عدنان عويدفي المفهوم: تعتبر العلمانية في سياقها العام طريقة أو أسلوب عمل أو منهجاً في إدارة آلية عمل الدولة والمجتمع، حيث يقوم هذا المنهج على الايمان والقناعة بأن من اشتغل على العلمانية من الحوامل الاجتماعية تاريخياً، إن كانت قد جاءت من العلم أم من العالم، فهي تؤكد وجود قوانين موضوعية تتحكم بآلية عمل الطبيعة يشكل عام والمجتمع بشكل خاص بكل مساماته، وبشكل مفتوح على المطلق خارج إرادة أي سلطة كانت دينية أو وضعية، وما على الناس إلا اكتشاف هذه القوانين والتحكم بها وتوظيفها لمصلحة هذا الإنسان نفسه. وبالتالي فالعلمانية وفق هذا المعطى هي منهج في التفكير والعمل يقوم على حرية الإنسان وقدراته في صنع حياته وإعادة تشكيلها وفقاً لمصالحه بناءً على طبيعة المرحلة التاريخية المعيشة، ودرجة تطور بناها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية. والعلمانية أيضاًً وفق هذا المعطى ذاته، هي صيغ قابلة للتطور والتبدل عبر التاريخ، أي هي ليست صيغة واحدة كما يقرر بعض من اشتغل عليها أو انتقدها فكراً وممارسة، وخاصة من رجال الدين الذين يكفرون ويزندقون دعاتها وأتباعها .

أما موقف العلمانية من الدين، فهي في موقفها المنهجي العقلاني النقدي القائم على التجربة البشرية التاريخية، هذه التجربة التي تقر بوجود القوانين الموضوعية المستقلة في نشاطها أو آلية عملها، وتحكمها بآلية سيرورة وصيرورة الظواهر، ترفض ربط الدين بالسياسة أو الدولة، أواعتبار – أي الدين - بأنه المنطلق المعرفي والسلوكي أو الوجودي للدولة، مع إقرار الدولة العلمانية بأن مقاصد الدين الأساسية القائمة على العدالة والمساواة والتسامح والمحبة والحفاظ على حقوق الإنسان الطبيعية (حق الحياة وحق الدفاع عن الأرض والعرض، والاختلاف في العقيدة)، هي جزء هام من مضمون العلمانية من جهة، في الوقت الذي ترفض فيه هذه الدولة العلمانية أيضاً ربط حركة المجتمع بأي أيديولوجيا وضعية سكونيه أو جمودية، دينية كانت أم وضعية، تريد للواقع الاجتماعي بكل بناه  أن يرتقي إليها دائماً لا العكس من جهة ثانية.

بتعبير آخر: إن أي عقيدة أو أيديولوجيا دينية كانت أم وضعيه، ترفض التجربة التاريخية للدول والمجتمعات، بل وحتى الأفراد، مثلما ترفض الاعتراف بأن قوة الواقع أقوى من قوة النص المقدس أو المتعالي على الواقع، وأن الواقع في حركته وتطوره وتبدله يطالب النص المغلق او المتعالي أن يفتح مخزونه على مصالح الناس في حالة تبدلها وتطورها عبر التاريخ، هي عقيدة أو أيديولوجيا تريد للفرد أو المجتمع ودولته، أن يسيروا على رؤوسهم وليس على أقدامهم. أي هي تريد القول بأن الفكرة (المطلقة) الثابتة الصالحة عندهم لكل زمان ومكان، هي من يقوم برسم الطريق الذي على الفرد والمجتمع السير عليه لتحقيق النهضة والتقدم، أي ضرورة ارتقاء الواقع إليها دائماً، وليس السير داخل المحيط الاجتماعي والبحث عن القوانين الموضوعية التي تتحكم بآلية سيرورته وصيرورته، وبالتالي معرفة أن هذه القوانين هي من يتحكم بالواقع، ولا بد لنا من كشف هذه القوانين والتسلح بها والقبض على الواقع من خلالها، لا العمل على لي عنق الواقع كي ينسجم مع نصوصها الثابت.

ملاك القول:

إن العلمانية بنظرنا منهج وأسلوب حياة يقر بأن الإنسان سيد نفسه، وصاحب القرار في رسم الطريق الذي يجد فيه مصلحته ومصلحة الأجيال القادمة... وإن العلمانية حركة تاريخية للمجتمع تساهم في كشف (حكم الضرورة ووعيها)، أي معرفة القوانين الموضوعية التي تتحكم بالواقع وتسخيرها لمصلحة الفرد والمجتمع. وإن أهم مفرداتها العملية في نهاية المطاف هي المواطنة ودولة القانون والمؤسسات والعقد الاجتماعي، أو دولة الحرية المشروطة بالوعي والمسؤولية تجاه مصالح الإنسان الايجابية.. أي الدولة المدنية بامتياز.

 

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث من ديرالزور – سورية

 

في السحر: يتمتع السبعة بمقدرة مطلقة، ويعد العدد السحري الأهم في القرون الوسطى، وهو الحلم الرائع لفيثاغورس.

فمفاتيح السلم الموسيقية سبعة .

والكواكب القديمة سبعة .

وأوتار القيثارة سبعة .

والعصافير السحرية سبعة: البجعة، البومة، الرخ، اليمامة، اللقلاق، النسر، والهدهد.

والسمكات السحرية سبع:

Phoque،Iucins،OElurus،trimallus،mugil،Dauphin،Seiche.

والحيوانات السحرية سبعة: الأسد، الهر، الثعلب، التيس، القرد، الإبل، والخلد.

والمعادن السحرية سبعة: الذهب، الفضة، الحديد، القصدير، الزئبق، النحاس، والرصاص.

والحجارة الكريمة سبعة: Carbunculus، cristal، diamant، emeraude، agate، Saphir، onyx .

والعلامات السحرية سبع: الشمس، القمر، المريخ، الزهرة، ميركور، جوبيتر، ساتورن.

والرموز الفلكية - الدينية سبعة: الإيمان تمثله الشمس / الكبرياء؛ الأمل - القمر / البخل؛ المحبة - فينوس / الفخامة؛ القوة - مارس / الغضب؛ الحذر - ميركور / الكسل؛ الاعتدال - ساتورن / الجشع؛ العدالة - جوبيتر / الحسد.

الرموز الملائكية - الكواكبية سبعة: الشمس ملاك النور، القمر - الأحلام، مارس - الموت، فينوس - الحب، ميركور - الحضارة، جوبيتر - القوة، ساتورن - الوَحدة.

الملائكة السبعة هم: ميخائيل، جبرائيل، صاموئيل، عنائيل، رافائيل، زاخاريال، وأوريفال.

والفنون السبعة الحرة سبعة: النحو، المنطق، الخطابة، الهندسة، الحساب، الفلك، والموسيقى. ومن هنا يقال عن إنسان فائق الذكاء " مسبع الكارات ".

ويقول تراث السحر إن الذهب الخام يحتاج في تصنيفه إلى سبع طبقات؛ وإن الحرف اللاتيني السابع (G) يفسر الحكمة والرؤيا العليا للمعرفة، وهو بداية الحكمة  (God)، (Geometrie)، (Geotie). والجيوسيا هي علم الشيطان. وكذلك، فإن هيئة أركان إبليس في العالم لها سبعة رؤوس. وجهنم مساحة كبيرة تنقسم إلى سبعة آلاف زنزانة يختبئ فيها سبعة آلاف عقربة. ويشير السحر إلى أن الشياطين يعرفون سبعة فنون؛ وأن العَقد بين لوسفوروس، زعيم الشياطين، والشر يتجدد كل سبعة أعوام. ويرمز إلى لوسيفوروس بحية ذات سبعة رؤوس، فيقول إشعيا النبي: " في ذلك اليوم يعاقب الرب بسيفه القاسي العظيم الشديد لوياثان، الحية الهاربة، لوياثان الحية المتحوّية، ويقتل التنين الذي في البحر " (1:27). ويقول السحر إن اللعنة لا تكون نهائية على الإطلاق، بل تتجدد كل سبع سنوات في التاريخ نفسه الذي حلت فيه المصيبة.

وتقول كتب السحر إن القوى الحاكمة بحسب الأعمار سبع: الشمس - الطفولة، القمر - المراهقة، مارس وفينوس - الصبا، ميركور - الرجولة، جوبيتر - الكهولة، وساتورن - الشيخوخة. ويقول كتاب السحر إن يشوع بن نون كان ساحراً، إذ إنه، في أثناء حصاره لأسوار أريحا، تقدم الشعب سبعة كهنة يزمّرون ويطبّلون بسبعة طبول، مدة سبعة أيام، فطافوا حول الأسوار سبع مرات في النهار، وأطلق الشعب صرخة سحرية، فسقطت الأسوار.

وفي السحر، يحمل الخاتم السحري سبعة خواتم وسبعة معادن كواكبية: الشمس - الذهب، القمر- الفضة، ميركور - الحديد، فينوس - النحاس، مارس - القصدير، جوبيتر - الزئبق، وساتورن - الرصاص. ويتألف ورق اللعب السحري من اثنتين وعشرين ورقة، هي هيئة الأركان الكبرى، وست وخمسين ورقة، هيئة الأركان الصغرى. وتنقسم الهيئة الكبرى =  7 × 3 + 1)، والواحد هو الثاني والعشرون ويعني العدم أو المجنون، فيما تنقسم الهيئة الصغرى = (7 × 4 ×2). والعدد أربعة يرمز إلى الألوان الأربعة، سباتي، ديناري، بستوني، كُبّة، وهي تعبير عن الطبقات الاجتماعية الأربع التي كانت سائدة في القرن الخامس عشر: فالعصا ترمز إلى الفلاحين، والسيف إلى النبلاء، وقطعة الذهب إلى السفراء، والكأس إلى الإكليروس. وترمز الورقة السابعة في هيئة الأركان الكبرى إلى النصر: (V = V)، أي الانتصار على الأطباع الأربعة، والغرائز الأربع، والدواليب الأربعة لمصير العربة المرَّبعة، وكل مرَّبع من الأعمدة الأربعة. فالإنسان يحمل في يده عصا القيادة ويحمل على كتفه معدات ألوهة تابوت العهد وهي تعني الربح والانتصار.

في البيولوجيا:

يحمل السبعة أهمية بيولوجية، فمخارج الرأس سبعة: العينان، المنخاران، الأذنان، والفم. وفي مصر القديمة، تعويذة يتلوها الكهنة تقول: " اخرج أيها البرد يا ابن البرد، يا من تهشم العظم، وتتلف الجمجمة، وتمرض مخارج الرأس السبعة، اخرج على الأرض، وفر، وفر، وفر ". ويقال إن الإنسان " الناضج " له سبع فتحات في القلب. ويتألف الإنسان من 7 × 90 = 360 عضلة. وتتجدد الخلايا في الجسم مرة كل سبع سنوات.

ويقسم السحر أطباع الإنسان إلى سبعة كراكتيرات (caracters) كوكبية، قياساً على قسمات الوجه، وهو ما يعرف بعلم الفيزيوغنومونيا (Physiognomy). والأطباع هي: شمسي (مستدير الوجه - فرح)، فانوسي (كامل)، مارسي (قاس)، ميركوري (جميل)، قمري (شاحب)، جوبيتري (شريف)، ساتورني (حزين). وترمز اللحية إلى العنف والانتقام، والجبهة العريضة إلى الكسل، والصغيرة إلى الحماقة. وفي السحر، أيضاً، يتألف جوهر الإنسان المصري من سبع قوى: (كا) النفس الإلهية، (با) النفس الروحية، (ساهو) النفس الإنسانية، (كايبيت) النفس الحيوانية (تيت) الجسد الكوكبي، (هاتي) القوة والحياة، (كو) الجسد البلاستيكي. وفي الهند، القوى السبع نفسها هي:  أتما، بودي، ماناس، كاماروبا، لينغاشارفيا، جيفا، وروبا.

وعند المرأة، تدوم الدورة الشهرية، بشكل وسطي، ثمانية وعشرين يوماً، وهذا العدد يمثل تكرار السبعة أربع مرات. ويبدأ الجنين بالتحرك في رحم والدته في الأسبوع السابع. وتستمر فترة الحمل الجنيني مئتين وثمانين يوماً أي 7 × 40. وأحياناً، تستمر هذه الفترة سبعة أشهر عوضاً عن تسعة؛ وهنا، يقال " إن سابع ابن السابع، ابن عنده القوة في المعالجة والشفاء، وأن سابعة بنت السابعة بنت تعرف الأحلام وتفسرها تماماً ". وفي هذا الإطار، حاول الصينيون منذ القدم معرفة جنس الجنين قبل ولادته، فكانوا يقومون بعملية حسابية لمعرفة ذلك السر، فيضربون 7 × 7، ثم يحسمون من النتيجة عمر الأم، ويضيفون عدد 19 مع رقم شهر الحبل، فإذا جاءت النتيجة مزدوجة، يكون المولود المنتظر صبياً، وإذا جاءت مفردة تكون بنتاً.

وفي علم الكيرومانسيا (chiromancie)، أي فن اكتشاف الأطباع الإنسانية من خلال قراءة شكل اليد، اكتشف الخبراء سبع تلال هي: فينوس، جوبيتر، ساتورن، الشمس، ميركور، مارس، والقمر.

ونشير، أيضاً، إلى أن أفلاطون أدخل السبعة في معادلة الزواج، فنصح الشاب أن يقسم عدد سني عمره على اثنين، ثم يضيف إلى النتيجة العدد سبعة. بمعنى أوضح، إن الشاب الذي يبلغ عمره 36 عاماً، تنسحب عليه، بحسب أفلاطون، فتاة تبلغ من العمر خمسة وعشرين عاماً (36 ÷ 2 + 7).

وتقول التعاليم التيوزوفية (thesophy) إن الأجسام الباطنية التي تؤلف وجود الإنسان سبعة؛ وإن الروح انطلقت من عالم المادة عبر سبع طبقات، فاكتسبت سبع درجات من الوعي؛ وإن الغدد الروحية في جسم الإنسان سبع، والغدد الصماء سبع.

قوس قزح:

يتألف قوس قزح من سبعة ألوان: بنفسجي، نيلي، أزرق، أخضر، أصفر، ليموني، وأحمر.

وفي الكونية، عقود العمر سبعة، والبحور سبعة، وبنات نعش - برج كان الرعيان يهتدون به - سبعة، والكواكب السيارة سبعة. وحول الكواكب السبعة، أو الثريا، جاء في الميثولوجيا الأوسترالية، على لسان روبرت هاملتون، حول أصل النار قوله: إن فتاة اسمها الوطني مون - مون - ديك تمكنت، بطريقة أو بأخرى، أن تملك النار، فاحتفظت بها على طرف عصاها من خشب اليام - وهي عصاً طولها خمس أقدام تصلَّب طرفها الحاد بفعل النار وتستخدم في اقتلاع الجذور - وكانت الفتاة تقدح النار على هواها ولكن  أحدا لم يستطع إقناعها بأن تشاطر الآخرين بفوائدها. فذهبت كل المحاولات للتغلب على عنادها بالقوة أو بالدهاء أدراج الرياح. عندها أرسل بونجيل ابنه لمساعدة بني البشر. وحين لم يتمكن الابن من إقناع الفتاة بأن تخضع عن طيب خاطر لجأ إلى الحيلة للوصول إلى مبتغاه. وبعدما دفن أفعًى سامة في وكر كبير للنمل رجا الفتاة أن تأتي للبحث عن بيوض النمل التي كانت قطعاً حقيقية من الحلوى. وقد نبشت الأفعى، بطبيعة الحال، فصاح تارانغ: " اضربيها، اضربيها "! فلما ضربتها بعصاها من اليام انبثقت منها النار فأمسك بها تارانغ وقدمها لبني الإنسان. ومن أجل أن يمنع الفتاة من أن تستعيد احتكارها، قام بنقلها إلى مكان في السماء حيث أصبحت " كوكبة النجوم السبعة "، أو الثريا، ولا تزال ترى هناك حتى الآن.

وفي إيطاليا، بنيت العاصمة روما على سبع تلال. ويبلغ عدد الجزر الإيونية في البحر الأبيض المتوسط سبعاً. وتطفو اليابان على سبعة وسبعين بركاناً ثائراً. وفي العام 1597، فهرس العالم الفلكي الدانمركي 777 نجمة في السماء.

المستقرضات:

" في شهر شباط - بحسب البيروني -، تقع أيام العجوز وأولها اليوم السادس والعشرون منه وهي سبعة متوالية فإذا كانت السنة الكبيسة كان أربعة أيام منها من شباط وثلاثة من آذار، وإذا لم تكن كبيسة فثلاثة من شباط وأربعة من آذار، ولها عند العرب أسماء فأولها الصّنُّ وهو شدة البرد، والثاني الصنبر وهو الذي يترك الأشياء كالصنبرة وهي ما غلظ وخثر وقد يكون النون زيادة كما قالوا في جمع البَلَصُوصِ بلنصى، الثالث أخوهن الوبر لأنه وبَرَ آثار هذه الأيام أي قصها، والرابع الآمر يأمر الناس بالحذر منه، والخامس المؤتمر أي أنه يأتمر بأذى الناس، والسادس المعلل يعنون به أنه علل الناس بشيء من تخفيفه، والسابع مطفئ الجمر وهو أشدها كان فيه ينطفئ الجمر، ويقال له أيضاً مكفئ القدر يعنون من شدة ريحه الباردة وقد نظم هذه الأسماء أحد الشعراء فقال:

كُسِع الشتاء بسبعة غبر         أيام شهلتنا من الشهر

فإذا انقضت أيام شهلتنا         بالصّن والصنبر والوبر

بآمر وأخيه مؤتمر              ومعلل وبمطفئ الجمر

فهناك ولى البرد منسلخاً     وأتتك وامِدَة من البحر

وقد يسمى السادس شيبان والسابع ملحان. وهذه الأيام لا تكاد تخلو من برد ورياح وكدورة وتلون في الهواء، بل البرد يشتد فيها في الأكثر لانصرافه، وبه سميت الصرفة لأن سقوطها قريب منها، ولا يتعجبن متعجب من قوة البرد عند آخره واهتياجه عند انصرافه فإن ذلك للحر مثله كما سنذكر، ويوجد أمثاله في الطبيعيات المعتادة كالسراج، فإنه إذا قربت من الانطفاء العارض لها من فناء مادة الدهن، توقد واشتد ضوؤها دفعات متواليات شبيهة بالاختلاج، وكالأعلال وخاصة من يفنى منهم بدق أو سل أو بطن أو مثال ذلك، فإنهم يقوون بالقرب من موتهم قوة ويرجوهم من لا يكون له معرفة بهذا الأحوال عندها، وييأس منهم من جربها. ورأيت ليعقوب بن اسحق الكندي مقالة في علة هذا الحادث في هذه الأيام وجملة ما اعتل به هو بلوغ الشمس تربيع أوجها وهو موضع التغير وتأثير الشمس في الهواء أكثر من غيره، فيجب أن يتناسب التغير العارض لها في فلكها والتغير الحادث في الهواء لها، وأن ذلك التأثير ثابت في أكثر الأحوال مدة كون القمر في الربع الذي اتفق فيه أوله والربع من الشمس الذي اتفق فيه. وسمعت أن عبدالله بن علي الحاسب بخارا لما وقف على رسالة الكندي هذه سير تلك الأيام ونقلها على حسب ما اقتضته حركة الأوج فسميت أيام عجوز عبد الله قلم وأنه ما كاد يخطئ فيها وفي التأثير القوي يظهره، وإنما سميت هذه الأيام بأيام العجوز على ما حكاه القدماء لأنها هي التي ذكرها الله في كتابه سبع ليال وثمانية أيام حسوماً، وأن عاداً هلكوا بريحها الصرصر وأعاصيرها وأهوالها فبقيت من جملتهم عجوز ترثيهم وتنوح عليهم وأخبارها مشهورة. قالوا فلذلك سميت أيام العجوز وذكروا أن الريح التي أهلكتهم كانت دبورا. قال رسول الله (ص): " نصرت بالصبا يعني يوم الخندق وأهلكت عاد بالدبور". وقال الشاعر:

أهلكت الدبور حبال عاد  فبادوا كالجذوع مطرحينا

وقالوا إن الأيام النحسات المذكورة في القرآن الكريم كل أربع توافق من الشهر يوما موافقاً لأربعة كأربع خلون أو بقين وأربع عشرة خلت أو بقيت وأربع وعشرين خلت أو بقيت. وزعم البعض أن ذلك لأن عجوزاً رأت الحر فطرحت المحشأ عنها ماتت في برد هذه الأيام. وزعم بعض العرب أن أيام العجوز سميت بهذا الاسم لأنها عجز الشتاء أي آخره، وقد يوجد للأيام الخمسة المسترقة التي بين آبان ماه وآذر ماه أسماء عند العرب كأسماء أيام العجوز: فالأول الهنبر، والثاني الهنزبر، ومعناها الأذى بالبرد، الثالث قالب الفهر أي من شدة الريح، والرابع حالق الظفر يعنون أن الريح تشتد حتى تحلق الظفر مثلا، والخامس مدحرج البعر يعنون في الصحاري حتى يلغ المنازل من شدة الريح. قال القائل ينظمها: "

أولها الهنبر يوم فارط              

وبعده الهنزبر يأتي خابط

يخبطه حتى يجيء القاسط

وقالب الفهر يسمى حقا

وحالق الظفر المبين الحلقا

يفلق بالبرد الصخور فلقا

وبعدها آخرهن الخامس

مدحرج البعر العضوض اللاحس

وما له فيما يسمى سادس ".

البواحير

" يبدأ في الثامن عشر من تموز - بحسب البيروني - هبوب الرياح الحولية عند ابرخس وهو أول أيام الباحور باطباق ممن ذكرها من أهل البحر والفلاحين ومن جرى لهم التجارب وذلك أنها سبعة أيام متوالية آخرها الرابع والعشرون من الشهر. ويستدلون بكل يوم منها على شهور الخريف والشتاء وبعض الربيع من تغيرات، ويكون أكثر ظهورها في العشيات والأسحار. وزعموا أنها للسنة كأيام البحران في الأمراض الحادة فيها يظهر دلائلها والبشارة والإنذار في العواقب من حوادث أحوالها. واسم الباحور والبحران مشتق في اللغة اليونانية والسريانية من حكم الحكام. وقيل إن البحران مشتق من البحر لأن بحران المريض شبيه بالهيج العارض في البحر المسمى مدا وجزراً، وهو قريب لأن العلة في كليهما حركات القمر وأدواره وأشكاله. أما في دورة الليل كالمد يوجد أوله عند بلوغ القمر شرقه وغربه من الأفق وكالجزر يوجد أوله عند بلوغه فلك نصف النهار والليل. وأما في دورة له إما من نقطة إليها بعينها وإما من الشمس إليها، فقد توجد المدود في النصف الأول من الشهر القمري أقوى، وفي الثاني أضعف، وكذلك يوجد للشمس في ذلك فعل. والعجب مما يحكى عن بحر المغرب أنه يمد من ناحية الأندلس عند كل مغيب للشمس فينقص زهاء خمسة فراسخ أو ستة في قدر ساعة، ثم يجزر ولا يخالف ذلك الوقت. قالوا فإن كان عشاء اليوم الثامن عشر غيم في الآفاق فإنك ترى برداً ومطراً في رأس تشرين الأول، وإن كان مثل ذلك في نصف الليل كان البرد والمطر في نصف الشهر، وإن كان في وجه الصبح كان في آخر الشهر، وكذلك الأمر في الأيام إلا أن التغير فيها بالليل أظهر وحيث تراه من الجوانب الأربع كان ذلك فيه، وليالي الأيام محسوبة بعد أيامها ولأجله ظن من يقدم الليالي على الأيام أن ليلة اليوم الثامن عشر هي التاسع عشر فجعل أول البواحير من اليوم التاسع عشر وآخرها اليوم الخامس والعشرين فاليوم الأول من هذه الأيام السبعة دليل على تشرين الأول، والثاني على الثاني، والثالث على كانون الأول، وكذلك إلى أن يكون السابع دليلاً على نيسان. وقد ذكر أصحاب التجارب أنه إذا تقدم قبل ذلك فعمد إلى لوح وزرع عليه من كل زرع ونبات حتى إذا كانت الليلة الخامسة والعشرون من تموز وهي آخرها وضع اللوح بارزا لطلوع الكواكب وغروبها بحيث لا يحول بينه وبين السماء شيء فإن كل ما يزكو في تلك السنة من الزروع يصبح أصفر وما لا يصلح ريعه منها يبقى أخضر. وكذلك كان القبط تفعل ذلك، وقد أكثر أصحاب التجارب من الاحتيالات لتقدمة المعرفة بأحوال السنة من هذه الأيام حتى خرجوا إلى جنس العزائم والرقي، فزعم بعضهم أنه إذا عمد إلى أوراق اثنتي عشرة من شجر الزيتون وكتب على كل ورقة اسم شهر من شهور السريانيين ثم وضعت في هذه الليلة المذكورة في موضع ندي فما جف منها تلك الليلة لم يكن في الشهر الذي كتب عليها مطر وزعم بعضهم أن فيها يوقف على كثرة أمطار السنة وقلتها بأن ينظرموضع مستو ليس حوله شيء يمنعه عن وصول الندى والريح والطل إليه ثم يؤخذ قدر ذراعين من ثوب كتان فيوزن ويحفظ مقدار وزنه ثم يبسط على ذلك الموضع ويترك فيه من أول الليل إلى أربع ساعات منه فإذا تمت وزن ثانية فما زاد فيه فكل زنة مثقال يزيده الوزن الثاني على الأول هو يوم مطير في الشهر المنسوب إلى ذلك اليوم كما قدمت ذكره، وهذه الأيام أعني أيام البواحير هي مرسومة بطلوع كلب الجبار وهو الشعري اليمانية العبور. وقد نهى بقراط في كتاب الفصول عن تناول الأدوية الحارة والفصد حوالى طلوعها في زمانه بعشرين يوماً متقدمة وعشرين أخر متأخرة لأن ذلك زمان اشتداد القيظ وانتهاء الحر منتهاه، والصيف نفسه مسخن محلل مخرج للرطوبات، وما نهى عنه بقراط في إقلالها فإذا جاء الخريف ببرودته ويبسه لم يؤمن فيه انطفاء الحرارة الغريزية. وقد ظن قوم ممن لم تكن لهم دربة بالعلوم الطبيعية ولا بصر بالأحوال العلوية أن التأثير المذكور منسوب إلى جرم هذا الكوكب وطلوعه مع انتقاله وحتى أوهموا فيه وقالوا إنه لعظم جرمه يسخن الهواء فنحتاج إلى أن نشير ونعرف موضعه ونحقق عليه وقت طلوعه كما قال أبو نؤاس:

مضى أيلول وارتفع    وأخبت نارها الشعري العبور

فزعم علي بن علي الكاتب النصراني لأجل ذلك أن أول البواحير اليوم الثاني والعشرون من تموز إشارة إلى أنها نقلت بانتقال الكوكب وهو أعني الشعري دائر طول السنة في مدار واحد مواز لمعدل النهار. وإنما أراد بقراط بذلك الوقت صميم الصيف، واشتداد الحر بقرب الشمس من سمت الرؤوس مع ابتدائها في الانحدار في الفلك الخارج المركز عن الأوج وكان ذلك في زمانه موافقاً لطلوع الشعري فأطلق القول به علما منه أن حقيقة الحال لا تخفى على من ارتاص بالعلوم. فلو أن كوكب الشعري تحرك حتى بلغ رأس الجدي أو الحمل لما انتقل معها الزمان المنهي فيه عن تناول الأدوية. وذكر سنان في كتاب الأنواء أن للرعاة خاصة سبعة أيام معدودة من أول تموز تجري مجرى أيام الباحور في الاستدلال بها على أحوال شهر من شهور الشتاء وتعرف ببواحير الرعاة ويقع فيها أحوال الهواء مباينة لما قبلها وبعدها ولطخ من غيم لا تكاد تخلو منه كلها أو بعضها، وفي التاسع عشر دبور أو حر عند القبط، وفيه تشتد كلاب البحر ويعظم ضررها وفي العشرين دبورا أو ما يشبهه عند القبط. وذكر أصحاب التجارب أن فيه يكثر الرمد، وفي الحادي والعشرين تهب الرياح الحولية عند اوقطيمن وابتداء الحر عند ابرخس ودبور وحر عند القبط، وفي الثالث والعشرين هواء شات في البحر ورياح عند فيلفس ومطروذورس وابتداء الرياح الحولية عند القبط، وفيه ابتدأ أبو جعفر المنصور ببناء مدينة السلام وهي التي تسمى مدينة المنصور في الجانب الغربي من دجلة ببغداد، وذلك في سنة ألف وأربع وسبعين للإسكندر. وأصحاب أحكام النجوم يحتاجون إلى معرفة أمثال هذا الوقت والتاريخ بمعرفة التحاويل والانتهاءات والأدوار والتسييرات من لدنه حتى يستنبطوا الحكم لأهلها وكان نوبخت تولى اختيار الوقت واتفقت هيئة الفلك التي يتشكل بها ومواقع الكواكب ".

عند الحيوان

تحضن النعامة بيضها سبعة أيام؛ والحمامة أربعة عشر يوماً، مضاعف السبعة؛ ويحضن القاوند، وهو طير يعيش على ساحل المتوسط، بيضه سبعة أيام، ثم تخرج فراخه فيزقها سبعة أيام.

في لبنان

في التراث اللبناني أن البيت القروي غدا مثال البيت الثابت، وكان يرتكز على سبعة أعمدة: ثلاثة من كل جهة، وعمود كبير في الوسط يكون الركيزة الأصلية، تستند إليه الجوائز المتقابلة. وينتشر ذكر هذا البيت المثالي المسبع الأعمدة بانتشار البناء اللبناني في الأقطار المجاورة حتى يصبح من الاستعارات الشعرية والصور البيانية.

في الحرب

في 1937/7/7، أطلقت الكتيبة 37 في الفيلق التاسع عشر في الجيش الصيني النار على كتيبة من الجنود اليابانيين، ما تسبب باندلاع الحرب الصينية - اليابانية. وسمي هذا الحادث بـ " تاريخ السبعات الثلاث ".

وبين 1756 و 1763 اندلعت حرب بين إنكلترا وبروسيا من جهة وفرنسا من جهة أخرى، عرفت في التاريخ بـ " حرب السنوات السبع ".

في الاقتصاد

تنادت الدول الصناعية الكبرى في العالم الغربي، وأنشأت تجمعا باسم " تجمع السبعة الكبار " يضم الولايات المتحدة الأميركية، كندا، فرنسا، بريطانيا، ألمانيا الغربية، إيطاليا، واليابان.

وفي المقابل، عقدت في باريس في 14 تموز 1989 أول قمة لأفقر سبع دول في العالم، برعاية عدد من المؤسسات التنموية غير الحكومية، تحت اسم " الدول السبع الأكثر فقراً " وهي: بنغلادش، البرازيل، بوركينافاسو، هايتي، الفلبين، الموزامبيق، وزائير.

في الرياضة

في كرة القدم، يلعب الفريق الذي يتأهل إلى الدور النهائي في إطار مباريات (المونديال) سبع مباريات: ثلاث في الدور الأول، مباراة في الدور الثاني، مباراة في الدور ربع النهائي، مباراة في نصف النهائي، ومباراة في النهائي.

في المسرح

كتب سوفوكليس أكثر من مئة وعشرين مسرحية، لم يبق منها إلا سبع هي: " أجاكس " وتدور حول موضوع موته، " أنتيغوني " وتعالج الصراع بين قوانين الحكومة والدين، " أوديب ملكاً " وسماها أرسطو التراجيديا الكاملة، " أوديب في كولون " وتدور حول موت أوديب، " إلكترا " وتعالج الكراهية بين الفتاة والأم، " فيلوكتيت " وتدور حول استدراج فيلوكتيت للانضمام إلى اليونانيين في طروادة، و" التراخينات " وتدور حول موت هرقل.

في الشعر

صدر ديوان للشاعر الإغريقي أخيل بعنوان " السبعة ضد طيبة "؛ وديوان للشاعر الفارسي نظامي بعنوان " الأميرات السبع " يحكي فيه عن سبعة قصور، كل قصر له لون أحد الكواكب السبعة، وتعيش أميرة في كل قصر؛ وديوان للشاعر الفرنسي بول إليوار (Paul Eluard) بعنوان " قصائد الحب السبع في الحرب "؛ وديوان للشاعرة المصرية وفاء وجدي بعنوان: بيسان والأبواب السبعة. ويقول رينه شار (Rene char) عن القصيدة " إن لها جزمة بطول سبعة فراسخ ".

وفي الرواية

في الرواية العربية، صدر لجهيمان العتبي " الرسائل السبع "، والعتبي هو الذي قاد إحدى الفرق الدينية لاحتلال الحرم الشريف في كانون الأول 1979. وكتب ميلاد حنا " الأعمدة السبعة للشخصية المصرية ".

وفي الفرنسية، صدر كتاب " الكلمات السبع للسيد المسيح على الصليب " للكاتب رينيه باجور؛ و" سبع نساء في التيبت " للكاتبة ماري جول دو بونشفيل.

وفي الإنكليزية، صدر " المنزل ذو الصنوبرات السبع " لنتنايل هاوتورن؛ و" الخطايا الرئيسة السبع للندن " لتوماس ديكر؛ و" أعمدة الحكمة السبعة " لتوماس لورنس؛ و"ليلة القمر السابع " لفكتوريا هولت.

