739 thumbnailفرادةُ الشيخ أمين الخولي تظهر في محاولته الرائدة لتوطين الهِرْمِنيوطيقا والمناهجِ الجديدةِ في تفسير النصوص في مجال الدراسات الدينية بالعربية. بعد استقراءٍ وتتبعٍ يمكن القولُ: إن الخولي هو أولُ هرمنيوطيقي بالعربية، وربما في عالَم الإسلام. إذ لا أعرف أحدًا سبقه إلى ذلك، حتى في بلاد الإسلام غير العربية.

لقد رأيتُ ذلك منذ ربع قرن، حين كنتُ أُدرّس "الاتجاهات الجديدة في التفسير" لمجموعة من تلامذتي في الحوزة: أن المنحى الذي يدعو إليه أمين الخولي في تفسير القرآن يهتم بالتعرف على الطريقة التي يفكر بها المفسِّر، وكيف يُسقط المفسِّر رؤيته للعالم وثقافته وفهمه على ما يريد تفسيره من الآيات. وهذا هو المدخل لكل من يدعو إلى استئناف النظر في مناهج التفسير وتجديدها، إذ "يتحدد مدخل التجديد عند الخولي والمدرسة الحديثة كلها في وظيفة المفسِّر أوّلاً، وفي مكانة النصّ المفسَّر ثانيًا، فليس مقبولاً عند الخولي أن يظلّ التفسير المعاصر مجرّد أداة لاختيارات مذهبيّة وتوظيفات دعويّة مهما كانت أهمّيتها"[1]. وعند اطلاعي على التعقيب الذي كتبه أمين الخولي على مقالة "التفسير" في: "دائرة المعارف الإسلامية"، وجدتُه يتحدّث عن أفقٍ مختلف ومنهجٍ بديل لتفسيرِ النصّ القرآني وتأويلِه، في ضوء أدواتٍ ومفاهيمَ جديدة، يستعيرها من الهِرْمِنيوطيقا الألمانية.

عمل أمين الخولي في شبابه إمامًا بالمفوضية المصرية في روما، وفي وقتٍ لاحق ببرلين في ألمانيا[2]. وعند عودته من ألمانيا سنة ١٩٢٧ باشر التدريسَ في الأزهر. ويبدو أن مكوثَه في ألمانيا أتاح له فرصةَ التعرّفِ على الهِرْمِنيوطيقا ودراستِها. وهو ما تجلّى في حديثِه عنها وتقديمِها بإيجاز ووضوح. ومعروف أن الهِرْمِنيوطيقا في العصر الحديث ألمانيةُ المنشأ والمسيرة، فمع شلايرماخر نهاية القرن الثامن عشر تبلور مفهومٌ مختلفٌ للهرمنيوطيقا في العصر الحديث، وتطوّر هذا المفهومُ مع وليم دلتي، ومارتن هيدغر، حتى بلغت أوجَ تطوّرها مع هانز جورج غادامير تلميذ مارتن هيدغر. مع أن أهم الأعمال في الهِرْمِنيوطيقا لم تترجم للعربية إلا بعد ذلك بعشرات السنين.

739 thumbnail

كانت ومازالت الفلسفةُ الألمانيةُ مرجعيةَ التفكير الهِرْمِنيوطيقي في عالم الإسلام، فما حدث مع الشيخ أمين الخولي في الماضي، حدث بعده مع الشيخ محمد مجتهد شبستري، الذي ذهب إلى ألمانيا، بعد رحلة الشيخ أمين الخولي بأربعين عامًا تقريبًا، فعمل إمامًا للمركز الإسلامي في هامبورغ، وتعلّم الهِرْمِنيوطيقا بالألمانية هناك[3]، ليعود إلى إيران مبشرًا بها، ومؤلفًا وشارحًا لها بالفارسية.

وقد ذكرنا أكثر من مرة أن اعادة بناء التفكير الديني تتطلب أن ينهض بها رجال الدين قبل غيرهم، لأنهم الأكثر دراية بالتراث، والأكثر ادراكًا لهذه الحاجة الملحة، والأكثر اهتمامًا بمصائر التفكير الديني ومآلاته. لذلك ليس مصادفة أن تعرف العربية الهِرْمِنيوطيقا في النصف الأول من القرن العشرين عبر جهود الشيخ أمين الخولي، وهو رجل دين كان مكلفًا بمهمة دينية في ايطاليا وألمانيا، وهكذا تعرفت الفارسية على الهِرْمِنيوطيقا عبر جهود الشيخ محمد مجتهد شبستري، وهو رجل دين كان مكلفًا بمهمة دينية في ألمانيا. وفي النصف الأول من القرن التاسع عشر تعرفت العربية على ملامح من صورة الغرب وتقدمهه عبر كتاب "تخليص الابريز في تلخيص باريز"[4]، الذي ألفه الشيخ رفاعة رافع الطهطاوي "1801-1873"، وهو رجل دين أيضًا كان إمامًا لبعثة الطلاب المصرية في باريس.

لم يتحدث الخولي عن المرحلة والكيفية التي تعرف بها على الهِرْمِنيوطيقا، ولم تخبرنا الكتابات التي اطلعنا عليها بما يوضح ذلك. على الرغم من أن أكثر الباحثين المعاصرين من الألمان والعرب يتحدثون عن ريادته وبعض تلامذته في هذا المضمار. وأقنعتني مطالعة آثاره بذلك، خاصة ما تحدث فيها عن التفسير، وعزز قناعتي ما كتبه السيد أحمد خليل من تأثير شلايرماخر على الخولي، وتبنيه للنهج الجديد الذي اختطه شلايرماخر في تعريف عملية التفسير بوصفها "فناً للفهم"، عبر النظر إلى المفسِّر وطريقة فهمه، والعوامل المؤثرة في كيفية فهم النص، وأفقه التاريخي. ونبه خليل إلى أن العوامل التي تبناها الخولي في التفسير هي ذاتها التي نبه إليها شلايرماخر قبل ذلك[5].

ويبدو لي أن اطلاعَ الخولي توقّف عند شلايرماخر وأتباعِه في القرن التاسع عشر، ولم يشأ، أو لم تسمح له ظروفُه، أن يتعمّق في استلهام الهِرْمِنيوطيقا الفلسفية، الذي أضحت عمليةُ التفسير على وفقها: "حدثًا أنطولوجيًا"، يتسع للنصوص والوجود أيضًا،كما شرحها هيدغر وتلميذُه غادامير.

ما يقوله الشيخُ الخولي يحيل إلى الهِرْمِنيوطيقا، وهو ما تجلّى بوضوح في حديثه عن "أفق المفسِّر"، فلم تعد عمليةُ التفسير في مفهومه تلقّيًا سلبيًا صامتًا للمفسّر، وإصغاءً من المفسِّر لما يمليه عليه النصّ، لا دورَ فيه للمفسّر سوى الكشف عن المعنى الكامن في النصّ، بل أصبح التفسيرُ في رأي الخولي عمليةَ حوارٍ وإنتاجٍ متبادَل للمعنى، يشترك فيها المفسِّر مع النصّ. وذلك ما شرحته الهِرْمِنيوطيقا الحديثة، بوصفها "فنًا للفهم"[6]، أو قراءةً للقراءة، أو فهمًا للفهم، أو تفسيرًا لكيفيةِ تلقي المفسِّر للنصّ، وطريقةِ إنتاجه للمعنى المقتنَص منه، في ضوء: أفقِ انتظاره، ورؤيتِه للعالم، وإطارِ ثقافته، ومسلّماتِه وأحكامِه المسبقة. وبذلك يصبح التفسيرُ لدى الخولي مقاربةً هِرْمِنيوطيقية للنصّ.

ظهرت كتاباتٌ هِرْمِنيوطيقيةٌ متعدّدة بالعربية في فترات لاحقة، غير أنها انشغلت بتطبيقاتِها على النصوص الأدبية وغيرها، وتوظيفِها أداةً في النقد الأدبي، فقد كان ومازال كل الخبراء بالهرمنيوطيقيا في عالَم الإسلام يحذرون من تطبيقها في تفسير القرآن، وتوظيفها في فهم النصوص الدينية، لئلا يثيرون ضغينة رجال الدين الذين يتشبثون بالمناهج التراثية للتفسير، وتقلقهم أية مناهج جديدة في فهم الدين وتفسير نصوصه.

مضى الشيخ أمين الخولي بشجاعة لوحده، في وقت مبكر في هذا الطريق، فكان رائدًا، لم ينفرد بريادته للكتابة والتعريف بهذا الفن فقط، بل بادر أيضًا لتوجيه تلامذته لتطبيقه على تفسير القرآن، كما أسّس فريقًا للدراسات الأدبية والهِرْمِنيوطيقية يضمّ جماعةً من تلامذته، مثل محمد أحمد خلف الله، وعائشة عبدالرحمن "بنت الشاطئ"، ومحمد العلائي[7]. واشتهرت هذه الجماعة باسم "الأمناء"[8].

لم يقتصر أمين الخولي على الهِرْمِنيوطيقيا والدعوةِ لتوظيفها في التفسير، بل رأى ضرورةَ الانفتاح على علمِ الاجتماع وعلمِ النفس والعلوم الإنسانية الحديثة، لأجل بناء نهج مختلف للفهم والتفسير.

 

د. عبدالجبار الرفاعي

....................

[1] النيفر، احميدة، الإنسان والقرآن وجهًا لوجه (التفاسير القرآنية المعاصرة) قراءة في المنهج، دمشق، دار الفكر، ط1، 2000، ص 118-119.

[2] مكث الخولي في روما وبرلين في السنوات "1923 – 1927"، وكان يجيد الإيطالية والألمانية.

[3] أخبرني الشيخ محمد مجتهد شبستري بأنه يتحدّث ويخطب بالألمانية بشكل جيد، وأنه قرأ المؤلفات الهِرْمِنيوطيقية بالألمانية مدة إقامته هناك نحو تسع سنوات.

[4] صدرت الطبعة الأولى لهذا الكتاب في مصر عام 1834.

[5] السيد أحمد خليل، نشأة التفسير في الكتب المقدسة والقرآن، الاسكندرية، الوكالة الشرقية للثقافة، 1954، 141.

[6] عرّف شلايرماخر الهِرْمِنيوطيقا بأنها "فن الفهم".

[7] كتب محمد العلائي مقدمة الطبعة الأولى لكتاب أستاذه "فن القول". وأشار في هامش المقدمة إلى أنه: (مضت سُنة الأمناء أن يقدم شبابهم، وهم أصحاب الغد، أعمال شيوخهم التي يدبرون بها لهذا الغد. وعلى هذه السنة أقدم "فن القول"). ص 29. من تلامذة الشيخ أمين الخولي المعروفين أيضاً: شكري عياد، مصطفى ناصف، حسين نصار.

[8] أسس الشيخ أمين الخولي جماعة الأمناء عام 1944، ومجلة الأدب عام 1956.

 

نايف عبوشتشمل العملية التربوية في إطارها المدرسي المحض، المعلم، والمنهج، والطالب، إذا ما استثنينا، بيئة العائلة، والمجتمع. وإذا ما تكاملت هذه الأبعاد الثلاثاء بشكل متناغم ابتداءً، فإن العملية التربوية يمكن عندئذ، ان تسير بشكل سليم، وتحقق أهدافها من المخرجات، بدرجة عالية من الجودة، والكفاءة.

ولاريب أن الإشراف التربوي يلعب دورا مهما في تحسين أداء العملية التعليمية،وذلك من خلال وعيه بالأهداف التربوية، وامتلاكه خبرات، ومهارات تعليمية متراكمة، تمكنه من التعامل مع هذا الموضوع، وتطويره بحرفية . وبذلك يكون المشرف التربوي، بما هو عنصر رقابي،وإشرافي معا، ومسلح بخبرة متراكمة، احد أهم وسائل تطوير العملية التعليمية.

وإذا ما نجح الإشراف التربوي، في الولوج بمهارة، إلى حلقات النظام التربوي، وافلح في رصد الأداء المدرسي، بابعاده الثلاثة، المعلم، والطالب، والمنهج، بموضوعية، فإنه سيتمكن، بلا شك، من وضع اقتراحات بناءة لتحسين، وتطوير المناهج، وتلافي الإخفاقات، والهفوات، التي يرصدها في بقية مفاصل العملية التعليمية، والتي غالباً ما تعوق تقدم التعليم، وتحد من نهوضه.

ولعل تعامل الإشراف باحترام مع المعلم، واعتماد أسلوب الحوار المتبادل معه، والوقوف على آرائه، سيمنحه فرصة إضافية، لتسجيل الإخفاقات، والوقوف على الصعوبات، التي يواجهها المعلم في أداء عمله. ولاريب أن ذلك الأسلوب سيمنحه فرصة اكتشاف، وإيجاد الحلول الملائمة، لمساعدة المعلم، على تجاوزها، والتمكن من مواكبة كل جديد في مجال تخصصه، وتطوير قدراته مهنيا، كلما أمكن ذلك، لكي يتمكن من النهوض بوظيفته التعليمية باقتدار.

على أن التفاعل مع الطلاب، وفحص ادائم بعناية عمليا، ومعايشة الإشكالات التي تعترض تعليمهم، والوقوف على أسبابها، ستمكنه من اقتراح الحلول، والوسائل المناسبة لتجاوزها .

ويتطلب الأمر أن تكون عملية التقويم الإشرافية للعملية التعليمية شاملة، بما فيها اقتراح آليات تحسين كفاءات المعلم، في كل يتعلق بعملية التدريس، تخطيطا، وتنفيذا، وكذلك الحال فيما يخص المنهج، واعتماد أساليب التدريس المتطورة، ووسائل التعليم الحديثة، وأسلوب ادارة الصف، والتي ينبغي أن تتسم بدقة، وموضوعية،وبذلك يتمكن الإشراف، وبالتعاون مع الجهات المعنية بالتربية، من الإسهام بإيجابية، وفاعلية، في تطوير الأداء التدريسي، وتحسينه، والوصول به إلى درجة عالية من الجودة، وبما يضمن النهوض بالعملية التعليمية، والتربوية، ككل، على النحو المطلوب.

 

نايف عبوش

 

فتحي الحبوبي

من نافلة القول التأكيد على أنّ  قدر المفكّرين  الأحرار الخارجين عن دائرة السلطة، إن السياسيّة أو الدينيّة، أن يجري تبخيس وتهجين أفكارهم الحرّة وتحقير مجهوداتهم العلميّة وشيطنة مواقفهم الثوريّة الجريئة إلى حدّ تقزيمهم وترذيلهم. وذلك بهدف تحريض وتأليب العوامّ والجهلة عليهم، أملا في الزجّ بهم في مستنفع النسيان وبالتّالي في مزبلة التاريخ، من قبل رهط ممّن يستعصي عليهم إدراك مضمون الأفكار المستنيرة التي تتخطّى النمطيّة ولا تساير طاحونة الشيء المعتاد ومقاييس العرف السائد. ذلك أنّها تشكُل عليهم وتفسد عليهم، لذّة الاستغراق في سبات عميق مردّه فكر ولّى زمانه، بل وتشوّش على جمودهم الفكري الذي استمرؤوه وركنوا إليه، أفليس الجلوس على الربوة أسلم كما قال الأقدمون ؟!. ولكن أنّى لهم ذلك إذ» يَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَه (...) « على هؤلاء النوابغ النّابهين المتفرّدين ولو بعد حين. تلك كانت حال المفكّر والمصلح الإجتماعي التحديثي التونسي الطاهر الحدّاد (51899-193)، الذي أوفاه عميد الأدب العربي طه حسين حقّه حين قال عنه بإعجاب شديد :» لقد سبق هذا الفتى زمنه بقرنين «، فهو نصير المرأة والأب المؤسّس

الحقيقي دون منازع لحركة تحرير المرأة في تونس، رغم إثارة قضيّة حقوق المرأة، تاريخيّا، من قبل مصلحين سبقوه أمثال الوزير خير الدين باشا في كتابه (أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك)  والمؤرّخ أحمد ابن أبي الضياف في (رسالته في المرأة) وكذا الشيخ سالم بو حاجب. وقد عانى الطّاهر الحدّاد الأمرّين في سبيل تقحّمه على هذا المجال الدقيق رغم محاذيره الخطيرة، في حقبة تاريخية وظروف سياسية وفكرية تتّسم بالانكماش ولا تشجّع على الإجتهاد وطرح الأفكار الاصلاحيّة النهضويّة إذ »  في الليلة الدهماء يفتقد البدر«. ولكن رغما عن ذلك، فقد بات معلوما اعتبار الطّاهر الحدّاد أحد أهمّ الأعلام العرب الأوائل -إن لم يكن أهمّهم بمعيّة قاسم أمين- لما أصبح يعرف اليوم، بحركات الدفاع عن حقوق المرأة العربيّة المسلمة، وبالنضال من أجل النهوض بوضعها وتحريرها من ربقة الاسترقاق وبراثن الجهل والتّخلف الفكري وكلّ القيود التي كانت ولا تزال تكبّلها على امتداد الوطن العربي. وذلك بالدعوة، في سياق الاستلهام من نظريات الجندر التي ترفض تنظيم المجتمع على أساس ذكوري، إلى المساواة التامة بين الجنسين في جميع مناحي الحياة، في غير ما حيف أو ميز ولا مسخ للهوية العربيّة ولا نسخ للشريعة الاسلاميّة، كما ادّعى مناوئو الحدّاد.

وكانت هذه الأفكار، المستجدّة في حينها(1930)، لأنّها تعدّ من المسكوت عنه، تمثّل قطب رحى ومربط فرس كتابه ذائع الصيت الموسوم  ب"امرأتنا في الشريعة والمجتمع" والذي حاول  فيه الحدّاد الملائمة بين متطلّبات الشريعة ومقتضيات العصر والتحديث. ما جعل الكتاب يتحوّل بعد ربع قرن ونيف(1956)، زمن بناء أسس دولة تونس العصريّة، إلى مرجع وأسّ الوضع القانوني المتقدّم للمرأة التونسيّة الذي جاءت به مجلّة الأحوال الشخصية وما تلاها من قوانين وتنقيحات ذات صلة، كرّست مزيدا من الحقوق للمرأة التونسيّة، فضلا عن إقرار حقّها في التعليم والشغل والمشاركة في الحياة السياسيّة ومنع تعدّد الزوجات بقوّة القانون وإثارة مسألة المساواة في الميراث وإقرار الطلاق المدني لدى المحاكم، بعد أن كان الطلاق امتيازا حصريّا يملكه الرجل، بما يجعله في حلّ من أيّ تبرير قانونيّ يقدّمه في الغرض. وقد جرى العمل بهذه المجلّة، التي صاغها أستاذ الحدّاد الشيخ عبد العزيز جعيّط، وطبّقت بنودها منذ فجر الاستقلال سنة 1956، أي، 3 سنوات قبل إقرار دستور الجمهوريّة الأولى الذي أنهى عهد البايات سنة 1959 وحمل بورقيبة إلى سدّة الحكم بدلا عنهم، وهو الذي استبعد بشيرة بن مراد رائدة الحركة النسائيّة في تونس عن النشاط في هذا المجال، لمجرّد أنّها دعت سنة 1953إلى المساواة المطلقة في الحقوق السياسيّة بين المرأة والرّجل،  يا للمفارقة!!

وخلافا لكتابي قاسم أمين "المرأة الجديدة" و"تحرير المرأة" اللذين لاقيا، قبل وبعد صدورهما، تأييدا من أهمّ رجال، الدّين ( محمّد عبدة) والسياسة (سعد زغلول) والفكر (لطفي السيّد) ، فقد لاقى كتاب  الحدّاد حال صدوره، تحاملا واستهجاناً لا من رجال الدّين والمحافظين فحسب، أو من بين رجال الحزب الدستوري التونسي الذي كان يتزعّمه( رغم وجوده بالمشرق) الشيخ عبد العزيز الثعالبي صاحب، كتاب "روح التحرّر في القرآن"!- يا للمفارقة-  وكان ينتمي إليه آنذاك بورقيبة والطّاهر الحدّاد نفسه - وهو من مؤسسي الحزب- بل وكذلك من رهط من أسافل النّاس ممّن كانوا يدّعون في العلم فلسفة فيما هم يهرفون بما لا يعرفون، فضلا عن أنّ ضمائرهم معطوبة وعيونهم معصوبة وهدفهم الحقيقي لا يعدو أن يكون إلّا، التربّص بحريّة الرأي والتعبير في ما يخضع من الدّين لمتغيّرات الحياة وما ليس من ثوابت الإسلام وأصوله. وقد وظّف جميعهم التهمة النمطيّة الجاهزة-بتعبيراتها المختلفة، من زندقة ومروق عن الدين وفسق وإلحاد وكفر وارتداد وضلال ونحو ذلك - وهي تهم عابرة للزمان والمكان منذ أن اتّهم بها سقراط، وتنضوي جميعها في فلك الاعتداء على دائرة المقدّس. ولعلّ  تهمة « مخالفة شرع الله والانحراف عن أوامره» كانت إحدى أبرز التهم التي لاحقت الحدّاد حيّا وميّتا.

ليس هذا فقط، بل أثار الكتاب فور صدوره، حملة هوجاء على صاحبه، في الصحف التونسية والشرقيّة، تحاربه وتتهجّم عليه، وصفت الطاهر الحدّاد بأبشع ما في معجم السباب والشتائم والبذاءات والإساءات والاهانات التي لو وجّهت إلى خنزير وحشي لأقامت جمعيات الرفق بالحيوان الدنيا ولم تقعدها. أمّا جامع الزيتونة فقد اعتبر، بداية، أنّ الكتاب جاء » مشتملاً على مخالفات شرعيّة وأقوال لا يسع المسلم السّكوت عليها «، فيما شنّ الشيخ محمد الصالح بن مراد -الذي سيفرد الحدّاد بكتاب  شهير نذكره لا حقا- هجوما شديدا على الحدّاد في مقال ختمه بمقولة، تعدّ رجما بالغيب وضربا في تيه فضلا عن أنّها تخالف أبجديات النقد الموضوعي وباتت اليوم محلّ تندّر:»هذه دفعة على الحساب حتّى أقرأ الكتاب « !. ثمّ وبعد تقييم الكتاب رأى الجامع، وفق ما ذهبت إليه هيئة في الغرض، أنّه موجب "للحجر والتكفير"، كما لو أنّه تخطّى حدود الله أو ردّد مع نيتشه، معاذ الله تعالى وتقدّس،  مَقُولةٌ » إنَّ الإِلهَ قَد مَات، ونحنُ الذِينَ قَتلنَاهُ« ( من باب الرفض »لَأخْلاقِ القَطِيع« التي سادت أوروبّا القَرنِ التَّاسِعَ عَشَرَ). وكان تبرير ذلك أنّ الكتاب جاء،  بأفكار» تناقض التّعاليم القرآنيّة وتتضمّن عدوانًا على مقام النّبيّ الأعظم«. ضرورة أنّ الحدّاد تحدّث، فيما تحدّث عنه، عن تعدّد زوجات النّبي محمّد (ص) فاعتبر كما لو أنّه نزع القداسة عن الدين.

. وكان من مفاعيل ذلك، أنّ  الردّ عليه لم يتأخّر، وجاء عبر كتابين لشيخين زيتونيين هما، محمّد الصّالح بن مراد(*) وكتابه الشهير 'الحِدادُ على امرأة الحدّاد أو ردّ الخطأ والكفر والبدع التي حواها كتاب امرأتنا في الشّريعة والمجتمع"، وعمر بن إبراهيم البرّي المدني، وكتابه الأقلّ شهرة وهو"سيف الحقّ على من لا يرى الحقّ. ولا يخفى على أحد ما لهذين العنوانين من إشارات تكفيريّة صريحة للطاهر الحدّاد بعد التكفير الرسمي من الهيئة العلميّة لجامع الزيتونة الأعظم التي ترأّسها الشيخ محمّد الطّاهر إبن عاشور صاحب كتاب "مقاصد الشريعة" الذي سينشر بعد أكثر من نصف قرن –يا للمفارقة- كتابا ضخما في 30 جزءا بعنوان"تفسير التحرير والتنوير"، ضمّنه نظرته الاجتهادية والتجديديّة، حيث أكّد فيه على المنحى التحريري والتنويري للقرآن الكريم. بما يعني التقارب ضمنيّا مع المنهج الفكري  التجديدي، التحريري والتنويري للحدّاد، الذي لم يدع، في المجمل، إلى أكثر من تحرير المرأة وتنويرها. وهو ما يستنتج منه، في تقديري، أنّ من كفّر الحدّاد صراحة، تراجع ضمنيّا وتلميحا عن ذلك.

