احمد عزت سليمإن سيرورة العقل تتحرك ليس فقط بالدوافع السؤالية وانما تتحرك ايضا بالدوافع الإستفهامية التى تحاول الفهم لما يقابل العقل من كل الأمور ووصولا إلى إختراق أسوار المعطيات من أجل الوصول إلى نور المعرفة وإدراك الأشياء بحقائقها وليصبح العقل هو "الأنا المفكرة" وكما عرفه ابن سينا، والعقل أداة للتنوير ولا محدودية لسلطة العقل وإلا توقف الإنسان فى الكهوف منذ سيدنا آدم عليه السلام، وهذا ما قرره الفيلسوف العالم جابر بن حيان مقررا لا محدودية العقل بمقولته:ــ " العلم نور وكل علم عقل، إذن كل عقل نور وكل واحدة منها تصلح لأن تكون مقدمة ووسطا ونتيجة "، وقال التفتازاني من علم الكلام: ــ العقل: ـــ ما يُعقل به حقائق الأشياء، قيل: محله الرأس، وقيل: محله القلب، وقال ابن تيمية فى الفتاوى:ــ العقل مصدر عقل يعقل عقلاً، ويسمى به العلم الذي يعمل به، والعمل بالعلم . وقد يراد بالعقل نفس الغريزة التي في الإنسان التي بها يعلم ويميز ويقصد المنافع دون المضار، وقد رود العقل بصيغة الفعل في القرآن:ــ يعقلون، تعقلون، عقلوه، نعقل، يعقلها.، وبما يدل على أن القرآن يحث الناس على استخدام عقولهم، بشكل متواصل و يعتبر القرآن العقل نشاطاً ينقل الإنسان بطريقة إبداعية إلى الطريق الصحيح .

وفى هذا الإطار يمكن تناول المجادلة المثارة بقوة بين فضيلة شيخ الأزهر الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب والأستاذ الدكتور محمد عثمان الخشت رئيس جامعة القاهرة، فى إطار ضرورة منهجية موضوعية بإعمال العقل فى كل حياتنا وما أحوج أوطاننا العربية إلى إعمال العقل والتوقف عن فرضية السمع والطاعة والتى أدت إلى طغيان الأنظمة السياسية وتحكمها فى أوطاننا فلا سمع وطاعة إلا للقرآن الكريم والرسول صلى الله عليه وسلم، وما دونهما فهو قابل لإعمال العقل .

فالعقل أساس الدين ومنبع العلم ومطلعه ولم يتقدم علم وازدهر فن إلا على أساس العقل وهل يعرف إنسان ما أمر الله به وما نهى عنه إلا بالعقل ؟ قال الله عز وجل:ــ " ولا تقف ما ليس لك من علم أو إن السمع والبصر والفؤاد، كل أولئك كان عنه مسؤولا "وفي هذه الآية القرآنية الجامعة أصول رئيسية في النظر العلمي، فلقد أمر الله عز وجل بالمشاهدة الصحيحة والبصيرة والتفكير الصحيح، وأن على الإنسان أن يتمسك بما يصل إليه من حق أو حقيقة عن هذين الطريقين، المشاهدة والتفكير وكأساليب عقلية للوصول للحقيقة .

وروى لقمان بن أبي عامر عن أبي الدرداء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ــ " يا عويمر ازدد عقلاً تزدد من ربك قرباً، قلت: بأبي أنت وأمي ومن لي بالعقل؟ قال اجتنب محارم الله وأد فرائض الله تكن عاقلاً، ثم تنفل بصالحات الأعمال تزدد بالدنيا عقلا وتزدد مع من ربك قرباً وبه عزاً. . " ونظر الرسول صلى الله عليه وسلم إلى العقل نظرة كلها تعظيم وإجلال، فقد رأى فيه أصل الدين وأساسه، وأن لا دين لمن لا عقل له قال عليه الصلاة والسلام حين سأله على عن سنته، وأمر بالتواصي بالعقل والرجوع إليه ففيه النجاة وفيه الآمان، قال عليه الصلاة والسلام:ــ "اعقلوا عن ربكم وتواصوا بالعقل تعرفوا ما أمرتم به وما نهيتم عنه، واعلموا أنه ينجدكم عنده ربكم " وبين أن الله يأخذ بالعقل ويعطي بالعقل ويثيب به ويعاقب على أساسه، وما تم دين أحد بالا بالعقل، وما عبد الله بشيء أحب إليه من العقل وبمثل العقل.

وفى خلال سنوات العمر الطويلة لم أسمع فى "خطب يوم الجمعة" من يتحدث عن البصيرة والتفكر والعقل ولدرجة أننى كنت اقول ذلك لبعض الأئمة لماذا لا تعلمون الناس البصيرة والعقل فى القرآن الكريم فلا يردون والبعض يقول إن موضوع الخطبة من الأوقاف ونحن نلتزم به، حتى جاء يوم ذات مرة واحدة منذ عدة سنوات وقف الخطيب على المنبر ليقول فى بداية خطبته الحمد لله إن الأوقاف فكرتنا نتكلم عن العقل فى القرآن الكريم .. ومن منطلق أن العقل ينتج المعرفة والمعرفة تعيد إنتاج العقل، فقد نتفق مع بعض ما أعلنه رئيس جامعة القاهرة ومن هذا:ــ بأنّه لا يمكن تكوين عقل ديني جديد دون تغيير طرق التفكير وتجديد علم أصول الدين، موضحا أن من أهم الشروط لتكوين عقل ديني جديد، إصلاح طريقة التفكير، وفتح العقول المغلقة وتغيير طريقة المتعصبين في التفكير، والعمل على تغيير رؤية العالم وتجديد فهم العقائد في الأديان .

وقد أفاض القرآن الكريم فى ضرورة إعمال العقل والذى شكل نعمة هبة ربانية منحها الله عز وجل للإنسان عن باقى المخلوقات ورأى الأستاذ عباس العقاد أن هذه الهبة التى أشاد بها الله عز وجل فى القرآن الكريم هى إشادة متميزة تحث النسان على التفكير ووجوب العمل به وأن الإشارة إليه ليست عارضه ولا مقتضبة ولكنها تأتى فى كل مواضعها فى مقام التعظيم ومؤكدة جازمة باللفظ والدلالة للعمل به وتحكيم المؤمن لعقله .

ويؤسس القرآن الكريم الدعوة الأساسية لإعمال العقل والتفكير العقلانى فى كل حياتنا فقد ورد فعل العقل في القرآن الكريم في تسعة وأربعين موضعا، ولم يرد بشكلِ مصدر مطلقا، وكل أفعال العقل تدل على عملية الإدراك والتفكير والفهم لدى الإنسان، ومن هذه الأفعال على سبيل المثال ما يلي: ـــ ورد فعل العقل بصيغة "تعقلون" في أربعٍ وعشرين موضعًا في القرآن؛ منها قوله - تعالى -:﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ البقرة: 242، وقوله - تعالى -: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ يوسف: 2، وقد وردت أيضًا كلمة "النهى" في القرآن لتدل على أصحاب العقول أيضًا فى الحياة والعمل، مرتين في القرآن ؛ وهما: ﴿وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى﴾ طه: 54، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى﴾ طه: 128، وكما ورد بالدعوة للتفكر وبصيغة " تتفكَّرون" 3 مرات منها قوله ــ تعالى -: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ البقرة: 219، وورد بصيغة "يتفكَّروا" مرتين منها قوله - تعالى -: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ الروم: 8، -وورد بصيغة "يتفكَّرون" إحدى عشرة مرة، منها قوله - تعالى -: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ الرعد: 3.

 

أحمد عزت سليم  عضو إتحاد كتاب مصر

 

حاتم حميد محسنموضوعات مثل العولمة، الديمقراطية، الهجرة هي دائما ما تثير النقاشات الساخنة، العلمية وغير العلمية. جميع تلك المواضيع لم تكن جديدة. الفيلسوف الالماني عمانوئيل كانط (1724-1804) وبطريقته الابداعية تطرّق الى جميع هذه المواضيع السياسية الهامة والى غيرها.

في العقود الاخيرة نالت كتابات كانط السياسية التقدير العالي من جانب الفلاسفة السياسيين في الدول الناطقة بالانجليزية. هذا التقدير بلغ ذروته لدى العالم جون رولس في كتابه نظرية العدالة (1971)، وكتاب قانون الناس (1993).

تطور الانسانية

في عام 1784، كتب كانط عبارته الشهيرة "من الانسانية العوجاء، لم يُصنع ابداً اي شيء مستقيم". هو مع ذلك، اعتقد ان الطبيعة غير التامة للانسانية يمكن تحسينها من خلال المؤسسات مثل الحكومة الجمهورية (في التعبير الحديث الديمقراطية)، والقوانين الدولية والمعاهدات.

اذا كان الناس حقا قادرين على التحسين الاجتماعي والسياسي، عندئذ فان كانط يعتقد ان المحرك السايكولوجي لذلك التحسّن سيكون ما يسميه "التواصل الّااجتماعي" unsocial sociability". هو يرى ان الانسان يواجه توتراً اساسيا بين رغبته في ان يعيش ضمن جماعة من ناس آخرين ورغبته القوية ليُترك وحيداً. هذا التوتر يقود من بين اشياء اخرى الى تنافس حاد بين الافراد على الرقي والاشياء المادية . غير ان هذا الصراع الاساسي والعنيف احيانا يقود ايضا الى الكشف عن غايات الانسان واهدافة (التيلوس). هدف الانسانية، طبقا لكانط، لايمكن بلوغه لدى شخص واحد وانما فقط لدى البشرية ككل. وهكذا فانه من خلال صراع التواصل الّااجتماعي فان انسانية الكائن البشري تتطور بمرور الزمن. (هذه الفكرة تكررت بوضوح في النظريات السياسية لهيجل اولا ثم كارل ماركس لاحقا).

كيف ينظر كانط للهدف النهائي للبشرية؟ انه انجاز العقل او المعقولية، اولاً ضمن الفرد نفسه ثم مع الافراد الآخرين في جماعة منظّمة عقلانيا او دولة، واخيرا بين مختلف الجماعات او الدول. الآن بالنسبة لكانط، الفرد الناضج هو منْ لا يجعل عقله مأموراً من سلطات خارج ذاته، سواء كانت عقائد دينية او عادات او سلطات سياسية. بدلا من ذلك، فان عقل الانسان يجب ان يتحرر الى حدوده القصوى، ثم يوضع لخدمة الانسان كأنسان والذي في النهاية يعني زيادة في الرفاهية العامة والخير العام لكل الانسانية. وفي الموقف النهائي، سوف تحرر الانسانية ذاتها عبر فترات تاريخية طويلة من التجربة والخطأ ومزيد من الأسى، وسوف تحقق توازن الحكمة في الشؤون الانسانية على المستويين الضيق والواسع الحجم. وفي النهاية، فان السلام العالمي والتجارة الناعمة سيسودان كحالة نهائية .

الشيء الحاسم في هذه المحصلة هو بناء الانسانية للدول الجماهيرية (الديمقراطية) والتي هي قادرة على تنظيم نفسها مجتمعة على اساس عالمي، مفضلة ان تقودها "قوة رائدة"كبيرة. هذا يأتي كنتيجة للتطور العقلاني للانسانية. الدول ذات البناء العقلاني والتي تخدم الاهداف العقلانية للأغلبية (بما في ذلك الحياة، الحرية، والسعي نحو الملكية) لاترى اي فائدة غريزية او عقلانية لتحطيم هذه الاهداف الخيرة المشتركة التي تسعى لها دول اخرى منظّمة عقلانيا بنفس المقدار. المنطق هنا واضح: الناس لايرغبون وبمعرفتهم تحطيم انفسهم، وبهذا سيلجأون ان أمكن الى التحكيم او عمل المعاهدات والطرق السلمية الاخرى لحل الصراعات اذا كانوا قادرين على بناء هياكل وطنية او عالمية تسمح لهم بالقيام بهذا.

وكما لوحظ مراراً خاصة من جانب ستيفن بنكر في (التنوير الآن، 2018) ان كانط كان اول منْ طرح فكرة ان الديمقراطيات لاتقاتل بعضها. وهي الفكرة التي دفعت توماس فريدمن ليعرض فرضيته المعروفة بـ "Golden Arches":والتي تعني ان بلدين فيهما فرعان لمطعم مكدولاند سوف لن يذهبا للحرب. مع ذلك فان فرضية "التجارة الناعمة"تجلب معها تلطيف للعلاقات الدولية وان الالتزام بالمصالح السياسية كان الفكرة المشتركة حتى في القرن السابع عشر (انظر مثلا كتاب Jacques Savary، التاجر التام، 1675). غير ان هذه الفكرة جرى تحدّيها من جانب المعلقين الذين اشاروا الى ان المستوى العالي للتجارة في اواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين لم يمنعا حدوث كوارث الحرب العالمية الاولى.

من الواضح ان كانط حدد نوعا من العولمة ضمن التوتر السايكولوجي للانسان نفسه. الانسان يصارع ليشبع ذاته الداخلية التي لا تميل للارتباط مع آخرين ولكنه مع ذلك يدرك انه بدون الآخرين لا يمكنه تماما اشباع هدفه او تحقيق السب النهائي له في الوجود. مهمته هي ان يجد طرقا عقلانية لتنظيم التعاون مع الآخرين على المستويين المحلي والعالمي . ان العامل الاساسي هو الانتشار العالمي للديمقراطية. هذا يسمح ببناء فعّال ومستقر لضمان عالمي للأمن والازدهار. وهكذا يشتق كانط الفكرة او ربما النبوءة بالسلام النهائي الدائم"perpetual peace".

الحق في الضيافة The Right To Hospitality

الافتراض المسبق للسلام الدائم ارتبط بفكرة اخرى لكانط وهي "الحق العالمي بالضيافة". هذا المفهوم العالمي يرتكز على فكرة ان الكائن البشري يمتلك على الأقل حق ضعيف ليسكن أي جزء من العالم، وبهذا، يجب ان تُقدّم له فرصة المساعدة او على الاقل عدم الأذى اثناء اقامته المؤقتة في البلدان الاخرى.

ان حق الافراد في الانتقال الى أي مكان يختارونه هو، من حيث المبدأ، نتيجة للحق العقلاني بحياة افضل، وبهذا فهو يمكن ان يُقيّد فقط من حيث المبدأ وبنفس المقدار بحق عقلاني آخر وهو الحاجة للحفاظ على الاستقرار الاقتصادي والسياسي والثقافي للبلد المرغوب. من غير المدهش، ان هناك نقاشات سياسية ساخنة حول هذين الحقين العقلانيين تبرز في بلدان قد تكون او لا تكون ديمقراطية بالكامل.

الفهم الكانتي للكوزموبليتية العالمية والحق العالمي في الضيافة اجتمعا في رؤيته لإنتشار الديمقراطية وبناء "عصبة الامم". كلما ازداد انتشار الافكار الديمقراطية والعالمية والحقوق حول العالم كلما انفتحت الابواب بشكل أوسع امام المهاجرين سواء كانوا افرادا ام جماعات، والذي بدوره يقوّي العالمية وانتشار الافكار الجديدة. وهكذا. يكون كانط ربما وضع وبدون قصد الأرضية لفكرة ان الديمقراطية قد تقود الى مستويات كبيرة من التكامل العالمي المرتكز على التوسع المستمر للعالمية cosmopolitanism والحقوق المتصلة بالضيافة. لو اصبح كل مكان في الارض منظّما تنظيماعقلانيا كمكان ديمقراطي، ما الذي يمنع الفرد العقلاني من ان يضع نفسه ضمن المكان المختار؟او هل ان مستقبل الحركة العالمية للناس هو شيء آخر؟ مثلا، من المتخيل، انه اذا اصبح العالم متجانسا سياسيا واقتصاديا (كما تنبأ فوكاياما بذلك)، فان ذلك سيقلّل الحافز لدى الناس في التدفق نحو الحدود. لماذا يحتاج الفرد للهجرة اذا كان النظام السياسي والاقتصادي لبلده هو مشابه بدرجة ما لكل بلد آخر؟لذا، من خلال عملية الدمقرطة الكبيرة فان العالم سيصل مرحلة من التطور السياسي تقل معها الحاجة للهجرة الاقتصادية والسياسية. هذا بالنهاية سيترك فقط الاسباب غير الملحّة لمغادرة المرء بلده الأصلي، كأن تكون فقط الاسباب الجمالية كتفضيل مشهد معين او ثقافة معينة على سبيل المثال.

نحو تقارب اكبر من خلال الديمقراطية

قد يقول قائل ان انتشار الدمقرطة يغذي العولمة. ولذلك من غير المدهش ان الخوف من العولمة يعبّر عن نفسه في الحركات السياسية غير الليبرالية والمضادة للديمقراطية. ولكن يجب ملاحظة ان هذا سيكون رد فعل سياسي مؤقت يستمر فقط عندما تنتشر عملية الدمقرطة الى اماكن ذات حاجة اكبر مثل الصحراء الافريقية.

يمكننا القول ان الديمقراطيات الغربية هي في هذه اللحظة تبين نفسها منسجمة مع الانثربولوجيا الكانطية، هي ترغب ان تبقى وحيدة في عالم يريد الالتحاق بها. نحن نستطيع رؤية ان، العولمة هي ايضا الانجاز الاكبر للمبدأ الكانطي في توسيع امكانات الهجرة الفردية. العالم الأقرب يعني انني استطيع ان اكون اقرب لك، ليس كغريب غامض وانما كصديق اثني محتمل وربما محب. العولمة تعني ان امكانية الالفة مع الآخر تزداد دراماتيكيا. هذه الحقيقة تجعل الكثير من الناس غير مرتاحين. ان قوى رد الفعل لايمكنها بالنهاية الفوز ما لم ترغب برفض عملية الدمقرطة، طالما العولمة هي نتيجة لتلك العملية. بدون دمقرطة، سوف لم يعد هناك وجود للعولمة او انها ستصبح غير مستقرة وبدرجة من الخطورة مثلما كانت في القرن التاسع عشر عندما ساد الفهم الخاطئ للتجارة باعتبارها كافية للسلام العالمي. وكما ذكر نورمان انجل مرة، ان ذلك كان حقا "الوهم الكبير".

في الخلاصة يمكن القول ان الدمقرطة وليس انتشار "التجارة الناعمة" هي منْ يوفر مستقبل آمن للعولمة السلمية الى جانب التسوية العامة لحركة الناس مع حقوق عالمية اكبر، و انحلال تدريجي ضروري للاسباب التي تدفعهم للهجرة. 

 

حاتم حميد محسن

 

 

التاريخ ليس ظاهرةً عقلية مُجرَّدة، أو إحساسًا مؤقتًا بالمراحل الزمنية. إن التاريخَ شرعيةُ الوجود الإنساني، وماهيةُ المحتوى الاجتماعي التراكمي، الذي يحتضن أحلامَ الفرد وطُموحَ الجماعة. وكما أنَّه لا يُمكن تصوُّر شجرة بدون جُذور، كذلك لا يُمكن تصوُّر إنسان بدون تاريخ. والإشكاليةُ في بُنية العلاقات الاجتماعية تتجلَّى في اعتبار التاريخ زمنًا سابقًا وتراثًا ماضيًا، لذلك يرتبط التاريخُ في أذهان الناس بالعَودة إلى الماضي، والرُّجوع إلى الوراء، وهذا فَهْم مَغلوط وقاصر، لأن التاريخ شرعية مُتجدِّدة، وماهية مستمرة، وزمن مُتواصل، وكتاب مَفتوح، وكُل إنسان يَترك بصمته الشخصية في هذا الكتاب، وكُل حضارة تَكتب تفاصيل وجودها فيه. وهذا يعني أن صناعة التاريخ تمتاز بالدَّيمومة غَير المحدودة بالأُطُر الزمنية. وفي حقيقة الأمر، نحن نَتقدَّم إلى التاريخ، ولا نعود إلى التاريخ، لأن التاريخ مَعَنا وفِينا، بكل إيجابياته وسلبياته. والعَودةُ إلى الشَّيء تعني غيابه عن المشهد الراهن، ومُحاولة استرجاعه من ذاكرة الماضي السحيق، ونقله من الماضي إلى الحاضر. في حِين أن التاريخ حاضر في قلب الأحداث اليومية، وليس غائبًا حتى يتم استرجاعه، ولا يُوجد وراء ظُهورنا كي نُحاول إحضاره أمام أعيننا. إن التاريخ كائن حَي نتعامل معه، ويتعامل معنا، في كُل وقت وحِين. وهو كتاب مفتوح على الماضي والحاضر والمُستقبل معًا، ضمن عملية صَهر المراحل في بَوتقة الوُجود الإنساني. والإنسانُ يعيش في قلب التاريخ. وهذا يعني أن التاريخ ليس غائبًا تُنْتَظَر عَودته، ولَيس تُراثًا ضائعًا في متاهة الماضي حتَّى يُسْتَرْجَع، ويُنْفَض عنه الغُبار، ولَيس فِعلًا ماضيًا حتى يُسْعَى إلى تحويله إلى فِعل مُضارع.

2

الشجرةُ الباسقة لا تَعتبر جُذورَها مُجرَّد مرحلة زمنية أتت وانقضت، وتَمَّ تجاوزها. وتاريخُ الشجرة كيان واحد مُتماسك، يتمتَّع بالاستمرارية المعنوية والمادية، ويمتاز بدَيمومة الحياة، ولا يُمكن فصل الجذور عن الأغصان، ولا يُوجد صراع حول شرعية الوجود بين الجذور والأغصان، ولا أحد يَطرح سؤال : مَن الأكثر أهمية الجذور أَم الأغصان ؟، لأن منظومة (الأصل السابق / الفَرْع اللاحق) تتحرَّك في قلب الحياة بشكل مُتوازن ومُنَّسق وفعَّال لإنتاج الثمر. ووُجود الثمر يعني أن أجزاء الشجرة جميعها تعمل برُوح الفريق الواحد، دُون صراع، ولا صِدام، وأن جميع الوسائل والجهود مُتضافرة ومُرتبطة معًا، من أجل الوصول إلى النتيجة المَرْضِيَّة. والعناصر تعرف وظيفتها بدِقَّة ضِمن الكيان الواحد، وهي مَشغولة بالعمل وإنتاج الثمر. والعملُ والجدلُ ضِدَّان لا يَجتمعان، ونقيضان لا يَلتقيان. إذا حَضَرَ أحدهما غابَ الآخَر. وهذا يُشير إلى أن دوران عجلة الإنتاج هو الحَل السِّحري لسد الثغرات، وإزالة الخصومات، وإنهاء النزاعات، لأن الجهود عندئذ تكون مُوحَّدة ومُركَّزة ومُوجَّهة نَحْو التقدُّم والإنتاج والازدهار. وإذا كان فريقُ العمل يَسعى إلى هدف مشترك، وغاية واحدة، ستزول جميعُ الخلافات بين أفراده. أمَّا إذا زالَ الهدف المُشترك، واختفت الغاية الواحدة، وتوقَّفت عجلة الإنتاج، فعندئذ ستظهر الصراعات بين أفراد فريق العمل، ويُسيطر عليهم التناحر والنِّزاع، ويغرقون في الفُرقة والصِّدام.

3

كُل شجرة موجودة في هذه الحياة تَحمِل شرعيتها الذاتية (الجذور)، وهُويتها الخاصة (الأغصان)، ومَظهرها الجَذَّاب (الثِّمار). وهذا يَجعل شخصيةَ الشجرة مُتماسكة، بلا انفصام، ولا تشتُّت. ويَجعل كيانَها راسخًا بلا صراع بين الماضي والحاضر. وكُل إنسان على قَيد الحياة، لا يتحرَّك في هذا الوجود وحيدًا، وإنَّما يتحرَّك حاملًا آباءه في شخصيته الاعتبارية وطبيعة تَكوينه المعنوي والمادي. والإنسانُ جُزء مِن سُلالة مُستمرة ومُتواصلة، لذلك يعيش الماضي والحاضرَ والمُستقبلَ معًا. والأبُ ليس مجموعة جينات وراثية عفا عليها الزمن، وذهبت إلى النسيان. إنَّ الأب وجود وشرعية وشخصية ومعنى وفِكْر. وكذلك التاريخ.

4

التاريخُ لَيس كَومةً مِن الأفعال الماضية التي ضاعت في إحدى زوايا ذاكرة التراث. إن التاريخ فِعل مُتجدِّد، يُولَد باستمرار، ويَتكاثر بلا توقُّف، وهو مرتبط بأدق التفاصيل الإنسانية اليومية المُعاشة، ومغروس في الوَعْي (العقل في حالة الإدراك) واللاوَعْي (الشعور الباطن الذي يَنشأ دُون إدراك). وتاريخُ الإنسان مِثل جِلْده، لا يَستطيع أن يُغيِّره حتى لو أرادَ ذلك. وكُل مُحاولة لمُحارَبة التاريخ ستبوء بالفشل، والواجب على الإنسان أن يُساهم في صناعة التاريخ، وتَرْك بصمته الشخصية، وغَرْس وُجهة نظره، وتكريس رؤيته الشخصية النابعة من تجاربه الشعورية والواقعية. وصناعةُ التاريخ معركة حقيقية يَخوضها الإنسانُ ضِد أحزانه وإخفاقاته ونِقاط ضَعْفه، من أجل الوصول إلى حالة التوازن الروحي، والسلام مع ذاته والآخرين، والمُصالحة مع عناصر الطبيعة. وما دام الإنسان في قلب المعركة (صناعة التاريخ)، فهو يعيش أجواء المعركة بروحه وعقله وجسده، وعليه أن يكون صَوْتًا لنفْسه لا صدى لأصوات الآخرين. والحياةُ قصيرة، وهذا يعني ضرورة أن يَترك الإنسانُ بَصمته الشخصية، ويَعيش حياته الذاتية، ويَكون نَفْسَه، ولا يتقمَّص شخصيات الآخرين، ولا يَعيش حياتهم.

 

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

 

 

عصمت نصار(إنها حقيقة صادمة) بتلك العبارة عقّب الحضور على كلمتي التي ألقيتها في مكتبة الإسكندرية في ندوة بعنوان "الإسلام والجمال" التي نظمها مركز "دراسات الحضارة الإسلامية" تلك التي جاء فيها :

إن أوهام الفهم التي تُصيب الذهن من جرّاء المفاهيم المشوشة والدلالات الملتبسة والمعاني المُطمسة، تحول بينه وبين النفوذ الى حقيقة المفاهيم، شأنها شأن الأصنام التي يعبدها البعض ويزود عنها بالسيف ويروّج لها بالأقاصيص الملفقة، ويجحدها البعض الآخر، ويعبر عن كرهه لها بالإقصاء تارة، والنفور منها تارة أخرى.

ولم يحاول أولئك وهؤلاء التعرُّف على حقيقة ذلك الوهم أو الصنم للحكم عليه أو تحليل مضمونه، وما أكثر الأوهام، الأصنام، التي نُسبت للإسلام في حياتنا المعاصرة وشريعته، فضلّ بها الكثيرون.

ولعلّ مصطلح  "السياسة الشرعية" أكثر تلك المصطلحات التي ذاعت منذ أخريات القرن التاسع عشر في حياتنا السياسية، وصاحبها العديد من الشعارات العقدية مثل (تطبيق الشريعة الإسلامية - الحاكمية الإسلامية - الإسلام هو الحل - الخلافة الإسلامية - والدولة الدينية)، وقد عُقدت حول ذلك الوهم مئات المناظرات وظهرت عشرات الفرق الإرهابية باسم الجهاد ضد المجتمع العلماني الكافر المناوئ لشريعة الله، ولعلّ آخر تلك الجماعات الضالة هى "داعش" التي رفعت راية الخلافة وادّعت أن دستورها هو السياسة الشرعية.

لذلك كله سوف نحاول في عجالة الكشف عن الحقيقة، وإزالة ذلك الوهم وذاك الصنم.

