صادق السامرائيوالنفس طاقة وتنطبق عليها قوانين الطاقة، وأن الحالة النفسية لأي مخلوق مرهونة بفكرة ذات قدرة على التسيّد والتملك الذاتي، وما نسميه بالأنا والأنا العليا والإد، ما هي إلا مستويات تصارعية ما بين طبقات فكروية حالّة في الأدمغة ومتراكمة في أوعيتها، وتتناسب قوتها مع ما يعززها ويراكمها وينميها، فقوة ألف لتر في وعاء أكبر من قوة عشرة لتر في وعاء.

وقد لا تحتوي النفس على أفكار بمستويات ثلاثة، لكنها الاصناف الرئيسية التي تمكنا من تحديدها، بينما الواقع الوعيوي يشير إلى أن النفس مجال كهرومغناطيسي لأفكار لا تعد ولا تحصى،

ولهذا فأنها لا تتطابق أو تتشابه، وإنما هي كبصمات الأصابع التي لا يمكنها التطابق في شخصين.

فالطاقة تلد أفكارا، أو تنعكس في فكرة تسعى لكينونة مادية أو طاقوية، وتتسبب في حث مجالها الكهرومغناطيسي الذي يمكن القول بأنه النفس.

وعليه فأن العقود القادمات ستشهد إنقلابات وتطورات نوعية حادة في علوم الدماغ، وستصل إلى أعماق العُصيبات وستتمكن من تنميتها وتأهيل الأدمغة لإعادة ترتيب إرتباطاتها العُصيبية، وتحقيق التفاعلات المطلوبة التي تساهم في الحفاظ على أبجدية الحياة.

فالدماغ فيه خلايا يمكنها أن تلد دماغها أو أي جزء يتلف أو يُصاب بمرض وعَرض، شأنه شأن باقي الأعضاء الموجودة في الجسم.

ومن الملاحظات المتكررة أن النباتات تسعى للحياة وتقاوم الموت، ولهذا عندما تقطع جزءً منها وتغرسه في التراب فأنه ينمو ليكون شجرة كالتي قُطع منها، وكذلك البذور، وهذه الإرادة الصيروراتية يمكنها أن تنطبق على الخلايا الدماغية، إذا تعلمنا أو إكتشفنا الخلايا ذات القدرة التوالدية والخلقية.

فيبدو أن في كل مخلوق مهما كان نوعه إرادة تكوّنية تقاوم الإنقراض، وتسعى للتعبير عن ملامحها ودورها ورسالتها المحكومة بسلطة الدوران.

إن المهتمين بالنباتات يعرفون كيف أن في الغصن المقطوع من النبتة أو الشجرة قدرة لا محدودة على صناعة الحياة، وإستحضار صورة الشجرة التي كان فيها أو النبتة التي قُطِع منها.

وقبل بضعة سنوات وجدتني أقف واجما أمام طوابير من العقول الشابة المتخرجة حديثا، وهي تسعى للتخصص بعلوم الدماغ وتبحث في ماهيته وأسرار ما فيه، ومَن يتأملها يدرك بأنها ستكشف الغطاء عن حجب توارثتها الأجيال.

(6)

ترى هل تنطبق هذه القاعدة أو القانون النباتي الصيروراتي على الأفكار؟!

بمعنى أن الفكرة كالثمرة الساقطة من شجرة كونية كبرى، ويمكنها أن تتحقق إذا وجدت الوعاء البيئي المناسب وتصنع شجرة أصلها وترتقي بوعائها إلى قِوى أخرى ذات مروج مكتظة بالفِكر والصور والخيالات الواعدة.

وهل أن الأفكار آلات جديدة يمكن تسخيرها للقيام بالأعمال الصعبة، فطاقات الأفكار ذات قدرات كونية كبرى ومطلقة، وهذا ربما يفسر بناء الشواهق الخارقة في الأزمان الساحقة، كالأهرامات والأبراج والزقورات والنصب العالية كما في الكرنك، وربما أن طاقة الأفكار وما تتمكن منه نطلق عليه بالخوارق وغيرها من التسميات.

ويبدو أن الحالة التنافرية القائمة ما بين الأفكار تؤسس لفلكية كونية ذات تفاعلات تكوّنية.

فالفكرة مثل الأرض لها طاقات جذب إنضمامية كابسة قادرة على التصنيع والتنويع والتسرمد في ذاتها المُدرَكة بالمجال الكهرومغناطيسي، ومتى ما فقدت الفكرة هذا المجال الحاني الحامي الراعي فأنها تحقق موتها .

والفكرة ذات قدرات دفاعية وعدوانية وإنتحارية أي أن الأفكار تنتحر!!

(7)

والأفكار تتدامج والطاقة المتحررة من السلوك الإندماجي للأفكار تكون مدوية ومتوالدة، وهذا ما تحققه العقائد، وحالما تسعى للإنفلاق أو التفلّق فأنها تحرر طاقات مضادة لوجودها، وبهذا فأنها تفقد قدرات التدامج وتسقط في مهاوي التغالق والتماحق.

وهكذا نرى سلوك الأحزاب المنغلقة أو المنشقة التي تتحول إلى صيرورات طاقوية إستنزافية وتمترسات إستضعافية إندحارية إنتحارية، مجردة من القيمة الحضارية والدور المؤثر في صناعة المسيرة الأفضل.

والأفكار تتدحرج على السطوح ولكي يتم القبض عليها لابد لها من التأخدد أي الوقوع في أخدود، وهذا يفسر أخاديد القشرة الدماغية، ففيها يتم إصطياد أو قنص الأفكار، ولو أن الدماغ تسطح لفقد قدرات التفاعل مع الأفكار التي يزدحم بها فضاء الوجود الكوني، ولا يُعرف هل يمكننا قياس النشاطات الكهرومغناطيسية في أخاديد الأدمغة وقدراتها على الجذب أو الإصطياد الفكروي.

(8)

إن الغوص في مجاهيل الدماغ يأخذنا إلى مجاهيل الكون البعيد، وكلما إزدادت معارفنا بالكون كلما إقتربنا من فهم الدماغ وما يدور في عوالمه الظلماء.

فليس من العبث أن يكون الدماغ في ظلمة، لأن الكون معظمه ظلام دامس، وهذا يعني أن الظلام لابد أن يكون طاقة، ونحن ما زلنا بعيدين عن إدراك طاقات الظلام.

لكن وضع الدماغ في غرفة ظلماء يشير إلى أنه في محيط طاقوي عظيم، يمده بالقدرات اللازمة لإستحضار الأفكار من ظلمات عليائها أو توفير البيئة المناسبة لتفاعلاتها، وإنباتها ونموها والتعبير الرمزي والمادي عنها.

أي أن الفكرة تأتي من فضاءاتها الظلماء إلى صناديق صيرورتها الظلماء في جماجم الأحياء، وهذا يعني أن الفكرة تنتقل من كونها الأظلم الأكبر إلى كون أظلم آخر أصغر، وهذا يمنحها طاقة هائلة للتعبير عن ذاتها وجوهر ما فيها.

فالفكرة بحاجة لوعاء مغلق تتخلق فيه وتتبرعم وتتوالد، وتندمج وتنفلق وفقا للحالة التي تمكنها منها العُصيبات التواصلية بدوائرها، وحلقاتها النشطة التعبيرات والتخاطبات والتكونات المتجددة لعناصر ما تحتويه، وآليات إطلاقها بجسيماتها الطاقوية التي تمدها بنسغ التبرهن والتصدح والوضوح.

والخلاصة هذه خواطر أولية متفرقة عن طبائع الأفكار والعقول، بحاجة إلى مزيد من الإفاضة والتعمق والبحث، والإستظهار العلمي للكينونات الطاقوية للأفكار وآليات تفاعلها مع الأدمغة، وهي إقترابات فيزياء - نفسية، تهدف إلى وعي جوهر الأفكار وكنه العقول.

ويبقى السؤال الغريب العجيب الذي مفاده هل أن الأفكار كائنات حية؟!

وهل أنها جسيمات موجية لا بد من التوصل لقياسها وقوانينها ومعادلاتها التفاعلية؟!

ستجيب على هذه الأسئلة وغيرها الأجيال المتبحرة في علوم الدماغ، وسيكون جوابها حاضرا في القرن الحادي والعشرين حتما!!

 

د. صادق السامرائي

 

مصطفى غلمانتعاني مناهج البحث العلمي في علوم الاتصال مشكلات التطوير وغياب الكوادر المتخصصة في مجالات المعرفة الاتصالاتية وشبكات الاتصال الإعلامي الأكثر قدرة على معالجة البحوث والدراسات ذات المقاربات الشاملة في صنوف الجمع والتخزين ومعالجة الظواهر ونشر الأخبار وتفكيك براديجمات الصور والتقارير، ما يضع المتلقين أمام وضعيات معرفية تشاركية مفتوحة على كل الاحتمالات والانتظارات، منها ما يتصل بالمجتمع عامة، والآخر بالتطورات المتلاحقة التي تشهدها الساحة الإعلامية بعد سلسلة من طفرات الانتشار المهول والفسيح لوسائط الاتصال ومتلاحقات الأنترنيت والفضائيات المعولمة.

ومما يزيد من اتساع الهوة بين واقع تحديث تلك المناهج واتساع وظائف الاتصال وتراكماتها، إن على مستوى القيم الجديدة التي أصبحت تعاني انكماشا وتضعضعا، خصوصا في ما يتعلق بوازع التنشئة الاجتماعية وتحللات المسألة التعليمية وفواعل التثقيف ونظم الحوار وآلياته، أو التوجهات الجديدة للاتصال الخدماتي ومباعثه المخيفة في قطاعات الماركوتينج والدعاية والإشهار، التآكل المهول لأخلاقيات استعمال أساليب الممارسة الإعلامية بأشكال مؤرقة تستدعي التفكير في مآلات المعرفة الاتصالية وجهود مناهج البحث العلمي في استتباب وتحقق التراكم بما هو حقيق بالتطور والإيجابية والتراكم والتحفيز.

وقد نظرت العديد من الأبحاث العلمية في الحاجة الملحة إلى إعادة تأصيل نظرية جديدة لمناهج البحث الإعلامي، تقوم أساسا على تعميق فهومنا للاختيارات والاستخدامات من أجل التمكن من مواضعات المشكلات البحثية و" تحديدها وصياغة فروضها ووضع أنسب الأساليب لدراستها والتوصل إلى نتائج يوثق في صحتها "ـ 1ـ

وتقوى هذا الاتجاه مؤخرا وصار هاجسا استراتيجيا في منظومة التكوين والتأطير الإعلامي، كما حققت بعض الدراسات في مجال البحث الإعلامي انتقالا مدهشا، من استشعار خطر التأثيرات المتلاحقة لدور وسائل الاتصال في القضايا ذات الأبعاد الشخصية وارتباطاتها بمظاهر السلوك الفردي والجماعي.

ويرقى الاهتمام بمجال البحث الإعلامي كلما اتسعت النوافذ المنسوجة على معابر الفورة الأنترنيتية وصرعات الفضائيات ووسائط الاتصال المهولة. ولعل ذلك مما يفرد جوانب هامة وأساسية في بنية البحوث الاجتماعية وعينات موازية في جملة من التطبيقات بتماثل مع مناهج البحث العلمي.

ومن نافلة القول التأسيس على النظر بقيمة المنهج ونتائجه عند دراسة الحالات المعنية، ما يجعلنا تواقين لكشف المشكلات والمثالب التي تفصح عن بروز عناصر خارج سياق الزمن وتوقعات عدم الاستجابة ومتغيرات ترتبط بمستويات التفكير والقيم والمعتقدات والاتجاهات والآراء.

من ثمة يستدعي الإيمان بالبحث الإعلامي في أول الخطوات النظرية أن يتعامل " مع المفاهيم على أنها تجريدات" ـ 2 ـ وهي القواعد البنائية الصلبة التي تقوم عليها النظريات والقوانين العلمية بغرض تحقق المعارف وتطوير العلاقة بها.

ويتوق خبراء الاتصال إلى تجسير علاقتنا بالمفاهيم، بما هي وسائل تساعد على تنظيم الخبرة العقلية بخيارت عديدة مباشرة وغير مباشرة وذلك عن طريق استخدام الوسائل التعليمية والنظم البيداغوجية المختلفة. وعلى أساسها ينجلي البحث الإعلامي كبرنامج مفتوح على كل البديهيات التي تقوم عليها علوم الاتصال والمجتمعات الرقمي " وهو المجال الذي أفردت له الباحثة السورية فريال مهنا دراسة علمية عميقة، جعلت من أهم زواياها بسط جملة من النظريات في الاتصال والاعلام الجماهيري وتأثيراته الثقافية والاتصالية والسيميولوجية والأنساق الحديثة لأنظمة الاتصال. إلخ ـ 3 ـ

إن الحاجة اليوم إلى تقدير سلطة رمزية دامغة لتشكلات قيم مندورة لتصحيح مناهج البحث العلمي الإعلامي، تواكب عمليات التغيير والتنقل الفجائعي الذي تعرفه تطبيقات وسائل الإعلام ووسائط الاتصال، من مجرد استعمال ميكانيكي جاف، مغيب عن الواقع ومجافي لطبيعة التحديث وآليات الاندماج المطلوب، تعوزها التأطير الواسع من داخل المبادئ الكبرى لمنهج البحث العلمي وموضوعات التصنيف وأنماطه وتوجهاته النظرية والاعتبارية وخصائصه واستخداماته الدقيقة في مجالات البحوث الاجتماعية والثقافية والنفسية.

ولن تقوم لتوابع تلك القيم الإعلامية الممهورة على أعتاب انسلاخات ومسالخ تغرق يوما بعد يوم في متاهات الانحراف عن الأهداف الرئيسة التي خلقت لأجلها، إلا باستعادة ترسيم حدود لا فكاك منها في خريطة البحث الإعلامي ومجنساته القادرة على المراجعة وتمكين واجهة التخصص والمعرفة الإعلامية من مواكبة وتحميس المجتمع من مواجهة المعضلات القيمية التي تكرس لدونية الإنسان وانغلاق أفق تفكيره.

 

د. مصــطفى غَــلْمَـان

................

هوامش

1 ـ " مناهج البحث الإعلامي " بركات عبد العزيز ـ دار الكتاب الحديث ط1 القاهرة ص16

2 ـ " التفكير العلمي" فؤاد زكريا ـ عالم المعرفة الكويت 1978 ـ ص 78

3 ـ انظر " علوم الاتصال والمجتمعات الرقمية" فريال مهنا ـ المطبعة العلمية دمشق 2002 / ط 1 .

 

سارة طالب السهيللاشك ان تعليم المرأة في العصر الحديث قد أتاح لها فرص تشكيل وعيها وإدراكها بقيمة ذاتها ووفر لها فرص العمل لتحقيق قدر من الاستقلال المادي في مواجهة ما تكابده من تمييز اجتماعي وثقافي.

وبالرغم من المكاسب الظاهرية التي حققتها المرأة في تولي العديد من المناصب القيادية العلمية والثقافية والاقتصادية، غير ان تمثيلها السياسي لا يتجاوز1% ، وهو ما يؤشر علي تهميش دورها في صنع القرار، وتراجع دورها في سوق العمل، حيث ترتفع البطالة في صفوف النساء في العالم العربي ولا تزيد نسبتهن عن 25% بينما النسبة عالمياً أكثر من 40%.

فالمرأة لم تستطع حتى اليوم حماية نفسها من قهر وتسلط الثقافة الاجتماعية التي تميز بين البنت والولد في التنشئة، وكذلك العنف المسلط على رقبتها بسيف العادات والتقاليد والمورثات التي تتعامل مع الأنثى على انها انسان من الدرجة الثانية لابد وان تظل تابعا مما عرضها للعنف بشتى أنواعه.

ذهنية القهر

الغريب في الامر، الكثير من الرجال مهما اختلفت مستويات طبقاتهم الاجتماعية ومفاهيمهم الثقافية والاجتماعية وتباين تعليمهم داخل الأوطان العربية او في الخارج، فانهم يتشابهون كثيرا في ممارسة اضطهاد المرأة من تعنيف وضرب، والتضييق عليها في العمل، وإغفال حقوقها العمالية والمالية وحرمانها من الترقي الوظيفي وغيرها.

ويبدو هنا التناقض جليا بين الطبقة المثقفة العربية في مناداتها بتحرير المرأة وحقوقها وبما ما قد يمارسه بعضهم من استلاب حقوق المرأة واقعيا، وهذا يرجع الى اثر التربية الاولى التي تلقاها الرجل العربي على يد أمه بكونه مميزا عن المرأة، وان هذا المكتسب في الطفولة ليس من السهل التخلي عنه مهما تلقى من تعليم وثقافة.

أزمة في الطفولة

تعاني المرأة من ثقافة اجتماعية تضعها في مرتبة أدنى من الرجل منذ الطفولة، مما يعرضها وهي في مراحل نشأتها وتربيتها داخل المؤسسة الاسرية للعنف الجسدي والمعنوي والاجتماعي .

فالبيت يمارس موروثا ثقافيا يعتمد على العنف والتمييز بحق صغار الفتيات، ويبدأ منذ ان تعلم الاسرة بان المولود أنثى، فالثقافة السائدة ترى ان الطفل الذكر يحافظ على كيان الاسرة ويحافظ على اقتصادها، بينما الأنثى فهي تابعة ضعيفة وقد تجلب العار للأسرة، ولذلك خرجت العديد من الأثار الشعبية المعبرة عن مفهوم العقل الجمعي الشعبي الذي يرى في انجاب البنات هم حتى الممات، وضرورة ممارسة العنف ضدها كما يقال في الأثر " اكسر للبنت ضلع اثنين" هذه الموروثات الاجتماعية تؤهل الطفلة على خدمة أفراد الأسرة بما فيهم إخوتها الأصغر والأكبر منها، فبينما تترك الطفل والصبي يلهو ويلعب بكل حرية، تجبر الطفلة على الطاعة الكاملة لذويها واخواتها الصبيان وتكريس تفانيها في خدمتهم واجبارها على القيام بأعمال المنزل وانزال العقاب  بها عند اية غلطة.

وفيما تتشرب الفتاة معاني هذا التمييز في الحقوق والواجبات، فإنها تنشئ وهي تشعر بالدونية والنقص قد تصاب بالانطواء والخجل الزائد ، وقد تصاب بنوبات من الاكتئاب الحادة،  وينمو بداخلها مشاعر التبعية وعدم القدرة على اتحاذ القرار، وعندما تشب عن الطوق وتتزوج تحاكي نموذج أمها في تربيتها لأبنائها دون وعي وادراك الى انها تعيد كرة المآسي على طريق " هذا ما ألفينا عليه آبائنا ".

فهناك اصناما فكرية تربوية واجتماعية لا تزال للأسف راسخة في العقل الجمعي للشعوب ومنها الشعوب العربية التي لا تريد حتى الان ـ رغم انتشار التعليم وعصر السماوات المفتوحةـ ان تكسرها، لانها ترى في الهيمنة الذكورية قوة لا تريد التنازل عنها رغم انها تناهض قيم المساواة والعدل، ورغم أهميتها هذه المساواة في نهضة الأمم لان الأمم تنهض بنهوض الذكر والأنثى  معا.

ولاشك ان هذه المفاهيم التربوية والاجتماعية المغلوطة في تنشئة البنات تتنافى مع كل القيم الإنسانية والدينية التي تحث على وجوب معاملة الانثى بالرحمة والعطف ومنحها حقوقها الإنسانية، وذلك مصدقا لما قاله رسول الله صل الله عليه وسلم :(استوصوا بالنساء خيرا فإنما هن عوان عندكم، إن لكم عليهن حقا، ولهن عليكم حقا). وكذلك قوله " ص" ( فأتقوا الله في النساء, فإنكم أخذتموهنّ بأمان الله, واستحللتم فروجهن بكلمة الله). وكذلك حديثه (ص): (إنما النساء شقائق الرجال، ما أكرمهن إلا كريم، وما أهانهن إلا لئيم)

كما جاء في القران الكريم

(الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ۚ )

التي يفهم منها ان القوامة لمن انفق ولمن كان الأفضل (فضل الله بعضهم على بعض) اَي بعض الرجال تفضل من بعض النساء وبعض النساء أفضل من بعض الرجال وليس التفضيل بالجنس كذكر او أنثى وإنما العقل والصلاح والأهلية

فمثلا السيدة مريم العذراء أفضل بكثير من اكثر الرجال والسيدة خديجة كذلك والسيدة عائشة والسيدة آسيا .

مسئولية المرأة

لاشك ان المرأة نفسها مسئولة عما تتعرض له من تهميش والانكار لدورها، لأنها من ناحية تجهل حقوقها المشروعة بالقوانين الدينية او الوضعية الانسانية، وان عرفتها فإنها لا تعرف كيف تحافظ عليها وتجني ثمارها.

ولعلي احمل المرأة مسئولية الإشكالية الكبرى وهي إصرارها على الحفاظ على المورث الثقافي الاجتماعي الذي يهدر كرامة المرأة ويضيع حقوقها ويضعها في خانة الاستلاب الدائم، وكأن هذه الموروثات الاصنام بمثابة عقائد دينية ثابتة لا تقبل الشك او الكسر.

فالمرأة هي التي تنقل لأبنائها هذه المورثات اللاإنسانية العفنة وتعيد انتاجه عبر الأجيال بما يقيد حرية المرأة ويعرقل تطور نموها العقلي والاجتماعي والإنساني.

لذلك، فإنني اعتقد ان اية جهود لنهوض المرأة وتمكينها اجتماعيا لن تتحقق بمعزل عن إعادة وعي المرأة بحقوقها المشروعة دينيا وثقافيا وقانونيا، وهو الوعي  الذي يتشكل منذ الطفولة المبكرة خلال عمليات التنشئة والتربية والتفاعل الإنساني داخل مؤسسة الاسرة المتعمد على قيم المساواة والتقدير الذاتي لكل من الفتى والفتاة دون أي تمييز في المعاملة او العطايا، ثم تنتقل معطيات هذا العدل والمساواة داخل مؤسسة التعليم ثم المؤسسة الزوجية عندما تتحول الفتاة الى زوجة ومن ثم أم تعرف كيف توازن بين حقوقها وواجباتها دون اهدار لأي منهما.

هنا فقط تستطيع المرأة ان تربي جيلا متوازنا ثقافيا وتربويا لا يعرف معنى للتمييز او الاقصاء او تهميش لأي من افراده، وكل فرد فيه من ذكر أو أنثى ينعم بالمساواة في الحرية والعمل والتلقي الثقافي ويكتسب فنون الاختيار الناضج في معترك الحياة المتلاطم الأمواج.

 

سارة السهيل

 

عمار حميدسواءا في السرد او الواقع هناك اشارات مهمة تنطبق على المكان تعتمل في النفس والعقل لتختزن في النهاية في لاوعي الانسان وهذا ما تنبهت له اثناء قراءة لكتاب الدكتور والناقد مالك المطلبي (حفريات في اللاوعي المهمل) والذي يثير من خلاله علاقة الذاكرة مع المكان واستعادتها له عبر احداث مختزنة في الماضي يبدأ بأنتزاعها من مكانها كما هي عن طريق (أزميل) لغوي يُنتج مايقرأ كما تبين مقدمة الكتاب.

بداية لابد من التعريف بمعنى الأطار المكاني فهو الحيز البصري الذي من خلاله نستطيع ان نميز مكانا معينا بذاته، او هو كل ماتقع عليه عيني الانسان فيثير بداخله جملة من المشاعر والأحاسيس والأفكار المعينة، وفي رأيي هناك ثلاثة أنواع من الأطر المكانية التي تترك الأنطباع لدى الأنسان:

النوع الأول هو الأطار المكاني الذي يراه الأنسان لأول مرة حيث يستجمع افكاره وأحاسيسه للتعرف عليه والتواصل من خلاله وأستكشافه وسأطلق على هذا النوع من الأمكنة (المكان الحسّي)، اما النوع الثاني من الأطر المكانية هو ذلك الذي عايشه الأنسان لفترة معينة ثم أنقطع عنه ثم عاود الرجوع اليه فيعمل عقل الأنسان على استرجاع الذكريات لمحاولة الأتصال من جديد مع المكان وسأدعو هذا النوع من الأمكنة (المكان المخزون) لأنه مخزون في الذاكرة، والنوع الثالث من الأطر المكانية هو أجتماع النوعين الأول والثاني حيث يرى الأنسان مكانا عايشه لفترة محددة ثم أنقطع عنه وعندما يعود الى المكان من جديد سيعمل على استرجاع الذكريات ويستجمع الأفكار والأحاسيس الجديدة للتعرف على التغيرات الكبيرة التي طرأت على المكان وأحدثت فيه أمورا جديدة وسيكون اسم هذا النوع من الأمكنة (المكان المتفاعل) كونه يعمل على زيادة المؤثرات داخل النفس بسبب الصراع بين الذاكرة والأستكشاف.

تتغير أنماط المكان بالنسبة للشخص الذي لايترك مكانه مابين النوعين الأول والثاني فمع الوقت يتغير المكان المخزون ويتحول تدريجيا الى مكان حسّي، اي انه كان مكانا ثابتا لاتغيير فيه ولكن مع مرور الوقت سيبدأ بالتغير الى مكان جديد تدريجيا يختلف تماما عما كان عليه والفترة التي يتغير فيها هي فترة (تفاعل الأحاسيس مع المكان) وهذا يمكن ان يُشار اليه بأنه تفاعل أيجابي حيث يكون دلالة على خلق احداث جديدة في المكان تحفز على الأبداع والأبتكار فيما اذا لو كان المكان حسيّا اي انه جديد على الحواس لدى الشخص ثم يتحول الى مكان مخزون (اي لاتحدث فيه احداث جديدة ويبقى كما هو) فيُشار الى هذا التفاعل انه تفاعل سلبي فيأخذ حالة أشبه بالركود فلا تعمل على اثارة الأحاسيس والأبداع في العقل.

وفي النهاية فأن الجامع لكل ماتقدم هو (الفضاء) او الحيز الذي يشغله المكان والذي ندعوه ايضا (أجواء المكان) فهذا العنصر يختلف تأثيره في الأحاسيس والحالة المكانية فهو يعطي اشارات متوازية مع نوع المكان سلبيا او ايجابيا فغالبا مانستخدم تعبير (الأجواء مثقلة) في وصف حالة مكان ذي تفاعل السلبي او ان (المكان يعج بالحيوية والنشاط) في حالة مكان ذي تفاعل ايجابي.

 

عمار حميد مهدي

 

عام 1953، نحت هافيجهرست Havighurst مفهوم مطالب النمو، محاولًا تحديد الخطوات الضرورية التي ينبغي أن يمر بها نمو الإنسان منذ لحظة ميلاده وحتى نهاية عمره لأجل تحقيق حاجاته وإشباع رغباته الإنسانية العامة، ومنذ ذلك الحين أصبح هذا المفهوم من المفاهيم الأساسية في علم نفس النمو، كما أن له تعلقه الواضح بكثير من المشاكل الاجتماعية والتربوية.

وتتفاوت مطالب النمو لكل مرحلة عمرية ما بين مطالب أساسية ومطالب عامة ومطالب فرعية، وهي أشبه بدرجات السُلم، نخطوها تباعًا. ولا يعنينا تصنيف مطالب كل مرحلة. ما يهمنا فقط أن نفهم أن هناك ما يحتاجه كل فرد إنساني في كل مرحلة عمرية ليعيش سعيدًا في تلك المرحلة وما بعدها من مراحل عمرية؛ ذلك أن تحقيق مطلب من مطالب نمو المرحلة يؤدي إلى تسهيل تحقيق المطالب الأخرى في المرحلة العمرية نفسها وما يليها من مراحل.

كما تتفاوت مطالب النمو في الدوافع الكامنة خلفها؛ فمنها ما يأتي كاستجابة لمظاهر النمو العضوي السليم مثل تعلم الطفل الصغير للمشي، ومنها ما يتأثر بالتنشئة الاجتماعية وثقافة المجتمع كتعلم القراءة والكتابة في المجتمعات غير البدائية، ومنها ما يتأثر بمستوى طموح الفرد فمطلب نمو مثل مزاولة مهنة كالطب أو التدريس الجامعي لا يساوي مزاولة مهنة بسيطة لا تحتاج جهدًا سابقًا في تعلمها كالبيع والشراء.

وجميع مطالب النمو لو دققنا فيها لها صلة بتواصل الفرد الاجتماعي، حتى المطالب ذات الصبغة البيولوجية كتعلم المشي بشكل سليم أو تعلم الكلام أو ضبط الإخراج؛ لأنها ستؤثر حتمًا على تفاعله الاجتماعي مع الآخرين.

في مرحلة الطفولة تتركز مطالب النمو على المطالب البيولوجية كبداية؛ فيلزم الفرد تعلم المشي وتعلم استخدام عضلاته الصغيرة للقبض على الأشياء وغيرها، وتعلم الأكل، وتعلم الكلام، وتعلم ضبط الإخراج، وتعلم المهارات الحركية اللازمة للألعاب والأنشطة البسيطة التي يقوم بها، لكن لا يخلو الأمر من تعلم اجتماعي، فالطفل ومنذ طفولته يتعلم أن يرتبط انفعاليًا بوالديه وعائلته.

لكن في مرحلة لاحقة تظهر أهمية تعلم أشياء أخرى غير بيولوجية، كتعلم القراءة والكتابة، وتعلم معايير السلوك الاجتماعي السليمة، والتمييز بين الصواب والخطأ، وتكوين مفاهيم بسيطة عن الحقائق الاجتماعية وعناصر الطبيعة من حوله.

ويشتد التوجه نحو التعلم الاجتماعي كلما ارتفع سن الطفل فيتعلم الفروق بين الجنسين، ويبدأ إدراك مفهوم الدور الجنسي في الحياة، ويتعلم مصاحبة الأقران وليس فقط أن يكون في جماعة يلعب معهم، والأهم أن يُكوِّن اتجاهًا إيجابيًا نحو نفسه في هذه المرحلة، ويبدأ تكوين الضمير وتعلم القيم الخلقية والمعايير السلوكية المقبولة في المجتمع.

بدخول الإنسان مرحلة المراهقة يكون قد أتم نضجه الفسيولوجي، لكنه لا زال قاصرًا اجتماعيًا، لذا فإن مطالب النمو في مرحلة المراهقة تركز على كل ما يؤدي بالفرد إلى تحقيق التوافق النفسي والاجتماعي، ومن أهم تلك المطالب تقبل التغيرات التي تحدث له نتيجة نموه الفسيولوجي وأن يتوافق معها، وأن يتقبل مظهره الجسماني، ولهذه المطالب دورها الهام في تحقيق مطلب نمو هام من مطالب المرحلة وهو تحقيق الثقة في الذات، ولهذا أثره القوي على تفاعله الاجتماعي. وهناك مطالب اجتماعية أخرى في المراهقة لها أيضًا تأثيرها على تواصل الفرد الاجتماعي وهي: تكوين علاقات جيدة مع الرفاق، وتقبل الدور الجنسي في الحياة كذكر أو أنثى، والتصرف بما يلائمه. ومن مطالب النمو في المراهقة أيضًا استكمال التعليم واختيار مهنة والاستعداد لها على كل المستويات الجسمية والعقلية والاجتماعية، وتكوين المفاهيم العقلية الضرورية للإنسان الصالح في المجتمع.

ثم يبلغ الإنسان الرشد الاجتماعي، فتتزايد مطالب النمو الاجتماعية، وأهمها اختيار الزوجة أو الزوج، ثم الحياة مع شريك الحياة بنجاح وتحقيق التوافق الأسري، ثم تربية الأطفال والمراهقين والإشراف على عملية تنشئتهم وتطبيعهم اجتماعيًا.

في سن الرشد ثم الشيخوخة تبرز مطالب نمو اجتماعية أخرى تتناسب مع التقدم في العمر، فالأمر لا يقتصر على التوافق للضعف الجسمي أو المتاعب الصحية التي تزيد مع زيادة العمر، بل تتضمن مطالب النمو القيام بنشاطات ملائمة لفترة منتصف العمر وكبر السن، والتوافق مع فكرة ترك الأبناء للمنزل، والاستعداد نفسيًا لتقبل المساعدة من الآخرين، ثم التوافق النفسي بسبب الإحالة للتقاعد.

ويعتبر عدم تحقيق نسبة كبيرة من البشر لمطالب النمو الخاصة بالمرحلة العمرية أو عدم تقبلهم لمرحلتهم العمرية من أسباب حدوث مشاكل تواصل اجتماعي لهم وللمحيطين بهم؛ فأصدقاء عمرك ينتظرون صحبتك بينما أنت تصادق من هم أقل منك عمرًا وتتركهم! وزوجتك وأطفالك يفتقدونك بينما أنت تعيش كالمراهقين وتقضي وقت فراغك بالكامل مع أصدقائك على المقهى! أما عن تصابي بعض النساء في المظهر والسلوك فيترتب عليه الكثير من مشاكل التفاعل الاجتماعي كالغيرة ممن هن أصغر سنًا، وكثير من المشاكل التي تفتعلها الحموات تأتي من عدم تحقيق مطلب النمو بتقبل استقلال وانفصال الأبناء.

بالرغم من ذلك ينبغي ألا يُفهم كلامي أن قطار العمر يفوت، ويُفوِّت على الإنسان نجاحات لا يمكنه تحقيقها سوى في مرحلة معينة، فإن مضت المرحلة العمرية فلنقتل الأمل! وهذا ما لم أقصده. أغلب الأشياء في الحياة لا يُفترض أن ترتبط بالعمر، بل العمر أكثر منبئ سيء بنجاحها أو فشلها. على سبيل المثال فقد كثُر الحديث وبسبب الأحوال المتردية في الكثير من بلادنا عن عمر القادة، وفائدة الاستعانة بالشباب، بينما نجد في التاريخ من حكم بلدًا بأكملها في سن الكهولة كعبد الناصر، الذي حكم مصر وعمره 32 سنة، وتدهورت أوضاع مصر الاقتصادية في عهده، ولكن هذا لا يصلح للتعميم؛ فقبله الملك فاروق حكم وهو لم يكمل 18 سنة ميلادية وكان أفضل عهد حكم في مصر طيلة القرن العشرين، والإسكندر قبله ملك الدنيا وهو شاب صغير. قد ينجح الشاب في الحكم وقد يفشل، مثلما قد ينجح الشيخ كبير السن وقد يفشل. والشيء نفسه يُقال في الإيمان؛ أهل الكهف كانوا (فتية آمنوا بربهم) وسيدنا إبراهيم كان (فتى) لمّا كسّر الأصنام، وسيدنا يوسف أُعطي النبوة في البئر وهو فتى، بينما أهل زمانهم ممن هم أكبر سنًا كانوا لاهين غافلين، لكن سيدنا نوح كان شيخًا كبيرًا، وأكبر أهل زمانه عمرًا وأرشدهم! والإيمان وطلب الهداية لا هو حكر على الشباب ولا الشيوخ. وحتى في الزواج لا يكون العمر منبئًا إطلاقًا بنجاحه أو فشله؛ يمكن أن يكون فارق السن بسيطًا بين الزوجين ويكون الزواج ناجحًا، ويمكن أن يكون أفشل زواج في العالم، والعكس. وقد يتزوج إنسان في سن مناسب وفقًا لمعايير المجتمع وينجح، وقد يفشل، والعكس.

العمر ليس المعيار الأمثل لكل شيء في الدنيا، كثيرًا ما يكون آخر معيار ينظر إليه العقلاء، وأكثر معيار يركز عليه الفاشلون اجتماعيًا، وربما كان من أهم أسباب فشلهم، لكن الإنسان الناجح أيضًا يحب كل مرحلة من مراحله العمرية ويتوافق معها. أنت رائع وأنت طفل، ثم وأنت مراهق، ثم وأنت شاب فكهل، رائع أيضًا في شيخوختك، ويمكنك أن تجعلها أجمل سنين عمرك. تنقل بين مراحل عمرك واستمتع بالتغييرات المصاحبة لها كما تتنقل النحلة من زهرة إلى أخرى، وتذوق كل زهرة واستمتع بها، فلكل عمر جماله.

 

د. منى زيتون

 

معراج احمد الندويإن فكرة الحوار بين الثقافات والحضارات وأتباع الأديان قد تبلورت اليومأكثر من أي وقت مضى، انتشرت هذه الفكرة على أوسع نطاق حتى أضحت مثار الاهتمام لدى قطاعات واسعة من المفكرين والمثقفين. إن التحديات التي تواجه الأسرة الدولية في هذه المرحلة من التاريخ والأزمات والصراعات والمشاكل التي يعرفها العالم اليوم، كل ذلك بلغ مستوى من الحدة والضراوةوالخطورة، لا سبيل إلى التعامل معها ومواجهتها، لا يمكن الآن الحلول والتسوية لهذه النزعات والصراعات إلا بالحوار الذي يفضيإلى التفاهم والتقاربوالتوافق مع الآخرين على أساس الاحترام المتبادل.

إنَّ اختلاف الناس في أديانهم وعقائدهم سنة قدرها وقضاها رب العالمين, لحكمة عظيمة وغاية جليلة. خلق الناس وجعلهم شعوبا وقبائل ايتعارفوا ويتعاونوا على البروالتقوى وعلى ما فيه خير الإنسان ومصلحة العاجلة والآجلة.قال الله تعالى: ﴿يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا. إن أكرمكم عند الله أتقاكم.﴾ (سورة الحجرات 13) وقال جل من قائل: ﴿ يا أهل الكتابتعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا، ولا يتخذ بضنا يعضا أربابا من دون الله﴾. (أل عمران 64)وبذلك قرر الإسلام أن التعددية سمة من سمات المجتمعات البشرية، يجب التعامل معها بإيجابية ، لا تفرق بين الناس حسب أعراقهم وألوانهم، لأن أكرم الناس عند الله أتقاهم.وإن التنوع العرقي واللغوي مدعاة تعارف بين الشعوب والأقوام وليس مدعاة تنابذ، والتعارف تواصل حضاري بين الشعوب، فيه اعتراف بالآخر وتواصل معه ليقوم على البر والتقوى والكلمة السواء والمجادلةبالتي أحسن والحوار مع الأحترام المتبادل.

الحوار بفهومه العام يختلط على السامع الغاية من الحوار بين الدعوة وإقامة الحجة إلى التقريب والتعاون المشترك, أو التعايش أو الوحدة أو التوحيد بين الأديان. الحوار بين الأديان وهو وسيلة من وسائل دعوة أهل الأديان عموماً, وأهل الكتاب بشكل خاص إلى الإسلام، والدعوة إلى الله تعالى موجهةٌ لكل الناس، وإقناعهم بالحق هدف شرعي مطلوب. الحوار بين الأديان اسم عام يطلق على كل مخاطبة ومحاورة تتم بين طرفين أو أكثر من أهل الأديان والمؤمنين بها، فكلمة "حوار" كلمة عامة تشمل كل ما يقع عليه معنى التجاوب والتراجع والتخاطب. إن الحوار بين الأديان الموجودة متنوع, منه حوار الدعوة والتعايش والتقارب والوحدة والتوحيد ولكل واحد خصائصه وأحكامه.

فكرة التعايش والتسامح:

 لقد أصبحت فكرة التعايش والتسامح دعوة فكرية تحمل في طياتها مضامين فكرية وثقافية وحضارية واجتماعية, وقد تبنى هذه الفكرة ونظر لها من الطرف الإسلامي بأنها هو احترام الآخرين وحرياتهم والاعتراف بالاختلافات بين الأفراد والقبول بها, وهو تقدير التنوع الثقافي, وهو الانفتاح على الأفكار والفلسفات الأخرى في الأديان.

إن موقف الإسلام من التعايش بين أتباع الأديان بحسبان التعايش قيمة راقية من القيم الإنسانية، وباعتباره قضية بالغة الأهمية ، ولأن هدفه هو تعزيز التعايش السلمي المشترك بين البشر من أحل تحقيق الأهداف النبيلة. ولقد أكد الإسلام على الوحدة الإنسانية بالمساواة بين أجناس البشر وشعوبهم وقبائلهم بقوله تعالى: ﴿يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا. إن أكرمكم عند الله أتقاكم.﴾ (سورة الحجرات 13)هذه الوحدة الإنسانية تتضمن الدعوة إلى التألف بالتعارف وإلى ترك التعادي بالتخالف. فإن ذلك يؤكد تأكيدا على عالمية الرسالة الإسلامية, وعالمية الإسلام تجعل الثقافة والحضارة الإسلاميتين منفتحتين على حضارات الأمم متجاوبتين مع الثاقفات الشعوب،لأن الإسلام يريد أن تكون في العالم حضارات متعددة ومتميزة ، كما يريد الإسلام هذه الحضارات المتعددة أن تتفاعل وتتساند في ما هو مشترك إنساني عام.

ومبدأ عالمية الرسالة هو من مبادئ الإسلام الراسخة، وهو الأساس الثابت الذي تقوم عليه علاقة المسلم مع أهل الأديان, ومن هذا المبدأ تنبع رؤية الإسلام إلى التعاملمع غير المسلمين، فلا تكتمل عقيدة الإسلام إلا إذا آمنبالرسل جميعا، لا يفرق بين أحد منهم ، وهذا هو البعد الإنسانيالذي يعطي للتسامح في الإسلام مساحات واسعة. فهذا التسامح لا يلغي الفارق والاختلاف، ولمنه يؤسس العلاقات الإنسانية التي يريد الإسلام أن تسود حياة الناس، فالتأكيد على الخصومات العقائدية والحضارية والثقافية، لا سبيل إلى ألغائه، ولكن الإسلام لا يريد لهذه الخصومات أن تمنع التعاؤف بي ن الأمم والشعوب والتعاون فيما بينها. إن مفهوم التعارف ذو سعة، يمكن أن يشمل كل المعاني التي تدل على التعاونوالتساكن والتعايش، ويمكن أن يستوعب التعارف قيم الحوار والجدل بالتي هي أحسن والاحترام المتبادل.

التسامح والحوار:

 إن التسامح يفتح آفاقاً جديدة في فهم حقوق الآخرين وواجباتهم تجاه غيرهم وعدم فرض قيود على الآخرين ما يتيح تحول الأفراد والمجموعات لمزيد من التمدن ويؤصل من قيمة الحرية. لا بدأن ينطلق الحوار بين الطرفين من أرضية مشتركة أولا ثم يتدرج منها إلى مواضيع الخلاف لكي تحقق الأهداف من الحوار. فقد حاور القرآن الكريم مع الآخرين بأرضية متفقة عليها، مما يدل على هذا قوله تعالى:﴿ يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا، ولا يتخذ بضنا يعضا أربابا من دون الله. ﴾ ( أل عمران 64) لأن الإسلام في الأصل دين يتوجه بالخطاب للعالم كله، وعلى هذا الأساس الحوار والتواصل مع الآخرين ليست مسألة همشية ونما محورية لكونه دين للناس أجمعين.

 

دكتور معراج أحمد معراج الندوي

جامعة عالية، كولكاتا- الهند

 

احمد شحيمطسيكون الأمر ممكنا في عالم أفلاطون السياسي والاجتماعي . وفي أسطورة المعادن الناس ليسوا على درجة واحدة من الحكمة والذكاء والتمرس في قيادة المجتمع نحو العدالة والسعادة . عالم أفلاطون الحقيقي في إزاحة الغوغاء وتحييد الرعاع من السلطة الملفوفة بالمخاطر والمنفعة . ولعل في الأمر مدعاة للغرابة والدهشة أن يشير الفيلسوف للنظام الديمقراطي بأوصاف سلبية . في ظل سيادة هذا النظام فكرا وممارسة بمدينة أثينا من عهد بركليس في القرن الخامس قبل الميلاد . نظام رفع المدينة في بناء قواعد جديدة للممارسة السياسية والتقليل من الصراعات على السلطة والتباهي بين سائر الأمم والمدن الأخرى خصوصا مدينة اسبرطة المجاورة ونظامها العسكري . فهل كان في الأمر ما يستدعي أن يتصور أفلاطون نموذج للممكن في جمهورية مثالية تقود المجتمع نحو العدالة وتخليق السياسة وإرغام السياسي في تبديل قواعد الحكم المستبد ؟ القضية المركزية هنا كراهية أفلاطون للديمقراطية كنظام سياسي يتجلى أولا في إعدام معلمه سقراط الذي ناهز السبعين عاما من عمره وقضت المحكمة بالتهم الموجهة إليه في إفساد عقول الشباب وسب الآلهة . ويروي أفلاطون على لسان سقراط أطوار المحاكمة في بعض من المحاورات ومنها "الدفاع " . فالقوانين الوضعية جائرة ومتعسفة في حق رجل طالما ظل يعلم الناس فن الحكمة والفضيلة . ويجول في الساحة العمومية والأسواق يفند ويفحص الآراء ويطرح الأسئلة ويعلم الشباب أن المعرفة ممكنة بالتأمل والعودة للذات . سقراط الذي قال " أيها الإنسان اعرف نفسك بنفسك " . المعرفة تذكر والجهل نسيان . من عالم الظلال والأشباح والحقائق المزيفة إلى الصعود في مراتب العلم والمعرفة وتعلم الفضائل . لقد كانت أثينا بالفعل ظالمة في حق رجل امن بالقوانين ورفض الهرب والفرار من السجن ومن المدينة التي تنفس هوائها . جوهر القضية التي قال عنها سقراط أنها مسألة ادعام عام وليست قضية شخصية . سقراط أراد أن يغير العقلية اليونانية والتعليم السائد في الخطابة والجدال وإعداد الشباب الأثيني للمناصب السياسية . هكذا يمكن القول أن النهاية الحتمية للمعلم سقراط قادت أفلاطون أن يتأمل في غايات الفرد وأسس بناء المدينة . في العدالة والأخلاق والمجتمع . وفي العدالة الفردية والعدالة الاجتماعية من خلال النظر في التوازن بين قوى النفس والنظر في قوى المجتمع . فالتصور الأفلاطوني للجمهورية العادلة ليست بالأساس طوباوية ومستحيلة التحقق . بل هي مثال لما يمكن أن تكون عليه السياسة ومواصفات السياسي . المجتمع الحالم بالعدالة التي فصل فيه أفلاطون في محاورة " الجمهورية " . يفند تعريفات غير دقيقة للعدالة والإنسان العادل . وغالبا ما يتدخل قول سقراط للتعبير عن عدم اكتمال التعاريف في انجاز هذا المطلب الإنساني في بناء الدولة العادلة . يفحص قوى النفس  ويحددها في  ثلاث أشكال : القوة العاقلة والقوة الغضبية والقوة الشهوانية . وفي الطبقات الاجتماعية يبدو المجتمع الأفلاطوني تراتبي مقسم بين طبقة الفلاسفة وطبقة الجنود وطبقة عامة الشعب . وتتوزع وظائفهم بين الرئاسة والحراسة والإنتاج. ويناسبهم من المعادن كالذهب للفلاسفة والفضة للجنود والنحاس لعامة الشعب .وفي أعلى الفضائل هناك الحكمة للفلاسفة .والشجاعة للجنود والعفة والاعتدال للطبقة الأخيرة. ومن خصائص الفيلسوف الاتزان والاعتدال والفطنة والذكاء والفصاحة في القول والتعقل والميل للموسيقى والجمال .وكلها بالفعل خصائص من المفروض أن تجتمع في الفيلسوف عبر المران والتربية التي تعني أن الإنسان يجتاز اختبارات ويمر بتقنيات تحدد مكانته في أداء المهمة الموكولة إليه في المجتمع . فمن هو الفيلسوف الحقيقي عند أفلاطون ؟ هذا السؤال يتضمن بالفعل كذلك مواصفات الفلسفة والفيلسوف في عالم المعرفة التي لا يتساوى فيها الفيلسوف مع الإنسان العامي. الأول يخرج من عالم الكهف والمعرفة السطحية نحو الحكمة .ويتدرج في مراتب العلم والمعرفة . كالعلم الطبيعي والعلوم الحكمية والنظر بالعقل في عالم المثل والمعقولات لكل النماذج المثالية كالعدالة والجمال والخير الأسمى . يتحرر العقل  من قيود المعارف الجاهز التي تكبل الإنسان وتمنعه من رؤية الحقائق . الفيلسوف الذي يخرج من قيود العالم الحسي ويرتقي نحو عالم المثل يشاهد الحقائق ويتأملها ويزيل الجهل المستبطن وحواجز المعرفة الحسية وينتهي المطاف نحو تشكيل رؤية عقلية للوجود وإلمام بالفضائل النظرية والعملية وينتهي للتجاوز لكل ما هو محسوس ومشكوك فيه .

وفي قيمة التربية والتعليم أدخل أفلاطون الفلسفة والعلم إلى داخل المؤسسة عندما انشأ الأكاديمية وكتب عل بابها " لا يدخلها إلا من كان رياضيا " شرط التفلسف والتعلم في الولوج للأكاديمية . المؤسسة التي خرج منها أرسطو بفلسفة في غاية الشمولية والدقة بعد عشرين سنة من التحصيل . ظلت الفلسفة الأرسطية نموذج كبير في منح الفلسفة دلالة وقيمة كونية وشمولية في إرساء المباحث الكبرى للفلسفة كالوجود والمعرفة والقيم . فراح أرسطو يتفلسف ويعلم مبادئ الفكر والتفكير للاسكندر الأكبر . وينتج فلسفة كانت تأثيراتها جمة في الفلسفة المشائية وفي نهضة الغرب الحديث من جراء حوار متواصل

بين العلم الحديث وإسهامات أرسطو في العلم النظري والمنطق والفكر الفلسفي

حاول أفلاطون في نظرية العدالة والأخلاق أن يبني السياسة وفق تصور صارم للممكن . ونظر إلى النفس من خلال القوى الثلاث فوجد أن العدالة الفردية موجودة في التناغم بين المكونات النفسية . العقل كقدرة وطاقة في التفكير والتعقل والمنطق والغضب كصورة للانفعال وردود الأفعال المضادة في الإنسان . والغريزة كنزوع طبيعي تسعى للارتواء والإشباع . وفي محاورة " الجمهورية " ناقش قضية الرغبة في جوهرها دون أن يبدي تعريفا حقيقيا لها واكتفى بتصنيفها إلى رغبات مشروعة تتوافق مع العقل والقيم والاجتماعية ورغبات غير مشروعة ضد الأعراف والتقاليد وسلطة العقل . وطرح فكرة المساواة في غاية الأهمية للوصول إلى الفكرة الصحيحة في تحقيق العدالة الفردية عندما يهيمن ويوازي العقل بين الغريزة والغضب ويمنح للنفس اعتدالا وتوازنا. وينتقل أفلاطون للبحث عن التناغم في طبقات المجتمع في توزيع الأدوار بحسب الوظائف والقدرات الذهنية للأفراد. فالفلاسفة طبقة تقود المجتمع نحو تحقيق العدالة والانسجام وتمتثل باقي الطبقات للفلاسفة في حسن تدبيرهم للمجتمع العادل وما يتميزون به من حكمة وتعقل في القيادة والرئاسة. فمن الواضح أن الفلاسفة من معدن الذهب. وأعدل الأنظمة الممكنة في إقامة العدالة هي الجمهورية المثالية المضادة للحكم الاوليغارشي والحكم الديمقراطي والعسكري وغيرها من الأنظمة الفاسدة . ولما حاول أفلاطون الاقتراب من الحاكم الطاغية عندما كتب صديقه ديون رسالة من سيراكوزا يخبره فيها بوفاة ديونيسوس الأكبر وتولي الحكم ابنه . كان هذا الابن شغوفا بالفلسفة . وحلم أفلاطون أن يصير الملوك فلاسفة. والنموذج هنا الحاكم الجديد إلا أن النهاية كانت قاتمة دون أن تحقيق الآمال المعقودة في تحقق فكرة الحكم العادل في جمهورية عادلة .فرار أفلاطون وعودته من جديد إلى أثينا دون أن يتحول الطاغية إلى فيلسوف .وإقامة جمهورية عادلة بقوانين مدنية معتدلة .

يدرك الفيلسوف أن طبائع الناس متباينة في ميلهم نحو الخير والشر.  صفات موجودة في النفس بين القسوة والشدة . الاعتدال والتشدد .بين الحكم الرشيد والمستبد . وتلك والرؤى المتباينة بين الفيلسوف والسياسي في القيادة والحكم وفي التنظير والممارسة . ولهذا لا يرث الأبناء صفات القيادة من الآباء في اغلب الأحيان بل السياسة دهاء ومكر ومصالح وخطط يتعلمها الإنسان بالتجربة والاحتكاك . ويستميت السياسي في الحفاظ على حكمه بكل الوسائل الممكنة .

جمهورية أفلاطون تشترط أن يتنصل الفيلسوف الحاكم من الأبناء والنساء والملكية الفردية ويتفرغ أكثر لشؤون الدولة . ويبدأ الإعداد للفيلسوف بالتربية السليمة والقاسية في التعلم وولوج الخدمة العسكرية وتحصيل العلوم والمعارف . ومن يقرأ في عمق ما يرمي إليه أفلاطون يدرك النوايا الطيبة من مقاصده الهادفة إلى  تخليق السياسة واعتبار العدالة أم الفضائل واستقامة الحكم باستقامة النفس الإنسانية في الاعتدال والانسجام بين الميل نحو السعادة والخير أو تكريس الطغيان والاستبداد . فالفيلسوف من طينة الذهب يبنى بالانتقاء والاختيار وجدارة التفكير العلمي والمران النفسي والجسدي وصفات ممكنة في الفيلسوف للقيادة والتدبير . من هنا ندرك رغبة الفلاسفة في التنقيب والبحث في علم السياسة والحكومات الممكنة في تحقيق العدالة كإنصاف دون إفراط وتفريط شرط أن يوجد حكيم يطبق العدالة ويحقق الخير العميم للناس كما في فلسفة أرسطو . ونعثر في مبادئ السياسة عند الفارابي الميل نحو إقامة المدينة الفاضلة التي يسودها الاجتماع الفاضل . مدينة التكامل ضد كل المدينة الضالة والفاسقة والجاهلة ومدينة التغلب . يسود المدينة الفاضلة الاجتماع الفاضل ويطبعها التناغم والانسجام . فهي بمثابة الجسد التام . أما في مختصر ابن رشد في الشرح والتعليق  لكتاب السياسة لأفلاطون للبحث في مواصفات السياسة والسياسي .بالتأكيد الفيلسوف ينشد الكمال ويشترط الإلمام بالطرق البرهانية والاعتدال والاتساق في الفعل وذالك التدرج في التربية وتحصيل المعارف .وان تتوافر في الحكم خصال منها الحكمة وجودة الفطنة وحسن الإقناع وقوة المخيلة والقدرة على الجهاد في حال اكتمال القوة الجسمانية . فالنظر إلى تأويلات وتعليقات ابن رشد على كتاب السياسة أو الجمهورية لأفلاطون لا يخلو من اكراهات ذلك الزمان عند الحذر في القول الذي يتعارض مع الشريعة الإسلامية أو يمكن أن يتجاوز فيه ابن اشد الخطوط الحمراء في الحرية والقول . وفي النهاية يمكن القول أن السياسة ومرامي الفعل السياسي ستتجاوز الطرح اليوناني لإفساح المجال للمرحلة الحديثة في تبني الطرح التعاقدي والمجتمع الديمقراطي . وتجاوز النماذج المثالية في فلسفة القرون الوسطى .

 

احمد شحيمط : كاتب من المغرب

 

عزالدين عنايةفي بحث منشور في مجلة "لِيمس" الإيطالية المعنية بالتحولات السياسية، ضمن عدد أبريل من العام الماضي، أوردَ المؤرخ ألبرتو ميلّوني عشر مسائل عويصة تنتظر البابا فرانسيس: "إصلاح الكوريا رومانا (أي مراجعة الجهاز السلطوي داخل الفاتيكان)، إلغاء الإيور (والمراد به حلّ الجهاز المالي الكنسي بعد تبيّن عدم قابليته للترميم)، الإعفاء عن السلفيين (أي مصالحة المنشقين على غرار اللوفابريين)، التسيير الجماعي للكنيسة (بما يعني تجنب احتكار السلطة وتبني نهج ديمقراطي)، وحدة الكنائس (السعي للمّ شمل أتباع المسيح)، الالتزام بالإنجيل (بما مفاده العودة إلى تعاليم المسيحية السمحة بعد هجرانها)، مراجعة المهام الكنسية (لا سيما ما تعلق منها بالتكوين والأدوار)، علاقة كنيسة روما بالشرق (أي مراجعة السياسات الدينية الفاشلة على غرار الموقف من كنيسة الصين)، الهدنة مع الإسلام (بما يعني إرساء صلح فعلي، يتخطى الحوارات الموسمية)، وأخيرا عقد مجْمَع (تُطرح فيه القضايا المصيرية للكنيسة).

هذه التركة الثقيلة التي ورثها البابا فرانسيس هي علاوة على كونها مزمِنة هي منهِكة أيضا. أنطونيو سبادارو مدير مجلة "لاشيفيلتا كاتّوليكا" (الحضارة الكاثوليكية)، في معرض حديثه عن استراتيجية البابا الحالي أورد: يسألني كثيرون عن مشروع البابا، أقول يبدو الأمر بما يشبه التناقض، وأكاد أجزم أنه لا يعرفه حتى هو.

فمنذ تولي البابا فرانسيس مهامه تعددت النعوت بشأنه، بحثا عن الإلمام بشخصه. وفي الواقع ليس فرانسيس بابا ثوريا حتى يقلب الكنيسة رأسا على عقب، ولا بابا شيوعيا حتى ينادي بالعدالة، ولا أيضا "بابا رجعيا" كما عنْونت "دير شبيغل" الألمانية، بل هو في تقديرنا بابا رومانسي ينشد العودة الحالمة إلى التقليد الإنجيلي. يحاول أن يسلك على نقيض سلفه، وأن يبني هويته البابوية على خلافه. أي البابا الجريء في مقابل البابا الخجول. والبابا المنفتح في مقابل البابا المنطوي. والبابا الوديع في مقابل البابا الخصيم. والبابا العفوي في مقابل البابا المتوجس، تلك هي الدائرة السيكولوجية التي يتحرك فيها خورخي ماريو برغوليو.

فهناك سمة غالبة على الرجل وهي الاندفاع المفرط في قوله وفي فعله، ليس أقلها تصريحه بولعه برقصة التانغو لكن تلك العفوية لم تعفِ برغوليو من تهمة اللهاث وراء الشعبوية، والشعبوية والمرائية توأمان يتناقضان مع روح الدين. وفي غمرة هذا الاندفاع للرجل تبقى مجمل التحديات العويصة مؤجلة، وإن كانت من ضمنها قضايا مستعجلة وأخرى قابلة للتأجيل. وربما ما استأثر بالحديث طيلة المدة التي شغلها حتى الراهن، والتي تناهز الثلاثة عشر شهرا، أمران: الحرص على إجراء تحوير في المواقع الحساسة، بقصد إعادة توزيع السلطة داخل كنيسة روما ولا سيما في "الكوريا رومانا"، العصب الرئيس في الفاتيكان، وقد بات إصلاحها من المهام العصية، والتي تكاد تكون ميئوسة وفق تقدير الخبير بالشأن الفاتيكاني ماركو أنسالدو؛ وإيلاء الشأن المالي الكنسي، وما يستدعيه من تخل عن مظاهر البذخ، والدفع نحو خط الكنيسة الفقيرة. إدراكا من برغوليو أن الكنيسة قد أصبحت مؤسسة متخمة يلهيها المال وغافلة عن تعاليم الإنجيل. وآخر تداعيات ذلك الخط الذي انتهجه برغوليو، أن رئيس أساقفة ولاية أطلنطا في الولايات المتحدة المونسنيور ويلتون غريغوري، الذي أنفق أكثر من مليوني دولار على مقر إقامته الفخم، استحى وثاب إلى رشده، وعرَضَ القصر للبيع في مناقصة عمومية، بعد أن عاب عليه صحبه إسرافه الذي لا يليق برجل دين يردّد قول المسيح (ع): "للثعالب أوجار، ولطيور السماء أوكار، أما ابن الإنسان فليس له دار". (متى8: 20)

وما يبقى جليا مع فرانسيس (برغوليو) في فترة بابويته القصيرة، وهو هاجس الغرق المتدرج لكنيسة روما في المال الفاسد، والتآكل المتسارع لرصيدها المعنوي والخُلقي جراء التصرفات المشينة لشريحة واسعة من رجال السوء من رجال الدين. منذ إدراجها من قبل الهيئات المالية الدولية في عداد الدول التي تقترف تبييض الأموال، ومنذ اتهام لجنة حقوق الطفل التابعة للأمم المتحدة حاضرة الفاتيكان بالتستر على الذين يأتون الفاحشة.

وفي تشخيص لتلك الأدواء التي تفتك بالكنيسة، هناك رأي شائع أن رجال الدين الإيطاليين يتحملون الوزر الأكبر في ما آلت إليه الأمور، جراء التسيير الخاطئ واستشراء البيروقراطية واستفحالها؛ وبالمثل جراء قِصر نظر الكنيسة الأوروبية، التي تعوزها الرؤية المسكونية، في وقت يتواجد فيه 43 بالمئة من كاثوليك العالم في أمريكا الجنوبية. لذلك بدا تصعيد فرانسيس لسدة البابوية حاجة ماسة وبحثا عن خلاص عميق، ومن ناحية أخرى بمثابة مسرح عبث. إذ كيف للذين صنعوا التلوّث أن يكلّفوا شخصا جادا لتنقية ذلك التلوث؟ والحال أن المؤسسة الدينية تدافع عن مصالحها التي ترتئي أنها مرتبطة بجوهرها الإلهي، بحسب تشخيص المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي.

يعلق اللاهوتي هانس كونغ على المساعي الحازمة لفرانسيس للخروج من ورطة الكنيسة بقوله: البابا يريد الذهاب قدما، غير أن محافظ الكرسي الرسولي جورج غانسوين يثنيه. البابا تشغله الإنسانية الحية، في حين تشدّ غانسوين الرؤية الجامدة. البابا يريد أن يوجد سينودس الأساقفة حلاًّ فعليا للمشاكل التي تعصف بالأسرة، المزمع عقده في أكتوبر القادم، لكن غانسوين يستند على رؤى عقدية تقليدية لإبقاء الوضع على ما هو عليه.

وفي غمرة هذه التحديات التي تؤرق الكنيسة الكاثوليكية، يعوّل البابا فرانسيس في عملية الإصلاح المستعجلة على الكرادلة الثمانية، على مجلس الحكماء الذي شكله، للقيام بتشخيص الأمراض التي تفتك بالقطيع. وبالمقابل في غمرة المصاعب التي تواجه الكنيسة العربية، يعوّل شق هام من أتباع المسيح على الكنيسة الغربية المنهَكة في تجاوز المحن التي تعصف بكنائس المشرق. وبالمحصلة أن البابا فرانسيس كغيره من البابوات يلوّح بناظريه نحو الشرق، إلى كنيسة القيامة وبيت لحم والناصرة، لكن ذلك لا يعني الكثير لديه أمام ما يشغله من مشاكل بيته في روما.

 

د. عزالدين عناية

 

صادق السامرائيهذه محاولة لإستكناه جوهر الفكرة وآليات تفاعلها  مع الأدمغة ، في عصر تتشكل فيه الأدمغة بأساليب مغايرة تماما لجميع العصور، وتتحرك الحياة بسرعة الضوء، وربما أسرع، وفيه تتكشف الأسرار وتتهاوى الكثير من الحالات التي كانت في قبضة اللاأدري، ومن المبهمات.

وهي محاولة متوافقة مع معطيات العصر الفكرية والعلمية والإبتكارية التواصلية، التي حوّلت الأرض إلى عالم يزداد تصاغرا، ويبدو وكأنه يمكن أن يوضع في جيب قميص، أو في كف البشر.

وهي ليست خيالا مجردا وتوهما مبتسرا، وإنما تشير إلى حقائق باتت قاب قوسين أو أدنى من وعي البشر المتفاني في كشف الأسرار، وإزاحة الستار عن حُجب المُحال ، فالأفكار بمكنوناتها أضحت شغل البشر الشاغل، وهدف بحوثه ودراساته العلنية والخفية، وقد قطع شوطا في قدرات فهمها والإمساك بتلابيب جوهرها وذات كينونتها، ومكونات طبيعتها، كما تمكن سابقا من الكشف عن حقيقة الذرات والجسيمات الطاقوية الكامنة في قلبها.

فهل من قفزة عربية أصيلة إلى ميادين الأفكار؟!!

(1) 

يقول إبن رشد: "إنّ للأفكار أجنحة وهي تطير لأصحابها"!!

وقد أدهشني هذا القول وأنا أبحث في طبيعة الأفكار ومداراتها وآلياتها التفاعلية وقدراتها التوالدية وكيفيات إحلالها في الأدمغة.

وماهيات الأفكار وجواهرها ربما لم يُطرق كثيرا من قبل، والبحث عن ماهية الأفكار، يدفعني للتأمل في الأعراض العقلية وما يبوح به المريض النفسي، فأحاول أن أجد أسلوبا لفك رموز الشفرات التي نسميها هلاوسا وأوهاما وغيرها من العلامات، والأعراض المعروفة للأمراض العقلية والنفسية.

ويبدو كأن الأفكار جسيمات طاقوية ذات طبيعة كهروكغناطيسية، ويمكن دراستها، فهي كأي طاقة أخرى في هذا الكون الطاقوي المتسع الحالك الإظلام.

فالفكرة وفق هذا الإقتراب عبارة عن طاقة كهرومغناطيسية ذات قدرات تنافرية وتجاذبية، وتملك دريئة من ذاتها تحميها وتحتويها، وما أن تجد الصيرورة العُصيبية التواصلية القادرة على إستدعائها أو طردها فأنها تتصرف وفقا لذلك.

والموجودات الحية تعبيرات مادية عن الطاقات الفكروية، فالبشر فكرة ووسيلة للتعبير عن الفكرة التي يتمكن من إقتناصها من فضاء وجوده، أي أن الأفكار تتجاذب وتتدامج وتتفاعل بإيجابية أو سلبية.

 

وهذه الأفكار يمكن تسجيلها وتصويرها وتفريغ الأدمغة منها، وهذا يعني أن المستقبل سيحبل بقدرات سحب الأفكار من الأدمغة وفك رموزها!!

وستتم قراءة الأدمغة كما يُقرأ أي كتاب، وهذا يعني أن البشر في هذا القرن سيتعرى تماما!!

(2)

وما النشاطات العدوانية المتكررة إلا نشاطات لتحفيز القدرات الإبتكارية للوصول إلى إختراع أجهزة ذات قدرات فائقة على قراءة ما تحتويه الأدمغة، وعندها يتم التعرف على البشر الذي يزمع القيام بأي نشاط عدواني أو شرير.

أي أن البشر سيمر من خلال أجهزة تكشف ما يحتويه دماغه أو رأسه من أفكار، وسيتم توجيه التهمة له بما يحتويه دماغه.

ولكن هذا الإحتواء لن يصل إلى حالة الفعل أو العمل والتنفيذ إلا بتوفر قدرات التملك المطلق للبشر من قبل الفكرة الفاعلة الناشطة في دماغه، أو التي تمكن دماغه من إصطيادها أو إستنزالها من فضاءات وجودها وأكوان صيروراتها وإنتاجها.

وأعراض الأمراض العقلية ما هي إلا ظواهر فيزيائية، ولا يمكن تحقيق الشفاء والتعافي منها إلا بالإقتراب الفيزيائي!!

فالبشرية أمضت سبعة عقود أو أكثر مكبلة بالإقتراب الكيميائي، وهذا لا يمثل الصورة الكاملة للعرض النفسي والعقلي، فالنشاطات الكيميائية في الدماغ لها علاقة بالطبيعة الفيزيائية، لأنها تتسبب بنشاطات كهرومغناطيسية ذات قدرات تفاعلية مع جسيمات الأفكار الطاقوية، والتعبير عنها بالسلوك الناجم عن إمتلاك الفكرة للدماغ، وكلما تعاظمت سيادة الفكرة على الدماغ، إستطاعت أن تؤثر في الذات البشرية وموضوعها.

ويبدو أن البشرية قد هيمنت على وعيها وآليات تفاعلاتها أفكار معينة متوارثة عبر الأجيال، حجّمت قدرات أدمغتها وصفّدتها في صناديق تصوراتها وتطلعاتها المتأسنة والمتمحنة بمواضعها، ومنعت عنها إستنشاق نسائم الرؤية المطلقة، الخالية من التشويهات والتحضيرات الكفيلة بتقليص قدرات الوعي والإدراك، والتفاعل الإبداعي التواق.

وذلك سلوك بقائي وضروري للتواصل البشري فوق التراب، لأن إطلاق العنان للأدمغة لتتشكل وفقا لما تحتويه من القدرات التواصلية الذاتية يتسبب بإضطرابات موضوعية ذات تداعيات خطيرة ومدمرة للحياة الآمنة المستقرة.

وقد تأكد ذلك في المجتمعات التي ما أن أزيل عنها غطاء الطغيان حتى تشظت، وتماحقت مفرداتها وإنحدرت إلى مزالق الإمحاق المتواجع.

(3)

وكأن الفكرة مثل رأس البصل!!

فالقوة الكبرى تكمن في أصغر ما فيها وهو قلب رأس البصل!!

ذلك أن الطاقات المضغوطة تحقق الإستحالات الكبرى.

فالتصاغر الأعظم يحقق إنفجارا أعظما، وإذا تدامجت الصغائر أوجدت إنفجارا هائلا يعيد تشكيل عناصر الحياة من جديد.

فالقوة الإندماجية أقوى من القوة الإنفلاقية، والأفكار لها طبائع وقدرات تتحول بواسطتها إلى إنفجارات مدوية في أركان المكان والزمان الذي يحتويها.

وما الحروب العظمى إلا تعبيرات عملية عن إنفجارات إندماجية أو إنفلاقية للفكرة التي عصفت بأدمغة الملايين، وأهلتهم للتحول إلى أدوات أو آلات للتعبير عن إرادتها أو طاقتها، وهذا يفسر السلوكيات المتنوعة العاصفة في المجتمعات البشرية، والتي تنامت بسبب سهولة وسرعة التواصل والتفاعل عبر وسائل الإتصالات السريعة جدا.

وهذا يعني أن  الإنفجارات الفكروية بأنواعها ستتواجد في وقت واحد.

أي أن الأرض ستزدحم بالأحداث والنشاطات المدوية في كل مكان، والناجمة عن إنفجارات فكروية ذات طبيعة إندماجية أو إنفلاقية.

 

وما دامت قدرات السيطرة على بث الأفكار المستنزلة من معاقلها ضعيفة، فأنها ستتفاعل وتتقاطع وتسعى لتشكيلات متوالدة، ذات تأثيرات غير محسوبة ولا تخطر على بال الأجيال المعاصرة.

ووفقا لهذا فأن البشرية مقبلة على عصور ذات أدمغة مغايرة لأدمغة الأجيال في جميع العصور، لأنها ستكون ذات قدرات إستحضارية لأفكار بقيت محلقة في فضاءاتها منذ الأزل، وستتمكن هذه الأفكار من صناعة التغيرات الأصيلة،  لما تكتنزه من طاقات هائلة إكتسبتها بفعل بقائها الطويل في مكامنها الكهرومغناطيسية متكاثفة مكبوسة، وما أن تلامس آلة دماغية تستوعبها حتى تحقق الإنفجار الإندماجي أو الإنفلاقي المهول .

(4)

فهل أن هذه الأفكار هي التي ستكون القوة القادرة على فناء الإنسان؟

وهل أن المخلوقات الأخرى كانت ذات قدرات فكروية عالية فقضت على وجودها، وأبقت أنواعها المجردة من القشرة الدماغية الكفيلة بالقضاء على وجودها؟

فالقشرة الدماغية بما تمتلكه من عُصيبات تميّز ما بين المخلوقات كافة، والبشر يتفوق عليها بما يحتويه من عُصيبات مضغوطة ذات نشاطات كهرومغناطيسية فائقة، ويمكنه أن يوفر لها الطاقة اللازمة لعملها، وتأهيلها للوصول إلى أقصى قدرات إمساكها بالأفكار ورفضها أو الإمتثال لأمرها.

وبما أن البشر غير قادر على التخلص من قشرته الدماغية فأنها ستتخلص منه!!

وهكذا فأن العالم المعاصر بكل ما توصل إليه وأنتجه في مصانع قشرته الدماغية سينقلب وبالا عليه!!

ذلك أن من بين البشر مَن لديه أدمغة ذات قشرة مكثفة ومقتدرة على تحقيق الإنفجارات الإندماجية والإنفلاقية في آن واحد، وإن أمسكت بعنق زجاجة الحياة المعاصرة فأنها ستنفجر حتما وسينسكب ما فيها فوق رمال الفناء الأبيد.

 

د. صادق السامرائي

 

صالح الرزوقبقلم: ستافروس د. مافرودياس

ترجمة: د. صالح الرزوق

لا تهتم ما بعد الحداثة بالتيارات النظرية (اللاأرثوذوكسية الجديدة ومتوسطة المدى). ومع ذلك إن سكريبانتي يشير لها بشكل سطحي ودون مبرر. ويضعها في ما بعد الماركسية - مع أنها بذاتها ليست من هذه الشريحة- ويتفق معها على رفض نظرية المراحل والأطوار، وهذا خطأ أيضا. فهذه الفكرة متأثرة أساسا بـ "ما بعد البنيوية العالمية". ولكن يمكن القول إن التبدل الراديكالي في التاريخ قد حصل، ونحن نعيش في مرحلة رأسمالية بعد حديثة (ما بعد الفوردية، والتقسيم الصناعي الثاني، إلخ). وعليه، إن عناصر ما بعد الحداثة في هذه النظريات هي انعكاس لتبدلات حقيقية وليس مجرد مقاربات نظرية فقط. وإن ما بعد البنيوية وما بعد الماركسية هي جسور للعبور إلى ما بعد الحداثة.

وتنح وهذه النظريات لتنأى بنفسها عن البنيوية (مع أنها بالتعريف هي أولى مرجعياتها)، وتوفر للوسيط حرية أوسع. وهذا أقرب لكيفية تنظير العلاقة بين الاقتصاد والسياسة والإيديولوجيا. فهي ترسم مسارا متدرجا من بنيوية معتدلة نح وما بعد البنيوية لتنتهي أخيرا بما بعد الحداثة. أضف لذلك، أن النسبية في المفاهيم، وتعددية الأسباب، والانتقائية تدخل ثم تستولي على عملية التفسير والتحليل.

وأخيرا، تصبح المؤسساتية الجديدة، أولا بشكل واضح، ولاحقا بالخفاء، مصدرا أساسيا للإلهام. فهي تعترف جوهريا بعلاقاتها مع ما بعد الحداثة. ولنبدأ من لاش (1990). فه ويفترض اقتصادا سياسيا لما بعد الحداثة، حيث أن "نظاما من الدلالات" يرتبط مع "نظام من التراكم" (أحد المفهومات الأساسية في الضبط والتحكم).  وعلى هذا الأساس، يحدد الشكل الجديد للتراكم الرأسمالي والمعاد بناؤه باسم "ما بعد الفوردية" أ و"الرأسمالية غير المنظمة"، والذي تصف بأنه منعطف أ وتحول من مرحلة الانتاج والاستهلاك بالجملة وباتجاه اقتصاد الخدمات والمعلومات، والانتاج المرن، والاستهلاك المتخصص. وإذا وضعنا بعين الاعتبار الجانب الاجتماعي، إن الطبقة العاملة تتقلص وتتجزأ، ويتم تحويل المقاومة إلى حركات اجتماعية غير مركزية داخل كل طبقة حيث يكون التراكم مختلف الأشكال ومتعددا، وحيث تسود الفردانية. أضف لذلك، يعتقد لاش أن هذا النظام التراكمي بعد الفوردي يتحول بإيقاعات متسارعة إلى نظام دلالي لأن كلا من أدوات وقوى الانتاج تتطلب مذراة ثقافية عوضا عن أن تكون مذراة اقتصادية. وإن قوى الانتاج بعد الآن لا تعمل بوساطة أدوات الانتاج المادية. ولكنها تحتوي على موضوعات الخطاب والاتصال بين الإدارة والأعمال، ويقترح لاش أن فرض دوائر الجودة والإرشادات على نح وواسع ه ودليل واضح، ولا يمكن إنكاره، على هذا التحول المزعوم. وبالنسبة للقارئ المطلع، إن كل هذه العناصر النظرية هي مستعارة من مقاربة التحكم والانضباط ونظرية التخصص المرن. ويدعم هذا الأسلوب بمراجع من مؤسساتية ويليامسون الكلاسيكية الجديدة ومن نظرية بيل في المجتمع بعد الصناعي. لكن ما بعد ماركسية لاكل وموف بمرجعياتها الاقتصادية المسطحة والمعزولة تضغط من أجل إقحام أنظمة لضبط التراكم. وهذا لا يعني أن النظريات الجديدة غير الأرثوذوكسية متوسطة المدى تلتصق قلبا وقالبا مع ما بعد الحداثة وما بعد الماركسية. وعلى العكس، هي تمثل اختيارا في وسط الطريق. وبالنسبة للتقليديين أصحاب المعايير فقد أدخل لايبتز علانية مفهومه عن كون من الخطابات والتمثيلات السياسية كمقابل للمفهومات الاعتيادية لنظام التراكم واتجاه التحكم المعياري. وفي كتاباته الأخيرة عمد أغليتا للتخلص من نظرية المعياريين وتبنى نظرية فوك وفي معنى السلطة، وسياق بوديارد التاريخي، ومنهجية جيرار وعمل في ظلها.

عموما إن نظرية التخصص المرن، تتبنى رؤية أكثر نسبية وتاريخانية وبهذا الاتجاه يتكلم عن تفوقها على المعايير (هيرست وزيتلين، 1991). إن الانتاج على نطاق واسع وخليفته المرن هما ابداعات تاريخية حصلت بالصدفة ولم ترث ضروريات الرأسمالية (سيبيل وزيتلين، 1985). إن إغراق السوق بنتاج قياسي بالجملة قاد إلى تبدل في أفضليات المستهلك وإلى خلق زوايا في السوق تتمركز على صفات الجودة. أضف لذلك، إن إجهاد مقدرات الفورديين التقنية وأزمة السبعينات، أدت لعودة ظهور الانتاج المرن على نطاق محدود. والتلازم تبلور لخلق بارادايم تكنولوجي جديد أساسه ماكينات مبرمجة ومرنة قادرة على الاستجابة بسرعة لتبدل الطلبات، وباستعمال عمال لهم مهارات متعددة المستويات وذلك في سياق تعاوني وتنافسي يمكن تمثيله بالمنطقة الصناعية المعاصرة التابعة للمارشالية الجديدة. والنتيجة هي عصر جديد من التخصصات المرنة. ومن المهم الإشارة إلى أن فضاء الاستهلاك و"تحريره" من ضغوط التغذية الجانبية تعتبر هي القوة الدافعة لهذه التطورات. وعليه، إن سيادة المستهلك الحقيقي تحققت، وعلاوة على ذلك إن أفضليات المستهلك قد تكونت على أساس من الحالة ومن عناصر الخطاب. وما يثير الاستغراب، أنه لم يؤخذ بعين الاعتبار نظرية بوديارد في الاستهلاك وفي مقاربة ظروف ما بعد الحداثة.

 

ترجمة: صالح الرزوق

..........................

ستافروس د. مافرودياس Stavros D. Mavroudeas يعمل في قسم الدراسات الاقتصادية، جامعة مقدونيا، سالونيك، اليونان.

 

 

 

عامر صالحان تحقق هدفا انسانيا مجتمعيا كالخلاص من نظام دكتاتوري يجب ان تكون لك القدرة الذاتية العالية على التنظيم والأعداد والتنفيذ الجماهيري، الى جانب التسلح برؤية مستقبلية للأحداث ما بعد سقوط النظام واستقراء للبدائل الممكنة ذات المضامين الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، الى جانب القدرة العالية على اعداد الشعب وطلائعه السياسية لأحتواء احداث ما بعد السقوط.

ما حصل في العراق هو ان هناك أزمة عامة يعاني منها النظام السابق ولم يكن يستطيع الاستمرار في البقاء إلا عبر القمع الواسع وأخلاء الساحة العراقية من أي فرصة للتنظيم المعارض الواسع للنظام، وعمل النظام عبر عقود بقائه على البطش والأقصاء وتهميش المعارضة والتنكيل بها، حتى اصبح النظام تقريبا هو اللاعب الوحيد في الساحة مقابل معارضة سياسية انتشر معظمها في بقاع الارض المختلفة من دول العالم، وبالتالي نقول هنا انطلاقا من مسلمات علم الثورة: لكي تقوم بثورة ما فهناك مقومين، اولهما موضوعي يتجسد في حالة البؤس والفقر والظلم والطغيان والفساد والاضطهاد التي يمارسها ويعج بها النظام السياسي وتهالك مقومات بقائه كنظام صالح للعيش والبقاء، والمقوم الثاني وهو العامل الذاتي والذي يتضح بمستويات وعي الجماهير واستعدادها للبذل والتضحية والتنظيم الذاتي وتوفر الطليعة والنخب الوطنية القادرة على قراءة اللحظة التاريخية وقيادة الجماهير نحو لحظات مفصلية.

هذه العلاقة الجدلية بين ماهو موضوعي وذاتي في إحداث الفعل الثوري كان مفقودا نسبيا في الحالة العراقية، فالازمة الموضوعية للنظام على الارض العراقية يقابلها عوامل ذاتية تمثلها معارضة مشتتة ومتصارعة فيما بينها لدرجة التصادم وما يجمعها فقط هو اسقاط النظام الدكتاتوري، والى جانب تلك المعارضة فهناك فسحة اجتماعية رمادية واسعة تشكلت في المجتمع العراقي ومعظمها من الطبقة الوسطى والتي كيفت نفسها لتتعايش مع النظام وتفهم مزاجه وماذا يريد، كما تمكن النظام السابق من ترويضها عبر مختلف المغريات الشكلية والتي لا تتجاوز تأمين لقمة العيش في بلد انهكته الحروب والحصار، مما افقد المعارضة العراقية دور هذه الفئات واستلاب دورها المميز في عمليات التغير الجذري.

كان طول أمد بقاء النظام السابق وعدم المقدرة على اسقاطه كهدف للمعارضة من اهم العوامل السيكولوجية التي ألقت بظلالها على قوى المعارضة العراقية في خلق حالة من الأحباط النفسي المتراكم، تجسد في بعض مظاهره بردود افعال العدوان ليست ضد مصدر الأحباط " النظام السابق " بل سلوك عدواني بين اقطاب المعارضة نفسها، عكسته العديد من الصراعات الميدانية المسلحة والدموية بين بعض من قوى المعارضة، الى جانب اساليب العدوان الاخرى، كالخطاب السياسي المعبأ بالكراهية والتحريض والتشكيك والتخوين.

وأنطلاقا من تلك العلاقة الارتباطية الموجبة بين الاحباط والعدوان، والتي تنطبق على الافراد كما تنطبق على الاحزاب والجماعات فقد كان تراكم الاحباط لدى المعارضة العراقية والمتسبب من محاولات بقاء النظام السابق وخروجه " سالما " من حروبه الداخلية والاقليمية، فقد تضاعفت بقدر كبير فرص " العدوان " سيكولوجيا والتي تساوي محاولات اسقاط النظام سياسيا، والبحث عن كل البدائل المتاحة والممكنة لتحقيق هذا الهدف بعيدا عن جدل العلاقة المبدأية بين الوسائل النزيهة والنظيفة لتحقيق غايات سامية.

ومن هنا كان القبول بالاحتلال الامريكي للعراق واسقاط النظام والتناغم مع اجندته في بناء نظام حكم مبني على المحاصصة الاثنية والطائفية سلوكا ميكافيليا بأمتياز للغالبية العظمى من المعارضة العراقية، مرفوضا في المعايير الوطنية والقيم الدينية، واضفيت على الاحتلال صفة المحرر والمنقذ، انه سلوك لأحداث نوع من التوازن النفسي عبر تفريغ طاقة " العدوان " نحو النظام الدكتاتوري السابق بعيدا عن النتائج الكارثية بعد اسقاطه، وان ما ينطبق هنا على ديناميات الفرد السلوكية ينطبق ايضا على ديناميات الصراع بين الجماعات المختلفة.

اما المطالبات اليوم بخروج القوات الامريكية وقواعدها من العراق" ورغم قدسية الهدف المشروع " فيجب على من يرفع شعار او ينادي بمطلبا أن يدرس القدرات الذاتية والموضوعية في ظل واقع مزري ونظام سياسي فاسد ومنافق " بالامس اعتبر أمريكا محررة وفاتحة لعراق جديد واليوم محتلة وعليها الخروج، تلك هي عقدة النقص في السياسة العراقية والزعماء السياسين الذين قبلوا بالاحتلال واجندته ولكنهم أسرى لأجندة الصراع الاقليمي. وبقدر ما احتجت بعض الاحزاب والمليشيات على زيارة الرئيس الامريكي المفاجئة للقواعد الامريكية " وهو احتجاج مشروع " بغض النظر عن التوقيت واجندة الصراع التي تقف ورائه، ولكن كان يفترض وبنفس القدر ان تأخذهم الغيرة والحمية في الاستجابة لمطالب اهل البصرة المنكوبة والمحافظات العراقية الاخرى والاستجابة لمطالب النازحين والمهجرين والمنكوبين وضحايا الحروب والاستجابة لمستلزمات بناء دولة المواطنة التي تستطيع مقارعة الاحتلال الامريكي. 

ان زيارة ترامب السرية الى العراق والتي اثارت موجة تصريحات معادية من قبل اغلب ساسة العراق والفصائل المسلحة لكن هذه التصريحات تناست اتفاقية الاطار الاستراتيجي الموقعة بين بغداد وواشنطن والتي بموجبها جاء ترامب لتفقد قوات بلاده في قاعدة عين الاسد غربي العراق كون هذه الاتفاقية تسمح للرئيس الامريكي ووزير الدفاع ورئيس هيئة الاركان الامريكية المشتركة تفقد القوات الامريكية المنتشرة خارج ارض الولايات المتحدة وحتى المشاركة ضمن تحالفات عسكرية..

وبعد عقد من الزمن تعود اليوم الاتفاقية الأمنية الاستراتيجية بين العراق والولايات المتحدة وتتعالى الأصوات الداعية إلى إلغائها بالتزامن مع الزيارة السرية الخاطفة للرئيس الأميركي ولكن وبحسب الاتفاقية التي تم توقيعها من قبل حكومة رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي عام 2008 فإن قوات الولايات المتحدة المقاتلة والمنسحبة من المدن والمحافظات، ستبقى في المنشآت والمساحات المتفق عليها مع الحكومة العراقية. وهناك حديث عن اكثر من عشرة قواعد عسكرية امريكية منتشرة في مناطق مختلفة من العراق واكثر من عشرة آلاف مقاتل امريكي ولكن المعلومات الدقيقة لاتزال قيد الكتمان من قبل الطرفين العراقي والامريكي.

لقد استغلت زيارة ترامب الى العراق كغطاء للاحزاب الحاكمة لممارسة ديماغوجية منقطعة النظير امام الرأي العراقي العام في محاولة لأضفاء رمادية قاتمة على الوضع ومسبباته، فبدأ اقطاب حزب الدعوة بألقاء التهم على بعضهم من باب التساؤل، فجناح المالكي يقول ان العبادي هو من أتى بالامريكان لمحاربة داعش، والعبادي يقول أن من أتى بهم هو المالكي قبل نهاية ولايته وبعد سقوط المدن الغربية بيد داعش وكان ذلك بتاريخ 24 يونيو عام 2014 وان ذلك مثبتا في وثائق الامم المتحدة واستنادا الى اتفاقية الاطار الاستراتيجي بن العراق وامريكا. ان هذا الجدل البيزنطي هو لذر الرماد في عيون العراقيين ومحاولة لتبرئة الاحزاب الحاكمة من قبول الاحتلال الامريكي كعملية لتحرير العراق كما وصفت انذاك، وكما يقال " فأن دخول الحمام مش زي الخروج منه".

أن فشل النظام المحصصاتي المليشياوي نظام الدولة العميقة" إن كانت هناك دولة " خلال عقد ونصف من الزمن والذي أتت به امريكا وباركته ايران، فشل في صياغة علاقة طبيعية للعراق في محيطه الاقليمي والدولي وغير قادر على حسم المسارات الاساسية في سياسة العراق الخارجية وتحديد من هم حلفاء العراق استنادا الى مصلحة الشعب العراقي، كما فشل في مسارات الاصلاح الداخلي على صعيد محاربة الفساد الاداري والمالي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي.

الامريكان يقولون لا نريد حليف نصفه عدو ونصفه الآخر صديق، والسياسيين العراقيين منقسمون في معظمهم الى نصفين، نصف مع امريكا ونصف آخر مع ايران، وبين النصفين هناك منطقة وسطى يمثلها شعبنا تتجسد في الرغبة في بناء عراق متصالح مع ذاته ومع محيطه الاقليمي والدولي، استنادا الى أولوية المصلحة الوطنية العراقية وبعيدا عن استخدام العراق وارتهانه لتنفيذ أجندة اقليمية ودولية. نقول ختاما لم يستفد العراق من المحتل الامريكي واستنادا الى قرارات مجلس الامن والامم المتحدة بكونه محتل وعليه ألتزامات دولية كتوفير الأمن وبناء الخدمات واعادة بناء الدولة على أسس سليمة، كما لم يستفد من محيطه الاقليمي وخاصة من ايران في بناء علاقة متوازنة تخدم العراق واستقلاليته وعدم التدخل في شؤونه الداخلية.

ومن هنا تأتي مطالبة شعبنا الواضحة في حراكه الشعبي بتوفير مقومات البيئة المواتية للاصلاح الشامل والمتمثلة في الخلاص من نظام المحاصصة الطائفية والاثنية، وهذا يعني اجراء تعديلات جوهرية على الدستور، واعادة النظر بقانون الانتخابات، واصدار قانون الاحزاب والذي يمنع تشكيل الاحزاب على أسس دينية وطائفية وقومية، الى جانب تشريع قانون النقابات والاتحادات، وقانون النفط والغاز، وقانون حرية التعبير، وقانون المحكمة الدستورية، وقانون مجلس الاتحاد، واعادة تشكيل مفوضية الانتخابات وهيئة النزاهه، واعادة تشكيل مجلس القضاء الاعلى بما يضمن من نزاهته حقا. أن التأسيس لذلك والشروع بالعمل فيه هو الضمانة الاكيدة لمستقبل العراق وحماية مستقبل أبنائه وثرواته ودرء خطر الارهاب. وهي بداية التأسيس لوطن معافى يتعايش فيه الجميع بأختلاف دينه وقوميته وطائفته وجنسه وثقافته، أنها المقدمات الضرورية لبناء دولة المواطنة التي تستطيع الخلاص من الاحتلال الامريكي وآثاره ومن التدخلات الاقليمية.

 

د. عامر صالح

 

مادونا عسكركلّما  تمحورت الجماعات حول الدّين كمنظومة تقيّد الإنسان بالظّاهر الإيمانيّ، تراجعت في النّمو الفكريّ واتّجهت نحو تحجيم العقل وأسره في أطر محدّدة تتراوح بين التّمسّك الحرفيّ بالشّريعة والانغلاق على الذّات. هذا من جهة، ومن جهة أخرى وبفعل الانغلاق والتّقوقع تعدّ نفسها الأفضل بل الوحيدة الحاملة للحقّ. ما يؤثّر تلقائيّاً على التّقدّم والنّموّ الرّوحيّ لأنّ الأمر متعلّق  بالحرف لا بالرّوح. فالحرف قاصر وعاجز عن فرض نفسه على الرّوح كي يتثنّى لها الانطلاق والتّحرّر من هيمنة المعنى الظّاهر. وأمّا الرّوح فمرتبطة بالتّأمّل، اللّغة الصّامتة الباحثة في العمق الإنسانيّ انطلاقاً من الاختبارات الشّخصيّة الخارجيّة  والدّاخليّة. وكلّما تباعد الدّين عن الإيمان، أي كلّما تزايد الاهتمام بالشّكل الدّينيّ بدل الاهتمام بالنّموّ الإيمانيّ أي عمق العلاقة مع الله، تمحور الإنسان حول نفسه، بل عبدها ظنّاً منه بهذا التّمحور أنّه يعبد الله. فينتج عن ذلك إعلاء وهميّ للذّات يدخل الإنسان في دوّامة إثبات العقيدة أو الدّفاع عنها. فيشغل وقته بالبحث عمّا يثبت أنّها الحقّ الوحيد الّذي ينبغي أن يخلص إليه كلّ إنسان. وبذلك يمنح نفسه رتبة أعلى من الآخر معتبراً إيّاه ضالّاً. أو يشغل وقته بالدّفاع عن العقيدة، وكأنّه يبرّر وجودها أو يشكّ هو ذاته بمضمونها واضعاً ذاته في زاوية المتآمَر عليه، ممّا يجعله في حالة دفاع دائم. لذلك تتراجع اهتمامات الجماعات المنغلقة على ذاتها بالعلم والأدب والفنّ وتتّجه نحو التّعنيف الماديّ والمعنويّ بحجّة إحلال الحقّ. في حين أنّ الهدف الضّمنيّ هو تحقيق انتصار شخصيّ بعيداً كلّ البعد عن الحقّ أو عن تحقيق الشّريعة. كما أنّ هذه الجماعات، أيّاً كانت توجّهاتها أو انتمائها أو عقيدتها، تنحدر بمستواها الفكريّ والثّقافيّ إلى ما هو دون الثّقافة الّتي تخدم الإنسان وتسهم في تطويره، لأنّها محدودة بفكرها الخاص الموجّه نحو انتزاع الآخر من ثقافته وإيمانه الشّخصيّ.

 بالمقابل فالمهتمّون بالنّموّ الإيمانيّ منفتحون على النّور الإلهيّ، أحرار من ذواتهم  المعقّدة ومن الآخر العابد لأنصاف الحقيقة، مستنيرون بالنّور فيسيرون به ويخلصون إليه. الدّين وسيلة وأمّا الإيمان فحياة. وليس من ميزان نقيس به درجة إيمان كلّ شخص. وليس من مجهر يدقّق في العلاقة بين الإنسان والله. الأمر الّذي لا يقبل أيّ نقاش في هذه المسألة الإيمانيّة وفي العلاقة الحميمة والخاصّة مع الله. ومن خلال هذه العلاقة يعي المؤمن أنّه بحاجة إلى جهاد شخصيّ ومثابرة على تجذير وتعميق هذه العلاقة؛ لاستئصال الجوانب المظلمة  الكامنة في النّفس البشريّة حتّى يمّحي كلّ حاجز، مهما كان صغيراً، بينه وبين الله. بالتّالي فلا وقت لديه للانشغال بإدانة الآخر واتّهامه بالضّلال والتّعالي عليه. فالحياة مهما طالت قصيرة جدّاً وهو بحاجة لبلوغ هدفه، قلب الله. كما أنّه يعي جيّداً أنّ دعوة الآخر تقتصر على الحبّ لا على الانخراط في دين آخر بغية ربح الجنّة. فماذا يريد الإنسان من جنّة تميّز بين البشر في حين أنّ العالم يقوم بهذا الواجب؟ وكيف يتحدّد الإيمان إذا ما ارتبط بمصلحة بلوغ الجنّة؟ وما قيمة حبّ الله إذا كان طمعاً في الجنّة أو خوفاً من جهنّم؟ الحبّ لا يفهم هذا المنطق، الحبّ هو الحبّ. والحبّ يكون من أجل الحبّ وحسب. الجنّة هي قلب الله وقلب الله يستوعب كلّ البشر، وهو أدرى بخلائقه، وأعلم بالقلوب. ولا أحد يملك الحقّ بالإنابة عنه أو الدّفاع عنه أو إدانة الآخر انطلاقاً منه. ليس هدف الإيمان بلوغ الجنّة بل إنّ الإيمان مساوٍ للخلاص أو للحرّيّة الإنسانيّة الكاملة الّتي لا تتحقّق إلّا بالحبّ الإلهيّ.

"الحقّ حقّ في نفسه لا لقول النّاس له" (ابن النّفيس)، ولا يبلّغ الحقّ إلّا الحقّ ذاته، وهو يأتي بنفسه ويملأ قلب الإنسان بقدر ما ينفتح هذا الإنسان على النّور ويسمح له بالتّسرّب إلى أعماقه. فكيف يستقبل الحقّ من هو مشغول بإدانة الآخر؟ من السّذاجة والجهل أن يصدّق أحد أنّه يحمل وحده الحقيقة الّتي ينبغي أن يقتنع بها الجميع. فالحقيقة ليست معادلة حسابيّة، وإنّما الحقيقة مسيرة اختبار شخصيّ ورحلة طويلة يعوزها الصّمت والإصغاء والتّأمّل والجهاد الرّوحيّ والاستنارة العقليّة. وما سوى ذلك فمضيعة للوقت وتشويش للرّوح وارتباك للعقل وانحدار نحو الجهل. وفي اللّحظة الّتي تبادر فيها الحقيقة، لا يتلمّس منها الإنسان إلّا شعاعاً بسيطاً يجذبه إلى الانصهار بها حتّى الذّوبان. المؤمن يمضي نحو الله وهو يراه في كلّ شيء. يترفّع عن التّفاهات والسّخافات الّتي تهين العقل المعدّ لرفعة الإنسان. لذلك فليهتمّ كلّ إنسان بنفسه وليدع الآخر بسلام وليسعَ جاهداً ليتحرّر من ظلماته كي يرى الله بعين الحبّ، حتّى إذا ما التفت نحو الآخر عاين فيه الله. قدّيس لطيف يقول بذكاء: "الحكيم هو الّذي يخلّص نفسه".  فالنّفس الإنسانيّة المعقدة بتركيبتها تحتاج إلى الكثير الكثير من الحبّ لتتجرّد وتستقيم وترتفع نحو الله. ومتى خلّص نفسه انعكس هذا الخلاص على الآخر وتبقى له حرّيّة الاختيار.

المؤمن العاشق يتطلّع إلى فوق فالقاع لا يغريه والوقت لا يتّسع للنّظر إلى أسفل. المؤمن العاشق يتحرّر من الشّريعة لأنّه ارتبط بربّ الشّريعة. المؤمن عاشق عابد في قلب الله الّذي يريد أن جميع النّاس يخلصون وإلى معرفته يبلغون.

 

مادونا عسكر

 

عبد الجبار الرفاعيالتفكيرُ في الدولة الحديثة لدى الجماعاتِ الدينية يستوحي البنى القديمة لمرحلة ما قبل الدولة في تاريخنا، ويحيل إلى ميراث دولة الخلافة وغيرها في عالَم الإسلام، لذلك افتقرت أدبياتُ هذه الجماعاتِ إلى مفاهيم ومصطلحاتِ ولغة الدولة الحديثة. لا أتذكرُ في ما أطلعتُ عليه من كتاباتٍ سرّية ومُعلَنة لهذه الجماعات لغةً تتكلّمُ مفاهيمَ ومصطلحاتِ دولة حديثة. وكنتُ أظنّ بأنهم أعادوا النظرَ بلغتهم بعد أن تسلّموا السلطةَ في دول عدّة، لكني راقبتُ كتاباتِ وأحاديثَ بعض قادة العراق اليوم، التي تُنشر وتُبثّ على الهواء مباشرة، فقلما أقرأ أو أسمع فيها تكرّر كلمات: الوطن، الوطنية، المسؤولية الوطنية، الدولة، بلاد ما بين النهرين، حضارة الرافدين، العراق، حضارة عراقية، وغيرها. وما كنتُ أقرأه وأسمعه لغةً تغرقها مصطلحاتُ كلامية وفقهية: واجب شرعي، تكليف شرعي، مسؤولية شرعية، وظيفة شرعية، حرام، وجوب، أمر بمعروف ونهي عن منكر، بيعة، وغيرها من كلمات تحيل إلى مصطلحات المتكلّمين والفقهاء ومؤلّفات الأحكام السلطانية.

وقد أثار استغرابي حديثُ أحد هؤلاء مع مجموعة من الأساتذة الجامعيين ببغداد بهذه اللغة، فتكلّمتُ مع مستشار مقرّب منه، وقلت له: من الضروري أن يعيدَ صاحبُك النظرَ في لغته، لأنه اليوم ليس واعظًا يلقي عظتَه بمسجد، بل هو قائدٌ يمثّلُ كلَّ العراقيين بمختلف معتقداتهم وانتماءاتهم وإثنياتهم. إن ثقافةَ الوعظ غير فكر الدولة الحديثة. فكرُ الدولة يبتني على نظريات الدولة وآراء المفكرين في أسسها وأنواعها ونظمها، وكيفية بنائها في سياق معطيات الواقع، ونسيجِ شبكات المصالح المعقّد والمتحرّك، ومهاراتِ التسويات البراغماتية، بينما ثقافة الوعظ تبتني على مُثُلٍ وقيمٍ وأخلاقياتٍ عامة، وأحكامٍ فقهية تقوم على نظرية التكليف.

إن العملَ بموجب منطقِ التكليف الكلامي في المجال السياسي لا يبني دولةً حديثة، بل غالبًا ما ينتهي إلى نتائج تُخرّب الحياةَ السياسية، وتهدم الدولةَ الحديثة، ذلك أن للفعلِ المكلف به العبد، على وفق منطق التكليف، نتائجَ تنتهي أحيانًا إلى الضدّ من مصلحة الوطن والمواطن، ولا تسهم في بناء الدولة. المكلفُ بالتكليف الشرعي مسؤول أن يبرئ ذمتَه من التكليف، بقطع النظر عن نتائجِ الفعل وآثارِه. لذلك نجد أكثرَ الاسلاميين في السلطة يكرّر هذه المقولة: يهمني إداءُ التكليف الشرعي، وابراءُ الذمة أمامَ الله من الفعل المكلف به، لأنه يعتقد أنه مسؤولٌ أمام الله، ومن ينوب عنه من الخلفاء. وقلما نسمع من يقول: مسؤوليتي حيالَ الوطن والمواطن تفرض عليّ العملَ من أجل مصلحة الوطن والمواطن، والسعيَ لاستثمار كلّ الامكانات والفرص المتاحة من أجل بناءِ الدولة واسعادِ المواطن. أما في الدولة الحديثة فكلُّ من هو في السلطة يعتقدُ أنه مسؤولٌ أمام المواطن والوطن، لذلك ينهضُ بوظيفته في تأمين متطلبات المواطن والوطن المسؤولِ عنها.

الهروبُ من تسميةِ الاشياءِ بأسمائها إحدى المشكلات العميقة في التفكير الديني عند الإسلاميين في العصر الحديث، فهناك تسمياتٌ متنوّعة للدولة التي ينشدونها اليوم، على الرغم من إيمان كلِّ هؤلاء بأن الدينَ يهدف إلى بناءِ دولةٍ في سياق مدوّنتِه الفقهية وأحكامِها. ويختلف دعاةُ هذه الدولة، فمنهم من يتبنّى النموذجَ الذي ظهر في تاريخ الإسلام على شكل: خلافة إسلامية، دولة إمامة، سلطنة إسلامية، دولة إسلامية، إمارة إسلامية. وربما نفى بعضُهم مشروعيةَ تمثيل هذه الدول للدين، فخصَّ بذلك الخلافةَ الراشدةَ مُلحِقًا مدّةَ خلافة عمر ابن عبدالعزيز في العصر الأموي أيضًا، أو رأى بعضٌ آخر أن دولةَ الإسلام مثّلتها دول خلافة وسلطنة أخرى. كما تشير إلى ذلك أدبياتُ الجماعات الدينية، على اختلافٍ بينها في ضيق وسعة صدق هذه العناوين على كلِّ هذه الأمثلة أو بعضها، لذلك يدخل بعضُهم كلَّ هذه الدول فيما يقتصر آخرون على بعضها.

لكن بعد تحدّي الدولة الحديثة وكلِّ ما تعدُ به، من تمثيلٍ شعبي وانتخاباتٍ وتداولٍ سلمي للسلطة، وفصلٍ بين السلطات، وغيرِ ذلك من مكاسب مهمّة في الحقول المختلفة، اضطر الإسلاميون للانتقال منذ ربع قرن تقريبًا الى اقتراح أسماء بديلة، مثل: دولة الإنسان، الدولة الحضارية، الدولة المدنية... وغير ذلك. وأكثر هذه التسميات شيوعًا في خطابات وكتابات الجماعات الدينية أخيرًا هو "الدولة المدنية"، ولعل معظمَ من يتداولون هذه التسمية لم يدركوا مغزاها، ولم يتعرّفوا على سياقات ولادة مفهوم "المدنية" وتشكّله كمصطلح، ومتى وُصِفت الدولة به.

الدولة لم توصف في أدبيات الفكر السياسي الحديث بالمدنية، ولا ينتمي هذا المصطلح إلى (مصطلحات الفلسفة السياسية القديمة أو الحديثة، فباستثناء ما نقرأه في عنوان كتاب الفيلسوف الانجليزي جون لوك: "مقالتان في الحكم المدني"، فإن كلَّ ما نقرأه في اللغات الغربية، الفرنسية والإنجليزية خاصة، هو الألفاظ الآتية: "الحالة المدنية"، ويقصد منها حالة المواطن المدنية، من حيث تاريخ الميلاد، ونسبه "الاسم واللقب"، والوضع العائلي. كما نجد استعمالًا لصفة المدني في أربع حالات، هي: المجتمع المدني أو المنظمات والجمعيات التي يشكّلها المواطنون في استقلال عن مؤسّسات الدولة. والقانون المدني الخاص بالحالات المدنية للأفراد. والأخلاق المدنية التي تقوم على مجموعةٍ من القيم التي يجب أن يتحلّى بها المواطنون في المجال العام. وأخيرًا التصنيف القائم على التمييز بين المدني والعسكري... إن الفكرَ السياسي الأوروبي قد استعمل هذا المفهوم في سياق الصراع بين التسامح والتعصّب، وبين الحرية والاضطهاد الذي عرفته الامبراطورية الرومانية في مرحلة اعتمادها للعقيدة المسيحية عقيدة رسمية)1 .

إن تسميات مثل: "دولة الإنسان، الدولة الحضارية، الدولة المدنية..." في خطابات وكتابات الجماعات الدينية اليوم ملتبسةٌ غامضةٌ، تشوّش فهمَ المتلقّي، وتصعّب عليه أن يتعرّف على دلالةِ كلِّ تسميةٍ وتوصيفِها بوضوح، وما الذي يحيل إليه الفرقُ بين النموذجين، فإن كان مقصودُ بعض الإسلاميين من مضامين هذه التسمياتِ: أن الدولةَ ظاهرةٌ إلهيةٌ وحيانيةٌ نبويةٌ، تبتني على أحكام المدونة الفقهية، ويقترح أمثلةً تاريخية لشرح هذا النموذج تمثّلت بالخلافة الراشدة والأموية والعباسية، والسلطنة العثمانية، ودولة الإمامة الزيدية، والإمامة الاباضية العمانية، فمن الواضح أن هذه التسميات لا تنطبق على الدول التي ظهرت قبل الدولة الحديثة.

وإن كان مقصودُ بعضٍ آخر من الإسلاميين من تسميات: "دولة الإنسان، الدولة الحضارية، الدولة المدنية..." هي الدولة الحديثة بكلِّ رؤيتها الفلسفية للإنسانِ والعالَم، ومرتكزاتِها النظرية، وهياكلِها التنظيمية والإدارية، فلماذا الاختباء خلف أسماء مبهمة، لا تعبّر عن الدولة الحديثة بصراحة، خاصة وان بعضَ الكتّاب والمتحدّثين من الجماعات الدينية يحشد كلَّ شيء يظنّه سببًا لبناء دولةٍ حديثةٍ تحت مظلة المسمّى الذي يستعمله، وغالبًا ما يطعّمه بشيءٍ من التوابل الدينية، كانتقاء بعض النصوص والفتاوى الملتقطة من المدوّنة الفقهية، وشيءٍ مما تحكية تمثّلاتُ السلطة في السياقات الإسلامية.

على الرغم من أن الذي يُفهَم من مضامين توصيفات النموذج الثاني أن الدولةَ ظاهرةٌ بشرية أنتجها الإنسانُ ولا علاقةَ لها بالوحي والأنبياء، وكلُّ ما هو بشري في السياسة والحكم لا علاقةَ له بالوحي. وهو ما لا يريده الكثيرُون ممن يتداولون هذه التسميات من كتّاب الأدبيات الدينية السياسية، كما تؤشّر إليه كلماتُهم. وهذه مفارقةٌ يقع فيها بعضُ دعاة الدولة الدينية، ممن يختبئون خلف تسميات تحظى بقبول أكثر المواطنين، بغية تسويقها، وفي محاولةٍ منهم للفرار من تركة النماذج الأولى للأسماء التي أفشلتها تجاربُ التطبيق اليوم، مضافًا إلى البراءة من تشوّهات أمثلتها في التاريخ.

المعرفةُ الدينية حقلٌ من حقول المعرفة العامة، وهي محكومةٌ بمنطق الخطأ والصواب وتطوّر الوعي البشري المحكومةِ بها المعارفُ والعلومُ كلّها. المعرفةُ الدينية التي تضعنا في أفق العصر وأسئلته ومتطلباته تبتني على مُسلّمات معرفية، مضمونها: لا نهائية المعرفة الدينية ولا أبديتها، وعدم بلوغ هذه المعرفة مدياتِها القصوى في أيّ زمان، وليس هناك أصولٌ وقواعد أبدية يمكن استعمالها لكلّ زمان في فهمِ الدين وقراءةِ نصوصه، فكلُّ عصر ينتج أصولَ فهمه للدين وقواعدَ تفسيره لنصوصه في سياق تطوّر علوم الإنسان ومعارفه.

لم يدرك أكثر الإسلاميين أن حركةَ التاريخ وتطورَ الوعي البشري تكفلان نسيانَ مفاهيم ونسخَ أحكام لبثت راسخةً لقرون. على الرغم من أنها على وفق منطق قواعد استنباط الأحكام وأصول الفقه وعلوم القرآن أحكامٌ أبديةٌ وليست منسوخة، تتسع لكل الحالات والأزمان. كما حدث مع الرقّ مثلًا، إذ كانت ظاهرةُ الرقّ متفشيةً في مجتمعات عالَم الإسلام، وما زالت أحكامُها ماثلةً في الآيات والأحاديث، ومنبثةً في مختلف أبواب كتب الفقه، لكن التاريخَ ألغى هذه الظاهرةَ ونسخ أحكامَها عمليًا . أي تعطلت دلالات أدلتها عمليًا، ولم تعد تطبق عليها قواعد استنباط الأحكام وأصول الفقه وعلوم القرآن، التي تثبت انها أبدية وليست مختصة بزمان أو حالة. 

وقد لاحظت أن أكثر الجماعات الدينية في السلطة تؤكد على مظلوميتها واضطهادها والتعسف في معاملتها من كل الأنظمة السياسية، وتتخذ من ذلك ذريعة لكل أشكال التمييز بين المواطنين، والسطو على المال العام، والانتهاكات الواسعة لحق المواطنة. وكأنها تطلب من الوطن تعويضًا لما تعرضت له، وإن كان لا مشروعًا، وإن كان يؤدي إلى انتهاكات شنيعة للقوانين وتخريبًا للدولة. وكأنه مثلما يحتاجُ بعضُ الأشخاصِ لتمثيلِ دورِ الضحيةِ تعويضًا لما فاته من الاعتراف، بسبب ما تعرّضَ له من تهميشٍ واضطهادٍ في حياته، كذلك تحتاجُ بعضُ الجماعاتِ لتمثيل دور الضحية لتعويض ما فاتها من اعتراف، بسبب ما تعرضتْ له من تهميشٍ واضطهادٍ في تاريخها، ومثلُ هذه الجماعات غالبًا ما تتعاطى مع الوطن بوصفه غنيمةً، تجهز عليها وتفترسها، عندما تمتلكُ السلطةَ السياسيةَ.

 

د. عبدالجبار الرفاعي

..............

1-  د. الزواوي بغورة: "في مفهوم الدولة المدنية"، مقال في مجلة العربي "الكويت"، ع 708 "نوفمبر، 2017".

2- قيل كان للزبير بن العوام ألفُ مملوك يؤدون إليه الخراج. الاستيعاب مج 2: ص 514، أُسد الغابة، مج 2: ص 252. "وقيل كان للرشيد 2000 جارية". الأغاني، مج 9: ص 88. وقيل "بلغت غنائم موسى بن نصير فاتح المغرب سنة 91 هجرية: ثلاثمائة ألف رأس سبي، بعث خمسها إلى الخليفة الوليد بن عبدالملك، أي ستين ألفًا". الكامل في التاريخ لابن الأثير، مج 4: ص 259 .

 

مازن مرسول محمدلا يمكن عد العلوم التي لازمت الحياة البشرية وتكاملت ووصلت الى مراحلٍ من النضوج والتطور، مجرد تمثَّلات واقعية لا جدوى منها، فالغرض من الاشتقاقاتِ العلمية على مستوى كافة الفروع ليس للتباهي الانساني والتحديد الحقلي لها، بقدرِ ما هو نزوع انساني للرفعةِ والتقدَّم المُتأتي منها وتراكماتها وما حفلت به من تموضعات جعلت العقل الانساني يُسلَّط الضوء بشكلٍ مباشر وعميق على ما يشكَّله العلم الحياتي من لازمةٍ ضرورية بات لا يُستغنى عنها اليوم ولا غداً، وعلى هذهِ الاسس سارت وما زالت وستسير الحياة للاتكاءِ على المعطياتِ العلمية بمختلفِ مفاصل الحياة، ويظل ذلك رهناً بالظروفِ والمشتغلين بالعلومِ وقدراتهم في زيادةِ التأصيل العلمي والتراكمات حفاظاً على الحياةِ والمضي بها نحو الامام .

وذلك هو ديدن الوجود العلمي ليس عبثاً وانما تحقيقاً لغاياتٍ مُعيَّنة بل اهداف غاية في الدقةِ والضرورة المُلحَّة، ولنا ان نتخيل عالماً دون علوم او اندثار علمي على كافةِ المستويات، فلا نتوقع الا دماراً وركوداً وانحداراً مخيفاً، فالمسألة لا تشمل التنظير ومجموعة من الافكارِ التي تبقى حبيسة الكتب والتي قد تُلاقي نقداً لاذعاً او حتى لا تُقرأ او يتم الاطلاع عليها، وانما الموضوع اخطر وأهم من ذلك بكثيرٍ، فلا يخفى على ذي لب ما صاغته العلوم من صورٍ حياتية نشهدها اليوم والكيفيات التي تمثَّلت بها وقائع حياتنا وما وصلنا له، فكل تقاسيم الحياة البشرية وما يحتاجه الانسان قد تصدى له العلم ووضع له مخارج واستنادات وأسس جعلت الحياة وكيفية العيش بها أكثر سهولة وليست عصيَّة على التكيَّفِ والتوافق .

فبالعلم تطوَّر الطب من القديمِ الى الحديث وعلى اسسهِ حوصرت العديد من الأمراضِ التي كادت تفتك بالإنسان، بالدفعِ العلمي والرغبة في السعي نحو النبوغ لخدمةِ ذلك الانسان، وما زال العقل الانساني يسعى علمياً لرصدِ والتحقيق بكل ماله صلة بصحةِ الانسان وتطبيبه، فلو شهدنا انحساراً علمياً وتهالكاً واضحاً ومطلقاً للسعي العلمي، لما آلت اليه الظروف البشرية لما نلحظه اليوم من صورٍ مزدهرة على الاغلبِ، على الرغمِ من التفاوتاتِ في هذهِ الظروف من جيدٍ الى سيء وبالعكس بين اقوام واخرى، والتي تعود الى المدياتِ التي استُغل بها العلم وتم تطبيقه في العديدِ من المجتمعاتِ وانعكاسات ذلك على واقعِ الانسان .

على ان الامتدات العلمية لم تشمل كافة بقاع الارض بنمطٍ واسلوب وتعامل وتقبَّل وقدرة على التمكينِ بشكلٍ واحد، وانما اختلفت المسألة من قدراتٍ بشرية الى اخرى وبحسبِ وعي العلم وتوظيف المُمكنات لتوطينهِ وتطويرهِ وجعله دافعاً لكلِ تطوَّر مُمكن ان يُسهم برفدِ الحياة بمقوَّماتِ بقائها ونهوضها بالشكلِ المطلوب .

ولمسنا على مدى سلسلة العيش البشري صولات وجولات علمية اطاحت بالتخلفِ بل سارت جنباً لجنبٍ مع كل ما من شأنهِ رفعة الانسان والمضي به نحو واقعاً اكثر وعياً وفهماً لما يدور حوله، فقد اخترق الانسان اليوم الفضاء وبات يبحث عن مساراتِ عيش ونمو خارج نطاق تموضعه، ولم يكن قادراً على الوصولِ لهذا المستوى لولا النبوغ العلمي والتراكمات التي دعت الانسان للكشفِ عن والبحث في اقبيةِ المكنونات عن اسرارٍ وطلاسم ممكن حلها وايجاد مفاتيح لشفراتها بغية لي عنق الواقع والسيطرة على ظروفهِ ومشكلاته، وللعلومِ ايضاً حضوراً في الكيمياءِ والفيزياء والطبيعة والبيولوجيا وكل ما من شأنهِ ان يكون مُلاصقاً لحياةِ الانسان، فضلاً عن التطوَّرِ العلمي وفق الميادين الاجتماعية والانسانية وكيف اسهمت عجلة العلم في التراكمِ المعرفي وتأسيس منظومة فكرية واطروحات ناضجة مُمكن ان تُطبَّق على ارضِ الواقع وشحذ الفكر الانساني لتأسيسِ رؤى فكرية ينبغي ان تُترجم لتحقيقِ رغبات واهداف البشر نحو الصلاح .

وهذا هو ما ينبغي ان يكون وهو الدور الرئيس لما يُفترض ان تؤديه العلوم وغاية المُشتغلين بها، لكن هل فعلاً استطاعت المنظومة العلمية خلال مراحل سيرورتها ان تشق طريقها بثباتٍ، بحيث تعكس اهميتها وثقلها كمرتكزات يستند عليها عالم اليوم ؟

ان كانت العلوم والبيئات التي تحتضنها قد نجحت وحققت ازدهاراً واضحاً في مساحاتٍ واسعة من الرقعةِ البشرية، فهي قد فشلت فشلاً ذريعاً في اماكنٍ ومديات اخرى، فلم تكن هذهِ العلوم عاصماً للكثيرِ من الخذلان والتدهور والتدني والتراجع، والمسألة لا تعود قطعاً للعلمِ بحدِ ذاته، بقدرِ ما يتعلق الامر بالمشتغلين وقدراتهم على السيرِ بهذهِ العلوم نحو الرقي ليُنتج على اساسها كل ما هو قادراً على رفدِ الحياة البشرية بمفاتيحِ تسيير امورها والتغلَّب على الصعوباتِ بشتى اشكالها، اذ عكست القدرات العبثية لبعضِ المُشتغلين بالبحثِ العلمي نتاجاً هزيلاً ومأساةً اصابت العلم بدحرهِ واندثاره ورجوعه القهقرى . 

فاليوم توجد مجتمعات وكأنها لا تعيش عصر بزوغ الفجر العلمي والثورة العلمية، بمسبباتٍ كثيرة عملت على الاطاحةِ بمسيرة تقدَّمها وتحجَّرها عند حدودِ التخلَّف والانهيار والانزلاق نحو الهاوية، اذ اجتمعت الظروف المادية والبيئية والسياسية والاجتماعية ومنظومة الوعي لعرقلةِ الصياغات العلمية، وبالتالي الاطاحة بسبلِ نهوض المُجتمعات ومسايرة الامم وتقدَّمها، ولعل من الامورِ التي تُثير الكثير من هواجسِ الرعب والخوف هي المراحل السطحية التي وصلت لها العلوم عند بعض الشعوب والثقافات، بحيث يتم العمل بها دون جدوى ودون فائدة تُذكر، بل دون تخطيط يوظَّف العلم بصورهِ الصحيحة ويُسهم بزيادةِ التراكمات العلمية عليه والى مزيدٍ من الاتساعِ نحو الافضل .

فالواقع اليوم يُشير الى تردٍ واضح ونكوصاً كبيراً في كيفيةِ استغلال العلوم وتوظيفها لما هو مُناسب، حيث ان الكثير اليوم يعملون بالبحثِ العلمي، لكن ليس جميعهم له القدرة على توظيفِ العلم بالشكلِ الامثل وليس جميعهم قادراً على التراكمِ عليه، والاخطر من ذلك ان عدداً منهم اصبح هو من مُسبَّبات تراجع العلوم وتسفيهها الى الحدِ الذي باتت لا فائدة ترجى منها الا بقدرٍ يسير، اذ يفتقرون الى المامٍ على مستوى عال بأهميةِ ما يمكن ان يعمله العلم، لذلك تصبح المسألة عكسية بالسلبيةِ، والكثير من هذهِ الامور تؤشَّر لضمورِ الوعي واندثاره بجدوى العلم وما يُمكن ان يفعله اذا وظَّف بصورهِ الصحيحة واستُغل بشكلٍ يمكن من خلالهِ فتح افاقاً ارحب .

فلا يمكن لعلمٍ ان ينهض ويستمر في التراكمِ والبزوغ بشكلٍ امثل من تلقاءِ نفسه، وانما يحتاج الامر لمعطياتٍ وظروف تمنحه الاتساع والانتشار وتحقيق ما هو مطلوب، واذا حُكم عليه بخلافِ ذلك وبمُشتغلين لا يفقهوا شيئاً من ماهيتهِ ومكنوناته ووظائفه، فسيلفظ انفاسه الاخيرة وبالتالي انحداراً  وتقهقراً واضحاً في مستوياتِ العيش الانساني والتغلَّب على المشكلاتِ وبعدها خسارة الانسان كمُحصَّلة اخيرة . 

 

أ. د. مازن مرسول محمد

 

زهير الخويلدي"الفلاسفة يكتفون بتأويل العالم في حين أن المطلوب هو تغييره"

كارل ماركس

لم تكن الفلسفة سوى آثار محفوظة في كتب ومؤلفات وسير ذاتية لشخصيات يرويها الناس بصورة تقريبية مع إضافة بعض الأساطير لبطولات وهمية وقدرات خارقة ومع تنقيص لمواقف متخاذلة وخيانات جبانة.

لم تستمر الفلسفة إلى اليوم سوى في صورة دروس رسمية في المؤسسات التربوية وعدة حلقات نقاش في بعض المنازل الثقافية وفي شكل محاضرات علمية ومسامرات فكرية يلقيها بعض من البحاثة هنا وهناك.

تحولت الفلسفة بصيغة المفرد وبصيغة الجمع إلى ترف معرفي وتراوحت بين صناعة ذكورية وهواية نسوية يزدريها العامة ويسخر منها الخاصة ويتأفف من شرها الحكام ويحذر من تدخلها القاصي والداني.

على الرغم من ذلك تواصل الفلسفة طريقها وتنحت من ذاتها كيانها المستقل سائرة حول كوكبها الدري في نصوص بلورية مكتوبة بلغة بركانية تنادي بمواقف انفجارية وتستهدف زعزعة الاستقرار وتغيير الواقع.

لكن كيف تقدر الفلسفة على الواقع وهي لم تغير نفسها ولم تحاول تغيير الذات الطامحة للتغيير الجذري؟ ومتى يتم اعتماد الفعل الجماعي الموحد في التغيير والانتقال من الانطواء الفردي إلى الوحدة التاريخية للقوى المناضلة على الصعيد الاجتماعي؟

يحتاج الواقع اليوم إلى فلسفة مختلفة وعقل تطبيقي وسلاح ثوري ويستوجب هذا العصر المتقلب فكرا مركبا ومنهجية متعددة وسبر للأغوار وخوض يومي للمعارك الشرسة مع الرداءة والابتذال والعار.

التغيير سنة الكون ومحرك التاريخ ومطلب الشعوب وموقظ المجتمعات ويقتضي التعديل والإصلاح والاستكمال بالاسترجاع والعودة الى الذات ولكنه يتطور نحو الثورة والانقلاب والتفكيك وإعادة البناء.

من المفروض أن يتم الاعتداد للتغيير الذاتي على المستوى الفلسفي في مرحلة الأولى وتبرز للعيان فلسفة ثورية متربصة ويقع الاشتغال على الذات الفاعلة بالالتزام والمثابرة على المعرفة والعلم وعلى العمل والإبداع وتصرف كل المجهودات في اتجاه بناء الذات الجماعية بشكل ثوري عن طريق التنوير والأنسنة.

غير أن تغيير الواقع مهمة شاقة قد تستغرق أجيال بأسرها وتتطلب التضحية بحياة كاملة بالنسبة للأفراد وتبدأ بتغيير الأنفس البشرية والذهنيات بالتربية الجمالية والثورة الثقافية والإعداد الروحي والبناء العقلاني وتنزل إلى المستوى المادي بعد التمكين على المستوى الرمزي وتتوغل في المجتمع عن طريق الاتصال الجماهيري بالوسائل الحديثة والتعبئة السياسية والتنظيم النقابي والتنشيط الحقوقي والتدريب الجمعياتي.

اللافت للنظر أن التغيير الفعلي يسبقه استبدال في رؤية الإنسان للعالم القديم وتبني رؤية جديدة لعين الذات  والعالم الذي يسكنه وإصرار على المشاركة في صناعة المستقبل والتوجه التشاركي نحو بناء العالم الجديد والتخلي الطوعي عن سلبيات الماضي وأمراضه وكل أشكال الانغلاق والتعصب والتسلح بالفكر الايجابي وإرادة العيش المشترك ومقاومة الارتداد والتبعية والتخلف وإبداع شكل جديد للحياة والتغلب على الحتمية.

لا يقتصر التغيير على الوعي والثقافة والبنية الفوقية والقوانين وإنما يشمل وضع العمال والنساء والفئات الهشة والقضاء على التفاوت بين الطبقات وتكريس المساواة واجتثاث الفقر من جذوره واحترام الكرامة.

ليس الوعي هو الذي يحدد مصير الإنسان بل الظروف المادية هي التي تحدد الوعي ، وبالتالي فإن الوعي نتاج اجتماعي ولكن المرء عن طريق تحويل البراكسيس الفردي إلى براكسيس جماعي وبالعمل الخلاّق يمكنه أن سيطر على محيطه الطبيعي ويكتسب الإرادة الفعلية على الأشياء ويقدر على تغيير أحواله. لكن لماذا يترتبط تغيير الأوضاع المادية للعالم دائما باستبدال التصورات القديمة له بتصورات ذهنية جديدة؟

 

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

عدنان عويدعندما طُلب من الحكيم اليوناني صولون أن يستلم السلطة في (أثينا) كي يُصلح أمور البلاد بعد أن سادتها الفوضى والتناقضات والصراعات الطبقية والاجتماعي، وافق على طلبهم، واستطاع أن يقود أثينا بمجتمعها إلى الاستقرار والأمان. وعندما انتهت مدة حكمه، طالبه الشعب أن يحكم مدى حياته قال لمطالبيه: (إن الدكتاتورية أمر مفرح، ولكن طريق النزول منه غير معروف).

لا شك أن لتجارب التاريخ دوراً كبيراً في تعلم الدروس لمن يريد أن يتعلم منها، وأول تجربة من تجاربه، هي أن التاريخ لا يعيد نفسه، ولكنه قادر بتجاربه أن يعلمنا أين وقع الآخرون قبلنا في الأخطاء وأين أصابوا عبر مسيرتهم التاريخية، وبالتالي كيف نستطيع نحن أن نستفيد من تجاربهم، عندما نتجنب الخطأ ونستمد من الصواب ما يخدم دولنا وشعوبنا، و المرحلة التاريخية التي نعيشها.

ففي السياسة التي تشكل الظاهرة الأهم في تاريخ الشعوب، والتي على أساسها أقيمت دول وانهارت أخرى،، فمن هذه الظاهرة السياسية انبثقت أو تشكلت أنظمة حكم ودُونت دساتير وشُرعت قوانيين، وأُلفت كتب في طبيعتها وحواملها الاجتماعية وأهدافها وآلية عملها، بغية تحقيق العدل والمساواة أو ممارسة الظلم والاستبداد عبرها. فكل ما مرت به الشعوب من تجارب، يشكل لنا اليوم دروساً تاريخية عميقة ستعلمنا إذا ما نظرنا فيها كيف تُساس البلاد والعباد بالعدل والمساوة، فتسموا الشعوب وترقى، وكيف تساس البلاد وشعوبها أيضاً بالظلم والاستبداد فتنحط وتنهار وتنزل إلى الدرك الأسفل من التخلف والانحطاط.

أمام ما جئنا إليه أعلاه، وانطلاقاً من كل ما جلبته لنا أنظمة القهر والظلم والاستبداد في عالمنا العربي من دمار وفساد وتخلف خلال تلك السنين الطويلة، والتي رحنا نحصد نتائجها المفجعة تحت راية ما سمي اليوم بثورات الربيع العربي، يظل السؤال المشروع يطرح نفسه علينا هنا وهو:

ترى هل نتعلم من تجارب التاريخ، ونعيد حساباتنا من جديد من أجل أن نتجاوز مأساتنا وما نحن فيه من جهل وقهر وظلم وتخلف وفساد ويباس في الروح والفكر والعقل، وكره لكل ما ننتمي إليه نحن اليوم وفي مقدمته الوطن ذاته؟.

أعتقد أن الاجابة مرهونة أولاً وقبل أي شيء آخر  في القوى التي لم تزل تسيطر على دفة الحكم في بلادنا العربية، بغض النظر عن طبيعتها ومرجعياتها شرعية كانت أم غير شرعية،  طبقية كانت أم غير طبقية، حزبية كانت أم غير حزبية، عشائرية أو قبلية أو طائفية كانت او غير ذلك ... الخ. مثلما هي الاجابة ذاتها مرهونة بالمعارضة أيضاً التي تطمح في الوصول إلى السلطة. وكلاهما – المعارضة والحكومة - عليهما أن يتعلما من تجارب التاريخ، وبخاصة تجاربنا الماضية، أو تجاربنا المريرة المعاصرة في الحكم والمعارضة معاً، التي أودت بنا إلى ما نحن عليه اليوم. هذا ويأتي في مقدمة ما علينا جميعاً التعلم منه هو: كيف نستطيع أن نتخلى عن أنانيتنا ومصالحنا الخاصة جداً.؟. وكيف نعمل من أجل مصلحة الوطن والمواطن والمواطنة؟. والأهم كيف علينا أن نتعلم أن الوطن لنا نحن، ونحن وحدنا من يحق له أن يقوده حتى ولو اختلفنا، وأن لا نلجأ لأية قوى خارجية نستقوي بها كي نصل على السلطة أو نحافظ عليها، وبالتالي نترك هذه القوى تتحكم بنا وبقرارنا؟.

أجزم هنا بأن أحكام القيمة المجردة لا تحرك أصغر نبته في الأرض. وأن مشاريع فضيلة القائمة على الأخلاق فقط، دون الممارسة، لن تحقق لنا ما نريد، إذا لم نبحث عن القوانين التي تتحكم بظروفنا الموضوعية والذاتية التي تعمل على إنتاج أحكام القيمة ذاتها أو تحدد طبيعتها. فالمجتمعات لا تتحرك بعفوية، ولا بدوافع غريزية، أو أهواء شخصية تحددها المصالح الخاصة والعامة فحسب، بل إن كل هذه الدوافع والأهواء والمصالح محكومة بشروطها وعلاقاتها الاجتماعية، أي بالوجود الاجتماعي، وطبيعة نمط الإنتاج السائد في مرحلة تاريخية محددةً. وبالتالي علينا بداية أن ننظر إذاً في العوامل الأساسية التي تتحكم في سيرورة وصيرورة حياة الناس، أي بتعبير آخر النظر في طبيعة قوى وعلاقات الانتاج السائدة ودرجة تطورها وما تفرضه درجة التطور هذه من علاقات اجتماعية وسياسية واقتصادية وثقافية في حياتنا. فمع معرفتنا العلمية العقلانية لطبيعة هذه العوامل الأساسية نستطيع عند ذاك أن نقرر طبيعة وشكل وآلية عمل الأنظمة السياسية وحواملها الاجتماعية التي يعوّل عليها المشروع النهضوي المراد تحقيقه في مجتمعاتنا. ونظراً لتعدد العوامل التي تساهم في تحقيق تقدم الدول والمجتمعات، والموزعة ما بين الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية والأخلاقية، وما تتضمنه من تفريعات متشابكة ومعقدة، سنقتصر في هذه الدراسة على مسألة أساسية هنا تتعلق في الجانب السياسي، وهي " الديمقراطية" لما لها من أهمية في ضبط وتوجه آلية عمل السلطة، وحواملها التي يعول عليهم تحقيق النهضة والتقدم للشعوب في أي مرحلة من مراحل التاريخ، وبخاصة المرحلة التاريخية المعاصرة. فالذي لا يمكن أن يتحقق بالدين، يتحقق بالسياسة على حد مقولة عثمان بن عفان.

على العموم تظل مسألة كيفية الوصول إلى السلطة، وممارسة الحق الانتخابي أو السياسي عبر الطريق الديمقراطي، هي العامل الأكثر قوة في إدارة شؤون الدولة والمجتمع، وبالتالي لا يمكن اعتبار أي حق انتخابي أو سياسي حائزاً على صفته الايجابية، إذا ظل يستخدم الخرائط المجردة أو التجريدية، أو المصلحية للمساواة وغيرها من التعابير الفضفاضة والمثالية للديمقراطية، بالرغم من أهمية المعرفة النظرية لهذه الديمقراطية وكيف ظهرت ومورست مع قيام الثورة الصناعية ونمو الطبقة البرجوازية ذاتها صاحبة المشروع الديمقراطي الليبرالي، وطرح نفسها لقيادة الدولة والمجتمع أمام سلطة الملك ولكنيسة والنبلاء الاستبداية. فهذه المعرفة ذاتها بالنسبة لشعوب وقيادات عالمنا العربي السياسية، أمراً على غاية من الأهمية إذا ما أرادت هذه القيادات أن تمارس فعلاً سياسياً إيجابياً في دولنا ومجتمعاتنا العربية.

إن الحق الانتخابي أو السياسي الايجابي  يجب أن ينطلق من العلاقات الاجتماعية السائدة وطبيعة مكوناتها أولاً، وليس من العلاقات الاقتصادية التي خلق هذا الحق الانتخابي من أجلها في الأنظمة الاستبدادية، أي الحق الذي تحدده القوى المالكة المستغلة خدمة لمصلحها بعد وصولها إلى السلطة، فأي حق انتخابي معزول عن الواقع الاجتماعي، أو لا يصب في مصلحة المجتمع بكل مكوناته الدينية والعرقية والسياسية، وبخاصة القوى الاجتماعية المستَغَلة والمضطَهدة، ما هو في الحقيقة إلا وجه من أوجه العدالة الخيالية، وبالتالي لا يمكن لهذا الحق الانتخابي في بعده (السياسي) أن يكون أداة حيوية بيد قوى الشعب العاملة. إن هذا ما هو إلا موقفاً افتراضياً ومصادرة للوضع الحقوقي لدولة القانون ومجتمعها المدني، ومحاولة ملاءمته مع الوضع الاقتصادي المتشكل أو القائم الخادم للقوى المالكة الحاكمة، على حساب تحقيق المجتمع العادل، أو الدولة العادلة.

إن حجب الحقوق كقاعدة عامة ولزمن طويل عن مجموعة الفئات  الاجتماعية المعبرة عن القوى الاجتماعية العاملة ومنها البرجوازية الصغيرة وبعض شرائح الملكية الخاصة غير المستغِلة، دون الأخذ بالحسبان الوقت والهدف المعين لهذا الحجب، هو ارتجال غير قادر على استمرارية الحياة .

إن الديمقراطية كوجه من أوجه الحرية، وخاصة السياسي منه، بالرغم من أهميتها الاجتماعية أيضاً، هي تمثل بهذا الشكل أو ذاك في جانبها السياسي حرية المعارضة أيضاً، لذلك لا يمكننا أن نعتبر شكل  الحرية في شقها الديمقراطي الذي يعطى لأنصار الحكومة مهما يكن شكلها أو طبيعة نظامها، أو لأعضاء الحزب الواحد مهما كان يشكل هذا الحزب عددياً، حرية حقيقية أو ديمقراطية حقيقية. ومن هذا المنطلق نقول بالنسبة للأنظمة التي تريد تطبيق أهداف العدالة والتنمية من الأعلى، أي وفقاً لما يرتأيه الحاكم، لا يمكن أن يعتبر التحقق العملي لهذه الأهداف في هذه الدول أو المجتمعات عبر تجميع جملة من المقترحات الجاهزة للتطبيق قد أقرتها مؤتمرات الحزب ومنظماته، أو مجالس تشريعية صورية عينها هذا الملك او الأمير، من منطلق أنها أنظمة اقتصادية واجتماعية وحقوقية تمثل مصالح قوى الشعب بكل فئاته، وأنها وحدها القادرة على وضع أهداف التنمية للدولة والمجتمع. بل أن هذا الأنظمة في مثل هذا الموقف الفكري والعملي سيقع كاملا في مضمار الوصاية على الدولة والجماهير.

إن أي برنامج، أو أي كتاب تعليمي لأي حزب أو أية قوى سياسية داخل السلطة أو خارجها، لا تقدم توضيحات كاملة لألاف الحلول العملية كبيرها وصغيرها التي يجب استخدامها عند كل خطوة لتحقيق مبادئ أو أهداف التنمية والنهضة وتحقيق العدالة والمساواة داخل الدولة والمجتمع، في الاقتصاد، والحقوق والسياسة والأخلاق وفي العلاقات الاجتماعية، هي شكل من أشكال الثمار غير الناضجة ... لذلك يجب على القوى السياسية في أي  نظام الاجتماعي، أو في الدولة التي هي هنا بالضرورة عبارة عن ثمرة تاريخية تنضج ثمارها في مدرسة الخبرة الخاصة لهذا المجتمع أو ذاك بكل مكوناته، إن أرادت هذه القوى السياسية بشقيها، المعارضة والحكومة أن يصبح لمجتمعاتها أو دولها، تاريخاً حياً أو يقترب من الطبيعة الحية الذي هو جزء منها، وأن يمتلك هذا التاريخ خصالاً تتناغم مع الاحتياجات الاجتماعية الحقيقية ووسائل إرضائها. وإذا كان الأمر غير ذلك، فلا يمكن السير نحو صناعة التاريخ الحي لمجتمعاتها ودولها عن طريق المراسيم من الأعلى أو الأوامر أو الوصاية على الشعب. مع تأكيدنا بطبيعة الحال  أن هذا لا يعفي من حتمية أو ضرورة استخدام أو ممارسة بعض الأساليب الجبرية أو القسرية "العنف المعقلن" ضد القوى الاجتماعية التي تريد عرقلة هذه المهمة التاريخية العقلانية التي يسعى إلى تحقيقها المجتمع بكل مكوناته والقوى الحاكمة الممثلة لتطلعاته، وهي هنا القوى الرجعية المستغلة ومن يساندها من رجال دين أو مثقفي السلطة – أية سلطة - الذين يبيعون أنفسهم للشيطان دائماً.

نستطيع القول إذاً: إننا لا يمكن إشادة أي بناء إيجابي في الدولة والمجتمع على مثل هذا الطريق السلبي في البناء، أي عن طريق المراسيم والأوامرية والوصاية. إننا هنا نحتاج  إلى تجربة وخبرة الشعوب والدول التي تخلى فيها حكامها ومعارضتها عن شهوة السلطة والمنافع الشخصية، هذه الخبرة التي تجلب لنا دائما تصحيحات وطرق جديدة وفق الحياة الهائجة بالأشكال الجديدة في بناء دولة العدالة والمساواة والقانون، دولة الديمقراطية والحرية والتعددية السياسية وتداول السلطة، أي الدولة العلمانية، أو الدولة المدنية. وليس عيباً أن نقع أحياناً في بعض الأخطاء عند اعتمادنا أو استفادتنا من هذه التجارب بما تحمله بعضها من ارتجال لم يراع خصوصيات العصر والمرحلة المعيوشة، إلا ان هذا الارتجال الذي أستطيع أن أعطيه الصفة "الثورية"، يمتلك قوة إبداعية، وليس من العيب بشيء عندما نقوم بالتراجع عن خطوات أثبت الزمان والمكان خطأها، وكلف الدول وشعوبها الكثير من المعاناة.

نعم...عندما لا تقوم الحكومة بتجديد الحريات، أي بتوسيع مجال نشاطها اجتماعياً وسياسياً واقتصادياً وثقافياً، وتظل تتمسك بطرفي سلسلة معادلة الحرية والديمقراطية من باب الوصاية على الجماهرية والدولة معاً، ستصبح الحياة الجماهيرية مملة ومزيفة، وعديمة الثمار، وعندما تُقهر الديمقراطية أو تسيس لمصلحة القوى الحاكمة فقط، وسوف تغلق بذلك الحياة عن مصادرها الخاصة التي تقوم بكل غنى روحي وتقدمي وابداعي. لذلك يجب فتح الباب أمام المشاركة الجماهيرية في الجانب السياسي، وبغير ذلك ستصبح السياسة ذاتها كأنها تملى وترسم من قبل شلة من المحترفين السياسيين الجالسين خلف مناضدهم الذين غالباً ما تسيرهم مصالحهم الأنانية الضيقة أكثر من مصالح الجماهير.

إن الرقابة الجماهيرية ضرورية جداً وبدونها يصبح تبادل الخبرات محصوراً ضمن حلقة مغلقة من موظفي الحكومة المهيمنة على السلطة الذين غالباً ما يأتون إلى مناصبهم بقرارات من قبل أصحاب الأمر والنهي، وبناءً على ذلك يصبح الانحلال أو التفسخ والفساد في الدولة والمجتمع محتملًا، لأن من جاء إلى المسؤولية عن طريق هذا المسؤول الكبير او ذاك، لا يهمه إرضاء الجماهير بقدر ما يهمه إرضاء من جاء به إلى منصبه، وعلى هذا الأساس ستتشكل مافيات مرتبطة ببعضها كل واحد يعمل لمصلحة من هو أعلى منه. وهنا تغيب المحاسبة والمراقبة معاً. وحتى عندما يريد أصحاب القرار الساسي محربة الفساد وإصلاح الحال بعد أن يستشري أمره ويصبح طافياً على السطح، تصبح وسائل المحاسبة وطريقة عملها التي تمارس عديمة الفائدة، لأن الحكومة ذاتها مشاركة في صنع هذا التفسخ والفساد، وهذا ما سيؤدي إلى تعميق الأخطاء وتحول الفساد ذاته إلى سرطان لم يعد من السهل القضاء عليه.

إن الدواء الشافي لذلك هو: المراقبة والمحاسبة الجماهيرية عبر مؤسساتها الاعلامية والتنظيمية والقضائية الفاعلة، وعبر واقعية النشاط الجماهيري الاجتماعي والحرية السياسية اللامحدودة، إلا بحدود مصلحة الوطن والمواطن التي يقررها الشعب، وفي مقدمته القوى الاجتماعية صاحبة المصلحة الحقيقة في النهضة والتقدم.

إن الوصول إلى تحقيق الدولة العادلة، دولة الحرية والعدالة والمساواة والقانون، يحتاج إلى انقلاب مؤسساتي، في الدولة وآلية عملها وضبطه عن طريق المراقبة والمحاسبة. كما يحتاج إلى انقلاب قيمي في الأخلاق والتفكير العقلاني عند الجماهير ومن يمثلها فعلاً، لتي عاشت قروناً طويلة مجهلة تحت هيمنة القوى المستغِلة الحاكمة بأمر الله. كما يتطلب أيضاً غرائز اجتماعية ذات جوهر إنساني تحل محل غرائز الأنانية والحقد وحب التسلط، مثلما تتطلب مبادرات جماهيرية خلاقة محل الجمود والاستسلام والامتثال والوصاية.

إن الطريق الوحيد للبعث والتجديد هو مدرسة الحياة الاجتماعية نفسها عبر ممارسة العلمانية والديمقراطية الواسعة المشروطة حتما بالوعي والمسؤولية تجاه الفرد والمجتمع والدولة،. فهيمنة الارهاب والقمع والتخوين وتخويف الناس وعدم احترام الرأي والرأي الاخر، هي فساد أخلاقي، وبالتالي، هي دمار للفرد والمجتمع والدولة، وما أفرزته ثورات الربيع العربي يؤكد ذلك.

إن تجاوز المؤسسات التمثيلة النزيهة للجماهير، وتطبيقها على قياس القوى الحاكمة، وبدون الحرية الكاملة للصحافة والاعلام والاجتماعات والصراع الحر للأفكار، ستبقى البيروقراطية هي العنصر الوحيد المهيمن على حياة الدولة والمجتمع، وسوف تغفو الحياة الاجتماعية بالتدريج وتعيش بطاقة ضعيفة غير قادرة على النهوض والرقي، وسوف تهيمن المثالية والشعاريه اللامحدودة بقيادة نخبة من السياسيين، وشلة من العقول الذكية وغالباً الانتهازية، الذين هم تحتهم في المرتبة. والأمر الطريف في الأمر هنا، يجري بين فترة وأخرى استدعاء هذه النخب المختارة بعناية وتبديلها من قبل أولي الأمر رئيساً كان أم ملكاً أم أميراً أم حزباً، وعلى هذه النخب في مناسبات أو لقاءات واجتماعات دورية تصغي فيها هذه النخب إلى خطابات القادة لتؤكد بالإجماع القرارات أو الإملاءات المقترحة. وبهذا تدار الأمور من قبل قلة من المحترفين السياسيين... إنها الديكتاتورية بحد ذاتها، دكتاتورية الدولة الشمولية وصفوتها من السياسيين.

لا شك أن المهمة التاريخية للجماهير وفي مقدمتها قوى الشعب العاملة تنحصر عند وصولها إلى السلطة في خلق الديمقراطية الحقيقة، وليست أي ديمقراطية أخرى تصنعها هذه القوى السياسية أو تلك، أو هذا الحاكم أو ذاك على مقاس استمرارها في السلطة، إنها الديمقراطية التي تبدأ على التوازي مع تدمير الطبقة المستغِلة من أي شكل كانت، وبأي صيغة تمارس عبرها استغلالها.

إن هذه الديموقراطية يجب أن تنطلق من الشعب وقواه المضطهدة ومن حاجاتهم للعدالة والمساوة والمشاركة في بناء مستقبلهم ومستقبل الأجيال القادمة، وليس من أقلية حزبية أو صفوة حاكمة، أو زعيم أوحد، ملك كان أو رئيساً أو أميراً. أي يجب أن تنطلق في كل خطوة تخطوها من المشاركة الفعالة للجماهير ومؤسساتها التشريعية والتنفيذية، وأن تقع تحت التأثير المباشر لها، وأن تخضع لمراقبة ومحاسبة كاملة للمجتمع، معتمدة في ذلك القيم السياسية المضطردة الازهار لجماهير الشعب.

 

د. عدنان عويّد - كاتب وباحث من سورية

 

عزالدين عنايةلا تزال المقولة الرائجة في أوساط علماء الإناسة، إن الإنسان مهيأ أنثروبولوجيا للاعتقاد الديني، تنطبق على الإنسان الغربي، رغم التبدل الهائل الذي ألمّ بالدين والمتديّن على حدّ سواء. وفي ظل تلك التحولات العميقة، جدير التساؤل إلى أين يسير "الكائن المتدين" في الغرب؟ ربما كانت الأحكام متسرعة وقتما شاع ان العلمانية، أو بالأحرى اللاتدين، هو قدر الإنسان؛ ولم يشهد هذا القرار الحاسم فتورا سوى مع ظهور ردات كبرى، أبرزت حضور الدين كقوة فاعلة ومصيرية في التحولات الاجتماعية (إيران -1979- وبولندا -1980- على سبيل الذكر).

ما يعنينا أساسا في حديثنا هنا وهو المصائر التي تتربص بالتدين التقليدي في الغرب، المتمثل في المسيحية، والذي يبدو سائرا نحو حقبة ما بعد المسيحية، أو إن شئنا وبشكل أدق نحو ما بعد الكاثوليكية، ونحو ما بعد الأنغليكانية، وما شابهها من الانشقاقات الأخرى. المتابعون للتحولات الدينية، من اللاهوتيين والعلمانيين، باتوا يتقاسمون الرأي حول هذا الوضع المستجد، الذي تفقد فيه مؤسسة الكنيسة ألقها ودورها وسطوتها. لم تعُد الكنيسة مظلة المجتمع، بعد أن فقدت احتكار المقدس الذي بقي طويلا رهن أمرها.

في فترة سابقة كان يُنظر إلى أشكال الجزر الديني، الحادثة مع الثورة الفرنسية، ثم لاحقا مع الثورة البلشفية، أنها أوضاع ناشئة بموجب عوامل العسف والقهر والاجتثاث التي رعتها السلطات القائمة، ولم تأت جراء تحولات عميقة مسّت وعي الإنسان بذاته وبالعالم. لكن رصد علماء الاجتماع تواصل تراجع المسيحية، وبشكل بارز في ظل الأوضاع الديمقراطية، وفي أجواء انفتاح السوق الدينية على التنافس الحر، دفع إلى البحث عن تفسيرات مقنعة لهذا "الانسلاخ المسيحي" -decristianizzazione-.

ففي أعقاب التحولات التي تلت انتفاضة 1968، كتب المؤرخ الفرنسي جون دوليمو مؤلفا بعنوان: "هل المسيحية بصدد لفظ أنفاسها الأخيرة؟" فحواه ما يشبه النُّذُر للأوساط اللاهوتية. حوصل الرجل مبررات التراجع، منطلقا من فترة "مناهضة الإكليروس" -anticlericalismo- حتى بلوغ مرحلة "الانسلاخ المسيحي". وللذكر المؤرخ دوليمو هو امرؤ مؤمن لم يهجر الإيمان الكاثوليكي. أقرّ في حديثه عن التحولات الجارية بحقيقة تحول المجتمعات الأوروبية إلى مجتمعات لاأدرية دون لفّ أو دوران. كان الإقرار بذلك الواقع، من قبل مثقف مؤمن، شجاعةً دينيةً حينها.

ومن جانب آخر، وكسبيل للخروج من حالة "الانسلاخ المسيحي" اقترح اللاهوتي الفرنسي بول فالانديي في مؤلفه "مسيحية المستقبل" (1999) تحالفا جديدا بين العقل والإيمان، بين منطق العقل وإرشاد النقل. ففي زمن الشك والعدمية لا ينبغي التهوين من قدرات العقل، موردا في مؤلفه المذكور: "نتخبط في عالم يائس تغمره ثقافة الموت، وفي غياب للمعنى بما يماثل الوقوف على عتبات البربرية. ينبغي أن يكون ذلك حافزا لتفادي بثّ اليأس في قدرات العقل: لسنا الآن في زمن التفاؤل غير المشروط، ولكن بالعكس في زمن انقشاع الأوهام والعدمية".

وأمّا عالم الاجتماع الألماني هانس جواس، المتابع النبيه للتحولات الدينية، فهو يقرّ في مؤلفه "الإيمان كخيار: فرصة المستقبل للمسيحية" (2012) بحقيقة تراجع أعداد المؤمنين –أي المسيحيين- في أوروبا، وبالمثل يقرّ أيضا بأن العلمانية تتراجع. سقنا هذه الإشارات بشكل مقتضب حتى نبيّن أن "الانسلاخ المسيحي" بات أمرا واقعا، وأن هناك حقبة جديدة نعيشها في الغرب تتجاوز الضوابط التقليدية للدين. ولكن إن كان الناس للكنائس يهجرون ومن العلمانية يفرون فإلى أين يذهبون؟ على ما يبدو أن الغربيَّ قد صار متدينا "مترحلا" ينشد الاعتقاد وينفر من الانتماء، يتطلع إلى المتعالي ويهجر المؤسسة الواحدة الجامدة، يصغي إلى الدالاي لاما ويتتبع خطى البابا، على حد سواء، ويهتم بالـ"نيو آيج" ويرتاد نوادي التأمل البوذي، دون أن يحس بالتناقض أو التضارب في هذا الخليط الاعتقادي.

خلف محل سكناي الواقع في حي شعبي في مدينة روما تنتصب كنيسة الحي على مرمى حجر من بيتي، لم يترك الكهنة الساهرون على شأن القداس وسيلة إلا توسلوا بها لردّ الخراف الضالة. ربما نجح الخوري في استدراج الناس للهو والحفلات والتجمعات المنعقدة في الحديقة الخلفية، لكن المصلين انفضوا إلى شأن آخر، فالمذبح خاو على عروشه.

لكن هذه المؤشرات المابعد مسيحية لو أضفنا إليها بعض الأرقام لبات الأمر أكثر جلاء، فوفق إحصاء أجرته صحيفة "لوسّرْفاتوري رومانو"، لسان حاضرة الفاتيكان، سنة 1997، بلغ عدد رجال الدين الكاثوليك الذين هجروا الكنيسة 46 ألفا من العام 1970 إلى العام 1995. وخلال شهر أبريل من العام الحالي، وصف روان وليامز رئيس أساقفة كانتربري الأسبق المملكةَ المتحدةَ، بأنها دخلت مرحلة ما بعد المسيحية، وأن نعت أنجلترا بالبلد المسيحي هو بمعنى اختزانها قيماً مسيحية وليس بمعنى أن البلد مأهول بالمؤمنين، وذلك في تعليق له على نتائج سبر للآراء أجرته صحيفة "الصانداي تليغراف" أبرزت أن 14 بالمائة فقط من الأنجليز يعرّفون أنفسهم بأنهم على شعائرهم يحافظون، وأن 38 بالمائة لا يؤدونها، وأن 41 بالمائة ممن شملهم السبر صرحوا بأنهم لا يتبعون أي دين.

ورد في إنجيل متى (21: 44): "لذلك أقول لكم إن ملكوت الله ينزع منكم ويعطى لأمة تعمل أثماره".

 

د. عزالدين عناية

 

داود السلمانالعلم هو قبس من نور الحقيقة التي ننشدها، على أن الانسان كان ولا زال يطارد خيوط الحقيقة كما الصياد الماهر يطارد فريسته، فالحقيقة هي ضالة الانسان، وخصوصاً الانسان العالم، الفيلسوف، الباحث، وما بعد الحقيقة الا الجهل الضاربة جذوره في قاع الفكر المتحجر الذي لا تدك حصونه معاول المعرفة، قليلاً ولا كثيراً، والسبب أنه لا يأمل أن يحرث تلك القاع أو الارض ومن ثم يقذف فيها بذور المعرفة ليحصد بالتالي ثمارها اليانعة، وهي النتاج العلمي المصفّى وما يخدم به الانسانية قاطبة، وعلى جميع الاصعدة، اين ما كانت وحيثما تحلُ. على اعتبار أن العلم قوة، وقوة عظيمة هي اقوى سلاح ممكن أن يستخدمه الانسان في جميع قضاياه، اذ إن، كما قال الفيلسوف برتراند راسل (1872 - 1970): "قوة العلم لا حدود لها، فقد أُعلمنا سابقاً أن الإيمان يزيل الجبال، لكن أحداً ما لم يصدق ذلك، واليوم يقولون إن القنابل الذرية يمكن لها أن تزيح الجبال، ويصدق الكل". وليس هذا فحسب، وانما كما يضيف راسل أن "العلم لا يهدف إلى إنشاء حقائق ثابتة وعقائد أبدية.. بل يهدف إلى الاقتراب من الحقيقة بالتقريب المتتالي دون الادعاء أن الدقة النهائية والكاملة قد تحققت في أي مرحلة". وهذا الاقتراب الذي يتحدث عنه راسل هو لحظات التجلي التي يصل اليها الباحث عن الحقيقة بعد جهد وعناء ومواصلة الليل بالنهار، وتحدي المخاطر التي تقف كعقبة في طريقه والتي تتمثل عادة في الحرب الضروس التي تشنها عليه كثير من الجهات المتمثلة، سواء بالسلطان أو الحاكم او المؤسسات الدينية، الكهنوتية، التي تعد أن كل من يغوص في بحور العلم ويستخرج منها نظريات علمية تتعلق بالكون أو بالوجود او بما يخص المهندس الاول، فهم يعدون ذلك كفراً، ويطلقون على ذلك العالم أو الفيلسوف أو الباحث بأنه زنديقاً. لكن، مع ذلك كما يعبر مسكويه (الفيلسوف المسلم) "من خلا بالعلم لم توحشه خلوة، ومن أنسَ بالكتب لم تفته سلوة". بشرط أن يبتعد الباحث والسائر في طريق العلم أن يجفو ملذاته الشخصية، وأن يخوض في امواج العلم من اجل العلم نفسه، وخير ما عبر عن ذلك مايكل فاراداي (وهو عالم كيمياء وفيزياء انجليزي) بقوله "أنا سأعبّر ببساطة عن اعتقادي الراسخ أن هدف التعليم الذاتي والذي يقوم على تدريب العقل على مقاومة الرغبات والميول حتى تثبت صحتها هو أهم من كل شيء.. ليس فقط في العلم إنما في كل مناحي الحياة".

فالعلم، هم من ينير دياجي ظلام الجهل بنور المعرفة الحقة، ليكشف الطريق اللاحب امام القلوب المتعطشة للقبس من اشعة تلك المعارف كي تسير الحياة وفق ضوء شاسع وطويل يصارع كل العقبات التي تقف ازاء ما يريد الانسان من والصول الى كنه الحقائق المتخفية وراء جبال عالية من غيوم الجهل وعدم المعرفة الكافية، وقد حذرنا جورج برنارد شو بأن قال "احذر من العلم الزائف فهو أخطر من الجهل". وهذه حقيقة بأن هناك علم زائف كالأمور الميتافيزيقية لا يمكن أن نركن اليها، ونحملها على محمل الجد، الا بعد تجربة وظهور عياني يكشف تلك الحقائق، (وقد عالج كانط قضية الميتافيزيقا واشبعها بحثا). وهو عين ما عبّر عنه المتصوف شمس الدين التبريزي" العلم الذي لا يأخذك أبعد من ذاتك هو علم أسوأ من الجهل". وقد حذرنا شكسبير من مغبة الجاهل بقوله أن "الجاهل يعتقد نفسه حكيماً، أما الحكيم فهو من يعرف بأنه أحمق". أو يدعي أنه لا يعرف أي شيء بتعبير سقراط.

فحريّ بنا أن نكون احراراً، في تفكيرنا وفي طريق بحوثنا عن الحقيقة، والا بدون الحرية لا يمكن أن نحصل على ما نريد دون ذلك. وهذا عين ما اشار اليه روبرت أوبنهايمر " طالما أن الرجال أحرارا في السؤال عن واجباتهم، أحراراً في الحديث عن أفكارهم، أحراراً في التفكير عن إرادتهم، فإن الحرية لا يمكن أن تضيع والعلم لا يمكن أن يزول". وكما قال اسبينوزا" إن الحرية ضرورية تمامًا للتقدم في العلم والفنون الحرة". علاوة على أن يقترن بضمير حي ويكون المتصدي حريص كل الحرص بنقل الحقائق، وبعكس ذلك قد تحصل امور لا تحمد عقباها. "إذا لم يقترن العلم بالضمير أدى إلى خراب النفس". كما عبر فرانسوا رابليه.

واحياناً تقف ازاء الفيلسوف او عالم عقبات، ويجد مطبات تعيفه من الوصول الى الهدف الذي يريد الوصول اليه، وباذلا فيه دماء معاناته، وعصارة اوقاته. لكن، كما يقول وليام براج " المهم في العلم ليس أن تحصل على حقائق جديدة، بل أن تكتشف طرق جديدة للتفكير في هذه الحقائق". فالتفكير هو الادوات التي نتوصل من خلالها نحو قطف ثمار العلم والمعرفة، فالخوض في المسائل بلا تفكير كإعطاء الطبيب الدواء لمرضاه بدون تشخيص الدعاء، لأن "الهدف النهائي للحياة هو الفعل و ليس العلم، فالعلم بلا عمل لا يساوي شيئاً. نحن نتعلم لكي نعمل". كما يرى توماس هكسلي. فالعمل، اذن هو ديمومة التعلم، بمعنى اننا اولا يجب أن نعرف كيف نتعلم، لأن نتاج التعلم هو العمل الذي يؤدي الى قطف الاثمار بعد أن نتيقن بأنها نُضجت.. وذكرنا أن طريق التعلم شاق وغير معبّد، لكن الاصرار على ذلك هو ما يحفزنا ويعطينا قوة حديدية.

 

داود السلمان

 

عبد الخالق الفلاحالاختلافات من سنن الله في هذا الكون، إذ خلق الله البشر مختلفين عن بعضهم، ولا اعتراض على حكم الله وإرادته ولا يمكن حل الاختلافات بالاجابة فقط دون الفهم والادراك ومهما اختلفنا وطالما قبلنا الاختلاف وجعلناه بوابة للحوار وتبادل الأفكار، فإن ذلك لا يمكن إلا أن يكون نافعا وباباٌ لاقناع الاخر ورفع الكدور والخروج من الازمات ، الحوارهو الحاجة الضرورية والطريق الاصوب وهو نوع من التعاطي مع الآخرين ووسيلة من وسائل التشاور وتلاقح الآراء والأفكار وصمام الأمان لعالم اليوم الذي يموج بالتنوع ويقاد قسْراً إلى التوحّد على نمط واحد يروّج لـه أصحابه بوصفه النمطَ الأمثل للحياة وهو فن وعلم قائم بذاته اذا كان يتضمن نقل الرأي بصورة مباشرة وإيجابية يدفع الطرف الآخر إلى المزيد من المنطقية ويحثّه باتجاه المزيد من المعلومات والتجارب بلا تجريح ولا خدش... وفي نفس الوقت قد يستبطن بعض الإشارات إلى جهات النقض وعندما يحصل تعارض في المصالح والرغبة في التوصل إلى حلّ مقنع لجميع الاطراف المشاركة للوصول الى تفاهم وهو شكلٌ من أشكالِ التواصل الّلفظي أو الكلاميّ بين شخصين او اكثر او مجموعتين أو أكثر، ويعتبر الحوار نوع ووسيلةٌ للتفاهم بين الأفراد والشعوب، بالأخذ والعطاء.. أو قُل الكلام والاستماع إلى الكلام من الاخر. ومن اداب الحوار ايضاً: -اللّطف واللّين في التعامل ،حُسن انتقاء الكلمات والألفاظ المُستخدمة ،التركيز على الهدف من الحوار ،احترام وتقبّل الآخر وعدم مقاطعته أثناء حديثه ،استخدام درجة صوت مناسبة بحيث لا تكون مرتفعة جداً وفظة أو منخفضة لا توصل المعلومة.

انواع الحوار

الجدال: وهو نوع من أنواع الحوار يقوم على نقاش حادّ بين طرفين.

المناظرة: وهي كل ما يمكن للإنسان أن يفكر فيه ويخرجه بأسلوب معين بغية إقناع طرف المقابل فی-;- المناظرة.

النقاش: تتم المناقشة بين طرفين أو أكثر حيث تحاول أطراف النقاش البعد التام عن الأخطاء، بهدف الوصول الصحيح لحل المشكلة او للرأي الصائب. الحوار وسيلة لقهر التسلط والاستبداد الفـكري والسياسي، ووسيلة لقهر التعصب والانغلاق الفكري وتجنب العنف والإرهاب بكل ألوانه وكم من حركات تعمل في مشارق الأرض ومغاربها لتحقيق أهداف تبدو أحياناً مشروعة كالاعتراف بالهوية الثقافية أو اللغة أو الدين لأقلية تعيش مع أغلبية في دولة واحدة،

اصبح الحوار الهادئ اليوم الطريقة المثلى لنقل الأفكار وتبادل المعلومات وتنمية القدرة على التفكير والتواصل مع الآخرين في المحادثات . وبعكسه المتشنج منه مدعاة للفرقة والخلاف والتنافر وشق الصف وتفرقة الكلمة... وهذه هي آفات ومعاول هدم بنيان المجتمعات واضعافها وجعلها لقمة سائغة وسهلة المنال خاصة اذا كان له متربصين ، ومنهم ما هو معلوم ومنهم من هو يتخفى في انتظار اللحظة السانحة للانقضاض على المجتمع... قال تعالى: «ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم» وجاء أيضاً: «وكونوا عباد الله إخوانا»، والحوار الحاد ايضاً قد يحفز عند المستمع مكامن الغضب وتوقظ عنده الشعور بلزوم رد الفعل الدفاعي - وهو رد فعل قد يكون طبيعياً لاننا بشر حيثما نشعر بانتهاك كرامتنا نغضب ونتفاعل .

وطريقة للدعوة للتوافق بين الاطراف، تعتبر سمة حضاريّة لمن يلتزم بقواعده، فما أحوجنا في هذه الأيام الى حوار هادف وبناء يجمع ولا يفرق، بی-;-ننا ولا يهدم، يتخذ من الأخلاق والقيم الإسلامية والانسانية الثابتة قواعد للانطلاق، حتى يصل الى تحقيق الغايات السامية والأهداف النبيلة والحوار هو قوام الحياة والسعادة فيها هو وجود اجتماع بين مجموعات بشرية، تنتظم في حياتها بترابط وتآلف ی-;-حفظهم به قانون، ويكون بين أفرادها معرفة بالحقوق والواجبات التي تجعل الحياة واضحة ومنسجمة في التعامل. وتوفر مجالات جيدة للتعبير الواضح عن الرغبات والاحتياجات والطموحات وبلاشك ان التعبير الواضح عن الشعور والهدف يزيد جسور أجواء المعركة إلى واحات للسلام يقترب معها أكثر فأكثر نحو التفاهم والتعاون وتبادل وجهات النظر بشكل حقيقي وصادق اذا كان يتناولُ موضوعاً معيّناً، أو وجهاتِ نظر، أو هموماً شخصيّة كالحال بين الأصدقاء، وقد يتّخذُ الطابعَ الرسميّ حين يكون ضمن أماكن تعليميّة كالمحاضرات مثلاً، أو الحوار بين السياسيّين، بينما يعتمدُ على الإيماءات، أو على طرف واحد متكلّم، وكذلك الحوار الذي يدورُ بين الأم وطفلها قبل وصوله لمرحلة النطق، بيدَ أنّ هناك أنواعاً من الحوار التي تُبنى على أساس الأسلوب والنتيجة.

انواع الاختلافات

انواع الاختلاف المحمود: وهو اختلاف تنوع، وهو عبارة عن الآراء المتعددة التي تصب في مشرب واحد، ومن ذلك ما يعرف بالخلاف الصوري، والخلاف اللفظي، والخلاف الاعتباري. وهذه الاختلافات مردها إلى أسباب فكرية، واختلاف وجهات النظر، في بعض القضايا الخلافی-;-ة ،، وفی-;- بعض مسائل العقيدة التي لا تمس الأصول القطعية. وكذلك الاختلافات في بعض الأمور العملية، كالخلاف في بعض المواقف السياسية، ومناهج الإصلاح والتغيير، ويدخل في الخلافات الفكرية: اختلاف الرأي في تقويم بعض المعارف والعلوم مثل: علم الكلام والمنطق والفلسفة والتصوف. والاختلاف في تقويم الأحداث التاريخية وبعض الشخصيات التاريخية والعلمية. نحن أحوج ما نكون إلى الحوار في زماننا الحاضر من أي زمن مضى وانقضى

إذا توفّرت الإرادة في الحوار- تقرّب الشقّة وبه تزال العقبات ويسود التفاهم والوفاق فيتحقّق الأمن وتُركّز الثقة في النّفوس ما بين الأطراف المجتمعيّة أو الكيانات الإنسانيّة ناهيك عن المجموعات الصغيرة الفاعلة كالعائلة فی-;- البيت وموطن العمل ومجلس السياسة وغيرها ولا يمكن للحياة أن تستقيمَ من دون حوار، وهذا مرتبط فيه بالسؤال المهم ارتباطنا البعض بالاخر، وتحديداً في مسألة حاجتنا لبعضنا بعضاً، فهل يمكن أن تستقيم الحياة من دون الحواروالذي سيؤدي إلى تعايش البشرية معاً ومن منطلق هذه الحاجه تكونت المجتمعات وعاشت بسلام وامان .

 

عبد الخالق الفلاح – باحث واعلامي

منتدى التكامل الفيلي

 

نايف عبوشلا شك أن حركة الحياة تجري بايقاعات متسارعة، وبقفزات ضفدعية متتالية، حيث تعقد الواقع، مع تداعيات حركة التطور، نتيجة لما أفرزته العصرنة، من معطيات علمية، ومنجزات صناعية، وتقنية هائلة، فاقة الخيال، وانعكست بآثارها الضاغطة، على واقع حياة الناس، بشكل مباشر، حيث بات من الصعب ملاحقتها، ومجاراتها في اللحظة. وتبعا لذلك، فإنه لم تعد الفتوى، تقتصر على مجرد الطهارة، والعبادات، والأحوال الشخصية، وما إليها من الأمور الشرعية، وكما كان عليه الحال، قبل الانفتاح على معطيات العصر، عندما كانت مفردات الحياة في التداول اليومي محدودة، وبسيطة، ويجري التعامل معها  بسلاسة، وبدون إشكالات، في غالب الأحيان .

 فالمستجدات الهائلة في المجالات الطبية المعاصرة، على سبيل المثال،قد لامست حياة الناس، وباتت موضع خلافات فقهية في مجال الإفتاء، وفي الكثير من جوانبها، بين ما تقتضيه متطلبات المعايير المعاصرة، وبين ما تتطلبه المعايير الدينية، والأخلاقية، من تقييدات، عندما يتعلق الأمر بالصحة العامة، والسلامة الجمعية للناس، والانجاب، وغيرها . في حين تميز اقتصاد اليوم، بشبكة مترابطة من البنوك، والبورصات، بعد أن أصبح يعج بالشركات العابرة للقارات، وقد نشأت تبعاً لتلك المستجدات الاقتصادية، صور جديدة، للتعامل الاقتصادي عبر الإنترنت، وشبكات التواصل الاجتماعي،ومستجدات أخرى كثيرة غيرها، لم تكن مذكورة في التراث الفقهي للفتوى، ولم تكن معروفة من قبل.

ولما كانت الفتوى بأبسط مفهوم لها تنصرف إلى استنباط الحكم من الدليل الشرعي، لما يطرحه المستفتي على المفتي من إشكالات، فإن السؤال الذي يطرح نفسه اليوم، في هذا المجال، هو كيف يتم إسقاط الفتوى على تلك التحديات، التي افرزتها حركة الواقع المعاصر، والتي باتت تلقي بظلها الكثيف على مسلم اليوم؟ ومن ثم يثور السؤال التالي، وهو، هل يتطلب الأمر التجديد في الفتوى لاستيعاب تلك المستجدات؟  لاسيما وأن الفتوى بنت زمانها، كما تعارف الفقهاء على ذلك .

وعليه فإنه لابد من الإنتباه لموضوعة التجديد المنضبط للفتوى المعاصرة، بما يمكن أن يؤمن تناغم المفتي والمستفتي، مع مجريات العصر، من دون اختزال مشوه للنصوص الفقهية القديمة، ودون تجريد لها من سياقها التاريخي والحضاري، الذي استولدت فيه، في حينه .

ولعل تجديد آلية الفتوى في مواجهة تلك المعطيات، يصبح أمرا ملحاً، ويتطلب إعتماد صيغة الاجتهاد الجمعي المؤسساتي، الذي يستند إلى تضافر جهود عدد من التخصصات، التي تحتاج إليها الفتوى، في المجالات الاقتصادية، والاجتماعية، وغيرها من المجالات المعاصرة، وممن تتوفر فيهم شروط الإفتاء، بمعايير علمية رصينة، وذلك لغرض تمكن المجتمع المسلم، من مواكبة حركة التطور، ومواجهة المستجدات، في كل المجالات، من دون تفريط بالثوابت الدينية، ودون المس بقدسية مرادات النصوص على حقيقتها.

وفي ضوء ما تقدم، فإن الأمر بات يستوجب تقليص آلية الطرائقية الفردية في الإفتاء، التي تسود في ساحة الفتوى حالياً،  والتوجه إلى اعتماد منهجية جديدة للفتوى، تستند إلى مرجعية مؤسساتية جمعية من الفقهاء والراسخين في العلم كلما أمكن ذلك، ليناط بها مهمة الإفتاء بشكل مركزي في كل بلد ابتداء، بما يضع حداً لتقليص، بل ومغادرة أساليب الفتاوى الفردية لمتمشيخي الفضائيات على الهواء، والتغريد على مواقع، ومنصات التواصل الاجتماعي العنكبوتية، التي لا تلتزم - بدقة - بمنهجية الأصول الفقهية المعتمدة، بدعوى ضرورات التوسع في الاجتهاد، والتيسير بذريعة مراعاة المستجدات التي فرضها العصر، مما فتح الباب على مصراعيه لكل من هب ودب، ممن يريد أن يفتي بما يشاء، دون إدراك واع لحقيقة مرادات النصوص الدينية، ودون إلمام بأدنى مخرجات العلوم المعاصر.

 

نايف عبوش