ورغم أهمّيّة كتاب "امرأتنا في الشريعة والمجتمع"، إلاّ أنّه بحكم كثرة الدراسات التي تناولته فقد تخيّرت عدم الخوض في مضمونه بأكثر إفاضة لأنّ ما يهمّنا أن نعرض له بالدرجة الأولى في هذه العجالة، بعد هذا الاستطراد الضروري، إنّما هو كتاب "الجمود والتجديد في قوّتهما"، وهو الكتاب المجهول من العامة وربّما من الخاصة، والذي صدر منذ بضعة أشهر فقط، عن المجمع التونسي للعلوم والآداب والفنون "بيت الحكمة" وقدّمه الأستاذ عبد المجيد الشرفي رئيس"المجمع". واللّافت أنّ الكتاب قد ظلّ كمخطوط غير منشور حوالي 83 سنة. وقد عثرت عليه ابنة صديق الحدّاد المقرّب، النقابي والحقوقي أحمد الدرعي (أحد رموز التيّار الإصلاحي الزيتوني المتوفّى سنة 1965) بأرشيف والدها  المدافع الشرس عن الحدّاد وصاحب كتاب "حياة الطاهر الحدّاد"، وكتاب "دفاعاً عن الحدّاد".

وجاء في مطلع تقديم الدكتور عبد المجيد الشرفي لكتاب "الجمود والتجديد أنّ » من علامات العبقرية التي لا تخطئ ان يبقى ما ينتجه العبقري  صالحا إن لم يكن على الدوام فعلى الأقل مدّة طويلة«، ذلك أنّك قد »تقرأ ما كتبه منذ ما يقرب من قرن كامل فإذا به كأنّه  كتب اليوم«. وهو ما ينطبق، قطعا، على النصوص اللآلئ التي تتقدّم على بيئتها وتسبق عصرها، والتي تتخطّى جميعها الزمان والمكان لتظلّ على راهتيّتها ونضارتها كما لو أنّها حبّرت الآن وهنا.

ويرجّح أن يكون كتاب 'الجمود والتجديد في قوّتهما' قد كتب بعد الحملة التي تعرّض لها الحدّادّ إثر صدور"إمرأتنا في الشريعة والمجتمع"، لتأكيد لا فقط، إيمانه وقناعته الرّاسخة التي لا تتزعزع بأفكاره التقدّميّة الاصلاحيّة تجاه المرأة، بل وكذلك للردّ، بعنف واستهزاء، على متتقديه الوثوقيين الجامدين ومحاجتهم ببراهين قويّة لا يصمدون أمامها، رغم أنّهم قد تعوّدوا الوقوف حجر عثرة في وجه كلّ فكر تحديثي جديد. كما يرجّح أن يكون الامتناع عن نشره مردّه الخوف من تكرار حملة السخط عليه، وهو الذي كان لا يزال يعاني من آثار الحملة الأولى التي أدّت في نهاية الأمر إلى التعجيل بوفاته في ريعان الشباب ولمّا يتجاوز السادسة والثلاثين من عمره، جرّاء وطأة العزلة والصدمة النفسيّة التي تعرّض لها بعد تجريده من شهائده العلميّة وحرمانه من العمل والزواج ومن ممارسة أبسط حقوق المواطنة، وبعد التحريض على الاعتداء عليه في الأماكن العامة. ليكون بذلك شهيد الدفاع عن حقوق المرأة وشهيد الحقّ والواجب كما كتب على قبره.

ويبرز الكتاب مدى الهوّة السحيقة التي تفصل، ذوي الفكر الجامد الذي يرتدّ إلى الماضي عن ذوي الفكر التجديدي الذي يستشرف المستقبل، بما يجعل محاولة إيجاد نقطة إلتقاء بين الفريقين، عمليّة مستحيلة الحدوث في ظلّ الطلاق البائن بينهما. وهو ما لا يؤدّي في النهاية إلّا إلى التصادم العنيف، وإلغاء الآخر المختلف ونعته بأبشع النعوت.

 . لذلك نجد خصوم الحدّاد لا يتورّعون عن وصفه، مع من يحمل فكره، تارة بالدسّاسين والدجّالين والمناحيس وطورا بالمفسدين والمضلّلين والمارقين المتعمّدين العبث بشرع الله ونحو ذلك من الصفات التحقيريّة.

واعتبارا إلى أنّ السخريّة  هى نقيض للتقديس الذي يضفيه الجامدون على أفكارهم نتيجة الأنا المتورّمة لديهم، فقد تخيّر الطاهر الحدّاد اعتماد الأسلوب الساخر الذي يضع منتقديه في حجمهم الحقيقي، ويبيّن للنّاس أنّ أفكار هؤلاء لا تستحقّ غير السخريّة اللّاذعة والاستهزاء.

يستهلّ الحدّاد كتاب "الجمود والتجديد" مستنكرا إباحة تعدّد الزوجات في كلّ أحوال الرجل، حتّى ولو كان طاعنا في السنّ وكانت زوجته الجديدة في عمر حفيداته، بما يؤدّي في نهاية الأمر إلى وضعيات بائسة تسعى إلى نفي كينونة المرأة، حيث لا تختلف فيها عن وضعيّة العبيد، التي وضعها فيها أفلاطون أو وضعيّة من يكون في المرتبة الوسطى بين العبد والرجل الحرّ، التي وضعها فيها أرسطو. لذلك يقول الحدّاد في سخريّة سوداء: » تزوجوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع، والرجل وحده هو صاحب الحق في مراقبة نفسه ليوفي بشرط العدل بينهنّ. ومهما كانت النتائج فإنّه لا يمكن أن تبلغ بكم إلى منع تعدّد الزوجات«. ثمّ يضيف مبرزا تعاظم مساحة الحريّة  لدى الرجل في علاقته بالمرأة وفي تلبية شهواته منها دون حدود فيقول: » ومتى سئم أحدكم واحدة أو أكثر من نسائه الأربع إستبدلها بمن يستطيب من دون أدنى حرج لأنّ الدين يسر لا عسر. وإذا ضايقكم عدد الأربع من نسائكم فعالجوه بما لا حدّ له ممّا ملكت أيمانكم من الجواري، فالإسلام الحقّ ما وهب لكم الرقّ إلّا ليمتّعكم فيه بأصناف المتاع «. وبالتالي فإنّ منع الغرب للرقّ يحرم المسلم » من أرغد عيش منحه الدين الحنيف للمسلمين « !

ويواصل الحدّاد  نقده الحاد لبعض الممارسات الذكوريّة التسلّطيّة في علاقة بالطلاق والتى لم تعد مقبولة اليوم فيقول:»أمّا الطلاق فإنّه ميسور لكم ودائما في انتظار كلمتكم فلا يلزم وجود سبب لذلك ولا الإدلاء به أمام المحاكم «. ويرى الحدّاد أنّ هذا السلوك رغم أنّه قد يعتبر غير سليم وغير لائق إلّا أنّ من يطالب بمنعه بالقانون فإنّه " يكون بدون شكّ شيطانا رجيما يحاول نسخ الشريعة وتغيير الواقع". وهو ما يجعل الحقيقة وجوبا " خادمة الرجل في أحواله مع المرأة ".  ويقول في موضع آخر متحدّثا عن التحايل عن المرأة في مسالة  الميراث : » لقد قالوا أنّ للمرأة في شرعة الإسلام نصيبا مفروضا في الميراث، وما دروا كيف يمكنكم  التخلّص من هذا النصيب المفروض بتحبيس التركة على الذكور« . ويرى الحدّاد أنّ ذلك لا يترتّب عنه حرج للشريعة عند الشيوخ " ما دامت تقوم برهانا لتقدّم الرجل على المرأة. أفبعد هذا يقال إنّ المرأة يمكن اعتبارها يوما إنسانا يساوي الرجل في الحقوق " ثمّ يضيف فيقول في تهكّم واضح: »فالمرأة من الرجل وهو علّة وجودها وكما سخر الله ما في الأرض جميعا للإنسان كذلك سخّر المرأة للرجل تعيش له ومن أجل حاجته تحيى، فهو عصارة الكون وسرّ الخليقة «. فيما أنّ المرأة ليست سوى "مخلوقة طائشة"و"ناقصة عقل ودين وميراث". وهي في نهاية التحليل ليست أكثر من ظلّ للرجل. ولكن متى كان الظلّ في قيمة صاحبه في غير مسرح العبث سليل الفلسفة الوجودية ؟!

ويطرح "الجمود والتجديد" مناقشة عدة مسائل فقهية وإحكاما شرعيّة ملتبسة تستدعي المراجعة  لأنّها استنبطت لزمن سابق  يختلف عن زماننا.ولعلّنا نكتفي لضيق المجال بالاشارة السريعة لبعضها.

يرى الحدّاد ضرورة التمييز ما بين الدّين والشريعة بما هي غير النصّ ذاته، ووجوب "تطوّر الحكم بتطوّر الحياة". وهي مقاربة يراها خصومه "زندقة" تؤدّي الى تقويض الاسلام لتحلّ محلّه "المدنيّة الغربيّة الفاجرة" فضلا عن كونها ترمي إلى الإنفلات من" قيود الشريعة المطهّرة" عبر الرأي والتأويل اللذين يؤدّيان تدريجيّا إلى "نسخ الشريعة  المقدسة بالرأي، والرأي شؤم ما آتبع"!! ذلك أنّهم يؤمنون  بأنّ الدّين الإسلامي كلّى لا يقبل التجزئة ولا فرق عندهم بين الدّين والشريعة، والفصل بينهما إنّما هو فصل بين شيء واحد لا ينفصل. فيما أنّ الحدّاد يرى خلاف ذلك، وهو لا يقبل بتغليب أحكام الشّريعة، لا على المتن الدّيني ولا على الواقع المتغيّر، بما يعني وجوب مسايرة الشريعة لمتغيّرات الحياة أي الواقع المتبدّل، لتكون بذلك وبذلك فقط، صالحة لكلّ زمان ومكان.عبر توظيف مذهب التأويل الذي يجب إن لا يحدّه غير الالتزام بالمقاصد الأولى التي جاءت بها النصوص المؤسّسة من قران وسنّة، مؤكّدا في ذات السياق أنّه" نعم يصحّ أن نجمد في فهمنا للأشياء ، لكن لا يصحّ أن تجمد الأشياء. فهي ومن ضمنها نحن دائما تسير". وهذا هو ناموس الحياة الذي يجري في عروق كلّ إنسان، لكن المسلم ينكره على شريعته أن تقوده في تطوّره نحو الأمام لا نحو الخلف، ويميل بها "إلى تقديس الحروف وإنكار معناها الجامع" فيكون تطوّره نحو الهاوية كما هو حال المسلمين اليوم. ويرى الحدّاد أنّ حالنا لا يمكن أن يتغيّر إلّا بتخيّر أحد أمور ثلاثة:" إمّا الجمود على ما نحن فيه اليوم  من التأخّر،وإمّا قبول التطوّر مع الشريعة، وإمّا قبوله بقطع  الصلة معها"

ويواصل الحدّاد طرحه لهذه المقاربات الفكريّة التي تحثّ على سؤال الشكّ،  فيثير مسالة الاغراق في تقديس النبيّ  (ص)حيث جاء في الكتاب "نقول بأنّ النبي بشر ثمّ ننزّهه عن صفات البشريّة فيما لم ينزل فيه تحريم". بما يعني في واقع الأمر إثبات إسم البشريّة ونفي معناها. ويرى أنّ هذه المقاربة تفترض نفي المرض عنه كما العطش والنوم وحبّ النّساء وكذلك الموت، ونحو ذلك من الصفات البشريّة التي ترتبط بالانسان. فيما أنّ القرآن الكريم  ينصّ صراحة على أنّ الرسول بشر مثلنا حقيقة لا صورة كما يذكر الفقهاء الذين يضيفون أنّه "ملك من أملاك السماء، بل هو فوق ذلك" حيث قال تعالى : "قل إنّما أنا بشر مثلكم يوحى إليّ". وفي استغراب، له مبرّره، من موقف رجال الدّين المعادي، يتوجّه لهم بالسؤال "لماذا لا يكون لكم إلاّ عمل واحد، هو هدم كل فكرة يبديها غيركم لمصلحة الأمّة" ويرى الحدّاد أنّ ذلك يعني فيما يعني أنّ المجدّدين هم الهدّامون بينما الجامدون هم البنّاؤون. فيما أنّ حال الأمّة الاسلاميّة يكذّب هذه الفرضيّة ويثبت عكسها. ويعود ذلك  في رأيه إلى غياب ثقافة الحريّة لدى مجتمعنا وإلى عداوتنا لها وكذا بغضنا للفكر و" استعمال الدين آلة لإنزال سخط  العامة" على كلّ مختلف في الفكر أو الرأي. كما يتوجّه بالنقد للتعليم الزيتوني الذي لا يحثّ على الفكر النقدي، بما يجعل المدرّسين ليس لهم سوى فضل التبليغ، لذلك" فلا أدب ولا شعر ولا تشريع إلاّ ما كان صدى لعصور سلفت".

وبحكم توسّع  الحدّاد  في البحث في هذه المسائل فإنّنا لا يمكن  مجاراته، ونكتفي بما أوردنا منها مع لفت النظر إلى أنّها صيغت منذ حوالي قرن إلّا أنّها حافظت على راهنيّتها كما لو أنّها صيغت اليوم، بما يوحي بإمكان تحقّق نبوءة طه حسين من أنّ الطاهر الحدّاد سبق عصره بقرنين. وعموما فإنّ كلّ ما كتبه الحدّاد في مجال النسويّة أو في المجال الإجتماعي  إنّما كان منطلقه الأساس الإحساس الشديد بالوجع من تراجع أوضاع  وحضارة العرب والمسلمين مقارنة بأوضاع  وحضارة الغرب. وفي كلمة، إنّه كان يتألم بآلام الأمّة ويسعى جاهدا لاصلاح أحوالها.

 

المهندس فتحي الحبّوبي

 

  

عامر صالحفي العام 1977 وفي القرار (32 / 142) دعت الجمعية العامة الدول إلى إعلان يوم من أيام السنة يوما للأمم المتحدة لحقوق المرأة والسلام الدولي، وذلك وفقا لتقاليدها وأعرافها التاريخية والوطنية. وقد دعت الجمعية العامة الدول إلى المساهمة في تعبئة الظروف اللازمة للقضاء على التميز ضد المرأة وضمانة مشاركتها الكاملة في التنمية الاجتماعية وعلى قدم المساواة مع الرجل. وقد اتخذ الإجراء غداة السنة الدولية للمرأة (1975 ) وعقد الأمم المتحدة للمرأة (1976 ـ 1985 ) اللذين أعلنتهما الجمعية العامة. وقد اتفق على أن يكون الثامن من آذار عيدا عالميا للمرأة. ويشكل هذا الإعلان قيمة أخلاقية وإنسانية في إعلانه صراحة على الصعيد العالمي بعدمية الفروق بين الجنسين في المساهمة في الحياة والحقوق العامة. ويشكل هذا الإعلان عودة إلى الفطرة الإنسانية والى مرحلة تاريخية ما قبل اللاتساوي بين الجنسين ونبذ الفروق الجسمية والعقلية والنفسية باعتبارها مصدرا بهيميا لعدم المساواة والتي يبنى عليها شتى مظاهر اضطهاد المرأة.

لم يكن الإعلان عن يوم عيد المرأة العالمي من قبل المنظمة الدولية وليد ساعة التفكير به، بل هو نتاج مخاض تاريخي طويل الامد، سبقته إحداث كبرى من الاحتجات ضد اللامساوات، ولم يكن الثامن من آذار إلا خاتمة شكلية لها. فقد أضربت مئات العاملات عام 1857 في نيويورك في إحدى مصانع الغزل والنسيج احتجاجا على انخفاض الأجور وظروف العمل السيئة وسوء المعاملة، ثم تلتها بخمسين عاما، أي عام 1907 إحياء لهذه الذكرى، ثم أعيدت نفس الاحتفالية عام 1908، وتوالت كذلك فعاليات مشابهة قي أعوام لاحقة. أما الطابع العالمي لليوم فقد طرح لأول مرة في عام 1910 من الوفود النسائية الاشتراكية والنسوية المشاركة في مؤتمر الأممية الثانية في كوبنهاكن التي شددت على التضامن العالمي بين عاملات العالم.

كما نشير هنا إلى دور الاتحاد النسائي الديمقراطي العالمي الذي تأسس في عام 1945 ودوره الكبير في التعبئة لقضية المرأة ومساواتها متأثرا بالفكر اليساري للعدالة الاجتماعية والمساواة بين الجنسين، ولعب الاتحاد المذكور دورا تثقيفيا في مختلف بقاع العالم في تهيئة المزاج الدولي والإقليمي والقطري لإبراز قضية المرأة وتأكيد استحقاقاتها التاريخية في المساواة والعدالة والمساهمة في إبراز منظومة التحديات التي كانت ولا تزال شرائح عريضة من نساء العالم يشعرن أنهن يواجهنها على كافة الأصعدة الحياتية، إلى جانب الإشادة واستعراض الانجازات والمكاسب التي حققتها المرأة على مر العقود المنصرمة في كافة المجالات وضرورة الحفاظ عليها.

 أما بخصوص مجتمعاتنا العربية والإسلامية وأسوة بأغلبية بقاع العالم المتخلف، حيث العائلة البطريركية في ظل بنية اقتصادية ـ اجتماعية متخلفة، هي المؤسسة الاجتماعية الأولى التي تؤسس لإضطهاد الفتاة ثم المرأة واستلابها، حيث يأخذ هذا الإستلاب طابعا مقدسا يستمد شرعيته من تفسير النصوص الدينية الوارد على ألسنة المشرعين والمفتين الذين يتدخلون بالتفاصيل الدقيقة لحياة المرأة وفرض الوصاية عليها، من طريقة لباسها وكيفية معاشرتها للآخرين وكذلك تقرير سقف ومدى مساهمتها في الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، والتحكم بها باعتبارها تابعا للرجل وجزء من ممتلكاته الشخصية، كما وصل بهم الإفتاء إلى إباحة أجزاء من جسدها لغير زوجها " كإرضاع الكبير ومفاخذته "، وإيجاد أشكال ظرفية عديدة ومختلفة من الزواج المؤقت، ويأخذ الاستلاب طابعا أكثر مرارة عندما يختلط الدين مع السياسية، ليتحول أكراه واستلاب المرأة إلى قوة قانونية ملزمة عليها من السماء والأرض.

وتبدأ الفتاة والمرأة كمشروع للاستلاب منذ نعومة أظافرها، حيث تفرض عليها الوصاية التربوية والوعظية، خارج إطار والديها، من أخوانها الذكور الصغار والكبار، حتى إذا بلغت اشتدت دائرة الرقابة عليها من الجميع، ثم يستقبلها زوجها فيعيد إنتاج تربيتها وفق لما يرتئيه مناسبا له، بل حتى أطفالها الذكور يساهمون في " تربيتها " وفرض دائرة من الممنوعات على حركتها وحريتها الشخصية، وتتعرض إلى شتى مظاهر الإساءات كامرأة أو زوجة، من الإذلال وجعلها تشعر بعقدة الذنب، وإساءة معاملتها جسديا بالضرب والتهديد والوعيد، ومنعها من التعاطي بالمال وإيجاد فرص عمل لكسب المال وجعلها معتمدة كليا على مال الرجل أو اغتصاب مالها الخاص والتصرف به، وعزلها اجتماعيا ومنعها من الاتصال بالآخرين إلا بموافقات مسبقة وبشروط محكمة في الصرامة ومراقبة تحركاتها عن كثب، إلى أين تذهب ومع من تلتقي، وجعلها تشعر بالذنب أمام أخوانها أو أولادها وتهديدها من عدم رؤية أولادها وحتى ممارسة الضرب والاهانة لها أمامهم، وممارسة الإكراه والتخويف والتهويل لها وإجبارها على القيام بمختلف التصرفات التي قد تؤذي فيها حتى نفسها.

ورغم تعرض االأنثى، فتاة كانت أم امرأة، في مجتمعاتنا إلى مختلف صنوف التعذيب والعنف الجسدي والنفسي والأخلاقي، إلا أن العنف الرمزي هو أكثر الأشكال ضررا وإيغالا في معاناة المرأة، وهو عنف غير فيزيائي، ويتم أساسا عبر وسائل التربية وتلقين المعرفة والايديويوجيا، وهو كما يصفه بورديو بأنه " شكل لطيف وغير محسوس من العنف "، وهو غير مرئي بالنسبة للضحايا أنفسهم. كما أن العنف الرمزي يمارس على الفاعلين الاجتماعيين بموافقتهم وتواطئهم، ولذلك فهم غالبا ما لا يعترفون به كعنف، بحيث أنهم يستدمجونه كبديهيات أو مسلمات من خلال وسائل التربية والتنشئة الاجتماعية وأشكال التواصل الاجتماعي. فالتربية "الذكورية " ابتداء من البيت والنشأة الأولى وما تتركه من انطباعات سيئة عن الأنثى بأنها مخلوق ثانوي تلقي بضلالها على الكثير من السلوكيات اليومية المذلة للمرأة، والمدرسة وتخلف مناهجها وما تبثه من معلومات حول الفرو قات بين الجنسين واستخدامها بشكل سيئ لتوجيه الطعون ضد المرأة وأهليتها الاجتماعية، الفصل بين الجنسين في المدرسة وخاصة في مراحله الأولى يؤسس منذ البدء للريبة وسوء الظن بالجنس الآخر، والاستعانة بالتراث السلبي وانتقاء أحداثه بطريقة متحيزة بما يضفي إلى تصور المرأة كائنا شريرا وناقصا ولا يحمل إلا المنعطفات والأحداث السيئة، الأفكار والإيديولوجيات السائدة التي تكرس الشائع واللامنطقي عن المرأة وعدم مقدرتها على تجاوز الواقع، الاستعانة بتفسيرات الكتاب المقدس والسنة النبوية بما يفضي إلى تكريس اللامساواة وتشويه قدرات المرأة وإمكانياتها، كما يرد في " المرأة ناقصة عقل ودين "، وكذلك الفتاوى الدينية المختلفة التي تتدخل في التفاصيل الدقيقة للمرأة ووضعها في غير مكانها المناسب. أن هذا النمط من العنف الثقافي والتربوي الرمزي والخفي يجد له انعكاساته ليست فقط في ممارسات الرجال ضد المرأة، بل الأخطر من ذلك أن المرأة تعتبره قدرا وتتفاعل معه إلى درجة الدفاع الخفي عنه وعن مرتكبيه " أي الضحية تدافع عن الجلاد ". وهذا الفرق الواسع بين العنف في مجتمعاتنا وبين العالم المتمدن، حيث في الأخير لن يلقى الدعم والإسناد من المنظومة القيمية والفكرية السائد وبالتالي هو مدان على نطاق واسع بما يحد من إعادة توليده، وهو بعكس ما سائد لدينا حيث يلقى التفسير والإسناد والإثابة في أحيان كثيرة.

وفي مجتمعاتنا العربية والإسلامية والإقليمية بتنوعها الديني والاثني والقومي، وعلى الرغم مما حققته من انجازات فردية على صعيد انخراطها في التعليم بمختلف مراحله، ودخولها عالم المهن المختلفة من طبية وتدريسية وهندسية وإدارية وجامعية، وصولا إلى تبوئها مناصب عليا وزارية وغيرها، فهذا لا يعني بأي شكل من الأشكال أنها حققت تقدمها في المساواة مع الرجل، بل المهم في ذلك كله هو المزاج والموقف العقلي والفكري من مساواتها، فهي لازالت مشروع استلاب منذ نعومة أظافرها، حيث تفرض عليها الوصاية التربوية والوعظية وتتعرض إلى مسلسل لا حصر له من الممنوعات من صغرها حتى شيخوختها، إلى جانب ما تتعرض له من مختلف صنوف التعذيب والعنف الجسدي والنفسي والأخلاقي، وكذلك العنف الرمزي غير المرئي الذي يتجسد عبر الثقافة والتربية والموقف المذل منها يوميا عبر معاملتها كجنس من الدرجة الثانية، وفصلها اجتماعيا عن الرجل سواء في البيت أو المدرسة أو الدائرة ومنعها من الاختلاط والتدخل في تفاصيلها اليومية، انطلاقا من مسلمات لا صحة لها " كناقصة عقل ودين ".