فقد اتفقت جُل الكتابات التي عبّرت عن السياسة الشرعية على أنها " اجتهادات الحاكم في أمور تدبير الدولة على نحوٍ يُمكّنه من إقامة العدل واستتباب الأمن لتحقيق المقاصد الشرعية، وهي الحفاظ على الدين والعقل والنفس والمال والعِرض، ثم الكرامة والحرية والبيئة، ودرء المفاسد وجلب المصالح العامة شريطة الالتزام بقطعي الثبوت والدلالة من الأوامر والنواهي الشرعية، والاستعانة بأهل الدربة والدراية في تدبير شئون الدولة عن طريق مبدأ الشورى والعقد السياسي الذي حَدّد حق الحاكم على الرعية بالطاعة، وحق الأمة عليه  في تنصيبه  ومعارضته وعزله، اذا ما أخلّ بمهامه الرئيسة، ودون ذلك له عليها حق الطاعة والنصرة".

وتبدو مواطن الالتباس والغموض والتشويش في الاجتزاء من ذلك التعريف أو تلخيصه في أحد المعاني الإجرائية السياقية لأحد الفقهاء أو المتكلمين، أو تلبيسه بما ليس فيه، وإدخال عليه ما يُناقض مضمونه، وسوف نتناول ذلك بشيء من الإيضاح:

ادّعاء جماعة الإخوان أو السلفيين أو الجهاديين أو القاعدة أو داعش بأن المقصود بالسياسة الشرعية هو تطبيق الحدود فهو خاطئ، وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم، فصَل بين أمور السياسة وظاهر النص القرآني انتصاراً للغاية الأسمى وهي تحقيق المقاصد الشرعية، فلم يقتل المنافقين، ولم يهدم الكعبة ويعيد بنائها، ولم يأمر بالتنكيل بتاركي الصلاة حتى لا يُتهم النبي في صدر دعوته بأنه غادر بتقتيل أصحابه، أضف الى ذلك أن جُل تدبيراته السياسية كانت بشرية، وقد وضعها  صحابته مناهل الدربة والدراية.

كما عطّل عمر بن الخطاب تطبيق الحدود في عام الرمادة سنة 19هـ، وضاعف عقوبة شارب الخمر إلى (80) جلدة، وحرق عثمان بن عفّان المصاحف المخالفة للقراءة الصحيحة، ونكّل عليّ بن أبي طالب بالسبأيين والمجترئين حرقاً، وكل ذلك يُدرج في باب التعزير ومقتضيات السياسة الدنيوية، أضف الى ذلك أن اقامة الحدود لها ضوابط حاكمة لا تتوفر في زماننا، وأن المجتمعات الإسلامية قد لجأت الى التعازير في تدبير شئون الدولة؛ لأن الحدود لا تُطبق بالشبهات ولا القرائن.

ثم ننتقل الى ادّعائهم الثاني وهو أن الخلافة نظام ديني، وأن  الشورى سبيلهم الى إقامتها، وأن السيف هو سلاحهم لحمايتها، والحقيقة غير ذلك تماماً، فالخلافة أو الإمامة أو المُلك أو الرئاسة كلها من الأمور المدنية عند جُل الفقهاء والمتكلمين فيما عدا الشيعة الإمامية  والاسماعيلية، لا دخل للسماء في تنصيب الحاكم أو عزله، ومَرَدّ ذلك إلى أن الأمة هى مصدر السلطات في السياسة الشرعية. فنظرية الحق الإلهي وتأليه الحكام من النِحل الفرعونية والهندوسية والفارسية والحكومات الثيوقراطية، وهى بعيدة كل الُبعد عن الشريعة المحمديّة.

ولعلّ كتابات - أبي حامد الغزالي والمودودي وابن الأزرق والثعالبي وابن تيمية - هى التي عظّمت من شأن الخليفة أو السّلطان وجعلته ظل الله على الأرض أي السبب في ذلك الوهم : فالخليفة أو الأمير قد نُصّب في الحضارة الإسلامية بثلاث طرق: "الشورى - وراثة المُلك - القوة والشوكة أو الغلبة"، ويعني ذلك أن ما قيل عن شرعية تنصيب "محمد مرسي" محض كذب، فلم يُنتخب من أهل الحلّ والعقد بل انتخبه العوام، وأنّ الشروط المتفق عليها بين كُتاب السياسة الشرعية غير متوفرة فيه "القرشية - الشوكة - العدل - العلم - الورع - الصدق - الدُّربة والدراية -الأمانة - والانصياع لمشورة أهل الحل والعقد ونُصحهم".

وانّ وصف ثورة 30 يونيو بأنها انقلاب على الشرعية، جهل بحقيقة السياسة الشرعية، وذلك لأن جُل الفقهاء وعلى رأسهم ابن تيمية جعل صاحب الشوكة أو القائد المتغلب "الجيش" الذي انتزع المُلك بالقوة حاكم إسلامي كامل الأهلية، ويجب على الأمة طاعته ونصرته والانصياع الى أوامره، وذلك لتحقيق أهم مقصدين وهما : الحفاظ على كيان الأمة ودينها من الفرقة والتشتت والفوضى، وعدم سفك الدماء.

كما أنّ زعم الجماعات الإرهابية بأن ما يقومون به من - اغتيالات وقتل للأبرياء جهادٌ - محض افتراء وضلال فقد حرّم الله الغدر، وأن منطق الاغتيالات لم يقّرّه الجمهور بل هو إحدى حيل فرقة الحشاشين والخوارج والقرامطة، كما أنّ ادعائهم بأن العمل بالقوانين الوضعية كفر وشرك، جهل وضلال من أقوامٍ وُصفوا بالرويبضة، وذلك لأن معظم تدابير السياسة الشرعية منذ تولية الخلفاء الراشدين حتى نهاية الخلافة العثمانية، قد سُيست بالتعازير في العقوبات والاجتهاد في استحداث النظم، وبالقياس العقلي الذي يُراعي الواقع المعيش في التدبير.

فالسياسة الشرعية تختلف عن الفقه وأحكام الشريعة في بنيتها المعرفيّة، والأصول التي انطلقت منها، لذا فهى مدنيّة في كل أمورها شريطة - كما ذكرنا - عدم مخالفة قطعي الدلالة والثبوت من القرآن الكريم وصحيح السّنة.

أمّا آراء الفقهاء وإجماع بعضهم واجتهاد نفرٍ منهم لا يُعد حجة لتكفير المجتمع وحمل السيف عليه "دار الكفر"، فمعظم تلك الآراء الجانحة التي كفّرت المجتمعات، خرجت من الخوارج وبعض المُتشدّدين من المجتهدين من أمثال ابن تيمية، والمودودي، وسيد قطب، وغيرهم من الذين خضعت اجتهاداتهم، لظروف سياسية محليّة وأوضاع اجتماعية خاصة، وهى تختلف بطبيعة الحال مع ما نتعبّد به من النصوص الشرعية، فتقديس التراث الفقهي، ليس من الشرع في شئ.

وقد اجتمع  الحنابلة ومنهم الإمام أحمد وأبو يعلى بن الفراء والأشاعرة والحنيفية والمالكية والشافعية على عدم جواز تكفير المسلمين أو الخروج عليهم بالسيف واستحلال دماءهم وأعراضهم وأموالهم، وأنّ من يفعل ذلك خارجٌ عن الملة، كما أضاف ابن تيمية أن الصبر على الحاكم القوي الفاسق الفاجر أفضل من الانقلاب عليه بالسيف حتى لا يُعّرض المسلمين للتهلكة وسفك الدماء، فشرط الخروج على الحاكم عند الجمهور هو هدم الدين أو كفر الحاكم صراحة "كفر بواح"، أو خيانة للأمانة، أو استبداده وتفشي الجور، شريطة القدرة عليه ووجود البديل الصالح. وأخيراً ادّعاء هذه الجماعات الجانحة بأنها تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، باعتبارها الفرقة الناجية المنوطة بذلك والمحتكرة للحقيقة المُطلقة، فإنّ هذا الادّعاء مردودٌ عليه أيضاً، فإنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالسيف من سلطة الحاكم، وذلك بحسب ما ورد عند الجمهور وابن تيمية، ولم يخالفه سوى الخوارج.

أمّا حق الاعتراض والنصح والرفض كل ذلك مُباح من قِبل أهل الحل والعقد، أمّا العوام الجهلاء، فلا يحق لهم حمل السيف على الحاكم، فلم يُبح ذلك سوى الحشاشين من فرقة الإسماعيلية والجهاديين في كتابات ابن تيمية والمودودي وسيد قطب، فالسياسة الشرعية تتفق تماماً مع الصوفية في أن الأمر بالمعروف لا يتحقق بالعنف ولا المنكر، والنهي عن المنكر لا يحق إلا بالمعروف والدعوة الصالحة.

أمّا وصف الحاكم المُسلم بأنه المستبد العادل فهذا لا يعني أبداً أنه ذلك المتجبر المتسلط المنفرد بالقرار، بل أن المفهوم على العكس من ذلك تماماً، فهو مستبد أي حازم وحاسم، قوي في إقامة العدل وذو بأسٍ في الزود عن الأمة ضد المعتدين والضارب على يد المجرمين والعصاة الذين يكدّرون صفو حياة الرعيّة بجرائمهم.

تلك كانت كلمتي لتوضيح مفهوم "السياسة الشرعية"، وكل ما جاء فيها يتفق مع ما ورد في كتابات المتكلمين والفقهاء الذين تصدّوا الى ذلك المصطلح، من أمثال الموردي وأبو يعلى في "الأحكام السلطانية" وابن الأزرق في «بدائع السلك في طبائع المُلك" والغزالي في "التبر المسبوك"، وابن الطقطقي في "الفخري في الآداب السلطانية"، وابن تيمية في "السياسة الشرعيّة" وابن خلدون في "المقدمة" وأبو البقاء في "الكليات".

وما قدّمته لا يعدو أن يكون قراءة لتوضيح ما أعتقد أنه الحقيقة، وحسبي في هذا السياق أن أشير الى رأي المعتزلة الذين أكدوا في كتابات مؤرخهم الأعظم القاضي عبد الجبار أن السياسة في الإسلام هى سياسة مدنيّة تحتكم الى المقاصد الشرعيّة، ودون ذلك من تسييس أمور الدولة من باب الاجتهاد الذي يتّسع للجميع أخذاً ورداً، تبعاً لدرء المفسدة وجلب المصلحة العامة وتحقيق الأمن وإقامة العدل، وذلك إتباعاً لسنة النبي في تسييسه لأمور الدولة الإسلامية، فجُل ما جاء به في هذا الباب مدنيٌّ في أصله ومضمونه "أنتم أدرى بشئون دنياكم".

والسؤال المطروح : هل يمكننا إدراك الجمال والحُسن الكائن في حقيقة السياسة الشرعية الإسلامية؟ ونمحو تلك الصورة القبيحة التي بَدَت في سلوكيات الجامحين والجانحين والمُضللّين الذين وصفوا الإسلام بما يناقض مقاصده وشرعته، فصدّوا الناس عنه واسترهبوا بعضهم ووسوسوا للبعض الآخر فضلّلوه، وهل حان الوقت أن نزيل تلك الأوهام ونحطم تلك الأصنام ونكشف ثانية عن جماليات الخطاب الإسلامي، وما فيه من حِلم ورحمة وتسامح مع الأغيار؟

 

د. عصمت نصار

 

 

"مفتاح كل العلوم.. هو علامة الاستفهام !!!"

المعرفة بالمعنى المعتاد تعني معرفة ماهية الأشياء أو الكائنات الأخرى، والمخلوقات والظواهر، وما هي خصائصها والعلاقة بينها، وتؤخذ الكلمات "الموضوع" و "الوجود" و"الظاهرة" هنا بمعنى واسع للغاية، وإذا كانت العملية التي يشارك فيها الإنسان بأهدافه وأساليب التقييم بمثابة كائن أو ظاهرة، فيتم تمييز المعرفة حول كيفية تنظيم العملية، وكيفية القيام بعمل معين أو تسلسل الإجراءات كنوع خاص من المعرفة، وهل هذه الخاصية قابلة للتطبيق على المعرفة بالمعنى المحدد لـاقتصاد المعرفة أو إدارة المعرفة، والتي تسمح بإدراج جميع الأصول غير الملموسة في فئة المعرفة؟ للإجابة على هذا السؤال، حاول استبدال كلمة "المعرفة" بعبارة "الأصول غير الملموسة" ستكون النتيجة صياغة تحتاج إلى توضيح وتصحيح مما يمكن قراءة شيء ما على أنه استعارة سوقية، وعبارة "الأصول غير الملموسة كعامل نجاح" كما هو مطبق في مجالات النشاط التي تتجاوز السوق أو خارج هذا المجال تمامًا. وإن فهم مجتمع المعرفة ينطوي على اقتصاد المعرفة، لكنه لا ينزل إليه، فهو في حقيقته مجتمعا يتطور تلقائيا وديناميكيًا، ويتم تحديد نوعيته عبر الإدراك الواسع لدور المعرفة كشرط للنجاح في أي مجال من مجالات النشاط، ولوجود حاجة مستمرة إلى معرفة جديدة ضرورية لحل المشكلات الجديدة والحاجة الدائمة لإنشاء أنواع جديدة من المنتجات والخدمات، شرط توفير الأداء الفعال لنظم إنتاجه ونقله مع التزويد المستمر والمحفز للطلب عليه والتفاعل الحقيقي داخل المنظمات والمجتمع ككل، لذلك يهتم اقتصاد المعرفة كتوجه جديد في العلوم الاقتصادية أيضًا بالبيانات المتعلقة تقليديًا بالعلوم لكنه يجدر بنا ان ندرك انه لا توجد حاجة إلى ان تكون لنا معرفة جديدة فقط في الاقتصاد، وانما يجدر توفرها في جميع مجالات النشاط البشري ولذلك نلمس انه يتم إنتاج ونقل المعرفة ليس فقط في سياقات السوق، ولكن أيضًا خارجها فعمليات تسويق العلم والثقافة والتعليم هي حقيقة واقعة، ومع ذلك فإن تلك العمليات تؤثر فقط على جوانب وشظايا معينة، ولذلك نجد انه يستلزم ان تصبح نسبة كبيرة من منتجات المعلومات التي يتم إنتاجها في مجتمع المعرفة ملكًا عامًا، والمكافآت لمبدعيها ليست على أساس تجاري، أو يمكن أن تكون رمزية، أو حتى لا يكون لها تعبير نقدي، غير اننا نعترف إن استخدام مفاهيم العرض والطلب لفهم الوضع في مثل هذه المجالات ينبغي الاعتراف به على أنه مفيد بشرط ان يكون ذلك فقط لأنه يضمن عدم تجاوز حقوق إطار الشخصيات الإبداعية، لكننا هنا لن ننكر ان الحاجة إلى التعليم وإعادة التدريب والتعليم الإضافي و "التعليم مدى الحياة" أحد الاحتياجات الإنسانية الأساسية في مجتمع المعرفة، وهنا نؤكد على حقوق اساسية في انه ولتلبية مثل هذه الحاجة الأساسية في السوق تستوجب ان تحمل الدولة والمؤسسات العامة الجزء الأكبر من تكلفة التعليم وتوفيرها وتوفير مستلزماته مجانا وللجميع.

تجدر الإشارة إلى أن تعبيرات "مجتمع المعرفة" قد ظهرت في الآونة الأخيرة نسبيًا ويستخدمها بشكل متزايد علماء الاجتماع والاقتصاديون ومنظري الإدارة لفهم العمليات التي تحدث في الحياة الاقتصادية والسياسية، وفي مجال المعلومات، وفي هياكل التعليم والعلوم، وفي العلاقات داخل المنظمات وبين المنظمات لدرجة ان المعرفة اليوم أصبحت موضوعًا لمصالح اقتصادية وسياسية وثقافية هائلة لدرجة أنها يمكن أن تعمل على تحديد الحالة الجيدة لمجتمع بدأت خطوطه العريضة في الظهور أمامنا، مما جعلته يكتسب ميزات المثالية الاجتماعية الجديدة التي تحدد اتجاه استراتيجيات وبرامج الهياكل الوطنية والإقليمية والدولية. وقد أصبحت فكرة مجتمع المعرفة كمجتمع للمستقبل موضع اهتمام عام واسع لكنه علينا ان نعرف ماهية وكيف يختلف مجتمع المعرفة عن مجتمع المعلومات؟ وكيفية اختلافه عن مجتمع ما بعد الصناعة؟ ومن الواضح أن إجابات هذه الأسئلة تعتمد على المعنى المضمن في المفاهيم يقال أحيانًا أن فكما يوحي الاسم فأن مجتمع ما بعد الصناعة يحل محل المجتمع الصناعي، وبتطوره يصبح مجتمع ما بعد الصناعة إعلاميًا أي أن مجتمع المعلومات هو مرحلة في تطوير مجتمع ما بعد الصناعة، ويتبع مجتمع المعلومات مجتمع المعرفة، ولذلك قد تتشابك العمليات الاجتماعية والتكنولوجية والاقتصادية التي يتم فهمها بمساعدتها بشكل وثيق، ومنها نجد ان مجتمع المعلومات في إطار المفاهيم الأساسية يعد ذو مستوى عال من تطور تكنولوجيا الكمبيوتر وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات، ولاحتوائه بنية تحتية قوية للمعلومات، وهذه الميزة المهمة لمجتمع المعلومات تتمثل في زيادة الوصول إلى المعلومات لمجموعة متزايدة من الناس فتنطلق جميع المفاهيم والبرامج تقريبًا لتطوير مجتمع المعلومات من حقيقة أن المعلومات والمعرفة في عصر المعلومات أصبحت مورداً استراتيجياً للمجتمع. وهنا قد نجد من يقول ان الاصح ان لا نقول اسم "مجتمع المعلومات" هو أفضل طريقة لفهم خصائص مثل هذه الظواهر والعمليات وإن تعبير "مجتمع تكنولوجيا المعلومات" سيكون أفضل ونحن نوافقه الرأي مع انه وان تم اتخاذ القرارات دائمًا على أساس المعلومات وموثوقيتها واكتمالها من حيث المعلومات ستؤدي دورًا مهمًا، فهنا يجب أن نعترف بأن المجتمع البدائي كان إعلاميًا ايضا ومعلوماتيا غير إننا نتعامل اليوم مع طريقة ثابتة بالفعل لاستخدام الكلمة ونعتقد أن محاولات استبدال مفهوم "مجتمع المعلومات" بمفهوم "مجتمع المعلومات والتكنولوجيا" من شأنها أن تؤدي إلى التشويش بدلاً من توضيح جوهر المسألة.

من الصعب تخيل أنظمة تعمل بفعالية لإنتاج ونقل المعرفة دون وجود تكنولوجيات متطورة للمعلومات والاتصالات، وهي بنية تحتية قوية للمعلومات تمكن من الوصول إلى المعلومات والمعرفة لمجموعة واسعة من الناس، كما وان دور المعلومات كمورد استراتيجي في مجتمع المعرفة لا يمكن إنكاره، وبالنظر إلى كل هذا فأنه يمكننا القول أن مجتمع المعرفة لديه كل خصائص مجتمع المعلومات، وإن مفهوم مجتمع المعرفة لا يتطابق مع مفهوم مجتمع المعلومات، لأنه يتضمن محتوى الخصائص المتعلقة ليس فقط بتطوير تكنولوجيا المعلومات والاتصالات وانما من حيث المبدأ يحتوي أية تقنيات أخرى ومجالات تطويرية لكل نشاط، ومع انه تم النظر إلى مستوى تطوير تقنيات الكمبيوتر والاتصالات كمؤشر على التطور العلمي والتقني والصناعي لبلد ككل وحتى كمؤشر على الطبيعة الديمقراطية للمجتمع غير انه لا يمكن استبعاد أنه ولربما في المستقبل سيتم تنفيذ دور مماثل من خلال التقنيات الأخرى كما هو حاصلا الان في تقارب التكنولوجيا النانوية، والتكنولوجيا الحيوية، وكذلك في المعلومات والتقنيات المعرفية والاجتماعية الإنسانية. وهنا نبين ان مفهوم مجتمع المعرفة يتشابه تشابهًا كبيرًا مع مفهوم مجتمع ما بعد الصناعة لأنه مجتمعا قائما على المعرفة ولذا لا شك في ضرورة اعتباره مجتمعا لما بعد الصناعة، ومع ذلك فلا تؤدي المعرفة العلمية دورًا مهمًا هنا انما يجب أن يؤخذ بعين الاعتبار تفرد الأنواع الأخرى من المعرفة بما في ذلك المعرفة المتراكمة في عملية النشاط العملي، ونتائج ملاحظات الحياة، والمعرفة الفنية ومعرفة "الأعمال" التي لا تصل إلى الحالة العلمية والنظرية من أجل فهم أسباب نجاح الابتكارات في بعض الحالات، وفصل النظرية عن الممارسة في حالات أخرى، ومن ما تقدم نلمس ان مصير التكنولوجيا، حتى الأكثر تقدماً والأكثر إلحاحًا من قِبل الناس، يعتمد إلى حد كبير على ما إذا كانت العوامل النفسية والاجتماعية قد تم أخذها في الاعتبار بشكلٍ مناسب من قبل المبدعين والمروجون لها، مما يؤكد خصائص مجتمع المعرفة بوجوب فعالية أداء نظم الإنتاج واكتساب المعرفة وتطبيقها وإنتاجية تفاعلها. وختاما فأن موضوع مجتمع المعرفة هو موضوع واعد للكتابة والبحث، يمكن للباحثين فيه وعنه أن ينطلقوا من أفكار مختلفة حول ماهية مجتمع المعرفة فليس من المعقول توقع أن يتم الوصول إلى تعريف معترف به عالميا، لذلك فأن الهدف ليس تحقيق هذا التعريف، بل أن الباحثين فيه يتجاوزوا السياق المتخصص، ويكتشفوا جوانب جديدة من الموضوعات والظواهر المدروسة والغير مدروسة، والعودة بالمدروسة إلى سياقها المعتاد، وتغييره، وصياغة أسئلة جديدة ومهام بحثية ومعرفية متطورة.

 

بقلم/ الدكتور ميثاق بيات الضيفي

 

نيرمين ماجد البورنوتعد الحرية من أهم حوائج الإنسان على الإطلاق، والحرية حق مكفول في كل دستور بالعالم، ولكن يوجد نوع آخر من السجن غير الزنزانة التي يكون عليها شرطي كحارس وهو سجن الذات، فأحيانا السحن الداخلي يكون موجع ومؤلم لصاحبة مثل الغربة الداخلية التي يشعر فيها الشخص انه غريب عن وطنه ومعارفة لأنه مرغم على البقاء فيه فقضبانه صنعت من أصفاده وأفكاره العقيمة البالية وهو بنفسه كل بها نفسه وظلم بها روحه وعقله، فالسجن الحقيقي اذن سجن النفوس والعقول قبل أن تكون سجن الأجسام والأرواح فان كان كل سجين وراء القضبان محبوس فليس كل من خارج أسوار السجن أحرار.

فما السجن إذن الا نتائج أفكار لإنسان موهوم مذلول مكتوف الايدي يرضي بالقليل بل الفتات ولا يقنع الا بما يملأ فمه وبطنه لكن دون ذلك لا يبالي، ولا يتقدم خطوة يرضي ان يعيش في غبراء الناس حتي يسلم من الأذى، فيعيش مهزوم النفس ضعيف القلب في سجن حرمة الأيام والأحلام معا، ولقد صدق الرافعي عندما قال "أشد سجون الحياة فكرة خائبة يسجن الحي فيها، لا هو مستطيع أن يدعها، ولا هو قادر أن يحققها؛ فهذا يمتد شقاؤه ما يمتد ولا يزال كأنه على أوله لا يتقدم إلى نهاية؛ ويتألم ما يتألم ولا تزال تشعره الحياة أن كل ما فات من العذاب إنما هو بَدْء العذاب.

كثير من الناس يعيشون وهم يختزلون ذكرياتهم بمرها وحلوها وكأنها شريط يمررونه كل يوم، وهناك أناس وقفت حياتها عند طلوع الشمس وغروبها يعدون الايام يوم بيوم على جدران قاتمة يأكلون ويشربون دون أي احساس بحياة طبيعية حتى لو كانت حياة قاسية، وهناك أناس وجدت طريقها وتوازنت في حياتها النفسية ما بين الروح والجسد وعلما أن اسرار السعادة في الحياة ونعمت وانسجمت في الظاهر والباطن كوحدة متناسقة متناغمة، وهناك بشر روحها مسجونه داخل جسد ضيق لا يناسبها ونفسها تتأرجح مع تقلبات الأيام لا تدري ماذا تريد وما هو هدفها والي ماذا تصبو وتحلم،  وأرواح بآسه وانهك جسدها من الدنيا فقررت التخلص من الحياة فاكتأبت وانتحرت.

ان السعادة في معناها هي حالة الصلح بين الظاهر والباطن بين الإنسان ونفسه والآخرين وبين الإنسان وبين الله،  فينسكب كل من ظاهره وباطنه في الآخر كأنهما وحدة متناغمة، ويصبح الفرد منا وكأنه الكل، وكأنما كل الطيور تغني له وتتكلم لغته، أما بالنسبة للناس التي تعتبر ان السعادة في الدنيا هي عبارة عن صور ومشاهد يتداولونها عبر  وسائل التواصل الاجتماعي عن شلة الأنس وأفواه تتنفس الحشيش والمخدرات والمسكرات فهم خاطئين فهم يعيشون بحالة شقاء وكدر وحزن وقهر، وأناس تعتقد ان السعادة تكمن في التسلق على أكتاف البعض جريا وراء المصالح والمناصب وتكديس الأموال فنجدهم يلتمسون السلطة والقوة بكل السبل وأرخصها سعيا لتحقيق المصلحة الشخصية، وقد تبدأ بالفكر المضطرب وتنتهي بالسلوك المنحرف اي انها تجمع الفكر والسلوك معا وحين تختل موازين العقل تطفح على السطح أمراض كثيرة أقلها خطرا عشوائية القرار وانهيار منظومة الفكر واختلال مقاييس الأشياء، فالاستقامة هي الحل الاسمي لحل تلك المشاكل وهي انسجام الظاهر والباطن في وحدة متناسقة متناغمة وهيا حالة الصلح بين الانسان ونفسه وبينه وبين الناس وبينه وبين الله عز وجل، فالإنسان الذي يترفع عن أهوائه وميوله ويجاهد للثبات على مبادئه وقيمه هو في نظر الإنسانية إنسانا حرا حتى لو كان بالظاهر بين قضبان سجن موحش .

