مجدي ابراهيمسبقت الملاحظة إزاء الثورة الكاسدة التي شاعت ضد اللغة العربية من قبل، ولا تزال - أسفاً - مع كسادها تشيع في كل زمن، وتشيع أكثر وأكثر مع الانتقال من زمن إلى زمن باعتبار شيوع الفرية الكاذبة التي تردد على الدوام أن اللغة مجرّد قوالب متحجّرة لم تتطور ولا تُصلح لمجاراة التطور؛ أقول إنّ الملاحظة سبقت لنا في تلك الجزئية إلى أن هذا القول "مجرّد لغط منفّر لا يقوم عليه دليل" إلا أن يكون معتمداً فقط على التقليد الماجن الذي يتعلّق بأفراد معتوهين، ولا يعمُّ أفاضل المجتهدين في القديم والحديث.

وقد قلنا إذ ذاك إنه أراد من أراد للّغة أن تتوقف وتتجمّد ويُستبدل مكانها لهجات محليّة تافهة، كيما لا تجري العربية جريانها على الألسن والقلوب كما كانت تجرى سليقة من وفرة المطبوع وذوقاً من حصافة العربي، يوم مهدها وعنفوانها وقوتها وحيويتها من غير أن يصدّها عائق من طبع النفس أو سليقة الذوق والأداء، ومن غير أن يحجزها تغرير العجز والعيّ تحلّلاً من القواعد والأصول".

ولنلحظ ثانيةً أن مهد اللغة ثم تطورها وعنفوانها وقوتها وحيوتها هو عينه مهد الحضارة، ولا يكون أوج الحضارة إلا نفسه أوج اللغة، ثم تطورها وحيوتها وقوتها مستقرة بروح موصولة بقوة العروبة وحيويّة القوميّة العربيّة، والهويّة العربيّة، أجزاءً متفرقات من ينبوع القيم، لكن تجمعها كلية شاملة واحدة هى الحضارة العربية.

حقيقةً لم يكن هنالك أصلٌ لكلام الذين يُريدون أن يجدّدوا القوالب المتحجّرة في اللغة أو لعلّهم يكسروها لو استطاعوا، لأن اللغة بطبيعتها متجدّدة متطوّرة، فإنّ هذه الفرية الكاذبة لم تقم على أدنى أساس صحيح، ولكنها قامت يوم قامت بالزعم الباطل في محاولة خلع العرب من لسانهم الذي يدلُّ من أول وهلة على عروبتهم، وعلى كل ما تحمله مفاهيم العروبة من حضارة وهويّة وقوميّة، لا يمكن الفصل بينها بحال، ثم لتدخلهم في لسان آخر أعجمي، أو هو إلى العُجمة أقربُ منه إلى الفصاحة، فضلاً عن إحلال العاميّة التافهة مكان الفصحى. وقد قيل بالزعم الباطل أيضاً إنّ اللغة العربية غير صالحة لمسايرة الحضارة الحديثة ولا التوجهات الحداثية، وأنها لا تتسع للتعبير عن العلوم الجديدة السريعة التقدّم بحكم حداثتها، وأنها قاصرة عن الوصف الدقيق والدلالة القريبة. وهذا كله محض افتراء ساقط لا أساس له.

وإذا كان لسان حالهم يقول : إنّ لغة القرآن ثابتة كما الحجر لا تواكب تطورات العصر الحديث بكل ما فيه من كشوفات العلم واختراعات التجارب الجديدة وتطورات الزمن المتجدد على الدوام، فإنّ هذا القول يخالف تماماً أهم باب من أبواب اللغة وهو باب القياس، وعلى هذا الباب يقوم التجديد في اللغة لتطور من نفسها وبنفسها مع كل جديد، فتواجه الزمن ومستحدثات العلوم أكمل مواجهة، فلا حياة من ثمّ للغة بدون ابتكار ألفاظ جديدة. وهذا الابتكار علامةٌ دالةٌ على تجدّد اللغة العربية وهو ما سمّاه اللغويون "بالوضع"، وكانت أهم وسائله : الاشتقاق والقياس، ومن المعلوم لدينا بالضرورة أن من أخص خصائص العربية أنها لغة اشتقاق تقوم على الوزن، والوزن هو أساس اللغة عندنا. وفي الاشتقاق ما أكسب اللغة مرونةً ومناعة في آن واحد، وهما علّة التطور والتجديد، فسمح لها الاشتقاق بخلق ألفاظ جديدة وحافظ على ثروتها، وحماها من الزيغ والشطط. وقد ناقش مجمع اللغة العربية بالقاهرة منذ زمن بعيد في الفترة التي تولاها المرحوم الدكتور إبراهيم مدكور، أستاذ الفلسفة الإسلامية يومئذ، أصل الاشتقاق واختلافه بين اللغويين في القديم : هل هو المصدر أو الفعل؟ واستدل القدماء بين البصريين والكوفيين، كل على رأيه، وكان هذا الخلاف في الغالب خلافاً نظريّاً لا طائل تحته، وقد وضعت للاشتقاق قيود تضيّق آفاقه، وتحدّد ما يشتق منه وما لا يشتق.

وكان همُّ مجمع اللغة العربية أن ييسر من أمره ويفك بعض قيوده، ويشتق ممّا لا يشتق منه، ويجعله في اختصار أداةً طيّعة في أيدي العلماء والأدباء، تمكّنهم من أن يجدوا الكلمات الملائمة لأداء ما يعنّ لهم من معان، وكلما نجحوا في الاشتقاق استغنوا عن العامي والأعجمي. ولم يحرص المجمع على أن يكون بصرياًّ أو كوفيّاً، بقدر ما حرص على أن يواجه حاجات العصر ويحاول سدّها. ولم يكن عمل المجمع فيما أجازه من اشتقاق اللغة إلا ثقة فيها ومسايرة للغة العصر وتطويعاً للعربية كونها تلبي مقتضيات التطور وفق ما يشتق من ألفاظ القياس اللفظي، وهو وضع صيغ لأداء معان محددة، كصيغ اسم الفاعل واسم المفعول تأسيساً على دعامة الاشتقاق. وقد أجاز المجمع - فيما يقول الدكتور إبراهيم مدكور في كتابه (اللغة والأدب، ص ٣٥)-  من أسماء الأعيان، فيقال مغنط من المغناطيس، وقصدر من القصدير كما قيل قديماً ذهب من الذهب، وكبريت من الكبريت، وكان ذلك مقصوراً على السماع. وتوسع في المصدر الصناعي، وجعله قياساً مطرداً يكفي فيه أن تزداد ياء النسب والتاء على الكلمة، وله أمثلة كثيرة مأثورة كالجاهلية والشعوبيّة والقدرية والجبرية والربوبيّة والألوهية، ويستعان به اليوم على أداء أسماء كثير من المذاهب والنظريات العلمية والفلسفية. وكلما أعوز الاستعمال العلمي لفظ، يسّر أمر القياس فيه، فأجاز صيغاً للدلالة على معان خاصّة مثل فُعال للمرض، وفعالة للحرفة، وفعلان التقلب والاضطراب. وقال بقياسيّة أفعال المطاوعة جميعاً، وإن أنكرها بعض اللغويين إذا لم ترد في المعجمات، وقال أيضاً بتعديّة الفعل الثلاثي قياساً بالهمزة أو بالتضعيف، ولم يكن مسلّماً به على إطلاقه".

هذا عن القياس اللفظي. أمّا القياس المعنوي فيراد به إطلاق لفظ على حقيقتين مختلفتين لشبه بينهما، فهو ضربٌ من المجاز اللغوي الذي يسمح باستعمال اللفظ في أكثر من معنى، فتكون له عدة دلالات : واحدة لغوية، والأخرى عرفية اصطلاحية. وقد أعان هذا التجوّز على وضع مصطلحات كثيرة، وبخاصة أن لكل علم أو فن لغةً تكاد تكون خاصّة، فالحكم عند النحاة مثلاً غيره عند المناطقة، والحال عند النحاة غيرها عند الصوفية، وهذا ولا شك باب واسع من أبواب الوضع ووسيلة هامة من وسائل خلق مصطلحات جديدة.

ولم يظهر جمال اللغة إلا من خلال مثل هذا القياس المعنوي، ففيه كل ما في اللغة من إحساس ومن طرائق التعبير على السواء. عمّق فيك الإحساس تتشكل لديك طرائق التعبير.

فالإحساس العميق باللغة، والاحساس العميق بالمفردات، والاحساس العميق بمدلول الكلمات لهو هو الشئ الذي لا يستغنى عنه مبدع كائناً من كان أو ما كان موضوع إبداعاته : في الشعر والأدب والفن، في العمل الفكري أو في الإنتاج العقلي، ولربما يكون كذلك في اتساع الصّلة مع الأزلي الإلهي على التعميم.

كل العمليات الفكرية المُبدعة إذا نحن نظرنا إليها من وجهة نظر التحليل الذوقي ألفيناها عمليات عقلية عليا مشروطة بالقدرة الخاصّة المُبدعة ليست تتمُّ في قرائح المبدعين إلا بارتقاء القدرة على الإحساس : الإحساس بالآخرين متقدمين ومتأخرين، الشعور بهم والتوحُّد معهم وإدراك الحقيقة التي كانت تعتمل في بواطنهم، وتشتعل جذوتها في دخائلهم، ثم مواجهة النفس الانسانية والغرض الإنساني بالتقرُّب إلى أولئك المبدعين الأفذاذ في كل عصور الإنسانية المزدهرة؛ ليصير التقرّب اليهم سياجاً حافظاً يعصم النفوس من التسفُّل والضياع وانحطاط القيم وانحدار الموازين، سواء كان هذا الانحطاط في القيم العقلية والمعرفية أو كان الانحدار في القيم الخُلقية سواء، كيما يعصمها كذلك من التردي في مهاوي الفناء.

الإحساس بلا شك بالكلية الوجودية وبالمجموع الإنساني إنمّا هو قدرة المبدع بلا خلاف لأن تكون قدرته خاضعة لشعور الشاعر بشعوره، صادرة عنه وموجّهة إليه، واحساسه بما هو موقور وعياً في باطن الانسان.

على أن الإحساس بما هو موقور في باطن الإنسان وبما هو كامنٌ في أعماقه الجوانيّة من هذه الجهة مقرونٌ بالوعي وممزوج به مزجاً محكماً، إذ كان ضرباً من تقدير الانسان لا يخرجه إلى الوجود إلا طريقة التعبير المُمثلة في القلم، ذلك القلم الذي يعلم من صاحبه ما لا تعلمه الأدوات الأخرى ولا الوسائل الأخرى، ولأجل هذا كانت قيمة الإنسان المعرفية في قلمه، وفي لغته، أي كانت في وعيه، وفي طريقة تعبيره عن هذا الوعي كلما استطاع. ومن هنا صارت التجارب المعرفية الكبرى تعبيراً عن الوعى العالي لا الوعى العادي. ولم يقدح في الوعي العادي كونه محدوداً عن مدركات الوعى العالي إذا نحن أخذنا التجربة الإنسانية، روحية وعقلية، محلّ اعتبار وموطن قياس؛ فطريقة التعبير عن الوعي العادي ليست كطريقة التعبير عن الوعي العالي، وما يُقال عن الأولى التي هى عبارة صريحة مباشرة، لا يقال عن الثانية التي ربما تكون رمزاً أو إشارة أو لمحة تقتضي التأويل والتفسير.

ولم يكن من قبيل المصادفات أن يقسم الله تعالى بالقلم، إذا كان القلم نفسه هو الوعي، وهو نفسه اللغة : التعبير الصادق عن الوعي، وأن يُعلّم الله تعالى بالقلم، فإن الذي علم بالقلم علم الانسان ما لم يعلم لهو هو الذي خلق الانسان وعلمه ما لم يكن يعلم، فأقسم في عزيز خطابه بالقلم ليعلمه، وليرشده بالعلم والمعرفة إلى حقائق الزماني والأزلي، ولكن الإنسان المحدود ذي العقل المحدود والنظر المحدود مع تطور أدواته واختلاف وسائله، أهمله وفضّل عليه أحدث الوسائل المعرفية التي لا نعرف لها سراً يضاهي السّر الإلهي الذي أودعه الله سنان القلم.

ربما لا يدري أن فقه الوجود كله مرهون بذاك القلم إذا أريد بفقه الوجود كله أن ينجلي تحت سنان الأقلام التي تعرف كيف تُخرّج حكمة الأسرار، من وعي عالي أو عادي سيان، وأن تعتدل منظومة القيم الخُلقية بالصدق في استعمال الأقلام. وماذا عسانا فاعلين لو تسألنا الآن : ما علاقة هذا كله بالإحساس الذي تقدّم الحديث عنه؟ لتجيء الإجابة مختصرة ومركزة في كلمة واحدة لا مزيد عليها هى "التريض بالقلم"، والإخلاص للغة. وأنا أعني أن الإحساس المدرك بكل ما في الوجود من جوانب الحق وأقدار الخير وأقسام الصلاح مرهون باستخدام القلم ولو كان في استخدامه كلفة غالبة ومشقة فادحة وعناء طويل. غير أنه عناء التجربة، ومشقة التعبير عنها، وكلفة تخريجها من ظلمة العمى الروحي إلى نور الوجود المستنير.

فما من إحساس عظيم بجمال الأشياء وجلال الوجود الباطن إلا وللقلم في إبرازه واظهاره واستيحائه، بعد إدراكه، الدور الفعال والتواصل المحمود بين الأجيال.

ثم إن الاشتقاق في الواقع ضربٌ من القياس اللغوي. ولمّا كانت اللغة في أساسها عُرفاً واستعمالاً يتوارثه الخلف عن السلف، كان من حق الخلف أن يجدّد في ميراثه، وأن يبتكر وأن يضيف وأن يبدع وفق ما يستجد من مقتضيات الزمن المتجدّد، فيسدُّ حاجات العصر.

ولكن لهذا الاستعمال ضوابط تنظّمه، وقواعد تسير عليها، والقدماء أنفسهم أشاروا إلى هذه النقطة بما يسمح بتطبيقها على ضوابط اللغة فتكاد تتلخص صناعة اللغويين في حصر تلك الضوابط ووضع هذه القواعد وهم في الغالب فريقان: قيّاسون يكثرون من الضوابط ويلتمسون القاعدة لأدنى مناسبة، وحفاظ يؤثرون السّماع ويعتدون بالرواية، ويمكن أن يرد الخلاف بين البصريين والكوفيين في أساسه إلى هذه التفرقة. ومادامت اللغة تسير وتتطور فلابد أن يسير القياس معها ويطورها، ومن هنا كانت اللغة تطور نفسها بنفسها، فيمكن أن نضع لها الضوابط وفقاً للقياس كما وضع الأقدمون وأن نقعّد لها القواعد كما قعّدوا. ولم يكن أبو علي الفارسي (٣٧٧هج) وتلميذه ابن جني (٣٩٢هج) يقولان: "ما قيس على كلام العرب فهو منه" إلا لتأكيد صيرورة اللغة وحيويتها وقدرة أهلها على تطورها وتطويعها والتصرف بالاجتهاد والاقتراح فيما ييسرها وينهض بها. ولا غرو فقد كانا هذان العالمان الجليلين زعيمي مدرسة القياس في اللغة. وقد كان أهون على أولهما (أبو علي الفارسي) أن يخطئ في خمس روايات من أن يخطئ في قياس واحد، وحاول ثانيهما (ابن جني) أن يضع للغة أصولا ًكأصول الفقه. ولكن مع ذلك ربما غلا بعض اللغويين وشاء أن يضيق دائرة القياس، أو أن يسدّ بابه الواسع، ومن هؤلاء كان ابن فارس (٣٩٥هج)، وهو لغوي متطرّف معاصر للفارسي وابن جني، ذهب إلى أنه " لنا اليوم أن نخترع، ولا أن نقول غير ما قالوا، ولا أن نقيس قياساً لم يقيسوه". وكأنمّا ذهبت كلمته مثلاً وأضحت دستوراً يعمل به.  ولم يغلق باب القياس في اللغة ولن يغلق قط بصورة قاطعة، وليس معنى انصراف الناس عنه والاكتفاء بترديد ما قاله الأقدمون أمثال ابن فارس، أنه باب قد أغلق، ولكن هذا الباب نفسه هو علامة تطور اللغة وجواز الاجتهاد فيها بما يناسب حاجات العصر ما دامت العربية ليست ملكاً لأحد ولا طقوساً يتعبد بها وإنما هى لسان يتصرف فيه أهله في ضوء ظروفهم وحاجاتهم ( في اللغة والأدب ص ٣٥- ٣٦).

هي إذن قرية ساقطة تلك التي تدّعي أن اللغة العربية لا تواكب حاجات العصر ولا تساير كشوفات العلوم الحديثة، ولا تخضع لعوامل النهضة والتقدم على وجه العموم، فما ترك من الجهل شيئاً من أراد أن يجعل من لغتنا الجميلة قوالب جامدة كأنها الصخور، وهى نفسها لغة القرآن والعلوم ولغة الآداب والفنون على مرّ الأزمان وتعاقب الأجيال.

 

بقلم : د. مجدي إبراهيم

 

مظهر محمد صالحفي الضرائب والفائدة ورسم الإصدار(النقدي).. الاقتصاد الامريكي انموذجاً

في مقدمة التساؤلات الجوهرية التي امست لصيقة بالنظام المالي الراهن للولايات المتحدة الأمريكية هو كيف تستطيع اميركا من تحصيل رسم إصدار الدولار seniorage وتدويره كعملة عالمية وهي العملة التي مازالت تهيمن على اكثر من ٨٠٪ من المدفوعات التجارية والمالية الدولية وأكثر من ٦٠٪ من القروض التي تمنحها المصارف العالمية وهي مازالت احد مكونات النقد الاحتياطي الرسمي للدول وبما لايقل عن ٤٥٪ من موجودات محافظ البنوك المركزية العالمية وغير ذلك من المؤشرات.

فالولايات المتحدة منذ ولادة نظامها النقدي في نهايات الحرب العالمية الثانية ودوره كظاهرة مالية مهيمنة على أدوات الدفع والتسويات الدولية واعتماد دولار الولايات المتحدة (وعلى وفق نظام الصرف بالذهب،اي الدولار المغطى بالذهب النقدي قبل توقف الالتزام بتحويله من العملة الورقية الاسمية الى الذهب النقدي في العام ١٩٧١) استمر يطلق على ذلك النظام النقدي في الأدب المالي الحديث (بالماركنتالية المالية) وهو عكس (الماركنتالية التجارية) القديمة التي كانت تتطلع اليها الدول لتحقيق فائض في الحساب الجاري لميزان المدفوعات جراء تفّوق صادراتها من السلع والخدمات على إستيراداتها . اذ تقوم الماركنتالية المالية الامريكية على تحقيق فائض في حساب راس المال او الحساب المالي (كما يسمى اليوم في ادلة ميزان المدفوعات) ليعادل العجز المستمر في الحساب الجاري من السلع والخدمات للميزان الامريكي نفسه . وهكذا أتاحت هيمنتها على النظام النقدي والمالي الدولي تحصيل مدخرات دولية فاعلة ومرغوبة لاغراض الاستثمار الرمزي والحقيقي معاً داخل الاقتصاد الامريكي .اي من خلال تحويل فوائض العالم الدولارية اليها لتستحيلها الى استثمارات محلية وبشكل مناظر لمبدأ اساسه هو :

أ‌- ان يتمتع الشعب الامريكي برفاهية استهلاكية عالية مستمرة من سلع وخدمات متدفقة على الاقتصاد الامريكي من خارج الجغرافية الاقتصادية للولايات المتحدة .

ب‌- وتحويل الدولار المبادل في الخارج الى قوة ادخارية حقيقية عبر سندات الخزينة وغيرها كي تتحول تلك الموارد المالية الى ركائز للاستثمار داخل الاقتصاد الامريكي ومن ثم تحقيق نمو في الدخل الوطني الذي يعكس نمواً مناظراً في نمو رسم الإصدار النقدي .اي من خلال توليد دورة تمويل دولارية مستمرة تبدا من داخل الولايات المتحدة نحو الاقتصاد العالمي،ثم يعود جزء كبير منها الى الاقتصاد المحلي للولايات المتحدة لتستثمر بادوات الدين الأمريكية ثم تسيل تلك الأدوات وتزج في حركتي الاستهلاك والاستثمار الداخلي وتعافي ونمو الدخل الوطني .

ثانيا: تستند الولايات المتحدة بنظريتها الاقتصادية الخاصة الى سياسة مركبة (في العجز)سميت بإدارة العجز المزدوج dual deficit أي تلازم العجز في الموازنة العامة الفيديرالية مع العجز في الحساب الجاري لميزان المدفوعات في آن واحد وهي وظيفة اختلالية لكن يتعدى نطاق أهدافها الى تحقيق منافع احتكارية حقيقية من نظام مالي امبريالي شديد الهيمنة يقوم بالأساس على الاصدار النقدي لعملة إحتياطية دولية مستدامة تولدها أدوات الدين العام ولا يرغب احد بالتخلي عنها.

ثالثا: مازال السؤال الجوهري الذي يدور لدى الأوساط الاقتصادية حالياً هو هل ان الصراع التاريخي داخل مكونات ميزان المدفوعات الامريكي سيظل يميل صوب إدامة ميكانيزم الاقتصاد الرمزي لسوق راس المال الامريكي او token economy على حساب تدفق الفوائض التجارية للأمم الاخرى (والمُولد بالأساس من دالة إنتاج في إقتصاد حقيقي عالمي real economy وضع في خدمة الاقتصاد الرمزي للولايات المتحدة الامريكية . ؟ وهل مازالت التبعية الماركنتالية (التجارية))العالمية للماركنتالية (المالية) الأمريكية تسير منفردة صوب تقوية الاقتصاد الرمزي الامريكي وما ترتبه من توليد ازمات في الاقتصاد العالمي باستمرار ؟ وهل ان تلك الأزمات استندت على أموال نجمت بالأساس عن أصول حقيقية لكنها وضُفت للمضاربة السعرية في أصول مالية اسمية متضخمة بعشرات المرات عن القيمة الحقيقية لها من خلال عمليات التسنيد والمشتقات المالية وتولد اثر ثروة من تملك تلك الأصول الاسمية او الورقية والمضاربة السعرية فيها على حساب نمو الاقتصاد الحقيقي؟.

وعلى الرغم من التساؤلات آنفا والافتراضات العملية التي مازالت تُسير واحد من أقوى اقتصادات العالم، الا انه يلحظ ان هنالك تعديلات جوهرية في السياسة الاقتصادية للولايات المتحدة في الوقت الحاضر اقتضتها ظروف مواجهة سلاسل الأزمات الدائمة في النظام الرأسمالي . لذا بات من الواضح ان ثمة تعديلات في بعض ثوابت ومتغيرات السياسة الاقتصادية للولايات المتحدة وبشكل مبكر اليوم غدى من المسائل الحتمية لاستدامة النظام الاقتصادي الخاص للولايات المتحدة من خلال تكيف بعض معطيات النظام الماركنتالي المالي العالمي .اذ تؤشر السياسة الاقتصادية الأمريكية بعض ضرورات التحول او الانتقال الجزئي فيها اي من استدامة الاقتصاد الرمزي token economy بشكل منفرد ومتطرف كما كان عليه الحال عند حلول أزمة الرهن العقاري في العام ٢٠٠٨ بالانتقال وبشكل متسق ومتوازن الى استدامة الاقتصاد الحقيقي real economy الذي هو اليوم على شفى ركود واسع .وهذا ما أخذت تؤشره حالة التحول المتسارع الى سياسات العرض supply side economy وتشجيع الإنتاج وما يتطلبه من تبني سياسة خفض الضرائب على عوامل الإنتاج ولاسيما الأجور من جهة رافق ذلك خفض كلفة خدمة الدين العام من جهة أخرى .وياتي التحول من منطلق الاعتماد المبكر او الإنذار المبكر early warnings من الانخراط المفاجيء في الانكماش الاقتصادي وتجنب الدخول بالبطالة والركود الواسع .

اذ بدأ البنك الاحتياطي الفيدرالي بتبني سياسة توسعية تقوم على خفض معدلات الفائدة بعد ان انقلب منحنى العائد على السندات الحكوميةالطويلة الأجل او مايسمى yield curve inversion .في حين صادق الكونغرس منذ اكثر من عام على برنامج خفض الضرائب على الأجور والرواتب payrolls وهو الأمر الذي عظم من مستويات الدين العام الامريكي . لذا فان النظرية الخاصة لاقتصاد الولايات المتحدة بدأت تقوم حقاً على ثلاثة متغيرات لابد ان يساعد تعديلها على احلال التوازن بين الاقتصاد الرمزي والاقتصاد الحقيقي في موضوع تعادل اثر الثروة wealth effect بينهما .وان المتغيرات التي يتطلب تعديلها هي معدلات الفائدة ومعدلات الضريبة على عوائد عوامل الإنتاج والعمل خصوصاً ومن ثم تقوية رسم الإصدار النقدي sineorage ليكون الأخير مماثل بدوره لمستوى النمو في الناتج المحلي الإجمالي المستهدف وعلى وفق الآليات الآتية :

أ‌- يأتي إصدار السندات الحكومية للولايات المتحدة الأمريكية ذات التصنيف الائتماني العالي في مقدمة أدوات الاقتراض السيادية التي يجري تسويقها الى الحائزين لها من داخل وخارج الاقتصاد الأمريكي ذلك في إطار سياسة استدامة التمويل العام للنفقات التي اعتادت عليها الموازنة الفيدرالية للولايات المتحدة لسد العجز السنوي وتغطيته عن طريق تنقيد أدوات الدين debt monetization لدى البنك الاحتياطي الفيدرالي بشكل متزايد ضمن سياسة النقد الرخيص ولاسيما في وقت الكساد او احتمالات توقعه. وان الحفاظ على مستويات دين عام مستدامة sustainable يأتي بالتلازم لضمان توليد نمو مستدام في الدخل الوطني للولايات المتحدة عبر تقوية الطلب الفعال ومواجهة مظاهر الانكماش الاقتصادي الذي يصيب مفاصل الاقتصاد الامريكي بسب شدة الاحلال والتقدم التكنولوجي في العالم وما تفرزه من بطالة في عوامل الإنتاج الاخرى . وهي آليات ذات صفات متلازمة،اذ ساعدت سياسة الديون التقليدية في السابق على توليد نمو ضريبي متاتي من النمو في الدخل المتنامي الجديد الذي يمكن الإيراد الضريبي المفروض على الزيادات في الدخل من سداد الدين الأصلي وخدمته وبمسار دائري توسعي مستمر .

ب‌- تاريخياً ولكي تستهلك اميركا برفاهية عالية للسلع والخدمات الأجنبية وقبول العجز المستمر في الحساب الجاري لميزان المدفوعات الامريكي،فيجري دفع قيمة الاستيرادات السنوية من السلع والخدمات الاجنبية عن طريق التسديد بالدولار المولد بالسندات المسيلة لدى الاحتياطي الفيديرالي حسب مقتضيات آلية تسوية العجز في الحساب الجاري لميزان المدفوعات والعجز في الموازنة الفيدرالية dual deficit .فالدولار المدفوع الى الخارج والذي ولده الدين الداخلي في البداية يعمل في مرحلة لا حقة على تنمية حركةً الاستثمار بالداخل أيضاً وعبر الفائض في الحساب المالي لميزان المدفوعات الامريكي .اذ يساهم الفائض في الحساب الرأسمالي او المالي الامريكي عن طريق تدفق المدخرات أو الفوائض الخارجية الى داخل الاقتصاد الامريكي ثانية لياخذ دوره في تحريك معجل الاستثمار كاداة لنمو الدخل الوطني وإدامة التشغيل وإحلال التكنولوجية الجديدة كقوة نفوذ لتعاد الى الاقتصاد العالمي بشكل ما. وبهذا تحقق الاستثمارات الداخلية الممولة من فوائض الادخار الخارجي في جانب منها الى استثمار داخلي. إذ يؤدي الدخل المتعاظم الجديد جراء الاستثمار الى اتساع الوعاء الضريبي وتحقيق نمواً مالياً جديداً من خلال التحصيل الضريبي على الأوعية المضافة الناجمة عن الدخول والإنتاج ومختلف الأرباح وعدها أوعية إيرادية نامية جديدة تسهم في خفض اصل الدين العام .اي ان الدين العام الذي سيولد انفاق استهلاكي عالي وعجز في الحساب الجاري لميزان المدفوعات في البدء سيعادله تدفق الفائض الادخاري لدى الدول الأجنبية المتعاملة تجارياً ومالياً مع الولايات المتحدة،بعد ان يتحول الفائض التجاري في جانب مهم منه الى ادخار حقيقي يتدفق الى داخل اميركا من خلال الحساب المالي الموجب لميزان المدفوعات. اذ تنتهي الادخارات المتدفقة من الخارج الى استثمارات حقيقية تولد نمواً حقيقيا موجباً في الدخل الوطني للولايات المتحدة .وهكذا تولد بالتوازي أوعية ضريبية مضافة تتولى سداد خدمة الدين نفسه ضمن دورة العجز المزدوج في الموازنة الفيدرالية والحساب الجاري لميزان المدفوعات dual deficit . فالديون تولد نمواً في الدخل الوطني والنمو في الدخل الوطني يولد إيراداً ضريبيا ً جديداً والأخير يذهب لإطفاء اصل الدين وخدماته .

ج - فالنمو الحقيقي في الاقتصاد الأمريكي مرهون بالنظام المالي الماركنتالي للولايات المتحدة كدولة مصدرة للعملة الدولية وهو الدولار وان رسم الإصدار أو السنيوريج للدولار يتجسد بما تسببه العملة الأمريكية المصدرة من نمو حقيقي مقابل جراء تنامي الاستثمارات الحقيقية في الاقتصاد الأمريكي نفسه .فالادخارات الاسمية او الرمزية المولدة بالإصدار النقدي تستبدل بادخارات حقيقية متدفقة بالغالب من الخارج ومن ثم تتحول الى استثمارات حقيقية ونمو حقيقي في الاقتصاد الامريكي .اذ تجسد آلية العجز الثنائي الأمريكي ان اقتصاد الولايات المتحدة هو اقتصاد إمبريالي او احتكاري مالي يتعايش على ريع الثقة العالمي بالدولار الرمزي ليبادل بادخارات عالمية حقيقية عن طريق أدوات مالية حكومية بالغالب .كما ان استعمال العملة الأمريكية عالمياً جراء تلك الموثوقية والحفاظ عليها لابد من ان يتحصل عنها رسم لتعويض كلفة إصدارها (سنيوريج) وادارتها وان رسم الإصدار سيناظر حالة النمو في الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي الامريكي . ما يقتضي تعظيم رسم الإصدار من خلال الآليات النقدية والمالية المؤدية الى تحقيق النمو المرغوب exante في الدخل الوطني للولايات المتحدة .وهكذا توفر الآليات الثلاث المذكورة آنفاً (أي العجز المالي في الموازنة الفيدرالية والعجز التجاري ومن ثم فائض الحساب المالي لميزان المدفوعات)وفي إطار متماسك من حالة المنافع المتلازمة في التعاملات المالية والتجارية الدولية والنمو الحقيقي في الدخل .فنمو الطلب العالمي على الدولار الأمريكي يبقى اساسه دين عام أمريكي جاء لسد العجز في الموازنة الفيدرالية.

د- سيظل رسم إصدار الدولار هو خلاصة المنفعة المتأتية من الاستيرادات الأمريكية والممولة بأداة دين أمريكية وان البلدان المصدرة للسلع والخدمات الى اميركا تعيد استثمار فوائضها الإدخارية في اقتصاد الولايات المتحدة نفسه بما يؤدي الى استدامة النمو في الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي الامريكي . وهكذا فان السنيوريج أو معدل نمو رسم إصدار الدولار سيعادل النمو الحدي بالدخل الوطني الممول بمدخرات دولارية خارجية لدول ومؤسسات أهلية اجنبية. انها الإمبريالية المالية الجديدة القائمة على النهضة التجارية أو الماركنتاليىة المالية.

هـ - وعلى الرغم مما تقدم ذكره،يلحظ ان الدين العام الأمريكي قد ازداد صعوداً في عام ٢٠١٩ بقفزة متسارعة الى نحو واحد تريليون دولار ما جعل رصيد الدين العام الكلي يبلغ اكثر من ٢١ تريليون دينار،متخطىياً بذلك قيمة الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة نفسها .وتاتي الزيادة في الدين العام الأمريكي في العام ٢٠١٩ بغية تعويض الإيرادات المفقودة جراء تبني سياسات العرض supply side polices التي مارستها الحكومة الأمريكية لمواجهة احتمالات الانكماش في الاقتصاد الامريكي .فخفض الحكومة الأمريكية لمعدلات الضريبة على الأجور والمرتبات لتحسين الإنفاق الكلي وتحريك مضاعف الدخل تتطلب بالمقابل قيام البنك الاحتياطي الفيدرالي بخفض الفائدة الى اقل مستوى ممكن بغية التقليل من كلفة الدين العام المدفوع لحاملي سندات الحكومة الأمريكية ،ما يعني الحفاظ على مستويات رسم الإصدار sineorage المتحصل من الدولار المصدر عن طريق الدين الحكومي الامريكي عالية دوماً سواء بخفض الفائدة على الدين ولاسيما المنفق منها في دورة الاقتصاد المفتوح بصورة استيرادات سلعية وخدمية الى تحقيق منفعة متعادلة . او في خفض مستويات ضريبة الدخل اوالانتاج على المواطن الامريكي المنتج والمستهلك ليقابله اقتراض حكومي تعويضي اكبر مما يؤدي الى تزايد في رصيد ديون الحكومة الأمريكية بالسندات المسؤولة في هذه المرة عن جانب من رفاهية قوة العمل الأمريكية وإنفاقها الاستهلاكي العالي كقوة طلب وتنشيط مضاعف الدخل عن طريق زيادة الميل الحدي للاستهلاك مع انخفاض الضرائب على اجور العاملين ومعجلات الاستثمار عن طريق زيادة تحفيز القوى المستثمرة من خلال ارتفاع الكفاية الحدية للاستثمار لديها أو زيادة الميل للإنفاق الاستثماري الحقيقي جراء انخفاض الفائدة وكلفة الائتمان .

و- ان انخفاض كلفة الائتمان الناجمة عن تخفيض الاحتياطي الفيدرالي لمعدلات الفائدة على سندات الخزينة الأمريكية والمخصومة لديه(ضمن مايسمى بسياسة التيسير الكمي quantitative easing والتوسع بالسيولة الدولارية) يأتي لتحفيز النشاط الاقتصادي وتعظيمم النمو الحقيقي في الدخل الوطني من دون تضخم وهو النمو المماثل لرسم الإصدار (ولكن هذه المرة وفي عهد الرئيس الامريكي الحالي وسياسته الاقتصادية الجديدة التي تعتمد استراتيجية الانذار المسبق او المبكر او جرص الإنذار ياتي في حزمتي خفض الضرائب وخفض الفائدة لاحتواء مشكلات الكساد القادم لا محالة) .

ز- يلحظ ان القوى الخاسرة من هذه السياسة القائمة على خفض كلفة الائتمان بشكل خاص هم طبقة المدخرين عموماً وكذلك بلدان الفائض الدولاري المستثمر بسندات الخزينة الأمريكية وهم بالغالب من مجموعة البلدان التي تتمتع بفائض في الحساب الجاري مع الولايات المتحدة (والتي منها الصين التي تحتفظ بأكثر من تريليون دولار من احتياطياتها الرسمية بسندات الخزينة الأمريكية وكذلك اليابان والبلدان النفطية ذات الفائض العالي وغيرهم).

رابعا : ختاماً، أظهرت ومنذ مطلع شهر أكتوبر (تشرين الأول) ٢٠١٨بيانات وزارة الخزانة الأميركية أن الدين العام ارتفع خلال السنة المالية الماضية بواقع 1.2 تريليون دولار، ليصل إلى 21.52 تريليون دولار، وذلك للمرة الأولى على الإطلاق. مما يعني أنه زاد خلال السنة المالية، التي انتهت في 28 سبتمبر (أيلول) الماضي، بمقدار 2.2 مليون دولار في الدقيقة.

وبذلك يكون الدين العام قد ارتفع بنسبة 6.3 في المائة عن مستواه في نهاية السنة المالية 2017، اذ بلغ رصيده حوالي 20.25 تريليون دولار، ويشكل بذلك مستوى الدين في العام ٢٠١٨ نسبة 105.4 في المائة من حجم الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة.

وأدت التخفيضات الضريبية التي أقرها الرئيس الأميركي دونالد ترمب بموافقة الكونغرس في عام 2017 إلى زيادة الدين العام بشكل مضطرد.

وهناك خلاف بين خبراء الاقتصاد حول المدى المقبول لعجز الميزانية الأميركية ومعدل الاقتراض الحكومي، وأيضا حول النقطة التي يجب أن تكون مثار قلق بالنسبة لتأثير الدين العام على الاقتصاد الأميركي بالفعل. ويقول المنتقدون للسياسة الحالية إن النمو الاقتصادي المستمر للولايات المتحدة هو الوقت المناسب لتبني إجراءات ربما تقشفية توفر مساحة للحركة في حالة الأزمات الاقتصادية.ولكن دون الإخلال برسم الإصدار النقدي وإدارة النظام النقدي الدولي الذي يفترض ان يماثل معدلات النمو في الناتج المحلي الإجمالي المؤازر حالياً بفائدة منخفضة وضرائب منخفضة ..لكي تُمسك اميركا بمذهبها الماركنتالي المالي على الدوام ضمن استدامة قواعد اللعبة الإمبريالية .انها النظرية الخاصة في الاقتصاد التي تترجم الإصدار النقدي الى انتاج حقيقي...!!!!

 

د. مظهر محمد صالح

شبكة الاقتصاديين العراقيين

..............................

(*) المستشار المالي لرئيس الوزراء العرقي ونائب محافظ البنك المركزي العراقي الاسبق

 

الحسين اخدوشبيّن فكّر عصر النهضة ميكيافلي كيف أنّ الحاكم الذي يتولى أمور السياسية لا ينبغي له أن يفكّر سوى في تدبير إمارته (دولته). كما يلزمه أن لا يختار أيّ فنّ آخر عدا فن الحرب، وبخاصّة فنّ إصدار الأوامر، والحث على الانضباط إلى بهذه الأخيرة، ذلك أنّ هذا الفنّ هو ما يناسب شخصيته. لذلك تعتبر معرفة هذا الفنّ – المَهَمّة (فنّ الحرب) نقطة انطلاق ضرورية لكسب الدولة والحفاظ عليها، وهو التجسيد الحقيقي للقدرة على تأكيد حرية إيطاليا، وباقي الولايات التي تكونها، خاصّة إمارة فلورنسا. نجد هذه الرؤية للحرب بقوة في كتابه الشهير "الأمير"، كما نصادفها أيضا في باقي مؤلفاته الأخرى، وبخاصّة في "فن الحرب"، وأيضا في "الحوارات" وفي حكايات وقصص تاريخ فلورنسا (Jean-Claud Zancarini). 