في الموسيقى

صدر لفكتور سحاب كتاب بعنوان " السبعة الكبار في الموسيقى العربية " وهم، بحسب الكاتب: محمد عبدالوهاب، رياض السنباطي، محمد القصبجي، زكريا أحمد، سيد درويش، أم كلثوم، أسمهان.

في الصحافة

في تونس، صدرت مجلة ثقافية فكرية شهرية تحمل اسم " السابع من تشرين الثاني - نوفمبر ". ويعود مصدر هذا الاسم إلى التاريخ الذي تسلم فيه الرئيس التونسي زين العابدين بن علي الرئاسة في السابع من تشرين الثاني 1987.

في الأدب

قال الروائي الإسباني كاميلو خوسيه سيلا، الحائز على جائزة نوبل للآداب لسنة 1989، إنه كان يحلم بالجائزة وهو في السابعة من عمره، عندما بدأ كتابة أول أشعاره.

وفي نهاية حياة بولستوي (Tolstoi)، استمر هذيان الموت يقارع الأديب الروسي سبعة أيام، إلى أن مات صباح 1945/11/7 في محطة استابوفو.

في المقاومة الفكرية

في الصين، أسست الثورة الثقافية الماوية مدارس لإعداد الإدارة الحزبية في مختلف الأقاليم، تسمى مدارس 7 أيار.

وفي تشيكوسلوفاكيا، تألفت " الشرعة 77 " من جماعة من المفكرين والمثقفين المناهضين للشيوعية، تجمعوا في العام 1977 وأعلنوا الثورة الصامتة على كل الممارسات القمعية والتجاوزات التي شملت أبسط حقوق الإنسان.

في اللغة

يبلغ عدد الحروف اللاتينية الصائتة سبعة. وتعتبر اللغات القديمة الأساسية سبع: عربي، عبراني، سرياني، يوناني، هندي، روماني، وفارسي. وتبلغ الصفوف الابتدائية في المدارس سبعة، والصفوف في المرحلتين التكميلية والثانوية سبعة.

في الأمثال

يقول مثل عامي: ينام على سبع خرزات من ظهره، أي أنه ينام نوماً عميقاً.

في الرسم

رسم ميكال أنج (Michael Ange) جداريات كنيسة سكستين (Sixtine) في إيطاليا في سبع سنوات. ويلقب الفنان " مارك شاغال " بالرسام ذي الأصابع السبع.

في التلفزيون

بثت القناة الفرنسية الخامسة برنامجا تلفزيونياً بعنوان " سبعة على سبعة ".

في السينما

يطلق على السينما " الفن السابع ". وقد صورت السينما أفلاما عديدة تحمل في عناوينها السبعة، من بينها: " الساموراي السبعة "، " القراصنة السبعة "، " سبع سنوات من التعاسة " من بطولة ماكس ليندر. وصور إنغمار برغمان فيلم " الخاتم السابع " وأخرج كارل شولتز فيلم " العلامة السابعة ".

في البارابسيكولوجيا

تقول البارابسيكولوجيا إن الحروف تنقسم أربعة أقسام، كل قسم من سبعة حروف: طبع اليبوسة والحرارة ا هـ ط م ف ش ذ وهو طبع النار، طبع البرودة واليبوسة ب و ي ن ص ت ض وهو طبع الأرض، طبع الحرارة والرطوبة ج ز ك س ق ث ظ وهو طبع الهواء، وطبع البرودة والرطوبة د ح ل ع ر خ غ وهو طبع الماء.

وتعتقد البارابسيكولوجيا بإصابة العين. ولكي يشفى من إصابته، على المصاب أن يسكب سبع رصاصات، فيزول المرض حالاً.

وتصف البارابسيكولوجيا العاج دواءً، فيؤخذ منه سبعة دراهم على سبعة أيام فهو نافع جداً، وإذا شربته امرأة عاقر فهي تحبل، وإذا وضع على الجروح فهو يختم.

وإذا كانت زوجتك تبغضك، اكتب لها أسماء القمر في سبع حبات من التمر أو التين وقدمها لها، فإنها تحبك بعد أن تعمل لها حجابا كتبت فيه سورة يوسف بالزعفران.

وتقول البارابسيكولوجيا إن الأسماء السريانية سبعة: للطهطهطيل، مهطيل، قهطيطيل، فهطيطيل، نههططيل، جهلططيل، ولحهططيل. فإذا أردت إحضار امرأة لمضاجعتها، اكتب الاسم السابع يوم الجمعة واعطه للطالب يحمله واكتب الأسماء الستة على شيء حلو، فإنك تحصل عليها. وإذا أردت فصل الرجل عن المرأة فخذ خيط حرير من سبعة ألوان وافتلها خيطاً واحداً ثم اجلس يوم السبت والقمر ناقص النور في برج الجدي واعقد في الخيط سبع عقد وقل الأسماء سبع مرات على كل عقدة، ثم اجعله في حلزونة واختم عليها بزفت وادفنها في قبر لا يزار. وفي سبعة أيام يحصل الطلاق.

السبعة ضد طيبة

تخبر الميثولوجيا اليونانية عن " السبعة ضد طيبة " وهي حرب للإطاحة بأثيوكليس. رفض أثيوكليس أن يقدم عرش طيبة لأخيه بولينيس بحسب الاتفاق الذي يقضي بالتناوب السنوي، فذهب بولينيس إلى أرغوس، فجمع بمساعدة أدراستوس جيشاً يؤيده في قضيته ضد أثيوكليس، في قيادة سبعة هم: أفمياروس، كابانيوس، هيبوميدون، بارتينوبيوس، تيديوس، بولينيس، وأدراتوس. وجاءت النتيجة بأن كل أخ قتل أخاه، فانتهت الحرب بمقتل الأخوين، ومن السبعة لم يبق حيا في هذه الحرب سوى أدراتوس، القائد الأعلى للجيوش.

 

ا.م .هديل عادل كمال

 

عبد الخالق الفلاحالمسار الاعلامي في العراق يمر بازمة وتأثر بسبب المراحل الزمنية الصعبة والعصيبة التي مر بها منذ اكثر من اربعين عاماً بمطبات وانتكاسات ومضايقات وانتهاكات .وزاد الطين بلة الانفتاح الاعلامي بعد 2003 الغير مبرمج لضعف القواعد القانونية التي تقف حائلاً امام الاتهامات والاختراقات والتخلفات والتجاوزات البعيدة عن الحكمة. لذا نشاهد الكثير من الكذب والافتراءات الباطلة بين الاحزاب والتيارات والشخصيات المنظوية تحت ألوية تلك الكيانات وتطل علينا من خلال تلك الوسائل واستغلالها بثمن بخس بعيداً عن العرف الاجتماعي والثقافي الرزين واهم من ذلك كله الوازع الديني والاخلاقي الذي يُعرف به مجتمعنا ودخول مفاهيم ومصطلحات جديدة لم تكن معروفة لدينا سابقاً وقد شاهدنا اكثر وضوحاً في المرحلة التي تسبق الانتخابات وبعدها وزادت وتيرتها وزدادت ايضاً فلتات اللسان وتصاعدت بشكل يبعث على الاسى الى ما بعد الانتخابات وقد اثرت على الوضع النفسي وسلامة الشارع العراقي…نحن اليوم قلقون من سقوط القيم الاخلاقية الصالحة عند البعض في المجتمع …المعول من اولئك الافراد الذين يتحتم عليهم الدفاع عن تلك القيم المجتمعية الناصعة التي تسود منذ الاف السنين العمل الجاد لوقف مثل هذه الافعال المشينة (لان المتهم برئ ما لم يثبت ادانته) ويوجب عليهم الحفاظ على كرامة الانسان والاخلاق السمحاء والتوجه نحو الاصلاح وشد العزم قبل فوات الاوان والوقوف امام تلك الفقاعات والاتهامات الباطلة والكذب والتسقيط المبرمج حفظاً على اواصر المحبة بين اركان المجتمع…ان بلدنا يحمل في طياته معايير العزة والشموخ ولدينا كبار الشخصيات الدينية والاجتماعية والسياسية والثقافية يمكن ان نفتخر بهم ونحافظ عليهم من غبار التلوث ويجب ان نحترمهم لابل نقدسهم لانهم الراسمال الابدي في الحياة ...

أما الاعلام فيتحمل المسؤولية وأصبح مادة دسمة يمكن ان يباع ويشترى فيه القلم لخدمة اغراض فئوية مختلفة في المجتمع بعيداً عن مصاديق العمل والمهنية والاخلاق لان بعض الاعلاميين باعوا أقلامهم (اقول بكل شدة البعض وليس الكل ، لان هناك اقلام شريفة لا يمكن لها خلع لباس العفة ولا تقبل المهادنة) بأبخس الاثمان لا توازي تاريخهم وتم استغلالهم لتسقيط الاخرين مع جل احترامي لمن يحمل الصفات الحسنة الملتزمة وهم كثرةً والحمد لله في وطننا...

ان سياسة التجريح وهتك الحرمات والتجاوز على سمعة الافراد والمجتمع يجب ان يكون خطاً احمراً لايجوز المساس به وعبوره بهذه الراحة مهما كانت الاسباب كي نحافظ على مورثنا الغني تاريخياً وعقائدياً…ان اعدائنا يستغلون الفرص الان وفي هذه الظروف كل السبل الرخيصة للايقاع بوحدتنا ويسعون لمسخ الهوية الثقافية بوسائل دنيئة لغرض ترويج المثل الدخيلة وابعاد مجتمعنا عن هويته….وهذا القلق يمكن مشاهدته في جميع التجمعات والندوات الثقافية والاجتماعية والسياسية وجهات اخرى وعند الطبقات المختلفة في المجتمع وعن قرب وهم يتكلمون بحرص عن هذه الاخفاقات والافات لاحساسهم بالمسؤولية الملقاة على عاتقهم لانهم جزء لايتجزء من هذا الوطن وهم اكثر حرصاً على ثبات القيم الاصيلة وعدم رواج الانحرافات التي تؤدي الى سقوط تلك الثوابت.. والان اصبح معلوماً عند الجميع والقلق على اشده لمستقبل غير واضح المعالم اذا استشرت تلك الظواهر بالنمو ودون ان يقف العقلاء من كبار القوم امامها.

على هؤلاء التوقف عن كيل التهم لبعضهم البعض الاخر دون وجهة حق ونضع ايدينا معاً لدراسة المشاكل والمعوقات الاساسية التي يعاني منها وطننا بعيداً عن المفاهيم الغير منطقية ودون توجيه الاتهامات وبروح المواطنة والحرص على الاطر الواقعية التي املاها علينا ديننا الحنيف والابتعاد عن التشكيك والتضليل والخروج بخارطة طريق تبعدنا عن الانحراف والمخاطر الجمة التي قد تطيح بقيمنا الرفيعة…والاستفادة من مخزوننا الديني لحماية المجتمع من الزلل والانحطاط الذي يريده الغير لنا …علينا ان نكتب بوحي من مايرضي الله سبحانة وتعالى. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ). ان المرحلة تتطلب من الجميع العمل من اجل الحفاظ على ارثنا وقيمنا وثقافتنا الغنية بالمثل وعلينا التوجه لاصلاح الخلل والابتعاد عن الشائعات والتحقق السليم من كل خبر له مساس بحياة افراد مجتمعنا وكفانا الاطاحة ببعضنا البعض الاخرحتى لانقع بالاخطاء القاتلة التي تطيح بثروتنا الغالية وميراثنا الغزير بالمفاهيم القيمة الرائعة والعمل على خلق أسس جديدة لتاريخنا السياسي والاجتماعي والثقافي المعاصر وحفظ الارث الحضاري والتاريخي والديني ولنرسم صورة زاهية ومستقبل زاهر وحياة هنية بعيدة عن الصراعات والتقاطعات ويجب ان تُدرس الامور بحكمة وعدم العبور منها مثل أي ورقة سياسية باهتة دون الاهتمام لكي نبعد المخاطر عن مواطنينا وبلدنا والحفاظ على استقلاله وكيانه...

 

 عبد الخالق الفلاح - كاتب واعلامي

 

زهير الخويلدي"للتأكد من صحة الأدلة العقلية لا بد من تطبيقها على المحسوسات تطبيقاً مادياً وذلك في كافة حقول العلم المتنوعة".

يعد أبو الريحان البيروني من أعظم العقول التي عرفتها الثقافة التي تخصنا في الحقبة الوسيطة ونابغة زمانه وذلك لتخصصه في العديد من العلوم والصناعات ولكثرة تنقله بين الدول والأمصار وكتاباته، فلقد عاش بين سنة973 و1048ميلادي في خوارزم بإقليم خراسان وأقام بجرجان والري وزار الهند والصين.

يعتبر من أول القائلين بأن الأرض تدور حول محورها وذلك بعد إدخاله الرياضيات في دراسة علم الفلك وتوصل إلى حساب المثلثات وخطوط الطول والعرض والقول بالفرق بين سرعة الضوء وسرعة الصوت والى تحديد المسافة التي تفصل الأرض عن القمر والشمس بشكل تقريبي وهو ما اثبت العلم صحته لاحقا.

لقد جمع البيروني بين الجيولوجيا والتاريخ والفيزياء والرياضيات والطب والصيدلة والفلسفة واعتبره المؤرخون مؤسس علم الإنسان أو الأنثربولوجيا وذلك لنظرته الموسوعية الشاملة وإحاطته بكل ما يتعلق بالشأن البشري من أنشطة وآثار ومؤلفات وعلوم وبرع بالخصوص في علم الفلك التجريبي والميكانيكا.

برع في الجغرافيا وابتكر سبع طرق في تحديد اتجاه الشمال والجنوب واخترع نظاما رياضيا يدلعلى بداية وانتهاء الفصول ووظف علم التنجيم لتطوير علم الفلك والرياضيات وابتكر أنظمة جبرية لحل المعادلات من الدرجة الثالثة وقدم أطروحة عن الظلال واستعانة بالتجربة وتمكن من حساب نصف قطر الأرض.

 لم تمنعه اهتماماته بالعلوم التطبيقية من المساهمة في الأدب العربي والنقد الشعري وعلم الكلام والفلسفة وخاصة اتقانه للعديد من الألسن واللغات وخاصة العربية والفارسية والإغريقية والسريالية والسنسكريتية.

ساهم في قيام علم الأرض وأسس الكثير من التخصصات الدقيقة من الرياضيات وسمي بأب الجوديسيا وتخصص في دراسة الهنود والشرقيين واهتم بمعتقداتهم وأديانهم ولغاتهم وثقافتهم ونظم الحكم لديهم.

تأثر بأرسطو وتعلم على يد منصور ابن عراق وناقش الخوارزمي وراسل بان سينا والتقى بمسكويه واحتضنه الأمير أبي العباس مأمون ابن مأمون وشجعه السلطان محمود بن سبكتكين حاكم غزوة وألف في العديد من المجالات مثل الصيدلة والطب والفلك والمعتقدات والآراء وترك عددا هاما من المؤلفات والكتب مثل "تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة" و "المقالات والآراء والديانات" و"مفتاح علم الهند" و"جوامع الموجود في خواطر الهنود" و"الجماهر في معرفة الجواهر" و" الآثار الباقية عن القرون الخالية" و"الاستيعاب في تسطيح الكرة" و"التفهيم لأوائل صناعة التنجيم" و"التعليل بإجالة الوهم في معاني النظم" و"القانون المسعودي" و" التنبيه في صناعة التمويه" و"الإرشاد في أحكام النجوم" و"العجائب الطبيعية والغرائب الصناعية" و"الشموس الشافية" و"الاستشهاد باختلاف الأرصاد".

لقد أوجد البيروني الوزن النوعي لعدد من الأحجار الكريمة والجواهر الثمينة مثل الألماس والزمرد والياقوت واللؤلؤ وحدد الكثافة النسبية لعدد من المعادن مثل الحديد والبلور الصخري والزئبق والنحاس.

غير أن الدراسة الأنثربولوجية الهامة التي أجراها للهنود في مستوى طرائق عيشهم وعاداتهم وتقاليدهم ومعتقداتهم وخصائص لغاتهم وأعيادهم وأطعمتهم ومعاملاتهم هي التي جعلت منه أول عالم أنثربولوجي. في هذا السياق نجده يقول: "إن العالِم الحقيقي هو الذي يبتعد عن التعصب لرأي ويبتغي الحقيقة المطلقة بمعزل عن الأهواء والرغبات، وهو الذي يسعى وراء الحقيقة لأنها حقيقة، لا للتظاهر والمفاخرة بالمعرفة، فالتواضع من أهم صفات العالم".  فماهي إسهامات "بطليموس العرب" في قيام علم الفلك الرياضي وتفجير الثورة العلمية الحديثة؟

 

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

.......................

المراجع:

أبو الريحان البيروني، القانون المسعودي، دائرة المعارف العثمانية، حيدر أباد الدكن، الهند، طبعة أولى 1954، طبعة ثانية مكملة أنجزها إمام إبراهيم أحمد بالمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بالقاهرة،1965.

أبو الريحان البيروني، تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة، دائرة المعارف العثمانية، حيدر أباد الدكن، الهند، 1958، 548 صفحة.

أبو الريحان البيروني، الآثار الباقية عن القرون الخالية، دار الكتب العلمية ، بيروت، طبعة 2000.

 

صادق السامرائيالأساطير ربما يصح وصفها بأنها حكايات أو قصص متخيلة تدور حول إلهٍ متخيَّل.

أو يمكن القول أنها حكاية تقليدية تروي أحداثا خارقة للعادة، أو تحدّث عن أعمال الأبطال والآلهة، ومع الزمن تطورت وصارت تتصل بأناس حقيقيين.

والأساطير أول ما إنعكس في الواقع السلوكي من مكنونات النفوس البشرية، وتبدو كأنها أكاذيب للهروب من مواجهة الحقيقة.

ومبعث الأساطير واحد مفاده البحث عن جواب لأسئلة غيبية خلاصتها، لماذا أنا موجود، ومن أين جئت وإلى أين سأذهب؟

هذه الأسئلة المقلقة المرعبة دفعت بالبشر، لكي يحصل على بعض السكينة والطمأنينة، أن يُجهد مخيلته ويأتي بقصص وحكايات ومرويات تبعث في نفسه وهْمَ المعرفة والدراية، وتمنح وجوده المعنى الذي يساعده على التواصل والبقاء.

فأول خطوات البشر فوق التراب كانت مترافقة مع تساؤلات ومخاوف وتوجسات وحيرة وإضطراب ، فهو يتحرك في عالم مجهول ويرحل إلى عالم مجهول، وما بينهما يجد نفسه مقيدا بالحياة ومهددا بالموت، وهو في حرب شعواء مع ذاته وموضوعه.

ولا يُعرف مبعث هذه التساؤلات هل هي كامنة وتمتلك أجوبة مغروسة فيه، ولهذا إهتدى إلى الآلهة ومن ثم الإله، فالسلوك متشابه ما بين الأجناس البشرية وفي أصقاع الأرض كافة وفي عصورها منذ الأزل.

وكأن البشر فيه جهاز إعتقادي إدراكي بمنظومة واحدة، وإن تباينت إستحضاراتها ورموزها التعبيرية عمّا تعكسه من مدارك وتصورات.

فالمجتمعات البشرية إنطلقت في مشوارها وهي محكومة بمعتقدات وتخيلات وآلهة ومعابد، وطقوس وتفسيرات وتأويلات تطلقها مخيلتها، وتتراكم وتتعزز بالتكرار والتعاقب، الذي يساهم بتحريرها وتحويرها وتطويرها والوصول بها إلى ذروتها التعبيرية والتصويرية، ويضخها بطاقات إنفعالية وعاطفية ترسيخية لا يمكن أن تقاوَم أو تتعرض للشك والسؤال.

ولو تأملنا أي مجتمع لظهر لنا أن له أساطيره ومعتقاداته وآلهته، التي تطورت وأثرت في السلوك الجمعي، وأرست دعائم الإنضباط السلوكي والأخلاقي والقيمي، وهي قوى قاهرة وخارجة عن إرادة البشر، وتتحكم بمصيره، فهو الكائن الضعيف السابر لأغوار المجهول البعيد.

وقد تكون الأساطير من أول الوسائل التي إستوجبت الفعل والحضور للتحكم بالسلوك البشري، الذي لا يمكن تهذيبه وتنظيمه إلا بقوة قاهرة متصوّرة، وربما يكون أحد الذين توقدت أذهانهم وتحير في مواجهة التفاعل مع الآخر، بأن إبتكر هذه الحيلة السلوكية لكي يلجم جماح البشر ويهذب سلوكه.

فالبشر في أول عهده بالحياة لا يختلف عن الموجودات المتوحشة المتحفزة، المترعة بالعداء وبطاقات العدوان والإنقضاض على الآخر، وليس من السهل أن يكون في جماعة ويؤسس لمجتمع من غير ضوابط سلوكية وأحكام رادعة وحاسمة.

فكانت الرموز الغيبية ذات الطاقات الخارقة الفاعلة في الحياة، والتي بموجبها يتحدد السلوك وتمضي الأيام بموازنة بقائية، كفيلة بالتواصل والتفاعل الإيجابي المساهم في ديمومة المجتمع وقوته وقدرته على التحدي والنماء.

والمسيرة البشرية تشير إلى أنها مرت بمراحل عصيبة ومريرة، تصارعت فيها المعطيات المتخيلة مع بعضها، حتى إنتهت إلى حالة يمكنها أن توائم وتساهم في الحفاظ على البقاء البشري وتمنحه فرصة بناء الحياة وتطويرها.

كما أن هذه الأساطير قد أرضت الحاجات الكامنة في أعماق البشر، فهي أرضت ما فيه من طاقات ما بين الحب والعدوان، إذ وفرت له الوسائل الكفيلة بالتعبير عن الحالتين، فيمكنه أن يعبر عن حبه وعدوانيته، كما تسوغ له فعل الشر والخير معا.

 

ولكي تتعرف على الحقيقة السلوكية لأي مجتمع عليك أن تدرس أساطيره، وتفهم آلياتها ومكوناتها ورموزها ودلالاتها وما تذهب إليه، فالأساطير هي الصورة الحقيقية لما نسميه باللاوعي أو المطمور الفاعل في البشر، ويمكن القول أن اللاوعي يتمثل بالأسطورة.

فالأسطورة إجتهادات فردية وجمعية لمواجهة المصير، والوقوف أمام حجب الغيوب تستدعي إستحثاث الطاقات الإبداعية وتسخيرها لإختلاق ما يفسر ويبرر الواقع الذي تكون فيه الأحياء، فالوجود مجهول، ولكي يتم إخضاع المجهول لإرادة المعلوم لا بد من الأساطير.

والأساطير مراحل لتمنية الوعي والوصول إلى ضفاف المعرفة الحقيقية لأسرار كونية ووجودية تستعصي على الفهم والإدراك، وهي محاولة لزيادة مساحة الإدراك.

والأسطورة نزعة نفسية كامنة في الأعماق البشرية تستحضر قوةً أو إلها في صورة، أي أن البشر يحوي جهازا عصبيا لصناعة الأسطورة، ولهذا فأنها ستبقى حية في الأجيال، وإن تبدلت موضوعاتها ورموزها، لكنها تشترك بأنها تتمحور حول موجود أو غائب متصوَّر.

فالدماغ البشري يحوي دوائر عُصيبية لإبتكار أي شيئ، فالمبتكرات أفكار مبثوثة في الكون الذي نمرق فيه.

وليس مستغربا القول بأن الأساطير ما هي إلا مراحل أولى في صناعة وتطور وبناء الأديان، فلكل دين أساطيره وموروثاته المتخيلة، التي ترسخت وتحولت إلى ثوابت يقينية ومرتكزات إيمانية لا يمكن زحزحتها ومساءلتها، وهذه الحالة مشتركة في الأديان وتعد من أعمدتها وجوهر كيانها، وما حولها تدور التعاليم والمبادئ وما ينطق به الدين من رؤى ومنطلقات عقائدية وتشريعية.

والأساطير يمكن توظيفها وتسخيرها لتحقيق رغبات ومصالح القوى الفاعلة في المجتمع، التي تستخدمها للتحكم بالآخرين، وتضيف عليها وتحورها بما يخدم القوة القاهرة ويعزز تأثيرها وقدرتها في القبض على الحكم أو السلطة، حتى ليتحول رمز القوة إلى أسطورة سائدة ومتداولة بين الأجيال.

والبشر لديه نزعات لتأليف الأساطير وكأنها رغبة كامنة فيه وتتضح عند الأطفال ومتخيلهم، فالأطفال يمكنهم أن يؤلفوا الأساطير، وتتعجب من سردياتهم المستحضرة من عجائب ما فيهم من المطمورات المتراكمة عبر الأجيال المترافدة.

وقد يسأل القارئ لماذا إقتربت من الأسطورة؟

والجواب أن علماء النفس البارزين قد أمعنوا بدراسة الأسطورة، ومنها أسسوا لمصطلحاتهم وتوصيفات العقد السلوكية التي إبتكروها، وكأنهم قد أدركوا بأن الأسطورة هي التعبير الأصدق عمّا في النفس البشرية من الكوامن والمطمورات والتطلعات، ولهذا أرادوا القول بأن الفهم الأصوب للنفس لا يمكنه أن يتأتى من دون معرفة الأسطورة، وتأمل خباياها وعناصرها وآلياتها التعبيرية والتصويرية.

ويبدو أن إقترابهم فيه موضوعية وعلمية، فلكي ننقب في النفس البشرية علينا أن نغوص في أعماق الأساطير، التي تحكمت بالسلوك وأسست لسلسلة من الضوابط والمسلمات، التي درجت عليها الأجيال لكي تحاول البقاء والرقاء.

والتفاعل مع الأساطير كأنه القيام بحفريات أو تنقيبات نفسية بحثا عن الدلائل السلوكية والعلامات المرشدة نحو غاية ما.

فالأسطورة، تخبطات فكرية متخيلة في رحلة البحث عن القوة الكونية القاهرة لكل شيئ، وهي تعبيرات عن نبضات الخيال المطمورة في الأدمغة البشرية وربما أدمغة الموجودات الحية الأخرى.

فلكل مخلوق أساطيره الذاتية والجمعية، والناس تطارد سراب أساطير.

وللأسطورة تأثير كبير وقوي في حياة الأشخاص، وهي التي تتحكم برسم خارطة طريق وجودهم بمداد اللاشعور الفاعل فيهم.

ولهذا فلا يمكن إنكار أهمية الأسطورة في فهم السلوك البشري الفردي والجمعي.

 

د. صادق السامرائي

 

عماد عليمن يكون له المام بسيط بتاريخ الاديان والاساطير وكيف برزت او انبثقت اي منهم في ارضية ما والظروف الاجتماعية العامة التي كان فيها وتوسع وفرض نفسه وكيف تعامل الوسط بالجديد المحتوي على القديم بلا شك. والمعلوم فانه ليس هناك اسطورة او دين او قصة خيالية او ملحمة ولم تكن لها صلة بتة باخرى سابقة لها او متزامنة معها سواء كانت في محيطها او بعيدة عنها او قريب من مرحلتها زمنيا. ولو دققنا في محتوى اي من القصص والسرد التاريخي نلمس التشابه  فيما بين جميعم باختلافات بسيطة وفق المتغيرات. الفرق بين بعض واخر هو اضفاء القدسية قط وفرض عدم المس به باي شكل كان مع التشدد في الدفاع عنه مع الاهمال التدقيق ومنع التعرض للنقد في مقابل الهجوم على البعض الاخر المنافس، نتيجة الصراع والمنافسة والمماحكة  وما تفرضه مصالح من يحمل جوهر الفكر المغاير  او ان كان هناك مبادرة طرح الجديد المخالف للاخر او حتى  المتماهي معه دون الاعترف بذلك.

من ينتقد نصا ادبيا ليس بشرط ان يرفضه تماما، وكما هو المعلوم فان النقد هو بيان الايجابي والسلبي والصح والخطا والجانب الجيد والسيء لاي نص كان وطرح الافضل او البديل ان تمكن الناقد في ذلك. ان اضفاء القدسية للنصوص وضع حاجبا كبيرا امام المتمعن والمتامل بحيث فرض الشرط الحازم عليه والحاسم بتفكيره وما عليه بان يكون من المفروض ان لا يحمل اي شك في تقييمه وكانه يجب ان يتقبل ما يرى دون التفكير العقلاني الذي يمكن ان يبرز لديه في اقل تفكير مجموعة من الاسالة حول المعروض للرؤية والتفحص.

المتغيرات فرضت الكثير من المعقولات امام الناظر والناقد العقلاني بحيث لا يقدر ان يبقى ساكنا عن ما يتاكد من وجود التناقضات او بالاحرى الخلل في المعروض نتيجة  عدم تصحيحه او جاء خطئا من اساه في ظروف فرضت عدم تقييم الموجود منذ قرون بعقلية متفتحة اكثر تطورا من زمن انبثاق المعروض دينا كان ام اسطورة او حتى حديثا او قصة او فكر .

ومن هذا المنطلق يجب ان يفكر من يجمل العقلية السلفية بانه يفرض على نفسه ما لا يمكن لاي انسان عصري ان يفرضه على نفسه ويخدع به نفسه ما يحمل من العقلية الحداثوية غير الجامدة ان كان كذلك وهذا ما يدعيه جميعهم كما نرى في عصرنا. وعليه اصبح الدين ايديولوجيا عند من يتمسك المنتمي به دون ان يراه بعين ناقدة او عقلية باحثة في جوهره وتركيبه، وربما يكون مفروضا عليه هذا نتيجة عوامل خاصة او عامة محيطة به وما تفرضه عليه مصالحه وخصوصياته، وهذه حال اكثر في وقتنا.

و المغريات امام انفتاح العقل من الوسائل العلمية المتوفرة التي تطرح يوميا امام الجميع للتمعن وو تدفعه بشكل طبيعي الى التدقيق في كل ما مضى او ما سجله التاريخ وما هو متمسك به من الافكار والنصوص الفكرية والدينية وفق سمات وظروف اية مرحلة برزت فيها، فلابد ان يجمع قواه وهو يفكر كابن مرحلته ويرى طريقا مناسبا لعصره، او ينتقل بنفسه لتلك المرحلة التي انبثق به المعروض المعني من التدقيق والتقييم او النقد، وعليه يمكن ان يخرج بنتيجة وهو صحة المقصود وما يُقيم كما كان في مرحلة ولادته او انبثاقه. وعليه، عندما ينتقد احدنا الدين واهميته ووجوب بقاءه او محاولة ازالته او تقليل افرازاته السلبية او بيان ما فيه من السلبيات وعلاجها وما ينتج من العوائق امام السير السليم للمعيشة العقلانية، فليس بشرط ان ينعت المهتم بحاقد او عدو للموجود امامه وحتى ان انتهى تاريخ صلاحيته، وكما يفعل العاطفيين من المتمسكين بما هو الخطا نتيجة الحنين للماضي كان او ظروف خاصة شخصية او التزام بالقديم لرفض الجديد وان كان مشوها او خطا من اساسه وحتى في مرحلته او تحول لديه ما يتمسك به الى مصلحة بذاتها او الى الية او امل لتوفر المصلحة. وعليه يمكن ان نفرق بين الناقد والمنافس او المناقض لاي فكر او نص يريد تقيمه، والاكثر تشويها لعملية النقد وبيان الفحوى لاي نص او فكر او ايديولوجيا هو فعل المتزمتين الملتزمين بما يؤمنون به او مفروض عليهم وهم عالقون في وحل الظروف الخاصة والالتصاق بما يوفر المستلزامات الحياتية  لهم.

كل فكر ولد في مرحلته ولا يمكن ان يكون صالحا لكل المراحل مهما كان جوهره، والملاحم والاساطير التي سجلت قبل الاديان لا يمكن ان ندعي بانها حقيقية  او من رحم الحقيقة والواقع، وهذا ما يُفرض ان يحدث من عملية التقييم الصحيح ويُنتقد وحتى يُرفض بشكل مطلق، ولكن اننا نواجه اليوم بخلو المرحلة من المنتقد المعلن وليس هناك من يرفض او حتى يعارض على ذلك ان كان عقلانيا، عندما تتبين صحة الانتقادات اليه وبيان سلبياته، ان كان اي نص او رواية طبيعية وهي لم تضف اليه صفة التقديس،سيكون الامر طبيعيا اما الاديان التي اضفيت اليها هذه الصفة التقديسية غيرقابلة للنقد او المس بها  نتيجة الخوف عليها او ضعفها او ربطها بالغيب وعدم التاكد من صلاحيتها او مقاومتها امام النقد والتفكير العقلاني، فانها فرضت على الناس باكراه وبقيت على حالها لحد الساعة، الا ان التغييرات الجوهرية في ظروف المعيشة والتقدم العلمي وفرت ساحة واسعة امام التفكير العقلاني المتفتح لاعادة النظر لكل النصوص والمتوارثات تاريخيا نتيجة ما يفرضه ماهو الصحيح فارضا نفسه على الخطأ مهما الصقت للنص او المعروض صفة القداسة وفرضت عدم المساس به او حتى انتقاده علميا حياديا.  وهناك فيمكن لاي كان مهما كانت مبادئه ان ينتقد الدين اي كان وفق عقليته وامكانياته دون ان يكون ضد اي دين وحتى ان انتقد ما يتمسك ويؤمن به بذاته، فالنقد يفسح الطريق الصحيح امام الجهود المبذولة لمعرفة الصحيح والحق، فالمنتقد للدين ليس بشرط ان يكون ضد الدين، اي دين كان، ولا ي فكر او فلسفة يمكن ان يحملها. والاصح انه من المحتمل ان من ينتقد الدين بشكل عصري صحيح وان بين صحته وايجابه فانه يلتزم به اكثر ان راى بنفسه وتاكد من صحته علميا، ويمكن ان يتغير نظرته ويلتزم بالبعض المفيد وان يرفض ما يضر، والاهم انه فرض على نفسه ان يدخل في باب النقد بعقليته الحديثة الحالية لاضاءة طريقه كي لا يسير وكانه في القرون الغابرة على طريق حالك الظلام.

