاركي الصلاة حتى لا يُتهم النبي في صدر دعوته بأنه غادر بتقتيل أصحابه، أضف الى ذلك أن جُل تدبيراته السياسية كانت بشرية، وقد وضعها  صحابته مناهل الدربة والدراية.

كما عطّل عمر بن الخطاب تطبيق الحدود في عام الرمادة سنة 19هـ، وضاعف عقوبة شارب الخمر إلى (80) جلدة، وحرق عثمان بن عفّان المصاحف المخالفة للقراءة الصحيحة، ونكّل عليّ بن أبي طالب بالسبأيين والمجترئين حرقاً، وكل ذلك يُدرج في باب التعزير ومقتضيات السياسة الدنيوية، أضف الى ذلك أن اقامة الحدود لها ضوابط حاكمة لا تتوفر في زماننا، وأن المجتمعات الإسلامية قد لجأت الى التعازير في تدبير شئون الدولة؛ لأن الحدود لا تُطبق بالشبهات ولا القرائن.

ثم ننتقل الى ادّعائهم الثاني وهو أن الخلافة نظام ديني، وأن  الشورى سبيلهم الى إقامتها، وأن السيف هو سلاحهم لحمايتها، والحقيقة غير ذلك تماماً، فالخلافة أو الإمامة أو المُلك أو الرئاسة كلها من الأمور المدنية عند جُل الفقهاء والمتكلمين فيما عدا الشيعة الإمامية  والاسماعيلية، لا دخل للسماء في تنصيب الحاكم أو عزله، ومَرَدّ ذلك إلى أن الأمة هى مصدر السلطات في السياسة الشرعية. فنظرية الحق الإلهي وتأليه الحكام من النِحل الفرعونية والهندوسية والفارسية والحكومات الثيوقراطية، وهى بعيدة كل الُبعد عن الشريعة المحمديّة.

ولعلّ كتابات - أبي حامد الغزالي والمودودي وابن الأزرق والثعالبي وابن تيمية - هى التي عظّمت من شأن الخليفة أو السّلطان وجعلته ظل الله على الأرض أي السبب في ذلك الوهم : فالخليفة أو الأمير قد نُصّب في الحضارة الإسلامية بثلاث طرق: "الشورى - وراثة المُلك - القوة والشوكة أو الغلبة"، ويعني ذلك أن ما قيل عن شرعية تنصيب "محمد مرسي" محض كذب، فلم يُنتخب من أهل الحلّ والعقد بل انتخبه العوام، وأنّ الشروط المتفق عليها بين كُتاب السياسة الشرعية غير متوفرة فيه "القرشية - الشوكة - العدل - العلم - الورع - الصدق - الدُّربة والدراية -الأمانة - والانصياع لمشورة أهل الحل والعقد ونُصحهم".

وانّ وصف ثورة 30 يونيو بأنها انقلاب على الشرعية، جهل بحقيقة السياسة الشرعية، وذلك لأن جُل الفقهاء وعلى رأسهم ابن تيمية جعل صاحب الشوكة أو القائد المتغلب "الجيش" الذي انتزع المُلك بالقوة حاكم إسلامي كامل الأهلية، ويجب على الأمة طاعته ونصرته والانصياع الى أوامره، وذلك لتحقيق أهم مقصدين وهما : الحفاظ على كيان الأمة ودينها من الفرقة والتشتت والفوضى، وعدم سفك الدماء.

كما أنّ زعم الجماعات الإرهابية بأن ما يقومون به من - اغتيالات وقتل للأبرياء جهادٌ - محض افتراء وضلال فقد حرّم الله الغدر، وأن منطق الاغتيالات لم يقّرّه الجمهور بل هو إحدى حيل فرقة الحشاشين والخوارج والقرامطة، كما أنّ ادعائهم بأن العمل بالقوانين الوضعية كفر وشرك، جهل وضلال من أقوامٍ وُصفوا بالرويبضة، وذلك لأن معظم تدابير السياسة الشرعية منذ تولية الخلفاء الراشدين حتى نهاية الخلافة العثمانية، قد سُيست بالتعازير في العقوبات والاجتهاد في استحداث النظم، وبالقياس العقلي الذي يُراعي الواقع المعيش في التدبير.