أن عملية المساواة هي أولا وقبل كل شيء عملية ذهنية ـ عقلية/اجتماعية، تنشأ بفعل عملية التنشئة الاجتماعية والتربية المستديمة للفرد اتجاه نفسه واتجاه الجنس الآخر، تلعب الأسرة فيها دورا مهما وعلاقات الوالدين بالطفل ذكرا أم أنثى، ومعاملة الإخوة الذكور للأخوات الإناث، والتربية المدرسية وما تبثه من فلسفة تربوية حيث تعرض الفرد لمختلف وجهات النظر الفكرية والعقلية اتجاه الجنس الآخر، فيتبلور لدى الفرد اتجاها محددا نحو نفسه ونحو الجنس الآخر، وكذلك العادات العامة والتقاليد، ثم المؤسسات الاجتماعية المختلفة الرسمية منها وغير الرسمية، والأحزاب والأيدلوجيات المختلفة ومدى نفوذها في الوسط الاجتماعي .

أن حقيقة كون اللامساواة بين الجنسين هو نزوع ثقافي أولا، يكفي أن نرى عمق التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي تجري في البلدان المتقدمة، والتي قامت على خلفية ظهور الفكر التنويري وانتعاش حركات الإصلاح والمساواة الاجتماعية، ولاحقا تعزيز التقاليد والاحترام والالتزام بقرارات وتوصيات المنظمات والمواثيق الدولية ذات الصلة بحقوق المرأة، وعدم تجاهل مطالب الحركات التحررية النسائية اليومية منها والمستقبلية. ولا نقول أن ما يجري في البلدان المتقدمة بخصوص النساء هو نموذجي ولا يمكن الطعن فيه،لأن في ذلك هو مجافاة للحقيقة في الكثير من وجوهها، ولكن المقارنة مع ما يحصل في مجتمعاتنا هو الذي يضعنا في صورة التفاوت المريع.

وإذا نحتفل بعيد المرأة العالمي في ظل ظروف إقليمية وعربية وإسلامية تضيق فيها فسحة المساواة ويتعرض فيها فكر المساواة إلى مزيدا من التشكيك والضربات المختلفة، وينتعش فيها الفكر المتطرف الديني والسياسي الذي يرمي المرأة خارج إطار عملية الصراع أو تحيدها أو إجبارها على الوقوف إلى جانبه، وتسفيه دورها اللازم في عمليات التغير واعتبارها تابع لاجدوى من مساهمتها في الحياة السياسية والاجتماعية، فأن الجهود الصادقة والحريصة، الدولية منها والإقليمية والقطرية، يجب أن تتوجه إلى أنقاض المرأة من سلوكيات الإذلال والحط من قيمتها الشخصية والاجتماعية وفسح كافة فرص المساهمة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية للمساهمة في بناء مجتمعات أفضل لا تخضع لمزاج الفتاوى الشخصية والاجتهاد المبتذل، فمكانة المرأة ليست موضوعا للاجتهاد بل هي موضوع للمساواة وتحقيق العدالة الاجتماعية بين قطبين متكافئين. وكل عام والمرأة نحو الأفضل.

 

د. عامر صالح

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

عامرة البلداويأن من يعول عليهن في أحداث التغيير وأتخاذ المواقف الصعبة هن النخبة من النساء السياسيات والقائدات التنفيذيات واللواتي على رأس مواقع صنع القرار في مؤسسات الدولة التشريعية والتنفيذية والقضائية، الا ان الأزمات التي مر بها العراق صنعت واقعا مختلفا، أن من برزت في الواجهة مجموعة نساء مغمورات يقبعن في زوايا المجتمع منسيات ولايمكن ان يتصور اي دور لهن . لقد صنعت الأزمة منهن نساء قياديات حيث اتخذن المواقف الأصعب والأجرأ والتي لايتوقع منهن أتخاذها في حين تراجعت المرأة البرلمانية والوزيرة والسياسية في قيادات الأحزاب، حيث لم يرتقين الى ماوصلت اليه تلك النماذج من النساء

مالذي جعل (أم قصي) أمرأة بسيطة تعيش مع أسرتها في ناحية العلم في محافظة صلاح الدين تخاطر بحياتها لتنقذ (25) جنديا شابا فروا من قاعدة سبايكر حيث هاجمتهم عصابات داعش الأرهابية وقتلت 1700 شاب منهم ونجا عدد قليل بأعجوبة، لم تكن هذه المرأة البسيطة تحلم بسلطة او مال عندما قررت ان تخفي هؤلاء الشباب في بيتها (15) يوما وهي تعيش في منطقة ترتفع فيها التحديات الأمنية والجواسيس والمرشدين الى الضحايا من أجل حفنة من المال، ثم تساعدهم في الهرب حتى وصولهم الى ديارهم وعوائلهم في المحافظات الجنوبية،  كان هذا الحدث في عام 2015 حيث أصبحت قصة بطولة هذه المرأة حدثا عالميا وأستحقت الحصول على لقب (أشجع نساء العالم)

مالذي جعل بنت الشيخ المدللة التي بوسعها العيش في رغد وترف بعيدا عن المخاطر وهي مستشارة لمحافظ صلاح الدين ويمكنها ان تؤدي ادوارا اكثر أمانا من خلال موقعها، بل ويمكنها الأكتفاء ببطولات أخوتها وأفراد عائلتها الذين حاربوا القاعدة و داعش وقدموا الشهداء فتفخر بهذا الأرث وتنال التكريم والتفخيم، في تلك الفترة في أواخر حزيران 2014 كانت هجمة داعش كبيرة وقد أستهدفت قبيلة الجبور وهم عائلة (الشهيدة أمية جبارة) وقتلت المئات منهم ودفنتهم في مقابر جماعية، ولذا فأن فكرة حمل السلاح لهذه المرأة ليس قرارا ترفيا، او من أجل ان يصورها مرافقيها حاملة للسلاح وينشرون الصور لتنال الشهرة او ربما لتفوز في الأنتخابات، بل ان مجرد فكرة حمل السلاح في تلك المرحلة الخطرة تعني القرار بمواجهة الموت المحتم .. تمكنت أمية ببندقيتها من قتل ثلاثة من مسلحي داعش قبل أن ترديها طلقة قناص داعشية لتسقط شهيدة، هل فعلا كان ذلك الموقف ثأرا لأبيها الذي استشهد وهو يقاتل القاعدة عام 2004، وهي بنت العشيرة المدللة يكفيها اخوانها حمل هذا العبء، أنما هو الموقف الأستثنائي والخصوصية التي تتمتع بها المرأة العراقية بأتخاذ أصعب المواقف في وقت الأزمة والتحدي والمخاطر

مالذي دفع أعلامية شابة غير مشهورة ولم تسلط عليها الأضواء لتنتهج نهجا مختلفا غير مألوفا بالأنخراط في صفوف المراسلين الحربيين لتغطي مايحدث في ساحة المعارك مع داعش اعلاميا وتكون قريبة من الحدث حيث استشهدت نتيجة انفجار عبوة ناسفة، تلك هي الأعلامية (رنا العجيلي) التي لعبت دورا مختلفا وكان بأمكانها الأكتفاء بتغطية المعارك عن بعد او العمل في مجال أعلامي آخر أكثر أمنا وسلامة لها

واذا كانت نماذج النساء سالفة الذكر أخترن مواقفهن دون ضغوطات شخصية سوى ضغط الواجب والشعور بالمسؤولية، فأن أرهابيو داعش استهدفوا النساء من مكونات مختلفة بالسبي والأختطاف والقتل والبيع في سوق النخاسة والزواج قسرا او الأغتصاب وكان لذلك تأثيرات مختلفة في مجتمعات تلك المكونات وقد ظهر أعلاميا ان اليزيديات هن الأكثر استهدافا والأكثر تضررا بينما لم تستطع اي جهة حكومية او غير حكومية من أستقصاء العدد الحقيقي من النساء المختطفات او الأسيرات لدى داعش من مختلف المكونات الى يومنا هذا . ومهما يكن فأن أي ضمير حي لايمكنه تقبل ماحصل، وفي الوقت الذي بدت فيه المؤسسات الحكومية عاجزة عن فعل شيء، فأن عددا من اليزيديات اللواتي تعرضن لأعتداءات داعش وتم تخليصهن ونجاتهن أستطعن نقل معاناتهن الى المجتمع الدولي، وخاصة مجلس حقوق الأنسان التابع للأمم المتحدة، لقد قمن بتعريف العالم ببشاعة ماتعرضن له وكان توثيق معاناتهن جزء من اهدافهن في أتخاذ موقف شجاع بأن يمنعن تكرار ماحصل لهن . واحدة من أكثر الشابات اليزيديات ظهورا وتحديا كما انها من أكثرهن حصولا على الدعم والتشجيع لتقوم بدورها هي (ناديا مراد)، ومن المعلوم ان من أصعب الأمور التي يمكن ان تواجهها أمرأة هو التعرض للأغتصاب فضلا عن ربما حصول الحمل والولادة من خلال هذا الفعل، وقد يقف المرء متحيرا في التعامل مع هذا الوضع المعقد فضلا عن صعوبة تحمل ردود أفعال المجتمع والأسرة حيث تعاني الضحايا من عزلهن مجتمعيا، فأذا قررت اي أمرأة من بين هؤلاء ان تتحمل الأعلان عن معاناتها من اجل فضح هذه المجموعات الأرهابية المارقة عن الدين والخلق والأنسانية فهي تكون قد أتخذت القرار الأكثر حرجا وصعوبة، وقد تحولت (ناديا مراد) الى سفيرة للسلام

لقد تعرضت ناحية (آمرلي) في قضاء طوزخورماتو لحصار الى أكثر من 3 أشهر انقطعت العوائل فيها عن العالم الخارجي ولم يصلهم الماء والكهرباء ونفدت مؤنهم وعتاد اسلحتهم ، تعرضوا الى امكانية الأبادة الجماعية ألا ان سكان آمرلي قرروا ان يقاوموا وان لايستسلموا او يغادروا مدينتهم، لقد لعبت المرأة في تلك العوائل دورا بطوليا ..لم يولولن ويضعفن مقاومة المقاتلين، بل قمن بما يمكنهن ان يبقين الناس صامدين وأحياء ..حملن السلاح تارة ووقفن على تنور الخبز تارة أخرى وصمدن ببطولة لايمكن توقعها وكن على مستوى التحدي

مالذي تتميز به المرأة العراقية ليكون لها هذا الدور والصمود بل هذا الأبداع والمبادرة في الأزمات، وماهي الخصوصية التي قد لاتتوفر في نساء دول اخرى والتي تتلخص بتحول الأدوار دون اتفاق مسبق، وهل يمكن ان يتحول الأنسان من البخل الى عطاء كامل، هل يمكن ان يتحول من الجبن الى الشجاعة الفائقة، ولعلنا نستطيع تفسير ذلك ببعض مايميز العراق بالآتي:-

1- النشأة: على الرغم من الأعلام المفتوح ووسائل التواصل الأجتماعي وغيرها من وسائل الغزو الثقافي وتأثيراتها في التفكك الأسري وضعف التواصل بين الأجيال الا ان الأسرة العراقية مازالت اسرة متماسكة وأن دور افراد الأسرة وحمايتهم وترابطهم سينعكس على النساء ويمنحهن الخصائص الفريدة للأسرة العراقية لاسيما الألتزام الديني والأخلاقي

2- البيئة: ان المناخ الصحراوي وبيئة المجتمع التي تنزع الى القبلية وقوة العشيرة كل هذه العوامل منحت المرأة القوة والصبر والجلد وتحمل الظروف الصعبة وغير الأعتيادية ..بل ان تلك البيئة ماهي الا مختبرا للقوة الذي غربل القدرات النسوية وقام بتصفيتها وأزال الضعيف والمتنحي من خصائصها مما ابرز قوتها التي تنطلق كلما تم استفزازها بأزمة او ظرف صعب

3- الوراثة: يبقى عنصر الوراثة مؤثرا في النساء والرجال، وان تلك الجينات تحمل الصفات لقرون وتمتد عبر النساء الى اوسع رقعة في المجتمع، وربما لنساء العراق امتداد وراثي أكسبهن الفصاحة والقوة والشجاعة والتحدي والصبر في الأزمات من زينب عقيلة بني هاشم عليها السلام التي تربت وعاشت سنوات من عمرها الشريف في كوفة العراق.

 

عامرة البلداوي

 

 

معراج احمد الندويتشكل المرأة نصف المجتمع بل هي المجتمع كله لأنها تشكل أكثر من نصف المجتمع وتلد النصف الآخر. فالمرأة هي روح المجتمع ونصف الإنسانية، المرأة هي مربية الأجيال وصانعة التاريخ، المرأة هي أم الإنسانية جمعاء.ومن القضايا المهمة التي اهتم بها الإسلام وأولاها عناية فائقة وأكد عليها بنصوص ثاببتة حماية المرأة وبيان حقوقها وأبراز مكانتها في المجتمع. فالقرآن الكريم يعتني بالمرأة للغاية ويبين مكانتها في الحياة. ولقد بلغت تلك المكانة مداها حين جائت بعض سور القرآن باسم المرأة كسورة مريم وسورة النساء. ووردت في القرآن الكريم عدد كبير من الآيات للحديث عن أحوال المرأة. قد حفظ الإسلام المرأة من المخاطر وحماها من كل ما يهدد أنوثتها وشرفها ورد كرامتها وصان حريتها وأحاط مسيرتها بالإجلال والعدل والإحسان.

لقد عاشت المرأة قروناً طويلة، كانت تعاني من ظلمة التهميش، وعنف التمييز، وقسوة اللا مساواة، حتى جاء الإسلام فأنصف لها، وأكرم مكانتها، وقرر حقوقها، ورفع شأنها. بادرت المرأة إلى الإيمان بإلاسلام فكانت المرأة أول من فآمنت وأقبلت على هذا الدين. أما الدين الإسلامي وأحكام الشريعة فهي أعظم القوانين التي أنصفت المرأة على مر التاريخ. وقد أنقذها القرآن والسنة في زمن لم تكن المرأة تحلم حتى بالحياة فيه، ولم تشهد الممرأة في شتى العصور والأزمنة نصيرا واراعيا وحافظا ومكرما كالإسلام. فجاء الإسلام ليعطي المرأة جميع حقوقها. فقد دفع الظلم عن المرأة وخلصها من الأغلال والبغض، وجعل لها حقوقا لم تكن تعرفها من قبل كالميراث والانفراد بتدبير أمورها وامتلاك إرادتها والتصرف في ملكيتها الخاصة واختيار زوجها وطلب العلم وما إلى ذلك. إن الإسلام أسبغ نعمته عليها ورد كرامتها وصان حريتها وأحاط مسيرتها بالإجلال والعدل والإحسان والرعاية، وأعطاها حق التعليم والتعلم بما لا يخالف دينها، بل إن من العلم ما هو فرض عين على كل مسلمة يأثم تاركه ذكرا كان أنثى. فنالت المرأة في ظل الإسلام حقوقها في البيعة والقصاص وتولت أمور البيع والشراء والاستثمار.

المرأة قبل الإسلام: كانت المراة قبل الإسلام من اشياء البيت تورث إذا مات زوجها كما تورث العقارات والأنعام والأموال، وينتقل عنها إلى ملكية أي رجل، وكانت سلعة تباع وتشتري، وتحترم من الميراث ومن التصرف في مالها. وكان المهر من حق والدها أو أخيها أو أولى أمرها، بمعنى لم يكن لها ذمة مالية أو كيان مالي مستقل. ويقول عمر عمر بن الخطاب في هذا المقام: "كنا في الجاهلية ما تعد النساء شيئا حتى انزل الله فيهن ما أنزل وقسم لهن ما قسم." ويقول مصطفى صادق الرافعي في كتابه الإسلام ونظام إنساني "لقد كان من المؤسف أن يحرم العرب الجاهليون إرث الزوجات والبنات والأمهات والأخوات."1

المرأة في ظل الإسلام:  إن الرجل والمرأة في الإسلام هما الشقان المكونان للنفس الإنسانية، وهو المعنى الكامن وراء مقولة  "النساء شقائق الرجال”، ولهما حقوق اجتماعية وسياسية واقتصادية متساوية بنص الآيات القرآنية.

(1) القيمة الإنسانية:

لقد ساوى الإسلام بين الجنسين في القيمة الإنسانية الوجودية حيث خلق الله سبحانه وتعالى الإثنين من طينة واحدة ومن معين واحد، فلا فرق بينهما في الأصل والفطرة، ولا في القيمة والأهمية. والمرأة هي نفس خلقت لتنسجم مع نفس، وروح حلقت لتكامل مع روح, ولقد قرر الإسلام أن قيمة أحد الجنسين لا ترجع مزن أحدهما ذكرا والآخر أنثى، وإنما ترجع إلىالعمل الصالح والتقوى2.

(2) الحقوق المدنية:

لقد ساوى الإسلام بين الجنسين في الحقوق المدنية على مكافة مستوياتها من تملك وتعاقد ، وبيع وسراء، ورهنية ووهبة ، وحق في توكيل الغير أو ضمان. فللمرأة شخصيتها الكماملة مثل الرجل في الإسلام، لها حق التصرف في حالها قبل الزواج وبعده كيف ما تشاء في إطار الشريعةالإسلامية. جاء الإسلام ليعطي المرأة الحق في الميراث الشرعي وأن تباشر المعاملات الإقتصادية والمالية المشروعة مثل: إبرام العقود والشهادة والوكالة والإجارة والهبة والوصية وحق التمليك وحق الصداق وأن تزكي مالها وأن تتصدق منه وهذا في إطار قواعد وأحكام الشريعة الإسلامية. وقد استطاع  الرسول صلى الله عليه وسلم أن يعالج كثيراً من تلك المشكلات بترسيخ الأخلاق الفاضلة، وتأصيل الحقوق الكاملة، وهذا المنهاج الحكيم له قدرة عظيمة على حلِّ أي مشكلة في الماضي والحاضر والمستقبل.لقد أدرك الرسول صلى الله عليه وسلم أثرها ومكانتها من الرجال فقال: "إنما النساء شقائق  الرجال."3  .

إن الإسلام كان اول من حرر المرأة ولم يحررها احد بعده. فالإسلام هو أول من ساوى حقوقها وواجبتها وذاتها مع الرجل .فالمرأة في الغرب عاشت صراعا مريرا من اجل الحصول على حقوق ماضية منحها الاسلام للمرأة المسلمة وصادرها العرف باسم الاسلام أيضا !! ومن التحريفات التي استعملت في هذا الجانب التفسير المعاكس لكثير من الآيات ومنها انهم قالوا ان المرأة نصف انسان لأنها تأخذ نصف الارث.وغضوا الطرف عن اية (النفس الواحدة) واية (لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ). قامت الشريعة الإسلامية الغراء في مثل هذه  البرهة السوداء من تاريخ البشر باحقاق حقوق المرأة،  فالآيات القرآنية نوضح معالم حقوق المرأة . قد ابطل الإسلام معايير الجاهلية كحلرمان النساء من الإرث والتمييز بين الرجل والنرأة في الإنسانية. هذا هو الإسلام الذي قد أحيأ حقوق المرأة وأعطاها المنزلة الرفيعة تلتيق بها في المجتمع لأول مرة التاريخ الإنساني.

 

ا. م. د. معراج أحمد معراج الندوي

جامعة عالية ،كولكاتا - الهند

...................

الهوامش:

1- مصطفى صادق الرافعي: الإسلام نظام إنساني: درا مكتبة الحياة، بيروت- لبنان

2- موسى، د. رشاد عبد العزيز، د. مديحة منصور الدسوقي، د. أميرة عبد الرزاق، علم نفس المرأة، ص 35

3- أخرجه الإمام أحمد في المسند رقم الحديث 26195 وصححه محققوه وأخرجه أبو داوود في (السنن كتاب الطهارة - باب في الرجل يجد البلة في منامه ح 236)، وصححه السيوطي في الجامع الصغير (انظر فيض القدير2/562)، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير ح 2329.

 

رائد عبيسثمة تشابه كبير بين البشر، منه ما يتعلق بالفعل ومنه ما يتعلق بالقول ومنه ما يتعلق بالتجربة، والتجارب البشرية كثيرة وكبيرة في مجالات الحياة المختلفة، منه ما هو قريب منا ومنه ما هو بعيد عنا، ومنه ما يستعار بتجارب المناقلة المباشرة وغير المباشرة، وأساليب كتابة أو فعل أو سياسة المهم هناك وسائل تمكننا من تحقيق الاستعارة المقصودة لأي تجربة بشرية .

هناك مقاربة بين تجربة الشعوب الأوربية، وهو الشعب الذي نقرأ تاريخه أكثير ما نقرأ غيره فكرياً وتاريخياً وسياسياً، وهذا مكننا من امتلاك وعي تجاه هذه الشعوب وتجاربها في مجلات مختلفة، ومنها تجربة البداية التي بدأت تظهر عندهم بالتنوير، والحداثة الفكرية، وأساليب العيش، ومغادرة المألوف القروسطي ووجود بدايات الانفتاح الاجتماعي، والتجارب السياسية والديمقراطية، والليبرالية، والاشتراكية، والقومية وغيرها.

 فكرة استعادة مثل هذه التجارب جعلت من مجتمعاتنا مجتمعات مُستغفلة؛ لان هناك سرعة في نقل كثير من أنماطها، بطريقة المباغتة، والمداهمة، والمفاجئة التي صدمت شعوبنا العربية والإسلامية الى حد الذهول، و مازلنا نعيش حقيقة هذه الصدمة التي ابهرت حتى الشعوب المعار منها، ولكن يا ترى هل اعارتنا كل ما هو إيجابي؟ وما معيار الإيجابية عندي وعندك؟ وما الذي يستحق الإعارة فعلا؟ وما هو المعيار في المفاضلة بين الأشياء التي نفكر بإعارتها؟ هذه المعايير يحددها البعد السياسي من سياسة الإعارة، بين سياسة البلدان المـُعيرة، وبين سياسة البلدان المستعيرة، هناك بلدان تحدد معايير عناصر الحداثة، تبعا لما يحمي سياستها من مجتمعها، وهناك من يحدد معايير الإعارة تبعا لمقومات دينية، وهناك من يحددها تبعا لمقومات أخلاقية، وهناك من يحددها تبعا لمعايير اجتماعية، وهناك من يحددها تبعا لعوامل ثقافية، أو علمية، وهناك من يحددها تبعا لعوامل اقتصادية، وهناك من يحددها تبعا لعوامل فكرية، وهناك من يحددها تبعا لعوامل بيئية ومناخية وطبيعة وغيرها.

بمعنى هناك سياسة خلف كل شيء، ولكن ماذا عن ما يتسرب من السياسة وتخترقه التكنولوجيا؟! ولاسيما بعد الثورة المعلوماتية والانترنت و التواصليات . هل بقي بعد هذه الثورة الرقمية شيء لا يمكن مناقلته أو جعله نمط آخر للاستعارة؟ نعم، هناك أشياء كثيرة، ولكن ما تناقلته بسهولة، هو أنماط العيش، وسلوكياته، من ملبس، ومشرب، وكماليات حياتية كثيرة، فكل هذه الأنماط بدأت تنتقل عبر التوصيل المجاني أو التوصيل الكوني عبر الأثير، أو عبر البر، أو عبر البحار، أو عبر البريد الالكتروني، المهم هناك من يساعد على تحقيق ذلك. والأهم هو خلق جيل جديد من الموضة الحداثية في مجتمعات مغفلة، وخاملة، ونائمة، ايقظها صياح الغرباء في بيئة الأهل والاقرباء.

هذا ما حدث، صيحة الحداثة التي أيقظت أجيال كانت في سبات وجودي، ونوم كئيب وصمت جهل مطبق.

هل تكفي هذه الصيحة لفهم اخر لحياة المستقبل، هل استشعرنا بداية الآخرين حتى ندرك نهايتهم التي نشاركهم بها؟ وهي نهاية بدأ الحديث عنها فلسفيا، في فلسفات مختلفة، مثل الحديث عن نهاية التاريخ، أو الحديث عن نهاية الدولة، أو الحديث عن نهاية الفلسفة، أو نهاية عصر الأيديولوجية، أو نهاية المجتمع، أو نهاية الكون، أو غيرها من النهايات المحتملة، مع هذا الحديث المتشائم بدأ حديث آخر يتحدث عن التجاوزات، أو الما بعديات، أو الماورائيات الواقعية، وليس الميتافيزيقية، هل علينا بعد هذا الحديث أن نتحدث عن نهايات لنا جديدة أو تجاوزات لواقعنا مثلما تجاوزا ذلك؟ هل علينا أن نفعل مثل ما فعلوا حتى نؤكد حقيقة الإستعارة ؟ هل نعلم اننا كلما نستعير منهم شيء يعني أننا سوف نشاركهم نهايته؟! لان الشعوب تتجه نحو انفتاح مخيف، انفتاح صوب عوالم مجهولة من العلاقات الاجتماعية التي دعت فلاسفة مثل هابرماس يتحدث عن مفهوم المواطنة الكونية، أو حتى فكرة العولمة التي هي تجسيد واقعي لحجم الاستعارة بين الشعوب، والحضارات، والمدنيات من تكنولوجيا و اخلاقها . هل نعلم حجم الخطورة من كثرة الاستعارة الباهتة لكل شيء، هل نعلم بأن استعارة الأخلاق يعني هناك تبدل هوياتي سوف يطرأ اذا لم يكن واقع فعلاً .

متى ندرك بأن كل استعارة بقابلها مرارة، في توظيف الفكر واستعداد الواقع، هل معرفتنا بقيم الاستعارة كفيل بتحصين أنفسنا من الضياع مع المستعار، ما يمكن أن يلحق الضرر بالمجتمع بشكل كبير هو أن نعير هويتنا بدل المعار أو ثروتنا أو ارضنا ووطننا أو غيرها من الثوابت، فكرة إقناع المــُعير بطلب الاستعارة باتت ثقافة في البلدان النامية، ومخاطبتها للدول المتطورة، واستجداءها عبر نظرية تبادل المصالح، فهل الاستعارة كفيلة بالاستغناء التام؟ هل استعارة لمرة واحدة كفيلة بقدرتنا بإيجاد البديل؟ المشكلة الكبيرة في مجتمعاتنا العربية لم تكتفي بالاستعارة بل بات الرهان هو أكبر القضايا خطورة على مجتمعاتنا، رهن الثروات، ورهن الطاقات البشرية ورهن السياسات، والقرارات ولكل شيء من أجل الحفاظ على السلطة!

وهذا الحفاظ المبدد لكل ثروات وخيرات وطاقات بلداننا جعل فكرة وهواجس المشاركة بالكارثة وشيكة واكيدة، لأننا فقدنا قدرتنا على الصمود وتابعنا سياسة الاستعارات والمواكبة التي لا تحسن استثمار طاقات شعوبنا العربية، في تقديم تجربة جديدة للبناء، واحداث الحداثة الذاتية بدل الاستعارة وبدايتها التي تنتهي إلى نهاية متشاركة مع المعار منه، وبهذا اصبحت مخاطر المشاركة في النهاية كمخاطر الاستعارة في البداية.

 

دكتور رائد عبيس

 

نور الدين صمودالأستاذ ماجد الغرباوي السلام عليكم وبعد فإن احترازك على ما بدا لك في مضمون قصيدتي الحائية الذي يحتاج الخوض فيه إلى (زمكان) طويلين عريضين، فقد بدا لي أنك وضعتني في غير موضعي رغم أني كنت جازما بأني وجهت القصيدة إلى مُستحقها، وأعطيت القوس باريها كما يقال، ولما لمست في تعليقك عليها أنك تراها خالية من روح التسامح التي يجب أن تعم الجميع،عدت إليها فوجدت فيها تمشيا معك في مشروعك المفتوح للنقاش والداعي إلى الأخوة البشرية مهما كانت ألوانهم ومللهم ونحلهم وأديانهم السماوية والوضعية وحتى من المشركين الذين جاء عنهم في القرآن: (إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا(48) سورة النساء). ورغم شركهم الذي لا غفران بعده، فقد أثــَّرتْ هذه الآية حتى في غلاة المكفـِّرين لمخالفيهم، ومن أطرف ما قرأت في قريب من هذا الموضوع أن عصابة من المكفرين لمخالفيهم انتصبوا في مكان لقطع الطريق على المارة، وأخذوا يسألون من يمر بهم عن دينهم ومذهبهم، فكل من وجدوه مؤيدا لهم أطلقوا سَراحه وسمحوا له  بالمرور، ومَن وجدوه مخالفا لهم قتلوه، وذات مرة قال لهم أحد المارين: (أنا من المشركين) فأيقن الجميع بأنه هالك لا محالة، وعندما همُّوا بقتله، ذكـَّرهم بالآية التالية: (وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَ يَعْلَمُونَ(6) سورة التوبة)

فتأمل هذه الآية وما قبلها وما بعدها لترى التسامح والدعوة إلى التعايش السلمي رغم البون الشاسع بين المؤمن والمشرك.

أضف إلى ذلك فإن عدم الغفران للمشركين يوم القيامة أمر موكول للخالق لا دخل للمخلوق فيه َ لذا ا يجوز أن يكون إشراكـُهم سببا في عدم التسامح وعدم التعامل معهم ففي ذلك حرمانهم من حرية الرأي والمعتـَقـَد، وهم الذين جاء عنهم في القرآن أمرٌ لرسوله محمد: (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ(1) لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ(2) وَلاَ أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ(3) وَلاَ أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدتُّمْ (4) وَلاَ أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ(5) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ(6))،(سورة الكافرون) فقد يكون ذلك المُخالف أنفع للناس ممن تراه موافقا لك فتحسبه إنسانا في زيِّ ملاك، ولكنه كان بذلك يصطاد ثقة الناس بتلك (الزبيبة المصطنعة) التي رسمها على جبينه واللحية الطويلة العريضة التي رباها على عارضيه وذلك العُثنون الذي طال على ذقنه، واللهُ يعلم ما في الصدور، وقد ينتفع المجتمع الإنساني من المخالف في الدين، في حين أن إشراكه بالله لا تقع أضراره إلا عليه يوم الحساب، وقد عبر عن ذلك رهين المحبسين في إحدى لزومياته:.

سبِّحْ وصَلِّ وطفْ بمكة خاشعـِا*سبعين لا سبعًا فلسْتَ بناسِـكِ

جهِل الديانة من إذا عرضتْ لهُ *أطماعه، لم يُلـْفَ بالمتماسِكِ

فهل من المعقول أن يعادي إنسانٌ ورث دينا عن أبويه، إنسانا آخر ورث بدوره دينه عن أبوين يعتنقان دينا غير ذلك الدين، فالحساب والثواب والعقاب أمر لا يقوم به إلا الله يوم الحساب فهو الذي خلق كل نفس وقد جاء عنهم في القرآن: (لكم دينكم ولي دين).

أما الآية التي تشير إلى أن من ابتغى غير الإسلام دينا فلن يُقبل منه، فإن المعنى المراد فيها) الإسلام (بمعناه الشامل لجميع الأديان السماوية التي أنزلها الخالق على أبي البشرية بداية من آدم إلى آخر أنبيائه، فالإسلام ليس مقصورا على ما جاء به محمد بعد المسيح بن مريم وهذا ما جعلني أختار لقصيدتي عنوان (إن الدين عند الله الإسلام) وهو يساوي (الإسلام سلام) بالمعنى المشار إليه آنفا.

فالدين واحد من مصدر واحد قال عنه رب الأديان  جميعا وباعثهم إلى البشر كافة (إن الدين عند الله ألإسلام) وهو الذي أرسله إلى الناس بواسطة أنبيائه عليهم جميعا السلام، ولا يمكن أن يكون إبراهيم يقصد أنه أول المسلمين الذين آمنوا بنبوّة محمد قبل أن يُرسل بزمن طويل ولكنه يعني أول المسلمين برسالة الإسلام التي أرسلها الله للبشر عن طريق جميع الأنبياء، ومن هنا كان عنوان قصيدتي وقد أردت به أن الدين الصحيح هو الدين الذي أرسله إلى البشر بواسطة الأنبياء فهو واحد وهو الإسلام الذي يعني السلام والسِّلم والسَّلم، غير محدود بما اشتهر وعرف بالإسلام الذي يقارن بالديانات اليهودية والمسيحية وما سبقهما من الديانات التي هي في حقيقتها جميعها إسلام. وفي القرآن ما يجعلها جميعا تدعو إلى الخير ويجازَى معتنقوها الجزاء الأوفى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صَالِحًا فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ(69) رغم أن (الصابين) ليس لهم نبي مبعوث يتبعونه فإن الله عدهم: (مِمَّنْ آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا.)

وبالمناسبة أذكر أن صديقا لي يعمل أستاذا جامعيا وكان والده إمام جمعة في جامع بمسقط رأسي زارني في مكتبتي المنزلية ومعه يهودي تونسي لا يجيد الكلام بالعربية أثناء حديثنا حول هذا الموضوع، فقدمت له من ترجمة القرآن التي قام بها إلى الفرنسية الصادق مازيغ للآية السابقة فقال لي إثر قراءتها: إذن فقد ضمنا مستقبلنا يوم الحساب. كما أذكر أنني سألت أستاذنا بالجامعة اللبنانية في بيروت 1958/59 الدكتور أسد رستم صاحب كرسي في كنيسة الله العظمي بأنطاكية عن رأيه في الإسلام فقال لي: اسمع يا ابني، كل ما يدعو إلى الخير فهو  من عند الله، وأذكر أنه قال لنا في درسه: لقد سميت أحد أبنائي صلاح الدين وقلت فيه قصيدة منها البيت التالي الذي فيه تورية طريفة وهو:

بصلاح الدين قد سميتـُهُ*وبه قد قـَرَّ قلب الأسدِ                                                                           

وإزاء هذا التنافر بين أتباع الرسالات السماوية فإن أطرف ما أثر في نفسي ما قرأته لامرأة يهودية تجيد الكتابة والكلام بالعربية التي قالت ما خلاصته أن كثيرا من أصدقائها المسلمين سألوها عن سبب عدم اعتناقها الإسلام؟ فقالت: عندما يتفق العرب على دين واحد لا يختلفون فيه دون جدال ودون أن يكفر فيه أحد أحدا، فإني سأعتنقه دون أن يجبرني أحد على الدخول فيه وأترك ديني الذي ورثته عن أجدادي.

وأضيف إلى ما سبق أن شيخ الإسلام ومفتدي الديار التونسية محمد الطاهر ابن عاشور شيخ جامع الزيتونة وفروعه في تفسيره الكبير التحرير والتنوير أنه أخبر أصحابه بأنه زار مدينة (الفاتيكان) بروما ولما وقف على ضريح القديس بولس، قرأ على روحه سورة الفاتحة، فتعجب أصحابه من قوله ذاك، فقال لهم: إن بولس بالنسبة إلى عيسى  بن مريم كان من الحواريين الذين جاء في القرآن عنهم: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا أَنصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ فَآَمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِين(14سورة الصف) وبهذا المنطق اقتنع أصحابه بأن قراءة الفاتحة كانت على روح أحد الحواريين الذين كانوا للمسيح بمثابة الصحابة الذين ناصروا صاحب الرسالة المحمدية، وبهذا الذهن المتفتح برر شيخ الإسلام بتونس قراءته لفاتحة القرآن، وقبل إبداء هذا الرأي كان كثير من الشيوخ لا يسمحون لأنفسهم بالدخول إليها فما بالك بقراءة الفاتحة داخلها على روح أحد رؤوس المسيحية.

 

ا. د. نورالدين صمود

أستاذ محاضر ومدير قسم القرآن والحديث بجامعة الزيتونة

.....................

للاطلاع على القصيدة

إن الدين عند الله الإسلام / ا. دز نوري الدين صمود

 

 

جواد بشارةإثر تراكم النظريات والفرضيات والحصيلة الهائلة من عمليات المراقبة والرصد والمشاهدة على مدى عقود طويلة، لم يعثر العلماء على الجزء الأهم والأكبر في الكون المرئي ألا وهو "المادة المضادة، والمادة السوداء أو المظلمة، والطاقة المظلمة أو المعتمة" مما دفع بالبعض منهم على نحو جدي، إلى إعادة النظر في جميع النظريات والفرضيات المتوفرة والمدروسة حالياً في الجامعات ومراكز الأبحاث العلمية المتخصصة في علم الكونيات والفيزياء النظرية والفيزياء الفلكية .

فعلى مدى أكثر من نصف قرن، وعلماء الفيزياء يبحثون، بلا كلل أو توقف وبدون انقطاع، عن المادة السوداء أو المظلمة دون أن يحققوا أي نجاح يذكر، والأمر نفسه ينطبق على جهود البحث عن الطاقة المظلمة أو المعتمة التي فرضت نفسها نظرياً على الوسط العلمي منذ أكثر من ربع قرن وهما المكونان الأكثر غرابة وغموضاً ولغزية في الكون المرئي .

هل أخطأ العلماء أو ساروا في طريق خاطئة ؟ " من الصعب جداً أن نعرف، متى يمكننا تحديد أن الشذوذ الناشئ في أي نموذج كوني، كافي ومهم بالقدر الذي يتيح لنا أن ندعو إلى هجر النموذج والتخلي عنه علمياً " كما يقول العالم الفرنسي توماس لوبلتييه Thomas Lepeltier، صاحب كتاب " الوجه الخفي للكون، قصة أخرى مغايرة لعلم الكونيات La Face Cachée de l’univers, une autre histoire de la cosmoligie" الحاصل على الدكتوراه يحتل كرسي الأستاذية في الفيزياء الفلكية ومؤرخ للعلوم "بعبارة أخرى يتساءل هذا العالم متى يمكن للجهود المبذولة في مجال ما، اعتبارها عناداً لا طائل منه وغير مقبولة علمياً ؟ والحال أن هذا التساؤل من الحساسية بمكان أننا نتواجد دائماً في وضع تكون فيه الرغبة لتأكيد صحة النموذج عالية جداً أكبر بكثير من الرغبة في دحضه . وهو حال العالم توماس بوشير Thomas Buchert، من مركز الأبحاث في الفيزياء الفلكية في ليون ـ فرنسا التابع للمركز الوطني للأبحاث العلمية والحائز على منحة من المجلس الأوروبي للأبحاث سنة 2017 لمشروعه المسمى آرتهوس  RThUS الذي يعمل على دراسة تأثيرات غياب التجانس والإتساق في الكوسمولوجيا النسبية " والذي ينطوي على العودة الصارمة والملتزمة بمعطيات النسبية العامة لآينشتين، وكيف يمكن لحسابات رياضياتية دقيقة ومضبوطة تسمح بتجاوز عقبة الطاقة المظلمة أو المعتمة وتجاهلها أو اعتبارها غير موجودة . فالنموذج المعياري للكوسمولوجيا يعتبر الكون متجانساً، وذلك يعني أن جميع وجهات وزوايا النظر فيه متساوية داخله، كما يوضح علماء الكوسمولوجيا التقليديين . كما لو أننا نستخدم الهندسة النيوتنية، التي تتعامل مع فضاء ثابت، ولكن بعد إجراء بعض التعديلات والتصحيحات النسبية، وفي هذه الحالة يتوجب علينا اللجوء إلى المادة السوداء أو المظلمة والطاقة المعتمة أو المظلمة، بيد أن التوزع المنظور والمرصود للمجرات يسمح بصياغة فرضية أو نظرية أخرى مغايرة بسبب أن الكون في حقيقته ليس فقط غير متجانس بسبب توزع المادة بل وكذلك بسبب هيكيليته وهندسته .

هل يمكن أن نقول وداعاً للطاقة المظلمة أو المعتمة التي تمدد وتوسع الكون؟ ربما. فحل معادلات النسبية العامة لكون غير متجانس تبدي لنا في غاية التعقيد ما يتطلب أو يستدعي التخلي عن الفرضيات والنظريات التي تعد مفتاح النموذج المعياري ولكن في الحصيلة النهائية ستقوم المادة المرئية بتفسير شكل الفضاء أو المكان ولن تعد هناك حاجة لدعوة أي شيء إسمه طاقة مظلمة أو معتمة تقوم بتمديد الكون على نحو متسارع، ويتعين علينا إنتظار الإنتهاء من مشروع آرتهوس RThUS في آب 2022 لكي تشق الفكرة طريقها في الوسط العلمي المتخصص.

في المقابل، يرغب الباحث والعالم غابرييل شاردان Gabriel Chardin المدير العلمي المساعد للمعهد الوطني للفيزياء النووية وفيزياء الجسيمات في المركز الوطني للأبحاث العلمية، بتفحص نظرية أخرى مغايرة ركنها الفيزيائيون على جهة واستبعدوها مؤقتاً وهي الفرضية والنظرية القائلة بوجود كتل سالبة masses négatives بالتوازي مع الكتلة الموجبة masses positives التي نعرفها مثلما يوجد شحنات كهربائية موجبة وسالبة. فالجسيمات الأولية للمادة المضادة مزودة بالكتلة السالبة كما تفترض هذه النظرية. والمادة المضادة هي القرين للمادة العادية واللذين ظهرا في نفس الوقت، والمختفية حالياً ولم يعثر عليها العلماء بعد وليس لها أي اثر اليوم في كوننا المرئي مما يشكل لغزاً في النموذج المعياري. يؤكد العالم غابرييل شاردان Gabriel Chardin قائلاً :" في النموذج الكوسمولوجي الذي اقترحناه وطورناه مع أورليان بنوا ليفي Aurélien Benoit Lévy، وأسميناه " كون ديراك ميلن Univers de Dirac – Milne، تتموضع المادة المضادة في المناطق الكائنة بين المجرات، و التي كنا نعتقد أنها فارغة . فبينما تقوم الكتل الموجبة بعملية الجذب تقوم الكتل السالبة بعملية النبذ والطرد والنتيجة أن الأولى تقود إلى تشكل البنى الكبرى للكون في حين أن جسيمات المادة المضادة تنتشر بين المجرات وتستمر بعملية الدفع للهيكيليات الكونية الكبرى مشكلة فضاءاً في حالة توسع وتمدد دون الحاجة للطاقة المظلمة أو المعتمة . يرد المعارضون والمنتقدون لهذه النظرية بأن المادة والمادة المضادة يفنيان بعضهما البعض باعثتين لأشعة غاما وبالتالي كان يجب أن رصدها ويرد عليهم شاردان " هناك منطقة فراغ تصل بين المادة والمادة المضادة تمنع احتكاكهما وتفاعلهما وبالتالي تتيح تفادي الالتقاء بينهما وفنائهما المباشر. ولكن من وقت لآخر هناك رشقة من المادة التي يبعثها الكوازار، على سبيل المثال، يمكن أن تخترق وتتغلغل في السحابة أو الغيمة الباردة للمادة المضادة ما ينتج دفقات من أشغة غاما هي تلك التي نرصدها بين الفينة والأخرى . والحال أن وجود هذين النوعين من الكتلة يغير سمات وخصائص الفراغ مما يغير من قوانين الثقالة أو الجاذبية حسب هذه النظرية المعروفة بنظرية موند MOND، فهذه النظرية تسمح بالتخلي والاستغناء عن المادة المظلمة أو السوداء والطاقة المظلمة أو المعتمة وتحل لغز المادة المضادة بقي أن نتيقن من أن للمادة المضادة كتلة سالبة وهذا محل تجارب تجرى حالياً لإثبات ذلك. تجدر الإشارة إلى أن العالم الفرنسي جون بيير بتي سبق أن تحدث في نموذجه الكوسمولوجي، المستوحى من الأوميين، عن الكتلة السالبة والمادة المضادة التي تشكل كوناً توأم لكوننا المرئي. يتبع

 

د. جواد بشارة

 

صباح الحاج مفتنالميثولوجيا اليونانية هي مجموع الأساطير التي وقَعَت بين القرنين التاسع والثامن ق.م. والأُسطورة ليس لها غاية إلاّ في ذاتها، فهي تجذب جانب اللامعقول في الفكر، لكنّها ترسم صورة لا تُوصَف إلاّ هكذا، فهي مخبأ للفكر يقع وسطاً بين العقل والإيمان، ومنها نَبَعت كثير من تأمُّلات اليونانيين.

تُمَثِّل الميثولوجيا اليونانية أبرز التَأمّلات المركزية للفلسفة اليونانية؛ فظهور الفلسفة وبداياتها يقتضي حدوث عملية إنتاجية للمفاهيم تعكس وجودها على الواقع، وحسب تعبير نيتشه: "الفيلسوف يسعى لأنْ يُرَدِّد بداخله كل أصوات الكون المتناغمة ليخرجها كمفاهيم، وبالرغم من امتلاك الطقوس الأُورفية قُدرة فائقة على إدراك التجريدات لكنّهم عبَّروا عنها بشكل غامض اتّحَدَت فيه الخرافة بالواقع، بيد أنَّ الفلسفة مع بدايتها الطبيعية لَم تَستعن بالروايات الخيالية. وهذا ما يتميَّز به الفكر الفلسفي".

ويعتقد "فرانكفورت" أنَّ المفاهيم موجودة في المعتقدات الدينية القديمة، لكنّها لَم تُنَظَّم بشكل عقلاني: "الأرجح أنَّ الأقدمِين أدركوا بعض التساؤلات والمشاكل الذهنية لكنّها غير مصاغة بشكل تأمّلي ذهني؛ إذ كانوا ينظرون إلى الحوادث ويفسّرونها على أنّها حركة، ويضعونها في قوالب قصصيَّة أسطورية بدلاً عن القيام بالتحليل والاستنتاج".

ويرى "جيل دولوز" أنَّ الفلسفة حين بدأَت استَبْدَلَت الروايات الأُسطورية وحكماء الحضارات الأخرى بالفلاسفة: "الحكيم يفكِّر بطريقة صورية حاضرة، في حين أنَّ الفيلسوف يبتكر المفهوم، ويسجِّل حضوره داخل الفكر".

ترفض الأساطير اليونانية أنْ يكون للكون تفسير واحد، وإنّما تفسيرات متعدِّدة؛ لذلك فالإله اليوناني لا يحوي الكون كلّه، ويبقى في دائرة تحوم فوق إرادتها قوَّة الأشياء المسمّاة بالقدر؛ فالأسطورة تُصَوُّر البشر يَنعَمون بنوع من الأخوَّة الأساسية مع الآلهة، لتؤكِّد لنا أنَّهم خُلِقُوا على هامش إرادة زيوس كبير الآلهة، فَلَيْسَ الإله أباً للبشر بل سَيِّد يلتقي البشريين في مملكته. وهذا يعني أنَّ الديانة اليونانية تتميَّز بإسداء العون للإنسان عند الحاجة، فتلك التقوى البدائية القائمة بين الإله- الإنسان هي التي هَدَمَتْها الفلسفة الطبيعية، وأثبتَت أنَّ الآلهة لا دخل لها بظواهر الكون، وإنّما هي علل طبيعية يمكن تَصَوُّرها، فكانت بداية لانطلاق الحركة العلمية ومفاهيمها الطبيعية؛ فالعلم عند اليونانيين هو الدال على المعرفة بشكل مُطْلق، سواء أكانت الحسية أو العقلية- لذا فإنّنا نقصد بالعلم هو الذي بدأ مع طاليس وازدَهَر مع أرسطو- إذ اهتَمَّ فلاسفة أيونيا بالظواهر الطبيعية من حيث أصلها وطبيعتها، وفَسَّروها من خلال الملاحظة المباشرة لعمليات المناخ، فكانوا بذلك بعيدين عن التفكير المُغْلَق للعالَم الأبدي.

تميَّزت أيونيا بموقف التَصوّر اللاديني للآلهة، بينما كانت تقاليد الجزر الواقعة على سواحل أيونيا أكثر ميلاً لِتَقَبُّل تأثير الدين الأُورفي، في حين كانت الديانة الأولمبية- وهي ديانة يَعتقد بها قدماء اليونان وتتميز بخصوبة آلهتها، وتعود تسميتها إلى جبل أولمبوس الذي يسكنه زيوس، ومنه يقوم بتصريف أمور الناس والأبطال والآلهة- قومية لا تنطوي على عقائد دينية راسخة، فالميثولوجيا اليونانية لا تُفهَم بأنّها تُمثِّل قطيعة كاملة مع الفلسفة، إذ نجد أغلب الفلاسفة وظَّفوها من التفكير الأسطوري إلى التفكير الفلسفي، كما لا يمكن أنْ ننكر الأصول الدينية التي تنبع منها الفلسفة اليونانية؛ ومع ذلك كان الدين يُمثِّل صراعاً مع الفلسفة منذ بدايتها، وسيَظهر هذا في إنكار سقراط للآلهة اليونانية، الذي انتهى بتصور ثيولوجي (الإله والعلم) جديد مع أفلاطون، وسيجعل منه أرسطو مرادفاً للفلسفة الأُولى بوصفها أسمى المباحث. من هنا يمكن أنْ نعد فلاسفة أيونيا معارضين للدين الأسطوري وطقوسه العبادية، وفي الوقت نفسه معتمدين عليه ومعَدِّلِين له، وبالتالي فإنَّ الدين الذي سار معه فلاسفة أيونيا هو الدين الطبيعي.

 

د. صباح الحاج مفتن

 

علي المرهجأعتقد أن (الكواكبي) كان أكثر المُفكرين النهضويين ادراكاً لاشكالية التخلف الذي نُعاني منه بالقياس لمفكرين سبقوه، فلم يكن مشغولاً بعُقدة اسمها "الآخر" والعمل على رمي الكُرة في سلته بوصفه السبب فيما نحن فيه من تخلف، لخداع البُسطاء بان سلتنا نظيفة لا هدف في مرمانا!.

لقد كان (الكواكبي) عارفاً ومُشخصاً لأسباب تخلفنا التي كشف فيها عن خللنا في عدم اتقاننا للعبة الوعي الذي يقتضي شحذ الأذهان وتنمية العقول بما يجعلها أكثر وعياً بتغيرات الأحوال وادراك الأهوال، لا أن نكتفي برمي الكرة في ملعب "الآخر" لتفادي نقد "الأنا" في استقالة الوعي.

لم يكن (الكواكبي) مشغولاً بالتشكيك بنوايا "الآخر" بقدر ما كان مشغولاً بالكيفية التي يستطيع من خلالها تشخيص الداء ومعرفة الدواء، فعلى الرغم من أن الكثير من المُفكرين النهضويين قد كتبوا عن الاستبداد ومضَاره وكلهم كانوا متأثرين بأفكار الغرب ولم يشذّ (الكواكبي) عن هذه القاعدة، لا سيما ما طرحه فلاسفة عصر الأنوار، إلّا أن ميّزة (الكواكبي أنه كان يكتب بحس الانتماء الصادق وبتشخيص معرفي لأسباب تخلف الشرق الذي وجده كامناً في شيوع النزعة الاستبدادية في مجتمعاتنا: في الأسرة والقبيلة عبر الوصاية الأبوية ، وفي السياسة عبر "التفويض الإلهي" والوصاية الدينية، فالاستبداد بحسب ما يعتقد (الكواكبي) متأصل تاريخياً في حكوماتنا وهو "صفة للحكومة المُطلقة العنان التي تتصرف في شؤون الرعية كما تشاء بلا خشية حساب ولا عقاب".

يُعرف الاستبداد: بأنه "اقتصار المرء على رأي نفسه في ما ينبغي الاستشارة فيه والمرادف للاستعباد والاعتساف والتسلط والتحكم" . وهو سبب ما وصل إليه المجتمع الشرقي من حال، لذلك يُريد (الكواكبي) "تنبيه الغافلين لمورد الداء الدفين عسى أن يعرف الشرقيون أنهم المتسببون لما هم فيه"، وهنا تبرئة لـ "الآخر" الذي نضعه نحن دائما اتهام لتبرئة الذات، بأننا نجعله ليس موضع اتهام فقط، بل شماعة التخلف والانهزام.

المُستبد يتحكم في شؤون الناس بإرادته لا بإرادتهم، ويُحاكمهم بهواه لا بشريعتهم ويعلم من نفسه أنه الغاصب المتعدي فيضع كعب رجله على أفواه الملايين من الناس ليمنعهم عن النطق بالحق والتداعي لمطالبتهم.

والمُستبد عدو الحق، عدو الحرية، وقاتلهما.

والمستبد يتجاوز الحد لأنه لا يرى حاجزا، فلو رأى الظالم على جنب المظلوم سيفا لما أقدم على الظلم..

والمُستبد إنسان مُستعد بالفطرة للخير والشر، فعلى الرعية أن تكون مُستعدة لأن تعرف ما هو الخير وما هو الشر، مُستعدة لأن تقول لا أُريد الشر..

والمُستبد إنسان، والإنسان أكثر ما يألف الغنم والكلاب، فالمُستبد يود أن تكون رعيته كالغنم...، وكالكلاب تذللاً وتملقاً، وعلى الرعية أن تكون كالخيل إن خُدمت خدمت، وإن ضربت شرست، بل عليها أن تعرف مقامها هل خُلقت خادمة للمُستبد أم هي جاءت به ليخدمها فاستخدمها (!!).

حينما كان يكتب (الكواكبي) لم يكن يعيش عقدة التشكيك بـ "الآخر" بقدر ما كان يعيش هموم مجتمع يعاني من التخلف، ليكشف لنا بوعي معرفي عال عن أسباب هذا التخلف الذي لخصه بمقولة واحدة تكتنز كل أسباب التخلف هذا ألا وهي الاستبداد.

لقد ذهبنا إلى القول بتبني (الكواكبي) للمنهج النقدي الذي تمركز حول نقد الذات "الأنا"، وقد بدى لنا ذلك جلياً من خلال نقده للفهم السائد للدين الذي يرى فيه أنه أحد أهم أسباب تخلفنا وشيوع الحُكم الاستبدادي في مُجتمعنا، بل واتخاذ المُستبد من الدين وسيلة لتبرير استبداده لأن "كل مُستبد يتخذ له صفة قدسية يشارك بها الله، أو تعطيه مقاما ذا علاقة مع الله، فالملوك الذين شجعوا الدين وبعدوا الفرق الدينية الصوفية مثلاً، فعلوا ذلك بقصد الاستعانة بالدين أو بأهل الدين على ظلم المساكين".

أما أهم تبعات الاستبداد فأولها الجهل أو التجهيل فقد شبه الكواكبي المُستبد "بالوصي الخائن القوي على أيتام أغنياء يتصرف في أموالهم وأنفسهم كما يهوى ما داموا قاصرين. فكما أنه ليس من صالح الوصي ان يبلغ الأيتام رشدهم، كذلك ليس من غرض المُستبد أن تثور الرعية" لدرجة "حرمان الأمة من حُرية القول والعمل، وفقدانها الأمن والأمل" كما جاء في كتابه أم القرى.

ويرى (الكواكبي) "إن بين الاستبداد والعلم حرباً دائمة، وطراداً مُستمراً، يسعى العلماء في نشر العلم، ويجتهد المُستبد في اطفاء نوره. والطرفان يتجاذبان "العوام" ولكن من هم؟ هم أولئك الذين إذا جهلوا خافوا وإذا خافو استسلموا. وهم الذين متى علموا قالوا ومتى قالوا فعلوا."

والاستبداد يُفسد المجد، ويُقيم مكانه التمجد، كما يُحاول أن يفسر العلم والدين، ويُعرَف المجد بقوله: "المجد هو احراز المرء مقام حب واحترام في القلوب، وهو مطلب طبيعي شريف لكل إنسان.. والمجد لا يُنال إلَا بنوع من البذل في سبيل الجماعة، وبتعبير الشرقيين في سبيل الله، أو سبيل الدين.

أما التمجد فهو خاص بالادارات المُستبدة، وهو القُربى من المستبد بالفعل كالأعوان والعُمَال، أو بالقوة كالمُلقبين بنحو دوق أو بارون.. وبتعريف آخر التمجد هو أن ينال المرء جذوته من جهنم كبرياء المستبد ليحرق بها شرف الإنسانية.."

والمتمجدون هم أعداء العدل وأنصار الجور، يستخدمهم المستبد ليخدع بهم الأمة وهم أراذل وأسافل. وعندما ينتهي دورهم يُنكَل المستبد بهم أو يهجرهم."

الدولة المُستبدة مُستبدة في كل فروعها، من المستبد الأعظم إلى الشرطي، إلى الفراش، إلى كنَاس الشوارع، ولا يكون كل جنس إلا في أسفل أصل طبقته أخلاقا، ويكثر عدد هذه الفئة حسب قسوة الاستبداد وصفته، فكلما زاد العسف زاد المُتملقون، وكان أسفلهم طباعاً أعلاهم وظيفة وقُرباً.."

يُقارن (الكواكبي) بين الاستبداد الغربي والاستبداد الشرقي، فيقول "والغربيون منهم المُستبدين، من يعينون الأمة على الكسب، والشرقيون لا يُفكرون في ذلك، وهذه من جملة الفروق بين الاستبدادين الغربي والشرقي، التي منها أن الاستبداد الغربي كان أحكم وأرسخ وأشد ولكن مع اللين، والشرقي كان متقلقلاً سريع الزوال ولكنه مُزعج. ومنها أن الغربي إذا زال تبدل بحكومة عادلة تُقيم ما ساعدت الظروف أن تُقيم. أما الشرقي فيزول ويخلفه استبداد شر منه لأن من شأن الشرقيين أن لا يهتموا في مستقبل قريب، كان أكبر همهم مُنصرف إلى ما بعد الموت.

فضلا عن ذلك فالاستبداد عند (الكواكبي) يُضَعف الأخلاق ويُفسد التربية والاستبداد يقلب السير من الترقي إلى الانحطاط، من التقدم إلى التأخر.

كذلك ينتهي بنا (الكواكبي) إلى القول بضورة وجود نزعة إنسانية تدعو إلى التآخي بين الغرب والشرق، ووجوب نجدة الغرب للشرق، بحيث لا نجده يتحسس من تقدم "الآخر" أو أن جُلَ همه التشكيك بنوايا هذا "الآخر" بل عليه أن يُهنئه على هذا التقدم ويتمنى منه مساعدة الشرق.

ما ينتقد به الكواكبي انه حينما يأتي على الكيفية التي تتخلص بها الشعوب من الاستبداد، يضع ثلاث قواعد:

1- الأمة التي لا تشعر كلها أو اكثرها بآلام الاستبداد لا تستحق الحرية.

2- الاستبداد لا يُقاوم بالشدة، انما يقاوم باللين والتدريج.

3- يجب قبل مُقاومة الاستبداد تهيئة ماذا يستبدل به الاستبداد.

والنقد الذي يُوجه هو للقاعدة الثانية، وهي كيف للشعب أن يتخلص من الاستبداد باللين مع الأخذ بالحُسبان أننا لم نجد شعباً قد تمكن من التخلص من مُستبديه بهذه الطريقة ومن دون مقاومة، فضلاً عن أن (الكواكبي) يعتقد أن الوسيلة الوحيدة الفعالة لقطع دابر الاستبداد هي ترقي الأمة في الادراك والاحساس.

والسؤال هو كيف يمكن أن ترتقي الأمة في الادراك إذا كان الاستبداد فيها، والاستبداد بحسبما يرى (الكواكبي) نفسه رديف الجهل والساعي إلى التجهيل ويُضعف الأخلاق ويُفسد التربية بحسب ما يرى (الكواكبي) ونحن نتفق معه في رؤيته هذه!.

 

ا. د. علي المرهج

منى زيتونمنذ شهور اتصلت بي إحدى صديقاتي طلبًا للمشورة في أمورها العملية والأسرية. هذه الصديقة تعمل معلمة. ربما لا أتذكر التفاصيل بدقة، ولكن مضمون الموقف أنه كان معروضًا عليها عرض عمل أفضل في مدرسة أخرى غير التي تعمل بها، وزوجها أيضًا كان لديه عرض عمل أفضل في مكان آخر غير محل عمله، وبعيد عن المدرسة الجديدة التي عُرض العمل فيها على زوجته، ولديهما بنتان صغيرتان في المرحلة الابتدائية. وكانت صديقتي متحيرة؛ تحاول أن توازن الأمور بين قبولها وقبول زوجها لفرصتي العمل الجديدتين، أو قبول أحدهما لفرصته، ونقل الصغيرتين إلى هذه المدرسة أو تلك في حال كان الخيار كذا أو كذا أو ربما كذا!

بعد أن استمعت إليها أدركت أن جذر المشكلة، الذي يشوش عليها اتخاذ القرار، لا يكمن في أن الأفضل لها ليس هو الأفضل لزوجها، وإنما يكمن في ربطها غير المبرر لمحل عملها ومحل عمل زوجها ومدرسة البنتين، وكأن حياتهما العملية والحياة الدراسية للبنتين كتلة واحدة غير قابلة للتجزئ، علمًا بأنه منطقيًا لا يلزم إلا ارتباط محل عمل أحدهما فقط بمدرسة البنتين الصغيرتين لتسهيل ذهابهما وإيابهما من المدرسة. بناءً عليه فالحل الأمثل أن يختار كل منها وزوجها فرصة العمل الأفضل له، ولتكن البنتان بالقرب من أيهما، فقط لكونهما صغيرتين، ولو كانتا كبيرتين وبإمكانهما الاعتماد على نفسيهما لما كانت هناك حاجة لربطهما بأي من أمهما أو أبيهما.

حالة أخرى لبنتين توأمتين من قراباتي، لا تقطنان القاهرة، كلتيهما متفوقتين دراسيًا، إحداهن لها ميول فنية، وكانت تتمنى أن تلتحق بقسم العمارة في كلية الفنون الجميلة بالقاهرة، والتي يُشترط لمن يقدم للالتحاق بها في تنسيق الجامعات أن يكون قد اجتاز اختبارًا للقدرات الخاصة بها، يكون موعده محددًا ضمن جدول اختبارات الشهادة الثانوية العامة. عند ملء أوراق التقدم لامتحان الشهادة الثانوية، همّت تلك البنت أن تطلب إجراء هذا الاختبار ضمن اختباراتها، ولكن شقيقتها التوأم تحننت وقالت لها: هل ستتركيني وتذهبي للقاهرة؟ فعدلت البنت الموهوبة عن تحقيق أمنيتها.

لكن التراجيديا لم تقف عند هذا الحد، وربما كان هناك درس أرادت لها الحياة أن تتعلمه، كي تكون أقوى في المستقبل، وأقدر على اتخاذ قراراتها بحيث لا تشرك فيها آخرين. ما حدث لاحقًا أنه بالرغم من حصول كلتيهما على مجموع درجات مرتفع للغاية في الامتحانات، إلا أن الشقيقة التي طلبت من توأمها عدم الذهاب للقاهرة وتركها، جاءتها فرصة للالتحاق بكلية طب القاهرة، ولم تفرط فيها، بينما الأخرى لم يسمح مجموعها بأن تكون مع شقيقتها في كلية الطب، ولا هي استطاعت الالتحاق بقسم العمارة الذي كانت تريده، رغم أن مجموع درجاتها أعلى من الحد الأدنى له بكثير، لأنها لم تدخل اختبار القدرات الخاص به!

وغيرهم كثيرون، هناك من نزعت من رأسها فكرة الزواج بشاب ممتاز كانت ترتاح إليه لأن أختها لم تردها أن تبتعد عنها وتسكن في مدينة أخرى، ثم جاءت لزوج شقيقتها فرصة عمل في خارج البلاد، وكانت تلك الشقيقة أول من شجع زوجها على قبولها، وسافرت معه. وهناك من حوّلت من كليتها الجامعية التي تعبت واجتهدت وذاكرت وسهرت الليالي لأجل الالتحاق بها لأن صديقاتها دخلن كلية أخرى، وأرادوها أن تكون معهن! لا تنصدم، وصدقني، فهذه حالات حقيقية قد حدثت بالفعل!

كثيرون أعرفهم تنازلوا عن فرص عادلة لهم في الحياة، أو أجّلوها، بسبب آخرين لم يروا مصلحتهم في تحقيق أصحاب الفرص لما يطمحون إليه، وطالبوهم بالتنازل عنها باسم الحب! وكثيرون من هؤلاء المطالبين لغيرهم بالتضحية لمّا جاءتهم فرص مماثلة لم يعبأوا بغيرهم، ولا أرى أن العيب فيهم، وإنما العيب فيمن يسمح لغيره بأن يُسيِّر حياته ويحرمه مما يريد. وهذا لا يعني أن نكون نحن الأنانيون فتكون خياراتنا مضرة بأحبابنا، لكن الأنانية الحقة نراها عندما يوهمنا الأنانيون أن سعادتنا تضر بهم! فلا تسمح لغيرك أن يجعلك تعيش دور الضحية، فقط عندما تُوجد التزامات أخلاقية من جهتك نحو الآخرين فكِّر فيهم، واجعلهم جزءًا من قرارك، كأن يكون هؤلاء الآخرين أب أو أم على الكِبر ترفض السفر للخارج لأجل رعايتهما، أو أبناء صغار تضعهم نصب عينيك عند اتخاذ قراراتك. أما إن كان الأمر بخلاف ذلك فلا تعر أحدًا اهتمامك، وتذكر أن هذا الذي تحرم نفسك من فرصك العادلة في الحياة لأجله، لو كان مكانك ما ربط نفسه بك، ولاختار الأصلح لنفسه.

تخلص من أي ارتباطات وهمية في عقلك تجعلك تتصور أن فلان أو علان من أهلك أو أصدقائك له علاقة بما تقرره بشأن نفسك؛ فنحن عندما نقيم في عقولنا تلك العلاقة الارتباطية الوهمية بيننا وبين الآخر، والتي لا أساس لها ولا أهمية، فإنها تضللنا، وتشوش قدرتنا على اتخاذ القرار الصحيح الذي فيه نفعنا. قرارك يخصك وحدك، فلِم تتخذه بناءً عليكما معًا؟!

 

د. منى زيتون

 

رائد عبيسالجذور القلقة في التربة الخصبة، مفارقة الهواجس!!

تشكل هواجس الحفاظ على الهوية، الشغل الشاغل لكل من يستشعر مخاطر إزاحته من الوجود، وإبادته، وتهديده بالزوال، سواء بالطرق الناعمة او بالطرق الناقمة، كلاهما يمثلان خوف مستبطن على واقع لا يمكن حمايته أو التفكير بالسيطرة عليه، نتيجة ملمات الدهر التي تطرأ على أصحاب الهويات الفرعية أو حتى الهويات الرئيسية _ وان كنا نتحفظ على هذه التسميات التي تمثل تمحور فئوي واعتراف ضمني بمنطق قوة الأغلبية على حساب الأقليات والمكونات الأخرى _ فالقلق بات سمة جميع الهويات، لذلك نجد الأمم المتحدة تهتم بهذا الأمر، وتسعى للحفاظ على التراث غير المادي للشعوب، واعده مصدر مهم من مصادر التعرف على الهويات، قبل ابادتها أو الحفاظ عليها قبل الإبادة، فهذا السعي يمثل حالة تداركية بعد زوال ثقافات امم بأكملها ولم يتبقى منها إلا رمزيتها. وامثلتها في العالم كثيرة . أما في العراق فقد طرأت على المكونات العراقية أنماط من الشموليات الأيديولوجية والسياسية أشاعت ثقافة معينة بمنهج كلياني تحاول من خلاله مسخ الهويات الأخرى بكل مدلولاتها بنموذج متفرد من النمط الثقافي، فالسياسات التي تمارسها الأنظمة أو تمارسها المكونات هي سياسات ترسيخ ولكنها متضادات متصارعة، تحاول المكونات الاندماج دون إحداث إفراط في صبغتها الثقافية لصالح نمط ثقافي معين. فالهويات الفرعية هي هويات قلقة الجذور في بيئة صلبة وخيبة لاحتضان المكونات منذ أمد طويل في بلد مثل العراق، فالارضية التعايشية وتجربتها خصبة جداً . ما يقلقها هي السياسة وبرامج الهيمنة حتى على الألوان والنسوان والاوطان. فالاكراد مثلا كانوا ومازالوا قلقون على طبيعة عيشهم كمكون في هذا البلد، وهذا القلق يدفعهم إلى التعصب والتعنصر للغتهم الام وثقافتهم واتباع سياسة مقاومة التعريب التي تمارس بطريقة مباشرة وغير مباشرة حتى في برامج التعليم والسياحة والتجارة، اذا لم يهتموا كثيرا بتعلم اللغة العربية حتى في مدارسهم وجامعاتهم ونشاطاتهم الثقافية الأخرى، بمعنى العيش بعالم كردي مستقل يمثله له اطمئنان ذاتي على هويته وعدم اختراقها، ومثلهم في ذلك الشركس ايضا لديهم نفس الحرص بل أكثر على ثقافاتهم الذاتية الخاصة بهم .أما المسيح فقد كان هجرة بعضهم دليل آخر على. فقدان الهوية وصعوبة الحفاظ عليها في ظل الظروف التي تواجههم، حتى باتوا يخافون يفصحون عن هويتهم الحقيقية ويعلنون عن هوية بديلة سائدة، كتظاهره على أنه مسلم أو أنه داعشي بعد تجربة داعش أو تظاهره بهوية بديلة أخرى. كذلك الصابئة لهم تجربة اندماج ثقافي كبيرة ومع ذلك إلا أنهم يشعرون بحساسية طبيعة تعامل باقي المكونات مهم، وكذلك النازحين الذين أتوا إلى مناطق التهجير والملاذ في جنوب العراق أو وسطه، رغم اندماج كثير منهم في مكان الحياة الجنوبية والوسطى إلا أن كثير منهم بات قلقاً على ثقافته وعقيدته وطباعه بكونها تمثل نمطه الثقافي كالخوف من التجنيد للمعارك باقناعهم بالقتال العقائدي أو بالجهاد الديني. أو خوف بعضهم على تقاليدهم التي تتعارض مع ثوابتهم العشائرية أو العوائلية أو المناطقية. مثل ما تناقلته بعض وسائل الإعلام قبل أيام عن قيام الحشد الشعبي بالتثقيف للمذهب الشيعي بالمناطق السنية التي يسيطر عليها، عبر وسائل مختلفة بعضها المصاهرة أو ضم شباب السني للحشد الشعبي أو توفير دعم أو شراكة أو غيرها.

مثل هذه المسائل اقلقت كثير من الذين لديهم هواجس سياسات تبديل الهوية وترسيخ أخرى محلها. وهذا في الصراع الوجودي بين المكونات الثقافية العراقية التي تحاول الظهور والبروز والتعريف سواسية وبشكل متوازية بدون إغفال أحدهما وإظهار الأخرى، وهذا وجد له مصداقية من خلال بث شبكة الاعلام العراقي برامجها بل واستحداث قنوات جديدة بلغات المكونات الأخرى كالكردية أو التركمانية أو السريانية. وهذا الكلام لا يشمل اللغة فحسب، بل يشمل كل أنماط الثقافات الأخرى صغيرها وكبيرها، فمخاوفة العولمة على الهويات الكبرى ايضا يمثل هاجس بالنسبة للعرب وخوفهم على تدهورها بكونها تعبر عن هويتهم بشكل واضح من اللغات الدخيلة ومزاوجة الناس لأكثر من لغة أثناء الحديث، فضلا عن الهوية الدينية أو العشائرية وغيرها والتي تأثرت بالانفتاح والتواصليات المعاصرة، كذلك السياحة والتعلم والتجارة وغيرها.

ما يجب أن يفهم هو أن الهويات الفرعية ليست هويات بدون جذور، ووجود مثل هذه الهويات في بيئة عامة لا تمثل لها قلق يجب أن تظهر انفعالياته في علاقتك بالآخرين والتفكير بالانفصال أو الانشقاق أو التفكير بالنعزالية أو الانسلاخ عن الوطن، فمثل هذه الإجراءات تمثل قلق وجودي حقيقي ومحاولة تعليل كل سلوك على أنه سياسة متبعة للإبادة والاقصاء من الفضاء الوطني، وما يترتب على هذا القلق هو المطالبة بمناصب او مواقع تشعرهم بوجودهم، فالثقافة مع هذه الهواجس لم تعد ذو أهمية، مع أن أهمية هذه المواقع متأتيه منها ! وهذه هي المفارقة في مطالبات بعض أفراد هذه الهويات من الحكومة، فحتى الديمقراطية لم يعد النظام المناسب لأثبات الذات والتعبير عن الوجود بثقة عالية تتكلم عن الهوية بكونها هوية راسخة في وعي الأمة والبلد والتاريخ والأجيال.

ومع هذا القلق لم يرَ التربية التي عاشوا بها على أنها تلك التربة الخصبة التي انبتتهم وانشاتهم وعززت وجودهم، لا بل باتت وحل عليهم يركسون فيه كلما وجدوا أنفسهم غير قادرين على مشاركة الآخرين هموم الوطن أو المصالح أو المكاسب الناجزة كحق مكوناتي لهم، مثل حقهم في المناصب النيابية مثلا او كحق النساء في الكوته، فالقلق بجذوره الهوياتية يبقى يبحث عن كوته مكوناتية، لقول وفعل المشاركة.بهذا القول نجد أن فكرة الإبادة الثقافية حاضرة في ذهنية القلق على طبيعة وجودة وطريقة التعريف بنفسه وسط هذا التزاحم على الساحة الاعلامية والثقافية، وصراع اثبات الذات على حساب الآخرين.

فالأحرى بنا أن نعمل على تعزيز إيماننا بتجربتنا التاريخية بالتعايش وترسيخ الهوية في وعي الأمة ومبدا المواطنة الذي يُتيح فرصة الاطمئنان على واقعنا ومستقبل أجيالنا ووعيهم بحدود المواطنة_ التي تحدد خارطة العراق_ عبر التواصل والتفاعل والاندماج الثقافي، الذي يزيل فكرة الاستبدال الثقافي بين المكونات أحدهما على الأخرى باستغلال ظروفهم في التهجير والنزوح وظروف العمل وغيرها، وان كان هذا يحدث فهو لا يعبر عن رغبة مجتمع بل يعبر عن نزعات ايديولوجية أو سياسية أو إجتماعية أو ثقافية بين الأوساط المتصارعة والمتنازعة سلطوياً لأجل اختزال الجميع بنمط واحد، فالقلق عادة ما يترتب عليه تصورات غير واقعية، تفقدنا مقومات وجودنا وتربتنا الخصبة التي نشأت عليها والتي تحتضن جذورنا بقوة، وترتفع بها كل هواجس الخوف من الأصل.

 

دكتور / رائد عبيس

 

مهدي الصافيالتاريخ والحضارة والاخلاق والفكر والاديان والعلم والمعرفة والثقافة والابداع والرياضة والتراث ليست ترف اجتماعي، انما ضرورة انسانية طبيعية دائمة التطور والتغيير والازدهار، من يتخلف عن مسيرتها او يهمل اتباع واحترام وتقدير اهمية الفطرة الانسانية، والصيرورة الكونية للحياة عموما، يحصد ماتزرعه الفوضى والعشوائيات الاجتماعية...

اغلب دول العالم تتكون فيها عشوائيات اجتماعية (لم نذكرمصطلح المجتمعات العشوائية لانها تختلف من حيث التعميم.. العشوائيات الاجتماعية هي التي تتكون بفعل الظروف الاجتماعية القاسية كالحروب والازمات الاقتصادية والفتن الداخلية التي تمر بها شرائح متفرقة واسعة من المجتمع، تتجمع في بيئات عشوائية مهملة فقيرة متهالكة لاوجود لاية خدمات وانجازات عمرانية متطورة فيها، الخ.) لاسباب عديدة اهمها الفقر، لكن تلك التجمعات الفوضوية العشوائية تزداد خطورتها واعدادها تبعا لزيادة المسببات او الظروف الصعبة المعروفة، الا ان القضية التي نود ان نبحث فيها، لتسليط الاضواء على ظاهرة اجتماعية مهملة لعقود في بلداننا، تأخذ احيانا ابعادا عامة ولكنها في الحقيقة هي خاصة ومحددة،

فمايجده الناس من ظواهر اجتماعية متوحشة كثيرة، لاتمثل بالضرورة ظاهرة اجتماعية عامة، انما هي صفة خاصة بمناطق العشوائيات الاجتماعية، التي قد يكون تأثيرها في المجتمع كتأثير افة المخدرات، الا انها تبقى دائما او غالبا محصورة في البيئة او الرقعة الجغرافية المستوطنة فيها، هذه الظواهر المتوارث بسبب الاهمال الرسمي الحكومي والاجتماعي، تأخذ عنها الاجيال المتعاقة نتائج كارثية من الفقر والعوز والظلم والحرمان والمعاناة، تتوارثه ابا عن جد، فيصبح حينها امر المعالجة واعادة التأهيل صعب جدا او يكاد يكون من المستحيل السيطرة عليه بسهولة، الا بتغيير طبيعة تلك البيئات العشوائية، وانتقالها جذريا او تحويلها الى مدن امنة متحضرة، يمكن لابناءها من ايجاد فرص عمل حقيقية، تنتشلهم من تلك الحياة البائسة، ومن ثم انتقال هذه التجمعات السكانية المنهارة من مرحلة التهميش الى مرحلة التفاعل والتأثيرواثبات الوجود...

لاتوجد صعوبة في تشخيص الاخطاء ولكن الصعوبة تكمن في اساليب وطرق واليات المعالجة وايجاد الحلول لها، وجدية الانظمة والسلطات الدستورية ومؤسسات ودوائر الدولة في تطبيق مبدأ العدالة الاجتماعية دون طبقية او تمييز بين فئات الشعب, الا على اساس الحاجة والظروف المعاشية ....

ليس الايمان بالله عزوجل او التمسك بالعقائد الدينية والشعائر والطقوس الطائفية هي من يفتح ابواب الحضارة امام المجتمعات القبلية او البدائية او الفاشلة، انما الايمان بالقيم والمبادئ الاخلاقية الانسانية، وبالحياة المتناغمة مع حركة عجلة التاريخ، وبالانسان وقدراته العقلية والعلمية والمعرفية في بناء الدول والمجتمعات الناجحة....

الدول والمجتمعات الفاشلة شمولية النهج والاسلوب والحكم، لايمكن التمييز او الفصل بين افرادها وعموم طبقات المجتمع، فكل مايراه الناس في دوائر ومؤسسات الدولة الرسمية من سلبيات هي انعكاس لما يحدث من فساد وفوضى او اخطاء كبيرة في قمة هرم السلطة، وكذلك بدرجة اقل نسبيا بما يراه في البيت والشارع ومراكز التربية والتعليم وبقية الاماكن العامة، وتلك الظواهر تعد من اهم عوامل الفشل المتوارث في تلك البلدان، اي غياب النظام والقانون والسلطات الدستورية التنموية النزيهة المنضبطة، فمثلما تتوارث العشوائيات الاجتماعية العادات والتصرفات والاساليب السيئة، تتوارث الدولة الاخطاء والسلبيات الادارية والحكومية بصورة عامة، مما يجعل مشروع او مسألة الاصلاح والتغيير امر في غاية التعقيد كما ذكرنا،

ولهذا نؤكد على حقيقة ان المؤسسات والمرجعيات الدينية وكل مراكز الوعظ والارشاد ليست بديلا عمليا ولاحتى نظريا عن مؤسسات الدولة القانونية والتنظيمية، حيث تجد في الدول الفاشلة مثلا لايذهب المواطن الى الطرق القانونية الحكومية لتقديم شكاوى عامة تخص الاداء الوظيفي لبعض المسؤولين او الموظفين بل يذهب للفقيه ومرجع الدين لاخذ فتوى شرعية لتحريم الاهمال والتسيب الوظفي او لمتابعة وكشف الفساد المالي والاداري، وهذا دليل واقعي دامغ على ضعف الاجهزة الرقابية الحكومية (ضعف السلطات الدستورية وبالاخص السلطة القضائية)،

هناك فرق بين قانون شرعي لايطبق الى في يوم القيامة، وقانون وضعي ينقذ المجتمعات من هذه الاساليب الادارية او الوظيفية الفاسدة المعطلة لحياة واعمال الناس اليومية(فضلا عن الاثار النفسية التي تخلفها تلك التصرفات المتواصلة مع حركة المواطنين من الدائرة والشارع الى البيت والاسرة الخ.)،

اذا ليس الاسلام هو الحل لبناء مجتمعات ودول امنة مرفهة، انما الحاجة لتبني مفاهيم مدنية علمية تؤمن بنظرية بناء الدولة العصرية، وفق معطيات وعوامل ومقومات وتجارب حضارية واقعية، مارستها اغلب شعوب العالم المتقدم......

العشوائيات الاجتماعية في بلادنا ارض قاحلة، لانبت فيها ينفع في اليوم الاسود، غير مظاهر البؤس والكسل والفقر والمستقبل المتأكل داخل جدران الظلام، الاب يورث اللاشيء لابناءه غير ثقافة الشارع، فالبيوت والاحياء المتهالكة التي تبدوا من بعيد كالمقابر القديمة لاتعطي شيئا للاجيال، اللعب والعنف لايفترقان عن تلك الاحياء، من انها قد تنتج احيانا كحالات نادرة او طفرة نوعية في الجينات الوراثية(الاذكياء)السياسي، والمفكر، والمثقف، والاديب والفنان، والرياضي(فالانسان العصامي لاتقهره الظروف والبيئة القاسية المحيطة به، وكذلك المواهب والابداعات الانسانية الخاصة،  الخ.)،

هي ارض رخوة جاذبة للارهاب والتطرف والجريمة والعنف والمخدرات وبقية الامراض الاجتماعية النفسية، لاتنتبه لها اغلب الدول الفاشلة، وكذلك بقية الدول التي ازدادت فيها حالات العنف الاجتماعي والجرائم المختلفة بشكل ملحوظ مؤخرا (حيث تكثر عندهم ظاهرة المافيات وجماعات الجريمة المنظمة، والجماعات الاجرامية العشوائية كالذين يتاجرون بالبشر والاطفال واعضاءهم، والتهريب، الخ.)،

حتى تجد الدول نفسها فجأة في مواجهة خطر الطاعون الزاحف نحو قلب المدن الرئيسية والعواصم الرسمية، هم بالطبع ضحايا جشع الانظمة الفاسدة او الراسمالية الامبريالية، فقد ذهب عصر الخوف والتهميش والتفرقة العنصرية، فصار ابناء العشوائيات الاجتماعية قادرين من الحصول على الاموال بالقوة الشرعية او اللاشرعية،، وهي احياء او تجمعات لاتوجد بينها وبين المدن او الاحياء الراقية اية حدود او فواصل كونكريتية (على غرار الافكار الجديدة للعزل كمشاريع بناء جدار الفصل العنصري او الحدودي)، مما يعني ان الاخطار والاثار الاجتماعية واقعية ومباشرة، وليست احتمالات وتوقعات مستقبلية، فهي موجودة بالفعل وتلمسها اغلب المجتمعات الفاشلة او المتحضرة، وفي اغلب دول العالم...

الحلول ليست بعيدة عن الاسباب التي انتجت تلك العشوائيات الاجتماعية، وهي واضحة ومعروفة لكنها مغيبة عن مراكز البحث والتحليل والرصد الحكومي، اي مراكز المسؤولية، لغايات واهداف واسباب عديدة، بعض تلك الاهداف خبيثة شيطانية لتحطيم معنويات الشعب ولكسر او قهر ارادته في مواجهة الفساد والفشل او الاستبداد الحكومي، فتعمد الى زيادة حجم الفوضى الاجتماعية، بترك العصابات ومافيات الجريمة المنظمة والغير منظمة، وحجم المشاكل والصدامات والخلافات والمعاناة والمواجهات العشائرية او القبلية او حتى الشخصية في دوامة التطاحن المستمر..

نعتقد ان اهم وسائل او طرق واليات الاصلاح تشخيص تلك الافات الاجتماعية العشوائية، واهتمام جميع شرائح المجتمع بتلك المعضلة او الظواهر الخطيرة المنتشرة داخل وخارج المدن،

وفيما يلي بعض النقاط العلاجية البسيطة لتلك الحالات..

اولا:رفع المستوى المعاشي للطبقات الفقيرة عبر توفير الضمان الاجتماعي و الصحي والتعليمي، الذي يمكنه المحافظة على تلك الطبقة بعيدة عن خط الفقر ومادونه، وتكون اقرب نسبيا للمستوى المعاشي للطبقة المتوسطة...

ثانيا:تفريق او ازالة تلك العشوائيات الاجتماعية، والانتقال الى مجمعات حكومية عصرية منظمة (لا كما يعتقد البعض بأن الحل يكون بجعلها واقع حال والابقاء عليه)

ثالثا:توسعة المدن الصغيرة وتحويلها الى مدن كبرى يصبح الاندماج الاجتماعي فيها فعالا، لما تمتلكه المدن الحديثة من مقومات خدمية وحضارية قابلة لتغيير نمط الحياة اليومية لابناء العشوائيات الفقيرة، وفتح افاق عمل جديدة للشرائح العاطلة عن العمل...

رابعا:انقاذ هذه المجتمعات المهمشة بجعل قضية انصافهم ماديا وخدميا ومعنويا قضية رأي عام، ومن اولويات السلطات الدستورية (كي لايصبح الفقراء وقود الثورات)، ففي بعض الدول المتحضرة على سبيل المثال لا الحصر تعطي عدة درجات لطلبة المرحلة الاعدادية الاخيرة على العدل العام لانهم من المناطق الاجتماعية الريفية...

خامسا:تطبيق النظام والقانون بصرامة على الجميع ودون تمييز او فساد او رشوة، تحت قاعدة لكل شيء قانون..ولكل حالة مستجدة قانون وليس فتوى..الخ.

اخيرا نود ان نذكر الجميع بمهمة ومسؤولية محاربة التمييز والطبقية والفساد، وحث الحكومات على تنفيذ الاصلاحات الاقتصادية والخدمية القادرة على تنمية تلك التجمعات المهملة، ضحايا الفساد والنهج الرأسمالي البدائي، هذه مسؤولية رسمية، وكذاك هي مهمة اجتماعية مدنية مستقلة، فالخطر يهدد الجميع، والمجتمعات لايمكن فصلها بحواجز، انما باليجاد سبل اتعايش السلمي تحت مظلة القانون والنظام والعدالة الاجتماعية...

 

مهدي الصافي

 

رحيم زاير الغانمالصورة الإشهارية هي الصورة الإعلامية والإخبارية التي تستهدف المتلقي، إذا ما عرفنا ان الإشهار، بحسب رولان بارت رسالة:" تتضمن بالفعل، مصدر بث، هو الشركة التجارية التي ينتمي إليها المنتوج المشهر أو الممتدح، ومتلقيا هو الجمهور، وقناة إبلاغ، وهي ما يسمى تحديدا ركن الإشهار" إذا الصورة الإشهارية تُبث عبر رسالة، تبعثها الشركة التجارية الراعية/ المرسل، للمنتوج المراد الترويج له إلى المتلقي/ الجمهور، بهدف البيع وتحقيق الأرباح اللازمة لتغطية نفقات الإعلان والتسويق، ويتحقق هذا عبر قناة إبلاغ وهو ما يدعى بركن الإشهار بحسب رولان بارت.

والإشهار سلوك إعلامي واجتماعي واقتصادي وسياسي بعدما تمكنت الايدولوجيا من وضع بصمتها سواء بصمة المعسكر الرأسمالي أو بصمة المعسكرات الاشتراكية والشيوعية واليسارية التي اقتصرت على الشعارات الثورية، ان الإشهار ارتبط بالرأسمالية منذ القرن التاسع عشر والقرن العشرين وحتى مطلع الألفية الثالثة، وهذا ما بدا واضحا في الساحة الإعلامية والتجارية وما اصطحبهما من ترويج لتقبل ايدولوجيا الرأسمالية من خلال تقبل ترويج سلع ذات طابع غربي خاص، أو ما تم  تقبله من صور الإشهار التي روجت لها في صالونات الوشوم ذات النزعة الغربية في وقد حققت بعض صالونات الحلاقة مزاوجة بينها وبين قصات غربية، وفي هذا يمكننا تحديد نوعين من الرسائل التي يبعثها صاحب الامتياز التسويقي، الأولى سطحية كأن الوشوم أو القصات الغربية، هي آخر ما وصلت له المدنية الغربية وهي غير مبالية لو اكتسبت متلقين/ جمهور في الشرق الأوسط، العراق مثلاً والرسالة العميقة، هي تصدير أيدلوجية غربية مفادها طمس العادات والتقاليد الاجتماعية، التي كانت تعتمد قصات شعر ذات منحى شرقي، وإحلال الرجل الشرقي بدلا عن المرأة الشرقية في تلقي الوشم بعد ان كان عرفا سومريا أصيلا وحتى منتصف القرن التاسع عشر، من حصة المرأة التي تطلب للزواج فعد من مكملات الزينة/ التبرج للزوج، وما أرسل لنا اخذ بعدا أعمق بكثير مما يمكن تلقيه، لكن الجهل والفوضى البطالة سوغت للشباب تقبله، قد يُعلل بردة فعل على الواقع بشكل عام.

وقد اخذ الإشهار في العراق أبعادا كبرى عندما وجد الساحة عطشى لكل ما يتم إرساله، سواء في الإعلام أو التلفاز او السينما أو المسرح أو حتى المسموع / الراديو والصحف والمجلات، حتى الذين يقفون بالضد منه روجوا له من غير دراية بطبيعته الزئبقية، فمن لم يجيد التعامل معه لا يمكنه مجاراته إذا ما اتضح لنا حجم الآلة الترويجية التي تقف وراءه، فهو لا يقتصر على المنتج التجاري بل ان له أبعادا ايدولوجية يجب التنبه لها، أهمها ما يحرص عليه الفكر التسويقي الرأسمالي  هو امتلاك الأشياء والسيطرة على المقادير بشتى السبل التي تدر عليه المال وتفيض على تقويض الآخر وصولا إلى ابتلاعه وإغراقه في مديونية لا حصر لها، ويمكن لنا ان نستدل بقول روبير كيران، " إن الهواء الذي نستنشقه مكون من الأكسجين والنتروجين والإشهار "، وقد نستدل من هذا القول ان الرأسمالية الغربية تقبع خلف كواليس الإشهار، فهي تترك الساحة لصورها الإشهارية لتمرير ايدولوجيتها  التي بدت تمتلك زمام الظهور المباشر وغير المباشر عبر رسائل يمكن بثها والحرص على إدامة زخم حضورها بصور اشهارية، أصبح لها سوق رائجة عن مرأى ومسمع الجميع، وليس العراق العينة الوحيدة بل لقد سبقه إلى ذلك العديد من الدول التي اعتبرت أسواقا تقبلت من زمن مبكر صورها الإشهارية، وما العراق إلا من أواخرها لحد هذا التاريخ، وبهذا يكون الإنسان قد تقبل فكرة انه المستهلك المستقبلي لما تنتجه الرأسمالية الغربية، وبهذا تكون الصورة الإشهارية قد نجحت في الحصول على مستهلك مغيب الإرادة يتلقى كل ما يسوق له.

 

رحيم زاير الغانم

 

علي المؤمنأسئلة الموضوع: تقارب الورقة الموضوعات الثلاثة التالية التي تضمّنها عنوان البحث:

1- تحولات حزب الدعوة الإسلامية في بعديها الموضوعي والزمني، ولا سيما في المجالات التنظيمية والسياسية والاجتماعية والسلوكية والفكرية. وسنقرن كل تحول بمساحته الزمنية. كما سنستعيد الصيرورة التاريخية لهذه التحولات وجذورها، لتكون منطلقاً علمياً لفهم التحولات.

2- مستقبل حزب الدعوة الإسلامية في بعديه الموضوعي والزمني، ولا سيما في المجالات التنظيمية والسياسية والاجتماعية والسلوكية والفكرية. وستكون عملية استشراف هذا المستقبل مقيدة أيضاً بمرحلة زمنية محددة.

3- منهجية الدراسات المستقبلية، خاصة في موضوعات الاجتماع السياسي، و التي تفرض استخدام منهج التشوّف الوصفي التحليلي، وهو مايقتضيه منهج الاستشراف البدائي. وسيتم إخضاع موروث حزب الدعوة و حاضره وتحولاته الراهنة الى هذا المنهج، للوصول الى صورة مستقبل الحزب.

معايير فهم حزب الدعوة الإسلامية:

لكي نصل الى صورة مستقبل الحزب، ينبغي التعرف بدقة على زمنيه الآخرين: الماضي بموروثاته ومساراته التاريخية، والراهن بتحولاته ومخاضاته:

1- موروث حزب الدعوة الإسلامية:

أ‌-  الموروث الشخصاني: مؤسسو حزب الدعوة ومدونو فكره وقياداته وشهداءه.

ب‌-  الموروث الاجتماعي: حزب الدعوة ليس حزباً سياسياً، بل هو أحد مظاهر الاجتماع الديني والسياسي الشيعي.

ت‌-  الموروث الجغرافي السكاني: انتماء حزب الدعوة الى النجف وماتعنيه من رمزية ومحورية، ثم انتشاره العربي والعالمي، و وجود دعامات عالمية شيعية له.

ث‌-  الموروث التاريخي: حزب الدعوة هو أول وأكبر وأهم حزب شيعي عراقي وعالمي، و حضوره الفكري والتنظيمي يشكل مؤثراً أساسياً في الوسط الشيعي العراقي والعربي والعالمي.

ج‌-  الموروث النظري والفكري: حزب الدعوة حقق ثورة منهجية وموضوعية في الفقه السياسي الاسلامي الشيعي. و توافره على الرصانة الفكرية.

ح‌- الموروث السياسي: يحظى حزب الدعوة بخبرة سياسية تراكمية في العراق وغيره، إضافة الى استفادته الممتدة من التجربتين السياسيتين في لبنان وتجربة السياسة المعقدة وبناء الدولة ومؤسساتها في ايران بعد التغيير، ثم إمساكه برئاسة الوزراء وكثير من مفاصل الدولة لأربع دورات حكومية.

خ‌- الموروث التنظيمي: كان تنظيم حزب الدعوة يتميز بالدقة والقوة والدينامية، وكانت هذه الدينامية تساعده على اعادة تنظيمه بعد كل حملة تدمير، أو انهيار أو انشقاق.

هذا الموروث هو مضمون الماضي وشكله، وكذلك الماضي المستمر المتمثل بالخزين المخبوء والظاهر، والخبرات التراكمية.

2- تحولات حزب الدعوة الإسلامية و واقعه:

هذه التحولات التي خلقت الواقع الذي يعيشه حزب الدعوة، تسببت في ظهور مشاكل أساسية وأعراض مرضية في حزب الدعوة. و نحاول هنا أن نقتصر على تحولات مرحلة ما بعد العام 2014 وحتى الآن، لأن مرحلة ما بعد 2014 وحتى الآن (2019)، هي مرحلة تراجعه التنظيمي والسياسي والإعلامي والجماهيري؛ قياساً بمرحلته السياسية الذهبية من 2005 وحتى 2014. ومن أبرز هذه المشاكل:

أ‌- المشكلة المجتمعية: كان حزب الدعوة يمثل الصورة المثالية النضالية الجهادية البطولية في العقل الشيعي العراقي. ولكن أخطاءه من جهة والحملة الاعلامية الدعائية الممنهجة المضادة شوهت ـ غالباً ـ هذه الصورة اجتماعياً .

ب‌- المشكلة الجغرافية: وتتمثل في انهيار امتدادته العالمية، ومعظم دعاماته الخارجية، و ضعف انتمائه النجفي.

ت‌- المشكلة الفكرية: عدم وجود انتاج فكري جديد لحزب الدعوة ينسجم مع مرحلة المشاركة في السلطة، وظهور تعارض بين نظريته وفكره، وبين طبيعة مشاركته في سلطة علمانية ودولة علمانية. وكان من مظاهر هذه المشكلة ظهور حالة الارتجال السياسي البعيد عن التنظير الفكري، والتي اعقبت مرحلة التشتت الفكري.

ث‌- المشكلة السياسية: وتكرست بانقسامه السياسي الواقعي بعد العام 2014، وصولاً الى خروجه من رئاسة الحكومة ومن معظم مفاصل الدولة، وضعف تأثيره في العملية السياسية. و لعل شخصية نوري المالكي القوية وكتلته البرلمانية وحضوره الجماهيري هو أهم حائل دون انهيار الحزب سياسياً.

ج‌- المشكلة التنظيمية: تحول حزب الدعوة من حزب حديدي الى تنظيم مكشوف، ومخترق أحياناً، إضافة الى ترهل تنظيماته وضعفها، وتشتت قراره الداخلي، وانشقاقاته الواقعية. الى جانب إصراره على الإدارة التقليدية والهيكلية غير المؤسساتية والتي لا تصلح لمرحلة السلطة.

ح‌- المشكلة السلوكية: تورط بعض كوادره وأعضائه بسلوكيات تتناقض وفكره الإيماني والتزامه الشرعي.

 

3- مصادر قوة حزب الدعوة الإسلامية:

وهي مصادر قوة ذاتية وموضوعية، و أهمها:

أ‌- موروثه الشخصاني والتاريخي والفكري.

ب‌-  انتماؤه الى الاجتماع الديني والسياسي للأغلبية السكانية في العراق، وهي الاغلبية المتمسكة بهذا الاجتماع بقوة. وهو ما يجعل حزب الدعوة يستفيد ـ كغيره من الحركات الاسلامية الشيعية ـ من كل ألوان الحراك الديني الاجتماعي، او ماتطلق عليه الأدبيات الأكاديمية "الطقس الديني الإجتماعي" الذي يعيشه ملايين المواطنين الشيعة، كالمساجد والحسينيات، والعبادات الجماعية، والمواسم العاشورائية والأربعينية والرمضانية وغيرها، وهي غير متوافرة لأي حزب ينتمي الى مكون عراقي آخر، سواء كان هذا الحزب اسلامياً أو علمانياً. وبالتالي فحزب الدعوة لصيق بالحقائق التي ينتمي اليها عموم شيعة العراق.

ت‌-  خبرة الدعاة السياسية والتنظيمية والفكرية التي توفر للحزب ديناميكية إعادة البناء.

ث‌-  تحول حزب الدعوة الى مدرسة نوعية و كمية، فيها منشقون ومنقطعون أكثر حرصاً عليه، و وجود تنظيمات متعددة، و داعمين أقوياء مؤثرين من الدعاة المنفصلين من غير العراقيين.

ج‌-  وجود المرجعية النجفية السيستانية، وهو مصدر قوة تلقائي لجميع الحركات الاسلامية الشيعية، ولكن له بعض الخصوصية بالنسبة لحزب لدعوة، إذ أن هذه المرجعية تحترمه وتعتبره أهم الأحزاب الشيعية القادرة على تحمل مسؤولية الدولة، فضلاً عن أن جميع الحركات الشيعية لديها مرجعيات غير السيد السيستاني عدا حزب الدعوة. وبرغم إشكالاتها على الحزب وعلى بعض شخصياته و أدائه؛ إلّا أنها لاتريد له التفريط بنفسه وبتاريخه؛ كونه قاعدة أساسية للواقع السياسي الشيعي.

ح‌- دعاماته الشيعية الخارجية: وفي مقدّمها المرجعية الدينية في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، إذ تتطابق رؤيتها في هذا المجال مع رؤية مرجعية النجف، فهي تحترمه أيضاً وتدعمه، بصرف النظر عن شخوصه وعن استقلاليته الدينية المرجعية.

خ‌- شعور معظم الفرقاء الوطنيين بأنه الحزب الشيعي الوحيد الذي يمكن الثقة به والشراكة معه، بصرف النظر عن المناكفات الظاهرية والحملات الدعائية.

د‌- استمرار وجوده في بعض مفاصل الدولة والوزارات والبرلمان والهيئات المستقلة، و التأثير المهم لأمينه العام في التحالفات وحراك الكتل السياسية وعموم العملية السياسية.

ذ‌- وجود نخب سياسية وفكرية وأكاديمية فيه، ومنها الشخصيات السياسية القيادية المؤثرة، ولاسيما أمينه العام.

ر‌- وجود مشاريع جادة قائمة لإعادة بناء الحزب.

وتحول مصادر القوة الذاتية والموضوعية التي يتمتع بها حزب الدعوة، دون تعرضه للانهيار أو التراجع المطلق.

مستقبل حزب الدعوة الإسلامية

يعتمد مستقبل حزب الدعوة على طبيعة مشروع إعادة بنائه، ونسب نجاحها. وأهم مفاصل هذه المشاريع:

أ‌- إعادة بناء المؤسسة الحزبية والهيكيل التنظيمي، وتجاوز الإدارة الجماعية المشتتة التي تصلح لمرحلة المعارضة، الى الإدارة المركزية، وكذا تجاوز الهيكيلية البدائية البسيطة الى الهيكيلية المؤسسية المعقدة.

ب‌-  إعادة كتابة نظرية الحزب وفكره، بما يتناسب وتحوله من حزب ديني ايديولوجي عقدي عالمي يعيش السرية والمعارضة، الى حزب عراقي وطني وإسلامي بالمعنى الحضاري، يعمل في العلن ويمارس السلطة في نظام ديمقراطي وحكم مدني تشاركي.

ت‌-  تفتيت الصراعات الداخلية، وتوحيد التنظيمات التي تنتمي الى مدرسة الدعوة، أو إيجاد الآليات المؤسسية التي تقبل بوجود الأجنحة المختلفة.

ث‌-  تدوين مشروع الدعوة في الحكم والدولة، في المجالين العملي والنظري، ولاسيما مايرتبط بعقيدة الدولة العراقية ونظامها السياسي وإعادة بنائها سياسياً واقتصادياً وقانونياً، و إعادة تنظيم علاقاتها الإقليمية والدولية، وصولاً الى مشاريع التنمية البشرية والبناء الاجتماعي.

ج‌-  إعادة بناء التنظيم، وشد خطوطه، وإعادة الدعاة المنفصلين، وهم خبرات كبيرة وكثيرة، والانفتاح المكثف والنوعي على جميع قطاعات الشعب.

ويمكن القول أن تراجع حزب الدعوة سياسياً سيستمر على المدى القصير والمتوسط، أي حتى الانتخابات المحلية القادمة، و الى ما قبل الانتخابات البرلمانية القادة في العام 2022، وحينها سيبدأ مرحلة جديدة من استعادة القوة تظهر معالمها تزامناً مع ظهور نتائج الانتخابات.

وسيكون المؤتمر العام القادم للحزب الذي سيعقد خلال العام 2019، مؤتمراً انتقالياً مهماً، فأما أن يكرس مظاهر التشتت والتراجع، من خلال ترحيل الخلافات ورهنها بعجلة الزمن، والإبقاء على الهيكلية نفسها والقايادات نفسها، مع تعديلات غير جوهرية، أو يشهد حسماً للخلافات الداخلية لمصلحة مشروع واحد، و صدور نظام داخلي جديد، وإعادة هيكلة الحزب ومأسسته، وانتخاب قيادات جديدة. ويذهب بعض الحكماء الدعاة الى ترجيح سيناريو ثالث يتمثل بالحل الوسط، الذي لا يكرس الراهن، لكنه يمنع التغيير الشامل.

كما ستكون مرحلة السنوات الأربع التي ستلي المؤتمر مرحلة تحوّل مصيري، قد تشهد نوعاً من التحدي باتجاه تقوية تنظيمات الحزب وتوسيعها، وبدايات متواضعة على مستوى إعادة البناء الفكري. كما ستتكرس في هذه المرحلة قيادة المالكي للحزب، ولكن ليس بما يشبه نموذجي أردوغان في حزب العدالة التركي والسيد نصر الله في حزب الله.

ومن المستبعد أن يشهد الحزب تحولاً فكرياً جذرياً، على مدى العشرين عاماً القادمة على أقل تقدير، تجعله يتنازل عن ثوابته الفكرية، أي يتحول الى حزب سياسي إسلامي علماني، على غرار حزب العدالة التركي، لأسباب موضوعية كثيرة. ولكن سيكرس الدعاة وجود الواجهات الحزبية السياسية العلمانية التي يعملون في إطارها.

وبناء على موروثات حزب الدعوة ونقاط قوته الذاتية والموضوعية، كما ذكرنا، بما في ذلك أنه ليس مجرد ظاهرة سياسية حزبية، أو ظاهرة اجتماعية سياسية طارئة أو عارضة، أو تجمعاً انتخابياً، فإن تراجعه السياسي أو انكساره الانتخابي، لن يتسبب في انهياره أو ضعفه المطلق. ولذلك فإن رهان خصومه المحليين والاقليميين والدوليين على إمكانية تجاوزه في حراك العملية السياسية العراقية رهان غير واقعي، ولايراعي أبسط المعايير العلمية في القراءة و التقويم والاستشراف.

 

د. علي المؤمن

........................

تنويه:

المقال هو ملخص ورقة بحثية قدمتها في الورشة الدراسية التي أقامها في بيروت مركز كارنيغي الأمريكي، في إطار مشروعه حول مستقبل الحركات الأسلامية في الشرق الأوسط. و قد خصصت ورقتي لدراسة تحولات حزب الدعوة الإسلامية ومستقبله، بوصفه النموذج الأهم للأحزاب الإسلامية في العراق.

مصادر للباحث حول حزب الدعوة الإسلامية وتحولاته ومستقبله

1- كتاب سنوات الجمر: مسيرة الحركة الإسلامية في العراق

2- كتاب صدمة التاريخ: العراق من حكم السلطة الى حكم المعارضة

3- كتاب جدليات الدعوة: حزب الدعوة الإسلامية وجدليات الاجتماع الديني والسياسي

4- رواية عروس الفرات

5- سلسلة دراسات: حزب الدعوة الاسلامية من الشروق الى السطوع

6- مقالات ودراسات ومقابلات، متوافرة على الانترنيت

 

جواد بشارةفي العام 1998 وفي إطار البرنامج الأوروبي لاستكشاف الفضاء ومكونات الكون المرئي، ظهرت دراستان حول عدد من النجوم التي تم رصدها ودراستها بتمعن واتضح أن الأكثر بعدا من بينها تقل درجة نصوعها بنسبة 25% مما كان منتظراً. أي كانت ابعد مما كان متوقعاً، وبناءاً على ذلك خمن العلماء أن الكون يسترع في تمدده وتوسعه. وفيما بعد، وبعد مرور عقود طويلة وتقدم تكنولوجي مذهل، أثببت المشاهدات الكوسمولوجية ذلك الاستنتاج النظري في ذلك التاريخ، وقام العلماء بحسابات قادت إلى نفس النتائج حسب تصريحات العالم جان بول كنيب Jean Paul Kneib، الأستاذ في مدرسة البولتكنيك الفيدرالية في لوزان ــ  سويسرا. وتأكد هو وفرق عمله أن هناك قوة مجهولة تعمل بالضد من الثقالة أو الجاذبية فعكس ما تقوم به المادة بفضل قوة الجاذبية فيها تقوم الطاقة المجهولة المسماة مظلمة أو سوداء بجهد معاكس أي تقوم بدور القوة الطاردة أو النابذة، والحال أن تحديد ومعرفة طبيعة وماهية هذه القوة الغامضة والمجهولة صار هو التحدي الأكبر أمام علماء الكونيات الكوسمولوجيين. أحد الافتراضات التي تعاطت معها هي فكرة قديمة للعالم الفذ البرت آينشتين والتي عرفت بــ " الثابت الكوني" التي قرر المتحمسين لهذه الفرضية العودة إليه، أي إلى الثابت الكوني الذي ألغاه آينشتين من معادلاته واعتبره أكبر خطأ جسيم ارتكبه في حياته. وكلنا يعلم أن النسبية العامة التي صاغها آينشتين في بداية القرن الماضي هي الإطار النظري الذي يسمح بتصور وتمثل الكون المرئي والتعامل معه فيزيائياً ورياضياتياً، إلا أن المعادلات الرياضياتية التي تميز تلك النظرية، لو طبقت على الكون كله، سوف تشير بوضوح أن الفضاء الكون في حالة تمدد وتوسع، وهو الأمر الذي أرعب ىينشتين واثار نفوره لأنه كان يعتقد بكون ثابت ومستقر ودائم في حين أن الحلول التي جاء بها الراهب البلجيكي والعالم الفيزيائي في نفس الوقت جورج لومتر سنة 1927، وهو الأب الحقيقي لنظرية الانفجار العظيم، تثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن الكون في حالة توسع وتمدد. ما دفع آينشتين إلى اقتراح الثابت الكوني في معادلاته لكي يعارض فكرة التوسع والتمدد الكوني باعتباره القوة المناهضة والمعادلة أو المكافئة لقوة الجاذبية إلا أنها قوة نابذة أو طاردة . ولكن بعد سنتين من ذلك، أي سنة 1929 أثبت العالم إدوين هابل بالتجربة العملية والتحليل الطيفي لنتائج رصد التلسكوب الذي يعمل فيه أن مشاهداته تؤكد تمدد وتوسع الكون المرئي، لكن الثابت الكوني، بتسمية أخرى بالطبع، عاد وانبثق من جديد في القرن الحادي والعشرين لأن العامل المفترض الوحيد الذي من شأنه أن يبطيء ويكبح أو يسرع  التوسع  والتمدد الكوني ولقد سماه العلماء بـ " طاقة الفراغ énergie du Vide" التي تقوم بتمديد الفضاء الكون أكثر فأكثر. الإشكالية هي أن هذا " الفراغ" يدخل في الكثير من المجالات الفيزيائية الأخرى وإن " فراغ " الكوسمولوجيين أو علماء الكونيات ـ، لا يتطابق مع علماء الفيزياء النظرية أو المنظرين فطاقته أضعف بــ 10120 مرة . ما أدى إلى بروز عدد من الافتراضات والتخمينات بشأن طبيعة وماهية الطاقة المظلمة أو السوداء، وهي كلها محصورة في الطور الافتراضي النظري و لا بد من العودة إلى عمليات الرصد والمشاهدة التلسكوبية، الرضية والفضائية، وإعادة قياس وحساب الأبعاد الهندسية للكون المرئي. وهنا بالتحديد تكمن مهمة أقليدس التلسكوب الفضائي الأوروبي الذي سيطلق سنة 2022 والذي سوف يستكشف مكونات الكون المرئي على مدى العشرة ملايين الأخيرة من عمره من أجل اكتشاف لحظة " التحول " التي عجزت فيها المادة عن كبح التوسع الكوني. فالكون لم يكن في حالة تمدد وتوسع متسارع على نحو دائم ومستمر كما يقول أوليفييه لو فيفر Olivier Le Fèvrr من مختبر الفيزياء الفلكية في مرسيليا ــ فرنسا ــ والمسؤول عن مهمة أقليدس فالتسارع في التوسع والتمدد لا يخص سوى الثلث الأخير من عمر الكون المرئي التقديري وهو 13.8 مليار سنة . سوف يرصد هذا التلسكوب الفضائي المتطور جداً، وعلى مراحل ثلاثة، الثلث الأخير من عمر الكون، ففي المرحلة الأولى سيتقصى ويستكشف 1.3 مليار  مجرة بعيدة من خلال تحليل الطيف الضوئي القادم منها والذي يخترق امتداد الفضاء الكوني من تخوم الكون إلينا ويمر بمعوقات وعقبات وانزياحات وانعكاسات كثيرة بسبب النجوم والغازات والسحب الكونية مما يقوم بتشويه الصور كما في العدسات البصرية التشويهية وفي نفس الوقت يوفر لنا معلومات عن كل من يمارس تاثير ثقالي على الضوء بما في ذلك المادة السوداء أو المظلمة ما يمكننا من تقدير كمية الكتلة الخفية أو المفقودة في الكون المرئي. في المرحلة الثانية من مهمة أقليدس  سوف يمسح حركة ومسافة 25 مليون مجرة، والحال أننا لا نعرف اليوم سوى ما يتعلق بــ 4 مليون ونصف المليون مجرة. وسيتيح لنا على نحو أفضل معرفة توزعها كما تخيلها العلماء في النماذج النظرية للشكل الكوني والبنية الكونية الكبرى. ومن المتوقع أن تنتهي صلاحية العديد من النماذج النظرية الكونية بعد حصولنا على نتائج المسح والمراقبة والمشاهدة والرصد التي سيقوم بها تلسكوب أقليدس بعد انتهاء مهمته. قد يتوجب علينا مراجعة قانون الجاذبية نفسه واقتراح مفاهيم جديدة أخرى لتفسير وفهم تسارع التوسع الكوني. المهمة الأهم والأكثر طموحاً لأقليدس هي تحديد تطور

 une longueur caractéristique cosmologique de l’univers au cour du temps

الطول الكوسمولوجي  المميز للكون في مجرى الزمن المعروف بــ concillation acoustique des baryons –BAO أو التوفيق أو التنسيق الصوتي للبريونات حيث تقبع خصيصة جوهرية تعود تاريخها لطفولة الكون، بعد بضعة مئات من السنين، في أعقاب الانفجار العظيم، عندما كان الفضاء مليئاً بخليط من الجسيمات الأولية والضوء، وفي داخل هذا الحساء الأولي هناك نقاط أكثر كثافة من غيرها صارت تفرز مادة وبعض الأشكال الأولية بتأثير من جاذبية بدئية، هو ما سيقود لتشكل المجرات، ومن ثم عندما يبلغ الكون عمر 380000 سنة انفصلت المادة عن الضوء إلا أن حجم الكتل grumeaux  ظل ثابتاً، ومن الضوء البدئي جائتنا الإشعاعات الأحفورية الكوسمولوجية الميكروية المنتشرة التي تشير إلى الاختلافات الطفيفة في درجات الحرارة، في حين أن حجم الكتل على مر الزمن بات يتنوع فقط وفق هندسية المكان أو الفضاء . وفي نفس الفترة الأولية الطفولية للكون تكونت أجسام فضائية غريبة هي الأخرى مظلمة أو سوداء ذات كتل عالية وكثافة كبيرة  عرفت بالثقوب السوداء المجهرية  و في حين تشكلت على مر الزمن بفعل النجوم العملاقة المنهارة على نفسها بفعل ثقالتها  ثقوب سوداء فائقة الكتلة كما أظهرت ذلك عمليات المحاكاة في الكومبيوترات أو الحواسيب العملاقة . لقد استحوذ موضوع الانفجار الكبير The Big Bang على مخيلتنا دون غيره من النظريات العلمية، من حيث أنه يمثّل الولادة الحقيقية والرائعة لكوننا. ولكن، ما الذي حصل بعد ذلك؟ بعد نحو 100 مليون سنة من الظلام الدامس، وبعدما أضاء الكون أخيراً عبر نجومه الأولى، كانت تلك النجوم أكبر وأكثر لمعاناً من كل الأشياء التي تلتها لاحقاً. أدت الأشعة فوق البنفسجية القوية الصادرة من تلك النجوم إلى تحويل الذرات المحيطة بها إلى أيونات. حيث استغرق الفجر الكوني l’Aube cosmique - ابتداءً من ولادة النجم الأول وحتى اكتمل التشكّل الكوني - ما يقرب مليار سنة. يقول البروفيسور مايكل نورمان Michael Norman  مدير مركز سان دييغو للحواسيب العملاقة والمؤلف الرئيس للدراسة التي نُشرت حديثاً في مجلة Frontiers in Astronomy and Space Sciences: "من أين جاءت تلك النجوم وكيف كوّنت لاحقاً المجرات التي تملأ الكون الذي يعجُ بها، كما نراه اليوم، إلى جانب الإشعاعات الأخرى والبلازما؟ نمتلك العديد من النماذج المعيارية في الفيزياء التي تفسر لنا العالم وتشرح لنا بنية الكون لكن أكثر من ثلاثة أرباع الكون يغيب عن مداركنا وهذه أزمة تصيب هذا العلم إذ أن هذه النسبة هي ما نسميه اليوم الجزء المظلم من الكون والذي يضم المادة والطاقة السوداء أو المظلمة هذه هي الأسئلة التي تشغل تفكيرنا اليوم". هل من المفترض مراجعة قواني الفيزياء وإعادة النظر في الثقالة أو الجاذبية؟ وه يتعين علينا إضافة قوة خامسة للقوى الجوهرية الأربعة التي تتحكم بالكون، وهي الكهرومغناطيسية والجاذبية أو الثقالة والقوة النووية الضعيفة والقوة النووية الشديدة؟ أم يجب أن نفترض وجود نسيج كوني مختلف بقدر كونه غامض وغريب مكون من جسيمات ضعيفة أو معدومة الكتلة وهي آكسيونات يصعب رصدها وكشفها إن لم نقل يستحيل اكتشافها، هذا إلى جانب لغز وغموض  الطاقة السوداء والمظلمة والمادة السوداء أو المظلمة واختفاء المادة المضادة التي كانت موجودة بوفرة في بدء الكون وطفولته بعد ولادته مباشرة . يعمل الباحثون أمثال البروفيسور نورمان على إيجاد حلول للمعادلات الرياضية لبناء كون افتراضي مكعب الشكل. يضيف البروفيسور نورمان: "لقد أمضينا ما يزيد عن 20 سنة في استخدام وتحسين هذا البرنامج، وذلك من أجل تحقيق فهم أفضل للفجر الكوني". هُيِّئَت في البدء النصوص البرمجية التي سمحت بتشكيل ونمذجة النجوم الأولى في الكون، حيث تقوم تلك المعادلات بوصف الحركات والتفاعلات الكيميائية داخل الغيوم الغازية في الكون الذي سبق ظهور الضوء، وقوة الجاذبية الشديدة التي تتمتع بها بعض الأجسام الأكبر حجماً التي لا نستطيع رؤيتها والتي يطلق عليها المادة المظلمة matière noire ou sombre.  . يتبع

 

د. جواد بشارة

 

احمد الكنانيالمبالغة في تشبيه المثنوي بصفات خاصة بالقرآن، وبأنه نور مثل نوره كمشكاة فيها مصباح، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا، هذه المبالغة لم تلفت نظر شراح المثنوي ولا منتقديه الا النزر اليسير، وغفلتهم هذه ليست بذاك السوء المتصور بل هو حسن يستحق التقدير والثناء، وسر شكري العميق لاؤلئك المهتمين بتراث المولوي يكمن في ان الرومي كأسلافه واللاحقين به من ادباء فلاسفة ومتصوفين في افقهم الواسع يبحرون لا تحدّهم حدود الأديان والمذاهب، ولغتهم البشرية تضيق بهم ذرعا في إيصال ما يشعرون به، فدعوهم يبحروا ويوصلوا الينا ما يقتنصون من  درر غوصهم، من دون ملاحقتهم بأية او رواية او فتوى فقيه او دعوة داعية من المدافعين عن الاله .

وعقيدتي ان الفيلسوف او الصوفي حين ينسج متبنياته الفكرية في قوالب شعرية وضوابط بلاغية لا يباح لنا الحكم عليها ضمن قواعد شرعية وضوابط دينية، لانها ببساطة خارجة عن تلك الضوابط، غير محدودة بها ولا منتمية لها، بل هما لغتان متباينتان لا جامع بينها، فكيف بلغة الخيال التي لا تقدر الحروف على تبيانها أحيانا ان تحدَها لغة المشرع، و المثنوي كنص ادبي عرفاني لا يستحسن التعامل معه بمسبقات ذهنية دينية او عقائدية .

لعل وصف المولوي لديوانه بالكتاب حين يقول في المقدمة "هذا كتاب المثنوي" رغم انه ليس كتابا بالمعنى المتعارف للكتاب فيه إشارة مقصودة الى انه شبيه بالقرآن في كونه ليس كتابا ومع ذلك يقول القرآن " ذلك الكتاب لا ريب فيه "، هذه النقطة بالذات فيها أوجه شبه كثيرة، فالمثنوي شعر القاه الرومي على مستمعيه ودوَنه الكرام الكاتبين، واسماه بالمثنوي وهو نوع شعر وليس اسم ديوان، وكقول القائل اسم ديواني هو العمودي او الحر فهي أنواع للشعر وليس مسميات للدواوين، والقرآن كذلك ليس اسم لكتاب وانما هو آيات تلاها النبي على مستمعيه فهو المقروء، بمعنى انه وحي مقروء فهو قرآن وليس من سنخ المكتوب والمدون .

ثم ان المولوي لم يبدأ المثنوي باسم الله والثناء على نبيه كما هي العادة، وانما شرع ب " بشنو اين ناي " استمع الى الناي وهو يشير الى نفسه وتنبؤاته في اول شطر من ديوانه، هذا بناء على النسخة المصححة من المثنوي " اين "  التي تعني: هذا، وعلى خلاف المشهور الجاري على الالسن "بشنو از ني" استمع من الناي .

القراءة المشهورة: بشنو از ني، استمع من الناي .

والقراءة الصحيحة غير المشهورة: بشنو اين ني، استمع الى هذا الناي .

والفرق بينهما شاسع جدا، ومحط نظر المولوي هو الاستماع اليه والى حكايته وتجربته الروحية التي ابتدأت حال انقطاعه من جذوره، هذا هو المعنى الذي ينبغي استلهامه من البيت، لا الاستماع الى ايَ ناي، ولا اعرف من اين جاءت قراءة " از ني " وأصبحت مشهورة على الالسن رغم انها تفقد حلاوة المقصود بالمعنى السامي الذي يرمي اليه مولانا، ولعلها كانت عن قصد من مروجي المثنوي ومريدي المولوي هروبا من أي ايراد قد يفهم ويلصق به ان فُسر بناي بعينه لا أي ناي .

وهناك معنى اخر يمكن استلهامه من هذا البيت وكيفيه شروع المثنوي ب "بشنو اين ني" من دون مقدمات ولا حتى باسم الله والثناء على نبيه كما هي العادة الجارية في ذاك الزمان حين الشروع بالكتب او الدواوين، هو ان المثنوي كتاب ليس كأي كتاب يُحضَر له ويُمهَد له بمقدمات وانما هو على سبيل الحكمة الجارية التي تُلقى في روع ملقيها فتظهر فجأة بشكل شعر منتظم يسحر مستمعيه . وهذه إشارة أخرى على مشابهة المثنوي بالقرآن .

هناك التفاتة مهمة في هذا الشطر العجيب من البيت الملئ بالمعاني السامية، نبه لها بعض من شراح المثنوي  وهي ان التنبيه بالاستماع المعبَر عنه ب " بشنو" هو بمثابة " قل " الواردة في ابتداء بعض سور القرآن، استمع الى الناي ...، والناي هو الشئ المجوف الخالي الذي ينفخ فيه ليصدر أصواتا حزينة معبرة، والناي هنا تعبير عن مولانا ذاته الذي ينقل الصوت من قدرة خارجة عنه فهو كالموحى اليه لايصال رسالة ما الى العالم، والناي بهذا الشكل من الابعاد يكون سهيما في اخراج الأصوات بهذه الطريقة فهو كالنبي في إيصال الوحي الى الناس وفي ذات الوقت ذي تأثير في اخراج الوحي بهذه الطريقة ...

مولانا جلال الدين لا يخفي كونه بمنزلة المحى اليه، وهذا المعنى ظاهر جدا للمتصفح للمثنوي، والشواهد متكثرة على هذا المنحى للمولوي منها هذه الابيات التي أوردها في القسم ٦٩ من الجزء الرابع من المثنوي:

نه نجومست و نه رملست و نه خواب

وحی حق والله اعلم بالصواب

از پی روپوش عامه در بیا

وحی دل گویند آن را صوفیان

وحی دل گیرش که منظرگاه اوس

چون خطا باشد چو دل آگاه اوست

مؤمنا ینظر به نور الله شدی

از خطا و سهو آمن آمدی

اذ ليس تنجيما ولا ضربا بالرمل ولا هو اضغاث أحلام وانما هو وحي حق والله اعلم بالصواب

ظاهر المعنى لا لبس فيه هو وحي القلوب المهيمن منظراً لتجلى الحق

حينها يكون المؤمن ينظر بنور الله آمنا من السهو و الخطأ ...

 

احمد الكناني

 

علي المرهجالعراق منذ تأسيسه 1921ظل أسير لصراع اجتماعي بين الموروثات القبلية والدينية وبين الرغبة بالحداثة والتجديد وهذه الموجة التجديدية كان لها مؤيدوها من النُخب المثقفة في ذلك الوقت فقد كتب الرصافي قصيدته المشهورة:

مزقي يابنة العراق الحجابا ... وأسفري فالحياة تبغي انقلابا

مزقيه اواحرقيه بلا ريث ... فقد كان حارساً كذابا

كذلك ماكتبه الزهاوي:

كل شئ الى التجديد ماض .. فلماذا يقر هذا القديم

زعموا أن في السفور انثلاماً . .كذبوا فالسفور طهر سليم

لا يقي عفة الفتاة حجاب .. بل يقيها تثقيفها والعلوم

من هذه الدعوات بدأت ملامح التحولات في طريقة الملابس النسائية بالظهور وأذكر قصة معروفة للشاعرة عاتكة وهبي الخزرجي عندما كانت ترتدي العباءة وهي شاعرة وصااحبة فكر تحرري فكان الجميع يستغرب ان عاتكة ترتدي العباءة ولكنها سرعان ما ظهرت في أحد الأيام بفستان عصري وترتدي قبعة على رأسها وتسير من أمام جامع ابي حنيفة النعمان فكان هذا حدث كبير أصبح جزء من تاريخ تغير طراز الملابس النسائية. ففي فترة الستينات كان طراز ملابس النساء فيه درجة عالية من التحرر وعدم الخضوع لمقاييس دينية أو سياسية على الرغم من أن هذه المقاييس اليوم تتحكم في طريقة الملابس النسائية بشكل كبير، لذلك فأن هذه السطوة الدينية والسياسية كانت خلال تلك الفترة قليلة ولم تكن السلطة السياسية في ذلك الوقت تتدخل بالشؤون الإجتماعية فقد كان هذا التطور تطوراً اجتماعياً بحتاً بشكل تدريجي. ولكن بعد انهيار النظام الملكي وقيام الجمهورية 1958 أخذت السلطة تتدخل في شؤون المرأة وتجعل منها مادة سياسية للحصول على أنصار أو لمواجهة أعداء،وفي الوقت الذي كانت فيه غالبية النساء سافرات و بقصات شعر وتسريحات تتناسب مع تلك الفترة من الانفتاح وانتشار موضة (الميني جوب) وهي تنورات ترتفع عن الركبة بشبر تقريباً فقد أخذ هذا الموديل (الميني جوب) بداية الستينات بالانتشار وأصبح منظر الفتاة بتنورة قصيرة جداً وظورها بكامل إنوثتها أمراً معتاداً في شوارع بغداد وهذا النوع من الملابس لم يكن بالنسبة للمرأة العراقية مجرد ملابس وإنما كان ثورة نسائية صارخة وواضحة، سرعان ما تعرضت هذه الثورة المجتمعية النسائية للكتم والاقصاء من قبل السلطة التي ربما وجدت في هذا التحرر ما يُهدد سطوتها كونها تمثل الاتجاه القومي ببُعده العشائري والديني فجعلت من ملابس المرأة سلاحاً ضد الشيوعية فمنعت ارتداء (الميني جوب) وكان رجال السلطة يحملون علب الأصباغ ويجوبون الشوارع لصبغ سيقان الفتاة التي تخالف أمر السلطة وهو السبب الرئيسي بإنحسار الملابس النسائية المتحررة والإتجاه نحو موديل الملابس المحافظة نوعاً ما.

من هذه المرحلة أخذ الفصل بين ملابس المرأة العراقية والسياسة أمراً غير ممكن فدخول البلد في فترة الثمانينات والتسعينات في حروب طاحنة أثرت بشكل واضح على البلد بشكل عام وجعلته بعيداً عن العالم الخارجي إضافة الى الوضع الاقتصادي السيء الذي أبعد المرأة عن الاهتمام بالموضة والجمال، كذلك حالة الحزن التي أخذت تُسيطر على العوائل العراقية دفعت بها للاتجاه نحو الدين بعدَه المخلص الوحيد، فانتشر لبس الحجاب والملابس الطويلة ذات الأكمام وهذا الطراز في السنوات الأخيرة مابعد 2003 تدريجياً ونتيجة هيمنة الدين والأحزاب السياسية الدينية على السلطة أصبح هناك تراكم فكري واجتماعي فرض نمطاً من الملابس ذات الطابع الذي يُقال عنه "المحتشم"، ولكن في السنوات الأخيرة وبمراقبة بسيطة للأماكن العامة أو الجامعات نجد أن هناك تناقضاً واضحاً في طبيعة الملابس النسائية وطرازها، فالكثير من الشابات يرتديَنَ التنورات القصيرة أو البطلنوات الجينز أو الستريج وبعضها مُممزقة أوساطها من أعلى الساق من الأمام مع ارتداء حجاب الرأس وهي دليل على وجود اتجاهين متصارعين لدى المرأة نفسها، الأول يمثل تحشياها للتصادم مع الموروثات الدينية والاجتماعية، والثاني يُمثل الرغبة بالانفتاح على مُعطيات الحداثة واللحاق بصرخات المودة العالمية في اللبس والمكياج.

في خضم ثورات الانفتاح هذا على الآخر المُختلف واستلهام التجارب المجتمعية بتحولاتها المُتسارعة، يكون الممانعون كمن يركب القطار ويجلس عكس سيره، ولكن القطار يسير، لذا سيكون الانكفاء والانزواء هو من قبيل المُستحيل، فلا يُمكننا البقاء ضمن (قوقعة فكرية) أو عقائدية معينة، لأن مُعطيات العولمة تخترق كل مُتبنياتنا، فخذ مثلاً على ذلك موديلات الملابس أو قصات الشعر أو تكالب الشباب والشابات على صالونات ومراكز التجميل، فهل هُناك من قدرة لمن يتبجحون بأن هذه التحولات إنما فيها تهديد للموروث من قدرة على ايقاف تيار الاعجاب بها والتسارع للأفادة من جماليات ما تمنحه من سعادة لمن يرغب بتغيير الشكل وتجميل ما يظنه قبيح في مظهره؟!. أظن أن كثير من أبناء المُعترضين وبناتهم ييلجأون لهذه المراكز ولا حُرمة في ذلك، إلَا أنهم سينبحون لكن القافلة تسير.

لفرط ما في شبابنا وشاباتنا من ذكاء فقد خلقوا موضة عصرية مزجوا فيها بين الملابس العصرية والمحافظة على القبول المجتمعي فأصبحت شريحة كبيرة من النساء خصوصاً من الشابات يظهرن بـ (استايلات) جديدة وبلمسات جميلة.

وهذه العودة التدريجية نحو الاهتمام بالموضة وتنسيق الملابس اذا استمرت بهذا الشكل التدريجي دون تدخلات سياسية ودينية ستصنع تجربة اجتماعية خالصة، يكون فيه للنساء العراقيات في المستقبل مكانة في عالم الأناقة والرُقي التي تتناسب مع المجتمع وتغيراته التدريجية وللشباب نصيب فيها.

وخلي خاتون العراق تُشارك في خلق الجمال بلبسها الجاكيت يطول ويقصر وبطلون الستريج تحته، لكنها موضة عصرية تخص الجيل الجديد من البنات والبنين، ونحن نرفض وبعد حين حين سريان الموضة نقبل على استحياء، ولكننا في نهاية المطاف سنقبل أو سيقبل من هم بعدنا كما قبل آباؤنا التنورة (الميني جوب) من قبل بعد رفض وتمنع..

للموضة دور في تغيير نمط الوعي ولله في خلقه شؤون!!.

 

ا. د. علي المرهج

 

احمد شحيمطينطلق جون جاك روسو من الفكرة القائلة أن القوة لا تخلق الحق ولا تؤسس للمجتمع المدني السليم بالقواعد المأمولة للعبور نحو إقامة المجتمع التعاقدي المبني وفق المشترك بين الناس والقائم على أساس التنازل عن الحرية المطلقة وحق القوة .نداء روسو وفلاسفة العقد الاجتماعي ومنهم توماس هوبس وجون لوك بعبارة أن القوة لا تبني الحق ولا تؤدي إلى بناء السلطة المشتركة كان بالفعل نداء نحو طرح القوة واستبدال التحايل والمكر والدهاء نحو بناء مجتمع وفق مرامي إنسانية وقانونية . وتشمل أهدافهم تحليل مكامن النزوع عند الإنسان الذي لا يعتبر عند توماس هوبس خيرا بطبعه أو مدني بالمواصفات الأرسطية .هذا الإنسان تخترقه نوازع القوة والميل نحو التسلط والهيمنة على أملاك الغير .عبارة الإنسان ذئب لأخيه الإنسان لا يؤمن جوانبه .الغدر والحذر والكبرياء والميل لاستعمال كل أشكال القوة من مواصفات الإنسان في حالة الطبيعة . خير أن يعيش الناس في السلم وتحت سلطة مستبد عادل أفضل من العيش في الفوضى والقتل أو حرب الكل ضد الكل .

تبدو الحرب الأهلية الإنجليزية حاضرة بقوة في تحليل توماس هوبس .الحرب الشاملة .ومن الثورات تتولد الحاجة نحو التغيير وبناء المجتمعات على أسس تعاقدية في تنازل الأفراد عن جزء من الحرية المطلقة وإقامة الدولة المدنية والمجتمع السليم ." اللوفيتان" الدول المركزية القوية .التنين الوحش المهيمن والمسيطرة .لا سلطة تعلو فوق سلطتها وقوتها . نقطة تمركز القوة والسيادة ورمز للهيمنة والسلم .وعلاقة توازن بين الحاكم والمحكوم حتى في ظل السلطة المطلقة والحق الإلهي الذي نال نصيبا كبيرا من النقد لآراء توماس هوبس في رأي ذوي النزعة الحقوقية والأفكار الديمقراطية للقول بالسلطة المقيدة للحاكم المدني الذي يستجيب لسلطة الشعب والسلطة التشريعية .هذا الحاكم المنتخب يعتبره جون لوك ذو شرعية وإذا تجاوز السلطة المعقولة والمتفق عليها فمن حق الشعب الثورة عليه أو شي من العصيان لإزالته أو إجباره في الامتثال للسلطة التشريعية .هذا النوع من السلط بالمواصفات المعقولة والمشتركة يكرس دعائم شرعية الحاكم من جهة ويبني سلطة مشتركة ومنتخبة تؤدي إلى الانتظام السياسي والتوازن في تدبير الشأن العام للمجتمع . هنا يبدو واضحا تباين الرؤى بين رواد الفكر التعاقدي ويضعنا جون جاك روسو في صلب الفكرة الأساسية عن السلطة وبناء المجتمع من العواطف النبيلة والسمو الأخلاقي والروحي . ومن قوة القوانين الوضعية والإرادة العامة للشعب التي تعني المصداقية والثقة في البناء . وينقلنا الفيلسوف إلى التناقض الحاصل بين حالة الطبيعة وحالة التمدن . من الحالة الأولى التي تعتبر اللحظة السعيدة في اطلاقية الحرية بدون سلاسل وقيود القوانين المدنية جاءت الحالة الأولى كنتيجة مباشرة للصراعات والنزاعات والقلاقل في السيطرة على أملاك الغير . ويعطي مثلا برجل سيج أرضا وادعى أنها ملك له . فصاح واحد من الناس يندد ويعتبر هذا العمل الشنيع غير مقبول بالقول أن الأرض ملك للجميع . وان الخيرات تكون للكل مناصفة . هذا النوع من الاحتيال والهيمنة على الخيرات المادية كانت بالفعل وراء عدم المساواة .

فالصراع بين البشر يعود إلى الملكية الخاصة والى الجشع وازدياد المتاعب بازدياد البشر . من هنا يبدأ التفكير العقلاني في الإعلان عن  نهاية مرحلة القوة والنزوع نحو السيطرة وسيادة حالة الطبيعة إلى الاعتراف بمكامن الخلل في عواطف الناس لتي تبدلت وتلونت بألوان الجشع والقوة . لا بديل إلا في الانتقال بالمجتمع إلى المدنية والدولة الحديثة . حالة التمدن تنادي أن يكون الإنسان في قلب الحضارة والتمدن وينتقل من التوحش واللاسلم إلى حالة السلم والتحضر . سيربح الإنسان كثيرا من المكاسب في حالة التمدن ويسمو بالملكات . فالقوة لا تخلق الحق . وبدل حق القوة المبني على الشهوة والرغبة الذاتية في انتزاع الحقوق بدافع الحق المطلق . ومادامت القوة لا تخلق الحق بل قوة الحق هي المعيار في التأسيس، والحق يبنى على القانون الطبيعي المنظم والمؤسس للحياة الكريمة، والقوانين حسب روسو ليست واحدة بل تختلف من بلد إلى آخر باختلاف المناخ والثقافة السائدتين . وكل بلد يجرب القوانين المناسبة للعبور إلى مجتمع مدني سليم .والحق الطبيعي مجموع الصفات والقدرات التي تملي على الإنسان أن يتصرف وفق طبيعته. والناس ليسوا على درجة واحدة من الأخلاق والنبل في المشاعر والعواطف الإنسانية . نزعة الإنسان نحو الشر واضحة في رأي توماس هوبس . والتزام الناس بالقوانين الوضعية ينبغي أن يكون بالإجماع في البحث عن سلطة مشتركة ودولة قوية وإرادة الكل للعبور نحو تأسيس المجتمع الديمقراطي وفلسفة حقوق الإنسان. بعدما كان الإنسان يقتات على الطبيعة ويقطف الثمار ويصارع الحيوانات بالوسائل الممكنة ويعيش وفق طبيعته الخاصة .

حصلت الأشياء التي كان الإنسان لا يرغب في حصولها من القوة الفيزيائية والحرية المطلقة في غياب ضوابط ردعية ومؤسسات ضامنة للحق الطبيعي والحق المدني . وكان لزاما على الناس الاختيار بين العيش طبقا لقوانين العقل والفطرة السليمة والمنطق الذي يجزم بالعيش المشترك أو اختيار حق القوة والاندفاع وبالتالي العيش الدائم في توجس وترقب دائمين . ومن هنا لا يمكن للإنسان أن يشعر بالسعادة أو العيش في كنف القوانين المنصفة. ولما كف الإنسان عن القوة والمضي نحو إرساء مجتمع تعاقدي وتجسيد الإرادة العامة التي تعني عدم الاستفراد بالسلطة واحترام بنود ومواد العقد الاجتماعي الذي ينص على احترام الحريات وحق الإنسان في العيش والتمتع بكل المزايا التي يتضمنها هذا العقد وإلزام الناس باحترام مضامين الاتفاق وصيانة الحقوق الطبيعية والمدنية. حالة الطبيعة والاندفاع نحو القوة لم تعد ممكنة في ظل الشروط الجديدة للمجتمع والدولة الحديثة . وفي ظل اندفاع الناس بطواعية نحو العيش المشترك . فالدولة الحديثة التي أرسى معالمها الفكر السياسي والاجتماعي والقانوني واقع مادي وكيان حقيقي في قمع نزوات الفرد ونزعته في الاستقواء وانتزاع الحق من ذوي الحقوق الشرعية بدافع حق القوة .دولة عقلانية تحققت بفعل إرادة الناس ورغبتهم في القضاء على الجور وانتزاعه من العقول والنفوس .

فالدولة هي الروح الموضوعي في رأي هيجل التي تحققت بفعل الوحدة بين الفكرة المجردة والملموسة وتعينت في الواقع المادي وأصبحت تعبر عن القيم العقلانية و وروح الأمة في الثقافة الميالة للتنظيم وتجسيد عالم المؤسسات والتنظيمات وهي أرقي الأشكال التي أوجدها الإنسان بإرادة وحرية . فعبرت الدولة عن أسمى ما كان يطمح إليه الإنسان الغربي في تحقيق الدولة المدنية العقلانية . من حق القوة إلى قوة الحق . ومن حالة الطبيعة إلى حالة التمدن .من زمن التوحش والجور إلى العدالة والمساواة . كانت الأفكار الواردة في الفكر الاجتماعي والسياسي  ثمرة النضال والثورات ضد الاستبداد وثمرة الجهود الفكرية والذهنية في بلورة نماذج معقولة في صيانة الحق الطبيعي والمدني وبالتالي يمكن اعتبار الدولة الحديثة وليدة التأملات الفلسفية  والثورات الاجتماعية في تجسيد الفكرة الصائبة للعبور نحو مجتمع تعاقدي بديل عن مجتمع سلطة الفرد الواحد. وبديل عن الحق الإلهي الذي يعطي الشرعية للحاكم في الاستفراد بالقرار والحكم والمستبد والاستناد في تأويل النصوص الدينية في شرعية الحاكم والخروج عنه بمثابة عصيان وذنبا في حق الله .

كانت الرؤى في صميم البناء والتحقق للمجتمع التعاقدي وبناء فلسفة حقوق الإنسان وفق منطق الحق الطبيعي في الدفاع عن الحريات دون أن يخسر الإنسان شيئا من الحقوق الشرعية بموجب العقد الاجتماعي . وانتقاله من حق القوة إلى قوة الحق .لا سلطة تعلو فوق سلطة الحق والدفاع عن مشروعية تأسيس الحق على القوانين وعمل المؤسسات والعواطف النبيلة في الإنسان دليل على مكاسب الانتقال للمدنية .وان كان لجون جاك روسو رأي مغاير عن باقي المفكرين والفلاسفة فان الأمر يمكن أن يكون فيه عدم التناسب بين منتظرات المدنية واللحظة الطبيعية السعيدة التي كان يعيشها الإنسان من الحرية دون قيود القوانين. الإنسان خلق حرا فلماذا يستعبد كما يقول روسو؟ عموما القوة المادية لا تخلق الحق . وما يؤسس الحق هي تلك القوة القانونية وبناء المجتمع التعاقدي على الإرادة العامة والسلطة المشتركة المأمولة النتائج وغير محفوفة بالمخاطر . وتلك السلطة النابعة من القرار الكلي ومن شرعية المؤسسات السياسية .

تبلورت أفكار الرواد الأوائل في مجال الفكر الاجتماعي والسياسي والقانوني وفلاسفة القرن السابع والثامن عشر في تأملاتهم عن الدولة والمجتمع المدني والحرية السياسية والانتقال من سلطة الفرد الواحد إلى السلطة العامة من خلال صيغة توفيقية في الحفاظ على الحقوق الطبيعية والحقوق المدنية .دون الانجرار للحرب الشاملة والدخول في الفوضى .ومن فلسفة الأنوار تشكلت رؤية الغرب لذاته ونهضته التي أقيمت على العقل والحرية ودور المؤسسات وفي النظام الرأسمالي من فلسفة ليبرالية . فحاول الغرب نقل الأنوار لباقي الشعوب وتبلورت الدراسات الثقافية والاجتماعية للشعوب الأخرى ونالت نصيبا في التعرف على الآخر بمرآة الثقافة الغربية المتمركزة على الذات . وفي القرن التاسع عشر بداية عصر الاستعمار والتقنية والعبور بالأنوار نحو البلدان الأخرى في استعمارها ونهب خيراتها المادية . تحركت الآلة العسكرية وشكل ذلك تناقضات صريحة بين الخطاب المبني على الفكر العقل والحرية وإشاعة الأنوار والفكر الموجه للآخر المتوحش والقابل للتحضر ونقل معالم التفكير العقلاني لاستنباته وفرضه بالقوة في سبيل تفتيت البنيات التقليدية ورواسب المجتمع القبلي القائم على العصبية والنزعة القبلية والتمهيد أكثر في بناء الدولة بالقوانين والمؤسسات .يمكن القول أن التناقض ظل صارخا في الخطاب الغربي الاستعلائي الميال لاستغلال خيرات الآخر .

 

بقلم احمد شحيمط - كاتب من المغرب