 

عماد علي

 

عامر صالحتداولت وسائل التواصل الأجتماعي صعوبة الأسئلة في بعض المواد الدراسية في الأمتحانات الوزارية في العراق ومنها مادة اللغة العربية لطلبة الثانوية. يبدو الحديث هنا عن جزئية بسيطة في اطار ازمة التربية والتعليم في العراق عموما والتي تجسدها غياب فلسفة تربوية وما يتبعها من غياب لأهداف التربية والتعليم على مستوى المراحل الدراسية وكذلك على مستوى الأهداف الخاصة للمواد الدراسية. فالصعوبة في صياغة اسئلة المواد لا يعني ابدا ان العملية التربوية والتعليمية بخير وتتمتع بكفاءة عالية وتنعكس بدورها على صعوبة الأسئلة الأمتحانية.

المهم في العملية التعليمية هو ان المعارف الأساسية المطلوبة قد وصلت الى ذهن الطالب وتمثلت في سلوكه وعقله كأنماط سلوكية ومعرفيه وبالتالي فأن الأسئلة الواقعية والمعقولة الصعوبة تأتي تتمة لجهد الطالب والمعلم خلال سنة دراسية كاملة. الأمر في الأزمة هو صراع التعليم الحكومي مع التعليم الخاص وتمترس الفساد في كلا المؤسستين وغالبا ما يكون الطالب موضوعا للأبتزاز والأستغلال واخضاعه لألية المنافسة غير النزيهة وشراء جهد الطالب عبر الدروس الخصوصية واخضاعه لمنطق البيع والشراء في اشتراطات النجاح.

الطالب يتحمل جزء من هذا الفشل عبر جريه وراء ملخصات سريعه وسهلة يقدمها سوق بعض المعلمين  ووتأتي الأسئلة هنا خلاف لتوقعات الطالب وولكن اصلاح ذلك يمر عبر اعادة بناء منظمومة التربية والتعليم بعيدا عن المحاصصة والخصخصة الملوثة ووالطلبة في النهاية هم ضحية النظام التعليمي والتربوي الذي اصبح ومنذ سقوط النظام الدكتاتوري في 2003 فريسة لنظام المحاصصة الطائفية والأثنية ووانعدمت فيه الفلسفة التربوية الواضحة التي تستقي مصادرها من معطيات التقدم العلمي والتقني والمعلوماتي والبعد الأنساني ووقد فتح فيه باب الأجتهاد والعبثية والارتجال على مصرعيها في تلك المؤسسات التي يعول عليها في بناء الأجيال وتأمين مستقبل عراق آمن قيميا واخلاقيا ومهنيا وعلميا.

أما من حيث ازمة التقويم التربوي العامة لأداء الطلبة فهي في مجملها تقليدية لا تخرج عن نطاق اعتمادها على الأختبارات التقليدية الدورية الفصلية منها والنهائية وويتم التركيز فيها على قياس التحصيل المعرفي في المستويات المعرفية الدنيا ووالامتحانات بصورتها الحالية تقيس فقط القدرة على الاحتفاظ الميكانيكي بالمعلومات والحقائق الجافة وواهمال كافة اوجه النشاطات المختلفة والاهتمامات المتنوعة التي قد يقوم بها الدارسين خلال العام الدراسي سواء داخل حجرة الدراسة ام خارجها ووبالتالي النظر الى تقويم تعلم الطالب بانها عملية روتينية يتم اجرائها في نهاية الدرس او الفصل او السنة ويختزل فيها جهد الطالب على شكل درجات او تقديرات تمنح للطالب ليعرف موقعه بين اقرانه وكذلك ترفع الى السلطات التربوية بأعتبارهذه الدرجة والتقدير هي الحد الفاصل بين المعرفة من عدمها.

ومن هذه الخلفية المعوقة للتحصيل الدراسي الشامل يجري التكالب على الفوز بالأمتحانات وبأي ثمن وسواء من جانب الدارس او المعلم وفالدارس يريد النجاح بأي ثمن ووالمعلم هو الآخر يبحث عن مصادر للدخل في ظل تدهور المنظومة التربوية ووبالتالي تتحول العلاقة بين الدارس والمعلم الى علاقة بين بائع ومستهلك ووعلى مدى ابعد يرتبط بأجندة ارتهان الطالب وتحديد مستقبله في وسط صراع المؤسسات التعليمية وخاصة الخاصة منها التي تنتطر مخرجات سوق العملية التربوية في ظل منافسة غير نزيهة يكون ضحيتها الطالب.

أن اصلاح نظم الأمتحانات او بصورة اشمل تقويم العملية التربوية والطالب في مقدمتها هو جزء من منظومة الأصلاح الشامل للنظام التربوي وعناصره الاساسية والبنيوية ووفي مقدمتها المنهج والمعلم والطالب وهذا يستدعي بالضرورة التحديث المستمر لوسائل تقويم الطالب الشامل المتعدد الجوانب أو ما يسمى بالتقويم الواقعي الشامل الذي يقوم على مبادئ الفهم الصحيح والواقعي لماهية ووظيفة االأختبارات والتقويم المدرسي عموما ووالذي يقوم على مبادئ ابرزها:

ان التقويم الواقعي إجراء يرافق عمليتي التعلم والتعليم ويربطهما معاً بقصد تحقيق كل طالب لمحكّات الأداء المطلوبة وتوفير التغذية الراجعة الفورية حول إنجازاته بما يكفل تصويب مسيرته التعليمية ومواصلة عملية التعلم وفهو تقويم يهتم  بجوهر عملية التعلم، ومدى امتلاك الطلبة للمهارات المنشودة بهدف مساعدتهم جميعاً على التعلم . وهو بذلك تقويم بنائي يستند إلى عدد من المحكّات، ويجعل تمكّن الطالب منها هدفاً منشوداً للتعلم والتعليم. وان العمليات العقلية ومهارات التقصي والاكتشاف هي غايات يجب رعايتها عند الطلبة والتأكد من اكتسابهم لها من خلال التقويم . ولا يتسنى ذلك إلا باشغالهم  بنشاطات تستدعي حل المشكلات وبلورة أحكام واتخاذ قرارات تتناسب ومستوى نضجهم .

والتقويم الواقعي الشامل يقتضي أن تكون المشكلات والمهام أو الأعمال المطروحة للدراسة والتقصي واقعية، وذات صلة بشؤون الحياة العملية التي يعيشها الطالب في حياته اليومية . وبذلك تكون المشكلات المطروحة متداخلة تستدعي توظيف المعارف والمهارات للتوصل  للحلول المناسبة. كما ان إنجازات الطلاب هي مادة التقويم الواقعي وليس حفظهم للمعلومات واسترجاعها، ويقتضي ذلك أن يكون التقويم الواقعي متعدد الوجوه والميادين، متنوعاً في أساليبه وأدواته، ولا تحتل الاختبارات بين هذه الأدوات سوى حيز ضيق. وهذه الاختبارات لا تعدو كونها نشاطات تعلم غير سرية يمارسها الطلاب دون قلق أو رهبة كما هي الحالة في الاختبارات التقليدية .

كما ان مراعاة الفروق الفردية بين التلاميذ في قدراتهم وأنماط تعلمهم وخلفياتهم وذلك من خلال توفير العديد من نشاطات التقويم التي يتم من خلالها تحديد الإنجاز الذي حققه كل طالب  يعد شرطا للتقويم الشامل. وهذه يجب أن تبين بوضوح نقاط القوة والضعف في كل إنجاز، ومستوى الإتقان الذي وصل إليه الطالب بالمقارنة مع محكات الأداء . فهو بالتالي عملية إنتاجية تفاوضية تهيئ للطالب فرصة التقييم الذاتي وفق محكات الأداء المعلومة لديه. ويتطلب هذا التقويم التعاون بين الطلاب . ولذلك فإنه يتبنى أسلوب التعلم في مجموعات متعاونة يعين فيها الطالب القوي زملاءه الضعاف. بحيث يهيئ للجميع فرصة أفضل للتعلم، ويهيئ للمعلم فرصة تقييم أعمال الطلاب أو مساعدة الحالات الخاصة بينهم وفق الاحتياجات اللازمة لكل حالة.

ان هذا النمط من التقويم يركّز على المهارات التحليلية، وتداخل المعلومات كما أنه يشجع الإبداع ويعكس المهارات الحقيقية في الحياة ويشجع على العمل التعاوني، وينمي مهارات الاتصال الكتابية والشفوية كما أنه يتوافق مباشرة مع أنشطة التعليم ونتاجاته مؤكداً بذلك على تداخله مع التعليم مدى الحياة كما أنه يؤمن بدمج التقويم الكتابي والأدائي معاً، ويعتمد على القياس المباشر للمهارة المستهدفة، ويشجع التشعب في التفكير لتعميم الإجابات الممكنة، ويهدف إلى دعم تطوير المهارات ذات المعنى بالنسبة للطالب، ويوجه المنهاج، ويركز على الوصول إلى إتقان مهارات الحياة الحقيقية ويدعم المعلومات التي تعني ب (كيف ولماذا)، ويوفر رصداً لتعلم الطلبة على مدار الزمن، ويعد الطالب لمعالجة الغموض والاستثناءات التي توجد في أوضاع حقيقية للمشكلات، ويعطي الأولوية لتسلسل التعلم أو لعمليات التعلم . ويتطلب تنفيذ التقويم الواقعي الشامل وقتاً لإدارته والرقابة عليه بما يتناسب مع معايير التعليم المفترضة وأن يكون هناك معايير موضوعية للتقويم، كما يتطلب تدريب المعلمين وتقديمه للطلبة بصورة تدريجية بحيث يصبح مألوفاً لديهم لأنه يحتاج إلى مهارات لتطبيقه .

هذه هي جزء من الاتجاهات الحديثة في العلوم التربوية والنفسية التي تعني بشؤون تقويم الأداء ووهي بالتأكيد لا تصلح إلا في بيئة تربوية صالحة مؤمنة بالأصلاح كنهج للتقويم المستمر في العملية التربوية ووهي لا يمكن تنفيذها إلا في بيئة سياسية عامة هي الاخرى تؤمن باصلاح النظام السياسي والحياة العامة على اسسس من العصرنة والتقدم العلمي وتمثل القيم الانسانية في بناء الدولة والمجتمع ووبالتالي نرى ان مشكلة الامتحانات وصعوبتها المفتعلة في العراق هي جزء من مشهد الفوضى والفساد الاداري والمالي وتعثر العملية السياسية الذي ينعكس على كل القطاعات ووقطاع التربية والتعليم له حصة الأسد من مما يجري من فوضى سياسية مجتمعية.

 

د. عامر صالح

 

رائد جبار كاظملقد دأب أكثر الفلاسفة والادباء والكتّاب المثاليين، الطوباويين الحالمين، الغارقين في الخيال، الى صناعة عالم فكري سحري جميل تسوده كل مبادىء الخير والحب والعدل والرحمة والانسانية، عالم بلا حرب ولا صراع ولا خلاف، عالم تختفي فيه كل مظاهر الخلافات والنزاعات والشر، وتنتشر فيه الفضيلة بأسمى صورها ومعانيها، وتنعدم كل صور الرذيلة والفساد فيه، عالم عنوانه السعادة والخير والصلاح، ولا معنى فيه للشقاء والبؤس والفقر أبداً، عالم يوضع فيه الشيء في موضعه، ولا يظلم فيه انسان أو مخلوق ما على سطح هذه الأرض.

لا شك أن هذا الحلم وهذه الامنيات جميلة جداً، ويتمنى كل انسان وكل جماعة مظلومة أو محرومة أن يتحقق وجود مثل هكذا مجتمع سعيد فاضل وصالح، يعُطى فيه كل ذي حق حقه، ولكنني أعتبر أن ذلك محال جداً، وأمر مثالي غير واقعي، هو من صنع أفراد حُرموا من كثير من الحقوق، وفقدوا الكثير من الملذات والشهوات، على أرض الواقع، فما كان منهم الا أن يؤسسوا لهم أماكن ومدناً كما يريدون، يسعون فيها لتحقيق رغباتهم وتعويض أنفسهم ومجتمعاتهم ومن ينتمي لهم للخسائر والحرمان الذي تعرضوا له في سالف أيامهم، ليقنعوا أنفسهم ومن يحبون بالمستقبل القادم، فهو الكفيل بتعويضهم عما فقدوه في حياتهم، أو في سنوات حرمانهم وفاقتهم، فهذا الحلم وتلك الأماني جرعات تعويضية مهدئة تطمأن الروح بأن هناك عالم جميل عادل في المستقبل، وسيتحول فيه كل بؤس وشقاء وألم الى راحة وسعادة ولذة، فمنطق الحياة وسنته لا تُبقي الأمور على أحوالها مهما كانت الأهوال، فلابد في يوم ما أن يتحقق العدل والمساواة والأمن والطمأنينة بين الناس، بعدما عانوا من الظلم والاضطهاد والعبودية، ولكن ذلك ـ في رأيي ـ لن يكون، وهو أضغاث أحلام، ليس من باب التشاؤم وغلق باب التفاؤل، بل أن منطق الحياة والوجود الانساني ينافي ذلك، فلا رحمة ولا عدالة ولا تسامح مطلق بين بني البشر، وكل فرد وكل جماعة تعيش على مصالح الآخرين، ولغة الغاب هي اللغة السائدة في المجتمع البشري، لغة الصراع والنزاع والغلبة، لغة التحايل والمكر والمصلحة الشخصية، وهذا مايدل عليه الواقع والتاريخ، ماضياً وحاضراً، من خلال قصصه وأحداثه ومروياته، بعيداً عن منطق العاطفة والخيال والسحر والبيان، فكل شيء في العالم، علمياً وتاريخياً ودينياً، يدل على أن لغة الصراع والخلاف هي اللغة السائدة بين بني البشر، ما دام الانسان يحمل بين جنبيه نفساً فيها الخير والشر، الحب والكراهية، الحق والباطل، فلن يغير من طبيعته تلك أبداً، الا اذا خلق الله الانسان بهيأة وكينونة ونفس أخرى غير التي هو عليها، فيتحول الى مجتمع ملائكي خالص، لا يعرف للعداء والكراهية والشر شيئاً، ومثل هذا المجتمع لن يكون على الأرض أبداً، فالواقع والحياة والتاريخ، كلها تشير الى عدوانية الانسان وهمجيته وغطرسته وأنانيته، وحبه للغلبة والتسلط وتقديم مصلحته الشخصية على أي مصلحة أخرى، ونفسه توسوس له في كل حين بأنه أفضل خلق الله، وأنه آية الله ويده ولسانه في هذا العالم، وعلى الناس أتباعه في كل صغيرة وكبيرة، وأنه أمين الله وخليفته في أرضه، واجب على الناس طاعته وأتباعه والسير على سيرته العطرة، فهو يهدي الناس الى كل هدى، ويبعدهم عن كل ضلال وردى، وواجب على الجميع الايمان بولايته، والدعوة له، فهو سر الله وخازن علمه ومستودع جواهره وحكمته.

لقد ترك بعض الفلاسفة والأدباء والمفكرين مؤلفات وكتابات كثيرة تبشر بعالم المدن الفاضلة والدول والحكومات العادلة والسعيدة، من جمهورية أفلاطون الى مدينة الله للقديس أوغسطين الى المدينة الفاضلة للفارابي الى مدينة الشمس لتوماس كامبينلا الى يوتوبيا توماس مور، الى الكثير من الكتابات السردية والخيال العلمي في هذا المجال، التي تم تناولها بالدراسة والنقد والتحليل من قبل الباحثين والدارسين، وما يهمنا منها هو معرفة الهدف من كتابة تلك المؤلفات السردية والفلسفية والأدبية، ومدى تحقق تلك الأحلام اليوتوبية من عدمها، وما تركته أحلام المدن الفاضلة من مشاعر وطمأنينة وخيال لدى الشعوب والأمم النائمة والحالمة.

وجهة نظر الكثير من الدارسين والباحثين أن كتابات ومؤلفات المدن الفاضلة والسعيدة انما هي مشاريع سردية خيالية حالمة لا أساس لها من الواقع. وقد عمل هؤلاء الكتّاب والأدباء والفلاسفة الى صناعة عالم يوتوبي جميل، لتشويق الناس للمستقبل وترغيبهم به، أملاً في الخلاص من الواقع الشقي المر المؤلم، ومحاولة لصنع بارقة أمل مستقبلية في حياة الانسان والمجتمع، ليوم موعود يتحقق فيه حلم الانسان ورغبته وطموحه، بعد عناء وشقاء طويل عاشه في تلك الحياة المؤلمة.

وأتفق تماماً مع وجهة النظرالنقدية تلك، التي تفكك وتشرّح الكتابات اليوتوبية بمبضع علمي، بعيداً عن الخيال وجمالياته الأدبية، فالكثير من تلك المشاريع والاحلام السعيدة لم تحقق على أرض الواقع، وكانت دعوات ومشاريع فكرية وأدبية تبث الحياة في قلب ميت، أو محاولة لنقد الواقع السياسي والديني والاجتماعي لمجتمع ما، أو ثورة سردية على نمط ثقافي أو أعتقادي أو فكري ما، ساد في مرحلة زمنية من مراحل التاريخ، بأسلوب أدبي رمزي شيق، يحمل صوراً من الخيال والجمال، والتشويق والأدب الرشيق، ما يستطيع أسعاد الانسان وطمأنته وخلق بصيص أمل في داخله يحاول من خلاله تعويضه عما فقده من أيامه، بعد عناء طويل مع الفقر والحرب والكراهية والعبودية التي مرّ بها. وهذا أمر لا بأس به، من تحقيق تلك المشاعر والأحاسيس النفسية الجميلة، لصناعة قيم انسانية نبيلة، ولكن الأمر المرفوض تماماً هو أن نبقى أسارى لذلك الشعور وتلك الكتابات والمشاريع الحالمة، وأن لا نحرك ساكن من أجل العمل والاصلاح والتغيير، أملاً في تحقيق دولة العدل والرفاهية في المستقبل، تاركين أمرالشعوب والأمم والمجتمعات بيد أناس ظالمين وفاسدين، يصولون ويجولون بهذا العالم، وينهبون خيراته وثرواته، ونحن نغرق بأفيون تلك الكتابات والمشاريع السعيدة الحالمة، التي لا أشك في أن أحدى أسباب تأليفها من قبل البعض هو تنويم هذه الشعوب وتخديرها تحت سطوة تلك الافكار المزيفة، ونشر مثل هكذا فلسفات عدمية تؤجل العمل والتغيير في هذه الحياة ليوم آخر يسعد فيه الانسان ويحيا بنعيم دائم، وهذا ما يجعل أهل الفساد في سعة وحبور وخير وسرور دائم، في هذه الدنيا، في ظل تلك الأفكار الجوفاء، والفلسفات العدمية السحرية الرنانة، أما عامة الناس وبسطائهم فهم يغرقون ببحر الظلم والأمل، وسحر اليوتوبيا وجور الحاكمين، وتحمل المزيد من البؤس والجور والكراهية، أملاً في النعيم المستقبلي القادم، الذي وُعدوا به من قبل قادتهم وحكّامهم ومراجعهم الكبار، ليزدادوا بؤساً الى بؤسهم، وفقراً الى فقرهم، وتعاسة الى تعاستهم، وعبودية الى عبوديتهم، تحت مظلة تلك الافكار والشعارات والمشاريع والفلسفات والخطابات السحرية الأدبية البيانية، التي تدغدغ مشاعر الجماهير وتخدعهم في دنياهم، أما سادتهم فهم في روض وريحان وجنة ونعيم في مخادعهم، لا يشبعون منها ابداً، ولا يخرجون منها حتى بشق الأنفس، فالقوى من يسيطر على تلك الجماهير بهذه الأفكار والفذلكات، ويستطيع غلبتهم بتلك الألعاب الفكرية واللغوية الناجحة التي تحقق المزيد من الهيمنة والسلطة لأصحابها، وتحقق التخلص من كل شخص ينازع هؤلاء على شهوة البقاء والحياة في هذا العالم.فالخلاص الحقيقي هو التخلص من تلك الأفكار والفلسفات والرؤى المثالية الحالمة، لتحقيق عالم عادل وسعيد على أرض الواقع، يعيش فيه الناس بأمن وأمان وطمأنينة تحت مظلة القانون وحقوق الانسان ومحاسبة الفاسدين والظالمين، وما أجمل قول الحكيم الذي رد على صديقه الحكيم الآخر بقوله : اذا رأيت عبداً نائماً فأيقظه وحدثه عن الحرية، بخلاف قول صديقه الذي قال : اذا رأيت عبداً نائماً فلا تيقظه لعله يحلم بالحرية. فما أحوجنا لدولة الخير والعدل والسعادة أن تتحقق على أرض الواقع، وأن نلمسها عياناً جهاراً، دون خطابات وشعارات بيانية ساحرة، تخلب اللب وتسر السامعين.                

 

د. رائد جبار كاظم

 

علاء اللاميالعصر البرونزي هو الذي توصل فيه الإنسان القديم إلى صناعة السبائك المعدنية بمزج أملاح النحاس بالفحم النباتي؛ ثم يُخلَط النحاس الخام بالقصدير. لم يبدأ هذا العصر بداية واحدة في مختلف القارات، فهو إذا كان قد بدأ - وفق أغلب التقديرات- في "الشرق الأوسط" الآسيوي منذ ثلاثة آلاف سنة قبل الميلاد وحتى سنة 1200 ق.م، فإنه لم يبدأ في أوروبا عموما إلا بعد ذلك بخمسة قرون تقريبا.

وقد شهد العصر البرونزي ظهور أولى الحضارات الإنسانية في آسيا وأفريقيا؛ فخلال هذا العصر ظهرت أقدم حضارتين إنسانيتين في بلاد الرافدين بآسيا ووادي النيل بأفريقيا. وقبل الميلاد بثلاثة آلاف سنة، ظهرت الكتابة المسمارية في جنوب بلاد الرافدين -العراق القديم - وبعدها بعدة قرون ظهرت الكتابة الهيروغليفية في وادي النيل.

في العصر البرونزي، كانت البلاد التي نسميها اليوم "فلسطين"، تشهد نهايات عصر نمط حياة الصيد والالتقاط والترحال، فيما يعود ظهور الإنسان على أرضها إلى عهود سحيقة أقدم. وشهِد هذا العصر في عهده الأقدم بدايات مرحلة التمركز السكاني ونشوء التجمعات البشرية الثابتة نسبيا، والانتقال إلى نمط حياة القرى المحصنة؛ ثم "دول المدن". وتشذُّ مدينة أريحا عن هذا التزمين، فقد عاشت هذا الطور قبل العصر البرونزي بعدة آلاف من السنوات ثم اندثرت ثم عادت الى الوجود مجددا. وكان أغلب الخبراء والباحثين يرجحون أن أولى الهجرات الجزيرية "السامية" إلى هذه البلاد هي الهجرة الكنعانية التي حدثت بحدود القرن الخامس والعشرين ق.م. غير أنَّ هناك باحثين بدأوا بمراجعة فكرة الهجرات الجزيرية هذه، وتوصل بعضهم إلى إنكار حدوثها أو التحفظ عليها؛ كما سنبين بعد قليل.

 إنَّ المعطيات التي ظلت متداولة طوال القرن الماضي، تقول إنَّ العصر البرونزي القديم يمتد من 3300 وحتى 2000 ق.م، وخلال الألف الثالث قبل الميلاد، هاجر العموريون "الأموريون" والكنعانيون، وكذلك اليبوسيون والفينيقيون، إلى فلسطين وعموم الإقليم الذي نطلق عليه اليوم بلاد الشام، حيث استقر الكنعانيون في سهول فلسطين، وتركز العموريون في الجبال، واستقر اليبوسيون في القدس وما حولها؛ وهم الذين أنشأوا مدينة القدس وسمّوها في البداية "يبوس"، ثم "أورسالم- أورساليم". أما الفينيقيون فاستقروا في الساحل الشمالي لفلسطين صعودا إلى الساحل في ما نسيمه اليوم "لبنان".

غير أن هذه المعطيات التي اكتسبت نوعا من الشيوع والاستقرار الأكاديمي النسبي لزمن طويل أثارت في السنوات الماضية العديد من التحفظات، وأجريت عليها العديد من التعديلات الجوهرية في اتجاهين رئيسين:

*الاتجاه الأول ينحو منحى التقليل من أهمية اليبوسيين في بناء القدس أو نفيها تماما. فالباحثان الآثاريان الفلسطينيان د. عيسى الصريع و د. هاني نور الدين يذهبان إلى أن المصدر الوحيد الذي ذكر اسم اليبوسيين ودورهم في القدس هي التوراة، والتي لا يعول عليها ككتاب تأريخي موثوق، وهذا هو السبب الأول. أما الثاني، فهو عدم العثور على أي أثر أو سند أركيولوجي مكتوب أو غير مكتوب يؤكد ما ذهبت إليه التوراة حول اليبوسيين في الوقت الذي وجدت فيه أدلة من هذا النوع تؤكد وجود الكنعانيين وهويتهم/ برنامج علمي تلفزي بعنوان "عين على القدس" بثه التلفزيون الأردني في 05.10.2015. ويستنتج الباحثان من هذه المقدمات، أن الكنعانيين الذين تأكد وجودهم من خلال الآثار المصرية الفرعونية والرافدينية والشامية لذلك العصر هم بناة أورشليم القدس، وهم مَن أطلقوا عليها هذا الاسم. ويستدركان، بأن اليبوسيين وملكهم المذكور في التوراة "ملكي صادق" ربما كانوا مجرد أسرة أو عشيرة صغيرة من أولئك الكنعانيين الأوائل. بل أن د. الصريع يذهب أبعد من ذلك، وينفي حصول هجرة كنعانية من الجزيرة العربية إلى منطقة القدس، ويعتبر الكنعانيين قوما من السكان الفلسطينيين الأصليين هويةً ووجودا سكانيا، وقد تطوروا ذاتيا بمرور العهود. ويعلل احتمال عدم حصول هجرة كنعانية من الجزيرة بأسباب بعضها وجيه علميا. ومن تلك الأسباب قوله، إن المناطق التي وجد فيها الكنعانيون، أي في محيط تلال القدس، ليس فيها ما يجذب المهاجرين من مسافات بعيدة، كالمياه الوفيرة والزراعة المستقرة وتربية الحيوان، فالمنطقة المقصودة كانت شبه جرداء وصعبة طوبوغرافيا وجافة مناخيا. ويفسر د. الصريع تعاظم دور الكنعانيين ووزنهم التاريخي لاحقا، بما يسميه "التطور الذاتي" للأقوام الفلسطينية التي كانت تعيش ضمن إطار الثقافة الغسولية. أما د. هاني نور الدين، الذي يتفق كثيرا مع زميله الصريع في ما ذهب إليه، فيسمي هذا العامل "التراكم الحضاري" لمجموعات السكان الأصلية في تلك المنطقة.

أما الاتجاه الثاني لتلك المراجعات والتعديلات على الأفكار السائدة بخصوص القدس في العصر البرونزي، فهو الذي عبر عنه الباحث العراقي خزعل الماجدي في كتابه "تاريخ القدس القديم"، الصادر سنة 2017. فقد اعتبر الماجدي أن فلسطين كانت في العصر البرونزي المبكر أمورية من حيث سكانها وهويتها الأساسية، وأن الأموريين هم الذين بنوا العديد من المدن في وسط فلسطين، وخصوصا في تلال القدس، ومنها مدينة أورسالم على جبل أوفل.

ومن الأفكار المهمة والتخمينات التحليلية الجديرة بالتمعن والتمحيص والإسناد الآثاري التي يطرحها الماجدي اعتقاده (أن الصخرة المقدسة لبيت المقدس، والتي بنى فوقها الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان قبة الصخرة، كانت مقدسة عند الكنعانيين بصفة عامة، ثم عند اليبوسيين بصفة خاصة "..." ورغم أن هذه الصخرة كانت خارج مدينة القدس الكنعانية، وعلى مرتفعات موريا، ولكنها كانت مقدسة مثل جبل موريا نفسه. وتروي الأخبار أن ملكي صادق، كاهن وملك القدس الثانية، كان يقدم الأضاحي والقرابين ويقوم بالطقوس الدينية عند هذه الصخرة. ص 86). وليت الباحث توقف عند تلك الأخبار بشيء من التفصيل والتوثيق؛ لكان ذلك مفيدا وذا دلالة. أما بخصوص الجذور الأقدم لهيكل سليمان في الرواية التوراتية، يسجل الماجدي أن (تقديس الإله شاليم ظل قائما في القدس اليبوسية باعتباره إله المدينة وحاميها، ولكننا لا نعرف على وجه الدقة مكان هيكل شاليم وفيما إذا جدد بناؤه أم لا في العصر البرونزي المتأخر. ص 130). لافتا الانتباه إلى أن علينا (أن نتحاشى اللبس الشائع والخطير الذي يمثله ارتباط "صهيون" باليهود وإسرائيل وغير ذلك، لأن صهيون لا علاقة له مطلقا في بداياته بهؤلاء الذين لم يكن لهم وجود حين أطلقت هذه التسمية على الجبل، فـ"صهيون" اسم كنعاني أيضا، ولكن اليهود الذين مازال على ظهورهم ألف سنة سرقوا هذا الاسم واعتبروه جزءا من تراثهم في مدينة القدس مثلما سرقوا هيكل شليم واعتبروه هيكل سليمان وأصبح مركز عقيدتهم. ص133). ثم يوضح الباحث جذور تسمية "صهيون" ويؤثلها الى صفُن أو صفون، وهو الجبل الذي دفن فيه الإله الكنعاني بعل بعد صراعه المتجدد مع الإله "موت" كل سبع سنوات، حيث تقوم زوجته "عناة" بدفنه هناك. واعتقد أن هذا التفسير جدير بالاعتبار والمزيد من الاهتمام البحثي.

وحين يراجع الماجدي جداول طبقات تربة القدس الأركيولوجية الواحدة والعشرين التي توصلت إلى وضعها البعثات الآثارية الأجنبية خلال القرنين الماضيين، ويتوقف عند طبقات العصر البرونزي، وتحديدا عند الطبقة العشرين، يسجل أن (مدينة القدس قد بنيت في بداية العصر البرونزي المبكر، أي قبل مجيء الكنعانيين واليبوسيين وبنائهم المدينة كما هو شائع، وهذا يشير إلى أن القدس الأولى كانت - موجودة - في العصر البرونزي المبكر، وأنها على الأرجح كانت ذات هوية أمورية / ص71). يبقى كلام الماجدي إذن في حدود الترجيح النظري، ولكنه ترجيح ينطوي على منطق قوي. ومن الأدلة الآثارية التي يستشهد بها الباحث لتأكيد وجود القدس في بداية ومنتصف العصر البرونزي؛ الخزفيات والألواح التي عثر عليها في مدينة ومملكة إبلا، المسمارية الكتابة، (تقع اليوم شمال غربي الجمهورية العربية السورية)، ويرد فيها اسم أورسليم. 

يلخص الماجدي وجهة نظره في هوية بُناة وسكان أورشليم القدس البرونزية فيسجل أن ما يسمى بالقدس اليبوسية، قد ظهرت في نهايات العصر البرونزي، وبعد انتهاء وجود القدس الأمورية - الأولى-، ولكنه يضيف مرجحا أن مدينة القدس في العصر البرونزي الأوسط إنما (بناها عموم الكنعانيين وليس طبقتهم الارستقراطية التي كانت تتزعمها قبيلة "يبوس". أما قدس العصر البرونزي الأوسط فنستطيع أن نطلق عليها اسم "القدس الكنعانية" وبالتحديد "أورسالم" أي "مدينة "سالم" الذي كان إله المدينة الحامي والرئيس لها. ص79).  ونكرر أن هذا الاعتقاد يبقى مهما وواعدا ولكنه يحتاج إلى المزيد من التفحص العلمي والأدلة الأركيولوجية وغير الأركيولوجية الساندة.

أما بخصوص التفسير الجديد الذي يقترحه الماجدي لاسم المدينة "أورساليم/ أورشاليم"، بعيدا عن التفسير الشائع والقائل إنه يعني "مدينة السلام" والمؤلف من المفردة السومرية الجذور "أور" تعني مدينة، وهذا صحيح، وشاليم أو ساليم تعني السلام، وهذا غير صحيح كما يعتقد، لأن معنى السلام من المعاني الثانوية لكلمة سالم في اللغات السامية أما المعنى الأول لها فهو الكمال والتمام. وقد مر بنا التفسير الذي ترجحه كارين آرمسترونغ لهذا الاسم في كتابها (القدس مدينة واحدة، عقائد ثلاث - ص 28)، حيث قالت إنه (هو نفسه الشمس الغاربة أو كوكب المساء).