فالسياسة الشرعية تختلف عن الفقه وأحكام الشريعة في بنيتها المعرفيّة، والأصول التي انطلقت منها، لذا فهى مدنيّة في كل أمورها شريطة - كما ذكرنا - عدم مخالفة قطعي الدلالة والثبوت من القرآن الكريم وصحيح السّنة.

أمّا آراء الفقهاء وإجماع بعضهم واجتهاد نفرٍ منهم لا يُعد حجة لتكفير المجتمع وحمل السيف عليه "دار الكفر"، فمعظم تلك الآراء الجانحة التي كفّرت المجتمعات، خرجت من الخوارج وبعض المُتشدّدين من المجتهدين من أمثال ابن تيمية، والمودودي، وسيد قطب، وغيرهم من الذين خضعت اجتهاداتهم، لظروف سياسية محليّة وأوضاع اجتماعية خاصة، وهى تختلف بطبيعة الحال مع ما نتعبّد به من النصوص الشرعية، فتقديس التراث الفقهي، ليس من الشرع في شئ.

وقد اجتمع  الحنابلة ومنهم الإمام أحمد وأبو يعلى بن الفراء والأشاعرة والحنيفية والمالكية والشافعية على عدم جواز تكفير المسلمين أو الخروج عليهم بالسيف واستحلال دماءهم وأعراضهم وأموالهم، وأنّ من يفعل ذلك خارجٌ عن الملة، كما أضاف ابن تيمية أن الصبر على الحاكم القوي الفاسق الفاجر أفضل من الانقلاب عليه بالسيف حتى لا يُعّرض المسلمين للتهلكة وسفك الدماء، فشرط الخروج على الحاكم عند الجمهور هو هدم الدين أو كفر الحاكم صراحة "كفر بواح"، أو خيانة للأمانة، أو استبداده وتفشي الجور، شريطة القدرة عليه ووجود البديل الصالح. وأخيراً ادّعاء هذه الجماعات الجانحة بأنها تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، باعتبارها الفرقة الناجية المنوطة بذلك والمحتكرة للحقيقة المُطلقة، فإنّ هذا الادّعاء مردودٌ عليه أيضاً، فإنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالسيف من سلطة الحاكم، وذلك بحسب ما ورد عند الجمهور وابن تيمية، ولم يخالفه سوى الخوارج.

أمّا حق الاعتراض والنصح والرفض كل ذلك مُباح من قِبل أهل الحل والعقد، أمّا العوام الجهلاء، فلا يحق لهم حمل السيف على الحاكم، فلم يُبح ذلك سوى الحشاشين من فرقة الإسماعيلية والجهاديين في كتابات ابن تيمية والمودودي وسيد قطب، فالسياسة الشرعية تتفق تماماً مع الصوفية في أن الأمر بالمعروف لا يتحقق بالعنف ولا المنكر، والنهي عن المنكر لا يحق إلا بالمعروف والدعوة الصالحة.

أمّا وصف الحاكم المُسلم بأنه المستبد العادل فهذا لا يعني أبداً أنه ذلك المتجبر المتسلط المنفرد بالقرار، بل أن المفهوم على العكس من ذلك تماماً، فهو مستبد أي حازم وحاسم، قوي في إقامة العدل وذو بأسٍ في الزود عن الأمة ضد المعتدين والضارب على يد المجرمين والعصاة الذين يكدّرون صفو حياة الرعيّة بجرائمهم.

تلك كانت كلمتي لتوضيح مفهوم "السياسة الشرعية"، وكل ما جاء فيها يتفق مع ما ورد في كتابات المتكلمين والفقهاء الذين تصدّوا الى ذلك المصطلح، من أمثال الموردي وأبو يعلى في "الأحكام السلطانية" وابن الأزرق في «بدائع السلك في طبائع المُلك" والغزالي في "التبر المسبوك"، وابن الطقطقي في "الفخري في الآداب السلطانية"، وابن تيمية في "السياسة الشرعيّة" وابن خلدون في "المقدمة" وأبو البقاء في "الكليات".

وما قدّمته لا يعدو أن يكون قراءة لتوضيح ما أعتقد أنه الحقيقة، وحسبي في هذا السياق أن أشير الى رأي المعتزلة الذين أكدوا في كتابات مؤرخهم الأعظم القاضي عبد الجبار أن السياسة في الإسلام هى سياسة مدنيّة تحتكم الى المقاصد الشرعيّة، ودون ذلك من تسييس أمور الدولة من باب الاجتهاد الذي يتّسع للجميع أخذاً ورداً، تبعاً لدرء المفسدة وجلب المصلحة العامة وتحقيق الأمن وإقامة العدل، وذلك إتباعاً لسنة النبي في تسييسه لأمور الدولة الإسلامية، فجُل ما جاء به في هذا الباب مدنيٌّ في أصله ومضمونه "أنتم أدرى بشئون دنياكم".

والسؤال المطروح : هل يمكننا إدراك الجمال والحُسن الكائن في حقيقة السياسة الشرعية الإسلامية؟ ونمحو تلك الصورة القبيحة التي بَدَت في سلوكيات الجامحين والجانحين والمُضللّين الذين وصفوا الإسلام بما يناقض مقاصده وشرعته، فصدّوا الناس عنه واسترهبوا بعضهم ووسوسوا للبعض الآخر فضلّلوه، وهل حان الوقت أن نزيل تلك الأوهام ونحطم تلك الأصنام ونكشف ثانية عن جماليات الخطاب الإسلامي، وما فيه من حِلم ورحمة وتسامح مع الأغيار؟

 

د. عصمت نصار

 

 

"مفتاح كل العلوم.. هو علامة الاستفهام !!!"

المعرفة بالمعنى المعتاد تعني معرفة ماهية الأشياء أو الكائنات الأخرى، والمخلوقات والظواهر، وما هي خصائصها والعلاقة بينها، وتؤخذ الكلمات "الموضوع" و "الوجود" و"الظاهرة" هنا بمعنى واسع للغاية، وإذا كانت العملية التي يشارك فيها الإنسان بأهدافه وأساليب التقييم بمثابة كائن أو ظاهرة، فيتم تمييز المعرفة حول كيفية تنظيم العملية، وكيفية القيام بعمل معين أو تسلسل الإجراءات كنوع خاص من المعرفة، وهل هذه الخاصية قابلة للتطبيق على المعرفة بالمعنى المحدد لـاقتصاد المعرفة أو إدارة المعرفة، والتي تسمح بإدراج جميع الأصول غير الملموسة في فئة المعرفة؟ للإجابة على هذا السؤال، حاول استبدال كلمة "المعرفة" بعبارة "الأصول غير الملموسة" ستكون النتيجة صياغة تحتاج إلى توضيح وتصحيح مما يمكن قراءة شيء ما على أنه استعارة سوقية، وعبارة "الأصول غير الملموسة كعامل نجاح" كما هو مطبق في مجالات النشاط التي تتجاوز السوق أو خارج هذا المجال تمامًا. وإن فهم مجتمع المعرفة ينطوي على اقتصاد المعرفة، لكنه لا ينزل إليه، فهو في حقيقته مجتمعا يتطور تلقائيا وديناميكيًا، ويتم تحديد نوعيته عبر الإدراك الواسع لدور المعرفة كشرط للنجاح في أي مجال من مجالات النشاط، ولوجود حاجة مستمرة إلى معرفة جديدة ضرورية لحل المشكلات الجديدة والحاجة الدائمة لإنشاء أنواع جديدة من المنتجات والخدمات، شرط توفير الأداء الفعال لنظم إنتاجه ونقله مع التزويد المستمر والمحفز للطلب عليه والتفاعل الحقيقي داخل المنظمات والمجتمع ككل، لذلك يهتم اقتصاد المعرفة كتوجه جديد في العلوم الاقتصادية أيضًا بالبيانات المتعلقة تقليديًا بالعلوم لكنه يجدر بنا ان ندرك انه لا توجد حاجة إلى ان تكون لنا معرفة جديدة فقط في الاقتصاد، وانما يجدر توفرها في جميع مجالات النشاط البشري ولذلك نلمس انه يتم إنتاج ونقل المعرفة ليس فقط في سياقات السوق، ولكن أيضًا خارجها فعمليات تسويق العلم والثقافة والتعليم هي حقيقة واقعة، ومع ذلك فإن تلك العمليات تؤثر فقط على جوانب وشظايا معينة، ولذلك نجد انه يستلزم ان تصبح نسبة كبيرة من منتجات المعلومات التي يتم إنتاجها في مجتمع المعرفة ملكًا عامًا، والمكافآت لمبدعيها ليست على أساس تجاري، أو يمكن أن تكون رمزية، أو حتى لا يكون لها تعبير نقدي، غير اننا نعترف إن استخدام مفاهيم العرض والطلب لفهم الوضع في مثل هذه المجالات ينبغي الاعتراف به على أنه مفيد بشرط ان يكون ذلك فقط لأنه يضمن عدم تجاوز حقوق إطار الشخصيات الإبداعية، لكننا هنا لن ننكر ان الحاجة إلى التعليم وإعادة التدريب والتعليم الإضافي و "التعليم مدى الحياة" أحد الاحتياجات الإنسانية الأساسية في مجتمع المعرفة، وهنا نؤكد على حقوق اساسية في انه ولتلبية مثل هذه الحاجة الأساسية في السوق تستوجب ان تحمل الدولة والمؤسسات العامة الجزء الأكبر من تكلفة التعليم وتوفيرها وتوفير مستلزماته مجانا وللجميع.

تجدر الإشارة إلى أن تعبيرات "مجتمع المعرفة" قد ظهرت في الآونة الأخيرة نسبيًا ويستخدمها بشكل متزايد علماء الاجتماع والاقتصاديون ومنظري الإدارة لفهم العمليات التي تحدث في الحياة الاقتصادية والسياسية، وفي مجال المعلومات، وفي هياكل التعليم والعلوم، وفي العلاقات داخل المنظمات وبين المنظمات لدرجة ان المعرفة اليوم أصبحت موضوعًا لمصالح اقتصادية وسياسية وثقافية هائلة لدرجة أنها يمكن أن تعمل على تحديد الحالة الجيدة لمجتمع بدأت خطوطه العريضة في الظهور أمامنا، مما جعلته يكتسب ميزات المثالية الاجتماعية الجديدة التي تحدد اتجاه استراتيجيات وبرامج الهياكل الوطنية والإقليمية والدولية. وقد أصبحت فكرة مجتمع المعرفة كمجتمع للمستقبل موضع اهتمام عام واسع لكنه علينا ان نعرف ماهية وكيف يختلف مجتمع المعرفة عن مجتمع المعلومات؟ وكيفية اختلافه عن مجتمع ما بعد الصناعة؟ ومن الواضح أن إجابات هذه الأسئلة تعتمد على المعنى المضمن في المفاهيم يقال أحيانًا أن فكما يوحي الاسم فأن مجتمع ما بعد الصناعة يحل محل المجتمع الصناعي، وبتطوره يصبح مجتمع ما بعد الصناعة إعلاميًا أي أن مجتمع المعلومات هو مرحلة في تطوير مجتمع ما بعد الصناعة، ويتبع مجتمع المعلومات مجتمع المعرفة، ولذلك قد تتشابك العمليات الاجتماعية والتكنولوجية والاقتصادية التي يتم فهمها بمساعدتها بشكل وثيق، ومنها نجد ان مجتمع المعلومات في إطار المفاهيم الأساسية يعد ذو مستوى عال من تطور تكنولوجيا الكمبيوتر وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات، ولاحتوائه بنية تحتية قوية للمعلومات، وهذه الميزة المهمة لمجتمع المعلومات تتمثل في زيادة الوصول إلى المعلومات لمجموعة متزايدة من الناس فتنطلق جميع المفاهيم والبرامج تقريبًا لتطوير مجتمع المعلومات من حقيقة أن المعلومات والمعرفة في عصر المعلومات أصبحت مورداً استراتيجياً للمجتمع. وهنا قد نجد من يقول ان الاصح ان لا نقول اسم "مجتمع المعلومات" هو أفضل طريقة لفهم خصائص مثل هذه الظواهر والعمليات وإن تعبير "مجتمع تكنولوجيا المعلومات" سيكون أفضل ونحن نوافقه الرأي مع انه وان تم اتخاذ القرارات دائمًا على أساس المعلومات وموثوقيتها واكتمالها من حيث المعلومات ستؤدي دورًا مهمًا، فهنا يجب أن نعترف بأن المجتمع البدائي كان إعلاميًا ايضا ومعلوماتيا غير إننا نتعامل اليوم مع طريقة ثابتة بالفعل لاستخدام الكلمة ونعتقد أن محاولات استبدال مفهوم "مجتمع المعلومات" بمفهوم "مجتمع المعلومات والتكنولوجيا" من شأنها أن تؤدي إلى التشويش بدلاً من توضيح جوهر المسألة.

من الصعب تخيل أنظمة تعمل بفعالية لإنتاج ونقل المعرفة دون وجود تكنولوجيات متطورة للمعلومات والاتصالات، وهي بنية تحتية قوية للمعلومات تمكن من الوصول إلى المعلومات والمعرفة لمجموعة واسعة من الناس، كما وان دور المعلومات كمورد استراتيجي في مجتمع المعرفة لا يمكن إنكاره، وبالنظر إلى كل هذا فأنه يمكننا القول أن مجتمع المعرفة لديه كل خصائص مجتمع المعلومات، وإن مفهوم مجتمع المعرفة لا يتطابق مع مفهوم مجتمع المعلومات، لأنه يتضمن محتوى الخصائص المتعلقة ليس فقط بتطوير تكنولوجيا المعلومات والاتصالات وانما من حيث المبدأ يحتوي أية تقنيات أخرى ومجالات تطويرية لكل نشاط، ومع انه تم النظر إلى مستوى تطوير تقنيات الكمبيوتر والاتصالات كمؤشر على التطور العلمي والتقني والصناعي لبلد ككل وحتى كمؤشر على الطبيعة الديمقراطية للمجتمع غير انه لا يمكن استبعاد أنه ولربما في المستقبل سيتم تنفيذ دور مماثل من خلال التقنيات الأخرى كما هو حاصلا الان في تقارب التكنولوجيا النانوية، والتكنولوجيا الحيوية، وكذلك في المعلومات والتقنيات المعرفية والاجتماعية الإنسانية. وهنا نبين ان مفهوم مجتمع المعرفة يتشابه تشابهًا كبيرًا مع مفهوم مجتمع ما بعد الصناعة لأنه مجتمعا قائما على المعرفة ولذا لا شك في ضرورة اعتباره مجتمعا لما بعد الصناعة، ومع ذلك فلا تؤدي المعرفة العلمية دورًا مهمًا هنا انما يجب أن يؤخذ بعين الاعتبار تفرد الأنواع الأخرى من المعرفة بما في ذلك المعرفة المتراكمة في عملية النشاط العملي، ونتائج ملاحظات الحياة، والمعرفة الفنية ومعرفة "الأعمال" التي لا تصل إلى الحالة العلمية والنظرية من أجل فهم أسباب نجاح الابتكارات في بعض الحالات، وفصل النظرية عن الممارسة في حالات أخرى، ومن ما تقدم نلمس ان مصير التكنولوجيا، حتى الأكثر تقدماً والأكثر إلحاحًا من قِبل الناس، يعتمد إلى حد كبير على ما إذا كانت العوامل النفسية والاجتماعية قد تم أخذها في الاعتبار بشكلٍ مناسب من قبل المبدعين والمروجون لها، مما يؤكد خصائص مجتمع المعرفة بوجوب فعالية أداء نظم الإنتاج واكتساب المعرفة وتطبيقها وإنتاجية تفاعلها. وختاما فأن موضوع مجتمع المعرفة هو موضوع واعد للكتابة والبحث، يمكن للباحثين فيه وعنه أن ينطلقوا من أفكار مختلفة حول ماهية مجتمع المعرفة فليس من المعقول توقع أن يتم الوصول إلى تعريف معترف به عالميا، لذلك فأن الهدف ليس تحقيق هذا التعريف، بل أن الباحثين فيه يتجاوزوا السياق المتخصص، ويكتشفوا جوانب جديدة من الموضوعات والظواهر المدروسة والغير مدروسة، والعودة بالمدروسة إلى سياقها المعتاد، وتغييره، وصياغة أسئلة جديدة ومهام بحثية ومعرفية متطورة.

 

بقلم/ الدكتور ميثاق بيات الضيفي

 

نيرمين ماجد البورنوتعد الحرية من أهم حوائج الإنسان على الإطلاق، والحرية حق مكفول في كل دستور بالعالم، ولكن يوجد نوع آخر من السجن غير الزنزانة التي يكون عليها شرطي كحارس وهو سجن الذات، فأحيانا السحن الداخلي يكون موجع ومؤلم لصاحبة مثل الغربة الداخلية التي يشعر فيها الشخص انه غريب عن وطنه ومعارفة لأنه مرغم على البقاء فيه فقضبانه صنعت من أصفاده وأفكاره العقيمة البالية وهو بنفسه كل بها نفسه وظلم بها روحه وعقله، فالسجن الحقيقي اذن سجن النفوس والعقول قبل أن تكون سجن الأجسام والأرواح فان كان كل سجين وراء القضبان محبوس فليس كل من خارج أسوار السجن أحرار.

فما السجن إذن الا نتائج أفكار لإنسان موهوم مذلول مكتوف الايدي يرضي بالقليل بل الفتات ولا يقنع الا بما يملأ فمه وبطنه لكن دون ذلك لا يبالي، ولا يتقدم خطوة يرضي ان يعيش في غبراء الناس حتي يسلم من الأذى، فيعيش مهزوم النفس ضعيف القلب في سجن حرمة الأيام والأحلام معا، ولقد صدق الرافعي عندما قال "أشد سجون الحياة فكرة خائبة يسجن الحي فيها، لا هو مستطيع أن يدعها، ولا هو قادر أن يحققها؛ فهذا يمتد شقاؤه ما يمتد ولا يزال كأنه على أوله لا يتقدم إلى نهاية؛ ويتألم ما يتألم ولا تزال تشعره الحياة أن كل ما فات من العذاب إنما هو بَدْء العذاب.

كثير من الناس يعيشون وهم يختزلون ذكرياتهم بمرها وحلوها وكأنها شريط يمررونه كل يوم، وهناك أناس وقفت حياتها عند طلوع الشمس وغروبها يعدون الايام يوم بيوم على جدران قاتمة يأكلون ويشربون دون أي احساس بحياة طبيعية حتى لو كانت حياة قاسية، وهناك أناس وجدت طريقها وتوازنت في حياتها النفسية ما بين الروح والجسد وعلما أن اسرار السعادة في الحياة ونعمت وانسجمت في الظاهر والباطن كوحدة متناسقة متناغمة، وهناك بشر روحها مسجونه داخل جسد ضيق لا يناسبها ونفسها تتأرجح مع تقلبات الأيام لا تدري ماذا تريد وما هو هدفها والي ماذا تصبو وتحلم،  وأرواح بآسه وانهك جسدها من الدنيا فقررت التخلص من الحياة فاكتأبت وانتحرت.

ان السعادة في معناها هي حالة الصلح بين الظاهر والباطن بين الإنسان ونفسه والآخرين وبين الإنسان وبين الله،  فينسكب كل من ظاهره وباطنه في الآخر كأنهما وحدة متناغمة، ويصبح الفرد منا وكأنه الكل، وكأنما كل الطيور تغني له وتتكلم لغته، أما بالنسبة للناس التي تعتبر ان السعادة في الدنيا هي عبارة عن صور ومشاهد يتداولونها عبر  وسائل التواصل الاجتماعي عن شلة الأنس وأفواه تتنفس الحشيش والمخدرات والمسكرات فهم خاطئين فهم يعيشون بحالة شقاء وكدر وحزن وقهر، وأناس تعتقد ان السعادة تكمن في التسلق على أكتاف البعض جريا وراء المصالح والمناصب وتكديس الأموال فنجدهم يلتمسون السلطة والقوة بكل السبل وأرخصها سعيا لتحقيق المصلحة الشخصية، وقد تبدأ بالفكر المضطرب وتنتهي بالسلوك المنحرف اي انها تجمع الفكر والسلوك معا وحين تختل موازين العقل تطفح على السطح أمراض كثيرة أقلها خطرا عشوائية القرار وانهيار منظومة الفكر واختلال مقاييس الأشياء، فالاستقامة هي الحل الاسمي لحل تلك المشاكل وهي انسجام الظاهر والباطن في وحدة متناسقة متناغمة وهيا حالة الصلح بين الانسان ونفسه وبينه وبين الناس وبينه وبين الله عز وجل، فالإنسان الذي يترفع عن أهوائه وميوله ويجاهد للثبات على مبادئه وقيمه هو في نظر الإنسانية إنسانا حرا حتى لو كان بالظاهر بين قضبان سجن موحش .

لذا يعد سجن العقل أشد أنواع الاعتقال مرارة في الحياة، واشعار المرء بالمهانة والاحتقار وأنه على الهامش وزائد على الوجود ولا أهميه له ليحيا بل مجرد رقم يموت يغضب يرضي يقترب يبتعد كله واحد،  فالعقل البشري إذن هو المسؤول فعليا عن حياة الإنسان، فهو الوعي والذاكرة ومركز الحس والإبداع والتفكير والتخطيط، اذن عندما يسجن العقل تشل وتتوقف معه الحياة بأكملها الفكرية والجسدية، فالأفكار بنات العقل ووليدته حتى لو سجن جسد الشخص فسيظل عقله حرا، في إحدى الدراسات، وجدوا أن الفئران في أمريكا اللاتينية عندما تتعرض للخطر يغمى عليها مباشرة، وظن العلماء في البداية أنها تمثل الموت حتى تنجو، ولكنهم فيما بعد عرفوا أن عقولها تفقد الوعي من الخوف، أما لدى البشر فقد وجدوا أن 80 في المائة من الطلاب الذين استذكروا دروسهم جيدا قد أخفقوا في الامتحان، وذلك بسبب الخوف من الرسوب أو الحصول على معدل أقل. عند الخوف، لا يعمل العقل بصورة كاملة، بل يتجه بكل قوته نحو فكرة النجاة من الخطر، مما يؤدي إلى ارتفاع نسبة الأدرينالين في الدم، وزيادة ضربات القلب، وكل هذه الأعراض المباشرة تتسبب في سجن العقل البشري داخل محاولة النجاة، أما بقية أجزاء العقل فتصاب بالشلل، اذا نجد أن أغلبية الناس الذين يعملون في الوظائف الحساسة يتطلب منهم أن يكون لديهم مهارة تحمل الضغوطات "إدارة الضغوط"  ليتمكنوا من اتخاذ القرارات الصائبة والمناسبة، لا يمكن لهذه الدنيا أن تخلو تماماً من الضغوطات النفسية والمعنوية والجسدية، الانسان خلق على الفطرة فهو الذي يختار طريقه في الحياة وهو الذي يغيره بإرادته ،واذا وقع اختلال في حياته وهاجمته الهموم يتصور انه في سجن لا يستطيع الفرار منه ، نجد مختلف الحالات من المساجين في الدنيا فالإنسان بطبيعته متقلب المزاج، فتارة تجده في قمة السعادة والراحة النفسية، وتارة تجده حزيناً. وطبيعة الأيام تكسر القوي وتجبر كسور الضعفاء، فالبعض يعيش في سجن الضمير وتأنيبه والبعض يختبر الحياة وهو في سجن الظلم والقهر الحقيقي والبعض يحيي في سجون الضلال واخرون يموتون في سجن الجوع والفقر المدقع وأبرياء يقتلون ويحاصرون، فخيال الإنسان إذن ونظرته للأمور هي ما يحدد مصيره، فالشخص الذي يغذي عقله دائماً بالصور والأفكار الإيجابية والمتفائلة يحقق الكثير من النجاحات بالرغم من مروره بالكثير من المشاكل والإحباطات، لذلك راقب أفكارك لأنها ستصبح أفعالاً، وراقب أفعالك لأنها ستصبح عادات، وراقب عاداتك لأنها ستصبح طباعاً، وراقب طباعك لأنها ستحدد مصيرك.

 

د. نيرمين ماجد البورنو