لذا يعد سجن العقل أشد أنواع الاعتقال مرارة في الحياة، واشعار المرء بالمهانة والاحتقار وأنه على الهامش وزائد على الوجود ولا أهميه له ليحيا بل مجرد رقم يموت يغضب يرضي يقترب يبتعد كله واحد،  فالعقل البشري إذن هو المسؤول فعليا عن حياة الإنسان، فهو الوعي والذاكرة ومركز الحس والإبداع والتفكير والتخطيط، اذن عندما يسجن العقل تشل وتتوقف معه الحياة بأكملها الفكرية والجسدية، فالأفكار بنات العقل ووليدته حتى لو سجن جسد الشخص فسيظل عقله حرا، في إحدى الدراسات، وجدوا أن الفئران في أمريكا اللاتينية عندما تتعرض للخطر يغمى عليها مباشرة، وظن العلماء في البداية أنها تمثل الموت حتى تنجو، ولكنهم فيما بعد عرفوا أن عقولها تفقد الوعي من الخوف، أما لدى البشر فقد وجدوا أن 80 في المائة من الطلاب الذين استذكروا دروسهم جيدا قد أخفقوا في الامتحان، وذلك بسبب الخوف من الرسوب أو الحصول على معدل أقل. عند الخوف، لا يعمل العقل بصورة كاملة، بل يتجه بكل قوته نحو فكرة النجاة من الخطر، مما يؤدي إلى ارتفاع نسبة الأدرينالين في الدم، وزيادة ضربات القلب، وكل هذه الأعراض المباشرة تتسبب في سجن العقل البشري داخل محاولة النجاة، أما بقية أجزاء العقل فتصاب بالشلل، اذا نجد أن أغلبية الناس الذين يعملون في الوظائف الحساسة يتطلب منهم أن يكون لديهم مهارة تحمل الضغوطات "إدارة الضغوط"  ليتمكنوا من اتخاذ القرارات الصائبة والمناسبة، لا يمكن لهذه الدنيا أن تخلو تماماً من الضغوطات النفسية والمعنوية والجسدية، الانسان خلق على الفطرة فهو الذي يختار طريقه في الحياة وهو الذي يغيره بإرادته ،واذا وقع اختلال في حياته وهاجمته الهموم يتصور انه في سجن لا يستطيع الفرار منه ، نجد مختلف الحالات من المساجين في الدنيا فالإنسان بطبيعته متقلب المزاج، فتارة تجده في قمة السعادة والراحة النفسية، وتارة تجده حزيناً. وطبيعة الأيام تكسر القوي وتجبر كسور الضعفاء، فالبعض يعيش في سجن الضمير وتأنيبه والبعض يختبر الحياة وهو في سجن الظلم والقهر الحقيقي والبعض يحيي في سجون الضلال واخرون يموتون في سجن الجوع والفقر المدقع وأبرياء يقتلون ويحاصرون، فخيال الإنسان إذن ونظرته للأمور هي ما يحدد مصيره، فالشخص الذي يغذي عقله دائماً بالصور والأفكار الإيجابية والمتفائلة يحقق الكثير من النجاحات بالرغم من مروره بالكثير من المشاكل والإحباطات، لذلك راقب أفكارك لأنها ستصبح أفعالاً، وراقب أفعالك لأنها ستصبح عادات، وراقب عاداتك لأنها ستصبح طباعاً، وراقب طباعك لأنها ستحدد مصيرك.

 

د. نيرمين ماجد البورنو

 

 

كاظم لفتة جبرعجيب هذا الأمر الذي  يتداركنا بين هينه وأخرى حول الخوف ومدى سيرورته فينا ومدى تأثيره علينا، وعلى المحيطين بنا، فالخوف هو شيء يتمحور بين الأنا والانت ليظهر تأثيره على الهوية الانسانية ومهمة وجودها .

الانسان منذ وجوده يبحث عن أسباب الخوف التي تعتليه، مما وجه تفكيره نحو هذه الاشياء التي تسبب له الرعب والهرع، فكل حضارة شُيد كيانها الخوف والقلق من المجهول،او من سيطرة الغزاة عليها من الحضارات الاخرى، مما جعل الفرد يشيد حضارته من أجل الدفاع عن نفسه ومن المخاوف المجهولة .

في البدء كان الخوف ذو نزعة ميتافيزيقية (غيبية)، او بحث عن الاصل للكون  الذي تسبب لنا بالقلق، مما وجه الانسان وعيه في البحث عن هذا الاصل سواء كان خيال او من الواقع، فالحضارات الاولى كان خوف الافراد وقلقهم ذو نزعة اسطورية واقرب ما يكون الى الدين فكان الفرد يقدم الغرابين الى الاسطورة، لكي ينجوا من الهلاك ويطمئن قلبه، اذ  لجأ الى اسطورية الخوف لكي يبعده عن واقعة اليومي ليبدع كما في الحضارات الشرقية .

الا ان المشكل الاساس الذي وجد الخوف هو الفناء المؤكد لنا جميعاً،  جعل الفرد يتجه نحو ايجاد حل لهذه المشكلة الوجودية التي ترتبط بفناء هويته مع وجود النوازع الدينية التي تألفها كل حضارة وامة ظهرت فكرة الخلود في الشرق،او التناسخ في اليونان، كما أعلنه فيثاغورس لتخفيف قلق الموت فكان الموت هو انتقال وليس فناء،الا ان ذلك لم يمنع سيولة الخوف فيما بعد .

ما ان فرغ الانسان من ذلك الا وظهرت نزعة اخرى تتدعي الحماية له، وهي الدولة المتمثلة بالحاكم الذي كان يعرف نصف اله، مما جعل الخوف ينتقل الى الواقع البشري، وظهر العنف مع الدولة التي كانت ترعاها الالهة بصفة ان قوانينها تمثل قانون العدل الالهي فساد العنف بنزعته الدينية مما جعل الانسان يعيد تفكيره في مفهوم سيولة الخوف وتعدد وجهات الرعب .

الا ان هناك عقول أخذت على عاتقها اعادة بناء الهوية الانسانية متمثلة بالمثلث اليوناني سقراط (339ق.م) الذي يرى الانسان بوصفه عقلاً يستطيع تقرير مصيره وهويته بعيداً عن استقلال القلق والخوف الموجه له من  قبل الدولة او الافراد لذلك قام بعادة انتاج المفاهيم التي اسيء استخدمها من قبل السفسطائيين واللعب بعقول الناس .

ثم جاء أفلاطون (427ق.م) ليقدم لنا الخلود بمفهومه الديني الاسطوري ليعيد الاسطورة من جديد مما جعل الانسان بعيدً عن وجوده وذاته،الا ان مجيء أرسطو (384 ق.م) الذي قدم الانسان كجوهر يعي ذاته والاخر من خلال اخضاع المفاهيم الميتافيزيقية للواقع الانساني ومحاولة تقديم أنسان يمتلك ارادته، ينظر: يوسف كرم،تاريخ الفلسفة اليونانية.

ثم جاءت الأديان اليهودية و المسيحية والاسلام واعلنت سيطرتها على هوية الانسان فجعلته طاعا لها من خلال مبدأ الثواب والعقاب، وامتلاك الخطيئة لمصيره اذ اصبح لمفهوم الخوف والعنف غلافا مقدساً، ادى الى استقلال هذه المفاهيم لصالح بعض الافراد المتمثل بالحاكم،او الخليفة،او الكنيسة، ادعوا انهم يقع على عاتقهم الحماية،او الوصاية على الناس مما ازداد الخوف والعنف أنذلك وظهور تيارت في الجانب الاسلامي للخوض في قدر الانسان ومصيره كالقدرية والجبرية والوسط بينهما ،او من خلال الفلاسفة المسلمين اما الجانب المسيحي الذي اعتمد على مثُل افلاطون،وواقعية ارسطو،والايمان المسيحي،كما اعاد توما الاكويني (1225) الهوية الانسان من خلال  الاعتماد على واقعة .

الا ان التطورات التي شهدها عصر الثورة الصناعية (عصر التنوير) اذ انتج لنا واقعا جديدا للخوف والعنف في ظهور الايديولوجيات والاّلات الفتاكة وسيطرتها على حرية ومصير الافراد والمجتمع، وكلما حاول الانسان السيطرة على الطبيعة واخضاعها لسيطرته ظهرت سيولة الخوف من خلال ازدياد مفاهيم العنف كما يبين توماس هوبز (1588) الطبيعة الانسانية (الانسان ذئب لأخية الانسان)والكل في حرب ضد الكل، مما يبين اثر السلطة على العقل الانساني في توفير غطاء شرعي وقانوني للدولة في سيطرتها على الافراد من خلال توفير قانون الحماية لهم ، اتاح للدولة استخدام العنف المقدس لتوفير الامان للمجتمع.

الا ان مجيء ديكارت (1596) اعاد للفرد وعيه وكينونته من خلال (ألانا افكر أنا موجود) والشك في كل الحقائق، واعادة برمجتها من جديد وفق منهج العقل المستقل عن الايديولوجيا، الا ان ذلك لا ينفي وجود القلق والخوف عند الانسان من العدم مما جعلة يستعين الايمان بالله لغرض الاطمئنان من الخوف، ينظر :ت.ز.لافين،من سقراط الى سارتر البحث الفلسفي ت:أشرف محمد كيلاني،ص376  .

ان هذا الوضع المأساوي هو الذي حرك الفكر الانساني لظهور الوجودية التي ترى على الانسان ان يعي ذاته ويعيد هويته المفقودة مع  سورين كيركجارد(1813) الذي بحث في هذا القلق الانساني فيرى ان الانسان لم يخلق للراحة والسعادة، لكننا ننشد السعادة للهروب من القلق والاكتئاب وعن الشعور باليأس ولكن لا مهرب من هذه الحقيقة هي اننا نعيش في قلق،و ان الحل يكمن في الايمان والعيش مع اليأس والإغراق به،مصدر سابق،ص373.

 اما فردريك نيتشه (184) فيرى ان هذا الحل الديني يجعل من الانسان ضعيف وجبان ومجبور في اعماله، نتيجة الخوف والقلق الذي يعتريه بذلك يكون ضحية هذا الخوف والعنف الموجه له من قبل الدولة والكنيسة، ويصور لنا نيتشه العصر الحديث بان الله قد مات  بمعنى ان الدين الحقيقي والقيم الاخلاقية قد انتهت بسطوة الانسان على أخية الانسان ومحاولة اخضاعه الى الاخر بالقوة، الا نيتشه يقدم حل الانسان السوبرمان،او الحامل والعارف للقيم الاخلاقية الحقيقية البعيدة عن كل ايديولوجيا دينية،او سياسية،او اقتصادية،وهو الذي يقرر مصيره وليس الاخر بعكس سارتر (1905) الذي يرى ان الوجود عبث، وان الحل هو خلق علم اخر من خلال الخيال الادبي للوجودية، الا ان ذلك لم يمنع من وجود العنف والقلق وسيرورتهما الوجودية من خلال الموت،ص376 .

مهما وفر الانسان من حلول لهذا العنف سواء كان من الطبيعة من خلال ايجاد منبهات قبل وقع الكارثة،ومحاولة السيطرة عليها،او من الامراض ومحاولة توفير العلاجات اللازمة لها، او الاّلات ومحاولة ايجاد البديل لها لمواجهتا، لذلك نجد علاقة ازدياد الخوف والعنف علاقة عكسية لا تنتهي الا بوجود فلسفة تحقق ذات الانسان وهويته وتحرره من مصيره.

 

 كاظم لفتة جبر

................................

ينظر : زيجمونت باومان (الخوف السائل) ت: حجاج ابو جبر .

      

 

بليغ حمدي اسماعيللا يختلف اثنان لا ثالث لهما في أن الدراما تستطيع أن تغير من سلوك وطبائع المرء، لاسيما وإن كانت هذه الدراما قائمة على ركائز أصيلة ومعايير نبيلة وقوانين رصينة، وتكاد تتفق كل أكاديميات الفنون المنتشرة في كافة ربوع المعمورة الأرضية في أن دراما المنزل ـ أي الأعمال التي تقدم عبر شاشة التلفاز ـ لابد وأن تقدم نوعية جيدة وجديدة من القيم التي تتماثل وخطط التنمية التي تنتهجها الدولة التي تقوم بعرض هذه الأعمال على شاشاتها، لذلك حرص القائمون على صناعة الدراما التلفازية منذ سبعينيات القرن الماضي وحتى بداية الألفية الجديدة أي نهايات التسعينيات في تقديم دراما تليق بهم أولا، وتقدر ثقافة وعقل وعين المشاهد، لكن في ظل حرص صناع دراما هذا العصر على وجود كلمات وإشارات مستفزة مثل (حصريا) وعلامة الهاشتاج (#) وأخيرا علامة + 12 أو + 18 أصبحت هذه الدراما البليدة لا تقدم إلا سفها وسخفا على الأقل في يقين كاتب هذه السطور العبد لله .

ولم يكتفي صناع الدراما العربية بوضع هذه الرموز غير الهامسة في عين المشاهد، بل تجاوزت إلى حد تفكيك الجغرافيا العربية لا عن طريق الشراكة الفنية في الإنتاج، أو على مستوى الأداء التمثيلي، بل التجاوز تمثل في تقديم صور مشوهة عن الشخصية الخليجية في بعض الأعمال لاسيما المصرية، وهم بذلك يصرون على بقائهم المسكين في زمن سينما المقاولات التي راجت وذاعت في تسعينيات القرن الماضي، حينما كان الثري الخليجي يظهر كرجل ساذج يرتاد الملاهي الليلية من أجل إقامة علاقة غير مشروعة مع فتاة ليل أو راقصة لعوب، مثلما ظهر أيضا كفريسة يمكن اقتناصها عن طريق نصاب بسيط .

وبدلا من أن يبحث القائمون على صناعة الدراما العربية عن المتعة الذهنية من أجل إغداقها على المشاهد من خلال طرح قضية ذات مضمون اجتماعي محترم، راح هؤلاء ـ متعمدون ـ صوب دغدغة العقل بمشاهد ومواقف درامية يمكن توصيفها بالساخنة، لا سخونة العري واستغلال الجسد، بل ساخنة من حيث شيوع العنف والإرهاب والترويج الموجه للبلطجة عن طريق ممثل غير موهوب أصلا ولا يعتري بثقافة الأوطان أو هو في الأساس لا يعرف حق المعرفة لخطط الدولة التي ينتمي إليها سواء أكانت هذه الخطط اقتصادية أو اجتماعية أو ثقافية .

هذه التقدمة غير الإجبارية بالطبع تمهيد لراهن الدراما العربية التي تفجرت عبر القنوات الفضائية اللاهثة وراء ملايين الإعلانات من أجل الإنفاق على القنوات واستمرار البث ومن ثم شراء الأعمال المقبلة، وهذا الراهن كما أظن لا ينتمي لحاضر الشعوب العربية التي يمكن تصنيفها وفق رؤى سياسية اجتماعية، أمم ممزقة أمنيا وسياسيا مثل اليمن السعيد وليبيا وسورية المنكوبة، وأمم تسعى في النهوض اقتصاديا واجتماعيا كمصر والجزائر وتونس، وأمم مستقرة نسبيا بفعل الأنظمة الثقافية التاريخية التي توجه الفعل السياسي بها كدول الخليج عموما باستثناء العراق الذي خرج منذ سقوط صدام حسين ولم يعد حتى الآن .

فراهن الدراما العربي يأبى ألا يجئ بعيدا تمام البعد عن واقع وحاضر الشعوب العربية، وخير شاهد ودليل على ذلك فقر الأعمال الدرامية المصرية في تناولها للحرب على الإرهاب في سيناء أرض الفيروز، وكأن هذه الأعمال الفنية سيتم عرضها في دول أخرى مثل موريتانيا أو السودان أو البحرين وليست مصر، وكانت أمام القائمين على صناعة الدراما فرصة ذهبية سانحة في توظيف الفن فلسفيا لصالح هذه المعركة الشريفة الوطنية لكن للأسف فشل جميعهم في استغلال الحدث والحادثة على السواء .

وبعد متابعة مستدامة للأعمال الدرامية العربية، نستقرئ وجود أعمال كثيرة وكثيفة أرهقت عين وعقل المشاهد وبات اليوم النقد الفني يمارس أدواره التقليدية، هذا أفضل عمل وذاك الممثل العظيم لكن في إطلالة سريعة للدراما تنظيريا ندرك أن الدراما هي إبداع على مستوى الحدث الفني، يماثله إبداع آخر على مستويات الإنتاج والتناول لاسيما القضايا الجوهرية لا تلك القضايا السخيفة التي شاهدناها بسخف أطول . ولعل أبرز ما يميز الدراما الإيهام في العمق وهي خاصية مميزة لأي عمل فني سواء أكان مسلسلا أو مسرحية أو حتى قصيدة ورواية وهذا الإيهام بالعمق شديد الصلة بالرمزية في التعبير لكن لسوء طالع المشاهد العربي أن الأعمال التي تقدم عادة في موسم رمضان الدرامي وليس الديني للأسف ابتعدت تماما عن فكرة العمق أو حتى الإيهام بها وبالضرورة لم تفطن تلك الأعمال لفكرة الرمزية .

وإذا كانت الدراما في عمومها الأكاديمي تتحرك في منظومة ثلاثية الأبعاد هي المحاكاة ثم التخييل انتهاء بالتنبؤ، فإن دراما الأعمال الدرامية التي اجتاحت فضائيات الدول العربية اقتنصت صورا مشوهة إن لم تكن معظمها مشبوهة أيضا لمحاكاتها، وفقدت تلك الأعمال بؤرة التخييل لأن عقول المؤلفين نضبت بالفعل فلم نجد عملا تخييليا كما كان الأمر في سلسلة ألف ليلة وليلة التي عرضت في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي .

أما بالنسبة للتنبؤ، فالأعمال في مجموعها التي يتم تقديمها تحت كلمة حصريا تنبئ بأن القادم بالضرورة سيكون أسوأ، فما بين البلطجة أو الضابط الخارج عن القانون والنسوة المبتذلات ورجال الأعمال الفاسدين الصعيد الغائب عن التنمية الاقتصادية والاجتماعية كانت قضايا الأعمال الدرامية مع الاعتذار الكامل لنظريات الدراما الأكاديمية .

وثمة علامات ترصد واقع الأعمال الدرامية التي تم دغدغة عين وعقل وقلب المشاهد من خلالها، منها أن الدراما والتي من المفروض أن تقوم بتوجيه الرأي العام وخدمة المجتمع، ابتعدت عن هذين الهدفين ودارت في فلك السفه أو السخرية أو التصدي للقانون بتقديم نماذج لأبطال اتسموا بالصوت العالي والعنف والبلطجة، رغم أن مصر على سبيل المثال بدأت منذ فترة بإعلاء دور الشباب، وبدلا من أن تتكاتف الدراما مع توجهات الدولة ومبادرة السيد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في اعتبار أن الشباب طاقة الأمة وتخصيص عام كامل يحمل اسم عام الشباب، إلا أن هؤلاء مرتزقة الفن قدموا أبشع صورة للشباب المصري، وكم كنت أتمنى أن يتم تناول عمل الشباب المصري بأحد مشروعات التنمية مثل مشروع قناة السويس الجديدة أو مشروع المليون ونصف فدان وغيرهما في عمل درامي، لكن للأسف الشديد غابت الوطنية والوعي بالدولة رغم ثورتين متتاليتين .

والعلامة الثانية هي استمرار تشويه المجتمعات العربية عن طريق تقديم نماذج وقضايا متزامنة مع سفاهة وسطحية القائمين على الأعمال باستثناء واضح على أعمال احترمت المشاهد العربي مثل مسلسل العالمي خالد النبوي (ممالك النار). لكن بقية المسلسلات غرقت في بحور خيانة الأزواج والطلاق والخلع والذبح والقتل والإرهاب من زاوية تدفع المرء للقيام به .

ولعل السبب في شيوع مثل هذه الأعمال وغيرها هو نفور منتجي الدراما من الأعمال الأدبية الرصينة لكبار الكتاب من مثل إحسان عبد القدوس ويوسف السباعي وعبد الرحمن منيف وواسيني الأعرج وبهاء طاهر، لكن هؤلاء لم يعرفوا أن هناك دراما أدبية أي قيام العمل الفني على مرتكز أدبي رفيع المستوى مثل أعمال عميد الرواية العربية نجيب محفوظ .

والمشهد المؤسف أن ذاكرتي لا تذكر عملا دراميا واحدا تم تقديمه لرواية أدبية هذا العام بطوله وعرضه وشرقه وغربه في حدود ذاكرتي المحدودة ، وكأن القائمين على صناعة دراما المنزل يكنون كما من الكراهية صوب الأدب والأدباء أو أنهم يظنون أن المشاهد لن يقبل عملا فنيا مأخوذا من رواية أدبية هم بذلك يشاركون بقوة في صناعة الجهل طوعا أم كرها .

وبجانب نمطية الأعمال الدرامية والظهور الإجباري لظاهرة الممثل الموظف الذي ينتظره جمهوره لتقديم نفس الدور ونفس الأبطال والمخرج أيضا، علامة ثالثة تميز هذا الراهن الدرامي وهي حالة الغياب المستدامة للدراما التاريخية، فقط رأينا في حدود علمي ممالك النار الذي يحكي قصة البطل طومان باي في مواجهته للاحتلال العثماني لمصر،  بغض النظر والطرف عن مدى تاريخية المسلسل الذي غاب بأبطاله بعيدا عن حقائق تاريخية ميزت العصر الذهبي المقصود، لكن أن تقتصر الدراما العربية على عمل أو عملين فقط مأساة فنية لا تليق بدراما عربية ضاربة في العمق والتاريخ، وربما السبب هو فقر المشاهد ثقافيا الأمر الذي دفع مروجي الدراما إلى استغلال هذا الفقر لا بعلاجه بل بتدعيمه عن طريق تقديم دراما الموقف القصير .

وإذا كانت الدراما العربية تؤكد أصالة معالجة القضايا العربية الاجتماعية، فاليوم أصبحت دراما مجتمعية، وهناك ثمة فوارق بينية واضحة بين الدراما الاجتماعية والدراما المجتمعية ؛ فالأولى تتناول قضايا مهمة تتصل بالوطن والمواطن كالانتماء والبطالة والتضحية وكفاح الفرد في عمله وصولا للقمة، وكذلك دور المرأة التنموي أو صفات أصيلة بالشعوب العربية كالصبر والصدق والبطولة ورفض الهجرة للخارج، أما الثانية ـ المجتمعية ـ فهي قضايا البطل فقط، وتلك تكتفي فاختطاف بطل يقدم شخصية واحدة فقط تتسم بالعنف والسطوة وقهر الآخرين والثراء الفاحش والتهريب والاتجار بالأعضاء والمخدرات ، والمستقرئ للأعمال الدرامية يجد أعمالا حملت أسماء أبطالها، وكأن العمل يتناول شخصية البطل دون قضية البطولة .

والغريب في علامات الدراما العربية أن الدراما من واجبها أن تحرك بوصلة مواقع التواصل الاجتماعي، وأن تقوم بتوجيه الفكر والرأي تجاه العمل الدرامي، لكن اليوم أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي هي المحرك الرئيس للعمل الفني في ظل غياب مستدام للرواية الأدبية المقدمة على الشاشات الفضية، فنجد علامة الهاشتاج # دائمة التواجد بجانب اسم العمل، فيقوم المؤلف والمخرج بمتابعة كل ما يكتبه رواد تلك المواقع بتغيير أداث العمل حسب هوى كاتب التعليقات .

 

الدكتور بليغ حمدي إسماعيل

 

اكرم جلالنَقَل الفيلسوف ويليام ديورانت في كتابه "مباهج الفلسفة" عَنِ الفيلسوف الفرنسيّ فولتير قوله:

"إذا شئتَ أن تحاورني، فلتحدِّد ألفاظك".

إنّ الأمَمَ النّاهضة هي تلك التي تولي المَفاهيم والأفكار عنايةً فائقة، باعتبارها معقل التأثير في الذّات الإنسانية، وأحد أهم مقوّمات التنمية الاجتماعيّة، وأبرز محدّدات مساراتها. لذلك تسعى المجتمعات المتقدّمة جاهدةً لدعم أهل الفكر والمعرفة وتشجيعهم، وخصوصاً في مجالي التربية والتعليم، لتقديم أفضل المناهج والأساليب لبناء منظومة الوعي وتثبيت المفاهيم وحمايتها، مستعينين بركيزة ودعامة اسمها الوعي المفاهيمي، والَّتي يعتبرها الكثيرون نقطة الأنطلاق والتقدّم نحو فضاء العلم والمعرفة.

والفَهم في اللغة، كما أورده ابن منظور في "لسان العرب"، هو "معرفتك الشيء بالقلب". وقيل في المفهوم إنّه مجموع الصفات والخصائص الموضحة لمعنى كلّي، ويقابله المصداق. لذلك، إنّ أيّ تواصل لغويّ بين البشريّة لا يمكن أن يتمّ إلّا من خلال استخدام المفاهيم، والحقيقة المفهوميّة تُغيّر بطبيعتها المُجريات والأحداث عن طريق إلغاء المسلّمات الواقعيّة المفروضة وتحويلها إلى مناهج تفسيريّة وفهميّة تحتاج إلى الجواب من أجل القبول، وإلّا فمصيرها الرّفض.

يقول ابن حزم الأندلسي: "الأصل في كلِّ بلاءٍ وعماء وتخليط وفساد اختلاط الأسماء ووقوع اسم واحد على معانٍ كثيرة، فيخبر المخبِر بذلك الاسم، وهو يريد أحد المعاني التي تحته، فيحمله السامع على غير ذلك المعنى الذي أراد المخبِر، فيقع البلاء والإشكال".

 

من هنا، نُدرك أهميّة تَحديد معاني الألفاظ كمدخل لتحديد المفاهيم، ومن ثم الأفكار والرؤى، فالنزاع قد يَحتَدم وَيَشتدّ نتيجةً للخلاف حول فهم موضوع معيّن، ولو كانت المفاهيم ثابتة راسخة محدّدة، لاتّضحت الرؤية، وَلَعَمّ السلام والوئام.

إنّ القراءة الواعية لمعايير نهضة الأمم لا تنحصر عادةً بظواهر الأشياء، فالنتائج هي الأساس والمقياس، فليس مهماً زيادة عدد أساتذة المدارس أو الجامعات بمقدار ما نَلمس ما يقابلها من جودةٍ في التعليم، ولا أهمية لجودة التعليم حينما تكون عاجزةً عن بناء جيل يحمل الوعي ويثمّن الفكر.

فالمجتمعات إذن تتباين وفقاً لإيمانها وثباتها على مفاهيمها التي تُحدِّد بوصلة مسيرها وتوحِّد أفكارها ومعتقداتها، وأنّ الأمم التي لا تشوّه حقائق الأشياء ولا تغيّرها، وتسعى لتنمية الوعي المفاهيمي لدى أفرادها،  إنما هي تردم هوّة الخلاف الفكريّ والطائفي.

وبخلاف ذلك، تتّسع الصراعات والنزاعات وتتعمّق، فترى مفردات زُوّرت، وكلمات وألفاظ ابتُدِعت، فحُرّف المفهوم، وانحرف السّير، وسقطت المفاهيم، وتهاوت الأفكار، وتعمّق الخلاف، وبدأ الصراع.

إنَّ الخلط المفاهيمي والعشوائية في إطلاق المفردات، من دون مراعاة للطبيعة الزمانيّة والمكانيّة والظروف المحيطة بإطلاقها، سينتج عنه تحريف وتشويه للمفاهيم.

وبحكم التأثير والتداخل المباشر بين المجال السياسيّ والمجال المجتمعيّ، يستطيع المراقب مشاهدة الأدوات السلطويّة وهي تقدّم خطابات سياسية، وتعتمد مفردات شديدة العمومية وذات أبعاد وتفسيرات فوضويّة، من أجل خلط الأوراق وتشويه الحقائق وتقديم مفاهيم معوّقة، الغاية منها إقناع الأفراد، ومن ثمّ تهميش الدور المحوريّ للمجتمع المدني، وبسط السيطرة السياسية على مفاصل المجتمع، مستعينةً بالإعلام السلطوي في تولي مهمّة شرعنة تلك المفاهيم المستوردة وتقديمها إلى الجمهور على أنَّها حقائق ثابتة.

إذن، المفاهيم، شأنها شأن باقي الحقائق الوجودية، إن لم تُحصّن وتُنمّى، ستكون عرضةً للأستهداف من أجل التّحريف والتّزييف والأستخدام السلبي، أو حتى المحو والإزالة، والجهل والأميّة هما أكثر الحواضن استخداماً لتشويه المفاهيم وتضييع الفكر وتغييب الوعي وإقصاء العقل.

إنّه صراعٌ يسعى من خلاله أهل الطّمع إلى قلب المعادلات، وتغيير المفاهيم، واختراق جميع المحظورات التي لا يجرؤ أحد على اختراقها، إلّا من استحمَّ بمستنقع العمالة، وارتوى من ماء آسن طافحٍ بالجهل والطمع، خالٍ من صفات الأخلاق والورع.

لقد شغلوا عامة الناس بالهوامش بعد أن أفرغوا عقولهم من المفاهيم الأصيلة واستبدلوها بمفاهيم مشوّهة مختلَقة ومعطِّلة، فتعطّل النظام المعرفي، وهُدم المنهج في البناء الفكري، فكان الفرد أوّل الضحايا حينما قطعوا ارتباطه بذاته وتاريخه وعقيدته ومبادئه، وبدأت المفاهيم والأفكار الدّخيلة تغزو فكره، فتحوّل بعدها إلى انسان غريب الأطوار، غريب عن نفسه وعن مجتمعه، لا تدري أمِن الأخيار هو أم من الأشرار!

يا لوقاحتهم! لقد أفقدوه هُويّته وانتماءه بعد أن ملؤوا عقله بمفاهيم حزبيّة وعشائريّة، فتحوّل الوعي المفاهيمي والفكر الحضاري إلى وعي مُعوّق، غايته تأسيس أحزاب وتيّارات هدفها الصراعات والثروات.

واليوم، نرى الفكر الأمبريالي يُجيّش الجيوش، ويغزو الديار، ويحمل مفاهيم جديدة تحت غطاء ما يُسمى بالواقعيّة، وهي منهج يُهدّد المنظومة المفاهيميّة، ويكتسح أروقة السياسة ومناهج التعليم والثّقافة، حتى بات الكثير من السياسيين والأكاديميين وبعض المثقفين يطبّلون لمفهوم الواقعيّة، ويضربون المفاهيم والثوابت بعرض الحائط، وباتت الواقعية السياسية هي المفهوم المُسيطِر، مستعينةً ومتذرّعةً بما يُسمّى بالمستجدّات والمتطلّبات، وهي لغات ومفردات جديدة تفرض واقعاً جديداً، يغيّر معادلات كثيرة، ويسحق ثوابت عديدة، فلا تكون القضية الفلسطينية هي المحور، ولا الحريّة هي المصدر، ولا الفكر هو المنبر.

لقد نحروا المفاهيم الوطنيّة بسكين الواقعيّة وبأيدي سياسيي الواقعيّة الجدد.

لقد بدأ أبطال الواقعيّة الجديدة مسلسل الخداع باستغلال غفلة العامّة، وفتح ميدان للصّراع، وشنّ الحروب على أنصار المفاهيم الوطنية، متذرعين بأطروحات مستوردة عبر بوابات الغشّ والخداع، ومطبّلين لمفاهيم دخيلة، كمسرحية مُتطلّبات الوضع الراهن، ومهزلة المصالح المشتركة، وأكذوبة العيش المشرك، وغيرها من خدع وفخاخ، القصد منها مَحو المفاهيم الأصيلة، وإفراغ الفكر، وسَحق الذات الإنسانية.

وتَبقى الأمم الحُرّة هيَ تلك التي تتمسّك بموروثها الفكريّ والثقافيّ، وما يقدّمه من مفاهيم مرتبطة بقيم التطور المجتمعي. أممٌ أبيّة لا تستجدي مفردات نَمطيّة مؤدلجة بآراء ومفاهيم دخيلة، ولا تستوردها وتُردّدها، ولا تستعين بألفاظ ظنيّة تعتبرها ثوابت فكريّة وتسوّقها على أنّها مناهج حقيقيّة من أجل تطويع الإنسان وتركيعه، ومن ثم إسقاطه في العدميّة المُطلقة وتمزيق نسيجه الاجتماعي.

 

د. أكرم جلال

 

1324  دافنشييذكر ان المؤثرات البيئية والمناخية والعوامل الوراثية لها تاثير كبير على كل من المزاج العفلي والعاطفي والنفسي للانسان حيث تتكون الاذواق والميول والافكار وينطبع الفرد او الجماعة بطابع تلك العوامل وينعكس ذلك على الفرد او الفنان وانتاجه الفني. وبالتالي فان الفنان اينما حل يحمل معه العوامل الوراثية وثقافة الاجداد والتي تظهر بين الحين والآخر في انتاجه بعلم منه او بغير علم. وكثير من الفنانين والمثقفين العراقيين الذين حطوا في الخارج كانوا يحملوا هم الوطن في قلوبهم وانتاجاتهم الفنية وكانوا يحلمون عند العودة بتنفيذ مشاريع خيرية وثقافية كبيرة في الوطن؟.

في بداية القران العشرين حدثت موجة من هجرة المثقفين والفنانين العرب الى الغرب بعدما اكتشفوا انهم متخلفين عن العالم المتحضر مئآت السنين وقد شجعهم على ذلك الاستعمار الذي حل في ديارهم وقيام ثورة الاصلاح العربية التي تزعمها محمد عبدة وجمال الدين الافغاني وعدد من الشعراء العرب فبدأ الصراع بين الفكر القديم الجامد والمتحجر وبين الحداثة والتغيير نحو مفاهيم وتصورات جديدة.. وكانت العوامل الخارجية اشد عظمة وتأثير على المصورين والادباء فتركوا ما هو مالوف لديهم واقبلوا على ذوق جديد لم يالفوه.

لقد وضعت الدول العربية في سجن عثماني مظلم مدمر دام اربعة قرون بينما تنعم اوربا بكل عوامل الرقي والرفاه والديمقراطية منذ الثورة الفرنسية عام 1789 م. وقد مرت اوربا باطوار فنية عظيمة مثل عصر النهضة والباروك والركوكو والحركة الكلاسيكية الجديدة ثم الرومانسية ثم الواقعية ثم الانطباعية التي كانت الحد الفاصل بين عالمين من الفن , الكلاسيكية ومذاهب الفن الحديث.. بينما الفنان العربي والاسلامي كان محبوسا ومقيدا داخل اطار التقاليد.

فناني الخارج وفناني الداخل:

1325  كوباهذا المصطلح ظهر في العراق بعد سقوط النظام عام 2003 وكان الغاية منه هو قطع الطريق على السياسيين المنفيين في الخارج والذين رجعوا الى العراق ليساهموا في عملية التغيير وحرمانهم من اي منصب سياسي او علمي او ثقافي بحجة ان هؤلاء لم يعيشوا ويتحملوا النوائب والمآسي التي عاشها العراقيون في الداخل. وقد راح ضحية هذا المفهوم الخاطيئ عدد كبير من العلماء والمفكرين والفنانين حيث قتلوا على ايدي جاهلة وحاقدة.... وكانت الاوضاع السياسية والاقتصادية المزرية في البلد قد فرضت ان يهاجر ملايين العراقيين الى اوربا وامريكا وغيرها من البلدان الاخرى , هؤلاء المهاجرين من الفنانين والمثقفين وغيرهم عاشوا وسط مجتمعات متطورة ومتحضرة من جميع النواحي , فدرسوا وحصلوا على امتيازات عليا في الفن والادب والعلوم وغيرها بينما الذين عاشوا داخل العراق لم تسمح لهم الظروف بالخروج فبقوا لاسباب كثيرة..

اليوم نجد الصراع محتدم بين الافضلية والاحقية في المشاركة في التغيير والحكم في الوطن الوطن الواحد ؟. وهو يذكرنا بقصة السقيفة بعد موت الرسول –ص- والصراع بين المهاجرين والانصار على الخلافة. فالانصار يقولوا نحن نصرنا الرسول واصحابه واقمنا دولة الاسلام في المدينة ؟. بينما يقول المهاجرون نحن الذين عاشوا ظروف بداية الرسالة من قتل وجوع وحرمان ونحن احق بها ؟؟؟ وبالتالي فقد كان الصراع في حقيقته على الحكم ؟ , وقد نسى او تناسى هؤلاء انهم عرب ومسلمين يعيشون في وطن واحد وخندق واحد ؟؟..

كما يذكرنا ذلك بالصراع بين انصار التصوير وانصار النحت. وكان دافنشي يعتقد ان التصوير اسمى من النحت لانه اكثر ذهنية وفكرا وانه يعطي مجالا للابتكار والخيال والابداع في التقنيات والالوان التي تعطي ضوء الحياة. اما مايكل انجلوا فكان دبلوماسيا ومتوازنا في نقده فقال (ليس هناك فرق بين النحت والتصوير فيما عدا تلك الفروق التي ترجع الى الحكم الاكثر صدقا والعمل الاكثر جهادا..)

و بالتالي ليس هنك في الواقع فرق بين فناني الداخل وفناني الخارج لان المسألة تتعلق بالعمل الاكثر صدقا واكثر جدية وابداعا وفكرا وتجربة وتاريخ نضالي فني وثقافي طويل.

1326 افلاطون وارسطو

جمعية الفنانين العراقيين:

منذ ان عرفت جمعية الفنانين العراقيين في بداية السبعيينات وكنت عضوا فيها كان هناك صراعا على الرئاسة لان فيها امتيازات كبيرة جدا حيث كانت الدولة في حركة نشطة لتزيين الساحات العامة بالاعمال الفنية من تماثيل وجداريات كما كانت الوزارة تثمن الفنانين وتقتني اعمالهم وتطبع الكتب للفن.. اليوم جمعية الفنانين تملك من الاموال ما لم تحلم به في تاريخها سابقا حيث فيها نادي وكراجات ومساعدات من بعض السفارات ؟ ولها مجلة وانشطة اخرى , وقد سمعنا من خلال الصحافة انتقادات للجمعية وسرقة في الاموال؟.

1326 مايكل انجلواما فناني الخارج فلم يكن لهم نصيبا في معارض الجمعية او الانشطة او المؤتمرات الثقافية والفنية او المسابقات او الدعوات للقيام بسفرات ثقافية تنظمها بعض المنظمات الدولية او نشر اعمالهم في اعلامها الا ما ندر وحسب العلاقات الشخصية.

رغم ان بعض فناني الخارج حاولوا ردم البعد وتقريب الانفس والتواصل , وتركوا اعمالهم للاشتراك في معارض الجمعية واقاموا معارض شخصية في بغداد. لكن مع الاسف كل هذه النوايا الحسنة والطيبة لم تزد بعض فناني الداخل الا بعدا وانكارا وحقدا وكراهية لاهل الخارج ؟... كما ان هناك الكثير من الفنانين العراقيين في الداخل غير راضين ومتعاونين مع الجمعية لاسباب كثيرة ربما منها النفس الطائفي والحزبي والفكري والشخصي.. كذلك ان ما ينشر في الصحافة والمجلات الفنية من نقد واطراء ومدح لهذا او ذاك , اعتقد ما هو الا صفصطة ومجاملة واكذوبة لان اكثر من تسعين بالمئة من الاساليب والتقنيات هي فن غربي بحت مستورد وقد اعترف بذلك الرواد.

هذا من ناحية ام من الناحية الاخرى فقد قرأنا ان المحافل الماسونية اليوم منتشرة في العراق وتحمل لافتات متنوعة تحت غطاء الثقافة والفن والمدنية ورعاية الطفل والشباب وحرية وحقوق المرأة ومنظمات المجتمع المدني وغيرها , وقد يكون اعضاء هذه المراكز المدنية والفنية شرفاء ومخلصين في اعمالهم لكن لا يعرفون ما ورائها ومن يدعمها.

ونتمنى للفنانين العراقيين جميعا التواصل والتحابب والابتعاد عن السياسة وكذلك التخندق الطائفي والحزبي لانها متقلبة ومتغيرة. بينما يبقى الفن والحب والجمال خالدا ابديا مهما تغيرت الانظمة والافكار.

 

د. كاظم شمهود

 

 

عصمت نصارينزع الكثير من الباحثين إلى أن مصطلح «التفكير الناقد» قد ظهر عقب ثورة ما بعد الحداثيين على كل أشكال الثوابت الدينية والعادات والتقاليد الاجتماعية والقوانين العلمية والمواثيق الوضعية، وذلك للكشف عما فيها من سلطات تقيد الحريات وتحول بين الذهن وسياحاته وانتقاء اختياراته وانتخاب الأفضل لرسم مستقبله والتعبير عن قناعاته، غير عابئ بتلك القيم التليدة التى ألبسها الأقدمون عباءة القداسة ظانين أنها أسس للإلزام.

بيد أن الباحث المدقق يمكنه إدراك العديد من صور التفكير الناقد فى تراثنا العربي قديمًاً وحديثًاً، وأعتقد أن معظم المقامات التى تحدثنا سلفًا عنها تحمل تلك الوجهة فى التفكير من حيث طرحها للقضايا والمشكلات بلغة المعارض الفطن الواعي والناقد الحصيف والخبير بمقاصد انتقاداته ومآلاتها وامتلاك القدرة على وضع حلول لها بنهج بسيط ينتحل الفكاهة والسخرية والتهكم تارة، والمنحى العلمي فى تمزيق الستائر وكشف الحجب وتحطيم الأصنام التى تحول بين المتلقي والوقوف على مواطن الخلل ومواضع الفساد ومكامن العيب تارة أخرى.

ويروق للدراسات المعاصرة وصف هذا الضرب - أي التفكير الناقد - بأنه أهم أشكال التفكير المنطقي الفاعل، وأقرب النماذج للتحليلات الإبداعية، وجعلوا له سمات عشر هى : تحديد المشكلة بكل دقة ووضوح، واستخدام مصادر موثقة من البيانات والمعلومات، والبحث عن بدائل وفحصها باهتمام بالغ، وإيجاد أسباب ذات علاقة منطقية سياقية عاقلة مباشرة وغير مباشرة، والانفتاح على الأفكار والآراء الجديدة، وإصدار الأحكام المناسبة واتخاذ القرارات الملائمة فى ضوء الأهداف الموضوعية بمنأى عن الرغبات الشخصية أو العواطف الفردية، والعصبيات أو التحزب، والمثابرة على حل المشكلات وإثارة التفكير باستمرار، والتشكيك فى التقارير والمعلومات للوصول إلى اليقين، وتأجيل إصدار القرارات ما دامت الأدلة غير كافية.

كما تؤكد الكتابات المعاصرة أن هذا الضرب عملي تطبيقي، وهو بالضرورة أفضل آليات المصلحين على مر العصور، وذلك لأنه أبعد ما يكون عن التهوين والتهويل فى عرض المشكلات والقضايا، وأقرب إلى الواقع والمنطق منه إلى التقليد فى وضع الحلول، وأحرص المناهج على صدق البيانات وفحص الأسباب وتجريح الأسانيد والمتون واختبار الحلول المقترحة والموازنة بينها بحيدة وموضوعية ونزاهة تنأى بصاحبها عن كل أشكال الهوى والغرض، ومقاومة الأفكار التقليدية وسلطة الجمهور والقوى المؤثرة، وذلك بعد التأكد من صدق وصحة ومراجعة المقدمات والنتائج.

وما أكثر المنابر والأبواق العالية التى تدعى التزامها بهذا المنحى - فى ثقافتنا المعاصرة - وذلك النهج الدقيق فى طرح المشكلات ونقد القضايا وتحليل الآراء انتصارًا للصدق والحق طلبًا لتقويم ما فسد، ولعل أقرب الأمثلة لذلك هى تلك القنوات التليفزيونية والبرامج والصحف الورقية والإلكترونية التى احترفت تزييف الوعى وطمس الحقائق وتشويش الأذهان، وترويج الشائعات وتحريض العوام على تفعيل ما أطلقوا عليه الفوضى الخلاقة، كما أن حروب الجيل الرابع والخامس تعول كثيرًا فى أسلحتها على الحيلولة بين المثقفين وانتهاج التفكير الناقد، فما أكثر الممثلين لأوهام المسرح وأوهام السوق، إذ نجد العديد من المشاهير فى ثقافتنا العربية من يتعمدون قلب الحقائق ويروجون للأكاذيب باسم العلم تارة وأصول العقائد تارة أخرى. وخطر هؤلاء لا يصيب العوام فحسب بل الخواص أيضًا من كبار الصحفيين والمعلمين والدعاة، وهناك من يلعبون فى السوق فيفسدون الأذواق ويدمرون ما بقى من القيم الأخلاقية والجمالية، ذلك بترويجهم لأحط الألفاظ فى حواراتهم وأغانيهم ونكاتهم، الأمر الذى اصطنع من أطفالنا وشبابنا جيلًا سافلًا فى لغته وعوائده وسلوكه، وذلك كله من جراء التقليد الأعمى للمشاهير الذين يجسدون أوهام المسرح أو السوقة والدهماء الذين يتحكمون فى أوهام السوق.

ويلخص أحد الباحثين المعاصرين تلك الآفات وعللها فى أمور ثمانية هي : اللجوء إلى قوة التأثير والهجوم الشخصي وتلفيق التهم وادعاء خرق الثوابت، وذلك لتشويه الأوضاع القائمة، وذلك بعد دراسة وافية لثقافة الرأى العام الضحلة، وتعلق أفراده بثقافة التبجح والتطاول على الأغيار المخالفين، والتشكيك والتردد فى قبول القرارات والآراء المناسبة المواكبة للقضايا المطروحة والأزمات المعيشة، والتضليل والتهكم الساخر والضحك المذموم من كل المخالفين بغية الحط من شأنهم وتسفيه آرائهم، واللعب باللغة على نحو سافل متخذين من قاعدتي القلب والإبدال صيغا للشتم والقدح والفحش والتعريض، وادعاء حل المشكلات عن طريق معلومات مغلوطة وأسانيد مزيفة قد صيغت فى صور معقولة من حيث الشكل، والترويج لشائعات تستند إلى مصادر مصطنعة لا أصل لها، والتهوين من القضايا المطروحة التى تشغل الرأى العام، وادعاء أن الفساد كامن فى سلطة المخالفين، وتضمين خطاباتهم النقدية الآيات القرآنية والأحاديث المقدسة والأقوال المأثورة والأمثال الشائعة والحكم الموروثة، وذلك بعد إعادة مضامينها وحشرها ضمن العبارات المطروحة للإعلاء من قيمتها ومقاصدها.

وهناك آفات أخرى تحول بين تطبيق التفكير الناقد فى ثقافتنا وتسييس أمور حياتنا وهى تبدو فى تسع آفات : الاعتماد فى مناقشة القضايا وتقييم الحلول على منطق التناقض (إما - أو) الأمر الذى يخالف المنطق المعاصر (منطق تعدد القيم) فى التقييم من جهة وأسلوب ما بعد الحداثيين فى جدولة الأحكام من جهة أخرى، والأصح هو اتباع فلسفة الممكن التى تقيم المطروح فى ضوء الواقع بنسب متغيرة تبعًاً للزمان والمكان والوضع والحالة.

أضف إلى ذلك آفة المبالغة فى التعميم والتهويل من شأن الأحداث وتضخيم الأزمات، وإقناع المتلقي بأن الرأى الصواب له وجه واحد وأن الحل فى ركابهم دون غيرهم، ورفع شعار (قولًا واحدًا) واستشراف النتائج وادعاء معرفة المآلات والتهديد من العواقب، والزعم بحتمية النتائج المستنبطة من استدلالات منطقية مؤكدة، واختلاق الأخبار المثيرة استنادًا على صور مفككة أعيد تركيبها للتمويه والخداع، والاستناد إلى قوة علوية لتأييد وجهة نظر المرسل، وعقد مقارنات جائرة لا توافق بينها، وتشويه كل إيجابيات ما يطرحه الخصم وتأييس المتلقي من الواقع المطروح، وتعمد الإتيان بمصطلحات مبهمة واستشهادات مستغلقة وبراهين يصعب التأكد منها وأقوال مبتورة ونظريات مجهولة، وتجهيل المتلقي وإيهامه بوجود أسرار خفية لا يعلمها، وحشد الجانحين والجامحين والمخالفين للمطروح وتجييشهم لمساندة خطاباتهم المرسلة باعتبارها الممثل الأوحد للمعارضة والثورة الواجبة ضد قلاع الاستبداد.

 

وسوف نتناول فى المقالات المقبلة مدى قدرة عيسى بن هشام على ممارسة هذا النهج فى انتقاداته وتحليلاته للمواقف والآراء والواقعات التى تعرض إليها فى مقامته.

والسؤال المطروح : هل فى إمكاننا تطبيق التفكير الناقد فى حياتنا بداية من الخطابات المطروحة بالداخل والخارج ونهاية بمشكلاتنا وعوائدنا وتصرفاتنا وما نضعه من أفكار لتخطيط المستقبل؟

* * *

إذا كانت المقامات والقصص التى كتبها النهضويون والمستنيرون فى الثقافة العربية، ولاسيما فى الفترة الممتدة من أخريات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، قد انتحل جميعها المنهج النقدي الجامع بين الأسلوب الأدبي للخطاب، والبنية الفلسفية للمشروع، والثوب الهزلى الفكاهي الساخر فى الظاهر، والوجهة النقدية فى تناول الواقع، والمسحة الرمزية فى التعبير عن الآراء، والحكمة العملية الجامعة بين التصورات الفلسفية والدقة العلمية، والعمق فى الجوهر؛ فإننا نؤكد بلا أدنى شك أن تلك الكتابات التى انتحت المنحى الأدبي لا تقل فى أصالتها وطرافتها وجدتها عن باقي مؤلفات أكابر التنويريين المباشرة فى مصر والشام، ناهيك عن القصائد الشعرية ذات الطابع الفلسفى التى ناقش فيها أصحابها عشرات المشكلات الاجتماعية والسياسية والأخلاقية والدينية. وكان الهدف من ذلك كله هو إعادة بناء العقل الجمعي العربي وتهيئة الجمهور للدعوات الجديدة والمشروعات الإصلاحية التى تمكنه من الانتقال من طور التقليد والتبعية إلى الوعى الحقيقي بحرية الفكر والإبداع.

ويُعد محمد المويلحي من أكثر المستنيرين إتقانًا لهذا الدرب من دروب التفكير، أعنى التفكير الناقد الجامع بين الأدب والفلسفة فى مشروع واحد. وسوف أحاول فى السطور التالية إلقاء بعض الضوء على أهم خصاله ومصادر فلسفته وثقافة عصره قبل الخوض فى تحليل مقامته «حديث عيسى بن هشام» التى تُعد بحق المدرسة التى تخرج فيها معظم الكتّاب والأدباء اللاحقين عليه حتى منتصف القرن العشرين.

هو الأديب الصحفي اللغوي المفكر محمد إبراهيم عبد الخالق إبراهيم أحمد مصطفى المويلحي (١٨٥٨-١٩٣٠م)، وُلد بالقاهرة من أبوين مصريين، ويرد لقب عائلته إلى مسقط رأس أجداده فى بلدة المويلح، وهى إحدى بلدان الجزيرة العربية على شاطئ البحر الأحمر. أما نسبه فيرده المؤرخون إلى الحسين بن على بن أبى طالب من ناحية الأب، وإلى أبى بكر الصديق من جهة الأم. وقد هاجر أجداده إلى مصر فى أوائل عهد محمد علي، واحترفوا التجارة، والمضاربة فى البورصة بعد ذلك. نشأ فى أسرة من الأعيان وكان لأبيه وأجداده حظوة ومقام فى أسرة محمد علي، وقد انعكس ذلك على هيئته وأسلوبه فى الكلام ومعاملة الأغيار، ومع اعتزازه بنفسه؛ فكان كثير التواضع لين الجانب عطوفًا على الفقراء والمعدمين ومنصفًا للضعفاء والمظلومين وقد عُرف بين معاصريه بالجامع بين الجدة والبشاشة والحدة فى الطبع والطيبة، شأنه فى ذلك شأن أبيه إبراهيم المويلحي (١٨٤٦-١٩٠٦) الذى بدأ حياته تاجرًا ثم عُين موظفًا فى دواوين الدولة وانتهى به الأمر إلى احتراف الأدب والصحافة.

وقد تتلمذ محمد المويلحي على يد أبيه ومؤدبي أبناء الذوات والعائلة الخديوية ثم تردد على الأزهر وحضر مجالس الأفغاني ومحمد عبده فى المقاهي الثقافية. وشب وطنيًا غيورًا على مصلحة بلاده وجامعًا فى وجهته الفكرية بين ثورية الأفغاني (١٨٣٨-١٨٩٧م) فى مقاومة المستعمر وتسلط الحكام، وأناة محمد عبده فى التنوير والإصلاح. وفى عام ١٨٨١م ألحقه الخديوي توفيق بوزارة الحقانية، وقد أراد بذلك إبعاده عن مصاحبة العرابيين.

وفى أعقاب الثورة العرابية قُبض عليه بتهمة دباجة وطباعة المنشورات المحرضة على الثورة وحُكم عليه بالإعدام، غير أن وساطة والده وعلاقته بالباب العالي قد خففت الحكم واكتفت المحكمة بنفيه إلى الأستانة ومنها لحق بوالده بإيطاليا خلال مرافقة الأول للخديوي إسماعيل (١٨٣٠-١٨٩٥م).

وهناك قد تمكن محمد المويلحي من مطالعة عشرات الكتب الأدبية والفلسفية التى كُتبت بالفرنسية والإنجليزية واليونانية واللاتينية والإيطالية. وخلال سياحته فى أوروبا ألتقى بالأفغانى ومحمد عبده فى باريس، وشاركهما مع أبيه فى تحرير مجلة «العروة الوثقى» بالإضافة إلى تحرير مجلتي «الاتحاد والأنباء» بإيطاليا، وخلال هذه الفترة استدعاهما السلطان عبدالحميد الثانى ليحول بينهما والكتابات الصحفية المناهضة للباب العالي والأتراك، وعين إبراهيم المويلحي عام ١٨٨٥م عضوًا فى مجلس المعارف الأعلى بالأستانة، أما محمد المويلحي فراح يراسل العديد من الصحف فى إسطنبول والقاهرة. وفى العام التالي عاد بمفرده إلى مصر واشترك مع عارف بك المرديني فى تحرير جريدة (القاهرة الحرة) اليومية، بالإضافة إلى مقالاته على صفحات المقطم عن الحرية والاشتراكية.

وقد تأثر فى هذه الفترة بأسلوب أحمد فارس الشدياق - الذى طالما قرأ كتاباته وأشعاره ومهارته - فى النقد المستتر.

وفى عام ١٨٩٥م تم تعيين محمد المويلحي معاون إدارة بمديرية القليوبية ثم مأمورًا لمركز البرلس. ورغم ذلك لم يترك مفكرنا رسالته النقدية بل راح يدبج المقالات الأخلاقية والاجتماعية متخذًا من حياة البسطاء مرآة لتوضيح حقيقة الريف المصرى، ومن سلوك أبناء الباشوات دليلاً على فساد طبقة النبلاء والأمراء ومعية الخديوى ومن أحوال صغار الموظفين برهانًا على بؤس الطبقة الوسطى المصرية. ثم أسس مع والده مجلة «مصباح الشرق» عام ١٨٩٨م وكانت تلك المجلة بمثابة المنبر الذى حمل خطابه النقدى للرأى العام، وهى أيضًا الصالون الذى عقد فيه أولى جلسات مدرسته الأدبية التى جمعت بين النزعة الإصلاحية النقدية والرؤية الواقعية فى الوصف والتحليل والنزعة الاشتراكية فى توجيه الأدب والفن. وقد تتلمذ عليه معظم كتاب القصص والروايات وجل أدباء حركة التنوير المصرية من أمثال لطفى السيد وعبدالعزيز البشرى وسلامة موسى وفرح أنطون ومحمد لطفى جمعة وعباس محمود العقاد ومحمود حقى ومحمود تيمور وحافظ إبراهيم ومحمد حسين هيكل وعبدالحليم المصرى وأحمد الكاشف ومحمد مصطفى الماحي.

وعلى صفحات جريدته راح ينشر مشاهداته ونقداته وتحليلاته النقدية للأوضاع الاجتماعية والأخلاقية وطبقات المجتمع وأحوال الناس وميولهم والاستعمار الإنجليزي، وحالة الفلاح ووضع المرأة المصرية، ووقف على سلبيات دواوين الحكومة ورجالاتها والبوليس وشيوخ الأزهر وعوائد الصوفية والمعتقدات السائدة بين العوام ولاسيما حكايات العفاريت والمردة والتفسيرات الخرافية للطبيعة المجافية للعلم والمعاندة للعقل، والمحاكم الشرعية والنيابة العمومية.

وقد عنون هذه المقالات بعنوان «فترة من الزمان» ثم جمعها وأعاد طبعها فى كتاب أطلق عليه «حديث عيسى بن هشام» عام ١٩٠٧م - وهو عنوان المقامة التى نحن بصددها - وقد استوحاه من اسم بطل مقامة بديع الزمان الهمذاني (٩٦٩-١٠٠٧م)، تلك التى عُنى والده بتحقيقها وإعادة طبعها فى مطبعته التى أنشأها فى مطلع النصف الثانى من الثمانينيات من القرن التاسع عشر، وقد نسج كل حكاياته على نهج المقامة (الحكي المقفى الجامع بين الهزل والجد والضحك والسخرية بأسلوب بسيط فى الظاهر ودقيق المعانى والإحالات الرمزية والتورية والتعمية فى الباطن). وقد حرص مفكرنا رغم نقده اللاذع وتهكمه الساخر على البعد عن المسائل الشخصية وسلوك الأفراد إلا ما تعلق منه بضرر الصالح العام، أما الفضائح والوشايات والكشف عن عورات الناس وغير ذلك من الرذائل فكان يمقتها ويمج الحديث فيها.

 

د. عصمت نصار

 

مجدي ابراهيمواجهت دعوة الإمام محمد عبده متاعب تجسدت في تحطيم الجمود في المؤسسات الدينية؛ فلئن كان يأس من إصلاح الأزهر، فلم يكن ييأس مطلقاً من الإصلاح الإسلامي وهو مقرر مع الكدح الدائم إلى ملكوت رب العالمين. كان تمكين الزعامات الدينية هو العائق الأكبر أمام دعوته المستنيرة بنور العقل ونور التبصير.

وهذه الزعامات هى التي واجهها بكل شجاعة؛ إذ ليس في الإسلام سلطة دينية ولا كهنوت يتمثل في سلطة رجال الدين. وبما أن الكهانة الدينية تمنع حق الاجتهاد والتجديد وتلغي دور العقل في الفهم وإعمال النظر، فليس في الإسلام كهانة تقدس ما لا قداسة له، فكل قداسة تقف عائقاً أمام تحرير العقل في المطالبة بحقه وإقامة ميزانه باعتباره قوة من أفضل القوى الإنسانية بل هى أفضلها على الحقيقة، إنما هى ليست من الإسلام في شيء؛ لأنها ضد الإيمان بالله بداهةً.

ولعلّ هذا هو الذي جعله يفرق تفرقة حاسمة بين عمل أئمة الدنيا وعمل أئمة الدين، ويضرب السلطة ضربة لا تقوم لها قائمة بعدُ، وإنه ليرى :" أن الإيمان بالله يرفع النفوس عن الخضوع والاستعباد للرؤساء الذين استذلوا البشر بالسلطة الدينية، وهى دعوى القداسة والوساطة عند الله، ودعوى التشريع والقول على الله بدون إذن الله، أو السلطة الدنيوية، وهى سلطة الملك والاستبداد، فإنّ العبوديّة لغير الله تهبط بالبشر إلى درجة الحيوان المُسَّخر أو الزرع المستنبت. وحق على الإنسان أن لا يرضى لنفسه أن يكون عبداً ذليلاً لبشر مثله للقب ديني أو دنيوي، وقد أعزّه الله بالإيمان. وإنمّا أئمة الدين عنده مبلغون لما شرع الله وليسوا هم رؤساء دين، وأئمة الدنيا منفذون لأحكام الله. وإنما الخضوع الديني لله ولشرعه، لا لشخوصهم وألقابهم".

ثم إنّ شيخنا ليقرِّر حقيقة بالغة التسامح والرّوحانيّة، وهى عندي حقيقة كبرى سبقه إليها كبار الرُوحانيين الذين مثلوا الحياة الروحيّة في الإسلام خير تمثيل؛ كالحلاج وابن عربي وابن الفارض والجيلي وابن سبعين، وأعنى بها "وحدة الأديان"، فماذا عَسَاه يقول؟

إنّه ليقول :"الدين دين الله وهو دين واحد في الأوليين والأخريين، لا تختلف إلا صوَرَهُ ومظاهره. أما روحه وحقيقته وما طُوُلب به العالمون أجمعون على ألسن الأنبياء والمرسلين فهو لا يتغير : إيمانٌ بالله وحده، وإخلاصٌ له في العبادة، ومعاونة الناس بعضهم البعض في الخير، وكف أذاهم بعضهم عن بعض ما قدروا. وهذا لا ينافى الارتقاء في الدين بارتقاء عقول البشر واستعدادهم لكمال الهداية". (الإسلام والنصرانية مع العلم والمدنية : جمْع رشيد رضا، مكتبة صبيح، القاهرة سنة 1954م - 1373هـ, ص145).

لا ريب كانت محاربة الشيخ محمد عبده لشتى ألوان الجمود والتقليد لا تعنى أنه كان - طيّب الله ثراه -  يحارب أشخاصاً بعينهم بمقدار ما تعنى لدينا أنه كان يحارب عقولاً تتوارث الآفات جيلاً وراء جيل، ثم تتشبث بما ترث من هذه الآفات؛ ليكون سبيلها الوحيد الذي لا تعرف سواه هو التقليد. والتقليد آفة، والجمود على القديم آفة، والآفات التي من هذا النوع تنخر كما السوس في عقول الأمم فلا تنهض ولا تتقدم.

لا تتقدّم أمتنا العربية والإسلامية قيد أنملة إلى الأمام بالجمود والتقليد، في حين ترى الأمم من حولها ناهضة قوية، لكنها آفة العقول المحدودة التي تتوارث داء الغفلة والضلالة والتحجير على عباد الله تحت ستار المحافظة على الدين، والدين من العقول المحدودة المُغلقة بُراء.

وفي حِكَمِه القصيرة النافذة التي جمعها عنه تلميذه "رشيد رضا" قال الشيخ محمد عبده :" أَشَدُّ التعب أن ترى من حولك مرضى وأنت لا تستطيع معالجتهم". وواضح أن المرضى هنا ليسوا مرضى الأبدان وحدها بل كذلك مرضى الأفئدة والنفوس والعقول والأذهان؛ فإنّ معالجة مرضى القلوب والأذهان أشدُّ تعباً من معالجة مرضى الأبدان.

هذه هى معاناة شيخنا الحقيقية : نقد الفكر التقليدي، ومحاربة العقول البليدة المتحجِّرة، التي ظلت ومازالت تتخذ من الدين غطاءً تخفى وراءَهُ تخلَفها وجهالتها، وتيبس أدمغتها، وجمودها وتقليدها، وأطماعها الدنيوية ونفوذها السّلطوي وزعاماتها الروحيّة. والدين لا يدعو إلى التخلف ولا إلى الجمود والتقليد، ولا إلى الطمع والنفوذ والتسلط والزعامات الموبوءة. الدين يدعو إلى الانفتاح والتسامح والمراجعة والتصحيح والطاعة لله والامتثال لأمره.

ويجيء منهجه في التفسير قائماً على معايشة القرآن معايشة روحية غير تقليدية، ولم تكن رؤيته باتجاه النظر إلى القرآن مُلزَمَة بما جاء في اقوال المفسرين السابقين؛ لأن رؤية هؤلاء المفسرين قد ارتبطت بالمستوى العقلي ودرجة العلم التي بلغوها على أزمنتهم وتحصلت لمجتمعاتهم وبيئاتهم الثقافية. وليس شرطاً أن تتوقف العقول جامدة عندما حصلوه أو بلغوه، ولا أن تكون حصيلتنا الفكرية هى فقط كامنة فيما ظهر لهم من معانيه، وواضح أن الأمام محمد عبده يعول هنا كل التعويل على استقبال القلوب في ذاتها لمعاني القرآن، فلكل إنسان قلبه الذي يختلف عن قلب الآخر، وله إشراقاته الروحية التي تتباين عن إشراقات الآخر. ومهمة القرآن هو تحويل النفوس واستقبال القلوب  على الحضور للمعاني القرآنية الفاعلة فيها : فعملُ القرآن في الباطن لأجل التغيير. ومَنْ لا يفهم القرآن، ومن لا يقرأه على حضور وطلاقة لا يستطيع أن يقوم على الحقيقة بمهمّة تجديد العقل الديني، لأن هذا التجديد يُطال نفس المُجدد أولاً ثم من أضواء العقل وأنوار الضمير وإشراقة النفس يكون التجديد؛ فلن يكون تجديد للعقل الديني ولوثة الروح باقية والعقل نفسه معطل عن الوعي والفهم والتصحيح.

ومن لم يتخذ من القرآن هداية روح ورقيّ سريرة فلن يقتدر على القيام بمهمة الدعوة الدينية في الإسلام، ولا يمكن لهذه الأمة أن تقوم في رأى الأستاذ الإمام إلا بالروح التي كانت في القرن الأوَّل قبل ظهور الخلاف وحلول الفتن وهى :"رُوح القرآن"؛ وكل ما عداه فهو حجاب بينه وبين العمل والعلم.

وعقيدته هى عقائد كبار المُحَققين أنْ : "ليس وراء القرآن غاية". وفي طلاقة النص القرآني يقول : "إنّ خطاب القرآن لا يختصُّ بواقعة، بل يصحُّ أن يكون خطاباً لكل الناس". حقيقة أن اللفظ القرآني ليشع حياة. حياة من نور فيها متاع للعقل، ومتاع للذوق، ومتاع للشعور. حياة تتفتّح فيها الحياة وتنمُ عن مقاماتِ وأحوالِ يصعدُ فيها الضمير مدارج ومراقِي من التّفتُّح الروحي والإدراك الذوقي. حياة تعطى صور الحياة في أصلاب الوجود. اللفظ القرآني وحده هو الذي يصور الحقيقة، حقيقة تلك الحياة، وحقيقة ما بعد الحياة. إنه ليعبِّر عن العمق الداخلي في أطواء هذا الوجود كله، عن الكون كله بما فيه ومَنْ فيه؛ تعبيراً يُعطي من وراء اللفظ إيحاءاته الدالة بالوقوف مع خالق هذا الوجود، ومن هنا تكون رؤية العالم مؤصّلة على فهم القرآن من هذه الجهة، الذي هو في الوقت نفسه فهم للكون كذلك.

أمّا العبد المخلوق؛ فهو في التصوِّر والتعبير لا يستطيع أن يَتَقَدَّم قيد أنمُلة كيما يمسُّ مثل هذا الغور الدفين المبطون ولو مسَّاً خفيفاً إلا بمقدار ما يقترب من التعبير القرآني، من ايحاءات اللفظ الدالة، وإلا بمقدار ما يستشعر في اللفظ القرآني من حقائق التصوير وحقائق التعبير.

إنّ هذا الكتاب لمعجزة في لفظه وفى معناه؛ وإنه لوثيقة ربَّانيةٌ عظمى تدلِّل على رفعة المقاصد، وسمو الأهداف، ونُبْل القيم، وبقاء الحقائق، وشرف الغايات؛ لكل من يحفظ منه اللفظ فيعرف تباعاً معناه، فيتحرك - من ثمَّ - في الحياة على هداه. ولن يكون التجديد تجديداً للعقل الدعوي وفيه إهمال متعمد يغفل القرآن، بمقدار ما يغفل باعث التوجه وباعث الحركة فيه من جهة الأنفس والافاق.

هذه "الحركة" لاشك هى المطلوبة من فهم كتاب الله، وليس المطلوب كثرة التشدُّق به في غير حركة، وفى غير تغْيير من واقعات الحياة.

يُلخِّص الأستاذ الإمام هذه المعاني ليعطينا من قوله زُبْدتها حين ينص على :"إن لكلام الله أسلوباً خاصَّاً يعرفه أهله، ومن أمتزج بلحمه ودمه. وأما الذين لا يعرفون منه إلا مفردات الألفاظ وصور الجمل فأولئك عنه مبعدون". وفي معناه أيضاً أنه ما لم ينقلك اللفظ من حال إلى حال، ومن حياة إلى حياة، فقلَّ أن يكون لك نصيبٌ من فهم القرآن أو من تقريب معناه إليك إلا في اللحظة التي يمتزج فيها بروحك، ويختلط بدمك على ديدن الطهارة والصفاء والنقاء والذكر والمواصلة والتسبيح.

ولم يكن منهجه في التفسير سوى تلك النظرات الثاقبة مع المداومة على قراءة القرآن، وتفهم أوامره ونواهيه، ومواعظه وعبره على ديدن الحضور كما كان يتلى على المؤمنين والكافرين أيام الوحى، وإنه لينصح أحد تلاميذه قائلاً :" وحاذر النظر في وجوه التفاسير إلا لفهم مُفرد غاب عنك مُراد العرب منه، أو ارتباط مفرد بآخر خفى عليك متصله، ثم أذهب إلى ما يشخصك القرآن إليه، وأحمل نفسك على ما يحمل عليه، وضمَّ إلى ذلك مطالعة السيرة النبوية، واقفاً عند الصحيح المعقول، حاجزاً عينيك عن الضعيف والمبذول".

وفى شذرة من شذراته البديعة يلحظ ملحظاً فارقاً بين من يقرؤون القرآن على الغفلة والجهالة وحظوظ الدنيا، وبين من يقرؤونه للحركة الفاعلة ترقيةً للنفوس وتهذيباً للضمائر وتوعيةً للقلوب فيقول :" معنى عبادة الله بالقرآن عند الجاهلين به : أن يقرأ الشخص ولا يخطر المعنى بباله، ولا يحرِّك نفسه لأوامره ونواهيه".

ولمّا كان القرآن وثيقة تبرهن على أسرار هذا الوجود محفوظة بالبيان الإلهي: البيان الذي لا يأتيه باطل ولا يناله عبر تطاول العصور ضعف ولا هزال، طلاقة لا متناهية في نصِّه، وفى رُوحه وفى لفظه ومعناه؛ صارت أسراره مرهونة بالمحافظة على ألفاظه على شِرعة الأدب والحضور بين يَدِي الله. وليس المراد باللفظ هنا مُفرد اللفظ ولا بالجملة صورة الجملة بل المرادُ فهم الكلمة الواردة على ديدن الحضور والعرفان : فهم لمعنى كبير ضخم لا يمكن تغافله ولا حذفه بجرة قلم خبيثة، هو هو المعنى الذي توارثته القلوب العاقلة عن ربّها من ميراث النبوة، وتناقلته بالسّر الطوايا المبدعة عملاً بما فيه من ضخامة المعنى وكبير المضمون، فكان أن قال الإمام محمد عبده في شذرة أخرى مُلفتة ذكية ذات توجّه علوي مقصود :" إني عندما أقرأ القرآن أو أتلوه أحسب أنى في زمن الوحي، وأن الرسول، صلى الله عليه وسلم، ينطق به كما أنزل عليه جبريل عليه السلام".

هذا منهج تربوي في الأساس، لكنه ليس تربوياً وكفى، بل يُضاف إلى التربية خاصة أخرى هى لبها ولبابها وجوهرها الأصيل، وليس المنهج بغيرها يقوم، ولا يمكن استحضاره بدونها وأعني بها تلك "الخاصَّة الذوقية" أو بالأحرى منهج التصوف الذوقي الذي كان الأستاذ الإمام يفضله ويرعاه؛ كان يفضله في نفسه ويرعاه تطبيقاً عليها، ويسمو به فيها غاية السمو وتسمو به نفسه بمقتضاه وترتفع غاية الرفعة؛ الأمر الذي يكشف جلياً عن طبيعة الصوفي وحضوره في حياة ومنهج الشيخ محمد عبده في كل ما هو متعلق بالتربية أو متصل بالإصلاح الديني والخُلقي والاجتماعي. وهو القائل على التحقيق :"كل نعمة من الله في ديني سببها التصوف". ومع ذلك فقد نجد بيننا الكثير ممّن فقدوا ذوق البصيرة والشعور الديني الصادق من يرى أن التصوف ما كان، ولن يكون أبداً، حسب اعتقادهم، هو طريق الخلاص من وضعنا المتردي، لأنه في نظرهم طريق استسلامي يشجع على استكانة المشاعر وانهيار القوى في وقت نحن فيه بأمس الحاجة للروح الوثابة، والمشاعر الثائرة، والفكر النير، والحلول التي تخلصنا من مشاكل التخلف التي نرزح تحت وطأتها صباح مساء.

ومن الغريب الداعي للدهشة أن هذه الصفات الأخيرة التي ومضت في عقولهم على غفلة من زمن القيم الساقطة، والتي يرصّونها لفظاً ميتاً لا حياة فيه يجيء بغير معنى ولا مدلول هى صفات في الأصل من العمل الحي لمعطيات التصوف ومن فاعليته الكبرى، فالروح الوثابة الحرة الطليقة والمشاعر الثائرة والفكر الصافي المستنير هى في الواقع صفات الصوفي الحقيقي الذي لا يعرف للخمول ولا للاستكانة طريقاً بل هَجِّيرَهُ  العمل، وديدنه الجهاد في سبيل مطلوبه، وغايته الإخلاص في القول والفعل؛ فلا يهدأ الصوفي أبداً إلا أن ينال ما يرد؛ لكن الفرق بينه وبين غيره من أصحاب الإرادات أن مراده غير مرادات الذين غرقوا في وحل الواقع المتردي؛ فانهارت قواهم على التصدي له بروح وثابة طليقة فلم يتقدّموا في إصلاحه خطوة واحدة، ولا حتى ترقيعه قيد أنملة، بل كلما رقعوه تمزق منهم ولا يزال مع التّمزّق حتى مزق بشراهته نفوسهم وقلوبهم حسرةً على الضعف والتردي والشّرَه المادي الساقط اللعين.

ولا يخفى أن للإمام محمد عبده موقفاً من نقد سلوك المتصوفة الطرقي التجهيلي الذي لا يقوم لديهم على العلم ولا المعرفة بل على الاعتقاد السلبي في شيوخ التصوف ممّا يسبب لوثة الاعتقاد بل الشرك، وهو أمر لا ينفرد به محمد عبده وحده بل وجد عند أعلام التصوف أنفسهم : نقد أنفسهم بأنفسهم نقداً ذاتياً منذ أيام القشيري في "الرسالة" ووصولاً إلى الشعراني في "آداب العبودية".

وفي تاريخ الأستاذ الإمام (طبعة القاهرة، سنة 1350هـ - 1931م، جـ2؛ ص 130)، ذكر محمد عبده للسيد رشيد رضا يوماً قوله :" إذا أنا يئست من إصلاح الأزهر، فإنني أنتقي عشرة من طلبة العلم، وأجعل لهم مكاناً عندي في "عين شمس" أربيهم فيه "تربية صوفية" مع إكمال تعليمهم"؛ ويعقب رشيد رضا على ذلك، أن الإمام محمد عبده كان أقترح على السيد جمال الدين الأفغاني هذه الاقتراح أيام كانا ينشئان مجلة "العروة الوثقى" في باريس، ثم يقول رشيد رضا معقباً على هذا :" ولو تمَّ للأستاذ الإمام هذا على الوجه الذي يريده، لكان أعظم أعماله فائدة".

ليس من شك عندي : أن دعوة الدين كما بيَّنها لنا الأستاذ الإمام والفيلسوف الحكيم، وكما نفهمها منه؛ لتهدف إلى الشعور بالاستقلالية والتميز وبالطلاقة الرُّوحيَّة وبالتّفرُّد على شِرعة القرآن؛ ليُنتج الدين على هداها دوماً أُناسَاً خَلاَّقين.

 

بقلم : د. مجدي إبراهيم

 

عامر صالحبدون شك أن ما يجري في العراق اليوم هو أنتفاضة سلمية تعكس اخلاق شعب يحب الحياة ويبتعد عن حمامات الدم وازهاق الارواح، يطالب بحقه في الحياة الحرة الكريمة المشرفة والتي تليق بتضحياته عبر عقود من النضال ضد الدكتاتورية الفاشية ولاحقا ضد الاسلامويين السياسيين الذين سرقوا تضحيات شعب بكامله وشوهوا معالم وعية، في محاولة منهم لحرف ارادته وفرض خطاب الانفعالات المرضي بديلا عن خطاب العقل من خلال دائرة مغلقة في اللف والدوران والطقوس العصابية المأطرة بسلوكيات الهوس الديني في محاولات كاذبة لإمتصاص نقمة شعب قرر ان لا يسكت عن مهضوميته التاريخية.

أن انتفاضة شعبنا اليوم تجسد في حراكها ما ينسجم مع ادبيات الثورة العالمية، حيث ان الثورة هنا تقوم على خلفية التناقض الذي لا يحتمل الاستمرار بين قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج السائدة، والذي يفرز ظواهر الفقر المدقع، والتدهور للحياة بأبعادها الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، والعلمية، والصحية، والتعليمية والخدمية والامنية بمختلف مظاهرها. ويكون الهدف المتوقع من الثورات والأنتفاضات هو إعادة بناء علاقات سليمة وعادلة بين قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج، بما يفضي إلى إعادة توزيع الثروات بشكل منصف، وإعادة بناء البنية التحتية الاقتصادية والاجتماعية للمجتمع، بما يوفر المزيد من فرص العمل عبر إعادة هيكلية الاقتصاد، واستحداث المزيد من المشاريع الإنتاجية والخدمية، ويشكل ذلك ضمانة لتحسين ظروف الحياة الإنسانية العامة والارتقاء بها.

ومن الناحية السيكولوجية فهناك عدة اسباب تدفع الناس للتظاهر، ولعل أبرزها هو: القيمة المتوقعة، أي ما يتوقع المتظاهرون الحصول عليه اذا نزلوا الى الشارع. والحرمان النسبي، أي شعورهم بأنهم يعاملون بطريقة أقل انصافا وعدلا من غيرهم. وكذلك الهوية الاجتماعية، أي انهم يتعاطفون مع افراد يشبهونهم او يشعرون بضرورة الدفاع عنهم. وسرعان ما تختلط المشاعر الناجمة عن الاسباب الثلاثة لتشعل شرارة الدافع، فتبدأ موجة الغضب مع تراجع شعور " الذنب " وتجلي فكرة أن لم يعد لدي ما أخسره بعدما خسرت كل شيء، أما بالنسبة للطبقة العاملة فهي أشد حماسا فهي لا تمتلك غير قوة عملها. كما أن طغيان السلبية على المشاعر الأولى المحركة للتظاهر لا يعني انها تسيطر بالضرورة على مشاعر المحتجين، فقد اثبتت العديد من الدراسات النفسية أن المحتجين بعدما يكسروا الحاجز النفسي الأول يولد لديهم شعور بالسعادة، سببها التواصل مع المحتجين الآخرين والعمل المشترك من اجل قضية واحدة والشعور بالأنتماء للمجتمع الأكبر، وقد جسدت احتجاجات اكتوبر العراقية المغزى السيكولوجي للمسار النفسي لطبيعة الفرد المحتج في السياق الاجتماعي.

لم تكن انتفاضة اكتوبر العراقية والتي امتد لهيبها الى محافظات العراق التسعة ذات التركيبة المذهبية الشيعية عملا عبثيا او نزهة استعراضية أريد به أراقة دماء الشباب، بل هي تراكم كمي لمجمل أزمة نظام الحكم المحصصاتي الطائفي والأثني السيئ الذي لم يعمل شيئ ايجابي خلال اكثر من عقد ونصف من الزمن، بل انه نظام منتج للأزمات واعادة تدوريها انطلاقا من طبيعته المافوية والمؤسسة اصلا على الأستئثار بالسلطة وتقاسمها والمبني على اساس المحاصصة المذهبية السياسية والعرقية المتخلفة التي تشتغل على اضعاف وتفكيك الوطن والمواطنة والأكتفاء في التمترس في الأطر الجغروطائفية والاثنية في فهم مريض منها ان ذلك يكفي لنيل الحقوق والاستئثار بالثروات الوطنية والافساد فيها. أن انتفاضة الوسط والجنوب ثم تضامن ابناء العراق كله هو تجسيد حي وانعكاس لأزمة الحكم الخانقة والتي لم توفر الحد الأدنى الانساني من الحقوق المشروعة والتي عكستها الحاجة الى الماء والكهرباء والصحة والتعليم الصالح وغيرها من مسلمات العيش المعاصر.

أن تجربة أكثر من عقد ونصف من الزمن في الاخفاق المزمن للمطاليب العادلة للمنتفضين تعكس بشكل واضح انها ازمة نظام متآكل وليست أزمة تلبية خدمات عامة كان يفترض على النظام تلبيتها في السنوات الأولى من الحكم، أنها أزمة فساد نظام الحكم المتهرئ الذي لا يمتلك أي شرعية للبقاء، وأن شعارات اهلنا في المحافظات المنتفضة في الاستجابة الى المطالب الاساسية ما هي إلا مدخل للمطالبة بتغير النظام المحصصاتي، واهلنا هناك يعرفون تماما فلا كهرباء تأتي ولا ماء صافي سيشرب في ظل نظام معوق وكسيح لا يستطيع تقديم الحد الادنى من مسلمات الحاجات الانسانية، في ظل نظام فاسد لا يتورع عن سرقة لقمة العيش. 

أن ما تعرضه منظمة هيومن رايتس ووتش والمعنية بحقوق الأنسان يجسد جزء من مأساة الشعب العراقي خلال ما يقارب العقد والنصف عاما الماضية، والتي من خلالها على الأقل لايمكن القبول بالعملية السياسية وبأحزابها الفاسدة التي اسهمت بتبديد الثروات الطبيعيةة منها والبشرية، وتؤكد المنظمة: أن هناك ثلاثة ملايين وأربعمائة ألف مهجر موزعون على أربع وستين دولة. أربعة ملايين ومائة ألف نازح داخل العراق. مليون وسبعمائة ألف يعيشون في مخيمات مختلفة. خمسة ملايين وستمائة ألف يتيم" تتراوح اعمارهم ما بين شهر و17 عام ". مليونا أرملة" اعمارهن ما بين 15 و25 عاما". ستة ملايين عراقي لا يجيدون القراءة والكتابة" تتصدرهم البصرة وبغداد والنجف وواسط والأنبار ".بلغت نسبة البطالة 31%" الأنبار والمثنى وديالى وبابل في الصدارة تليها بغداد وكربلاء ونينوى". 35% من العراقيين تحت خط الفقر" اقل من خمسة دولارات". 6% معدل تعاطي الحشيش والمواد المخدرة" بغداد في الصدارة تليها البصرة والنجف وديالى وبابل وواسط". 9% نسبة عمالة الأطفال دون 15 عاما. انتشار 39 مرضا ووباء، أبرزها الكوليرا وشلل الأطفال والكبد الفيروسي وارتفاع نسبة الأصابة بالسرطان والتشوهات الخلقية. توقف 13 ألف و328 معملا ومصنعا ومؤسسة انتاجية.  تراجع مساحة الأراضي المزروعة من 48 مليون دونم الى 12 مليون دونم. استيراد. استيراد 75% من المواد الغذائية و 91% من المواد الأخرى. التعليم الأساسي في أسوأ حالاته: 14 ألف و658 مدرسة، تسعة آلاف منها متضررة، و800 طينية، والحاجة الى 11 ألف مدرسة جديدة. الديون العراقية 124 مليار دولار من 29 دولة. واردات النفط للفترة 2003ـ2014 بلغت ألف مليار دولار، لم تسهم هذه الاموال الطائلة في حل مشكلات الحياة الاساسية، بل ذهب معظمها في عمليات الفساد ونهب المال العام. 

وقد قدم شعبنا في حراكه السلمي منذ بداية اكتوبر ما لا يمكن توقعه في حراك سلمي مشروع بعرف القيم الانسانية او كما يرد في دستور العراق الذي يكفل حق التظاهر والاحتجاج والتعبير عن الرأي، وقد بلغ شهداء الأحتجاجات اكثر من 750 شهيدا وما يقارب من 30 ألف جريح، من بينهم اكثر من 700 اعاقة منتهية، وكذلك اكثر من 2500 معتقل. وقد استندت السلطات الحاكمة الى اعتمادها القمع الدموي الى افتعال " نظرية المؤامرة " التي تستهدف العراق كما ترويه السلطة الحاكمة، وهي تعرف تماما ان سيادة العراق منتهكة من دول الأقليم وأمريكا، وقد مارست السلطة في سلوكها اسقاطا سيكولوجيا لاحدود له في تحميل المحتجين عيوب النظام وامراضه المزمنة، فتوغلت في القتل والتصفيات الجسدية وممارسة شتى صنوف العنف واساليبه اللأانسانية.

اليوم نحن في العراق أمام واقع استطاع فيه الاسلام السياسي ان ينخر العملية السياسية ويشيع الفساد الاداري والمالي في كل مستوياته ويسعى جاهدا لتعزيز الخراب في ما تم تخريبه ويتشبذ في البقاء، وقد استفاد من لحظات انفعالات شعببنا بعد سقوط الدكتاتورية لكي يستثمر انفعالات شعبنا في وجهة اضطرابية مرضية صوب التعبئة الانفعالية الحشدية من خلال تحويلها الى قطعان في كل المناسبات الانتخابية منها وغير الانتخابية.

اليوم يخوض شعبنا مخاض في ترتيب أولويات مطاليبه من ماء وكهرباء وخدمات وايجاد فرص عمل واعادة بناء البنية التحتية الاقتصادية المدمرة وايجاد فرص للعيش الكريم، الى جانب مطالب ذات بعد استراتيجي كما يراها شعبنا المتظاهر هي في الخلاص من نظام المحاصصة الطائفية والاثنية، وهذا يعني اجراء تعديلات جوهرية على الدستور، واعادة النظر بقانون الانتخابات، واصدار قانون الاحزاب، الى جانب تشريع قانون النقابات والاتحادات، وقانون النفط والغاز، وقانون حرية التعبير، وقانون المحكمة الدستورية، وقانون مجلس الاتحاد، واعادة تشكيل مفوضية الانتخابات وهيئة النزاهه، واعادة تشكيل مجلس القضاء الاعلى بما يضمن من نزاهته حقا.

هذه المطالب تضع حراك اكتوبر امام مسؤوليات صعبه ولايمكن تحقيق المطالب دفعة واحدة في ظل تعنت السلطات الحاكمة، وخاصة ان النظام السياسي بهياكله العامة يتمتع بشرعية دولية بأعتباره " نظاما ديمقراطيا " والمشكلة هنا هي مع الحكومات المتعاقبة على دفة الحكم، ومع موازين القوى السياسية في اللحظة الراهنة، وبالتالي فأن فن اجادة الصراع هنا مطلوب للحفاظ على المكاسب من جهة، ولتوسيع قاعدة الرفض المجتمعي لنظام المحاصصة من جهة أخرى.

 

د.عامر صالح

 

 

محمد الدعمييهدف حياة الحريم المزدوجة، في نظر المستشرقين، إلى الاستعراض أمام أعين العامة، بينما تهدف الثانية للخاصة داخل دار العائلة، إلى بلوغ حريات الإشباع المطلق، وذلك تأسيسا على آليات التنافر بين العام والخاص. والحق، تتعامل النسوة بحرية مفرطة للغاية فيما بينهن، فيرددن: “إذا لم تلبي رغبات زوجك، فإنك تعرضي نفسك لغضب الملائكة!” كما يدعي هؤلاء المستشرقون. وكما هو متوقع، يحدث مثل هذا النوع من الخصوصيات النسوية الحريم ويدفع بهن لتقديم كل وأفضل ما لديهن لإمتاع أزواجهن، إن لم يعمدن إلى الانتقام من الزوج المسيء لهن بطرق خاصة، هي من أسرار دار الحريم!

ناهيك، عن آثار هذه الانطباعات على تأجيج اندفاع الرحالة الغربيين من أجل اختراق جدران الحريم بحثا عمّا لا يمكن بلوغه في بلدانهم الأوروبية الأصل، وكما تعكس ذلك صناعة السينما اليوم، من بين سواها من صناعات الثقافة الشائعة. لقد افترض نقاد المجتمعات الإسلامية في أنفسهم، ومن بينهم الرحالة الغربيون عامة، القدرة على الاضطلاع بأدوار “عناصر تحرير” للمرأة المسلمة، متخيلين أنفسهم مخلّصين أكبر قدرة وأكثر مواءمة على سبيل التعامل مع النساء المسلمات والفوز بثقتهن. وبإضافة الشعور الكولونيالي المتعالي المبطون بالتفوق، اعتاد الضابط أو الإداري “الأشقر الطويل” أن يقدم نفسه، نوعا متفوقا من الرجال الذين ينبغي أن يتوقعوا المكافأة، ليس فقط من خلال السماح لهم باختراق جدران عالم الحريم، ولكن كذلك بواسطة الاستهانة برجال الحريم المحليين، خصوصا بعدما يستبعد هؤلاء المغلوب على أمرهم من المسلمين عنوة عن نسائهم. لا بد أن يكون هذا الخط في التفكير، أي المنطق المشحون بعقدة التفوق، هو المسؤول عن توليد الغضب الذي طالما بقي يؤجج الاحتجاج والتمرد المحلي ضد المستعمر الأجنبي من خلال تأجيج مشاعر الغيرة، ثم بواسطة استفزاز الحساسيات.

إذا ما شاء المرء تجهيز الأفكار الخاصة بالحريم والمرتبطة بمجتمعات عالم الإسلام عامة، أي تلك الأفكار التي استعرضتها عبر عدد من مقالاتي، فلا تبقى حاجة له إلى بذل الكثير من الجهد لإيجاد الدلالات التي أهملت، أو التي مرت بلا ملاحظة كافية من قبل نقاد الاستشراق، خصوصا تلك التي يوحي بها اللفظ “حريم” بحد ذاته، على صفحات أي مصنف، أو قاموس أو جدول معلومات يقود إلى التشبث بقارة عملاقة من الأدبيات التي ألفها الكتاب الغربيون (رجالا ونساءً) لمباشرة موضوع النساء المسلمات ابتداءً من العصر الوسيط، ونزولا حتى اللحظة الراهنة وذلك عبر أعمال من نوع الفيلم الوثائقي المعنون “موت أميرة”، من بين سواه من الأعمال القصصية والسينمائية والدعائية المشحونة بالعدائية.

ونظرا لجعل لفظ “حريم” يكتسب مثل هذه الهالة المظلمة من الدلالات المسيئة في دواخل العقل الغربي، فقد عمدت في كتابي القادم (الحريم في أعين المستعمر) إلى أن أستله، لفظا مفتاحيا، تتبأور حوله هذه الدراسة لأنواع المفاهيم الخاطئة ولأشكال التمثيلات المشوهة التي أحيلت إليه وربطت به.

 

أ. د. محمد الدعمي

 

محمود محمد علي

إن ما حدث بين الدكتور محمد عثمان الخشت رئيس جامعة القاهرة، وفضيلة الإمام الأكبر أحمد الطيب شيخ الجامع الأزهر في اليومين الماضيين  فى إحدى جلسات مؤتمر الأزهر العالمي للتجديد في الفكر الإسلامى بجمهورية مصر العربية، لا ينبغي أبدًا فهمه في إطار أزمة أو صدام، بل هو مجرد سجال علنى بين طرفين، اتفقا كل منهما على هدف واحد ألا وهو "تجديد الفكر الإسلامي"، والذي يمثل عنوان المؤتمر الذى ينظمه الأزهر نفسه؛ فالأزهر الشريف قد تبني هذا الهدف في سعي منه إلي محاولة الوصول الى نقطة تلاقى بين المناهج المختلفة للتجديد، حتي وإن اختلفا كل منهما حول المنهج والأسلوب.

دعونا نفهم ماذا يريد كل من الدكتور الخشت والدكتور الطيب من تجديد الخطاب، ونبدأ أولاً بتوضيح مفهوم تجديد الخطاب الديني عند الخشب.. في البداية، قال الخشت في كلمته إنه «من الضروري تجديد علم أصول الدين بالعودة إلى المنابع الصافية من القرآن، وما صح من السنة النبوية، التجديد، يقتضي طرق التفكير، وتغيير رؤية العالم، ويجب أن تقوم على رؤية عصرية للقرآن، بوصفه كتابًا إلهيًا يصلح لكل العصور والأزمنة».

هنا في هذه الكلمة يريد الخشت (مع حفظ الألقاب) تجديد علم أصول الدين بالعودة إلى المنابع الصافية للقرآن الكريم وما صح من السنة النبوية مباشرة دون وسيط من اجتهادات بشرية، لأن الدين في نظره اكتمل عندما قال الله تعالي "اليوم أكملت لكم دينكم".. إذن هنا الدين اكتمل وما جاء بعد ذلك هو يمثل اجتهادات بشرية تصيب وتخطئ والتراث .. من الخطأ أن نقع في الفخ التالي: البعض يقبل التراث كله والبعض يرفض التراث كله .. والدكتور الخشت هو ضد الموقفين لأن التراث صناعة بشرية توجد به عناصر حية وتوجد به عناصر ميتة، أو عناصر إيجابية وعناصر سلبية، وبالتالي المطلوب منا كما يري الخشت أن نصنع تراث جديد يلائم العصر ويلائم تغير الزمان والمكان، والنظر النقدي في التراث القديم ما صلح منه نأخذ به ومالم يصلح لا نأخذ به أو ندحضه .

وهنا ينادي الخشت بمفهوم التجاوز وهو مصطلح علمي يوجد في العلوم الإنسانية والاجتماعية، والتجاوز في نظر الخشت يعني أن كل العناصر المتناقضة والمتصارعة يمكن النظر فيها من خلال العمل علي مركب جديد مختلف عن العناصر مثل التفاعلات التامة في علم الكيمياء؛ وهنا يريد الخشت أن يقول لنا أن التراث من الخطأ أن نقدسه ومن الخطأ أن نهينه.

ثم يؤكد الخشت علي نقطة مهمة وهي أننا لن نستطيع أن نأت بخطاب ديني جديد إلا إذا غيرنا منهجيات وأسس الدراسات الدينية، فهناك خلط بين المقدس والبشرى، وهناك علم تفسير قديم يقوم على صحة وصواب الرأي الواحد، بينما القرآن يتسع لمعان عديدة ومتعددة كلها تحتمل الصواب وكلها ممكنة التنفيذ لابد من دراسات جديدة تتخلص من سيادة العقائد الأشعرية وتكوين رؤية جديدة للعالم، ولابد التمييز بين درجات الأحاديث الآحاد والمتواترة فلابد أن نفتح المجال للعلوم الإنسانية الحديثة.

ولم يكتف الخشت بذلك بل يعلن بصريح العبارة أن جميع الإصلاحيين المعاصرين بشأن الخطاب الدينى لم يقوموا بالعودة إلى الكتاب فى نقائه الأول.. بل عادوا إلى المنظومة التفسيرية التى أنتجتها ظروف سياسية واجتماعية واقتصادية لعصور غير عصورنا.. واعتبروا أن كل الكتب القديمة هى كتب مقدسة.. وهى تمثل المرجعية النهائية فى فهم الدين.. مع أنها فى النهاية عمل بشرى.. وتجديد الخطاب الدينى لا يمكن أن يأتى من المؤسسات الدينية الكلاسيكية فى أية بقعة من العالم، إلا إذا كانت لديها القدرة على التخارج والتعلم من دائرة معرفية أخرى.. كما أنه لا يمكن تأسيس خطاب دينى جديد دون تكوين عقل دينى جديد.. وإن من أهم الشروط لتكوين عقل دينى جديد: إصلاح طريقة التفكير، وفتح العقول المغلقة وتغيير طريقة المتعصبين فى التفكير، والعمل على تغيير رؤية العالم وتجديد فهم العقائد فى الأديان ونقد العقائد الأشعرية والاعتزالية وغيرها من عقائد المذاهب القديمة.

وثمة نقطة مهمة يؤكد عليها الخشت وهي أنه لابد من تأسيس خطاب دينى جديد، وليس تجديد الخطاب الدينى التقليدي.. وإن تجديد الخطاب الديني عملية أشبه ما تكون بترميم بناء قديم، والأجدى هو إقامة بناء جديد بمفاهيم جديدة ولغة جديدة ومفردات جديدة إذا أردنا أن نقرع أبواب عصر دينى جديد.

إن تأسيس عصر دينى جديد في نظر الخشت يقتضى تكوين «مرجعيات جديدة» فى فقه جديد وتفسير جديد وعلم حديث جديد، ولن يحدث هذا إلا إذا تعددت وتنوعت مصادر المعرفة، إن التجديد من داخل العلوم الشرعية غير ممكن، لأنه سوف يجعلنا نقع فى حالة من الاجترار الذاتي، ومن ثمَّ نعود دومًا إلى نقطة الصفر، ولذا من الضروري فتح الباب لدخول عناصر جديدة حتى يتفاعل القديم منها مع الجديد.

هذا هو باختصار شديد مفهوم تجديد الخطاب الديني عند الدكتور الخشت، وننتقل عن مفهوم الخطاب الديني عند الإمام الأكبر أحمد الطيب، وهذا المفهوم اسمحي لي عزيزي القارئ أن أوضحه وأستوضحه من خلال المداخلة التي كانت بينه وبين الدكتور الخشت في اليوم الثاني من المؤتمر، وذلك في النقاط التالية والتي قالها فضيلة الإمام بصريح العبارة:

أولاً : يقول : إن هذا التراث الذى نهون من شأنه اليوم حمل مجموعة من القبائل العربية التى كانت متناحرة ولا تعرف يمينا من شمال فى ظرف 80 عاما إلى أن يضعوا قدمهم فى الأندلس وقدمهم الأخرى فى الصين لأنهم وضعوا أيديهم على مواطن القوة .. وإن هذا التراث خلق أمة كاملة وتعايش مع التاريخ .. وإن تصوير التراث بأنه كان شيئا يورث الضعف ويورث التراجع هو مزايدة على التراث .

ثانياً:  يقول: إن مقولة التجديد مقولة تراثية وليست مقولة حداثية وهى موجودة فى كتب التراث والحداثيون يصدعوننا بهذا الكلام وهو مزايدة منهم لا أصل لها.. وإنها لحرب بين التراث والحداثة شيء مصنوع صنعا لتفويت الفرص علينا (المسلمين).. وإن هناك ماكينة خبيثة تدير نمط التفكير لدينا.

ثالثأً: يقول: إن الفتنة التى حدثت بين الصحابة هى فتنة سياسية وليست دينية.. وإن السياسيين يختطفون الدين ليحققوا به أغراضا ومصالح شخصية تنأى عنها الدين.. وأن السياسة تختطف الدين اختطافًا فى الشرق والغرب حينما يريدون أن يحققوا غرضا لا يرضاه الدين.. وهذا ما حدث فى حرب الـ 30عاما والحروب الصليبية.. وما مبررات الكيان الصهيونى لكى يبقى فى بلاد الآخرين غير نصوص دينية فى التوراة يحرفونها ويزيفونها.

رابعاً: يقول: كل فترة نعقد (يعنى الأزهر) مؤتمرات وندوات نحاول فيها أن نبرهن أن الإسلام من الإرهاب براء، والإرهاب ليس من الإسلام، والكل يعلم هذا، فأصبحنا نُتهم ونحن من هذا كله براء.. وهذه معركة وعي.. ولسنا (أى الأزهر أيضا) بحاجة لندافع عن أنفسنا.

خامساً: يقول: إن إهمال التراث بأكمله ليس تجديدًا وإنما إهمال، مشيرًا إلى أن الأشاعرة لا يقوم منهجهم على أحاديث الآحاد، ويعتمدون على الأحاديث المتواتر، مشيرًا إلى أن التراث حمله مجموعة من القبائل العربية القديمة الذين وضعوا أيديهم على مواطن القوة والتاريخ. سادسا: يقول: إن إهمال التراث بأكمله كارثة، والأشاعرة لا يقيمون منهجهم على أحاديث الأحاد، ولكن يعتمدون على الأحاديث المتواترة.

سابعا: يقول:  إن التراث حمله مجموعة من القبائل العربية القديمة الذين وضعوا ايديهم على مواطن القوة والتاريخ، وأن العالم الإسلامي كانت تسيره تشاريع العلوم الإسلامية قبل الحملات الفرنسية.. وأن توصيف التراث بأنه يورث الضعف والتراجع فهذا مزايدة على الإراث، وأن مقولة التجديد مقولة تراثية وليست حداثية، موضحا أن الفتنة التي نعيشها الآن هي فتنة سياسية وليست تراثية، وأن السياسة تخطف الدين اختطافا حينما يريد أهلها أن يحققوا هدفا مخالفا للدين كما حصل في الحروب الصلبية وغيرها.

هذا هو باختصار موقف فضيلة الإمام من تجديد الخطاب الديني من خلال أقوله التي ذكرها في المؤتمر... ولا شك في أن المناظرة الحوارية التي دارت بين فضيلة الامام، والدكتور الخشت خلال المؤتمر الأزهر العالمي للتجديد في الفكر والعلوم الإسلامية، قد أثارت جدلًا كبيرًا في الشارع المصري والساحة السياسية من خلال مواقع التواصل الاجتماعي بكافة أشكالها .. وفتحت الباب للخلاف الجدلي بين الحداثة والتراث الذي كان وما زال حديث كل العصور مثار خلاف العلماء، فمع مطالبة البعض بالتجديد وتنقية التراث من السموم ومصطلحات العنف والمفاهيم المغلوطة التي تروجها الجماعات الارهابية.. يرى آخرون أن الهجوم على التراث غير مبرر ويدعو للتخلي عن الهوية التي هي أساس التقدم، فضلًا عن أن التراث الإسلامي ليس تراثًا تصادميًا ويعمل على تقبل كافة الآراء ولا يستطيع أي إنسان ينتمي إلى الإسلام أن يغلق باب الحوار.

كما رأي آخرون أن المناظرة تؤكد أن الازهر لن يقبل أي رؤية مخالفة لتوجهاته وأنه ليس مع تجديد الخطاب الديني، والإساءة لمن يهاجم التراث... أما آخرون فقد أكد أن ما حدث ليست مبارزة أو مناظرة، ولكن هي مداخلة لا أكثر وأقل

هذا تلخيص ما حدث ولذلك أؤيد الأستاذ "مجدي سرحان" في مقاله (لله وللوطن بين الخشت والطيب والمنشور جريدة الوفد) حين أكد أن الذي دار بين فضيلة الإمام والدكتور الخشت في المؤتمر يمكن اعتباره خلافا حول "أجندة تجديد الخطاب الديني" وليس حول الهدف.. ولا نجد فيما قاله العالمان الجليلان أى غضاضة.. الدكتور الخشت يرفض فكرة "التجديد" ويدعو إلى "تأسيس جديد".. بينما ينبه الدكتور الطيب إلى خطأ اعتبار أن أزمة الفكر الدينى هى "أزمة تراثية"، لكنها أزمة خلط بين الدين والسياسة.. وهو ما عبر عنه بقوله: "إن السياسة تختطف الدين اختطافا".. وهو بذلك يدعو إلى ما يمكن اعتباره "تجديد الفكر السياسي" بالتوازى مع تجديد الفكر الدينى الذى يجب أن يُبنى على ما سبق تأسيسه بالفعل من تراث دون تشويه أو مزايدة على التراث.. لأن كتب التراث نفسها تتبنى فكرة التجديد وتدعو إليه... هل ترى فيما قاله الرجلان خطأ أو تجاوزا أو افتراء على الدين والعلم؟.. لا أعتقد ذلك (وذلك حسب قول مجدي سرحان : لله وللوطن بين الخشت والطيب في جريدة الوفد).

هذا من ناحية ومن ناحية أخري فإننا لا نريد أن يخرج الحوار الذي دار بين فضيلة الإمام والدكتور الخشت عن سياقه، ونحوِّله إلى معركة ينتصر فيها فريق لشيخ الأزهر، وفريق مع رئيس الجامعة، فالرجلان عالمان جليلان يقدر كل واحد منهما الآخر، ولقد سمعنا من رئيس جامعة القاهرة أثناء كلمته أعظم الإشادة بالأزهر وإمامه، كما أنه هو الذي عرض على من يخالفه في الرأي أن يبدي رأيه وهذا شأن العلماء الثقاة الذين يؤمنون بالرأي والرأي الآخر.

كما لا ننسي أن هناك علاقة حميمة بين فضيلة الإمام الأكبر والدكتور الخشت، وهذه العلاقة لا بد من أن تتضمن في ثناياها بعض المناوشات العلمية، وهذا أمر مقدر بين العلماء، وهو يقوم على قاعدة: أن الخلاف في الرأي لا يفسد للود قضية، فنرجو من أهل الفتن عدم الصيد في الماء العكر، وإذكاء نار الخصومات بين مؤسسات الوطن، والانشغال بها عن القضايا الكبرى والخطيرة التي من أجلها عقد المؤتمر، ولابد لنا أن نتعود على الاختلاف في الرأي فهذا منهج إسلامي أصيل سار عليه السلف والخلف، وفي إطاره نحافظ على علاقات الود والرحمة التي يجب أن تسود بيننا، وأن لا نسلم لهؤلاء المتطرفين المتشددين ورقة يتلاعبون من خلالها بعقول الشباب، ليقولوا لهم هاكم انظروا: كيف أن علماءكم يختلفون فيما بينهم، ونحن الذين بفكرنا نعصمكم من هذه الخلافات... فنرجوا من أصحاب العقول الرشيدة ألا يضيعوا ثمار هذا المؤتمر (وذلك حسب كلام أستاذنا الأستاذ الدكتور غانم السعيد أستاذ الأدب والنقد بجامعة الأزهر).

وفي ختام هذا المقال أقول وبلا أدني شك بأن كل من فضيلة الإمام الأكبر أحمد الطيب والدكتور الخشت كانا مجددان ولم يكونا مقلدان بأي وجه من وجوه التقليد. والمجدد ينظر إلى الأمام، والمقلد ينظر للخلف والعياذ بالله، المجدد يمثل النور، والمقلد يمثل الظلام، ألم يقل الفيلسوف ابن سينا في دعائه إلى الله تعالى: فالق ظلمة العدم بنور الوجود. ومن حكمة الله تعالى أنه خلق عيوننا في مقدمة أدمغتنا، ولم يوجدها في مؤخرة الأدمغة.... تحية طيبة مني لهما.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

مجدي ابراهيمالوصول إلى مقام الإمامة ليس سهلاً، ولا هو بالمتاح لأهل العزائم والقدرات، فهم فيما بينهم قد يتميزون، بيد أنهم مهما تميزوا وامتازوا على غيرهم من الناس لن يصلوا إلى مقام الإمامة جملة وتفصيلاً؛ فهذا المقام العلوي الأكرم، لن ينال  بمجرّد الامتياز وكفى، ولا بمجرد الكفاءة والاكتساب، ولكنه ينال .. فكيف ينال؟ إنه لينال بمواهب التوفيق، حتى إذا ما فقدنا مع وجود الامتياز والكفاءة والاكتساب مواهب التوفيق؛ فقدنا تباعاً مقام الإمامة. وإذا اقتصرنا على مواهب التوفيق فقط مجرّدة عن جهود الكفاءة والاكتساب وعلامات التفرد والامتياز لم يصبح مقام الإمامة خاصاً بالإفراد العاديين، بل هو مخصوص بالأنبياء وما دونهم من الأولياء، وهذه مما لا ريب فيه ليست درجة تتوافر في كل الناس، بمقدار خصوصها لنوع من البشر اصطفاهم الله لرسالته ثم عصمهم (= الأنبياء)، أو تولاهم برعايته وعنايته ثم حفظهم (= الأولياء).

ولستُ أعنى هاهنا أن الأنبياء محرومون من جهود الكفاءة وقدرات الاكتساب وعلامات التفرُّد والامتياز من الوجهة الإنسانية خاصة وخالصة؛ وإنما أعني فقط أن علومهم ومباعث سلوكهم محاطة بمواهب التوفيق الإلهي، وبالعناية الرَّبانيَّة إحاطة تامة وشاملة شاءها الله لهم كيفما شاء وحيثما شاء. في حين قد تعتمد "الإمامة" جهود الكفاءة وقدرات الاكتساب بدايةً وقبل كل شيء استعداداَ خالصاً، وهى مع ذلك لا تخلو من فيض الموهبة وعطاءات التوفيق.

لكن النسبة هنا جزئية متفاوتة، بينما النسبة هناك في حالة الأنبياء أو ما دونهم من الأولياء كلية عامة مغمورة في جملتها بالفضل الإلهي على دَيْدَنِ الاصطفاء. فإذا كان مقام "النبوَّة" مخصوصاً بالرعاية الإلهية الاصطفائية : في التربية والتأديب، والوحي، والتلقين، والتبليغ، وهو في الوقت نفسه محاط بمواهب التوفيق في جميع أركانه الوجودية؛ فمقام "الإمامة" قريب من هذا المقام : من حيث خصوصية الموهبة وخصوصية التوفيق الإلهيين، وكلاهما "الموهبة" و"التوفيق" يستقيان من معدن الفضل الإلهي وفيض القدرة، ولكن بدرجات متفاوتة، وبنسب واعتبارات متباينة يعلمها الله وحده دوناً عن سواه.

أما عنايتُنا نحن بمقام "الإمامة" هنا؛ فمقصورة على ما فيه من امتزاج الخصائص الإنسانية العليا في : التربية، والأدب، والتفكير، والمنهج، والتبليغ؛ بخصوصية التوفيق الإلهي حتى لا تكاد تفصل في شخص الإمام بين الموهبة الإلهية وعطاءات الفضل الإلهي من جهة، وبين الخصال الإنسانية مجتمعة في أصل عنصرها الرفيع من جهة ثانية.

وشيخنا الأستاذ الإمام" محمد عبده" الذي توفاه الله وعمره لم يتجاوز الثانية والخمسين، ملأ الدنيا وشغل الناس لمّا اجتمعت فيه الصفتان : صفة الإمامة، وصفة الحكمة، وبقى في العقول والقلوب ولا يزال باقياً مادامت هنالك قيمٌ فيهما باقية : أخلص لفكره إخلاص الصادقين، ونصر الإسلام نصرة المجاهدين، وأحب أن يرى دين الله متجسداً في الناس سلوكاً وحياة، ينبعث من القلوب والضمائر لا من الألسنة والشفاه؛ فليس الدين لديه مجرد ألفاظ تلوكها الألسنة لا تتجاوز في الغالب أشداق العباد ولا تدل - إنْ هى دَلَّتْ - عليها حركة الحياة، ولكنه انبعاث ضمائر تتصل بالله في السرِّ والعلن، وفى الخفاء والظهور : الدينٌ معاملةٌ وحياة.

ملأ الدنيا شرقاً وغرباً، وتفاخر به الأوربيون قبل العرب، فصادقوه حين وجدوا عنده من وفير الصدق وشديد الإخلاص ما من شـأنه أن يعينهم على نشدان الحقيقة يعرفونها، فيطلبونها فيما تجسُّدت أو كادت في طلاّبها والقادرين عليها؛ لأنه كان - طيَّبَ الله ثراه - "رجل حقيقة" غير منازع، يحب الحقيقة في الإنسان على التعميم أياً كان وأينما كان بلا تفرقة ولا تخصيص.

رأيتُ بنفسي رسالات متبادلة بينه وبين الأديب الروسي "تولستوي" وقرأتها، فشغفتُ بتقدير الأجانب لهذا الفيلسوف الحكيم، إنهم يطلقون عليه "الفيلسوف الحكيم"، الفيلسوف الحكيم, هكذا على الإطلاق. وبكل ما تحمله الكلمة من ظلال فلسفية خالصة، فإذا كان لقب "الأستاذ الإمام" هو اللقب الذي أطلقه لأوّل مرة السيد رشيد رضا منشئ "المنار" على الشيخ محمد عبده، فلقب "الفيلسوف الحكيم" هو اللقب الذي أطلقه عليه الأديب الروسي "تولستوي".

والعقل الغربي حين يُطلق هذه الكلمة على أحد لا يُطلقها جُزَافاً ولا اعتباطاً ولكنه يطلقها عن "وعى" بما يقول؛ فمحبة الشيخ محمد عبده للحكمة وللفلسفة، جعلت منه على امتداد الاهتمام بعطايا النظر والتفكير، إنْ في تأملات الحكماء أو في تصورات الفلاسفة، فيلسوفاً وحكيماً على الحقيقية. هذا الاهتمام ينطلق لديه من تقدير الحقيقة، لأنه على الحقيقة "رجل الحقيقة" غير منازع، ولا ينطلق من فراغ المقلِّدين مجرَّد التقليد الذي لا يسمو قيد أنملة إلى رُقى النظر أو رُقى العمل سواء بسواء. العقل الغربي الذي مثَّله طائفة من المستشرقين وبعض السياسيين والباحثين الأوروبيين، سواء منهم الذين كتبوا عن الشيخ محمد عبده بالتفصيل أو أشار إليهم هو في ردوده عليهم، أو كتبوا عنه في إيجاز وبإعجاب تارة, أو بدفع شُبُهات لها مساسٌ بالإسلام وعقائده أوردها عنهم هو في تعليقاته ومناقشاته لهم تارة أخرى. هذا العقل الغربي الذي مثله  "ماكس هُرْتن " و"شارل آدمز"  و"شاخت" و"جولد تسيهر" و"جب" و"لالاند" و"جومييه" و"هربرت سبنسر" و"هانوتو" و"رينان" و"تولستوي" و"إدوارد براون" و"اللورد كرومر" و"السير مالكوم مكاريث" الذي كان مستشاراً للحقانية في مصر.

هذه العقول الغربية المتميزة كان تقديرها في الغالب لرجل الحقيقة صادراً عن إثارة ما في عقولهم من مكامن الحقيقة، لكأنما الرجل الحكيم كان مسّ نوازع إنسانية مشتركة بين الشرق والغرب، بمقدار ما وجدت لديه بواعث نهضوية وحضارية تعلو فوق التعصب والتقوقع والانغلاق، بواعث تدرك عمومية الوعي الإنساني فيما لو كان متجّرداً عن التقليد الأعمى والتعصب الممقوت.

ولما كان الأوروبيون المنصفون منهم يقدرون العقل الإنساني أكثر مما نقدّره نحن العرب؛ أعنى المنغلقين منا والمقلدين، ويعرفون قيمة "الوعي" إذا هى ارتفعت عند إنسان : يحترمون المعرفة ولا يسخرون من العرفان لا لشيء إلا لأنهم أرباب وعي مستنير وأهل بصائر مفتوحة؛ صار مجرد ذكر الشيخ "محمد عبده" لديهم ذكراً للفيلسوف الحكيم؛ "رجل الحقيقة" تجسّدت فيه كل الخصائص الإنسانية العليا والمعاني السامية : فكره وثقافته وتديّنه العميق وأخلاقه الكريمة وسجاياه الطيبة؛ كل خصائص الإنسان العليا مجتمعه تنضاف عن استحقاق وجدارة إلى الأستاذ الإمام؛ وكأنها خُلقت لأجله لتتجسَّد فيه !

كان أوفى تحليل وأدقّه لمثل هذه الشخصيات الكبيرة والمؤثِّرة هو التحليل الذي قدَّمه عالم الاجتماع الألماني "ماكس فيبر" Max Weber المتوفى سنة 1920م، والذي كان يصف مثل هذه الشخصيات الكبيرة بالكاريزما (charisma)؛ وكلمة الكاريزما تعنى الموهبة الإلهية، وهى كلمة يونانية معناها "النعمة"، ويقصد بها "فيبر" ذلك السحر الخاص من السمو الفردي الذي يمكن أن يَتَحَصَّل عليه الفرد في مجتمع بعينه من فعل الجاذبية الشخصية والتأثير المغناطيسي؛ وقياساً على تحليل "فيبر" يمكن القول بأن الأستاذ الإمام كان يتمتع بشخصية " كاريزمية " ساحرة على الصعيدين : صعيد المكانة الاجتماعية والسياسية، وصعيد المكانة الفكرية والثقافية.

لو أننا قمنا بمسح شامل للكتابات المستفيضة التي كُتبت عنه في العالم العربي فقط، لتأكد لدينا هذا الزعم ولثبُتت أمامنا جاذبيته الشخصية ومؤثراته الفردية على المستوى الاجتماعي والسياسي، ثم ثبٌتت لدينا كذلك إشعاعاته الروحية والفكرية المُفَاضَة وهباً من عند الله؛ فهو في نظر الأستاذ عباس محمود العقاد عبقري الإصلاح والتعليم، وهو عند الدكتور عثمان أمين رائد الفكر المصري؛ فلئن كان "محمد عبده" قد أصبح في عداد الماضي المجيد؛ فإن منزلته لا تزال تقع في تلك الدائرة المضيئة :" دائرة المجد الحق الذي يبقى بعد هدوء العواصف وخلو النفوس من ثوران الحقد وانفعال الإعجاب" (رائد الفكر المصري : الإمام محمد عبده؛ طبعة المجلس الأعلى للثقافة؛ ص13).

فإذا أضفنا إلى اتجاه العقاد وعثمان أمين الروحي؛ اتجاهات أخرى عقلية وأدبية، اجتماعية وإصلاحية، سواء كانوا من المصريين والعرب أو من الترك والفرس، استطعنا في الوقت نفسه إكبار المكانة التي توصل إليها الشيخ محمد عبده، والتي أحتلها في قلوب وعقول كل هؤلاء جميعاً : مصطفى عبد الرازق، وأحمد أمين، ومحمد حسين هيكل، وقاسم أمين، وسعد زغلول، ومصطفى المراغي، وأحمد لطفي السيد، ومحمد بخيت المطيعي، ومنصور فهمى، وحافظ إبراهيم، وعبد الرحمن بدوى، وأحمد مختار باشا الغازي، وعبد الله جودت، وذكاء الملك الإيراني، وطاهر بن عاشور التونسي، وعبد الرحمن الكواكبي، ويعقوب صرّوف، ومحمد بن الخوجة التونسي، وإبراهيم اليازجى، ونعوم أفندي لبكى، ومحمد الجعايبى التونسي، والدكتور أبو العلا عفيفي، والدكتور زكي نجيب محمود، والدكتور على سامي النشار، والدكتور إبراهيم بيومي مدكور, والشيخ محمد شاكر التونسي، ومحمد بن عقيل، وجورجي زيدان، ومحمد طلعت حرب، وعبد العزيز نظمى، وأحمد فتحي زغلول، وشكيب أرسلان، وفرح أنطون .. وغيرهم, وغيرهم, ممّا لو تتبعناه لطال بنا المقام.

صحيحٌ أن هناك قادحين مِنا طعنوا في شخصه بمقدار ما طعنوا في صحيح الإسلام أو يزيد، لكن هذا الطعن الذي لا يقوم عليه دليل، إنْ هو إلا مُجرَّد هوى ينزع إلى التعصب وخُلق وضيع يصدر عن لئام. ومهما قيل في شأنه من أولئك  القادحين؛ فإن الذين أشادوا بفضله لا يمكن حصرهم ولا حصر القيمة العليا الرفيعة التي من أجلها ذكروا في فخر وإعجاب مناقبه وأفضاله. يكفي أن يذكر "جرمان مارتان"؛ الكاتب الفرنسي إنه قال عنه إنه كان رجلاً قادراً على أن يظل متمسكاً بعري دين يكفل للناس حياة سعيدة آمنة؛ لأنه دين البساطة والتسليم، وكان قادراً كذلك على إدراك النفع في ثقافة وحضارة أوفر حيوية وأجزل نشاطاً، وأدعى إلى بذل جهد متواصل، واتخاذ منهج منطقي في جميع أفعال الحياة لبلوغ غاية نافعة". هذا وقد وصفه المستشرق الأمريكي "د. ب . ماكدونالد" بقوله : " كان محمد عبده فلاحاً صميماً، وليد تربة مصر العريقة، قبل أن يغدو مفتياً، وإماماً للمسلمين. وإننا لنلمح في إخلاصه لهذه التربة، وفي دعوته إلى الوطنية؛.... نلمح مزاجاً عجيباً من الوفاء للماضي المجيد والاستمساك بيقين الدين، والولاء لوطنية الفلاح".

فتلك على بسطتها شخصية الإمام "محمد عبده" التي صنعت حياته. وهى حياة متعددة الجوانب كما تقدَّم، بعيدة الأغوار، حياة متسقة وإنْ تكن متجددة، حياة مفعمة بأنقى وأصدق فضيلة : فضيلة البذل والعطاء  (عثمان أمين : الإمام محمد عبده : ص 56).

أعود فأقول: كم من حديثٍ جرى بينه وبين أحد هؤلاء المبرَّزين من الغربيين، فكان مثالاً لتقدير عقل لعقل، وفكر لفكر، وشعور لشعور، وبيان لبيان. حقاً ! إن الفكرة الصادقة المخلصة متى صدرت عن وعى العقل المفكر صادفت تقديراً ممَّن يعي، وممَّن يفكر، وممَّن يخدم بإخلاص عالم الرأي والتفكير. وكم من جدالٍ أثاره الشيخ الإمام في البيئة العربية فوجد عقولاً معوجَّة تتأوّل الرأي كيما لا تفهمه؛ لا بل هى أبعد ما تكون عن التأويل، بيد أنها لا تتصف بشيء سوى كونها بعيدة عن الفهم والتفهم وكفى، ناهيك عمّا وجده كذلك من نفوس ملوَّثة تجرَّها آفات الضغائن وأوساخ الأحقاد إلى ما لا يليق مطلقاً بالآدميين .. ثم ماذا؟ ثم قلوبُ مطموسة خاوية لا تحمل إلا ما تكنّه دوماً وتفكّر فيه : الحقد والحسد والضغينة وشعور البغضاء ومما لا حصر له من سواد الضمائر والقلوب.

ذهبوا أولئك جميعاً إلى "العار والازدراء الأبدي"، وبقى محمد عبده في قلوبنا وعقولنا حياً محبوباً، وحقيقاً على الدوام بالمحبة المتجددة والحياة الصافية. إن الذين جمدوا على التقليد والتخلٌّف والرجعية كانوا في رأى الأستاذ أخطر خلق الله على الإسلام؛ لأنهم حجّروا الدين وفق ما يتصوّرون وأغلقوه على ما يفهمون منه وكفى. وكفى بهذه الضلالة طعناً في الدين من أقرب طريق. الدين الذي جاء ليرفع شعار الحرية والتّحرُّر يصبح من فوره على ألسنتهم ليس إلا دعوة للتخلَّف والرجعية والجمود على القديم.

الدين الذي جاء بالتسامح مع الآخر ينقلبُ لديهم إلى عنف وإرهاب! ولكن الذين ينسون دين الله، ويذكرون ما لأنفسهم من دين، فيقدِّسون أنفسهم ولا يعرفون تقديساً لشيء غيرها، هم وحدهم فقط أولى بالمحاربة والهجوم وانتفاضة الإصلاح.

وفي ظل ظروف عفنة آسنة، وتقليد يمنع حرية الفكر ويقيد خطاباتها بمقولات واهية، فليس ثمة اجتهاد على الإطلاق، نحتاج اليوم إلى عودة محمد عبده، ما دامت فينا عقلية "الشيخ عليش" العدو اللدود لأكبر مصلح تجديدي عرفته البلاد الشرقية إذ ذاك، فلا زالت عقلية الشيخ عليش تسود قطاعات كبيرة في مؤسساتنا، وتطعن في فريضه الإصلاح بمقدار ما تفسد مقومات التجديد.

في أخريات حياته قال الإمام محمد عبده حاكياً عن نفسه :" أرتفع صوتي بالدعوة إلى أمرين عظيمين الأول : تحرير الفكر من قيد التقليد؛ وفهم الدين على طريقة سلف الأمة قبل ظهور الخلاف، والرجوع في كسب معارفه إلى ينابيعها الأولى، واعتباره ضمن موازين العقل البشري؛ وأنه على هذا الوجه يعد صديقاً للعلم، باعثاً على البحث في الكون، داعياً إلى احترام الحقائق الثابتة، مطالباً بالتعويل عليها في أدب النفس واصلاح العمل.

كل هذا أعدّه أمراً واحداً. وقد خالفتُ في الدعوة إليه رأي الفئتين العظيمتين اللتين يتركب منهما جسم الأمة : طلاب علوم الدين ومن على شاكلتهم، وطلاب فنون هذا العصر ومن هو في ناحيتهم. أما الأمر الثاني فهو إصلاح أساليب اللغة العربية في التحرير، سواء كانت في المخاطيات الرسمية بين دواوين الكومة ومصالحها أو فيما تنشره الجرائد على الكافة، منشأ ومترجماً من لغات أخرى أو في المراسلات بين الناس".

هذه المنهجية ولا شك هى أساس كل نزعة إصلاحية تجديدية تأخذ بها العقول المفكرة، وتضيف عليها فيما لو شاءت، وترفضها العقول البليدة المتحجرة ولا تقبل منها المساس بما عساه أن يوقظ فيها صحوة العقل وانفتاحه على المعارف الأخرى.

(وللحديث بقيّة)

 

بقلم د. مجدي إبراهيم

 

مادونا عسكرالاطمئنان سرّ من أسرار الحبّ الكبيرة لا يصله الكلّ ولا يبلغه إلّا من اتّحد بالعالم العلويّ، فأصبح هذا العالم بالنّسبة له غير موجود أو غير مرئيّ أو لا يعنيه بشكل من الأشكال. والاطمئنان سرّ محجوب عن أؤلئك الّذين لا يتأمّلون بالحبّ نفسه كقوّة خالقة ومحيية. بل يقفون عند حافّة العاطفة المتقلّبة والواقع المربك.

بالنّظر إلى حالة المتصوّفة وعمق تفاعلهم مع العالم العلويّ نكتشف أنّ الاطمئنان هو العنصر الأهم في علاقتهم مع الله. فلم نقرأ عن متصوّف أربكه واقع مرير أو ألم أو كارثة، وإنّما نراهم مطمئنّين حيال أيّ واقع مهما اشتدّت قسوته. وما هذا الاطمئنان إلّا حضورهم في الدّائرة الإلهيّة وإن ما برحوا في هذا العالم. هم مأخوذون إلى أبعد حدّ بالنّور والجمال الإلهيّ حسّيّاً وروحيّاً، فيمسي التّعاطي مع الحياة اليوميّة ومع الواقع انطلاقاً من النّور والجمال.

لكنّ هذا الانجذاب لا يمنع الإنسان من خوض غمار الحياة، وهو على غير ما يُظنّ أنّ المتصوّف المنشغل بما فوق يهمل الحياة. وإنّما بدافع الاطمئنان يسير قدماً ويحتمل تلقائيّاً واقعه ومشاكله المختلفة، لأنّه متيقّن أنّ كلّ الأمور تعمل للخير الّذي يريده الله. وفي هذا القول التباس عند الّذين لم يصلوا إلى الاطمئنان السّرّ، لأنّهم يعتقدون أنّ الله يدير واقعهم بما يحمل من خير وشرّ، في حين أنّ الواقع بما يحمل من خير وشرّ غير متعلّق بالإرادة الإلهيّة، وإلّا أصبح الإنسان مجرّد دمية في يدّ الله يحرّكها كيفما يشاء. وإذا ثبت أنّ الله يتحكّم بالإنسان ويستعبده فما معنى حضوره؟ وما الحاجة إليه؟ ذاك لا يعني أنّ الله منفصل عن الواقع الإنسانيّ، وإنّما مراد القول إنّ حضور الله في الوجود بأسره غير معنيّ بما ينتج عن التّفكير الإنسانيّ. فإذا اعتبر الإنسان أنّ الله يخلق واقع الخير والشّرّ عبّر عن تناقض في الإرادة الإلهيّة بل كوّن فكرة مغايرة عن الله، لأنّه أسقط عليه فهماً بشريّاً بحتاًـ فأعاد كلّ غموض أو عدم دراية في إدارة الواقع إلى إرادة الله في ذلك. ما يخلق استسلاماً مقيتاً يدفع الإنسان إلى الغرق والإذعان للواقع بحجّة الإرادة الإلهيّة. وأمّا الاطمئنان فهو الثّقة بأنّ الله الحبّ يدبّر كلّ شيء. وهذه الثّقة بالتّدبير الإلهيّ تعزيز للإرادة الإنسانيّة المعتمدة على الحبّ كقوّة تنير العقل وتكوّن لديه القدرة على مواجهة أي واقع بحكمة واتّزان. فالّذي وصل إلى حالة الاطمئنان يعلم أنّ هذه الحياة مرحلة ضروريّة يتعرّف فيها على الحبّ الإلهيّ ويتأمّله ويرتبط به ليكون في حالة حياة مع الله منذ الآن. وبالتّالي فمهما كان الواقع كارثيّاً ومؤلماً، يبقى الاهتمام بما فوق والاطمئنان السّرّ عاملين أساسيّين لما نسمّيه احتمالاً. بيد أنّه عند المطمئنّ ليس احتمالاً بالمعنى البشريّ الحسّيّ، بل هو اطمئنان إلهيّ في الدّاخل الإنسانيّ. فقوّة الحبّ المتجذّرة في العمق الإنسانيّ تمنح الإنسان قدرة على رؤية الأمور بطريقة مختلفة، بعيداً عن ضجيج العقل وارتباك الرّوح.

الاطمئنان السّرّ يلغي من فكر المطمئن الكيف واللماذا، فالحضور الإلهيّ أقوى من البحث عن إجابات غير موجودة، وقوّة الحبّ الفاعلة عميقاً في قلب الإنسان تغنيه عن السّؤال بهدف عدم تضييع الوقت أو إهداره في أسئلة لا إجابات عليها. والفرق شاسع بين الاستغناء عن الأسئلة والتّوقف عن التّأمّل في سرّ الوجود وسرّ الحبّ الإلهيّ. فالأوّل وصول إلى نقطة اتّحاد بالحبّ الإلهيّ يحصل الإنسان من خلاله على إجابات داخليّة خاصة به، وأمّا الثّاني فاستسلام بفعل النّقمة على الواقع غير المفهوم.

الاطمئنان السّرّ يجيب بقوّة على السّؤال الّذي يشغل بال الإنسانيّة الماضية نحو المجهول: ماذا ينتظرنا؟ والجواب بسيط للمطمئنين؛ من ينجذب للحبّ يلقَ حضوره أينما كان.

 

مادونا عسكر/ لبنان

 

زهير الخويلديتقديم وترجمة وتعقيب:

د. زهير الخويلدي


تقديم: "التصرف بحيث تصبح الفلسفة ممكنة، أو حتى تظل مستمرة، يمكن القيام به في أماكن متعددة. وفي مناسبات مختلفة جدا." 1[1]

يرتبط تدريس الفلسفة في العالم بتوفر المناخ الديمقراطي في المجتمعات المتعددة والثقافات المتنوعة ويتوزع نحو اتجاهات متفرقة وممارسات مختلفة ولكنه يلتقي حول جملة من المناهج الضرورية والقيم الكونية ويستوجب إعطاء الفلسفة منزلة هامة في المنظومات التربوية والأنساق الثقافية لكي تقوم بدورها في تكوين المواطنين والمربين ونشر مبادئ التسامح والسلم والمدنية بين الشعوب بصورة شاملة وناجعة.

زد على ذلك تساهم الفلسفة بشكل أساسي في إيجاد أرضية متينة للتفاهم بين الناس من خلال إجراء تحليل عقلاني للمشاكل التي تعترضهم في الحياة اليومية عبر اعتماد خطاب حجاجي موزون ولغة حوارية دالة.

في الواقع يزداد الاهتمام بالتفكير الفلسفي بالقدر الذي تحترم فيه المؤسسة التعليمية هذه المادة المحورية وتشجع على تدريسها في المستويات المختلفة وتراهن عليها بغية الوعي بالمعارف العلمية ومواكبة تطور التقنيات والفنون والآداب وتدفع الناس إلى ممارسة التفكير الشخصي في القيم المناسبة للوضع البشري.

لقد أطلقت منظمة اليونسكو هذا البيان المساند للتفكير الفلسفي ووقع عليه قرابة ألفين شخص من مختلف أرجاء العالم بعد مناقشته بشكل مطول في شبكات من 66 دولة من أسيا وأوروبا الوسطى وأمريكا اللاتينية وافريقيا وضم عدة فلاسفة على غرار كواين ودريدا وكاستورياديس وقام برقن صياغته النهائية دوميت ودافيدسن:

" نحن المشاركون في الأيام الدولية "لتدريس الفلسفة والديمقراطية في العالم" التي نظمتها اليونسكو، والتي عقدت في باريس يومي 15 و 16 فبراير 1995،

دعونا نلاحظ أن المشاكل التي تتناولها الفلسفة هي تلك المتعلقة بحياة ووجود الناس الذين يتم اعتبارهم عالميًا،

نعتقد أن التفكير الفلسفي يمكن ويجب أن يساهم في فهم وإدارة الشؤون الإنسانية،

دعونا نأخذ في الاعتبار أن النشاط الفلسفي، الذي لا يسحب أي فكرة من النقاش الحر، الذي يسعى إلى تحديد التعريفات الدقيقة للمصطلحات المستخدمة، للتحقق من صحة الاستدلال، لدراسة حجج الآخرين بانتباه، يسمح لكل واحد بأن يتعلم التفكير بنفسه،

التأكيد على أن التعليم الفلسفي يعزز الانفتاح والمسؤولية المدنية والتفاهم والتسامح بين الأفراد وبين المجموعات،

نؤكد من جديد أن التعليم الفلسفي، من خلال تكوين عقول حرة ومفكرة قادرة على مقاومة أشكال مختلفة من الدعاية والتعصب والإقصاء واللاّتسامح، يساهم في السلام ويعد الجميع لتحمل المسؤولية في مواجهة أسئلة كبيرة معاصرة، وخاصة في ميدان الإيتيقا،

دعونا نحكم على أن تطور التفكير الفلسفي، في التعليم وفي الحياة الثقافية، يسهم بطريقة مهمة في تكوين المواطنين، من خلال ممارسة قدرتهم على الحكم، وعنصر أساسي في أي ديمقراطية،

لهذا السبب، من خلال الالتزام ببذل كل ما في وسعنا، في مؤسساتنا وبلداننا المعنية، لتحقيق هذه الأهداف، نعلن ما يلي:

يجب ضمان النشاط الفلسفي الحر في كل مكان، بجميع أشكاله وفي جميع الأماكن التي يمكن ممارستها فيها، لجميع الأفراد

يجب الحفاظ على التعليم الفلسفي أو توسيعه حيثما كان موجودًا، وخلقه في مكان غير موجود بعد، وتسمية "فلسفة" بشكل صريح

يجب توفير التعليم الفلسفي من قبل مدرسين أكفاء، مدربين خصيصًا لهذا الغرض، ولا يمكن أن يخضعوا لأي أمر اقتصادي أو تقني أو ديني أو سياسي أو إيديولوجي

في حين يبقى مستقلا، يجب أن يكون التعليم الفلسفي، حيثما أمكن، مرتبطًا بفعالية بالتدريب الجامعي أو المهني، في جميع المجالات

توزيع الكتب في متناول جمهور واسع، سواء بلغتهم أو بسعر البيع، وإنشاء برامج إذاعية أو تلفزيونية، وأشرطة صوتية أو فيديو، والاستخدام التعليمي لجميع الوسائل السمعية البصرية والكمبيوتر، يجب تشجيع إنشاء أماكن متعددة للحوار الحر، وجميع المبادرات التي من شأنها أن تتيح لأكبر عدد من الناس الوصول إلى فهم أولي للأسئلة والأساليب الفلسفية، من أجل تشكيل تعليم فلسفي للبالغين.

معرفة الانعكاسات الفلسفية للاختلافات الثقافية، ومقارنة مساهمات كل منها، وتحليل ما يجمعهم وما يعارضهم، يجب متابعتها ودعمها من قبل مؤسسات البحث والتعليم

لا يمكن للنشاط الفلسفي، باعتباره ممارسة حرة للتفكير، أن يعتبر أي حقيقة مكتسبة بشكل نهائي ويحرض على احترام قناعات كل واحد، لكن يجب ألا يقبل، بأي حال من الأحوال، تحت وطأة حرمان نفسه، العقائد التي تنكر حرية الآخرين، والاستخفاف بالكرامة الإنسانية وتوليد الهمجية "

تعقيب:

من الضروري العمل على نشر الثقافة الفلسفية والدفاع عن استقلالية التفكير الفلسفية والاعتناء بالهوية الفلسفية والتشجيع على البحث الحر والنقاش العلني وتبادل الخبرات الفلسفية بين الذوات والمؤسسات ولكن ثمة فرق جوهري بين المثال والواقع وبين التنظير والتطبيق وحال الفلسفة اليوم في عالمنا الراهن لا تسر ولا تبشر بخير وخاصة في ظل انتشار نظام التفاهة والصناعة الثقافية والعقلانية الحسابية وتفضيل التبسيط على التعقيد والمباشر على التوسط والمادي على المجرد والصورة على الفكرة، وعلى الرغم من توقيع بعض أساتذة الفلسفة من الجامعات المغاربية إلا أن واقع تدريس الفلسفة في العالم العربي في تراجع مستمر وأقسام الفلسفة في الجامعات تعاني من المزاحمة الموازية تحت عناوين مختلفة ولا يحصل المدرسون على كافة حقوقهم والمؤلفون في المجال الفلسفي هم بدورهم في عزلة عن القراء والجمهور الفلسفي في تقلص مستمر والكتاب الفلسفي نفسه محاصر تحت ذرائع تجارية واهية، فكيف يمكن للمشتغلين بالفلسفة أن يبدعوا ويغيروا الأوضاع ويقوموا بأدوار تنويرية وهم في وضع مأزوم؟ ألا يجدر أن يتجه تدريس الفلسفة في العالم العربي نحو توطين الثورة الثقافية وترسيخ القيم الديمقراطية؟

 

كاتب فلسفي

........................

المصدر:

1-Roger- Pol Droit, une déclaration, in « oui la philosophie », revue éthique esthétique, éditions cercle d’art, les amis de la Revue de l’Université de Bruxelles, 2005,pp07-08-09.

 

لم تكن النساء في الثقافة البشرية القديمة كلها الا كائناً ناقصا ومتاعاً يتمتع به الرجال ويلحق بهم ويتحكمون به كيفما ارادوا، هذه النظرة لم تتغير لقرون خلت ولازالت تمارس حضورها في المجتمعات المحافظة حتى الان رغم ان التغيرات بدأت مع بداية  القرن العشرين الذي شهد  تغيرا في الفكر الانساني نقل النساء الى المساواة في الدرجة الانسانية والحقوق الفردية بين الرجال والنساء. ووضعت القوانين لتحفظ للنساء حقوقهم لكن لازال العالم يراوح بين اعتماد نظرة المساواة والنكوص عنها بحسب استقرار الدول وقوانينها واوضاعها السياسية.

لم يكن الحط من شأن النساء سلوك العامة من الناس بل هو راي الفلاسفة ورجالات الحضارة البشرية منهم على سبيل المثال في الفلسفة اليونانية التي تسربت منها النظرة الدونية للنساء بعدها كائنا وضيعا ونفسا تتدنى بمراتب كبيرة عن مرتبة الانسان الاكمل وهو الرجل السيد وليس العبد، طبعا لان العبيد ايضا طبقة اقل من الرجال.

يؤكد سقراط (300 ق.م) ان المرأة مصدر كل شر وقد كان يحبس زوجته في المنزل ويحتقر عقلها وتفكيرها، ويرى ان من الافضل لها ان تكون دائما في المنزل ومن المشين ان يمكث الرجل مدة طويلة بجوار زوجته.

اما ارسطو (322ق.م)  فيعتقد ان الانحراف الاول ان يجيء النسل انثى بدل ان يكون ذكرا، يقرر ارسطو ان بعض الناس احرار بالطبيعة، وبعضهم عبيد بالطبيعة، وعموما فحالة الرق نافعة وعادلة للاثنين معا اما المراة فهي في مرتبة وسط بين الحر والعبد، والعبيد والنساء  كلاهما يتساويان في انهما موجودان لارضاء الرجل وخدمته.

اما العرب في الجاهلية فلم تختلف منزلة المرأة عندهم عنها في الثقافة اليونانية فالرجل هو الملك والمراة والعبيد املاكه الخاصة يتصرف بهم كيفما شاء. بل بلغ بهم الدرك من القسوة ان كانوا يودعون الرضع من الاناث التراب فيما عرف بالوأد خوفا من العار الذي يلحق بهم بسبب طبيعة حياتهم القائمة على الغزو وسبي النساء. حتى ظهور الاسلام في الجزيرة العربية انقطعت هذه العادة لنهي القران الكريم عنها (وكذلك زين لكثير من المشركين قتل اولادهم) الانعام:137.

وكلما ابتعد المسلمون عن عصر الرسالة  نجد للفلاسفة المسلمين نظرة مشابهة لمفهوم المرأة عند فلاسفة اليونان اذ يوافق كثير من فلاسفة المسلمين على ما اجمع عليه الفلاسفة اليونانيين من ان المراة مخلوق يجب ان يعامل معاملة خاصة تختلف عن بقية البشر  لانها اذا اعطيت الحرية تنقص من مكانة الرجل وتخدش رجولته. يؤكد ابن سينا (428 هجري) ان المرأة (فانها بالحقيقة واهية العقل مبادرة الى طاعة الهوى والغضب).  ويقول ايضا (ينبغي الا تكون المراة من اهل الكسب كالرجال، فلذلك يجب ان يسن لها ان تكفى من جهة الرجل، فيلزم الرجل نفقتها، لكن الرجل يجب ان يعوض من ذلك عوضا، وهو ان يملكها ولا تملكه).

ومثل ابن سينا ابو حامد الغزالي في كتابه احياء علوم الدين ينصح الرجل بالغلضة والشدة مع النساء لانه يرى ان فطرتهن فاسدة فيقول: (فيهن شر وفيهن ضعف). كما يقول: (كلما ينال الرجل من البلاء والهلاك والمحن فبسبب النساء).

وغيرها من الاراء المتطرفة التي استند عليها بعض مفسري القران الكريم وبعض الفقهاء وسنوا احكاما فقهية قاسية ضد النساء ووضعوهن في مرتبة الشر المطلق والمتاع المبتذل. 

لكن ماذا عن نساء الاندلس هل خضعن لهذه السياسة العامة والثقافة الرسمية المعترف بها في المؤسسة الدينية والاجتماعية ام كان لهن مسار اخر؟.

لو بدأنا بمقارنة المراة الحرة الاندلسية بالمراة الحرة المشرقية سنجد ان السيدة الاندلسية قد تقدمت قرينتها باشواط في جانب حريتها وارتيادها ميادين الحياة الاجتماعية، فالمراة في المشرق كانت حبيسة بيتها ومخادعها ولم يكن يسمح لها ان تختلط بالناس من غير محارمها  ولم تتعلم ولم يكن التعليم مسموحا الا ماندر وللنساء من اسر ثرية وعلى نطاق ضيق. بينما حضيت بعض الجواري بالتثقيف والادب كي يزيد سعرها وحضوتها عند مالكها.

اما في الاندلس فلم تكن النساء الحرائر قعيدات البيوت بل كانت لهن مكانة خاصة مكنتهن من التمتع بحرية اكبر، فكن يزرن المساجد ولاسيما في قرطبة، ويرتدن معاهد العلم وكن يختلطن بالرجال ويقابلن الشعراء والعلماء. وكان لهن دورهن في الحياة السياسية والثقافية الامر الذي دونته لنا اهم كتب التراث التي تحدثت عن هذه الحقبة.

ظاهرة ولادة بنت المستكفي الاندلسية

تنتمي ولادة  الى بيت الخلافة الاموي في الاندلس فهي بنت المستكفي بالله الاموي الذي تولى الخلافة سنة 414 هجرية، تميزت بالعفاف والقدرة على قول الشعر فقد عرفت بمقاطع شعرية صغيرة غاية في الطرافة والبلاغة، تستحق ولادة ان تكون ظاهرة في تاريخ الاندلس بل ان اسم ولادة يظهر متقدما وبهياً ما ان تذكر النساء الاندلسيات فقد عرفت بثقافتها وجمالها وحضورها الاجتماعي المتميز،  فتحت ابواب قصرها بعد وفاة والدها المستكفي ليكون اشهر المجالس الادبية في قرطبة، فتحولت بجمالها وظرفها وادبها الى ايقونة نسائية وانثى مبجلة تهبط لها قلوب الرجال ويقترن بها كل من اقترب منها. حتى ان والها المستكفي لم يذكر في التأريخ الا كخليفة ضعف الشأن وقليل القيمة ولم يسجل له الؤرخون اي منقبة تذكر بينما كانت ولادة حديث القوم قديما وحديثا، مقرونة بالاعجاب والتقدير. وقد اشتهرت قصتها مع الوزير ابن زيدون الذي احبها واحبته وكتبا معا اروع قصائد ومقطوعات الشعر الغزلي العربي، وخاض ابن زيدون نزاعا مع كل من حاول الاقتراب من ولادة والتودد اليها مثل الوزير ابي عامر ابن عبدوس.

فكلا منهم كان يسعى لطلب ودها والاستأثار بها وفي اثناء هذا الصراع كان ابن زيدون يكتب احلى قصائد الغزل لولادة ويهجو ابن عبدوس . يكمن الخلاف حول شخصية ولادة وسلوكها في ما تركته من مقطوعات وابيات شعرية تظهر تحررها في وصف مشاعرها حتى الحسية منها ومنها ما اورده ابن بسام في كتابه الذخيرة من محاسن اهل الجزيرة وقد ذكر مشككا ب زعموا انها كتبت على اعطاف ثوبها:

انا والله اصلح للمعالــــــــــي            وامشي مشيتي واتيه تيها

وامكن عاشقي من صحن خدي        واعطي قبلتي من يشتهيها

كما ان لابن زيدون قصيدة يصف فيها خلوتهم الليلية مع بعضهم وفيها وصف حسي لمجريات اللقاء يقول: (فلما طوى النهار كافوره، ونشر الليل عنبره، أقبلت بقد كالقضيب، وردف كالكثيب، وقد اطبقت نرجس المقل على ورد الخجل، فملنا الى روض مدجج، قد قامت رايات اشجاره، وفاضت سلاسل انهاره، فلما شببنا نارها، وادركت فينا ثارها، باح كل منا بحبه، وشكا اليم ما بقلبه، وبتنا بليلة نجني اقحوان الثغور، ونقطف رمان الصدور، فلما انفصلت عنها صباحا انشدتها ارتياحا:

ودع الصبر محب ودعك         ذائع من سره ما استودعك

يا اخ البدر سناءً وسنا            حفظ الله زماناً اطلعك

ان يطل بعدك ليلي فلكم          بت اشكو قصر الليل معك

وتارة اخرى تظهر بمظهر السيدة الغيورة على حبيبها ابن زيدون حين ابدى اعجابا بخادمتها وجاريتها فتنقلب عليه وتغضب منه وتحاول ان تضرم النيران في قلب ابن زيدون فتتقبل تقرب ابن عبدوس منها وتشتهر حادثة البركة حين فرش لها ابن عبدوس اطراف ثوبه فقالت:

لو كنت تنصف في الهوى ما بيننا      لم تهو جاريتي ولم تتخير

وتركت غصنا مثمرا بجماله            وجنحت للغصن الذي لايثمر

ولقد علمت بانني بدر السما            لكن دهيت لشقوتي بالمشتري

لقد وصلت ولادة الى القدرة على رفع شأن المحب او وضعه وفي هذا يقول ابن زيدون موجها خطابه لولادة:

ارخصتني من بعد ما أغليتني          وحططتني من بعد ما أعليتني

ولادة التي خرجت عن النمط المألوف في حياة النساء كانت تعلم بمن يغمز شرفها وعفافها لذا ردت عن نفسها بقولها:

اني وان نظر الأنام لبهجتي        كظباء مكة صيدهن حرام

يحسبن من لين الكلام فواحشاً       ويصدهن عن الخنا الاسلام

وبرغم ان ما وصلنا من شعرها قليل لايتجاوز سبعة وعشرون بيتاً تمثل احدى عشرة مقطوعة وهذا مؤكد لايكفي للحكم على شخصيتها. غير ان الذي اعتمد عليه المؤرخون اشعار عشاقها  واشارات تربط بين اشعارهم وصفات معشوقتهم. فالتتبع لاشعارها وبغض النظر عن المشككين والطاعنين بسلوكها يعكس سيدة حرة قدمت نفسها بشكل مغاير وعاشت تناقضلتها الانسانية بشكل علني فليست ولادة بدعا بين النساء، ممن يعشن حياةً عاطفية مضطربة لكن الفارق انها عاشتها علنا وافصحت اشعارها عن عواطفها وعلاقاتها بعشاقها بينما دأبت النساء في العادة على الحركة في الخفاء. (ففي علم النفس الحديث، ومع لاكان خصوصا، لم تعد وظيفة اللغة مجرد التوصيل والتواصل، وانما اعطاء الذات حيزا يمكنها ان تتحدث منه. ويؤكد لاكان ان الذات لاتبرز الى الوجود الابعد  ان تكتسب الوعي، اي بعد ان تكون مفهوما عن النفس).

كما ان ولادة ليست ككل النساء انها اميرة جميلة وتمتلك كل صفات الانوثة التي تجعلها مهبط قلوب الجميع، فضلا عن ان عشاقها كانوا من علية القوم وزراء شعراء معادلين لها في تمتعهم بحرية التصريح بمشاعرهم وعواطفهم. يبقى السؤال كيف استطاعت ولاده وعشاقها ان تعيش هذه الحياة المتحررة دون ان تتعرض للاضطهاد او القتل او العزل على اقل تقدير لو لم تكن البيئة الثقافية والاجتماعية للاندلسيين  بيئة ذات عقليات متفتحة تعيش فكرة الحرية الفردية فلا ينشغل الناس كثيرا بماتفعله ولادة مع عشاقها وان انشغلوا فلن يصل الامر الى العنف والتصفية الجسدية والنفسية تحت ذرائع الشرف العربي والخروج عن تقاليد السلف.

والمرجح ان ما قضى بتحويل قصة ولادة الى اسطورة وظاهرة في تاريخ الادب الاندلسي يعود لثلاتة عوامل الاول نسبها الرفيع كأميرة وابنة خليفة، والعامل الثاني هو ان عشاقها من علية القوم ومن الشخصيات التي تركت سيرة مميزة ايضا في تاريخ الاندلس، العامل الثالث ان ولادة وعشاقها شعراء خلفوا تراثاً شعرياً من وحي قصص عشقهم دارت على الالسن وتناقلتها كتب التراث الى يومنا هذا.

سيدات الاندلس والتحصيل العلمي

وصل من تراث الاندلس شعرا ونثرا وكتب تراجم متعددة وردت فيها صورة جديدة لم تعهدها الامم في تعامل الاندلسيون مع نسائهم وبناتهم بلغت من ارتفاع المكانة مايجعل بيئة الاندلس بيئة فريدة يصح وصفها بالمدنية والمتطورة التي يستقر فيها قيم الانسانية التي احتاجت البشرية في مراحل لاحقة للحقبة الاندلسية قرونا لتستقر عندهم، كما انها اي قيم المساواة الانسانية لم تستقر عند البعض حتى الان.

ومن المناسب هنا ان نستذكر قصيدة ابن دراج القسطلي (347/958م) الذي حول وصف الرحلة في القصائد المدحية الى وصف فراقه لزوجته وابنته ذات الثمان سنوات فجاءت قطعة شعرة بالغة الرقة ومشوبة بالمشاعر الاسرية الجياشة. والقصيدة عارض فيها ابن دراج قصيدة صاعد البغدادي، وانشدها في حضرة المنصور بن ابي عامر في اول لقاء بينهما والتي يقول في فيها:

ولله عزمي يوم ودعت نحوه         نفوسا شجاني بينها وشجاها

وربة خدر كالجمان دموعها         عزيز على قلبي شطوط نواها

وبنت ثمان مايزال يروعني         على النأي تذكاري خفوق حشاها

وموقفها والبين قد جد جده             منوطا بحبلي عاتقيّ يداها

يظهر الشاعر بجلاء حبه لزوجته واخلاصه لها يعطف على طفلته بكثير من الحب، والحنان والرعاية لهم، مشفقا  من اثر الفراق عليهما. اعتمد الخيال والواقع المعاش وهو يصور الفراق بينه وبين اهل بيته فبرزت عاطفته في جوانبها المضيئة.

والمهم في هذه الابيات هو ان البيت والزوجة والبنت ليست امرا يخجل منه الشاعر الاندلسي بل جعلهم في مقدمة قصيدته وحور غرض وصف الرحلة للممدوح الى وصف حالة البين بين افراد اسرة متلاحمة.

هذا الاحترام للمراة الاندلسية لم يقف عند حدود العلاقات الاسرية  داخل البيت فقط بل توسع ليشمل حق النساء في التحصيل العلمي مثلهن مثل الرجال، فقد عرف ان الاندلسي كان ينفق ماعنده من مال حتى يتعلم ومتى عرف بالعلم أصبح في مقام التكريم والاجلال ويشير الناس اليه بالبنان.

يذكر المستشرق مارك كراهام في كتابه ( كيف صنع الاسلام العالم الحديث) اذ يقول: (اعطيت المراة خيارات اكثر في اسبانيا الاسلامية وكالعادة كان المنزل مجال نشاطهن المألوف ولم يكن تعليم النساء امر غير معروف، حتى انهن كن يلقين محاضرات عن القانون وعلم الدين، وتباهت الاندلس بالكثير من مدارسها المختلطة، حيث تستطيع الزوجات الحضور مع ازواجهن او البنات مع ابائهن، وحصلت على الشهادات كالرجال تماما، مما خولهن حق التدريس او افتتاح مدارسهن الخاصة، حتى ان احد الخلفاء تزوج جارية افريقية لاعجابه بانجازاتها الفكرية).

والتمعن في كتب التراجم الاندلسية ومصادر الدراسات الاندلسية تثبت ان الوسط الحضري كان يشكل ارضية الابداع الاولى للنساء ولاسيما في قرطبة التي ضمت اكبر قدر من النساء المتعلمات والعاملات وكانت قبلة الباحثين والمتعلمين،  واشبيلية وهي حاضرة الشعر والادب والمؤرخين، وغرناطة وهي موطن العلم والعلماء ومهد الابداع الفني بكل تفرعاته.

ويعد كتاب التكملة لابن الابار، والذيل للمراكشي، وكتاب الصلة لابن بشكوال من اهم المصادر التي تطرقت لموضوع المرأة العاملة والمتعلمة في الاندلس. حيث اورد العلماء في هذه الكتب ابرز الميادين التي كانت تجذب النساء وهي الفقه والخط العربي والشعر، يذكر عبد الواحد المراكشي نقلا عن ابن ابي الفياض ان في قرطبة مايناهز مائة وسبعين امرأة كانت تكتب القرأن بخط كوفي رفيع، وان اتقانها فنون الخط العربي اهلها للدخول الى الدواوين والمراسلات الرسمية في القصور، نذكر منهن: فاطمة بنت زكريا بن عبد الله الكاتب سنة 1036-427 هجرية، والتي تلقت العلم من ابيها الذي كان كاتب بلاط الحكم الثاني، ومريم بنت أبي يعقوب الفصولي كانت تعلم النساء الادب والعلوم الانسانية، واشتهرت داخل اشبيليا وخارجها. والسيدة بنت الغالي الغرناطية، التي علمت أبناء الامراء مع الشاعرة حفصة بنت الحاج الركونية التي كلفت بتربية أميرات الموحدين في القصر الملكي بمراكش.

كما تميزت بعض النساء بمعرفتهن بالفقه، مثل ابنة فايز القرطبي التي اخذت العلم عن زوجها أبي عبد الله بن عتاب وكان لها معرفة واسعة باللغة العربية وادابها."26"ومن الشاعرات ايضا أم الكرام بنت المعتصم بن صمادح، تنسب الى اسرة عريقة في الادب ونظم الشعر، وكان لها ثلاثة اخوة شعراء، فضلا عن ان اباها المعتصم كان شاعرا ايضا ويبدو ان البئة الشعرية التي عاشت فيها ساهمت في اظهار موهبتها وقدراتها المتميزة.

ومن القصص التي تستحق ان نقف عندها قصة الشاعرة الغرناطية حفصة بنت الحاج الركونية التي قدمت انموذجا متقدما للمرأة الاندلسية التي تأدبت وتثقفت حتى بلغ نجاحها مبلغا كبيرا في القصور الاندلسية في القرن السادس عشر الهجري، والركونية هي نسبتها الى مدينة ركانة التي عاشت فيها وهي مدينة اندلسية تقع الى الغرب من بلنسية، وصفها ابن دحية: (من أشراف غرناطة رخيمة الشعر رقيقة النظم والنثر). كانت ذات جمال وحسب وثراء وبديهة وسرعة خاطر."28"اشتهرت قصة عشقها للشاعر والوزير ابي جعفر ابن سعيد اذ انتشرت اخبار هذه القصة في بيوتات الاندلس ومجالسها واضحت حديث الناس فحفصة ومحبوبها لم يخفيا حبهما وتبادلا الحب في العلن وعرفت اشعارهما لبعضهما البعض بوصفها من ارق اشعار العشق الاندلسي واكثرها جرأة وعاطفة مشبوبة وقوية  وندية فالشاعر لاتخجل من المطابة بزيارة حبيبها. ومن اشعارها في ابي جعفر قولها:

ازورك ام تزور فان قلبــي          الى ماتشتهي ابداً يميل

وقد املت ان تظمى وتضحى        اذا وافى اليك بي المقيل

فعجل بالجواب فما جميل          اباؤك عن بثينة ياجميل!

شعرها في محبوبها من ارق ماقيل في شعر الغزل وعبر عن عالم المراة الاندلسية التي تعيش حبها بصراحة وعفوية وبساطة فالعشق حقها الطبيعي والانساني الذي ادركته بفطرتها الطبيعية وثقافتها الخاصة وقضت كل حياتها تدافع عن هذا الحب الصادق والطاهر.

الا ان امير غرناطة الموحدي ابو سعيد عثمان بن عبد المؤمن استفزه هذا الحب بين حفصة والوزير ابي جعفر فبدأ سلسلة من المضايقات لابي جعفر زادها مؤامرات حاشية القصر الذين ساروا بالنميمة بين الامير والشاعر حتى اضطر ابو جعفر ان يعتذر للامير عن الوزارة ويترك العمل في القصر، غير ان اساءات الامير لم تتوقف وعمل جاهدا لابعاد ابي جعفر عنه كي يحضى بحب حفصة ، فاتهم  ابي جعفر بالتأمر على امارة الموحدين في غرناطة وقام بقتله وهو في الطريق الى بلنسية سنة 559 هجرية، ومنع اهله من لبس السواد حدادا عليه.

لكن حفصة تحدت ارادة الامير ولبست الحداد على حبيبها ابي جعفر ابن سعيد وانشدت:

هددوني من اجل لبس الحداد        لحبيب اردوه لي بالحداد

رحم الله من يجود بدمع             او ينوح على قتيل الاعادي

وسقته بمثل جود يديه               احيث اضحى من البلاد الغوادي

بلغ امير الموحدين رفض حفصة له واصرارها على لبس الحداد والتفجع على حبيبها فانصرف عنها ويأس من نوال قربها، لكن حفصة لم تأمن شر الامير لذلك هربت من غرناطة الى مراكش في المغرب وشكت حالها لدى سلطان الدولة الموحدية وكبيرها امير المؤمنين عبد المؤمن بن علي واستجارت به واعلنت والولاء لدولة الموحدين لكن هي تعترض فقط على سلوك الامير  ابي سعيد عثمان بن عبد المؤمن. وانشدت في حضرة السلطان:

ياسيد الناسي يامن        يؤمل الناس رفده

امنن علي بطرس         يكون  للدهر عدة

خطت بيمناك فيه        و الحمد لله وحده

فأجارها السلطان وعينها مؤدبة ومعلمة لنساء وبنات الموحدين، ومكثت هناك حتى توفيت 581هجرية دون ان تتزوج او ترتبط برجل اخر محتفظة بذكرى حبيبها المغدور الى الابد.

 

د. عواطف محمد حسن

 

مفهوم الديمقراطية كغيره من المفاهيم دار حوله الجدل في محاولة تفسيره. أقدم تفسير للديمقراطية يعود الى الاثني (كليون) الذي قال أن الديمقراطية تعني حكم الشعب بواسطة الشعب ومن أجل الشعب. وهذا التعريف في الحقيقية تعريف كلاسيكي عام لكنه وجد صداه وظل يعبر بطريقة وأخرى عن مفهوم الديمقراطية.

أما افلاطون فقد فسر الديمقراطية من منحى اقتصادي، على انها حكم الأغلبية، ويقصد بالاغلبية هم الفقراء لتكون الديمقراطية لدى افلاطون ضد الأوليغارشية من مجتمع رأس المال والطبقة الغنية التي تحكم.

اما (ألكسي ديتوكفل) فد فسر مفهوم الديمقراطية من منطلق فردي مع بقاء الاغلبية كقاعدة للحكم، بمعنى أن الفرد يبقى مستقلا عن المجتمع والدولة و الاغلبية تعتمد على البنى الفوقية في كل دولة، فالدول التي قطعت أشواطاً في الديمقراطية ستتمثل الاغلبية لديهم بالكيان السياسي الذي يحظى بثقة الناخب، على عكس البلدان ذات الديمقراطية الناشئة او المستوردة! إذ نجد على سبيل المثال أن الديمقراطية في العراق تعاني من عدة مشاكل كارتباطها بالجانب العقائدي والمذهبي وليس ارتباطها بمفاهيم سياسية ومنظمات ذات طابع مدني وهذا ما شكل خلافاً حول ماهية الاغلبية المشكلة وفقاً للديمقراطية في العراق.

الديمقراطية وفق تعريف (ديتوكفيل) لم تعد مجرد أداة للحكم بل هي ثقافة، ليصبح مفهوم الديمقراطية مفهوم لا يمكن تجزءته، لأن الديمقراطية لاترتبط بالنظام السياسي فحسب بل في البنية الاجتماعية للمجتمع وأن تحقيق الديمقراطية مرتبط بمدى ترسخ هذا المفهوم داخل المجتمع ومدى ادراكه و مقبوليته داخل الجماعة الاجتماعية قبل أن يتحول الى مبدأ سياسي.

في هذا الخصوص يوضح (فوكوياما) أن ترسيخ الديمقراطية يعتمد على أربعة مستويات متكاملة ومترابطة لا يمكن التنازل عن إحداها، المستوى الأول يقوم على الإيمان بفكرة الديمقراطية، فالديمقراطية لايمكن أن تصمد طويلاً مالم يؤمن الناس بها. والمستوى الثاني يقوم على ترسيخ الديمقراطية داخل المؤسسات والدساتير والقوانين والنظم الانتخابية. اما المستوى الثالث فهو أهمية وجود منظمات المجتمع المدني غير الحكومية والنقابات التي تقوم على تحقيق التفاعل بين المجتمع والحكومة. والمستوى الأخير والذي يعتبره (فوكوياما) أكثر المستويات تعقيداً هو المرتبط بالبنية العائلية والدينية والشعور الإثني والتقاليد التاريخية الخصوصية.

على أساس هذه المستويات التي ذكرها (فوكوياما) نجد أن الانتقال من المستوى الأول الى المستوى الرابع يأخذ بالتباطؤ تدريجياً ويصعب تحقيقه لأن تغيير المؤسسات أيسر من تغيير الثقافة السياسية للمجتمع.

واذا تحدثنا عن ظروف المجتمع العراقي ونظرته للديمقراطية سنجد أن الشعب العراقي خلال فترة ٢٠٠٣ ومابعدها لم يكن يبالي بنوع وطبيعة النظام السياسي بعد أن أنهكته الحروب التي قادها نظام البعث ليجد نفسه في حرب مع امريكا ومن ثم حرب طائفية استنزفت المجتمع العراقي بكل جوانبه لتنتج لنا عملية سياسية مشوهة قائمة على المحاصصة الطائفية.

لم يلتقط العراقيون أنفاسهم من الجري خلف نعوش أبنائهم فمسلسل الموت لم ينتهي عند حدود النظام المحاصصاتي بل وقعنا في حرب داعش التي دمرت البنى التحتية لبعض المحافظات الغربية والشمالية وهُجرت عوائل بكاملها وقُتلت أخرى لذلك لم يكن للعراقي متنفس أو متسع من الوقت ليفكر بطبيعة العملية السياسية التي تدير دفة الواقع العراقي.

في حقيقة الأمر لم يحكم عراق مابعد صدام بديمقراطية حقيقية على الاطلاق كما كان متأملاً وخصوصاً أن المعارضة السياسية التي تسلمت مقاليد الحكم في عراق مابعد ٢٠٠٣ هي جماعات لا تؤمن بالديمقراطية وإن إدعت ذلك، لأنها جماعات اسلامية تعتقد أن الديمقراطية التي تراد للعراق هي ديمقراطية على الطريقة الغربية فأخذوا يصدرون أنفسهم كمقاتلين للاحتلال ومعارضين للغرب الليبرالي.

خلال الستة عشر عاماً الماضية لم يتعامل القادة على أنهم قادة سياسيين يسعون لبناء دولة بقدر ماتعاملوا على أساس أنهم قادة دينيين ومذهبيين، وبتتبع بسيط لتصريحات أغلب القادة السياسيين ستجد أن حديثهم عن الديمقراطية مجتزئ ومقتصر على العملية الانتخابية وصناديق الاقتراع، حتى وإن كانت العملية الانتخابية في العراق تشوبها العديد من الشبهات التي تتعارض مع المبدأ الديمقراطي، مثلا قانون الانتخاب المفصل على مقاييس الكتل السياسية بما يضمن مصالحها، كذلك لاننسى قانون الاحزاب غير المفعل لنكون أمام عملية انتخابية لاتمت للاسس الديمقراطية بصلة، وهذا يعني إننا امام نظام محاصصاتي لايؤمن بالديمقراطية كاسلوب في الحكم والحياة.

ماحدث في ١ تشرين من انتفاضة شبابية عارمة تطالب بنظام انتخابي عادل وانتخابات مبكرة بإشراف أممي وحكومة مستقلة، هذه الحركة الاحتجاجية المطالبة بالحقوق والساعية الى تصحيح مسار العملية السياسية في العراق بما يحقق الديمقراطية فعلاً ستكون الشرارة الأولى في تاريخ العراق المعاصر لولادة وعي ديمقراطي حقيقي يشكل أغلبية سياسية ناتجة عن البنى الفوقية الواعية للمجتمع كما أراد لها (ديتوكفيل)، لكن كما قال (فوكوياما) أن عملية ترسيخ الديمقراطية عملية طويلة الأمد وبطيئة تحتاج الى تراكم زمني يمكن أن ينتج في النهاية نظاماً ديمقراطياً سياسياً واجتماعياً قابلاً للتحقيق.

 

هيام علي المرهج