والتفسير الجديد الذي يقدمه الماجدي يقوم على اعتبار سلم، شلم، شالم أو سالم هو اسم خاص بالإله الحامي والخاص بالمدينة منذ تأسيسها على أيدي الأموريين. ويضف الماجدي موضحا أن سالم (هو ابن الإله إيل، ولكنه لا يأتي عن طريق الاتصال الجنسي بل عن طريق التقبيل والعناق. ص99)، مستندا في تأثيله هذا الى أسطورة كنعانية تعرف باسم "أسطورة مولد الآلهة الجميلة"، ومقتبسا نصها المترجم الى العربية الذي ترجمه أنيس فريحة. والواقع، فإن تفسير الماجدي هذا لاسم القدس يعبر عن وجهة نظر مهمة وقابلة للنقاش رغم أنه يعتمد أساسا على التحليلات والتخريجات اللغوية لمادة أسطورية آتية من مكان بعيد نسبيا عن القدس ومحيطها فقد عثر على ألواح هذه الأسطورة الكنعانية ضمن أساطير أوغاريت الكنعانية شمالي سوريا الحالية قرب اللاذقية، وليس لأثر مادي مباشر؛ سواء كان مكتوبا أو غير مكتوب، من الميدان الأركيولوجي المقدسي؛ ثم أن هوية الأسطورة الكنعانية يمكن توظيفها ضد وجهة نظر الماجدي ولمصلحة إضفاء الهوية الكنعانية لا الأمورية على المدينة.

وبالعودة الى الباحثَين الفلسطينيين الصريع ونور الدين؛ نرى أنهما يؤكدان على أن نمط الحياة الغسولي - نسبة الى تليلات الغسول شمال شرق البحر الميت - والذي وجدت أثاره في مناطق عديدة في فلسطين، منها منطقة القدس، هو الاحتمال الأكثر ترجيحا لأصول السكان المقصودين، والذين أطلق عليهم اسم الكنعانيين وبضمنهم اليبوسيون. وحتى بهذه الحدود، التي يتكلم فيها وعنها الباحثان الفلسطينيان والباحث العراقي، فهذا لا ينفي أن بناة أورشليم القدس وسكانها الأوائل؛ ولعهود طويلة؛ هم جزيريون "ساميون" بالمعنى الإثني العام للكلمة التي تطلق على الفَرْشَة الإناسية "الإنثروبولوجية" للمشرق العربي بين دجلة شرقا وضفاف المتوسط شرقا، وكانت تضم أقواما سابقين للهجرة الجزيرية المفترضة، والذين ما لبثوا أن اختلطوا واندمجوا بهم.

إن فكرة وجود أقوام في فلسطين قبل الهجرة الجزيرية "السامية" المفترضة أمر يؤكده باحثون كثيرون، وقد لخص باحث فلسطيني آخر هو يوسف سامي اليوسف هذه الفكرة تلخيصا ممتازا بقوله (ومما هو جدير بالتنويه، أن معظم المدن الفلسطينية التي أصبحت لها أسماء كنعانية في أواخر الألف الثالث ق.م، لم تكن من إنشاء الكنعانيين على الإطلاق. وليس بإمكاننا اليوم أن نحدد هوية الأقوام التي بنت تلك المدن. وعلى أية حال، فإن الساميين حين وفدوا إلى فلسطين في أواسط الأف الثالث ق.م، قد وجدوا فيها حضارة متطورة صالحة للدخول في التاريخ. ولكنهم سرعان ما طبعوا الإقليم كله بطابعهم بعدما تمثَّلوا منجزاته الحضارية برمتها/ تاريخ فلسطين عبر العصور. ص24).

غير أنَّ وجود بقايا آثارية غسولية لا تقول الكثير من المعطيات بخصوص هوية أولئك الأقوام الأصليين وغير الجزيريين لا يحل الإشكال القائم تماما، وقد يدفع الى طرح المزيد من الأسئلة، بانتظار ما تجود به فؤوس الأركيولوجيا، ولكنه قد يكون مفيدا لمراجعة موضوعة "اليبوسيون بُناة القدس" ووضعها في الإطار الكنعاني الأعم والذي كان سائدا في مناطق واسعة بين الفرات وضفاف المتوسط.

في هذا السياق، يلفت د. الصريع الانتباه إلى أن هناك إصرارا لدى الباحثين "الإسرائيليين" على عملية "تمرحل" تاريخ القدس في العصر البرونزي وتقسيمه الى مرحلة يبوسية؛ ثم أخرى كنعانية؛ تمهيدا لاعتبار ما تبقى من مراحل مرحلة عبرانية يهودية واحدة وطويلة. بل إن بعض علماء الآثار "الإسرائيليين" حاولوا مصادرة العصر الحديدي اللاحق للبرونزي كله، كما تخبرنا الباحثة الهولندية مارغريت شتاينر في كتابها (القدس في العصر الحديدي- ص 178)، وأطلقوا عليه اسم "المرحلة الإسرائيلية" ولكنهم تراجعوا عن ذلك لاحقا؛ ربما بسبب فجاجة هذه التسمية اللاعلمية، وهذا أمر مقصود وغير صحيح؛ ففلسطين، وأورشليم القدس منها بمثابة القلب، بقيت كنعانية طوال تاريخها من الناحية الإناسية "الانثروبولوجية" والعرقية "الاثنوغرافية" وبشكل غالب ورئيس. وهذا الرأي بدوره لا ينفي تماما حدوث هجرات أقوامية في تلك العصور، التي وسمتها هذه الظاهرة الشاملة بوسمها. 

وبما أن كلمة اليبوسيين، يستكمل د. نور الدين كلام زميله الصريع، كلمة غير تاريخية؛ فيجب ألا يقع المتخصصون العرب في التاريخ والآثار في فخها، بما يجعلهم رهائن للقناعة التوراتية غير التأريخية بدورها. والواقع أن حجج الباحثَين الفلسطينيين، نور الدين والصريع، جديرة بالتأمل العميق، خصوصا وهي تستند في المقاوم الأول الى منجزات علم الآثار وما قدمه من الثمار المادية المهمة؛ إضافة الى كشوفات علم المناخ والبيئة.

ومن المعلومات والكشوفات الأركيولوجية اللافتة التي أعلن عنها د. الصريع تأكيده أن الوجود السكاني البشري في محيط القدس يعود إلى ربع مليون سنة ق.م، بدليل المخلفات التي تم العثور عليها في منطقة "سور باهر"، أما في وادي قالونيا - يضيف د. الصريع - فهناك دلائل ومخلفات تؤكد أن الاستيطان البشري في هذه المنطقة بدأ قبل عشرة آلاف سنة ق.م، واستمر حتى الفترة البرونزية المتأخرة وما بعدها. وكل هذا يعني، أن جغرافية القدس العامة تؤكد أن هذه المنطقة مسكونة بشريا منذ أقدم العصور، رغم أنها مرت بظروف جفاف وجدب وقلة سكان في فترات مختلفة، ولكن الاستيطان البشري فيها لا يمكن أن يختصره مظهر واحد من مظاهره في هذا التل المقدسي أو ذاك فقط، أو يذكره كتاب ديني غير تأريخي؛ ولا نجد له أي أثر أركيولوجي ملموس.

نختم بالقول، سواء كان بُناة القدس القديمة في العصر البرونزي هم الأموريون الذي بنوا حضارة بابل وعاصمتها شرقا في العراق القديم، والعديد من الممالك في بلاد الشام الداخلية، أو كانوا يبوسيين أو كنعانيين فهذا يؤكد هوية أورشليم القدس الجزيرية "السامية" وانعدام أية علاقة لها تأسيسا وتسميةً وهوية إثنية أو دينية بالعبرانيين أو بني إسرائيل القدماء.

 

علاء اللامي - كاتب عراقي

.....................

**هذه المقالة جزء من دراسة مطولة حول الموضوع ستصدر لاحقا في كتاب "نقد الجغرافيا التوراتية ودراسات أخرى"، نشر جزء آخر منها في "الأخبار" عدد 4 حزيران 2019. وايضا في صحيفة المثقف

 

 

أصبح تغيير رؤساء الجامعات بأوامر وزارية حالة ملازمة لفعاليات وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، وهو تلازم أظهرته الإعفاءات المتلاحقة، والتي طالت الجامعات الجنوبية خاصة، فأصبح تلازماً لا مفر منه قد لا ينجو منه أي مسؤول في الجامعات العراقية فيما عدا جامعات إقليم كردستان.

والتغييرات الشاملة هذه لم يعرف سببها لعدم تضمين الأوامر الوزارية على الأسباب إلا أنها حملت نوعين رئيسين من الصياغة قد تدل على فحوى الإقالة فأحدهما يتضمن تثمين جهود رئيس الجامعة في خدمة التعليم العالي، والأخرى لا تتضمن تثمين الجهود. فالإقالة بهذا المعنى هي مجردة عن تقييم أداء رئيس الجامعة. وإذا كان الأمر كذلك فجدير أن نتساءل عن الأسباب التي تدفع الوزير الى إقالة معظم كادر وزارته واستبدالهم برؤساء آخرين من دون "وجود آلية واضحة ومعايير محددة شفافة وموحدة" كما أشار اليها بيان نقابة الأكاديميين. وهنا نتفق اتفاقاً تاماً مع مطالبة النقابة بإبعاد توزيع المناصب القيادية للجامعات عن "المحاصصة المقيتة وما يسمى بالتوازن والذي ينذر بتحويل مؤسساتنا الأكاديمية الى واجهات حزبية وسياسية مبتعدة بذلك عن واجباتها ودورها وتقاليدها وأعرافها الاكاديمية العريقة".

إن مثل هذه التغيرات الجذرية في المناصب العليا لم تشهدها الوزارة منذ تأسيسها، فبالرغم من وجود عدد كبير من الاختلالات التي اعترت المنظومة التعليمية، وكثير من الإشكالات التي أثرت سلباً على أداء الجامعات لم نر تغييراً شاملا كمثل الذي يجري حالياً، وما يثير القلق هو انعدام الترابط بين تغيير القيادات، وبين دعم وتجويد العملية الاكاديمية، والمخرجات التعليمية وكسب ثقتها في عالم يتطور ويتقدم باستمرار.

الأسئلة الصريحة والواضحة التي تطرحها قضية الإقالة والتعيين المبتسرة على التعليم العالي في عراق اليوم، تتوزع على عدة محاور:

- ماذا يمكن أن يحدث في جامعات تعاني من اختلال في نظم التعليم، سواء تعلق الأمر منها بالمناهج والمضامين أو المخرجات، وهو ما تعكسه وتترجمه المراتب المتدنية لجامعاتنا ضمن التصنيفات الدولية ذات الصلة.. في ظل سياسات حكومية سريعة لا تعتمد على آليات ومعايير واضحة تخضع لدراسة جدوى وتقييم وتقويم...؟

- ماذا يمكن أن يحدث ببلد يعاني من أزمات الفساد الحزبي، والفساد المالي، ومن المحاصصة الحزبية.. ومن ضعف الإرادات التنموية، والى جانبها يعاني من فرض القرارات السلطوية، ومن تحديات البطالة التي تواجه الخريجين وحملة الشهادات العليا...؟

- ماذا يمكن أن يحدث بجامعات تلتقي على أرضيتها قلق التدريسيين من تجاهل الع-مل بقوانين التعليم الجامعي واحتمالات إلغاء مخصصات الخدمة الجامعية، وقلق الطلاب من البطالة التي تنتظرهم، وقلق الباحثين من انعدام الموازنات البحثية والتراجع في التصنيفات الدولية، وقلق الرأي الأكاديمي المستشرف لآفاق التطور والانفتاح من انعدام الاستقرار وانتشار الآراء المعادية للابتعاث وللتوأمة مع الجامعات العالمية وهيمنة اتجاهات الانغلاق والحصار الذاتي...؟

- ماذا يمكن أن يحدث إذا التقت كل هذه الأزمات.. وكل القلق والغضب على إثرها، بظروف أزمة فقدان قيادات معرفية ذات خبرة إدارية وعلمية، تقترن فيها سيطرة واجهات حزبية وسياسية بما يعود بمنافع ضخمة لمكونات سياسية معينة...؟

لا أريد ولا أسعى الى الإجابة عن سؤال متعدد المحاور، فذلك شأن الحكومة. ولكن إشكالية الفصل الجماعي والتعيين بدون آلية واضحة في ظل انعدام التطوير الأكاديمي والعلمي والإصلاح البرامجي، أصبحت تفرض نفسها على التعليم العالي، وأصبحت تفرض على العلماء والأكاديميين والتربويين، الذين يملكون القرار والذين لا يملكونه، التصدي لها بالدراسة والتأمل والتحليل، والاحتجاج والاعتراض ولو من باب النصح والاستئناس والتساؤل.

ومعروف إن مشكلة القيادات الجامعية وحدها، وبعيداً عن السلبيات المؤثرة الأخرى، كانت منذ نشوء وزارة التعليم العالي، وما تزال تحظى بأهمية قصوى لدى كل الأكاديميين، وزاد الاهتمام بها بعد 2003 عندما أصبحت المحاصصة السياسية والتقاسم الوظيفي للمناصب الاكاديمية سمة أساسية للنظام التعليمي. إلا أن التقاسم الوظيفي بالرغم من كونه فعلاً مشيناً بحق الأعراف الاكاديمية يظهر أحيانا بصورة أسوأ عندما ينحاز نحو جهة أو مكون معين.

فلم تعد هذه المشكلة، وظيفية فقط، وإنما أصبحت تشكل أزمة ذات أبعاد أخرى، سياسية وأكاديمية في غاية الخطورة على الجامعات التي أصبحت بفعل السياسات الحكومية المتعاقبة عقبة كبيرة أمام الإصلاح الأكاديمي، وهو ما يعني انشغال الجامعات والتدريسيين في الصراعات السياسية مما يبعدهم عن مهمة تطوير قابلياتهم الاكاديمية واهتماماتهم الأساسية في التعليم والبحث العلمي ويعزز الرغبة في المناصب الجامعية بعيداً عن الاستحقاق الأكاديمي والعلمي.

الغريب في الأمر إن الجامعات العراقية جربت الآلاف من القيادات حيث أصبح منذ 2003 هدفاً لمعظم الوزراء سواء كان ذلك استجابة لما تتطلبه المحاصصة، أو لكون المسؤول الجامعي الجديد صاحب خبرة ومعرفة أكثر من سابقه. ولم يكن هناك شروط موضوعية ولا معايير أكاديمية إلا في بعض الحالات لاختيار أفضل المرشحين لأن الهدف كان ولا يزال هو إدارة المؤسسة بالصورة التي يعتقد بصحتها وملاءمتها المسؤول الأعلى، وتنسجم مع تعليماته ورؤيته ورؤية ومصالح المكون السياسي الذي يمثله. فهذه النظرة التي تعني بوضوح اكتساب القدرة على إدارة الوزارة فيصبح هو المؤطر والراعي وبذلك يتحمل المسؤولية عن تقدم أو تراجع الجامعات. أما رئيس الجامعة وعميد الكلية والتدريسيين فتضمحل اسهاماتهم داخل هذه المنظومة الإدارية ويتحولون الى مجرد منفذين للتعليمات الوزارية وتتحدد استقلاليتهم بما توفر لهم التشريعات والإمكانات والشروط اللازمة للعمل من مساحات تسمح لهم بالتحرك فيها، وبضمنها يمكن تحديد نوعية العلاقة الجماعية، أو الفردية مع أعضاء الهيئة التدريسية.

إن استئثار رئيس الجامعة العراقية بمكانة لائقة داخل المنظومة التعليمية وضمن محيطه الجامعي يتوقف على توافر شروط ومقومات ذاتية، وأخرى موضوعية. فالأولى تعود الى كفاءته في إدارة الجامعة، وتحمل المسؤولية في حل مشاكل العمل بما تحيل إليه من موضوعية، وتواضع وترسيخ للعمل الجماعي. والثانية تتعلق بتوفير البنى التحتية والشروط اللازمة للعمل بشكل سليم وبما يرضي المسؤول الأعلى ويتفق مع سياساته أو في بعض الأحيان مع رغباته.

اختيار رئيس الجامعة أو العمداء من قبل الوزراء لم يعد خياراً يقبله التدريسيون، وكثيراً ما ينسب إليهم قولهم بأن تدني المستوى التعليمي يعود الى سبب منح المناصب الإدارية المهمة استنادا الى انتماءات حزبية وطائفية ومحسوبية ومنسوبية، ويشير اتهام آخر الى أن التغييرات الإدارية على مستوى رؤساء الجامعات والعمداء والمستندة أساساً على تكريس الولاءات الحزبية أولاً، وبدون مراعاة وضع المؤسسة الاكاديمية هي أصل البلاء في المؤسسات التعليمية. وبالرغم من تباين الآراء والتحليلات يبقى الاتهام الأساس بأن عدم وضع الشخص المناسب في إدارة الجامعات والكليات يعود الى المحاصصة الطائفية والحزبية. كل هذه الاتهامات والآراء تفترض أن الاداري الذي استلم منصبه عن طريق ترشيح حزبي بالضرورة هو إداري فاشل، وهو سبب تدهور مستوى التعليم الجامعي والبحث العلمي!

لعله، وفي هذه الظروف العصيبة التي تمر بها جامعاتنا، وفي ظل الاعتبارات المهنية الخطيرة المتمثلة في إلغاء تكليف رؤساء الجامعات وتكليف آخرين بدلهم والتي تلقي ظلالها على مهمة القيادات الإدارية أرى ضرورة التريث في اختيار رؤساء جامعات جدد وتبني أساليب وآليات ديمقراطية وشفافة للاختيار. ولن أتقدم هنا باقتراح جديد لكيفية اختيار أو انتقاء المسؤولين الأكاديميين فقد كتبت حولها سابقاً ويمكن الاطلاع عليها بفتح الواصل ادناه*، ولم يؤخذ بها لأسباب ظلت مجهولة لي، الا أني أود أن أقدم كمثال صورة ملخّصة لكفاءات رئيس الجامعة التي أرى ضرورة التمتع بها:

أولاً، أن يكون ذا شخصية قوية وجذابة ومتزنة، ويتمتع بمهارات الاتصال والتواصل بالعربية والإنكليزية، وله علاقات جيدة بالأجهزة، والمؤسسات الخارجية (الوطنية والعالمية).

ثانياً، ذو سجل ممتاز في كل من البحث العلمي والتدريس.

ثالثاً، أن يؤمن بالاستقلال الأكاديمي والفكري للجامعة، ويسعى لتكون الجامعة مجالاً خصباً لإيجاد الحلول المناسبة للإشكالات التي تعترض المجتمع، بمنهجية علمية.

رابعاً، أن يهتم ويلتزم بالمعايير الأكاديمية، ويسعى الى الارتقاء بجودة التدريس والبحوث، وبسمعة الجامعة.

خامساً، وأخيراً، أن يلتزم بقوة بأسس الحكم الجماعي الصالح، الذي يجمع مصالح التدريسيين في الجامعة في عملية صنع القرار.

 

أ. د. محمد الربيعي

...............

* https://akhbaar.org/home/2014/12/182201.html

 

زهير الخويلدي"ومن اختراعنا في علم البحر تركيب مغناطيس على الحقة بنفسه، ولنا فيه حكمة كبيرة لم تودع في كتاب"، احمد ابن ماجد، الفوائد في أصول علم البحر والقواعد، [1]

يعتقد البعض أن شهرة أحمد ابن ماجد المولود في جلفار بالجزيرة العربية سنة 1418 ميلادي والمتوفي في سنة 1500 من مرافقته المستكشف البرتغالي فاسكو دي غاما أثناء رحلته ومروره برأس الرجاء الصالح ومساعدته في اكتشاف طريق الهند والصين ولكنهم يتجاهلون إسهاماته في بناء علم الملاحة.

لقد اكتسب أمير البحر خبرة كبيرة بالمحيط الهندي والبحر الأحمر وخليج بربرا وبحر الصين واستحق عن جدارة لقب "معلم بحر الهند" أو "أسد البحر" كما ينعته الرحالة البرتغاليون وبرع في الجغرافيا والفلك والملاحة كأحسن ما يكون، ولقد كتب في المرشدات البحرية وترك لنا من المؤلفات ما حاز على إعجاب المؤرخين وأفضل إضافة للمكتبة العربية وهو كتاب "الفوائد في أصول علم البحر والقواعد".

لقد عثر على هذا المخطوط الباحث المستشرق الفرنسي جبرائيل فران سنة 1912 في المكتبة الوطنية بباريس وتمت مقارنته بمخطوط موجود في المكتبة الظاهرية بدمشق ونسخة بمكتبة ألبون ليون بأكسفور.

لقد تكلم عدة لغات ولهجات إضافة إلى اتقانه للعربية وهي الفارسية والزنجية والتاميلية ، ولقد أسهم في معرفة القياسات وأسماء الأماكن وصفات البحر وأسماء الكواكب وحركة النجوم وأحسن استخدام الإسطرلاب وألم بالأدب والتاريخ والدين والأنساب واستعمل البوصلة التي تتضمن 22 درجة وعدة آلات أخرى مثل الكمال واللوح وصنع آلة من الخشب وأسماها وردة الرياح واستخدمها لمعرفة وجهة الريح.

لقد ألف ابن ماجد الكثير من القصائد والأراجيز ولخص كتاب الفوائد في موجز ونظم عدة كتب مثل: الفصول والملل وحاوية الاختصار في علوم الإبحار وشرح الذهبية وتحفة الفحول في تمهيد الأصول والعمدة المهدية في ضبط العلوم البحرية والمنهاج الفاخر في علم البحر الزاخر ورسالة قلادة الشموس.

لقد ترجم كتابه الأبرز الفوائد في أصول علم البحر والقواعد إلى معظم اللغات الأوروبية والتركية وحفظ معهد لينينغراد مخطوطة عربية في ثلاث فصول هي أزهارا في علم البحار وذكر فيها طرائق الملاحة.

علاوة على ذلك رسم ابن ماجد الكثير من الخرائط حول سواحل وجزر إفريقيا وآسيا والهند والصين ولقد أتاح له ركوب الأمواج والدخول إلى المحيطات والسفر إلى أعالي البحار معرفة المسافات والإشارات والمنازل وقياس الأمكنة والأزمنة عن طريق الآلات ومن خلال قبضة اليد والأصابع والذراع المبسوطة.

بهذا المعنى لم يكن أحمد ابن ماجد مجرد ملاح عربي ساعد فاسكو دي غاما على معرفة طريق الهند بعبور رأس الرجاء الصالح بل كان عالما كبيرا بالبحار ومؤسسا بارعا لعلم الملاحة والرصد البحري.

لقد وضع ابن ماجد اللبنات الأساسية لقيام الملاحة في المنطقة وتجاوز حدود الجغرافيا العربية وحمل مشعل التجارة ومبادئ الإسلام السمحاء في شرق آسيا وجنوبها وسواحل وجزر أفريقيا الجنوبية والشرقية وفكر في الطرق البحرية والموانئ وفي الظواهر البحرية الطبيعية وأبعادها من زاوية جغرافية ومناخية وانخرط في التصنيع واستخدام الآلات قصد إعداد الأساطيل والسفن القتالية وإتقان فنون الحرب البحرية وحرص على التمكن من المرشدات البحرية وأدوات القيس والرصد والبوصلة ووضع دستورا للملاحة.

لقد صرح حول شروط تأهيل ربان السفينة:"ينبغي لعارف هذا العلم أن يسهر الليل وأن يجتهد فيه غاية الاجتهاد ويسأل عن أهله وعن حزبه حتى يحصل مراده لأنه علم عقلي وكثرة السؤال فيه ترقية لباقيه" [2]

على هذا الأساس  يضع جملة من القواعد التي تسند علم الملاحة من حيث هو علم نفيس لا يبلغه المرء الا بتمام العمر ويتطلب الدراسة النظرية والإعداد العلمي والمعرفة المستفيضة وممارسة التجريب والتكرار ومداومة التحصيل والاجتهاد عن طريق الاختراع والابتكار بامتلاك المهارة والحذق والتصنيع والخبرة.

لقد ألزم ابن ماجد الربان مجموعة من القواعد والآداب التي ينبغي أن يتحلى بها لكي يقود سفينته بسلام وأن يصل إلى بر الأمان وتتمثل في خصال المغامرة والحيطة والجشاعة والحزم والفراسة والانتباه وسرعة البداهة والتواصل والأمانة والصبر والتعقل والمداومة والحرص والابتكار والتأني والإيثار.

لكن لماذا ضاعت الحكمة البحرية عند ابن ماجد؟ وألا يعود اليه التمييز بين المياه الإقليمية والمياه الدولية؟ وماهي قيمة الجهود الاستكشافية التي بذلها في تنشيط الحركة البحرية الملاحية من الغرب نحو الشرق؟

 

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

....................

المرجع:

1- احمد ابن ماجد، الفوائد في أصول علم البحر والقواعد، هيئة أبو ظبي للسياحة والثقافة، طبعة 2013، 226 صفحة.

2-  أنور عبد العليم، الملاحة وعلوم البحار عند العرب، سلسلة عالم المعرفة عدد 13، الكويت، طبعة يناير 1979، ص179

 

صالح الطائيأغرم أجدادنا بالخيال إلى درجة الخبال، ولم يتركوا  أمرا إلا ودسوا أنوفهم فيه، فشموا مرة طيبا وحسنا، وشموا مرة نفخة كير وحشرجة وصرير. ومن خيال أجدادنا الجامح حديثهم عن وحم المرأة، ومنه حديث محي الدين بن العربي في كتابه "الخيال عالم البرزخ والمثال" الذي تفضل على الأمة المسلمة محمود محمود غراب بجمعه ونشره بواسطة دار الكتاب العربي، ليظهر في الطبعة الثانية سنة 1414هـ ـ 1993م.

والوحم أو الوحام ظاهرة تؤثر في بعض النساء أثناء الحمل، من اللواتي تظهر لديهن رغبة مُلحّة لتناول نوع معين من الطعام، ويرى العلماء أنه لا يوجد هنالك سبب محدد لهذا الشعور إذ يعزيه بعض العلماء إلى فقدان ذلك النوع من الطعام من نظام المرأة الحامل الغذائي أو حاجة جسمها إلى  زيادة كمية أنواع معينة من الفيتامينات والأملاح. ويرى البعض أن الوحم مرتبط بهرمونات الحمل، الذي يتضاعف كل بضعة أيام خلال الأشهر الثلاثة الأولى من الحمل ليصل ذروته خلال الأسبوع الحادي عشر من الحمل، وقد يتسبب ارتفاع مستويات هرمون الحمل هذا بحدوث بعض ردود الأفعال لدى الحامل كالغثيان واشتهاء بعض الأطعمة، ولا علاقة له البتة بنوع وجنس الجنين وما يطرأ عليه من ظواهر وعلامات.

ولكن خيال أجدادنا الجامح لم يقف عند الصور التي كانت المرأة تعاني منها أثناء الأشهر الأولى من حملها، فرسم له صورا أخرى في غاية الغرابة من خلال ربطه بالخيال؛ الذي مارسوه طوال حياتهم وأورثهم التأخر والتشتت، إذ ادعى أجدادنا أن الخيال وإن كان من الطبيعة، فإن له سلطانا عظيما على الطبيعة، بما أيده الله به من القوة الإلهية. وإذا أردت تأنيسا لذلك، فانظر في علم الطبيعة إذا توحمت المرأة وهي حامل على شيء، خرج الولد يشبه ذلك الشيء، فإن الشهوة إرادة طبيعية مقيدة عن تخيل صوري، وإذا نظرت المرأة عند الجماع، أو تخيل الرجل صورة عند الوقاع وإنزال الماء، يكون الولد على خلق صورة ما تخيل [الخيال عالم البرزخ والخيال، ص47ـ48] بمعنى أن المرأة حسب زعمهم، إذا تخيلت عنترة بن شداد عند الجماع لابد وأن يخرج ولدها شبيها لعنترة بالتمام والكمال، وإذا تخيل الرجل هيفاء وهبي أو أليسا عند الوقاع، ورسم صورة إحداهما في خيالة عند الجماع، لابد وأن يأتي الوليد، سواء كان ذكرا أم أنثى، على هيئتهن وجمالهن الأخاذ حتى ولو كان الأب غرابا والأم خنفساء!.

والمدهش في الأمر أن حكماء الأمة أنفسهم كانوا يأمرون بتصوير صور الفضلاء من أكابر الحكماء والعلماء في الأماكن، بحيث يتاح للمرأة أن تنظر إلى تلك الصور عند الجماع والرجل، فتنطبع في الخيال، فتؤثر في الطبيعة، فتخرج تلك القوة التي كانت عليها تلك الصورة في الولد؛ الذي يكون من ذلك الماء[المصدر نفسه، ص48] ولا أدري لماذا حرموا البنت من هذا الأمر فخصوا الولدان به وحرموا النسوان!.

لكن حتى مع هذا التحيز بالمجان كان عدد المواليد الأغبياء والمتخلفين والرقعاء في مجتمعاتنا بالرغم من كثرة التخيل والتصور والصور أضعاف مضاعفة لعدد الحكماء والعقلاء، الذين كانوا أعز من لبن العصفور، ومن الغراب الأبيض على جبل طور. وحتى الحكماء الذين رُزقنا بهم وفق حصتنا البنيوية والقدرة الربانية، ما كانوا حقا حكماء، ولذا أورثونا التنبلة والتيه والخيلاء والغباء بسبب آرائهم الرعناء!

هؤلاء الحكماء أنفسهم وبسبب طيشهم وجهلهم وخبثهم، وربما جنسيتهم وشبقهم، ورغبتهم في حرف عقول النساء لتعشقنهم، خالفوا الأحكام الفقهية، وباعوا القضية، فقالوا في الدنية: إذا أراد الإنسان أن ينجب ولده، فليُقِمْ في نفسه عند اجتماعه مع امرأته، صورة من شاء من الحكماء، ومن أكابر العلماء، هذا لمن هو من الطبقة الوسطى الذي يأتي أهله يتمطى. لكن هذا؛ ومن هو أكثر منه غنى ومالا  إن أراد أن يحكم أمر ذلك، ولا يُخطئ أو يُؤجل، وأراد أن تُلقح مهرته من الفعل الأول فعليه أن يصور صورة الحكيم فعلا بريشة رسام أثول، وأن يجعلها أجمل من واقعها وأجمل، وأن يذكر لامرأته حسن ما كانت عليه تلك الصورة وصاحبها. وإذا صورها المصور، فليُحَسِن وليُجَمِل ولا ينقل ما يرى من أكال وجوه الشياطين الممرغة بالطين، وعليه شرعا أن يصورها على صورة حُسن علم العالم وأخلاقه لا شكل هيئته [المصدر نفسه، ص48] وهذا مخالف للأحكام الفقهية؛ التي ذهبت إلى أن التصوير حرام غالبا، ولا سيما تصوير الأحياء مثل الحكماء وما نطق وتحرك من الأشياء.

والمعروف وفق القواعد الشرعية والأحكام الفقهية أن التصوير نوعان:

النوع الأول: تصوير غير ذوات الأرواح، كالسماء والفضاء والجبال والأنهار والأشجار والشمس والقمر والنجوم والحجارة والصحراء والبحار. وهذا لا بأس به عند أكثر أهل العلم الأتقياء والفجار. مع ان هناك من خالفهم، فمنع تصوير الشجر المثمر والزروع المثمرة كالحنطة وباقي الحبوب والبقوليات.

النوع الثاني: تصوير ذوات الأرواح وهذا بدوره ينقسم على قسمين:

القسم الأول: أن يكون الرسم والتصوير باليد، مثلما كانوا يفعلون في زمن خيال العرب الجامح، وهذا محرم، بل ومن كبائر الذنوب، تبعا لحديث ابن عباس في صحيح مسلم: "كل مصور في النار، يجعل له بكل صورة صورها نفساً، فتعذبه في جهنم". وحديث أبي جحيفة في صحيح البخاري: "لعن آكل الربا وموكله، والواشمة، والمستوشمة، والمصور". وحديث عائشة في البخاري ومسلم كليهما: "أشد الناس عذاباً يوم القيامة الذين يضاهون بخلق الله". وحديث أبي هريرة فيهما كليهما: "سمعت النبي يقول: "قال الله تعالى: ومن أظلم ممن ذهب يخلق خلقاً كخلقي، فليخلقوا ذرة، أو ليخلقوا حبة، أو ليخلقوا شعيرة".

فهذه الأحاديث تنطبق كليا على نوع التصوير الذي تحدث عنه أصحاب الخيال من الحكماء أتباع الدجال، لأن ذلك التصوير لا يمكن صنعه إلا باليد، فتكون الصورة مثل الصورة التي خلق الله تعالى، لأن المصور حاول أن يبدع كإبداع الله ويخلق كخلقه، وبذلك أمره الحكماء وتقدموا له بالرجاء، ليزيل عن وجوههم الغلظة والوعثاء وشدة الجفاء، عسى أن تعشقهم النساء. وإن لم يقصد المشابهة، لكن الحكم إذا علق على وصف تعلق به، فمتى وجد الوصف وجد الحكم، والمصور إذا صنع الصورة تحققت المشابهة بصنعه وإن لم ينوها والمصور في الغالب لا يخلو من نية المضاهاة، فكيف إذا ما كان مأمورا بذلك؟ ولذلك تجده يفخر بصنعه كلما كانت الصورة أجود، وأتقن وأكثر قربا للواقع.

القسم الثاني: أن يكون تصوير ذوات الأرواح بغير اليد، مثل التصوير بالكاميرا التي تنقل الصورة التي خلقها الله على ما هي عليه، وهو أمر مستحدث لم يكن معروفاً على عهد النبي والمسلمين الأوائل، ولهذا السبب اختلف بشأنه من تأخر من العلماء ومن عاصر منهم زمن صنع الكاميرات، فمنهم من أدخله فيما نُهي عنه نظراً لعموم اللفظ له عرفاً، ومنهم من أحله نظراً للمعنى، فإن التصوير بالكاميرا لم يحصل فيه من المصور أي عمل يشابه به خلق الله تعالى، وإنما انطبع بالصورة خلق الله تعالى على الصفة التي خلقه الله تعالى عليها.

والأكثر نكاية مما تقدم، ما أمر به الحكماء من وجوب إزالة القبح وإضافة البهاء على وجوه الزملاء، فأوجبوا على المصور والرسام أنه إذا كانت الصورة المحسوسة ـ أي أصل وحقيقة الشخص المراد تصويره ـ قبيحة المنظر بأصلها، فلا يصورها إلا حسنة المظهر بقدر حُسن علم وأخلاق العالم، أي ان يُحل جمال الأخلاق على قبيح الخلقة، فيجلب الرجل تلك الصورة المحورة المحرفة إلى زوجته، ويعرضها عليها وأمامها عند الجماع، ثم يستفرغان في النظر إلى حسنها، فإن وقع للمرأة حمل، أثر في ذلك الحمل ما تخيلا من تلك الصورة في النفس، فيخرج المولود بتلك المنزلة ولابد [المصدر نفسه، ص48].

ولما كان الواقع على خلاف بل دون المأمول، والولدان جاءوا مجانين ومسخوطين وهبول، فأصابوا الوالدين بالذهول، تحجج الحكماء بأسلوب بني قريظة وآل سلول، فادعوا أنه: إذا تم الحمل من ذاك اللقاء، لابد وأن يكون قد تأثر بما تخيل الوالدان من تلك الصورة في النفس والوجدان، فيخرج الوليد الذكر بتلك المنزلة وليس ثور بقر.. لكن إذا لم يخرج كذلك، فلأمر لطارئ طرأ في نفس الوالدين عند نزول النطفة في الرحم، أخرجهما ذلك الأمر عن مشاهدة تلك الصورة في الخيال من حيث لا يشعران [المصدر نفسه].

أما إذا حدث وإن جاء الوليد على غير الصورة المرتقبة كأن يكون سيء الخلق أو مشوها بسبب طفرة وراثية أو عاهة جسدية، فلم يعزوه إلى شذوذ خيال الوالدين، بل إن الذي تخيله الوالدان أثناء الجماع، هو الذي أثر في النفس والطباع، ويقع عند الوقاع في نفس أحد الزوجين أو كلاهما صورة كلب أو أسد أو أرنب أو حيوان ما، فيخرج الولد من ذلك الوقاع وفي أخلاقه ما هو على صورة ما وقع للوالدين من تخيل خارج المقاييس بسبب الغباء أما إذا اختلفا، وتصور كل منهما صورة مختلفة عن صاحبه، فستظهر في الولد صورة لما تخيله كل منهما.

وبالتالي فإن ما خطه المداد ليس أكثر من بعض حكايات  قصص الأجداد.

 

صالح الطائي

 

محمود محمد عليفي هذا الجزء السادس والأخير من حديثنا عن كيفية سقوط الاتحاد السوفيتي بحروب الجيل الرابع نقول: فضل جورباتشوف أن يواجه النقطة الحرجة لا أن يتجاهلها كما فعل غيره، فكان عليه أن يجد حلاً للمعادلة الصعبة : كيف يدعم القوتين الاقتصادية والسياسية دون المساس بالقوة العسكرية؟ لقد وصل الاتحاد السوفيتي إلي حد الكفاية في وسائل الدفاع؛ بحيث أصبح قادراً علي تدمير الولايات المتحدة عشر مرات، وأصبح واثقاً أن الشعب الأمريكي أصبح رهينة في يد الكرملين، كما أن الشعب السوفيتي رهينة بدوره في يد البيت الأبيض، وبذلك أصبح قادراً علي أن يحافظ علي السلام في ظل قوته الرادعة.. ولكن "ما فائدة ضمان المحافظة علي السلام في ظل الشك في القدرة علي المحافظة علي النظام؟ ولم لا يوقف سباق التسلح حتي يدفع ماء الحياة في شرايين الناحيتين الاقتصادية والسياسية؟ لم لا يستغل قوته العسكرية التي وصل إليها وحققها في عملية إعادة البناء؟ هكذا فكر وأقدم علي التنفيذ" .

ففي نوفمبر 1985 تم عقد قمة جنيف والتي جمعت بين الرئيس الأمريكي "ريجان" ورئيس الاتحاد السوفيتي "جورباتشوف"، خلالها أعلن جورباتشوف " بإيقاف تجاربه النووية لفترة زمنية محددة وأوقف تجارب الأسلحة المضادة للأقمار الصناعية في حين استمرت الولايات المتحدة الأمريكية في تطوير برنامجها للدفاع الاستراتيجي الذي يعرف بـ "حرب النجوم" Star Wars " .

وفي سنة 1986 تم عقد "قمة ريكافيك" Reykjavík Summit وتنازل من خلالها الاتحاد السوفيتي عن مبدأ المساواة في تخفيف الأسلحة النووية، ومبدأ التبادل بين المعسكرين للأسلحة البالستية والغواصات النووية، إلا "إن المعسكر الغربي استمر في برنامجه النووي" . كما تم عقد قمة واشنطن في ديسمبر 1987، وتم من خلالها " إلغاء الصواريخ متوسطة وقصيرة المدى، ومحاولة الوصول إلى حل لحرب النجوم" .

وفي مايو عام 1988 كانت القمة الرابعة في موسكو؛ حيث كان توقيع الرئيسين علي وضع اتفاقية إلغاء الصواريخ متوسطة وقصيرة المدي موضع التنفيذ. وأعلن جورباتشوف من طرف واحد، أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، عن "تخفيض القوات المسلحة من أوربا الشرقية" .

ثم تابع جورباتشوف نشاطاته الانفراجية بإعلانه وقف إطلاق النار في أفغانستان في مطلع عام 1989 وإعلانه عن نيته بتحويل مراكز صناعاته الحربية لأغراض اقتصادية، ثم إعلانه مع بوش بأن "الحرب الباردة قد انتهت" .

لاقي إعلان جورباتشوف صدي واسعاً في أوربا الشرقية فاجتاحها منذ صيف 1989، حركة تغيير مهمة أدت إلي انهيار النظم الاشتراكية فيها الواحد تلو الآخر وبنسب متفاوتة بين الاصلاحات والتغييرات الجذرية. ثم كانت "قمة بوخارست" Bucharest Summit في يوليو 1989 بين دول حلف وارسو؛ حيث أكد الزعيم السوفيتي علي حرية كل طرف في اختيار ما يشاء في إدارة شؤونه، مع التأكيد علي احترام الآخرين، وبهذا تعتبر "قمة بوخارست بداية نهاية حلف وارسو وتكتل دول أوربا الشرقية" .

وفي ضوء هذه التطورات في أوربا الشرقية عقدت قمة يالطا في ديسمبر 1989 بين ريجان وجورباتشوف، لتؤكد علي أهمية ما يجري في أوربا الشرقية. وأكد جورباتشوف علي متابعة سياسته بمعني آخر ترسيخ نتائج هذه التطورات التي هي بمثابة إنهاء لنتائج "مؤتمر يالطا" الذي انعقد في أعقاب الحرب العالمية الثانية 1945 في شبه جزيرة القرم بين "ستالين" Stalin و"روزفلت" Roosevelt و"تشرشل" والذي أسفر عن تقسيم أوربا "بين شرقية تحت النفوذ السوفيتي وغربية تحت الهيمنة الأمريكية، وكان من نتائجه أيضاً تقسيم ألمانيا، فكانت هذه القمة بداية نهاية الثنائية القطبية في العلاقات الدولية" .

أما عن الرد الأمريكي علي أطروحات جورباتشوف الإنسانية الداعية إلي تجريد العلاقات الدولية من " الأدلجة"، فإن "السياسة الأمريكية استمرت بكل عدوانيتها الغاشمة ورغبتها الجامحة في السيطرة المنفردة علي العالم وإخضاعه لاستغلالها وهيمنتها الاقتصادية الاحتكارية إلخ.. ومعاملة الاتحاد السوفيتي العدو الذي تعاديه وتحاصره وتستنزفه اقتصادياً وتسعي إلي إضعافه وتفكيكه والقضاء عليه كدولة عظمي منذ نشأته" ؛ ففي الوقت الذي كان فيه، الاتحاد السوفياتي يرى أنه يجب إجراء مباحثات من أجل إيقاف التجارب النووية والتنافس بطرق سلمية من أجل التفرغ للتنمية الداخلية في المجالين الاقتصادي والاجتماعي، كانت الولايات المتحدة الأمريكية ترى ضرورة إتمام سباق التسلح في الفضاء الخارجي، وبذلك "أصدرت قرار إجراء أول تجربة للسلاح المضاد للأقمار الصناعية، من أجل الضغط على المعسكر الشرقي" .

وبالفعل بدأ تفكك الاتحاد السوفيتي، وقد حدث ذلك التفكك في 26 ديسمبر 1991، عقب إصدار مجلس السوفييت الأعلى للاتحاد السوفييتي الإعلان رقم (H-142) والذي أُعلِن فيه الاعتراف باستقلال الجمهوريات السوفيتية السابقة، وإنشاء رابطة الدول المستقلة لتحل محل الاتحاد السوفيتي. قبل يوم من ذلك الإعلان. وفي 25 ديسمبر 1991 قام الرئيس الأخير للاتحاد السوفيتي والحاكم الثامن له منذ إنشائه، " جورباتشوف" بإعلان استقالته في خطاب وجهه إلى الشعب السوفيتي عبر التلفزيون الرسمي للاتحاد السوفيتي . وأشار في الخطاب إلى أن مكتب رئيس اتحاد الجمهوريات السوفيتية الاشتراكية قد تم إلغاؤه. وأعلن تسليم كافة سلطاته الدستورية بما فيها السلطة على الأسلحة النووية الروسية، إلى الرئيس الروسي بوريس يلتسن.

عقب خطابه ذاك غادر جورباتشوف مبنى الكرملين تحت جنح الظلام. وفي 07:32 مساء بتوقيت موسكو، تم إنزال علم الاتحاد السوفيتي الأحمر عن مبنى الكرملين للمرة الأخيرة في التاريخ . ورُفِع محله علم روسيا ثلاثي الألوان .

وقد توقعت الكاتبة الفرنسية " هيلين كارير دانكوس" انهيار الاتحاد السوفيتي قبل حصول ذلك بعشر سنوات في كتابها الصادر عام 1978 تحت عنوان " الإمبراطورية المتفجرة L`empire eclate، كما أن "جورج كينان" واضع استراتيجية التطويق والاحتواء التي اعتمدتها الولايات المتحدة الأمريكية بعد الحرب كان يتوقع ذلك،ولهذا حاول " إحكام الطوق حول هذا النظام لإسقاطه . فقد كان علي علم بطبيعة الشعوب المنضوية تحت لوائه والاختلافات فيما بينها ( اختلافات قومية، وعرقية وأثنية). تبقي هذه الخلافات محدودة التأثير طالما أن النظام القائم يتمتع بكل مقومات الدعم والسيطرة، لكن أي خلل يصيب هذا النظام فالانقسامات الحادة والمتسارعة لا بد وأن تقضي علي هذا النظام وهذا ما حصل فعلاً في العام 1991 " .

ويذكر أمين كريم في مقالة له عن أسباب سقوط الاتحاد السوفيتي بأن جورباتشوف قد فجر الثورة التي قادت إلى تفكيك البناء الإمبراطوري وانهيار النظام الشيوعي، بإضعاف التلاحم الشمولي، وطبقاً للأدبيات السوفيتية فإن مفهوم القوة الشاملة للدولة كان يعني أنها تشمل الجوانب التالية: القدرة الجيوبوليتيكية، والموارد الطبيعية، والقدرة الاقتصادية، وميزان التجارة والمدفوعات، والقوة العسكرية، والسكان، والعوامل المعنوية والسياسية، ونوعية الدبلوماسية، ونوعية إدارة البلاد، ومستوى التقدم العلمي والتكنولوجي، ومعدلات التجديد والتحديث. ورغم امتلاك الاتحاد السوفيتي السابق إحدى أعظم ترسانتين للأسلحة التقليدية، فضلاً عن الأسلحة النووية، فإن احتفاظه بالتفوق في مجال القوة العسكرية بدا مستحيلاً، بالنظر إلى تكاليف ومخاطر هذا التوجه، والأهم هو تدهور القدرة الاقتصادية السوفيتية نتيجة عجز آليات اقتصاد الأوامر عن توفير الأساليب التكنولوجية والتنظيمية والإدارية الحديثة، التي تؤمن تسريع التنمية ورفع الإنتاجية. وقد تفاقم مأزق الاقتصاد السوفيتي بسبب الحصار التكنولوجي، واستخدام سلاح الغذاء، وتصعيد سباق التسلح، من جانب الدول الغربية. إضافة إلى تخصيص الاتحاد السوفيتي لموارده العلمية والتكنولوجية والمالية والبشرية وغيرها للأغراض العسكرية على حساب حاجات الاقتصاد، وهو ما أدى إلى "تدهور القدرة الاقتصادية النسبية للاتحاد السوفيتي على الصعيد العالمي. وقد انعكس هذا في أن حصة الآلات والمعدات في إجمالي الصادرات إلى الدول الصناعية لم تتعد نحو 2%، وأن المواد الأولية ونصف المصنعة مثلت أكثر من 70% من صادراته إلى العالم في منتصف الثمانينيات" .

ويستطرد أمين كريم إن فكرة الجلاسنوست قد أدت إلى تفكك ما يسمى بالأمة السوفيتية، وتدهورت هيبة الدولة الشمولية، وتفكك الجهازان السياسي والأمني للدولة، وتراجع النفوذ السوفيتي السيادي والأيديولوجي عالمياً، نتيجة تراجع مساندته لقضايا الجنوب وخاصة مع توجهه على إنهاء الحرب الباردة، ودفع في ذات الاتجاه، عدم قدرة الاتحاد السوفيتي على تحمل تكاليف مواصلة الثورة العلمية وتخليه عن أوهام هزيمة الإمبريالية وانتصار الشيوعية، وعجزه عن رفع مستويات الرفاهية الجماهيرية، وتورطه في حرب أفغانستان التي أدت إلى تقويض مصداقية الاتحاد السوفيتي لدى الرأي العام العالمي. والأيديولوجية التي قام عليها النظام الشيوعي في الاتحاد السوفيتي، تحولت إلى مؤسسات تنسب لنفسها صفة تجسيد الأيديولوجية، بينما أصبحت هذه المؤسسات في نظر الجماهير، مجرد بناء مؤسسي ينطوي على قدر كبير من الكبت، ولم تعد لها جاذبية، ومصدر ذلك أن كثيراً مما تتطلع إليه الجماهير يعدّ انحرافاً عن المبدأ الايديولوجي السليم، وتعبيراً عن تطلعات طبقية تتعارض مع الموقف البروليتاري الصحيح، ومع المسلك الذي يقضى في النهاية إلى المستقبل المنشود مستقبل الاشتراكية والشيوعية. وفي الوقت نفسه تفشي الفساد نتيجة هذا الكبت، ونشأت طبقة جديدة، هي طبقة المنتفعين بالمؤسسات الاشتراكية. فقد كان واضحاً أن المؤسسات الوحيدة التي استمرت تحرص على وحدة كيان الاتحاد السوفيتي، هي الحزب والمخابرات والجيش فقط، وكلها مؤسسات منظور لها على أنها أدوات كبت، بينما تعددت صور التفكك لأسباب قومية ودينية. ومن ثم فإن مؤشر عنصر التماسك لم يعد قائماً وأن هذا التمسك يتحقق أساساً في صور مؤسسات، بما تملكه من قدرات كبت، كما أن الجيش والمخابرات أصبحت تطرح على قدم المساواة مع الحزب وتباشر الوظائف نفسها أدوات قمع صريحة. وقد ترتب على غياب الأيديولوجية القائمة على البعد الطبقي انتعاش لأيديولوجيات أخرى بديلة، مثل الايديولوجية الدينية، والقومية والعرقية، وكل هذه عوامل تفكيك، إذ إن "جميع الذين ينسبون أنفسهم إلى دين معين أو إلى قومية معينة على نطاق المجتمع بأسره إنما يشكلون مواجهة للذين ينتسبون إلى دين آخر أو قومية أخرى، وهذا معناه تقسيم المجتمع رأسياً. وهكذا، فعندما نتحدث عن التقسيم الأساسي، أي التقسيم الأيديولوجي الطبقي، فإننا نعنى به كتلة رئيسية في المجتمع، يشكل كل المنتسبين إليها وحدة كتلة الطبقة العاملة ومعها مجموع الطبقات الكادحة في المجتمع.. إنها كتلة اجتماعية يُفترض فيها التجانس، وإن وجد لهم أعداء، فهم أعداء ينبثقون من صفوف هذه المجتمعات جميعاً، وهم قابلون للعزل" .

وذهب باحثون آخرون إلي أن الاصلاحات التي قدمها جورباتشوف لم تنجح وذلك راجع إلي :

1- الانهيار الاقتصادي: وذلك نتيجة زيادة الاعتماد على الاستيراد من الخارج وإهمال التصنيع، الأمر الذي أدى إلى توقف عجلة التنمية وتسبب في حدوث التضخم الاقتصادي وتراجع قيمة العملة المحلية في أسواق التداول، كذلك كان سباق التسليح أحد مُسببات الانهيار الاقتصادي حيث وجهت الدولة أغلب مواردها للإنفاق العسكري مما أثر بشكل سلبي على مختلف القطاعات الأخرى.

2- الاضطراب السياسي : وذلك بسبب ضعف القيادة السياسية وفقدان السيطرة على مجريات الأمور، مما أدى إلى تفكك الاتحاد السوفيتي وعجز الدولة عن فعل أي شيء لمنع حدوث ذلك.

3- الاضطرابات الداخلية : التخبط السياسي والتراجع الاقتصادي كانا سببين مباشرين للعديد من الاضطرابات الداخلية الأخرى، حيث إن كلا الأمرين ساهم في سوء الأوضاع الداخلية في البلاد وأثر بشكل سلبي على مستويات المعيشة، حيث تراجعت قيمة العملة المحلية وأدى ذلك بطبيعة الحال إلى ارتفاع الأسعار بشكل ملحوظ، كما أن وقف الأنشطة الاقتصادية على اختلاف أنواعها أدى إلى تفشي داء البطالة وبالتالي ارتفعت معدلات الجريمة بنسبة كبيرة.

4- انقسام مؤسسات الدولة : شهد الاتحاد السوفيتي محاولة انقلاب عسكري في أواخر عام 1991، حيث حاول البعض إقصاء رئيس البلاد آنذاك ميخائيل غورباتشوف عن سُدة الحُكم، ورغم فشل المحاولة إلا أن آثارها كانت مُدمرة بكل المقاييس، حيث أدت إلى حدوث انقسام داخل صفوف المؤسسات العسكرية وخلخلت استقرار الأوضاع الداخلية، بالإضافة إلى نشوء العديد من النزاعات السياسية وبالتالي وقف العديد من القوانين والمشاريع الإصلاحية التي كانت محل الدراسة، ومع كل ما سبق يمكن القول أن تلك المحاولة كانت بمثابة دق المسمار الأخير في نعش الدولة ولم يمر وقت طويل علي حدوث تفكك الاتحاد السوفيتي النهائي والبات.

5- الصراع القومي: تفجر أزمة الهوية القومية بين أبناء المجتمع السوفيتي، مما أجبر الحكومة -الضعيفة آنذاك- على السماح بالتعبير عن المطالب القومية، الأمر الذي ساهم في تسارع وتيرة الانقسام بين الدول المكونة لهذا الكيان وهو ما أدى في النهاية إلى تفكك الاتحاد السوفيتي بشكل كامل.

وتماما كما تنص قواعد حروب الجيل الرابع، والتي كانت تمر بمرحلة اختبار خطوات غير مرتبة منها، فكك جورباتشوف الاتحاد السوفيتي، عبر مجموعة من المصطلحات الأنيقة الرنانة التي لا يمكن الخلاف عليها، والتي تثير حماسة الشباب كلما وحيثما وأينما قيلت، مثل الحرية، والديمقراطية، والعدالة...الخ.

وربحت الولايات المتحدة الحرب الباردة دون أن تطلق رصاصة واحدة، وتزعمت وحدها العالم الجديد، وهي منتشية بذلك الانتصار الهادئ الذي لم يكلفها جندياً واحداً، ولكنها وعلي الرغم من هذا – ظلت تخشي أن تسترد روسيا عافيتها وينهض المارد من رقاده مرة أخري. ولهذا كان عليها "أن تستخدم العصا السحرية، وهي الفوضي، فعلي الرغم من الدكتاتورية في عهد الاتحاد السوفيتي، ما قبل جورباتشوف، فقد كانت الحياة هناك تسير، والناس تجد ما تأكله وتشربه وترتديه، والمكان الذي تسكن إليه آخر اليوم".

وفي فوضي ما بعد جورباتشوف، اختلفت الصورة تماماً، فقد ظهرت عدة تنظيمات إجرامية، تصارعت فيما بينها علي السلطة في عالم الشارع، حتي نمت المافيا الروسية وسيطرت علي الشارع الروسي الذي افتقر إلي نظام قوي يمكنه أن يقف في وجهها علي عكس السابق. وكان يمكن لحالة الفوضى هذه أن تصل بروسيا إلي قاع القاع؛ وخاصة بعد أن تم بيع الصحف القومية والمصانع والشركات، وصار القطاع الخاص الذي تملك المافيا الروسية معظمه هو المسيطر علي روسيا وصاحب اليد العليا فيها – لولا " تولي فلاديمير بوتن، رجل الكي جي بي السابق السلطة، في الثامن من مايو عام 2000م وهو مصمم علي إعادة مجد الاتحاد السوفيتي وعدم السماح باستمرار الفوضى التي تريح قلب الأمن الأمريكي".

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

عدنان عويدالثقافة الشفوية في سياقها العام، هي مجموعة الآراء والأفكار والمبادئ والرؤى والقصص والحكاية والأمثال الشعبية، دينية كانت أم وضعية. التي يتداولها الناس في أي مجتمع من المجتمعات بشكل يومي، وبكل ما تتضمنه هذه الثقافة من مواقف سلبية أو إيجابية تجاه علاقة الإنسان بنفسه والمجتمع والطبيعة. وهي ثقافة أُنتج معظمها في الزمن الماضي، وأصبحت متوراثة ولم تزل تُجتر ويتداولها الناس فيما بينهم للتعبير عن قضياهم الحياتية اليومية المباشرة في الفكر والممارسة، على اعتبارها قيماً (معيارية) ناجزة استطاعت أن تختزل التجربة الإنسانية وتضبط وتوجه في عصر إنتاجها حياة الفرد والمجتمع، وهي قادرة عند حملتها الاجتماعيين اليوم على تحقيق هذا الضبط والتوجيه حاضراً ولاحقاً، كونها جزءاً من الفردوس المفقود.

إذن، الثقافة الشفوية بتعبير آخر: هي في معظم جذورها وأصولها وامتدادها، ثقافة الأجداد (الأسلاف) الذين لم يتركوا شيئاً للأخلاف إلا وقالوا به، وحددوا الحلال فيه والحرام، أو الصح والخطأ، ومارسوا جرحهم وتعديلهم على نمط شخصياتهم السلبية منها والايجابية فكراً وممارسة، ليس لعصرهم فحسب، بل ولكل العصور اللاحقة، أي اعتبار ما قالوا به ومارسوه هو المنطلق الوجودي والمعرفي لكل ما هو تال.

الجذور التاريخية والمعرفية لهذه الثقافة في تاريخنا العربي:

إن أي متابع لهذه الثقافة، سيجد أن لها جذوراً تمتد في عمق تاريخنا، وأن فروعها وأغصانها ظلت تمتد عبر السنين اللاحقة، وخاصة بعد ظهور الدعوة الإسلامية التي شكلت عقيدتها وقيمها الأخلاقية المعيارية المساحة الأكبر في وعي المواطن العربي بشكل خاص والإسلامي بشكل عام. حيث استطاعت هذه الثقافة الشفوية ممثلة هنا في قسمها الأكبر بالوعي الديني (الفقهي) أن تعرش على وعي أبناء هذه الأمة حتى اليوم. علماً أن الدعوة الإسلامية جاء في صلب ما جاءت من أجله، هو إنهاء هذه الثقافة الشفوية وتحويلها من ثقافة (الفم إلى ثقافة القلم) مع أول آية نزلت على الرسول وهي: (اقرأ)، من جهة أولى، ووضع حدً لتمسك الناس بأفعال آباؤهم بعجرها وبجرها من جهة ثانية. إلا أن قوة الماضي ممثلة بما كان يفعل آباؤنا ظلت مسيطرة وفاعلة تحت شريعة (هكذا وجدنا آباءنا يفعلون). مع تأكيدنا هنا على الدور الذي مارسته السلطات الحاكمة في تاريخ الدولة العربية السياسي في تسييد هذا النمط من الثقافة الماضوية التقديسية، بهدف تجهيل الناس والحجر على عقولهم، حيث وجدت القوى الحاكمة المستبدة  في سياسة التجهيل، سر بقائها واستمراريتها في السلطة. الأمر الذي دفع هذه السلطة عبر تاريخها إلى محاربة الثقافات الإبداعية التي وجدت فيها خطراً يهدد مصالحها إن كان أثناء قيام الدعوة الإسلامية من قبل كبار كفار مكة، أو من قبل الكثير من الخلفاء ومشايخ السلطان عبر تاريخ الدولة العربية والإسلامية التي تتخذ من الدين مرجعية دستورية وتشريعية حتى تاريخ دولنا المعاصرة.

سمات وخصائص الثقافة الشفهية:

من خلال عرضنا أعلاه، نستطيع تحديد أهم سمات وخصائص هذه الثقافة:

1- هي ثقافة ماضوية، أنتج معظمها في الزمن الماضي، وغالباً ما يطغى عليها الطابع الديني (الفقهي) في تاريخ الحضارة العربية الإسلامية، كون الدين كان ولم يزل هو المصدر الأهم للمعرفة، وحتى الثقافات الوضعية التي أنتجت في ذلك الوقت وخاصة الفلسفية منها إضافة إلى علوم الطب والكيمياء والتنجيم وغيرها، ظلت محكومة بالدين أيضاً، على اعتباره هو من يحلل ويحرم  التعامل  مع هذه الظاهرة العلمية أو الاجتماعية أو تلك.

2 - هي ثقافة جماهيرية، أو بتعبير آخر، هي ثقافة ظل يعاد إنتاجها واستهلاكها من قبل الجماهير الواسعة، فغالباً ما تجد الناس في كافة مفردات حياتهم اليومية يستشهدون بمقولاتها وقصصها وحكاياها وأمثالها الشعبية ونصها المقدس، خدمة لمصالحهم اليومية المباشرة، أو لإعطاء الفكرة التي يقولون بها أو العمل الذي يمارسونه المصداقية والشرعية، في المنزل والسوق والجامع والدائرة وغير ذلك من أماكن تواجدهم.

3- هي ثقافة تعتمد كثيراً على إيراد نص قرآني أو حديث أو رأي صحابي أو فقيه، إضافة إلى إيراد قصص وحكاية الصحابة والتابعين وتابعي التابعين، كونها الأكثر قدرة على غرس المعلومة المراد توصيلها للمستمع، لذلك لا نستغرب أن نجد أحد مشايخ الدين يقول: إن القصص والحكاية جنود مجندة سخرها الله لنا كي نعلم بها الناس الدين والفضيلة.

4- هي ثقافة تركز كثيراً عند حملتها ودعاتها على القيم الأخلاقية، وخاصة قيم السلف الصالح، الذين أسسوا بناء الدولة الإسلامية وحضارتها. وبالتالي هذه القيم تشكل  عند دعاتها الفردوس المفقود بعد أن راحت تتخلى عنها الأجيال اللاحقة، أو تجاوزها الزمن. وإذا أرادت هذه الأمة أن تعود لمجدها وعزتها، فهي لن تعود إلا إذا عادت إلى القيم الأخلاقية تلك، (ولن يُصلح حال هذه الأمة بعد أن فسد أمرها إلا بما صلح به أولها.).

5- حازت هذه الثقافة على صفة التقديس، كون معظم مكوناتها  مرتبط بالدين، وأكثر من أسس لها هم رجال الدين الذين ضبطوا علم الجرح والتعديل الذي وضعوه لتحديد الغث وسمين في هذه الثقافة، وبالتالي فكل خروج عن سمين هذه الثقافة هو بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

6- هي ثقافة تقوم على التراسل (العنعنة)، كون أصلها شفهي، وخاصة ما يتعلق منها في الحديث النبوي وأقوال الصحابة والتابعين.

7- هي ثقافة تحاصر الإبداع والمبدعين، الذين يريدون التجديد في علوم الدين والدنيا، وبالتالي يعتبر هؤلاء المجددون بنظر دعاة هذه الثقافة منحرفين إذا ما حاولوا طرح أفكار لا تتفق مع ما هو ثابت ووثوقي في هذه الثقافة، إن كان لدى المذاهب أو الفرق الدينية، أو لدى الأحزاب ذات الأيديولوجيات الوضعية.

8- هي ثقافة تعالج تناقضات المجتمع وصراعاته الطبقية القائمة على الاستغلال، من منظور أخلاقي، يقوم على مناجاة الضمير والوجدان لدى هذا الفرد أو الجماعة، عندما يمارس أو يمارسون عملاً صالحاً، والعكس صحيح. فهم يطالبون الأفراد والمجتمع بضرورة التمسك بأخلاق التضحية ونكران الذات والإثار والمحبة والتسامح، كما مارسها السلف الصالح الذين حققوا بها العدالة والمساواة بين الناس كما يدعون، وغالباً ما يتخذون من بعض الرموز الدينية  قدوة للحاكم والرعية أيضاً في نشر العدل بين الناس، دون أن يضعوا في حساباتهم خصوصيات كل مرحلة تاريخية من حيث ظروفها الموضوعية والذاتية ومكوناتها الاجتماعية وحدودها الجغرافية، ودرجة تطور المجتمع فيها أو تخلفه.

9- هي ثقافة تدعو إلى التسليم والامتثال لكل ما أنتج من معارف أقرها السلف في القرون الهجرية الثلاثة الأولى، أو ما جاء في فقه (الحاكم) في الأنظمة السياسية، وبالتالي هي تعمل على محاربة الحرية الفردية والإرادة الإنسانية والرأي الآخر.

10- هي ثقافة ذات توجهات أيديولوجية مغلقة، تعتبر الحقيقة قد أعطيت مرة واحدة وإلى الأبد، وعلينا أن نعمل دائماً على إعادة إنتاجها، ولي عنق الواقع كي ينسجم معها. أي هي ثقافة ضد النسبية والحركة والتطور والتبدل.

على عموماً ما نريد قوله في هذا الاتجاه بالنسبة للثقافة الشفوية: إنها ثقافة فرضت عبر تلك السنين الطويلة من سيادتها، العقل الإيماني والتسليمي على المواطن العربي، بحيث لم يزل النص المقدس وأقوال الأئمة والفقهاء وكبار مشايخ السلفية والقادة السياسيين، يشكل المرجع المعرفي والسلوكي للفرد والمجتمع مع غياب فاضح للضبط المنهجي وللرأي الآخر. أي هي من يشكل الحكم أو المعيار على أقوال الناس وسلوكياتهم وبالتالي استغلاله والاحتماء به دوماً. هذا إضافة لاستغلال وتوظيف ثقافة الخوارق والخرافة والأسطورة، وتطبيق الخاص على العام،  أو الجزء على الكل في التعاطي مع أحداث التاريخ والواقع، وكذلك الانخراط بالموروث والمحافظة على الشكليات فيه، والتمسح بالرحمة والتسامح، وعند الضرورة لا بد من التمسك بالجهاد انطلاقا من التكليف بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وهذا ما ساهم في خلق حالات من الفوضى والتناقض في هذه الثقافة الشفوية وبخاصة الجانب الفقهي فيها على سبيل المثال لا الحصر هذا الجانب الذي يتعامل مع مسائل الوجوب والإباحة والمحرم، والعقل والنقل وطريقة الحصول على المعرفة.

 

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث من ديرالزور – سورية

 

عزالدين عنايةتُعرَف الفترة التي تنامت فيها ظاهرة الإرهاب في إيطاليا، والمتراوحة بين 1968 و 1984، بـ"سنوات الرصاص" (Gli anni di piombo)، وهي السنوات التي شهدت فيها الدولة ارتباكا سياسيا وتبدلا متسارعا للحكومات، كان بعضها يدوم أياما معدودة، تأتي غيرها على أمل إخراج البلاد من الأزمة لتقع في المطبات ذاتها. تهدّدَت في أعقابها السلم الاجتماعية بشكلٍ مؤذٍ، ومع ذلك لم تنحرف ظاهرة الإرهاب بالمسار السياسي العام للبلد، ولم تزد الأوضاعُ الصعبة القوى السياسيةَ المجمعةَ على نبذ العنف والمؤمنة بالتنافس الديمقراطي السلمي، سوى مزيد من الإصرار على دعم مسار الديمقراطية الفتية.

العنف وأوهام التغيير

وعلى غرار المجتمعات التي ارتبط فيها العنف السياسي بعمليات التحديث، وبالتحولات السياسية، شهد البلد مع مطلع ستينيات القرن الماضي تحولا عميقا على المستويين الاجتماعي والثقافي، تبعاً لتحسّن الأوضاع الاقتصادية، دفعَا إلى تغيير سريع في نسق القيم الاجتماعية باتجاه التحرر والانعتاق من البراديغمات الكلاسيكية ذات الطابع المحافظ. ما أفرز بالنهاية حركات يسارية راديكالية تشكّلت أساسا من الطلاب والعمال؛ وبالمثل أيقظ توجهات يمينية ذات منزع فاشي متطرف. اشترك أثناءها الطرفان، اليساري واليميني، في لوثة العقوق -بالمفهوم الأيديولوجي- بعد أن غدت الأجيال الجديدة مسكونة بأحلام وآمال يغلب عليها الطابع الطوباوي والمنزع الفوضوي.