تستند هذه الرؤية لترابط القوة والسياسة لديه إلى قراءة واسعة بالتاريخ الإيطالي، خاصة للدور السلبي الذي كانت تلعبه الكنيسة في هذه العملية، الأمر الذي دفع الإيطاليين إلى دفع أجورا للأجانب. ولقد استقى ميكيافلي فهمه لهذا التاريخ من تجربته الخاصة، حيث عاش تجربة الدبلوماسي وجرّب مهنة المنظم العسكري. لقد تعلم في مهامه في إيطاليا وفرنسا وألمانيا أن إمارة فلورنس لا تساوي شيئا لدى الفرنسيين (كما أفاد في إحدى رسائله) حيث لا وزن عسكري لها لديهم، وهو الشيء الذي كان يخافه «سيزار بورجيا» الذي كان يملك "أسلحته الخاصّة". لذلك تم العمل برأيه، بل لقد انتصرت وجهة نظره في فلورنسا حول المزايا النسبية لسلاح المرتزقة وللأسلحة الخاصّة أيضا. وكان قد دعا إلى إنشاء جيش دائم من المشاة المُعَيَّنِين ضمن رعايا فلورنسا تحت إشراف وتدريب ضباط فلورنسا. كما انتهت "عشريته" بما يقارب عقد من الزمن بين 1494 و 1504، حيث كانت المشورة في يناير 1506 في استحضار لتقليد روماني يعبر بوضوح عن وجهة نظره التي تؤمن بالقول المأثور آنذاك: "كم سيكون الطريق سهلا وقصيرا إن قمتم بإعادة فتح معبد جوبيتير" (Machiavel).

لقد تم نشر "العشرية" في الوقت ذاته الذي بدأ فيه ميكيافلي سيكريتيرا في وزارة العدل، كما تم رفع عدد مشاة فلورنسا. غير أنّه في 15 فبراير من سنة 1506 ميلادية قامت الكتائب الأولى بموكب خاص بعدما أصبحت تحتل المكان الذي كان يحوزه "لاسينيوري". وبعد إنشاء هذه القوات، جاءت النصوص التي تلخّص الأسباب التي من أجلها كان من الضروري إنشاء هذه الميليشيا والأشكال التي يجب أن تتخذها. ثم أخيرا، في ديسمبر من سنة 1506، تم تعيين القضاء - تسعة ضباط للنظام والميليشيا الفلورنسية، وهو نفسه التعيين الذي سيتم فيه تسمية ميكيافلي مستشارا للأمير سنة بعد ذلك، أي في 12 يناير من سنة 1507. وفي النصّين اللذين كتبهما ميكيافلي بعد ذلك، يظهر هذا الرابط بين القوانين والأسلحة الذي سيركّز عليه تحليله لتلازمية القوة والسياسة. لذا، تتكرر لديه هذه العلاقة المثيرة، خاصّة في الفصل الثاني عشر من كتابه "الأمير"، حيث سيعتبر بأنّ الأسس الرئيسية التي ينبغي أن تكون لدى كل الدول: القديمة منها، أو الجديدة، أو حتى المختلطة، إنّما هي ترابط أحسن القوانين مع أجود الأسلحة. ولمّا تقرّر لديه بأنّه لا وجود لقوانين جيّدة من دون أسلحة جيّدة، فقد تقرّر له أيضا أنّ حيازة أسلحة جيّدة إنما هو ما يفضي حتما إلى تشريع أحسن القوانين (Jean-Claud Zancarini).

بعدها، سيترك ميكيافلي الحديث عن القوانين جانبا، ليتحدّث في مسألة الأسلحة ودورها في استدامة الكيان السياسي للإمارة. وسوف يبيّن منذ الفقرات الأولى من مقدمة كتاب "مؤسّسات جيستنيان"، التي كانت تعتبر واحدة من أسس الثقافة القانونية والسياسية في العصور الوسطى وعصر النهضة، إلى أنّ عظمة الإمبراطورية الرومانية إنّما كانت تستند إلى قدرة قادتها الكبار على الجمع بين حسن تشريع القوانين الجيّدة لحكمهم وجودة الأسلحة التي ستمكّنهم من دحر أعدائهم. ولقد اكتسب هذا الموقع المشترك قوة خاصّة في ضوء التجربة التاريخية التي مرّت منها فلورنسا منذ عام 1494 الميلادي، وذلك نتيجة ملاحظة الضعف العسكري لهذه الإمارة الإيطالية ضد جيوش الممالك الوطنية العظيمة. لذلك لم يكن مستغربا، بعد وضع أسس كل ولاية، أن يوضّح ميكيافلي في حينه أنّ الذي حدث إنّما حدث نتيجة اختلال العلاقة بين الأسلحة والقوانين. هناك تحليل ضمني لديه، خاصّة في بعض فقرات الأمير، تمكننا من فهم كيف كانت الاستعانة بالحرب في عصره هي ما يُحَدّد الخيارات التي يجب اتخاذها. لذلك كان يعد التفكير في الحرب، وفي طرق قيادتها، أهم من أيّ شيء آخر، بل هو المهمة ذات الأولوية في تلك الفترة التاريخية.

لقد كان مؤكّدا أن الرومان هم المثل الذي ينبغي يتحدى به بالنسبة لميكيافلي، خاصّة في المسائل العسكرية. فالتفكير في فنّ الحرب، كما لا يتوقف فابريزو كواونا المتحدث بلسان ميكيافليي، ذاك ما تحاول "الحوارات" إبرازه بعرض طرق الرومان في شنّها. يضاف إلى ذلك، أنّ أولائك الذين يعتبرهم مثالا سلبيا، بالضبط عندما يتخلون عن "الأسلحة الخاصة"، هم عادة الذين يوكلون أمور جيشهم إلى جنود محترفين يتألفون من الأجانب والمرتزقة. ونجد هذا الخطأ بارزا في الفصل الثالث عشر من "الأمير"، حيث كان السبب في خراب الإمبراطورية الرومانية. وبالاعتماد على مثال الرومان، وعلى التجربة المعاشة في حروب إيطاليا، يفسر ميكيافلي كيف ترتبط القوة التي يمتلكها جيش ما بشعور الحب الذي يكنّه الجنود لرؤسائهم، قد لا يكون هؤلاء جنودا محترفين لكنّه فعالين في الحرب. ذاك ما يشرحه في بداية "فن الحرب"، حيث الملوك والأمراء، وأيضا بنفس القدر الجمهوريات، "ينبغي أن يكون عندهم مشاة من الرجال الذين عندما يحين وقت شن الحرب يذهبون إليها عن طيب خاطر حبا فيها، وأيضا عندما يعود السلام يرجعون إلى بيوتهم وهم أكثر سرورا (Machiavel).

يظهر من سياق حديث ميكيافلي عن ترابط القوة بالقيمة من خلال علاقة التشريع بالسلاح، عدم فاعلية نمط التخطيط السياسي الذي يعوّل على أسلحة المرتزقة التي كانت بعض الإمارات الإيطالية تعوّل عليها للدفاع عن حوزتها. في مقابل ذلك، تبرز أهمية الأسلحة الخاصّة التي تقوم فكرة تشريع قوانين جيّدة نابعة من الإيمان بالإرادة الداخلية المستقلة، والتي تعوّل على غرس حب الوطن والامتثال الجيد للقوانين واحترامها وحب الوطن. وأمّا العلاقة الحميمة التي يُفترض أن تربط الجنود بوطنهم الذي يدافعون عنه، فتبقى بلا شك أحد الأسباب الرئيسية التي جعلت تصوّر ميكيافلي للسياسة يكون واقعيا وملموسا، حيث كان يأخذ بالاعتبار مدى تداخل العلاقة بين القوانين المشرّعة (قوانين جيّدة) بامتلاك أسباب القوة الجيّدة (أسلحة الجيّدة).

لقد أضفى هذا الربط بين التشريع والحرب (السياسة والقوة) راهنية فكرية قوية على تصوّر ميكيافلي للسياسة الدفاعية للكيانات السياسية، حتى إنها أصبحت بمثابة المعين الذي لا ينضب للتفكير في الحرب أفقا للسياسة. أما حدود هذا التصوّر، فتكمن في كونه يشرعن لسيادة القوة على القيمة، ممّا من شأنه تأسيس فكرة الحق على القوة. وهذا ما سيتمّمه، بعد ذلك، منظّر الفكر السياسي الحديث «توماس هوبز»، مفتتحا بذلك الحداثة السياسة بفصل نظري ومنهجي بين السياسة والفضيلة الأخلاقية لازالت تبعاته النظرية إلى اليوم.

 

الحسين أخدوش

 

عدنان عويدلمن ننتمي؟.. سؤال مشروع يطرح نفسه علينا اليوم تحت مظلة ما نعيشه من ضياع وعدم استقر في هويتنا، أو انتمائنا إن كان هذا الانتماء للديانات السماوية وما شكلته من مواقف في حياة مجتمعاتنا من تفكك وتذري وصراعات دموية ليس بين أصحاب الديانات السماوية الثلاثة فحسب، بل وبين أصحاب مذاهب الديانة الواحدة وخاصة بالنسبة لنا نحن المسلمين في وقتنا الحاضر. أو انتمائنا للحضارات الأقدم في تاريخنا، كالحضارة الآرامية والكنعانية والفينيقية وكل امتداداتها في بلاد النهرين ومصر وشمال أفريقيا. أو انتمائنا للقومية العربية التي تعتبر برأي امتداداً تاريخياً للكثير من مكونات المجتمع العربي قبل الإسلام. إلا أن هناك من حاول من بعض المسلمين القول بأن الإسلام قد جب كل ما قبله وأنه ذو بعد أممي، وفي المقابل هناك من الكتاب والباحثين من أكد هذا الانتماء القومي لهذه المكونات وأن الإسلام ساهم في بلورة العروبة وتعميمها على بعض المكونات الاجتماعية والحضارية التي انتمت تحت لواء الإسلام وخاصة في المشرق العربي، وذلك من خلال لغة القرآن أولاً ثم تأكيد القرآن والرسول على مسألة العروبة من حيث نزوله كما يقول النص القرآني: (إنا انزلناه قرآناً عربياً)، أو تأكيد الرسول على عروبته بقوله: (أنا خيار من خيار)..

على العموم أعتقد أنه السؤال الأكثر إشكالية وتعقيداً، وهو بحاجة للكثير من الهدوء والتبصر للإجابة عليه.

لا شك أن الديانات السماوية الثلاثة قد انبثقت من صلب حضارتنا القديمة في سورية، أو بتعبير آخر قد نزلت في قلب هذه الحضارة القديمة. والديانات الثلاثة بمجموعها تنتمي إلى الإسلام في مفهومه الواسع، حيث أن الإسلام ليس خاصاً بالمسلمين الذين ينتمون إلى المحمدية فحسب، بل هو يشمل كل هذه الديانات، من منطلق أنه يدعو إلى التوحيد من جهة (....مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ). (الحج-78)، ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾. (- سورة البقرة، الآية 128). هذا وهناك آيات كثيرة تدل على الجوهر الإسلامي للمسيحية واليهودية) ، (فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ)، (سورة آل عمران - الآية 52 ).. الخ

ثم أن الدين في جوهره موقف طبقي من العلاقات الاستغلالية القائمة في المجتمع، (وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ). (القصص 5). لذلك نرى أول من آمن بهذه الديانات هم الفقراء والمحرومون من جهة ثانية.

وهي أي الديانات الثلاثة موقف أخلاقي جديد ومتطور ومتمم للقيم الأخلاقية السابقة، وهذا ما اكد عليه الدين الإسلامي من جهة ثالثة: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين). (الأنبياء – 107). (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق). (حديث).

بناءً على ما جئنا عليه أعلاه، وهي القضايا المرتبطة بمفهوم الإسلام والدعوة إلى التوحيد والتركيز على القيم الأخلاقية والعدالة،  تبقى أمور الحياة اليوم القابلة للتطور والتبدل مثل  الزراعة والصناعة والتجارة والفن والأدب والتكنولوجيا وغير ذلك، فهي أمور يتداولها الناس فيما بينهم وفقاً لمصالحهم وابداعاتهم الشخصية، على أن لا يخرج هذا التداول عن المقاصد الأساسية للدين، وهي خير الناس وعشيهم الرغيد. فأمور الناس كما يقول النص المقدس شورى بينهم، وهم أدرى بشؤون دنياهم. (وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (سورة الشورى – 38). و(أنتم أدرى بشؤون دنياكم). (حديث).

نقول: إذا كان أمر دنيانا هكذا حسب النص الديني، فهذا يعني أن من يحدد انتماءنا وعيشنا المشترك هو مصالحنا المشتركة وقضايا دنيانا، وطالما أن هذه المصالح ليس لها علاقة بالدين ولا يمكن ان يشكل الدين منطلقاً حاكماً لها إلا في حدود الجوهر الإنساني، فلما لا نتكئ في حياتنا اليوم على الجذور التاريخية لحضارة أجدادنا التي تشكل بالضرورة امتدادنا التاريخي، ونقطة التقائنا المشترك. وبالتالي أين الخطأ إن قلنا نحن ننتمي إلى الآراميين والفينيقيين والآشوريين والبابليين والفراعنة  والكنعانيين. الذين أوجدوا أول أبجدية وحرف في التاريخ.. وأول من استخدم المحراث والمنجل في التاريخ،.. وأول من صنع السفن والزجاج وعرف الألوان في التاريخ، وأول من زرع حقول القمح وطحن القمح وخبزه في التاريخ.. وأول من حنط الموتى وساهم في تخليد الإنسان وعظمته في التاريخ.. وأول من أوجد نوتة موسيقية وطور في الوتر الموسيقي ومقاماته في التاريخ...وأول من راح يبحث عن سر الخلود في التاريخ... وأول واول وأول.. من عرفته البشرية وعرفت فيه معنى الحضارة .

هذا هو جذر انتمائنا التاريخي الذي أصابنا معه قطع تاريخي سكوني حال دون تواصلنا واستمرار هذا التواصل معه تاريخيا  بفعل عوامل كثيرة داخلية وخارجيه، وفي مقدمة هذا العوامل يأتي من جعلوا بداية التاريخ ونهايته مع ظهور الإسلام، فهل من المعقول أن نترك هذا التاريخ وهذه الحضارة لنلتحق بداعش وأخواتها ممن عمل على تدمير الإنسان وحضارته وأولها حضارتنا العربية العريقة وحتى الإسلامية منها تحت إسم الكفر والخروج عن الدين، بعد أن حصروا تاريخنا كله بالقرون الهجرية الثلاثة الاولى. وكل ما قبلها وما بعدها عند هذه القوى السلفية بدعة، وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.؟؟؟!!!!.

فلنتق الله في حضارتنا .. حضارة أجدادنا ونعود كي نتكأ على جذورنا العريقة كي نبني مستقبلنا، وهذا الاتكاء لا يعني في دلالاته أن نعيش منجزات حضارتنا القديمة بعجرها وبجرها، وننافق لها بعد أن تجاوز كل منجزاتها الزمن وسبقتنا أمم الأرض في التطور العلمي بكل سيئ، بل نعيش عظمة هذه الحضارة روحياً وعقلياً، وأن نستلهم عظمتها في نفوسنا وعقولنا وأعمالنا من أجل بناء حاضرنا ومستقبلنا، فمن ليس له جذور ثابتة في الأرض لن يكون له ساق وأغصان وأوراق وبالتالي ثمار..

 

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث من ديرالزور – سورية.

 

مجدي ابراهيمإذا كُنّا نضع في هذه السلسلة من الفصول، مبادئ أولية تتأسس على دعائم روحية وروابط يجمعها الشعور العربي والوجدان العربي، تربطه بلغته، وتحفظ له هويته، وتعلو من شأن اللغة العربية التي هى بالأساس لغة دين وأدب وفن وعلم: ولغة حضارة على التعميم؛ فإنما نفعل ذلك؛ لأننا نؤمن بقيم باقية فاعلة في لغتنا العربية؛ وأهمها في سياق البحث عن الجذور: تقدير الهوية العربية، وتقدير الأمانة الفكرية والمعرفية، وتجنيد القرائح بمقتضاها في ساحة العمل الشريف للسعي إلى المثل العليا التي تتولاها وتقوم عليها وهى: مُثل التسامح، والسلام، وقبول الآخر المختلف، والعدل، والمساواة.

فلئن كانت فكرة الصهيونية لا تزال هى الفكرة الرائدة عند أصحابها، قائمة باقية تُدَعمُ كحركة عالمية؛ فإن المقابل لها هو فكرة القومية العربية: فكرتان تصطرعان عبر الزمن، لكننا مع شديد الأسف أهملنا من جانبنا كعرب فكرة القومية العربية؛ لتضيع مع هذا الإهمال هُويّتنا ضياعاً يكاد يكون تاماً. وقد كان من المنتظر لفكرة القومية العربية الانتصار والتقدم فيما لو كنا عليها محافظين وبها مستمسكين.

لقد كان بالإمكان الذي لا شك في الإيمان به: أن تصبح مع التطبيق والرعاية فكرةً حيةً متطورةً متجددةً هى نفسها الهوية العربية يريد أصحابها لها الحياة بإيمانهم بها وتمسكهم بما فيها من قيم باقية عاملة، ومن أمثلة عليا في إطار الصلة الوثيقة القائمة بين العربي والعربي من طريق اللغة؛ إذ كانت ولا تزال الرباط الأمثل الذي يحفظ الهوية ويُسلم العرب جميعاً من آفات التمزق والانقسام.

لم يبلغ الزمن قدر الستون عاماً بل يقل، يوم أن كانت أقلام المثقفين في العالم العربي تمجد في أصول القومية العربية، وتقارن بينها وبين القوميات الأخرى كما ظهرت في مطلعها الأول كقومية الروم وقومية الفرس. ولم يكن تمجيدهم لها صادراً إذْ ذَاكَ عن فرائض سياسية أو فروض اقتضتها أحوال العالم العربي يومئذ، بل عن قناعة إيمانية باتصال القومية العربية بمعدن الهوية الحضارية في الإسلام، وانبعاث الأولى من الثانية ضرورة، واعتمادها عليها، وتغذية وجودها بالقيم والمبادئ التي تتأسس عليها. ولم تزل تلك الحضارة فاعلة بالقيم الجديدة التي تغلبت على القيم التي كانت موجودة في حضارة الفرس والروم. إذْ ذَاَكَ سئم الناس غطرسة حكام الفرس وعنجهيتهم، وفساد الحياة في بلاد الروم، وانصراف رجال الدين إلى مجادلاتهم البيزنطية ومماحكاتهم النظرية التي أودتْ بهم إلى عقم التفكير وفساد المنطق المقبول وعدم جدوى المناقشات. أما ملايين الشعب في كلتا الدولتين فكانوا يساقون كالأغنام، ويعيشون معيشة أحط من حياة السوائم لا ينعم فيها الإنسان بحريته ولا بكرامته.

ثم جاءت القومية العربية في مواجهة القوميتين الرومية والفارسية؛ لتقرر للفرد حرية الفكر والعقيدة، بشرط أن يكون مؤمناً بالله الواحد الأحد القهار، ومساواة جميع المواطنين في الحقوق والواجبات، فلا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى. وتقرر وَحْدَة العرب والمسلمين وتضم أشتاتهم المتفرقة في إطار من المبادئ والقيم التي تأسست عليها الحضارة الإسلامية والعربية إذْ ذاك. ولم تكن اللغة العربية سوى قنطرة عبور الوعي الحضاري لتحقيق تلك القيم في ظل المثل العليا التي تدين لها بالولاء.

وأعودُ فأقول: إنّ إيماننا بهذه الفكرة لينبعث ولا شك عندي من تقدير أصول القومية العربية من حيث كونها فلسفة حضارة لا من حيث كونها فكرة سياسية وكفى، ظهرت في فترة زمنية محدودة وظهر الاهتمام من نبلاء الزمن الماضي بها بل من حيث إنها ثمرة حضارة عربية إسلامية كان اللسان العربي أبرز عناصرها، وكان هو بالأساس لغة كتابها المقدس وقرآنها ودينها بمقدار ما كان في الوقت نفسه لغة علومها وآدابها وفنونها. وليس يمكن الفصل مطلقاً في هذه الحضارة بين اللغة والدين ولا بين العلوم والفنون ولا بين الآداب التي تضمها جميعاً تلك الحضارة الإسلامية ولا تفرقها أو تجزّئها.

ذلك هو عندي المبدأ العاصم للهوية من التفرقة والتمزق والشتات. لكن هذا المبدأ يحتاج إلى تفاصيل توضح معالمه وترشدنا إلى تجنيد الطاقة العاملة لمواجهة أسباب الانقسام التي تفرق العناية به ولا تجمعها تحت راية وطيدة. فلئن كنا ذكرنا فيما تقدم أننا نضع هذه السلسلة مرتكزة على مبادئ هى الباقية، وهى نفسها الفاعلة أيضاً، وأنها لتتأسس على دعائم روحية مستقاة من مبدأ التوحيد العاصم من الفُرقة والشتات، والحافظ للهوية العربية من الضياع، ومن الانزلاق تحت مهاوي التمزق والتجزيء والتفتيت؛ فإننا نعوّل بادئ الرأي على التوجهات الروحية في حضارتنا العربية الإسلامية. وعلينا أن نذكر بادئ الرأي أيضاً أن هذه التوجهات لم ينفصل فيها مطلب واحد من مطالب العقل عن مطالب الشعور والوجدان، ولم ينعزل فيها النظر العقلي عن تلك المطالب التأسيسية للأخذ بقيم التقدم في الحضارة الإسلامية؛ فإذا كنا من تلك الجهة نركز على هذه المطالب مجتمعة؛ فإننا من جهة أخرى لا نتغاضى عن الأساس الكاشف للفكرة الروحية المثالية الدائمة والشروع في إماطة اللثام عنها بمنهاج "الوعي القلبي" وهو الوعي الذي يفرز اللغة ويقيمها على الدوام موصولة بذلك المبدأ العاصم للهوية العربية من التفرقة والتمزق والشتات.

*     *     *

فإذا نحن - من بعدُ - عَوَّلنا على القلب في جميع ما ندرك، وفي جميع ما نحيا. أقول؛ عَوَّلنا على القلب، لا على الحس كونه مطالب مادية صرفة، ولا على العقل المجرد من الشعور والوجدان، ولا على شيء آخر من مدارك المحدود في الإنسان، كان الصدق الذي تحدثنا عنه طويلاً لازماً لهذا الوعي القلبي لا يفترق عنه بحال، وصارت لهذه "الكلمة" دلالتها المُوحية بالوعي الإنساني في مفهوم ما ندرك له وما نعمل فيه؛ حتى إذا ما رُحنا نتصور مثل هذا "الكاتب" الذي يقول وحياته هى هى قوله لا يتعدّاه، ويكتب وحياته هى هى فكره الذي يخوضه في غمار التجريب، دَلَّ تصورنا على الوعي القلبي فيه ممثلاً في الصدق. ولكن قد يقال: أين هو الرجل الكاتب الذي ينقل لك هذا الشعور، ويهيئ لك هذه الفرصة النادرة صدقاً من اتصال الوعي القلبي؟

إنه العنقاء الذي يتحدثون عنها في أساطير الأولين! قد يقال: إنه من المستحيل أن يكون مثل هذا الرجل موجوداً بين ظهرانينا، مَنْ ذلك الذي يستطيع أن يكون كلامه - كله أو بعضه - هو عين حياته، وحياته هى عين كلامه ومعتقداته .. مَنْ؟!

وأقول لك مخلصاً من أجل ذلك فَسَدَ الأدب وضاعت القيمة الخُلقية من وراء الأقوال. وبفساد الأدب فسدت اللغة حقيقةً ليس فيها مجاز. ومع ذلك، فأكثر الذين أوقفونا على هذه المعاني هم بشر مثلنا كانوا موجودين على ظهر الأرض؛ فمثل هذا الرجل الذي يستحيل وجوده في توهم المتوهمين كان موجوداً في الأزمنة الخوالي، ولا تزال آثاره الفكرية والروحيّة تتدارسها الأجيال جيلاً وراء جيل. وسأضرب لك مثلاً باثنين فقط: أحدهما ينتمي إلى ثقافة غير الثقافة العربية والإسلامية، وهو "سقراط"، الفيلسوف اليوناني.

والثاني: هو فيلسوف مسلم؛ وإنْ لم يكن من أصل عربي، لكن الجانب الديني عنده مُقدّم على الجانب الفلسفي؛ هو حجة الإسلام الإمام أبو حامد الغزالي (ت505 هـ)؛ طوسيِّ المولد والنشأة، عربي اللغة والمربي، أشعري المذهب، صوفي النزعة والاتجاه. وإنما وقع اختيارنا على هذين دون غيرهما، أحدهما فيلسوف يوناني خالص، والآخر يغلب عليه النزوع الديني؛ لنؤكد على شيء مهم عندنا، وهو أن أهم فعاليات الفلسفة هى هى أهم فعاليات الدين؛ فأما الأول سقراط: فقد كانت حياته هى أقواله، وأقواله هى حياته، لم يتناقض مع نفسه، ولم يسن التناقض لأتباعه ومريديه، ولكن أفكاره وآراءه هى لب حياته التي كان يعيشها، أسر قلوب أتباعه بسلوكه وعمله وحس التصرف فيه، قبل أقواله وآرائه وأفكاره، تطابق عنده الفكر مع العمل، والنظر مع التطبيق، والعقل مع الممارسة الفعلية. ولم ينفصل لديه النظر العقلي عن التطبيق المعرفي ولا مقاصد الأول عن مطالب الشعور والوجدان.

ولنتأمل أقواله التي كانت هى عين حياته حيث قال فيما رواه عنه مؤلف مجهول هو صاحب كتاب:"فِقَر الحكماء ونوادر القدماء والعلماء": "اعلموا أن الدنيا دار عمل والآخرة دار ثواب. وأسعد الناس من قدَّم لنفسه عملاً صالحاً، والدهر عدو الأعداء للإنسان، فلا يغتر بمسالمته عاقل. والعقل من أفضل المواهب والجهل مُوجب للمعاطب. وحاجة الإنسان إلى العقل أكثر من حاجته إلى المال؛ لأن العقل يُصلح لأهل الدنيا والآخرة، والمال لا يصلح إلا لأهل الدنيا. وصفاء النفس بالرياضة. والسعيد من استظهر لنفسه واعتبر بمُعْنيِّ أمْسُه. والثقة بالله تعالى أقوى أمل والتوكل عليه أزكى عمل. والطاعة حرز، والقناعة عز. والدنيا لا تصفو لشارب، ولا تبقي لصاحب، ولا تخلو من فتنة، ولا تعري عن محنة. وأجهلُ الناس من طلب ما لا يناله. إلى أن يقول:" ولا تقطن الحكمة حيث يقطن اللهو، ولا توجد المروءة عند مَنْ لا حياء له. وأشدُّ عيوب الإنسان أنه لا يرى عيوب نفسه، ويرى عيوب الناس. وأفضل ما يقتنيه العاقل حسن الذكر من الناس بعد طاعة الله تعالى، ولا ينبغي للعاقل أن يعمل في السِّر ما يستحي منه في العلانية. والحكمة هى طبّ النفس. والحكيم من كف نفسه عن الشهوات..."(راجع: فِقر الحكماء ونوادر القدماء والعلماء، نشرة د. عبد الرحمن بدوي؛ طبعة دار صادر؛ سنة 1973م؛ ص217- 218).

وفي هذه الصفحات المُشار إليها، أقوالُ كثيرة منسوبة إلى سقراط، لو تتبعناها، وليس هذا غرضنا، لطال بنا الحديث، في: الفقر والغني، والصحة والمرض، والدنيا والآخرة، والعدل والجور، والصدق والكذب، والمحبة والكراهية، وحسن الخلق وسوءه، والحياة والموت، إلى آخر ما كان ذكره المؤلف المجهول في كتابه النادر.

أما الشخصية الثانية التي نوردها هنا على سبيل التذكير بوجود التطابق بين القول والعمل في الفرد الجامع لهما بغير تناقض ولا تهافت لأحدهما على الآخر؛ فهى شخصية حُجة الإسلام الإمام الغزالي، فلقد كان شغوفاً طُلْعة، جواداً بنفسه في سبيل المُرتقى العلوي الذي ينشده ويتطلع إليه في كل حال، قرأ الفلسفة وعلوم الأوائل ونقدها بعد أن فهمها، ولم ينقدها قبل الفهم كما يَدَّعي الذين يُشوِّهون عن عمد تراثه الفكري، واتجه إلى علوم المسلمين فطاف عليها جميعاً طواف العالم المتبحر فيها، لا طواف العابر المعزول العاجز الخامل المستكين، ثم لم تشفْ غلته جميعاً لا علم الكلام ولا الفلسفة ولا مذاهب التعليمية كما كان يسمِّيها، فالتجأ إلى رحاب التصوف، بعد لجوئه إلى الله في أن يُعينه، ويقرب له مسالك الوصول إليه.

خاضَ الغزالي التجربة الروحيّة خوض الجسور لا خوض الجبان المخذول، وعكف على القراءة والبحث سنين طويلة فلم يجني الثمرة المرجاة فأتجه إلى العمل والتطبيق حتى فتح الله عليه بنور مقذوف في قلبه، عرف منه الحق معرفة اليقين الذي لا شك فيه. وبعد أن أنتهى من رصد رحلته الروحية التي دوَّنها لنا في كتابه "المنقذ من الضلال"، جاءت حياته كلها انعكاساً لفكره، وفكره دليلُ على حياته، وأقواله ثمرة لممارساته، لا انفصام لديه بين قول وعمل، ولا تناقض بين نظر وممارسة. حياته هى هى فكره، وفكره هو هو حياته، هنالك اتساق في حياة الغزالي فُهم خطأ من أكثر الذين درسوه وأطلقوا عليه أحكاماً مبتسرة لا تمت إلى الصحة بصِلة.

فقد كان بحق أول العقول التي مارست ملكة الشك، وكيفية الوصول إلى اليقين، الأمر الذي جعله يختبر جميع المذاهب في عصره وينقدها، باحثاً عن اليقين، وناقداً لقيم الأصناف الفكرية والدينية الخاطئة من أهل العلم في عصره، كالمتكلمين، والفقهاء، والباطنية، والوعاظ، والزهاد، والعباد، وعلماء اللغة، وأدعياء التصوف...، والمغرورين من الصوفية، كأهل الشطح منهم، والذين تشكلوا بأشكال الدين، والأغنياء من الفجرة والفُسَّاق ممن لا يرتفعون بالإنسان عن مراغة الحيوان، وعوام الخلق، وغيرهم، وغيرهم، إلى كثير مما لو تعقبناه لطال بنا المقام.

ثم إنه لم يجعل المعرفة الدينية تقليداً يُمارس بالعادة وكفى، ولا بالدراسة النظرية والتفكير العقلي، ولم يجعلها كذلك جدلاً نظرياً كما هو الحال عند المتكلمين، وإنما جعلها إحساساً صادقاً ومعايشة باطنة، تجربةً ذوقية بالأساس، وتطبيقاً عملياً لإيمان وجدانه وعقله وضميره. وحدَّدَ معالم هذه التجربة تحديداً لم يسبق إليه، وشرطها بأركان من العمل في ميدانها كما هو مشروط في قانون الطائفة، فأعطى من ثمَّ للإسلام في عصره، وفيما بعد عصره أيضاً، ذوقاً جديداً وعمقاً روحياً بعيداً، حين دَوَّنَ التجارب الصوفية وقعدها في أصول، هذا من ناحية.

ومن ناحية أخرى، كان الغزالي صوفياً إيجابياً عنيَّ بشئون عصره، فبيَّن أصناف المغترين من طبقات الناس وطوائفهم على اختلافها، وأقسام فِرَق كل صنف في "كتاب الإحياء"، ناقداً لها مصوِّراً لأوضاعها الاجتماعية، شارعاً في تفنيد حُجَجها الواهية، كاشفاً عن وجه الخطأ في اعتقاداتها، وقيمها، وبواطلها، وعاداتها الفكرية والعملية والتقريرية، وقد وقف في وجه المذاهب الفكرية المنحرفة بقوة وشجاعة وصرامة، لا يتراجع ولا يتوانى، ونقدها نقداً علمياً دقيقاً، وكان من الممكن لهذه المذاهب -  فيما لو تركت وشأنها ولم تجد من يتصدى لها - أن تقوض دعائم المجتمعات الإسلامية في عصره وتفسد قيمها الإيجابية. ليس هذا فقط، بل تورث الأجيال فن الجدل في تقويض القيمة على مر الأزمان؛ الأمر الذي آثار إعجاب الباحثين العرب والأوربيين، فكتبوا عنه أمتع الصفحات وأجملها وأخلدها على وجه الزمان؛ كتبوها بالإعجاب لمفكر عاش آراءه، وكانت حياته كما قلنا هى فكره، وفكره هو حياته، وكان لجمال أسلوبه وثراء لغته حماسة روحية لا تفارقهما. والشاهد على ذلك دوام هذه اللغة واستمرار وقعها على الشعور ونبضها بالإحساس وتحلقها في سماء الحقائق الروحيّة، لكأنك حين تقرأها اليوم وتعيش معها كأنك تقرأ لكاتب معاصر؛ لا لفظة نابية ولا عبارة معوجة ولا جملة ليست في موقعها ولا شيء مما ينبو عن طبع المستقيم وسليقة المتذوق الأصيل.

وترك من الآثار على قلوب الصادقين من العلماء الأصفياء والمفكرين الخلصاء، والمتصوفة وأهل الرأي والأدباء والفقهاء والمُفسِّرين والأصوليين، وكل من يحمل في رأسه فكرة مستنيرة عن الدين والحياة الروحية في الإسلام، ما لم يتركه أحدُ غيره يعمل بمثل عمله، ويعطي من نفسه، ويجود بما لم يكن من السهل الجود به إلا أن يكون صاحبه مخلصاً إلى أبعد حدود الإخلاص، صادقاً في معاملة الله على القصد إلى أبعد حدود الصدق، عارفاً بثمار الفكرة المهذبة في الوعي والعقل والسلوك والضمير.

هذان هما الفيلسوفان اللذان ضربت لك بهما مثلاً ليكونا أمامك صورة كاشفة تستحق أن تحتذى لتمثيل الفكر للممارسة العملية، وتمثيل القول النظري للتطبيق العملي، وتمثيل اللغة اللفظية للتحقق من صحتها روحياً ومعنوياً، واختبارها بالفعل على أرض الواقع، كيما تكون "ذات النفس" القائلة، هى هى "ذات النفس" الفاعلة، وقبل أن نغادر هذه الفقرة، يهمُّنا أن نذكر ممَّا تقدَّم من أمثلة بين سقراط والغزالي ملاحظتين.

الملاحظة الأولى: تطلعنا على أن أهم فعاليات الفلسفة هى نفسها أهم فعاليات الدين؛ فيما لو صحَّ ما ورد عن سقراط باعتباره ممثلاً هنا للفكر الفلسفي الخالص. هذا من حيث عمق المسألة لا من حيث ما ينظر إليها من جهة سطحها البرَّانيِّ، ولكن مع ذلك فلا يجوز للدين أن يتحول عن قضاياه كما تتحول الفلسفة عن قضاياها؛ لأن قضايا الدين ليست كقضايا الفلسفة منظوراً إليها من جهة المنهج لا من جهة الموضوع: قضايا الدين حيوية حسَّاسة، غاية في التأثير على الوجدان الديني، تمسُّ الشعور بمقدار ما تمسُّ العقيدة، وتفعل في أعماق الإنسان أفاعيل لا يفعلها العقل الفلسفي المجرد وحده: عقل التحليل والإدراك والمنطق الصارم.

يعتمد الدين منهجياً على يقين الوحي وركيزة الإيمان، وتعتمد الفلسفة معرفياً على العقل. وللعقل منهج هو الدليل يُعمله معرفياً في قضايا الفلسفة.

بيد أن هذا العقل، الذي هو بمثابة الدليل الهادي، يظل في الغالب مهما أوتى من حيل منطقية -  ما لم تسعفه البصيرة والإلهام - يدور حول ذاته؛ فيعجز عن استخلاص "القيمة" الحقيقية للوجود الإنساني في مسيره ومصيره.

ولكن مع ذلك؛ فجوهر الفلسفة هو جوهر الدين. وفي كثير من الموضوعات يختلط على العقل الفلسفي نفسه أمور تتشابه وتتلاقى بين الدين والفلسفة؛ فلم يعُدْ يفرق بدقة بين أهم فعاليات الفلسفة وأهم فعاليات الدين؛ خذ مثلاً مفردات فلسفية كالتأمل (Meditation)؛ الذي هو تفكير عميق في موضوع معين يحاول الإنسان بمقتضاه أن يستخرج جوانبه العامة، والاستغراق، والتركيز، والنظر إلى الأمور الكلية، والاستبصار، وأحادية الرؤية، والإرادة الجبارة، والعزيمة عن طريق التركيز الشديد، هذه مثلاً مفردات تؤكد أن أهم فعاليات الفلسفة هى نفسها أهم فعاليات الدين: نصف الدين صبر، والنصف الآخر شكر، كما جاء في الخبر المشهور. والإرادة الفاعلة تكمن في الصبر، الصبر على المكروه، وعلى المحبوب، وعلى الطاعات، وعلى المعاصي؛ لأنه بلا إرادة فاعلة لا يكون الدين ديناً، ولا تكون الفلسفة فلسفة. وبغير الإرادة والعزيمة ينهار الإنسان ويضيع، ثم إن الدين هو مُلْهم الفلسفة. أصلُ الفلسفة تأملات دينية، حِكم وشذرات وخاطرات دينية فَعّلَ العقل فيها طاقاته المعرفية كما هو واضح في الفكر الشرقي القديم، ولم يكن بالغريب على "هيجل"، الفيلسوف الألماني أن يقول:"إنّ الفلسفة هى دين العقل".

تلك كانت هى الملاحظة الأولى. أمّا الملاحظة الثانية: فتنصب على العمل العقلي التحليلي المسنود على الشعور الوجداني والذوق القلبي في  كشف القيمة في الواقع الفعلي، ونحن نستخدم كلمة العقل هنا، بأبسط معانيها، باعتباره وسيلة وليس غاية، وسيلة كاشفة تستنبط "القيمة" وتستخلصها، وليس بالمنهج المُوغِل في الإفراط العقلي لدرجة التقديس. وبمقتضى كشف القيمة واستخلاصها واستنباط دلالتها في الواقع الفعلي يمكن أن ينسحب هذا على تمثيل اللغة اللفظية للتحقق من مصداقيتها منظوراً إليها من جهة القيمة، ومدى ما تمثله اللفظة العربية من ثراء المضمون في قرارة الواقع وقرارة الآراء.

وإني لأعيدُ هنا ما كنت ذكرته من قبل لأقول مرة ثانية:"مَثِّلْ لنفسك كاتباً يقول، وحياته هى هى قوله لا يتعداه، ويكتب؛ وحياته هى هى فكره الذي يؤمن به ويخوضه عملاً في رحاب التجريب: ينظر ويحلل ويدون فيُبين، وكل هذا كله هو "ذات نفسه" منشورةً  من أعصابه ودمه وطواياه على الأوراق، لا ريب ذلك هو "الصدق" يتوخاه في التعبير، كما توخاه قبلاً في طريقة التكفير".

وأغلبُ أفكار المفكرين إذا هى لم تورث أعمالاً فباطلة، وإذا هى لم تغيِّر في حياة الناس فعاطلة، وما كانت من البطلان والتعطيل إلا لكونها مفتقرة إلى الصدق في القول والإخلاص في التفكير حين يجيء التفكير عملاً غالباً لأهل الفكرة. وفقرها في هاتين الصفتين؛ لهو بالحقيقة ذلك "الفقر الذاتي" إزاء الشعور الدائم بالعجز عن إصلاح النفس وتغيير بواطن السريرة من الضعف إلى القوة، ومن المرض إلى الصحة، ومن الآفات والرذائل إلى المزايا والفضائل؛ ثم أخيراً من ضياع الهوية في العلم والمعرفة والثقافة إلى استردادها مع القيم الحضارية العليا. ذلك العجز الذي تتولاه طبيعة الضعف في كل نفس ضعيفة طبعت صاحبها بطبائع الاعوجاج.

*     *     *

وأنت ترى في كل هذا الذي تقدَّم صلةً قريبةً موصولة بقيم عامة لا تستثنى منها قيم اللغة، بل تتضمنها وتشملها، وإنْ كانت لم تصرح بها، ولكنها تحتملها على وجه التضمين والشمول؛ فكل الذي سبقت إليه الإشارة له وطيد العلاقة باللغة فيما لو رحنا نلتمس منها "القيم"، وأخذنا على عاتقنا تأصيلها في الضمائر وتمكينها في القلوب، وعلقنا الدلالة هنا على العلاقة بين اللغة وقِيَمَها؛ لتوافق العلاقة بين المرء وقلبه، أو العلاقة بين المرء وضميره، أو العلاقة بين المرء وقلمه، أو العلاقة بين المرء وفكره، أو العلاقة بين المرء ولسانه؛ فلا ريب تتقدَّم اللغة بتقدم هذه العلاقة وتتأخر بتأخرها؛ لأنها علاقة الإنسان بقيَمه، وعلاقته بوجوده الروحي الخالد الباقي الممتد، دون الوجود المادي الزائل الفاني. (وللحديث بقيَّة).

 

بقلم: د. مجدي إبراهيم

 

إن اللغة مجتمع قائم بذاته، ومنظومة فكرية قادرة على المُوازنة بين التصريح والتلميح، والمُواءمة بين الإشارة والرمز، وتوليد الأفكار الغامضة، وصناعة المشاعر العميقة. وهذه التراكيب مُجتمعة تَدفع باتجاه إعادة تعريف الفِعل الاجتماعية في ضوء اللغة باعتبارها قُوَّةً اجتماعية، وركيزة نفسية، لأن الفِعل الاجتماعي هو ابن اللغة الشرعي، الذي يَرِثُ أدواتها الرمزية والواقعية. والإشكاليةُ المركزية في حياة الأفراد والجماعات، تكمن في تفسير الفِعل الاجتماعي كأداء ميكانيكي، مُجرَّد مِن رمزيته السِّرية وخَلفيته الغامضة. وهذا وهم قاتل، نتج عن فكرة ساذجة مُفادها أن الإنسان مُجرَّد كائن يأكل ويشرب ويتكاثر ويموت. وهذه السطحية في التفكير أدَّت إلى سُوء تأويل الفِعل الاجتماعي. مِمَّا انعكسَ سلبًا على حركة الأفكار والمشاعر في أحلامِ الفرد، وآمالِ الجماعة، وطموحاتِ المجتمع. وللخروج من هذا المأزق الصادم، ينبغي إحداث ثورة في فهم طبيعة الأفكار الغامضة التي تسيطر على الفرد، وتدفعه إلى اتخاذ قرارات مُعيَّنة دُون غيرها. والفردُ لا يتحرَّك بحثًا عن الطعام والشراب فقط. إن هناك منظومة رمزية شديدة التعقيد تتكرَّس كمنهج إنساني حياتي، وتتحكَّم بأفعال الفرد وعواطفه وقراراته . وهذه المنظومة مُتشابكة مع أحلام الطفولة، ومُتماهية مع تحديات الواقع المُعاش، ومترابطة مع الخوف من المستقبل .

2

هناك خلط بين النَّواة الاجتماعية البدائية الأوَّلِيَّة، والفكرِ المُتخلِّف الساذج . وسبب الخلط هو اعتقاد الكثيرين أن البدائية والتخلف وجهان لعُملة واحدة . وهذا الرؤية المُضلِّلة قائمة على اعتبار الزمن هو الحاكم المُسيطر على الأفكار والمشاعر والبُنى الاجتماعية . وفي واقع الأمر، إن علاقة الزمن محصورة في المجالات المادية التقنية فقط. فعلى سبيل المثال، كان الإنسانُ قديمًا يَستخدم الحمارَ كوسيلة نقل، أمَّا الآن فيستخدم السيارةَ. إن السيارة وسيلة نقل مُتقدِّمة مُقارنةً مع الحمار،ولكن هذا لا يستلزم أن يكون راكب السيارة أكثر تقدُّمًا ورُقِيًّا من راكب الحمار. وهذا المَثَل الذي يبدو بسيطًا، يُشير بوضوح إلى أن حركة الزمن تؤثِّر في الأدوات والتقنيات والتكنولوجيا، ولكنها لا تؤثِّر في تكوين الإنسان الروحي والفكري، لأن تكوين الإنسان قائم على الخبرات المُتراكمة الناتجة عن البيئة والمجتمع وأفكار الآخرين وسلوكياتهم . ومفهومُ الأوَّلِيَّة مُرتبط بالعفوية وبداية التكوين، والتأسيس لنقطة الانطلاق نحو المستقبل، أمَّا مفهوم التخلُّف فمرتبط بالانتكاسة والانهيار والرجوع إلى الوراء . ولا يمكن تكوين حضارة إلا بوجود نواة بدائية، تكون بمثابة الجنين الذي يسعى إلى اكتشاف الحياة . ولا يمكن تكون مدنية إلا بوجود نُقطة أولية تكون بمثابة الركيزة التي يتم الوقوف عليها من أجل الانطلاق إلى الأمام .

3

الزمنُ المُجرَّد المحصور في الحركة الميكانيكية لعقارب الساعة، ليس له أيَّة أهمية، ولا يَعني شيئًا . وأهميةُ الزمن تنبع من الإنجازات البشرية في تاريخ الحضارة . وهذا يعني أن الزمن تابع لمركزية الإنسان في الوجود، وإسهاماته في إعمار الأرض معنويًّا وماديًّا . كما أن العِلْم المُجرَّد المحصور في الكتب، ليس له أيَّة أهمية، ولا فائدة مِنه . وإنما العِبرة كامنة في العمل بالعِلْم النافع، وتطبيقه على أرض الواقع لتغييره إلى الأفضل. وإذا أردنا إنشاءَ حراك اجتماعي إيجابي وفعَّال في المجتمع، فلا بُد من توظيف الزمن لخدمة العِلْم، وتوظيف العِلْم لتحسين الواقع . وضمن هذه المنظومة، يُصبح للزمن ماهية اعتبارية، ويُصبح للعِلْم وظيفة اجتماعية، فتتحوَّل القواعدُ الاجتماعية الجامدة إلى تيار حيوي وحركة تصحيح، وتعود الأشياءُ التي ماتت في الإنسان إلى الحياة، ويعود الإنسانُ إلى اكتشاف شخصيته ومعنى وجوده .

 

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

 

محمود محمد عليفي هذا المقال الخامس والأخير ننتقل إلي معالجة السيرافي لمبحث العلة حيث يتضح البعد المنطقي من معالجته له، ومن التعليلات التي يبدو فيها أثر الاستعانة بالمفاهيم المنطقية - وبخاصة مفهوم "الجنس" في الحد المنطقي – تعليل السيرافي لوقوع "كم" موقع "رب" وهما نقيضان. يقول السيرافي: "فإن قال قائل: ولم جعلتم (كم) محل (رب) واقعة موقعها، وقد زعمتم أنهما نقيضان، فالجواب في ذلك أن كل جنس فيه قليل وكثير لا يخلو جنس من ذلك، فالجنس يشمل القليل والكثير، ويحيط بهما، ويقعان تحته، فليس يخرج أحدهما كثرته من جنس الآخر، لأنهما معاً يقعان تحت كل جنس، ولأن الكثير مركب من القليل، والقليل بعض الكثير". فبعد أن كان سيبويه يكتفي في تعليل مثل هذه الظواهر بقوله "العرب تجري الشيء مجرى نقيضه" نجد السيرافي يحلل هذه الفكرة على ضوء معرفته المنطقية. فالنقيضان يجمعهما الجنس الأعم، وإن تناقضا من حيث هما "فصلان" تحت هذا الجنس.

كذلك من التعليلات التي تبدو فيها الأفكار المنطقية تعليله لعدم وقوع ظروف الزمان أخبارا للجثث [=أسماء الذوات]. يقول السيرافي "واعلم أن ظروف الزمان تكون أخباراً للمصادر، ولا تكون أخبارا للجثث، وظروف المكان تكون أخباراً للمصادر والجثث. وإنما كانت ظروف المكان أخبارا لهما لأن الجثة الموجودة قد تكون في بعضها (أي في بعض الأماكن) دون بعض مع وجودها (أي الأماكن) كلها، ألا ترى أنك إذا قلت: (زيد خلفك)، فقدعلم أنه ليس قدامه، ولا تحته، ولا فوقه، ولا يمينه، ولا يسرته، مع وجود هذه الأماكن؟ ففي إفراد الجثة بمكان فائدة معقولة. فأما ظروف الزمان فإنما يوجد منها شيء بعد شيء، ووقت بعد وقت، وما وجد منها فليس شيء من الموجودات أولى به من شيء. ولو قلنا (زيد الساعة) أو (زيد يوم الجمعة) لكنا قد جعلنا لزيد في يوم الجمعة حالاً ليست لعمرو، وليس الأمر كذلك؛ لأن زيدا وعمرا وسائر الموجودات متساويات في الوصف بالوجود في يوم الجمعة".

وهنا تكشف لنا تعليلات السيرافي التي ذكرناها حتى الآن تكشف عن تأثر العلة عنده بطرق الاستدلال المنطقي تارة، وبعناصر نظرية الحد المنطقي تارة أخرى، وبالطبيعيات الأرسطية والرواقية تارة ثالثة .

وثمة نقطة اخري جديرة بالإشارة، وهي اهتمام السيرافي بمنهج الجدل ؛ حيث استطاع السيرافي من خلال هذا المنهج أن يقيم شكلاً من الاستدلال النحوي، يستقصي كل الفروض الممكنة حول المسألة التي يتناولها. لقد انعكست في هذا الاستدلال بوضوح تلك الحركة الذاتية الخالصة للعقل إلى الحد الذي وصل بها، لا إلى بحث لغة الاستعمال العربي، بل إلى بحث لغة واضعي قواعد هذا الاستعمال أيضاً. ولعل فكرة "الشرح" نفسها - أي شرح لغة سيبويه - خير دليل على ذلك.

ولقد كان من الطبيعي - في إطار هذا الاستدلال - أن تتعدد البراهين بكل ما يمكن أن يثمره الجهد التحليلي لأي مسألة يعرض لها السيرافي.: "فإن سأل سائل فقال: ما الدليل على أن الأفعال مأخوذة من المصادر؟ قيل له: في ذلك ثلاثة أوجه …"، و "إن سأل فقال: لم لم يكن في الأفعال المضارعة جر فإن في ذلك أجوبة منها …" . وتصل هذه الأجوبة إلى خمسة وجوه. "، و"إن قال قائل: فلم دخلت النون في تثنية ذا، فإن في ذلك جوابين "، وهكذا.

لقد كان السيرافي يعتقد أن المعرفة النحوية يمكن أن تنتقل من ذهن المعلم إلى ذهن التلميذ عن طريق هذا المنهج الاستدلالي الجدلي. فالجدل - كما قال المناطقة هو "الارتياض والتخرج في وجود قياس كل واحد من المتناقضين" . وإذا كنا قد رأينا السيرافي يأتي بخمسة عشر وجهاً لجملة سيبويه "هذا باب علم ما الكلم من العربية" فإننا نقابل ذلك - على الفور - بما يروى عن يحيى بن عدى المنطقي من أنه "استخرج من قول القائل": "القائم غير القاعد" وجوهاً تزيد عن عشرين ألفاً بالآلاف ورسالته في ذلك حاضرة" . ومهما يكن من أمر الحقيقة في هذا القول، فإننا نأخذ منه دلالته العامة، وهي أن هذا القرن قد شهد صورة من التحليل اللغوي غاية في الإسراف.

وتحتل صورة القياس الشرطي مكانا واضحا في هذا المنهج الاستدلالي عند السيرافي. ولنوضح ذلك من خلال النموذج التالي: يقول السيرافي: "فإن سأل سائل فقال: ما الدليل على أن الأفعال مأخوذة من المصادر؟. قيل له: في ذلك ثلاثة أوجه، أولها: أن الفعل دال على مصدر وزمان، والمصدر يدل على نفسه فقط. وقد علمنا أن المصدر أحد الشيئين اللذين دل عليهما الفعل. وقد صح في الترتيب أن الواحد قبل الاثنين، فقد صح أن المصدر قبل الفعل لأنه أحد الشيئين اللذين دل عليهما الفعل" . وليس من العسير وضع هذه العبارة في صورة قياس شرطي متصل على النحو التالي:

- إذا كان الفعل دالا على مصدر وزمان،

- فإن المصدر يدل على نفسه فقط، وقد صح في الترتيب أن الواحد قبل الاثنين.

- إذن فالمصدر قبل الفعل.

رابعًا- أبو علي الفارسي:

كان أبو علي الفارسي من المهتمين بالمنطق، حيث كان المنطق في كتاب الحجة في علل القراءات السبع أكثر ظهورا منه في أي كتاب آخر، وذلك أن الغرض من الحجة التدليل والتعليل، ثم كان لا بد له أن يقيس أوجه القراءات المختلفة، ويخرجها علي ما يشبهها من الأصول المقرؤة، أو المسموع من كلام العرب، ومكن لأبي علي في المنطق أنه حنفي، ثم هو معتزلي، والمعتزلي جدلي، ولعله اقتفي أثر شيخه أبي بكر بن السراج الذي درس المنطق، إلي أن البيئة العامة كانت بيئة جدلية فلسفية يستعان فيها بالمنطق ومسائله علي مقارعة الحجة . وتكثر الألفاظ المنطقية في كتاب الحجة: كالاستدلال، والنظر، والأدلة، والدلالة، والوجه، والحد، والحجة، والقسمة، والغلط، والقياس، والعلة، ومعني الجنس، وخلاف الخصوص، وأشبه الوجوه .... كما تتجلي المنطقية – أيضا- في القسمة العقلية، فتراه يورد الأوجه المحتملة، ثم يصححها جميعا، أو يبطلها إلا واحدة يتعلق بها الحكم، فيصححها.

ومن مظاهر النزعة المنطقية للفارسي، في كتابه الحجة تعمقه في القياس المنطقي، ومحاولة تطبيقه علي الدرس النحوي، فهو يقايس حتي لا يكاد يخلو احتجاج لآية من قياس – ويسلك في قياسه سبيل المناطقة في التدليل والتعليل، واكتفي بمظاهر ثلاثة تشرح سلوكه في تعمق القياس:

1- قضايا من الشكل الأول: فتراه أحيانا يصوغ الدليل في صورة قضية منطقية ذات مقدمات ونتيجة، واقرأ معي ذلك الكلام تجده يسير فيه سيرا منطقيا يؤلف قضية من الشكل الأول: قال: وأما قولنا في وصف القديم (سبحانه)، فإنه يحتمل تأويلين، وبعد أن ذكر أحدهما قال: والآخر أن يكون معناه المصدق، أي المصدق الموحدين له علي توحيدهم إياه، يدل على ذلك قوله " شهد الله أنه لا إله إلا هو " . ألا ترى أن الشاهد مصدق لما يشهد، كما أنه مصدق من يشهد له، فإذا شهد سبحانه بالتوحيد فقد صدَق الموحدين .

ويؤلف هذا الكلام قياسا من الشكل الأول ويمكن وضعه على الصورة الآتية، صغرى، وكبرى، ونتيجة الصغرى: الله شاهد بالتوحيد في قوله تعالي " شهد الله أنه لا إله إلا هو " . الكبرى: وكل شاهد مصدق لما يشهده به (أي التوحيد ). الصغري، كما أنه مصدق من يشهد (أي الموحدين). النتيجة: فالله مصدق للتوحيد، والموحدين . واقرأ تدليله علي المشابهة المعتبرة بين الهاء، والياء، مشابهتهما الألف تجده كذلك قياساً من الشكل الأول.

2- القياس الاستثنائي الانفصالي: وأبو علي الفارسي مغرم بذلك القياس، يقدمه للتدليل على كثير من المسائل، فمثلا العامل في حيث من قوله تعالي:" الله أعلم حيث يجعل رسالته" لا يخلو من أن يكون أعلم هذه المذكورة أو غيرها، وأن عمل أعلم فلا يخلو من أن يكون ظرفاً أو غير ظرف، فلا يجوز أن يكون العامل فيه أعلم هذه ودلل، ثم انتهى من ذلك إلى أن العامل في حيث فعل يدل عليه أعلم .

3- وهناك ما يشبه القياس الاقتراني المضمر الحملي: وذلك قوله: وقول (موسى عليه السلام) أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين في جواب " أتتخذنا هزوا " يدل على أن الهازي جاهل . وقوله تعالي:" وعلى أبصارهم غشاوة" في المعنى مثل " صم بكم عمي "، وكذلك قوله تعالي " صم وبكم في الظلمات، لأن وصف البصر بالكون في الظلمات بمنزلة الوصف بالعمى، وكذلك وصفه يكون الغشاوة عليه، لأنه في هذه الأحوال كلها لا يصح له إبصار .

أما في الكتابات الأخرى لأبي علي الفارسي فنجده يهاجم الحدود المنطقية والآخذين بها من النحاة. ومن أجل ذلك كله حاول الفارسي أن يقيم الحدود النحوية على أساس بعيد عن فكرة الحد الجامع المانع الذي يبدأ من الأعم فالأخص. كما أنه حاول أن يستعين ـ كما استعان المعتزلة ـ بالنظريات المنطقية الأخرى، وبخاصة نظرية "الرسم" الرواقية.

كان أبو علي الفارسي يدرك الفارق بين ما هو من أوضاع النحو وما ليس منها. فهو يجيب عن سؤال: لم صار الظرف المخصوص بالزمان أكثر من الظرف المخصوص بالمكان؟ فيقول: "ليس هذا من أوضاع النحو. النحو في هذا أن تعرف أن الظرف ظرفان: ظرف زمان وظرف مكان، وتحصي أسماء هذا، وتميزها من أسماء هذا، وتقف على هذه المواضع المخصوصة بهما، والإعراب اللازم لهما وبهما".

والنص واضح الدلالة على منهج الفارسي في حدوده النحوية. فهو يدرك أن السؤال سيرمي به إلى طريق آخر، هو طريق التعريفات المنطقية والفلسفية، ومن ثم فهو يرى أن وظيفة النحوي ـ هنا ـ هي تمييز أسماء ظروف الزمان من ظروف المكان، وحصر مواضع كل منها وعلاماتها.

ولنشرع الآن في بيان تعريفات الفارسي لأنواع الكلم الثلاثة: الاسم والفعل والحرف.

يعرف الفارسي "الاسم" على النحو التالي "فما جاز الإخبار عنه من هذه الكلم فهو اسم... والاسم الدال على معنى غير عين نحو العلم والجهل ـ في هذا الاعتبار ـ كالاسم الدال على عين" .

ويعرف الفارسي الفعل بقوله: "وأما الفعل فما كان مسندا إلى شيء، ولم يستند إليه شيء". ولقد ذكرت ـ عند الحديث عن التعريف عند الزجاجي ـ أن مقولتي: المسند والمسند إليه هما أنفسهما مقولتا: الخبر والمخبر عنه. ومعنى ذلك أن تعريف الفعل عند الفارسي مؤداه أنه "ما جاز أن يكون خبرا، ولا يكون مخبرا عنه". ومن ثم فهو يفرق بين الاسم، والفعل على أساس "الخاصية المميزة" لكل منهما فيقول "فالاسم في باب الإسناد إليه، والحديث عنه أعم من الفعل؛ لأن الاسم كما يجوز أن يكون مخبرا عنه، فقد يجوز أن يكون خبرا... والفعل في باب الإخبار أخص من الاسم؛ لأنه إنما يكون أبدا مسندا إلى غيره، ولا يسند غيره إليه"

ثم يقسم الفارسي الفعل بانقسام الزمان، ولا يشير إلى فكرة الدلالة على الزمان بالبنية اللفظية للفعل في هذا الموضع، وإنما يكتفي بذكر الأمثلة. ولكنه سيشير إلى هذه الفكرة فيما بعد عند حديثه عن المفعول فيه ؛ حيث يقول "ألا ترى أنه إذا قال: ضرب أو يضرب، علم الزمان من صيغة الفعل ولفظه".

وفي تعريفه للحرف يقول الفارسي "والحرف ما جاء لمعنى ليس باسم ولا فعل". وإذا كان من قواعد التعريف المنطقي القديم أنه "لا يجوز أن يكون التعريف في ألفاظ معدولة (أي سالبة)"، فإن من الواضح أن هذا التعريف لـ"الحرف" يمثل خروجا على هذه القاعدة ارتضاه الفارسي ـ هنا ـ كما ارتضاه في تعريفه "البناء" بقوله "البناء خلاف الإعراب"، وفي تعريفه للاستثناء المنقطع بقوله: "الاستثناء المنقطع أن لا يكون المستثنى من جنس المستثنى منه". ولعل ذلك يمثل جانبا آخر من جوانب خروج الفارسي على نظرية الحد المنطقية الأرسطية.

ومن كل ما سبق نستطيع القول إن مقاومة الفارسي للمنطق الأرسطي بدت واضحة في مبحث الحد النحوي، ولكنها تراجعت تماما في مبحث العلة النحوية. ونستطيع أن نجد لدى الفارسي صور العلة الثلاث كما وضعها الزجاجي: التعليمية، والقياسية، والجدلية. وكما ذكرنا – من قبل – فإن العلة الأولى والثانية تعتمدان على مبدأ التمثيل الفقهي، أو قياس الظواهر لعلة الشبه. وهذا ما يؤكده قول الفارسي "ألا ترى أن الشيء، إذا أشبه في كلامهم شيئا من وجهين، فقد تجرى عليه أيضا أشياء من أحكامه".

وأهم ما يلاحظ في التعليلات القياسية عند الفارسي، هو أنه قد اتجه بها اتجاها صوريا واضحا، بحيث أجاز قياس ما لم تتكلم به العرب، على ما تكلمت به اعتمادا على الاتفاق الشكلي بين المقيس والمقيس عليه. وما يرويه تلميذه ابن جني عنه يوضح ذلك: "قال أبو على الفارسي: لو شاء شاعر، أو ساجع، أو متسع، أن يبني بإلحاق اللام اسماً، وفعلاً، وصفة لجاز له، ولكان ذلك من كلام العرب؛ وذلك نحو (خرجج أكرم من دخلل)، و(ضربب زيد عمرا)، و(مررت برجل ضربب وكرمم) ونحو ذلك. قلت له: أترتجل اللغة ارتجالا ؟ قال: ليس بارتجال، لكنه مقيس على كلامهم فهو إذًا من كلامهم ... ألا ترى أنك تقول (طاب الخشكنانُ) فتجعله من كلام العرب، وإن لم تكن العرب تكلمت به، فبرفعك إياه كرفعها ما صار لذلك محمولا على كلامها ومنسوبا إلى لغتها".

وإذا كان الفارسي قد ابتعد عن الحدود المنطقية الجامعة المانعة، فإنه توسع في استغلال معطيات الاستدلال المنطقي توسعا ظاهرا، بل لاقت نظرية الاستدلال عنده فهما وتقديرا واضحين. ويتضح ذلك في تفريقه بين العلم واليقين – وهو الذي آمن بالفروق اللغوية - عندما قال: "فكل يقين علم، وليس كل علم يقينا، وذلك أن اليقين كأنه علم يحصل بعد استدلال ونظر، لغموض المعلوم المنظور فيه، أو لإشكال ذلك على الناظر … ولذلك لم يجز أن يوصف القدير سبحانه وتعالى به، فليس كل علم يقينا، لأن من المعلومات ما يعلم من غير أن يعترض فيه توقف أو موضع نظر، نحو ما يعلم ببدائه العقول والحواس".

وهذه التفرقة بين العلم اليقيني القائم على الاستدلال والنظر والبرهان، والعلم الفطري الذي يعتمد على قوانين الفكر الأساسية، وعلى معرفة الحواس، أقول: هذه التفرقة ترجع - في جوهرها - إلى أرسطو . ولكن ما يهمنا هنا - هو إدراك الفارسي لأهمية العلم الأول، ولذلك فهو يقول "وعند التباس الأمر وإشكاله يفزع إلى النظر ويرجع إلى الدليل"، كما أنه يرى أن الاستدلال هو "الفاصل بين الحق والباطل" . وكل ذلك يذكرنا بما كان يراه المناطقة من أهمية الاستدلال، واعتباره الطريق الموصل إلى اليقين.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

العقل مسار معرفة الشريعة، والقلب مسار معرفة الطريقة، والطريقة تقودنا إلى الحقيقة، ولا تتم الطريقة إلا بالشريعة، ولا تتم الحقيقة إلا بالطريقة، فرسم مسارات التعرف على الشريعة يضيق من دوائر الوهم وانحراف العقل، ولكنه لا يكبل العقل ضمن هذه المسارات بل يرسم له الطريق للسير والانطلاق نحو القلق والشك الإيجابي، اللذان يبعثان على البحث الدائم عن أقرب صياغات للشريعة وأقرب مسارات للطريقة التي توصلنا لأقرب نقاط من الحقيقة.

ولعل أهم ثابت لدينا ومسلمة يقينية هي حاجة الإنسان للدين والتدين، وتدين الإنسان فطري المرتكز، إلا أن تجليات هذا التدين وهذا الدين هي محل قراءات كثيرة في عصرنا، تمايزت هذه القراءات بين الافراط والتفريط وبين التعصب والتساهل، ولم يجد الخطاب الديني المعتدل له محلا في صياغات العقل الجماهيري، الذي استطاع الاعلام أن يرسم له خيارات مسبقة ويصنع له قناعات متطرفة تصب في الهدف الاستراتيجي للسياسات العالمية المهيمنة على العقل البشري وساحة الفعل لديه.

بل كان أيضا لكثير من الخطابات الدينية دورا فاعلا في إعادة إحياء نزعات كثيرة، هي مصاديق للتعصب الذي حذرت منه كثير من الروايات الواردة بعدة طرق معتبرة لدى الفريقين، بل التعصب منبوذ عقلا لدى كل الأديان.

لا ننكر أن الممارسات التاريخية للسلطات السياسية المتعاقبة عبر التاريخ سواء لدى المسلمين، أو الديانات الأخرى مارست دورا فاعلا في إذكاء حالة التطرف من خلال التمييز والإقصاء الذي مارسته ضد المختلف معها عقديا أو سياسيا.

حيث تحالفت كثير من هذه الأنظمة عبر التاريخ مع السلطة الدينية كي تشرعن ممارستها فتحظى بالتفاف شعبي، إذ كرست مقولة " الناس على دين ملوكهم "، هذا الاقصاء والتمييز يخلق ردات فعل لدى المستهدفين تتمايز بين الشدة والضعف، ولكن يغلب على معظمها طابع التعصب والانفعال وينمي حالة الانتقام بل يعمق حالة الانكفاء على الذات لدى المُستَهدَفين ويعمق الهوة بين أبناء الأرض الواحدة، لتصبح الطائفة والمذهب والقبيلة هي المأوى وليس الدولة والقانون والشرعية الالهية كما هي، وليست  صياغات تخدم السلطان وتدعم نفوذه وتشرعن وجوده وآليات حكمه.

ولكن هل سنبقى أسرى التاريخ ونستحضر الماضي لتشويه الحاضر وهدم المستقبل؟ أم علينا الاعتبار من التاريخ وتحويل الثغرات والسلبيات إلى محطات إيجابية، نعتبر منها ونعالجها لتصنع حاضرا مختلفا يناسب لحظة الراهن، ويحاول قراءة ذلك التاريخ بأدوات العصر العقلية والمعرفية، ليتجاوز الماضي بتفاعلات الحاضر الراهن ويتجاوز من الانفعال إلى الفعل والانجاز والتقدم؟

إن أحد أهم إشكاليات الخطاب الديني الراهن هي إشكالية الفرقة الناجية التي تستبطن مفردة امتلاك الحقيقة، حيث تعد من الإشكاليات العوائقية الواقعية الموغلة في بناء الحواجز النفسية قبل الدينية، إذ مجرد ادعاء امتلاك الحقيقة يفضي في الذهنية العامة ادعاء كون ممتلكها مصداق للفرقة الناجية، وهو ما يبني تراكميا حواجزا نفسية مع المختلف، ويغلق آفاق الانفتاح عليه والتعايش معه بل والاستفادة من تجربته المعرفية والفكرية، والتي دعت لها الآية الكريمة " وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم " .

ومن هنا يكون المنطلق من تفكيك الخطاب والبنية الفكرية، ومعالجة أوجه الخلل وفق معطيات الراهن وإشكاليات الحاضر، وحاجة الإنسان كفرد وحاجة الأمة كمجتمعات في إعادة فهم النصوص الدينية وإعادة بناء خطاب ناضج وقادر على تلبية حاجة الإنسان والدول في الاستقرار الاجتماعي والأمن في بنية العقل العربي والإسلامي.

فمعالجة جذور المشكلة تكون في ٣ اتجاهات رئيسية :

- الخطاب الديني وإعادة رسم معالم الشريعة وفق أدوات العقل العصري الراهن.

السؤال الذي يتبادر للذهن هو: هل واقعا بتنا بحاجة لتفكيك الخطاب الديني وبنيته الداخل دينية والخارج دينية،

وإعادة بناء خطاب لا يتنازل عن ثوابته وكلياته، ولكنه يدخل للمناطق المرنة في الشريعة ويعيد قراءة النص بعقلية الحاضر، والعمل على المواءمة بين الثابت والمتغير والحفاظ على أصالة الاسلام وخلوده؟

ومن المعني واقعا بعمل ضخم كهذا في مراجعة التراث وإعادة قراءته وتصفيته من كل ما من شأنه مخالفة صريح القرآن وكلياته؟ هل المؤسسات الدينية فقط أو هي والنخب من المثقفين والمفكرين والأكادميين المتخصصين في العلوم الإنسانية المختلفة؟ وهل لهذه العلوم مدخلية في هذا العمل التفكيكي؟

باتت الحاجة في حاضرنا لهذا التفكيك ملحة حيث أصبحنا موغلين في التطرف والتخندق ضد بعضنا البعض، وباتت الخطابات الدينية تعمق الهوة بين أفراد البشر متكأة على العصبيات المذهبية والطائفية، بل حولتها لسلاح في دعم مساراتها السياسية ورغباتها في السلطة، بعد أن تحولت المعرفة لمعتقل في سجن عالم السياسة وباتت السياسة هي التي ترسم آفاقنا المعرفية إن صح التعبير، بدل أن تكون المعرفة هي المنتج لكل الفوقيات وبدل أن تشكل هي القاعدة لذلك .

وأهمية هذا التفكيك تكمن في سلطة الخطاب الديني على الانسان، كونه مفطور على التدين وسلطة الفقيه أو رجل الدين في لاوعيه، فالتفكيك هو المرحلة الأولى في إعادة صياغة خطاب ديني تعايشي وتسامحي ولكن ليس تساهلي، يحدد الخطوط العامة والخاصة ويضع نقاط كالجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على حروف مقتضيات الزمان والمكان كي تتضح الصورة بشكل أكثر تجليا مع معطيات راهننا .

بالتأكيد أن كل سؤال من الأسئلة المطروحة هو بذاته يحتاج بحث تفكيكي مفصل ومنهجي وعلمي وموضوعي لنخلص إلى تصور يكون الأقرب للواقع والحقيقة .

إن التركيز على معياري خير قوم وشر القوم هو تركيز على معياري الخيرية والشرية، وليس معيار القوم وإعادة بناء المفاهيم وفق هذين المعيارين اللذان ذكرا في الحديث الذي عرّف خلاله رسول الله صلى الله عليه وآله التعصب،وألمح بل أشار إلى أن التعصب هو أن ترى شرار قومك خير من خيار قوم آخرين، قد يفسح المجال أمام العقل ويفتح آفاق كبيرة تؤسس لمنظومة إسلامية معيارية اجتماعية قادرة على تذويب الحواجز بين أطياف المجتمع، وإعادة التآلف الداعم للاستقرار وتحقيق الأمان للمجتمع.

الاتجاه الثاني في معالجة جذور المشكلة:

- إعادة إنقاذ النزعة الإنسانية للدين

وهو ما يدعو لإعادة النظر في رؤية الدين كمجموعة قوانين حازمة ومتجردة يكون الإنسان في خدمتها، لتتحول إلى قوانين فيها روح هدفها تحقيق مقاصد كبرى تكون في خدمة الإنسان وتكون العلاقة بينها وبين الانسان علاقة تبادلية، فالدين جاء للحياة الدنيا فهي المزرعة وفيها يزرع الثمر والآخرة حصاد، لذلك إعادة قراءة الدين وفق هذا المعطى الذي يضع الانسان نصب عينيه ويضع إنسانيته حاضرة وتحقيق العدالة كمقصد وكقيمة جوهرية تتحقق من خلالها كرامة هذا الانسان، قد يقدم حلا تصالحيا مع الدين وليس تنازعيا وتصادميا معه.

وأيضا نطرح تساؤلا : من هو المعني بذلك واقعا؟ وما هي الآليات التي تحقق هذا الهدف؟

- الاعلام وأعادة إنتاج خطاباته ومنهجياته على ضوء ما سبق، ليتخلص من كل رواسب التعصب باسم الدين والدفاع عن الله .

ويأتي الاعلام كخطوة لاحقة لما سبق، لما له من دور محوري في الترويج لهذا المشروع التصالحي مع الدين، إذ بات هو وسيلة قوية في صناعة وعي الناس وإعادة صياغة أولوياتهم ومفاهيمهم ورغباتهم، بل في تحريكهم وتثويرهم وفق الوجهة القائمة على هذه الوسائل الاعلامية، بالطبع هذه الخطوة تحتاج أيضا مقدمات متعلقة بأصحاب المشروع الاعلامي، الذين يحتاجون الى عدة مقومات للقيام بهكذا مشروع

أهمها :

 - الاكتفاء الذاتي اقتصاديا ومعرفيا وحضور الهدف الرباني.

- الاكتفاء يتولد عنه الاستقلال وعدم الانتماء، وهما مطلبان لخلق ذهنية مستقلة موضوعية ومنهجية قادرة على صياغة خطاب معتدل غير متطرف .

 - الاستمرار والثبات وكسب ثقة الجمهور، وهو ما يتطلب القدرة الفنية والتخصص والاطلاع على كل تطورات عالم الاعلام التقني والنظري والمفاهيمي، واستخراج النظريات الاعلامية من خلال قراءة النص الديني قراءة موضوعية، يستقرئ الواقع الإعلامي ويعرضه على النص الديني ليستخرج من بطون النصوص النظرية الاسلامية في الاعلام .

- القدرة على الانتشار، وهو ما يتطلب عالمية منهجية وخطابية قادرة على مخاطبة كل الجماهير وليس جمهور طائفي أو مذهبي، يتناسب هذا الخطاب مع عالمية الاسلام وينطلق من مبدأ "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين"

فالحضور الفاعل لتيار الوعي في عمق التجربة الدينية، ومحاولته مراكمة الجهود والأفكار والمعارف، وإكمال مسيرتها وليس الذوبان فيها أو التحليق حولها، قد يهز جدار الصمت في الخطابات المذهبية والطائفية، ويعيد الرشد للنزعة الإنسانية في الدين، ليرسم مسارات إعلامية عالمية قادرة على الجذب ومانعة للصد، وقادرة على إزالة الموانع أمام وظيفتها في هداية الناس ليس بالسيف ومنطق القوة، وإنما بسلاح الكلمة والعقل وقوة المنطق.

 

إيمان شمس الدين

 

عبد السلام فاروقإصلاح الإعلام.. تساؤلات ومخاوف ومآلات

الإعلام الغربي يشهد اليوم تغيراً نوعياً هائلاً لا نكاد نستشعره أو نهتم به.

عشرات الكتب والإصدارات والتقارير والأبحاث تتحدث عن مآلات الإعلام فى ظل التحولات الهائلة فى مدارات الحوكمة والتواصل والتقنية وأذواق الجماهير التى تتغير الآن كل ساعة لا كل عام !

تساؤلات ومخاوف حول مدى تأثير ثقافة الإنترنت والفضائيات على استقرار سوق الصحافة المقروءة والإعلام الورقى. تساؤلات تتهامس فى قلق: هل يودع العالم عصر المطبوعات باهظة التكلفة ليستقبل عصر المرئيات والتقنيات والمكتبات الرقمية شبه المجانية ؟ والجواب يتأرجح بين طرفى نقيض، أحدهما شديد التفاؤل بأن التطور لن يلغى القديم وأن الكتاب والجريدة باقيان. والآخر يؤكد أن الموجة كاسحة ولا مفر من الانقياد مع تيار التقدم التقنى الجارف أو البقاء فى عتمة الجب حتى الفناء الحتمى أو الانقراض!

لديهم إحصائيات مقلقة تدعوهم لمثل هذا التساؤل، منها أن جمهور الصحافة المقروءة فى أمريكا يتناقص باستمرار وباطراد مخيف، ففى حين كانت نسبة قراء الصحف تبلغ 78% من الشعب الأمريكي فى عام 1970، تقلصت النسبة إلى 40% فى عام 1994، ثم إلى 34% فى عام 2006. وما زالت تتناقص لدرجة أن بعض الصحف الكبري فى أمريكا وأوروبا أوقفت إصداراتها المطبوعة عديمة الجدوى اقتصادياً مكتفيةً بالإصدار الإليكترونى الأفضل من حيث الانتشار والعوائد!

فى بلادنا لدينا تساؤلات مختلفة واهتمامات أخرى، ولا نعترف بأن هناك أزمة مقبلة لا فى إعلامنا ولا فى صحافتنا المقروءة. كل شئ تمام ومستقر والأمور تسير نحو الأفضل . هكذا ننجح فى تجاوز الأزمة بإنكار وجودها!

هل هناك أزمة إعلام؟

ليست لدينا أزمة واحدة، بل أزمات .. وهى ليست أزمة حديثة بل تراكمية حدثت عبر عدة عقود! إذ أن ما يجرى فى أروقة المطبخ الإعلامى يختلف كثيراً عما يبدو ظاهراً على سطح الأخبار اليومية وبرامج التوك شو التى تعطى إيحاءً كاذباً بأن الإعلام العربي بخير ويسير بخطى ثابتة فى الطريق الصحيح، رغم أن الواقع يشير إلى العكس تماماً. فلا الإعلام بخير ولا هو يسير نحو التعافى والتطور بل إلى طريق مسدود.

الساحة تعج بعشرات الصحف والمجلات والفضائيات دون مردود أو مغزى، مجرد صداع وطنين بلا طحين، وتدوير لأفكار مستهلكة وقديمة ولا جديد على الساحة رغم الإمكانيات الهائلة المتاحة، ورغم ملايين الجنيهات والدولارات والريالات الملقاة هنا وهناك بلا عائد حقيقي .

ليس الحديث هنا عن فساد مالى وإدارى ثبت من خلال وقائع سابقة أنه موجود ومتغلغل فى الكيان الإعلامى، ولا عن التحزبات وصراعات المصالح وراء الكواليس، وهى أمور منتشرة ومدمرة وموروثات متراكمة على مدى عقود مضت وربما يأتى اليوم الذى نتخلص فيه من تلك الآفات على يد الأجهزة الرقابية والتشريعية والتنفيذية . لكن الأهم أن نبحث فيما يستطاع تغييره داخل المنظومة الإعلامية من رجالها أنفسهم.. مثل التزام المهنية والحيادية ومواكبة التطور وتدريب الكوادر وتدعيم الكيان الإعلامى بالإمكانيات وتطعيمه بالعقول والكفاءات .. كلها أشياء من الممكن تداركها لإصلاح ما يمكن إصلاحه فى المنظومة الإعلامية المأزومة بشرط أن نعترف أولاً بوجود المشكلة حتى يتسنى لنا التفكير فى الحلول.

ما الضرر؟ .. وما الضرورة؟

وراء الكواليس ثمة محاولات إصلاح تحدث على مستوى المؤسسات الإعلامية والصحفية الخاصة والحكومية فى شكل إقالات لبعض الموظفين الكبار، أو بإعادة هيكلة المؤسسات الصحفية وتسريح العمالة الزائدة لترشيد النفقات، أو بغلق بعض النوافذ الصحفية كالمجلات والصحف قليلة التوزيع أو بعمليات البيع أو الدمج أو الشراكة كما حدث مؤخراً مع عدد من المؤسسات الإعلامية .

كلها لا تعدو كونها عمليات ترقيع أو رتق لعيوب إدارية أو اقتصادية أو فنية، بينما الوسط الإعلامى بأسره يعانى، ولا تصلح عمليات الترقيع لإحداث التعافى.

أصحاب المصالح يقولون: لا ضرورة لتطوير منظومة الإعلام، بينما الضرورة ترقى إلى حد صراعات البقاء والوجود. والكسالى يقولون: لا ضرر من الاستمرار على نفس النمط التقليدى القديم، بينما الصدأ والتآكل يكاد يقضى على منظومة الإعلام الرافضة لأى تغيير حقيقي يضعها على الخريطة العالمية .

أين نحن من الخريطة التنافسية؟

هناك فجوة ضخمة بين معايير النجاح، أو ما نعتبره نجاحاً، فى وسطنا الإعلامى الإقليمى، وبين معايير التفوق والتنافس العالمى .. فجوة لا تزال تتسع باستمرار ما دمنا نفضل التسطيح والإثارة على الكفاءة والمهنية .

إعلامنا يخسر باستمرار، يخسر جمهوره وبالتالى أرباحه .. وسيظل نزيف الخسائر متواصلاً مع الإصرار على التمسك بمعايير النجاح المغلوطة.

ولكى نجيب بصدق وصراحة عن موقعنا من التنافسية الإعلامية العالمية، دعنا نجيب أولاً عن موقعنا من الحيادية والنزاهة وقوة التأثير وسعة الانتشار والقدرة على خلق التفاعل والجماهيرية وتشكيل الوعى الجمعى .

ماذا عن تدريب الكوادر وتطوير الملكات والإمكانيات لمواكبة الطفرات التقنية الهائلة لدى الإعلام الغربي؟ هل لدينا تصور لمستقبل الإعلام أو منهج أو رؤية استراتيجية أو حتى ميثاق شرف يلتزم به الإعلاميون طواعيةً أو قسراً؟

إننا نسير عكس التيار عندما نغلق مواقع صحفية إليكترونية لا لشئ إلا لعجزنا عن مسايرة واستغلال هذا المورد الإعلامى الحيوى . بينما يتجه العالم كله إلى الإعلام الإليكترونى والميديا الرقمية !

معضلة الصحافة الرقمية

استحوذ الإعلام الرقمى البديل على اهتمام قطاعات واسعة من المتابعين من مختلف الشرائح العمرية والاجتماعية، رغم افتقاره إلى المصداقية والتوثيق واعتماده على الشائعات والإثارة الزائفة. والسبب أنه نوع رخيص من الإعلام قليل الكلفة لمستخدميه، كما يتميز بالمرونة وتجدد المضمون وجاذبية الشكل. فالخبر الواحد قد يتجدد على مدار الساعة بأكثر من شكل وطريقة، مصحوباً بالصور ومقاطع الفيديو، لهذا يحظى الإعلام الرقمى بجمهور عريض يفوق الصحافة المطبوعة بكثير.

ورغم تلك المزايا لم تتمكن أكثر المؤسسات الصحفية من استغلال النوافذ الإليكترونية لتحقيق عوائد ومكاسب مجزية . فرغم أن الصحافة الإليكترونية هى المفضلة لدى الجمهور بسبب مزاياها، إلا أنها تُعدّ الأسوأ لدى المؤسسات الصحفية بسبب عيوبها الكثيرة : فالصحيفة الإليكترونية تتطلب توظيف كوادر صحفية وفنية من المتخصصين يعملون على مدار الساعة، ما يعنى أنها عالية التكلفة، خاصةً وأنها تحتاج للتحديث الدائم بالخدمات والتطبيقات والبرامج، كما تحتاج للتسويق والمتابعة اليومية لتحقيق الانتشار، وهى أمور لا تتوافر للكثير من الصحف . مما يضطرها للاكتفاء بالصحيفة الورقية، أو بموقع إخبارى شبه مجانى لا يحتوى على أية تطبيقات أو تحديثات أو موضوعات متجددة . موقع بلا قيمة ولا عوائد، لمجرد التواجد فقط!

الجماهيرية طبقاً لتصنيف "أكابولكو"

الجمهور هو القوة الحقيقية فى عالم الإعلام .

فالمحطة الفضائية الأفضل هى التى تحظى بأعلى نسب مشاهدة ومتابعة، والصحيفة الأولى هى صاحبة التوزيع الأكبر، والخبر الأهم لدى المواقع الإليكترونية هو الأكثر تداولاً وقراءة ومشاركة وإعجاب. اللعبة الإعلامية كلها تعتمد على الناس ومدى تفاعلهم وتأثرهم بالوجبة الإعلامية المقدمة لهم.

يفرق قاموس ويبستر بين ثلاثة مفاهيم مختلفة للجمهور : الجمهور كحشد أو كهدف أو كوسيط . وتستهدف وسائل الإعلام المفاهيم الثلاثة جميعها، فهى تهتم بالرقم العام للمتابعين، أى بالحشد. وتهتم بتوسيع رقعة المتابعة، أى باستهداف هذا الحشد . وتهتم ثالثاً وأخيراً بالجمهور كوسيط دعائى وناقل للخبر والمعلومة الصحفية والإعلامية، وهو ما يسهم بشكل غير مباشر فى زيادة نسبة المتابعات.

والتصنيف العام للجمهور يتخذ أكثر من شكل: فهناك تصنيف طبقاً للفئة العمرية أو تبعاً للشريحة الاجتماعية أو للنوع أو للعرق أو للانتماءات الفكرية أو المذهبية. ويتحدد التصنيف تبعاً للاتجاهات التى تتبناها المؤسسة الإعلامية. إلا أن هناك دراسات حديثة لجأت لاستقصاء أثر الوجبة الإعلامية أو الصحفية اليومية فى خلق حالة من الاهتمام الشعبي الجمعى، سواء بالأخبار المهمة أو بالقضايا الحيوية. بدأت هذه الدراسات فى أواخر الستينيات بما يُدعَى "نظرية ترتيب الأجندة"، أو دراسة "شابل هيل"، وهو المكان الذى أجريت فيه الدراسة بولاية شمال كارولينا . وانتهت الدراسة إلى توضيح مدى قدرة الإعلام على ترتيب أجندة أولويات القضايا لدى الجمهور من خلال لعبة الضوء والظل، حيث تستأثر قضايا بعينها على الاهتمام الإعلامى، ويتضح أنها هى نفسها القضايا التى تحظى باهتمام الجمهور! حتى لو كانت غير منسجمة ولا متوافقة مع الواقع!

التصنيف الأحدث لتلك العلاقة بين الإعلام والجماهيرية يُدعَى تصنيف "أكابولكو" والذى اعتمد على نتائج أكثر من 400 دراسة عن ديناميكيات أولويات الأجندة الإعلامية وتوصل إلى اختزال العلاقة فى أربعة مقاييس رئيسية تُعدّ بمثابة أدلة إرشادية لبوصلة الأخبار والقضايا الجماهيرية؛ لإبراز كيفية التمحور حول السبق الصحفى أو الخبطة الإعلامية أو القضية القومية لاستغلالها إعلامياً بالشكل الأمثل.

الاهتمام بمثل تلك الدراسات يعطينا تصوراً حول الإعلام كصناعة احترافية ذات تأثير عميق وممتد، لا كمهنة تقليدية روتينية عديمة الثمرة.

مقامات التأثير والفاعلية

تتفاوت قدرة الوجبة الإعلامية المقدمة التأثيرية بين مجرد الإخبار الفردى بالمعلومة إلى مقام تشكيل الوعى المجتمعى.  كما يتفاوت تأثر المتابعين بالمادة الإعلامية بين عدة درجات تبدأ بالتفكير المجرد، وتتدرج إلى الجدل والنقاش، ثم إلى التفاعل والتواصل، وتنتهى إلى خلق حالة من الإحساس الذاتى والمجتمعى بالمسئولية تجاه القضية الإعلامية المطروحة إلى حد تناقلها والتعديل عليها ونشرها بما يحول الجمهور نفسه إلى إعلام بديل.

هناك آليات محددة لخلق حالات التأثر بالمادة الإعلامية كالتكرار والتكثيف والإبهار وحسن العرض والفكاهة، وما يبقَى فى ذهن المتابع بعد عرض المادة هو الذى يبرهن على مدى تأثره بتلك المادة. ما يبقَى فى الذاكرة، أو ما يتسلل إلى اللاوعى، أو ما يتمكن من تعديل الوعى والسلوك.

تلك الحالة الأخيرة هى أعلى درجات التأثير الإعلامى التى يتحول فيها الإعلام إلى مصدر تنويري ومعرفى. وهى لا تحدث إلا فى ظل مادة تتمتع بالمصداقية والنزاهة والعمق وقوة التأثير.

ألوان وأشكال

هناك ثلاثة نماذج رئيسية من الإعلام: إعلام السوق .. والإعلام الدعائى.. وإعلام الحقائق. النموذج الأول – إعلام السوق- هو النوع الذى يتخذ من ذوق الجمهور بوصلة يتحرك على هداها. لا يعبأ إلا بالأرباح كمحرك رئيسي للمادة الإعلامية المقدمة . لهذا لن يجد مانعاً من اختراق وتجاوز كل معايير المهنية والحياد والأخلاق من أجل تحقيق هدفه الأوحد وهو المال. هذا النوع من الإعلام الشعبوى الرخيص باهت الأثر، وغير قادر على الوصول إلى العالمية لأنه يتخلى عن معايير الإعلام المتفق عليها فى سبيل تحقيق غايته الرخيصة.

نموذج آخر هو الإعلام الدعائى، أو الإعلام الموجَّه المؤدلج .. وهو نوع من الإعلام المتوحد الذى يدور فى فلك التحزب والتعصب والتمحور حول فكرة أو تيار، ويظل يخدم تلك الفكرة ويدعو لها دون الاكتراث للتعددية الطبيعية والاختلاف الغريزى فى طبائع البشر وأفكارهم. يظل تأثير هذا النوع من الإعلام محدوداً بالمعتنقين لأفكاره دون غيرهم . وقدرته على اختراق الحدود للوصول إلى العالمية معدومة، بل قدرته على التنافسية الإقليمية والمحلية ضعيفة وقاصرة.

النوع الثالث والأخير هو إعلام الحقائق أو إعلام الرسالة والمبدأ . وهو نوع من الإعلام المحايد المتحرر المستقل، لا يخدم فكرة بعينها ولا ذوقاً محددا، بل يستهدف تقديم الحقيقة البسيطة المجردة دون تزييف أو إضافة أو تحوير. وهو النوع الوحيد القادر على اختراق الحدود، بل واختراق الزمن والوصول إلى أوسع جمهور ممكن فى الحاضر والمستقبل. وتندرج تحت هذا الصنف من الإعلام عدة أشكال أخرى فرعية : كالإعلام الوثائقى، والإعلام التأريخى، والإعلام التفاعلى .

ماذا يحدث لو..؟

دعنا نتخيل هذا السيناريو ..

الإعلام العربي بصورته الحالية، فضائياته وصحافته، برامج التوك شو المعتادة.

هذا الإعلام بكل ما فيه بات عالمى الانتشار، وباتت موضوعاته السطحية ومضامينه التافهة التقليدية هى بضاعته التى يقدمها يومياً للمشاهدين فى كل مكان بالعالم، فكيف سيفكر العالَم نحونا وعنا؟

ولنتخيل الصورة بشكل معكوس ..

الإعلام الغربي وقد انتقل بكل آلياته وإمكاناته وكوادره إلى أروقة مؤسساتنا الإعلامية. وتم استبدال كل الإعلام القديم بالفكر الجديد، واستبدال كل الوجوه الإعلامية المشهورة ذات الأجور الخرافية بوجوه إعلامية أخرى أكثر كفاءة وأقل أجراً . فكيف ستكون صورة الإعلام ؟ وهل سيظل المحتوى الإعلامى سطحياً كما كان؟

 

عبد السلام فاروق

 

مجدي ابراهيمإنما فسدت اللغة بفساد أذواق أبنائها؛ فما ترك من الجهل شيئاً من يظن أن القارئ من الجهالة بحيث لا يقف على فضيلة الصدق في كتابات الكاتبين. وأغبى الأغبياء هو الذي يفترض الغباء في الآخرين. والصدق الاعتقادي كما تقدَّم من أعظم القيم الإيمانية وأكثرها دلالة على الشعور الديني. وموطنه القلب. والقلب - كما تقدَّم أيضاً - هو الدافع للوعي؛ فلولا القلب ما كان الوعي، ولولا الوعي ما كنا أدركنا شيئاً حقيقاً بالإدراك أو خليقاً بـ "تحصيل القيمة". وكنوز قلوبنا قاعها سحيق، ومعارف القلوب أعمق بكثير من معارف العقول والأذهان؛ إذْ كانت القلوب خزانة التجارب البشرية كلها، وهى في الأصل مستودع لكل ما هو معروف أو مجهول من وعي الإنسان.

أنا شخصياً لست أَمِلُّ من تكرار ما كان ذكره أديبنا الكبير "توفيق الحكيم" في كتابه "تحت شمس الفكر" في أسلوب الكاتب نقلاً عن "يوفون" من أن:" الأسلوب هو مزاج الفنان وطبيعته، ووسيلته الخاصّة في إظهار مكنون فكره، أو هو الشخص على حد تعبير"يوفون". إنّ الكاتب إذْ يخلو إلى نفسه وقلبه، ويترك التصنع والتقليد، يستطيع أن يهتدي إلى أسلوبه، لكن لا تظن الطريق هيناً: ذلك الطريق الوعر الشاق الطويل بين الإنسان وقلبه. إن القلب البشري لأعمق من أن يستكشف قراره من أول نظرة. إنّ قلب الإنسان بئر سحيقة رسِّخت فيها تجارب جنسه وأمته آلاف السنين، طبقة فوق طبقة؛ فعليه إذن أن ينزل طبقات هذه البئر..!". هذا صحيح، ولكن كنوز قلوبنا العميقة في الغالب لا قاع لها، بحيث يمكن للإنسان أن ينزل هذه البئر الغائرة إلى الأعماق؛ ليكتشف كنوزها الدفينة وأسرارها الخفية العجيبة.

هذه الكلمات الصادقة هى أدعى إلى التأمل وأحرى بالاهتمام وأولى بالرعاية في كل حال؛ لأنها أدعى إلى معرفة أسرار القلب البشري؛ فيما لو كانت معارف القلوب لدينا أولى بالعناية مما سواها.

أما أسلوب الكاتب نفسه؛ فهو شيء يدعو وحده إلى التأمل والدهشة معاً؛ لأن الكاتب صاحب الأسلوب هو نفسه الكاتب المبدع على الحقيقة. أذكرُ أنني منذ سنين طويلة كنتُ شاهدت برنامجاً تلفازياً كان يقدّمه الأستاذ الراحل "فاروق شوشة"، وهو برنامج "شريط الذكريات"، كنتُ متابعاً لهذا البرنامج الثري والداعم للثقافة والمثقفين، فاستضاف يومها الدكتورة "عائشة عبد الرحمن"، فتكلمت عن الأسلوب بعبارات قليلة ومقتضبة، استطعتُ أن أستخلص من حديثها ما يفيد أن الكتابة بأسلوب راقِ ومؤثِّر نوعٌ من الإبداع. الأسلوب شعور، وإحساس، وجمال، ونزوع بالجملة إلى الأمثلة العليا، بالإضافة إلى كونه عقلاً، ودراية، وتحليلاً، وخبرة طويلة في توظيف مخزون اللغة.

ولماذا يكون الأسلوب الممتاز نوعاً من الإبداع؟ والجواب: لأنه مجموعة من أعصاب تتذوق وتتحرك وتلتقط من ثمار التذوق ما من شأنه أن يدل على خصائص صاحبه، على بصمته الخاصة.

وما الإبداع إلا فكرة في أسلوب. الفكرة عقل يبدع. والأسلوب كتابة وإنتاج. لا ريب أن الكتابة بأسلوب راق نوع من الإبداع؛ إنْ لم يكن هو كل الإبداع على الحقيقة التي لا يشك فيها مبدع يبدع فكرة بأسلوب ممتاز.

كثيرون، كثيرون بغير حصر ولا تعداد هؤلاء الذين يكتبون دون أن تحمل كتاباتهم شيئاً من باطن نفوسهم، ولا أسلوباً يدل على ذواتهم، يكتبون لا لأنهم أصحاب رسالة، ولكن لأنهم يعيشون على ما يكتبونه؛ ولأنهم أقدر الناس على الكذب والتلفيق وخيانة الرسالة، وأفقرهم في لوازم التربية الأدبية والروحية: تربية الضمائر والقلوب؛ فلن تجد لأجل هذا لهم صدى، ولا لكلماتهم رغم كثرتها الكاثرة تأثيراً، لا تتجاوز أقوالهم الآذان ولا تنفذ إلى شغاف القلوب، ولا تحمل قط دلالة واحدة في سبيل التغيير؛ فما من حياتهم شيء على الإطلاق يوافق أفكارهم؛ وما من أفكارهم مورد يتكئ عليه هذا الأصل القلبي الشعوري الذي من شأنه أن يورث القارئ مواريث الفكرة المهذبة والأدب الأصيل واللغة الشاعرة والأهداف السامية، ناهيك عما ليس فيها كذلك من حال يثمره العلم النافع والبحث الجاد؛ ليدفع المرء دوماً إلى العلم المقرون بالعمل.

ما من أحوالهم - وأغلبها من ورثة المعارف السطحية والقشور العرضية - مقصد يثمر العمل البناء ويسلك القارئين - إنْ وجدوا - سلوك التغيير في الباطن قبل الظاهر، وفي المضمون قبل القشور، وفي الجوهر قبل السطح العائم والقشرة الخارجية. لك أن تتصور، فيما لو شئت، كاتباً يقول وحياته هى هى قوله لا يتعداه، ويكتب وحياته هى هى فكره الذي يؤمن به ويخوضه دوماً في رحاب التجريب، ينظر ويحلل ويدون ويبين، وكل هذا كله "ذات نفسه": حياته منشورة من أعصابه ودمه وطواياه على الأوراق، ذلك هو هو "الصدق" توخَّاه في التعبير كما تقدّم وتوخَّاه قبلاً في طريقة التفكير.

مرة أخرى: حين نقول كلمة "الصدق" فنحن نقصد بها كل ما في القلب البشري من إيحاءات روحيّة وتوجهات معرفية وإشعاعات إصلاحية في سبيل التغيير المطلوب نحو الأفضل في كل حال؛ إنْ في النفس وإنْ في الواقع؛ إنْ في الضمير والباطن وإنْ في الحياة الاجتماعية الخارجية.

وليس بعجيب عندنا أن يكون للقلب البشري صلاحيات التوجهات الكبرى للإنسان، هو لب الإنسان وجوهره الفاعل على وجه الخصوص، فالتعويل عليه كل التعويل حقيقة معرفية فضلاً عن كونها حقيقة واقعية لأنها قبل هذا وذاك حقيقة قرآنية:"إنَّهَا لاَ تَعْمَى الأبْصَار وَلكن تَعْمَى القُلُوبُ الَّتي في الصِدُور"؛ حتى أن بحوث الطب النفسي الحديث تؤكد فيما رواه أحد أساتذة الطب النفسي في لقاء تلفازي - هو الدكتور أحمد عكاشة - أن بحوث علم النفس الحديثة أثبتت أن في القلب ذاكرة هى أقوى وأهم وأنفع مما يوجد في مخ الإنسان من ذاكرة، وتسمى هذه الذاكرة بــ " الذاكرة الخلوية"، وهى لا توجد في المخ بل مكانها القلب، وأنها لمسئولة عن الكيان الحيوي للإنسان، بمقدار مسئوليتها عما فيه من وعي كوني، وهى جامعة لكل ما في الإنسان من حياة. وقالوا: في بعض الحالات الخاصَّة، عند انتقال قلب من إنسان إلى إنسان آخر، يجيء الإنسان الذي انتقل إليه هذا القلب يحمل جميع الصفات والأفكار وجملة النشاط الحيوي، ويتصرَّف كما لو كان يتصرف الإنسان المنقول منه ذلك القلب، هى حالات فردية لكنها أثبتت أن هذا الكائن العجيب (الإنسان) فيه أسرار إلهية ليست مما يصل إليها العلم الحديث بعدُ، وأن أسرار الله فيه لم تزل تحت طور الاكتشاف، وما أوتى الإنسان من العلم في هذا الجانب وفي سواه إلا قليلاً، لكنه مع ذلك يزعم أنه جُرْمُ صغير وفيه أنطوى - كما قال ابن عربي - العالمُ الأكبرُ.

إنّ هذه الخلية القلبية المُعَبَّر عنها بــ "الذاكرة الخلوية" لهى مجمع الحياة فيه تظل معه يحملها في جميع مراحل حياته، لكأنما القلب أهم من المخ، وأن فعل المخ أدنى وأقل بكثير من فعل القلب، قد يظل الإنسان حياً لا يموت ما لم يمت فيه القلب، وأن القلب هو السيد، وهو القائد المتبوع، وهو المحرك للكيان الآدمي كله بغير خلاف: حقاً صدق قول الله تعالى:" إنَّهَا لاَ تَعْمَى الأبْصَار وَلكن تَعْمَى القُلُوبُ الَّتي في الصِدُور".

لم يكن جزم القرآن بنفي العمى عن الأبصار وإثباته للقلوب التي في الصدور إلا لتأكيد حقيقة "الوعي القلبي" الذي تتفتح منه آفاق المعارف الإنسانية وطاقات العلوم النورانية، ويعول عليه في كل حال ولا يعول في الحقيقة على سواه. هذا الوعي القلبي هو أعم وأشمل من العقل؛ إذ العقل مهما كان وأياً ما كان محدود بحدود ما يفكر فيه، فوعيه ناشئ عن الحركة الضيقة التي يدور في فلكها وعن الواقع المشهود الذي يتقرر أمامة فيفكر فيه، بخلاف الوعي القلبي المحمل الذي يدرك الإنسان ويدرك في الوقت نفسه ما يحيط به من وعي كوني أسمى من العقل المحدود. ومعرفة هذا الوعي القلبي خاصة لهي المادة الأولية لمعرفة أسلوب الكاتب: لغته وحرفه . وفي هذا وحده ما يكفي لتقرير حقيقة وهي أن اللغة باقية فينا ببقاء ما لدينا من حياة القلوب الواعية المضيئة بأنوار الحقيقة الدائمة فمادام القلب هو الأصل والمعرفة التي تترتب عليه قائمة على ذلك الوعي فليس أصدق ولا أبلغ من إظهارها عن طريق حرف الكاتب ولغته لأنهما أبلغ الوسائل التي يخرج بها هذا المكنون الخفيّ المطمور في أعمق أعماق القلب. فلا بد له من معاناة، ولا بد من تجربة كاشفة تحمل قيماً، وتضيء نوراً وتشع ضياءً، وتسمو للناس ويسمو الناس بها. وإنه؛ مادامت وسائلُنا ضعيفة قاصرة وقدرتنا عاجزة مشلولة أو تكاد، فإنها لأدل دلالة كافية على عمى القلوب التي في الصدور: مصدر المعرفة ومنبع النور. فاللغة التي هى وسيلة التعبير متصلة اتصالاً مباشرة بالوعي القلبي نقاؤها وصفاؤها من نقائه وصفائه. النور للقلب واللغة المستنيرة تصدر من نور القلب فكل ما تنقله اللغة من معارف هو من ذلك النور القلبي؛ لذلك تثبت في القلوب التي تكون على شاكلتها: لغة سامية، مؤثرة، حافلة ببلاغة التغيير (وللحديث بقيّة).

 

بقلم: د. مجدي إبراهيم

 

منى زيتونونحن على أعتاب عام هجري جديد نتذكر هجرة سيدنا وحبيبنا ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم، رغم أن رحلة الهجرة بدأت أواخر صفر، ووصل النبي وصاحبه المدينة المنورة في الثاني عشر من ربيع الأول، لكن لأن المحرم هو أول شهور السنة القمرية عند العرب فقد اعتُبر أول المحرم في السنة التي هاجر فيها النبي بداية التقويم الهجري.

ودروس الهجرة النبوية كثيرة، أكبر من تلك الدروس الدينية التي يركز عليها المشايخ عادة، لعل أهمها هو فكرة الانتقال ذاتها وأثرها في تغير حياة الإنسان.

في جميع العلوم التي تتعلق بالإنسان نُوقشت قضية أثر الوراثة وأثر البيئة، وتبنى علماء أثر الوراثة وعظّموه، بينما أعطى آخرون أكبر الأثر للبيئة؛ فعندما ضخّم علماء الوراثة من تأثير مورثاتنا (الجينات) التي تحمل صفاتنا الوراثية من أبوينا، وادّعوا أنها المُشكِّل الرئيسي لحياتنا، لدرجة أنهم عزوا إليها إصابتنا بالأمراض والبدانة، وتوسعوا إلى حد اتهامها بأنها سبب الشذوذ الجنسي عند بعض الناس وسبب ارتكاب المجرمين لجرائمهم، ظهر في العقد الأخير ما يُعرف بعلم فوق الوراثة  epigenetics، الذي أعاد الاعتبار لأثر البيئة ومسئولية الإنسان عن حياته، واتضح أن نمط حياة الإنسان التي يحياها وخياراته فيها هو الذي يحدد للمورثات ماذا عليها أن تفعل، وليس العكس.

ومن الوجهة الدينية فكلا العاملين منصوص على أهميته، وكما نصحنا الرسول وقال: "تخيروا لنطفكم" لمعرفته بأثر الوراثة، فإنه قد هاجر، ليغير البيئة من حوله.

وفي كتاب الله يوجد حوار عظيم بين الملائكة وبعض المجرمين، أخبرنا الله تعالى أنه حاصلٌ يوم القيامة، يتعلل فيه المجرمون ويبررون جرمهم بأنهم كانوا مستضعفين في الأرض، فترد عليهم الملائكة مذكرة إياهم بأن أرض الله واسعة! ثم يخبرنا تعالى بمصير هؤلاء المحتوم بأن يُصيَّروا إلى النار ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ ۖ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ ۚ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا ۚ فَأُولَٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (97)﴾ [النساء: 97].

هاجر محمد كما هاجر جميع الأنبياء من قبله. وصدق ورقة بن نوفل عندما أخبره بعد لقائه الأول مع جبريل بأن قومه سيخرجونه، وأن ما من أحد أتى بمثل ما أتى به لقومه إلا أخرجوه. ﴿إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [التوبة: 40].

قبله هاجر إبراهيم الخليل عليه السلام رغم أن الله تعالى قد أنجاه بعد أن ألقاه المجرمون في النار. ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي سَيَهْدِينِ (99)﴾ [الصافات: 99]. وهاجر موسى بعد أن خاف على نفسه ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ [القصص: 21]. وبعدهما أمر الملاك يوسف النجار أن يرحل بالسيدة مريم وابنها المسيح عليهما السلام إلى مصر لأن الرومان كانوا يطلبون قتل المسيح.

في كل هذه الحالات كان الله تعالى كفيلًا بحماية أعز خلقه وأحبهم إليه، وألا يكلفهم الانتقال ليحموا أنفسهم، لكنها سُنن الكون والدروس والعبر التي يجب أن يأخذها البشر من قصص الأنبياء. هاجر الأنبياء ليعلمونا ألا نقبل بالاستضعاف، وأننا لسنا شجرة ثابتة لا تتحرك، بل بشر عليهم الانتقال إن ضاقت بهم سُبل العيش الكريم.

لكن موسى عاد ودعا فرعون، ثم كان خروجه الثاني ومعه بني إسرائيل هذه المرة مقدمة للنصر على فرعون، وكذا المسيح عاد ورغم أنهم ظنوا أنهم أجهضوا دعوته فإنه انتصر وارتفع شأنه وشأن تابعيه، ومثلهما عاد محمد منتصرًا يوم فتح مكة؛ لذا فساداتنا العارفون بالله كانوا يتفاءلون بالنُقلة إن حدثت عن اضطرار، ومن جرّاء ظلم، فالنصر والرفعة آتيان بحول الله وقوته لمن أُخرج مضطرًا بعد أن فقد شعوره بالأمان، واستشعر أنه سيُهان في مكانه إن بقي فيه.

بقيت كلمة أقولها؛ وهي أن الإسلام كانت له بدايتان؛ فبدايته الأولى كانت بعد نزول الوحي على سيدنا محمد للمرة الأولى، وأما بدايته الثانية فهي هجرته صلى الله عليه وسلم إلى المدينة.

كانت السيدة خديجة باعتبارها زوجته أول من آمن بنبينا، فهي أول من تلّقاه بعد أول لقاء له مع رسول السماء، بعدها بدأت رحلة الدعوة برجل وطفل كانا أول من آمن به بعد زوجته، سيدنا الصديق أبو بكر وابن عمه سيدنا علي بن أبي طالب، وفي البداية الثانية للإسلام؛ الهجرة، يظهر أيضًا الرجلان عينهما، أبو بكر وعلي، فالأول صاحبه في الهجرة، والثاني من فداه ونام في فراشه، وأدّى عنه أماناته، ثم هاجر ببناته إليه في المدينة.

لكننا اعتدنا من مشائخ زماننا إنزال رتبة سيدنا علي، وإغفال فضائله، حتى أن منهم من تأتي ذكرى الهجرة فلا يكادون يذكرونه! والسبب الاتهامات المعلّبة من خوارج زماننا مدعي التسلف لكل من أعلى قدر الإمام وأنزله منزلته التي يستحقها بأنه متشيع، وفي قلبه كذا وكذا من صحابة النبي! ولا أدري هل يفعلون ذلك مكايدةً في الشيعة أم أن الله يفضح ما في نفوسهم؟! وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما عهد إلى سيدنا علي فقال: "لا يحبك إلا مؤمن، ولا يبغضك إلا منافق". [رُوي بألفاظ مختلفة بطرق مختلفة؛ رواه الإمام مسلم في صحيحه عن رواية سيدنا علي (131/78) والإمام أحمد في مسنده عن السيدة أم سلمة (26387) والإمام الترمذي في سننه (3736- 5/643)].

 

د. منى زيتون

 

محمود محمد علينعود ونكمل حديثنا عن مشروعية العلاقة بين المنطق والنحو عند نحاة القرن الرابع الهجري في هذا المقال الرابع، حيث يمكن القول: إن الحقيقة الماثلة وحدها – وهي أنه يكرس فصلا كاملا للمشاكل المرتبطة بإرساء التعريف الصحيح مفصلا، وفصلا آخر للمناقشة المستفيضة لجميع التعاريف الموجودة لأقسام الكلام – تبين أنه كان الطريقة "الصحيحة" في كتابة المقدمات العلمية لرسالة ما في اللغة . كما أن كتاباته مليئة بالإحالات إلي التعاليم المنطقية التي أصبحت في زمانه جزءا لا يتجزأ من إطار العمل الفكري للعلماء في جميع العلوم تقريبا .

ويمكن أن نلحظ تأثير المنهج المنطقي في دراسة اللغة بوضوح أكثر في اختيار المواضيع في "كتاب الإيضاح" . ولنأخذ علي سبيل المثال تعريفه للنكرة حيث يقول "فأما النكرة فهي كل شائع في جنسه لا يخص واحدا دون آخر" . ومن الواضح أن هذا التعريف يتصل بفكرة الأجناس، والأنواع في الحد المنطقي. فمقولة "النكرة" في النحو توازي تماماً مقولة الجنس في المنطق، على الرغم من أن النظر اللغوي الخالص يمكنه – اعتمادا علي مبدأ الموقف اللغوي linguistic situation – أن يعطي تعريفا يختلف عن هذا التعريف. وكذلك يعرف الزجاجي "الجملة الفعلية" بقوله "والفعل والفاعل جملة يستغنى بها وتقع بها الفائدة". ومصطلح (الفائدة) هنا يقابل تماماً مصطلح (كلام قائم بنفسه) عند الزجاجي أيضاً .

ومن المواضع التي أخذ بها "الزجاجي" بالمنطق "العلل" حيث يقسم علل النحو إلي ثلاثة أضرب: علل تعليمية، وعلل قياسية، وعلل جدلية نظرية، فأما " التعليمية فهي التي يتوصل بها إلي تعلم كلام العرب، لأنا لم نسمع نحن ولا غيرنا كل كلامها منها لفظا، وإنما سمعنا بعضنا فقسمنا عليه نظيره، مثال ذلك أنا لما سمعنا : قام زيد فهو قائم، وركب فهو راكب، عرفنا اسم الفاعل فقلنا ذهب فهو ذاهب وأكل فهو اكل وما أشبه ذلك، وهذا كثير جدا ..... وأما العلة القياسية فأن يقال لمن قال نصبت زيدا بأن في قوله إن زيدا قائم : ولم وجب أن تنصب " إن " الاسم ؟ فالجواب في ذلك أن يقول : لأنها وأخواتها ضارعت الفعل المتعدي إلي مفعول، فحملت عليه،فأعملت إعماله لما ضارعته، فالمنصوب بها بالمفعول لفظا، والمرفوع بها مشبه بالفاعل لفظا، فهي تشبه من الأفعال ما قدم مفعوله على فاعله، نحو ضرب أخاك وما أشبه ذلك محمد " .

ومفهوم " العلة " في هذين النصين يعادل تماما مفهوم " القياس " في النحو العربي،ومفهوم " التمثيل " في المنطق الأرسطي : ومؤدي هذين المصطلحين أن ظواهر الوجود والطبيعة يحمل بعضها علي البعض بناء على مبدأ " قياس الغائب علي الشاهد " تارة أو قياس الشبه تارة أخرى.

أما النوع الثالث من أنواع العلل فهو الإضافة الحقيقية لنحاة القرن الرابع، وذلك " هو العلة الجدلية النظرية "، وهي لا تعدو كونها تطبيقا لنظرية العلة الغائية في فلسفة أرسطو، ويعرفها الزجاجي علي النحو التالي : " وأما العلة الجدلية فكل ما يعتل به في باب " إن " تعد هذا مثل أن يقال : فمن أي جهة شابهت هذه الحروف الأفعال ؟ وبأي الأفعال شبهتموها ؟ أبالماضية أم المستقبلة ؟ أم الحادثة في الحال ؟ أم المترادفة ؟ أم المنقضية بلا مهلة ؟ وحين شبهتموها بالأفعال لأي شئ عدلتم بها إلى ما قدم مفعوله علي فاعله ..... وكل شىء اعتل به المسئول عن هذه المسائل فهو داخل في الجدل والنظر " .

ولنأخذ نموذجا يوضح منهج الزجاجي في التعليل الجدلي وهو "علة امتناع الأفعال من الخفض . يبدأ الزجاجي آخذا بتعليل سيبويه "وليس في الأفعال المضارعة جر، كما أنه ليس في الأسماء جزم؛ لأن المجرور داخل في المضاف إليه، معاقب للتنوين، وليس ذلك في هذه الأفعال". ثم يعلق الزجاجي: "هذا الذي يعتمد عليه الناس في امتناع الأفعال من الخفض، وكل علة تذكر بعد هذا في امتناع الأفعال من الخفض، فإنما هي شرح هذه العلة،وإيضاحها، أو مولدة عنها" ولكن الرغبة في الوضوح والتوضيح مما خلقته النزعة التحليلية في المنطق تجعل الزجاجي يسهب القول في شرح تعليل سيبويه، فيبدأ في تعريف الأفعال المضارعة لغة واصطلاحا ثم يقول: "وإنما قال: وليس في الأفعال المضارعة جر، فقصدها دون سائر الأفعال؛ لأن كل فعل سوى المضارع عنده مبني غير معرب، وإنما كان في ذكر الجر، والجر إعراب، ولما كان إعرابا، وكانت الأفعال سوى المضارعة مبنية غير مستحقة للإعراب ... سقط السؤال عنها ... وبقي السؤال عن الفعل المضارع الذي هو معرب" .

ويلاحظ الدكتور "محي الدين محسب"

في كتابه الرابع " أثر المنطق الصوري علي نحاة القرن الرابع الهجري "هنا هذه الطريقة الاستدلالية التي تأخذ صورة القياس المنطقي :

- الجر إعراب

- وكل فعل سوى المضارع مبنى غير معرب

- إذن سقط السؤال عن دخول الجر في غير الفعل المضارع .

يتضح لنا مما سبق أن مزج الزجاجي النحو بالمنطق، لم يكن بالغا،ولا حادا، ولم يصل فيه إلي حد الإفراط، فقد كان ميله الكامن إلى السماع والرواية، وتقديمه لهما يكبح جماحه، ويحول دون تزيده في المنطق ومبالغته في الفلسفة .

ومن هنا رأينا المنطق الأرسطي ظاهراً في بعض كتبه ظهورا بينا ورأيناهما في بعض كتبه الأخرى يبدوان برفق علي ما يشبه الاستحياء، ومن الأولي كتابه المشهود " الإيضاح في علل النحو " الذي يسرد الدكتور " عبد الفتاح شلبي " أطرافا من محتوياته فيقول : " يلقاك المنطق وتطالعك الفلسفة في أول الكتاب، فإذا ما وصلت إلي الصلب منه رأيت حجاجا وتعليلا وقياسا وتدليلا وإذاعة لاصطلاحات المناطقة في الحد والمحدود والحكم والبرهان والدليل القاطع والحجة ووضوح الدلائل وإقامة البراهين والدلائل العقلية ... إلي أخره.

ومن الثانية كتابه المشهور أيضا " الجمل " الذي يذكر الباحث نفسه أن أسلوبه فيه كان سهلا سمحًا لا تعقيد، ولا التواء، ولا أثر للعلل النحوية أو التدليل المنطقي فيه .... يعطيك القاعدة العامة في جمل بعيدة عن تأويلات المؤولين، وفي أسلوب سهل ، لا تري فيه عوجا ولا أمتا من تعقيدات المعقدين وتفريعات النحاة والتجويزات المشهورة عنهم في المسألة الواحدة وحتى لتختفي الضوابط وتتشعب المسالك "، وأنه قد " أخلاه " من المنطق، ومسائله، وأقيسته، وقضاياه، وبراهينه، وتعليله، وتدليله خلوًا يكاد يكون تاما ".

ويمكن أن نذكر السبب في ذلك ؛ حيث من الملاحظ أن الزجاجي حين كان يكثر من مزج المنطق بالنحو في كتابه " الإيضاح "، كان يخاطب في ذلك النخبة من النحاة والمثقفين، أما في كتابه الجمل،والذي وضعه تيسيرا لطلاب العلم، فقد كان يقلل، بل أحيانا يبتعد عن مزج النحو بالمنطق،حتي لا يصعب علي المبتدئين في دراسة علم النحو .

ثالثًا: أبو سعيد السيرافي:

وصف الكثير من المؤرخين السيرافي بأنه شيخ الدهر، وقريع العصر، وعديم المثل، ومفقود الشكل، وبعيد القرين، وعين الزمان، والصدر، ولم تصدر هذه النعوت دون أساس، بل وجدناه العالم المقدم الذي استوعب ثقافات عصره استيعابًا مكنه من تدريسها إلي معاصريه من العلماء والطلبة . وفي هذا قال رئيس الرؤساء : إن أبا سعيد كان يدرس القرآن، والقراءات، وعلوم القرآن، والنحو، واللغة، والفقه، والفرائض، والكلام، والشعر، والعروض والقوافي، والحساب . أما في النحو فهو المقدم والأعلي في زمانه، ولو لم يكن له غير شرح كتاب سيبويه لكفاه فضلا، كما قال أبو البركات الأنباري، وقد أعجب القفطي صاحب إنباء الرواة به فأفرد له مصنفاً سماه " المفيد في أخبار أبي سعيد "، ووصفه ابن الأثير بقوله :" كان فاضلا، ومهندسا، ومنطقيا " ، وإذا كان ابن الأثير قد وصفه بالمهندس، وبالمنطقي، فإنا وجدنا الزبيدي (ت 379 هـ) قال "إنه كان "ينتحل العلم بالمجسطي وإقليدس والمنطق، ويتفقه بأبي حنيفة، وهو معتزلي من أصحاب الجبائي" .

وقد غلب المنهج الكلامي علي علم أبي سعيد في النحو،وسائر علوم العربية، وقد كان هذا المنهج طابع الدرس في القرن الرابع، ولم يكن الإفلات منه ميسرا للدارسين أمثال أبي سعيد، وليس أدل علي هذا من المناظرة التي جرت بينه وبين متي بن يونس القنائي الفيلسوف في مجلس " "الفضل بن جعفر بن الفرات "، وزير الخليفة المقتدر سنة 320 هـ ، (وسوف نتحدث عنها بالتفصيل خلال الفصل السابع)، وكذلك المناظرة التي جرت بينه وبين أبي الحسن العامري الفيلسوف النيسابوري (ت:381هـ)، في مجلس " أبي الفتح بن العميد" .

ويري البعض أن هذه المناظرة قد طغى عليها عنصر التكوين الاعتزالي في فكر السيرافي، وعلى الرغم من التفسير المقنع الذي يورده "علي أبو المكارم" لهذا الهجوم من قبل السيرافي على المنطق، فانه يسوق نصوصا من مصادر لا تعترف اعترافا صريحا باعتزالية السيرافي . أما تفسيره لهجوم السيرافي على المنطق الأرسطي، فهو أنه كان متأثرا بالعداء الشديد بين علماء الكلام والمنطق اليوناني، إذن، فما الأبعاد المنطقية في المقولات النحوية عند السيرافي؟

إن العناصر البارزة في ثقافة "السيرافي" هي القدرة على التحليل، وبالتالي فقد اتسمت تعريفاته للمقولات النحوية بهذا الطابع المفرط في تقصي كل أجزاء التعريف بالشرح والتوضيح. من الأشياء التي أخذها السيرافي علي سيبويه أنه لم يضع حدود المقولات النحوية بشكل جامع مانع، فيقول "أما الاسم فإن سيبويه لم يحده بحد ينفصل به عن غيره. فإن سأل سائل عن حد الاسم فإن الجواب في ذلك أن يقال: كل شيء دال لفظه علي معنى غير مقترن بزمان محصل من مضي،أو غيره فهو اسم. فهذا الحد الذي لا يخرج منه اسم ألبتة، ولا يدخل فيه غير اسم".

وعلي الرغم من أن السيرافي هنا يرى أن وظيفة الحد هي "الفصل والتمييز"، وهي وظيفته لدي علماء الأصول، فإن الحد الذي يسوقه يؤدي إلى تحصيل ماهية المعرف، وهي وظيفته في المنطق الأرسطي. بل إن الحد نفسه يكاد يكون نقلا مباشرا لتعريف أرسطو للاسم. فهو يضيف – ربما أول مرة في النحو العربي – فكرة الزمان المحصل، وهي فكرة قد وردت عند أرسطو، وعند الفارابي أستاذ ابن السراج الذي لم يوردها في تعريفه للاسم في "الأصول" أو "الموجز".

وترتبط تعريفات السيرافي بمنهج التحليل المنطقي الذي يستهدف التوضيح بأقصى غاياته، ومن ثم فقد يخرج بعض هذه التحليلات إلى دقائق عميقة. فهو بعد أن ساق انقسام الفعل بانقسام الزمان إلى ثلاثة أقسام: ماض ومستقبل وكائن في وقت النطق، وهو الزمان الذي يقال عليه الآن الفاصل بين ماض ويمضي". وبعد أن وضع تعريف كل قسم منها، يتعرض لتحليل ماهية هذا الزمان الكائن: "أوقع وكان فيكون موجوداً في حيز ما مضى فيقال عليه كان؟ أم لم يوجد بعد فيكون في حيز ما يقال عليه لم يكن فهو مستقيل؟... ولا سبيل إلى ثالث".

ويرد السيرافي هذا الطعن: " إن الماضي هو الذي أتى عليه زمانان: أحدهما الزمان الذي وجد فيه، وزمان ثان يخبَر عنه أنه قد وجد،وحدث وكان ونحو ذلك. فالزمان الذي يقال وجد الفعل فيه،وحدث غير زمان وجوده، فكل فعل صح الإخبار عن حدوثه في زمان بعد زمان حدوثه فهو فعل ماض. والفعل المستقبل هو الذي يحدَّث عن وجوده في زمان لم يكن فيه ولا قبله. فقد تحصل لنا الماضي والمستقبل. وبقي قسم ثالث وهو الفعل الذي يكون زمان الإخبار عن وجوده،هو زمان وجوده..." . ولا شك أن ذلك يذكرنا بما ورد في النحو اليوناني من قول "ثراكس"، عن الفعل الحاضر،إنه "يربط بين وجود الشيء وزمن الإخبار عنه".

ومن النصوص التي تكشف عن تغلغل نظرية الحد المنطقي في الفكر النحوي عند السيرافي، ما يكون في قضية الإضافة التي أصبحت عنده ـ كما هو الحد عند أرسطو- نوعاً من التعريف وإزالة الإبهام، أو هي الحالة التي تظهر ترتيب نوع الجنس من العموم إلى الخصوص. يقول السيرافي " فإذا كانت الإضافة إنما ينبغي لها زيادة معرفة المضاف، ولا سبيل إلى أن يعرف المضاف إليه حتى يكون مقصودًا إليه معروفا، فيعرف المضاف بذلك" . ثم يوضح ذلك بقوله "إن المضاف إليه يتعرف به المضاف، أو يخرج به من إبهام إلى تخصيص على مقدار خصوصه في نفسه كقولك: هذا غلام زيد، فيعرف الغلام بزيد، وتقول (هذا غلام رجل صديق لك) فيخرج الغلام عن حد الإبهام الذي في قولك: (هذا غلام) حتى ينحصر ملكه على صديق له دون سائر الناس، و(صديق له) أخص من واحد من الناس منهم" .

كذلك نلمس أثراً آخر من آثار المنطق في تحديد السيرافي للخبر النحوي. يعرف السيرافي الخبر بقوله: "والخبر ما صح فيه الصدق والكذب . وقد عرف ابن السراج الخبر – من قبل – بقوله: "وبالخبر يقع التصديق والتكذيب" . ولذلك فإن ابن فارس يقول "أما أهل اللغة فلا يقولون في الخبر أكثر من أنه إعلام.... وأهل النظر يقولون: الخبر ما جاز تصديق قائله أو تكذيبه، وهو إفادة المخاطب أمرا في ماض من زمانه أو مستقبل أو دائم" .

ومن الواضح أن مصدر هذا التعريف هو فكرة الصدق والكذب في القضية المنطقية عند ارسطو، كما تحدث عنها في كتاب العبارة عندما قال إنه ليس كل قول يصح أن يكون قضية منطقية، بل القول الذي يحتمل الصدق والكذب، فالدعاء مثلا ليس فيه صدق أو كذب. وكذلك فإن الراوقيين قد عرفوا الـ axioma بالتعريف نفسه .ومعنى هذا المصطلح الرواقي هو: "الجملة الأولى التي تخبرنا بالصدق أو الكذب". ولقد شرح الفارابي هذا المفهوم في أكثر من موضع من كتابه العبارة .

ولما كانت هناك بعض التركيبات اللغوية التي تتعارض مع هذا التعريف مثل (زيد قم إليه)، فإن السيرافي – حفاظاً منه على الصورة المنطقية الثابتة للخبر – وجد أن (قم إليه) هي من نفس النمط الخاص بكلمة قائم في (زيد قائم)؛ ولذلك فهو يقول "إن قولك: زيد قم إليه ليس بخبر في الحقيقة عن زيد، وإنما هو واقع موقع خبره،ومغن عنه وليس بخبر حقيقي" . وينطبق هذا أيضاً على مقولة "فاعل سد مسد الخبر" في (أقائم الزيدان) لأن المهم هو أن تطرد الصورة المنطقية الثابتة للعبارة اللغوية، أو على الأصح للقاعدة النحوية.. وللحديث بقية !

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

مجدي ابراهيمللكاتب في استخدامه اللغة طريقته في التفكير والتعبير، ولا يوجد كاتب يمنع بسطوته الأدبية ونفوذه الفكري حظوظ كاتب آخر سواه في طريقة التفكير والتعبير. كان هناك "طه حسين" وهو أديبُ كبيرُ من حملة الشهادات الكبرى، وكان هناك "عباس العقاد" وهو أديبُ كبيرُ ولم يحصل من الشهادات إلا على الابتدائية؛ فما منع طه حسين حظ العقاد، ولا استطاع العقاد أن يمنع حظ طه حسين، لكن قبول القارئ للكاتب يتوقف على فضيلة روحيّة يستشعرها القارئ بين سطور كلمات كاتبه. هذه الفضيلة الروحية والفكرية ترتد إلى الإخلاص في استخدام اللغة إذا حسُن بها التعبير عن طوايا النفس وخفايا الوجدان وسرائر المعارف الظاهرة والباطنة؛ بما من شأنه أن يمتع الذوق والفكر ويرقي الإحساس.

هذه الفضيلة الرُّوحيّة الفكرية التي ترتد إلى الإخلاص المحض الذي لا تشوبه شائبة، يراها القارئ ذات دلالة كريمة إذا هو تلمَّس آثارها فيما يلمسُه دوماً في طريقة الكاتب في التفكير والتعبير. يراها إذْ ذَاك بلا ريب في فضيلة الصدق والإخلاص ومخاطبة الناس من ذات النفس الصادقة ومن قرارة الضمير المخلص.

وما دمنا ذكرنا مراراً وتكراراً كلمة "الصدق" هذه؛ فعلينا أن نفرق بين نوعين من الصدق، وأن نحدد مدلولهما فيما يمكن أن نستخدم الكلمة في سياقاتنا المعنية. فالنوع الأول: هو الصدق الاعتقادي؛ المفهوم فيه ديني لا عقلي. الصدق فيه صدقُ وجداني، قلبي، عقدي، إنساني: فيه كل معاني الصدق بالمفهوم الديني، ومرجعيته مرجعية دينية. ومستوى الإدراكات فيه قلبية وذوقية وليست هى بالعقلية وكفى.

أما النوع الثاني: فهو الصدق المعرفي؛ المفهوم فيه نظري، يجيء على مستوى المعرفة النظرية، ليس شرطاً فيه أن يكون كله صدقاً بل ربما يجيء الكذب من مهامه الأساسية في عملياته الإدراكية، فينقلبُ الكذب صواباً يقتضيه منطق العقل الصوري أو منهجيته الصورية، فمدى الصحة المنطقية هنا مُقدَّمة على الصحة الواقعية. المفهوم فيه عقلي لا ديني؛ وبالتالي فالمرجعية هنا عقلية نظرية وليست دينية، هنا يكون الصدق الاعتقادي شيئاً آخر غير الصدق المعرفي. ونحن نستخدم الصدق بمعناه الأول غاضين النظر عن النوع الثاني.

الصدق الاعتقادي هنا ليس هو الصدق المعرفي. الصدق المعرفي شيء، والصدق الاعتقادي شيء آخر.. لماذا ..؟ لأن الاعتقاد يلزم عنه العمل بالضرورة وليس الصدق المعرفي بلازم عنه العمل ضرورة؛ فمعيار هذا غير معيار ذاك. إذا نحن أدخلنا النظر فيما عَسَاه يمضي بالمعرفة إلى التحقيق؛ فلا العمل هاهنا ولا النظر طريق يؤدي إلى الصدق الاعتقادي مادامت طرق الصدق تحول بين المعتقدين في جوانب الحق.

ومن علامات الصدق الاعتقادي أن نقول:" من لم تكن طريقته (= معرفته) تصلح لإنقاذ نفسه من شرور نفسه، من براثن الوقوع في محظورات الرزيلة، فكرية كانت أم خُلقية, فقلَّ أن ينتفع بشيء مما يفعل أو يقول، فنفعه لنفسه كان الأحرى والأوْلى، فضلاً عن نفعه لغيره!". أو نقول:"المعرفة التي لا نفع فيها خيرٌ منها عدمها؛ لأنها في هذه الحالة لا تصبح معرفة بمقدار ما تصبح عبثاً للعقل وطريقاً لتضييع المعقول".

وعليه؛ فإنّ إنقاذ النفس إنما يكون بالمعرفة وبتطبيقها ينتفع المرء بها في حياته، أي المعرفة التي يتوافر فيها عنصر "الصدق الاعتقادي"، وليس "الصدق المعرفي" وكفى. الصدق المعرفي لا يكفي لإرشاد العقل إلى الحقيقة الدينية، أو لاتخاذ مواقف وجودية ترشد إلى المعرفة الرَّبَّانيَّة.

واقع الصدق الاعتقادي يتجسَّد في حياة الأنبياء والأولياء. وواقع الصدق المعرفي يتجسد في حياة الفلاسفة والعلماء وذوي البحوث النظرية المصروفة عن التطبيق العملي للأفكار المطروحة؛ فليس مطلوباً من الفيلسوف ولا من المفكر التنظيري أن يعتقد الصدق الاعتقادي وهو يبحث عن المعرفي؛ أي يروم من الناحية المعرفية الصحة المنطقية الصورية وكفى. وليس مطلوباً من رجل الدين أن يعتقد كما يعتقد الفيلسوف أو المفكر التنظيري الصحة المنطقية دون السلوكية أو العملية. هذان واقعان مختلفان ومقرران على مستوى المعرفة وعلى مستوى الإدراك العقلي المحدد بصورة كل إدراك على حدة.

تجدر الملاحظة أيضاً أن المدركين للصدق الاعتقادي غير المدركين للصدق المعرفي من ناحية أن البناء العقلي الذي يتوافر عليه أصحاب الإدراك الأخير لا يجعلهم يعطون أهمية قصوى للصدق الاعتقادي، وقد لا يطيقون الكلام فيه أو عنه؛ فيحاولون جادين سَدَّ باب الحديث عن درجاته أو عن أي شيء يمس شيئاً فيه. أما الخلفية الأخرى؛ أعني خلفية الصدق الاعتقادي، فهى خلفية ذوقية شعورية توَظف حسب مقتضيات الشعور الديني وتستند إلى مدركات القلب. ومدركات القلب، ذوق وشعور وحساسية وجدانية، وحماسة روحية، وليست هى بالعقل والبرهان والمنطق والصورية. ومن هنا فالصدق الاعتقادي قلبي، والوعي فيه وعي قلبي، فيه التصديق والتسليم أوفر وأقرب مما سواهما؛ فالمدركون من ثمَّ للصدق الاعتقادي غير المدركين للصدق المعرفي؛ فإذا كان الأولون قلبيين؛ فالآخرون عقليون برهانيون، يهمهم المعرفة الصورية؛ فالصدق المعرفي صورة، لا يعول عليها، وليس واقعاً حقيقيَّاً، ولا هو بالطريق الذي يمضي في هذا الواقع؛ ليعزز الإدراك الواثق بقِيَمِهِ في شيء.

*     *     *

أجمع العرفاء من الصوفية على أن "الطريق لسان صدق"؛ لا يتبادر قيد أنملة إلى أذهان أصحابه كذب أو بهتان، ولا ترتقي إليه المطاعن والأدران، ولا يتطرق إليه بُعْدُ عن الحق المنشود في تقرير ما عَسَاهم ينشدون، فعباراتهم دالة أكملُ ما تكون الدلالة في مستوياتها الإدراكية: الخفية المستترة أو الظاهرة البادية، حتى إذا ما كانت الدلالة بمفردها تعطي الصورة الوافية لمثل هذا الإدراك الباطني في العملية الإدراكية للمعاني المنبعثة عن العبارة؛ صارت بالضرورة بموجب هذا الإدراك توحي بما لا يدع محلاً للشك بأن "الطريق لسان صدق"؛ ومعنى أن يكون الطريقُ لسانَ صدق؛ أي أنه يعطي من ذاته التَّصور الأوفى صدقاً في جميع الأقوال والأحوال والأفعال بما ليس يتبادر الكذب مطلقاً على لسان أصحابه أو يخطر لهم على بال.

وإنه ليُخَيَّلُ إليَّ أن جميع الذين يدركون منه بالمعاناة مصداقيته على اختلاف مستويات إدراكاتهم قد لا يلتفتون أحياناً كثيرة إلى ما عَسَاهم يدركون من طريقة إدراكهم تلك؛ ولذلك لأنهم في غيبة حتى عن إدراك العبارة حين تجيء على مثل هذا المستوى الدلالي لتلك المعاني ومدركاتها الجُوَّاِنِيَّة الباطنة؛ أعني المستوى الدلالي من حيث كونه مفهوماً يُسْتَقَى من البنية العميقة - لا السطحية – للعبارة، يدركها مُتَلقيها حين يقولها العارف المخلص الخالص، أو حين يفهم القارئ منها هذا المستوى أو ذاك. لكأنما الوعي هو الذي يحركها فتتحرك من أعلى إلى أدنى، أو من باطن إلى ظاهر، أو من لا مرئي إلى مرئي، أو من خَفي مستتر إلى مجلوّ مشهود.

غير أنه وعي مخصوص بجهة مخصوصة؛ إذْ الوعي الصوفي هو في الأساس "غيبة"! غيبة تحدث في حال الفناء؛ أو تتحرك العبارة بمقتضى الوعي في جميع الجهات كأنها حركة دائرية يتوتر فيها الباطن بفاعلية الوعي في مستوى الدلالة المُوحِية، بطريقة يَنْفَرد بها الإدراك داخل الذات العارفة تعبيراً عن عرفان صاحبها بمستوى معين يتخذ أشكالاً عديدة من التنوِّع المعرفي يصعب معها الوصف في الغالب؛ وأحياناً كثيرة يستحيل التعبير.

وخيرُ مثال على ذلك شذرة قصيرة قالها النفَّريِّ:"... النَّظر ربَّما خَاطَبَ النَّاظر بما لا تَنْقَالُ به عبارة، ولا تحمله ترجمة". والمقصود بالنظر هنا ليس هو النظر العقلي ولكنه نظر المشاهدة الكشفية: الرؤية الشهودية الفاعلة في الوعي الصوفي على التحقيق. تأمل النّفَّريِّ حين يقول:"العِبَارةُ ستر فكيف مَا نُدِبَتْ إليه"؛ تجده يتحدَّث عن مستوى دلالي نعم؛ لكنه خَفيُّ غير ظاهر للعيان، مستور من العبارة في بطن الإشارة، حتى إذا ما كانت العبارة ستر فكيف بما هو مندوبة للتعبير عنه وهو غاية الغايات في التكتم والاستتار.

المستوى الدلالي؛ يتجاوز السطح البرَّانيِّ ليَغُور في العمق الجوَّانيِّ، ويأخذ من أدنى الخطاب ليعطي أعلى الإشارة؛ فهو - من أجل هذا - يُعَدُّ أرفع المستويات في العملية الإدراكية (الذوْقية) مع عزتها وندرتها؛ لا لشيء إلا لأنه أرفع المستويات الناهضة في جانب العمل التطبيقي الذي يخرّجها أي (الخبرة الروحيّة)، فيظهرها في مستوى جدير بالإدراك لمن شاء أن يدركه على صفته المنوطة به مشروطة على شرطه هو لا على شرطٍ سواه. وشرطه هو الذَّوْق المُدْرِك والاستبصار المشهود، ورعاية المثل الأعلى في مطالب الجمال الفني والذوق القويم.

إنما العبارة ذات المستوى الدلالي تُعْطينا تصوراً تنفرد به الخصائص البادية في كل حركة إدراكية داخل الذات العارفة إدراكاً ذوقياً قائماً في بطن صاحبه بمقتضى العرفان؛ ليجيء الإدراك لمقومات الطريق مَوصُوفَاً بالصدق لا لشيء آخر غيره. وليس يخفى أن الإدراك المقصود هنا لهو إدراك الذات العارفة المدركة حتماً من طريق ذائقتها وإنْ لم يكن يكفي محصولها اللغوي بالوفاء بما لديها، ولكن لا تنفصل الذات عن إدراكاتها بكل صورة من صور إدراكاتها الداخلية المغمورة في جوف صاحبها، والمبطونة في تلافيف وعيه الغائر السحيق العميق. ولكننا مع ذلك كله نتساءل: هل كانت كل الطرُق التي يُتَوَصَّل إليها بمثل هذا اللسان الصادق- لا بعينه! - موصوفة بالصدق بغير خلافه، حالاً وقولاً وفعلاً؟

والجواب بالطبع لا. ليست كل الطرق بطبيعة الحال فيها - على ما يبدو - مثل هذا الصدق، ولا هى فيها مثل هذا الإدراك؛ إذْ من الصدق ما هو برَّاني لا يعبر عن الحقيقة الباطنة الخفية ولا يعطي النظر الأوفى لسماحة المثل الأعلى فيما تطلبه آفاق الإنسانية، فضلاً عن أن يصيبها من أقصر الطرُق أو من أطولها، وهو مع ذلك يُسمى الصدق بالمعيار لا بالعمل والانفعال.

فمن الصدق الذي حدَّدناه ننطلق، فنعوِّل هنا بالقطع على الصدق الديني الاعتقادي؛ لنقول: مِن الطُرُق ما لا يمكن الوصول إليه مطلقاً بغير هذا النوع من الصدق. والصدق كما تقدَّم على وجوه: أهمها هنا الصدق في الأقوال والأفعال مشروطاً بفعالية الإخلاص. والصدق في الأقوال مَدْعَاةٌ إلى الصدق في الأفعال ومترجم عنها؛ فالقول الصادق مؤسس على الفعل الصادق.

والذين يَصْدقون في الأقوال يستطيعون أن يتكشفوا من ذواتهم هذا الإدراك العلوي فضلاً عن الوقوف عليه طريقاً للإدراك. إنّ إدراكه إدراكاً مباشراً لا ريب فيه هو من جنس "الذات العارفة" المبدعة عملاً في كافة الأحوال (كأنه السليقة المطبوعة يشع منها الإيمان كما يشع النور من الكوكب الساطع،  أو كما يشع العطر من الزهرة الزكية، مثلما وصف "العقاد" خُلق شاعر الهند الأكبر رابندرنات تاجور).

الصادقون صدقاً اعتقادياً هم أكثر الناس إدراكاً في العملية الفاعلة للإدراك الذوقي وهى التي يعزُّ علينا - نحن الناظرون - إدراكها إذا لم يكن الطريق لدينا كما كان لديهم بالفعل لسانَ صدق.

*     *     *

ومن الصدق الذي حددناه مرة أخرى ننطلق وعليه نعوِّل؛ لتجيء الكتابة هنا إحساساً صادقاً ليس إلا، أي نعم! تكاد تكون الكتابة في غير إحساس صادق نكاية على الكاتب، ونكاية على القارئ سواء بسواء. فأما الكاتب؛ فلأنه يخدع قارئه بما ليس فيه، ولا يرشده إلى حقيقة ما يدَّعيه، يتجرَّد إلى غاية ما يصل إليه من تجرد فلا يصدّقه قارئه، ولا يقدر أن يمضي معه إلى حيث يريد في ظلمات ليس فيها نور من عين القلب ولا بصيرة من بواطن الضمير، يتعالى عليه في غير سمو فيما يقول، ويعطيه أشياء غيره، ولا يعطيه أشياؤه هو، إذْ ليس عنده ما يعطيه:"وفاقد الشيء - قالوا - لا يُعطيه" !

وأما القارئ؛ فلأنه لا يمضي طويلاً مع كاتبه، ولا يصبر عليه، إنْ طال بقاؤه معه، حتى يدرك كذب الكاتب عليه، وانخداعه بما كان قاله له أو بما يريد أن يقوله. وفي هذه وحدها؛ أعني في غياب جهة الصدق، غياب للوعي بين المرسل والمستقبل، أو بين القائل والمتلقي، وإذا حلت الغيبة المفقودة لقناة روحيّة من الاتصال حلَّ الملل والسأم والضيق لافتقار المصداقية. وافتقار المصداقية لفقدان "الصدق" بداية.

ألا.. فكم هى قليلة لحظات الصدق في وعي الإنسان؟ أتدري ما هو وعي الإنسان؟ هو لحظة انفجار قوة باطنة مشمولة بالإحاطة الكاشفة، ليست هذه اللحظة هى العقل، وليست هى واقع حسيِّ يمكن أن تقرأه أو تتنبأ به أو تتكشف خباياه، لا بل هو شيء يفاجئك بغتة ويحيطك فجأة ويشملك من جميع أقطارك ويستولى عليك كليةً: هو عبقرية الوعي الإنساني الذي يطمح فيه المرء في هذه الحالة حتى لكأنه في طموحه يحتاج إلى عنف شديد كيما يستطيع أن يتعامل مع الواقع، فيخضع واقع النفس للتجربة، بمقدار ما يخضع إليها واقع ما هو بإزائه على مستوى ما يُفكر فيه. ومن هنا افترقت الدلالة فأصبح لكل مستوى دلالته.

هذا الوعي من المؤكد أنه شديد دَفَّاق، عالي وليس بالعادي، لدرجة لا يمكن احتمالها، ربما لا يمر على الإنسان في حياته كلها - مع التجربة - مثلما تمر عليه تلك اللحظات، حتى لكأنه لا يمكن أن يكون المرء خلاله قانعاً بما في خطورة وعيه من مدارك هذه اللحظات. قد يكون طموحاً، ربما، لكنه مع كل طموح من هذا النوع، يعطي الحقيقة الباطنة في مجموع ما يدرك وفي مجموع ما يرى. غير أنه في الواقع لا يجد سوى رؤية، هى في الغالب ينظر إليها نظرة ضيقة شديدة الضيق؛ لتتأكد لديه الرؤية؛ وليعطي في تقديره حكمة هو يريدها في أشق اللحظات ولا يريد سواها، هو يحتاج إلى شيء تستند إليه تلك القوة التي تلازمه ساعة أن ينفذ ببصيرته في جميع ما يدرك، إنّ وعيه في هذه الحالة من الأكيد يتلاحق على الفور ليعطي الصورة الدائمة كشفاً للإدراك القادر على التحقيق.

لا جَرَمَ أن الطريقة التي ينجم فيها الوعي بهذه الدرجة لهى الطريقة المُتَفَرّدة يظهر فيها الفكر المتميز والتفرد النادر، مع الشعور، مع الإحساس، مع التأمل مع جميع ملكات الإنسان الظاهرة والباطنة؛ لتصف الإنسان كله من بعدُ بأوصاف لا يقتدر هو نفسه على تصديقها أو تصويرها للغير في صورة كلامية مفهومة أو مقروءة: هو هو الكيان الآدمي كله، الكينونة الباطنة التي يصفو فيها الواقع صفاءً بلا حدود، ويعطي فيها الواقع (أعني واقع التجربة الإنسانية) عطاءه للتفكير الذي ينشده بعض الخُلَّص مِمَّن يَعُونَ مثل هذا الوعي؛ هنا مستوى ما لا يمكن وصفه، مستوي العمى اللُّغوي: فقدان اللغة تماماً، إذْ الوعي في هذه الحالة عالي وليس بالعادي. واللغة تستمد مددها من الوعي العادي، أعني وعي العقل الشارح للوعي العالي بعد التجربة لا فيها ولا معها. إنّ الحالة التي تكون بمثابة هذا الإدراك مصاحبة؛ لهى عينها العبقرية السامية: الحالة التي تعطي حظها من المدارك العليا النافعة للإنسان ولبني الإنسان، ولا تقاس بمقدار ما لا تعطي له مدارك أخرى أدنى ما شاء لها أن تعطي مما لا نفع فيه، و لا ذكر، ولا وعي، ولا إحسان ولا تجربة حقيقة بالممارسة والشهود.

فإنـَّا لنجد "أصل الكتابة" على هذا الذي تقدَّم، في الإحساس الصادق "وعياً" ولا يزيد، لا في الإدعاء الكاذب الذي لا يفيد. أكتب ولا عليك فيما تكتب، أكتب لا عن فكر وكفى، ولكن عن فكر ممزوج بإحساس؛ عن تجربة ومعاناة، وبمقدار ما يفتح الله به عليك تكتب، هنالك يكون الإحساس معيّة، وما دون ذلك هو في الواقع مجرد خيالات تَوَهميِّة لا يمكن أن تقترب من الحقيقة في شيء.

هذا هو بالضبط، أعني هذا الذي هو دون ذلك، ما تؤكده وقائع الكاتبين ويصدق عليهم في كثير من الأحيان صدقاً ليس يمكن أن ينصرف إلى ما سواه. ثم هنالك من يَدَّعُون ويستطيلون إلى أقصى حدود الاستطالة والإدعاء؛ لكأنهم يمتلكون "قلم القدرة"، يكتبون به في غير تواضع وفي غير تفهيم؛ فإلى هؤلاء الذين يكتبون بقلم القدرة، عليهم أن يخففوا الوطء شيئاً فشيئاً؛ فهناك في بعض خلق الله عقول لا تعرف سوى طاقتها، عليهم أن يدركوا أن ليس كل أحد بمقدوره أن يعرف مثل هذا الطريق الذي يكون فيه المرء قادراً على أن يفهم ما عَسَاه يصدر عن "قلم القدرة"! عليهم أن يخففوا من غلواء دعواهم شيئاً فشيئاً.

إنّ قلم "القدرة" كقلم العجز؛ كلاهما سواء فيما لو انطمست البصائر، وعميت المدارك، وفقدت التجربة، وضاقت العقول عن الفهم وغابت عن تفهيم الناظرين.

الواقع يشهد بالصلة القريبة بين الاعتقادات المختلفة على حسب تقديرات المقبول منها أو على حسب ترجيحات المرفوض فيها؛ فكُلُّ يعتقد الرأي ويعتقد نقيضه إنْ لم يكن في نفس الوقت؛ ففي وقت قريب أو بعيد نسبياً، وكثيراً ما تقترب الخلافات البعيدة لتتوحد مع سلامة النية وسلامة المقصد، وإذا توحَّدت المصادر تلاشت الخلافات؛ فما يبدو ظاهراً على الأسطح البرانيّة من خلاف بين بعض الكاتبين هو خلاف اعتباري يزول بزوال العوارض المرجعية. وبمقدار ما يتصل الوعي بالتأكيد على الصفة المثلى المنشودة والتي تناط بتقديرات هذا الواقع يمكن أن يكون المعنى المراد ذا صلة بمفهومه وبمفرداته. قد تكون هذه حقيقة لا يختلف عليها اثنان ممن يدركون واقع الكتابة وتجارب الكاتبين. الكتابة إحساس صادق من الكاتب إزاء ما يشعر به من تبعات، والتبعة شعور أخلاقي؛ لأنها شعور إنساني. والشعور الإنساني هو الذي يطلعك على أفضل الفضائل العظيمة تثبت أمام النظر؛ لأنها تثبت أمام العقول المفكرة على آماد الزمان. (وللحديث بقيّة).

 

بقلم : د. مجدي إبراهيم

 

 

محمود محمد علينعود ونكمل حديثنا في هذا المقال الثالث عن خصوصية الصلة بين المنطق والنحو عند نحاة القرن الرابع الهجري، وفي هذا يمكن القول: التزم ابن السراج منهج التعليل اللغوي في اختياراته لكثير من الآراء النحوية، إذ لم يسلم بالاختيار المنقول من غيره جزافا، بل كان يدعم هذا الاختيار بسبب مستنبط من أحكام قانون اللغة ومقاييسها، وهي في جوهرها أحكام تفسر الواقع اللغوي المسموع، كى لا يجعل من هذا الاختيار مناقضا لنظام اللغة ومقاييسها، وكأنه يعلل الظاهرة اللغوية مستندا في ذلك إلى نظام العلاقات التركيبية بين الصيغ، والمفردات،وعناصر الجملة الواحدة، مما ينبئ بالتأثر بالمنطق  في البحث اللغوي، وقد تنوعت العلة عنده بين القياس،والسماع، والحمل على النظير، وأمن اللبس، والشبه، والاستثقال، ولبس المعنى، والحمل على المعنى،وغيرها، وفيما يلي بعض الآراء التي عللها ابن السراج في كتابه الأصول علي سبيل المثال لا الحصر:

أ - علل ابن السراج عدم إجازته ترخيم رجل اسمه (عرقوة)على: يا (عرقو)، قياسا على ترخيم (حارث)، عندما تقول: يا حار،إذ قال: " فإن كان قبل الطرف حرف يعتل في أواخر الأسماء، وينقلب إلى ياء، نحو: رجل سميته (عرقوة) إن رخمت فيمن قال: يا حار، قلت: يا عرقي أقبل، ولم يجز أن تقول: يا عرقو ؛ لأن الاسم لا يكون آخره واوا قبلها حرف متحرك ... ومن قال: يا حار، فإنما يجعل الراء حرف الإعراب، ويقدره تقدير ما لا فاء فيه فيجب، عليه أن لا يفعل ذاك إلا بما مثله في الأسماء".

فتقلب الواو ياء،والضمة قبلها إلى كسرة ؛ لأنه ليس في الكلام اسم في آخره (واو) قبلها ضمة.

ب - علل ابن السراج عدم إجازته الإضمار والإلغاء في الأفعال المؤثرة ـ وهي الأفعال التي تتعدى إلى ثلاثة مفعولات ـ فذكر أن من قال: ظننته زيد قائم  فجعل الهاء كناية عن الخبر والأمر، وهو الذي يسميه الكوفيون المجهول، لم يجز له أن يقول في: أعلمت زيدا عمرا خير الناس، أعلمته "زيد عمرو خير الناس "؛ لأنه يبقى زيد بلا خبر، وإنما يجوز ذلك في الفعل الداخل على المبتدأ والخبر، كما لا يجوز الإلغاء ؛ لأنك تحتاج إلى أن تذكر بعد الهاء خبرا تاما يكون هو بجملته تلك الهاء، والأفعال المؤثرة لا يجوز أن يضمر فيها المجهول، وإنما تذكر المجهول مع الأشياء التي تدخل على المبتدأ والخبر، نحو: كان وظننت، وأن، وما أشبه ذلك .

فهو لا يجيز قياس الأفعال التي تتعدى إلى ثلاثة مفاعيل على الأشياء التي تدخل على المبتدأ والخبر كـ(كان)، و(ظن)، و(أن) وما أشبهها ؛ لأن ما يدخل على المبتدأ والخبر يجوز فيه الإلغاء والإضمار، وما تعدى لثلاثة مفاعيل لا يجوز فيه الإضمار والإلغاء .

جـ - لا يجيز ابن السراج تقديم الحال على العامل سواء أكان العامل فعلا لا يصل إلا بحرف، أو إذا كان العامل غير فعل، ولكن شيئا في معناه، وعلل عدم إجازته بقوله: " تقول: مررت بزيد راكبا ؛ فإن كان الفعل لا يصل إلا بحرف جر، لم يجز أن تقدم الحال على المجرور، إذا كانت له، فتقول: مررت راكبا بزيد، إذا كان (راكبا) حالا لك، وإن كان لزيد لم يجز؛ لأن العامل في زيد الباء، فلما كان الفعل لا يصل إلى (زيد) إلا بحرف جر، لم يجز أن يعمل في حاله قبل ذكر الحرف" (45)، وإن كان العامل غير فعل، ولكن شيء في معناه لم تقدم الحال على العامل ؛ لأن هذا لا يعمل مثله في المفعول، وذلك قولك: زيد في الدار قائما، لا تقول: زيد قائما في الدار، ولا يجوز: جالسا مررت بزيد، لأن العامل الباء، ومحال أن يكون (جالس) حالا من التاء ؛ لأن المرور يناقض الجلوس.

فقد جعل ابن السراج عدم إجازة تقديم الحال على العامل إذا كان فعلا   لايصل إلا بحرف قياسا على عدم إجازة تقديم الحال على عامله المعنوي، وهو ما تضمن معنى الفعل دون حروفه كأسماء الإشارة، وحروف التمني، والتشبيه،والظرف،والجار والمجرور.

ومن جهة أخرى يعتمد ابن السراج قياس (المعادلة) علة من علل النحو المنطقية في الرد على النحاة، كالمعادلة بين الصفة وموصوفها، فلا تأتي الصفة أخص من موصوفها  وقد رد على من وصف الخاص بالعام ؛ لأن ذلك يخرج الموصوف إلى العموم، وإنما يجيز ذلك إذا اكتفى القول بذكر الصفة من دون موصوفها، وبذلك عد ابن السراج الصفة وموصوفها كالشيء الواحد .

ومن خلال هذه الأمثلة يتبين لنا أن ابن السراج اعتمد مبدأ التعليل في عرض المسائل الخلافية بينه وبين الآخرين، وهي سمة ظهرت في أغلب الآثار العلمية التي طالعتنا في القرن الرابع الهجري بتأثير المعارف،والعلوم الفلسفية الأخرى،وتداخل مناهجها مع منهج البحث النحوي، وقد تعددت عنده هذه العلة المعروفة بالعلل الأوائل، وهو أول من قال بالعلة الثانية .

وإذا ما انتقلنا إلي تلاميذ ابن السراج الذين سعوا إلي مزج النحو بالمنطق،فندكر منهم علي سبيل المثال لا الحصر:

1- أبو القاسم عبد الرحمن بن إسحاق الزجاجي، فقد ذكر الزجاج أنه أخذ عن ابن السراج .

2- أبو سعيد السيرافي، فقد قرأ علي أبي بكر بن السراج وأبي بكر بن مبرمان النحو (50). وفي شرح كتاب سيبويه، نجد الكثير من آراء ابن السراج النحوية والصرفية الممزوجة بالمنطق.

3- أبو علي الفارسي.. الحسن بن أحمد بن عبد الغفار بن أبان الفارسي الفسوي الإمام العلامة، فقد قرأ النحو علي أبي اسحاق وعلى أبي بكر بن السراج (52)، وكذلك اطلع علي المسائل المشروحة من كتاب سيبويه للمبرد، وقرأها علي ابن السراج كما روي كتاب التصريف عن ابن السراج عن المبرد .

4- الرماني: أبو الحسن علي ابن عيسي الرماني. أخذ النحو عن أبي بكر بن السراج وابن دريد والزجاج، وهم الشيوخ الذين حملوا علم البصرة في بغداد، وقد شرح الرماني كتاب الموجز لابن السراج .

وقد تميز كل منهم بطابع في عملية مزج النحو بالمنطق، وسبيلنا الآن هو عرض أفكارهم في ذلك المزج، وذلك على النحو التالي:

ثانيًا: أبو القاسم الزجاجي:

لقد كانت ثقافة الزجاجي ثقافة عالم عاش في أواخر القرن الثالث الهجري، وأدرك أربعين سنة من القرن الرابع، هذا القرن الذي حفل بنتاج خصب للعقلية الإسلامية في أوج نضجها ورقيها، فعاصر الأخفش علي بن سليمان، وابن السراج، وابن الأنباري، والسيرافي،وغيرهم، وكان واحدا منهم، بل من أكثرهم نشاطا في العلم والتأليف .

وتظهر لنا سعة ثقافته في مؤلفاته الكثيرة، وما تتصف به من عمق وتنوع، وكأنه جمع في نفسه ما تفرق عند شيوخه من فنون العلم ؛ فقد كان منهم اتسع أفقه في النحو،كالأخفش علي بن سليمان وابن الخياط، وابن كيسان ؛ فكان الزجاجي مثلهم في سعة العلم     بالنحو،وما يتصل به من اختلاف المذاهب وتشعب الآراء .

ولم تكن ثقافة " الزجاجي " عربية فحسب، إذ كان عارفا لبعض اللغات الأخرى، وقد ذكر ذلك دون أن يصرح بهذه اللغات أو يعينها، فقال في معرض حديثه عن أقسام الكلام،وكونها لا تخرج عن اسم، وفعل، وحرف:" وقد اعتبرنا ذلك في عدة لغات عرفناها سوى العربية فوجدناه كذلك ".

وقد وصفه البعض بأن الزجاجي  كان ذا أسلوب رصين، ومنطق محكم متين، نفس طويل، بلغ ميادين الجدل ؛ بل يفتح علي نفسه أبوابه، ويختلق لخصومه الحجج، ويتعلل لهم ليعود علي الحجج بالنقض، وعلى العلل بالإبطال، صنيع علماء المنطق في إيراد أدلة خصومهم لهدم وبناء آرائهم علي أنقاضها، وله منهج  يختلف عن منهج " ابن السراج "، في تناول مسائل المنطق ؛ فابن السراج يمزجها مزجًا بالنحو فهو إذا يقايس،أو يعلل، أو يبرهن،أو يذكر القضايا يجعل ذلك وغيره من مسائل المنطق في ثنايا نحوه وتضاعيفه، يورده،ويتحدث عنه، حتي يصير المنطق مع نحوه، وحدة لا تتجزأ وكيانا متضامنا لا ينفصل .

يقول الزجاجي في كتابه "الإيضاح في علل النحو"، بعد أن يسوق جملة من تعريفات الفلسفة: "وإنما ذكرنا هذه الألفاظ في تحديد الفلسفة هاهنا، وليس من أوضاع النحو؛ لأن هذه المسألة يجيب عنها من يتعاطى المنطق، وينظر فيه، فلم نجد بدًا من مخاطبتهم من حيث يعقلون، وتفهيمهم من حيث يفهمون". ولعل هذه العبارة كافية للدلالة على منهج الزجاجي،من حيث الأخذ بمقولات المناطقة،حين يكون الأمر أمر اضطرار.

وقد ذكر الزجاجي نفسه مرارًا  أنه نحوي، ولا يرغب في الحديث عن اللغة بالتصانيف نفسها كما يفعل علماء المنطق، فمثلا عند مناقشة تعريف الاسم، يقول إن هناك تعريفاً واحداً حيث إن الاسم – علي وفق ذلك التعريف:" صوت موضوع دال باتفاق علي معني غير مقرون بزمان " .

ومن الواضح أن الزجاجي قد استوعب قضية الحد المنطقي استيعابا طيبا تكشف عنه تلك الصفحات التي عقدها حول اختلاف النحويين في تحديد الاسم والفعل والحرف، فهو يروي على لسان المناطقة أن الحد هو قول وجيز "يدل على طبيعة الشيء الموضوع  له" . وهذا الحد هو نفسه تعريف أرسطو للحد، وهو نفسه أيضاً التعريف الذي فضله الفارابي في مقدمته لإيساغوجي . وهذا بالطبع نوع من تعريف أرسطو للاسم . ويقدم الزجاجي هذا التعريف بقوله:" لأن المنطقيين وبعض النحويين قد حدوه حداً خارجاً عن أوضاع النحو ". كما يضيف قائلاً " وهو علي أوضاع المنطقيين ومذهبهم لأن غرضهم غير غرضنا، ومغزاهم غير مغزانا" .

وهو نفسه يحبذ تعريف آخر للاسم " الاسم في كلام العرب ما كان فاعلا أو مفعولا أو واقعا في حيز الفاعل والمفعول به" . ومن الجدير ذكره هنا أن ثمة دليلاً ما أن هذا التعريف الأخير ينم كذلك عن بعض ملامح التأثير الإغريقي، حيث تعرف الأجسام أو المواد في الفلسفة الرواقية كونها أشياء إما أن تفعل أو يفعل بها، وربما كان ذلك أصل استخدام الزجاجي لمعياري الفاعلية، أو المفعولية في تعريف الاسم .... وللحديث بقية !

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

اكرم جلالمَليئةٌ هيَ كُتُبُ التأريخ والسِيَر بِذِكْرِ المُلوك والحُكّام ، وَقَليلة هيَ صَفَحات العِزّ حينما تَستذكر قادَةً رَفعوا لِواءَ الإصلاح وبناء الفِكر فَأناروا ظُلُمات مِنَ الجّهل بِأَنوار الوّعي لِبَعَثوا الأمَل في نُفُوس المُستَضعَفين فَأعتَقَوهُم مِن عُبودية الطّاغوت، وَسارُوا بِهِم نَحوُ فَجرِ الخَلاص. وعلى الرغم من كلّ الكُتب التي كُتِبَت وأطنان الحِبرِ التي سُفِحَت مازال السؤال يُحلّق فَوقَ رؤسنا، يَسأل عَن جَوابٍ في ثَنايا جَدليّة مَفادها هَلْ خُدِعْنا بالأحشف فَغَيّبوا الوَعيَ وَسَقَطَتِ الرّايَة؟ أمْ نَحنُ مّنْ سَعى خَلفَها عَن عِلْمٍ وَدِرايَة؟

لَقَد بَدأت المُكْفَهرّاتُ مِنَ الأيامِ تَتَوالی والحَوالِك مِنَ الخُطوبِ تَتَنادى والفِتَنُ تَتَلوّن فَكَثُرَ المُتَساقِطون جَهلاً وخَوفاً وَجَزَعاً وَطَمَعاً. لَقَد أقبَلَتِ الدُنيا بِخَيْلها وَعَبيدِها لِتَغْزُو القُلُوب وتُغْري النُفُوس وَلَم يَنْجُوَ مِنْ حَبائِلِها الاّ الثابِتُون، وما أقلهم.

أصبَحَ المُنزَلقون في وَحلِ عِبادَة الهَوى يُؤَلّهون الظّالِم ويُقْصُون العادِل وَيَنْحَنون للجّاهل، يَتَعَصَّبُون للعَشيرَة في الحَقّ والبّاطِل، حَتّى غَمَرَنا النِّفاق وضرَبَنا الشِّقاق، وَتَسابَقَ على خَيراتِنا السُرّاق. جاؤوا إلينا سِراع َوتَرَبّعوا على صُدُورنا كَما يَتَربَّع الأكَلَة عَلى القِصاع. تَشَبّثوا عَليمُوا اللّسان بِخُطَبٍ رَعناء وَشعاراتٍ جَوفاء، أصَمّوا أسْماعَنا بأحاديثٍ عَنْ زُهد عليّ عليه السلام وَعَليٌّ مِنهُم براء.

إبتَعَدوا عَنِ المَنطِقِ والحُجّة، فاستَخَفّوا واستَهانوا، جعلوا مِنّا سُخريّة مُسًليّة، أطعَمونا الأقاويل وَسَقونا الأباطيل، حَتى طالَ لَـيـل الغُمّة وانقَلَبَت الصُّورة، فَأصبَحَ تَغييبَ الحَقائق فَضيلة، وَتَشويه الجّمال فَنٌّ وَمَهارَة، وكتمان الحقَّ وأكل السحت شَطارة.

أصبَحَت الوَطنيّة عندهم (أي السُرّاق) قَميص عارٍ يُمَزّقونه لَيلاً وَيَرتَدونَهُ في النّهار، يَرفَعونَه عِنْدَ الحاجَة رايَةً وَشِعار، يَتَسابَقون كالقِطعان نَحو وَحل الذلّ والعَمالة، ويَمُدّون رِقابَهم كالخِراف دُونَ اعتراض أو صياح عَلّهُم يستميلوا عَطْفاً من يدي الذبّاح.

لَقَد أبدَعُوا في تَطبيق مَنهِجَ الصّراع وَتَفَنّنُوا في إستخدام أَدَواة الزّيف والخِداع، سياسة المُسْتَبدين وَمَنهَج ما أريكم الا ما أرى، عُنْفٌ فِكريٌّ قّمْعي مُغَلّفٌ بلباس الحُريّة والديمقراطيّة، إمتَهَنَه دُعاة الشرّ وَمُرَوجوا الفِتَن والأباطيل، فاتَّبَعَهُم أهلُ الجّهل والضّلال، وسارُوا على نَهجِهم مُصَفّقين مُطيعين خانِعين أذلّاء فَقَدوا ذَواتَهم وَتَحّولوا الى إمعات بإرادَتِهِم واختيارِهم، وأمّا النّاجون مِن هذا الإبتِلاء فَلا يَعدو نَصيبَ الأيتام في مأدَبة اللّئام. حَتّى وَصَلنا حَدّ مَحْوَ الذّات والإنقياد الأعمى، إمعية بما للكلمة من معنى.

هي هي مأساتنا يا أخوتي في أننا قد أتخمتنا التَبعيّة، ولَفّنا الخُنُوع والخُضُوع، وَتَسلّحنا بالصّمْتِ والدُموع، حتّى تَسَلّق على ظُهُورِنا النّكرات، لِنَشْهَدَ بَينَ الفَيْنة والأُخرى ظهور أفكارٍ ونظريات من رَحِمِ أحزاب وتَيّارات (وأقصد المنحرفة منها)، تَغيبُ عَنها الأفعال ويستعرضوا قواهم بالمقال، لِيَسقط في مَكائِدِها أهلُ الشّهوات والنّزَوات. أفكاراً تَغْرُزُ أنْيابها لِتَشُلّ العُقُول بِشِعاراتٍ ظاهِرُها مُقَدّس وباطِنُه سُمٌّ زُعاف وَلِتَسير بالأمّة نَحو المَزيد من التَشَظّي والإنقسام والأبتعاد عَن جَوْهَر الدّين، وَهذا لَعُمْري أعْظَم أنواع الفِتَن وأشَدُّها فَتْكاً بِجَسَدِ الأمة.

فالجَّهْل والغَفلَة والطَّمع أسبابٌ لصناعَة نِظامٍ فَلسَفيّ مُعوَج يَستَعينُ بهِ أصحاب المَنافِع مِن أجلِ اقتِناصِ الفُرَص وِتقسيم الحُصَص، لِتَثبيت أسسٍ مَغلُوطة تُغَلّف بغلافٍ شَرعي دَخيل لَيَسهُلَ تمريرها فَتَتحوّل بمرور الزمن الى حَقائِق ومُسَلّمات، بل الأدهی أنّ البَعضَ مِنها قد يَتَحوّل الى نَظَريّات لها جُمهورها ومأيِّدُوها٬ فَتَنشأ كيانات وتَبرز رُموز، مُسْتَنِدةً ومتكأةً على مَسنَدي الجَهل والغَفلَة.

إنّ التّحَجّر الفِكري والشُذوذ والتّطَرّف في تَبَنّي المَناهِج الحّركيّة إنّما هيَ مُقدّمات لِعُمليّة التّصفير المُمَنْهج للعقل الفَرديّ وإبقاءه خالٍ مِن الوَعي والحِكمَة وَحَصره في دائرة الجّهل الطّوعي، أو التّجهيل المُبَرمَج، ما يَستَلزِمُ تَحفيزَ الوَعيَ والفِكرَ المُستَنير الرّافض لِكُلّ المّفاهيم الدّخيلة والأفكار المُنحرفة التي جاء بها المستبد وبِشِعاراتٍ وَمُسميّات مُختلفة من أجلِ مُواصلَة التّسلُط والتَّجَبّر.

إنّ التّكامل الإنساني عندما يَتَجذّر في الوَعي الفَردي، والّذي هو جُزء من مَنظومات مُتداخِلَة تَعمَل مِن أجل بِناءِ وَعيٍ مُجتَمَعيّ، إنّما هُوَ الرّكيزة الأساسية الكَفيلة بِبَلورَة إتّجاهات تُؤسّس لِمَناخ نَهْضَويّ يَسيرُ بالأمّة نَحو التّكامل والرّقيّ، لذا فإنّ وَعيَ الأمّة مَنوطٌ بوَعي أفرادها، وأنّ الأزَمات التي تَعصِفُ بنا في وقتنا المُعاصر تَتَمَحوَر في غياب عناصر ومقومات بناء الإنسان الرسالي، الإنسان النموذج الذي اراده الله.

مِن هنا وُلِدَ الصّراع بَين عَناصر وَمُقوّمات بِناءِ الإنسان الواعي وبين ما يُصَدّر إلينا من قَوالب جاهزة نَتلقّفها من أجل صناعة إنسان خانع ذليل؛ إنّه صراعٌ بين الإنسان النَموذج والإنسان العاجز فكرياً، المُقَيّد وَالمُقَيِّد لنهضة الأمة والمُثبّط لِمَسيرتها نحو التكامل والرُقي والتّقدم. إنّ هذه القَوالِبَ المُستَورَدة قَد تَسبّبَت بإحداثِ شَرخٍ عَميق في المنظومة القِيَميّة والأخلاقية للأفراد والتي كانت كفيلة بالغاء الحسّ الوَطني وَطمسِ الهويّة الرّسالية وَمحو قُدسية الوَلاء والتّضحية. قَوالِبَ ألغَت الوَعيَ المُجتَمَعي وَعَمّقَت الإنقسام بَين طَبَقات المُجتمع الواحد والذي تَحَوّل الى تَكتّلات وأحزاب تحتكر القَرار السياسي وَتُسيطر على مُقَدّرات الأمة، وأما عامة الناس، فبين لاهث ومُطبّل وبين مُستَضعَف صامت يعاني الفقر والتهميش والإهمال.

سَرِقَةٌ في وَضح النّهار لأقْدَس ما أعطى الله جَلّ وَعلا وَهُو الفِكر والوَعي والإدراك، إنّها عَمَليّة مَحو وَمَسْخٍ للهَويّة الوَطَنيّة والإنتماء الفِكري والعَقائدي من خِلال التّغييب المُتَعَمّد للشرائع والأعراف بِشَكلٍ يُنذر بِخَطَر يُهدّد حاضِرَ وَمُستَقبل الأمة.

لا خلاص لنا مما نحن فيه إلا بنّهضة مجتمعية مرتبطة بمنهج التغيير الفكري الإيجابي لجميع الأفراد، منهج أساسه الحركة بوعي وبصيرة وليس الركود والإنكفاء، حركة ترفض الإستبداد بكل أشكاله ومسمياته، وتلك هي مسؤوليَّة كبرى ومسيرة طويلة لا تكتمل دون العودة الى الله والتزام الطاعة المطلقة من أجل البناء ومواصلة الطريق.

 

د. أكرم جلال

26 ذي الحجة 1440

 

منى زيتونيعتبر نمط التعليم منفصل الجنس هو الأكثر انتشارًا في الدول العربية في المرحلتين الإعدادية والثانوية، وعادة لا توجد مدارس حكومية مختلطة في المدن في هاتين المرحلتين –عدا المدارس التجريبية في مصر، وبعض مدارس دول المغرب العربي–، حيث يقتصر تواجدها على المناطق النائية أو ذات الكثافة المنخفضة التي يصعب فيها على الدول تحمل تكاليف إنشاء مدرستين.

النتائج التربوية والنفسية المترتبة على الانفصال في التعليم

يرى بعض الباحثين عدم وجود مشاكل في التعليم المنفصل، بينما يرى بعضهم الآخر في هذا النمط التعليمي افتقاده للمنافسة، وأن التعليم المنفصل لا يؤهل للتجربة الجامعية ولا للحياة في المجتمع، ويؤدي إلى عدم المبالاة بالقيم الخلقية، وتبادل ألفاظ خارجة، وانشغال الطلبة والطالبات بالجنس الآخر نتيجة للحواجز الاجتماعية، والخجل من الجنس الآخر، والكبت وعدم قدرة الطلبة على التصريح بمشاكلهم.

ويمكن تلخيص الأسباب التي يستند إليها أصحاب الرأي المؤيد لتطبيق نظام الانفصال في التعليم في البلاد العربية، خاصة مع بدء مرحلة المراهقة -وذلك في ضوء الدراسات التي تمت في هذا المجال-  في الآتي:

1- اختلاف طبيعة وتكوين البنات عن البنين، وهذا يتطلب تعليمًا متنوعًا يتناسب مع طبيعة كل منهم.

2- البعد عن المشاكل.

3- تكون البنات أكثر ارتياحًا في النظام غير المختلط.

4- الانفصال أفضل من الناحية النفسية، حيث أن بعض الطلبة والطالبات بحكم تكوينهم النفسي لا يمكنهم الاندماج في المدارس ذات النظام المختلط.

5- الانفصال أفضل للحفاظ على الفتاة.

6- شرود الذهن وأحلام اليقظة لدى بعض التلاميذ والتلميذات مع بداية مرحلة المراهقة.

7- التكلف في المظهر لدى كل من الجنسين في المدارس المختلطة، ما يرهق الأسرة ماديًا، ويؤدي إلى ظهور بعض المشكلات المعيشية.

8- اختلاط الجنسين في مرحلة المراهقة يزيد من حدة المشكلات الجنسية لدى كل من البنين والبنات، والتي تؤرق حياتهم ويتمنون حلها والتخلص منها، ما يؤثر على العملية التعليمية بالسلب، فلا تؤتي ثمارها المرجوة، ومن ثم ينخفض المستوى العام لتلك العملية.

9- تطبيق التعليم المختلط لا يعتمد على أسس سيكولوجية وتربوية معينة، وإنما يرجع إلى أسباب اقتصادية بحتة لعدم توفر الموارد المالية والبشرية اللازمة لإقامة مدارس خاصة بكل جنس على حدة، وأنه إذا ما توفرت هذه الإمكانيات لم تعد هناك ضرورة لتطبيق هذا النظام التعليمي.

10- العادات والتقاليد التي تسود المشرق العربي باعتبارها مجتمعًا شرقيًا تحول دون الأخذ بنظام الاختلاط بين البنين والبنات، وخاصة في مرحلة المراهقة، والتي تعد مرحلة عمرية حرجة من حياتهم.

11- ويستند المؤيدون للتعليم المنفصل كذلك إلى ما لجأت إليه بعض الدول المتقدمة –مثل فرنسا– من استبدال نظام التعليم المختلط بنظام الفصل بين الجنسين في المرحلة الثانوية، وسمحت به فقط في كل من المرحلتين الابتدائية والجامعية.

أما عن وجهة النظر المؤيدة للانفصال في التعليم في الغرب، فهي أكثر رصانة وأكثر علمية، وترتكز على بعض الخصائص التي يراها المؤيدون له من الباحثين الأجانب، مثل التنظيم والجوانب التربوية والنمو المعرفي المتباين بين البنين والبنات واختلاف الاهتمامات والاستعدادات بينهم، وهو ما يمكن تفصيله في الآتي:

خصائص التعليم منفصل الجنس  -Single-education Properties

1- نماذج الدور Role- Models

يذكر جرَيندر (Grinder,1978) أن تعلم الدور الاجتماعي المرتبط بالجنس هو الاكتساب لأداءات الدور والاتجاهات التي تتطابق مع التوقعات الثقافية لكل من الذكورة والأنوثة، ويضيف ميشيل Mischel  إن معظم تعلم دور الجنس بالإضافة إلى كل الأنواع الأخرى من التعلم يحدث من ملاحظة النماذج.

ووفقًا لريوردان (Riordan,1990,pp.49-50) فإن الميزة الأولى التي يدفع بها أنصار التعليم منفصل الجنس هو أنه يمد البنين والبنات بدور أكثر نجاحًا لجنسهم، فالمعلمون والمعالجون وزملاء الدراسة من الجنس نفسه يصنعون نموذجًا للسلوك الملائم لكل التلاميذ –ذكورًا كانوا أو إناثًا– منذ الأعوام الدراسية الأولى، والمدارس منفصلة الجنس ربما بشكل خاص تكون مميزة للفتيات منذ أن أصبحت الفتيات أكثر تفوقًا في كل المواد، وبذلك أصبح باستطاعتهن الخدمة كنماذج دور ناجحة لزميلاتهن، بالإضافة لذلك فالمعلمون في مدارس الفتيات يكن غالبًا نساء.

على نطاق أقل لحد ما نجد أن السبب نفسه يطبق على مدارس البنين، حيث يكون متاحًا نماذج دور أكاديمي أكثر نجاحًا للجنس نفسه، وأنه لشيء جدير بالملاحظة بالرغم من ذلك أن نسبة المعلمين الذكور في كل مدارس البنين ربما تكون أقل دلالة من نسبة المعلمات الإناث في كل مدارس البنات!

على سبيل المثال، نجد فين Finn,1980)) يقرر أنه في أمريكا يكون 63% من المعلمين في مدارس البنين رجالًا مقارنة بـ 93% من المعلمات في مدارس البنات، بينما في إنجلترا تتكون هيئة التدريس في مدارس البنين من 77% ذكور وفي مدارس البنات من 87% إناث، وفي المدارس الأمريكية المختلطة الثانوية تكون نسبة حوالي 50% من هيئة التدريس ذكور بينما في المدارس الإعدادية العامة تكون نسبة أكثر من 85% من المدرسين إناث.

وتذكر إيلين بيرن (Eileen Byrne,1990,p.10) أنه تمت الإشارة عن طريق الباحثين الأكاديميين والمديرين ورؤساء المؤسسات التربوية إلى أن المشكلة الحقيقية التي تؤدي لنقص تسجيل الإناث في بعض المناطق هو النقص في نماذج الدور الأنثوي، حتى أن هذا يدفع البعض للقول إنه إذا كان لدينا هيئة تدريس من النساء أكثر فسوف يكون لدينا تلميذات أكثر.

وينتقل هذا التأثير للكليات، فقد وجدت ليزلي ميلر– بيرنال (1993, p.26 Leslie Miller-Bernal,) أن كليات المرأة تقدم نماذج دور أنثوي أكثر، وذلك لوجود عدد أكبر من النساء في هيئة التدريس، ما يؤثر بإيجابية أكثر في خبرات التلميذات.

لكن الذكور أيضًا قد ينجذبون إلى الأساتذة الإناث، ففي دراسة سيرز وهينيسي (Sears and Hennessey,1996,p.561) والتي كانت ردًا على وتوسيعًا لدراسة جروسبي وريريراي (Grosby and Reiraray,1993)  والتي وجدت أن تلميذات الكليات شعرن بتقارب تجاه الأساتذة الإناث أكثر من الذكور، بينما ركزت الدراسة الأصلية على كليات المرأة فإن هذه الدراسة تضمنت تلاميذ وتلميذات من كليات المرأة، وكليات مختلطة كانت سابقًا كليات للمرأة، وكليات مختلطة كانت سابقًا كليات للرجال، بالإضافة إلى جامعة كبرى، وتم دراسة الإحساس بالتقارب في ضوء تأثير نوع المعهد التعليمي وجنس الأستاذ وجنس التلميذ، ولقد وُجد أن التلميذات في كليات المرأة أحسسن بالتقارب نحو الأساتذة الإناث أكثر من الأساتذة الذكور، وكان هذا الانجذاب للأساتذة الإناث حقيقة بالنسبة للتلاميذ الذكور والإناث في المؤسسات الثلاث الأخرى. بالإضافة إلى ذلك فإن التلاميذ في الكليات التي كانت سابقًا كليات للمرأة شعروا بتقارب مع أساتذتهم أكثر مما شعر به التلاميذ في الجامعة أو الكليات التي كانت سابقًا كليات للرجال، وقد أوصت الدراسة بوجود أساتذة إناث في التعليم العالي لكلا الجنسين بعدما تأكدت الأهمية لذلك.

2- تطوير الدور الجنسي التقليدي Traditional sex- role development

غالبًا ما تكون هناك توقعات ثقافية جامدة فيما يتصل بالأدوار المتعلقة بالجنس، يذكر طارق جودت (1995، ص 18) أن تلك القوالب النمطية الجامدة لدور الجنس Sex-Role Stereotypes هي افتراضات مبسطة متصورة مقدمًا، وتعميمات عن سلوك متوقع من الذكور والإناث، وأنه يجب أن ينشأ الذكور والإناث اجتماعيًا ليمتثلوا للتوقعات الثقافية فيما يتصل بالذكورة والأنوثة على التوالي.

ذلك أن أصحاب نظرية التحليل النفسي، ومنهم براتفن برينر Brenner، يذكرون أن اكتساب الذكور لصفات وقيم الذكورة واكتساب الإناث لصفات وقيم الأنوثة يُعد أساسًا للشخصية السوية، حيث أن تطورات صفات الذكورة والأنوثة لدى الفرد يمكن أن تكشف لنا النقاب عن معدل وطريقة نمو الشخصية السوية لديه، ويؤيد ذلك المهتمون بالتنشئة الاجتماعية، حيث يرى جونس Jones,1978)) أن النمط الجنسي المناسب هام للصحة النفسية للفرد وفقًا للتقاليد الاجتماعية، كما أن السمات التي نطلق عليها سمات مذكرة أو تلك التي نطلق عليها سمات مؤنثة هي التي فرضها المجتمع وأجازها.

وتأتي أهمية تعلم سلوك الدور الجنسي المناسب، كما يذكر إبراهيم قشقوش (1981، ص 290) لأن البنات والأولاد الذين يمضون وقتًا طويلًا مع أفراد الجنس الآخر لا يستطيعون في بعض الأحيان تنمية الصفات أو الخصائص التي تتصل بجنسهم إلى الدرجة التي ينبغي أن تكون عليها هذه الصفات لديهم، ولا يستطيعون تحقيق تفهم جيد لما يمكن أن يكون متوقعًا منهم كرجال أو نساء بالنسبة لبقية حياتهم؛ نظرًا لأنه لم تتح لهم فرص كافية لاكتساب متطلبات القيام بأي من هذين الدورين.

كما يشير طلعت حسن عبد الرحيم (1987، ص 65) إلى أن اكتساب الدور الاجتماعي الجنسي السليم يعد من أهم مطالب النمو في مرحلة المراهقة، والتي يؤدي تحقيقها إلى سعادة الفرد، ومن ثم يجب أن يحرص نمط التعليم على مساعدة التلاميذ والتلميذات على اكتساب الدور الجنسي لكل منهم.

وتاريخيًا، فقد كانت الوظيفة المركزية لكل من المدارس منفصلة الجنس والمختلطة هي تطوير أدوار جنسية ملائمة لدى التلاميذ والتلميذات كجزء من الوظيفة الأبوية البديلة للمدرسة، حيث تقع على عاتق المدرسة المسئولية لتشجيع هويات ذاتية جنسية ملائمة بين التلاميذ.

ويصف هايد (Hyde,1971) المدارس منفصلة الجنس والمختلطة في هذه النقطة بأن المبدأ الأساسي في التعليم منفصل الجنس قد كان الاعتقاد بأن البنين والبنات يجب أن يعرفوا أنفسهم كرجال ونساء من خلال الخضوع لتربية أو تدبير ملائمين لاحتياجاتهم المختلفة والتزاماتهم، ولهذا فهذا التعليم يتم توصيله بشكل أفضل من خلال معلمين من الجنس نفسه، يُروا كنماذج للرجولة والأنوثة في المجتمع المدرسي، والذي تهيمن عليه قيم جنس واحد، بينما المبدأ الأساسي للتعليم المختلط هو الاعتقاد بأنه منذ أن أصبحت الحياة تربية مختلطة فالبنون والبنات يجب أن يذهبوا للمدرسة معًا، وذلك لينموا بشكل مستمر في الفهم الناضج والاحترام، ولهذا فلقد رُؤيت المدرسة المختلطة كأسرة متسعة أكثر من كونها معهدًا يلقن فيه الصغار المعرفة المكتسبة بالخبرة أو أسرار جنس واحد.

وعلى هذا فإذا كانت المدارس تعرض دروسًا عن كيفية العمل كذكور وإناث، فالمدارس منفصلة الجنس هي الأنجح في تشجيع الأدوار الجنسية التقليدية مركزة على الخصائص المميزة لكل جنس، بينما المدارس المختلطة على الجانب الآخر تميل لتدريس الأدوار الجنسية المساواتية في كل من النظرية والتطبيق، والتعليم المختلط بهذا الشكل يخدم الاحتياجات الذكرية والأنثوية التقليدية للتلاميذ بشكل أقل كفاءة.

بينما يرى تَياك وهانسوت (Tyack & Hansot, 1990,p.11) أنه ورغم معقولية احتجاجات مؤيدي التعليم منفصل الجنس في هذه النقطة إلا أن البعض منهم أحيانًا ما يقدم احتجاجات ساخرة، حتى لقد يقودهم خيالهم إلى إمكانية حدوث تماثل بين البالغين منافٍ للعقل، فهم يتخوفون من أن التعليم المختلط ربما يجعل الاختلافات التي قدرها وأوجدها الله بين الجنسين غير واضحة، حتى لقد تساءل هؤلاء إن الله قد خلق الجنسين مختلفين فلماذا نسعى لتغييرهما؟! وأضافوا أن التعليم المختلط سوف يعيد تشكيل عقول البنين والبنات دون الرجوع للاختلافات المتأصلة في طبيعتهم، وأنه سوف يحاول أن يجعلهم في النمط نفسه، والمحاولة سوف تكون بغير فائدة وضارة للجنسين.

ولا شك أن مثل تلك الدعاوى بها الكثير من المبالغة، كما أن هناك وجهة نظر مخالفة حول أهمية تطوير الدور الجنسي التقليدي، فمثلًا يذكر آشر وآخرون (Asher et al.,1974,pp.15-16) في دراستهم عن علاقات الصداقة في المدارس أنه يبدو أن إحداث العديد من الصداقات بين الجنسين على المدى البعيد تعتمد على إنقاص صرامة الدور الجنسي التقليدي، وأنه إذا كان البنون والبنات رُبوا ليمتلكوا معدلًا أوسع من الاهتمامات وليتمتعوا بمعدل أوسع من الأنشطة سيكون من المحتمل وجود صداقات بين البنين والبنات بشكل أكثر، إنها طريقة واحدة لزيادة علاقات الصداقة بين الأطفال ألا وهي بناء بيئة تربوية لكي تصبح احتمالات تطور وبقاء علاقات الصداقة أكثر، حيث يُوجد أطفال كثيرون ربما يعوزهم أصدقاء أو يكون لديهم عدد قليل منهم لأن البيئة لا تشجع علاقة الصداقة.

فهل يمكن اعتبار البيئة التربوية في المدارس منفصلة الجنس بيئة مشجعة للأطفال فيما بعد على بناء علاقات صداقة مع الجنس الآخر يسودها النضج والاحترام؟ أم أن تكوين مثل هذه العلاقات الناضجة لا يعنينا بأي حال من الأحوال؟!

 

3- مقابلة الفروق بين الذكور والإناث في الإقبال على المقررات المنهجية

Sex differences in curriculum opportunities

الفرصة للتعلم تتضمن أكثر من كونها أن يكون لديك حرية دخول المدرسة، وبنظرة تاريخية فلقد كان للفتيات وما زال لديهن حرية للوصول للتربية ولكن بشكل غير متساوٍ، ووفقًا لريوردان (Riordan,1990,p.53) فلقد كان الشكل الشائع للمناهج بوجه عام أن البنين والبنات يدرسون مقررات مختلفة حتى عندما يكون العدد الحقيقي لسنواتهم الدراسية هو العدد نفسه! ذلك أن كل المدارس منفصلة ومختلطة الجنس تقصر بعض المواد على تلاميذ من كل جنس، ولا زال هذا هو الوضع السائد في كثير من البلدان ومنها مصر، والتساؤل هو ما إذا كانت مثل هذه المقررات تتأثر بنمط المدرسة المختلطة أو المنفصلة؟

والوضع آخذ نحو الاختلاف في الغرب. تذكر سوزان كيرشنر وآخرون (Susan Kirshner et al., 1985, p.30) أن بعض المؤسسات التربوية في الغرب قد بدأت في تقديم تربية متماثلة للجنسين في المدرسة نفسها، ومن خلال المنهج الدراسي نفسه، رغم أن بعض التربويين يرون أن إعطاء مقررات المناهج التعليمية نفسها لكلا الجنسين يسهم في عدم تحقيق المساواة بينهما، بل يزيد من تعاسة الإناث حين يقرر لهن المناهج نفسها التي تكون مصممة أساسًا للذكور.

ويذكر ريوردان (Riordan,1990,p.53) أنه وبشكل نموذجي فإن قصر بعض المواد على جنس معين يطبق في المواد المهنية أساسًا، وبشكل أقل في العلوم والرياضيات والإنسانيات، فالتربية ما بعد الابتدائية للبنين، -ووفقًا لنادين بلاتو (Nadine Plateau,1995, p.52)- تمدهم بناءً على نشأتهم الاجتماعية بالمعرفة والمهارات الضرورية لتكاملهم في ميدان الإنتاج (العمل المهني)، بينما الفتيات دائمًا يُمنحن تربية مختلفة بناءً على حالتهن الاجتماعية، تساعدهن أساسًا في أداء دورهن التكاثري كربات بيت وراعيات للأطفال، وعلى سبيل المثال، فقد ذكر بين وسَيمون Benn and Simon,1972)) أن نصف المدارس البريطانية المختلطة والبالغ عددها الكلي 587 مدرسة يدرسون قصرًا بعض المواد للبنين (الأعمال الهندسية– زراعة الحدائق– أعمال النجارة– الرسم الميكانيكي الصناعي– البناء– صناعة الفخار– مساحة الأراضي)، وبعض المواد للفتيات (أشغال الإبرة– تصميم الملابس– الرقص– بيولوجية الإنسان)، والسبب الأكثر مثالية الذي عُرض كان أن مدرسي مواد الذكور رفضوا أن تشترك الفتيات في حصصهم الدراسية.

بينما فيما يختص بالمواد الأكاديمية، فقد ذكر ديل (Dale,1974, pp. 268-270) في هذا الشأن أن التعليم المختلط يبدو أنه يزيد الفروق بين الذكور والإناث في الاهتمام بمواضيع أكاديمية مختلفة؛ إذ إنه يزيد اهتمام البنين بالرياضيات والمواد العلمية وينقص اهتمامهم بالمواد الأدبية واللغوية، بينما يزيد اهتمام البنات بالمواد الأدبية واللغوية وينقص اهتمامهن بالعلوم الفيزيائية والرياضيات.

ويؤكد ريوردان (Riordan,1990,p.53-54) على هذه النقطة حين يذكر أن الفروق بين الذكور والإناث في تقسيمات المنهج تظهر أيضًا عندما يكون أحد الجنسين أو الآخر غير مشجع للتسجيل في مقررات خاصة، وعبر العالم يواصل البنون التقدم في الرياضيات والعلوم بشكل واضح، بينما الفتيات يُوجهن لمقررات في اللغات والإنسانيات، وبالطبع فإن هذه التوجيهات مستندة إلى القيم الثقافية للمنزل والمجتمع، كما أنها تعكس فرص العمل الخارجي. ولكن في الوقت نفسه نجد أن الممارسات المدرسية تعزز وتخلد هذه الاتجاهات الثقافية، حيث وجد أستن وبانوس (Astin and Panos,1969) من خلال دراساتهما لاختيار التخصصات في الكليات أن الإناث في كل كليات المرأة تختار تخصصات غير تقليدية ومقررات في الرياضيات والعلوم أكثر من النساء في الكليات المختلطة.

ويؤكد هول وساندلر Hall and Sandler,1982)) على الفكرة نفسها بقولهما إن الكليات المختلطة الأمريكية تمد بمناخ فصل دراسي بارد Chilly classroom climates، والذي يضع التلميذات في وضع غير مميز، وقد وجدا أن هذا المناخ البارد لا يشجع التلميذات على الممارسة في الفصل، ويخمد طموحات العمل لديهن، ويضعف ثقتهن في أنفسهن، ويمنعهن من التماس المساعدة خارج الفصل، ويسبب لهن التأخر أو تجنب فصول يرين أنها خاصة بالبنين فقط.

على العكس من ذلك، وكما يذكر أستن ((Astin,1977 فالتلميذات في كليات المرأة لديهن ثقة أعلى بأنفسهن، ويشاركن بشكل أعظم في كل من أنشطة الفصل الدراسي والأنشطة خارج المنهج، ولديهن رضاء أكبر خاص بخبراتهن الجامعية، كذلك لديهن طموحات مهنية أكبر.

ونخلص من تلك الآراء أن التعليم المنفصل -كما أظهرت الدراسات- وإن كان يدعم الفروق بين البنين والبنات في الإقبال على المقررات المهنية بما يتلاءم والتنشئة الاجتماعية المناسبة لكل من الجنسين، فإنه على العكس من ذلك يقلل تلك الفروق بين الجنسين فيما يختص بدراسة المواد الأكاديمية، ما يعد ميزة يتيحها ذلك النمط التعليمي خاصة بالنسبة للإناث.

4- التفاعل المتساوي بين المعلم والتلميذ في الفصل الدراسي

Teacher-student interaction in the classroom

لعل من أكثر التساؤلات المطروحة حول بيئة الفصل الدراسي في الغرب "إلى أي مدى يؤثر جنس التلاميذ في التفاعل داخل الفصل الدراسي؟"  "How gender influences classroom interactions?"

وقد وصف كل من فين ورايس ودولبرج (Finn, Reis, and Dulberg,1980) الوقت الذي يقضيه التلاميذ في المدرسة حقيقة في تعلم أنشطة بالوقت المشغول "وقت الانخراط" Engaged Time تمييزًا له عن وقت الحصة Albcated Time، فبينما وقت الحصة هو وقت العمل المقرر فالوقت المشغول هو ذلك الوقت الذي يستمر فيه التدريس والتعلم داخل الفصل الدراسي، والفروق بين البنين والبنات في هذا الوقت المشغول تكون شائعة في الفصول الدراسية.

ويقترح بلاكستون (Blackstone,1976)  أن الفروق بين أداء البنين والبنات في المدارس الابتدائية المختلطة تستمد –على الأقل جزئيًا– من الفروق في توقعات المدرسين وسلوكهم.

وقد أشارت كثير من الدراسات إلى أن التفاعل بين المعلم والتلميذ في الفصل الدراسي يختلف حسب الجنس، على سبيل المثال، وجدت بلاتو (Plateau,1995,p.55) أنه في المدارس المختلطة توجد للمعلمين –ذكورًا وإناثًا– آراء وأحكام قبلية تعتمد على نوع التلميذ، وتكون شكواهم وتوقعاتهم من التلاميذ إيجابية أو سلبية اعتمادًا على نوع التلميذ.

كما وجدت هيلين سولومونز Helen Solomons,1976)) أن الفتيات بالصف الخامس في فصول مختلطة للتربية البدنية، واللاتي يؤدين مثل الفتيان أو أحيانًا أفضل منهم، لا يُلاحظن على أنهن ذوات مهارة عالية مثل البنين في مستواهن نفسه، وقد استنتجت أن الملاحظات المختلفة لأداء الفتيات إنما تعكس توقعات الدور الاجتماعي للفتيات.

كما أضاف سامبسون (Sampson,1990,p.25) أن مساهمة المعلم قد وُجدت لتكون الأساس للتفضيل في بعض المواد الدراسية فهي أساس لتفضيل البنين الرياضيات، وأن الممارسات التساؤلية المستخدمة من قبل المعلم قد ظهرت لتسود الافتراضات المختفية عن كفاءة التلميذ، وأنه مع البنين يكون هناك توقع لنتيجة قدرة التلميذ أو لتجريد وتطبيق ما يتعلمه، كما أن جنس المعلم -والذي يظهر ليلعب نموذج دور لكلا الجنسين– يظهر ما لتفاعل المعلم والتلميذ من أثر، فمع المعلمات الإناث يزيد قيد الطالبات في الرياضيات –أكثر المواد غير المفضلة لدى البنات– ومع المعلمين الذكور تتشجع القراءة لدى البنين.

ويشير ريوردان Riordan,1990,p.53-54)) إلى أن التلاميذ الذكور يتلقون عادة انتباهًا أكثر من المدرسين – سواء كان إيجابيًا أو سلبيًا–  ومناقشات وتفاعل فصلي أكبر من البنات، ويمكن القول إن البنين ربما يكونون أفضل في المدارس الابتدائية منفصلة الجنس، والبنات ربما يكن أفضل في المدارس الثانوية منفصلة الجنس وكذلك الكليات، وهو مماثل لما استنتجه لوكهييد (Lockheed,1976) حيث قرر أن المدارس المختلطة تؤثر سلبيًا على البنين في المراحل الأولى وسلبيًا على البنات في المراحل المتأخرة والمدارس الثانوية، وذلك على أساس توقعات المعلمين.

إضافة للانتباه، فإن طرق التساؤل والثناء والمدح تختلف بشكل أساسي للبنات والبنين، فيذكر كل من سادكير وسادكير (Sadker & Sadker,1994) أن البنات يمتدحن بشكل بسيط على المحاولة، بينما يحاول المدرسون الاحتفاظ بالمدح للبنين حتى يستطيعوا أن يجيبوا إجابة صحيحة، وأخيرًا فإن البنين يشتركون في سلوكيات الفصل الدراسي مثل أسئلة وأجوبة الأسئلة أكثر من البنات.

وفي دراسة تمت في فرنسا قام بها كل من فيردي وموسكوني (Verdier & Mosconi, 1995, p.139) في أربع فصول، على التفاعل بين المدرسين والتلاميذ، أخذًا في الاعتبار نوع التلاميذ والمعلمين، تم فيها تصوير درس للرياضيات لمدة ساعة عن طريق جهاز فيديو وتم تحليله في كل فصل، وقد راعى التحليل ما يلي:

- عدد مرات الأسئلة التي يُنادى فيها التلميذ باسمه الأول بناءً على جنسه/جنسها.

- عدد التبادلات لكل تلميذ.

- الوقت الذي يقضيه المعلم في التفاعل مع كل تلميذ.

- محتوى التدخل والتعليمات.

وقد استنتج الباحثان من هذه الدراسة ما يعزز ويصدق على تلك النتائج المتحصل عليها من البلدان الأخرى، من أن المعلمين يميلون لأن يكون لهم تفاعل أكثر وأطول مع البنين منه مع البنات، وأن عدم المساواة في التفاعل تبدو أكثر وضوحًا في الفصول التي تدرس لها النساء من تلك التي يدرس لها الرجال -ولكنها فروق طفيفة جدًا–، وكل هذه العناصر الاختلافية غير المحسوسة يمكن أن تكون العوامل التي تشرح الثقة المحدودة بالنفس لدى الفتيات والتي لاحظتها المسوح والدراسات. وقد اقترح الباحثان طريقة ملاحظة ذاتية للمعلمين لمحاولة تجنب عدم المساواة في التفاعل الفصلي مع التلاميذ.

ولكن في دراسة أخرى عن الضغط النفسي المُلاحظ في المدارس الثانوية المختلطة في الريف الأيرلندي وجد بارنيكل  (Barnicle,1988,p.168) أنه كان من بين المصادر الرئيسية للضغط النفسي على العينة: نقص الاتصال الفعال مع الآباء والأقران والمعلمين، والذي ظهر في الشعور بالوحدة والعزلة المحتملة، وإن كانت الدراسة لم تجد فروقًا دالة بين الذكور والإناث في ملاحظاتهم وخبراتهم عن الضغط.

ومن هنا يرى أنصار التعليم منفصل الجنس أن الطريقة المثلى لإحداث هذا التفاعل المتساوي المنشود بين المعلم والتلميذ في الفصل الدراسي هو أن يكون الفصل الدراسي قاصرًا على أفراد جنس واحد فقط، وهو ما لا يتوافر في نمط التعليم المختلط، وذلك حتى نتجنب افتراضات وتوقعات المعلمين من التلاميذ على أساس نوع التلميذ والتي تسود تفاعل المعلم والتلميذ في الفصل الدراسي المختلط، بينما تستند وجهة النظر المعارضة إلى أن عدم قدرتنا على تحسين الأوضاع التعليمية في بيئة التعلم لا يعد سببًا مشروعًا لفصل التلاميذ الذكور والإناث داخل الفصل الدراسي في المدارس المنفصلة، والكاتبة إذ تتفق مع ذلك الرأي الأخير إلا أنها ترى أيضًا أنه إذا لم يكن لدينا القدرة العملية على تطبيقه وتحسين الأوضاع التعليمية في بيئة التعلم لإحداث المساواة في التفاعل الفصلي بين التلاميذ من كلا الجنسين والمعلمين؛ فإن مدارس التعليم المنفصل توفر ميزة لا تتوافر للمدارس المختلطة في هذا الشأن.

5- آراء جنسية أقل في تفاعلات الأقران Less Sex stereotypes in peer interaction

يذكر لوكهيد (Lockheed,1982) أن التلاميذ يتفاعلون ليس فقط مع معلميهم لكن أيضًا مع التلاميذ الآخرين، والتفاعل مع الأقران يحدث أثناء اليوم الدراسي في كل من داخل وخارج الفصل الدراسي محققًا نسبة 29% من خبرات التلاميذ في الفصل الدراسي المثالي.

كما تشير العديد من الدراسات إلى أن التفاعل بين الأقران من الجنسين في المدارس يتضمن سيادة ذكرية وقيادة ذكرية وآراءً ذكرية ونقصًا في التعاون، هذه الدراسات تقترح –بالرغم من ذلك– أن التفاعل بين الأقران من الجنسين غير شائع حتى في المدارس المختلطة، برغم ذلك فيمكن لأي فرد أن يفترض سببيًا أن المشاكل المذكورة سابقًا لا تحدث في المدارس منفصلة الجنس، وقد وجد كل من كريزويل (Criswell,1939) وأشر (Asher,1973)  وسينجيلتون Singleton,1973)) أن البنين والبنات دائمًا يفضلون أصدقاء فصل من الجنس نفسه، ويرفضون الأطفال من الجنس المخالف، وأنه حتى عندما تتكون صداقات بين الجنسين فإنها تكون تقريبًا صداقات غير ثابتة.

وقد أظهرت دراسة أورينشتاين (Orenstein,1994) وجود نقص في مفهوم الذات لدى الطالبات في مواجهة سيادة البنين في فصولهن المختلطة، وقد ذكرت إحدى الطالبات أنها لا ترفع يدها في الفصل لكونها خائفة من أن تكون مخطئة، ولأنها ستكون مرتبكة، ما يبرز احتكار المساحات اللغوية والجسمية من قبل التلاميذ الذكور نتيجة لعدم المساواة بين الجنسين التي تبرز في المدرسة المختلطة خارج المنهج الدراسي.

كما توصل كاربونهيل (Carbonhell, 1984, p.44) إلى أن البنات يفشلن في إظهار صفتي الزعامة والقيادة في وجود البنين.

وأرى أنه نظرًا لأن التفاعل الحادث في المدارس المنفصلة يكون بين تلاميذ من الجنس نفسه، فإن تلك البيئة المدرسية تقضي نهائيًا على السيادة الذكرية التي تسود التفاعل المختلط بين الأقران من الجنسين في المدارس المختلطة، وبالطبع فإن هذا يحدث بشكل تلقائي نتيجة لفصل الجنسين في المدارس المنفصلة، وليس لوجود اتجاهات تربوية تساعد على حدوث تفاعل متساو بين الأقران من الجنسين، ولكن لهذا التفاعل المنفصل بين الأقران من الجنسين في المدارس المنفصلة أيضًا عيوبه حيث لا يعطي الفرصة لأفراد كل جنس للتعرف على أفراد الجنس الآخر وتكوين آراء صحيحة عنهم، والتي تعد خاصية من خواص التعليم المختلط كما سبق وأوضحنا في مقال سابق.

 

6- تقليص الثقافة الفرعية للمراهقين Reduce the adolescent subculture

في كتاب بعنوان مجتمع المراهقين The Adolescent Society وضع جيمس كولمان (James Coleman,1961) الفكرة بأن المجتمع الحديث قد خلق ثقافة فرعية للمراهقين؛ والتي تفضل جاذبية مادية وتضعف مكانة المكاسب التربوية، وتعوق التطور العقلي الأفضل للتلاميذ؛ لأنها تعمل على تشويش فكر المراهق وتبعثر اهتماماته، وتضع أشياء مظهرية -من المفترض أن تكون ثانوية- في موضع الأولوية في تحديد مركز المراهق بين أقرانه.

كما يشير ريوردان Riordan,1990,p.56)) إلى أنه في الأنشطة العادية في المدرسة الثانوية تميل العلاقات بين البنين والبنات لأن تزيد من أهمية جاذبية المادة والسيارات والملابس وتنقص من أهمية التحصيل في الأنشطة المدرسية والاهتمامات المعرفية، وأنه لمن الشائع الافتراض –سواء من قبل المربين أو الأشخاص العاديين–  أنه أفضل للبنين والبنات أن يكونوا في المدارس سويًا أثناء المراهقة إذا لم يكن أفضل لأدائهم الأكاديمي فعلى الأقل فإنه أفضل من أجل تطورهم وتوافقهم الاجتماعي، ولكن وكما يذكر كولمان (Coleman,1961,p.51) فالتعليم المختلط في بعض المدارس الثانوية ربما يكون ضارًا  بكل من التحصيل الأكاديمي والتوافق الاجتماعي؛ لأن معظم طاقة المراهقين لا تكون موجهة لأي من هذين الهدفين!

فما هي تأثيرات الثقافة الفرعية للمراهقين على النتائج الأكاديمية والنفسية الاجتماعية للتعليم؟

إن قوة الثقافة الفرعية للمراهقين ربما تنقص في المدارس منفصلة الجنس حيث تكون كل الأمور التي تلهي التلاميذ عن الدراسة أقل، وهذا التقليص لثقافة المراهقين ربما يزيد الاهتمام بالأمور الأكاديمية ويثري المناخ الصارم للمدرسة.

وقد وجد كل من شنيدر وكوتس (Schneider and coutts,1982) أن الثقافة الفرعية للمراهقين أكثر قوة في المدارس الكاثوليكية المختلطة عن مثيلاتها منفصلة الجنس، ولقد لاحظا اختلافات كبيرة في البيئات الاجتماعية النفسية للمدارس الثانوية المختلطة والمنفصلة الجنس؛ حيث قضى كل من البنين والبنات في المدارس منفصلة الجنس –وبشكل دال– وقتًا أطول في الواجب المنزلي خارج المدرسة، وكان هناك احتمال أكثر لأن يضيفوا ساعة إضافية في المدرسة للدراسة، وذلك مقارنة بتلاميذ المدارس المختلطة، ما يعكس زيادة اهتمام التلاميذ بالأمور الأكاديمية في المدارس المنفصلة.

7- الأمر والضبط Order and Control

بالرغم من أن ديل من أشد أنصار التعليم المختلط، إلا أنه قد توصل (Dale, 1969- 1971- 1974) إلى أن المدارس منفصلة الجنس تكون أكثر اهتمامًا من المختلطة بالضبط وقيم التعاون والنظافة والآداب.

كذلك وجد كل من شنيدر وكوتس (Schneider and Coutts,1982) دعمًا أساسيًا لفرض أن المدارس منفصلة الجنس تؤكد على الأوامر والالتزام والضبط بشكل أكثر من المدارس المختلطة، ولقد وجدا أيضًا أن البنات في المدارس المنفصلة تلقين تأكيدًا أعظم على الأوامر والضبط أكثر من البنين في المدارس المنفصلة.

ويدعم دورمان (Dorman,1997,p.8) نتائجهما نفسها في دراسته عن بيئة الفصل في المدارس الكاثوليكية بأستراليا، حيث كانت المدارس المنفصلة منظمة لأنها كانت مُدارة بإدارة دينية كاثوليكية، وتأكد من دراسته أن المدارس الكاثوليكية للبنات كان لها بيئة فصل أكثر إيجابية من مدارس البنين أو المختلطة، بينما كانت المدارس الكاثوليكية للبنين ذات بيئة سالبة مقارنة بمدارس البنات أو المختلطة، ولعل من الأسباب القوية لذلك كما يرى ريوردان (Riordan,1990,p.58-59) هو أن أغلب هيئة التدريس في مدارس البنات من الإناث، وهن يركزن على هذا الأمر وتشجيعه لدى البنات، بعكس المدرسين الذكور والذين يمثلون أغلب هيئة التدريس بمدارس البنين، كما أن البنين هم عادة صانعو الاضطرابات سواء في المدارس المختلطة أو مدارس البنين المنفصلة، وإن كانت هذه الطبيعة المضطربة للبنين يمكن أن تنقص في البيئة المختلطة وذلك على حساب البنات، لذا فإنني أرى أنه بوجه عام لا يمكن القول إن المدارس المنفصلة تتزايد فيها النواحي التنظيمية والضبط عن المدارس المختلطة، ومن ثم فأنا لا أتفق مع أنصار التعليم منفصل الجنس في تلك النقطة.

8- تفضيل الجماعات الدينية Religious Grounds preferring

يذكر ريوردان (Riordan,1990, pp. 59-60) أنه من الملاحظات العالمية بشأن التعليم المختلط أن التعليم المختلط يمثل مشكلة لبعض الجماعات الدينية، حيث تكون الفكرة أكثر إقلاقًا وأكثر بغضًا، وطبقًا لما ذكره ديلامونت (Delamont,1980) فهناك نتائج ذات اعتبار بأن المجموعات المسلمة المختلفة في بريطانيا تتضمن العديد من الآباء الذين لا يعتقدون في التعليم المختلط، بسبب أنه يعارض مبادئهم عن الفصل بين البنين والبنات، فبعد سن البلوغ يجب على الأنثى المحترمة ألا تكون بصحبة الذكور من غير أقاربها، وبهذا فالتعليم المختلط يصبح مشكلة.

وفقًا للإحصائيات فإنه بحلول عام 1975، كان يوجد أربعمائة ألف مسلم في إنجلترا وحدها، ولهذا فإن قيمهم كان من الصعوبة أن يتم تجاهلها، وفي العالم المتسع كان هناك أكثر من أربعمائة مليون مسلم، أغلبهم يرفض المدارس المختلطة، وأعدادهم اليوم قد تزايدت عن تلك الأعداد بملايين.

وكذلك الأمر بالنسبة للكاثوليك، ففي الجمهورية الأيرلندية على سبيل المثال، وطبقًا لدراسة هانون وآخرين (Hannon et al. , 1983) فإن الإجبارات الدينية تؤثر على البيئة الجنسية للمدارس للغالبية من السكان الكاثوليك، وقد قاومت الكنيسة الكاثوليكية في أيرلندا التعليم المختلط، ومن ثم فإنه ليس من المفاجئ إذن أن تكون 70% تقريبًا من المدارس الكاثوليكية في أيرلندا منفصلة الجنس.

فعلى حد قول تياك وهانسوت (Tyack & Hansot,1990) فإن الكنيسة الكاثوليكية قد رأت التعليم المختلط في المدارس الثانوية على أساس كونه انتهاكًا للفصل الملائم واللائق بين الجنسين، حيث ذكرت في تعاليمها عام 1957 عن التعليم المختلط "إنه غير حقيقي وفاسد لتربية المسيحيين ما يسمى بطريقة التعليم المختلط"، وقد جاء في رسائل بابوية أخرى عام 1951 (في قريش عبد الكريم، 1988، ص 38) "أن التعليم المختلط ذنب وكفر لأنه لا يعطي أي اعتبار للضعف الإنساني وإثارة الشهوة ضد الروح".

وعبر العالم نجد كذلك أن المدارس اليهودية والتي تخدم المجتمع اليهودي الأرثوذكسي (الشرقي) تبنت سياسة التعليم منفصل الجنس في مرحلة التعليم الثانوي، وبناءً على دراسة الحاخام جوزيف فيشر (Rabbi Joseph Fisher,1988) فقد وجد 151 مدرسة بنين فقط و96 مدرسة بنات فقط و 225 مدرسة مختلطة هي جزء من نظام مدرسة اليوم اليهودي.

9- التركيز على اهتمامات أحد الجنسين فقط، وذلك لاختلاف الاهتمامات بين الجنسين

هناك نتيجة مؤداها أن اهتمامات الأطفال أكثر ارتباطًا بالمفاهيم التقليدية لدور الجنس، وعلى سبيل المثال فإنه في الثلاثينيات من القرن العشرين قارن كل من تيرمان ومايلز (Terman & Miles) سرعة العمليات العقلية ودقتها للبنين والبنات واجدين أن البنين كان لديهم اهتمامات قوية بالأعمال الجريئة والمغامرة والأنشطة الجسمانية الشاقة والميكنة والأدوات والعلوم والاختراعات، بينما كانت اهتمامات البنات ترتكز على الشئون المنزلية والموضوعات الفنية الجمالية والأنشطة الداخلية التي تتطلب الجلوس والسكون وكذلك رعاية الأفراد.

كذلك وجد شير (Share,1963) أن أطفال الحضانة أبناء الأربع سنوات قضوا وقتًا أطول في منطقة الساحة، بينما قضت الفتيات وقتًا أطول في مناطق الرسم والكتب والعرائس، كما حكّم ماركل وآشر (Markell and Asher,1974) الذكورة والأنوثة لعدد 25 صورة، وأظهرت النتائج أن البنين كانوا أكثر اهتمامًا بصور الذكورة، والبنات كن أكثر اهتمامًا بصور الأنوثة.

وبناءً عليه يستند مناصرو التعليم منفصل الجنس لهذه النقطة في الدفع بأفضليته على التعليم المختلط؛ إذ إنه يساعد على التركيز على اهتمامات أحد الجنسين فقط، بينما نجد مؤيدو التعليم المختلط يدفعون بضرورة حمل البنين والبنات على أن يكونوا معًا؛ ربما بإمدادهم بأهداف غير مألوفة تساعد في التغلب على المسافة الاجتماعية بين الجنسين.

لكن مؤيدي التعليم منفصل الجنس -كما يذكر ريوردان (Riordan,1990, p.50)- يرون أن الاهتمام في المدارس المختلطة ينصب أساسًا على اهتمامات البنين دون مراعاة لاهتمامات وحاجات البنات، وفي هذا نجد شو (Shaw,1980) يقول إن المدارس المختلطة هي أساسًا مدارس بنين لحد بعيد لاهتمامها الأساسي باهتمامات البنين، وبناءً على هذا فمن المتوقع أن يكون هناك اختلاف أقل في اهتمامات البنين في نمطي المدرستين، لكن ماذا عن البنات؟!

وهنا أسجل اتفاقي مع أنصار التعليم المنفصل في أن المدارس المنفصلة للبنات هي البيئة المدرسية التي يتوافر فيها الاهتمام باحتياجات البنات، لأن اهتمامات البنات غالبًا ما يتم تجاهلها في المدارس المختلطة.

10- تطور أكاديمي واجتماعي أفضل للفتيات في المدارس منفصلة الجنس

يرى العديد من الباحثين من أمثال لي وبريك (Lee & bryk,1986)  وسبندر وسارة (Spender & Sara, 1980) أن الاختلافات بين التعليم المختلط والتعليم المنفصل سوف تكون أكبر للبنات منها للبنين، وأن البنات يكن في وضع مميز في المدارس المنفصلة أكثر من البنين، وأن التعليم المختلط ربما يكون محددًا للتطور الأكاديمي والاجتماعي للفتيات، وقد دلت أغلب الدراسات أن الفتيات يسجلن مكاسب عظيمة في التحصيل الأكاديمي عندما يلتحقن بمدارس منفصلة الجنس، وأنهن يسجلن في مواد أكثر ويكن أكثر نجاحًا من الفتيات في المدارس المختلطة، وذلك عبر ثقافات مختلفة.

على سبيل المثال، فقد خلصت دراسة ويليام كورنيلسون William Cornelison,1973)) إلى أن البيئة في المدارس المختلطة مطلوبة أكاديميًا بشكل أقل من البيئة في المدارس المنفصلة، خاصة مدارس الفتيات، كما أشارت العديد من الدراسات إلى انخفاض مستوى دافعية الإنجاز لدى البنات في المدارس المختلطة مقارنة بالبنات في المدارس المنفصلة للبنات.

ويكاد يكون مقطوعًا به أن التربية في المدارس المنفصلة تشجع النساء على دراسة والتميز في بعض المواد التي توجد نظرة تقليدية لها على أنها خاصة بالذكور مثل الرياضيات والفيزياء، كما وجدت تيدبول  Tidball أن النساء المتخرجات من كليات المرأة تبلغ فرصتهن في الحصول على الدكتوراة أو أن يكن قائدات في مجالهن ضعف فرصة النساء المتخرجات من كليات مختلطة، كما تذكر ليزلي ميلر- بيرنال  (Leslie Miller-Bernal,1993,p. 26) أن استفادة النساء من البيئة منفصلة الجنس ترجع إلى واحد أو أكثر من العوامل التالية:

-المؤسسات التعليمية للنساء تمد بنماذج دور أكثر لنساء ناجحات.

-هناك فرص عديدة لعلاقة القيادة في المنظمات بالحرم الجامعي، والتي تطور مهارات هامة لحياتهن بعد ذلك.

-البيئات تكون مدعمة للنساء، مشجعة لهن ليؤدين بإمكانياتهن الأعلى في أماكن هي بالأساس أماكن خاصة بهن.

-وجود مقررات تركز على المرأة بشكل أكثر.

وقد درس باركر (Parker,1976) تأثير التركيب الجنسي لفصول المدرسة الإعدادية في سلوك الفتيات، وأكدت نتائجه على أن الفتيات في الفصول المنفصلة كن أكثر ثقة وجزمًا من فتيات الفصول المختلطة، وإن كان هذا التأثير قد اختلف طبقًا للبيئة الاجتماعية.

كما توصل جونز وآخرون (Jones et al., 1972) إلى أن الفتيات يشعرن براحة نفسية أكبر داخل المدارس المنفصلة للبنات مقارنة بالمدارس المختلطة.

ودائمًا يوجد الرأي المعارض، فقد ذكر ديل (Dale,1969-1971-1974) أن الأكثر رضا عن أنفسهن ومدرستهن كن هن الملتحقات بمؤسسات التعليم المختلط، كذلك تشير هاتون Hatton  إلى أن التعليم المختلط يزيد من النزعات الاستقلالية للبنات، إذ يحررهن من اعتمادهن على أمهاتهن، ويجعلهن كذلك أقل قلقًا وأكثر هدوءًا، وللتعليم المختلط أثر طيب على البنين أيضًا فهو يجعلهم أكثر دقة وحزمًا مع أنفسهم.

بينما تختلف نتائج الأبحاث حول نجاح البنين الأكاديمي في المدارس المنفصلة للبنين والمدارس المختلطة، فأغلب الدراسات تؤكد أن البنين يتطور أداؤهم الأكاديمي في المدارس المختلطة أكثر من مدارس البنين، وفي هذا يقول ديل (Dale,1974) إن أداء البنين الأكاديمي أعلى في المدارس المختلطة بينما أداء البنات أعلى في المدارس المنفصلة، وهو لهذا يفضل التعليم المختلط بسبب التطور في الأداء الأكاديمي للبنين، ويذكر أن الرأي الذي استطاع تكوينه بحذر على أساس بحثه وأبحاث آخرين أن تقدم البنين ربما يتحسن عن طريق التعليم المختلط بينما تقدم البنات لن يُضار أو يتأثر.

بينما تشير دراسة أخرى لسارة– لافوس ,1992) Sara-  Lafosse) إلى أن البنين يميلون للاستفادة من كل من مدارس البنين والمدارس المختلطة، وهم يحصلون على فائدة في كلا المكانين من المعالجة المميزة، كما يميلون للاستقبال من كل من المعلمين الذكور والإناث.

ويشير أوستن ((Astin,1977,p.232 إلى أنه وبوجه عام تظهر دراسات التعليم العالي أن التلاميذ والتلميذات في الكليات المنفصلة أكثر كفاءة من التلاميذ في الكليات المختلطة، وذلك مع الأخذ فعليًا بكل الملامح في الحياة الجامعية.

وحتى ديل (Dale,1971-1974) والذي يُعد من أشد أنصار التعليم المختلط، قد استنتج من دراسته أن المدارس المختلطة البريطانية كانت أكثر نجاحًا من المدارس المنفصلة تقريبًا في كل ما يجلب التقدير والاحترام، بالرغم من ذلك فإن أغلب البيانات المدعمة –التي وجدها– لهذا التنافس هي اتجاهية واجتماعية وليست أكاديمية.

ويذكر مارش (Marsh, 1988a,b) أن التلاميذ في المدارس المختلطة لديهم مفهوم ذات أعلى من أقرانهم بالمدارس المنفصلة، وأن ذلك ليس على حساب التحصيل الأكاديمي، لكن مارش نفسه (Marsh,1989) –استنتاجًا على أساس بحثه– يرى أنه لا تُوجد فروق بين تلاميذ المدارس المنفصلة والمختلطة في الأداء الأكاديمي أو في الاتجاهات أو السلوكيات، كما يؤكد عدم وجود اختلافات لنمط التعليم المنفصل أو المختلط لكل من البنين والبنات.

وباستقراء نتائج الدراسات السابقة، أرى أن أغلبها يكاد يُجمع على أن فوائد نمط الاختلاط الاجتماعية والأكاديمية تعود على البنين، بينما تكون البنات أفضل أكاديميًا واجتماعيًا في المدارس المنفصلة.

11- زيادة فرص قيد وتسجيل الفتيات في التعليم

إحدى المزايا للتعليم المنفصل التي ينادي مؤيدوه بها لأجلها، هي قدرته على زيادة فرص قيد وتسجيل الفتيات في التعليم، فعلى سبيل المثال، في تقرير لليونسكو عام 1990 يؤكد باجلا- جوكالب Bagla-Gokalp، وبناءً على ما ورد في مسحه المتسع، أن النقص في مدارس منفصلة للفتيات يعد من مشاكل البنية التحتية والخدمات عبر العالم، ويؤكد أنه يجب تشجيع الجهود الرامية لتربية وتعليم الفتيات بواسطة التكيف مع آمال الآباء، والإمداد على سبيل المثال بتربية منفصلة الجنس، إذا كان هذا هو المطلوب، ما سيزيد من فرصة الفتيات في التعلم.

لكن أنصار التعليم المختلط من أمثال إيلين بيرن Eileen Byrne,1990,pp.12-13)) يرون أنه إذا كان التعليم المنفصل له تلك الميزة للفتيات فهم يتوقعون أن تكون معدلات القيد والاستمرار في التعليم أعلى للنساء في الدول التي تكون فيها أغلبية المدارس منفصلة الجنس، لكنه بمقارنة دولتين من الدول المتطورة مثل أيرلندا وإيطاليا بدولتين ناميتين مثل الأردن وأفغانستان نجد العكس تمامًا، كما أنه بمقارنة الدول العربية بمصر نجد أن مصر كان لديها معدلات قيد للإناث أعلى بشكل غير تقليدي في التعليم الصناعي أكثر من كل الدول العربية، بينما كانت كل الدول العربية الأخرى لديها تعليم منفصل الجنس بينما ليس لها نسبة الالتحاق العالية من الفتيات بالتعليم نفسها، فزيادة قيد وتسجيل الفتيات كما يرى أنصار التعليم المختلط إنما يرجع دائمًا لعوامل أخرى غير نمط المدرسة.

كذلك يذكر غوش  وطالباني Ghosh & Talbani,1996,p.165) ) أن المبادئ التي تستنكر التعليم المختلط إنما تقود لانسحاب الفتيات، حيث لا تُوجد في الدول النامية تسهيلات مادية تمكن من إنشاء مدارس منفصلة لهن، حتى وإن كانت أكثر تفضيلًا.

ولكنني أتفق مع أنصار التعليم المختلط في أن زيادة فرص قيد وتسجيل الفتيات في التعليم ترجع دائمًا لعوامل اجتماعية وثقافية عديدة في المجتمعات، ولا يمكن إرجاعها إلى نمط المدرسة وحسب.

 

د. منى زيتون

 

قاسم جمعةطالما يحفز مؤثر الاستجابة على البقاء أو الاندثار لكل معطى يروم الظهور وهو ما يشمل أغلب النتاج الفكري والمسموع والمرئي بل إنه يشمل ما يتم صناعته وطرق مهارات إبتكاره.

والفلسفة بوصفها درس يسعى المنتمي لها (الطالب) التحصيل العلمي' تدفعه رغبة ملحة للاجابة عن السؤال المهم، وهو ما فائدة الذي ندرسه ؟ وهل ينفع ما نعرفه هنا في قاعة الدرس، في الحياة اليومية ؟

ربما في ظني أن طلبة الفلسفة لم يفهموا أهمية الفلسفة ولم يستفد جلهم منها في حياته بسبب أن الخارج المعاش لا يعطي فرصة للتفكير والتروي بالحكم لما يحصل. وهناك سبب تقني يجعلني اعول الى المهارة التي يمتلكها الطالب، لكي يكسب رزقه أو لكي يعتاش منها لا عليها .فما تمنحه الدراسة الأكاديمية تجعل منه منتظرا لدور وهمي، سوف يكون إلا وهو صناعة التنوير وتغيير المجتمع، بعدما اغفلت عنه ما يمكن أن يكون وما هو كائن بين درسه وواقعه المعيش.!

الجمهور يسأل ما فائدة الفلسفة؟

نحن لا نجيب إلا بالتفصيل، فهي حب الحكمة والمنطق أداة التفكير. وعليكم أحبتي أن تكونوا رهن العقل الذي اشترى له بيتا وغادرنا الى غير رجعة، لأنه أن كان موجودا فسوف ينصح من جاء متأخرا، أن الفلسفة لا تملك أرضا ولا سماءا، فهي تحلق بنا في عالم لا يسهل عيشه أو إدراكه او فهمه!.

المهم انه يعرف ذلك اقصد المتلقي، ولكنه مجبر على اكراهات التلقي ولا يثيره سوى ما يلقاه من أقوال الشارع سوف لا تنفعك الفلسفة ؟! ويدفع شبهة اللانفع الفلسفية التي لوثت أجواء الدرس المحطم للحرية فى حواره مع الجمهور السائل، مالذي يحفز الطالب في درس الفلسفة ؟..

وهو أمر شمل جل التخصص الإنساني للعلوم الاجتماعية والانثروبولوجية والسايكولوجية ..الخ

قاعات كئيبة ومدرس محمل بأمراض المجتمع وافلاس إداري وتمويل مشتت لخدمة إدارة التعليم وشؤونه ..

على اي حال يراهن المجتمع على فشل الفلسفة، لأنه لا يعول إلا على الملموس وجل خياله منحصر، في تخصصات علمية، تدر على متحصلها الاموال والجاه كالطب مثلا .

والغريب انك تجد من يهوى الاستماع إليك في اي حوار طارئ، لكنه إستماع تلذذ آني، اكتسحت سطوته المؤقتة موسيقى اغنية لأحد مرددي اللحن المصنوع اليوم

لقتل الفراغ الذي يحاصر الزمن، ولأجل ذلك يركن الناس الى مافيه بساطة المحسوس. ويفهم لأول وهلة أنهم يدركون هذا الحصار الذي يغلق معسكراتهم وأنظمة الضبط المغروسة في سلوكهم هذا من جانب..

ولا ننسى الجانب الآخر المدرس وما حصل إنه يكرر درسه بملل ورعاية متقنة للاستماع الغبي لما ينطق به فكل ما يكرره لابد أن يكون علميا، ولا يهمه ما أن كان المعطى العملي لدرسه او محاضرته، يفيد أو يحرك ساكنا. فالتعليم لديه كم من المعلومات التي سوف يطلبها غدا أستاذنا الممل وعلى جمهور تلقيه (الطلبة) تكرار ما نطق به وحي العلم المنزه، ربما يحق للجمهور الضحك على هكذا نموذج من التفكير لاسيما في بلد غادر الانتظام وصفق للفوضى ؟،،،.

أن تدريس الفلسفة ليس بحاجة إلى كراريس لخلق الفتنه بجمالها ولا أموال لتكون عروس المستقبل، نحتاج إلى افهام الناس مالذي يحصل ولنقترب من جمهورنا بل لتكون صوتهم المسموع وسط الضجة السائلة والخراب العميق في بلاد تعشق كل شي يسرق الفرحة ويركن اهلها في قاع الأرض يتسولون الامل لغد لن يأتي إلا بنفس الوجوه والقفى!.

الفلسفة عليها وفيها لا يعقد أمل التلقي المثير اذا كانت بهكذا صورة، لا انشغال لها، سوى بالدرس وتناست الشارع وهموم الفرد وعلاقاته وعذاباته.

فليس المهم ما قاله أرسطو أو ابن سينا أو الحلاج أو هكذا تكلم النظام أو العلاف الخ .. المهم علينا استثمارهم بحسب الطاقة البحثية في قراءة الحدث وهو أمر لا نلتفت إليه نحن متسولي الحقيقة وعشاق الكلم .

أرى اننا لم نعر أهمية لليومي المحسوس السياسي والاجتماعي،، وركن عقل البحث الاكاديمي بالتالي، في زوايا التفكير الاستهلاكي والترويج للتفكير بوصفه كتابة للنشر لا تمس من قريب أو بعيد شؤون الناس المتقدمين فماذا لا تكون الفلسفة سلاح فكري ليحكم كل ما يطرأ أو كل ما يتهاوى تحت النظر..

لا تمتلك الفلسفة سوى مساحة أكاديمية ضيقة، الجامعة والمعاهد والمنتديات الحرة، لا تنافس من تعالى صوته على الحق، واحتل منابر الصوت والصورة ..

فمثلا هل نمتلك قناة أو وسيط إعلامي كما هو الحال عند من يصنع لنفسه الحدث وتفسيره، رجال الدين مثلا كالفقهاء وانصار اللاهوت الشعبي ورموزه المبعوثين في خطاب وسلوك المتخيل الاجتماعي، تستلهم منهم أصالة الدين ونقاء التلقي الروحي ! اما نحن فنركن في قاعات الدرس نتربص بالزمن لكي يغفل، ونصيح بصوت خجول تحيا حرية التفكير وكلا للهيمنة المجتمعية التي قتلت كل تجدد ..وعندما تنتهي فرصة الحرية، نعود إلى منطق النبذ والكره والعيش على موائد الآهات المنبعثة في سماء المدن وزوايا الشوارع التي تحتضن الحاضر العراقي، كل ما يهمنا هو تزكية الدرس الاكاديمي من الموقف الحرج الذي يشعر به المثقف بالمعنى الواسع للكلمة..أمام عينيه ومسمعه، اقصد السؤال المهم حول ما يحصل واين نحن مما يحدث ؟..

 

د. قاسم جمعة

 

ادريس جنداريفي مقال له بعنوان (الربط القار وعلى الفور) نشرته مجلة زمان الفرنكفونية، في نسختها المعربة لغة المفرنسة منهجا، يستعجل حسن أوريد ربط المغرب بأوربا، ذهنيا، وعلى الفور !!! على شاكلة ما يوهم به السحرة والدجالون من (إعجاز) !  وعلى مسار المثقف البريكولور، يزعم أوريد القدرة على حل إشكاليات فكرية عويصة بجرة قلم حالمة، وهو يتصور أن الحداثة لا تعدو أن تكون عملية نسخ ولصق لنموذج موجود مسبقا.

تحدث أوريد عن الطموح الثقافي لطه حسين بأوْرٓبة (من أوربا) مصر، وتحدث عن الطموح السياسي لأتاتورك بأوربة تركيا، قارن بين  ليبيا (الأصالة) التي فشلت في الأوربة الذهنية ! وبين إمارات (المعاصرة) التي نجحت في الأوربة الذهنية !  لا تهم هذه المقارنات، لأنها تحطب على نهج حاطب الليل الذي يجمع الحجر مع الحطب ! لكن، ما يهم أكثر لم يذكره مثقفنا الحاطب.

لم يذكر أوريد، مثلا، النموذج الصيني الذي ينافس القوى العالمية وتجاوز، منفردا، كل ما أنتجه الأوربيون مجتمعون بكل قومياتهم وفلسفاتهم ولغاتهم. لم يحدثنا عن الطفرة التي عرفتها تركيا، خلال العقدين الأخيرين، وعلاقة ذلك بتراجع النموذج العلمانوي الأتاتوركي المُؤٓورٓب، لم يحدثنا عن إندونيسيا وماليزيا وعن التنينات الآسيوية... هذه النماذج، التي يتجنب أوريد ذكرها باعتبارها إمكانيات جديدة للحداثة، تهدد نموذجه التفسيري التقليدي الذي ما زال حبيس تصور أوربوي -إن لم يكن فرنسوي- النزعة، وذلك لأن هذه النماذج استطاعت أن تؤسس حداثتها من خارج النموذج المُؤٓورٓب.

يريد أوريد أن يوهم القارئ الهاوي بأن الحداثة مشروع إيديولوجي يمكن تحقيقه عبر ترسيخ الاعتقاد بالانتماء إليه ( النية أفضل العمل)، ولذلك يجب على المغاربة أن يتأوربوا ذهنيا (أي أن يهدموا/يحطموا خصوصيتهم الحضارية) لكي ينجحوا في تحقيق الأثر السحري للحداثة !

أوريد، مرة أخرى، يريد أن يوهم القارئ الهاوي بأن الحداثة ليست مشروعا معرفيا يتأسس من داخل البراديغم الحضاري، وباعتماد الخصوصية الحضارية، لغة وثقافة وقيما روحية. إن هيمنة الإيديولوجي على المعرفي، في مقاربة أوريد، تحولها إلى دعاية سياسية رخيصة لنموذج التغريب، في صيغته المفرنسة، كبديل لنموذج الحداثة في صيغته الكونية المتعددة.

- الحداثة كتصور إيديولوجي.. من الخصوصية إلى الأوربة

حينما يستعجل أوريد أوربة المغرب فورا دون إعارة أي قيمة لمنجزه الحضاري العربي الإسلامي، فإنه بذلك يستعيد المكبوت الكولونيالي، بطريقة لا واعية، خصوصا وأنه فاعل عرق-كولونيالي بارز في الساحة الثقافية والسياسية المغربية، يسعى إلى استعادة أصل ثقافي ولغوي أمازيغي موهوم لا أثر له في التدوين الكتابي، إلا ما خطته الأقلام السوسيولوجية والتاريخية الكولونيالية، التي كانت تسعى إلى استئصال المغرب من امتداده الحضاري العربي الإسلامي، والزج به في متاهات التاريخ الروماني القديم .

لقد كان المتن/المنهج التاريخي والسوسيولوجي الكولونيالي يتعامل مع المغرب باعتباره جزءا لا يتجزأ من شمال إفريقيا كمستوطنة رومانية قديمة، تمكن العرب المسلمون من احتلالها بعد طرد المستوطنين الرومان. لذلك، فإن مهمة الاستعمار الفرنسي هي وصل ما انفصل، واستعادة الارتباط بين المستوطنة الشمال-إفريقية وانتمائها الروماني، ولا يمكن تحقيق هذا المشروع إلا من خلال التوجه مباشرة إلى استئصال كل ما يمت إلى الإسلام والعروبة بصلة.

لذلك، فمن واجب الحملة الاستعمارية أن تعيد الرموز الدينية والثقافية واللغوية إلى المستوطنة الرومانية السابقة. وفي هذا السياق الإيديولوجي الملغوم، فقد تم الترويج للأصل الأوربي للبربر قصد تسهيل المهمة الاستعمارية، فالنظرية القائلة بأن أصل البربر من أوربا –حسب عبد الله العروي- روجها عسكريون وموظفون فرنسيون بإعانة بعض المترسلين. ويعلق العروي: هذه نظرية متفرعة، في الحقيقة، عن سياسة إدماج إفريقيا الشمالية في المجموعة الفرنسية. ( مجمل تاريخ المغرب- ص:47).   ولا يمكن تحقيق هذا المشروع إلا من خلال التوجه مباشرة إلى استئصال كل ما يمت إلى الإسلام والعروبة بصلة:

- على مستوى الإسلام، تم الترويج للانتماء الديني المسيحي لشمال إفريقيا، فساكنة هذا الامتداد الجغرافي، حسب التصور الكولونيالي، كانت تدين بدين المسيح الذي فرضته السلطة المركزية في روما باعتباره الدين الرسمي للإمبراطورية ومستوطناتها. ولذلك، فقد حضر الاسلام باعتباره دينا دخيلا وغازيا يجب استئصاله من الجذور.

- على مستوى العروبة، تم الاستناد إلى المتن الخلدوني من خلال ترجمة إيديولوجية لمفاهيمه، وذلك بهدف تحقيق الخلط بين مفهومين مختلفين في بعدهما الاصطلاحي وفي مجالهما التداولي. الأول هو " العروبة" كإحالة على حضارة إنسانية متعددة المشارب الثقافية تتجاوز البعد العرقي إلى البعد الثقافي والديني. والمفهوم الثاني هو " الأعراب" كإحالة على نمط اجتماعي يقوم على الترحال وهو لا يخص العرب بل يتجاوزهم إلى باقي الشعوب الصحراوية عبر العالم . ومن خلال هذا الخلط بين " العرب" و" الأعراب" في الترجمة الإيديولوجية للمتن الخلدوني تمكن المتن الكولونالي من ربط العروبة كحضارة، بخصائص اجتماعية وسياسية تقوم على أساس النهب والاستغلال والقتل. ومن خلال ذلك تمكن المتن الإيديولوجي الكولونيالي من رسم صورة استعمارية غازية للعرب الفاتحين المؤسسين، في شراكة مع إخوانهم الأمازيغ، لأول دولة مغربية مستقلة في تاريخ شمال إفريقيا، وذلك في أفق صياغة أسطورة الشعب البربري الأصلي المستعمر.

هكذا، لا يمكننا استيعاب الكثير من الأوهام الثقافوية التي يروج لها أوريد، إلا من خلال ربطها بالأصل الكولونيالي الذي صنعها في مختبراته ووظفها في حربه العسكرية والثقافية، ولذلك فإنه لا يضيف جديدا حينما يروج لأوربة المغرب بادعاء الحداثة والانفتاح الثقافي واللغوي، وذلك لأنه ينهل، بشكل أعمى، من المتن/المنهج الإيديولوجي الكولونيالي الذي صنع هذه الأوهام وروجها.

الحداثة كتصور معرفي .. إمكانية توطين المنهجية الحداثية.. نموذج مُقارَن

إن استحضار سيرورة الحداثة، من منظور معرفي،لا يعني الدعوة إلى استنساخ التجربة الفكرية والعلمية الغربية، بشكل حرفي، ولكن الأمر يتعدى ذلك، بكثير، وذلك لأن الحداثة هي تصور منهجي حديث، على مستوى التفكير، وليست مُتونا علمية ونماذج اقتصادية وسياسية واجتماعية جاهزة. لذلك، تظل الدعوة إلى الحداثة، جوهريا، دعوة إلى العقلنة في التفكير، وإلى التعددية والاختلاف في المجتمع، وإلى الاحتكام للإرادة الشعبية في السياسة، وإلى تكريس نموذج إنتاجي معقلن في الاقتصاد. إن الحداثة، بهذا المعنى، تجسد صورة نسق اجتماعي متكامل، وملامح نسق صناعي منظم وآمن، وكلاهما يقوم على أساس العقلانية في مختلف المستويات والاتجاهات.

Jean-Pierre pourtois et Huguette desmet- l’éducation post-moderne- p.u.f- paris 1997 – p : 26

و لعل هذا، هو ما يدفعنا إلى الحديث عن وحدة التصور المنهجي الحداثي، باعتباره يمثل مرحلة متقدمة من تاريخ الإنسانية ساهمت في بنائه مختلف التجارب الحضارية السابقة، ويبقى التجسيد الغربي الحديث منتوجا متطورا لهذه التجارب.  وهذا المنظور، في التحليل، يفتح أمامنا المجال واسعا للحديث عن إمكانية التعدد والاختلاف في تجسيد النموذج المنهجي الحداثي، ولعل هذا هو ما وعت به مجتمعات آسيوية كثيرة، كانت سباقة إلى الانفتاج على هذا النموذج المنهجي الحديث، محاولة تبيئته في علاقة بتصورها الحضاري. ويمكن الحديث هنا عن التجربتين اليابانية والصينية، وهما تجربتان غنيتان بالدلالة، خصوصا وأن كل تجربة منهما تمثل تصورا منهجيا خاصا للحداثة.

- التجربة اليابانية، في علاقتها بالتصور الليبرالي الغربي، وهي تجربة حاولت استنبات الحداثة الفكرية والتحديث التقني، في التربة اليابانبة، من دون السقوط في التغريب. فقد كانت ثورة الميجي موجهة بالأساس إلى استلهام التجربة الغربية، فكريا وعلميا، لكن من خلال رؤية خاصة للعالم تتحكم فيها الخصوصية اليابانية. ولذلك، فإننا، اليوم، نتحدث، بشكل موضوعي، عن النموذج الحداثي/الليبرالي الياباني الذي يمتلك خصوصيته التي تميزه عن النموذج الأورو-أمريكي.

- التجربة الصينية، في علاقتها بالتصور الاشتراكي، وهي تجربة استلهمت النموذج الياباني، ابستمولوجيا، رغم التعارض الإيديولوجي معه. فقد عمل ماوتسي تونغ على محاولة استنبات النموذج الاشتراكي في التربة الصينية، لكن من خلال رؤية خاصة للعالم، ولذلك فإن التجربة الاشتراكية الصينية ليست استنساخا للتجربة السوفييتية، وهي مختلفة عن تجارب أمريكا اللاتينية وأوربا الشرقية، بل إنها تمثل نموذجا خاصا ضمن التصور الاشتراكي.

إن المشترك، بين التجربتين، هو اعتمادهما معا لمقاربة ابستمولوجية في تعاملهما مع الحداثة الغربية، فكل من الميجي وماوتسي تونغ لم ينشغلا في الحداثة الغربية بمضمونها الإيديولوجي لأن سؤال الخصوصية الحضارية كان محسوما لديهما، منذ البداية، لقد كان الاهتمام بتوطين التصور الحداثي، علميا وفكريا، يمر عبر اعتماد منظورهما الحضاري الخاص، ولذلك نجحا معا في استنبات شكلين مختلفين للحداثة في تربة آسيوية مختلفة عن التربة الغربية، وقد تمكنا بذلك من تحويل هذا الاستنبات إلى شجرة أصيلة تمتد جذورها في التربة الحضارية للذات الحضارية، أكثر من امتدادها في التربة الحضارية للآخر الحضاري.

و لعل المدخل الرئيسي لنجاح هاتين التجربتين، ليكمن في اقتناع اليابانيين والصينيين، بأن العملية التحديثية، تقنيا، تحتاج إلى روح منهجية حداثية، لذلك انفتح كل منهما على تصور خاص للحداثة محاولا استيعابه، من منظور أبستمولوجي، وبعد ذلك تم الانتقال إلى تجسيد هذا التصور، اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا، بشكل يجمع، بإبداع، بين الخصوصية التاريخية والثقافية من جهة، وبين التصور المنهجي الحداثي في امتداده الكوني من جهة أخرى.

إن ما ميز تجربتي الحداثة، في علاقة بالنموذجين الصيني والياباني، هو اعتمادهما الطابع الخاص للمجتمع الشرقي، لكن على أرضية التواصل مع الكوني. وقد تحقق هذا النجاح نظرا لتوفر مجموعة من الشروط يلخصها الباحث عبد اللطيف الخمسي، في توفر إنتلجنسيا عقلانية، وطبقات صاعدة وحركات قومية متنورة، ودين منفتح يكثف رؤية فلسفية للعالم. وقد ساهم توفر هذه الشروط، حسب الباحث، في تأسيس حداثة نوعية عميقة، أصبحت نموذجا يحتذى يبدأ بالوعي التاريخي والنقد العلمي لواقع التخلف، وينتقل إلى ترجمة فلسفة الأصالة، ليس كجواهر وماهيات وأساطير بل كقدرة على بناء علمي للقديم وفق الجديد.

 

د. إدريس جنداري – باحث

 

مجدي ابراهيمإذا صلحت اللغة مما لاشك فيه صلح الفكر بالضرورة واستقام. أما ما تراه أمامك يحدث من تدهور التفكير وانهياره فأمره إلى اللغة يرتد ومنها ينطلق؛ فليس هنالك فكر جيد يُعَبَّر عنه بلغة رديئة إلا كان وصمة عار على صاحبه، ولا كانت هنالك لغة رديئة يمكنها أن تصوغ فكراً جيداً إلا اتصفت بالركاكة والإرباك والقصور في تأدية وظيفتها الفنية فضلاً عن وظيفتها المعرفية. هذه الملاحظة وحدها تجعلنا نقف وقفة قصيرة لتحليل العلاقة الناشئة بين أدب الكاتب واستعداد القارئ لتلقي الأدب؛ إذْ الأدب العربي هو الذي يفرض على جميع المستويات الظاهرة ذلك الإحساس الناشئ بجمال الكلمة ثم أثرها المباشر على الشعور والوجدان.

لك أن تلاحظ أكثر الذين كتبوا من أدبائنا ومفكرينا وكتابنا بفكرة واعية في الحديث أو في القديم، كما كتبوا بباطن مصقول بخبرة التجارب المعرفية في حياتهم الفكرية والثقافية، لتجد أساليبهم دالة على طريقة تفكيرهم بمقدار دلالتها سلفاً على حياتهم الواعية؛ المعنوية والروحيّة؛ فأقربُ شيء إلى معرفة الحياة الروحية والثقافية للكاتب أو الأديب أو المفكر هو كلماته ومفرداته وطريقة استخدامه للغة فيما ينشئه من أفكار أو فيما يطرحه من موضوعات أو فيما يبدعه من لوحات قلميّة.

وليس أصدق عندي من قول الأستاذ "العقاد" فيما كتبه عن الفيلسوف البريطاني "فرنسيس بيكون" إزاء التفرقة بين جوانب العبقرية في الأفراد العبقريين أصحاب التجارب العليا؛ فأحدهما يجمع عبقريته في عمل واحد من الأعمال الفكرية أو الأدبية، إذ يفرَغ من تجربته كلها في هذا العمل. والثاني يوزعها على أعماله بقدر المستطاع فلا تلبث أن تقوم فيه التجربة منوّعة على جملة الأعمال التي يتناولها، ولا تزال فيه بقية منها لكل عمل ولكل عطاء، حيث قال :" من العبقريين من تعرف مداه بكتاب واحد أو قصيدة واحدة؛ لأنه يرتقي إلى أوجُّه في بعض أعماله فيأتي بخير ما عنده أو بكل ما عنده، وتصرفه حق عرفانه فلا تحتاج إلى تجربة له بعدها، ولا تصيب في التجربة الجديدة إلا تكراراً لا جديد فيه. ومنهم من يعطيك جزءً من عبقريته في كل جزء من كتاباته، فبعضها لا يدل على مداها كلها، وتكرار القراءة فيها ينتهي بك كل يوم إلى جديد، فلا غنى لك عن التجربة لسبر غورها والإحاطة بمداها، والحكم عليها في جميع أحوالها (ص: 50).

ومن أجل ذلك؛ كان أسلوب الكاتب مأخوذاً من السلب, لأنه يسلب من عبقريته جزءً منها، بمعنى أنه يسلب من ذات نفسه كل ما يعز على غيره أن يسلبه ويجود به على الأوراق. إنه ليَضَع نفسه أمام قارئه مكشوفاً باذلاً فيما يضع مهجته غير منتظر من أحد جزاءً ولا شكوراً. فإذا كان الأسلوب يدل على طريقة التفكير؛ فمن باب أولى فهو يدل كذلك على عمق هذا "الفكر", وعلى أبعاده الحضارية ثم على اختلاف هذه الأبعاد والمنطلقات من مفكر إلى مفكر، ومن كاتب إلى كاتب، فضلاً عن دلالاته المباشرة على عبقريته وتفرده بها بين العباقرة والخَلّاقين.

ويُخيَّلُ إليَّ، من بعدُ، أن العاطفة التي تنشئها الكلمة الصادقة لهى أقوى العواطف وأشرفها في عالم المشاعر المُوحية، وفي دنيا العقول الكاشفة، وفي ثمار الأخلاد والأذهان المفكرة؛ لأنها العاطفة التي لا دخل لها بالمعارف المزيفة والعلاقات الشخصية الواهية، ولا شأن لها بالمجاملات والمصالح و"المحسوبيات" الزائفة التي تجري عليها ثقافة المجتمع المأفون في عاداته القائمة بين أفراده من اعتبارات الخفض والرفع على حساب قيم الحق والصدق والعدالة والإنصاف, وموازين الإخلاص للأعمال بُله الأفكار والأقوال، ونزاهة الحكم على هذا أو ذاك من أبنائه الذين يولونه الرعاية مخلصين، أو يولونه النكاية عابثين لا جادين!

والمفترض أن تكون "العاطفة" التي تنشئها الكلمة الصادقة الطيبة هى أقوى العواطف جميعاً وأشرفها بغير منازع؛ لأنها هى أدق العواطف التي تخاطب العقل وتثري الذوق والضمير هادفة إلى تشكيل وجدان الأمة، أو ينبغي أن تكون كذلك. وربما تولَّدت من هذا السحر العلوي يتوهَّج به صدق الكلمة على الدوام؛ فللكلمة الصادقة فيما نعلم سحرٌ علوي مُفَاض فيض الكرماء، هو سحر اللغة في شاعريتها الحساسة، ولها (أي الكلمة) من أجل ذلك، وشائج من القُربة الجامعة والرحم الموصول ما من شأنه أن يهيئ لعارفيها موارد الألفة والتراحم وأجواء المحبة والتقارب والتَّوَاد؛ هذا عندي هو المفروض.

أما الواقع الذي يقول غير ما تفرضه الكلمة الواعية من تنازع وتخاصم وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فهو واقع لا تعطيه الكلمة الطيبة الصادقة, وإنما تعطيه الكلمات الخبيثة الكاذبة.

تنحتُ أقلام المبدعين في عالم الكلمات جديداً، فيستقبله القارئ على مقدار ما يفهم، أو على مقدار الطبيعة التي وافقت بواطنه وخفاياه واستمكنت من شعوره الرابض في أعماقه بكل لفظة يكتبها أديب، فتقوم - من ثمَّ - العلاقة عاطفة ناهضة بتقدير المعنى وإجلال المبنى بين كاتب يبدع وقارئ يستقبل إبداع الكاتبين.

فإذا نحن وجدنا كاتباً لا تقوم بينه وبين قارئه عاطفة قوية ومؤثرة؛ فليعلم من ذات نفسه أولاً أنه لم يقدِّر شعور القراء ولم يحترم عقولهم، ولم يتهيأ نفسياً لكي ينشئ مثل هذه العاطفة في كلماته، ولم يتعاط  فضلاً من الله مُفاضاً مواهب القبول، ولم تكن أعماله على الجملة إلا من قبيل الغرور الأجوف يتعالى به على خلق الله. والسَّاحاتُ الثقافية والأدبية والفكرية تشهد بوجود أناسُ ماتوا فيها قبل أن يولدوا، ربما كانوا غير مؤهلين ولا هم بالمهيئين لأن يكونوا من روادها أو حتى من أقزامها بل ظهروا في غفلة من الزمن المنكود كيما يسودوا ويترأسوا سيادة الرُّوَيبضة ورياسته على الأقزام المعاوير، وهم لا يعلمون أن لهذا التأهيل مواهبَ إلهية ليس فضل المرء فيها غير تزكية الاكتساب وفق استعداد موهوب.

فالعملُ الطيب والإنتاج المخلص الصادق هاهنا هو الذي يفرض نفسه، وهو الذي ينبغي أن يفرض نفسه. هذه سنة الله في خلقه، وتلك وحدة قصد صُلَّاح المخلوقين من عباده :"والبلدُ الطيِّبُ يخُرُج نَبَاتُهُ بإذنِ رَبِّه, وَالذي خَبُثَ لا يخرج إلا نكِداً" (الأعراف : آية 58) أي نعم! فسَّر العلماء "البلد الطيب" بمعنى  "القلب الطيب". والقلب الطيب أساس كل شيء ومصدر لكل شيء, ومعولُ عليه في كل شيء, ولا يعولُ على شيء خارجه. البلد الطيب هو القلب الطيب تخرج منه على الدوام الكلمة الطيبة لتدفع صاحبها إلى العمل الصالح. والقلب الخبيث تصدر منه باستمرار الكلمة الخبيثة لتشوه الصالح وتسفه بالباطل أعمال الآخرين؛ وهى حين تصدر من قلب صاحبها لا تصدر إلا نكداً، ولا يجوز في حقها إلا وصف النكد كما وصف القرآن، وهو الذي (أي وصف النكد) لا يدل من الوهلة الأولى إلا على الخبث وسوء الطوية وظلمة الفؤاد.

الكلام الذي لا يعطي قوة في الصدق لا يعوّل عليه، إنما هو مجرد كلام لا يفيد صاحبه في شيء، ولا يصلح على الإطلاق أن يكون كلاماً، ولستُ أراه يرتقي إلى درجة الإفادة لا لشيء إلا لأنه خارج من اللسان دون القلب. ولقد صدق ابن عطاء الله السَّكندري حين قال في "الحِكَم" : "كل كلام يبرز وعليه كسوة القلب الذي منه بَرَزَ".

هذه كلمات من نور، من الجدير أن تكتب بماء الذهب لا بمداد حبر أسود داكن لا يلبث أن يجف بمجرد رقمه على الأوراق التي يكتب عليها، كلمات نورانية غمرها نور التزكية ينبغي أن تكتب فيما نرى بمداد القلوب، هى كلمات ليست تخرج عن لسان يردد الكلمة ويكتفي بذلك، وإنما من نور القلب يبرز الكلام الذي يخرج وعليه من كسوة القلب ما عليه من بروز. ولما كان اللسان تُرجمان القلب إذا صفا من الأكدار  وتزكى من الأغيار وأشرقت فيه الأنوار؛ كانت ترجمانية لسانه على قدر صفائه وتزكيته وشروق الأنوار فيه، فيتكلم صاحبه - فيما يقول ابن عباد الرندي في شرحه على الحكم العطائية - بالكلام النُورانيِّ الذي يلج آذان السامعين، فتفتح بسببه إذْ ذَاَكَ أقفال قلوبهم ويستجيبون به لنداء الحق حبيبهم (شرح الرندي على الحكم العطائية - جـ 2؛ ص 40 - 41).

" كل كلام يبرز وعليه من كسوة القلب الذي منه برز "

هذه الحكمة العظيمة لا يمكن أن تجيء لمجرد تبرير لمواطن الحكمة فيها وكفى، لكنها جاءت لتكون هى الأساس الذي يجعل الفرد قادراً على أن يتصور كيف تنطلق الألسنة بالصدق إذا هى فقهت على الحقيقة حكمة القلوب، فقهت! لا بل سلكت تلك الحكمة فمزجت بين النظرية والممارسة، فأنتج هذا المزيج حدساً دالاً من فوره على شخصية صاحبه من الوهلة الأولى، ولم يشي بدلالة سواه.

قُلْ لي بربّكَ : إذا لم تكن العظمة الإنسانية ممثلة في مثل هذه الكلمات، ومجسدة في مدارك أصحابها، ففي ماذا عَسَاكَ تراها تكون؟

"كل كلام يبرز وعليه من كسوة القلب الذي منه بَرَز"

ولم تكن بالفعل حكمة كتلك الحكمة التي تعطي الأساس في توجُّهات القلوب لترسم الصورة الأكيدة لأناس نظروا إلى الحياة الروحية نظرة التحقيق والمعايشة، فانشغلوا بقلوبهم : إصلاحها وتزكيتها وتراحمها، ولم ينظروا إلى الخارج مما عَسَاه يجري في الطريق - مرضاً  أو عرضاً - مجرى الخذلان والتردي والنكوص. وحين يحيط الهوى بالنفس البشرية تنقلب من فورها إلى سلوك يخضع في جميع المعاملات وجميع الاعتبارات إلى فوضى لكنها في الغالب تكون فوضى منظمة وفقاً لمقتضيات العقل في تصريفها وطبقاً لِلَوائح العرف وقواعد التقليد وهل للتقليد قواعد؟ نعم! وله أنظمة ومظاهر ومؤسسات وتوجهات وممارسات.

من القلب الطيِّب تصدر الكلمات الفاعلة، وعليها من كسوة القلب الذي منه بَرَزَتْ. هذه حقيقة تثبت كلمة الحق من لسان صدق : طهَّر رسول الله - صلوات ربي وسلامه عليه - الكعبة من الأصنام التي كانت حولها بالكلمة. وبالكلمة وحدها حطم رسول الله في فتح مكة كل الأصنام التي كانت محيطة بالكعبة، وكان عددها إذْ ذاك ثلاثمائة وستين صنماً، وكانت كلمته المباركة :" قل جاء الحق وزهق الباطل، إنّ الباطل كان زهوقاً "؛ وكلما رددها سقطت الأصنام تتهاوي من تلقاء نفسها حتى تم تطهير الكعبة منها، بماذا؟ بكلمة الحق من لسان صدق. تلك قيم غابت عنا ولم نفعلها في حياتنا الثقافية والروحية وحسبناها في زوايا التاريخ.

في مثل هذا أو نحوه تكون فاعلية الكلمة، وفي خضم تلك القيم النافعة تجيء آثارها البارزة في القلب الطيب الذي يخرج نباته بإذن ربه. فالعمل بالكلمة الصادقة هنا هو الذي يفرض نفسه كما قلنا فيما تَقَدَّم وهو الذي ينبغي أن يفرض نفسه، وهو هو الذي يقيم تلك العاطفة قوية ناهضة بين المرسل والمستقبل، ولا شيء فوق هذا، ولا شيء أبعد من هذا، إلا أن تكون الأمانة الأمينة الواعية بين إرسال الكاتب إبداعه، واستقبال القارئ مبدعات الكاتب الذي أثرى فيه المعنى واضحاً وزاده متعة فوق ما يُمتعه بما يكتب في فجاج الفكر وسراديب الروح ودخائل النفس وصفاء البواطن وعمق الوجدان. ولم تكن الكلمة الصادقة إلا ينبوعاً من اللغة الخالدة, ولم تكن سوى أثراً من آثارها الباقية، وبخاصة حين تتحول الكلمات فيها إلى أفعال. (وللحديث بقيّة).

 

بقلم : د. مجدي إبراهيم

 

محمود محمد علينحاول في هذا المقال الثاني الكشف عن مشروعية العلاقة بين المنطق والنحو عند نحاة القرن الرابع الهجري ؛ لاسيما، وقد خضعت البحوث النحوية على أيدي هؤلاء النحاة  في هذه المرحلة للمنطق في كلياتها وجزئياتها ؛ أى في مناهجها وأصولها ثم أحكامها، حقيقة لا يرفعها ما حدث في هذه المرحلة نفسها من هجوم بعض النحاة علي المنطق نظرا ونقدهم للنحاة المسرفين فيه فعلا . ولعل أبرز من أسهم في هذا المجال " أبا علي الفارسي"  في نقده لاتجاه "علي بن عيسي الرماني"، الذي يراعي فيه الحقائق المنطقية ويحرص علي الاهتداء بها، إذ يقول " لو كان النحو ما يقوله الرماني لم يكن معنا منه شئ " . ومن قبله أبو سعيد السيرافي الذي يرفض اعتبار المنطق مقياسا صالحا للاستخدام في كافة العلوم، وعلي رأسها النحو.

وهذا الهجوم على المنطق نظرا، وعلى المسرفين في تطبيقه في مجال البحث النحوي خاصة، لا يؤثر في تلك الحقيقة التي أشرنا إليها منذ قليل، وهي خضوع البحوث النحوية للقواعد والأساليب المنطقية لسبب يسير جدا، وهو أن هؤلاء النحاة الذين هاجموا المنطق قد تأثروا به بالفعل في إنتاجهم النحوي، وتحليل إنتاج هؤلاء النحاة يكشف عن أن هذا التأثير بالبحوث المنطقية قد بلغ درجة الخضوع الكامل لاتجاهات المنطق اليوناني، والالتزام الدقيق بشروطه، ومقدماته،وأشكاله، وقضاياه . ونظرة واحدة إلى شرح كتاب سيبويه للسيرافي، ثم إلى المحفوظ من كتب " أبي علي الفارسي "؛ وبخاصة كتابه " الإيضاح"، كافية لتأييد هذه الحقيقة، ففي كافة مجالات الدرس النحوي التي يدرسها " السيرافي " في شرحه،ويتناولها " الفارسي " في إيضاحه، مجد أثر الثقافة المنطقية واضحا في الحدود،والتقسيم،والتمثيل،والتعليل، أي في الأصول والفروع جميعا .

ومن ثم يأتي هذا الفصل ليقدم صورة للتفاعل الإيجابي المثمر مع الثقافة المنطقية اليونانية، مما جسده الفكر النحوي في القرن الرابع الهجري لدى خمس شخصيات من أهم نحاة العربية الكبار: "ابن السراج"، و"الزجاجي"، و"السيرافي"، و"أبو علي الفارسي ".

أولًا : أبو بكر السراج:

يعد ابن السراج من أوائل نحاة القرن الرابع، الذين أفادوا من الثقافات الجديدة، وأفسحوا لها السبيل لكي تؤثر في الدرس النحوي تأثيرًا واضحا وفاعلا ؛ فقد قال عنه ياقوت الحموي : "ما زال النحو مجنونا حتى عقله ابن السراج بأصوله" ؛ حيث ظلت أبواب النحو ومسائله ردحا من الزمن مضطربة مغلقة، مثار جدل،وأخذ ورد يكتنفها الكثير من الغموض واللبس، إلى أن جاء ابن السراج فأنار دروبها المظلمة، فبوب وهذب وقارن وعقل كل مسألة بأصولها، فاختفي ذلك التداخل في الأبواب، وذلك الاستطراد الممل، وحل محلها حسن الترتيب والتبويب، والنظرة القويمة المبنية علي سلامة النطق والفكر.

وعن كتاب الأصول قال ابن خلكان : " وهو من أجود الكتب المصنفة في هذا الشأن وإليه المرجع عند اضطراب النقل واختلافه"، وقد قال عنه بعض الباحثين إنه رائد الاتجاه المنطقي في النحو العربي ؛ حيث كانت محاولته لتقنين أصول النحو بداية لهذا التحول الفكري في صياغة النحو العربي صياغة منطقية.

ومما يروي في هذا الصدد أن " أبا بكر السراج " كان " يتلقى المنطق علي يدي الفيلسوف " أبي نصر الفارابي " المتوفى سنة 339 هـ، كما كان الفارابي يتلقى عليه النحو، وأنهما اتفقا على ضرورة مزج النحو بالمنطق "، قال ابن أبي أصيبعة :" وفي التاريخ أن الفارابي كان يجتمع بأبي بكر بن السراج، فيقرأ عليه صناعة النحو وابن السراج يقرأ عليه المنطق .."، ولكن ابن السراج لم يكن نحويا فحسب، ولكن كان علي اتصال بفكر المعتزلة أيضا، فقد ذكر أبو حيان التوحيدي، أن مراسلات جرت بين ابن السراج وأبي الحارث الرازي تتعلق بفنون الكلام.

وقد ألف " ابن السراج " فيما ألف كتابا سماه " أصول النحو " وقد وصفه المتقدمون بأنه " أحسن مؤلفاته وأكبرها، وإليه المرجع عند اضطراب النقل واختلافه، جمع فيه أصول علم العربية، وأخذ مسائل سيبويه، ورتبها أحسن ترتيب "، كما وصفه " الزبيدي " بأنه " غاية في الشرف والفائدة " .

وقد قال " المرزباني " في صفة هذا الكتاب " صنف كتابا في النحو سماه "الأصول" انتزعه من أبواب كتاب سيبويه، وجعل أصنافه بالتقاسيم على لفظ المنطقيين، فأعجب بهذا اللفظ الفلسفيون، وإنما أدخل فيه لفظ التقاسيم، فأما المعني فهو كأنه من كتاب سيبويه علي ما قسمه ورتبه، إلا أنه عول فيه على مسائل الأخفش ومذاهب الكوفيين، وخالف أصول البصريين في أبواب كثيرة لتركه النظر في النحو وإقباله على الموسيقى .

وما قاله " المرزباني " يفيد أن "ابن السراج"، كان من الذين ملك المنطق عليهم نفوسهم، فأعجبوا به أشد الإعجاب، وانتصروا له أيما انتصار، لدرجة أنه كان يقحم المنطق في صميم المادة العلمية .

وهذا المعني نستروحه في كتابه " الأصول " حيث نهج فعلا في هذا الكتاب هذا المنطق المنهجي، سواء في التعريفات، أو في الاستدلالات، فعلى المستوي التصوري للمصطلحات النحوية، من حيث تعريفاتها وبيان حقائقها يمكن تلمس أثر المنطق في المقدمة التي كتبها ابن السراج لكتابه " الأصول " ؛ حيث يعمد إلى ترتيب الموضوعات ترتيبا منطقيًا صارمًا تراعي فيه اعتبارات العموم، ثم التقسيم حسب الضرورة المنطقية . يقول "ابن السراج " فقد أعلنت في هذا الكتاب أسرار النحو وجعته جمعا يحصره، وفصلته تفصيلا يظهره، ورتبت أنواعه وخصوصه في مراتبها " .

ومن الواضح أن "ابن السراج" قد أفاد من المنطق، وبخاصة من الناحية الشكلية ؛ حيث دأب في أغلب أبواب كتابه " الأصول " علي استخدام أسلوب المناطقة في التقسيم، والترتيب، من ذلك قوله :" الحروف تنقسم إلى ثلاثة أقسام ... الأسماء التى ترتفع خمسة أصناف ...الأسماء المنصوبة تنقسم قسمة أولي علي ضربين ... الضرب الأول ينقسم إلي قسمين : مفعول ومشبه بمفعول، والمفعول ينقسم إلي خمسة أقسام " .

والملاحظ أيضا أن هذا التأثر بالمنطق في الجانب التنظيمي، أدي بابن السراج إلى استخدام الكثير من مصطلحات وألفاظ المنطق، من ذلك استخدامه مقولة الجنس والنوع، ففي باب الاستثناء يقول :" الاستثناء الصحيح، إنما هو أن يقع جمع يوهم أن كل جنسه داخل فيه، ويكون واحد منه أو أكثر من ذلك لم يدخل فيما دخل فيه السائر بمستثنيه منه، ليعرف أنه لم يدخل فيهم، نحو " جاءني القوم إلا زيد".

ويقول كذلك في باب التمييز :" فالتمييز إنما هو فيما يحتمل أن يكون أنواعًا ". كما قسم الاسم المفرد المتمكن في الإعراب على أربعة أضرب أحدها الجنس قائلا :" الجنس : الاسم الدال علي كل ما له ذلك الاسم، ويتساوي الجميع في المعني، نحو الرجل، والإنسان، والمرأة والجمل ... وجميع ما أردت به العموم، مما يتفق في المعني بأي لفظ كان فهو جنس، وإذا قلت : ما هذا ؟ فقيل لك : إنسان، فإنه يراد به الجنس، فإذا قال : الإنسان فالألف واللام لعهد الجنس وليست لتعريف الإنسان بعينه ".

وإذا ما اتجهنا إلي التعاريف ذاتها،لنتأكد من هذا المعني بدراسة بنيتها، فأول ما نلاحظه أن " ابن السراج " يحرص في الغالب على أن يراعي مقولة المعرف ؛ فيصدر التعريف بلفظ يناسب تلك المقولة، ويدل عليها، ولنأخذ مثالا لذلك تعريفاته لأجزاء الكلام الثلاثة، يقول " الاسم ما دل علي معني مفرد، وذلك المعني يكون شخصا وغير شخص " وإنما قلت ما دل على معني مفرد لأفرق بينه وبين الفعل إذا كان الفعل يدل على معني وزمان، وذلك الزمان، إما ماضي وإما حاضر، وإما مستقل " .

ثم إننا كثيرا ما نجد " ابن السراج "، يشير في التعريف إلي أنه من باب الحد قائلًا ( حده كذا )، يتضح ذلك حين عرف " المضاف إليه " فقال " حد المضاف إليه هو أن يصير مع المضاف بمنزلة اسم واحد هو قولك عبد الملك، ولو أفردت عبدا من الملك لم يدل على ما كان عليه عبد الملك " .

ولما كان تقسيم التعريف بالحد كثيرا  ما يكون بالجنس، والفصل، فإن التزام " ابن السراج " به علي تلك الدقة يظهر مدي تأثره بالتعريف الأرسطي، يتضح ذلك من تعريفه لمقولة الصفة التي يري أن لها وظيفة، مثل الفصل في الحد الأرسطي ؛ حيث يقول " وكل موصوف فإنما ينفصل من غيره بصفة لازمته في وقته " ، وفي نص آخر يشرح " ابن السراج " هذه الفكرة بقوله : " ألا تري أنك إذا قلت : جائني زيد فخفت أن يلتبس الزيدان علي السامع، أو الزيود قلت : الطويل وما أشبه لتفصل بينه وبين غيره ممن له مثل اسمه، وإذا قلت جاءني هذا فقد أومأت إلي واحد بحضرتك، وبحضرتك أشياء كثيرة، وإنما ينبغي لك أن تبين له عن الجنس الذي أومأت إليه، لتفصل ذلك عن جميع ما بحضرتك من الأشياء، ألا تري أنك لو قلت له : ما هذا الطويل؟ وبحضرتك إنسان ورمح وغيرهما لم يدر إلي أي شئ  تشير" .

يتبن من هذا أن " ابن السراج " علي هذا المستوي التصوري، قد تأثر في تقريره لتصوراته للحقائق اللغوية، والنحوية بالمنطق الأرسطي، من حيث قد جري على قواعده في تحرير الحدود، فهل كان كذلك علي مستوى الاستدلالات ومعالجته لقضايا النحو ؟

الحقيقة أننا نجد أن " ابن السراج " إذا قورن بالنحاة الذين سبقوه فإننا نجد لديه اهتماما واضحا بطرق القياس المنطقي، خاصة في معالجته لقضايا النحو، ويمكن أن نسوق بعض النماذج علي ذلك :-

1- يقول " ابن السراج " في تعليله لعدم الابتداء بالنكرة "، وإنما امتنع الابتداء بالنكرة المفردة المحضة، لأنه لا فائدة فيه،وما لا فائدة فيه،لا معني للمتكلم به " .

ويمكن وضع هذا القول في صورة قياس من الشكل الأولي، وذلك علي النحو التالي :-

- كل ما لا فائدة فيه فلا معني للتكلم به .

- والابتداء بالنكرة المحضة لا فائدة فيه .

- إذن فالابتداء بالنكرة المحضة لا معني للتكلم به

2 – ومن الاستدلالات المنطقية الواضحة عند " ابن السراج " استدلاله على " لام المعرفة " في الاسم مع اختصاصها به دون الفعل، فإنه يفترض وجود تشكيك يقوم على الصورة  الاستدلالية :

- الحروف المختصة بالدخول علي أسماء تعمل فيها .

- لام المعرفة حرف مختص بالدخول على الأسماء .

- إذن لام المعرفة تعمل في الأسماء .

وهذا قياس من الشكل الأول يقوم على ما يسمى في المنطق الأرسطي بأغلوطة الجوهر، معناها أن " نطبق حكمًا عاما علي حالة فردية،لا تتوفر فيها شروط الحكم العام "،ووضح ذلك في المثال المذكور أن لام المعرفة تفارق سائر الحروف الداخلة على الأسماء، في أنها من نفس الاسم فيدل بها على غير ما كان يدل عليه قبل  دخولها .... وللحديث بقية !

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط