علي المرهجتُطلق كلمة (مُفكر) كمرادف (بتحفظ) لكلمة (فيلسوف)، وهي تعني بتلخيص القول أن هذا الشخص لديه رؤى نقدية جديدة تُمكن صاحبها من اقناع مُريديه - بعبارة صوفية، وقُرائه بعبارة (حداثية) من تغيير وجهات نظرهم في النظر لتفكير سائد على أنه لم يعد صالحاً للاستخدام وفق مُتغيرات الحال والأحول، بل وحتى الأهوال، فهو كاتب يُعيد انتاج الفكر والأقوال بما يجعل القديم لا قيمة له في البناء ويحتاج لرؤى هذا الفكر للتعديل والتجريح، بمعنى آخر هو أن هذا الكاتب (المُفكر) قد تمكن من تغيير المقول المُتداول في الرؤى المعرفية التقليدية واختراقها لبناء نظام معرفي جديد ورؤية تجديدية ـ على الأقل ـ عمل الكاتب (المُفكر) فيها على تقويضها والاتيان ببديل معرفي جديد يحل محلها.

ما نراه اليوم من شيوع في استخدام كلمة (مفكر) أنها تُطلق على كل من يجتر القول ويُعيد كتابة المقول بصيغة جديدة لربما تكون أقل قيمة من المقول القديم، ومثل هذا لا نحسبه سوى (تسخيف) لمعنى اللفظ و تقليل من القيمة التدالولية له، فكل إنسان بطبيعة وجوده يُفكر، ولكن ليس كل من يكتب هو مُفكر وإن كتب عشرات الكُتب.

الكاتب (المُفكر) هو المُختلف لا لمُجرد الاختلاف، بل لكونه يُجيد التأثير والتغيير في القارئ (المُتلقي) بما يجعله يُعيد حساباته في مألوف قوله ليُشكك فيه ليُشارك الكاتب (المُفكر) "التفنيد" لموروث الفكر لا "التأييد" له..

الكاتب (المُفكر) هو الذي يستفز القارئ كي يتفحص معارفه وأيديولجيته لينتقد ذاته أولاً لفرط ما في مُتبنياته من ركون لكلاسيكيات القول وسكونه بما يجعل القارئ مُشاركاً للمُفكر في (المُغايرة) ونقد الموروث، ومن ثم نقد سكونية العقل (الأنوي) للخلاص من أسطرة الحقيقة المألوفة أو (المتوارثة).

أن أكتب أو يكتب غيري بما لم يألفه القُراء فلا يعني هذا أنني مُفكر، بقدر ما يعني أن بعض مما كتبت أو كتب غيري هو جديد على من لم يألف القراءة، ولكنه ليس شرطاً أن يكون جديداً على من له دراية وتواصل مع عوالمها، ولا يعني أن كل جديد في عوالم الكتابة والفكر هو صالح لتغيير الرؤية واستبدال مناطق التفكر.

وربما يكون ما كتبت وما كتب غيري هو من عوالم ارتاباك في الكتابة وسوء الفهم فظنَ من لا خبرة له أن في غرابة القول نتاج معرفي لا يفقهه هو.

وأنا أقول أن من تسخيف القول أن ما يقوله كاتب ما يقصد بمقوله تجديد الوعي ونقد القول القديم السائد وفي هذا المقول بعض من أو كثير من غموض لا يفقهه من هُم من صنفه، فهو قول يحتاج لاعادة بناء ونظر، وربما يخدع قائله من هُم لا يفقهون (تحذلقه) من بعض بُسطاء الناس بحكم عدم درايتهم بمُعجميته الفكرية أو الفلسفية، ولكنه لا فكر له إن كان في قوله استهجان ورفض من الذين هُم من جماعته وينتمون لمنطقة التفكير ذاته التي يدَعي أنه ينتمي إليها!.

إن مثل هكذا كاتب يدَعي أنه مُفكر أو يدَعي بعض من صحبه الذين أصابتهم لوثته بحكم العشرة (على قاعدة من رافق القوم أربعين يوماً صار مثلهم) أنه مُفكر أن يُراجعوا حساباتهم في مدى أهليتهم العقلية.

لا يُمكن أن نصفَ كل كاتب يستهوي بعض القُرَاء بأنه مُفكر، فمن صفات المُفكر الابداع، والابداع هو الاتيان بجديد لم يسبق الكاتب (المُفكر) أحد في قوله بما يجعل من هذا القول خط سير جديد لبناء حياة أو تجديد لرؤانا وهدم لرؤى سابقة.

وبصياغة منطقية: إن كل مفكر مُثقف، ولكن ليس كُل مثقف مُفكر، لأن من ميزات المُفكر هو خلود أقواله واتخاذها أسلوب تفكير وحكمة في الحياة، وتحمل في طيَاتها اكتناز معرفي ينهل منها الساعون للاصلاح والتغيير وغيرهم، بينما لا تجد في أقوال المُثقف ما يبقى منها أثير في تغيير السائد وفضحه والكشف عن عيوبه، ولو كان في قول بعضهم ما يبقى لكانوا من صنف المُفكرين لا من صنف المُثقفين فقط.

المُفكر هي سمة الذي ينتقد ويخترق بجرأة كل ما يراه وفق وفق مُتبنياته في الحياة المُجتمعية التي هو جزء منها والتي لا صلاحية له بحسب ما يرى في عوالم الإنسانية والحُرية خارج هيمنة أي مُعتقد سائد يرى فيه خللٌ، لأنه ينظر للإنسان بحسب جهته ونشوئه وليس للإنسان وجود خارج صفته الكونية التي يتصورها هذا (المُفكر) المُنتمي.

ما يُميز كلمة (المُفكر) عن كلمة (الفيلسوف) هو أن الأولى تُطلق على كُل من له ذكاء ورؤية نقدية تمكن من خلالها في مجاله أن يُغير من نمط التفكير السائد فيه، بينما (الفيلسوف) يكون اشتغاله في مجالات المعرفة والوجود والميتافيزيقا على أنها أسئلة (كونية) ذات طابع تجريدي لا يغفل الواقع، ولكنه يُعيد صياغته بما يجعله خارج منطقة الوصف (التبعيضي) لكينونته الجزئية، ليجعلة سؤال كينوني بلغة (هيدغر) يحتوي كل أسئلة الوجود والحياة الإنسانية بعيداً عن منهجية التجزئة و (التبعيض)، لأن من مهمات الفيلسف هي تلبية حاجات العقل بكونيته لا بانتمائه العقائدي، وتلك هي مهمة الفيلسوف.

إن مهمة المفكر تكمن في محاولته الجادة في المُشاركة في تجديد وعي المُجتمع الذي هو فيه، بينما مهمة الفيلسوف تكون في تغيير وتجديد نمط المُجتمع الذي هو فيه بحسب صياغة (مقولية) تُمكن المُتلقي (القارئ) لكتاباته من مجتمعات أخرى بتوظيفها وتأويلها بما يجعل من رؤية هذه الفيلسوف تبدو وكأنها نابعة من معاناته هو، ولربما تحدث الفيلسف بلسان ولغة ما لكناها رؤية تصلح أن تكون مُعبرة عن حاجات ورؤى من هم لا ينطقون بلسانه.

المُثقف والمُفكر لربما يشتركان في التبني الأيديولوجي لفكرة أو أدلوجة ما، فكلاهما مُتاح لهما أن ينتميا لحزب أو جماعة، ولربما يكون (المثقف) أو (المُفكر) هو الناطق الرسمي باسم هذا الحزب أوالجماعة، ولكن الفيلسوف لا قيمة لرؤيته إن طرحها وفق مُتبنى عقائدي أو أيديولوجي ما.

المُفكر رغم أنه يأتي بجديد، لكن جديده هذا يُمكن أن يُبوب في خانة (الأيديولوجيا) والانتماء، فلنا أن نقول أن هذا المُفكر إسلامي، أو ماركسي، أو يساري، أو يميني، أو قومي، أو قومي إسالمي، أو ليبرالي إسلامي...إلخ.

ولكن رؤى الفيلسوف لا تُبوب وفق أيديولوجيا ما.

لأعود للمفكر الذي سخفنَا معناه التداولي، فكثير من القوميين مثل: زكي الأرسوزي والبيطار وعفلق مفكرون، وكثير من الإسلاميين مثل: حسن البنا وسيد قطب والمودودي ومحمد باقر الصدر مفكرون، أنتجوا رؤى جديدة وفهم مُغاير لما كان سائد من الفكر، ولكن المُتبنى العقائدي يحف بهم وهو (مسطرتهم) للحُكم على صحيح الفكر من فاسده بحكم مُتبناهم العقائدي = (المسطرة)، ولكنهم ليسوا بفلاسفة، ولكنهم مُصلحون، وأتفق معهم أواتفق، ولكن صفة (المُفكر) لم تعدَ تُطلق على أمثالهم، بل صارت مُفردة تلوكها الألسن وتُطلق على كُل من يجتر قولهم ويُعيد صياغته، بل وصارت تُطلق على من لا فكر له سوى أنه يُجيد كتابة الأفكار لبعض منهم في اتباع وتقليد!.

الفلاسفة لا يحتكمون لنص ولا مُسلمات نهائية لهم، أما المُفكرون فهم لهم مُسلماتهم ومنها وبها يكونون مُفكرون، ولا اعتراض لديَ كبير على مُتبنيات هؤلاء، فهم حشروا أنفسهم في خانة منها لا يخرجون منها وإن رغب المُحبون (القُرَاء) باخراجهم بتفسير أو تأويل!.

أما اعتراضي الأشد فهو على من يوصفون بأنهم مُفكرون وهُم لا ناقة ولا جمل له لا في الفكر ولا في الفلسفة، وإن حضروا لا يُعدون!.

وذلك من سُخف الوصف لهم بأنهم مُفكرون وهم لا يساوون في سوق النخاسة شروى بعير

 

ا. د. علي المرهج - أستاذ فلسفة

 

 

رائد جبار كاظميُدّرس أساتذة الفلسفة طلابهم على بيان فضائل الفلسفة وأهميتها، وتعدد مناهجها وفلاسفتها، على مر التاريخ الفكري والمعرفي للانسان، وهم يدركون تمام الأدراك أن هناك توجهات مختلفة ومتعددة للفلاسفة وفلسفاتهم، وهذا ما يميز التفكير الفلسفي عن غيره من أنماط التفكير، ويضاف الى ذلك ان الفيلسوف يتميز عن غيره بالبحث العميق والتفكير الحر الدقيق غير المقيد وغير المتزمت للافكار، أو التعصب لمذهب ما على حساب مذهب آخر، وأن القناعات متنوعة حسب تفكير وطريقة ومنهج كل فيلسوف. ولكن الأمر المهم هو أتاحة تلك الحرية والتسامح في مجال التفكير، وعدم مهاجمة فكر الآخر المختلف عنه تماماً، وعدم الأنغلاق المطلق على الذات، ودعوة الآخرين بصورة قسرية على الايمان بأفكارهم ونظرياتهم وفلسفاتهم، ويضاف الى ذلك أيضاً هو أريحية الفيلسوف وطريقته الفلسفية في محاكمة الافكار والآراء، ومحاكمة ونقد وتمحيص المسلمات والمعتقدات التي نشأ عليها وتعلمها في مقتبل حياته الفكرية والمعرفية، التي كانت قد حُقنت في العقول حقناً دون دراية أو خيار منا في كسب تلك المعارف والمعتقدات والمعلومات، وبالتالي فالمفكر والفيلسوف يهز معتقداته ومسلماته هزاً، ويفجر الأسئلة داخل نفسه وعقله، ويشكك في كل شيء نشأ عليه نشأة طفولية مبكرة، من خلال تربيته ومحيطه الاجتماعي العام، وحقيقة الأمر كما يذهب الى ذلك المفكر العراقي علي الوردي، من خلال رؤيته بأن الانسان مقيد ومحاط بأطر وقيود فكرية وتربوية واجتماعية تحدد طريقة تفكيره، ومنها الأطار النفسي، والاطار الاجتماعي، والاطار الحضاري، ولا يتخلص من ذلك أي انسان مهما كان، ولكن تختلف درجتها وليس نوعها من شخص الى آخر. فتلك الأطر تحدد طبيعة شخصية الانسان ودرجة تفكيره ومستوى ثقافته في أي مجتمع كان.

صراحة أن معلم الناس أولى بتعليم نفسه، ومؤدبهم أولى بتأديب نفسه، تلك من الحكم المعروفة لدينا، فما أحوجنا لأن نتعلم فضائل الفلسفة ونكتسب طريقتها في التفكير والمعاملة، ولكن مما يؤسف له اننا أصبحنا حالنا حال أي معلم أو خطيب أو متكلم، ندّرس العلوم والمعرفة والثقافة ولا تؤثر فينا أبداً، نعلم الغير ونربيهم على الحكمة والتفكير والمنهج والفلسفة ولا نربي أنفسنا على ذلك، فقد أعتدنا على نسخ الأفكار والآراء ونقلها لطلبتنا دون نقد أو تمحيص أو تقويم، ولم نعلّم طلبتنا على كيفية القراءة والنقد والتحليل، وأعتدنا نحن في قراءتنا على ذلك أيضاً، بل الأدهى والأمر أننا أصبحنا مثل أجدادنا القدماء من الفقهاء والمتكلمين، نتعلم دراسة الفلسفة ومنهجها وطريقتها لأجل أن نحاجج بها أفكار الغير ونحاول الانتصار من الخصم بحجج منطقية، ويعمل الكثير منا ويفكر على طريقة المتكلمين من جهة ومنطق أرسطو من جهة أخرى، يتعلم الفذلكات وطرق المحاججة ليدحض أفكار الخصوم من دين أو مذهب أو عقيدة، عن طريق الدعوة لفكره والزام الآخرين بطريقه وطريقته في التفكير، دون أعطاء فرصة للآخر من أن يقدم رؤاه وأفكاره وفلسفته، فطريقة تفكير الكثير منا طريقة كلامية أيديولوجية بامتياز، ولم تؤثر الفلسفة فينا من حيث دعوتها للتعددية والأختلاف والتسامح مع الغير في أفكارهم والتعايش معهم بامان ومحبة.

لقد ترك المحيط الاجتماعي المنغلق أثره على طريقة تفكيرنا وسلوكنا، ولم يتحرر الكثير منا من أفقه الضيق وموروثه الفكري والثقافي، رغم دراسة الكثير منا في الجامعات وحصولنا على شهادات عليا في تخصصات مختلفة، الا أن الكثير من هؤلاء بقي على طريقته البسيطة في التفكير ولم يحاول أن ينتقد ما نشأ عليه أبداً، بل جدّ وأجتهدّ الكثير منا على أن يدعم مسلماته وقبلياته بما حصل عليه من ثقافة وفكر ومعرفة، وهذه حالة يرثى لها لا تؤهلنا لأن نكون مع الشعوب المتقدمة ولا نحقق رقينّا أبداً، بما نمتلك من طرق تفكير بالية أكلّ الدهر عليها وشرب.

لست أدعّي أنني أكثر معرفة ونقداً وثقافة من بين الآخرين من أهل الفلسفة والمعرفة والثقافة، ولكنني أحاول بما أوتيت من عقل نقدي بسيط، أن أضع ما نشأت وتربيت عليه وتعلمته، في ميزان النقد والتمحيص، ولا أجبر الآخرين على أعتناق معتقدي أو أيديولوجيتي أو طريقتي في التفكير، ولكنني أومن بقيمة الآخر وبأحقيته في الأختلاف والحياة والتفكير، والسعي الجاد لمنح الآخرين حرية الرأي والتعبير والمعتقد، ولكن دون عنف أو أكراه أو تعصب في ذلك، ففرض الأفكار ووصايتها وقيمومتها على الناس طريقة مقيتة وكريهة، تحاول أحتكار الحقيقة أو الدفاع عن المعتقدات بأساليب متطرفة غير متسامحة، مما يجعل الكثير دعاة ومبلغين لا باحثين ومثقفين وأكاديميين، وهذا أمر ينذر بدمار مجتمعاتنا وحياتنا ومؤسساتنا، وما أحرى أهل الفلسفة بالأصلاح والتغيير والنقد والتقويم، على مستوى الذات أولاً قبل أن ننتقل لأصلاح غيرنا ونصحهم وتربيتهم، وما أحرانا في أن نتمثل طريقة التفكير الفلسفي، من حيث المرونة والتسامح والنقد والحرية وعدم التعصب والأنغلاق والهيمنة وتهميش الآخرين فيما يعتقدون ويفكرون، ولا نكن وعاظاً وخطباء منابر، نتكلم بطريقة ونفكر بطريقة أخرى، وهذا ما جعل منا أفراداً ومجتمعات متناشزين في الخطاب والممارسة، في طريقة التربية والتعليم والسلوك، وأن الكثير منا يدعّي الوصول الى الحقيقة، وعلى الآخرين الايمان بما توصل اليه والسير على طريقته في التفكير، ومن يدعّي ذلك فهو عدو للمعرفة وللحقيقة وللفلسفة، وقد ظلمها وظلم نفسه، وهذا لا يقتصر على بعض أساتذة الفلسفة فقط، بل ويتعداه الى الكثير من المفكرين والباحثين، ممن قدموا أيديولوجيات وفلسفات مطلقة، يرون بأنها صالحة لكل عصر ومصر، بل هناك من المفكرين العرب والمسلمين من يحاول تصدير فكره على انه عابر للقوميات والقارات، لأنه ينطلق من أسس دينية سليمة، وفطرة انسانية عالية، وهو في نفس الوقت يحاول اقصاء الغير وتهميش أفكارهم وتقييد حرياتهم، تحت شعارات دينية أو فكرية أو قومية أو حزبية أو فلسفية ضيقة، مدعية النجاة والسلامة لكل من تمسك بها والسير على خطاها، من خلال أدعّاء الحقانية والانسانية لفكره وهو أبعد ما يكون عن ذلك. وهذه الطريقة في التفكير ليست وليدة الحاضر، بل قديمة، درج عليها الاسلاف من الآباء والأجداد، في تراثنا وتاريخنا العربي والاسلامي، وحتى في المجتمعات الغربية ذات التفكير الأصولي والديني المتطرف، ممن أدّعت الكمال والأطلاق وصلاحيتها الدائمة لكل زمان ومكان، وقد حمل بعض الفلاسفة لواء الدفاع عن العقيدة بأسلحة منطقية وفلسفية للانتصار على الغير ممن لا يدينون بدينهم ولا يعتقدون ويؤمنون بفكرهم، وتلك آفة مني بها التفكير الأيديولوجي الضيق على مر التاريخ البشري.

 

   د. رائد جبار كاظم – أستاذ فلسفة

 

احمد الديباويفهم جماعات الإسلام السياسي للدولة الحديثة؟

"تعلمتُ من تخصّصي في معارف الدين وعلم الكلام والفقه أنّ بنيةَ الدولة الحديثة لا يمكن أن تقوم إلا على مفهوم المواطنة الذي يتساوى فيه الكلّ، والذي يكون نصابُ الحقوق فيه الانتماءَ لوطن واحد"، هكذا يأتي، باختصار غير مُخلٍّ، مفهوم الدولة الحديثة في فكر الكاتب والمفكّر العراقي عبدالجبار الرفاعي، الذي استطاع، بمجهود فردي خالص، إنجاز مشروع علمي وبحثي لا يتوقف عند حدود التأليف والترجمة والندوات، بل إنّه تجاوز ذلك كلّه، فجاء عمله الرائد الذي قام على جهد شخصي كامل، رغم قلة الإمكانيات المادية والبشرية، وهو مشروع مجلة "قضايا إسلامية معاصرة" الفصلية، ومركز دراسات فلسفة الدين، وهو المشروع الذي يُعدُّ منبراً لتحديث المعرفة الدينية، وإعادة قراءة التراث، والانفتاح على العصر.

الدولة الحديثة مفهوم ملتبِس لدى جماعات الإسلام السياسي

يناقش الرفاعي في فصل 2 من طبعة 2 لكتابه "الدين والاغتراب الميتافيزيقي"، بيروت 2019، قضية الدولة الحديثة، والبناء القانوني لها في سياق معطيات الواقع، ونسيجِ شبكات المصالح المعقّد والمتحرّك، في محاولة منه لتفكيك البنى الملتبِسة التي يتمترس خلفها الإسلامويون، من خلال تسويق المصطلحات ذات المعاني المتعددة والمتداخِلة، لذلك فإنّ الرفاعي ينطلق من نقطة تحديد المصطلحات، وتسمية الأشياء بأسمائها؛ وهذه النقطة إحدى المشكلات العميقة في التفكير الديني عند الإسلاميين في العصر الحديث.

إذ إنّ مفهوم الدولة الحديثة ملتبِس لدى جماعات الإسلام السياسي، فجميع المصطلحات التي صكّتها الجماعات الإسلامية، مراوَغةً وهروباً من الاعتراف بالدولة الحديثة، إنما هي مصطلحات "مبهَمَة"، لا تعبّر بشكل صريح عن الدولة الحديثة، مع تطعيم ذلك "بشيء من التوابل الدينية، كانتقاء بعض النصوص والفتاوى الملتَقَطة من المدوّنة الفقهية، وشيء من تمثُّلات السلطة في السياقات الإسلامية" عبر التاريخ.

ومما هو معروف، فقد جاء مصطلح الدولة المدنيّة كأهم المصطلحات التي روّجتها جماعات الإسلام السياسي، بعد أن وجدت تلك الجماعات أنّ مكاسب الدولة الحديثة باتت أمراً لازماً في العالم العربي، وعلى رأسها تداول السلطة، والفصل بين السلطات الثلاث، والتمثيل الشعبي في الانتخابات المختلِفة، بل باتت أمراً لازماً لها كي تنقضّ على السلطة عبر تلك الأدوات والآليّات السياسية الحديثة، فاتخذت من كلمة "المدنية" وعاءً تصبّ فيه تهويماتها السياسية، التي تعتمد على أنّ الدولة، بالأساس، ظاهرة إلهية وَحْيانية، أسّس بناءها النبيُّ، عليه الصلاة والسلام، ومن جاء بعده من الخلفاء الراشدين، ثم من جاء بعدهم من خلفاء بني أمية وبني العباس ومن تلاهم، مروراً بما ذكرته المدوّنات الفقهية عبر التاريخ، وكل أولئك مما لا يتفق مع مفهوم الدولة الحديثة المبنية على القانون والقيم المتناغمة معه، والصرامة العادلة في تطبيقه، وهو ما يشكّل أرضية صلبة لبناء مؤسسات الدولة الحديثة.

618 الدين والاغتراب

ما يعني أنّ نموذج الدولة الذي تنشده جماعات الإسلام السياسي والمستمدّ من بطون التاريخ إنّما هو خرافة ووهم، فليس من المعقول أن تتوقف حركة التاريخ الإنساني، وتطور الوعي عند شكل الحكم الذي استمر لقرون بعد وفاة النبي، عليه الصلاة والسلام، ثم الادعاء بعد ذلك بأنّ تجارب الحكم الإسلامي كانت تنشد الدولة الحديثة، التي يخلطون بينها وبين مصطلح (المدنية) دون أن يدركوا السياق التاريخي الذي وُجد فيه ذلك المصطلح، ومتى وُصفت الدولة به الدولة الحديثة التي تقوم على القانون وكفالة الحريات العامة، وتكافؤ الفرَص، والمساواة التامة بين المواطنين بصرف النظر عن الجنس أو اللون أو المعتقَد أو الطبقة، ما يعني أنّ "المواطن" هو أساس الدولة الحديثة، وليس "المسلم"، فالدولة الحديثة -يقول الرفاعي- لا تُبنى على التراث والهويات العِرقية، وإنّما تُبنى على المواطنة التي يحدد نصابَها الدستورُ، فالإنسانُ الذي هو موضوع دولة المسلمين أمس هو الإنسان بوصفه مسلماً، بالمعنى الكلامي والفقهي، أما الإنسان الذي هو موضوع الدولة الحديثة فهو الإنسان بوصفه مواطناً في الفكر السياسي الحديث، من هنا فإنّ عبدالجبار الرفاعي يلمس جذور المشكلة، فيقرّر أنّ "الدولة ظاهرة بشرية أنتجها الإنسانُ ولا علاقةَ لها بالوحي والأنبياء، وكلُّ ما هو بشري في السياسة والحكم لا علاقةَ له بالوحي، وهو ما لا يريده الكثيرون ممن يتداولون هذه التسميات من كتّاب الأدبيات الدينية السياسية، كما تؤشّر إليه كلماتُهم، وهذه مفارقةٌ يقع فيها بعضُ دعاة الدولة الدينية، ممن يختبئون خلف تسميات تحظى بقبول أكثر المواطنين، بُغية تسويقها، وفي محاولةٍ منهم للفرار من تركة النماذج الأولى للأسماء التي أفشلتها تجاربُ التطبيق اليوم، مضافاً إلى البراءة من تشوّهات أمثلتها في التاريخ".

بناء الدولة الحديثة

وأما عن الدين ومدى ارتباطه بأشكال الدولة، فإنّ الدين وإن يكن عنصراً فاعلاً في تربية الإنسان ونشأته، ومكوناً لذاته، بيْد أنّه يتعذّر بناء دولة حديثة بالدين؛ فالسلطة والدولة والمشروعية في الدولة الحديثة مصدرها الإنسان، أما الدين بمعناه الكلامي والفقهي الذي ينص على التمييز والتقسيم، مثل هذا المفهوم للدين يتعذّر معه اشتقاق المفهوم الحديث للمواطنة، الذي يفرضه بناء "دولة حديثة"، يقول الرفاعي.

ثم هو يؤكد أنّنا نفشل توطين الدولة الحديثة في بلادنا، لعجزنا عن إعادة بناء نظام القيم في ثقافتنا بما يتواءم ونظم الدولة الحديثة، لتسيّد قيم البداوة والقبيلة والتدين الشكلي الذي هو على الضد من الدولة الحديثة.

تجدر الإشارة إلى أنّ الدكتور الرفاعي نبّه إلى أنّ جماعات الإسلام السياسي تؤكد فكرة "مظلوميتها واضطهادها والتعسف في معاملتها من كل الأنظمة السياسية، وتتخذ من ذلك ذريعة لكل أشكال التمييز بين المواطنين، والسطو على المال العام، والانتهاكات الواسعة لحق المواطنة"؛ تمثيلاً لدور الضحية، واختراق الوعي العاطفي الجمعي، ومحاولة اكتساب أرضية داخل البنى الفكرية والثقافية والسياسية التي لا تنتمي إليها، في حين أنّها تلعب بعد ذلك دور الجلّاد إن هي انتقلت إلى موقع السلطة، فهي "تتعاطى مع الوطن بوصفه غنيمةً، تجهز عليها وتفترسها، عندما تمتلك السلطة السياسية".

 

أحمد الديباوي - باحث مصري في الفكر الإسلامي

 

جواد بشارةلقد مضى أكثر من قرن على هيمنة دعامتي الفيزياء المعاصرة، النسبية العامة والميكانيك الكمومي أو الكوانتي على عرش العلم سيما علمي الفلك والفيزياء الفلكية، وعلمي الكونيات الكوسمولوجيا وفيزياء الجسيمات، وتقديمهما لنظريتي البغ بانغ أو الانفجار العظيم، والنموذج المعياري أو القياسي لعالم الجسيمات الأولية وميكانيكا الكموم. وبالرغم من ذلك ظلت هنالك معضلات وألغاز وإشكاليات وتحديات كثيرة تواجه هاتين النظريتين وصار لا بد من اكتشاف نظرية جديدة للخروج من المأزق وتجاوز حالة الانسداد التي وسمت الوسط العلمي الذي بات يكرر نفسه . فخرجت نظرية الأوتار الفائقة والنظرية م M سعياً للوصول إلى نظرية كل شيء. ومن تداعيات هذا التجديد ظهور نظرية تعدد الأكوان والأكوان الموازية. تساءل بعض العلماء، ماذا لو لم يكن كوننا المرئي وحيداً في الوجود وهو ليس سوى واحد من بين عدد لامتناهي من الأكوان المماثلة والمختلفة، المتجاورة والمتداخلة، والموازية ؟ ولكل واحد منها زمكانه الخاص وقوانينه الخاصة وثوابته الخاصة؟. وإن هناك نسخ لا تعد و لا تحصى من كل واحد منا ومن كل أرض كالتي نعيش فوقها ولكل كون ككوننا المرئي يحتوي واقعنا؟ في البداية كانت فكرة شبه جنونية ولكن مع مرور الوقت تجذرت واتخذت عناوين عديدة كالتعدد الكونيmultivers  والميغا –كون  mégavers والكون المتعدد plurivers الأكوان التوائم univers jumeaux و الأكوان الموازية les univers parallèles . بيد أن تلك الفكرة لم تكن جديدة في الحقيقة فمنذ الحقب الزمنية الغارقة في القدم تحدث عنها فلاسفة من أمثال ديموقريطس Démocrite  ولوكريس Lucrrèce، وقالوا بإمكانية وجودها . ولقد عادت الفكرة للظهور في القرن العشرين وبقوة، لتحتل مقدمة المشهد الكوسمولوجي وكانت بالنسبة لمنظري البغ بانغ الانفجار العظيم والميكانيك الكمومي أو الكوانتي، بمثابة الفرضية التي تسمح بحل الكثير من المسائل التي بقيت بدون حلول وبلا أجوبة.

ازداد عدد العلماء أكثر فأكثر ممن يعتقدون اليوم بأنه لا يوجد فقط كون واحد بل عدد كبير من الأكوان، تشكل تنوعاً لامتناهياً من العوالم المختلفة والمجهولة كالمحيط الهائل المليء بعدد من الجزر المتباعدة أو المتجاورة، البعض منها مأهولاً بالسكان والآخر فارغ يفتقد للسكان. أصيب البعض بالذهول من هذه الفرضية التي يستحيل إثباتها بالمشاهدة واختبارها تجريبياً لكن الرهان عليها كبير، ليس فقط للعلم، بل ولنا نحن كذلك بل لكل واحد منا على هذه الأرض. فنحن نعيش ما يشبه الثورة العلمية بالبث المباشر حيث يعرض علينا العلماء كتباً وأـبحاث وأفلام وثائقية ومحاكاة كومبيوترية كأنها الواقع، تقودنا في متاهة التعدد الكوني كأننا في نزهة سياحية وكيف فكر الكتاب والفلاسفة والعلماء والروائيون والمخرجون السينمائيون بالصور المختلفة للحياة في العوالم المتعددة . فما هو مغزى الحياة في تعدد كوني مزود بعدة نسخ من الكائن ؟ إحدى الفرضيات تقول بذلك وبأن هناك نسخ عن كل واحد منا في كل كون لكنهم لا يتشابهون في الملبس والمسلك والتخصص والتفاصيل الحياتية، يبدو المشهد كما لو أن الفيزياء تحولت إلى ميتافيزياء والعلم يلتحق بالخيال والكل يتساءل أين هو موقع ّ الله" من هذا التعدد الكوني، وهل لكل كون إلهه الخاص؟

بين النسبي والمطلق:

بدأ البشر بالتفكير البسيط واعتبروا الأرض هي الأهم وهي مركز العالم، والشمس والقمر والكواكب والنجوم تدور حولها فرد عليهم نيكولاس كوبرنيكوس بأن ذلك ما هو إلا وهم واعتبر الشمس هي المركزية التي تدور حولها باقي الكواكب بما فيها الأرض ولقد اهتزت قناعات البشر عن وجودهم وأهميتهم ونظرتهم لأنفسهم ومكانتهم عند خالقهم. وبعد مرور بضعة عقود محيت هذه الصورة القاصرة المختزلة للواقع وحلت محلها فكرة تقول أن الكون ليس فقط النظام الشمسي ولا المجرة التي تحتويه، بل و لا حتى حشود وعناقيد المجرات المحيطة بمجرتنا، والتي تشكل محتويات ومكونات الكون المرئي، بل هنالك كون متعدد أو بالأحرى عدد لامتناهي من الأكوان. وتصادف أننا نتواجد في أحد هذه الأكوان وهو ليس أكثر من جسيم أولي ميكروسكوبي نسبة للكون المطلق، كما هو حال الجسيم المادي الأولي بالنسبة لكوننا المرئي. وكل كون ممكن الوجود يكون موجداً بالفعل وكل قصة لفرد ممكنة الحدوث تحدث حقاً ولكن ليس في نفس الكون الذي يعيش فيه بل في كون آخر، من هنا يمكن أن نحل معضلة وجودنا وسره ومآله ومصيره فهناك عدد لامتناهي من الانفجارات العظيمة الناجمة عن تصادمات كونية أو تقلبات كمومية أو كوانتية، وكل انفجار عظيم يؤدي إلى نشوء عدد لامتناهي من الأكوان على نحو دائم ومستمر، وكل كون يخلق مجراته ونجومه وكواكبه ومكوناته الأخرى وكائناته الحية الخاصة به ومنها ماهو عاقل وذكي ومتطور جداً كالبشر أو الكائنات الفضائية الأخرى المختلفة عن الهيئة البشرية المالوفة. ولقد قام العالم ليونارد سيسكايند Léonard Susskind، أستاذ الفيزياء في جامعة ستانفورد في كاليفورنيا بصياغة نظرية شاملة تشرح البغ بانغ، الانفجار العظيم، كما لو إنه مجرد عالم مجهري nanomonde وقام نظرياً بعملية جمع بين النسبية والنظرية الكمومية أو الكوانتية ليطرح الخطوط الأولية للنظرية الجامعة أو نظرية كل شيء لتفسير محتويات الوجود بين اللامتناهي في الصغر واللامتناهي في الكبر . فعندما نتجاوز الحد الأقصى من اللامتناهي في الكبر نلج إلى الحد الأدنى من اللامتناهي في الصغر والعكس صحيح، في نوع من التعاقب الدوري . وكان سيسكايند يأمل التوصل إلى الصيغة الرياضياتية التي تشرح وتفسر وتحل كافة القوانين والمعادلات الرياضياتية والثوابت في طبيعة هذا العالم المحدد بكوننا المرئي . وابتداءاً من عام 2005 بدأ سيسكايند يفكر بأنه لا توجد نظرية كل شيء واحدة لأن العالم ليس وحيداً، ونظراً لوجود عدة أكوان تستدعي عدد لامتناهي من النظريات، فلكل كون نظريته الجامعة وهو الأمر الذي أثار تخبط العلماء والباحثين لأنه أقرب للخيال العلمي منه للعلم، ولأن ذلك يذهب عكس ما اعتادوا عليه من العرف المهني والأكاديمي. يرد عليهم أتباع التعدد الكوني بأن هذه الفرضية تعود إلى القرن الأول قبل الميلاد عندما تنبأ لوكريس بأن السماء والمحيطات والنجوم والشمس لها مثيلات منتشرة في كل أرجاء الكون وبأعداد لامتناهية. من هنا فإن فرضية التعدد الكوني يمكن أن تغدو الفكرة السائدة في القرن الواحد والعشرين وليست مجرد ثمرة لمخيلة البعض مآلها الاختفاء والانهيار لاستحالة اختبار صحتها تجريبياً لأننا غير قادرون على رؤية ورصد كوننا على نحو مباشر، بأجهزتنا البدائية القاصرة، فما بالك الأكوان الأخرى بعددها اللامتناهي؟ يلجأ العلماء اليوم إلى لغة الرياضيات كما فعل أسلافهم في بداية العلم المعاصر من كوبرنيكوس وكبلر وغاليليو غاليله الذين وصفوا الطبيعة بلغة الرياضيات قبل اكتشاف الأجهزة الحديثة وتطور التكنولوجيا. كانوا يتبنون فكرة أن الطبيعة تتبع قوانين ثابتة حتى لو كان دور" الله" في خلق القوانين وتكريسها لا اعتراض عليه آنذاك. ولكن يشهد علم الكونيات الكوسمولوجيا حالة من السكون والمراوحة بعد تكريس نظرية الانفجار العظيم والنموذج المعياري لفيزياء الجسيمات رغم أن الانفجار العظيم يجيب على جزء من مشاهدات العلماء والفلكيين ولكن ليس كلها. وكلما تقدمت دقة الحسابات والقياسات التي يقومون بها بفضل التكنولوجيا المتقدمة الحالية، كلما لمسوا نواقص وثغرات وعقبات في النظرية، ولم يتم التوصل إلى تعريف كامل وفهم عميق ومبرهن عليه لمحتويات نظرية الأوتار الفائقة التي ظلت على مدى عقدين المرشح الأوفر حظاً للوصول إلى النظرية الجامعة والموحدة، نظرية كل شيء التي تفسر الكون المرئي من الكوارك إلى تخوم الأفق الكوني وهي نظرية الثقالة الكمومية أو الكوانتية. من هنا يعتقد عدد كبير من العلماء أننا على أعتاب ثورة جديدة في الفيزياء وعلم الكونيات واقتراح نظرية أو نظريات جديدة تطرح المزيد من التنبؤات والتوقعات إلى جانب البساطة والأناقة. كانت نظرية كوبرنيكوس تجديدية في وقتها لكنها اصطدمت بعقبة مناقضتها للنص التوراتي رغم جمالها وأناقتها وحلولها للعديد من المسائل سيما تلك المتعلقة بحركة الكواكب مما قاد إلى نشوء محاكم التفتيش في عام 1616 وحرمت نظام كوبرنيكوس الكوني وتبعها محاكمة غاليليو غاليله سنة 1633 وصارت من المحرمات التي يمنع الاقتراب منها أو مناقشتها أو الاطلاع عليها . بدأت الانعطافة في علم الكونيات الكوسمولوجيا سنة 1920 عندما اقتنع العلماء والفلكيون أن مجرتنا درب التبانة هي كل ماهو موجود في الوجود وهي الكون كله وذلك لعدم تمكنهم من رصد مجرات أخرى آنذاك. ولكن سرعان ما تغيرت المفاهيم وأصبح الكون متحركاً ولامتناهياً في أبعاده وحدوده وحجمه وكتلته، وهو في حالة تطور وتوسع وتمدد بل وتسارع في التوسع، كما شهد مرحلة من التضخم المفاجئ الهائل في جزء من مليار المليار المليار المليار من الثانية. وتراكمت معلومات مذهلة ومشاهدات رصدية جراء تطور التلسكوبات الأرضية والفضائية التي مسحت الكون المرئي ورصدت مليارات المجرات البعيدة جداً. ونجح العلماء بفضل دراسة المستعرات العظمى ونجوم السفييد céphéides في حساب وقياس المسافات بين الكواكب و النجوم والمجرات بدراسة الطيف الضوئي ودرجة النصوع للأجرام السماوية المختلفة وكانت حساباتهم الفلكية تتم بالسنين الضوئية ــ السنة الضوئية هي مايقطعه الضوء بسرعة 300000 كلم في الثانية خلال عام كامل ــ واكتشف الناس المسافات المهولة التي تفصل بين النجوم والمجرات مايعكس ضخامة وحجم الكون المرئي غير القابلة للتصور والإدراك والاستيعاب . عند ذلك اتخذ مفهوم اللانهاية بعداً آخر وأهمية أخرى بالنسبة للعلماء وبالأخص علماء الرياضيات . يتبع

 

د. جواد بشارة

 

فخري مشكورالايمان بالغيب اساسي في الدين، والقران هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب، ومن لا يؤمن بالغيب يخرج بلا شك من جماعة المسلمين الى زمرة الكافرين.

 لان الله وحده مصدر علم الغيب، ولأن النبي هو وحده الذي ينزل عليه الوحي؛ فإن أي غيب لا يأتي  من الله لا قيمة له على الاطلاق (عالم الغيب فلا يُظهر على غيبه احداً إلا من ارتضى من رسول) كما ورد في سورة الجن

أما نحن فتصلنا معلومات الغيب عن طريق الرسول ومَن أخبره الرسول من خلفائه، وهؤلاء يخبرون اصحابهم الثقات بتلك المعلومات الغيبية فينقلونها الينا بطرق قابلة للاثبات العلمي، وإن لم تثبت بالطرق العلمية فهي أهون من عفطة عنز

من هنا نعرف أن كل من يدعي علماً غيبيا لا يستطيع ان يثبت وجوده في القران او يثبت صدوره عن النبي واهل بيته فهو كاذب...ومن هنا تبدأ الخرافة                         

***

ابسط تعريف للخرافة هو: معلومات غريبة، لا يمكن اثباتها بالعقل والمنطق.

في اوساط المتدينين يلجأ الى الخرافة كل من يريد الوصول الى مآربه دون ان تساعده الطرق المنطقية على اقناع الاخرين بما يريد.

المآرب التي يسعى لها الخرافيون تتلخص بالزعامة الدينية في اي درجة من درجاتها، وما تستتبعه من فوائد مادية ومعنوية، اي: مال وجاه وأتباع وحصانة

والمحطة النهائية التي يسعى اليها الخرافي هي: أن يصبح قوله وفعله وتقريره حجة!! اي ان يصل الى حالة التماهي بين قوله وقول الله، فاذا قال شيئا فقد قال الله، واذا اراد شيئا فقد اراده الله، واذا رضي عن احد فقد رضي عنه الله، واذا غضب على احد فقد غضب عليه الله.....واذا اعطيته شيئا فقد وصل الى الله!

ولأن الانسان مفطور على التفكير المنطقي، فلا يجد الخرافيون سبيلا لكسر حاجز العقل الا بمعول الدين، وهنا تأتي اللعبة حين يلبّس الخرافيون اهدافهم بلباس الدين لكي تكتسب قداسةً تقنع الدهماء وتخيف العقلاء فيمررون مآربهم على جسر الدين المزيف.

وعادة ما تكون مصادر معلومات الخرافيين احلاماً رأوها، او اشخاصاً مجهولين، او احاديث ضعيفة لا تصمد امام النقد العلمي حسب موازين علم الحديث، اولقاءً مزعوماً بالمهدي، او كشفاً في لحظة تجلي روحية، او ما شابه ذلك من الوسائل غير المعتمدة لدى العلماء الذين يأخذون من القران الكريم وسنة النبي واهل بيته الذين اذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا.

 

ومن أشهر ادواتهم: الاحالة الى الموسوعات الحديثية التي هي اشبه بالخامات المستخرجة من مناجم الذهب...فيها التبر والتراب

ويتعامل العلماء مع الموسوعات الحديثية وفق موازين علمية معروفة فيقبلون الصحيح منها ويرفضون المختلق، ويتوقفون عن المشكوك لأن الغش في الدين اخطر من الغش في الذهب، فاذا خالط الحق باطل مهما كانت نسبته توقف العلماء عن الاخذ به قبل تنقيته من الغش الذي خالطه.

ومن العوامل المساعدة لقبول الخرافة تمتُّع الخرافيين بوجه مشرب بالحمرة -بسبب النعمة التي يعيشها الخرافي- ويسوّقها للعوام على انها وجه نوراني يشع قدسية وهو بالتالي حريٌّ بالاحاطة بحقائق الغيب التي لا ينالها العلماء بالبحث العلمي، ولا العوام الغارقون بالمعاصي.

وأحياناً يلجأ الخرافيون الى إنشاء مؤسسات دينية خاصة بهم بعيداً عن المؤسسات الدينية التاريخية، وذلك لكي يجعلوا من الكيان الجديد كياناً موازياً للكيان الشرعي الذي  يزحفون نحوه لاحتلاله بالوسائل المعروفة في التقرّب، وبالظروف المعروفة في السكوت، وبمساعدة جهات معروفة بالتخطيط.

يستسلم الدهماء للخرافة لانها تنسجم مع حالة الاسترخاء العقلي التي يجنحون اليها وقد اعتادوا على توكيل غيرهم بمهمة التفكير.

 

ويخاف العقلاء من كشف الخرافة والخرافيين لانهم يعلمون ان اشارة واحدة من الخرافيين الى الدهماء تكفي لاتهامهم بالمروق عن الدين، وبقية القصة معروفة.

يحكى ان أحد مراجع النجف المعروفين عاد من حرم الامام امير المؤمنين الى بيته مروراً بسوق الحويش فتقدم اليه احد السوقة وسأله السؤال التالي:-

مرَّ كافرٌ في شارع فيه مجلس عزاء على مصيبة الزهراء سيدة نساء العالمين عليها السلام فوقف يستمع الى القصة التي لامست وجدانه فانفعل معها وبكى، وسقطت دموعه على ثياب مسلم متجه للصلاة، فهل عليه تطهير ثيابه من دموع الكافر النجسة؟ ام ان الدموع التي نزلت بسبب البكاء على مصيبة الزهراء سلام الله عليها طاهرة؟

اطرق المرجع قليلاً وفكر في الجواب لا لمعرفة الحكم الشرعي، فهو يرى ان الكافر نجس، لكنه كان يفكر كيف يقول للعوام ان هذه الدموع التي نزلت بسبب مصيبة الزهراء نجسة؟ اليس هذا - عند العوام- مسّاً بكرامة الزهراء و حطّاً من مكانتها وهي ام الائمة وابنة رسول الله التي يرضى الله لرضاها ويغضب لغضبها؟

هل يقول له ان دموع الكافر نجسة فيوافق فتواه ويُغضب العوام؟

ام يقول انها طاهرة فيخالف فتواه ويرضي العوام؟

بعد فترة من الصمت وجد الحل...رفع رأسه وقال:

جواب هذه المسألة عند الزهراء سلام الله عليها

***

اكتشاف الخرافة وعزلها عن الغيب الحقيقي بسيط للغاية… كلُّ من يدّعي معلومات غيبية او يدعي صلة بالغيب نوجه له السؤال التالي:

أين أجد ما تقوله في كتاب الله وسنة رسوله؟

فان أرجع المعلومة (او المنزلة التي يدعيها) الى آية محكمة في القران، او الى حديث ثابت عن رسول الله، قبلنا المعلومة منه، والا فهي خرافة.

يبقى سؤال اخر اهم من السؤال السابق:-

من يجرؤ على سؤال : أين أجد ما تقوله في كتاب الله وسنة رسوله؟

***

الذين يمارسون الخرافة طبقات ومراتب و منازل

والذين يشجعون عليها طبقات ومراتب و منازل

والذين يسكتون عنهم طبقات ومراتب و منازل

المرجعية تتحمل المسؤولية الاكبر عن حماية الدين من الخرافة لأن الخرافة -وإن تلبست بلباس الدين وبدت  وكأنها تساعد الناس على الاقتراب من الدين - الا انها في النهاية تقضي على الدين والمتدينين وعلى المرجعية والمقلدين وتخلي الساحة للخرافيين الدجالين.

المرجعية لا تقوم على ارضاء العوام على حساب أصالة الدين لانها تعمل بقوله تعالى:

والله ورسوله أحق أن ترضوه ان كنتم مؤمنين

 

د. فخري مشكور

 

مسألة شائكة تعاصر الماضي ولا تقتصر على غابر زمن، فلا الحاضر انهى ما كان، ولا القادم ينهي ما يكون، تلك المسألة التي يثيرها جدل المساواة بين اطر المشهد الاجتماعي والثقافي والسياسي، حتى بات رعب من المطالبة وتحفظ من الالحاح والترويج، وقد يؤدي هذا الى تفتيت وتشظي في كيانية المجتمع، وكيان عنصر مهم في قيام المجتمع بدءا الى الدولة وصولا، ولا ندري هل هو الكيان الثابت (المجتمع الذكوري) هو من يقيم بالقوة هذا التشظي وكأنه استمرار للقهر بالتهميش، معتمدة ترسانة القوامة رغم وجود متيقضين لذات الكيان الانساني، وكينونة الانسان المرأة ذات وخصوصية؟!، ورغم تزايد المقاربات والدعوات! الا ان هناك بؤر تكمن وراء العنت الصريح والعنف المفتوح، ما يخلق فوضى وهوس في بصيرة العقل والوعي بلا بصيرة، وبالمقابل هناك مجانبة للصواب في ان (اكون واكون) بعيدا عن تسعير توترات باي شكل وصنف، فالمجتمع تنوع ولا بد من الاستيقاظ على الخصوصية في التنوع، بعيدا عن عقلية استبدادية تسود هنا او هناك، بضعف او جبروت وحسب، وما الا الامر دعوة لمحو غطرسة تمحو الخصوصية الجندرية المجتمعية، وتهمش كينونتها وبمتابعة واقعية بسيطة يرى ان التمكين والنجاح ليس حصرا على جندر دون الاخر، لانه يعتمد امتلاك القدرة على الاداء والعطاء، خاصة ان شهور الانتماء هو الواعز، وثقافة المواطنة هي الاتساع لانصهار الذات في عمق المجموع، حتى تتحسس الاهمية من غاية العمل وبصرف النظر عمن أتت وممن كمصدر، بل وان التكريم والتحفيز يتوجب ان يكون دارج التعاملات، كأمتنان والتفاتة لابداع، يغفل عنه لسببين والف سبب، واي من هذا يجدي، مهما هي الفروقات جوهرية او اساسية، ودون الانغلاق على فئة ودون شمولية، لان الانغلاق يتحكم في مسيرة ومصير، بعيدا عن الديمقراطية الشمولية، والانفتاح على الطاقات للمساهمة في البناء، دون محاربة مبدأ ومشروع المشاركة، وهكذا يتحقق الاحتضان والحث على تغيير وتجديد عبر اقنية مشروعة لمؤسسية تزيد من المشاركة في مؤسسية تزيد من الحضور في الشأن العام بصرف النظر عن ايدولوجية او عقيدة قائمة او مستهلكة تفكك التواصل وتفصل بين المكونات المجتمعية وتحارب الاندماج، وقد يؤول اي تعامل سلبي الى تضخيم القمع، وما الامر الا حركة مطالبة بالعدالة والانصاف على اسس مدنية تتعامل مع مكونات المجتمع، على اسس الانسانية الجامعة والمواطنة بصرف النظر عن غيرها، وهنا يمكن القول ان العدالة روح وجوهر الاسلام بمفاهيمه المتعددة ونظمه التشريعية في حقول الحياة ومجالاتها دون اتباع هوى كيلا يسبل الى ظلم او يجر الى طريق انحراف وعلـ ى ما ينسجم ويتناغم مع المنطلقات النظرية للعدالة وما يؤمن به الانسان، ان تكافؤ الفرص ومقتضيات العدالة تدعو الى ترسيخ القاعدة الاجتماعية كظرورة من ظرورات الاستقرار ومقتضياته فالفضاءات ليس ملكا لفكر او فيئة شريحة بل هي استيعاب لكل التنوعات بتعبيراتها المكونة للمجتمع واي محاولة لاحتكار اي فضاء باي مستوى لصالح فئة " جندرية " دون اخرى، كما محاولة ساهمة في اذكاء التوترات التي لا تنسجم مع مقتضيات العدالة والانصاف والا لن تتشكل مؤسسات ومنابر على نحو حقيقي ودون مشاركة كل الاطراف لتتحقق ضرورات المواطنة والمواطنة المتساوية وفضاءها المفتوح لكل تنوع لتثري في التنمية بعيدا عن العقلية الاحادية والاحتكارية، وليس من صالح في ذلك لا في فكر ولا في جزئية من وطن ان لم كل الوطن، ان فتح المجال باستيعاب طاقات وامكانيات المرأة دون محابياة او تمييز ينولد عنه نتاج ثقافي ابداعي وفكري، يقوم به ابناء الوطن بصرف النظر عن اي دور سيأخذه او يشكله، لانه انفتاح لامكانات مشاركة وتعزيز خدمة وتمتين جبهة داخلية، باتاحة فرص حقيقة للمرأة بشكل نوعي في مشاريع التنمية والشؤون العامة وادارتها في المجتمع والدولة، والا لن يتحقق مفهوم تكافؤ الفرص في الواقع الوطني وانجاز عدالة اجتماعية ثقافية سياسية بمساهمة نسائية ومشاركة، وهكذا يغادر العنت والتمييز مجتمع او اخر بأرساء معالم حقوق الانسان اجتماعيا ووطنيا من قيام الحقوق هذه، والتي تتراجع عنها عوامل التعنيف التي هي سبب تفاقم ازمات وحدة توترات، حيث ان اتباع معالجة مجتمعية مركبة قوامها صيانة حقوق الانسان بتعميم ثقافة المشاركة والتمكين والحوار، تفضي الى مشروع يتجاوز المآزق ويجيب التحديات من بناء حياة سندها مشروع يجري بقيم العدالة ومفهوم مبدأ الحقوق، وما يحتضنه من قيم ومتطلبات تصان بها كرامة الانسان ودون الانتقال بين التناقض والحاجات الطبيعية، لتقر بذلك الحقوق الذاتية والعدالة الواقعية بعيدا عن الفرضيات مع تبلور الحاجات في الاوساط العامة، ان التحول الديمقراطي في المجتمعات تكنفه العديد من التحديات وكثير من الهواجس والعدالة الانسانية الاجتماعية، وهو الخيار الاقل خسارة وتداعي،، لان العنت والتزمت بالتهميش والابعاد لن ينهي ازمة مطالبة ولن يعالج تحديات بل ان الاشراك هو الذي يعزز قيام المساواة، لانه معالجة حضارية تتجاوز الازمة او تفاقمها، فلا بد من معالجة للمحن والتحديات تزال بها كل الاسباب ان لم اغلبها، والعوامل المفضية لتلك المحن، وبافضل خيار، الا وهو المعالجة المتحضرة او الحضارية القائمة على المساواة واساس حقوق الانسان وبعدالة، بكل مخزونها الرمزي والمعرفي، ومضمونها الاجتماعي، تجاوزا للغلو في التمييز والعنت ضد الجندر والمرأة، وما هو الا خطاب اخلاقي يعالج المشاكل مع ثمة ضرورة لاسناد الاخلاقيات تلك بسن منظومة متكاملة شمولية تجرم من يسيء الى قناعات واعتقادات في حقوق وعدالة وانصاف، او من يتبنى ايدولوجية فكرية، وعليه لابد من ضبط نزعات وغلو تسيء لكيان الانسان والمتمثل في كينونة المرأة، وجماع القول بعد هذا التبسيط والتقديم، ان يعمل على وعي فكري يعالج توترات ويصون الجندر ويحمي مكاسب من تسريع تضامن وضبط تنظيم التباين بين السواد الجندري والشراكة الانسانية والتنمية الوطنية، هكذا يتحقق الوصول الى دولة الانسان، دولة اللامستحيل التي تصون الحقوق وتحفظ نواميسها بقليل من الجهد وكثير من الانجاز، وهناك مجتمعات تمكنت بطاقاتها وطموحاتها  " الحضارية " ان تحقق الكثير واستحقت ان تكون راقية مرتقية بشعوبها، دول وشعوب قمعت وكبحت التضارب في اعتماد مشاركة ومساهمة المرأة وعلى اسس القانون وحقوق الانسان، فبنيت بلادها على ذلك دون ازمات او ضغوط، ودون ان يتأثر مصيرها ومستقبلها، لانها بكل بساطة احترمت حقوق الانسان ولم تتجاوز قانون، ولم تتفه الاسباب الداعية لتغيير وتحول، فنجحت في مشرعات التنمية وانهزمت التحديات امامها، فالعلاقة بين الاخفاق والهزيمة لا سبيل امامها مع دولة تبني انسانها دولة الانسان ونواميس حقوق، فامتلكت بذلك قدرات وامكانات قدرتها بتلاحم المشاركة النسائية وتفاني المناصرين والمتوجهين نحو ارساء مضامين دولة الانسان ايا هو، بلا جندرية ولا سيادة ذكورية ...، وكفى

 

مكارم المختار

 

 

زهير الخويلدي"حافظ على حقك في التفكير، فحتى التفكير الخاطئ هو أفضل من ألا تفكر على الإطلاق".. هيباتيا

لقد غيرت الفلسفة نظرة المجتمع للمرأة بصورة لافتة بعد أن غيرت هي نفسها المنزلة التي تمنحها لها، إذ بعدما تعامل الإغريقيون بشكل فيه الكثير من الاستخفاف مع النساء ووضعوهم في مرتبة دونية أقل من المواطنة ووضعوها بجوار العبيد وكرست مواقف سقراط وأفلاطون وأرسطو، ظهرت على خلاف ذلك الفيلسوفة هيباتيا سنة 370 ميلادي في الإسكندرية واختصت في فلسفة أفلوطين وبرعت في الرياضيات، ودعم ابن رشد هذه النظرة الايجابية حينما طالب بتحرير المرأة والتعامل معها بنفس المكيال مع الرجل.

لقد تواصل غياب المرأة عن المشهد الفلسفي طوال الأزمنة الحديثة بالرغم من الجهود المبذولة على مستوى نظريات حقوق الإنسان للارتقاء بها وإصلاح أوضاعها وتحسين مكانتها في الفضاء المدني.

لقد ساعدت هذه التصورات الحقوقية على بروز الكثير من النساء في الساحة السياسية والثقافية والعلمية وعلى مطالبة الفكر الاشتراكي بالعدالة والمساواة بين الجنسين ولكن الأفكار اليمينية ظلت محافظة على نفس النظرة الدونية ومنتصرة دوما للمجتمع الأبوي والسلطة الذكورية ولقد جسد نيتشه مثل هذا الرأي الخاطئ حينما عبر عن سخطه وانزعاجه وتنديده من خروج المرأة إلى العمل ومشاركتها الندية للرجل.

لقد نبهت فلسفة الحداثة إلى الفائدة الكبيرة التي يمكن أن تحصل للبشرية عندما يتم إلغاء النظرة الدونية للنساء والطاقة الهامة التي تمثلها المرأة ودعت إلى حسن معاملتها ومنحها الكرامة والتقدير اللائق بها.

غير أن المواقف الماركسية الثابتة من تحرير المرأة ومناصرة قضاياها والتصدي للعنف المسلط عليها والقضاء على التمييز بين الأنثى والذكر ساعد على الاهتمام بالمشاكل الحقيقية التي تحصل من تغييبها ومكن من ظهور جيل جديد من النظريات الفلسفية التي تلغي الفوارق وتعود إلى الشأن الإنساني عامة.

لقد ساهم ذلك في بروز الفلسفة النسوية من خلال سيمون دي بوفروار وحنة أرندت وشخصيات مناضلة في المجال السياسي مثل روزا لكسمبرج وسيمون فايل وفتحت الأبواب على مصراعيها لكي تفتك المرأة مكانة بارزة في دنيا العلم ومجال الفن والأدب وظهرت الكثير من المبدعات في جل المجالات والأعمال.

على هذا الأساس كانت الفلسفة ولا تزال ذات موقف ايجابي من المرأة ومدافعة عن حقوقها وعن منزلتها اللائقة وكل الأفكار المضادة هي مجرد آراء موروثة وأحكام مسبقة متحاملة ناتجة عن تمركز ذكوري. فماهي الشروط الإيتيقية التي تتوفر لكي تغير الفلسفة صورة المرأة لنفسها وتجعلها قريبة من الإنساني؟

 

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

علي المرهجلم تولد الفلسفة مع ولادة الإنسان، ولكن السؤال الفلسفي مُضمر في الوعي الإنساني منذ وجوده ففي الفكر الأسطوري تساؤل عن أسباب الوجود، ولكن الاجابات عن هذا التساؤل بحكم المنظومة المعرفية المُهيمنة في بدايات الخليقة كانت تنتظم وفق الرؤية الأسطورية التي يشتغل فيها العقل مُنسجماً معها على المستوى العام، لكنه بفردانيته عقل فاعل مُبدع.

مع اليونانين بدأت الفلسفة بالنشوء، وكما هو معروف في تاريخ الفلسفة فأن طاليس بقوله "أن الماء هو أصل الوجود" في محاولة منه للاجابة عن سؤال الأصل (الأنطولوجي) عبر مُدركاته الحسية لتحولات هذا الأصل لحالات المادة الثلاث ومُفارقته للقول الأسطوري ببعده اللاعقلاني، والعقلانية أقصد بها هنا، أن طاليس لم يكن تابعاً لمُتبنيات العقل الأسطوري في تفسيره لنشوء العالم خارج التفسير العلَيَ (السببي) للوجود والقبول بفكرة تعدد الآلهة وتجاهل الأصل الواحد للوجود.

صحيح أن في أساطير الشرق قد وردَ أن أصل الوجود الماء كما هو الحال في أسطورة الخلق السومرية وأن الإلهة (نمو) هي سبب الوجود ومعناها "المياه الأزلية"، ولكنها جاءت في سياق اللاعقلانية الأسطورية ومنظومتها المهيمنة لا في سياق محاولة التخلص من هيمنتها.

إن ما يُميز طاليس رغم وجود بعض تأثير لبقايا الفكر الأسطوري ونظمه المعرفية، أنه حاول خرق المألوف السائد من القول الأسطوري ونظامه الخارج عن معقولية المحاولة العلمية في ربط السبب بالمسبب لا ربط السبب بعوامل خارجة عن تسبيبه عقلانياً.

لم يكن الفيلسوف منذ نشوء الفلسفة مع طاليس وتطورها مع افلاطون وتلميذه أرسطو بعيداً عن المُجتمع، فطاليس فيلسوف الطبيعة كان مهموماً بالبحث عن حل لمشكلة الوجود، وهي مشكلة تبدو أنها ذات طبيعة (ميتافيزيقية) إلَا أنها بنظرة مُنصفة هي حل لمشكل علاقة الإنسان بالطبيعة والوجود وعلاقة الإنسان مع الآلهة في وقتها وزمانها، فقد أوجدَت تفسيراً مُستمداً من المُلاحظة لا من الأسطورة لعلة الوجود يعتمد الرؤية العقلانية.

ولو أخذنا فلسفة افلاطون المثالية التي يؤاخذه عليها كثير من الواقعيين كونها تصنع عوالماً في المُخيلة، لكنها كما أظن لم تكن بعيدة كُل البُعد عن الواقع، وسأستعير جملة أكررها دائماً لأستاذي الكبير (مدني صالح): "المثال هو المُتمنى. ما أن يتحقق المُتمنى حتى يصبح واقعاً، فلا فرق بين ما هو مثالي وواقعي إلَا من جهة التحقق".

ولو أخذنا الفلسفة السفسطائية لوجدناها فلسفة إنسانية بامتياز، وعلى وفق آراء فلاسفتها نشأت أغلب الفلسفات الواقعية المُعاصرة.

الفيلسوف مهمته الأساسية هي القبول بالآخر وتعقل وجوده بوصف هذا الوجود أمر ملازم لوعي الذات بوجودها، فلا تستطيع الذات التأسيس لمنظومة معرفية خارج وجود الآخر، بل ولا حتى منظومة عقائدية مُغايرة، لأن الآخر يُشكل الضدّ، وهذا الضدَ يُعيد تشكيل الوعي بالمغاير إما قبولاً أو رفضاً.

في الرفض أو القبول لا بُدَ من وجود آخر نتنافس معه ونتصارع أحياناً أو نتعايش، وهو سيبقى أصل لادراك معنى وجودنا الذاتي، ولنا أن نُعيد بناء تصورنا لوجوده المناضر هذا في بيئة نتصالح فيها أو نختلف، ولكن كل منَا له الحق في الوجود بها سواء أ كُنا مُختلفين أم متفقين في الرأي لا في مُمارسة العُنف وقسر الآخرين على تبني رأي واحد ولكن في قبول بعضنا لبعض، بوصف مُغايرتنا اضافة لمعنى الوجود الذي نحن فيه فردياً كان ام جماعياً، فالأنا لا وجود لها من دون آخر موافق لها أو مخالف، لأن في وجود الآخر توصيف لوجودها واعلان عن حضورها!.

كل منَا يدَعي تبنيه للفكر الصحيح، ولكن هذا المفهوم "التفكير الصحيح" مفهوم مُفخخ، فكل أمة بما لديهم فرحون، وكل جماعة تدعي أن ما تتبناه من فكر هو الصحيح، ومشكلة مُجتمعاتنا بنمط انتماءاتها العقائدية والأيديولوجية ونزوعها "الدوغمائي" أو "الأرثذوكسي" بعبارة محمد أركون، فلا تجد في مُجتمعاتنا فرقة إلَا ويدعي أصحابها أنهم "سفينة النجاة" ومن ركبها قد نجا، وحديث الفرقة الناجية معروف، وكل فرقة تدَعي أنه هي المقصودة به.

لكن ما يُميز أهل الفلسفة أنهم يطرحون رؤاهم للتبني وفق الحُجة والدليل، ولكن هذه الحُجج والأدلة ليست مُسددة بارادة ربانية، فلا حساب لمن لا يأخذ بها لا في الحياة الدنيا ولا في الآخرة، لذا أقول أن في الفلسفة فسحة من الدعوة للتفكر بحرية خارج هيمة أو سطوة المُقدس المُفارق، و لكل من وجد في متبناه الفلسفي شك الحق في تركه ولا حساب عليه لا في الدنيا ولا في الآخرة لأن أهل الفلسفة لا سلطة لهم على من عارضهم وشكك في قولهم ولا وعد ولا وعيد له، إنما الوعد والوعيد هي لغة أهل العقيدة أيديولوجية كانت أم دينية، ففي الدينية سينال عقابه في الآخرة، إن لم يكن من رجال ادّعوا هم (حزب الله) او جماعته ولهم حق اقامة الحد على مُخالفيهم في هذه الدنيا قبل ان ينالوا جزاؤهم في الآخرة على قاعدة "كل نفس بما كسبت رهين".

وفي الأيديولوجية العقاب أشد للمُخالفين في مجتمعاتنا، لان السلاطين مُسددين وله الحق في أن يقتصوا من مُخالفيهم في هذه الدنيا قبل أن يناله عقاب الرب!.

إذن فالتفكير الصحيح بلغة أهل الفلسفة هو مرونة التعقل وتشككه، وبتخليه عن ادَعاء العصمة الفكرية لبني البشر، فمهمة الفلاسفة البحث عن الحقيقة لا ادَعاء امتلاكها.

يا ليت تكون للفلاسفة القُدرة على جذب الجماهير لمنطقة تفكيرهم في تبني الرؤية العقلانية النقدية لا صهر المُختلفين، لأن في الصهر تغييب للتنوع، وتلك ليست من مهمات الفيلسوف.

الصهر والقهر من مهمات حاكم مُستبد لا دراية له بالفلسفة ولا شأن.

أما بناء المجتمع والدولة على أساس العدل واحترام الإنسان بما هو إنسان فهي من مهمات الفيلسوف الذي لا همّ له سوى الارتقاء بالمجتمع وبالإنسان الفرد من مصاف التبعية والوصاية إلى مصاف التعقل والدراية..

الأمة التي ليس فيها فلاسفة كالأرض القاحلة لا نبت فيها ولا زرع، ولا يصلح حال أمة تبغي النهوض من دون وجود لفلاسفة ومفكرين يُرممون يباب الأنفس ويُعمرون الهدم الذي في العقول قبل أن يُرمموا الهدم في العُمران.

 

ا. د. علي المرهج – أستاذ فلسفة

 

يثير بعضُ الباحثينَ سؤالاً اشكالياّ وهو: هل الاسلام واحد؟ ام هنالك اسلامات متعددةٌ؟ وهناك كتاب تحتَ هذا العُنوان: (اسلام أَم اسلامات ... قراءاتٌ ثقافيّةٌ في الخطاب الاسلامي) للكاتب حاتم حافظ، وواضحٌ من عُنوانِ الكتابِ أَنَّ الكاتبَ خلطَ بينَ الاسلامِ والقراءةِ الثقافيَّةِ لَهُ، وخَلَطَ بين الاسلامِ والخطابِ الاسلاميِّ، وَبَينَهُما بَونٌ شاسعٌ. وايضاً ماجاء في العُنوانِ الذي وَضَعَهُ الدكتور عبدالمجيد الشرفي لمشروعهِ: (الاسلامُ واحداً ومتعدداً) وهوَ عُنوانٌ يَجمعُ بينَ الاضداد . وقد تناولت ابحاث هذا المشروع، اسلاماتٍ متعددةٍ، كالاسلام الشعبي، والاسلام الاسود، واسلام الفقهاء، وكلها تمثّلُ خلطاً بينَ الاسلام والقراءات والفهوم المتعددة له .

هناك فَرقٌ بينَ الاسلامِ الذي هو واحد، والذي كانَ دينَ النبييّن من ادم (ع) الى الخاتم صلى الله عليه واله وسلم، والذي هو عابر للتأريخ، وبينَ افهام البشر، وقراءاتهم المختلفةِ للدين، والتي هي نسبيّةٌ وتأريخيّةٌ .

وهناك كتابٌ اخرُ كتبَهُ محمد بن الخطيب تحتَ عُنوان: (اسلام المتصوفة)، وهو لايعدو ان يكونَ قراءة المتصوفة للاسلام، ولايعني ان هناكَ اكثرَ من اسلام ؛ فالاسلامُ واحدٌ، والقراءاتُ متعددةٌ .

انا أُطلِقُ على هذهِ القراءاتِ المتعددةِ (تَأسلُمات)، وهي لاتحمل معنىً سلبيّاً ؛ لأنَّ معنى التَأسلُم عندي: هو كل قراءةٍ وفهمِ للاسلام .

وبهذا التمييز، لااسمي ماتفعله داعش واخواتها من اجرام وكراهية وقتل اسلاماً، بل هوَ (تأسلُمٌ) ناتجٌ من قراءةِ داعش المتخلفة والمتوحشة للاسلام ؛ وبذلك يكون اسلامُنا مُبَرَّأً من كل جرائم وتشوهاتِ البشرِ وتوحشهم .

هل هناكَ حاجة الى علم (اسلام مُقارَن)؟

يقترح الباحثُ سيّارُ الجميل، الى انشاء علم (اسلام مُقارَن) لدراسة كل هذه القراءات المتباينة، والافهام المختلفة للاسلام، ولكنّ الصحيحَ أن يُقال (علم القراءات الاسلامية المُقارَنَة) ؛ لانَّ الاسلامَ واحدٌ لايقبل المُقارَنَة. وهذا يشبه القول: (الاديان المقارنة) ؛ لان الدينَ واحد . والله تعالى يقول :(لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَٰكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ ۖ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ۚ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (48)، المائدة .والصحيح ان يقال: (شرائع مُقارنَة) او (مناهج مُقارَنَة) ؛ لان الشرائعَ والمناهجَ متعددة، والدين واحد .

الاسلام واحد في الرؤيةِ القُرانيّة

الاسلام هو الدينُ الذي ارتضاه اللهُ لعباده، وهو دينٌ واحدٌ من النبي ادم الى النبيِّ الخاتم.

والقران الكريمُ يُعَزِّزُ هذهِ النظرة ويؤكدُها، يقول الله تعالى:

(إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ۗ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ۗ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (19)، ال عمران .

(الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ۚ فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ ۙ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (3)،المائدة.

(وَوَصَّىٰ بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ (132)، البقرة .

(أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَٰهَكَ وَإِلَٰهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَٰهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (133)، البقرة.

(قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (136)،البقرة .

(فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ ۖ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (52)، ال عمران .

وَخُلاصةُ القولِ، ان هناك فرقاً واضحاً بين الاسلام والتأسلُم، وَأنَّ الاسلامَ واحدٌ، والتأسلماتُ متعددة، والقراءاتُ مختلفة، والافهامُ متباينة.

 

زعيم الخيرالله

 

عبد الكريم قاسمربما لمرارة الظرف خلقت من ماركس مصارعا على صعيد المادة.. لذلك، نذر نفسه لتحطيم الاستبداد وتأمين الرغيف للمعوزين.  لكن، ماركس المفكر أكبر من أن يظل في دائرة شعبه الضيقة، فيعتبره الشعب المختار الذي له الحق بالحياة، فيستعبد الشعوب ويفتك بالرجال والنساء والأولاد والمواشي أيضا. إن ماركس الذي حرم الرغيف حلم بفردوس ارضي يشترك فيه جميع البشر على يد العمال.

لقد جعل نيتشه من الإنسان مدرجة لبلوغ السوبرمان، وجعل منه ماركس وسيلة للإنسانية العليا.

لقد طلق عصر النهضة وكل ما يمت إليه بصلة، ونظر الى الآلة التي طلعت شمسها في عصره، فرآها في يد العمال الظافرين سلما مباشرا الى الفردوس الأرضي في ظل الجماعة. كان هذا الالتجاء الى الجماعة نتيجة طبيعية لتطليق الميتافيزيقية وللشعور بالعزلة والكآبة والقلق المستمر، إذ يرى المرء نفسه مهددا بجوع طبيعي وروحاني، ويستشعر ذاته جزءا ضئيلا أو ذرة يجب عليها الانضمام الى سواها لتستقوي. فكما أن الطيور الضعيفة تتألف أسرابا ليشتد حيلها، كذلك الإنسان يستوحش ويخاف الوحدة فيلجأ الى الجماعة، فتكون له بديلا.

كانت الضربة الأولى التي وجهها ماركس الى هيجل (نقد فلسفة الحقوق الهيجلية)، وكان يتوقع عند انعكافه على مطالعة (فلسفة الحقوق) أن يرى في ذلك الكتاب حقوق الإنسان في المجتمع، فوجد حقوقا لكنه لم يجد أنسانا. وجد الفكر شائعا في كل شيء أما الإنسان والمجتمع فظلال للفكر.

نقم ماركس نقمته الكبرى من الأفلاطونية القائلة بفكرة مؤداها أن المحسوس ظل للمعقول.

وصل الأمر الى نقد المثالية الألمانية، لم يسكت عنها وهي تدافع عن سيادة السادة وتترك الفقراء يموتون جوعا !.

من حق الإنسان أن يكن مبتدأ وليس خبرا متأخرا لفظا ورتبة. من تراه يقف في وجه الطاغية إذا أراد بالإفراد وبالأسرة شرا، وهو بكم مولده ظل الله في الأرض؟ فمن يتجرأ على نقده أو على مراقبته؟ مسكين الشعب الذي أراده الفلاسفة هزيل لا سيادة له ولا كرامة. أليست ثروات الأغنياء الخاصة هي التي خولت لهم الجلوس في أبراج عاجية وعلى الأرائك في القصور والرئاسات يتحكمون بمصير الشعب، ويسنون القوانين، شرعة القوي يمليها على الضعيف. بئست الملكية العقارية وتبا للأرض التي يتخذها القانون سببا للمفاضلة بين إنسان وأخر، فلا كان هذا التراب ولا هؤلاء الترابيون.

أراد ماركس تحرير الإنسان وإنقاذه من الكثير من الأفكار والفلسفات المحبطة. الخطوة الأولى التي خطاها ماركس جعل الفرد أولا والدولة أخرا.

توج ماركس المادية، فسد الثغرة التي تركها أسلافه، وقال: إن الطبيعة تكفي نفسها بنفسها، وهي موجودة ولو لم يوجد الفكر.

مرة أخرى سد ماركس ثغرة تتعلق بالطبيعة حيث جعلها في الزمان وليس في المكان، ففتح بوجهها آفاقا لا تنتهي، وسع لها مجال التطور، التطور الخلاق الذي يأتيك بالجديد والمفاجآت، تطور لم يحلم بمثله فيلسوف أو مفكر، لأنه ينطوي على الوثبات والصراع المستمر والتحول الكيفي، وهذا هو الديالكتيك المادي بالمعنى الصحيح. الذي كابد من اجله ماركس لتقوية دور الإنسان الذي يتعرّف نفسه بنفسه من خلال عمله ويدرك طبيعة ذلك في الصعيد العملي، صعيد الواقع.

الإنسان الذي تصوّره أرسطو، جرد ما جرد، أصبح أنسانا فقط في الذهن. جاء هيجل فسما درجة على أرسطو ووضع فكرة الإنسان الصحيح فجعله عقلا أول مثاليا صرفا. وجاء ماركس يضعه على صعيد الواقع ويشير الى الإنسان المعين الذي يمشي برجلين ويعيش في المحيط الفلاني، وهو تبعا لذلك فاعل حي حساس يتعرف على ذاته ألماني أو روسي أو عراقي، ويفكر بما يمليه عليه شعوره، فإذا جاع عمد الى الصيد والطعام أو الى زرع الحبوب، وإذا برد اتخذ الكساء. بتعبير آخر يسعى الى حاجاته، فلا يستغنى عن الطبيعة ولا تستغى عنه، مثله مثل الشجرة لا تستغنى عن المطر ولا يستغنى عنه، فهي مسرح الإنسان وملتقى جهوده.

وكما قال ماركس: إن الكائن الذي لا موضوع له خارج نفسه ليس بكائن حقيقي، لأنه لا علاقة له بأحد ولا علاقة لأحد به. ويستمر بالقول: بما أنه توجد اشياء خارجة عني فلست إذن وحدي، وانا بالنسبة لهذا الشيء الآخر واقعة تختلف عنه.

 

عبد الكريم قاسم    

 

سعيد لعريفيبعد أن حاولنا توضيح بعض المعالم في علاقة النخب مع الشعوب، واعتبرنا أن الشكل الذي يجب أن يؤطر العلاقة هو مناخ التكامل، الذي تعطي لكل طرف وضيفته من خلال موقعه في بناء الدولة، واعتبرنا ان آليات التداول ايضا لا يمكنها ان تعني بالمطلق آلية نظام مستبد بكل عناصره، ولا يمكن أن تعني أيضا ، هيمنة الشعوب الى حد السلوك الفوضوي على قرارات النخبة،  المسلك الواقعي هو برأيينا مسلك أكثر نضجا ويميل الى اعطاء مفاهيم مرتبطة بشكل جيد مع هموم الشعوب وتوجهات النخبة واستقرار الدولة.

اننا نجزم أن الدولة بكل مكوناتها، نخبا وشعوبا بتاريخها وجغرافيتها وثروتها..لا يمكنها ان تبني أسس نظام يفكر في أدق تفاصيل التنمية، ان لم يتوفر مناخ يمكن عبره لعقل الدولة أن يفكر بشكل جيد ودون أدنى ريب، في امكانية انجاح كل المشاريع التنموية التي يمكن ان تقدم عليها الدولة، كي توفر لشعوبها مصادر الاثراء والعيش، اننا ونحن نفكر في الاسس العملية للتنمية، وجدنا ان اهم العناصر التي يمكنها ان توفر ارضية جيدة للجواب وبشكل جيد على سؤال التنمية هو الاستقرار، وهو المناخ والبيئة المساعدة على الاستثمار في كل تجلياته.

أغلب دول الوطن العربي، خاصة مع أنظمة ما بعد الاستقلال، لازالت تحكمها في قراراتها وسلوكياتها، وهو امر طبيعي، هاجس الامن والاستقرار. ان ما عقد الأمور وبشكل كبير هو التحولات العربية، التي عصفت بأنظمة كانت الشعوب تعتقد انها مصدر الفقر ونهب الثروة، لكن سرعان ما فهمت الشعوب مع الانفلات الأمني، وبشكل متأخر، أن التحولات الطبيعية للأنظمة لا يمكن ان تكون ببين عشية وضحاها، وان الشعوب التي لازالت منبهرة بالنظريات الثورية والتغييرية، هو ما ساهم في تأجيل التحول الطبيعي للأنظمة ...

ان طرح عنصر الامن كأهم عناصر التنمية، يعتبر طرحا مهما في نظرية التنمية، خاصة التي تبني استثماراتها وقواعدها على نظرية المخاطر، المستثمر يصبح ملزما مع كل استثمار ان يراعي سرعة استرجاع الأموال المستثمرة خوفا من أي اضطراب يمكن ان يعصف بالدولة والمشاريع المنجزة .الاستقرار والاستمرار هما فقط من يمكنهما اعطاء فرص واعدة للاستثمارات الداخلية او الخارجية.

الشعوب عنصر حاسم في عملية الامن، خاصة الشعوب التي تعلم جيدا ان الأفكار التي يمكن ان تعصف باستقرار الدولة، هو فقط عبث نظري، وأن تبني فكر تكاملي ليس غايته اعطاء الأنظمة القائمة مزيدا من الاستقرار والهيمنة، وانما هو حاجة من حاجيات التعاقد بين الطرفين، الهدف منه الحفاظ على أهم التزام هو: الاستقرار.

ان الفكر الجدلي والعدمي زج وبشكل كبير بالشعوب في مواجهات غير محسوبة مع انظمتها، وهنا نطرح بشكل عميق مفهوم المؤسسات التعليمية والتربوية ودورها في خلق نقاش فكري وتصوري متعدد، قادر على بناء مواطن ينخرط بوعي في بناء الدولة وليس في تدميرها، وتعفي الشعوب من مواجهة انظمتها من خلال افكار مستوردة او من خلال وعود كاذبة توهم الشعوب بتغيير الى الافضل..

ان هاته الأمور تعطي الحق للأنظمة ان تخصص اكبر حصص ميزانيتها للشق الأمني، تحسبا لاي انفلات يمكن ان يعصف باستمرارها،

ان أهم عناصر التنمية لا يمكن ان يكون الا العامل الامني، أو لنقل المناخ العام الذي يمكن ان يوفر للمستثمر وللدولة ظروف جيدة للاشتغال على مؤشرات التنمية، مؤشرات لا يمكن ان تعطي مفعولها بين عشية وضحاها، على واقع الشعوب،

الشعوب بين خيارين :الامن أولا والتنمية ثانيا...

لان لازمة التنمية أولا والأمن يأتي بعد، لا يمكن ان يتحقق مهما حاولت الشعوب اقناع نفسها ان خلق الثروة أو اعادة توزيعها لا يمكن ان يكون الا عبر الضغط وخلق ازمات اجتماعية،

وهنا نطرح وبشكل صريح، مفهوم العمل النقابي الذي يمكن ان يعتبر الازمات الاجتماعية وضع منعش لطموحه ووجوده...في حين مطالبها قد تكون في غالب الاحيان أرضية خصبة لخلق حالة من فقدان المصداقية لسياسات الدولة وحكوماتها، نعم يمكن ان لم تنتبه النقابات للأمر ان تسقط في خلق أرضية انطلاق لفكر عدمي، قد يهدم اكثر مما يبني

الانظمة بين مطرقتين :

- الامن الداخلي المبني على الرفاه الاجتماعي وقوة الدولة،

- والأمن الخارجي المبني على الموقع الجيوسياسي وعلى القوة الاقتصادية .

ان المعنى الطبيعي للأمن الداخلي في أنظمة ما بعد التحولات العربية اصبح وبشكل كبير، يتجلى في قدرة الانظمة على حسم الواردات الفكرية والمذهبية الني لحقت بالمنظومة التربوية في كل تجلياتها، وارهقت الجانب الامني في العالم، حتى أصبح للتحولات والازمات الاجتماعية بعد اكبر من الحاجة الى لقمة عيش، وهنا وضعنا محط السؤال كل المؤسسات التي تتبنى هم الشعوب وتحسس الانظمة بإلحاحية المطالب وضرورة تحقيقها كحق طبيعي، والغاية من ذلك هو الاسهام في سلم اجتماعي يسد الابواب امام الفاعل الانتهازي، الذي يمكن في أي لحظة ان يقلب توجه المطالب الى ما هو اكبر من ان يكون مطلبا اجتماعيا.

ان مؤسسات الدولة حين تشتغل بشكل جيد وبحكامة، يمكن ان تساهم في كشف طبيعة أي حراك اجتماعي .هل هو حراك غايته تحسين الاوضاع او تأزيمها، ان ضعف المردود في المؤسسات هو ما يعطي فرصا لأكثر من تأويل لأي حراك أو احتجاج، هنا نلفت الانتباه الى ان هناك اخلاق لا يجب ان تكرس في سلوك المؤسسات وهي مع كل الاسف مرتبطة بخصائص الخدمات العمومية......

مع قدرة الأنظمة على تدبير أمنها الداخلي بشكل جيد، وتسويقه بشكل يعطي للبلد اشعاعا كبيرا، هو ما يمكنه ان يعطي للدولة موقع مهما على الصعيد ين الاقليمي والدولي،

ان ما يعرفه العالم من توترات يمكنه ان يعتبر درسا مهما للشعوب التي لم تعرف بعد حالة فوضى ولا استقرار ودرس مؤلم الى التي فرطت في أمنها بأي شكل من الاشكال. لعدة اعتبارات منها:

- الألة العسكرية هي من تحسم أي توتر والشعوب التي تفرط في أمنها هي من تدفع الثمن في نهاية المطاف.

- الديمقراطية لا تعني بالمطلق استبدال نظام بغيره، ولكن هي مسار من التحولات الطبيعية التي يمكنها ان تؤسس لثقافة واضحة وسلوك يميز بين التداول والتدبير

- المعارضات الراديكالية فكرة مستلبة وطموح شخصي تذهب ضحيته الشعوب التي لا تقرأ...

- انسداد افق المعارضات الراديكالية هو ما يؤسس لتطرف عدواني، على الشعوب والدولة أن ينتبهوا له.

- المعارضات التي تملك فكرا انقلابيا، لا يمكنها ان تكون أرحم من الأنظمة القائمة.

التحليل لا يمكنه أن يرسم سيناريو واحد للتحولات العربية او الكونية، لا يمكن ان نجزم ان الثورة هو ما تحتاجه الأوطان العربية كي تمر الى مرحلة ما بعد التوترات، للأسف هذا ما يتم تسويقه رغم ان الانفتاح الاعلامي والثقافي وصل الى أبعد الحدود، والنهل من تجارب كونية أصبح أمرا متاحا لكل الشعوب العربية...الأمن فعل تنموي، حيوي، تكاملي، بين الشعوب ونخبها

 

سعيد لعريفي

 

منير لطفيأسوأ ما يمكن أن يفعله كاتب هو أن يبغِّض الحياةَ إلى القرّاء، فتنضح كلماتُه بالدموع المالحة وتتسربل عباراته بالحزن الخبيث، ثمّ يسدّ منافذ الأمل ويصبغ العيْش بالسواد وينادي بأعلى صوته: هلمّ إلى الاكتئاب! ولا يُعذر في هذا مَن يتعلّل بأنه ينفث مكنونَ نفسه ويجيش بما يعتمل صدرُه؛ إذْ إنّ الكاتب –أيّ كاتب- لا يكتب لنفسه، وإلّا لهان الخطْب وعُدّت كلماتُه زفراتِ مصدور وآهاتِ موجوع. ولكنّه بامتشاقه القلم، واحتلاله مساحةً من الفضاء الورقي أو الالكتروني، بات يخاطب شريحة –صغرت أم كبرت- من المتلقِّين، وعُلِّقت في رقبته أمانة الكلمة التي تسري في دماء قرّائه كالدواء حين تحلّق بهم معانِقةً صفحةَ السماء، أو كالداء حين تهوي بهم إلى أدنى قرار، وهو في الأُولى –ولا شكّ- مُبشِّر مأجور وفي الأخرى –ربّما- منفِّر مأزور.. فبعض الكلمات –كما قال عبد الرحمن الشرقاوي- نور وبعض الكلمات قبور. وصدَق الحبيب صلّى الله عليه وسلم إذْ يقول: "يَسّروا ولا تُعسّروا، وبَشّروا ولا تُنفّروا".  

وفي هذا الإطار التشاؤمي، حدِّث ولا حرج عن طائفةٍ من الكُتّاب اشتُهروا بما يُعرف بالكتابة السوداوية؛ لِما غلب عليها من طابع القتامة الباعث على الإزعاج، ولِما حفلت به من غبَرة تعلوها قتَرة. ومنهم الأديب التشيكي فرانز كافكا الملقَّب برائد الكتابة الكابوسيّة، بعدما أغمض عينيْه عمّا في العالم مِن زهورٍ تتفتّح وبساتينَ تزهر ونجومٍ تتلألأ وفتياتٍ تمرح وتضحك؛ فتَقوْقع على ذاته المشحونة بالمعاناة، وتَكوّر في رحِم نفسه التي لم يأتلف معها وأحسّ تجاهها بالغربة والوحشة، ثمّ ترك العنان لتعاسته التي أكلت روحَه البائسة، قبل أن ينهش داءُ السلّ رئتيْه ويُودِعه الرّمس وهو في الأربعين من عمره! ولا أدلّ على ذلك من روايته (المسخ) التي يستيقظ بطلُها فيجد نفسه قد مُسخ حشرة! ليس هذا فقط بل كانت حشرةً لُحمتها الشقاء، وسُداها العذاب، وعينها السخْط التي قال عنها الشّعر: وعينُ السّخْط تُبدي المَساوِيا.

ويبدو أن مالم يكتبه كافكا كان أكثر سوداوية ممّا كتبه، بدليل ما قاله: لا أستطيع أبدًا أن أكشف للناس عما يجول بخاطري من أفكار بشكل كاف، حتى لا يبتعدوا عنّي هلعًا ورعبا. ويبدو أيضا أنه كان حكيما حين أوصى صديقه وهو على فراش الموت بأن تُحرق أعمالُه حتى لا تصل إلى القرّاء حال وفاته، وهو مالم يفعله الصديق (ماكس برود) حين اعتبر تلك الكتابات كنزًا ثمينا لا يليق بها أن تكون للنار طعاما وشرابا. وقد رسم أحدُ النقّاد الإنجليز ملامح الحالة الكافكويّة بقوله: لقد واجهتُ صعوبةً بالغة في قراءة كافكا وأنا أتمدّد على الفراش. قصصٌ مليئة بالعذاب، بوصف الجروح، بالارتباك، بالساديّة والمازوخيّة، والقسوة، وتظهر في مَشاهده القوارض والخنافس، وكائنات بشعة أخرى. وتقف وراء كلّ هذا خلفيّةٌ من اليأس المطلق. 

وما قِيل عن كافكا في الأدب يُقال عن آرثر شوبنهاور في الفلسفة؛ حيث أقام بناءه الفلسفي على روح التشاؤم، وصبغ حياته بالوحدة والعزلة، ومجّد العدم وحرّض على الانتحار، ولم ير الخلاص سوى في نهاية العالَم! ولهذا لم يكن غريبا أن يشعل النارَ في الوجود فيصف الولادةَ بأنها جريمة الإنسان الكبرى، ويرى الحياة شرًّا مطلقا فيضعها في خانة العقوبات القاسية، ويُمثّل الإنسانَ بغرفةٍ  صمّاء جدرانها الأربعة ليست سوى الألم والمرض والشيخوخة والموت، ويختصر روح العالَم في كلبه الذي سمّاه (أطما) أي روح العالَم، ثمّ يعيش حياةً مضطربة نعَتَها بأنها كبندولٍ يتأرجح بين الألم والملل!

وقد فتحت (نانسي هيوستن)  النيرانَ على شوبنهاور وأتباعه في كتابها (أساتذة اليأس) فقالت: مِن بين أتباع شوبنهاور نجد مجمل أساتذة اليأس تقريبا، والذين يحدّدون القِيم الأدبيّة الأوروبيّة ويجسّدونها في الزمن المعاصر. برنامجهم المشترك هو تعلُّم الموت وتعليمنا إيّاه، التقليل من قيمة الجسد ونشواته، انتزاع النفس من كلّ أشكال الصّلات، وخصوصا صلة الحبّ، إنكار المؤنَّث المفكِّر، الأموميّ الذكي، الزمنيّ المتحرّك، المفاجئ، الحيّ، الحاسّ، الهشّ، العابر، وتشويهه ...بكلمة واحدة، القضاء على الحياة الإنسانية: هذا ما يعلّمنا هؤلاء الأساتذة، من أعلى قواعد التماثيل التي نصبناها لهم.

 وفي هذا أيضا يمكننا العروج على بعض كتابات صاحب النظَرات والعبَرات (مصطفى لطفي المنفلوطي)؛ الذي عزف على الأوراق لحنَ البكاء ونغمَ النحيب، فلُقِّب بأديب الدموع. ومال إلى صفحة القمر المظلمة ووجه الحياة المأساوي، فسلّط عليهما منظار قلمه، وسوّد بهما العديد من قراطيسه التي خلّفها وراءه بعد رحيله في يوم عيد الأضحى من عام 1924م. ولا ننسى رهين المحبسيْن أبي العلاء المعرّي وشاعر الهجاء ابن الرومي.

أمّا على شاطئ التفاؤل الذي يرتدى نظّارةً بيضاء زجاجها الأمل والثقة وإطارها الحماس والعمل؛ فقد سطّر الموقع الأمريكي الشهير (هافينج بوست) سبعة كُتب عدّها –من وجهة نظره- الأكثر تفاؤلية، لِما زخرت به من النظرة الإيجابية للحياة؛ وهي (قوّة التفكير الإيجابي) لمؤلّفه نورمان بيل، و(كيف تكسب الأصدقاء وتؤثّر في الناس) لديل كارنيجي، و(فكّر تصبح غنيّا) لنابليون هيل، و(كيف تقيس حياتك) لكلايتون كريستين، و(كيف تستطيع السيطرة على الحياة) لجيمس جوردن، و(كما يفكّر الإنسان) لجيمس آلان، و(عِلم الوصول إلى الثراء) لوالس.

والواقع أنّ الأمر أوسع كثيرا من هذه الكتب السبعة، فقد أدْلت عشرات بل مئات الكتب بدلْوها في هذا المضمار؛ نظرًا لحاجة الناس الماسة إلى جرعات مكثَّفة من التفاؤل والأمل، وبحْثها الدؤوب عن عرّابي السعادة وبائعي الغبطة، خاصّة وسط هذه التحدّيات التي تغلّف الحياة المعاصرة، والتي خلّفت وراءها نحو 300 مليون حالة اكتئاب على مستوى العالم، ذلك الاكتئاب الذي وصل حدًّا من الذيوع والانتشار جعل رائد الطبّ النفسي (عادل صادق) يوجّه نصيحته إلى الأطبّاء الشبّان قائلا: "عزيزي الطبيب حديث التخرّج: إذا لم تقرأ جيّدا عن الاكتئاب: أعراضه وعلاجه. وإذا لم تبحث عن علامات الاكتئاب في كلّ مريض يدخل عيادتك.. فإنّني أتنبّأ لك بأنك ستكون طبيبا فاشلا".

 وبإطلالةٍ صغيرةٍ على مكتبتي المتواضعة؛ سنضع أيدينا على العديد من الكتب الضاحكة المستبشِرة، بدءًا بعبد الله المغلوث في كتابه (تغريد في السعادة والتفاؤل والأمل)، ومعه سمير شيخاني في (سبيلك إلى السعادة والنجاح)، وعبد الكريم بكّار في (أفق أخضر للنجاح والإنجاز) و(عِش هانئا)، وخالد أبو شادي في (معا نصنع الفجر القادم)، وخالد محمد خالد في (الوصايا العشر لمن يريد أن يحيا)، وديل كارنيجي في (دع القلق وابدأ الحياة)، وأوريزون ماردن في (سبيلك إلى الشهرة والنجاح)، ومهدي الموسوي في (الرقص مع الحياة). إضافة إلى محمّد الغزالي في (جدِّد حياتك)، وعائض القرني في (لا تحزن)، وسلوى العضيدان في (هكذا هزموا اليأس)، وعبد الكريم القصيّر في (متفائلون)، وسلامة موسى في  (فنّ الحياة).. وهو ذات العنوان الذي أغرى  العديد من الكُتّاب أمثال (أندريه موروا) و(ويلفيرد بيترسون)، فدندنوا حوله، وسطّروا من خلاله ما عنّ لهم من رؤى وأفكار. ولا بأس هنا من دسّ كتابي (طريقك إلى التميّز) وسط هذه الثُلّة من الكُتّاب الذين فضَّلوا قدح اللبن على قدحَي الماء والخمر، فأكلوا بذلك البيضةَ وقشرتَها، إذْ أحسنوا إلى أنفسهم وإلى القرّاء وإلى الحياة.

ومن بين ثنايا هذا التلّ من الكتب المتفائلة، يمكن تعريف التفاؤل بأنه نظرةُ فرحٍ واستبشارٍ بالغد، تجعل المرء يتوقّع الأفضل وينتظر الخير ويرنو إلى النجاح مستبعِدًا ما سوى ذلك. على أن يكون هذا التفاؤل موقفًا عقليًّا رديفه الوعْي بالواقع، لا عاطفةً مشبوبة رديفها الغفلة بالإمكانات والقدرات، ومَشوبة بالعمى عن المحيط الخارجي وما يكتنفه من ملابسات. وفيها نقرأ كيف أنّ المتفائل باسم الوجه لامع العين عذب اللسان، وكيف أنه يَنعَم بسلامٍ داخلي يَقِيه غائلة الأمراض النفسية ويعجّل بشفائه من الأمراض البدنية، وكيف أنه محبوبٌ من الناس قريبٌ من الله، وكيف أنه يمتلك طاقةً إضافية وقدرةً معنوية تيسّر له العسير وتفتح المغاليق وتأخذ بيده إلى بوابة النجاح وسلّم التميّز.. وكأنّ التفاؤل جبل الطور الذي يتنزّل عليه وحْي الإنجاز، وغار حراء الذي نظفر منه بكتاب الأمن والأمان، وسفينة نوح التي نعبر بها إلى عالَم التوحيد والإيمان، وعصا موسى التي نهوِي بها على رأس القنوط والإحباط. بما يعني أن الاسباب الداعية للتفاؤل يصعب حصرها في الخمسة وعشرين سببا التي اجتهد في تعدادها صاحب كتاب ( لهذا كُن متفائلا).  

ولعلّ أوضح رسالة تفاؤلية هي تلك التي قصّها القرآنُ في سورة الفرح والأمل، وهي سورة (يوسف)؛ فرغم الوهم الذي صدّره إخوة يوسف لأبيهم بأنه قضى نحبه بين براثن الذئب، ورغم مرور عشرات السنوات التي مرّت على فقده دون أثرٍ يدلّ عليه، إلّا أنّ الأب يعقوب عليه السلام  يصرّ على حسن الظنّ بالله ويتمسّك بأهداب الأمل، فيبثّ فيهم روح التفاؤل قائلًا: "يا بَنيّ اذهبوا فتحسَّسوا مِن يوسف وأخيه ولا تايئسوا من روْح الله". وهو المعنى الذي نسج منه فاروق جويدة أبياتا تتنفّس أوكسجين التفاؤل بقوله:

هيّا لنغرس في الدروبِ زهورَنا

هيّا لنوقد في الظلامِ شموعَنا

إذا كانت الشمس الحزينة قد تَوارى دفْؤها

فغدًا يعود الدفءُ يملأ بيتَنا

والزهر سوف يعود يرقص حولنا

***

 

بقلم: د. منير لطفي - طبيب وكاتب

 

 

عبد الاله الصائغالمبتدأ: الثامنة مساء الأربعاء السادس من مارس آذار 2019 كنت أجلس خلف المايكرفون قبالة الجمهور الذي حرص على الحضور رغم الظروف المناخية الصعبة ومع تمام الثامنة تكلم مدير الامسية السيد الاستاذ صالح المحنة وكنت اجلس الى جانبه فحيا الجمهور تحية حميمة وتحدث عن انشطة معهد أولادي في ظروف صعبة أقلها الظروف المادية فضلا وإشكالات عدم التعاون مع المعهد من قبل البعض في مقاطعة ديربورن ولكن المعهد لا يعبأ بتلك المشكلات ثم التفت الى عبد الاله الصائغ مرحباً به باسم معهد اولادي وفتح موجزا لسيرته مشيدا بجهوده على مدى نصف قرن بين الشعر والنقد والتاريخ والسيرة والعمل الموسوعي بعدها ترك المايكرفون للمحاضر كي يبتديء قراءته المغايرة للتاريخ العربي الاسلامي فابتدأ الصائغ الحديث : سلام الله عليكم سيدات وسادة،

الشكر من آلاء الله

وأضاف: دعوني افتح لكم صندوق روعي فأبث لكم رغبتي في الابتداء ! ابتديء بالشكر ولكن لماذا الشكر؟! فالتحية تعوض عن الشكر أحياناً، لكنني ومن خلال تجربتي رأيت كلمة الشكر تختزن طاقات كثيرة وكلها ايجابية بينها طاقة السلام وطاقة الوئام وطاقة تناسي الخصام بل وثمة طاقة سحرية مغناطيسية بحيث تفعل المعجزات ولذلكم ولذلكن اتفقت الاديان السماوية على اهمية كلمة شكر وقداستها ابتداء بالكنزاربا فالعهد القديم فالعهد الجديد فضلا عن الكتب الوسطى التي تقع بين بين !! وانتهاء بالقرآن الكريم، قارن : ﴿40 النمل﴾ ﴿40 النمل﴾ ﴿35 القمر﴾ ﴿52 البقرة﴾ ﴿56 البقرة﴾ ﴿152 البقرة﴾ ﴿158 البقرة﴾ ﴿172 البقرة﴾ ﴿185 البقرة﴾ ﴿243 البقرة﴾ ﴿123 آل عمران﴾ ﴿144 آل عمران﴾ ﴿145 آل عمران﴾ ﴿147 النساء﴾ ﴿147 النساء﴾ ﴿6 المائدة﴾ ﴿89 المائدة﴾ ﴿53 الأنعام﴾ ﴿63 الأنعام﴾ ﴿10 الأعراف﴾ ﴿17 الأعراف﴾ ﴿58 الأعراف﴾ ﴿144 الأعراف﴾ ﴿189 الأعراف﴾ ﴿26 الأنفال﴾ )) . إ. هـ والحديث النبوي الشريف (الشاكر له اجر الصائم / لايشكر الله من لايشكر الناس / لايدخل الجنة الا الشكور.... الاحاديث كثيرة وعصية على بحثي المتواضع )

الشكر المثلث

اول الشكر اقدمه بين عيني سماحة السيد عبد الستار الموسوي المؤسس والمدير المسؤول عن منتدى المعهد الذي ابتكر منتدى لايشبه أي منتدى في ديربورن وانفق عليه من ماله الخاص رغم شح الحال وبذل جهدا جهيدا وهو بين العمر وبين العلة الصعبة واجتهد لتكون مناهج المنتدى شركة بين لغة الاطفال الاولى – الانجليزية – ولغتهم الاصلية – العربية – فضلا عن الهاجس التنويري البعيد عن الطائفية والمناطقية والقومية، وثاني الشكر جدير به حضرة المفضال السيد صالح المحنة وهو الشخصية الثانية في معهد اولادي فمنحه من جهده واجتهاده ووقته الكثير رغم كثرة مشاغله في شجون جاليتنا العربسلامية) .

وبقي الشكر الثالث وهو المهم في زعمي سوف أتوجه به الى كل من ناكفني عن محاضرتي الاولى وقسا علي قسوة قد استحقها وقد لا استحقها ! اشكر كل من وضع على لساني كلمة لم اقلها ومعنى لا أعنيه ! ولعله وزري ربتما تركت في محاضرتي ثغرة يمكن ان ينفذ منها من يشاء ومنطقة رخوة تغري من يشاء اختراق ديباجتي ! كانوا غاضبين عليَّ والغضب مهما كانت مسوغاته ترجمة لصدق المشاعر ! اكرر شكري لأني استفدت منهم بطريقتي الخاصة .

743 الصايغ

عرض المحاضرة

كتب اللغة ومعجماتها لم تدقق في كلمة تاريخ وذهب الجل من صناع تلك الكتب الى احتمال كون الكلمة غير عربية ولكن بعضهم فطن الى مادة ورخ فهي ثلاثية وفعل ماض والتوريخ التوقيت وتحديد الزمن ! ومسوغ ذلك انه معروف عن العربي كراهيته للهمزة فهي النشاز بين الاحرف في الحنجرة واندفع آخرون فقالوا الهمزة صوت الهمزة مبتدأ القيء ! فكان يسهلها ليجعلها ياء مثلا منائر مناير عجائز عجايز نبيء نبي والامثلة كثيرة ! اما كتب المصطلحات فقد تناولت أرخ كفعل ماض ثلاثي بمفهوم التاريخ وذهبت الى ان العرب كانوا يؤرخون توريخات الامم الاخرى التي سبقتهم وعرفت التوريخ قبلهم حتى قرر الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه ان يكون للمسلمين تاريخ يبدأ من السنة الاولى للهجرة ومن المفارقات المساعدة على الالتباس ان التاريخ العربي الهجري لم يدون قبل حلول نهايات القرن الثاني والقرن الثالث الهجريين ! ومن من الطريف بالذكر ان الرئيس الليبي الأسبق معمر القذافي أصدر أمرا مؤداه ان يعتمد التاريخ على سنة ميلاد النبي محمد صلوات الله عليه لكن هذا التوريخ يصنع لبسا بينه وبين التاريخ الهجري الذي اعتمد عليه كل تاريخنا الاسلامي .

التاريخ العربسلامي ورطتنا الكبرى

نظرة راكزة لتاريخنا قمينة بأن تجعلنا ندرك أن ملايين المسلمين قتلوا بسيوف المسلمين ! فلم يكن المؤرخ زمنذاك معنياً بالناس ابداً بل هو معني اولا واخيرا بالخلفاء والملوك والسلاطين والحروب الطائفية وطقوس الدم والثأر ! تاريخنا ملغوم من الكتاب الى الجملة الى الكلمة الى الحرف ! فأي حاجة لنا بتاريخ دموي قتل أجدادنا وآباءنا ويقتلنا وأولادنا وسيقتل احفادنا وأولادهم ؟ فلنتخلص منه قبل ان يتخلص منا ! ولنلغه كلية قبل ان يلغينا كلية ! ووفق نظرية ارنولد توينبي (لندن 1889- 1975 ) فنحن كأمة سننقرض إن لم نتدارك انفسنا ! فتوينبي يقول ( في التحدي والاستجابة ) ان الاستجابة مقياس بقاء الأمة أو انقراضها ! فإذا كانت استجابة الامة اقل من التحدي الذي تواجهه فالأمة منقرضة ولو بعد حين، وإن كانت الأستجابة اقوى من التحدي بقيت الأمة وتفوقت ! وقد مر الغرب بورطة مثل ورطتنا سابقا حين تحكمت في حياته الكنيسة والسلطة والقبيلة والأعراف حتى ان غاليلو غاليلي القائل بكروية الارض ذهب ضحية اكتشافه لكن المجتمع الغربي تململ ولم يبت على الضيم وظهر قسيس كبير ولعله اكبر القساوسة عهدذاك هو مارتن لوثر كنغ وقرر عن قوة واقتدار فصل الدولة عن الدين والقبيلة والأعراف فتنفس الغرب الصعداء وبدأ زمن الأختراعات والأكتشافات والمنهج العقلي !! والسؤال كم سيلبث العربسلاميون حتى ينبغ بينهم رجل دين كبير او دولة كمثل مارتن لوثر كنغ ؟ انا شخصيا غير قادر على الاجابة ولكنني ارجح استمرار الفترة المظلمة التي علقتنا !

مهمات القراءة المغايرة للتاريخ العربسلامي

القراءة المغايرة منحازة لعامة الناس منحازة للجوانب التقدمية والتنويرية بالاطلاق .

القراءة المغايرة على يقين من ان الفنون الجميلة خير من يفصح عن التاريخ بالطرق المتاحة كالمسرح والغناء والموسيقى والرسم والنحت فضلا عن النصب والتماثيل والمسلات والزقورات والقباب والاقواس والمنمنمات .

القراءة المغايرة انتقائية فهي تهمل كل حركة او حدث يثير الإحن الدموية والترات البدائية بين الناس .

عدم تشجيع الشعر الذي يهلوس العقل الجمعي ذلك الشعر الذي يكرس الموت سبيلا للتعبير عن حب الوطن والمواطن وكذلك الامثال السائدة التي تشيع التعايش مع الضعف والاستخذاء والقناعة بالفتات.

القراءة المغايرة عابرة للعنصرية والطائفية والشللية والمناطقية والعقائد المنغلقة .

القراءة المغايرة تحاول استنباط حركة الناس مهما كانت عابرة او وجيزة .

يهتم التاريخ المغاير بالمعلومات المهربة فبعض المؤرخين يهرب معلومات محظورة عن قصد او عن غفلة ومهمة المؤرخ المغاير اقتناص هذه المعلومات .

تهمل القراءة المغايرة كل الحروب بين المسلمين واصحاب الاديان السماوية الاخرى كما تهمل الحروب بين المذاهب والملل والنحل والعراك الدموي بين السنة والشيعة القراءة المغايرة ميالة الى التخلص من اعباء التاريخ ولو اقتضى اهمال اربعة اخماس التاريخ العربي الاسلامي بله كله فماذا حصدنا من هذا التاريخ سوى المصائب والكوارث .

القراءة المغايرة لاتشجع الطقوس والفولكلور والشعائر والخرافات المندلقة من التاريخ بحيث تبقي مباءات التاريخ في مكنونات الذاكرة الجمعية .

القراءة المغايرة تطرح مشروعها على مسؤولي مؤسسات التربية والثقافة والتعليم العالي من الحضانة الى الجامعة من اجل ان لايتسرب شيء من دخان تاريخنا الخانق الى رئآتنا .

القراءة المغايرة تشجع الرادة والذادة على تنوير الناس من خلال المنابر والصحافة والتلفاز والاذاعة والسنما والسوشيل ميديا .

السبيل الى الخلاص من كوارث التاريخ العربي الاسلامي

يحاول كل منا قهر نوازع الميول الطائفية والعنصرية والمناطقية والشللية والعشائرية في نفسه قبل غيره .

يحاول كل منا رجلا كان ام امرأة، فرداً كان او جماعة توصيل قناعاته التنويرية الى اقرب الناس اليه العائلة والاقارب والجيران بطريقة هادئة مقنعة .

نوضح للناس المذابح المليونية التي جرها التاريخ العربسلامي على الناس .

نوضح للناس كيف قدر هذا التاريخ المعوق على تفرقة الشعب الواحد وتجزئة الوطن الواحد وربما الجماعة الواحدة والمحلة الواحدة .

الخلاصة

منذ القرون الطوال كان المؤرخ المغاير معرضاً للتصفية الجسدية وقد ذهبت قوافل المنصفين الى الأقبية المظلمة (ابن رشد ابن سينا ابن السكيت ابن برد ...) ولاذنب عندها سوى محاولة ابعاد الناس عن الموت النزق والجهل الشبق فلابد من وقفة حازمة حاسمة فنصرخ بأعلى اصواتها كفى كفى خوفا من نقد التاريخ وإرهاب السوقة والمخدرين ولنبدأ ساعة الخلاص الابدي من هذا الكابوس الجاثم على صدورنا منذ قرون .

نقاشات

بعد انتهاء المحاضرة فتح مدير الامسية السيد صالح المحنة الباب للمنقشة فأسهم جل الحاضرين بمناقشات جادة حاذقة حتى ان بعض المناقشات اضافت معلومات فذة للمحاضرة، بعدها أعلن عن انتهاء المحاضرة .

 

عبد الاله الصائغ مشيغن المحروسة الاربعاء السادس من مارس 2019

 

 

 

عدنان عويدبداية أقول: حتى لا أتهم بأني من الذين يؤمنون بالنزعة الاقتصادوية في تفسير حركة التاريخ المجتمعي، فأنا أومن بالعلاقة الجدلية بين الواقع والفكر أولاً.، وبأن كل مستويات الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية تؤثر ببعضها بعض بعلاقة جدلية ثانياً، كونها كلها تسير عبر سيرورتها وصيرورتها التاريخيتين كعربات القطار.. تسير معاً وتقف معاً، ولكن يبقى الاقتصاد يشكل مركز القيادة لهذه العربات، الذي على أساسه يقاس تقدم وتخلف بقية المستويات، من جهة، وآلية عمل هذه المستويات من جهة ثانية.

إن المتتبع لتطور وضعية الملكية الخاصة، سيجد بأن جميع الحركات المادية والفكرية لدى أي مجتمع من المجتمعات، تقوم أساساً على حركة وتطور هذه الملكية. فالملكية الخاصة في حركتها وتطورها وتبدلها وكل ما يتعلق بها، هي تعبير مادي محسوس عن الحياة الإنسانية في تجلياتها الايجابية أو السلبية. أي حالة تحقيق وجودها الايجابي المعبر عن إنسانيتها الحقيقية في عدالتها ومساواتها ورقيها، او في وجودها السلبي المعبر عنها في غربتها وتشيئها واستلابها.

إن حركة الملكية القائمة على الإنتاج المادي والروحي وتوزيع هذا الإنتاج واستهلاكه، تشكل دائماً في الواقع علاقات اجتماعية وفكرية جديدة تتناسب مع حركة هذه الملكية وتطورها وتبدل مواقع وجودها طبقياً. وبناءً على هذه الحركة، ستجد دائما إنساناً يتصرف ويتحرك وفقاً لمصالحه المرتبطة أصلاً بهذه الحركة المرتبطة بالملكية. فالدين والدولة والفلسفة والأخلاق والأدب والديمقراطية والحرية والقانون والحق .. إلخ، كل هذه المعطيات الفكرية والمادية داخل مجتمع من المجتمعات وجدت في الحقيقة مع تطور وتبدل وضعية الملكية. وإن الملكية الخاصة هي من يلعب الدور الأساس في إنتاج هذه العلاقات المادية والفكرية وطبيعة عملها، وبالتالي فإن هذه العلاقات في مرحلة من مراحل تطورها ونضوجها، تقوم هي ذاتها في لعب دور  المسؤول عبر حواملها الاجتماعية على  ضبط آلية حركة هذه الملكية وعملها، إما في تسريع هذه الحركة نحو الأمام لتحقيق مصالح قوى اجتماعية جديدة تقدمية، أو عرقلتها لمصلحة قوى اجتماعية تقليدية رجعية، وذلك كله يتم تحت مظلة الدولة التي تسيطر عليها هذه الطبقة المالكة أو تلك، أو باسمها، وعبر استخدام  سلطة القانون الذي تسنه حواملها الاجتماعية، في مرحلة تاريخية محددة، وفي نهاية المطاف العمل ليس على تحديد طبيعة البنية الاجتماعية وعلاقاتها الانتاجية القائمة على هذه الملكية فحسب، بل وطبيعة النظام السياسي والاقتصادي والثقافي أيضاً المعبر عن هذه الملكية وحواملها الطبقية وعلاقاتها الإنتاجية أيضاً. فعلى أساس هذه الملكية وحواملها الطبقية، تتحدد طبيعة النظام القائم في الدولة، إما أن يكون هذا النظام رأسمالياً أو اشتراكياً أو إقطاعيا....إلخ.

إن هذه الرؤى والمفاهيم التي جئنا عليها هنا، ما هي في الواقع إلا شكلاً من أشكال الإنتاج الاجتماعي، وتخضع لقانونه العام هذا القانون الذي يتضمن دكتاتورية الرأسمال وحوامله الاجتماعيين. هذه الدكتاتورية التي تولد للمالك والمنتج معاً حالات اغتراب الإنسان عن واقعه وضياعه في منتجاته التي يحاول دائماً هذا الحامل الاجتماعي البحث عن ذاته فيها من خلال إعادة إنتاجه لهذه الملكية أو الحفاظ عليها من قبل المالك قدر ما يستطيع، أو العمل على تغيير طبيعة هذه الملكية من قبل المنتج قدر ما يستطيع أيضاً، وذلك كله يتم عبر إعادة هيكلة وضعية الملكية والإنتاج القائم عليها بما يتفق ومصالح القوى المالكة أو القوى المنتجة كما أشرنا في موقع سابق. فالغربة هنا يعيشها (المالك) بعد أن فقد كل القيم النبيلة الداعية إلى العدالة والمساواة في المجتمع، وخاصة العدالة والمساوة تجاه القوى المنتجة بسسبب ممارسته استغلال المنتج، أي استغلال القوى الاجتماعية المسحوقة والفقيرة التي يقع عليه فعل الاستغلال. كما تتحقق الغربة أيضا للقوى (المنتجة) الفقيرة والمستغلة والمستلبة قوة عملها من قبل المالك.

إن القضاء الإيجابي على حالات الضياع هذه ، يعني تخليص الإنسان المالك من وسائل ظلمه وقهره للآخرين، مثلما هي تخليص الإنسان المقهور من قهره وظلمة وتشيئه واستلابه واستغلاله في وجوده الاجتماعي من قبل الطبقات المالكة والحاكمة معاً، بما تستخدمه هذه الطبقات من وسائل مادية وفكرية ممثلة في الدين والدولة والقانون والأدب والأخلاق.. إلخ. أو بتعبير آخر إن القضاء على حالة الضياع أو اغتراب يعني تخليص المالك من كل زيادة في ملكيته تسمح له باستغلال الآخرين من جهة، مثلما هي تخليص المنتجين المضطهدين والمحرومين من كل تفاوت اجتماعي وسياسي وأخلاقي لا يمثل تطلعات هذه القوى الاجتماعية المستغَلة نحو العدالة والمساواة. ولكن علينا أن نقر هنا أنه، من المستحيل أن يلغى اغتراب الإنسان نهائياً، فهناك دائماً تفاوت في ظروف المعيشة، إما بسبب العامل الجغرافي أو الفردي أو الاجتماعي، وبالتالي فقضية العدالة تظل نسبية، مثلما تظل قضية الظلم واستغلال الاخرين نسبية أيضاً.. إن قضية إلغاء التفاوت الطبقي نهائياً وتحقيق شعار الحرية والديمقراطية بصيغتها النظرية المجردة، أي بفهمها المطلق للعدالة ومشاركة كل أفراد المجتمع في إدارة الدولة والمجتمع وثرواتهما، تظل نسبية وناقصة،  ولن تصل في تطبيقاتها إلى الكمال. ِ

دور الْمِلْكِيْةُ في خلق النظام العالمي الجديد:

إن ما ينطبق على حركة الملكية بالنسبة للمستوى الوطني، ينطبق أيضاً على المستوى العالمي. فلننظر ماذا عملت الملكية بعد أن حولت المجتمع في أوربا من النظام الاقطاعي  إلى النظام الرأسمالي على سبيل المثال لا الحصر. ثم لننظر ماذا عملت الثورة الصناعية وتشكل الطبقة البرجوازية الصناعية في أوربا بالنسبة لاستغلال الشعوب الأوربية أولاً، ثم لشعوب العالم الثالث بفعل استعمارها لها وآلية عمل هذه الطبقة في هذه الدول المستعمرة ثانياً. وبالتالي ماذا عملت مسألة تراكم الرأسمال، ثم تركز هذه الرأسمال، وتمركزه في يد الطبقة الرأسمالية ذاتها وتحولها إلى طبقية رأسمالية احتكارية عالمية، راحت تشكل الشركات المتعددة الجنسيات، ودور هذه الشركات في فرض النظام العلمي الجديد وآلية عمله القائمة على نهب الشعوب الفقيرة وخلق بؤر التوتر الدائم فيها بين مكوناتها الدينية والعرقية، وتغتيت الدول المركزية ودعم الارهاب، ومحاربة الفكر القومي وربط دول العالم الثالث بعجلة مصالح الطبقة الرأسمالية الاحتكارية العالمية، وأخيراً وليس آخراً نشر ثقافة المجتمع الاستهلاكي وثقافات الموت والنهايات واللامعقول والعبث على مستوى الساحة الفنية (مسرح. سينما. دراما تلفزيزنية). والساحة الأدبية والفلسفية والأخلاقية .

 

د. عدنان عويّد - كاتب وباحث من سورية

 

حامد الحمدانييحتفل العالم هذا اليوم ،الثامن من آذار، بالعيد السنوي للمرأة ، ويجري الاحتفال بهذه المناسبة في وطني العراق في ظل ظروف بالغة الصعوبة منذ الغزو الأمريكي عام 2003 وحتى يومنا هذا، حيث سلم المحتلون الحكم في العراق لأحزاب الاسلام السياسي الغارقة في التخلف، والتي  انتهكت حقوق وحريات المرأة بشكل فض، وعادت بها القهقرة إلى ما قبل الثلاثينات من القرن الماضي، وجرى تهميش دورها في المجتمع وهي التي تمثل نصفه.

وجاءت الثورات التي اجتاحت العديد من بلدان العالم العربي لتزيد من الوضع تعاسة المرأة واعاقت ما كانت تصبو إليه في نيل حقوقها المغتصبة في ظل المجتمع الذكوري السائد، بل عادت إلى الوراء على اثر وصول أحزاب الإسلام السياسي إلى السلطة في العديد من  البلدان العربية، وما تزال بلدان عربية اخرى مسرحا لمعارك دامية معظم ادواتها احزاب اسلامية طائفية متخلفة عن العصر تهدف إلى انتزاع السلطة.

وعلى حين غرة ظهرت عصابات داعش وكأنها نزلت من السماء!! مدججة بكامل اسلحتها الحديثة في سوريا والعراق بوجه خاص، وليبيا وتونس والجزائر واليمن بوجه عام، مع ما تحمله من افكار موغله في الرجعية والتخلف لتجتاح المساحات الواسعة من الاراضي العراقية والسورية تنفيذا لأجندة اسيادها الامبرياليين، وتقترف اشنع الجرائم الوحشية بحق الانسان، تلك الجرائم التي نالت المرأة النصيب الأكبر منها، من قتل وسبي واغتصاب وتشريد، ونهب الممتلكات، وكل ذلك جرى ويجري باسم الإسلام، حتى بتنا نعيش اظلم عصور الهمجية، والعالم يعيش العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين!

إنها انتكاسة كبرى بالنسبة لحقوق المرأة لم تشهد له منذ الخمسينات من القرن الماضي، ومن عاش تلك الحقبة الزمنية يدرك البون الشاسع بين أوضاع المرأة آنذاك وأوضاعها اليوم في ظل هذه الانتكاسة، والردة الرجعية التي لم نشهد مثلها في العصر الحديث.

أنها لمأساة كبرى أن نجد المرأة اليوم وقد البسوها هذا القناع الأسود باسم ما يدعيه مسلموا هذا الزمان بالفضيلة، وكأنما هذا القناع الأسود هو الذي يحمي عفافها!!، وبدأت عمليات غسل الأدمغة التي يمارسها منظروا الإسلام السياسي، وقد امتلكوا السلطة لإعادة الحصان الجامح الذي انطلق مع قيام الثورات إلى حصنه من جديد

لقدانتكست حقوق المرأة التي ناضلت من أجلها عقوداً طويلة، وبات عليها أن تبدأ من نقطة الصفر من جديد، والسبب في كل ما جرى هو وصول الإسلام السياسي إلى قمة السلطة، فلا يمكن أن يبني الإسلام السياسي دولة ديمقراطية ويطبق شرعة حقوق الإنسان، ومساواة المرأة بأخيها الرجل، ويحقق العدالة الاجتماعية.

ولا سبيل إلى فرض وجود المرأة ومشاركتها النشيطة في الحياة السياسية والثقافية إلا من خلال كسر كل القيود التي تضمنها ما يسمى بالشرع الذي يفرضه أساطين الإسلام السياسي، فلا شرع في عصرنا هذا غير شرعة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ولابد أن تتحرر المرأة اقتصادياً لأنه السبيل الأهم لتحررها الاجتماعي، وهذا لن يتم إذا لم يجرِ تعبئة سائر منظمات المرأة، وبدعم فعّال ومتواصل من سائر القوى السياسية الديمقراطية، ومنظمات المجتمع المدني لخوض المعارك الفاصلة مع قوى الردة والرجعية، لفرض إرادة التحرر من قيود المجتمع الذكوري والقوانين الرجعية التي تفرضها الشريعة التي عفا عليها الزمان، ولن تعد تلائم عصرنا.

لا يمكن، ولا أتصور، ولا أثق بكل ادعاءات أحزاب الإسلام السياسي بطرح برنامج ليبرالي حديث يتناسب مع فكرة الدولة المدنية، ويتضمن حقوق وحريات المرأة طالما هم متمسكون بما يسمى بالشريعة التي وضعت قبل 1400 عام فمن المستحيل أن تتلاءم الشريعة الدينية مع شرعة حقوق الإنسان التي أقرتها الأمم المتحدة منذ عام 1948، والتي تتجاهلها كل أنظمة الدول الإسلامية، ولا حل إلا بقيام دولة علمانية تتولى فصل الدين عن الدولة، ليبقَ الدين منزها من كل ما الصقه منظروا الإسلام السياسي من أدران، بغية تثبيت كيانهم السياسي وسيطرتهم وتحكمهم  بشؤون المجتمع، بدأً من رياض الأطفال وحتى الدراسات العليا، وليبًقَ الدين علاقة خاصة بين الإنسان وربه فقط، دون تدخل الدولة.

ولا بد أن اقول أن المرأة تتحمل جانبا من المسؤولية بسبب التخلف السائد في المجتمع نتيجة لعوامل متعددة بعضها يقع على عاتق رجال الدين، وبعضها الآخر على الدولة ونظامها السياسي والاجتماعي، وبعضها الآخر على المرأة نفسها فلقد وجدنا الكثير من النساء ممن حملن حتى شهادة الدكتورة، وقد غطت نفسها بهذا الكيس ألظلامي الأسود، وتعلن صراحة أن من حق الرجل أن يضرب المرأة، وأن على المرأة إطاعة الرجل، وعدم مخالفة إرادته، لأن الإسلام يقول أن الرجال قوامون على النساء، وهذا ما سمعته في ندوة تلفزيونية مع نائبة في البرلمان العراقي، فكيف بالمرأة المحرومة من الثقافة، والمطمورة بين أربعة جدران، ومهمتها خدمة الرجل، وتلبية رغباته الجنسية، وتربية الأطفال، وتحضير الطعام، وتنظيف المسكن، دون إن تشعر بكرامتها المهانة، ودون أن تعترض على انتهاكها تحت تهديد الرجل.

اننا بحاجة للثقافة الذاتية فهي التي تجعل الرجل يحس بكونه يضطهد المرأة ويسلبها حقوقها، وإرادتها، وأن المرأة مخلوق لا يختلف عن الرجل، بل أستطيع القول أن ما تقوم به المرأة يعجز الرجل عن القيام به، دعك عن الحمل والولادة وآلامها ومخاطرها، ومع ذلك نجد المرأة وقد درست واجتهدت وحققت نجاحاً باهراً كطبيبة ومهندسة ومدرسة ومحامية وقاضية، بل وتبوأت في العديد من الدول أعلى مراتب السلطة كرئيسة دولة، أو رئيسة وزراء، في حين نجد الكثير من الرجال الأميين الذين لا يدركون من شؤون الحياة سوى فرض سيطرته على المرأة، وانتهاك حقوقها والاعتداء عليها.

أن الثقافة الذاتية لكلا الجنسين لا تأتِ إلا من خلال القراءة، والمخالطة الاجتماعية مع من يمتلكون جانبا واسعاً من الثقافة، فمن لا يقرأ يتحجر دماغه بلا أدنى شك، وعلى المرأة أن تهتم بالقراءة فهى السبيل لجعلها تدرك حقوقها وحرياتها، وتدفعها للنضال من أجل تحقيقها.

تهنئة من الاعماق لعيد المرأة، وعاش نضالها من أجل تحقيق أمانيها في الحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية، ولتتشابك ايادي كل المثقفين بيد المرأة لفرض شرعة حقوق الانسان التي اقرتها الجمعية العامة للأمم المتحدة كقانون الزامي في دستور البلاد .

 

حامد الحمداني

 

زهير الخويلدي"لا راحة لمن تعجل الراحة بكسله.. وليس العاطل من لا يؤدي عملا فقط بل من يؤدي عملا وبوسعه أن يؤدي أفضل منه" – سقراط-

الفئة الشابة هي العصب الحيوي للمجتمع وعماد المستقبل والطاقات البشرية التي يعول عليها الجميع من أجل المحافظة على المكاسب والاستمرار في العطاء والجد والاتجاه نحو صناعة الغد والقيام بالإصلاحات الضرورية والتجديد الجذري للواقع السائد والانطلاق من الموجود نحو المنشود ومن الكائن إلى الممكن.

يتميز الشباب بالحماس والديناميكية والإقبال على الأمور العظيمة والاستعداد للفعل والاندفاع نحو العمل والإقدام على المغامرة والمشاركة التلقائية في التضحية والالتزام بالتجربة والعودة إلى المبادئ الجماعية والاستعداد للتعلم من الآخرين والاستفادة من النصيحة ومحاكاة النماذج الناجحة والاقتداء بالرموز القوية.

بيد أن الوضعية التي تمر بها الطبقة الناشئة هي على غير ما يرام وتتسم بالضياع والتلاشي والاغتراب حيث تشعر الشبيبة بالغبن والتهميش والإقصاء وتجد نفسها محاصرة في قوالب ضيقة وداخل صناديق فارغة ومحرومة من الكلام والتعبير عن تطلعاتها وانتظاراتها وغير قادرة على الحلم وتشكيل الأمنيات.

لقد فقد الشباب ماهيته وبقيت رغبته في الحياة معلقة ولم يعد قادر على إشباع حاجياته الأساسية وبقي في حالة قعود وحبيس التواكل وفي وضعية خمول ويعاني من بطالة مؤجلة وتعليم فارغ من كل محتوى وتكوين شكلي دون تطبيق ميداني وطالت به الحيرة المقضة التي تحولت إلى لاطمأنينة ودفعته إلى العنف والهجرة واضطر إلى ارتكاب أخطاء في حق نفسه وحق المجتمع والى التفكير في حلول تعويضية زائفة.

في حين أن المعالجة الوجودية للأزمة الفكرية التي تمر بها الشرائح الصاعدة تكمن في توجيهها نحو تعلم الوعي في مسارات التفكير النقدي والإبحار في مطالعة الأدب والقصة ونظم الشعر والتأليف الموسيقي والتمثيل المسرحي والرسم والتصوير والنحت والغناء وإعلاء الرغبات والدوافع نحو إبداعات ثقافية.

كما يمكن تعويض العذاب الفردي والألم الجماعي الذي تعاني منه الشبيبة بربربط الوجود الشخصي بالفضاء المواطني ضمن الحياة الديمقراطية للمدينة السياسية وتحقيق الانسجام بين المؤسسات والغرائز والاحتكام إلى الأخلاق عند مباشرة الفعل السياسي وإعادة خلق الإنسانية عن طريق احترام فلسفة المجتمع وتنمية المهارات والقدرات بالتركيز على وحدة الذات الفاعلة وتكثيف رغبتها في البقاء ضمن الوجود الواقعي وتشريكها في حلم جماعي بالانعتاق من التردي والبؤس والتفاوت والارتقاء إلى منظورية عادلة.

هكذا يجدر تنبيه الشخصية الشابة الى أهمية التفلسف ضمن الحياة العامة عن طريق تقوية درجة مشاعر التضامن والتعاون مع المجموعة الوطنية وتدريبها على حسن استعمال ملكاتها المعرفية في إنتاج المعرفة ومساعدتها للتغلب على الصعوبات التي تعترضها وتشجيعها على إحداث الانقلابات الوجدانية والسير في المنعطفات والقيام بالثورة على السائد والتمرد على الذات والاعتصام بالحرية من أجل افتكاك سلطة اتخاذ القرار والاستحواذ على القدرة الخلاقة للقيم والاستقلال الذاتي وإعادة هيكلة الشخصية وتشييد التكاملية.

إن التفلسف لا يفسد الشبيبة كما اتهم الحكماء الأول في أثينا بل يصلح حياتهم ويصوب خطواتهم نحو الحق ويساعد التفلسف الشباب قصد التغلب على اليأس والإحباط والالتزام ببناء مجتمع متمدن ومتحضر والاشتغال على ابتكار إمكانية جديدة للعالم واتخاذ موقف والشعور بالمسؤولية وعلى التحرك بالأحلام ضمن دوائر الممكن تحقيقه وعلى تجنب المهالك والابتعاد عن تعريض الأنفس للمخاطر بالتسلح بالفرح واللعب وربط الحياة بالأهداف وجعل السعادة القصوى قيمة مستقبلية تنشد بلوغ الغايات المطلقة للكائن المتصالح مع ذاته والمحقق الاعتراف المتبادل والتقدير الكافي من الأوساط الاجتماعية التي انحدر منها. فمتى يجعل شبابنا من التفلسف مسلكية وجودية في حياتهم ويكون اللعب الأفكار أسلوب فرحهم في العالم؟

 

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

صدر قانون الموازنة رقم 1 لسنة 2019، وقطع كل شك باليقين بأن المشرعين المؤتمنين تبنوا في إقرار قانون الموازنة مبدأً خارج كل قياس عاقل: إن لم تعطني حقوقي فسأعاقبك بأن أعطيك ما تدعي أنه حقوقك!! إن أعطتني حكومة الإقليم 250000 ب/ي فسأدفع رواتب موظفي الإقليم وقواته المسلحة، وإن لم يفعلوا... فسأدفع رواتب موظفيهم وقواتهم المسلحة التي يدعون أن الحكومة الاتحادية مسؤولة عن دفعها...موقف في منتهى السريالية.

على أية حال الموازنة اصبحت واقعا قانونيا، على الرغم من أنها قد أقرت بحساب بسيط 20%  من الموازنة كحصة للإقليم في حال ساهمت حكومة الإقليم بتعزيز الموارد غير النفطية في الموازنة، وتصبح النسبة 23,3% (وليس 12,67%) من موازنة الدولة أذا لم تساهم في تعزيز الموارد غير النفطية(1). وبعد هذا التفريط فما الذي فعله أو سيفعله المؤتمنون على أموال الشعب، وكيف ستتابع الحكومة تنفيذ هذه الموازنة المخلة أساسا؟ حيث، وكالمعتاد، "لبست" حكومة الأقليم منذ اليوم الأول كل التزام لها بموجب الموازنة التي أقرتها، ووجهت: "الشكر لرئيس الحكومة الاتحادية عادل عبد المهدي ووزير المالية فؤاد حسين لوفائهما بالالتزامات المالية تجاه الاقليم". (المواقع الإخبارية في 8/3/2019).

لقد تجاهل معدو الموازنة والمشرعون في زحمة استعجالهم للفلفتها وتمريرها، صدور أخطر قرار للمحكمة الاتحادية، باتٍ غير قابلٍ للطعن، حسم أي نقاش حول دستورية تسويق للنفط من أية جهة عدا وزارة النفط والشركة المرتبطة بها، كما ورد في قرارها بشأن الدعوى العدد 66 وموحداتها 71 و157 و224/ اتحادية/ 2018 والخاصة بالطعن بقانون شركة النفط الوطنية " أولا- الحكم بعدم دستورية المواد التالية... 2- (الفقرة ثالثا وخامسا) من المادة الربعة من القانون وبقدر تعلق الأمر بعملية تسويق النفط حيث أن ذلك من مهام وزارة النفط والشركة المرتبطة بها. وذلك لتعارضها مع المادة 112 من الدستور".

لقد انتجت حكومة الإقليم (473000) برميل يوميا في شهر كانون ثاني (Iraq oil Report 13/2/2019) ولم تحول قيمة برميل واحد من تلك الصادرات إلى خزينة الدولة، وبالمقابل قام وزير ماليتنا الهمام بتحويل كامل حصة الأقليم المقررة لذلك الشهر. وجاء شهر شباط وتكررت نفس المسرحية الممجوجة، حكومة الأقليم تصدر ما معدله (375000) برميل يوميا (Iraq oil Report 4/3/2019)، ولا تدفع دولارا واحدا من تلك الصادرات حسب ما ألزمها به قانون الموازنة، ووزير المالية الاتحادي يحول لحكومة الإقليم كامل المبالغ المحددة بموجب ذلك القانون.

إن حكومة الأقليم ملزمة بموجب المادة (10 – أولا – د) من قانون الموازنة [تلتزم الحكومة الاتحادية ومحافظات إقليم كردستان عند حصول زيادة في الكميات المصدرة في المادة (1 – أولا- ب) من قانون الموازنة بتسليم الإيرادات المتحققة فعلا لحساب الخزينة العامة للدولة] أن تسلم إلى الخزينة العامة قيمة 250000 ب/ي  مضافا إليها أي زيادة في تصدير الإقليم تتجاوز هذه الكمية، وهو نص واضح صريح لا يقبل الاجتهاد. وعليه فأن الضرر الذي تحدثت المادة (10 – أولا – ج) من قانون الموازنة [يستقطع الضرر من حصة الأقليم في حالة عدم تسليمه للحصة المقررة من النفط في البند (أ)] عن استقطاعه من حصة الأقليم يبلغ 473000 ب/ي × 31 يوم × 56$ × 1182 دينار = 970مليار دينار لشهر كانون ثاني، و 375000 ب/ي × 28 يوم ×56$ × 1182دينار= 695 مليار دينار لشهر شباط، أي ما مجموعه 1 تريليون و 665 مليار دينار لأول شهرين من سنة الموازنة يجب استقطاعها من حصة الأقليم من الموازنة، وإلا سيكون حالها حال مليارات الدولارات من الديون "الميتة" المتجمعة بذمة حكومة الإقليم للحكومة الاتحادية، والتي تجري الثرثرة حول ضبطها واسترجاعها عند بداية تشريع الموازنات السنوية.

لقد سبق للحكومات السابقة أن أقرت مثل هذه الموازنات المتخاذلة، إلا انها على الأقل احتفظت لنفسها بخط الرجعة من خلال إيقاف التحويلات المالية عند عدم ايفاء حكومة الإقليم بالتزاماتها بتسليم الكميات المتفق عليها من النفط المنتج في الأقليم. وبالفعل فقد أوقفت حكومة المالكي عام 2015 تلك التحويلات حال امتناع حكومة الأقليم عن تنفيذ التزاماتها. وفعلت حكومة العبادي بعدها الشئ نفسه ، فماذا أنتم فاعلون يا سلطة تنفيذية مؤتمنة ويا سلطة تشريعية رقيبة على كل خلل، وقد حملت الأخبار ان حكومة الأقليم قد أعدت سلسلة من المطالب الجديدة ومن بينها تسديد ديون شركات النفط المشاركة في نهب نفط الأقليم.

لا زالت نصيحة سئ الذكر غالبرث لحكومة الإقليم "خذ ودع الطرف المقابل يطالب" هي سيدة الموقف في علاقة حكومة الأقليم بالحكومة المركزية، ولا زال أبناء الخايبة نائمون في العسل. وسبق للرسول محمد (ص) أن قال لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين، فكيف نصف من يلدغ عشرات المرات من نفس الجحر!!

أن من غير الوارد تكرار دراما اللجوء إلى القضاء كما حصل مع قانون شركة النفط الوطنية، إذ أن مدة سريان قانون الموازنة ستكون منتهية خلال فترة التقاضي، إضافة إلى أن هذا هو جوهر تكتيكات حكومة الأقليم: جرنا إلى ملعب غالبرث، ومصداقه دعوى الحكومة الاتحادية على حكومة الأقليم وهي تجرجر وتمطمط في دهاليز المحاكم منذ عدة سنوات بحجج واهية.

إنها ليست دعوة لقطع أرزاق أبناء شعبنا الطيب في الأقليم وقد أمضتهم هذه السنين العجاف، وحالهم حال إخوتهم العراقيين يتلقون الضربات من كل جهة، ولا يحصلون إلا على فتات الفتات من ثروات ارضهم. إنها دعوة لمواجهة المستحوذين باسمهم زورا على مليارات الدولارات من أموال شعبنا بعربه وكرده ولا يعلم إلا الله والسي آي أي في اية خزائن تقبع هذه المليارات.

هل نحن أمام موازنة أم سرقة وتواطؤ علني... هذا ما ستكشف عنه أيام "التفاوض" القليلة القادمة!! ولا عذر لمن يبصم أو يشارك في هذا التواطؤ، والفقرة أولا – 2 من قرار المحكمة الاتحادية 66/2018 والمادة (10 – أولا – د) من الموازنة هي الفيصل والمرجع...فليتدبر المتفاوضون.

(1)  ملحق: نسبة حصة الإقليم من موازنة 2019

صافي الموازنة الخاضع للحصة بعد طرح النفقات السيادية، ويشمل الواردات غير النفطية 

= 77,214 تريليون دينار

حصة الاقليم التي أقرتها الموازنة حسب النسبة السكانية

 12,67٪   = 9.783  ترليون دينار

المبالغ التي يحصل عليها الإقليم خارج نسبته

- رواتب البيشمركة = 842.048 مليار دينار

- قيمة معدل 250000ب/ي صادرات نفطية مستقلة لا تسلم إلى سومو حسب تقديرات وزير النفط(*) = 250000ب/ي ×  365 ي × 56$ × 1,182= 6,040 تريليون دينار

- المجموع = 6,882 تريليون دينار

مجموع ما يحصل عليه الأقليم

9,783 +6,882 = 16,665 تريليون دينار

النسبة الفعلية لما حصل عليه الأقليم من الموازنة

مجموع الموازنة الخاضعة للحصة فيما لو سلم كامل النفط الذي يصدره الأقليم إلى خزينة الدولة، (أي ال250000 ب/ي بموجب قانون الموازنة مضافا إليها 250000ب/ي حسب تقديرات وزير النفط لا تسلمها حكومة الإقليم لسومو) = 77,214+ 6,040 = 83,254 تريليون دينار

أ- نسبة ما يحصل عليه الإقليم = مجموع ما يحصل عليه الإقليم مقسوما على مجموع الموازنة الخاضعة للحصة مضروبا ب100 = 16,665/ 83,254 × 100 = 20٪

ب- أما لو أخذ في الاعتبار الموارد غير النفطية والتي سكتت الموازنة عن ذكر أي مساهمة للإقليم فيها، والبالغة 11,828 تريليون دينار، فإن حصة الأقليم من الموازنة ستكون كالتالي:

يطرح من الموازنة الخاضعة للحصة والبالغة 83,254 تريليون دينار، يطرح منها الموارد غير النفطية البالغة 11,828 تريليون دينار وذلك لعدم مساهمة الأقليم برفد الموازنة بواردات غير نفطية، وبذلك يكون صافي مبلغ الموازنة الخاضع للحصة : 83,254 – 11,828 = 71,426 تريليون دينار

وبذلك تكون النسبة الفعلية لما يحصل عليه الإقليم من الموازنة مع عدم مساهمته في الموارد غير النفطية = 16,665/71,426 × 100 = 23,3%   

 

ماجد علاوي

....................

* تصريح وزير النفط عند زيارته للبصرة في 10/2/2019: سيرتفع أنتاج الإقليم الحالي البالغ 450000 ب/ي إلى 550000 ب/ي في نهاية 2019.

أي أن معدل إنتاج الإقليم في عام 2019 سيكون 500000 ب/ي

        

 

عبد الرضا حمد جاسمفي هذا الجزء أتكلم عن رأي الراحل الوردي بتصنيف الناس وحسب ما ورد في كتبه: خوارق اللاشعور/1952 ومهزلة العقل البشري/1955 ووعاظ السلاطين/ 1954واسطورة الادب الرفيع/1957... هناك ثلاثة أقوال نقلها لنا الراحل الوردي هي حسب التسلسل الزمني لنشرها: الأول: للفضل بن يحيى البرمكي. والثاني: للنبي محمد. والثالث: للخليفة الراشد الرابع الشيخ علي بن ابي طالب ...

قَبِلَ الثاني والثالث ورفض الأول بشدة. ما دعاني للتطرق لها هو الرفض وبتلك الصورة حيث اعتقد انه حرَّفَ قول الفضل بن يحيى البرمكي أو وظفه توظيف خاطئ في سبيل تعضيد احدى استنتاجاته غير الدقيقة اجتماعياً وهي موقفه الحاد جداً من القول المتداول: ""من جد وجد"" حيث كتب في ص 12 من كتاب خوارق اللاشعور/1952 التالي: ""المبدأ السخيف "من جد وجد"....].

 ملاحظة: سيكون الجزء القادم: مناقشة الراحل الوردي في موضوع من "من جد وجد".

في ص211 و212 خوارق اللاشعور/1952 كتب الراحل الوردي: [يقول الفضل بن يحيى البرمكي، وهو كما يعرف القارئ ممن صعد بهم القدر الى الوزارة من غير جدارة: [ان الناس أربع طبقات: ملوك قَدَّمهم الاستحقاق ووزراء فضَّلتهم الفطنة والرأي وعليَّة أنْهَضَهُمْ اليسار وأوساط ألْحَقَهُمْ بهم التأدب والناس بعدهم زبد جفاء"]. انتهى

تعليق: الراحل الوردي نقل هذا القول من ص9 من كتاب ملامح من المجتمع العربي/محمد عبد الغني حسن كما مؤشر في هامش ص212 /خوارق اللاشعور وهو ناقص حيث تكملته كما وردت في ص179ج2/ وص54 /ج5 جرجي زيدان/تاريخ التمدن...هي: ["...زبد جفاء وسيل غثاء، لكع لكاع وربيطة أتضاع هَّم أحدهم طعامه ونومه"].

الغرض من الإشارة الى تكملة القول هو الايضاح والشمول ف"زبد جفاء" لا توضح رأي الفضل بن يحيى البرمكي بالقاعدة العريضة للهرم الاجتماعي بشكل جيد.

أنا هنا لا اريد الدفاع عن الفضل ابن يحيى البرمكي انما ادافع عن علم الاجتماع وضرورة الاستعانة او الاستعارة الدقيقة...

قال الفضل بن يحيى البرمكي رأيه بالناس في وقته إن صح قوله أو كان متفق عليه، فهو وجهة نظر كان يجب على الراحل الوردي وهو عالم اجتماع ان يهتم بها ويتمعن ويدقق حيث انها تخص مجتمع وفيها تفصيل يتناسب مع حالهم في تلك المرحلة التاريخية وتحت تأثير تلك البيئة واعتقد ان هذا التصنيف الذي تضمنته وجهة النظر تلك لايزال "قائم" لليوم في كثير من بلاد اسلام هذا الزمان كما كان سائد في بلاد اسلام ذلك الزمان وربما في اغلب المجتمعات والدول اليوم.

قال الفضل بن يحيى البرمكي ان: "الناس أربعة طبقات"...وعددها كالتالي:

1- ملوك.

2- وزراء.

3- علَّية.

4- .اوساط.

ثم أضاف لتلك الطبقات الأربعة مجموعة من الناس قال عنهم او وصفهم ب "زبد جفاء"

لقد قدم للطبقات بكلمة "ناس" وقدم لل "زبد جفاء "بكلمة "ناس" ايضاً، إذاً هو اعتبر الفوارق بينهم في الموقع او المنزلة.

اين نضع تلك التكملة او كيف نُصَّنفها او ما هو حسابها /موقعها اجتماعياً؟

من الكلمات التي وردت في النص نعرف ان الطبقات هم الصفوة او الوجهاء أي الأقلية وال "زبد الجفاء" هم السواد الأعظم والذين يشكلون القاعدة الواسعة للهرم الذي وصفه الفضل بن يحيى من خلال تدرج المنزلة والموقع والمسؤوليات والتأثير. هذا السواد الأعظم هم الغالبية العظمى من المجتمع أوهم قاع المجتمع او المسحوقين اوهم الخليط الاجتماعي أو القاعدة التي يستند عليها هرم المجتمع وترتكز عليها طبقاته الأربع التي عدَّدها الفضل بن يحيى البرمكي إن ماجت هذه المجموعة من الناس ماج وتصدع المجتمع او سقط او سيسقط، وعندها لا تنفع المجتمع كل الطبقات الأربعة...وهذا ما حصل في وقت الخليفة الراشد الثالث الشيخ عثمان بن عفان كما بينتُ في حينه.

مفهوم الطبقات اجتماعياً واستخدام الفضل بن يحيى له أثر في تفسير قول لفضل بن يحيى البرمكي وهذا مهم وهو يعني انها غير منفصلة عن بعضها رغم الفوارق الهائلة بينها على كل الصُعُدْ، ""بناء اجتماعي متعدد الطوابق سواء على أساس الذكاء او الغنى او الجدارة او المسؤولية او التأثير...أي هرم رأسه الملوك وقاعته ال "زبد جفاء""" وهذا حال المجتمعات كلها في وقت الفضل بن يحيى وغالبها في الوقت الحاضر.

 حتى انتفاضات الشعوب في الوقت الحاضر "الربيع العربي" همها "غذائها ونومها" اولاً ثم العوامل التي تعتقد الشعوب انها تديم "غذائها ونومها ""عيشها اللائق وسكنها اللائق المناسب" وتحافظ عليها من الهزات والتقلبات.

أي انها "الطبقات" تؤثر وتتأثر ببعضها بالاتجاهين صعوداً ونزولاً حيث ان كل طبقة متواصلة اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً مع التي قبلها وما تأتي بعدها ولا يمكن ان تكون بدون الطبقات الأخرى.

فالملوك "تقديسهم"/منزلتهم/سلطتهم/جدارتهم/مكانتهم من تقديس/منزلة/سلطة/جدارة/مكانة الرب/الاله وتستند على ما تليها أي طبقة الوزراء وهكذا البقية لنصل الى الطبقة الرابعة التي تتواصل مع ما قبلها من طبقات وتحتاج الى من تستند اليه أي الطبقة التي تليها وهم السواد الأعظم "زبد جفاء" التي تستمد منه كل الطبقات خزينها وخزائنها وفيها مصاريف الأمور القذرة منها والجيدة فالملك يتباها برعيته ويدوس عليهم وهكذا الطبقات الاخرى، لذلك هو يفكر بهم و يهتم و ويتحسب لهم و يحذر و معه كل عضو او منتسب للأربع طبقات رضي بذلك ام لم يرضى/مرغماً ام قانعاً. فهم "زبد جفاء" طبقة الطبقات التي تستند على الأرض وتحمل ما فوقها... فما قيمة الملوك والوزراء وغيرهم دون الرعية؟؟؟ عليه فهم الطبقة الخامسة التي لم يذكرها الفضل لكنها تبرز من نص القول. ودليل الاهتمام بهم هو تقديم الفضل بن يحيى البرمكي لتشخيصهم بكلمة "الناس" تلك التي ابتدأ بها قوله في "والناس أربع طبقات". "اكررها للأهمية"...عليه فهو قال أربع طبقات للناس وعَدَّدَ خمس طبقات للناس. لو لم يقل طبقات كأن يقول مجاميع او زمر لكان للقول تفسيرات أخرى. لكن الطبقات تحتم التدرج والهرمية.

كان على الراحل الوردي وهو المختص بعلم الاجتماع ان يتوقف كثيراً امام هذا القول ويدقق فيه بتمعن وينتبه الى كل كلمة وردت فيه وبعدها يضع رأيه بعيداً عن أي مقدمات او مواقف شخصية او عامة من الحاكم /السلطان/الخليفة وزبانيته/معاونيه أي الرشيد والبرمكي ومن لف لفهما لأن غير ذلك يُفقد المُهْتَمْ حياد العالِم وهذا ما حصل. وكان عليه ايضاً ان يستفيد من آراء/تفسيرات الاخرين.

ولبيان موقف الوردي من هذا القول ومحاولته توظيفه أنقل لكم ما كتبه الوردي في نفس الصفحة حيث ورد التالي: [ان هذا الوزير العباسي المتحذلق قد اغتر بما نال من ترف وجاه في ذلك العهد المتفسخ فأمسى يعتقد بأنه نال ذلك بجده واجتهاده وبعقله وتدبيره وهو يعتبر الطبقات العليا كلها قد وصلت الى منازلها تلك بسعيها اما الباقون من الناس فهم في نظره زبد جفاء وحُثالات لاحق لهم في الحياة ولا كرامة] انتهى.

انا هنا اناقش نص القول واحلله ولا اعرف هل ان من طبيعة الفضل بن يحيى البرمكي وصفاته انه مغرور او اغتر. أجد من تفسيري للقول انه لم يعتبر ان الطبقات العليا قد وصلت الى ماهي فيه او عليه بسعيها وجدها ولم يَقُلْ او يُلَمِحْ الى أن غيرهم لاحق لهم في الحياة فكلمة الناس تكفي. الفضل بن يحيى قال الملوك قدَّمهم الاستحقاق وهذا لا يعني ان الملوك سعوا انما استحقوا وفيه اشارة الى السائد من الاعراف والقوانين التي حكمت في ذلك الوقت وأقرت الاستحقاق فالرشيد بويع. اما الوزراء فَفَضَّلَتْهُمْ الفطنة والرأي وهذا ما يطرحه كل الحكام والملوك في كل العصور عن وزراءهم وينقلب الحال عندما يغضبون عليهم كما انقبل الحال على بن يحيى نفسه فالوزارة ليست درجة/سُلَمَة في سُلَّمْ يصعدها الشخص بنفسه او إصراره او جهده انما يُختار من قبل الخليفة/السلطان/الملك/الرئيس و هذا حال حتى وزراء اليوم ربما في كل الدول و المجتمعات...اما العَّلية فقد انهضم اليسار "اليُسر والغنى" وهذا حصل ويحصل في كل العصور وحتى يومنا هذا...و امامتا مواقع وتأثير الاغنياء و أصحاب المصالح و رؤوس الأموال...بعضهم جد واجتهد و الغالبية ورثت ما هي عليه و كل عملها انها تريد على اقل تقدير المحافظة على ما هو موجود... وهناك ال "أوساط" يتبعون من تقدم عليهم بالتأدب و غيره...وقد ايد قولي هذا الوردي نفسه حيث كتب في ص110 من خوارق اللاشعور/1952 التالي: [وكثير من الافراد الذين أتيح لهم من الفرصة او الثروة او الوساطة القوية ما جعلهم ينالون من الحظ مالم ينله اقرانهم اخذوا يتباهون ويتكبرون على الناس كأنهم قد نالوا ما نالوا بمحض السعي والصبر والإرادة ناسين أثر تلك الظروف السعيدة التي أحاطت بهم منذ نشأتهم الأولى فوضعت أسماءهم في قائمة المترفين المدللين...] انتهى

اما ال "زبد جفاء" فهؤلاء ناس كانوا ولا يزالون. كانوا على زمن النبي محمد وفي كل الأزمنة حتى زمان الراحل الوردي ويومنا هذا وفي دول اسلام هذه الايام ملكية كانت ام جمهورية، ديمقراطية كانت ام دكتاتورية، غربية كانت او شرقية، شمالية كانت او جنوبية. هم سكان المقابر وأحياء الصفيح المحيطة بالمدن الكبرى والوردي قال عنهم ربما أكثر مما قال عنهم الفضل بن يحيى...فالفضل ان ركز قوله وكثفه في هذه العبارة "زبد جفاء...الخ" فالوردي صال وجال فيهم "السقطة والسفلة والغوغاء وووووووووو".

ثم لا اعرف مظاهر التفسخ ذلك الذي أشار اليه الوردي في عهد الفضل بن يحيى البرمكي ذلك العهد الغني المزدهركما تقول الروايات والحكايات.

اعتقد ان تفصيل او تصنيف الفضل بن يحيى البرمكي للناس يتناسب مع حالهم في تلك المرحلة التاريخية وتحت تأثير تلك البيئة واعتقد ان هذا التصنيف لايزال "قائم" لليوم في الكثير من الانحاء.

ثم اضاف الوردي التالي: [ان من المخجل حقا ان نرى الادب العربي مليئاً بهذه الاقوال التي تفوه بها الفضل ابن يحيى وامثاله من المغرورين والمتكبرين ولا عجب في ذلك فهو ادب قد ترعرع في اكناف هؤلاء المغرورين وعاش على فضلات موائدهم] انتهى

وكرر الوردي نفس النص المنسوب للفضل ابن يحيى البرمكي بعد خمسة اعوام حيث نشره في ص246 من كتاب اسطورة الادب الرفيع 1957 تحت عنوان فرعي هو "عقلية المترفين" وأضاف اليه التالي: [وهذا القول لم يقل به الفضل بن يحيى وحده بل قال به جميع المترفين في مختلف العصور فهم يعتبرون الشعب مؤلفاً من السوقة والاغبياء والكسالى الذين عجزوا عن الصعود في مراقي النجاح ولو كان فيهم خير لسعوا واجتهدوا ووصلوا الى مستوى المترفين الفضلاء] انتهى.

هنا بيت القصيد وهنا أراد الوردي تحريف القول وتقويل الفضل بن يحيى البرمكي مالم يقل عندما تجنى عليه واتهمه ومعه جميع "المترفين و المغرورين و المتكبرين في كل العصور" وفي كل التاريخ من أيام الفضل بن يحيى البرمكي الى أيام الدكتور علي بن حسين الوردي بأنهم يعتبرون الشعب مؤلفاً من السوقة والاغبياء والكسالى الذين عجزوا عن الصعود في مراقي النجاح ولو كان فيهم خير لسعوا واجتهدوا ووصلوا الى مستوى المترفين الفضلاء...او انهم يعتبرون الطبقات العليا كلها قد وصلت الى منازلها تلك بسعيها اما الباقون من الناس فهم في نظرهم زبد جفاء و حُثالات لا حق لهم في الحياة ولا كرامة.

قد يؤشر الاغلب الاعم منهم "المترفين والتابعين لهم الذين يعيشون وعاشوا على فضلات موائد السلاطين والمترفين في كل العصور " حال السواد الأعظم" وقد ينتقص من حالهم او يتندر عليهم لكنهم لا يلومونهم على ما هم عليه...لا بل قد يشجعونهم للبقاء فيما هم عليه وهذا حال الوردي عندما تنكر وحارب ""من جد وجد ""بقوة وإصرار غريب ""سأبين ذلك في الجزء القادم""...

وللراحل الوردي رأي صريح في هؤلاء "زبد الجفاء" حيث كتب في ص20 /دراسة في طبيعة المجتمع العراقي/1965 التالي: [الواقع ان علم الاجتماع بطبيعته "متواضع" يستمد أكثر معلوماته من السوقة ومن السفلة والمجرمين والغوغاء. فهؤلاء بمنابزاتهم ومفاخراتهم وبتعاونهم وتنازعهم يمثلون القيم الاجتماعية السائدة أصدق تمثيل] انتهى...أي ان الوردي يعارف بوجودهم في زمانه كما كانوا في الازمنة الغابرة.

ان بيت القصيد الذي اشرت اليه أعلاه هو توظيف قول الفضل بن يحيى البرمكي في تعضيد رأي الوردي الغريب حول ما كتبه في ص11/خوارق اللاشعور/1952 عن الجد والإرادة حيث كتب التالي: [لقد وصلت بهذا البحث الى نتيجة هي في الواقع معاكسة لجميع ما دأب المعلمون والكتاب والخطباء في هذه البلاد ان يلقنوننا اياها. فهم وعظونا وعلمونا على ان " من جد وجد" وان كل من سار على الدرب وصل" " وان مستقبل الفرد بيده إذ هو يستطيع ان يصنع نفسه حسب ما يشاء بحزمه وإرادته وسعيه واجتهاده] انتهى ...وفي ص12 من خوارق اللاشعور/1952: [المبدأ السخيف "من جد وجد"...الخ]

انفعال الوردي بما أطلقه على الفضل بن يحيى أبعده عن الحياد... ولو انتبه الراحل الوردي الى المفردات التي استعملها في وصف الفضل بن يحيى البرمكي يجد انها لا تختلف كثيراً عن المفردات التي اُطلقت وتُطلق على بن خلدون نفسه في وقته وحتى هذا الوقت ويكفي ما منشور عن بن خلدون وعلاقته بالسلاطين والاباطرة ومنها ما كُتب عما جرى مع تيمورلنك حيث يمكن لمن يريد ان يقول ان بن خلدون نال الترف والجاه وعاش على فضلات موائد السلاطين والأباطرة، يقول ذلك وهو مطمئن لكثرة ما قيل عنه وكُتِبْ. وقد كتب الوردي في ص38 دراسة في طبيعة المجتمع العراقي/1965 عن ابن خلدون التالي: [يبدوان الذي دفع ابن خلدون الى اعتبار العرب أكثر بداوة وتخريبا ووحشية من غيرهم سببان اولهما: محاولة ابن خلدون التقرب من تيمورلنك ونيل الحظوة عنده ولا ننسى ان ابن خلدون كان في سيرته انتهازيا فظيعا يود التقرب من الملوك وقد يقلب في سبيلهم الحق باطل] انتهى.

 أعتقد لو صَّنف ابن خلدون الناس كما صَّنفهم الفضل بن يحيى البرمكي لقال عنه الوردي انه تصنيف يؤيده علم الاجتماع الحديث ولم يسبقه اليه أحد وانه سبق زمانه بخمسة قرون..."حب وحجي و اكره واحجي"!!!!

ان خلاف الوردي وانتقاده الحاد جداً للفضل بن يحيى البرمكي لا على الطبقات الأربعة التي منحها الفضل الأفضلية و السيادة على المجتمع انما على السواد الأعظم "زبد جفاء" والغريب ان الراحل الوردي في رفضه العجيب لقول الفضل بن يحيى وتهجمه عليه وزج مترفي كل العصور معه و معهم الادب العربي نراه يمتدح قول الخليفة الراشد الرابع الشيخ علي بن ابي طالب في تصنيفه للناس الذي أورده في ص 72 من كتاب مهزلة العقل البشري/1955 أي بعد ثلاثة أعوام تقريباً حيث كتب التالي: [وقد وصف علي الناس في عهده فقال: الناس ثلاث: عالم رباني و متعلم على سبيل النجاة و الباقي همج رعاع ينعقون مع كل ناعق و يميلون مع كل ريح] انتهى

ان:" زبد جفاء وسيل غثاء ولكع لكاع وربيطة اتضاع هم أحدهم طعامه ونومه" كل تلك الكلمات/الاوصاف ومعانيها تدل انهم ناس فقراء لاهم لهم في الحياة سوى تدبير ما يسد رمقهم وعوائلهم فلا أطماع ولا طموحات لا في المال ولا في المناصب ولا في السياسة ولا في الحكم يعني: ""ناس تدَّور لكَمة الخبز والستر ""ناس فقره تلهط وره عيشتها"...بعكس "همج رعاع وينعقون مع كل ناعق ويميلون مع كل ريح" أي لا قيم عندهم ولا شرف ولا وفاء ولا صدق ولا اخلاق ولا أمان لهم ولا ايمان. والفرق هائل بين القولين التوصيفين.

اعتقد ان هذه الصفات وهذا التوصيف/الخليفة الراشد الرابع ان صح هو تصنيف او توصيف سياسي اجتماعي قاسي... وتأكيداً على حماس الوردي لقول الخليفة الراشد الرابع وما وصف به الناس أكمل الوردي بالتالي في نفس الصفحة: [والظاهر ان هذا الوصف لايزال صحيحاً في كثير من البلاد الإسلامية حتى يومنا هذا]. يعني ان الراحل الوردي عمم قول الراشد الرابع وسحبه على كل العصور وهو الذي قدم له ب " وصف الناس في زمانه" وايضاً سحب قول ابن يحيى على كل العصور وهو لم قديم له ب "وصف الناس في زمانه".

والعجيب ان الراحل الوردي في ص 29 من كتاب وعاظ السلاطين/1954 أي قبل اقل من سنه عما كتبه في خوارق اللاشعور في المقطع السابق كتب التالي: [وصف علي بن ابي طالب الناس في عهده قائلاً: "وأعلموا انكم صرتم بعد الهجرة اعراباً وبعد الموالاة أحزاباً. ما تتعلقون من الإسلام إلا باسمه ولا تعرفون من الايمان إلا رسمه. تقولون (العار ولا النار) كأنكم تريدون ان تكفئوا الإسلام على وجهه"] انتهى

لو نقارن القولين المنسوبين للخليفة الراشد الرابع الشيخ علي بن ابي طالب "تغمرنا" الحيرة مرة بسبب الاستغراب من استعارة عالم اجتماع لمثل القولين والبناء عليهما والثانية ان عالم الاجتماع قَدَّمَ للقولين بعيارة: ""وصف الناس في وقته"" ولم يُقَدِم لقول النبي محمد او قول الفضل بن يحيى بمثل تلك العبارة او شبيهها.

ملاحظة: ورد في شرح نهج البلاغة /عبد الحميد بن هبة الله وكذلك في ص179 ج13 /شرح نهج البلاغة/ابن ابي الحديد النص التالي للقول وهو يختلف عما نقله الوردي حيث ورد:"" واعلموا انكم صرتم بعد الهجرة اعرابا، وبعد الموالاة أحزابا، ما تتعلقون من الإسلام الا باسمه، ولا تعرفون من الايمان الا رسمه، تقولون النار ولا العار كأنكم تريدون ان تكفئوا الإسلام على وجهه...الخ""

ان ما طرحه الوردي يختلف عما ورد في شرح نهج البلاغة والملاحظ ان العبارة المختلفة هنا هي: الوردي كتب: "العار ولا النار" ووضعها بين قوسين () وما ورد في شرح نهج البلاغة هو: "النار ولا العار" والفرق بينهما هائل... ز كتابات الوردي تعج بمثل عدم الدقة هذه وسأفرد لها جزء خاص...والغريب ان بعض الأساتذة الذين كتبوا عن الراحل الوردي "مقشوا" نفس تلك الاغلاط/الأخطاء...كان على الراحل الوردي التدقيق والانتباه.

وفي محاولته لإسناد قوله أعلاه "رأيه بقول الفضل بن يحيى البرمكي" جاء الراحل الوردي بقول منسوب للنبي محمد أجد انه لا يتناسب مع او يقترب من معنى قول الفضل بن يحيى البرمكي حيث كتب التالي في ص 212 من كتاب خوارق اللاشعور/1952: [والواقع أن نبي الاسلام ينظر الى عامة الناس والفقراء بغير النظرة التي ينظر إليهم بها المترفون من اتباعه فهو يقول في حديث مأثور له: [إن أهل الجنة كل أشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبَهْ له، الذين إذا استأذنوا على الامراء لم يؤذن لهم وإذا خطبوا لم ينكحوا وإذا قالوا لم يُنْصَتْ لهم، حوائج أحدهم تتخلخل في صدره لو قُسم نوره يوم القيامة على الناس لوسعهم] انتهى

ثم يكمل الوردي: [فالنبي لم يقل في هؤلاء ما قاله الفضل بن يحيى من انهم زبد جفاء بل وضعهم في منزلة اعلى من منزلة الفضل ابن يحيى ومن لف لفه من الامراء والوزراء والذين لا يساوون عند الله جنح ذبابة] انتهى

لو قارنا هذا القول مع الجزء الذي اعترض عليه الوردي من قول الفضل ابن يحيى البرمكي لوجدنا أن الفضل بن يحيى في قوله عن "الطبقة الخامسة" زبدا جفاء" يحاكي القول المنسوب للنبي محمد و اعتقد ان قول الفضل يتقدم على القول المنسوب للنبي محمد فالفضل يتكلم عن الناس المحيطين به أي الناس على الأرض في حياتهم اليومية والقول المنسوب الى النبي محمد يتكلم عنهم في الحياة الآخرة أي في السماء والنبي محمد بعد ان يأس كما يبدو تكلم عن حالهم في السماء/يوم الحساب...وقد وضعهم في منزلة أحسن/أعلى في السماء وعجز عن وضعهم في منزلة أعلى في الأرض/الحياة والفرق شاسع واسع وكبير وخطير. لو تريض الوردي ودقق في تصنيف النبي محمد لهؤلاء لوجد انه قال عنهم أكثر مما قال عنهم الفضل بن يحيى اقلها في قول الفضل لم ترد إشارة الى:" وإذا خطبوا لم ينكحوا..."

وتأييداً لاستعارته للقول الضعيف المنسوب للنبي محمد كتب الوردي في نفس الصفحة 211/خوارق اللاشعور التالي: [والاسلام دين امتاز بإلغاء الفوارق الطبقية وبإعلان المساواة بين الناس فاضطر المتكبرون من المسلمين تجاه ذلك ان يعتنقوا مبدأ "من جد وجد"] انتهى.

ولو انتبه الراحل الوردي الى ما ورد في الحديث المنسوب الى النبي محمد وفسره لوجده يتناقض كلياً مع ما أورده الوردي عن ان الاسلام أمتاز بإلغاء الفوارق الطبقية وإعلان المساواة بين الناس بل لوجد فيه ان الاسلام عجز عن ذلك وهذا القول/الحديث "المأثور كما وصفه الوردي" المنسوب للنبي محمد مشبع باليأس والاحباط. الاسلام كما اعتقد دعا الى إزالة الفوارق الطبقية والمساواة بين الناس لكنه لم ينجح مطلقاً في تحقيق ما دعا اليه وفي كل الحالات والأيام كان ولا يزال.

  وعند البحث ان أصل الحديث المنسوب الى النبي محمد الذي كتبه الوردي وجدت النصوص التالي:

1- "رُبَّ أشعث أغبر مدفوع بالأبواب، لو أقسم على الله لأبرَّه"

2- "ربَّ أشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبَهْ له، لو أقسم على الله لأبره"

وهناك صيغ اخرى منها الصيغة التي كتبها الراحل الوردي ومصدرها كما ورد في هامش الصفحة 212 من خوارق اللاشعور هو كتاب: جامع السعادات/محمد مهدي النراقي/ج2 ص361. وقد اشار البعض الى ان هذا الحديث ضعيف...

اعتقد كان على الراحل الوردي ان لا يعتمد هذا النص لا سباب وردت اعلاه وأن يدقق فيه وفي مصدره. ومع ذلك فلو كانت إشارة الوردي للمقارنة بين القولين بها قياس قول بن يحيى في ضوء السنة النبوية...يمكن لي ان أقول ان السنة النبوية قد تم التجاوز عليها بعد فترة قصيرة من وفاة صاحبها فكيف الحال بعد تلك السنين الطوال وما حملت وانتجت...اي أيام الفضل ابن يحيى البرمكي.

 واختم بما كتب الوردي في ص72 /مهزلة العقل البشري: [نحن إذ ندرس التاريخ نريد ان نجعله وسيلة لتثقيف الناس وسبيلاً لمساعدتهم على حل ما يعانون من مشاكل راهنة] انتهى.

الى اللقاء في الجزء التالي والذي سيكون عن موقف الوردي في القول المعروف "من جد وجد"

 

عبد الرضا حمد جاسم

 

وضع المرأة ومكانتها هي معيار رقي وحضارة المجتمعات!  

احتفلت اليوم معظم شعوب العالم بما بات يسمى بالعيد العالمي للنساء وهو تقليد معاصر يتكرر كل عام بتاريخ الثامن من مارس، ونحن في عدن احتفلنا بالمناسبة على طريقتنا بفعاليتين متزامنتين، الأولى نظمها مركز عدن للدراسات التاريخية بعقد مؤتمر العلمي الأولى عن حياة المرأة العدنية إبان الاستعمار الانجليزي في فندق كورال. والثانية نظمتها كلية الآداب بجامعة عدن لتكريم العاملات المتميزات ممن مضى على توظيفهن أكثر من خمس سنوات في ادارتها، وربما شهدت عدن فعاليات مماثلة أخرى لا أعلمها، ولما كنت أحد أنصار المرأة والداعين الى تمكينها وتكريمها بوصفها إنساناً كامل الإنسانية وجديرة بمنحها المكانة والقيمة والاهمية التي حرمت منها في تاريخها الطويل، فقد حرصت على تلبية دعوة رئيس مركز عدن للدراسات التاريخية الدكتور محمود السالمي لحضور افتتاحية مؤتمره العلمي الأول، واعتذرت عن المشاركة في جلسات المؤتمر، لانشغالي المهني بحفل تكريم العاملات في كليتنا الحانية. عدت الى الكلية في منتصف حفل التكريم في المدرج الكبير، كان حفلا بهيجا وسعدت برؤية الآنسات والسيدات العزيزات من موظفات كليتنا وهن يحملن شهادات التكريم بفرح واعتزاز ، وشكرت السيد العميد على هذه المبادرة الطيبة. 

وبعد انتهاء الحفل اختليت بنفسي في مكتبي وخطرتي لك فكرة المقال هذه  إذ وجدت أن الناس ينساقون للاحتفالات بقوة التقليد والعادة. ولا يكترثون بمعرفة وفهم معاني ودلالات الاحتفالات التي ينجذبوا اليها بحماسة مبهجة. وحينما سألت بعض المحتفلين والمحتفلات بالعيد العالمي للمرأة، صباح الْيَوْمَ؛ عن ماذا يعنى لك هذا الاحتفال؟! صمت بعضهم وتلعثم الأخر، ولم أَجِد إجابة مقنعة نابعة من دراية ومعرفة بالأمر! وهذا ما جعلني على طريقة سقراط الحكيم أتأمل الاحتفال وأبذل المحاولة لنقله من لحظة الانفعال العابر الى لحظة العقل الفعّال. بحافر الإحساس بالواجب المعرفي وتحت إلحاح البحث عن المعنى العقلاني فيما وراء الظاهرة.ولاشيء في عالم ما تحت فلك القمر، عالم الانسان والاشياء يحدث دون سبب من الأسباب، والأسباب أربعة: ظاهرة وخفية قريبة وبعيدة. 

وظاهرة الاحتفال الأممي بيوم المرأة العالمي لها شروطها وأسبابها في عالم الناس المعاصر. وكما تعلمون مضى زمن طويل منذ أن بدأت حياة الكائن الإنساني بنصفيه آدم  وحواء على كوكب الأرض، لم تكن فيه المرأة "حواء" شيئاً مذكوراً أو جدير بالقيمة والاعتبار بذاته ولذاته ومن أجل ذاته، بل كان الرجل الذكر هو سيد الموقف، وصانع التاريخ وخليفة الله سبحانه وتعالى في الأرض، ومبدع الثقافة وباني الحضارة وحامل الأمانة المقدسة، وحافظ الأسرار والمعارف والعلوم والفنون ومروض الوحوش، وصاحب الحكمة والعقل والخلق والدين والملاحم والبطولات...الخ إذ كانت كل الصفات الايجابية التي تدل على الفعل والفعالية والقوة والنشاط والإنتاجية والإنجاز والانتصار والعنف والحرب تلصق بالرجل الذي ظل يتربع على مسرح التاريخ الإنساني حتى وقت قريبا وظل مفهوم الإنسان يطلق على البطريرك الرجل السيد  وكانت كل الكائنات والأشياء والطيبات بما فيها ذلك الكائن الإنساني الأخر الشبيه به تماماً- أي المرأة الأنثى- تدور حول فلكه الذكوري وتسخر لخدمته وتخضع لمشيئته البطريركية، وعلى مدى ملايين من السنين من تجربة العلاقة الاجتماعية والممارسة التاريخية لحياة الرجل والمرأة ترسخت الهيمنة الذكورية والثقافة البطريركية عند مختلف الشعوب والمجتمعات حتى اكتسبت صورة الضرورة الطبيعية البيولوجية والمسلمة البديهية التي لم تعد تثير الشك والتساؤل عن حقيقة مشروعيتها الاجتماعية، وأسبابها التاريخية رغم أننا نعلم أن قصة استبعاد المرأة وتهميشها وقمعها وإقصائها وتحقيرها وسحقها وقهرها وإخفائها من عالم الإنسان "الرجل" يعود إلى جملة من الأسباب والشروط التاريخية والاجتماعية في الأزمنة البدائية جداً، إلا أن استمرار هذه الحالة المؤسفة حتى العصر الراهن  يثير الحيرة والعجب. وهذا يعود في نظرنا إلى خطورة الاعتقادات والتصورات والآراء والأوهام والعادات التي تترسخ في حياة الناس ويتوارثوها جيل بعد جيل كأنماط ونماذج للسلوك، أو " الهابيتوسات" حسب عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو، يقول عالم النفس التربوي الأمريكي " أرثر كوفر" في كتابه " خرافات في التربية" "يسلك الناس وفقاً لما يعتقدون. فإذا اعتقدت أن شخصاً أمين فسوف أثق به، وإذا اعتقدت أنه غير أمين فلن أثق به. إننا نسلك وفقاً لما نعتقد .وحينما تكون معتقداتنا صحيحة وصادقة، نستطيع أن نحدث قدراً كبيراً من التقدم. أما إذا  كانت معتقداتنا خاطئة فإنها تعوق هذا التقدم وتحبط آمالنا، وتعرض الحياة الإنسانية ذاتها إلى الخطر"، ولقد ذهب كل جيل ضحية لمعتقداته ولخرافاته وأوهامه وأساطيره،  فحينما أعتقد الصينيون أن الكون ينقسم إلى الين واليانج، أي الأنوثة والذكورة الـyang يرمز إلى مبدأ الذكورة والعنصر الايجابي الفعال المنتج السماوي وعنصر الضوء والحرارة والحياة، والـ yin ويرمز إلى الأنوثة العنصر السلبي المنفعل، الأرضي عنصر الظلمة والبرودة والموت. والحقائق كلها يمكن ردها إلى تعارض واتحاد العاملين الأساسيين في الكون، الذكورة الأنوثة أي اليانج والين. كان من شأن هذا الاعتقاد الأسطوري، أن يعمق الهوة بين الرجل والمرأة ويمنح الرجل الذكر مكانه أرفع من مكانة المرأة الأنثى. وحينما أعتقد أهل اليونان أن العقل يحكم الكون، وأن الرجل هو الكائن العاقل الوحيد، وأن المرأة كائن حسي غير عاقل، برروا النظرة الدونية للمرأة. وحينما اعتقد العرب قبل الإسلام بان الأنثى كائن يجلب العار ويضعف الرجال، شرعوا عادة وأد البنات... وحينما يعتقد مجتمع من المجتمعات بان جسد المرأة وصوتها ووجهها من العورات! فلابد أن تختفي عن الأنظار وتحتجب عن الغرباء من الرجال.

هذا معناه أن سلوك الناس وتفاعلاتهم وعاداتهم وتفضيلاتهم وأفعالهم وردود أفعالهم ومؤسساتهم ونظمهم وتقاليدهم لا يمكن تفسيرها وفهمها من خلال تمظهراتها المباشرة، بل لابد من الذهاب إلى ما ورائها، من المنطلقات والأسس العقيدية واللاهوتية أو الفلسفية، كما أن اعتقادات الناس في أي زمان ومكان ليس مجرد أفكار أو تصورات معنوية وكلمات ومفاهيم معرفية مجردة، بل هي نتاج قوى اجتماعية وسياسية وثقافية نشأت وترسخت عبر مسار طويل من الخبرات والتجارب والممارسات في أنماط سلوك وعادات وخبرات أو هابتوس (Habitus) عادة أو طبع أو نسق الاستعدادات والتصورات اللاشعورية. 

  وفي سبيل التعرف وفهم خطاب النوع الاجتماعي المعاصر والكشف عن دلالاته ومعانية الظاهرة والمضمرة لابد لنا من التوقف عند الاسس الفكرية للثقافة الحداثية التي شكلت السياق  الحاضن لميلاد  ونمو وازدهار خطاب المرأة وحقوقها وكرامتها وحريتها وخطاب الاحتفال بعيدها في السياق التاريخي الحديث والمعاصر. إذ كان لهذه الموجة العاصفة من الاهتمام العالمي بالمرأة؛ إنسانيتها وتمكينها  وحقوقها وهويتها وحريتها ومشكلاتها. منذ منتصف القرن العشرين، بما حملته من سيل منهمر من الدراسات والنظريات والآراء والمفاهيم والمصطلحات الجديدة التي لم نعهدها من قبل: الجندر، الجنوسة، الجنس الآخر، الجنسانية، الذكورة والأنوثة، الحركة السنوية وحرية المرأة، وحقوق المرأة والأدب النسوي ومشاركة المرأة، وتمكين المرأة والهوية الأنثوية، والقمع الذكوري، والمجتمع البطريركي، والنوع الاجتماعي ...الخ، وقد احدث هذا الخطاب النسوي في مجتمعاتنا العربية الإسلامية الأبوية التقليدية ولازال يحدث حالة من الارتباك والقلق وسؤ الفهم بل والتوتر والصراعات العنيفة كما حدث قبل سنوات في جامعة صنعاء بشأن مفهوم" الجندر" ومعناه. إذ نرى أن هناك مشكلة حقيقية في نمط  تلقفنا لخطاب تمكين وتكريم المرأة  وتحولاته وتعريفه وتأويله وسياقات دلالاته  وهذا ناجم عن اختلاف السياق الثقافي التاريخي لمجتمعنا التقليدي عن سياق المجتمع الحديث الذي صاغ المفهوم وعرفه ونشره وتقبله وفهمه بعده مفهوم ينتمي إلى فضاء ابسمولوجي أو إلى باردايم محدد، أي نموذج تصوري وثقافي متكامل إذ أنه يصعب التوافر على فهم عميق لمعنى عيد المرأة العالمي  بمعزل عن السياقات التاريخي الذي مهد له وبرره وشرعنه.

ويمكن القول أن الاحتفال باليوم العالمي للنساء في الثامن من مارس من كل عام، هو احد ثمار  كفاح الحركة النسوية الحديثة التي بدأت نضالات استعادة حقوقها والمطالب بالاعتراف بها كائنا انسانيا كامل الأهلية والكرامة والقيمة مثلها مثل شقيقها وحبيبها ووليدها الرجل منذ القرن السادس عشر الميلاد، وخاضت نضالات مريرة وقاسية حتى أجبرت العالم المعاصر أن يمنحها بعض من الاعتراف والانصاف، وجعلت الأمم المتحدة تخصيص يوم الثامن من مارس يوما عالميا للمرأة في كل العالم. وهو حدث جاء على إثر عقد أول مؤتمر للاتحاد النسائي الديمقراطي العالمي في باريس  في الثامن من مارس عام 1945. وهو اتحاد مدني للنساء حول العالم يتكون من المنظمات الرديفة للأحزاب اليسارية،  ومنذ ذلك العام التزمت الدول العاملة بهيئة الأمم المتحدة بالاحتفاء بالمرأة والاعتراف بها لللتدليل على الاحترام العام للنساء، وتأكيد تقدير وحب المرأة لإنجازاتها الاقتصادية، والسياسية والاجتماعية. وفي بعض الدول كالصين وروسيا وكوبا تحصل النساء على إجازة في هذا اليوم. في حين أن بعض الباحثين يرجح أن اليوم العالمي للمرأة كان على إثر بعض الإضرابات النسائية التي حدثت في الولايات المتحدة. في بعض الأماكن يتم التغاضي عن السمة السياسية التي تصحب يوم المرأة فيكون الإحتفال أشبه بخليط بيوم الأم، ويوم الحب. ولكن في أماكن أخرى غالباً ما صحب الاحتفال بملامح سياسية وشعارات إنسانية  لتأكيد دور المرأة الحيوي في التنمية الاجتماعية والثقافية المستدامة. وهكذا أخذ خطاب المرأة يحظى بحضور متزايد في مختلف الدوائر الثقافية والأكاديمية والأعلامية، حتى في البلدان التي لازالت تهيمن فيها العلاقات البطريركية الموغلة بالقدم والتخلف. وقد جاء في الإعلان العالمي بشأن القضاء على العنف ضد النساء المادة الثالثة مايلي:

"للمرأة الحق في التمتع، على قدم المساواة مع الرجل، بكل حقوق الإنسان وحرياته الأساسية وفي حماية هذه الحقوق والحريات، وذلك في الميادين السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والمدنية أو أي ميدان آخر ومن بين هذه الحقوق ما يلي: 

 ا - الحق في الحياة .٢- الحق في المساواة. ٣-الحق في الحرية والأمن الشخصي.٤- الحق في التمتع المتكافئ بحماية القانون.٤- الحق في عدم التعرض لأي شكل من أشكال التمييز.

٥- الحق في أعلى مستوى ممكن من الصحة البدنية. ٦-الحق في شروط عمل منصفه ومؤاتية.٧-الحق في أن تكون في مأمن من التعذيب أو المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهنية.  

ختاما دعوني أكرر القول: إذا مات كل رجال العالم فسوف تستمر  حياة الكائن البشري بفضل النساء الحوامل والعكس غير صحيح! وهكذا هي المرأة   ليست نصف الدنيا فحسب بل هي الدنيا كلها، وحمايتها وتمكينها وازدهارها يعني حماية الحياة والمجتمع والأطفال والمستقبل، فلا مجتمع سعيد بدون امرأة سعيدة. وقد اثبتت الدراسات العلمية الحقائق التالية:

- نسبة القهر والظلم الموجه ضد المرأة  تتناسب طردا مع نسبة الشرور التي تفتك بالمجتمع. 

- إن أردت أن تعرف حال مجتمع من المجتمعات فانظر الى حال نساءه.  

- المجتمعات التي تُحتقر فيها المرأة تظل مجتمعات حقيرة وعنيفة.

- امرأة سعيدة تعني مجتمع سعيد.

فهنيئا لسيدات العالم عيدهن العالمي

 

ا. د. قاسم المحبشي

 

رائد عبيسوالحداثة التي لم تجد طريقا لنفسها بعد

ثمة علاقة بين التاريخ والتخلف لا احد يعرفها ويعرفه، الا من كان سبباً في وجود تحالف بينهما، اكتشافنا لهذه العلاقة يترك اثر سيء في علاقة المجتمع مع بعضه، لان المجتمع عادة ما يحمل الاثنين معا، يحمل تاريخ هو جزء منه،ويحمل تخلف لا يرضى بفك علاقته منه، هذه في نظر الناقد مفارقة ولكنها في الحقيقة متلازمة، يعني اننا بحاجة إلى مُعالج حتى يلغي هذه العلاقة التي أصبحت مقدسة عند من قدسها، هذه الرابطة بين التاريخ وتخلفه والمتحالفين معه، ليس بجديدة بل هي قديمة وعتيدة، صَبرنا على هذه العلاقة سيفقدنا الطاقة عاجلا ام آجلا، بطريقة الثورة أو بسياسة الانحدار المنتظر عند بعض حلفاء الأقدار، الذين كثيرا ما يفسروا تحالفهم التاريخي مع التخلف على أنه قدر محتوم،وكتاب مختوم، وأمر معلوم، ربما قرأتهم للتاريخ بطريقة متخلفة هي التي جعلتهم يشعرون أن بينهم وبين التخلف قرابة، سواء كانت بالمصاهرة أو بالمصادرة، فمصادرة التاريخ لوعي الأمة تحت عنوان صلة الرحم باتت سنة تاريخية عند اقرباءه وحلفاء، فهم يؤسسون لتلك الرابطة بطريقة التقديس التاريخي لها، بل ألبست ثوب القداسة الدينية عند بعضهم، فاصبح الحكم مرهون بالتجربة الأولى السيد يبقى سيد والعبد يبقى عبد، هذه السنة التاريخية جعلت من الارتهان لأحداثه أمر معتاد ومقبول بالفعل والقول، فتحالف سيدنا مع تاريخه يحتم علينا أن لا نقرأه لأنه اختراق للسيادة ونظام الطاعة، فالتاريخ لا يُقرأ ما دام عقيدة، يجب ان يُصدق وَيُصادق بل ويصبح حليف ! هذه التجربة جعلت من تاريخنا المسموع لا المقروء، هو من يفرض رهاناته على مجتمع صامت يستمع بحكمهِ وأقواله دون جدال أو تغير حال، فحالنا هو ما أعتدنا عليه لا أن يعتاد علينا، وبهذا نعطيه فرصة نكون قد أكرمناه بها ليتولى أمرانا قرون جديدة أخرى.

 هكذا توصي الأجيال أبناءها، الزموا الصمت و استمعوا، فإن نطق الحاكم نطق التاريخ، وله أن يتحالف مع ما شاء، فله أن يختار حتى الغباء، غير مهم ايها الابناء بل علينا الشكر والثناء لصاحب الجلالة الذي يحكمنا بدون كلالة! اكثروا من الصمت، اسمعوا للتاريخ، فإن حكمه لا تزيدكم حكمة ولا تطلعكم على شيء !! التزموا الصمت وأكثروا من الأطراق في الارض فإن التاريخ سينبت لكم بها ما تشبعون به بطونكم ودعوا عقولكم و أنصتوا جيدا.

هذه اخر حكمة سمعتها بوعي من آخر جاهل تحالف مع التاريخ وأخذ منه تخلفه! فالمجتمع هنا يسمع بآذان واحدة، ويرى بعيون مليئة بالدموع وكأنه معشي بالنهار، أما الأفواه فلا تنادي الا بالخبر.

اذاً هناك قوة تاريخية تحكم مجتمعنا و ليس القوى الاجتماعية هي من تَحكمه، فقوى مجتمعاتنا معطلة بفعل التأثير الروحي للتأريخ . والذي يقع على المثقف مهمة نقد هذه القوة ان كانت سلبية، وهي بالتأكيد تمتلك ذلك الأثر المدمر على حياة المجتمع، أما فكرة توظيف الطاقة الايجابية فيه، فهي تبقى رهينة الرغبة اللا ارادية المجتمع في تحقيق ذلك .

والتي يجب ان تكتشف على عيد النخب المثقفة، وتخطط على أساسها للمستقبل، فمستقبل المجتمع أكبر من مستقبل الفرد وهو متضمن فيه،اذ لا تخطيط فردي لمستقبل ناجح اذا كان المجتمع جارف، فالمجتمع الجارف لأحلام ابناءه هو مجتمع منحل قيمياً ولأنه لم يجد من يقف ويسبح أمام تيار ذلك الانجراف والانحراف ومكوناتهما السلبية على واقع الحياة الاجتماعية.

فالتماهي مع التاريخ هو صفة المجتمع المنغلق على أفكار الذاكرة السلبية لهذا التاريخ، والتقوقع على أفكاره المتمحورة حول قضية الحدث و حدث القضية التي أرادت أن تحوله على سبيل هذا الارتهان الى عقيدة ومعرفة وتاريخ وهوية، وعندما تنجمع كل هذه المفاهيم متحالفة مع تاريخ يتصف في فحواه بالتخلف، عندها ندرك ان هذا المجتمع بحاجة إلى صدمة قاسية لإخراجه من تاريخه الغير واعي . وهذا اللاوعي يتناقل عبر ذاكرة الأجيال ويتمثل حتى في سلوك العادي للفرد في المجاملات والعلاقات الاجتماعية والملبس والتحرك لأرضا المجتمع والمواكبة لحركته التقليدية البائسة التي تتمثل حتى بمواعيد النوم، والخروج من البيت، والسفر، والتفاعل مع المجتمع، على أساس هذه الاعتياد بما اعتاد عليه، الذي يمثل حالة استسلام واضحة لما يصنعه التاريخ بالمجتمع .

واذا كان الفرد لا هم له الا بإرضاء من اضطر على تقلديهم، والرجوع معهم صوب الذاكرة الجمعية، لأعراف العائلة، او العشيرة، او المنطقة السكنية، او الاجتماعية، فعندها يفقد قدرته على تحريك أي ساكن، وهذا هو الاختزال المميت،الذي يختزل الفرد به ذاته ليكون كما يريد المجتمع، لا كما يريد أن يكون حالة فردية، بل حالة تشاركية مقيتة.

أي دور للمجتمع في صناعة التاريخ ؟ وأي تاريخ يتحكم في المجتمع ؟ واي أرادة ممكن لها أن تتحكم بالتاريخ والمجتمع معا ؟

نعتقد أنها إرادة المثقف الواعي الناقد، العارف بمكامن القوة والضعف في هذا المجتمع، المتطلع الى تطويره لا الى تسخيره، الراغب بتكوينه لا تلوينه، هذه هي الارادة الوطنية في فعل التغيير المستبطن في وعي الناقد .لا سيما بعد أن يدرك أن مجتمعه يقف حجر عثرة بوجه التنوير، وان ارتهانه للتاريخ مثل وحل ركست به كل طموحات التغيير وتحقيق المصير، وإن الحداثة التي يتتوق إليها لمواكبتها مثلت له مفاتيح جديدة لتكوين تجاوزات محددة عن راهنية التاريخ السالبة لأرادته، فالفرد بمثل هذا المجتمع الذي منح إرادته للتاريخ من قبل، منحها باللاشعور مجددا ً الى مجريات الحداثة التي كانت له بديل جديد عن تلك الراهنية ؛ لأنه تقمص الأثنين معا. بدون وعي ورغبة.

فالتحالف مع تاريخ اللاوعي أستثمر سياسياً من واقع الأمة، وكذلك استثمر اقتصاديا،واجتماعيا، وتربويا، وعسكرياً، عندما كانت الشعوب ومازالت تساق للحروب لإرضاء طموح الحاكم بالنصر، فبدل الرجوع بندب من خلفتهم الحرب، يرجعون بأهازيج النصر التي تزف للحاكم،وهذا مثال ليكون مصداق لكل مجالات هيمنة الحاكم وطاعة المحكوم.

فنحن نرى أن هذه عثرات أمام خطوة تملك أي وعي حداثوي مازال يبحث له عن طريق في وعي المواطن العربي والمسلم والذي تسرب من أفكار مثقفيه و ناقديه، ومن يملك الوعي بتجاوز كل هذه الآفات التي ساعدت على التحالف مع التخلف تاريخياً.

 

دكتور رائد عبيس