في الواقع تضافرت عوامل خارجية جنب العوامل الداخلية، دفعت نحو أجواء التوتر وجرّت إلى مستنقع الإرهاب. منها تداعيات ربيع براغ، وتبعات التنافس بين الصين والاتحاد السوفييتي، وعدوى احتجاجات مايو 1968، ذروة عصر الأيديولوجيا والمثاليات الثورية وأوهام التغيير. أي الفترة التي كان يُهتدى فيها بهدي ماركس وإنجلس ولينين وغرامشي وإرنست يونغر ويوليوس إيفولا. لذلك يذهب المتابعون لظاهرة الإرهاب في إيطاليا الحديثة إلى أن "سنوات الرصاص" هي فاصل زمني ضمن حقبة أوسع، أربك فيها الإرهاب مسار الدولة. وبالتالي يمكن توزيع تلك الحقبة على ثلاث محطات: أولاها تلك التي غلب فيها طابع الإرهاب الانفصالي، وتندرج ضمن هذا الصنف الأعمال المقترَفة في إقليم آلتو آديجي، شمال إيطاليا، من قِبل الجماعات الناطقة بالألمانية الساعية للانفصال حينها. فكثّفت هجماتها على المواقع الحيوية، ثم ركّزت جلّ اعتداءاتها على القوات النظامية؛ وأما المحطة الثانية فهي مرحلة الإرهاب اليميني المدعوم من قبل عديد التنظيمات، مثل "الطليعة القومية" (أفانغوارديا ناسيونالي)، و"النظام الجديد" (أورديني نوفو)، و"نظام السود" (أورديني نيرو)، التي سارت ضمن "استراتيجية بث الرعب" وسط العامة، حتى بلغت ذروة عنفها في تفجير محطة أرتال مدينة بولونيا في الشمال في العام 1980 مخلفة 85 قتيلا؛ وثالث المحطات في تاريخ الإرهاب في إيطاليا مرحلة الإرهاب اليساري منذ العام 1970، خصوصا مع تنظيمات "الألوية الحمراء"، و"الخط الأول" (بريما لينيا)، و"الصراع الدائم" (لوتّا كونتينوا)، التي ركزت أعمالها الإرهابية على النخب السياسية والإعلامية والفكرية والقضائية، على خلاف الإرهاب اليميني الذي توجه بإيذائه نحو عامة الشعب.

وكما بينت الأبحاث الاجتماعية أن فظاظة الإجابة المؤسساتية، من قبل الأنظمة السلطوية، في وجه الحركات الاجتماعية الباحثة عن البروز؛ فضلا عن غياب تطوير سُبُل تخفّف من حدة الصراعات الاجتماعية والسياسية، عادة ما تدفع باتجاه تنامي ظاهرة الإرهاب. ولكن برغم غياب مثل هذ العوامل في المجتمع الإيطالي، فإن العنف الذي ضرب البلد قد حصل داخل سياق ديمقراطي تتوفر فيه فرص التعبير عن المطالب للجميع عبر الوسائل المشروعة. لعله من هذا المأتى جاء تعريف الإرهاب في موسوعة تريكاني الإيطالية بإيجاز بليغ "كونه حربا مشنونة بدون قواعد".

الإرهاب وليد الغلوّ

لقد انطلق الإرهاب اليميني في إيطاليا حين بدأت تجمعات ذات ميولات فاشية تدفع بالدولة للسير في مسار مقصود. وذلك عبر تدبير عمليات تفجير استعراضية، ضمن "استراتيجية صناعة التوتر". كانت أولاها عملية "بياتسا فونتانا" في ميلانو سنة 1969، التي هدفت إلى إشاعة الرعب والخوف بين الناس بقصد دفع الدولة إلى تغيير مسارها الديمقراطي، وإحداث ردود فعل من داخلها تجاه التوجهات الليبرالية واليسارية المتنامية، بقصد خلق منعطف سياسي نكوصي.

مع أن هناك من يذهب إلى أن بعض العمليات الإرهابية اليمينية، في "سنوات الرصاص"، كانت بتنسيق، أو من صنع عناصر من داخل جهاز الدولة، بغرض خلق أجواء تبرر القبضة الأمنية وتضيق هامش الحريات الواسع، ومن ثمة التوجه بمسار الدولة نحو خط سلطوي، وقد عُرِف هذا التكتيك باستراتيجية الضغط. الأمر الذي دفع لاحقا بالرئيس فرانشيسكو كوسيغا إلى إنشاء لجنة للتقصي بهدف الكشف عن المورَّطين الفعليين في التفجيرات والاغتيالات والعمليات الإرهابية.

وأما من جانب الإرهاب اليساري الذي عانت منه إيطاليا طويلا، جدير أن نعي، أنه قبل أن يتشكل تنظيم "الألوية الحمراء" الطوباوي الأهداف، داخل أحضان حركة "موفيمنتو ستودينتيسكو" الطلابية، مع ريناتو كورشيو ومارا كاغول، وقبل أن يجد مرجعيته الملهِمة في الثورة الكوبية والمقاومة الفيتنامية والثورة الثقافية الصينية، كانت يوطوبيا تحقيق دولة البروليتاريا حاضرة بشكل واسع وبعمق في الأوسط اليسارية. والجلي أن تلك الشبيبة الحالمة –النواة الأولى للألوية الحمراء- ما كانت تستلهم رؤاها من الشيوعية السوفييتية، الماثلة أمامها، بل كانت تتطلع، بعين ملؤها الإعجاب والانبهار، إلى كوبا وإلى نموذج فيديل كاسترو وتشي غيفارا. ولا غرو أن بين ثنايا الحركة "البَرْتيجانية" اليسارية، التي ساهمت في إسقاط الفاشية في إيطاليا، كان من يتطلع إلى مواصلة العمل الثوري حتى بناء الجنّة الاشتراكية الموعودة، فقد كان الاستعداد النفسي حاضرا بالقوة أيضا في ثنايا النسيج الاجتماعي.

داخل تلك الأوضاع المفعمة بالحس الصوفي الاشتراكي، دفعَ الإحساسُ المفرط بالنقاوة الثورية تنظيمَ الألوية إلى توتير علاقاته بالحزب الشيوعي الإيطالي، بل عَدّه حزبا مُتبرْجِزاً ومتنكرا للعقيدة البروليتارية، وذهب بعيدا حد اغتيال بعض رجالات الحزب متّهما إياهم بخيانة الثورة والتنكر لأهداف المجتمع البروليتاري. وبالمثل ما كانت تربط الألوية صلات حسنة بالأوساط النقابية، فجاءت المواجهة باتهام قادة المنظمات العمالية بتشويه المسار النضالي للطبقة الشغيلة، وتقصيرهم في تأجيج الصراع الطبقي. وبرغم المنشأ شبه النِّحْلي لتنظيم الألوية، من رحم "الشيوعية الخالصة"، يبقى التنظيم وليد تمازج مكونات ثلاثة: عمالية في مصانع ميلانو، وطلابية في جامعة ترنتو، وسياسية مرتبطة بخط مقاومة الفاشية في ريجيو إيميليا.

نقطة اللاعودة.. بداية السقوط

وبالعودة إلى مسار التنظيم التاريخي، يمكن رصد محطات رئيسية في العمل الثوري للألوية الحمراء: مرحلة الدعاية المسلحة (1970-1974)، والتي كانت تهدف إلى خلق طليعة نموذجية تدل على مسار بلوغ السلطة وتقود إلى إرساء دكتاتورية البروليتاريا؛ ومرحلة مهاجمة قلب الدولة (1974-1980)، بعد بلوغ اليقين أن النظام لا ينبغي إصلاحه بل إسقاطه؛ ومرحلة الانقسام والتحلّل (1981-1988)، وهي بمثابة "نقطة اللاعودة"، التي عادة ما تنتهي إليها دورة النضال الفوضوي، بالبحث عن الحفاظ على التواجد ومن ثمة العزلة، بعد تلاشي الأهداف الاستراتيجية. وعادة ما تخلّفُ تلك المرحلة انشقاقات داخلية، يتحول فيها السلاح إلى أداة موجَّهة نحو الداخل لتسوية صراعات استراتيجية ورؤيوية، فيغدو مجرد إعادة التفكير في المسار خيانة وتنكرا للماضي المجيد، الذي يتخذ صبغة قداسية.

كانت استراتيجية الإطاحة بالنظام السياسي القائم، ومن ثمة النظام الاجتماعي -بعد الخروج من حيز الجامعة والمصنع-، متمثلةً في مهاجمة الوجوه الرمزية لمؤسسات الدولة. فتحول على إثرها تكتيك الألوية الحمراء من شكل النضال الطبقي إلى مهاجمة الصورة الشرعية للدولة. تعددت العمليات الإرهابية حينها في عدة مناسبات، حتى جاء اختطاف ألدو مورو -سكرتير حزب الديمقراطية المسيحية ورجل الوفاق مع الحزب الشيوعي الإيطالي- وتصفيته بعد 55 يوما من اعتقاله (في التاسع من مايو 1978) مسّا موغلا من هيبة الدولة ومن وحدة الطبقة السياسية، وبالمحصلة ضربا للديمقراطية الوفاقية، التي اختارها المجتمع الإيطالي سبيلا للقطع مع الإرث الفاشي.

فالرجل كان من بين أعضاء المجلس التأسيسي سنة 1946، تقلّد منذ 1959 مهام سكرتير حزب الديمقراطية المسيحية، وترأس ثلاث حكومات متشكلة من الوسط واليسار، وما بين 1970 و 1974 عُيِّن وزيرا للخارجية. دفع الأذى الكبير الذي خلّفه قتل ألدو مورو، رغم نداءات من البابا ومن كورت فالدهايم الأمين العام للأمم المتحدة وقتئذ لإطلاق سراح الرجل، دفع الدولةَ إلى خوض غمار عملية غربلة سجّادية للمجتمع، لم تضيق فيها على الديمقراطية ولم تبطش فيها اليد الأمنية. بلغت فيها أعداد المورَّطين المرتبطين بشبكات الإرهاب 4200 نفر، وبلغت أعداد المستجوَبين قرابة 20.000 شخص.

لكن في مقابل تلك القبضة الحازمة بقصد التصدي لظاهرة الإرهاب، والتي أسفرت عن اعتقال زعيم تنظيم الألوية الحمراء ريناتو كورشيو سنة 1976، مع أنها لم توقف عمليات التنظيم الإرهابية، خاضت الدولة سياسة استيعاب في الآن نفسه، واختارت توسيع التحالف ضد الإرهاب بحشد كافة الأطراف الرافضة للعنف المسلح إلى جانبها، أيا كانت الطروحات السياسية، وهو ما أصاب الألوية الحمراء التي باتت معزولة في مقتل. الأمر الذي أحدث تململا داخل اليسار المتواجد خارج البرلمان، مشكلا فصيلا تحت مسمّى "الصراع الدائم" (لوتّا كونتينْوا)، الذي رفع شعار "لا مع الألوية الحمراء ولا مع الدولة"، وهو فصيل يعود منبته إلى التراث الطهري اليساري الذي سبق أن أشرنا إليه.

وفي خضم صراع الدولة الإيطالية مع الإرهاب بينت التجربة -وبما يشبه اليقين- أن الديمقراطية سلاح فعّال في التصدي للإرهاب، لا سيما حينما تكون خيارا استراتيجيا لا مجرد ديكور؛ إذ بالمقابل تبدو الديمقراطية أداة عاجزة عن مقاومة هذه الآفة، حين يسود التلاعب بها وتوظيفها عند الحاجة للتستر على سياسات منافية للمنطق الديمقراطي.

لا مراء أن مقت الإرهاب والتصدي له من لدنّ أطراف عدة وفي مجتمعات مختلفة، قد خلّف نوعا من الانحرافات في التعاطي الرصين مع هذه الظاهرة المقلقة والمؤذية. يتعرض جيف غودوين في مقال منشور في مجلة "سوشيل موفيمنت ستادييز" بتاريخ 2004 بعنوان "ما ينبغي أن يُفسَّر حتى نفسِّر الإرهاب؟" إلى أن كثيرا ممن كتبوا عن الإرهاب تورطوا في "بزنس" مضادة الإرهاب مما شوّه أبحاثهم ووقف حائلا دون تقديم إجابات موضوعية عن ظاهرة الإرهاب. فلئن يكن الإرهاب في مجمل تشكلاته خارجا من رحم الفكر الفوضوي (الأيديولوجي أو الديني، اليميني أو اليساري)، فإن فهمه ومن ثمة محاصرته ينبع كلاهما من رحم الفكر العقلاني الرصين لا الفكر المتهوّر.

 

د. عزالدين عناية جامعي تونسي بإيطاليا

 

محمود محمد عليفي هذا الجزء الخامس من حديثنا عن كيفية سقوط الاتحاد السوفيتي بحروب الجيل الرابع نقول:  في عهد الرئيس "أنور السادات"، كانت مصر تمثل لاعباً رئيسياً ثانياً، فقد نظمت نقل المتطوعين المصريين إلي أفغانستان، بمن فيهم الإخوان المسلمين، الذين شكلوا نسبة كبيرة من المقاومة المناوئة للسوفييت . وبعد "اغتيال دعاة الإسلام السياسي للسادات في 1981، قام بعض من هؤلاء الذين سجنوا مؤقتاً، بهذه الرحلة لاحقاً، ومنهم "محمد عاطف"، الذي أصبح معاوناً لصيقاً لـ"ابن لادن"، وحارب كثيرون من دعاة الإسلام السياسي المصريين المتشددين مع حزب حكمتيار الإسلامي" .

وتم تنظيم شحنات الأسلحة المقدمة إلي المتمردين الأفغان ونقلها من خلال باكستان، خاصة عن "طريق جهاز المخابرات الباكستاني، وفي اجتماع عقده الجنرال "ضياء الدين" مع "بريجينسكي" في يناير 1980، أصر علي ألا تقدم وكالة المخابرات المركزية إمدادات مباشرة للأفغان، بغية الإبقاء علي سيطرة باكستان علي العملية؛ ومن بين الكميات الضخمة من الأسلحة المصدرة إلي باكستان، بافتراض توزيعها من هناك علي الجماعات الإسلامية، باعت القوة الباكستانية نحو الثلث منها في السوق السوداء، ولم تحصل مطلقاً إلي متلقيها المقصودين، ومن 1983 إلي 1987، ارتفعت الشحنات السنوية من الأسلحة من 10 آلاف إلي 65 ألف طن" .

وقد جري تنظيم المقاومة الأفغانية في سبع مجموعات أساسية، عرفت باسم "بيشاور"، علي اسم مدينة تقع في شمال غربي باكستان؛ حيث تمركزت في قواعد، وكانت أهم أربع جماعات جميعها من المتشددين الجهاديين، الذين يؤمنون بالحرب المقدسة والتزموا ببناء مجتمع إسلامي، وقد أسماها أحد المؤرخين بأنهم " الإخوة  الوهابيون"- إذ تأثرت بأيديولوجية الإخوان المسلمين (الإخوانية) والايديولوجية المحافظة بصورة مغالى فيها للسعوديين (الوهابيين). وانقسم الحزب الإسلامي إلي فصيلين، "أحدهما يقوده "قلب الدين حكمتيار"، الذي كان قد انشق علي جماعة رباني الإسلامية، وهيمن عليها الإخوان المسلمون، وكانت هذه هي أقوي الفصائل الباكستانية وتلقت أكبر حصة من المعونة الخارجية؛ خاصة من جهاز المخابرات الباكستاني، والجماعة الإسلامية الباكستانية. وكان الفصيل الثاني من الحزب الإسلامي بقيادة "يونس خالص"، وهو مُلا وعالم كان يبلغ من العمر 60 عاماً، وكان من بين قواده العسكريين "جلال الدين حقاني" و"عبد الحق"، ثم كانت هناك الجماعة الإسلامية لـ" برهان الدين رباني" الذي كان "أحمد شاه مسعود" هو قائده العسكري في الميدان. وكانت الجماعة الرابعة هي الاتحاد الإسلامي الذي يقوده "عبد الرسول سياف"، وهو وهابي له ارتباطات بالسعودية، التي قدمت معظم دعمها لسياف إلي جانب حكمتيار؛ وكان سياف هو الذي ذهب معه بن لادن وكذلك "خالد شيخ محمد"، مهندس 11 سبتمبر، إلي المعركة أولاً" .

وتم إلحاق المتطوعين الإسلاميين غير الأفغان بهذه الجماعات، وانضم معظمهم إلي حكمتيار وسياف، وتتباين تقديرات من تدربوا في أفغانستان وحاربوا فيها بصورة واسعة، من 25 إلي 85 ألفاً. وعلي الرغم من أن إسهامهم في المجهود الحربي ضد المحتلين السوفييت كان كبيراً في بعض الأوقات، فإنه لم يكن له شأن مقارنة بالقوات الأفغانية نفسها، التي وصل عددها إلي 250 ألف في كل الأوقات. وكان المنظر الرئيسي للمتطوعين " الأفغان العرب" هو "عبد الرحمن عزام"، وهو أخ مسلم فلسطيني وأستاذ في الجامعة لقي ترحيباً في السعودية في الستينات، وأثر التعليم الذي قام به في جدة علي "أسامة بن لادن". "وكان عزام قبلاً مسئولاً عن التعليم في رابطة العالم الإسلامي، التي أرسلته إلي إسلام أباد في 1980 للتدريس في الجامعة الإسلامية الدولية، وكانت هي نفسها تمول جزئياً من قبل الرابطة الإسلامية ويشرف عليها الإخوان المسلمون، وفي 1984، انتقل "عزام" إلي بيشاور بعد أن حصل علي موافقة الرابطة لفتح فرع هناك، وسمح له هذا بأن يقيم مكتباً للخدمات لتنظيم قوة المتطوعين المجاهدين، وإدارة أموالها ونشر فكرة النضال الدولي المسلح. وقد أقيم مكتب بيشاور بمساعدة الجماعة الإسلامية الباكستانية وموله أسامة بن لادن في البداية إلي جانب هبات كبيرة من السعودية. وأنفق المكتب 200 مليون دولار من المعونة القادمة من الشرق الأوسط ومن الغرب، أساسهاً أمريكا وبريطانيا، المكرسة للجهاد في أفغانستان، وغالباً ما اعتمدت جهوده في مجال التجنيد علي شبكة مكاتب الإخوان المسلمين" .

هكذا تم إعداد أفغانستان من قبل واشنطن لحرب مروعة دامت 12 عاماً ضد الاتحاد السوفيتي، لم يكن الشعب الأفغاني قد طلبها أو أرادها، وقد كانت حكومة كابول في ذلك الوقت تعد البلاد إلى حكم علماني إصلاحي، أما الولايات المتحدة، فكانت تسعي كما سبق القول إلى تحويل أفغانستان إلى فيتنام للسوفييت هذه المرة، لكى تراق دماء الروس فيها، مثلما أريقت دماء الأمريكيين في فيتنامهم، ولم يكن يهم واشنطن كثيراً أن تتحول أفغانستان إلى دولة إسلامية أصولية متطرفة وهو ما كانت تعادي إيران الإسلامية بعد سقوط الشاه بسببه، بقدر ما يهمها أن ينتشر هذا المد الأصولي الإسلامي إلي جمهوريات الاتحاد السوفيتي في آسيا الوسطي ويقلب الأوضاع على موسكو، "ولم يكن الأمريكيون يجرؤون على استخدام تعبير" الإرهابيين" في وصف هؤلاء المتمردين الإسلاميين، حين كانوا يسقطون بقذائفهم طائرة مدنية في أفغانستان ويزرعون المتفجرات في المطار" .

تمكن المجاهدون الأفغان – وبدعم من قبل الولايات الأمريكية المتحدة، وبريطانيا، ودول أخرى من دحر قوات الاحتلال السوفيتي، وحملها على الانسحاب من أفغانستان؛ حيث تكبدت موسكو خسائر عسكرية كبيرة وعلاقات دولية متوترة. وكان "المحاربون غير النظاميين الأفغان يتم تسليحهم وتمويلهم وتدريبهم بشكل رئيسي من قبل الولايات الأمريكية المتحدة، والسعودية، وباكستان" .

أثار الغزو السوفيتي لأفغانستان ردود فعل قوية على الصعيد الداخلي والدولي، وعمت الثورة أرجاء البلاد، فقد وافق رئيس الولايات المتحدة الأمريكية "جيمي كارتر "على برنامج جديد للمساعدات العسكرية للمقاومة الإسلامية الأفغانية والمعروفة باسم "المجاهدين"، أنفقت الولايات المتحدة الأمريكية ما يقدر بـ 10 مليارات دولار أمريكي على الأسلحة والمساعدات الأخرى، وذلك من بداية الغزو السوفيتي لأفغانستان وحتى سقوط الاتحاد السوفيتي في نهاية عام 1991" .

وبعد سقوط 13.000 جندياً قتيلا وإصابة أخرون كثر، سعى النظام الإصلاحي السوفياتي بقيادة " جورباتشوف"  لخروج يحفظ به ماء الوجه من هذه الغلطة باهظة الثمن، وفي منتصف مايو عام 1988م أحذت القوات السوفيتية تنسحب من أفغانستان، وذلك بعد زيارة "جورباتشوف للولايات المتحدة بعام، وخلال اتفاقية جنيف المجتمعة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي وأفغانستان والتي تهدف لاتفاق إلى حل سياسي، وتم التوقيع على الاتفاقيات الخمس والتي تتعلق بتسوية الوضع في أفغانستان، وبموجب هذه الاتفاقية كان على الجيش السوفيتي المهاجم مغادرة الأراضي الأفغانية مقابل وقف تمويل السلاح للأفغان من قبل باكستان والحكومة الأمريكية" .

هذه نظرة سريعة في التاريخ الأفغاني ودور أمريكا في توجيه العرب والمسلمين في دعمه، حيث رأت أمريكا فى هذه الحرب منفعة لها، فالاتحاد السوفيتي هو العدو الأقوى لها، فإن تأججت نار الجهاد الإسلامي ضده، فأمريكا ستربح في حالتي نصره على السوفييت بطبيعة الحال، أو حتى إن انهزم الجهاد فسيكون أنهك القوات السوفيتية وهو ما فيه النفع للأمريكان.

ثالثاً: فكرة الدولة الفاشلة ومشروع انهيار الاتحاد السوفيتي:

علي الرغم من شدة وتصميم الإجراءات التي اتخذها الرئيس الأمريكي " جيمي كارتر" للرد علي التصرف السوفيتي في أفغانستان، إلا أنها لم تفلح في تهدئة المشاعر التي أثارها العمل السوفيتي، ولا أن تحسن من صورة الإدارة الأمريكية ورئيسها. وأهم من هذا توافق هذا التطور مع قرب إنهاء رئاسة "كارتر" الأولي وبدأ حملة انتخابات الرئاسة، وهكذا " بدأ الإعداد لهذه الانتخابات في وقت سيطر فيه الإحساس بتراجع الهيبة والمكانة الأمريكية، وفعالية السياسة الخارجية الأمريكية، وافتقاد الثقة في اتجاهها، واقترن هذا التصور للإدارة الأمريكية ورئيسها علي أنها إدارة تمزق الخلافات شخصياتها الرئيسية، ويتسم رئيسها بالضعف والتردد، وأنه حين تحولت لهجته وسياسته، فإن خطة المتشدد كان مدعاة للتشويش أكثر مما كان مقنعاً" .

وقد استغل الحزب الجمهوري مرشحه " رونالد ريجان" Ronald Reagan  (1911-2004) هذا المناخ وجعل من شعار معركته الانتخابية العمل علي استعادة مكانة الولايات المتحدة والتصدي للتوسع، واقترنت أدبيات حملتهم الانتخابية بنظرة محافظة إلي الاتحاد السوفيتي أعادت إلي الأذهان ليس فقط صورة الحرب الباردة، وإنما ما اقترن بظهور الثورة عام 1917 وعن طبيعة النظام ونواياه ومدي الثقة فيه وفي قادته، وبالتالي حول أسلوب التعامل معهم، فقد "قدم الاتحاد السوفيتي علي أنه قوة تكمن فيها العدوانية، وبصورة لا يمكن تغييرها من خلال المفاوضات أو الاتفاقيات، وإنما من خلال مواجهته من موقع القوة وممارسة ضغوط جادة ومتماسكة عليه تجبره علي تغيير طبيعته وشخصيته" .

وقد غذي هذا الاتجاه في الإدارة الجيدة وبشر له تيار المحافظين الجدد New Conservatives، وهو التيار الذي ظهر في أوائل الستينات، واشتد في أواخر السبعينات، ولعب دوراً مؤثراً في إسقاط " كارتر" ونجاح "ريجان"، وساهمت أفكاره في صياغة مفاهيم واتجاهات إدارته وبشكل خاص خلال العامين الأولين من حكمه!، وقد استخدم هذا التيار قوته واستغل أن الشعب الأمريكي بعد تجربة  فيتنام، ووترجيت وأزمة الرهائن، يريد أن يؤكد نفسه، ويثبت صحة الوضع الأمريكي والفلسفة الأمريكية، وأن القوة الأمريكية التي تأثرت يمكن استعادتها وفيما يتعلق بتصور هذا التيار للاتحاد السوفيتي، فقد رأوا "أن جوهر الصراع معه يكمن في هيكل نظامه وسياساته، وعلي هذا فقد تصوروا أن هذا الصراع لا يحل بمجرد تطويعه، وإنما ينتهي بموت أحد النظامين أو تحويله".

وهكذا جاء "ريجان" إلي الحكم بتصميم علي تبني مواقف أكثر قوة وجرأة، خاصة بعد أن " لاحظ أن القيادة السوفيتية أخذت تعيش حالة من اللاقرار في ظل قيادة هرمة ما لبث زعماؤها أن فارقوا الحياة الواحدة تلو الآخر (بريجنيف Brezhnev 1982، اندريوف  Andropov 1984، تشيرننكو Czernenko 1985) خلفهم جورباتشوف الذي بدا منذ توليه السلطة عام 1985، متحمساً لتحقيق إنجازات كبيرة علي صعيد علاقات الاتحاد السوفيتي في العالم بغية التفرغ لتسوية الأوضاع الداخلية المنهارة" .

وعندما جاء "جورباتشوف" إلي قمة السلطة عام 1985 راعه الوضع المتردي الذي وصل إليه الاتحاد السوفيتي وما ترتب علي ذلك من اهتزاز مكانته العالمية . فمنذ النصف الأخير من السبعينيات، بدأ الاتحاد السوفيتي يفقد فعلاً قوة اندفاعه؛ خاصة في المجال الاقتصادي، فقد تدهورت معدلات النمو الاقتصادي لأكثر من النصف، وبحلول الثمانينات انخفضت إلي مستوي قريب من الركود، وذلك في وقت أتاحت فيه الثورة العلمية والتكنولوجية المتقدمة آفاقاً جديدة للتقدم الاقتصادي والاجتماعي والعسكري في الغرب، دون أن يعمل الاتحاد السوفيتي علي الاستفادة منها . وقد انعكس هذا الركود الاقتصادي، علي حياة المجتمع السوفيتي بأن تدني مستوي المعيشة، الأمر الذي "أدي إلي انتشار الاتجاهات السلبية وتدهور تدريجي في القيم الايديولوجية والمعنوية، وبدأ الفساد يسري في الأخلاقيات العامة والخاصة" .

وقد لاحظ "جورباتشوف" أن السبب الرئيسي لهذه السلبيات إنما يرجع إلي جمود وعقم النظام السوفيتي، فكراً وممارسة في عهد بريجنيف. ولذلك "دعا إلي ضرورة تبني استراتيجية جديدة شاملة تقوم علي منطلقات فكرية بناءة وأساليب عمل أكثر كفاءة متحررة من جمود البيروقراطية العقيمة، وقد أطلق علي هذه الاستراتيجية اسم" البريسترويكا: أي إعادة البناء" .

ويذكر لنا بعض الخبراء الثقات في الشؤون الاقتصادية السوفيتية أنه بالرغم من أن الاتحاد السوفيتي أقر عدداً من الإصلاحات الاقتصادية الجزئية في منتصف الستينات هادفاً منها إلي دعم استقلالية الإدارة في الوحدات الاقتصادية للحد من تسلط الأجهزة المركزية عليها، مع التوسع في الأخذ بنظم الحوافز الاقتصادية، فإن الطابع العام لأسلوب التخطيط والإدارة بقي متسماً بدرجة عالية للغاية من المركزية والجمود . من جانب آخر، فإن الاصلاحات الجزئية المحدودة في آفاقها ووسائلها وأهدافها، لم تكن كافية بذاتها للتغلب علي آثار الركود الاقتصادي الطويل الذي بدأ الاتحاد السوفيتي يعاني مشكلاته وصعوباته منذ مطلع السبعينات، وكان صلب هذه المعضلة الاقتصادية مرتبطاً بعدم وجود الآليات الضرورية التي بمقدروها تحفز الوحدات الاقتصادية علي التحسين المستمر لإنتاجها، أو تهيئة الإمكانية التي تسمح بتطوير الإنتاج، وبالتالي الاستفادة من ثمار التطور العلمي والتكنولوجي، وقد نتج عن هذا الركود، وعن " انعدام القدرة علي التجديد والابتكار والمبادرة، اتساع الفجوة بين الاتحاد السوفيتي والدول الرأسمالية المتقدمة، وكان لهذا التراجع ضريبته الاقتصادية الفادحة التي تمثلت في إهدار الموارد والطاقات، وارتفاع تكلفة الإنتاج بصورة غير اقتصادية بتاتاً" .

لقد شخص جورباتشوف أزمة الاقتصاد السوفيتي والإدارة السوفيتية في كتابه "بريسترويكا"، و"إعادة البناء" علي النحو التالي:

1-إن المسؤولية عن الركود الذي أصاب عملية التطور الاقتصادي والاجتماعي في الاتحاد السوفيتي تعود في المقام الأول إلي النهج الذي تمسكت به قيادة الحزب والدولة . فهذه القيادة لم تتجاوب بدرجة كافية، ولا في الوقت المناسب، مع ما كانت تفرضه ضرورات التغيير ومتطلباته، وكان ذلك عائداً بالأساس إلي قصورها في استيعاب الأخطار التي ستنجم عن تفاقم أسباب الأزمة الاجتماعية والاقتصادية في الدولة السوفيتية، وبالتالي فإنها لم تكثرت ولم تشغل نفسها برسم سياسة واضحة المعالم والأهداف لتخطيها والتغلب علي آثارها المتوقعة.

2- إنه إذا كان ثمة هفوات خطيرة تسببت في تباطؤ مسار التنمية الاقتصادية والاجتماعية، فإنها لم تكن محصورة كلها في ميدان الإدارة الاقتصادية فحسب، وإنما امتدت لتشمل المجال النظري / الايديولوجي كذلك . من ذلك أن التصورات النظرية عن الاشتراكية بقيت في جوانب كثيرة منها جامدة عند مستوي الثلاثينيات والأربعينيات. الأفدح من ذلك أنه جري تصوير البنية الاجتماعية السوفيتية علي أنها خلت من التناقضات، ومن تضاربات المصالح بين مختلف فئات وشرائح المجتمع السوفيتي، وكان هذا الزعم مجافياً للواقع، ولم يعكس بأمانة الأمر علي حقيقته . وبطبيعة الحال، فإن هذه التفسيرات النظرية / الأيديولوجية الخاطئة قادت بالضرورة إلي نتائج سلبية وخيمة غشيت كل مرافق الحياة في الاتحاد السوفيتي، وحالت دون الكشف عن مزايا النظام الاشتراكي واستثمارها بصورة فعالة وإيجابية.

ويبلغ جورباتشوف قمة الجرأة والصراحة عندما يعلن :" أن جذور هذه العملية تكمن في مجموعة النواقص الخطيرة التي عانت منها مؤسسات الديمقراطية الاشتراكية عند اضطلاعها بوظائفها، وأيضاً في الأحكام والتفسيرات النظرية والسياسية التي تقادم عليها الزمن، ولم تعد تساير ظروف الواقع، هذا بالإضافة إلي جمود آليات الإدارة".

وفي التقرير الذي قدمه جورباتشوف إلي اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفيتي في يناير 1987، جاء :" أن أي محاولة لتحويل النظرية التي نسترشد بها إلي مجموعة من البرامج والوصفات الجامدة والصالحة لكل أحوال الحياة وفي كل مكان، إنما تتعارض كل التعارض مع جوهر وروح الماركسية اللينينية . إن الوضع الاقتصادي والسياسي الذي نعيشه، كما أن المرحلة الراهنة من الحقبة التاريخية التي يمر بها المجتمع السوفيتي والعالم كله، أصبحت تتطلب من الحزب ومن كل شيوعي الإبداع والعمل بروح التجديد التي تتجاوز أطر التصورات التقليدية التي ولي زمانها" .

ويختص جورباتشوف قضية الديمقراطية بأقصى درجات الاهتمام عندما يشير في التقرير المذكور :" يصعب علي الرفاق فهم أن الديمقراطية ليست مجرد شعار، وإنما هي جوهر التغيير، ومن ثم يجب عليهم تغيير وجهات نظرهم وعاداتهم كي لا يجدوا أنفسهم علي هامش الحياة، إن إشاعة الديمقراطية في المجتمع تطرح من زوايا جديدة مسألة الرقابة علي عمل الهيئات الحزبية وغيرها من الأجهزة الإدارية والاقتصادية وكوادر العاملين فيها" .

