محمد ممدوحأحيانًا غير قليلة أجد نفسى تساءلنى، من أنا؟ .. أمسك بزمام عقلى، أسير به في ملكوت الله الذى لا أول له ولا آخر، تتراءى أمام عينى ممالك وصحراوات لا تقطع العين إلا وميضًا من فسحاتها، وأمتارًا من أميالها . ينقلب إلىّ البصر خاسئًا وهو حسير، تتضائل نفسى رويدًا رويدًا، أعود إلى جزعى الذى لا يفتر عن طرح الأسئلة، بعد أن يطمئن قلبى إلى أننى لا شئ.

لا شئ في ملكوت لا تستطيع العيون معاينته، ولا العلوم اكتشافه، ولا التكنولوجيا إدراكه .. ليعود كل ذلك مؤكدًا في النهاية ذلة الإنسان الأبدية، جهالته السرمدية .. ليذعن عن يقين (وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا) (الإسراء85) .

أدرك الإنسان قليلاً .. ولكنه استبد كثيرًا .. طغى طغيانًا عظيمًا .. ظن نفسه صاحب قدرة ففوجئ بضعفه وعجزه .. ظن نفسه صاحب علم، ففؤجئ بجهل يتبعه جهالة .. ظن نفسه صاحب قوة فوجد ذاته في هوٍ سحيق وضعف شديد.

فوق السماء مدبر، هو في السماء وفى الأرض، وهو معكم أينما كنتم .. يعلم خائنة الأعين وخطرات الأنفس وما أخفت الصدور .. حتمًا هو على كل شئ قدير .. قطعًا هو قريب مجيب.

يقطع قلبى الحجب إذ لا حجب .. تسير روحى فوق سطح الغيب حيث لا غيب .. أقف عاجزًا، متضائلاً .. مرتجفًا .. تهفو نفسى وتتطلع روحى إلى إجابات لأسئلة حائرة .. أسئلة كثيرًا ما بعثت فى قلبى الجزع والهلع .. كثيرًا ما جعلتنى عاجزًا عن كل فعل وعن كل إجابة، فلعل الله أن يلهم قلبى السكينة، لعله سبحانه يرحمه برحمته التى وسعت كل شئ.

صور الأبرياء تحاصرنى .. بالقدر ذاته الذى تحاصرنى مشاهد ذبح الإنسانية .. ازدواج المعايير .. الكيل بمائة مكيال.. فتية احتجزوا في كهف في جزيرة تايلاند .. يهتز العالم كله لهم .. وهذا حق لا مرية فيه.

لكن ذات الحق توقف عند أولئك الفتية الذين قتلوا بالبراميل المتفجرة فوق الأراضى السورية .. وبالجوع وفقر الدم فوق الأراضى اليمنية والصومالية .. ما الاختلاف بين المشهدين حتى تتغير ردود الأفعال عليهم !! لا خلاف .. هؤلاء أطفال وأولئك أطفال . . بل قد تكون المقارنة لصالح أطفال العروبة البائسين .. فهم الذين يُساقون عمدًا إلى المنايا، هم الذين يُقتلون بالعمد من قبل أنظمة فاشية واستبدادية، لكن فتية الكهف دخلوه بالخطأ .. لم يُقصد إلى قتلهم، بل سعى العالم إلى إنقاذهم .. تعاطفوا معهم أكثر من الطبيعى .. ثم يتم إنقاذهم في النهاية .. أما أطفال الدول العربية التى تعرضت للفتنة والمحنة فيتم قتلهم كل يوم .. تُهدم البيوت فوق رءوسهم .. يموتون فوق الأرض وتحت الأرض وفى عمق البحر .. رفاتهم لا تزال شاهدة عليهم .. ألعابهم وأحذيتهم وملابسهم القديمة لا تزال تنطق بأسمائهم .. هكذا انقلبت الإنسانية، هكذا تبدلت الألسنة وتغيرت العقول والأفهام واستبد المنطق معلنًا انتحاره في واقع بائس اتسم بالمحسوبية حتى في المشاعر .. حتى في أبسط الحقوق الآدمية.. حق الحياة.

إلهى .. ألم تكن تسمع وترى؟! ألم تكن شاهدًا على الغلام الذى قذفه اليم بأمرك إلى الشاطئ بدنًا خاويًا من كل حياة؟!

 ألم تكن شاهدًا على الأطفال الذين أسلموا الأرواح تحت الأنقاض .. وإخوانهم الذين فاضت أرواحهم من بأس الجوع وقسوة المرض؟!

ألم تكن سبحانك شاهدًا على الظالمين وهم يحبسون الأبرياء، يستحيون نسائهم، ويذبحون أبنائهم، ويسومونهم سوء العذاب؟!

يقينى أنك تسمع وترى !! يقينى أن قدرتك لا يتخيلها عقل ولا يسعها منطق ولا ترد بذهن ولا يطلع عليها فكر .. فقدرتك أكبر، وقوتك أكبر، وأنت على كل شئ قدير..

أسرار كونك لا يحيط أحد بها علمًا .. لا يطلع عليها كائنُ من كان ... أسرار شملت عظمة العناية وروعة التدبير وعمق الحكمة .. ولكن (وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ) (العنكبوت43).

أنظر إلى الدركات التى ولجتها الإنسانية .. ينفطر قلبى حزنًا وهمًا وكمدًا .. أتضرع إلى الله بقبض روحى .. ثم يخرج علينا الكذبة ليقولوا لى، إن تمنى الموت حرام؟!!

انقلبت المعايير .. سار الفقهاء يواجهون من يطلب الموت حزنًا وغمًا وبأسًا من واقع امتلأ بالدماء وبهتك عرض الإنسانية .. في حين لا يتجرئون على نقد حاكم ظالم أو يطالبون بإخراج المسجونين ظلمًا بسبب الرأى الفكر؟!

ساروا يتحدثون عن مشروعية تقصير الجلباب ولا يعيرون مشروعية العدل أدنى اهتمام..

يتحدثون عن وجوب إطلاق اللحية ولا يعيرون وجوب الحرية والأمن للناس أدنى مشروعية للوجود !!

قلب الفقهاء الدين .. سار دين السلطان لا دين الله .. دين الأمراء لا دين الله .. دين الأرض لا دين السماء !! فما يراه الأمراء والحكام دينًا فهو الدين، وما يرونه مخالفًا للدين فهو العدو الرجيم حتى لو كان من أسس الدين الرئيسة ودعائمه القويمة..

إنهم متمذهبون بمذهب السلطان، هم متدينون بتدين السلطان، ساروا يتقربون إليه زلفى وتملقًا ونفاقًا، وسار الدين عندهم سجنًا كبيرًا للشعوب.. سار الدين باحثًا عن نزوات الحكام والأمراء والسلاطين حتى لو دُفع في سبيلها حياة الشعوب .. وأمن الشعوب .. وزاد الشعوب.

لعنة الله على تلك الحياة .. لعنة الله تحف المباركين لهذا الإفتئات على الدين، المنقلبين على ثوابته والمتاجرين بمقاصده !!

تُقتل الإنسانية باسم الإنسانية .. يُغتال الإسلام باسم الإسلام. يُسرق الله باسم الله، تُسلب القيم باسم القيم..انقلاب عام يسرى في الوجود بأسره، انقلاب في كل شئ، فلا الله هو الله، ولا الدين هو الدين، ولا القيم هى القيم، ولا الإنسان هو الإنسان.. صار الله مجرد مقنن لشهوات الحكام !! وصار الإنسان مجرد دُمية في أيدى المستبدين .. وصارت القيم مجرد رأى لدى السادة، وصار الدين مجرد أهواء للمتسلطين.

والله حتمًا يرى هذا الإنقلاب العام .. يعلم أهدافه .. يرى خططه ومخططيها .. يرى حتمًا ويسمع بمثل ما طمئن موسى من قبل وأخيه هارون (قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى) (طه46) .. ولكنه سبحانه يملى ويمهل، فإذا عجز البشر عن إنقاذ سفينة الإنسانية تدخل هو لإغراق سفينة الظالمين، ليحقق موعوده منذ الأزل (ونريد أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (5) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ) (القصص5-6)

ليطمئن المستضعفون .. المنكسرون .. المخلصون .. فالأيام دول، وحكمة الله سارية غير بادية، متحققة في قلب الغيب وعمق الشهود، فلا يأس ولا قنوط، حتى لو امتلأت الأرض بالدماء، حتى لو غاصت الأقدام في وحل البشر .. هنا يعود إلى النفس شيئًا من طمأنينتها، هدوئها الحذر .. ثباتها رغم مراجل الغضب التى تُضرم النار بداخلها!!

وماذا عن رؤساء الغرب الذين يحكمون بالعدل، ورؤساء المسلمين الذين لا يعرفون غير الهوى والجور في الحكم، رؤساء الغرب الذين يصلون بالديموقراطية ورأى الشعب، ورؤساء الإسلام الذين يصلون بالسطو المسلح على الحكم !! .. رؤساء الغرب الذين يتبرعون بأملاكهم وسياراتهم ومواكب التشريفة لخزينة الدولة .. ورؤساء المسلمين الذين يمصون دماء الشعوب !!

أية مفارقة تلك؟! الغربى الذى يُشرك بالله يقيم جوهر الإسلام، يتبع سيرة الخلفاء الراشدين، والمسلم الذى يَّدعى التوحيد ينقض عرى الدين .. الغربى يتبع مقولة أبى بكر " وليت عليكم ولست بخيركم، ألا وإن القوى فيكم ضعيف عندى وإن الضعيف فيكم قوى عندى " .. والقائد المسلم يقيم قانون فرعون (مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ) (غافر29) .. هكذا يمضى الإنقلاب لدى المسلمين إلى نهايته .. انقلاب في الآيات .. في القرآن ذاته .. في الشرائع .. بل طال حتى الفطرة السليمة.

إن المقارنة تلقى في القلب غُصة لا سبيل إلى علاجها .. لقد أخذ عمر بن الخطاب إبل ولده عبد الله وضمها إلى بيت المال العام للمسلمين لأنها رعت مع إبل الصدقة .. أخذها عنوة دفعًا للشبهة .. ثم يشاء الله أن تأتى رئيسه كرواتيا في العام 2018م، امرأة بمليون رجل .. تبيع سيارات الرئاسة والطائرة الرئاسية وترد أموالهم إلى الخزينة العامة للدولة، وتبنى نهضة علمية حقيقية في بلدها .. أليس صنيعها هذا هو ذات ما صنعه عمر من قبل .. رئيسه دولة في العصر الحديث تسافر إلى دول العالم بطائرة ركاب، تحجز مقعدها ضمن الركاب لتوفر في نفقات بلادها... أية وطنية تلك !! أى إيمان هذا !!

إنه إيمان .. " حكمت فعدلت فأمنت فنمت يا عمر " ..

حتى لو خرجت تلك المبادئ من قوم غير مؤمنين، إلا أنهم يحيون هذا الدين بقصدٍ أو بدون قصد .. ويكأنهم يلومون على المسلمين تخلفهم عن هذه المبادئ، ويكأنهم يوقظون المسلمين من تخلفهم عن هذه المبادئ، ويكأنهم يوقظون المسلمين من غفلتهم التى طالت، وغفوتهم التى ضحك من جهلها العالم .. من قبيل ولاية المرأة لا تجوز !! ولعن الله قومًا ولوا أمرهم امرأة !! وغير هذه السذاجات المضحكات..

لقد تعلمنا من هذا الدين أن الأمير أمير للشعب لا عليه، يحنو على الشعب، لا يقسو عليه بالسياط أو الضرب؟! الحاكم حاكم للشعب .. ليحمى ضعيفه من قويه لا ليعين قويه على ضعيفه .. ليرقب الأغنياء والفاسدين لا ليشاركهم فسادهم ولعينهم .. تعلمنا من هذا الدين أن المال أمانة، وأن صاحبه مسئول عنه أمام الله، من أين اكتسبه وفيم أنفقه؟! تعلمنا من الغرب غير المؤمن تلك الأمانة أيضًا، فلديهم قانون للمحاسبة، ولديهم موضوعية فى الحكم .. ولديهم حرية الرأى والشورى تلك التعاليم التى هى لدينا لم تجاوز حبرًا على ورق .. لم تترك الكتب لتخرج إلى حيز التنفيذ أبدًا .. فصرنا في ذيل القافلة .. في أذل الأمم..

تحاصرنى هذه المشاهد كلها .. تقض علىَّ مضجعى .. الدماء التى لا تسيل في مكان في العالم إلا على أرض الموحدين ومن أبنائهم .. يقتلون بعضهم بعضًا .. يحقد بعضهم على بعض .. لا توجد محسوبية أو أهواء فى العالم إلا لديهم وحدهم .. فالمحسوبية في كل شئ، قانون أحب وأكره يفصل في الأحكام كافة .. فلا موضوعية، ولا تجرد، ولا عدالة في الحكم.

أتوجه إلى السماء ضراعةً ..أشكو إليها بثى وحزنى، فقد عهدتها رحيمة . حانية .. ودودة .. وجدتها تنصت إلى المظلومين أكثر مما ينصت قُضاة الأرض .. ترحم البوساء والمعوزين بخفى أقدارها ونسائم ألطافها أكثر مما تجود عليهم الأرض بمنها وعطفها.. أسائل قيوم السماوات والأرض أسئلة البعث على الحيرة والألم .. لماذا ترى سبحانك المظلوم ولا تتدخل لنصرته؟! لماذا تركت المرجفين والكذبة يجلدون عبدك التقى أحمد بن حنبل؟ أكان يعز عليك وأنت القدير إنقاذه !! لماذا تركتهم يسجنون الأبرياء ويحبسون الأولياء؟! لا أظن أن تركك سبحانك لهم كان خيارًا لهم لا لك أنت، إرادتهم لا إرادتك أنت .. ولكنى قد ألتمس رحمتك من قهر الجميع بالموت، في وضع الموازين القسط ليوم القيامة، في تعويض كل مظلوم عن مظلمته، في إعطاء الصابرين أجرهم (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ) (الزمر10)

أتفهم ذلك جيًداً، بالقدر ذاته الذى أفهم منه قدرة إلهية لا محدودة انطوت عليها أسرار مجهولة .. وما يحيط بعلمه سبحانه من أحدٍ، ولا يعزب عن علمه شئ، ولا يبعُد عن إحاطته سبحانه مثقال ذرةٍ في السماوات ولا في الأرض، إنه بكل شئ عليم، محيط .. وعلى كل شئ قدير.

 

د. محمد ممدوح

 

فالح الحمرانيكثير من الشخصيات المؤثرة ومن بينها يوسف ستالين (1878ـ1953) لم تجد مكانها الواضح في التاريخ، وظلت معالمها اسرارا خفية تتلون بتقلبات الانظمة السياسية والاجتماعية، فمرة نجدها، بعد رحيلها، تُصعد الى الذروة وحتى التقديس، واحيانا تُنبش من قبورها لترمى في المزابل والمستقنعات، وهذا ايضا يتعلق بستالين، الذي رُفع رفات جثمانه الراقد الى جانب لينين المحنط، ووضع رماده في علبة صغيرة في جدران الكرملين. حتى ان شاعرنا الكبير محمد مهدي الجواهري قال فيه" اقسمت باسم عظيم كرمت ...باسمه أن لاتهان العظماء... ياستالين وما أعظمها... في التهجي أحرفا تأبى الهجاء".

ومنذ ان سلط الزعيم السوفياتي الاسبق نيكتا خروشوف الضوء على ممارسات نظام ستالين، في تقريره الشهير امام مؤتمر الحزب الشيوعي السوفياتي في فبراير/ شباط 1956، مازالت شخصية ستالين مثار جدل في المجتمع الروسي المعاصر، وليس وحده، ولم تخفت وتائر السجال. وهناك اسئلة تنطرح ايضا بمدى علاقة ممارسات ستالين بالفكر الماركسي، وهل تحرك في هذه الحالة كماركسي/ لينيني كما كان يحب تسمية نفسه، ام كرجل سلطة اراد ان ينفرد بها عن طريق تصفية المعارضين الفعليين والمحتملين، او كرجل دولة سعى لإستعادة هيبة روسيا الامبراطورية بمسميات عصرية، مفرغة من الايديولوجية الماركسية اللينينية.

ويرى القارئ اليوم في رفوف مخازن بيع الكتب بموسكو المؤلفات الانيقة، التي تتناول شخصية ستالين الإشكالية تاريخيا، من مختلف الجوانب وتنقب عن ادواره وفي برامجه الاقتصادية واسباب وفاته ودوره في الحرب العالمية الثانية والانتصار على النازية... وعلاوة على ذلك هناك دعوة لإستعادة مدينة "فولغا غراد" اسمها السابق الذي نالته بعد الحرب العالمية الثانية "ستالين غراد" ودعوات لوضع التماثيل ولوائح تذكارية له في بعض الاماكن العامة، وبالمقابل ثمة ايضا حملة مضادة شرسة مناهضة تحذر من تداعيات مدح ستالين اوتمجيده باي شكل من الاشكال او استحضار "روحه"، وتنشر الكثير من الاصدارات عن المعتقلات والسجون التي فتحت ابوابها في عهد ستالين وزج الملايين من الابرياء، لها، وعن ممارسة اجهزة الأمن التعسفية وإعدام الالوف من البسطاء والمشاهير على أساس تهم باطلة.

هذان الموقفان يتواجهان اليوم بحدة. ولم يخفت النقاش حول ستالين حتى خارج روسيا بما في ذلك بين المثقفين العرب، البعض يتعامل معه كزعيم تاريخي قاد الطبقة العاملة العالمية نحو بناء الاشتراكية ولو في بلد واحد، واشاد اول دولة اشراكية وواجهة المانيا الفاشية وحرر شعوب ودول اوروبا بل والعالم من الاحتلال الالماني وقضي على نظام هتلر الفاشستي، والاخر يرى فيه طاغية مستبد أقام حكم مطلق وحرف الفكر الماركسي وابعد الحزب عن الجماهير ليكون الناطق الوحيد باسمها من دون مشروعية، واراد ان يبني الجنة على رؤوس البشر او كما يقول لينين " قيادة الناس للجنة بالعصا". خلاصة: هناك معسكر يريد اعادة الإعتبار لستالين كصاحب دور التاريخي ايجابي، واخر يسعى لمحوه من التاريخ وتجنب احياء اساليبه في الحكم والقيادة، بما ذلك لكونها لا تنسجم والفكر الماركس / اللينيني.

ضمن هذا السياق كرس السياسي المخضرم ورجل الدولة المستعرب الراحل يفجيني بريماكوف في كتابه " روسيا : الآمال والهواجس" الصادر في2015 بموسكو فصلا بعنوان " في ان واحد "مع" " وضد" ستالين". ان عودة بريماكوف حينها لموضوعة ستالين التي بدت وكأنها خارجة عن مادة الكتاب العامة، جاءت كما يبدو بمثابة ناقوس خطر من الولع بشخصيته او التطرف بتقيمها سلبا، في وقت تقف فيه روسيا على مفترق طرق تاريخية، كما انه يحذر من ان تلقي الممارسات الستالينية بضلالها على الانجزات العظمى التي قام بها الشعب السوفياتي.

ويرى بريماكوف:أن هناك مواجهة واسعة بشأن ستالين، وتكمن في "هل علينا ان نمحو من تاريخنا 70 عام المرحلة السوفياتية، او ننوع الموقف من ما عايشته البلد في هذه الحقبة". او بعبارة اخرى "هل تستطيع جرائم النظام الستاليني التي فضحها المجتمع وأدانها ان تشطب على النجاحات التي حققها الاتحاد السوفياتي في الكثير من المجالات :الاجتماعية والثقافية والقدرة على تعبئة كافة الموارد لتحقيق اختراقات في المجالات العملية ـ التكنولوجية." وحسب بريماكوف " ان ستالين يتحمل فعلا بصورة مباشرة مسؤولية الجرائم، وخاصة في الثلاثينيات، التي اودت بحياة ملايين الناس الابرياء، وبعد وفاة لينين قلص "السياسية الاقتصادية الجديدة"، وادى هذا الى خيبة شريحة اجتماعية بالكامل ـ الفلاحين، وتهجير شعوب وناس من مختلف القوميات الى كازاخستان خلال الحرب الوطنية العظمى."

وفي معرض بحثه عن الأسباب التي أدت الى ارتكاب كافة هذه الجرائم يرى بريماكوف انها كانت في اطار خطة ستالين الواعية لإزالة كافة الشخصيات التي قد تعترض طريق صعوده للسلطة والانفراد بها. ويضيف :"ان من السذاجة تفسير كل أعمال الشر التي بلغت ذروتها في النصف الثاني من الثلاثينيات "ببرانوية"ووساوس ستالين". ويرى ان ممارساته،رغم كونه يبالغ شكوكه بالاخرين، "لم تكن ارتجاليية وانما متفقة مع منطقه الشرير". وانه لم يكن مقتنعا بتحضير قيادات الجيش الاحمر، الذين قام يتصفيتهم، مؤامرة عليه لعزله من منصب سكرتير عام الحزب، ويستبعد بريماكوف ايضا ان يكون ستالين قد قام ضمن هذه القضية بتصفية المارشال اللامع وصاحب الماثر في الحرب الاهلية، والحزبي العريق ميخائيل توخاتشيفسكي وفريقه، بسبب الشكوك التي ركبته، واضاف "ان نهج التصفيات في الجيش الاحمر لأية معارضة الذي اختطه القائد، اصبح بالنسبة لستالين المهمة الاولى."وان " اظهار ثبات موقع ستالين في الجيش الأحمر كانت سببا في تعين المارشال "فاسيلي بليوخر" رئيسا للمحكمة العسكرية بقضية توخاتشيفسكي وانصاره.وحسب ما يقول بريماكوف: ان " فاسيلي بليوخر" (1890 ـ 1938) لم يكن رجل قوميسار الشعب (وزير ال دفاع) كليمينت فوراشيلوف (1881ـ 1969) ولا حليف "مارشال الخيالة" سيميون بوديوني(1883ـ 1973)، لذلك تم بعد اجراء المحاكمة اعتقاله ومن ثم تصفيته بالتعذيب.

خلفيات تاريخية

ويلفت بريماكوف ايضا الى ان ستالين لم يحصر تصفيات المخالفين لأراءه في اطار الجيش وحسب. حيث سادت التطهيرات كافة انحاء البلاد. "وأَنزلت الضربة الأولى بنشطاء الحزب". منوها بوجود أساس للحديث عن "ان جزء من الذين طالهم التنكيل كانوا من المتمسكين بوجهات نظر تروتسكي". معربا عن القناعة لو "ان ستالين تمكن في العشرينيات من جر الحزب باكمله خلفه، لما اصبحت تصفية تروتسكي في الخارج بديلا عن نفيه." وقال ان "ستالين كان حينها يخشى استعمال الإجراءات القصوى إزاء تروتسكي وأنصاره. "والان انتقم". واسترسل بريماكوف بالقول" بدل الصراع الايديولوجي مع الخصوم، اعتمد النهج الذي اختطه ستالين على إسلوب التصفية الجسدية لكل من لا يتفق معه". وقال "ليس سرا ان نيكيتا خروشوف (1986ـ 1894) ولازار كاجانوفيتش (1893ـ 1991) وفيتشسلاف مولوتوف (1890 ـ 1986) دفعوا ستالين نحو ذلك، ساعين للظهور بمظهر الناس المخلصين له الذين يؤتمن بهم". واضاف" ان ايادهم ملطخة بالدماء".

وفي رصد خلفيات الاحداث يلفت بريماكوف الى ظهور في هذه المرحلة بالواجهة وزير الداخلية نيكولاي يجوف (1895 ـ 1940) ذو الميول السادية، بمثابة الرجل الثاني في قيادة البلد.والسماح بالتعذيب، "بالطبع بمعرفة ستالين، صب في دعم ممارساته"، وادى هذا الى تصعيد وتائر آلية التنكيل، "حيث انتشرت ممارسة ارغام المواطنيين على رفع تقارير بوشايات ملفقة على زملائهم واقاربهم، وغالبا على الناس الذين لا يعرفونهم تماما، في محاولة لخلاصهم من التعذيب الجسدي. وبلغت اعمال التنكيل حدود غير مسبوقة." كما يلاحظ أن: "ممارسات التنكيل، التي مورست بعهد ستالين، طالت الشيوعيين الأجانب ايضا. وجرى بتهمة التروتسكية والعداء للبلفشية، اعتقال زعماء احزاب شيوعية منضمة للكومنترن وتم تعذيبهم جسديا :بما في ذلك زعماء الحزب الشيوعي الألماني واليوغسلافي بما في ذلك "فلاديمير تشوبيتش"(1891ـ1938) زعيم الحزب الشيوعي اليوغسلافي في 1920 وممثل الحزب الشيوعي اليوغسلافي في الكومنترن وشارك في 1937ـ 38 في الحرب الاهلية في اسبانيا حيث قاد الكتيبة الاممية 15 والبولوني ومؤسس الحزب الشيوعي اليوناني والهنغاري والروماني والفنلندي ودول البلطيق وغيرهم. كما جرى اعتقال "بيلا كون" الشيوعي المجري والثوري البلشفي الذي قاد الجمهورية المجرية السوفيتية سنة 1919 ومن ثم اعدامه رميا بالرصاص. وتحولت اقامتهم بالاتحاد السوفياتي الى اعتقال واذلال. ومن زاوية تاريخية ليس بمقدور احد ان يصفح عن ستالين ويسامحه على ممارسات التنكيل بهم."

وقال: هذا جانب من القضية. "والجانب الاخر هو حل الكومنترن في مايو عام 1943 الذي يندرج ايضا في لائحة جرائم ستالين". "ان حل الكومنترن، الذي جاء طبعا بأمر من موسكو، تم حينما كان الاتحاد السوفياتي بحاجة ماسة لرص صفوف قوى التكتل المعادي للهتلرية الذي ضم الاتحاد السوفياتي وامريكا وبريطانيا وغيرها. وما عرقل هذه العملية هو خشية عدد من زعماء الغرب من تغلغل مجسات الكومنترن وكالسابق، في الدول المتحالفة الان مع الاتحاد السوفياتي ضد للهتلرية، وهدفه (الكومنترن) الإستراتيجي اطاحة الانظمة البرجوازية."

ويرى بريماكوف : ان اعادة الاعتبار وتبرئة ساحة الكثير من الذين طالهم التنكيل والقتل، لا يمكن ان تخفي وقائع " الغولاغ" (معسكرات الاعتقالات الجماعية). وهنا يستدرك بالقول "بيد ان النظر الى كامل مرحلة السبعين عاما من حياة بلادنا، عبر شبكة الجرائم والاخطاء، هو موقف استهانة تجاه الشعب السوفياتي، الذي على هذه الشاكله يجري الشطب عليه من التاريخ، وتصويره كدهماء من البشر المشغولين فقط بمدح ستالين وتمجيده.

ويتناول بريماكوف ايضا مرحلة الحرب العالمية الثانية، ويدحض التفسير الرسمي بان الهزيمة التي منى بها الاتحاد السوفياتي في مرحلتها الاولى كانت بسبب ان هجوم القوات الهتلرية كان مفاجئا وغادرا. وبعد عرض مفصل يصل بريماكوف الى راي مفاده ان الهزيمة في المرحلة من الاولى من الحرب وتغلغل العدو بسرعة الى اعماق الاتحاد السوفياتي لم تكن فقط بالهجوم المفاجئ لجيش هتلر ولا بسبب نقص في شجاعة الجيش الاحمر وانما الى توازن القوى العسكرية للاتحاد السوفياتي والمانيا وكذلك من اسباب اخرى الى انه كان حصيلة اعمال التنكيل في الثلاثنيات التي ابعدت من الجيش الجزء الاعظم من القيادات العسكرية وان الاخطاء التي ارتكبتها العسكرية التي حلت محل القيادة التي طالها التنكيل كان لها دورا في هزيمة الجيش الاحمر في بداية الحرب. ويشير ايضا الى الحزم الذي ابداه ستالين في وقف تراجع الجيش الاحمر امام قوى العدو بعد الانتصارات التي حققها في شتاء 1941 في ضواحي موسكو وضروة اتخاذ الاجراءات اللازمة لاحداث انعطاف الوضع الذي تحقق في نهاية المطف.

 

د. فالح الحمراني

 

 

 

زهير الخويلدي"يتكون المجتمع من متكافئين أي من كائنات تمتلك هوية أولى ومنيعة تحت أشكال اللاّمساواة الواقعية التي تفرقهم"[1]

لقد تم السكوت عن نظريات التعاون والانسجام في ظل صعود النظريات النيوليبرالية التي شجعت على الفردانية والانعزالية والتملك الذاتي والاستحواذ ضمن دولة الرفاهية وبعد تراجع الأدوار التضامنية التي كانت تؤديها النظريات الاشتراكية ضمن دولة الرعاية والمجتمع التكافلي الذي تسنده مؤسسات الحماية[2].

كيف يمكن بناء نظرية حقوقية تعتمد على مفاهيم التآزر والتأمين من أجل حماية المجتمع من التصدع؟

لقد طرحت نظرية المؤازرة نفسها كخيار اجتماعي ثالث ما بعد اللّبيرالية والاشتراكية يحمل جملة من الآداب الإيتيقية والنماذج الاقتصادية ونموذج مجتمعي تآزري ويقترح حلولا سياسية للانسداد التاريخي تجمع بين النجاعة الحاصلة في الثورة الرقمية والمعاملات الإنسانية التي تلتزم بها  العدالة الاجتماعية.

لقد كانت النظرية التضامنية مقتصرة على تقديم المساعدة للشرائح المعوزة وإنقاذ الطبقة العاملة من الحاجة وتحسين الظروف المادية التي تعيش ضمنها الطبقات الشعبية وتقوية منسوب التدخلات لفائدتها، لكنها تحولت في اللحظة الراهنة إلى رئتين يتنفس بهما الاجتماع البشري للانتقال من وضع مأزوم يتصف بالتفاوت والاستغلال والفساد والعنف إلى وضع سوي يتميز بالتقارب والتلاقي والتصالح والسلم والتوادد.

في الواقع يحتاج المرء في عصر العولمة المتوحشة وفترات الانتقال السياسي حيث يسود الاضطراب واللاّيقين إلى تأمين نفسه وممتلكاته ضد مخاطر الحروب والنزاعات وضمان بقائه واستحقاق وجوده عن طريق تمتين العلاقات مع الناس وحسن الجوار والاندراج في المؤسسات التعاونية وتقوية العمق الإنساني المشترك وزرع التعاطف وغرس المحبة وحرث الصداقة وتخصيب التكافل وإعادة بناء الثقة مع العالم.

لم تولد نظرية في التآزر إلا في مناخ عام يشجع على التواصل والتبادل ويربط التنشئة الاجتماعية بالتربية على المواطنة الفاعلة التي ترفض أشكال الانطواء والانعزال والسلبية وتقبل على المشاركة والمساهمة في المجهود التضامني عن طريق العمل الخيري والفعل التطوعي والتبرعات والحراك المجاني والنافع.

لا يمكن للسياسة المواطنية أن تستعيد الأخلاق السامية والقيم النبيلة إلا بنكران الذات والتضحية من أجل الصالح العام وفداء الوطن وجعل إعطاء الحق هو منبع اكتساب القوة وربط ممارسة السلطة بالمحاسبة، ولا تستكمل الجمهورية استحقاقات الثورة إلا بإتباع اقتصاد الالتزامات الاجتماعية وتحقيق مطالب الشعب والقيام بالواجب مع المناضلين وعائلات الشهداء وأسر الضحايا من تنكيل وغطرسة المستبدين والفاسدين.

يتنزل مفهوم التآزر ضمن البرنامج السياسي للمصلحين الاجتماعيين الذين يسعوا إلى استكمال الثورة عبر تأسيس مشروع مجتمعي سيادي وتنظيم تعاوني متجانس يكفل كل مستحق ويساعد كل طالب علم أو شغل.

تقوم سياسة التآزر على الاعتراف بالقيمة الإجرائية للإخاء والمودة والمحبة إلى جانب الحرية والمساواة وبالتالي لا معنى لقيم التآخي والتحابب والتوادد دون تتساوي في الحريات والحقوق ودون تبادل وتشارك للمنافع والخيرات ودون المساعدة عند الحاجة والوقوف مع الصديق عند الضيق ومناصرة الجار المحتار.

لا يتعلق الأمر بالصدقة والإحسان والتبرعات التي يقوم بها الأفراد والمؤسسات الخيرية بل يتنزل ضمن المساعدة على بناء الوطن والمشاركة في تعزيز مناعة المجتمع ضد الاحتياج والفقر وتدعيم الأمن الأهلي وينبع من احترام حقوق الآخرين وتقدير مجهوداتهم واعتراف بمساهماتهم والتزام بالواجب والمسؤولية.

بيد أن التفكير السياسي الراهن احتاج لانتفاضة إيتيقية لكي يعمل على تحويل طريقة طرح مشكل التضامن بحيث يضمن الحرية والكرامة ويبرز صورة ناصعة للتآزر والتكاتف ودور للتأمين في العدالة والمساواة.

يساهم مبدأ المؤازرة في الصراع ضد الشر الاجتماعي والمعركة ضد الكراهية والإقصاء والتمييز ويرفع من منسوب فعل الخير وإيتاء ذوي القربى ومساعدة المساكين والمحتاجين ويدعم الصحة الخُلُقية للمجتمع ويندرج ضمن مصطلح الدفاع الذاتي الذي تتسلح به الأفراد والمجموعات في سبيل تقوية المناعة الداخلية.

ليس التعاون مجرد سلوك نبيل يقوم به الفرد تجاه غيره وإنما عنوان انتماء إلى المجموعة البشرية ومدخل لتأسيس علاقة تواصلية مع الناس وتعاقدية مع المؤسسات تضمن التبادل على مستوى الحقوق والواجبات وطريقة علاجية للتخلص من العقد ومقاومة الشرور والتصدي للآفات الاجتماعية مثل الاحتكار والنهب.

الهام في التآزر ليس صياغة نظام من الواجبات تجاه الإنسانية وانما تشييد أنطولوجيا الكائن الاجتماعي التي ترتكز على جملة من الدعائم مثل البر والتناصح بالحق عند الإقرار والتواصي بالصبر عند الشدائد.

تساعد المؤازرة على إعادة توزيع الثروات بما يقلل من الفوارق بين الأغنياء والفقراء وبما يجعل الفقراء يكفون عن نقمتهم عن مالكي وسائل الإنتاج وما يدفع الأغنياء إلى المعايشة الوجدانية مع الشرائح الشعبية.

لقد برز نظام التأمين في الحقبة مابعد الصناعية على أنه طريقة قانونية في التعويض عن الخسائر وضمان موارد الانتاج ومسالك التوزيع وابعاد المخاطر عن الممتلكات وتحقيق الاستقرار النسبي والأمان النفسي.

لقد اظهر التأمين كفاءة عالية في دفع الناس الى التقليل من النفقات والتكاليف والخسائر والرفع من الأرباح والمدخرات وجعل الحياة السياسية رهينة عند صناديق الضمان والتنظيم الإداري قلب النظام الاجتماعي. لكن كيف تحولت فكرة التأمين من شعور جمهوري بالتضامن الاجتماعي إلى مشروع اقتصادي في التآزر السياسي؟ وهل تنقذ الايتيقا التعاونية من الفساد الذي تسببت فيه السياسة التخاصمية والاقتصاد التزاحمي؟

 

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

.......................

المصادر والمراجع:

Bouglé Célistin, 1870-1941, le solidarisme, édition V.Giard et E. Brière, Paris, 1907.

Bourgeois Léon,1851-1925 , la Politique de la prévoyance sociale, la doctrine et la méthode,1, l’action,2, édition bibliothèque Charpentier,  Paris, 1914.

Bourgeois Léon, solidarité, édition Armand Colin Paris, 1896.

Chevalier J, la solidarité : un sentiment républicain ?, édition PUF, Paris, 1991.

Durant Paul, la politique contemporaine de la sécurité sociale, édition Dalloz, Paris, 1953.

Ewald François, l’état providence, édition Grasset, Paris, 1986.

Gide Charles, l’idée de solidarité en tant que programme économique, édition V.Giard et E. Brière, Paris, 1893.

Gide Charles, la solidarité économique, Essai d’une philosophie de la solidarité, Paris, 1902.

Netter Francis, la sécurité sociale et ses principes, édition Sirey, Paris, 1959.

 

 

عبد الحسين شعبانإذا نصّ الدستور التونسي الصادر بعد الثورة (2014) في ديباجته، وفي الفصل الثاني، منه على «مدنيّة الدولة»، فإن مثل هذه النصوص فتحت الشهية لنقاش وجدل واسعين، ليس في تونس فحسب، بل في العالمين العربي والإسلامي. وكان مثل هذا الجدل والنقاش قد أثيرا واحتدما خلال العقدين ونيّف الماضيين، بحثاً عن جواب مقنع وتوافقي بين تيارين متصارعين لدرجة القطيعة أحياناً، وهما التيار الديني، والتيار العلماني، فما المقصود بالدولة المدنية، وكيف ينظر إليها الفرقاء، ولاسيّما الذين يريدون الإبحار كل إلى ضفته؟

المتشددون من التيارين يثيرون اعتراضات بشأن «هوية» الدولة، فأنصار الفريقين، بغض النظر عن اختلافاتهم، وتمايزاتهم، يبحث كل منهم عن «مرجعية» تطمئنه، الأمر الذي يحتاج إلى صيغة مناسبة، وابتداع إجابة مشتركة تجمع التيارات المتناقضة في إطارها، وتضع مسافة واحدة من الجميع، وليس ذلك سوى «الدولة المدنية».

إن إصرار التيار الإسلامي، بمدارسه المختلفة، على مرجعية الشريعة قاد أحياناً إلى انعزالية، خصوصاً بوضعها مبادئ الدولة في تعارض كامل مع فكرة الحداثة، والحرية، والعقلانية، والديمقراطية، ولعلّ أحد نماذجه المشوّهة والمزورة هو تنظيم « داعش»، وأخواته، ويقابل هذا التيار تيار علماني يرفض أي نص يسترشد بالمرجعية الإسلامية كمصدر من مصادر الدستور والقانون، حتى وإنْ تمت استجابتها لروح العصر، ويدعو البعض من أنصار هذا التيار إلى قطع الصلة مع الماضي، أو إحداث القطيعة الأبستمولوجية مع التراث، متجاوزاً على الخصوصية الثقافية لأنها تعيق تحقيق الحقوق والحريات بمرجعياتها الكونية ذات الشمولية والمعروفة باسم «الشرعة الدولية لحقوق الإنسان».

وبين هذا وذاك، كان لا بدّ من ابتداع إجابة عربية على قاعدة الاحترام المتبادل، وجاءت هذه المرّة من تونس بعد نجاح الثورة التي أطلق عليها ثورة الياسمين العام 2011 لتؤكد إمكانية الإبداع الفكري والحقوقي، وتقديم حلول ذاتية ومتميّزة لمشكلات كبرى مطروحة، مع الأخذ في الاعتبار ما وصل إليه الفكر الدستوري القانوني، والعقل الحقوقي الدولي.

وكان الدستور التونسي نصّ في ديباجته على الدولة المدنية، وأكد ذلك في الفصل الثاني: «تونس دولة مدنية تقوم على المواطنة وإرادة الشعب وعلويّة القوانين»، وقد أعطى تميّزاً لهذا الفصل الذي يعتبر «جامداً» على بقية فصول الدستور، بحيث لا يمكن تعديله، لأنه يمثّل جوهر فكرة الدستور، وقواعده الأساسية التي قام عليها.

وبمناسبة الذكرى الثامنة للثورة السلمية - المدنية، فقد انعقدت حلقات أكاديمية حول الفكرة، وواقعها، وآفاقها المستقبلية، نظرياً وعملياً، شارك فيها مفكرون، وباحثون، وأكاديميون، ونشطاء من مختلف التيارات الفكرية التونسية والعربية، وحظيت بدعم من مؤسسة «هانز زايدل» الألمانية، وقام بتنظيم الفعالية «المعهد العربي للديمقراطية»، بالتعاون مع «الجامعة الخضراء»، و»المركز المغاربي للبحوث والدراسات».

جدير بالذكر أن تجربة الانتقال الديمقراطي التونسية، وإن واجهت تحدّيات كبرى، لكنها قياساً بالتجارب العربية الأخرى، مرّت بسلاسة زادها فاعلية الحوار المجتمعي، والتوافق السياسي بين الفرقاء، حيث ظلّت تونس دولة قائمة ومستمرة تحمل ملامح مدنية، جرى تثبيت أسسها في الدستور الجديد بديلاً عن النظام الاستبدادي، والدولة الدينية، أو العسكرية، أو الأمنية، وقد استتبعت ذلك تطبيقات وخطوات عدة في مؤسسات الدولة عبر قوانين، وتشريعات، وأنظمة، ما زالت تثير جدلاً واسعاً ومستمراً، وهو ما حصل بشأن الموقف من حقوق المرأة، ومساواتها مع الرجل في جميع الميادين. ولعلّ فكرة الدولة المدنية في تونس هي منزلة بين المنزلتين ، فلا هي دولة دينية، ولا هي دولة علمانية، الأمر الذي جعل التجربة محطّ اهتمام، ونقاش، وتنوير، ووسطية، لاسيّما بمحاولة امتصاص حساسيّة الأطراف المختلفة تاريخياً، عبر حوار ساهم فيه المجتمع المدني بدور كبير.

وإذا كانت ثمة عقبات تعانيها الدولة المدنية في المنطقة العربية، فالأمر ليس استثناءً عربياً، فحتى الدول الديمقراطية العريقة تعاني تحدّيات هي الأخرى، وما حصل في فرنسا من حراك قام به أصحاب «السترات الصفراء» يطرح أسئلة في غاية الأهمية حول «أزمة الديمقراطية»، وما بعدها، ومستقبلها، ارتباطاً «بالانتخابات»، ونتائجها، والدعوة المتسعة اليوم لتوسيع دوائر الحكم المحلي، واختصاصاته، وصلاحياته، ومباشرة اختيار ممثلين للإدارات والبلديات قريبين من جمهورهم، ويحظون بدور تنفيذي أكبر.

ولعلّ الحوار حول طبيعة الدولة وهويّتها هو جزء من الصراع الأيديولوجي العالمي، وإن كان جزءآه العربي والإسلامي أشد حدّة في ظلّ عوامل إحباط ونكوص عدة من جانب قوى مختلفة، ومتناحرة، بعضها يريد شدّها إلى الخلف، حيث أنظمة الاستبداد، وبعضها يريد جذبها إلى شاطئه الخاص، سواء كان إسلامياً أو علمانياً، فضلاً عن محاولات هيمنة واستتباع خارجية غربية قديمة، وجديدة.

وبتقديري، فقد وصلت الحلول الواحدية والإطلاقية، تلك التي تريد احتكار الحقيقة وتزعم أفضلياتها على الآخر، إلى طريق مسدود، وآن الأوان للتخلّي عن منطق المغالبة، والعودة إلى منطق المواصلة على أرضية مشتركة، بعيداً عن التناحر والتقاتل، بل بالتفاعل والتواصل.

 

عبد الحسين شعبان

 

حاتم حميد محسنفي كلمة له، ذكر القائد اليوناني Themistocles (523-458 قبل الميلاد) "انا لا استطيع الخداع، لكني استطيع بناء دولة عظيمة من مدينة صغيرة". كيف نستطيع بناء مجتمع جميل افضل من الدولة العظيمة؟

عندما يستمع احد لعبارة "المجتمع الجميل" فهو ربما يتذكر صورا لمدينة ذات تصميم رائع، او اناسا متعلمين جيدا مرتدين ملابس انيقة، او مكان فيه ناس جذابون يفتخرون بمنزلتهم الاجتماعية الرفيعة. هذه ليست رؤية الفيلسوف الآلماني الرومانسي فردريك شيلر (1759-1805). المجتمع الجميل لدى شيلر هو الذي تكون فيه الانسانية قد تقدمت من الحالة التي يتحفز بها الناس بحاجاتهم الطبيعية (التي يسميها الرغبة الحسية sensuous will) الى حالة أعلى يكون فيها الحافز الاساسي للناس هو الرغبة الاخلاقية (moral will) وحيث يتصرف المواطنون باسلوب متناغم وموحّد بعيدا عن الميول الطبيعية. وبعبارة اكثر تحديدا، الناس في المجتمع الجميل لم يعودوا منهمكين بالصراع بين الرغبة الحسية والرغبة الاخلاقية. غياب الصراع يجعلهم بعيدين عن الناس في المجتمعات الاخرى لأنهم الآن يمتلكون ما يصفه شيلر بـ "المجتمع الجميل"، وهم قادرون على تطوير ارواح جميلة في إنكشافهم للأعمال الفنية العظيمة، وذلك لأن الفن العظيم يجعلهم متحررين من رغباتهم الحسية ويمكّنهم من تجسيد الرغبة الاخلاقية والعقلانية.

إعادة الخلق الفني للشخصية

هذه كانت تجسد فكرة جديدة عن وظيفة الفن. عمانوئيل كانط (السابق لشيلر) (1724-1804) وصف الفن بطريقة مختلفة كثيرا، مجادلا بان العمل الجميل ينتج المتعة لدى المراقب الكسول. كانط جادل بان الاعمال الفنية العظيمة تحفز موضوعيا هذا الشعور الممتع. بمعنى، لكي نرى الشيء جميلا ليس فقط نعطيه ميولنا الشخصية، وانما، ما نشعر به من متعة فيه هو شيء ما يمارسه اي شخص لو تعامل مع العمل الفني بالاسلوب الصحيح.

لو اتفقنا مع كانط في اننا نرى الفن اساسا كمصدر للمتعة، سنحتاج للسؤال "ما هو الشيء الخاص في ذلك؟ كيف نميز الفن عن كرة القدم، الكركيت، مشاهدة الطيور او تناول طعام جيد؟ لماذا يختلف الفن عن المحاولات الممتعة الاخرى؟ وبعبارة اوضح، لماذا يجب الاهتمام بالفن؟".

جواب شيلر هو ان الانكشاف المستمر للفن له تأثير كبير على الفرد. انه يؤدي الى خلق توازن بين اثنين من دوافعنا الرئيسية – بين رغبتنا الحسية ورغبتنا للتفكير كما يتجسد في الرغبة الاخلاقية. كل منْ كان قادرا على تحقيق هذا التوازن المتناغم سيكون فردا جميلا. الفرد الجميل طور مقدرة للتصرف اخلاقيا ومقدرة اخرى للتمتع بالمتع التي يقدّمها العالم. هذا التوازن الداخلي يجعله حرا لأنه لم يخضع لا للصراع ولا للاحترام الاخلاقي الصارم. طبقا لشيلر، الفرد الذي يحقق هذا التوازن هو انسان كامل. لذا فان شيلر انتقل بعيدا عن تفسير كانط التجريبي للفن الى التفسير الوظيفي، رغم انه اختار وظيفة لا ترتبط عادة بالفن. وخلافا لكانط، في كتابه (نقد الحكم، 1790) الذي ركز على جمال الاشياء الطبيعية، كان شيلر اكثر اهتماما في الجمال الداخلي لروح الانسان.

عرض شيلر هذا الانكشاف للفن في عمله الفلسفي الهام (رسائل حول التعليم الجمالي للانسان، 1794)، والذي هو جزء من نظرية سياسية متطورة. في كل فرد هناك نسبة بين الرغبة الحسية الى الرغبة الاخلاقية/العقلانية، وانه من الضرر ان تسيطر اي من الرغبتين على الروح. غير ان، الحكومات يبدو انها تسمح بترسيخ عدم التوازن. يرى شيلر ان معظم المجتمعات لاتمتلك حرية سياسية واقتصادية حقيقية، وهذا الغياب للحرية الحقيقية يمنع الناس من تطوير الرغبة الاخلاقية/العقلانية. الانظمة السياسية تشجع مباشرة او بشكل غير مباشر مواطنيها ليعيشوا اسلوبا حسيا مفرطا لدرجة يفسد نموهم الاخلاقي. الانكشاف للتجربة الجمالية يخلق ذلك التوازن. الانكشاف للفن يخلق الفرد الجيد لأنه من خلال تجربتنا الفنية نكون في حماية من ضغوطات المجتمع. عندما ننظر الى لوحة او نستمع الى موسيقا مثلا، سندخل مع العالم في فترة من الانشغال غير التطبيقي، وبهذه الطريقة نستطيع تحسين التوازن في شخصيتنا.

آرثر شوبنهاور (1788-1860) كرّس هذه الرؤية، مجادلا بان التجربة الجمالية هي احدى الطرق التي نستطيع فيها تحقيق راحة او انقطاع عن حقائق الوجود الصارمة. في كل يوم نحن نكافح ونتنافس، نشعر بخسارة ويجب ان نعيش بعدم قناعة. شوبنهاور اعتقد اننا عندما نقرأ قصيدة او نتأمل لوحة جميلة فنحن نمارس توقفا عن الصراع المستمر المسيطر على حياتنا.

لماذا تنجح الاعمال الفنية في رسالتها؟

يؤكد شيلر اننا لسنا مجرد اشياء فيزيقية ولا حيوانات هدفها الرئيسي البقاء وانما نحن كائنات واعية ذاتيا نصف انفسنا من خلال تجاربنا، ونحن نستطيع التعبير عن الوعي الذاتي فقط عبر انجاز بعض التوازن بين العدد الهائل من التجارب المختلفة التي بها نواجه بيئاتنا. ككائنات بشرية نحن نعمل عبر تبنّي المُثل التي تركز بمقدار ما على دوافع الحس او على دوافع العقل. تعبيرات مختلف المُثل قد تتعارض مع بعضها. بعض المُثل قد تتطلب تطبيقية مجردة، بينما اخرى تتطلب التأمل. نحن قادرون على انجاز احساس جيد بالذات فقط عبر الحصول على احساس بالانسجام. وكما يذكر شيلر، نحن نهدف الى "جلب الانسجام لمختلف التجليات ونؤكد على شخصيتنا وسط جميع التغيرات في ظروفنا". الكائن البشري له قدرة متميزة للتصور والنظر: نحن ننظر الى العالم حولنا ونتأمل كيف نجلب اشياء جديدة الى الوجود. الفن يشجع تلك القدرة : الشاعر ينجزها مستعملا الكلمات، المخرج من خلال الفيلم، النحات عبر جلب الشخصيات الى الحياة من الحجر. هذه المقدرة في التصور التي جرى تسهيلها بواسطة الفن هي مفيدة للمجتمع. من خلال الفن، يعبّر الفنان بطرق افضل عن امكانية وجود الانسانية. التفكير في الفن يقود الى نقاش داخلي من خلاله نعيد فحص مجتمعنا وقيمه. بعد مشاهدة مسرحية ارثر ميلر The Crucible نحن مجبرون على اعادة النظر بالطريقة التي نخصص بها اناسا للادوار. عندما نقرأ شعر ولفرد اوين نتعاطف مع الجنود وضحايا الحرب. موسيقى بوب مارلي تشجعنا على صرف النظر عن اختلافاتنا . خلال التجربة الفنية نحن قادرون على استعمال قدرتنا التصورية العميقة. تجربة العمل الفني خاصة الدراما والقصة تبعث الحياة بفكرة ان الناس الاخرين هم واقعيون بمقدار ما نحن، وبهذا نحن قادرون على تشخيص افضل مع الافراد الاخرين. اعمال الفن تمكّننا من ان نرى العالم من منظور الاخرين.العالم لم يعد يدور حولنا: نحن نستطيع ابقاء التوازن بين تحقيق اهدافنا والإقرار بالصراع مع الاخرين من جهة والمساهمة في المجتمع من جهة اخرى.

بما انه لا يوجد دافع انساني اساسي – لا حسي ولا عقلي- يسيطر على الفرد الجميل، فهو سيكون مقرر ذاتيا. هو يستطيع ان يقرر متى يكافح مثلا لأجل الثروة، ومتى يكون فاضلا. هو الفن الذي يمكّن كل شخص من تحقيق هذه السيطرة. خلال الخبرة الجمالية نحن نغير استجابتنا للاشياء في العالم. ولذلك، انها مهمة الفنان ليعرض افكارا محسنة باسلوب جاذب للوعي الحسي الذي بدوره يجب ان يطور حساسية لما يوضع امامه. عندما نقرأ رواية او قصيدة جيدة، او عندما ننظر جيدا بلوحة جميلة او عمل نحتي، فهو ربما يفتح عيوننا على مُثل اجتماعية ايجابية جديدة سوف نعترف بها ونستبطنها.

هدف شيلر في تشجيع الانكشاف للفن كان دائما الحالة الجمالية التي تقود الى تكوين المجتمع الجميل. المجتمع الجميل هو مكان يتحرك فيه الناس بفعل الحب، الفضيلة، التسامح، الشرف والرقة. هو يقول "الحالة الجمالية تجعل المجتمع ممكنا لآنها تشبع الرغبة من خلال طبيعة الفرد". من خلال الانكشاف للفن، لم يعد الافراد فقط معتبرين ذاتيا، هم يصبحون قادرين على استبطان حقائق الناس الاخرين.شيلر ايضا اعتقد اننا يجب ان نحقق الحالة الجمالية قبل ان ننجز الحالة الاخلاقية. انها القفزة الخيالية في الحالة الجمالية التي سمحت لنا بالوصول الى حرية الحالة الاخلاقية. الناس احرار في الحالة الاخلاقية لأن رغباتهم لم تخضع لسيطرة الحس ولا للحسابات الجافة. المجتمع باكمله لدى هؤلاء الناس سيكافح لأجل التحسين الاجتماعي.

اذا كان شيلر صائبا في اهدافه وفي الوسائل اليها، عندئذ فان الطريق الى الامام سيكون واضحا. لتحقيق المجتمع الجميل نحتاج للاعتراف باهمية خبرتنا الجمالية. نحن يجب ان لا ننهمك فقط بالقضايا الاقتصادية والسياسية للحياة اليومية. بدلا من ذلك، يجب ان نحقق التوازن بين رغباتنا الموجهة للنجاح في الشؤون اليومية ورغباتنا في الانشغال بأعمال الفن التي تمكّننا من تطوير ارواح جميلة.

 

حاتم حميد محسن

 

بعد ان تناولنا في المبحث السابق الظروف التي تطور فيها الفكر التكفيري وكيف اصل الياته في التاصيل الى مفهوم التوحش، نجد من الظرورة بمكان ان نقف عند احد تمظهرات هذا الخطاب في التوحش اعلاميا عبر زرع الرعب وهو يستند الى عمق تاريخي كبير موجود في المدونات التاريخية التي استثمرها كراسمال رمزي في تحقيق الغالية المتمثلة بنشر الرعب في صفوف الاخر عبر العنف الضاري الذي اعتمد ماكنته الاعلامية من اجل نشر هذا الخطاب من اجل تحقيق غاية عسكرية ارهابية تعتمد العنف، و العنف اصطلاحا يشتمل على الخشونة في المحاورة على استعمال السلاح والبطش والاضطهاد وهو عكس المسالمة. ومثالية ما يمارسه البعض (إنسان، دولة، سلطة، جهة، حزب، حركة) مما يعني أن العنف يضعنا أزاء مقاربات متنوعة وكل مقاربة تعكس إدراكا معينا وأسلوبا في التشخيص والاقتراح ([1])

فهذا العنف يتجلى اليوم عبر العالم الرقمي الافتراضي الذي تجاوز عائق المكان – والمكان اللذين يعوقان الاقتراب بين الناس جغرافيا. فأصبح هذا الفضاء الرقمي مجالا رحبًا من أجل صناعة التواصل، فضلاً عن صناعة التوحش ومن ثمّ إدارته بفعل الاستثمار الإرهابي للخطاب الرقمي، فإن المتابع للأعمال الإعلامية المعادية التي يتبعها داعش يجد أنها أعمال تعتمد وسائل احترافية تتوسّل بمنطق العنف المفرط من أجل تحقيق غايات سياسية، وهو جزء من الفضاء والبيئة الرائجة بمرجعياتها ورموزها وتعاليمها أو بخطاباتها وأحكامها وفتاواها. (صحيح أن الإرهاب كعمل عسكري إنما يخطط له في السر وتحت الأرض ولكنه يشكل الوجه الآخر لثقافة تسهم في إنتاجه سمتها أنها متحجرة، أحادية، عدوانية، استبدادية كما تجري ممارستها تحت سمعنا وبصرنا، وكما تعمم نماذجها في الجوامع والمدارس أو عبر الشاشات والقنوات )([2]) فهذا الإرهاب بكل عنفه هو وليد البيئة التي تُسهم في إفراز الكثير من الخطابات المماثلة له، وسوف تستمر بهذا مستقبلا. فهذه الخطابات الأصولية تشن حربها ليس على الجسد وطاقاته الحيوية وحدها، أو السلوك وحركيته ومرونته وصولا إلى مطاردة النوايا، ومرجعية الإنسان لا تكون في ذاته بل في نظم التحريم المتفاقمة التي لا تترك خارجها سوى أشباح الحاجات([3])

فالإعلام وليد تلك الممارسة بكل ثِقَله الثقافي والشرعي وكل بُعده التقني الذي يتيحه الفضاء الرقمي اليوم، ومن ثمَّ نستطيع تصنيف هذا النوع من الإعلام بوصفه يمثل شكلاً متطورًا من أشكال الحرب الإعلامية، التي تعتمد الحرب النفسية في تسويق رسالتها، التي تجد كل الوسائل مباحة من أجل تحقيق غايات التنظيم في إشاعة التوحش في البلدان المستهدفة وإدارته، سواء اعتمدت الإعلام المرئي أم المطبوع من أجل تحقيق أكبر قدر من الإبلاغ عن مضامين رسالتها الإعلامية المشبعة بالعنف المفرط. الذي يتخذه وسيلة من أجل تحول خطابه الطوباوي إلى حقيقة وإعادة إنتاج الزمن المقدس: زمن البدايات، زمن الكمال، والعمل على إزالة الدنس والكفر والاستبداد والكفر عبر العنف الجهادي الذي يفترض خطابًا تضحويًا عنيفًا يقوم على إراقة الدم للذات، ومحق الخصوم وإزالتهم من الوجود، كل هذه البؤرة الآيديولوجية هي حمولة الخطاب الذي يعتمد العنف والشراسة من أجل تحويل اليوتوبيا إلى حقيقة عبر إراقة الدماء، عبر علاقة استقطاب بين خيرية الذات وشيطنة الآخر الخصم من أجل إباحة هدر دمه([4])

ومن أجل تحقيق هذا يأتي دور الإعلام بوصفه جزءًا من الحرب التي يخوضها التنظيم بل هي جزء حيوي في استثمارها في اعتماد التضليل والمخادعة من أجل تحقيق أهدافه العسكرية بالتغلب أو التعويض عن انتكاساته، فقد استثمر هذا التنظيم العالمي وسائل الاتصال الإعلامية بأشكالها المتنوعة من علاقة التواصل الاجتماعي في نشر آيديولوجيته، وتجنيد أكبر عدد من الشبّان حول العالم، ومواكبة واستعمال أكثر الوسائل تطوراً وتقنية بشكل ملاحظ ومن ثمّ توظيفها لمصلحة إعلام التنظيم وأنصاره ومؤيديه الذين يأخذون أشكالاً متنوعة من الداخل والخارج ممن يناصرونه أو ممّن يُهوِّلون من مقدرته الجهنمية عبر تحليلاتهم ذات الارتباطات المتخفية، لكن كل هذه الأوساط على اختلافها تبين: " أنّ التنظيم مدرك تماماً الدور الذي تلعبه وسائل التواصل الاجتماعية في جعل تنظيمها عابراً للحدود وصناعة شعبية افتراضية تفوق الواقع، فهو ما إن يطأ أرضاً حتى يبادر بشكل منظم وسريع في تغذية المواقع بأخباره صوتاً وصورة"

فهذه التحليلات تكشف عن أنّ التنظيم وأنصاره يستثمرون الخطاب الرقمي الإعلامي بشكل فاعل عبر إعادة الترويج للحرب النفسية من أشكال وأساليب متنوعة؛ من أجل تحقيق غاياته، ومنها: زرع الشعور بالخوف في قلوب المتلقي عبر بث الرعب في الرأي العام من أجل تعظيم شأنه، والثاني الوصول إلى تجنيد مقاتلين، ومن أجل كسب عقول أكثر عدد من الناس، وصولاً إلى استمالة المتعاطفين، والمؤيدين، ويكون الهدف من التواصل معهم، استثمارهم والحصول على دعمهم ومساندتهم. والثالث يدخل ضمن إدارة التوحش المتمثل بخصوم التنظيم من الدول ومؤسساتها بهدف زعزعة أمنها. وهو يستثمر المناطق والدول التي تعيش حالة انقسام يحاول استثمارها من أجل إيصالها إلى حالة التوحش لهذا (مقلق جداً إطالة أمد الصراع السياسي في المنطقة، ما يصب لمصلحة داعش، فكل يوم يمر في ظل انسداد الأفق المستقبلي للخروج من هذا الصراع، فهو يستثمره في استغلال الناشئة وتوريطهم من خلال ذلك الترويج والضخ الإعلامي الهائل والمتزايد على " الإنترنت" كتابة وصوتاً وصورة)([5]) ورابعا يهدف نشر هكذا صور عنيفة من " داعش" إلى احتمالين، إما أن تكون هذه الفيديوهات حقيقية وعندئذ سيكون هدفها الأول هو بث الرعب الشديد على كل المستويات الشعبية والرسمية عند الغرب، مشيراً إلى أن الشعوب الغربية عندما ترى هذه البشاعة في القتل بالذبح المصور تقوم بممارسة الضغط على الحكومات؛ لعدم توريط جيوشها في أتون معارك لا يعلم نتائجها إلا الله.([6])

وتشير التقارير الإعلامية إلى أن حالة استقطاب مع التنظيم زادت بعد نشر وسائل الإعلام لمقاطع الذبح للضحايا فيما تأخذ النقطة الأولى جانبًا آخر يجعل من تلك الرسالة متقبلة لدى المحطات الغربية والمحطات المتعاطفة معها التي تعتمد رسالة خلق التشويق لدى جمهورها المولع بالمفارقات. وغاية المحطة استثمار تلك الرغبات من أجل زيادة المتابعين لها. نتيجة أن المشاهد العنيفة تصوّر وحشية من يقوم بالذبح، التي تدل على فقدان أي درجة من الإنسانية. فإشاعة تلك المشاهد تُحدث آثاراً نفسية عالية، وبها نجد أن تلك الوسائل الإعلامية العالمية تفضّل تحقيق زيادة في نسبة المشاهدة بدل العمل على مجابهة تلك الرسالة الإعلامية المعادية والعنيفة التي تُسهم بتسويق خطابها الإعلامي للآخر، فبدل أن تنتشر دعاية إعلاميّة مقابلة ومجابهة لدعاية "داعش"، أسهم الإعلام في نشر دعاية التنظيم. وتسهم باستهلاك تلك الرسائل المشبعة بالعنف والكراهية، وتجعل من الجمهور يتلقى تلك الوسائل النفسية من الدعاية النفسية الزاحفة وتخلق اضطرابًا نفسيًّا لدى الجمهور. وبهذا تحقق الهدف من زرع حالة توحش واليات إدارته في صفوف الدول التي تتخذ منها داعش محورًا معاديًا سوف نقف عندها بوصفها تجلي من تجليات إدارة التوحش التي تتجلى من خلال المقاطع التي تحدث الصدمة والترويع من خلال الأساليب اللاإنسانية في التخلص من الخصوم، التي تحولت إلى وسائل في الحرب النفسية التي تظهر في وسائل تلك الجماعة أو وسائل الإعلام العالمية، حيث إنها تحقق من خلال تلك المقاطع متابعات واسعة. فإن تلك الوسائل تبدو من خلال ما سبق مقصودة بوظائف مزدوجة بالإضافة إلى الوظيفة النفسية، فإن أتباع تلك الأفعال تسهم في تسويق الرسائل عبر وسائل الإعلام العالمية، لهذا نجد الحركة تتفنن في طريقة القتل، ما يجعل المادة مغرية.

لكن تلك الوسائل لها غايات أخرى منها التعويض عن غياب الإنجازات العسكرية مما يجعل التهويل وآليات الخداع النفسي والإعلامي من أجل الكسب الإعلامي للتنظيم الذي يعوض غياب الإنجازات العسكرية أو الاستراتيجية؛ لكن على الرغم من كل هذا، نجد أنّ ذلك السلوك العنيف الذي يتجلى في خطاب داعش ومن ثمّ يترجم علاقتها مع الآخر المختلف فإنه بالضرورة يمثل موقفًا نفسيًّا (ومن جانبه أكد إيان روبرتسون·: "أن هناك عدة عوامل يمكننا أن نتعرف من خلالها على التفسير النفسي لما تقوم به داعش، مشيراً إلى أن هذه العوامل تتركز في الوحشية، رأيهم في الجماعات المخالفة لفكرهم، والثأر، وقادة الجماعات. وأوضح في تفسيره لعامل الوحشية، أن الوحشية تستدعي الوحشية، فثلاثية القسوة والعدوانية وانعدام التعاطف تُعدّ ردود فعل مشتركة من قِبَل الناس الذي عُوملوا بشكل قاسٍ. وأضاف: "كما أن الجماعات الدينية تؤيد وتدعم درجة من العدوان تجاه الجماعات المخالفة التي كانت غائبة في جماعات غير محددة دينياً، كما نشاهد بشكل مأساوي في الشرق الأوسط)([7]) نعم هي سياسة متجذرة في الشرق تقوم (على المحو تمارس نشاطها في ذاكرتنا الثقافية؛ لكن ليس، وفقا لقوانين التطور الثقافي الطبيعية، حيث ينبثق الجديد من القديم ويتجاوزه تجاوزا جدليا، بل يتم ذلك بفعل تدخل سلطة ذات طابع آيدلوجي تحاول محو السابق بوصفه نقيضها، وإثبات ذاتها بوصفها بديلا )([8]) وهذا ما تفعله داعش ويتم ترجمته إعلاميا فهي سياسة جوهرها المحو والإقصاء العنيف من أجل خلق بديل تحتكر تمثيله، وهي وليدة الخطاب التكفيري بامتياز. وقد تجلى في القاعدة من قبل، مستثمرةً ممكنات الخطاب الرقمي المعولم ضمن أشكال جديدة من الحرب القائمة على إدارة التوحش المعتمدة آليتين: الاستنزاف والمناورة التي تعتمد على المباغتة والمعاجلة مدعومة بحواضن إثنية وإعلام دعائي يعتمد الحرب النفسية .

موقف وسائل الإعلام من سلوك داعش الإعلامي: اليوم قد أخذت وسائل الإعلام تنتبه إلى الأساليب الإعلامية وآليات الاختراق والتهويل والعنف المفرط، جعلها تعمل على القيام بخطوات نقدية :

من أجل مراعاة أخلاقيات المهنة التي تفترض المصداقية والحيلولة دون نجاح غايات التنظيم من رسائله التي تحث على العنف والحرب النفسية عبر إشاعة الكراهية وتجنيد أنصار ممن يعانون من الاغتراب الثقافي والحضاري والاجتماعي يحول دون جعلهم منتمين، بالإضافة إلى التنظيمات العالمية الداعمة التي تجد في تلك الوسائل ترويجًا لخطابها الكوني القائم على العنف سواء كانت الأصولية الإسلامية أو المسيحية أو اليهودية التي تعمل على استثمار تلك الدعاية من أجل الترويج إلى مصالحها, التي تدخل ضمن مفهوم الصراع الحضاري بين الإسلام والغرب .

الى جانب هذا المعيار الأخلاقي بكل حمولته القيمية. ثمّة عامل آخر أسهم في تجاهل الرسائل التي تبثها داعش من قبل الإعلام العالمي في أنّه يتعلق بمراعاة البعد الإنساني المتمثل بمراعاة مشاعر الضحية وأهله.

ومما لاشكّ فيه أن أهمّ معيار يجب توفره هو محاولة إزالة الخلافات الوطنية التي تخلق الأفق لإدارة التوحش وتزعزع الاستقرار وتمحو التعايش .

أما الأمر الثاني فهو توفر الخطاب الإعلامي الذي يمتلك رؤية وطنية وافق تقني وفكري قابل لتفكيك الخطاب المعادي وإعادة إنتاج خطاب بديل متسامح تعددي .

والعمل على إنجاز خطاب إصلاحي إسلامي يقوم على الانفتاح على قيم المعاصر ويعيد صهر الآفاق بين أصالة الماضي وتحولات المعاصرة وما تفترضه من ذهنية علمية منفتحة .

 

 د. عامر عبد زيد الوائلي

.............................

[1]- انظر : ماجد الغرباوي، تحديات العنف، دار العارف ط1، بيروت، 2009، ص43.

[2]- علي حرب، أزمنة الحداثة الفائقة الإصلاح –الإرهاب – الشراسة، المركز العربي، ط2، بيروت 2008، ص88.

[3]مصطفى حجازي، الإنسان المهدور، المركز العربي، ط1، بيروت، 2005، ص25.

[4]انظر: فرهاد خسرو خاقان، شهداء الله الجدد في سوسيولوجيا العمليات الانتحارية، ترجمة جهيدة لاوند، معهد الدراسات الاستراتيجية –المدى، ط1، بغداد، 2007، ص185.

[5]- http://www.alhayat.com/Opinion/Hassen-Bin-Salam.

[6]-أمل الصيفي - أحمد هنداوي، داعش" وجز الرقاب.. صناعة مخابرات أم ترويع للخصوم؟!http://moheet.com/2014/11/01/2164175/

- أستاذ علم النفس في كلية الثالوث Trinityفيدبلين، ومدير مؤسس سابق لمؤسسة علم الأعصاب، في دراسة قام بنشرها تحمل عنوان “التفسير النفسي لوحشية داعش.

[7]- أمل الصيفي، أحمد هنداوي، المرجع السابق .

[8]- نصر حامد أبو زيد، الخطاب والتأويل، المركز الثقافي العربي، ط1، بيروت، 200، ص137.

 

تأثير الثورة الرقمية في تحوّل بنية المعرفة وإضعاف سلطة المثقف التقليدي

إلى جانب مقولة النهايات التي أكدنا في الحلقة الماضية اعتبارها إعلانا عن حالة الانسداد في نمط الثقافة الذي تسيّد ردحا من الزمن،  تأتي الثورة الرقمية التي تصاعد إيقاعها في العقود الأخيرة، لتفرض على المثقف أيضا مراجعة أدواره التقليدية التي لم تعد تستجيب لأسئلة الحاضر، وإعادة بناء السؤال الثقافي.

فمع الثورة الرقمية، تمّ إعادة تشكيل العالم معرفيا وثقافيا وذهنيا ليدخل فضاء جديدا تغيرت معه الأشياء، فضاء يتركب من وحدات لا لون لها ولا وزن لها ولا حجم ، بل مجرد كائنات عددية حلت محل الأشياء المصنوعة والأشياء الطبيعية، لتتحّول بسرعة الضوء، ولتتحدد على أساسها العلاقات بين البشر. وتمخض عن ذلك  انتقال العالم من العصر الصناعي إلى العصر السبراني، ليصبح  فضاء مركبا من ثلاثة عوالم: عالم الأفكار، العالم الفيزيائي ثم العالم الافتراضي.

ونتيجة لهذه المتغيرات التي هزّت أركان المعرفة، تغيرت " الحقيقة " في عالم الأفكار. فإذا  كانت المعرفة في زمن أفلاطون وحتى هيجل تتجسد في إبراز مطابقتها للواقع، وإذا كان علم الكليات والمثل المجردة  والأفكار المطلقة هو العالم الحقيقي، فإن الخيط الناظم للمعرفة في الزمن الرقمي يتجلى في العلامات الضوئية الصادرة من المنتجات الإلكترونية غير الملموسة. وبالتالي وقع انقلاب في جوهر الحقيقة التي لم تعد انعكاسا للواقع كما كان متداولا في سوق القيّم الثقافية، بل مرتبطا بما نبدعه من الواقع، ومن العالم الافتراضي الذي يدار به الآن، والذي هو أشد واقعية من الواقع، إنه ابتكار أو تصنيع أو تصريف في الأفكار، بما يثري المعرفة الإنسانية، أو هو بتعبير جان بودريار " واقع فائق" .

وفي معمعة هذا التحول الكوني، غدت الثقافة نفسها صنيعة تكنولوجيا التواصل، ولا تزال إلى اليوم تحفر فيها مجاري عميقة لا يمكن تجاهل انعكاساتها على المثقف ودوره، وهو ما وقف عنده "كاسلرز"، وحلّله بعمق ليصل إلى الحسم بأن الحتمية التقنية أصبحت قدرا لا مفرّ منه، بل إن " هربرت شيلر" ذهب إلى حدّ القول بضرورة وضع استراتيجياتنا الثقافية في المستقبل انطلاقا من النظام المعلوماتي المتدفق من الشبكات.

وتأسيسا على هذه التحولات التقنية، تحوّلت المعرفة إلى العالم الافتراضي الذي تأسست فيه "حياة ثانية" تضمّ أروقة افتراضية متعددة كالجامعة الافتراضية، والمعاهد الإلكترونية، والتلميذ الرقمي، والمثقف الرقمي الذي لم يعد بحاجة لرضى للناشر، أو لسمعة علمية لنشر كتبه، بل صار بإمكانه أن ينشر مؤلفاته متى شاء. وإذا  كان يمتلك بضاعة فكرية قيّمة، يمكن أن يزاحم بها المثقف الورقي المرموق، أو ربما يربو مكيال وزنه العلمي عليه.

ونتيجة لتأثيرات الثورة الرقمية، تغيرت أيضا بنية المعرفة ومصادرها، وهو ما سيؤثر على دور المثقف، ويمكن تلمس ذلك من خلال ثلاث مؤشرات على الأقل:

1- تكسير مبدأ احتكار المعرفة، إذ أصبحت تكنولوجيا الاتصال تقوم على مبدأ تجزئة القوة التقليدية لمصدر المعرفة، وتفتيتها إلى أجزاء يسهل وصول الأفراد إليها، وتحول دون احتكارها من طرف المصدر القوي المحتكر لها، مما يعني تعميم المعرفة وتسهيل وصول المجتمعات والأفراد إليها.

2- تغيير بنية توزيع المعرفة، حيث عرف توزيع المعرفة تحولا انتقل بمقتضاه من الهرمية العمودية  التي سادت في العصر الورقي، إلى الخطية الأفقية أو الشبكية في العصر الرقمي، مما يعني إلغاء التبعية الفكرية، وإلغاء وجود سيّد ومسود في نشر وتلقي المعرفة.

3-  سرعة البث والانتشار، إذ غدت الثقافة تتميز بانفتاحها الشمولي على مختلف المدارك البشرية، وبطوفانها المعلوماتي الممتد والمتوسع أفقيا وعموديا، وبطراوتها ، إذ يمكن للمتلقي أن يحصل على الفكرة  مباشرة، بدون وسيط ، وبسرعة قياسية لا تتطلب سوى كبسة زرّ واحدة ، مع قدرة هائلة  على التشبيك والاتصال. كما اغتنت تموضعات تلقي المعرفة بإضافة رفوف المكتبات الإلكترونية والخزانات الوسائطية الرقمية إلى رفوف المكتبات التقليدية ، مما زاد من تعميم المعرفة وتيسير سبل الحصول على المعلومة .

ومن الأكيد أن اكتساح الشبكة المعلوماتية لمجال الثقافة أثرّ سلبا في دور المثقف التقليدي، فلم يعد هو "سيّد" المعرفة كما كان من قبل، ولم يعد الفقيه " الذي تضرب إليه الأكباد" كما كان في عصر ولّى، بل تقزّم دوره بعد أن أصبحت التقنية الرقمية تنتج حوامل جديدة للتخزين المعرفي قد يجهلها هو نفسه، وتحولت المعرفة من فضاء  كانت حكرا على النخب الثقافية إلى عامة الناس، ليصبح المتلقي في غنى عن المثقف الذي كان مزوّده الرئيسي بالمعارف.

لقد أفلحت الثورة المعلوماتية في جعل المعرفة في متناول الجميع، وأضعفت سلطة المثقف "التقليدي"، وجعلت "إقطاعه المعرفي" - حسب تعبير عبد الإله بلقزيز- يترنّح تحت ضربات معاول الشبكة العنكبوتية، وانتقلت بالمتلقي من مربع قبول سلطة المثقف إلى مربع المشاركة معه أو مع غيره في إنتاج المعرفة، بعد أن صار المتلقي نفسه قادرا على تزويد شبكة المعارف بنصوص رقمية، أو وثائق، أو مذكرات شخصية أو إحصائية، أو كتب ومقالات يكتبها بلغة متحررة من المطلقات والمتعاليات، ومن هيمنة سلطة دور النشر وخطها التحريري، ويتعامل مع الواقع بمفردات الخلق والابتكار والتركيب والتحويل والبناء.

وبالمثل، لم يعد المثقف المنظّر القابع في برجه العاجي هو الوحيد المتسيّد كما كان في العصر الورقي، بل إن العصر الرقمي  الذي نعيش على عتبته أفرز مسميات جديدة من قبيل المثقف الشبكي، والرقمي، والوسائطي، والمعلوماتي، والميديائي، والمثقف الناشط، والمثقف الافتراضي،  و"المثقف الجديد"، و"الفاعل الجديد"، وغيرها من المصطلحات الرديفة ، وهم غالبا من فئة الشباب الذين لم تكن أسماؤهم "لامعة "،  فأصبحوا بفضل الفضاء الرقمي أكثر حضورا، وأكثر تأثيرا في الرأي العام.

إنهم من باتوا يعرفون باسم "عمال المعرفة" الذين يشتغلون بالمعطيات الرقمية وإدارتها، وتطوير وتخزين المعرفة، وتوليد الأفكار الخلاقة والمبتكرة، سواء تعلق الأمر بإدارة المشاريع أو إدارة الفكر الاستراتيجي ومراكز البحوث المستقبلية،  أو معالجة إشكاليات الحرية والعدالة وتدبير مشاكل الحكم والسلطة، وقضايا المرأة والفقر والتعليم والصحة، ويغوصون في قلب المجتمع المدني وقضايا التنمية بالفعل وليس بالقول فحسب، ويشاركون في بلورة المدن الذكية بالحضور المزدوج والدائم في شبكات التواصل الاجتماعي وفي الميادين على شكل خلايا جماعية واعية تناقش طرائق تدبير الحراك الاجتماعي بيقظة مستمرة، وهي المهمات التي ظل المثقف العربي يعتقد أنه القائد الوحيد الذي يتمّ إنجازها على يده. بيد أن فشل مشروعاته في التغيير من جهة لبعده عن واقع المجتمعات، وما تحقق من طفرة في مجال الوسائط التكنولوجية، وتكثيف عملية التشبيك وتكاثر "عمال المعرفة" من جهة أخرى، جعل دوره يخبو، ويفقد بريقه  في منظور الرأي العام الذي بدأ يتجاوزه، ويرنو نحو مواقع التواصل الاجتماعي التي يلعب فيه النشطاء الميديائيون دور المحرك الفاعل بتجميع الطاقات الشعبية، وتعبئة الرأي العام، وتوقيع العرائض، والنزول للميدان للتظاهر السلمي من أجل القضايا العادلة. ونحسب أن اندلاع انتفاضات الربيع العربي بعيدا عن عيون المثقف  تعدّ  قرينة دامغة على شيخوخة أدور المثقف التقليدي الذي لم يتجاوز سقف رد فعله تجاه تلك الانتفاضات الاندهاش والمتابعة جلوسا أمام شاشات التلفاز.

والحاصل أن الثورة الرقمية أضعفت من سلطة المثقف التقليدي، وجعلته مجبرا على الاختيار إما بالانخراط بتجديد آليات اشتغاله، والانخراط في عالم الرقمنة، وإما أن تصبح أدواره متجاوزة ،لا تقدّم أية إضافة، وغير قابلة للتطبيق ، وهو ما سيتأكد لنا بالحجة والقرينة لاحقا . ( يتبع)

 

ا. د. إبراهيم القادري بوتشيش

أستاذ التاريخ والحضارة بجامعة مولاي إسماعيل بمكناس

 

عدنان عويدفي المفهوم: المواطنة لغة:  مشتقة من الوطن، الذي اشتق بدوره من الفعل وَطِنَ  أي أقام أو استقر ، ويأتي منها، استوطن ومستوطن وغير ذلك.

المواطنة مجازاً: هي الانتماء في صيغته القانونية، أو الجنسية، لوطن محدد كان نقول سوري أو مصري، أو فرنسي، أو أمريكي، وله صيغته أو دلالته السياسية أيضاً كان نقول عربي أو أوربي أو أفريقي، وله دلالته العقيدية كقولنا مسلم أو مسيحي، سني أو شيعي، كاثوليكي أو بروتستانتي... وغير ذلك.

     تاريخية المواطنة: هي مفهوم تاريخي قابل للتجدد والتطور في شكله ومضمونه، وإذا كان مضمونه في سياقه العام بالنسبة لتاريخنا الحديث، لا يخرج  عن حقوق الانسان وواجباته كما أقرتها قوانين حقوق الإنسان. هذه الحقوق التي تتمثل أساسياتها في حق الحياة والرأي والعقيدة والملكية والمشاركة في تقرير مصير هذا الإنسان، ففي مقدمة الواجبات يأتي  واجب هذا الإنسان نفسه بالحفاظ على هذه الحقوق والدفاع عنها وتنميتها له ولغيره من المواطنين.

إن تاريخية المواطنة تجلت منذ المجتمع العبودي مرورا بالمجتمع الاقطاعي والرأسمالي (الاحتكاري) وصولاً إلى الدولة الاستبدادية الشمولية في العالم الثالث، ببعد تراتبي يقوم على النبالة والعرق  والنخبة. فمفهوم المواطن في مثل هذه الأنظمة  ظل حكرا على فئة قليلة من الناس احتكرت لنفسها حق السيادة على الشعب، لتجعل من العامة أداة استغلال وترفيه، دون النظر بجدية إلى ظروف حياتهم القاسية والعمل على تغييرها.

تأثير الثورة الصناعية على تأسي المواطنة المعاصرة:

مع قيام الثورة الصناعية ومجتمع الحداثة، ممثلاً بظهور الطبقة البرجوازية ومثقفيها من عصر التنوير، أخذت  المواطنة بعداً آخر يقوم على القيم والحقوق الطبيعية للإنسان في هذه الحياة، هذا وقد أسست هذه الطبقة عبر مفكريها أسس المواطنة من الناحية القانونية والسياسية والاجتماعية والفكرية بعد أن ربطت المواطنة بالدولة. فأصبح من غير الممكن الحديث عن المواطن خارج الدولة، رغم أن الحقوق التي يتمتع بها المواطن داخل الدولة سابقة على وجودها، كونها حقوقاً طبيعية تخص الإنسان بوصفه إنسانا، وهي حقوق مقدسة لا يمكن التنازل عنها لأنها ترتبط بجوهرية الإنسان، وعلى هذا الأساس حدد "روسو" مفهوم المواطن (بأنه مواطن من جهة كونه يشترك في سلطة السيادة أو ما يطلق عليه بالحقوق، أما المقصود بالرعاية فإنها تعني الحالة التي يكون فيها المواطن خاضعا لقوانين الدولة و هو ما يعبر عنه بمسألة الواجبات. فالمواطن من هذا المنطلق هو فرد يندرج ضمن الدولة، وهو مثلما له حقوق له واجبات، وهو مثلما يكون حرا وسيدا يكون في نفس الوقت مطيعا للقوانين و خاضعا لها..). (1)  ولكن مع تحول الطبقة البرجوازية إلى طبقة (احتكارية) راحت هذه الطبقة تعمل على إفراغ المواطنة من مضمونها. وهذا هو حال السلطات الحاكمة في دول العالم الثالث بعد أن حولت هذه السلطات الدولة إلى دول شمولية. حيث راح المواطن في كل هذه الدول (الرأسمالية والعالمثالثية)  يعيش اضطهادا وتهميشا تحجبه غشاوة السعادة التي خرجت من معطف صناعة التسلية والترفيه وثقافة الاستهلاك والإعلام المنمذج وبيانات حقوق الإنسان ومضامين دساتير هذه الدول المتخمة بشعارات الحرية والعدالة والمساواة.

المواطنة هماً فلسفياً:

على العموم ظلت المواطنة هما فلسفيا بامتياز، انشغل بها مؤسسو الفلسفة السياسية الحديثة منذ قيام الثورة الصناعية في أوربا وحواملها الاجتماعيين الذين عاشوا اضطهاد طبقة النبلاء والكنيسة والملك، واعتبروها من مقومات الدولة الحديثة التي راحت تعمل على تجذيرها الطبقة الرأسمالية الوليدة، نظرا لارتباطها بقيم الحرية والمساواة والمسؤولية وابتغاء الخير العام للإنسان.

ولكن أمام تضخم مقولات حقوق الإنسان والمواطن على المستوى النظري، وتكثف حضور هذه المقولات في الخطاب السياسي ،نجد على المستوى العملي ما ينفي  هذه المقولات سلوكياً في الواقع. فها هي المجتمعات في الدول الصناعية المتقدمة أو في دول العالم الثالث، تنحى في تطور محموم نحو مجتمعات مغلقة منمذجة تتجه بكل مقوماتها ومكوناتها السياسية والادارية والثقافية باتجاه التوليتارية أو الدولة الشمولية المشبعة بالإيديولوجيا البراغماتية، واختلاط السياسي بالاجتماعي، أي هيمنة المرجعيات التقليدية على السياسة، وخاصة في دول العالم الثالث. لذلك نرى في الوقت الذي تطالب فيه قيم المواطنة الحكومات في هذه الدول التأكيد على حقوق الإنسان ووجباته في بنية الدولة والمجتمع التي أشرنا إليها سابقاً، نجد سعي هذه الدول  إلى تربية أفراد المجتمع على حبهم لذواتهم وحبهم لمنافعهم ومصالحهم الخاصة وتحقيق سعادتهم على حساب شقاء الآخرين . وبالتالي رحنا نلاحظ في هذه التوجه اللاإنساني، أن ما هو حيواني أصبح يحدد ما هو إنساني كما يقول ماركس، عند حديثه عن اغتراب الإنسان في النظام الرأسمالي حيث يقول: (ما هو إنساني يصبح حيواني وما هو حيواني يصبح إنساني.). فالمجتمع تحت مظلة هذه الدول التوليتارية (الشمولية)، قد نجح في استبدال الهوية العقلانية بأخرى حيوانية من خلال اختزال إنسانية الإنسان وردها إلى بعد واحد، وهو إرضاء  الحاجات الاستهلاكية المنتزعة من صلتها العضوية في المجتمع، اي الاستهلاك من أجل الاستهلاك.  فالإنسان يعتبر إنسانا بقدر ما يستهلك .

 إن هذه الرؤية الجديدة للإنسان تتناقض مع ما أرادته فلسفة التنوير للمواطنة، فإذا كان هذا الفكر يذهب في اتجاه إيلاء الإنسان مكانة هامة كقيمة مركزية نظرية وعملية تقوم على توجهات العقل النقدي والمنطقي، فإن هذه المكانة أو الرغبة في تحقيق هذه المكانة، بدأت تتهاوى تحت ضربات مطرقة الأنظمة الشمولية لتحل محل الذات المفكرة والمريدة والفاعلة والشفافة... أي تحولت إلى ذات مكسورة وجريحة وغير عارفة بذاتها وخاضعة لحتميات لاشعورية واجتماعية يداهمها اللاعقل والوهم. أي تحولت إلى  مجرد ذات منفعلة .

مكونات المواطنة:

 للمواطنة عناصر ومكونات أساسية ينبغي أن تكتمل حتى تتحقق المواطنة وهي التالية:

الانتماء : إذ أن من لوازم المواطنة الانتماء إلى وطن، و الانتماء هو شعور داخلي يجعل المواطن يعمل بحماس و إخلاص للارتقاء بوطنه و الدفاع عنه. ومن مقتضيات الانتماء أن يفتخر الفرد بوطنه و أن يدافع عنه و يحرص على سلامته.

 منظومة الحقوق والواجبات: فمفهوم المواطن يتضمن حقوقا يتمتع بها جميع المواطنين وهي في نفس الوقت واجبات على الدولة و المجتمع و منها:

1- ضمان الحريات الشخصية مثل حرية التملك و حرية العمل وحرية الاعتقاد وحرية الرأي، وحرية المشاركة في قيادة الدولة والمجتمع.

2- ضمان العدل و المساواة، و توفير الحياة الكريمة و الخدمات الأساسية من صحة وتعليم.. الخ. وفي مقابل الحقوق التي يتمتع بها المواطن، عليه واجبات، فمثلما واجبي هو حق عند غيري فإن حقوقي هي واجبات عند غيري. (2). و لئن ارتبط مفهوم الحق بالحرية فإن الواجب كمفهوم أخلاقي ارتبط بالإلزام، و من أهم الالتزامات هو احترام القانون العام الصادر عن الإرادة العامة (الشعب)، واحترام حرية الآخرين والدفاع عن الوطن والسماح للمواطنين بتقرير مصيرهم السياسي  والمشاركة في بناء الدولة والمجتمع وفقاً لمصالح المجتمع دون وصاية عليه من أحد. فأهم الواجبات هي احترام القوانين واحترام حدود الحرية. أو بتعبير آخر إن الواجب في علاقة الدولة بمواطنيها أن تقوم على أساس الاحترام المتبادل بما يسمح ضمان الحرية وتجنب مخاطر الاستبداد والاغتراب السياسي حتى يكون الإنسان مواطنا حقيقيا حر التفكير ومضمون الحقوق.

هذا ما راهن عليه الفكر السياسي في عصر الأنوار، وهذه الفكرة التي سعت إلى رسمها الفلسفة السياسية للمواطن والدولة، مواطن إنسان يتمتع بكل حقوقه السياسية والمدنية والاجتماعية والاقتصادية، ودولة تبنى على أساس المشروعية و الإرادة العامة، واستمراريتها مشروطة بمدى استجابتها للإرادة العامة مستندة في ذلك إلى سلطة القانون و قوته.

 

د. عدنان عويّد

كاتب وباحت من سورية

.....................

1 -  للاستزادة في هذا الموضوع راجع دراسة : سلمى بالحاج مبروك الخويلدي - المواطن والإنسان ذو البعد الواحد - موقع حــركـــة التـجـــديـــد - تـونـس - الصفحة الاساسية - ثقافـة و فـنون - الاربعاء 9 نيسان (أبريل) 2008 .

2- المرجع نفسه.

 

عبد الحسين صالح الطائييُعد التعليم عاملاً مهما لإعداد أجيال المستقبل، وركن أساسي للتنمية البشرية المستدامة، لا يمكن الإستغناء عنه في ظل الإنفتاح العالمي والتقدم التقني في مجالات الحياة كافة، فهو صمام الأمان لضمان تطور المجتمعات الإنسانية، وأي إستثمار فيه يخدم تطور المجتمع وتأهيله لخوض تحديات المستقبل. وقد أولت الدولة العراقية إهتمامها بالنظام التعليمي منذ تأسيسها، حيث أسست المؤسسات الإدارية وقطعت أشواطاً هامة في إرساء دعائم بناء العملية التعليمية.

ولكل نظام تعليمي، سواء كان عاماً أو خاصاً، له مميزاته وعيبوبه، فالمؤسسات التعليمية الحكومية المجانية، على الرغم من إعتمادها على اسلوب الحفظ والتلقين وغيرها من الأساليب القديمة، إلا أنها تبقى هي الأفضل لما تحويه من امتيازات تلبي شريحة كبيرة من أصحاب الدخل المحدود. وبعد أن شهد التعليم الحكومي تراجعاً كبيراً في مستوياته في الكثير من بلدان العالم، ومنها العراق بسبب الإخفاق المتواصل في كل المراحل التعليمية حسب تقارير ومؤشرات الجودة التي تصدرها بعض الجهات الدولية، وبسبب سوء سياسة وتوجهات الدولة تجاه سير العملية التعليمية، وعدم إعطاء الأولوية للتعليم العام في تنفيذ خطط التنمية المستديمة، وتأهيل الكادر الإداري والتدريسي وتحسين وتطوير الأساليب التربوية والتعليمية ، وإهمالها لمستلزمات السلامة والأمان في توفير البيئة المناسبة للتعليم، تولدت فكرة الخصصة، وتوسعت دائرة القطاع الخاص بحيث تشمل كل المراحل الدراسية.

وبحكم الواقع الصعب الذي أضر بالعملية التعليمية، تبلورت المبررات بأن يكون التوجه نحو التعليم الأهلي الذي يمتلك المميزات الخاصة والقدرة على الإنفاق، هذا القطاع بمرور الزمن، أخذ يلبي طموحات شرائح إجتماعية ليست قليلة من المتمكنين مادياً والحريصين على تعليم أبنائهم في أفضل المؤسسات التعليمية. علماً بأن هذه المؤسسات التعليمة الخاصة ليست بمستوى واحد، فهناك تبايناً واضحاً، البعض منها ذات مستوى تعليمي متقدم، على غرار الدول المتطورة، والبعض منها ذات مستوى متدن، بعيداً عن نظام الجودة والبحث العلمي الرصين وعن التوجهات العامة للتعليم الراقي الذي يصب في بودقة صقل الشخصية المجتمعية المحبة للوطن.

ونتيجة تدني مستوى مخرجات التعليم العام، وإنعدام الثقة في التعليم الحكومي، وقوة تأثير رسائل الترغيب التي تقدمها مؤسسات التعليم الخاص، تولدت القناعة بأهمية وأفضلية التعليم الأهلي، الذي أصبح الملجأ لكثير من الطلبة الذين لم تتوفر لديهم فرص القبول في المؤسسات التعليمية العامة. وعلى الرغم من تمسكنا الشديد بمؤسسات القطاع الحكومي، إلا أن الواقع يشير بأن التعليم الأهلي أخذ يسهم في عملية النهوض والإرتقاء بمسيرة الحياة العلمية بشكلٍ متوازي جنباً إلى جنب مع التعليم العام، ويحظى بقبول واسع وتسهيلات كبيرة من الجهات الرسمية والشعبية، بإعتباره أحد الروافد التي تصب في تطوير المشاريع التربوية بما يقدمه من خطط مبنية على رؤى حديثة تخدم عملية التنمية الشاملة.

الدول الغربية المتطورة، لها تجاربها المتباينة إزاء التعليم العام، فبريطانيا مثلاً، على الرغم من التطور الهائل في ميدان التعليم العام، إلا أنها تشكو من بعض التلكأ، وتفتخر بتجربة تعليم القطاع الخاص، الذي يسعى لتقديم الأفضل في داخل بريطانيا وفي الفروع التي يتم فتحها في الكثير من بلدان العالم. هذه المؤسسات التعليمية الخاصة يتم قبول الطلبة المتفوقين علمياً فيها، وبشروط قاسية وضوابط تعتمد طابع الأداء المميز، وعادة ما تكون مزودة بمنشأت حديثة ومرافق ممتازة تضم مختلف الألعاب الرياضية والنشاطات الفنية والأدبية التي تسهم في تعزيز الثقة بنفوس طلابها، وتقدم لهم تعليماً متميزاً يلبي رغبات أغلبية المهتمين بإمور التعليم الخاص.

ورغم المميزات التي يتمتع بها التعليم الأهلي بمختلف الدول المتطورة، إلا إنه لا يمكن أن يكون بديلاً عن التعليم العام، بل موازياً وداعماً له ضمن مقايس الأداء المتبعة دولياً. ويظل الطموح قائماً بأن تتكاتف جهود المخلصين من أبناء شعبنا العراقي بدعم عملية إصلاح المؤسسات التعليمية كخطوة أولية، وفق مخططات تعتمد على قاعدة بيانات رصينة تخدم الأهداف التربوية العامة والخاصة، وممارسة أسلوب الضغط بإعادة النظر بالسياسة العامة لتوجهات الدولة، ضمن رؤية جديدة تنسجم مع المتغيرات الجديدة التي تصب في تحديث المجتمع العقلاني الذي ينبذ الأساليب القديمة المعتمدة على الحفظ والتلقين، وجعل الأجيال الجديدة تنشأ على أسلوب التفكير المستقل الذي يواكب تطورات التقدم العلمي والتقني المعاصر.

ولابد من الإقرار بأن مجتمعنا العراقي قد طرأت عليه متغيرات كثيرة خلال العقود الأخيرة، فتكونت طبقة غنية، سواء بالطرق المشروعة أو غيرها، فأصبح الفرز الطبقي واضحاً، والبعض من هؤلاء تمكن من توظيف أمواله في مشاريع استثمارية في الخارج، والبعض الآخر يسعى إلى توظيفها في الداخل بمختلف القطاعات الإقتصادية، بما فيها التعليم الأهلي الذي حظي بدعم كبير من وزارتي التربية والتعليم العالي. وبالتأكيد بعض مؤسسات التعليم الأهلي تلبي حاجة الطبقة الغنية من المجتمع، لإهتمامها بنظافة البناية وتوفير الخدمات المتنوعة والمختبرات، وتحديد عدد الطلاب في كل فصل دراسي، وخلق جسور من التواصل مع أولياء الطلبة المقبولين. وبالتأكيد هذه الشريحة الإجتماعية المتمكنة مادياً لها تطلعاتها ورؤيتها في كيفية توجيه أبناءها في التحصيل العلمي بعدما وجدوا المميزات التي يقدمها قطاع التعليم الأهلي، الذي يستجيب لمتطلباتهم، فنجد هناك إقبالاً كبيراً على هذه المؤسسات.

وهنا لابد من التأكيد على الجهة الرسمية صاحبة القرار بضرورة الإستفادة من تجارب البلدان المتطورة في كيفية التعامل مع التعليم الأهلي من حيث الرقابة والإشراف على سير العملية التربوية والتعليمية ضمن فلسفة واضحة المعالم، وأن يكون الهدف الأساسي هو مضمون هذه المؤسسات وما تعتمده من تقنيات تسهم في النهوض والرقي في كل المجالات بما فيها الإهتمام المتواصل بالجودة، وتأهيل الكادر الإداري والتعليمي في بيئة سليمة واعية قادرة على التفاعل مع التطورات الحديثة، ملتزمة بالتجديد والإبتكار والإبداع، بحيث تكون مخرجاتها ذات كفاءة وجودة عالية.

وأخيراً، نشير إلى أن تجربة التعليم الأهلي في العراق مازالت حديثة، وتحتاج إلى المزيد من الضوابط الرقابية الصارمة، لكي تسهم في تخفيف العبء على التعليم العام، وأن تتناغم مع التوجهات السامية للعملية التربوية والتعليمية.

 

د. عبدالحسين صالح الطائي

أكاديمي عراقي مقيم في بريطانيا

 

 

جواد بشارةوبخصوص التساؤل الوجودي الأول عن وجود " الله" كان لا بد من التفكير بالأمر معنوياً ونفسياً وأخلاقياً ودينياً واجتماعياً بالتوازي مع المنهجية العلمية العقلانية المادية المحضة. كما يتوجب علينا معرفة الواقع وحقيقته مثلما نود معرفة ما بعد الواقع، في الماوراء والغيب والأفق المجهول. هناك واقع أرضي ملموس نعيش فيه ونتحسسه وهناك واقع آخر خارج منظومة الأحاسيس وهو ما يعرف بمفهوم ألباراسيكولوجي والبارانورمال وهو يتطلب الإيمان والاعتقاد الذي يشبه الاعتقاد والإيمان الديني. كيف نصف الواقع؟ وعن أي واقع نتحدث؟ هناك الواقع البسيط الملموس الذي تجادل بشأنه الفلاسفة القدماء ورجال الدين وعناصره الأربعة الماء والهواء  والماء والتراب، وهناك الواقع المادي الذي تناوله العلم الحديث بالدرس والتفكيك والتشريح والذي يتطور يومياً حسب تقدم العلم والتكنولوجيا والرصد والمراقبة والمشاهدة والتجريب، أي الواقع المنظور، وخاصة مكونات المادة في حدودها القصوى في اللامتناهي في الصغر أي مادون الذرية. فالذرة نفسها، التي كانت في الماضي تعتبر اصغر وحدة مادية غير قابلة للإنقسام، باتت قابلة للإنقسام والإندماج ومكونة من نواة تدور حولها الإلكترونات، والنواة نفسها مكونة من نيوكليونات nucléons، أي بروتونات ونيوترونات، وهذه بدورها مكونة من كواركات quarks، وهناك ما هو أدنى من الكواركات إلا أن أجهزتنا عاجزة عن كشفها في الوقت الحاضر. يوجد في الواقع المادي ما يعرف بالجسيمات الأولية les particules élémentaires والتي يتطلب قياسها وحسابها ليس فقط معرفة مداراتها وموقعها أو تموضعها وسرعتها فحسب، بل وكذلك معرفة " دالة الموجة فيها fonction d’onde" لحساب الإحتمالية la probabilité بشأن تواجدها، رغم أننا لا نراها ولا نلمسها  ولا نشعر بها بأحاسيسنا الخمسة لكنها موجودة في الواقع الحسي المادي وإن لم تكن غير مرئية. وهي الثغرة التي استغلتها الأديان لتقول أن هناك أشياء لا مرئية وماورائية وغيبية موجودة وعلينا تصديقها والإيمان بوجودها حتى لو كانت تتجاوز قدراتنا الحسية . وفي رواية غير مثبتة لكنها منتشرة في الوسط العلمي تخبرنا أنه اثناء لقاء بين العالم الفيزيائي الراحل ستيفن هوكينغ والبابا في الفاتيكان، قال الأخير موجها كلامه للعالم البريطاني: "اهتموا أنتم معشر العلماء بما بعد البغ بانغ" الانفجار العظيم" واتركوا لنا نحن رجال الدين ما قبل البغ بانغ" ولهذه الحادثة، لو كانت قد حصلت فعلاً دلالات عميقة سنتطرق لها لاحقاً. فمنذ القرن السابع عشر بدأت العلم يقتحم الحصون المغلقة التي كانت حكراً على الأديان والمؤسسات الدينية إذ أن هذه الأخيرة نصبت نفسها كمرجعية نهائية ووحيدة للإجابة على تساؤلات وجودية من قبل من أين أتينا وإلى أين نحن ذاهبون وما هو مصيرنا ولماذا نحن هنا والإجابة هي أن " الآلهة  هي التي وراء ذلك، بالنسبة للأديان غير التوحيدية، وإن الله أو الرب  أو الإله الأوحد هو الذي يقف وراء ذلك، بالنسبة للأديان الإبراهيمية السماوية المنزلة فالأديان تدعي أنها الوحيدة التي تمتلك الحقيقة المطلقة. ولقد استغلت الأديان جهل وخوف الأقوام البدائية البشرية الساذجة من الموت والمجهول وظواهر الطبيعة المدمرة والمخيفة، لتغرس في الأذهان أن هناك قوة خارقة تختفي وراء كل الظواهر  التي ترهب البشر كالبراكين والرعد والعواصف والبرق  والخسوف والكسوف وغيرها من الظواهر الطبيعية التي بدأ العلم بتقديم إجابات علمية عقلانية مقنعة عنها في القرون اللاحقة، منذ القرن التاسع عشر إلى يوم الناس هذا. بيد أن الغالبية العظمى من البشر لا تفهم العلم ولا تستوعب أطروحاته ومفاهيمه ومصطلحاته لذلك تراهم يركنون إلى الأجوبة والتفسيرات الدينية المطمئنة والبسيطة . وبمناسبة صدور كتابه "التصميم العظيم" أو " هل يوجد هناك مهندس كبير للكون" حسب الترجمة الفرنسية، نشرت صحيفة التايمز بعنوان كبير على صفحتها الأولى " هوكينغ يقول : الله لم يخلق الكون " و" الكون ليس بحاجة لخالق لكي يوجد" وكانت هناك صورة للوحة للفنان مايكل أنجلو Michel Ange تظهر الله المنتقم وصورة لستيفن هوكينغ  بمظهر المدعي  المتحدي يواجه غضب وانتقام الله الخالق، وكأنها مبارزة بين الله وهوكينغ  في حين لايوجد موقف شخصي من قبل هذا العالم حيال الله ومن يؤمن به فهذا مجال لا يعنيه ولا يخصه فأبحاثه لاتثبت وجود أو عدم وجود إله خالق بل هي تسعى للتوصل إلى طريقة عقلانية علمية مقبولة لفهم الكون المرئي. فخلال قرون طويلة كان الناس يعتقدون أن المصابين بإعاقة جسدية هم ضحايا لنوع من العقوبة الربانية المسلطة عليهم، وبالتالي ربما يكون هذا هو عقاب ستيفن هوكينغ الذي أرسله الله لكي يكبح جماحه العلمي، كما ردد كثير من المتدينين بعد انتشار تصريحاته في وسائل الإعلام . الرجل  يفضل أن يجد الأجوبة والتفسيرات حسب القوانين الطبيعية الجوهرية في الكون وإنها كانت وما تزال تعمل منذ بدء الكون  ولمليارات السنين القادمة كما يعتقد العلماء وستيفن هوكينغ أحدهم وأكثرهم شهرة بعد آينشتين ونيوتن. ولو ادعى رجال الدين أن هذه القوانين هي من صنع الله فهذه المحاولة ليست سوى تعريف لبعض وظائف الله وليس دليلاً على وجوده. وكان الفيلسوف الإغريقي آريستارك Aristarque  قد شكك بأن خسوف القمر وكسوف الشمس يحدثان بفعل رباني وعندما اكتشف حقيقة هذه الظواهر علمياً حوالي 300 سنة قبل الميلاد نشر آرائه ورسوماته التوضيحية وتوصل في نفس الوقت إلى أن الأرض ليست مركز الكون كما كان يعتقد الجميع آنذاك، بل هي جرم سماوي عادي يدور حول الشمس وينتج الخسوف والكسوف من خلال ظلال الأرض والقمر وانعكاساتها عليهما عند مرورهما أمام الشمس أثناء دورانهما حولها. وسخر هذا الفيلسوف من فكرة أن النجوم عبارة عن مصابيح منيرة معلقة بقبة السماء وهو الأمر الذي كان يعتقده ويصدقه الجميع في ذلك الوقت، بل وحتى في وقت لاحق بعد قرون عديدة. وقال أن النجوم هي شموس  تشبه شمسنا قد تكون مثلها وبحجمها أو اصغر منها أو أكبر منها بكثير لكنها بعيدة جداً عنا وبالتالي فإن الكون هو آلة تحكمها قوانين هي قوانين الطبيعة الجوهرية. إن أهم إنجاز حققته البشرية هو إكتشافها لتلك القوانين التي تفسر حركة الكون وتطوره وحركة كل ما فيه  في الماضي والحاضر والمستقبل. وهي قوانين قائمة وموجود منذ الأزل وإلى الأبد. من هنا لاحاجة لافتراض دور ما لإله خالق يتدبر أمور الكون وفق الصورة التي رسمتها له الأديان السماوية وهنا يكمن لب الصراع والاختلاف بين العلم والدين. وهو صراع ليس وليد اليوم بل كان موجوداً منذ أن نشأ الوعي عند البشر ولغاية اليوم، وبدأ العلم يفرض نفسه منذ بضعة قرون كأطروحة بديلة للأطروحة الدينية حتى أن البعض اقترح للخروج من عقدة الصراع اعتبار الله تجسيداً لتلك القوانين الجوهرية للطبيعة، إلا أن ذلك لايتناسب ولا يتوائم مع التعريف الديني  المعطى عن الله الذي يقدمه وكأنه كائن يمكن إقامة علاقات شخصية معه ورؤيته والتفاوض معه كما تروي لنا الأدبيات الدينية عن تجارب الأنبياء في هذا المجال. ولكن عندما نتمعن بحجم الكون وشساعته ونشعر بلا قيمة الحياة البشرية بالنسبة للكون ستبدو لنا هذه التخريجة التوفيقية فاقدة للمعنى أو غير مقنعة. استخدم هوكينغ مصطلح أو مفهوم " الله" بمعنى لا شخصي impersonnel أي بعيداً عن الشخصنة، على غرار ما فعله آينشتين قبله عندما أحرجه الحاخام الأكبر وقال له هل أنت ملحد أم تعتقد بوجود الله" لأنك تحرجنا مع بقية الأديان لاسيما بابا المسيحية، فرد عليه آينشتين : أنا أؤمن بوجود إله لكنه ليس الإله الذي تتحدثون عنه بل هو إله سبينوزا".

يتبع

***

د. جواد بشارة

 

حمزة بلحاج صالحكثيرمن السنة والشيعة ينتصرون لأركون أو يرفضونه من منزع التنافس ورد الفعل والتميز الإيديولوجي واعتبارات مذهبية ولغوية وعرقية ..

شذرة مقتضبة وكلام لماح مختصر حول الموضوع

نحن نخالف أركون ونمارس على نصه نقدا عالما لا يكتفي بسطوحه الفكرية بل ينفذ إلى مرتكزاته النظرية والفلسفية وأصول منجزه وأغواره وتجويفاته وطبقاته وتفكيك سؤاله..

إن بعض إخواننا الشيعة من الكتاب  المراجع الدينية والنقاد والدكاترة والطلاب وأيضا السنة ومنهم مثلا لا حصرا من الجامعيين فارح مسرحي لم يذهبوا هذا المسلك النسقي الشامل في دراسة أركون..

أركون يتلاعب بمفردات مبطنة بالإيديولوجيا كسبقه في تسمية ونعت الوحي والدين والمطلق ب "البشري" قبل ظهور نتائج بحث ومشروع قراءة دعا إليه ولم ير النور أو تهربه تارة باستعمال عبارة "المكون البشري للدين" في حديثه عن الوحي..

فهو يغلف موقفه القبلي (وهي أدلجة صرفة) ولا يتمهل في انتظار نتائج بحثه..

و حديثه عن "الرهانات" وعن "التحديات" يحمل بطانة لإيديولوجيا كفاحية نضالية لا نقدا إيبستمولوجيان لا أنثربولوجيا خالصا ولا فللولوجيا ولا إسلام تطبيقي واستشراقيا حديثا..

إن جوهر فكرة أركون تدور حول التشكيك في صدقية ومطلقية وتعالي الوحي تلميحا بل تصريحا ببشريته..

ويبدو أن عبد الكريم سروش يذهب مذهبه ويتبنى فكرته في قضية التكوين البشري للدين وإن تفنن في صياغته بصفة لا تبرز جليا..

ولا تخلو كتابة أركون من نزعة الأدلجة متدثرة بالفلسفة والمعرفة والفكر..

مثل القول ببشرية الوحي وموقفه من اللغة العربية والتراث والامازيغية وموقفه من الثورة التحريرية الجزائرية وتخبطه ابتداء بتسمية الفكر عربيا في كتابه الأول "الفكر العربي" ثم ت.حديثه عن العقل الإسلامي بدل العقل العربي ومغازلته التراث الشيعي ..الخ

وليس إشتغاله بالدراسات الإسلامية أو "الإسلاميات التطبيقية" إلا ويحذوه فيها أن يتحقق قبليه حتى خيبت ظنه بعض الأعمال التي تناولت الإسلام من منزع أنثربولوجي مثل عمل الإناسي "كليفورد غرتيز" ونتائج بحثه التي وجد فيها أن إسلام المغرب كإسلام أندنوسيا أو ماليزيا إسلام واحد بعد الدراسة الطويلة فما كان على محمد أركون إلا أن يشيد بذلك العمل وهذا العمل قديم قدم فكرة أركون وليست سابقة على دعوته..

وليس النقد الفيلولوجي أو الفقه لغوي للدرس الإستشراقي التقليدي الذي صاغ عقل أركون وتفكيره إلا استعارة من عالم يدعم خياره للأنثروبولوجيا التطبيقية ومنه تسمية (الإسلاميات التطبيقية) وهو ما اعتبره أركون استشراقا حديثا ..

الفيلولوجيا النقدية تعني الوثيقة الدينية فحصا ونقدا وتقييما وحكما بأدوات العلم والفحص والخبرة وهي تتمترس حول فكرة أصالة ومطلقية مصدر الوحي من عدم أصالته وبشريته..

لم يرق نص محمد أركون وهو مجرد دعوة أولية للإشتغال وفق ورقة طريق رسمها لطلابه والمهتمين به إلى أن يكون مشروعا يحمل خصائص المشروع العلمية فعلا بل كانت دعوات للتفكيروالبحث ..

و قد رسم أركون معالم ورقة طريقه التي لم تنجز وتتحقق لتصبح مشروعا ومن يريد أن يفهم أركون جيدا بعيدا عن نزعة الإنفتاح المشروطة الزاحفة على الفضاء الشيعي وأيضا السني مع بعض التوجس

الإيديولوجي لا الفلسفي والمعرفي فعليه أن يقف على مرتكزات وأسس النص الأركوني

و يجد أركون رواجه بعنوان الإنفتاح حتى على مستوى بعض الحوزات العلمية وأيضا عند من تخرجوا منها وسلكوا مسالك علمانية ناقدة للمؤسسة الدينية مع بعض التحفظ ومنهم عبد الكريم سروش  وملكيان والجبران  ومع بعض الإختلاف عبد الجبار الرفاعي بفوارق غالبا ما تمس مسألة العلمنة والأسلمة والتبني اللامشروط لمفاهيم لم تغادر مرحلة الإستفزاز والسؤال في تقديري..

فلا يعاب على الحوزات العلمية هذا الإنفتاح بل يعاب عليهم قلة الزاد والإكتفاء بالإنفتاح من أجل الإنفتاح والفهوم المباركة والمهللة للمنفتح عليه ليصبح موضة لا موضوع تفكيك عميق ومفحوص بجدية وتبصر..

ولا بأس أن يتخذ ك "جيمناستيك" عقلي وفلسفي وتدريب منهجي وممارسة مفهومية وتوليد حراك فكري يوفر مناخا للسؤال والنقد والحيرة والقلق والجدل بدل الرضا المطلق على الذات فيكون نص أركون بهذه النزعة والقصد ممتعا ومفيدا ومحببا ومنصوحا به بل تدريبا على القلق والحيرة والسؤال..

غير أن لذة النص الأركوني لا يجب أن تتحول إلى سباق وتنافس بردة الأفعال بين السنة والشيعة في تبني فكره والظهور بصفة التباهي والموضة ك "حداثيين " و"أركونيين" في تدوير فكره..

إن ممارسة النقد العميق على شذرات فكر محمد أركون ومنجزه ومنها نموذج تفسيره لسورة الفاتحة وتبجيله وتبعيضه للتراث وتفضيله ابن مسكويه والتوحيدي وعبد القادر الجيلالي مثلا لا حصرا على غيرهم مع قلة التمرس والتوسع في التراث عند أركون الذي يتعاطى معه بنزوع أحيانا دون الإستشراقي أو قريبا منه ستجعلنا نقف على مدى قوة الطرح وجدواه من عدمه للتقدم المنشود إسلاميا...

ل "روجي أرنانديز" و" بول ريكور" و" جورج بلاندييه " وغيرهم أيضا مكانة مركزية في " العقل الأركوني " و" النص الأركوني " لا يجب أن نغفلها عند محاولة فهم وقراءة وتحليل نصه ومنجزه..

ما ذكرته هنا هو كلام جد بسيط ومختصر لا يغطي أسس ومرتكزات المنجز الأركوني كما أراها للإبانة على أسسه ووظيفة عناصره البنائية في محددات دعوته للتفكير وأسئلته ونصه غير المنتهي والكامل...

  في نص أركون وخياراته وانتقاءه لعدته المفاهيمية وأدواته التي يدعونا أن نقارب بها نصوص الديانات التوحيدية الثلاث كما سماها إن لم تبرز جلية فعلينا الكشف عنها حفرا عميقا في مكونات منهجه ومقاربته ودعوته حتى لا أقول مشروعه...

أركون ليس مطلعا على كل التراث بل إن الجابري مثلا لا حصرا أكثر منه توسعا واطلاعا ومعرفة ودقة ..

 

حمزة بلحاج صالح – خبير في التربية / الجزائر

 

خالد بوفريواالملخص: الحركات الاجتماعية كتنظيمات متعددة المصالح والأفراد المناضلون بوعائها يكون تفاعلهم حسب البيئة الاجتماعية والسياسية المتواجدون بها , بشرط وجود الدولة فلا يمكن تخيل حركة اجتماعية في بيئة تحكمها الأعراف والتقاليد ولا تعرف عن القوانين والنظم / الانساق شيئا، ذلك أن البناء الاجتماعي متعدد التغيرات وما قد يفعله الأفراد من تحركات في زمن ما، قد لا يحدث بالضرورة في زمن آخر، وهو ما يفسر نمو وتوسع الحركات الاحتجاجية في الدول والمجتمعات.

وقد كانت بذلك الحركات الاجتماعية إحدى وسائل المواجهة والممانعة، فنشاط الحركات الاجتماعية المستمر في زمن العولمة قد تواجهه قضايا المجتمع الدولي المعقدة والأكثر تحديا وصعوبة فمفاهيم الديموقراطية وحقوق الإنسان والمجتمع المدني والمواطنة، إنما تتطلب دائما وباستمرار تضحيات في سبيل تحقيقها والدفاع عنها وتكثيف عمليات التعبئة لنشر قيمها ومبادئها.

مقدمة:

صك "تشارليز تيلي" اصطلاح الحركات الاجتماعية على أنها "سلسلة من الأداء المتواصل والمعارضات والحملات التي يقوم بها الأشخاص العاديين لرفع مجموعة من المطالب"[1].

واعتبر كذلك ان الحركات الاجتماعية وسيلة مهمة تسمح للأشخاص العاديين المشاركة في السياسة. وعرفت الحركة الاجتماعية بصفة شمولية على أنها "عمل جماعي يهدف إلى تأسيس نظام جديد للحياة"[2] وشهدت هذه الاخيرة في العقود الأخيرة، انتشارا كبيرا واتسعت أدوارها نتيجة لعجز المؤسسات التقليدية أو قصورها عن التصدي لأشكال محددة من المخاطر التي تهدد المجتمعات البشرية على اختلاف مشاربها، هذه المشكلات تعتبر من نوع المشاكل التي لا تستطيع المؤسسات الحكومية والسياسية السائدة في المجتمعات الحديثة أن تتصدى لها، بل إننا في المقابل نشهد تزايد الهيمنة التي تمارسها على حياتنا الاجتماعية وخاصة المؤسسات التجارية والاقتصادية، والأجهزة الحكومية البيروقراطية ونفوذ وسائل الإعلام. وكثيرا ما تنشأ الحركات الاجتماعية الاحتجاجية بغرض تحقيق التغير حول قضية عامة مثل التوسع في الحقوق المدنية لإحدى شرائح السكان، وقد تبرز مقابل هذه الحركات، حركات أخرى مضادة تسعى إلى الحفاظ على الوضع الراهن، ونشهد مثل هذه الحركات المضادة في عدة مجالات من بينها الحركات الدينية، وتمثل الحركات الاجتماعية الشكل الأكثر فعالية وقوة وتأثيرا في المجتمع.

وقد تعددت أشكال الحركات الاجتماعية وأنواعها ومجالاتها، فحجم العضوية في بعضها لا يتجاوز العشرات بينما يتسع في حركات أخرى ليشمل الآلاف من الناس، وفيما تستطيع بعض الحركات أن تزاول أنشطتها في ظل القوانين السائدة في الدولة، فإن بعضها الآخر يضطر إلى العمل بصورة سرية، ومن الخصائص التي تميز الحركة الاحتجاجية هي قدرتها على النشاط على الهامش التي تسمح الحكومة من الوجهة القانونية بالنشاط فيه في أماكن وأوقات معينة. لذا وعلى هذا الاساس فقد أصبحت الحركات الاجتماعية والاحتجاجية موضوعا للدراسة والتحليل ينشغل به الكثير من أهل العلوم الاجتماعية والسياسية بهدف فهم شروط انتاجها وسيرورتها وآفاق تطورها، ويمكننا أن نبين ذلك مثلا في التظاهرات الاحتجاجية الواسعة والمؤثرة التي تواجه المؤتمرات التي تعقدها منظمة التجارة العالمية في مختلف المدن في العالم.

الحركات الاجتماعية (اشكالية المفهوم والتأصيل التاريخي).

1- الحركات الاجتماعية وزئبقية المفهوم.

يشير مصطلح الحركة الاجتماعية إلى "الجهد الملموس والمستمر الذي تبذله جماعة اجتماعية معينة من أجل الوصول إلى هدف أو مجموعة أهداف مشتركة، ويتجه هذا الجهد نحو تعديل أو تغير أو تدعيم موقف اجتماعي قائم"[3]. كما يعرفها "إريك نوفو Eric Neuveu" على أنها "تعبئة النساء والرجال حول الأمال، العواطف والمصالح وهي كذلك وصفة ممتازة حتى نضع للنقاش الرهانات الاجتماعية للبحث حول العدل واللاعدل، كما أنها مناسبة أحيانا لتحريك المجتمع والسياسة للتسجيل في الذاكرة الجماعية"[4].

أما الحركة الاحتجاجية فقد عرفت على أنها "فعل اعتراض تقدم عليه جماعة ضد أخرى حول قضية محددة ومحدودة وملحة الوجود، فهي بهذا مندرجة ضمن منظومة العمل التاريخي، لا ضمن منظمة التنظيم الاجتماعي"[5].

وبالرغم من الحضور القوي الذي أصبحت تسجله الحركات الاجتماعية والاحتجاجية في مختلف الأنساق الاجتماعية والسياسية، فإن ايجاد مفهوم دقيق ومحدد لها مازال بعيدا، فمازال تعريف هذه الحركات يعرف اختلافات تبعا لتعدد المقاربات والمنطلقات النظرية والمنهجية، لذا فإنه على الرغم من كثرة التعريفات للمفهوم الحركات الاجتماعية، إلا أن الباحث يواجه جملة من الصعوبات عند التصدي لتناول هذه الحركات وتحديد خصائصها وأنماطها ويعود ذلك لعدة أسباب من بينها:

 تنوع هذه الحركات واختلاف أدوارها وأهدافها.و كذا تعدد الاتجاهات النظرية القائمة على دراستها، الأمر الذي يخلق صعوبة في التعميم بشأنها[6].

2- التأصيل التاريخي للحركات الاجتماعية

ارتبطت نهضة الحركة الاجتماعية الحديثة بالاقتصاد والتغيرات السياسية التي حدثت في بريطانيا في منتصف القرن الثامن عشر والتي تضمنت تفعيل الدور السياسي والقيمة السوقية، فقد نشطت الحركة الجماعية الأولى لمناصرة "جونويلكس" الشخصية السياسية المثيرة للجدل، حيث هاجم جون ويلكس رئيس تحرير نورث بريتن بشدة، كما انتقد شروط السلام التي قبلت بها الحكومة في معاهدة باريس 1763، ومنه اعتقل ويلكس بعد صدور أمر قضائي بتهمة التحريض، لكن في الأخير حكم رئيس القضاة لصالح ويلكس في نهاية المطاف، ونتيجة لهذا الحدث أصبح ويلكس رمزا لحركة السيادة الشعبية بين أوساط الطبقة المتوسطة، وأصبح ويلكس رئيس مجلس محلي في لندن عام 1769 ونشط لجماعة تدعى "مجتمع لأنصار وثيقة الحقوق" حيث عززت سياسات ويلكس بشدة. وكانت هذه أول حركة متواصلة ومدعومة، حيث تضمنت اجتماعات عامة ومظاهرات، لكن حرصت هذه الحركة على عدم تجاوز الحدود وعدم التمرد وحاولت إصلاح أخطاء في الحكم من خلال المناشدة بسياقات قانونية موجودة وتصورات لتكون شكل محفز لتحقيق الترتيب التوافقي والدستوري برلمانيا.

ومن بين الحركات الاحتجاجية التي ظهرت في أواخر القرن الثامن عشر في بريطانيا لإبطال العبودية، قال "بوجين بلاك" عام 1963 "أصبح التأثير السياسي الشعبي المتوسع ممكنا بفضل الجمعيات" فالمنظمة السياسية البرلمانية الحديثة هي نتاج أواخر القرن الثامن عشر، ولا يمكن أن يكتب تاريخ الإصلاح من دونها. ولقد كانت الحركة الوثيقة هي حركة التجمع الأولى للطبقة العاملة في العالم وأنشئت للإصلاح السياسي بين عام 1838 وعام 1848 واعتبر ميثاق 1838 البيان الرسمي لها.

وفي عام 1848 استخدم العالم الألماني "لورنزفون شتاين" مصطلح "الحركات الاجتماعية" في كتابه "الحركات الاشتراكية والشيوعية منذ الثورة الفرنسية".

وقد قاد "مارتن لوثركنج" حركة الحقوق المدنية في الولايات المتحدة والتي تعتبر من أشهر حركات القرن العشرين.

وتعد الحركات العمالية والحركة الاشتراكية نماذج للحركات الاجتماعية والتي تهدف لإنشاء أحزاب ومؤسسات اجتماعية وديموقراطية، فقد استطاعت حركة الحقوق المدنية في الولايات المتحدة مثلا إجراء الكثير من التغيرات من خلال إدخال أو تعديل بنود في الدستور ومثل ذلك ما حققته الحركات النسوية في ميادين المشاركة السياسية[7]. كما اعتبرت هذه الحركات في الدول الفقيرة وسيلة ضغط للاستمرار والإصلاح، على سبيل المثال أدت الثورة الروسية عام 1905 وعام 1917 إلى سقوط نظام القيصرية بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى. وفي الفترة ما بعد الحرب ظهرت العديد من الحركات مثل: حركات التحرر من الاستعمار، حركة حقوق المرأة وحركة الحقوق المدنية وحركة السلام وحركة البيئة ...إلخ، وغالبا ما أطلق عليها اسم الحركات الجديدة.

وأدت هذه الحركات إلى ظهور الأحزاب والمؤسسات، ومنه إلى دخول حركات اجتماعية عالمية في اواخر التسعينات مثل الحركة المضادة للعولمة. ويمكننا أن ننظر إلى الحركات الاجتماعية الجديدة من زاوية التناقضات الداخلية التي تتميز بها الديمقراطية الليبيرالية.

ففي الوقت الذي يظهر فيه الحماس للعمل السياسي التقليدي، فإن تعاظم الحركات الاجتماعية الجديدة وتعدد أهدافها وادوارها إنما تدل على أن المواطنين في المجتمعات الحديثة ليسوا عازفين عن العمل السياسي، كما أن هذه الحركات تشير إلى تزايد الاقتناع لدى الناس أن العمل والمشاركة المباشرة قد يكونان أكثر جدوى ونفع من الاعتماد على رجال السياسة والنظم السياسية[8]، وعلى هذا الأساس فإن الحركات الاجتماعية تمثل إحياء للمبادئ والممارسات الديمقراطية في كثير من البلدان، وهي تمثل واحدة من المحاور الأساسية للثقافة المدنية والمجتمع المدني، وتنشط فيه مؤسسات اجتماعية حيوية بارزة مثل العائلة والجمعيات والمنظمات.

لذا فقد أصبحت الحركات الاجتماعية الحديثة في المجتمع الغربي ممكنة من خلال التعليم وزيادة تنقل اليد العاملة بسبب الصناعة وتحظر المجتمعات، حيث يعتقد أحيانا بأن حرية التعبير والتعليم والاستقلال الاقتصادي السائد في الثقافة الغربية من مسببات ظهور الحركات الاجتماعية المعاصرة، ومهما نقل فإن الحركات الاجتماعية لازالت مرتبطة بالأنظمة السياسية والديمقراطية، وأصبحت الحركات الاجتماعية على مر السنين تعبير عالمي للمعارضة

لفهم الحركات الاجتماعية والاحتجاجية لابد من وقفة سوسيوتاريخية للجذور الأولى لانبعاث هذه الفعاليات وضمن هذا السياق يمكن تقسيم تاريخ الحركات الاجتماعية إلى ثلاث مراحل:

أ‌- المرحلة الأولى: (ما قبل 1968) والتي ظهرت فيها اجتهادات منظري الحركات الجماهيرية، هذا بدون الإغفال عن التراث المتصل بالمجتمع المدني والصراع الطبقي العائد إلى كل من هيجل وماركس فضلا عن نتاجات منظري السلوكيات الجماعية المتأثرة ببارسونز.

ب‌- المرحلة الثانية: (ما بين 1968-1989) لقد شهدت هذه الفترة ظهور الحركات الاجتماعية الجديدة متمثلة بصعود الحركات الطلابية في أوروبا وحركات السود في الولايات المتحدة الأمريكية المطالبة بحقوقها، وغيرها من الحركات مثل الحركات النسائية والحقوقية والبيئية والتي دفعت الباحثين إلى الاهتمام بزوايا جديدة ودوائر اوسع من الاهتمام.

وكانت حركة الشباب بأوروبا عام 1968 قد شكلت لمرحلة جديدة طرحت فيها لأول مرة مطالب سياسية، لم يستطع احد أن يصنفها ضمن المطالب اليسارية[9].

وبعد ذلك انتقلت هذه الظاهرة إلى العالم الثالث وأمريكا اللاتينية بصفة خاصة، وأخيرا انتشرت هذه الحركات وترسخت جذورها على نحو ملحوظ في أسيا، واللافت للانتباه أن الحركات الاجتماعية الجديدة في طبعتها الآسوية واللاتينية ولدت وتحركت في أطر وسياقات جديدة في خضم حركة مطلبية اقتصادية أو مهنية تخص بعض الفئات الاجتماعية صاحبت المصلحة في تحقيق هذه المطالب.

ت‌- المرحلة الثالثة: وتتعلق بالفترة الزمنية الممتدة من (1989 إلى الوقت الحالي) وقد عرفت هذه المرحلة تطوير للمقاربات النظرية بهدف فهم التحولات التي تعرفها دينامية الحركات الاجتماعية وارتباطا بعولمة الحياة الاجتماعية التي أكسبت الحركات الاجتماعية أبعادا جديدة بظهور أنماط أساليب وأنواع جديدة منها تلك المناهضة للعولمة والليبيرالية الجديدة[10].

واللافت للانتباه في هذه الحركات الاجتماعية في طبعتها الاوروبية أو في طبعتها التالية في العالم الثالث أنها ناضلت من أجل تحقيق مطالبها بعيدا عن أطر الأحزاب السياسية والنقابات في العديد من هذه البلدان[11].

ويمكن القول أن هذه الحركات الاجتماعية الجديدة التي تتبنى بصفة عامة مطالب اقتصادية واجتماعية تندرج في مجموعتين:

المجموعة الأولى: تتبنى مطالب اقتصادية أو مهنية للفئات اجتماعية جديدة بعضها لم يعرف طريقة لتنظيم النقابي او الاجتماعي من قبل، وقد يرجع ذلك إلى أن هذه الفئات في معظمها هي فئات مهمشة، تسكن مساكن عشوائية بائسة أطراف المدن يطحنها الفقر، الجهل، المرض.

المجموعة الثانية: تتبنى هذه المجموعة مطالب اقتصادية أو مهنية لمجموعة سكانية لا تندرج ضمن فئة اجتماعية واحدة من حيث التقسيم الاجتماعي للعمل.

التأصيل النظري للحركات الاجتماعية ومساهمة السوسيولوجيا

1- الحركات الاجتماعية ومسلسل التأصيل النظري

لقد تمكن عدد من الباحثين من بناء نظريات قائمة بذاتها وفي هذا السياق يمكن تلخيص النظريات والمقاربات الآتية:

الاتجاه الماركسي: يرى هذا الاتجاه أن الحركات الاجتماعية هي ذلك الحراك الجماهيري الذي ينشأ نتيجة للصراع الطبقي ولصراع المصالح المادية (الاقتصادية، الاجتماعية) والتي تهدف إلى التغير في الأوضاع القديمة. وبهذا المعنى فإن المقاربة الماركسية تنظر للحركات الاجتماعية بكونها تنشأ نتيجة للظروف اقتصادية واجتماعية قاسية والتي تدفع طبقة من الطبقات لتوحيد صفوفها لتحسين أوضاعها الاقتصادية والاجتماعية وتحقيق التقدم الاجتماعي لجميع أفراد تلك الحركة، وانطلاقا من فكرة التغير فإن نشاط الحركات الاجتماعية حسب الماركسية ينطوي على السعي لتغيير القاعدة الاقتصادية والبناء الفوقي الذي يقوم عليها، الأمر الذي يترتب عليه توازنات جديدة وقوى وأشكال جديدة للملكية والسلطة.

وينطلق هذا الاتجاه من دراسة الواقع الاجتماعي للحركات الاجتماعية من واقع أن الحركة الاجتماعية محكومة بجوهر الإنسان الذي يكمن في منظومة علاقات الانتاج الاجتماعية، والتي تعتمد على شكل الملكية لوسائل الانتاج وأشكال توزيع الثروات، وذلك من خلال الصراع بين الطبقة العاملة (البروليتاريا) المقهورة والمستغلة من الطبقة الرأسمالية (البورجوازية) المسيرة، الأمر الذي سيقود انتصار الأولى على الثانية بهدف القضاء على الطبقات في المجتمع. ومنه يمكننا القول أن الاتجاه الماركسي في تناوله نشأة الحركات الاجتماعية وظهورها يطابق بين مفهومي الحركة الاجتماعية والطبقة ويجعل التناقض بين قوى الإنتاج والصراع بين الطبقات والذي يهدف إلى القضاء على الطبقة المسيطرة والوصول إلى حالة مجتمع بلا طبقات.

الاتجاه البنائي: انطلاقا من الفكر البنائي الوظيفي، ظهرت العديد من النظريات التي تتناول الحركات الاجتماعية والتي تفسر أسباب وظروف نشأتها ومن بينها:

أ‌- نظرية السلوك الاجتماعي: تعود إلى سنوات الخمسينات من القرن العشرين حيث انطلق من خلالها دراسة وتحليل الحركات الاجتماعية وتستند هذه النظرية في تفسيرها للحركات الاجتماعية خلاصات علم النفس الاجتماعي وسيكولوجية الجماهير، كما أنها تربط ميلاد الحركات الاجتماعية بحدوث مظاهرات وأشكال من "الهيستيريا الجماعية" حيث تنتقل العدوى الجماعية، بمعنى أن الحركات الاجتماعية وفقا لهذا الفهم تنطوي على ردود فعل ليست بالضرورة منطقية تماما في مواجهة ظروف غير طبيعية من التوتر الهيكلي بين المؤسسات الاجتماعية والاقتصادية، ويرى أصحاب هذا الاتجاه أن الحركات الاجتماعية تظهر في المجتمعات المريضة، فهي تتضمن أشكال من المشاركة السياسية والاجتماعية[13].

ويعتبر هذا الاتجاه أن نشأة الحركات الاجتماعية ترجع بالأساس إلى الاستجابة العاقلة لتوترات عنيفة في المؤسسات الاجتماعية والتي تؤثر على مجمل النظام الاجتماعي والاقتصادي وتهدد وجوده واستقراره، وبهذا المعنى فبروز الحركات الاجتماعية إنما يشكل انعكاسا للمجتمعات المريضة والتي تعاني من وجود خلل في مؤسساتها، لأن المجتمعات السليمة، إنما تتواجد فيها الأشكال الصحية للمشاركة السياسية والاجتماعية.

ب‌- نظرية الحرمان النسبي: تفسر هذه النظرية بروز الحركات الاجتماعية ونشأتها استنادا إلى شعور الأفراد بالحرمان من جراء إحساسهم بالتناقض بين التوقعات المشروعة والواقع أو ضمن المقارنات بين أحوالهم في الماضي والحاضر، أو ما بين أنفسهم والآخرين، فيشعرون بالرضا إذا ما كانوا أفضل حال، وبالسخط والإحباط إن ما كانوا أسوء حالا ومنه يتحول السلوك إلى حركات اجتماعية.

ويأخذ على هذه النظرية تركيزها على عامل الحرمان الاقتصادي بالأساس دون غيره من العوامل الاجتماعية والسياسية والثقافية والتي قد تسبب مثل هذا الشعور بالحرمان، فضلا على أن هذه النظرية تفسر أسباب قيام العديد من الحرات الاجتماعية وانضمام الأفراد إليها، دون أن يكون لهم الإحساس بالحرمان النسبي.

ت‌- نظرية الضغوط البنائية: وفقا لهذه النظرية فإن هناك جملة من العوامل التي تشير إلى التفاعل بين مؤثرين هما: الخلل المؤسسي في البنى الاجتماعية من جانب وذلك نتيجة لعدم قدرة تلك المؤسسات على القيام بوظيفتها المطلوبة وعجزها عن الاستجابة لمطالب الجديدة وإفساح المجال أمام القوى الاجتماعية مما يؤدي مثل هذا الخلل من تفشي الشعور بالسخط والاغتراب وانتشار الظلم والإحباط، ومن جانب آخر ظهور الاعتقاد العام الذي يتبلور في صورة إيديولوجيات ورؤى جديدة تسعى لإحداث مثل هذا التغيير للأوضاع القائمة.

ومن أبرز الاتجاهات الحديثة في تفسير الحركات الاجتماعية هي:

نظرية تعبئة الموارد: لقد تطورت هذه النظرية في الستينات من القرن العشرين وهي تبحث في نشوء الحركات الاجتماعية وآليات تدبيرها وتشكلها بواسطة الموارد الاقتصادية والسياسية التي تتوفر للأفراد والجماعات المنخرطة في الفعل الاحتجاجي، وكانت البدايات الأولى لهذه النظرية في الولايات المتحدة الأمريكية، في سياق البحث عن إطار تحليلي للحركات الاجتماعية، خصوصا مع تنامي الحركات النسائية وحركات السود والمدافعين عن البيئة.

ويرى أصحاب هذا الاتجاه أن الحركات الاجتماعية هي استجابة منطقية في مواجهة مواقف جديدة طرأت على المجتمع حديثا، وتعتبر فرصة لانتقال المجتمع من الوضع الحالي ولا ينظر أصحاب هذا الاتجاه للحركات الاجتماعية على أنها مصدر من مصادر الخلل في المجتمع بل كجزء من العملية السياسية والنظام السياسي نفسه وتسعى إلى الوصول إلى الصورة الأفضل ويتم ذلك من خلال قيام تلك الحركات بتعبئة الموارد وتوظيفها لصالح المجتمع وتطوره.

ويأخذ على هذه النظرية تركيزها على كون الموارد عاملا أساسيا لتشكيل الحركات الاجتماعية، مع إغفاله أن هناك حالات قد تفتقر فيها بعض الحركات الاجتماعية للموارد.

نظرية الحركة الاجتماعية الجديدة: تطورت هذه النظرية في أوروبا لتبرير مجموعة من الحركات الجديدة التي عرفتها الستينات والسبعينات، تنظر هذه النظرية للحركات الاجتماعية كفعل اجتماعي عاكس لتناقضات المجتمع الحديث بسبب العولمة والبيروقراطية المفرطة، ويعتبرون أصحاب هذه النظرية أن الحركات الاجتماعية الجديدة هي نتيجة ظهور تناقضات اجتماعية جديدة والمتمثلة في التناقض بين الفرد والدولة وهو الدافع من وراء انتقال هذه المقاربة من المصالح الطبقية إلى المصالح الغير طبقية المتعلقة بالمصالح الإنسانية العالمية[14]، وهي تهتم في الغالب بتطوير الهوية الجماعية والمراهنة على الفئات الوسطى بدلا من الطبقة العاملة. وما يميز هذه النظرية هو ابتعادها عن إطار الطبقة، ويشكل المكون الثقافي فيها جوهر العمل والنشاط، حيث يركز على الهويات والقيم التي تبتعد عن تلك الأبعاد المادية والاقتصادية التي دعت إليها الحركات الاجتماعية التقليدية.

ويمكننا القول أن تكوين الحركات الاجتماعية الجديدة لا يتأسس بالضرورة على إطار إيديولوجي واحد يجمع بين أفراد تلك الحركة وإنما الأهم هو المزج بين القضايا الاجتماعية العامة والخاصة بالشكل الذي يمكنها من تحقيق الهدف العام والمتمثلة في محاولة تلخيص حالة الاغتراب الذي يعيشونها.

غير أن هذه النظرية واجهت العديد من الانتقادات منها أن:

مصطلح الجديدة له دلالات مفاهيمية خصوصا وأنه يبالغ في تحديد الاختلافات بين الحركات التقليدية والجديدة.

نظرية أو نموذج الفعل-الهوية: يرى أصحاب هذه النظرية أن الحركات الاجتماعية تحول دون الركود الاجتماعي وهي تعمل ضد الأشكال المؤسسية القائمة وكذا المعايير المعرفية المرتبطة بها، فهي تقوم ضد المجموعات المهيمنة على عمليات إعادة الانتاج الاجتماعي والاقتصادي، وتشكيل المعايير الاجتماعية، كما يرون أن هناك إحلال تدريجيا يتم في استبدال النمط القديم للرأسمالية الصناعية بمجتمع آخر وهو مجتمع ما بعد التصنيع القائمة على البرمجة، ويتميز هذا النوع من المجتمع بأنواع أخرى من العلاقات والصراعات الطبقية، وتهيمن فيه الطبقة التكنوقراطية، في حين ينتهي دور الطبقة العاملة كفاعل أساسي ضد الأوضاع القائمة، ويعتبرون أن الصراع الطبقي ذو طبيعة اجتماعية ثقافية وليس ذو طبيعة اجتماعية اقتصادية[15].

وإن الحركات الاجتماعية في طبيعتها القديمة والجديدة تفترض وجود صراع حول مصالح الدفاع عن الحقوق، مع ما يعانيه الصراع والدفاع من وجود خصوم أو مالكين لوسائل الانتاج والإكراه ونظرا لكون العلاقات الاجتماعية قائمة على الصراع الدائم بين من يملك ومن لا يملك، فإن الصراع الطبقي يتواصل ويمهد لانبثاق الحركات الاجتماعية، ذلك أن الحركات الاجتماعية يمكن تشكلها حول مصالح يدافع عنها الفرد أو يحرض الناس للتحرك نحوها[16].

مساهمة السوسيولوجيا في تحليل وتفسير الحركات الاجتماعية

أ‌- مساهمة بيار بورديو: يعتبر بيار بورديو واحدا من أهم المفكرين الذين ساهموا في توسيع دائرة النقاش والتحليل حول الحركات الاجتماعية التي عرفتها فرنسا والعالم من انتفاضة الشباب في أوروبا سنة 1986، منذ ذلك التاريخ استمر بورديو في الاهتمام بتفاصيل هذه الحركات، إلى الدرجة التي صار فيها اسمه مرتبطا بحركات مناهضي العولمة، ليس كباحث فقط وإنما كمنظر، فهو يشكل مع "شومسكي وأنطونيو نيغري وتيار" أبرز المنظرين للحركات الاحتجاجية المناهضة للعولمة

وقد اهتم بيار بورديو بتناول أنماط السيطرة الاجتماعية بواسطة تحليل مادي للنتاجات الثقافية وذلك في إطار إبراز آليات إعادة الانتاج المتعلقة بالبنيات الاجتماعية، وهو يركز في تحليله للحركات الاجتماعية إلى ما بلوره من مفاهيم وأطروحات بخصوص الحقل، والرأسمال، والعنف والمثقف الجمعي، فأدوات التحليل التي اعتمدها بيار بورديو تفيد في فهم ديناميات الحركات الاجتماعية، خصوصا عندما يتم تمثلها كحقول صراعية في نزاع وتنافس مستمر مع مؤسسات الهيمنة والاحتواء[17].

ولقد دعا بورديو إلى "حركة احتجاجية أوروبية" تكون خطوة أولى وهي حركة تفترض مزيدا من الالتزام والانخراط الايجابي للنقابات والحركات الاجتماعية والمثقفين والذين لا بديل أمامهم لمواجهة إكراهات العولمة واقتصاد السوق غير إبداء الرفض والاحتجاج ماديا ورمزيا دفاعا عن الاجتماعي وذلك بإبداع قنوات جديدة لمواجهة الرأسمالية العالمية التي مزجت بين التكنولوجيات الحديثة وسلطة رأس المال وهو يمنحها إمكانيات قصوى للهيمنة والتأثير داعيا بقوة إلى تحصين العلاقات والممارسات الاجتماعية.

فمنذ 1995 بدأ "بيار بورديو" ينظر للحركات الاجتماعية الجديدة ويناضل في إطاراتها المختلفة مقدما في ذلك نموذج للمثقف العضوي، ورافضا كليا النيو ليبيراليةودليله ما انتهى إليه من مقاربات سوسيولوجية وما يؤمن به من التزام سياسي، فما راكمه في كتبه المشهورة:

- مهنة عالم الاجتماع le métier de Sociologue

- الحس العملي le sens pratique

- بؤس العالم la misère du monde

وما إلى ذلك من كتب عميقة جعله ينظر للحركات الاجتماعية محتجا على العولمة والرأسمالية المتوحشة التي تتأسس على قوانين اقتصادية مجحفة[18].

ب‌- مساهمة ألان تورين: تعتبر الحركات الاجتماعية من بين اهم المباحث الأساسية التي اشتغل عليها ألان توربن، حيث تتميز الحركات الاجتماعية الجديدة عند تورين بقدر معين من التنظيم والاستمرارية اللذين يؤديان إلى الفعالية في إعادة إنتاج تاريخ الأنساق الاجتماعية ويؤسس ألان تورين الحركة الاجتماعية على ثلاثة مبادئ أساسية هي:

 مبدأ الهوية: ويقصد به ضرورة تحديد الهوية الذاتية التي يمكن أن تكون متعددة ومركبة (مجموعة، طبقة، شريحة اجتماعية، ...) وبمقابلها أيضا يجب تحديد هوية الخصم.

 مبدأ التعارض: يفترض مبدأ التعارض في الحركة الاجتماعية تحديد الخصم، أي يجب أن يكون الخصم الذي تقوم عليه الحركة واضحا وموضوعيا، مثال: الحركة العماليةضد تنظيم العمل من أجل الاستقلال العمالي.

 مبدأ الكلية: ويقصد ألان تورين هنا بأن الحركة الاجتماعية مكونة من وعي جمعي وبصيغة جمعية وشمولية لا أقلية وفردية من اجل النجاح في التأثير على الرأي العام من أجل الحصول على الحقوق والمطالب[19].

ومنه فالحركات الاجتماعية التقليدية تتكون من ثلاث عناصر حسب "ألان تورين":

- الدفاع عن الهوية والمصالح الخاصة.

- المنافسة والصراع.

- الرؤية المشتركة في تقاسمها الحركة مع منافسيها[20].

والواقع أن آلان تورين يستند بالحركات الاجتماعية إلى موقفه النقدي من فكر ما بعد الحداثة باعتباره فكرا هداما للنموذج العقلاني، مؤكدا أن هذه الحركات هي فعل خاص يؤشر على سلوك جمعي للفاعلين من جماعة معينة تناضل ضد جماعة أخرى من أجل القيادة الاجتماعية فالصراع حاضر بقوة في مستوى هذه الحركات، ويميز تورين في تصنيفه لهذه الحركات بين الجانب النوعي المتصل بالأشكال والصيغ، والجانب التنظيمي المفتوح على شروط الانتاج والتكوين[21].

وأن العمل السوسيولوجي حسب رأي آلان تورين لا يفترض ممارسة ذات بعد واحد، فثمة عوامل أخرى أكثر أهمية يتوجب الانتباه إليها في تفسير الفعل الاجتماعي.

لقد عمل آلان تورين على تأسيس نظريته حول الحركات الاجتماعية وتحديدا حول الجديد منها في منجزه "الوعي العمالي la conscience ouvrière" والذي يعتبر فيه العمال فاعلين نازحين بامتياز.

الخاتمة:

يمكننا القول أن ظاهرة الاحتجاجات الاجتماعية عابرة لمختلف النظم السياسية، فهي موجودة في النظم الديموقراطية وغير الديموقراطية، لكنها في الأولى عادة ما تؤدي إلى تطوير النظام ولفت الانتباه إلى ثغر ومظالم اجتماعية أو تهميش سياسي يؤدي إلى تحسين أدائه وأحيانا تجديد نخبته، أما الثانية فإنها تكرس أو تعمق أزماتها لأنها عادة ما يعجز عن الاستجابة لمطالب المحتجين السياسية، وقد يستجيب لجانب من المطالب السياسية والاجتماعية عن طريق تغيرات في بنية العلاقات بين النظام والمحتجين، غير أنه يلبي جانبا ويرفض جوانب كثيرة بصورة لا تجعله قادرا على الاستفادة منها من أجل التطور الديموقراطي والانفتاح السياسي.

ومن كل ما سبق يمكننا تبين دور وأهمية الحركات الاجتماعية في عملية التغير الاجتماعي وتحقيق المطالب، وعلى اختلاف أنواعها ومسببات حدوثها وانتشارها ونجاحها وفشلها، فإنها ظلت فاعلا رئيسيا في المشهد السياسي والاجتماعي لعدة قرون، ولقد ظلت بذلك رغبة الإنسان في ممارسة الاحتجاج ضد اللامساواة والطبقية والعبودية والحرب وغيرها من مظاهر الظلم الاجتماعي دافعا للاستمرار رغبته في استعمال وسائل تتيح له استرداد حقوقه ومواجهة خصومه ولو باستعمال العنف.

  

خالد بوفريوا - الصحراء الغربية

تخصص: الدرسات السوسيولوجية والانثروبولوجية

...............................

الهوامش:

[1] تلي تشارلز، الحركات الاجتماعية، المجلس الأعلى للثقافة، ط1، مصر، 2005، ص44.

[2] BOUDON RAYMOND et autre, Dictionnaire de Sociologie, Impression Bussiere, France, 2005, P159.

[3] غيث محمد عاطف، قاموس علم الاجتماع، دار المعرفة الجامعية، مصر، 2006، ص394.

[4] NEVEU ERIK, Sociologie de mouvements sociaux, Edition la Découverte, 2002, P03.

[5] الشوبكي عمر وآخرون، الحركات الاحتجاجية بين السياسي والاجتماعي في الوطن العربي، (مصر، المغرب، لبنان، البحرين)، مركز دراسات الوحدة العربية، ط1، لبنان 2011، ص151.

[6] نوير عبد السلام، الحركات الاجتماعية والسياسية، مجلة الشؤون الاجتماعية، العدد 100، الشارقة، الإمارات العربية، 2008، ص25.

[7] أنتوني غدنر، علم الاجتماع، مركز دراسات الوحدة العربية، ط4، عمان، الأردن، 2005، ص487.

[8] أنتوني غدنر، نفس المرجع السابق، ص488.

[9] سمير أمين وفرانسوا اوتار، مناهضة العولمة، حركة المنظمات الشعبية في العالم، مركز الدراسات، القاهرة، مصر، 2003، ص54.

[10] عزة خليل، الحركات الاجتماعية في العالم العربي، مركز البحوث العربية والإفريقية، القاهرة، مصر، 2006، ص32.

[11] فريد زهران، الحركات الاجتماعية الجديدة، مركز القاهرة للدراسات، ط1، القاهرة، مصر، 2007، ص55.

[13]معمري سارة، المجال العام المفتوح ووظيفته في عملية المظاهرة، مذكرة لنيل شهادة الماجستير في علم الاجتماع، جامعة الجزائر 02، 2015، ص55.

[14] معمري سارة، مرجع سابق، ص55.

[15] أنتوني غذنر، مرجع سابق، ص486.

[16] خليل أحمد خليل، المفاهيم الأساسية في علم الاجتماع، دار الحداثة، بيروت، لبنان، ط1، 1984، ص95.

[17] BOURDIEU PIERRE, L’essence du néolibéralisme, le monde diplomatique, Mars, 1998, P22.

[18] العطري عبد الرحيم، الحركات الاحتجاجية بالمغرب، دفاتر وجهة النظر،العدد 14، الرباط، المغرب، 2007، ص37.

[19] ألان تورين، براديغما جديدة لفهم عالم اليوم، المجلس الأعلى للثقافة، المشروع القومي للترجمة، ترجمة أنور مغيث، القاهرة، مصر، 1997، ص29.

[20] GUY VAILLANCOURT (J), Mouvement ouvrier et mouvements sociaux, l’approche D’Alain Touraine, Revue cahiers de recherche Sociologique, Montréal, N°17, 1991, P213.

[21] العطري عبد الرحيم، المرجع السابق، ص34.

 

 

هناك صيحات صاخبة، ودويّ وضجيج.. وهذه الصيحات تدعو وتطالب باسقاط كل سلطة، سواء كانت سلطة نص اوسلطة معرفية، اوسلطة دينيّة، اوسلطة حكوميّة، اوسلطة اب في اسرة، او سلطة توجيه، او اية سلطة حتى لو كانت معنوية او ادبية .

يريدوننا ان نعيش في عالم لاسلطة فيه، ولاوصاية من احد عليه، ولاهيمنة من اية جهة .

فهل السلطة امر تحسينيّ تكميليّ يمكن الاستغناء عنه، ام انها ضرورة اذا تخلى المجتمع عنها سار الى هلاكه المحتوم .

الضرورة والحاجة والتحسين

وانا اتحدث عن ضرورة السلطة، وانها امر لابد منه، وبدونها يغرق المجتمع بالفوضى التي تؤدي الى هلاكة، والمجتمع مثل الفرد، له حياة وموت، طفولة وشباب وكهولة، وتقدم وتاخر، ومرض وصحة، لابد لي، وانا اطرح عنوان: (السلطة بين الضرورة والتحسين) من انّ استعير مصطلحات الاصولييّن في ترتيبهم للاولويات، والتفريق بين الضروري منها، والحاجّي، والتحسيني.

الضرورة عند الفقهاء يراد منها الحفاظ على الحياة، ودفع الهلاك عن النفس، كمن اشرف على الهلاك وليس امامه الا الميتة . الضرورة تبيح له ان يأكل من الميتة ليدفع الهلاك عن نفسه ويبقيَ على حياته . اما الحاجة فلا تدفع هلاكا، وانما تدفع حرجا ومشقة، فالجائع الذي امضّه الجوع، وجوعه لايسبب له هلاكا لنفسه، ولاتلفا لعضو من اعضائه، يستطيع ان يصبر على الطعام ولكن بحرج ومشقة . هذه الحالة يصطلح عليها الفقهاء بالحاجة . واما الامر التحسيني، فهو لايدفع ضرورة، ولايزيل حرجا، وانما هو امر تكميلي تستكمل به النفس، وبامكانها ان تستغني عنه، وهذه الحالة تدخل في دائرة التحسينيات.

فهل السلطة، ونظم الاجتماع البشري، يدخلان في دائرة الضرورة التي لايمكن الاستغناء عنها، ام تدخل في دائرة الحاجة، ام هي امر تحسيني يمكن الاستغناء عنه؟

ضرورة السلطة

السلطة عنصر اساس من عناصر الدولة، ولايمكن للدولة ان تقوم وتستقر من دون سلطة سياسية، لان البديل عن السلطة هو الفوضى والهرج والمرج . يقول الامام علي (ع) في ضرورة الامرة والسلطة السياسية:

(لابد للناس من امير بر اوفاجر، يعمل في امرته المؤمن ويستمتع فيها الكافر، ويبلغ الله فيها الاجل، ويجمع به الفيء، ويقاتل به العدو، وتأمن به السبل...) .

السلطة مسألة ضرورية وليست امرا تكميليا تحسينيا، يمكن الاستغناء عنه .وقد قال جميع المسلمين بوجوبها سواء بالعقل اوبالشرع حاشا النجدات من الخوارج الذين لم يقولوا بحاجة الناس الى سلطة تسوسهم، فيما لو كانوا بمستوى يؤهلهم لرفع اختلافاتهم .

وهذا الراي قال به ابن باجة، فقد جاء في (تدبير المتوحد)، ص 62، ان ابن باجة يرى ان مدينته الفاضلة، ليس بها قضاة ؛ لان اهلها تسودهم المحبة .

نزعة الانسان للسلطة نزعة متأصلة

وهذه النزعة المتاصلة للسلطة، هي نزعة عميقة في اعماق النفس الانسانيّة، وهي تولد مع الانسان، من خلال غريزة حب التملك والسيطرة، وقد تنبه هوبز لتلك النزعة بقوله:

(البشر جميعا تتملكهم رغبة لاتهدا في ان تكون لهم السلطة تلو الاخرى، ولاتتوقف تلك الرغبة الا بالموت ....). (باري هندس: خطابات السلطة من هوبز الى فوكو، ص 69-70) .

والماركسيّة عاكست منطق الاشياء، ومنطق الفطرة بزعمها، ان العالم سيستغني عن السلطة، حين تصل البشرية المرحلة الاخيرة من التاريخ (مرحلة الشيوعية) .

والغاء السلطة يجد مبرراته في بعض الفرضيات والنظريات العلمية، كنظرية الانفجار الكبير، التي تصور ان لاسلطة تدبر امر الكون بل تشكل الكون من انفجار عظيم وفوضى كونيّة ادت الى تشكل هذا النظام الكوني المذهل . ونظرية دارون التي الغت وجود سلطة للحياة وقوة مدبرة اتقنت ترتيب الكائنات الحيّة، بافتراض ان الحياة انطلقت من فوضى وعشوائية، خالية عن الهدفية والقصد ؛ لتكوّن هذا النظام المتقن للكائنات الحيّة

ومافكرة الفوضى الخلاقة الا صدى لهذه الافتراضات ؛ فالفوضى الخلاقة من اسمها تدعو الى اسقاط الانطمة، لتخلق الفوضى التي اطلقوا عليها خلاّقة، انظمة ارقى تنظيما، واكثر امنا واستقرارا.

السلطة والتسلط

السلطة ضرورة من الضرورات، وليست امرا تحسينيا تجميلا يمكننا الاستغناء عنه . والمفكرون الاوربيون ادركوا هذه المسالة ولكن كانت لديهم مخاوف وهواجس من ان تتحول السلطة الى تسلط واستبداد، وقهر وقمع .

فنظرية العقد الاجتماعي هي محاولة لكبح تغول السلطة وتحولها الى قمع وقهر وتسلط، وكذلك الامر مع الفيلسوف الامريكي جون ديوي الذي دعا الى الديمقراطية لحل اشكالية حرية الافراد مع سلطة الدولة عن طريق الديمقراطيّة التي حلّت مشكلة التداول العنفي الدموي على السلطة وابدلته بتداول سلمي خال من العنف والدماء.

الاشكاليّة ليست في السلطة، فهي ضرورة، ولكن الاشكالية في تمدد السلطة وتغولها وتحولها الى اداة قمع وقهر .

 

زعيم الخيرالله