ومرة أخري يبلغ ذروة الشجاعة في كسره للتقاليد والأعراف الحزبية التي فرضت نفسها بقداسة لا نظير لها علي واقع الحياة السياسية السوفيتية عقوداً طويلة من الزمن قاربت علي السبع، عندما يقول :" إن الاتجاه المهم في نشر الديمقراطية في حياتنا الاجتماعية، هو عدم التواني عن ترشح الرفاق غير الحزبيين ( أي غير الشيوعيين) للمناصب القيادية، إنها مسألة مبدأ" .

ثم يقدم جورباتشوف منظوره الذاتي لآفاق التغيير الشامل الذي تنشده " البريسترويكا"، عندما يذكر :" إننا نعيش اليوم مرحلة انعطافية من عملية التغيير التي يجب أن تشمل كل مجالات حياتنا المادية والروحية، وتتميز هذه العملية بتعميق عمليات إعادة البناء وإشراك الجماهير العامة بملايين أفرادها في إنجازها . لقد باشر الحزب عملية التغيير الثوري، وهو يبدأ بتغيير نفسه . إن هناك أسلوباً واحداً فقط مقبولاً لمحادثة الناس هو أسلوب الإقناع، ومن ثم، لا يمكن اللجوء إلا إلي طريقة واحدة هي الحوار علي قدم المساواة ". ويضيف :" إن مسألة العلانية هي مسألة مبدئية وبالنسبة لنا إنها مسألة سياسية . فبلا علانية لا توجد ولا يمكن أن توجد ديمقراطية أو إبداع سياسي للجماهير أو إسهام شعبي فعال في عمليات الإدارة، إن هذا، إذا أردتم، الضمانة نحو خلق الموقف الذي تتصرف فيه الدولة بروح المسؤولية والذي سيشكل نقطة الانطلاق نحو إعادة بناء كوادرنا سيكولوجيا"، ثم يؤكد :" لا توجد في الحزب، ولا يمكن أن توجد، منظمات حزبية خارج الرقابة، مغلقة بوجه الانتقاد، لا يوجد، ولا يجب أن يوجد، قادة لا يخضعون للمسؤولية الحزبية".

وحول تصوره للموقف السياسي عند هذا المنعطف التاريخي، يقول جورباتشوف :" لقد حان الوقت لفهم الحقائق الصارمة للعصر الذي نعيشه فهماً كاملاً، ومن تلك الحقائق، أن السلاح النووي ينطوي في ذاته علي إعصار بإمكانه أن يمحو الجنس البشري من الوجود . إن مثلنا الأعلي هو عالم بلا سلاح وبلا عنف، وليس ثمة بديل لهذه السياسة، ويؤكد أن السعي إلي التفوق العسكري لا يمكن موضوعياً أن يؤدي إلي كسب سياسي لأحد . وهذا يعني أنه لا يوجد في الوضع الراهن بديل للتعاون والتعاضد بين جميع الدول، وعليه يمكن القول إن ظروفا موضوعية قد نشأت ويمكن فيها للصراع بين الرأسمالية والاشتراكية أن يدور بوسائل التنافس السلمي وحدها" .... وللحديث بقية !

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

عبد الرزاق عودة الغالبيهل الحقيقة هي الأصل أم الأصل هو الحقيقة وما موقع الذريعة من ذلك...؟ ...وبرأيي، لا حقيقة دون أصل تسنده ذريعة، فإن التأصيل هو جوهر الفلسفة، وهو القاعدة للوصول إلى الحقيقة، وهو منظور يفضي نحو التأمل في الأشياء بشكل منطقي للوصول نحو عمق جوهرها، وكل شيء في الحياة ينبع من ثنائية واقعها ملموس وأصلها مخفي، وينظر الماديون على أنها نوع من الفلسفة الأحادية تتبنى المادة على أنها المكوّن الأساسي للطبيعة، وأن كل الأشياء، بما فيها الجوانب العقلانية كالوعي، هي نتاج لتفاعلات مادية، أما المادية بشكل مبسّط فتحدّد العالم بعناصر محددة (مثل العناصر الأربعة نار، هواء، ماء، وتراب) وهي تنظر للحقيقة من منظور الوعي المادي ...

الفلسفة الأحادية monolithic philosophy التي يمارسها الفلاسفة الغربيون بثلاث أنواع: نوع مثالي ونوع مادي والثالث محايد، لكنها تتفق على أن الأشياء المتنوعة الموجودة في الكون تتكون من مادة واحدة، وبهذا تكون خاصية الكون الأساسية هي الوحدة، تتعارض هذه النظرية مع الثنائية، التي تقول بوجود واقعَين (مادي وفكري)، وتنظر للكون بنظرة مثالية وموقف فلسفي نظري وعملي يردّ كل ظواهر الوجود إلى الفكر، أو يجعل من الفكر منطلقًا لمعرفة الوجود أو الحقيقة، مؤكدًا على أسبقية المثال (بكل معانيه) على الواقع، هو المذهب القائل بأن حقيقة الكون أفكار وصور عقلية، وأن العقل مصدر المعرفة في الواقع، ويدحض فيها الجانب غير الملموس أي الجانب المخفي أي (الأصل) الذي يكون عند هذه الفلسفة (غياب) إلا بالرؤيا، والواقع فيها يغطي اللاواقع، والوعي ينفي اللاوعي، والصوت ينفي الكتابة، وهذا جوهر حديثي، الذي زج فلاسفة الأحاديات اللغةَ فيه، واستكثروا الميتافيزيقية على مريدي الجانب الثنائي...

ومن وجهة نظري العكس هو الصحيح، وبمنظور حضاري علمي واقعي، فلا يخلق حي إلا من جذر، ولا يخرج مرئي إلا من مخفي، ولا نهار إلا من ليل، والنظرة المادية تقيس الشيء بوجوده الفيزيائي لإشغاله حيزًا من الفراغ، وهذا إقرار لوجود المكان وأهميته في الوجود واللاوجود، وهذا بحد ذاته يقودنا نحو التبادل المكاني، فحلول الليل يحتل مكانه النهار، وحلول النهار يحتل مكانه الليل، وتلك حقيقة تفهم بالنتائج وليس باللمس أو الرؤيا، فكل موجود في الدنيا ينبع من أصل غير مرئي، وتلك هي "ثنائية" الموجودات التي أثبتها التقدم العلمي والحضاري، وغيّب فيها الفلسفة في قرننا التكنولوجي هذا، فما عادت الفلسفة كافية لاكتشاف الحقائق، بل عوّض التقدم العلمي بكشف الأسرار التي كانت في سابق عهدها وقبل قرن حيزًا من الافتراضات...

وبدأت شخصنة الفكر تنحسر من قائمة الفلاسفة، ولم يضاف لتلك القائمة من جديد، بفضل المنجزات العلمية القائمة على مسح جميع الافتراضات التي تسكن أرض الواقع، ومنها الافتراضات الخاصة باللغة، بعد أن كشف العلم أنها مصدر ونتاج عقلي بامتياز، فأسقطت نظرية

تشومسكي التوليدية في حيّز الحقيقة اللغوية، حين سقط الافتراض فيها وصارت أرضيتها مكشوفة ومحسوبة النتائج بالأجهزة الطبية الحديثة...بعد كشف منطقة (بروكا وفيرنيك) التي تخصّ اللغة في المخ البشري....

 ولو عدنا للمنظور الفلسفي ورجحنا الجانب الأحادي، علينا إخفاء الأصل وتغطية الذريعة بالمنطق وسحبهما من الوجود، والعمل بالحقيقة البارزة من أصل فقط، إذا لا حقيقة في الوجود إلا بأصل، فالأصل يشكل جزءها الأول وحقيقتها تشكل جزءها الثاني، وبناءً على تلك القاعدة تتكئ الموجودات في الوجود على بنية ثنائية وليست أحادية، لكون الأحادية تعني نبذ الثنائيات والاعتماد على الكينونة الملموسة المنفردة في اللغة، أي الصوت فقط واستبعاد الكتابة، يعني ذلك موت الإله لديهم حين يدخل في حيز الحقيقة الملموسة والوجود المرئي، الذي جعلوه أصلًا للغة المنطوقة، ونطقها في حيز الواقع يُعدُّ وجودًا للموجودات وحضورًا ذاتيًا للإله، وكتابتها تنفيه من الحضور، بمعنى حضوره يُعدُّ موتًا، ونسوا أن الإله هو أصل الموجودات جميعًا، فهو (.... يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ويحيي الأرض بعد موتها.....)، وأن الأشياء لم تكن حقيقة ملموسة مالم تنبع من أصل غير مرئي، لذلك نصّت أحاديثهم على أن وجود النص المكتوب هو إعلان لموت كاتبه، وذلك الافتراض يشمل النصوص المقدسة وكاتبها، والحقيقة بنظري تظهر بمعكوس رؤيتهم الساذجة لهذا المنظور الأحادي بنظرة ميتافيزيقية، والواقع هو أن وجود النص بالمنطق يُقرّ وجود كاتبه، ولو انتفى وجود النص ينتفي كاتبه معه، فثنائية الخالق والمخلوق هي بحدّ ذاتها ثنائية الواجد والموجود والكاتب والمكتوب....وكما الصوت يثبت حضور الإله موقتًا فإن الكتب السماوية تقرّ خلوده، وتلك القاعدة المسنودة بذريعة التأصيل تنطبق على جميع أصحاب النصوص في التراث الثقافي العربي والإنساني الذي خلّدتهم نصوصهم.. وهذا امرؤ القيس يعيش بيننا....

نحن نعيش حياة حضرية يغزوها الالكترون وهو شاهد بسيط على ثنائية الخلق، من منا من شاهد الالكترون....؟فهل هو منتفي لأننا لا نراه أم موجود بنتائجه المبهرة والمنتشرة في حياتنا...؟؟ أظن لا حياة دونه... هل هو غائب وهو يشغل كل موجودات المنزل والشارع والعمل، ويضعك مع أبعد نقطة من هذا العالم صورة وكلامًا، كيف حدث ذلك ماديًّا؟ الالكترون الآن هو ما يتحكم في هذا العالم، ولو كان في القرون الوسطى لعبدوه، إذًا فهذا الأمر وحده دحضٌ لمنظور الأحادية، وقلب مفهومه رأسًا على عقب، وجعل الأصل هو الموجود والنتائج هي الحقيقة الثانية المستندة عليه والنابعة منه، مع إن أصل الالكترون غائب بيننا فيزيائيًّا، لكنه حاضر وبشدة بذريعة نتائجه، إذًا الشيء الموجود معروف بالنتائج ومعدوم بعدميتها، سواء كان غائبًا عن الرؤيا أو في حيّزها، وهذا مثال آخر يقرّ بأن النص يحيي الكاتب، بل يخلده، وهذا أرسطو حاضر بيننا بكتاباته وإن مات جسدًا منذ قرون...

تلك هي حقيقة "الأصل" التي أتحدث عنها، هي ما أسميتها "بالذريعة" أو"المنفعة" التي أوجدها الخالق في كل شيء، وخلق فيها النفع وعدميته، ولا أقول الضرر، فإن المنفعة توجد في كل شيء

وبعدميتها لا قيمة للشيء، فكل منا يرمي الأشياء الخالية من المنفعة في المزبلة كل يوم لانتفاء المنفعة فيها!.. خلق الله جميع مخلوقاته بمنفعة مكملة ومقدرة وبحساب دقيق، فكل حقيقة مرئية أو مفهومة بالنتائج، إذا كانت ذات منفعة فهي موجودة بذريعة المنفعة، وإن انحسرت المنفعة فيها فلا قيمة لها، ووجودها يصبح كعدمها، حتى علاقتنا مع الله هي منفعة، تنفيذ أوامر الله للمخلوق بالصيام لأجل منفعة الصائم جسديًّا، فرض الصلوات الخمس لرياضة العقل والجسد والروح هي منفعة، وخلق كل مخلوق على هذه الأرض مرئي أو غير مرئي بذريعة المنفعة، واختفاء أي مخلوق في الانقراض يشكل ضررًا ماديًا في الحياة وديمومتها، فأي تغيير نراه الآن في المناخ والطبيعة هو ناتج عن اختفاء مخلوقات ساهمنا نحن البشربنفاذها دون إدراك قيمتها ومنفعتها وفائدتها في التوازن الطبيعي الساند لحياتنا في الاستمرارية، فكل مخلوق من مخاليق الله ابتداءً من الجرثومة حتى الفيل قد أوجده الخالق بذريعة تتلبّسها المنفعة لتكمل بعضها البعض، وكل مخلوق خلقه الله له واجب وذريعة في التوازن الطبيعي (يضع الله سره في أضعف خلقه) وتلك ذرائع أعطاها لنا الله كأعمدة للوجود والاستمرارية في الحياة وكانت "اللغة" واحدة منها ... 

وحين خرج أصحاب اللغة - وأقصد الشعراء - إبان نزول القرآن الكريم في مطلع القرن السابع الميلادي، من حيز "المنفعة" نحو حيّز "النفعية" بذريعة سلبية وهي الطمع والجشع في المدح ثم الابتزاز بالهجاء، عدّل الخالق هذا المسار المعوج في اللغة، ونبّه أصحابها بسورة الشعراء الآيات (٢٢٤ و٢٢٥و٢٢٦) وطلب من الشعراء وأصحاب الكلمة النافعة أن ينضووا تحت الآية (٢٢٧) وأن يعودوا للمنفعة بذريعة الكلمة الطيبة الساندة للمجتمع بأخلاق إسلامية نابعة من أهمية اللغة وخطورتها في المجتمع العربي الإسلامي، وإن لا يتبعوا هوى النفعية بذريعة ملاحقة الطمع والجشع وابتزاز الناس والتفريق بينهم، وهنا وضع الله إسفينا بين "المنفعة" الموجودة في أوامر الخالق لمخلوقاته، وهي أرزاق جعلها الله بساطًا لديمومة ممالكه الثلاث، البشرية والحيوانية والنباتية، فكل تلك الممالك أرزاق ومنافع جعلها الله للبشر، فحين أخذ الجشع والطمع منهم ماخذًا تحوّلوا نحو "النفعية" فأغضبوا الله بذلك، فحذّرهم بسورة الشعراء كما أسلفت....

فالمنفعة: لغويا، في قاموس المعاني والقواميس العربية الأخرى تعني" منفعة عامة بفوائد مشتركة بين الناس، وتصرح السلطات بإمكانية توفيرها للشعب... ومذهب المنفعة في الفلسفة والتصوف أي في النظرية الأخلاقية التي تقول: إن كل الأفعال يجب أن توجه نحو إحراز القدر الأكبر من السعادة لأكبر عدد من الناس1 ......أما "النفعية": في قاموس المعاني أيضًا، فهي: مذهب للذين يطلبون المنفعة المجردة، ويرون المنفعة هدف كل عمل، وهو مذهب للوصول إلى المراد من غير تعب أو جهد أو استحقاق، وبطريقة غير شريفة وغير مستقيمة أحيانًا2 ....!!

وهنا جاء اللبس بين المعنيَين بالأمر، فصار من يخلط بين المنفعة والنفعية، لذلك سبّب لي هذا الخلط الضرر الكبير من الذين يعارضون الجديد دون النظر فيه والتدقيق في محتواه، حتى وصل الأمر بهم لشتمي في العلن، ومطالبتهم بحرق كتبي الذرائعية لأنها تحمل هذا المصطلح (pragmatism) ولم يفرّق المعترض بين اللبس في معناه، فهذا المصطلح الإنكليزي له سحر سلبي على بعض العقول العربية دون النظر فيه والتدقيق ومعرفة أصله ومحتواه، لذلك أوضح محتواه الأجنبي والعربي بما يلي:

- هذا المصطلح (pragmatism) يحوي المعنيين معًا (المنفعة والنفعية) لو ترجم للغة العربية لكون طبيعة اللغة العربية تختلف عن اللغات الأخرى في تأويل المعنى، وطغى المعنى السلبي على هذا المصطلح من أول ظهور له عام ١٨٧٨ وقد اقترنت فلسفة البراغماتية السلبية (النفعية) باسم (وليم جيمس وجون ديوي)، حتى الربع الأخير من القرن العشرين، حين خرج فرع إيجابي من البراغماتية النفعية السلبية تبناه الفيلسوف الأمريكي "ريتشارد رورتي" في أوائل السبعينات، وسمّي هذا الفرع الإيجابي اللغوي "البراغماتية الجديدة" مختلف تمامًا عن الفرع النفعي السابق، وهو فرع يأخذ المعنى اللغوي من السياق بذريعة التأويل لإعطاء معان مختلفة عن المعنى المنطوق، وليس له علاقة بالنفعية، وهو ما اتبعته في ذرائعيتي، لكن بأصل عربي، لأن العرب سبقوا الغرب باكتشاف هذا المصطلح في القرآن الكريم كما أسلفت....

- أما الباحثون من العرب فكثير منهم لم يتمكن من إخراج هذا المصطلح من المستنقع النفعي إلا الباحثان الكبيران " ميجان الرويلي وسعد اليازعي" بكتابهما (دليل الناقد الادبي)3 ص 122، وقد كتبوا عن البراغماتية اللغوية الجديدة بشكل دقيق ومفصل، أما سبب عزوف الكثير من الباحثين العرب عن الكتابة البرغماتية الجديدة يعود بنظري لسببين:

1- قلة التراجم عن هذا الفرع الجديد من البراغماتية المتمثل بالفيلسوف الأمريكي (رورتي).

2- هيمنة المعنى النفعي على أذهان الباحثين من سلبية المصطلح واتخاذه من قبل الغرب كذريعة للهيمنة الاستعمارية والتسلطية التي لا تزال تنخر بشعوبنا العربية ومنها قضية فلسطين والربيع العربي وأخيرًا الحرب بالنيابة...

وأختم مقالتي بكينونة الذرائعية العربية وليس كمصطلح فهي ترجمة لكلمة (pretext) السابقة لظهور البراغماتية بقرون، وهي ذات أصل عربي ذكر في القرآن الكريم بسورة الشعراء في مطلع القرن السابع الميلادي كما أسلفت، كمصطلح شامل في جميع لغات العالم تغطيه مفردة (pragmatism) للشمولية ليكون واحدًا ومعبرًا عن نفس الكينونة، فكل لغة من لغات العالم يسكنها هذا المصطلح، لكن لكون المصطلح استخدم لنفس الغرض العربي للمعنى التأويلي، إذًا هو مصطلح انكليزي بمحتوى عربي، وعند غيرنا هو مصطلح إنكليزي ولنفس المحتوى ...وهكذا...

لذلك نحن نعمل به عربيًّا في المحتوى وبحقيقته اللغوية العربية الإسلامية منذ ظهور أول بيت شعري عربي، وقد استخدمت الذريعة اللغوية في الشعر العربي الجاهلي والحديث وهي عربية الأصل ....ذرائعية وليست براغماتية ....الغربيون ترجموها منا وليس نحن من ترجمها منهم....!!....وقد كتب العرب عنها كمذهب لساني باسم أبعد معناها عن الأصل اللغوي بمفردة "التداولية" التي لم تعد بعيدة عن مصطلح الذرائعية سوى بالتسمية، وهي تتفق معها في المحتوى مع الفرق أن ذرائعيتي منهج نقدي والتداولية منهج لساني، وهو بتسميتها تلك تكون أقرب إلى التواصلية منها إلى الذرائعية...

 

عبد الرزاق عوده الغالبي

........................

1- قاموس المعاني

2- قاموس المعاني

3- سعد اليازعي وميجان الرويلي – دليل الناقد الادبي-صفحة ١٢٢

 

"لهذه الطليعة المرجوة المرتقبة كتبت معالم في الطريق"، لم يخاطب سيد قطب العامة بل خاصة الخاصة .. نيتشه أيضا كتب لقلة من الناس فقط، "ربما لم يولد أحد منهم بعد" .. هناك شعور هائل بمسؤولية تاريخية خاصة عند سيد قطب ونيتشه واحتقار بلا حدود للواقع المنحط، فالاثنان يعيشان عزلة شعورية عما حولهما، داخل أفكارهما أو في المستقبل (أو في مكان ما في الماضي عند قطب) .. ووسط كل ذلك لا يوجد أي تواضع مزعوم بل ثقة مطلقة وكبرياء جريح، وخلف كل ذلك جملة من الإحباطات الحياتية والعاطفية وسلسلة أطول من الآلام الجسدية والنفسية .. من الجسد المحطم والآمال المنهارة يصدر شيء ما، جامح، ثائر، سيرسم تاريخ حقبة تالية للناس الذين اكتفوا ذات يوم بمراقبة تلك الآمال والآلام بصمت ولا مبالاة .. لحظة يلامس فيها التاريخ الفعلي حدود الأسطورة، يتناغم فيها التماثل والتناقض في صورة حية مثيرة، ليس فقط بين نيتشه وقطب، بل بين عالمين يقفان في مواجهة بعضهما .. استثنائية هي أيضا الأوصاف التي أطلقها خصوم الرجلين ومريدوهما عليهما : إرهابي، نازي، منظر الإرهاب المعاصر، أبو النازية، عدمي، متشائم، مجنون، الخ .. لكن على الرغم من تلك التشابهات هناك فروق أو تناقضات كبرى تضع الرجلين في مواجهة أزلية .. بينما يتحدث قطب عن الرجوع إلى النبع الخالص، النص القرآني المقدس، العودة إلى الماضي، عن مستقبل يوجد بالكامل في ماض سحيق يجب إعادة إنتاجه بحذافيره دون أي تعديل، عن استسلام مطلق ينأى عن أي نقد أو تفكير أو أي وجود مستقل للذات التي عليها أن تفنى نهائيا في النص المقدس، "إخلاص العبودية لله"، ليس الإنسان إلا عبدا والاعتراف بهذه العبودية وممارستها هي أرقى درجات الوجود الإنساني، لا يجب فقط تذكير الإنسان بذلك بل يجب أن تفرض عبودية الإله المطلقة على الجميع، وفي هذا خلاصنا الوحيد ... على الجهة الأخرى : ثورة على كل شيء، تحطيم لكل الأصنام، اعتراف حزين بموت الإله، ودعوة متشائمة مرحة إلى مواصلة الحياة في عالم ما بعد الزلزال، إلى اكتشاف السوبرمان داخلنا بديلا عن الآلهة التي ماتت، شخص يصر أنه ليس نبيا ولا قديسا ولا معلما، بل فوق كل ذلك : شخص لا يعد بتحسين البشرية، "هذه ليست موعظة وليس مطلوبا منكم أي إيمان"، إنه يرفض حتى الإيمان به، "إنني يا مريدي أمضي وحيدا ! وأنتم أيضا انطلقوا وحيدين" .. أدرك الاثنان ( قطب ونيتشه ) جيدا أن "الله قد مات"، "نحن اليوم في جاهلية كالجاهلية التي عاصرها الإسلام أو أظلم، كل ما حولنا جاهلية" (معالم في الطريق - سيد قطب) .. ليس هذا فقط، بل إن قطب ينبهنا إلى أن الإسلام السائد قد تلوث هو الآخر وانحط إلى جاهلية محض .. يعترف قطب أيضا أن زمن المعجزات قد ولى وأن الدين قد قفد سحره في العالم المعاصر (1)، هو يرى أن الله قادر "طبعا" على تغيير هذا كله لكنه - سبحانه - شاء أن يتحقق منهجه الإلهي عن طريق الجهد البشري وفي حدود الطاقة البشرية لحكمة يعلمها هو وحده، وبالنسبة له لا مكان هنا لسؤال "لماذا"، لكنه في نفس الوقت ينفي تماما أن الإنسان مستقل عن قدرة الله وتدبيره ... لقد جاء جواباهما على موت الإله متباينا لدرجة التناقض، لدرجة الصدام العنيف .. خلافا للاعتقاد السائد بيننا (أقصد كعرب وكمسلمين)، لم يقتل نيتشه الإله بل لقد نعاه وحزن لموته مثل الآخرين ("لم يكن نيتشه ملحدا لكن إلهه مات" - كارل يونغ) ولامنا بقوة نحن القتلة على جريمتنا الشنعاء، لكن نيتشه قبل على مضض دفن الآلهة التي قضت وقرر البدء من جديد بتشاؤم مرح في عالم لا مركز فيه ولا ثوابت .. أما قطب فقد أصر، ونحن معه، ليس فقط على تحنيط جثة الإله بل على فرض عبادتها على الجميع .. لكن هذا لا يكفيه، إنه يحلم بالانتقام من كل الذين قتلوه أو جاهروا بموته .. هذا لا يجعل قطب ونحن معه مثل ذلك الناسك المنعزل الذي لم يسمع بعد بموت الإله ... لقد شاهد قطب بأم عينيه العالم وهو يعيش ويتطور ويمضي في طريقه دون إله، بل بأفضل بما لا يقاس مع الأوقات التي كنا فيها نعيش في ظل إله ما ونعبده .. لم يقتل البشر آلهتهم فحسب، بل اقتربوا كثيرا هم أنفسهم من مصاف الآلهة .. بالنسبة لقطب لا يعد فقدان الأمل والمعنى في عالم ماتت آلهته عقوبة كافية لنا البشر على اقتحامنا عوالم كانت فيما مضى مقصورة على الأرواح الشريرة والخيرة والغاضبة، يجب أن تكون عقوبتنا أقسى، أشنع .. تؤكد الأسطورة الدارجة أن الظاهرة القطبية قد اكتملت في أمريكا، وهناك أعدنا إنتاجها مرات ومرات .. في كتاب قطب عن أمريكا لا نجد أي شيء مختلف عن الصورة النمطية السائدة بيننا عن الغرب، هجاء مرير لمادية الغرب ولا أخلاقيته بعد أن قتل إلهه .. ليس الغرب اليوم كما وصفه قطب وكما نراه إلا حفلة ماجنة من احتفالات ديونيسيوس، إله الخمر .. يكفي أن يحل ديونيسيوس هذا في أي مكان ليصاب الجميع بالجنون ويبدؤوا بالتصرف دون ضوابط، كي تراق الخمور والدماء وتنتهك كل "الحرمات"، بقدر ما أصبح الغرب ديونيسيوسيا بقدر ما نراه مثيرا للتقزز والكراهية .. لكن ما هو سبب ذلك الغضب الهائل الذي ينتابنا من ديونيسيوس، لماذا نرفض الحياة بعد أن اتضح أن كل الآمال فيما وراءها هي مجرد أوهام؟ ومن هو الإله الذي ندافع عن جثته بهذه الشراسة .. نحن لسنا أبولونيون (أبولو إله العقل عدو ديونيسيوس حسب نيتشه)، إلهنا (إله سيد قطب) يرفض العقل بنفس الدرجة التي ينكر فيها الجسد، أي إله إذن نريد للجميع أن يخشعوا له صاغرين؟ هل ندعو الناس لعبادة إله الموت، إله العالم السفلي، أم إله الحرب، أم ماذا .. ما هي الشريعة التي نريد فرضها على الجميع كما على أنفسنا : شريعة الغاب باسم الرب أم شريعة الغاب باسم الإنسان في مقابل شريعة الغاب باسم العدم، أم ماذا .. إذا كان راسكولنيكوف يقتل لأنه يعتقد أنه متفوق فإننا نريد أن نقتل كل من تجاسر على أن يعيش في عصر ذابت فيه الحدود بين البشر والآلهة لأننا نعتقد أننا مجرد عبيد وأن هذا من حقنا بالتحديد لأننا عبيد جيدون .. هل انتقامنا من ديونيسيوس يعود إلى أنه قد سرق مجد إلهنا وتركه جيفة بينما واصل هو سيره العشوائي نحو القمم ؟ هل السبب في ذكورتنا، في تقديسنا للأب ورعبنا من الإقرار برغبتنا في قتله، هل هو الخوف من النظر في المتاهة، أم هو كما نحب أن نردد : الكبرياء الجريح لامبراطورية غربت شمسها وتفسر موتها على أنه موت البشرية بأسرها أم أنه الروح الكئيبة لدين يعارض الحياة بما بعد الحياة أم أنها الصدفة المحضة عندما رفض عبد الناصر تعيين قطب وزيرا للمعارف ثم عندما نبع النفط في الصحارى الكئيبة وأصبح من المتاح لبعض الأمراء أن يتسلوا بتحديد ما نسمع ونقرأ ونرى ونعتقد .. لماذا نرفض الإنسان الأعلى لصالح القطيع، أخلاق السادة لصالح أخلاق العبيد .. ألم يعبد أجدادنا باخوس ذات يوم، ديونيسيوس الشرق، ألم تعبده كثرة من الفرق الباطنية لعقود بل لقرون .. ماذا نريد فعلا ؟ أن ننضم إلى قطيع الإنسان الأخير كما سماه نيتشه، العاجز حتى عن احتقار نفسه، التواق إلى الحياة السهلة، أن نكون أكثر نسخ هذا الإنسان الأخير بلادة وتفاهة وغباءا وكسلا أم نطمح إلى هرمجدون أخيرة على طريقة شمشون، هل نريد ابتزاز الإمبراطورية أم تهديمها .. بماذا نحلم في عالم ماتت آلهته وضاعت بوصلته .. أن نعيد عقارب الساعة إلى ما قبل ألف وخمسمائة عام، أن نوقفها، أن ندفعها بعنف إلى الأمام بطريقة غير مسبوقة، أم ماذا .. لقد ثار سبارتاكوس ضد عبوديته، فهل نثور نحن ضد حريتنا، أو ضد حرية الآخرين.. هل الحرية التي نتوق إليها هي حرية عبادة جيفة ميتة.. أم ماذا

 

مازن كم الماز

 

منى زيتونمن أكثر ما نقرأ إمرارًا هو دعاوى بعض المنبطحين فكريًا للغرب عن عدم تعارض نظرية التطور مع ما جاءت به الأديان!

يدعي هؤلاء أن الاتجاه الطبيعي في علم الأحياء - الذي هو نزعة مادية صرفة- لا يتعارض مع استمرار إدارة الله للكون وقيوميته عليه! ولا يعني أن الطبيعة تبدع وتخلق!

وبالرغم من أن المنطق السليم يقتضي أن يكون الرد على مدى صحة نظرية يُدعى أنها علمية بالأدلة العلمية والفلسفية والمنطقية، وألا نستدل بآيات القرآن والكتاب المقدس، لكن يكون الرد من منظور ديني -والذي قد نستخدم فيه بعض الآيات- منطقيًا على من يزعمون اتفاق نظرية التطور مع الدين؛ مدعين أن التطور هو أسلوب الله في الخلق، لأن هذا من باب الزعم باتفاق نقيضين، فمن تفلسف جاهلًا باتفاقهما وجب الرد عليه، وهذا ليس من باب الكلام الفارغ بل الملآن.

بدايةً، وقبل مناقشة تفاصيل ما تدعيه نظرية التطور مما يتنافى تمامًا مع ما قررته الأديان السماوية لا بد أن نقرر ونتفق مع كل من قال إننا حين نتحدث عن الفرق بين الإلحاد في الشرق والغرب يجب الاعتراف أن المجتمعات الغربية لديها ميراث هائل من الأفكار والمقاربات التي امتدت لقرون حتى انتهت بالإلحاد لعدم قدرة المسيحية على المواءمة مع العقل، بينما الملحدون الشرقيون يلحدون تقليدًا دون فكر ودون علم. ومن خلال معرفتي بعينة لا بأس بها منهم أستطيع أن أضيف أنه تكون لمعرفتهم القشورية بنظرية التطور وتصديقهم بها أثرها الكبير في إلحادهم.

بالنسبة لتأثير نظرية التطور على اللاهوت المسيحي، أرى أن تأثيرها قد انقسم إلى قسمين رئيسيين:

- زعزعة الإيمان بنظرية الخلق القائمة على الكتاب المقدس، تلك التي تفسدها بعض الأرقام الواردة في التوراة، ومن ثم فهي حقيقة تشوه تاريخ الحياة على الأرض.

وللعلم فإن نظرية الخلق ليست هي ذاتها نظرية "التصميم الذكي" التي بالرغم من اشتراكها مع نظرية الخلق في القول بالخلق المستقل للأنواع الحية، فإنها تستند إلى أسس علمية ويشترك في الاعتقاد بها إضافة إلى المتدينين بديانات مختلفة بعض اللا أدريين أشهرهم ديفيد برلنسكي.

- زعزعة الإيمان بالله، ومن ثم انتشار الإلحاد لدى كل من فهم النظرية حقيقة وأولهم صاحبها دارون.

فالإيمان بنظرية التطور هو بالفعل أحد أهم أسس الإلحاد، ولا يمكن منازلة الملحد دون معرفة بنظرية التطور. لكن من المؤكد أيضًا أن المعرفة لا تساوي المسايرة والانبطاح الفكري وتأويل الدين ليتناسب مع الفكر الإلحادي كما يفعل دعاة التطور ممن لا زالوا على دين الإسلام، ونتعرض في هذا المقال إلى أشهر مغالطاتهم ونتناولها بالرد عليها.

الإيمان بالانتخاب الطبيعي على خلفية قرآنية

يدعي هؤلاء أن آيات القرآن لا يُستدل منها على الخلق الخاص؛ إذ يقرون أنهم يؤمنون بالانتخاب الطبيعي على خلفية قرآنية، ويذكرون عددًا من آيات الكتاب العزيز ويفسرونها بما يخالف سياقها لإثبات التطور؛ بينما لا يوجد دليل على التطور أساسًا من القرآن إلا عند من يعبثون بآياته ويحرفون الكلم عن مواضعه.

وهذه الآيات القرآنية التي يحاولون إخراجها عن سياقها القرآني تستحق مقال بحياله لتوضيح كيف أن محاولة إيجاد علاقة بين تلك الآيات والتطور هي محاولة تعسفية.

كما يتصورون أن الكل يؤمن بالتطور بطريقة أو بأخرى! ويقصدون التطور الموجه من الله الذي يؤمنون به فعلًا! والسؤال هو: من الذي أفهمكم هذا؟! من صور لكم أن الكل يمكن أن يؤمن بالتطور حتى لو كان بتوجيه من الله؟!

وإيمانهم بذلك الانتخاب الطبيعي يجعلهم يصرون على أنهم عندما يقولون أن الطبيعة تمارس دورًا في الخلق فهذا لا يعد شركًا بالله بل إن هذا من قبيل تسبيب الأسباب، وعمل الطبيعة شأنه شأن لقاء الرجل بالمرأة، وقضاء الجنين البشري فترة الحمل في الرحم، بزعمهم! فلم يقل أحد أن تلك العمليات تخلق الفرد بل هي مسببات لإتمام عملية خلقه المقدرة بواسطة الله سبحانه وتعالى، وكذلك يجب أن ننظر للانتخاب الطبيعي!

والمغالطة التي يسوقونها هنا هي في وصف عمل الطبيعة وفقًا لتصورهم أنه مجرد تنفيذ لإرادة الله وكلمته "كن فيكون"، فالدور الذي تعطيه النظرية للطبيعة هو دور إبداعي creative factor وليس دور تنفيذي.

نضرب مثالًا –ولله المثل الأعلى- بشخص اخترع اختراعًا، فإن قام أشخاص بتنفيذ تصميم اختراعه أمام عينيه وبإشرافه فهم لا يدعون أنهم أصحاب الاختراع، فليسوا هم من أبدعوه، ولكن عندما يريد أحدهم أن ينازعه في براءة الاختراع، وينسب إلى نفسه أنه مبتكره فهذا شيء آخر، وهذا الدور هو ما يتم عزوه إلى الطبيعة في نظرية التطور.

فالنظرية لا تدعي أن الطبيعة تنفذ مشيئة الله كما يحاول منظرو التطور الإسلامي أن يقنعونا، ومحاولاتهم للتوفيق أشبه بحديث مشركي قريش عن الإيمان بالله وهُبل! والتبجح بعدم وجود مشكلة في الإيمان بكليهما! والمزاوجة بين الله والطبيعة حط من شأن الله وشرك به، لو كنت تفقهون.

الأكثر مهانة للإنسان أن يكون مخلوقًا من طين!

من المغالطات التي يستخدمها هؤلاء أيضًا استخدامهم اللعب على المصطلحات، فيدخلوننا في سفسطة يتضح منها أنهم يرون أن الأكثر مهانة للإنسان أن يكون مخلوقًا من طين وتراب عن أن يكون مخلوقًا من حيوان، ويقولون أليس الحيوان خُلق أيضًا من طين؟! علمًا بأن الله سبحانه وتعالى أخبرنا أنه كرّم بني آدم، كما أخبر أنه ﴿بَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ﴾، وأي مؤمن بالله على أي ديانة توحيدية لا يرى فما أخبر به ربه إهانة، ولا يتفلسف بمحاولة تأويل أمر واضح أخبره الله به صراحة، فعندما يختار الله سبحانه وتعالى للإنسان أن يكون خلقه من طين فهذا هو الأكرم له، والأمر لا يخضع لأهواء المضلين.

كما يخلطون حديثًا ليس هذا مقامه عن أفضلية البشر على بعضهم البعض بالعمل الصالح أو الطالح بهذا التخبيص المصاحب لتسفيه أصل الإنسان الطيني.

من مغالطاتهم الأخرى المصاحبة لتلك المغالطة ادعاء أن المؤمن لا يجد حريجة في أن يُقال أن أصله خلية واحدة، فلِم التحرج من الأصل الحيواني؟!!

والحقيقة أنه عندما لا يجد المؤمنون حريجة في أن يُقال أن أصل الإنسان خلية واحدة، فهم بهذا لا يقبلون خرافات التطوريين، فالخلية الواحدة التي نقبل أن يُقال إنها أصلنا هي إشارة إلى الزيجوت المتكون من اتحاد الحيوان المنوي بالبييضة، وليست تلك الخلية الحية الأولى التي يفترض التطوريون أنه قد انبثقت منها كل الأنواع الحية، ولا يجدون مع ذلك تفسيرًا لكيفية نشأتها!

دوكنز قال لـ بين ستاين في مقابلته معه في وثائقي "مطرودون": إن تلك الخلية الحية ربما أتت من الفضاء الخارجي، لكن مؤكد أنها نشأت بطريقة ما بالانتخاب الطبيعي!"، وطبعًا فمثل تلك الأنماط البائسة في التفكير هي التي تعجب المتعالمين.

ومن تفلسفات التطوريين المعروفة أيضًا فيما يخص تسفيه أصل الإنسان وفقًا للأديان أنهم يهزؤون من أي عامي بسيط يرفض التطور ويقول لهم إن الإنسان ليس أصله قرد، ويردون عليه متعالمين: "من أخبرك إن دارون قال إن الإنسان أصله قرد؟، بل قال دارون: إن الإنسان والقرد ينحدران من أصل واحد مشترك!".

والسؤال هنا: عندما تبحثون عن الأصل المشترك الأول الذي يجمع الإنسان بالقرد، هل أنتم تبحثون عن حفرية كائن أقرب للإنسان منتصبة القامة ولها جهاز صوتي يسمح بالكلام؟ أم تبحثون عن حفريات قرود بدائية غير منتصبة القامة لتمثل لكم تلك الحلقة الوسيطة بين الإنسان والقرد؟

الحقيقة المرة التي تحاولون تزييفها أنكم تبحثون عن قرد بدائي ليكون جدكم، وهذا العامي البسيط الذي تسخرون منه يفهم الحقيقة العارية كما هي، فليس الخلقويون من يلعبون بالألفاظ. وعلى كلٍ.. من يرتضي لنفسه أصلًا حيوانيًا يتكلم عن نفسه، ولا يتفلسف على باقي البشر. نحن جدنا آدم وحواء كما أخبرنا الله تعالى، وليس خنزير وقردة تزاوجا فنشأ الإنسان الأول، كما ذكرتم في واحدة من أحدث تخبيصاتكم.

http://www.theguardian.com/science/occams-corner/2013/dec/04/theory-chimps-pigs-hybridisation

http://www.dailymail.co.uk/sciencetech/article-2515969/Humans-evolved-female-chimpanzee-mated-pig-Extraordinary-claim-American-geneticist.html

لو كان هناك تصميم وخلق مستقل لما وُجدت عيوب في الخلق!

المغالطة الثالثة التي يروج لها هؤلاء المنتسبون للإسلام أدعياء الداروينية أنهم يقولون إنه لو كان هناك خلق مستقل لكان كل شيء في مكانه بلا زيادة ولا نقصان ولا عيوب! ويقررون أنهم يرون تصميم كثير من المخلوقات ومنها الإنسان معيبًا، ولكن مع بعض التفلسف الذي يبررون به كونه معيبًا –حاشا لله- كجزء من ملحمة الدراما الإنسانية! ويكتبون عن الضعف البشري وغيره.

ومن المعروف أن ما يُسمى بالأعضاء الأثرية يُعتبر من أقوى ما يستدل به التطوريون على صحة نظريتهم، ولي مقال علمي طويل مفصل بالأدلة العلمية في الرد على شبهتهم تلك. وأدعياء الداروينية من المسلمين لا يستطيعون رفض هذه السفالات المنسوبة لله سبحانه وتعالى، وعليه يقودهم الإيمان بالتطور إلى أن يعيبوا التصميم الإلهي كالملاحدة، متبعين خُطا إبليس، ناسبين إلى الله النقص!

كما أن نظرية التطور تناقض برهان النظم وهو من أقوى الأدلة على وجود الله تعالى لأنها تطعن في وجود ذلك النظام والتصميم في الكون البادي لكل من له بصر وبصيرة، لكن مدعي التطور من المسلمين ممن يتصورون إمكانية المزاوجة بين الماء والنار يدّعون أن برهان النظم لا يُفترض أن نستدل به على إثبات بعض صفات الله ومنها الحكمة من كل وجه، وهذا طبيعي لمن يصدق دعاوى التطوريين بأن هناك عيوبًا، فمن يخلق عيوبًا كيف سيكون حكيمًا؟! هل تعرفون أن ما تذكرونه يعتبر إلحادًا في أسماء الله لمن يفهم.

يقول أحدهم في إحدى خطبه: إنه "من البلاهة والغباء أن يُقال إنه لو كان الإنسان مُصمَمًا لإله حكيم قدير لكان ينبغي أن يكون تصميمه على أحسن ما يكون. لا، هو مراد أن يكون تصميمه هكذا!".

وهذا حالهم جميعًا؛ إذ لا يفرق التطوريون –خاصة من يدعون أنهم على دين الإسلام- بين ما يسمونه عيوب التصميم التي يعيبون فيها على الخالق زورًا بجهلهم وينتقصون من عظمته وإبداعه، وبين حدوث بعض ما شاعت تسميته بالعيوب الخلقية للجنين منذ الميلاد، بل وأحيانًا لا يميزون بينها وبين المرض ويعتبرونه عيبًا.

وهذه من أكبر مغالطاتهم، فتصميم الله سبحانه وتعالى لكل عضو يكون في أعلى وأفضل جودة وفقًا للوظيفة التي أوجده ليؤديها، ولكن الله لم يخلقنا لنخلد بل لنعيش على الأرض فترة نبتلى فيها ثم نفنى، ويأتي بقوم غيرنا. وعليه فهذا الكيان المصمم بطريقة رائعة عُرضة لأن يعطب سواء كان هذا العطب ناشئ من لحظة الميلاد فيما يسميه الناس عيوبًا خلقية، أو بعد الميلاد خلال مشوار حياته فيما يعرف بالمرض.

ويمكن التشبيه بسيارة ذات تصميم مثالي، ومع ذلك قد يحدث فيها خطأ أو عجز سواء من المصنع أو بسبب الاستخدام، حتى تتكهن في آخر المطاف بعد سنوات.

فكل شيء خلقه الله في مكانه بلا زيادة ولا نقصان ولا عيوب، ومن يعرف حقيقة الحياة والغرض من وجوده فيها لا يسأل عن سبب مشكلة لازمته من لحظة ميلاده ولا مرض ولا موت. أنت لم تُخلق لتُعمر في الأرض. أنت وُجدت فيها لتُبتلى ثم تُحاسب وتجازى وتبدأ بعدها حياتك الحقيقية.

والمفترض أنكم مؤمنون ولستم ملاحدة، ومقتنعون بهذا، أليس كذلك؟!! الحقيقة أن كل من يؤمن بالتطور ويبرر له لا بد له أن ينطق كفرًا.

الله ﴿خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾. الله لم يخلق شيئًا عبثًا، ومن يدعي أنه يؤمن بخالق بارئ مصور، وأنه نظم الكون وكل ما فيه بذكاء، ويدعي مع ذلك وجود عيوب في خلقه، في إيمانه شيء؛ فالمنطق يقول إنه لا يمكن للذكي أن ينتج تصميمًا مشوهًا معيبًا.

تدعون أنكم مؤمنون بالله وأن أسلوب الله في الخلق هو التطور الموجه، فهل خرجت الطبيعة عن توجيهه وخالفت رغبته وأنتجت عيوبًا؟!

إن مجرد الإصرار على تكرار وجود عيوب في الخلق لا يليق بمؤمن، فما بالنا أن كل ما يدعيه التطوريون عيوبًا ليس بعيوب! إن من يردد هذا الكلام هو مؤمن بالتطور فقط، وليس حتى بالتطور الذي يحاولون أن يلفوه بصبغة دينية كاذبة؛ لأن المؤمن بوجود تطور في ضوء توجيه الله –وحاشا لله أن يوجه فقط فكل الخلق صنع يديه- لا يسأل سؤالًا من هذه النوعية (لماذا تكون هذا العضو أو ذاك؟). لا يمكن لمؤمن أن يتساءل ببلاهة الملحدين لماذا خلق الله هذا الكائن هكذا؟ ويرى أن تصميمًا ما في خياله المريض سيكون أفضل للكائن أو العضو مما خلقه الله عليه.

ولكن العقل الضحل والتفكير السطحي هما ما يجعلان صاحبهما لا يرى عظمة الله في تصميم كونه وتنوع مخلوقاته، والجهل بوظائف كثير من الأعضاء في الأنواع الحية هو ما يجعلهم يدعون أنها بلا وظيفة وأثرية أو معيبة التصميم! والعجيب هو استمرار ترديد تلك الخرافات حتى بعد أن أثبت العلم وظائف هامة لكثير مما اعتبروه في الماضي أعضاءً أثرية!

إن ادعاء وجود عيوب في خلق الأعضاء تم عزوها لأثر التطور وليس لتصميم الله سبحانه هو قول يشرك الطبيعة مع الله في الخلق، ويطعن في حكمة الله وإحاطته بخلقه، كما يطعن في غائية الخلق وأن كل شيء خُلق متكيفًا مع ما هو ميسر له من البداية، ويدعم نظرة أخرى ذات طبيعة إلحادية بأن كل شيء قابل للتعديل والسمكرة ولم يُخلق ابتداءً لذا فهو ملئ بالعيوب، وحاشا لله.

لذا أكرر أن الإصرار على ترديد وجود عيوب تصميمية في الخلق هو فكر إلحادي صميم، ينبغي التحذير منه، ويمكن لأي متفلسف أن يدخل إلى أي منتدى إلحادي ويقرأ ما يكتبون. يقولون: "الله ربكم –وحاشاه- مهندس فاشل"! كما يتندرون بوجود مشاريع يسمونها "إعادة تصميم جسم الإنسان"، والأغبياء من ورائهم يجارونهم ويرددون سفاهاتهم في حق الله.

ولنا مقالات نرد فيها على ما ادعوه عيوبًا في التصميم إن كان هناك من يريد أن يتثبت أن ربه عليم حكيم وليس صانع ساعات أعمى كما يصفه دوكنز، ولكن من الواضح أن هدف كثيرين هو الانتصار للتطور حتى لو طعن في حكمة وعلم الله وعاب خلقه.

﴿هذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾.

﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإنْسَانِ مِنْ طِينٍ﴾

﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾

﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ و ﴿أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾

وعن أولئك الذين يدعون الإيمان بالله والتصديق بنظرية التطور معًا فهم أحد صنفين:

إما متعالمين لم يدرسوا النظرية أو لا يفهمون فيها شيئًا لضعف درايتهم بعلوم التاريخ الطبيعي، فهم جهلة وضعاف عقول لا يعرفون شيئًا عن العلم أو المنطق، ولولا جهلهم بالنظرية وعقولهم السطحية ما احتفظوا بإيمانهم، فلو فهموا حقيقة ما يقول دارون وما يستتبعه الإيقان بصحة النظرية فهذا يعني أنهم فقدوا إيمانهم وجحدوا آيات الله وكفروا بها.

والبعض الآخر منهم ممن نقرأ منشوراتهم وتعليقاتهم ممن يكتبون كلامًا لا يُغتفر، ويصل بهم الحال إلى العيب في الذات الإلهية والإلحاد في أسمائه (البارئ والخالق والمصور) وجحد آيات من كتاب الله ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإنْسَانِ مِنْ طِينٍ﴾ ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ لأجل عيون دارون ونظريته، فهم في أحسن أحوال الظن بهم ملحدون جزئيًا وصورة الله في أذهانهم مشوهة، أما إن أسأنا الظن فلديهم بعض الشكوك في وجود الله وإن كانوا يكتمونها.

الشرك والإلحاد أنواع وأشكال. مثل هذا الشخص الذي يدعي أن الطبيعة خلقت بتوجيه من الله ليس كافرًا بوجود الله، ولكنه يشرك الطبيعة مع الله في الخلق دون أن يشعر، ويلحد في أسماء الله أيضًا دون وعي، وهذان ليسا بالإلحاد ولا بالشرك اللذين يوجبان الخسران المبين في الآخرة، ولكنهما يبقيان اعتقاد فاسد في الله سبحانه وتعالى.

نظرية التطور تحتوي على أفكار رئيسية لا يمكن أن تتفق مع الإيمان بالله، واقتناع أي مسلم بها يطعن في صحة إيمانه، ولا يمكن بتاتًا الإيمان بالله وبالتطور لأن مقتضيات الإيمان بأيهما يتناقض مع الآخر.

هذه النظرية تجرجر من يتمسك بها للكفر رويدًا رويدًا، وعندما تعند وتحاول أن تبرر لها زورًا سيلهمك الشيطان تبريرات كفرية، فيكون الهدف هو إثبات التطور حتى لو كان ما تقول ينفي وجود الله أو أنه الخالق، ومن تجرجره النظرية القذرة من لسانه في الدنيا ستجرجره في الآخرة على قفاه في النار.

والعجيب أن بعض أذناب التطوريين العرب لا يملون من تكرار الإسطوانة المشروخة أن هناك من العرب من لا يدرك الاستتباعات الخطيرة لنظرية التطور على قضايا الإيمان، ويكثرون من الحديث عن الشباب الذين يقرأون التراث العلمي ويحرجوننا! الشباب من هذه النوعية الذين يتحدث عنهم هؤلاء قشوريون متعالمون، لا يملكون أدوات التحقيق والنقد العلمي؛ لذا لا يفهمون ما وراء كل دليل مطروح مما يُدعى فيه العلمية من خداع، لذا فهم يحرجون هؤلاء ممن لا يعرف كيف يرد عليهم إلا بخداع نفسه وخداعهم بتوافق التطور مع الدين.

ويسعدنا في المقابل أن نكون ممن لا يقبلون الانبطاح عقليًا مثلهم، ممن يرفضون تأويل وتحريف العقيدة لتتوافق مع التطور، ممن يرفضون الخداع العقلي باسم العلم ويصرون على نقد وتحقيق أدلة التطوريين علميًا ومنطقيًا وكشف زيفها. ولي سلسلة من المقالات العلمية المطولة في الرد على التطوريين، لمن أراد الإطلاع عليها.

 

د. منى زيتون

 

محمود محمد عليفي هذا الجزء الرابع من حديثنا عن كيفية سقوط الاتحاد السوفيتي بحروب الجيل الرابع نقول: بدأ المخططون البريطانيون والأمريكيون في التفكير في بناء تحالفات ونظام للدفاع ضد الاتحاد السوفيتي عبر حدوده الجنوبية؛ حيث" أقحموا الإسلام في الموضوع، واعتبروا رابطة الدول العربية التي قامت بإيعاذ بريطاني مثلاً ضعيفة، لأنها لم تشتمل علي تركيا، وإيران، وباكستان، وعندئذ طرح اقتراح لتحويل جامعة الدول العربية إلي رابطة لعالم إسلامي، لتشمل علي الأقل إحدى دول الشمالية، وفشلت الفكرة وركزت السياسات التالية بدرجة أقل علي الإسلام، وبشكل أكبر علي النفوذ الأنجلو أمريكي . وخلال فترة حكم "ترومان" و"إيزنهاور" استمرت الولايات المتحدة تنفذ سياسات، وتقوم بجهود لتعبئة العالم الإسلامي في الحرب الباردة واستغلال الإسلام، كسلاح ضد النفوذ السوفيتي" .

إلا أن العلاقات بين الإسلام السياسي والولايات المتحدة بقيت بين مد وجزر تبعاً لمعطيات كل حقبة وظروفها؛ فقد "بنت الولايات المتحدة علاقات مع الإخوان المسلمين كحليف لها، خلال الحرب الباردة في صراعها مع الشيوعية بالأساس، ولتقويض فكرة القومية العربية والناصرية التي جمعت بين الاثنتين: الفكر القومي والموالاة للشيوعية. ولكن عقب الثورة  في إيران عام 1979 عرف الإخوان أول خلاف لهم مع الولايات المتحدة الإسلامية، كما يشير البعض على إثر ترحيبهم بمجيء نظام "الخميني" عقب ثورة اعتبرت مناهضة  للولايات المتحدة، وأعطت دفعة قوية لتوسع الأصولية الإسلامية على الصعيدين الإقليمي والعالمي. بيد أن هذا التنافر سرعان ما تم تجاوزه بسبب التدخل السوفييتي في أفغانستان نهاية عام 1979 الذي أحيا التعاون بين واشنطن والإخوان" .

فقد شكل الجهاد الأفغاني ضد الاتحاد السوفيتي بتحالف الولايات المتحدة مع جماعة الإخوان المسلمين في مصر، والرابطة الإسلامية، وآخرون " بدعم يصل إلي ثلاثة مليارات دولار وبإشراف وتعاون ودعم السعودية وباكستان، تحولاً في الحركة الإسلامية قوي الإسلام السياسي، وذلك عبر محاربة الشيوعية، وإعداد كادر جديد مدرب علي القتال العسكري، وتعزيز روابط المسلمين بين شمال إفريقيا، ومصر، والخليج العربي، ووسط آسيا، وصعود الإسلام السياسي الاقتصادي من خلال قوة البنوك الإسلامية، وتعزيز قوة المؤسسات الدينية المصرية" .

ثانياً : الغزو السوفيتي لأفغانستان وحرب العصابات:

إذا كان سباق التسلح خلال فترة الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، قد أوصل الأخير علي مشارف الإفلاس، فإن الحرب الضروس بين جبال أفغانستان الوعرة قد أكملت علي قدرة الدولة السوفيتية وبرامجها في تطوير أسلحتها؛ ففي عام 1979،  قرر الاتحاد السوفيتي غزو أفغانستان عسكرياً ؛ وذلك بهدف دعم الحكومة الأفغانية الصديقة للاتحاد السوفيتي، والتي كانت تعاني من هجمات الثوار المعارضين للسوفييت، والذين حصلوا على دعم من مجموعة من الدول المناوئة للاتحاد السوفييتي من ضمنها الولايات المتحدة الأمريكية، والسعودية، وباكستان، والصين، هذا من ناحية، ومن ناحية أخري التمدد نحو الجنوب والوصول إلى المياه الدافئة. ولهذا عندما "أطيح بنظام "شاه إيران" في ديسمبر 1979م، وقيام نظام الجمهورية الإسلامية في إيران، واختلال التوازن السياسي في المنطقة لغير صالح أمريكا، استغل الكرملين هذه الفرصة وأقدم على احتلال أفغانستان عسكرياً" .

وهنا قامت الإدارة الأمريكية بتشكيل ائتلاف في الكونجرس الأمريكي سمي بقوات الضربة الأفغانية، وكان الهدف من إنشاء هذه القوات، هو الثأر من السوفييت والانتقام منهم على ما فعلوه في فيتنام؛ حيث كانوا "قد دعموا ثوار الفيتكونغ Viet Cong الذين ألحقوا الهزيمة بالقوات الأمريكية وكبدوها خسائر فادحة في الأرواح والمعدات، وحسب وجهة نظر الأمريكيين، فإن أفغانستان تعد أنموذجاً للثأر من الشيوعيين"، الذين ساندوا الفيتناميين في حربهم ضد الولايات المتحدة الأمريكية؛ وذاك عندما أعلن الرئيس الأمريكي " ليندون جونسون" Lyndon Johnson (1908-1973)عزم بلاده علي زيادة الجنود الأمريكيين في فيتنام، ليصل عددهم عام 1968 إلى 525 ألفاً، كما أصبح القصف الأمريكي للمواقع الشمالية قاب قوسين أو أدنى من الحدود الصينية. ولم تنفع سياسة "العصا والجزرة" مع الفيتناميين، حيث لم تردعهم هجمات الولايات المتحدة المتكررة وقصفها المتواصل، كما لم تغرهم دعوات "جونسون" للتفاوض، فظلت الحرب مشتعلة وعدد الضحايا في ازدياد.

وقد ظلت المعارك خلال الحرب الفيتنامية، تدور في الجبال منتهجين استراتيجية "حرب العصابات"، التي اتبعها الفيتناميون المتكيفون أصلاً مع الأوضاع الطبيعية والمناخية الصعبة. وفي 1968 أطلق الثوار الشيوعيون ما عرف بهجوم "تيت" (عيد التيت وهي الاحتفالات الفيتنامية بالعام الجديد) على مجموعة عمليات عسكرية شديدة استهدفت أكثر من مائة هدف حصري. وقد استطاع الثوار أن يتغلغلوا في الجنوب حتى بلغوا عاصمة الجنوب "سايغون" فتعرض الأمريكيون للهجوم. ومع أن الثوار الفيتناميين فقدوا حوالي 85 ألف شخص، فإن التأثير النفسي للمعارك كان بالغ الأثر على الولايات المتحدة؛ حيث تكبدت الولايات المتحدة من خسائر بشرية ومادية؛  وهنا أعلن الرئيس الأمريكي "جونسون" في الخامس عشر من يناير 1973، وقف إطلاق النار في جميع أنحاء شمال وجنوب فيتنام، وإنهاء الحرب وإحلال السلام في فيتنام.

لم تنس الولايات المتحدة الأمريكية مساندة الاتحاد السوفيتي للفيتناميين، ولذلك بدأت الولايات المتحدة تدخل في حرب مع الاتحاد السوفيتي، أشبه بحروب الجيل الرابع، ولكن بشكل عفوي وتلقائي، وقد استخدمت الولايات المتحدة لأول مرة في تاريخها "الحرب بالوكالة" A proxy war ؛ حيث "استقطبت المجاهدين الأفغان، وقامت بتسليحهم خلال الحرب، كما قدمت وكالة المخابرات الأمريكية  (CIA)، أحدث أنواع الأسلحة التي يمكن للأفراد الأفغان استخدامها ضد الطائرات السوفيتية، واعتبرت الولايات المتحدة أن دعمها لأفغانستان هو أفضل فرصة للانتقام من السوفييت ودورهم في فيتنام، واعتبر قادة الـ " CIA، أن أفغانستان ستشكل فيتنام الولايات المتحدة ضد الاتحاد السوفيتي؛ خصوصاً وأن الاتحاد السوفيتي كان يضم ست دول مسلمة في آسيا الوسطي، وللعديد منها حدود مع أفغانستان" .

وكان "قلب الدين حكمتيار" أحد قادة الأفغان من الذين يعملون مع المخابرات الباكستانية التى كانت مرتبطة في تلك السنوات بتعاون مع الـ" CIA "، وفي عام 1986 بدأت  الـ " CIA "  بإرسال صواريخ "ستينغر"، وهي "أحدث الصواريخ المضادة للطائرات في ذلك الوقت إلى الأفغان، لإسقاط الطائرات السوفيتية" .

وأشارت التقارير العسكرية الأولى إلى "الصعوبات التي واجهت السوفييت أثناء القتال في المناطق الجبلية، فالجيش السوفييتي لم يكن معتاداً على ذلك الشكل من القتال، ولم يحظ بتدريب لمواجهة حرب غير نظامية وحرب عصابات، وكانت آلياتهم العسكرية، وخاصة السيارات المصفحة والدبابات ليست ذات كفاءة في كثير من الأحيان، وعرضة للهجمات في البيئة الجبلية، وتم استخدام المدفعية الثقيلة بشكل مكثف أثناء قتال قوات الثوار" .

وعلي هذا الأساس عمل " زبجنيو بريجينسكي" Zbigniew Brzezinski (1928-2017) مستشار الأمن الأمريكي للشئون الخارجية في عهد الرئيس جيمي كارتر) مع الإدارة الأمريكية لتوريط الاتحاد السوفيتي عسكرياً في الوحل الأفغاني، ولتغدو أفغانستان بالمقابل بمثابة "فيتنام سوفيتية " تثأر فيها الولايات المتحدة من هزيمتها في "فيتنام الأمريكية" بدعم سوفيتى يومها. وهكذا كانت "أفغانستان " الفخ الفيتنامي" للسوفييت فيها، وقد نصبه الأمريكان ببراعة فائقة، حيث كان من الصعب على السوفييت التخلص منه بسهولة بعد وقوعهم فيه" .

كان الدخول السوفيتي في أفغانستان يمثل خطأ جسيماً، حيث اقتصاد الدولة يعاني من مشاكل وآلة الإنتاج متوقفة تقريباً، وفوق ذلك، كان لا بد للغزو الجديد أن ينال من قوات الشعب، وفي الوقت نفسه يستقبل قتلاه. وفي الجانب الأمريكي وحسب ما يقوله بريجنيسكي إنهم "هم الذين غذو نزعة الغزو لأفغانستان لكي يحصدوا ما فقدوه في فيتنام، فكان هناك تحالف بسيط وخفي مكون من الولايات المتحدة والسعودية بأموالها، ومصر في عهد "السادات" بخبراتها وسلاحها السوفيتي، وباكستان بخبرة جيشها التدريبية، فكان هذه المرة قتال المسلمين للكفار الملحدين كما أرادها ( جيمي كارتر) ومستشاره بريجنيسكي. ومن بين آثار دخول السوفييت إلي أفغانستان، تقربهم من باكستان وحصرها بين فكي كماشة مع عدوها التقليدي الهندي. وقد أثار ذلك حفيظة الحلفاء، فهناك حلف هندي- سوفيتي، يقابله حلف صيني- باكستاني، وطلت هذه الحالة عشر سنين كان فيها السوفييت يلوحون بتقسيم باكستان بعد مرارة الإخفاقات التي عانت منها القوات السوفيتية علي أيدي مجاهدين لا يملكون سوي الأسلحة الخفيفة والقاذفات، وصاروخ (سام7) في السنوات الأخيرة من الصراع الدامي بين الطرفين" .

ولذلك وجدنا أنه في غمرة الحملة المعادية للسوفييت، طلبت الخارجية الباكستانية من كل سفاراتها في الخارج بتسهيل دخول الشباب العربي والمسلم من دخول باكستان لـ" الجهاد" ضد الشيوعية من منطقة الشرق الأوسط، وخصوصاً من السعودية، ومصر، والمنظمات الفلسطينية المتطرفة. وأعدت "الاستخبارات الباكستانية بالتعاون مع قادة الأفغان المسلمين ترتيبات استقبالهم، من سكن وتدريب وإلقاء المحاضرات التي تثير فيهم الحماس لحماية الإسلام في أفغانستان" .

كانت الفترة ما بين 1982-1989 مميزة في تاريخ تطوع الشباب، فقد بدأ حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة – السعودية، ومصر، وباكستان- في تنظيم حرب المقاومة بمساعدة أمريكية، وتعالت أصوات النظام السعودي، ووسائل الإعلام، والمساجد، مطالبة بمساندة الجهاد ضد الشيوعيين الكفرة ( علي حد تعبيرهم) في كل أنحاء المملكة، في حين لعبت رابطة العالم الإسلامي التي يدعمها السعوديون دوراً رئيسياً في إرسال الأموال. وكانت السعودية والولايات المتحدة هما الممولين السخيين الرئيسيين للحرب وقدم كل منهما نحو ثلاثة مليارات دولار، "وكان الأمير" تركي الفيصل بن عبد العزيز آل سعود " رئيس المخابرات هو الذي يدير التمويل السعودي، وعمل في ذلك من بين كثيرين آخرين مع " أسامة بن لادن"، وهو ابن رجل أعمال ثري له روابط وثيقة مع الأسرة المالكة؛ وكان ابن  لادن الذي استخدم موارده الخاصة لمساعدة المقاومة الأفغانية، من بين أوائل العرب الذين وفدوا للمشاركة في الجهاد، فقد جاء في 1980 واستمر طوال الحرب بأكملها، وإن لاحظ أحد المحللين أن "ابن لادن" زار لندن أيضاً في مطلع الثمانينيات، وأنه ألقي عظات وخطباً دينية كثيرة في مركز "ريجنت بارك" الإسلامي. كما يعتقد أن الملك السعودي "فهد بن عبد العزيز"، الذي تولي السلطة في المملكة في عام 1982، وولي العهد "عبد الله بن عبد العزيز"، قد التقيا ابن لادن ومولاه كما قدمت وكالة المخابرات الأمريكية  (CIA)، أحدث أنواع الأسلحة التي يمكن للأفراد الأفغان استخدامها ضد الطائرات السوفيتية، واعتبرت الولايات المتحدة أن دعمها لأفغانستان هو أفضل فرصة للانتقام من السوفييت ودورهم في فيتنام. واعتبر قادة الـ" CIA، أن أفغانستان ستشكل فيتنام الولايات المتحدة ضد الاتحاد السوفيتي؛ خصوصاً وأن الاتحاد السوفيتي كان يضم ست دول مسلمة في آسيا الوسطي، وللعديد منها حدود مع أفغانستان".

وقد استخدم "ابن لادن" نقوده الخاصة لتجنيد المتطوعين العرب وتدريبهم في باكستان وأفغانستان، وإقامة علاقات طيبة مع قادة أفغان مثل "حكمتيار" و"شاه الدين مسعود"، وغضت المخابرات الباكستانية الطرف عن ذلك، وليس هناك أدلة علي دعم أمريكي مباشر لـ " ابن لادن"، لكن أحد "مصادر المخابرات المركزية ادعي أن مبعوثين أمريكيين التقوا بصورة مباشرة، ولاحظ "جون جولي" الصحفي الأمريكي أن وكالة المخابرات الأمريكية التي كانت منبهرة بوثائق اعتماد "بن لادن" السعودية الخالية من العيوب، أطلقت له العنان في أفغانستان، لتنظيم المقاتلين المتأسلمين" ... وللحديث بقية !

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط