عصمت نصارسألني الكثيرون من القراء والأصدقاء عن دلالة مصطلح «فلسفة الكذب». لذا اجتهدتُ فى البحث عن تأصيل ذلك المصطلح، فاهتديُت إلى أن ذلك المصطلح قد وَرد فى شذرات عديدة من تعاليم حكماء الشرق فى مصر وبابل وفارس والهند. بالدلالة والمعنى وليس اللفظ.

وجاء فيما رويَ عن فلاسفة اليونان ومحاوراتهم ولاسيّما في مساجلات (السفسطائيين، حوارات سقراط، أفلاطون، وكتابات أرسطو). وكان مصطلح الكذب يعنى نقيض الحق والصدق والمنطقي والموجود، الأمر الذى جعلهم يخرجون الفن وعلم الجمال من دائرة التعبير عن الحقيقة. أما فلاسفة العصر الوسيط ولاسيّما «القديس أوغسطين (٣٥٤م-٤٣٠م)» فقد ذكر الكذب في إحدى رسائلِه بيّن فيها أنه من أبشع الرذائل وهو ضد الإيمان، وذلك لأن من يردد الأكاذيب دون تحقق يصبح مضللًا وخائنًا لأمانة الصدق.

وفى الفكر الفلسفي الحديث ربط الفلاسفة بين مصطلحيِ التجديف والكذب، فكلاهما ادعاء مخالف للحقيقة والواقع، سواءٍ في دائرة المقدس أو ميدان العلم، كما ذهب «كانط (١٧٢٤م-١٨٠٤م)» إلى اعتبار الكذب أسوأ الموبِقات التي يتجاوز شرها الرذائل الخُلقية إلى الجنايات والجرائم الإنسانية، ووضح ذلك في مقولتِه «إن أبشع أنواع الكذب هو الذى تمارسه الذات مع الآخرين، والأبشع منه هو الذى تُقنِع به ذاتها، لأن الكذب الممنهج يغتال الضمير».

ولم يُفرق «كانط» بين ما نُطلق عليه الكذب الأبيض مثل المجاملة والمداهنة، أو الكذب الأسود المُتعَمد.

أما في الثقافة العربية فقد تناول متكلمو الإسلام وفلاسفة المشرق والمغرب الكذب بمعنيين، أولهما أخلاقي يستند إلى قائمة المَنهِى عنه في القول والسلوك، والثاني فلسفى وهو ضد المعقول والمتسق والمنطقي والمُثبت بالتجريب والبرهان. وقد استثنوا الفن، وخالفوا بذلك نظرية المُحاكاة. وذلك كله بمنائ تمامًا عما يحدث في ميدان الشعر والأدب والقصص الخيالي.

وفى الثقافة العربية الحديثة لا نكاد نجد أشهر من كتاب «فلسفة الكذب» لمحمد مهدى علام (١٩٠٠م-١٩٩١م)، ذلك المفكر التربوي واللغوي المخضرم. الذى ناقش فيه معنى مصطلح «فلسفة الكذب» وعلتِه ومقَاصدِه وأشكالِه وأثارِه وتباعِته وبنيتِه ولغتِه.

والطريف أن «فلسفة الكذب» قد أضَحى من المصطلحات الشائعة فى كتابات الفلاسفة وعلماء النفس والتربية والاجتماع والتاريخ في الفكر المعاصر. وذلك منذ أخريات الستينيات من القرن الماضي (نحو ١٩٦٥م)، في الثقافتين العربية والأوروبية.

ها هو الفيلسوف الألماني «فريدريك نيتشه» (١٨٤٤م-١٩٠٠م) يقول «الحق إنه لا يسيرني اكتشافي أنك كذوب، ولكن كل أسفى على عدم استطاعتي تصديقك بعد ذلك».

وهنا يُشير «نيتشه» إلى انعدام الثقة، الذى يحدثه الكذب المُمنهج. فما أبشع الشك والارتياب إذا ما وقع بين الرأي العام القائد والرأي العام التابع، فذلك يؤدى حتمًا إلى تفكيك المجتمع وانقسامه.

بينما ذهبت الفيلسوفة الأمريكية «حنة آرندت» (١٩٠٦م-١٩٧٥م) إلى اعتبار الأخبار المغلوطة (Fake News) في ميدان العلم والسياسة والإعلام والتاريخ والأخلاق كيانًا واحدًا يحوى الزيّف والخداع.

وبالجملة «ففلسفة الكذب» عندها هى ذلك الخطاب والنسق والسياق الذى يُنقل من المتكلم إلى المُتلقي بُغية تضليله عن قصد أو غير قصد، إذا كان مُخالفًا للحقيقة.

أما «جاك دريدا» (١٩٣٠م-٢٠٠٤م) فقد ربط بين الكذب باعتباره فعلاً مخادعًا ومضللاً للآخرين وألاعيب الساسة والمزيفين للوقائع، وهو فى كل صورة يحمل بين طياته الشر، وهو بطبيعة الحال نقيض الخير المصاحب دومًا للصدق والحقيقة.

ويؤكد «دريدا» أن أخطر أشكال الكذب ودروبِه وأنواعِه، هو الذى يسلكه الساسة وتجار الكلمة فى خطابتهم ومبرراتهم وحججهم ووعودهم، وذلك لأنه فى مقدورهم تزيِّيف الواقع وطَمس الحقائق إذا حاول المُتلقى البحث عن مصداقية أقوالهم بالطرق التحليلية التقليدية. وعليه فهو يدعو إلى استخدام ضروب (التفكير الناقد) لكشف زيّف أكاذيب الساسة، أولئك الذين نجحوا إلى حد كبير فى ابتداع وتطوير نسقية للكذب حتى تبدو في عيون وأذهان ومسامع المُتلقين على أنها الحقيقة.

وقد أسعدني كثيرًا تلبية العديد من الجامعات المصرية والمنابر الثقافية، لدعوتي لعقد حلقات نقاشية تجمع بين أكابر المتخصصين والمعنيين بحروب الجيل الثالث والرابع. التي اتخذت من الشائعات والاخبار المضللة أسلحة لها، لتفكيك المجتمعات وتدمير الدول وتبديد الأمن فيها - وذلك لتثقيف الطلاب والرأى العام بأقوى المضادات لهذه الحرب الشرسة.

فلبيت دعوة جامعة أسيوط وذلك في الندوة التي عقدتها بتاريخ (١٠\١٠\٢٠١٩). تلك التي تحدثت فيها عن فلسفة الكذب وكيفية تحليل أنساقها، والكشف عن المغالطات التى يتعمد مبتدعوها وضعها على نحو حرفي وتقنى عالِ المستوى لخداع العقل الجمعي، الأمر الذى يستوجب التدريب على التفكير الناقد لفضح المستور وكشف التدليس وتبيّان الحقيقة.

وقد سُعدت أيضًا بالدعوة الكريمة التي أرسلت إلى من قِبل المفكر السياسي المخضرم «الأستاذ الدكتور مصطفى الفقي، مدير مكتبة الإسكندرية»، وذلك لحضور إحدى الحلقات البحثية الراقية التي عُقدت يوم الخميس الموافق (٧\١١\٢٠١٩) وذلك فى صورة ندوة ثقافية بعنوان «مواجهة الشائعات وتماسك الدولة»، لإيجاد السُبل لدعم وطننا لمواجهة حرب الشائعات الممنهجة التي يقودها العديد من الجهات المعادية.

وفى الندوة التقيت بكوكبة من المتخصصين في محاربة الشائعات والأفكار الجانحة والحملات الرانيّة لتزييّف الوعي. (إعلاميين، دبلوماسيين، أدباء ومؤرخين، علماء نفس واجتماع وسياسة، ومتحدثين رسميين عن مؤسسات الدولة ولم يكن هناك غيرى من المعنيين بالدراسات الفلسفية وتحليل الخطابات).

وقد استهلها «الدكتور مصطفى الفقي» - بمفاده - يخطئ من يعتقد بأن رسالة المكتبة التثقفية التنويرية بمعزل عن قضايا الرأي العام، فرسالة المكتبة وبرامجها التي ترمى إلى: إحياء النفيس وإبرازه وتجديد الخطابات وتفعيلها، وتطوير المشروعات وتحديثها ولا يمكن أن ينسيها أو يبعدها عن مقصدها وغايتها الرئيسية، ألا وهى تثقيف العقل الجمعي وتوعيته ونقض كل الآراء الجانحة والجامحة، التى تهدد أو تضلل أو تزيّف مشخصاتنا وهويتنا، وفى هذا السبيل دأبت المكتبة على عقد الندوات الفكرية مع صفوة الخبراء والعلماء والمفكرين والمعنيين بالقضايا المطروحة. وها نحن اليوم نناقش قضية الشائعات التي أضحت سلاحًا تستخدمه أعداء البلاد للنيّل منا ومن استقرارنا وأمان أمتنا وتحول بيننا واستكمال السير إلى الأمام نحو الإصلاح، وإعادة البناء والنهوض بالمجتمع ورقيه. علمًا بأن الكذب الممنهج أضحى نهجًا له أسس وقواعد، يجب التعرف عليه ودراسته، الأمر الذى يمكننا من التصدى إليه ومجابهته، وهذا ما سوف يُستمع إليه بشيء من الإيجاز في كلمات الأساتذة الحضور.

والحق أنى استفدت الكثير من الكلمات التي تناولت حرب الشائعات والأكاذيب الدائرة.

*   *   *

قلت إن الندوة كانت ثرية بمتحدثيها ومعارفهم وتعقيباتهم، فحَدثنا أحد الحضور عن مدى خطورة الأكاذيب التي تُحَاك لتبديد استقرار وأمن وتماسك المجتمع المصري، وذكر أن قوتها تفوق الحرب التقليدية بعشرات المرات، وذلك لسرعة الوصول إلى مراميها بخطوات علمية وتقنية ممنهجة، قد تدربت عليها أجهزة المخابرات المعادية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وطالما استخدمها ساسة الغرب في منافستهم الانتخابية، فقد قيل على «باراك أوباما(١٩٦١م- إلى الآن)» من قبِل خصومه السياسيين أنه ليس أمريكي المولد، وبالتالي لا يحق له الترشح لمنصب الرئاسة الأمريكية، وأشُيع أن الطائر الغارق في لُجة من البترول الذى ظهر على شاشات القنوات التليفزيونية وصفحات الجرائد والمجلات أثناء حرب الخليج -غزو العراق للكويت-، تلك الصورة التي علق عليها المحررون أنها من جراء إشعال «صدام حسين (١٩٣٧م-٢٠٠٦م)» لآبار البترول في الكويت.

(وقد ثُبت بالبرهان أنها مجرد Fake News) شأنها شأن الصور والتسجيلات المزيفة التي طالما أذاعتها القنوات المغرضة لتهييج الرأي العام وإحداث الفوضى، وذلك بتقنيات (الفيديولوجيا) والناطق الآلي.

ثم تَفضّل عالمٌ آخر فبيّن لنا الفارق بين الكذب النسقي الممنهج، والشائعة والأحداث المفتعلة والوثائق المزورة والصحف الصفراء والأخبار الموجهة المُصاغة على نحوٍ مثير للريبة والشك. فلم يعد الكذب رذيلة أو جريمة أخلاقية، بل أضحى جناية معرفية ترمى إلى طَمس الحقائق وتزيّيف الواقعات، وإيهام الذهن وخداع الحواس، متخذةً من المنطق سبيل لوضع المغالطات (مقدمة صحيحة يحمل عليها أخبار مغلوطة وإجراء عملية إخراج سينمائي مصحوب بقراءة، خاصة للخبر أو الحدث أو الواقعة)، وبيّن بأن نحو ٥٠٪ من هذه الأكاذيب تَنتشر على صفحات قنوات ومواقع التواصل الاجتماعي، وأن أيّسَر السُبل للتصدي لها هو إعداد فريق متخصص لتحليلها وفضحِها فيما لا يزيد على ثلاثين دقيقة من نشرها، وإلا فقدت مصداقية الرد أو التصدي، أما تجاهلها أو ارتجال الرد عليها سوف يُزيد من انتشارها ويؤكد حدوثها.

وأكد عالم ثالث، أن الإعلام في إمكانه أن يُبادر لتحصين الرأي العام ضد هذه الحرب، وذلك عن طريق المصارحة والإعلان عن كل ما يدور من مشروعات وقرارات وأزمات وإخفاقات وأحداث وواقعات ونجاحات واحتياجات، وذلك في مُتَنفس من الصدق والحرية، الأمر الذى يَسِد كل المنافذ أمام هذه المخططات. ذلك فضلًا عن تطهير أجهزة الدولة ذات الصلة للأمور الحياتية للرأي العام من الأبواق التي تردد الشائعات أو تُسهم في صناعة الأحداث الكاذبة أو الوقائع المُلفقة. والتزام الحكومة بالنهج العلمي في الرد على الأخبار الكاذبة، وليس مصادرة الصحيفة أو إقصاء المتحدث، فمثل ذلك القمع أو الحل الأمني يشكك الرأي العام في مصداقية أصحاب القرار.

وأخيرًا، قَدمت العديد من الخبيرات المعنيات بالتخطيط والمتابعة، وإدارة الأزمات أكثر من تصور لمخاطبة الرأي العام التابع بمختلف طبقاته لمحاربة الشائعات والتصدي لفلسفة الكذب الممنهج، بداية من الخطابات المباشرة من المسئولين، إلى القوة الناعمة التي يلعبها الفن بكل أشكاله، أضف إلى ذلك الاهتمام بإصلاح أحوال الأسرة باعتبارها اللَبنة الأولى للمجتمع تلك التي لا يستقيم البناء دون سلامتها ورفع المعاناة عن كاهل المعوزين، كما أكد أن ذلك الغزو الثقافي لا يمكن محاربتِه بالمنع أو الحجر؛ فإن كل من يفكر في ذلك يدعم هذه الأكاذيب والشائعات، بل ويؤكدها شأنه في ذلك شأن الذى يُهمل أو يتقاعس في الرد عليها. واجتمع الحضور على أن توعية الرأي العام السبيل الأرشد لإحباطها، وأن ذلك لن يتحقق إلا بتعاون كل أصحاب الرأي والمثقفين الغيورين على بلدنا، وذلك بإعادة حبل الثقة، وتنقية نهر الحب المتدفق بين الرأي العام القائد والرأي العام التابع.

ولا يؤخذ على هذا الملتقى سوىَ أمرين: أولهما غيبة الحديث عن الكتائب الإلكترونية ودورها والتشريعات المزمعة لعقوباتٍ رادعة لكل من يسهم بطريق مباشر أو غير مباشر للترويج لهذه الشائعات أو اصطناعها.

وثانيها خلط بعض المعلقين بين الخطاب الديني الذى لا يخلو من الاجتهادات الخاطئة والخطاب الإلهى الذى نطق به الوحى، وأخطأ بعض المجتهدين في تفسيره أو تأويله أو استنباط الأحكام منه، شأن الذين ادعوا «بأن الخليفة أو الحاكم هو ظل الله على الأرض وأن طاعته مطلقة وفرضٍ على العباد وأن المسلمين المعاصرين يحتاجون للفرقة الناجية التي تقوّم سلوكهم».

والجدير بالذكر، في هذا السياق أن جميع تلك الرؤى والمعلومات والبيانات كانت تُلقى على الحضور باللغة التي طالما افتقدنها في مؤتمراتنا وندواتنا، أعنى الدقة والوضوح في العرض والحرية والصدق في شرح وجهات النظر والرؤي.

ما أتمناه، أن تَكثر هذه اللقاءات فى شتى أنحاء مؤسستنا المعنية بالتثقيف والتوجيه

 

د. عصمت نصار

 

مجدي ابراهيممن الضمير لا من شيء غيره يحلو كلام العقلاء عن الله. ومن منافذ القلوب إلى سلطان الحق يكون الأنس بكلام العشَّاق فيصيب شغاف القلوب. وهو هو طريق البصيرة، فإذا كان "ابن سينا" في، إشاراته وتنبيهاته، حدّد طريق البصيرة بإرادة ورياضة، فهو نفسه الذي وصف طريق العرفان بصفة العارف حين يكون شجاعاَ، لأنه بمعزل عن تقية الموت. ويكون جواداً لأنه بمعزل عن محبّة الباطل، وصَفّاحاً لأن نفسه أكبر من أن يجرحها زلة بشر، ونسَّاءً للأحقاد وكيف لا؟ وذكره مشغول على الدوام بالحق.

هؤلاء الذين لم ييأسوا قط من روح الله :" إنّه لا ييئس من رَّوْحِ الله إلا القوم الكافرون". كلامهم - وأيمَ الله - ينادي وَجيب القلوب، هو هو الصدق بعينه، تعلّموه في رحاب الحق والأنس به، والتوكل عليه أحسن التوكل وأصدقه وأنقاه؛ فلن تجد كلاماً أبدع ولا أخلص من كلام العُشَّاق الذين جاوزا المحبّة إلى درجة الفناء في المحبوب : قلوبهم على يقين موصولُ بالجناب الأعلى، وضمائرهم خالية تماماً من كل شيء إلا ذكر الله ومَنْ والاه؛ فبذكره فقط تطمئن القلوب، وهل كانت الطمأنينة شيئاً غير هذه الصفة التي يكون فيها القلبُ على الثقة والأنس الدائم بالمحبوب الأعظم؟

كان الواحد منهم إذا هو سمع آية خَرَّ مغشياً عليه، ولربما لفظ أنفاسه الأخيرة تحت وطأة هذا الشعور.

الضميرُ لديهم قوة علويّة من قوى الغيب المجهول، يزكيها الفهم النافذ لقول الحق تبارك اسمه، ويقوّيها العمل الصادق بمقتضى الفهم ويرفعهما إلى مستوى القوة العالية ذلك التبتُّل العميق لمحبة الله، يتولّد منها الشوق. والشوق، كما قال القشيري، اهتياج القلوب إلى لقاء المحبوب، وعلى قدر المحبّة يكون الشوق؛ لأن الشوق ثمرة المحبّة مع الوضع في الاعتبار بأن الله تعالى لا يُوصف بالشوق، وإنْ وُصِفَ بالمحبّة. من هذه الجهة تجئ خطابات التأنيس : ذوقاً خالصاً وأريحيّة عالية، ولن تكون خطاباً برانيّاً خاوياً لا يؤثر ولا يثمر ولا يفيد.

جمال كلام العرفاء في المحبّة وفي غيرها من مقامات وأحوال ممزوجٌ بعصارة النفس المطمئنة، باليقين، مبطنٌ بأغلفة الانوار الكثيفة لا يفضها وهم واهم، ولا يستطيع أن يفضضها أحد؛ إلا ذلك الذي ذَاقَ مذاقهم، وكرعَ من معينهم، ولم يزل يكرع من هذا المعين الدَّفّاق الذي لا ينضب ولا يجف. إنّ أحداً لا يقدر، من بعدُ، على فض بكورة معنى من المعاني الباطنة لإشارات العارفين ما لم يكن مُوَفَقاً من عند الله موهوباً هذه القدرة، وهذا الاستعداد، وهذا التوفيق.

تجارب العارفين إنّما هى حصون منيعة أقوى وأمنع من أن يتصدّى لها ضعيفٌ مهزول. وإشاراتهم أعلى وأرقى من أن يفسرها متعالم جهول. هذه التجارب العنيفة الشاقة في قهر النفوس على الالتزام لا يمكن أن تؤخذ هكذا مأخذ التقرير السّلبي أو التفسير العلمي الذي يقبل ما يراه جديراً من وجهة نظره، ويرفض ما لا يرى فيه - من وجهة نظره كذلك - جدارة القبول.

إشارات الأولياء رمزية، والرمز إشارة مغلقة لا يفتحها إلا عارف بمجريات ما أغلقت عليه؛ فأفرض مثلاً إنك سمعتَ كلاماً عن "الشوق" "والمحبة" "والعشق" "والوصال" "وتلهب القلوب" "واحتراق الأحشاء" "وتقطع الأكباد" ممّا يجري به كلامهم بالعادة وأخذته على عُلّاتِه، وفهمتَ منه أنه يشير إلى دلالة حسيّة قريبة، فاعلم من فورك أنك لم تتدَرَّب، بعدُ، على الغوص في عالم المعاني، كيف تفتح مغاليقه؟ ولا على تذوق العبارة كيف تستخرج منها لغة الإشارة؟

فالأصلُ في العبارة الرمزية أنها تنطوي على مجموعة من القيم مخزونة داخل العبارة كما تنطوي القيم الرياضية على الحروف، كل حرف منها يشير إلى دلالة خاصّة وإلى معنى خاص. وهكذا الرمز في إشارات الأولياء كأن يقول قائلهم :"علامة الشوق حُبّ الموت مع الراحة"، افتح هذا الرمز لو استطعت. أو يقول قائلهم :"المحبةُ استهلاكٌ في لذة، والمعرفةُ شهودٌ في حيرة، وفناء في هيبة".

وهكذا إلى كثير من الإشارات الرمزية في جميع المقامات والأحوال عند العارفين، لا بد في معرفتها، على وعي، من عقل بصير.

*    *     *

وإذا كانت هذه هى خَاصَّة المحبّة عرفانية في الأساس؛ فإنها لتندرجُ في المعرفة، فيجيء بمقتضاها نطق العارف مخبراً عن كل شيء، فقد سُئل عبد الرحمن الفارسي عن كمال المعرفة فقال :"إذا اجتمعت المُتفرقات، واستوت الأحوال والأماكن، وسقطت رؤية التمييز"؛ وعلق  السرَّاج الطوسي على تلك الإشارة حيث قال :"ومعنى ذلك أن يكون وقت العبد وقتاً واحداً بلا تغيير، ويكون العبد في جميع أحواله بالله ولله مأخوذاً عمَّا سوى الله، فعند ذلك يكون هذا حاله"؛ بمعنى أن تصير جميع الهموم هماً واحداً بلا تغيير، وتسقط جميع الشواغل إلا شاغل الحق واحد هو تحقيق العبودية لله، وهى التي عبر عنها ذو النون المصري بعدم الالتفات إلى الخلق فقال :"إنْ التفت العارف إلى الخلق عن معروفه بغير إذنه، فهو مخذول بين خلقه "، مخذول؛ لأنه مادام قد أختار طريق العرفان ثم ألتفت فقد خَان. والخيانة خُذلان؛ ولأنه في هذه الحالة لن يكون مشغولاً بالتحقيق في مقام العبودية، وسيكون في الغالب موزّع القوى مشتت الهَمِّ غير مجموع بالعين ولا هو بالمأخوذ كلية، وستكون فيه بقيّة من اختيار لا توصله إلى درجة العارف كصفة خاصة مخصوصة به.

وهنا قد نصل بالعرفان إلى مذهب "إسقاط التدبير" في تصوف السَّادة الشاذلية عامة، وتصوف أبي العباس المرسي وابن عطاء الله السكندري خَاصَّة؛ فلن يكون اختيار العارف في تلك الحالة القصوى من العرفان إلا بُمراد الله لا بمراده، وقد قال يحيي بن معاذ الرازي (ت 258 هـ) مادام العبد يتعرَّف (أي لم يبلغ درجة العرفان بَعْدُ) فيُقال له : لا تختر شيئاً، ولا تكن مع اختيارك حتى تعرف (أي حتى تبلغ من العرفان مبلغه)؛ فإذا عرف وصار عارفاً بمعنى أنه تحقق من العرفان؛ فيُقال له إذْ ذَاك : إنْ شئت اختر وإنْ شئت لا تختر؛ لأنك إنْ اخترت فباختيارنا اخترت، وإنْ تركت الاختيار، فباختيارنا تركت، فإنك بنا في الاختيار وفي ترك الاختيار".

وبعدُ؛ أَفَكَثيرٌ على العارف - وهذه حالته على هذا الوصف - إذا هو نطق، نطق عنك وأنت ساكت؟ كلا! إنّ حركته وسكونه بالله، فمن نطقه ينطق بالله، وكذلك في سكونه يخبر عن المسكوت عنه فيما لو كان مأذوناً له بالنطق فيه وبالإخبار عنه، وذلك لأنه في الحركة والسكون ليست له إرادة وليس له حظ فيهما.

هذه الصفة، "صفة العارف" هى التي عبر عنها الإمام الشاذلي أيضاً لما أن قال : من انقطع عن تدبيره إلى تدبير الله، وعن اختياره إلى اختيار الله، وعن نظره إلى نظر الله، وعن مصالحه إلى علم الله لملازمة التسلم والرضا، والتفويض والتوكل على الله؛ فقد آتاه الله حُسْن اللب وعليه يترتب الذكر والفكر وما وراء ذلك من الخصائص".

لكأنما الذكر والفكر من المراحل التالية لصفاء اللُّب بترك الاختيار النفسي وإسقاط شواغله إلى حيث اختيار الله تعالى وموالاته على الصفاء، فهما العلامتان اللتان يدلان على معقول النظر واستقامة العمل كما وصفهما بحُسْن اللُّبّ. غير أن هذه الصفة في المطلق لا تتأتى أبداً بغير تحقيق الإيمان ولا تأسس إلا عليه في أول مقام.

ليت شعري: ما الذي يُقدّمُه الإنسان على أسمى جزء موجود فيه، إذا انعزلت عنده مَدَارك الذَّوْق وراح يدرك كل ما يناله ببصر المحسوس والملموس، ويكتفي بذلك فقط، وينكر ما دونه من مدارك وأذواق؟ إنه ليبدو مخلوقاً تافهاً حقيراً إذا لم تكن المعرفة منذ البداية قد وَقَرَتْ فيه، وإنّه لينقلب من فوره إلى وضاعة ما بعدها وضاعة إذا هو لم يقدر وجوده الروحي، ولم يعرف أن هذا الوجود هو في الأصل مُقَدَّمَاً - وينبغي أن يكون مُقَدَّمَاً عنده - على كل وجود سواه، وأن وضاعته لتزداد، وشرهه المادي ليتفاقم إذا هو لم يعد يمتلك قدرة التحقق بأسس العرفان.

إنما قصدتُ هنا تحديداً ذلك العرفان الذوقي بهذا الوجود الروحي أو بتلك الطبيعة الموجودة فيه : طبيعة الروح السامية المتعالية التي تستقر في محيط الإيمان.

إنها من غير شك لطبيعة روحانية تسمو على كل طبيعة سواها، ترتفع ما ارتفع الإيمان في معدن الذات المؤمنة، وأزدان. وللحديث بقية مع خطابات التأنيس.

 

د. مجدي إبراهيم

 

محمد ممدوحلم يكن السجال الشهير بين الإمام الأكبر شيخ الجامع الأزهر د. أحمد الطيب والدكتور محمد عثمان الخشت رئيس جامعة القاهرة سجالاً بين نقيضين، أو متقابلين فى الفكر أو متناوئين فى المذهب كما فهم الكثيرون، ولكنه كان سجالاً بين متآلفين فى الفكر متحدين فى المذهب .. ومن ثمَّ فليس بينهما رابح وخاسر، بل كلاهما رابحان .. ولا غرو، فهما أبناء مذهب واحد، وظروف واحدة تمر بعمر الأمة، وأحداث صُنعت على عين الواقع.

ربح الطيب والخشت كثيراً .. ربحا ملايين المشاهدين والمهللين والمنافقين، وعلى الجانب الآخر قليل من الممتعضين وصرعى الهم الذى يعصف بحياة الأمة ويرديها ذليلة بين الأمم .. ربحا من الدنيا كل شيء .. فمحركات جوجل كلّت من البحث عنهما.. وشباب الأمة التائه وقف ينظر إليهما، يسمع بأذنيه ما قالا، ويحاول جهده الفهم، ولكنه لم يكن على مستوى الوعى الكافى، فصنّف الطرفين على أنهما عدوان يتصارعان، ولم يخلص بنتيجة غير هذه النتيجة، ولم تتكون لديه أية قناعات، اللهم إلا هزيمة طرف وانتصار آخر.

إن غياب وعى الشعوب هو الرهان الأكبر فى معادلة التنمية، فهم المنوطون بأى حديث، وبأى مذهب فكرى، وبأى تجديد يولد، ولأن هذا الوعى غائب إلى حد بعيد، فإن الحديث عن أى تجديد بمثابة عبثية لا يُرجى من ورائها إلا هلاك الرحى دون أدنى ثمرة تُرجى، ومن ثمَّ كان التصفيق لشيخ الأزهر دليل تلك العبثية، حيث تصور الشعوب للسجال الفكرى على أنه صراع لابد فيه من رابح وخاسر كان هو الدليل الأكبر لغياب وعى الأمة، لتتعمق فى قناعات المخلصين لهذا الدين أن المستهدفين بالتجديد لا يعرفون قديماً ولا جديداً، وليس لديهم وعى الإنصاف، أو فلسفة النقد، أو رؤية الحقيقة، ومن ثمَّ لم يمثل اللقاء أو حديث الرجلين لديهم سوى ذاك الإطار الذى أقل دلائله أنه بمثابة إفلاس الأمة وعيًا وفكرًا.

من هذه الزاوية ينتصر الرجلين، ولكن الهزيمة الكبرى تحيق بأفلاطون وبالأمة.. تحيق أولاً بأفلاطون لأنه صاحب الحلم الكبير "حكم الفيلسوف" ذاك الحلم الذى كاد أن يقضى فى سبيله، وذاق السوءات كلها لأجل تحقيقه وما استطاع إليه سبيلاً، ليموت جسده ويبقى حلمه مرفرفاً فى سماء اليوتوبيا، فى كلمات ليست بأقل من أحلام العدل المفقود .." عزيزى جلوكون .. ما لم يصبح الفلاسفة حكاماً أو يتحول أولئك الذين يحكمون العالم إلى فلاسفة فلن تهدأ حدة الشرور فى العالم" ..

حلم جميل من نفسٍ أقل جمالاً.. ولكنه مات ولم يره واقعاً..

وخان آرسطو حُلم استاذه فأقر سلطة الطبقة الوسطى وحكم القانون ولم يقر سلطة الحاكم الفيلسوف الذى قضى أستاذه حياته بحثاً عنه، ولم يره واقعًا.. وشاءت الأقدار أن يأتى فيلسوفين بعد ما يربو عن الألفين وأربعمائة عام على وفاة أفلاطون صاحب ذاك الحلم الإنسانى الكبير .. ليعتلى كل منهما مؤسسة كبرى، ويكأنهما يبتعثا أفلاطون من جديد، فما بحثت عنه وأضناك بحثه..تحقق اليوم واقعًا، ليضعا أفلاطون فى مأزق، أمام الوعى البنذاتى من ناحية، وأمام ثقافة الجماهير من ناحية أخرى، وخرج أفلاطون مهزوماً فى الناحيتين.

فالفيلسوف الذى جاء متحدثاً عن التجديد أغمض عينيه عن قضايا الأمة المصيرية الكبرى، والفيلسوف الذى يمثل الأزهر أتت صحوته متأخرة إلى حدٍ بعيد، ليضعا الفكر الإنسانى فى مأزق أمام الضمير العلمى والأمانة الفكرية، وليرددا على بطلر مذهبه فى قبره، ومن ثمَّ كانت ثقافة الجماهير ثقافة شعبوية لا ترقى أبدًا لصنع الحدث، بل ولا لمجرد استيعابه!!

كان حلم أفلاطون قائمًا على أن الفيلسوف هو أقدر الناس على حل المشكلات وعلى مواجهة الكوارث بشجاعة .. ولكن رسب أفلاطون باقتدار، فالفيلسوفان لم يحلا المشكلات ولم يواجها الكوارث.

كان حلم أفلاطون منبعثًا من ثقة مطلقة فى العقل المطلق للفيسلوف الذى يترفع فوق حظوظ النفس. ولكن الفيلسوفين أثبتا خطأ أفلاطون وعمقا جرحه ..

قام حلم أفلاطون على بصيرة الفلاسفة بأولويات الشعوب.. ولكنه قُتل حيث قدَّر .. فلقد أتى الفيلسوفان بأقل جهد يُذكر فى خدمة قضايا أمتهم المصيرية .. تحدثا عن تجديد للخطاب الدينى يفتقد لأدنى آلياته .. يفتقد لأئمة على قدر الوعى والفكر والمسئولية .. وإلى مسئولين على قدر الأمانة العلمية والدينية .. وإلى جماهير أذلتها الحاجة وأرغمتها اللقمة .. وإلى خوارج داعش وأوليائهم الذين انسلوا من تحت عباءة الدين وباتوا يقتلون الأخضر واليابس ظناً أنهم يتقربون إلى ربهم.. مُزقت الأمة شر ممزق، ولم ينشغل الفيلسوفان بغير تجديد الخطاب الدينى، دون أن يتحدثا عن آليات تحقيقه، ودون أن يحددا ضوابطه وشروطه.. ودون أن ييسرا على الناس فهم القضية، فالدين ثابت، ولكن قراءته فى ضوء الواقع فقط هى مناط التجديد، على أن يكيف الواقع للدين، لا أن يكيف الدين للواقع، وهو ما قام به الشافعى (رحمه الله) حين عدَّل كثيراً من آرائه الفقهية على إثر تغيير مكان إقامته وظروف كل بلدٍ نزل بها.

لم يكن التجديد هادفاً إلى هدم الدين بل هو إقامة الدين .. هو بعث فرضية الإجتهاد من مرقدها الذى طال.. هو استفاقة أمة تخلفت عن الركب بملايين السنوات الضوئية .. هو وضع الدين فى إطاره الصحيح.

هكذا يكون التجديد.. قراءة الواقع فى ضوء الدين .. وإنزال الدين على الواقع، ومن ثمَّ يكون تصدَّر القضايا القومية الكبرى للأمة المهزومة والمأزومة حقيقة على رأس أولويات التجديد، فيكون الخطاب من قضايا الأمة المصيرية .. الأقليات المسلمة المعذَبة فى الأرض.. القدس التى تُسرق فى كنف النهار .. المستضعفون فى الأرض الذين يموتون جوعًا وبردًا فى مخيمات اللاجئين .. هذه هى قضايا التجديد الحقيقية التى غاب عنها الرجلان، أو ربما تركاها عامدين فى ضوء محاذير علمها عند ربى.

لم نسمع لأحد الرجلين همسًا ولا حسًا حين العدوان الصهيوني المتكرر على شباب مسيرات العودة العُزّل..لم نسمع لأحدهما - صوتًا ولو على قدر التصفيق الحاد الذى واكب كلمات شيخ الأزهر حين المؤتمر- إذ يحمل الآباء أبناءهم الصغار شهداء البرد فى أمة المليار.. عجزت الأمة بإمكانياتها وملياراتها المادية والبشرية أن توفر الحد الأدني من الأمان المعيشي لأبناء دينهم المستضعفين فى الأرض..فى الوقت الذى أقيمت فيه مؤتمرات واحتفالات برأس السنة فى بعض الدول المسلمة تكفى ضروريات هؤلاء المستضعفين ردحًا من الزمن!!..

لا بكاء ياسادة..ولكنه الوجع ..الوجع الذى يقض مضاجع المخلصين فيصير الموت أحب إليهم من الحياة..

هكذا خسرت الأمة .. وهكذا رُسمت خطوات ضياعها .. فلم يكن الرجلان على قدر خطورة الأحداث .. لم يحملا هموم الأمة كما ينبغى أن يحملاها .. لم ينصحا لها كما ينبغى أن ينصحا .. لم يتحملا من أعبائها إلا أقل القليل، ليبقى هذا الدور الغائب حجيجًا لهما أمام الله، مخاصمًا لهما يوم الفصل الأكبر  ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ  . فدماء الأبرياء وجوع البؤساء وتشرد المستضعفين فى الأرض..كلهم خصوم لمن امتلك مؤهلات الكلمة ولم يتكلم..لمن امتلك آليات الفعل ولم يفعل..لمن امتلك مقومات النصح ولم ينصح..

هذا ما ينبغى أن نلتفت إليه دون مجاملة لأحدٍ على حساب الحق .. فالحق خصمٌ لمن علمه وكتمه  وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ  وهو ما يلقى بالأمانة والمسئولية على عاتق الرجلين، فالدنيا لا عُمر لها .. ولا شئ عند الله يعدل كلمة الحق .. ولا شئ عند الله يعدل نُصرة هذا الدين حين ضعفه، ودرء الباطل حين قوته، هذا ما فهمه الأئمة المخلصون من قبل..ابن حنبل .. والعز بن عبد السلام .. وابن تيميه .. وغيرهم .. جمعوا عبقرية الإيمان إلى عبقرية العقل فترسخ اليقين فى نفوسهم .. فانفضت محنهم وظلوا خالدين إلى هذا اليوم، وهو ما ينبغى للرجلين ولكل علماء الأمة أن يلتفتوا إليه.

رسالتى الموجزة إلى كلا الفيلسوفين أن ينظرا قضايا الأمة المصيرية .. أن ينصحا للأمة .. أن يوضحا ولا يكتما .. أن يجددا الدين بحق من كل زواياه لا من زاويةٍ واحدة لن تجدى فتيلاً فيما تصبو إليه الأمة.. رسالتي لهما أن ينصفا الدين إذ أتيحت لهما فرصة الإنصاف، أن يقدما الدين على الدنيا، فحينها ستأتى الدنيا راغمة، أن يصنعا وعيًا حقيقياً للأمة الإسلامية بقضاياها المصيرية، وإلا، فالنتيجة اللازمة من كل سجالٍ قام، لن تعدو سوى خسارة أفلاطون فى حلمه الجميل .. وخسارة الأمة فى قضاياها المصيرية ... وانتصار المتجادلين انتصارًا ظاهريًا لن يبقى له الزمن على أثر وإن عاش إلى حين..

 

دكتور / محمد ممدوح

دكتوراه الفلسفة اليونانية/ جامعة القاهرة

ودكتوراه الفلسفة الإسلامية/ جامعة المنصورة

 

قاسم حسين صالحعلاقة الحاكم بالمحكوم تحكمها ما اصطلح عليه بـ(السلطة Authority) وتعني باللغة الانجليزية التأثير باستخدام القوة على مجموعة من الأفراد او الجهات من خلال التحكم باصدار القرارات النهائية على وفق مجموعة من القواعد القانونية.وقد شغل موضوع السلطة علماء النفس والاجتماع والسياسة، نوجز اهم ما توصلوا اليه بما يمهد لفهم مشترك عن واقع حالها في العالم العربي.

يعرّف ماكس فيبر (السلطة) بأنها الفرصة المتاحة للقادة حتى تخضع لهم مجموعة معينة من الناس، وان ما يميز السلطة عن القسر والأجبار.. هو الشرعية ، ويصف السلطة الشرعية بأنها تلك التي يرى الحاكم والمحكوم أنها مشروعة ومبررة، ويقسّمها على ثلاثة:

السلطة العقلية القانونية التي تستمد شرعيتها من القواعد الرسمية والقوانين المعمول بها في الدولة وتمارس صلاحياتها وفق الدستور، والسلطة التقليدية وتستمد قوتها من التقاليد الراسخة والهياكل الاجتماعية، والسلطة الكارزمية وتستمدها من قائد بقدرات استثنائية يضفي على نفسه صفات التفرد والألهام والموهبة الألهية، ويضفي عليه الآخرون صفات البطل فيطيعونه ويتبعونه تماهيا به او خوفا منه لتمتعه بصلاحيات تفوق صلاحية السلطتين التقليدية والعقلية القانونية.. ويدخل ضمنها سلطة الأمير بمفهوم ميكافيللي الذي يبيح لنفسه استخدام المكر والخديعة.

ويتفق المفكرون (ميشيل فوكو، توماس هوبز، جون لوك، جون جاك روسو.. .)، على ان السبب الرئيس لضرورة السلطة هي حاجة الناس إلى قوة يخضع لها الجميع تكون المرجع والحكم الذي يفصل بينهم ويضمن حقوقهم ويقر لهم بالواجبات، ويجنبهم الصراعات القائمة على التصفية والإقصاء للتفرد بملكية شيء ما.ويخالفهم الرأي كارل ماركس الذي يرى أن جوهر ظهور السلطة اقتصادي خالص ناجم عن انقسام المجتمع إلى طبقات، فيما يرى ابن خلدون ان (العصبية) في العلاقات الاجتماعية هي اساس قيام السلطة، وأنّ القوانين السياسيّة الدينيّة أكثر نفعًا؛لأنّها الأحرص على تسيير أمور الناس الدنيويّة والأخرويّة كما يرى.

وفي كتابه" تاريخ العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيّام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر"، يقسّم بن خلدون القوانين السياسية التي تحكم الناس على ثلاثة:

1 - قوانين تعتمد السياسة العقليّة: يكون اهتمامها أمور الدنيا.. تخضع لغايات الحاكم المستبدّ، وتقدّم مصلحته على مصالح العامّة.

2 - قوانين تعتمد السياسة المدنيّة: وهي ما يطلق عليه الحكماء(المدينة الفاضلة)، لكنّها سياسة خياليّة بعيدة المنال ومذمومة عنده؛لأنّها تعتمد على الفرد، وتبتعد عن إرادة الحاكم صاحب السلطة.

3 - قوانين سياسيّة دينيّة: أي الحكم بشرع الله (الإمامة والخلافة).

وتُعدّ السلطة غير مشروعة في حال استخدامها للإجبار، والإكراه، والعنف أثناء تعاملها مع الناس، وخصوصاً في حالات الحروب التي تسيطر فيها السلطة العسكرية على المجتمع الذي تحتله، فتخضع الأفراد والمؤسسات لسلطتها، وهذا ما يُخالف القانون الدولي العام؛لأنّ أساس السلطة هو وجود شرعية لها يقرّها دستور يوجب عليها احترام الحقوق الإنسانيّة لجميع أفراد الشعب.

السلطة في العالم العربي .. مؤشرات لدلالات

كان العرب قبل الأسلام دولا ومماليك ممتدة في الشام والعراق واليمن، ويعدّ الأسلام بداية تحول كبرى في العالم العربي الذي كان موزعا بين دولتي الروم والفرس، لكنه شهد حروبا وصراعات نقدم عنها مؤشرات بايجاز عبر اهم عصورها.

 

العهد الراشدي (632- 661م)

في الخلافة الراشدية كان انتقال السلطة يتم بالتشاور وان كانت في عدد منها معقدة (ابو بكر) او خلافية (عثمان).. ومع ذلك انتهت حياة ثلاثة منهم بالقتل (عمر، عثمان، علي).. وانتهى الصراع المسلح على السلطة بمبادرة من الحسن بن علي الذي تولى الخلافة بعد والده، ثم تنازل لمعاوية، ليتولى الأمويون الحكم.

العهد الأموي (661- 750م)

يعدّ معاوية بن أبي سفيان هو اول من جعل الحكم وراثيا في تاريخ السلطة العربية والاسلامية، واستمرت الدولة الأموية تسعين عاما حكم فيه 14 خليفة بدأت بمعاوية (21سنة) وانتهت بمروان الثاني بن محمد الذي قتل عام 750م.

العهد العباسي (750 -1258م)

بدأت الخلافة العباسية بأبي العباس السفاح، وانتقلت لأخيه أبو جعفر المنصور، ومضت في ذريته، واستمرت دولة العباسيين خمسمائة سنة، في عصرين (الأول) ويبدأ بأبي العباس السفاح (749م) وينتهي بالمتوكل (847م) ومعظم خلفائه الأحد عشر ماتوا قتلا بضمنهم المتوكل الذي قتله أبنه!، وفيه قتل معظم أبناء البيت الأموي وكثير من قادة الأمويين وأنصارهم.. والعصر الثاني ويبدأ بالمنتصر بالله ابن المتوكل (847م) وينتهي بالمستعصم بالله (1258م)، حكم فيه 29 خليفة معظمهم انتهى قتلا او خلعا آخرهم قتله المغول.

العهد العثماني (1281-1924م)

كانت الخلافة في الدولة العثمانية وراثية في خط الأبناء، ويطبّق فيها حالة غريبة إذ كان يقتل جميع إخوان السلطان أو يسجنون في أقفاص في القصر حتى يموتوا أو يخرج أحدهم من القفص ليصبح سلطانا إذا دعت الحاجة لذلك.واستمرت الخلافة العثمانية إلى سنة 1924م وفيها ألغيت الخلافة وأقيم بدلا عنها النظام الجمهوري العلماني.. وكان آخر السلاطين العثمانيين هو السلطان عبد المجيد الثاني.

(يتبع)

 

أ. د. قاسم حسين صالح

مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية

 

عدنان عويدالمواطنة في سياقها العام مفهوم يحمل في مضمونه إضافة للدلالة الاجتماعية، دلالات عديدة، سياسية واقتصادية وثقافية، ففي كل دلالاته، هو دعوة إلى الانتقال بالإنسان من حالة ضياعه وغربته واستلابه في مجتمع أو دولة يحكمها التفاوت والتمايز الطبقي والعرقي والديني بكل أشكاله وتجلياته، إلى مجتمع أو دولة الحرية والعدالة والمساوة والحقوق والواجبات، وحق الاختلاف للجميع. وعند تحقيق هذه الدعوة على أرض الواقع، فهذا يعني نقل الإنسان من حالة (الرعية) إلى حالة (المواطنة)، أي إلى الحالة التي ستؤدي في المحصلة إلى فسح المجال واسعاً أمام الجميع في الحصول على العدالة للجميع دون تمييز في الحياة الاقتصادية، والرفاه والتعليم، وكذلك المساواة أمام القانون، وحق الانتخاب والترشيح والوصول إلى مناصب الدولة والمشاركة في القرار السياسي وبناء الحياة السياسية للبلد، مثلما يعني أيضا، تحقيق المساواة بين الجنسين (الذكر والأنثى)، والحد من سلطة المجتمع الذكوري، إضافة إلى تحقيق عدالة إنتاج واستهلاك الثقافة والمعرفة للجميع. هذا ونحب أن نؤكد هنا على مسألة في غاية الأهمية من الناحية المعرفية والإنسانية معاً، وهي، أن تحقيق حالة المواطنة، أي تخليص الإنسان من حالات اغترابه وضياعه واستلابه، لا تنال من وقع عليه فعل الاغتراب والاستلاب والضياع فحسب، بل تنال أيضاً من فرض حالات الاغتراب والاستلاب والقهر على الآخرين بفعل امتلاكه سلطة القهر والاستبداد.

أمام هذه المعطيات النظرية المتعلقة بمفهوم المواطنة، هناك مجموعة من الأسئلة المشروعة تطرح نفسها علينا وهي : هل الدعوة إلى مجتمع (المواطنة) مجتمع المدينيّة ا هي دعوة مشروعة أو عقلانية في وقتنا الراهن؟. هل شعارات المواطنة التي جئنا عليها أعلاه، أو ما نستطيع تسميته مضامين المواطنة، هي شعارات أو مضامين تتحقق بالإرادة الطبية ؟، أم هي فعل مقاومة مفتوح على كل دلالاته؟. وهل مهام المقاومة وأساليب تحقيقها إرادويّة، أم هي مهام يضعها الإنسان المقاوم (حزب . تجمع . طبقة) وفقاً لظروفه الموضوعية والذاتية التي تتحكم بحركته ونشاطه والمهام التي يضعها لنفسه؟. أي هل مهام المقاومة توضع وفقاً لتصورات ذاتية، أم هي مهام تحدد طبيعتها ودرجتها ونوعها وأساليب تحقيقها معطيات الواقع المادية والفكرية؟، وذلك انطلاقا من مقولة (أن الناس يضعون لأنفسهم المهام التي يستطيعون إنجازها فقط، أو التي تساعد الظروف على تحقيق إنجازها) .

إن الإجابة عن هذه الأسئلة المشروعة باعتقادي ستحدد لنا النتيجة التي نرمي إليها من طرحنا لموضوعة المواطنة. لذلك هذا ما يدفعنا للقول : إن أي دارس لطبيعة تكون وتطور المجتمعات البشرية سيجد أن التطور الذي يصيب المجتمعات تتحكم به جملة من الظروف الموضوعية والذاتية، وهذه الظرف لا تفرخ بشكل مجرد، بل هي نتاج الواقع ذاته وآلية عمله، دون أن نغفل مسألة أساسية في هذا الاتجاه وهي، أن الظروف الذاتية، وبخاصة الحوامل الاجتماعية، هي في طبيعتها حرية وضرورة معاً، وبالتالي فإن الحامل الاجتماعي محكوم بضرورة الواقع أولاً، ثم بالضرورة الكامنة فيه هو ذاته أيضاً، من حيث مهاراته وقابلياته واستعداداته النفسية والبيولوجية، ودرجة وعيه لذاته وللآخرين وللمهام المناطة به  .. الخ .

إذن، ما هو مطروح للتغير في هذا الواقع محكوم بالضرورة بمعطيات الواقع، وأن كل الشعارات والمهام التي تُطرح من أجل تغيير الواقع غالباً ما تعمل على إنتاجها وتحديد مسارها وأساليب عملها الظروف التاريخية المعيوشة. وهذا يذكرني بمقولة عقلانية للمفكر النهضوي "رئيف الخوري" يتكلم فيها عن مفكري الثورة البرجوازية في فرنسا التي أدت إلى كومونة باريس حيث يقول بما معناه: لم تكن أفكار فولتير مونتسيكو وروسو وهلفسيوس وغيرهم، هي التي حركت الثورة البرجوازية، بل كانت أفكار هؤلاء هي نتاج لهذه الثورة ومقدماتها. ولكن هذا القول لا يحجب الحقيقة التي تقول إن أفكار هؤلاء استطاعت فيما بعد أن تلعب دوراً هاماً في التأثير على تفكير النخب المثقفة لشعوب العالم الغربي وثوراته وما لعبته هذه النخب من تأثير على حياة شعوبها، ومنها الشعب العربي منذ الربع الأول للقرن التاسع عشر مع الطهطاوي، وخير الدين التونسي وإبراهيم اليازجي، وبطرس البستاني، وفرح أنطون، ومحمد عبده، والكواكبي، والأفغاني، وأديب اسحق وغيرهم الكثير.

على العموم نستطيع القول : إن مسألة طرح مشروع المواطنة هي مسألة نسبية في تطبيقاتها أولاً، وهي تدخل في نطاق التغيرات الكبيرة التي تصيب حياة الشعوب ثانياً، وهي تأتي في مرحلة لاحقة مع تأسيس وسيادة المجتمع المدني ثالثاً.

الدولة والمواطنة:

مع انتشار أفكار الحرية والعدالة والمساواة بين شعوب العالم، ومع ما تم من تحولات تاريخية هامة في حياة الشعوب، انعكست بالضرورة على طبيعة عمل الدولة ذاتها، في العالم الثالث، حيث راحت تأخذ في حساباتها – أي الدولة - طبيعة أفكار المواطنة وأهميتها بالنسبة لمستقبل الطبقة الحاكمة لهذه الدولة نفسها. وبغض النظر عن طبيعة نظام الحكم القائم، وشكل الدولة ذاتها، وطبيعة حاملها الاجتماعي، فإن قيم المواطنة أصبحت من المهام الأساسية والضرورية التي تفرض نفسها على السياسات الداخلية لحكومات هذه الدول، وبخاصة بعد التحولات التي تمت في مضمار النظام العالمي الجديد، حيث فرضت هذه التحولات وعياً لدى المواطن بمواطنتيه أولاً، والسعي لتحقيق هذه المواطنة عبر وسائل عدة، يأتي في مقدمتها الأحزاب السياسية، ومنظمات المجتمع المدني وغيرها. مثلما فرضت على الدولة ذاتها أن تقدم تنازلات تجاه فكرة المواطنة من الناحية العملية والقانونية وبخاصة على المستوى الدستوري.

إن قيم المواطنة، أصبح من الواجب على الدولة أولا، ومن ثم على مؤسسات المجتمع المدني، والأحزاب السياسية ثانياً، ترسيخها عملياً وفكرياً لدى الفرد والمجتمع، ويأتي في مقدمتها: الوعي بمهام الدستور، وبالحقوق السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية للفرد والمجتمع، وبمهام الفرد، ومدى الحريات الممنوحة وأنواعها، وبكيفية تشكيل القرارات السياسية، وكيفية تنفيذها، وبنمط الحكم السائد، وبنظم الحكم العالمية، وبشروط التمثيل النيابي، وبكيفية المشاركة في الانتخابات، وتشكل المجالس النيابية، وغيرها من قضايا المواطنة التي تساهم في رفع سويّة المواطنة ذاتها، وتخليص الفرد والمجتمع والدولة على السواء من عقلية وثقافة الراعي والرعية، وكل ما يعيق تحقيق دولة القانون، هذه الدولة التي إذا ما حققت مشروع المواطنة لأبنائها، ستشكل هذه المواطنة الرافعة العملية والفكرية لاستمرار الدولة وقوتها من جهة، والرفع من القيمة الإنسانية لشعبها ومكانته بين شعوب العالم من جهة ثانية.

ملاحظة: إن أية سلطة في أية دولة تسعى لتغييب المواطنة، أو الالتفاف عليها بشعارات فضفاضة، وعواطف تسويقية، وتسويات انتهازية، ستتحول هذه السلطة إلى عصاية، وعندما تقود الدولة عصابة سينتشر الفساد والظلم والتمايز بين مكونات المجتمع. وانتشار الرذيلة والفاحشة، ويعم الاستبداد، وينتشر ويسود الانتهازية والمطبلين والمزمرين من سفلة المجتمع، وفي النتيجة ستعم الفوضة داخل الدولة والمجتمع، وستنهار الدولة، وسيدفع الثمن الجميع دون استثناء.

 

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث من سورية

 

 

حاتم حميد محسنكان اول هجوم كبير على التنوير شنه الفيلسوف جين جاك روسو (1712-1778). روسو استحق سمعة الرجل المتمرد على فلسفة القرن الثامن عشر في فرنسا. في السياق الثقافي والفكري للتنوير، كان روسو صوتا معارضا كبيرا. هو كان معجبا في جميع الاشياء السبارطية – سبارطا العسكرية والاقطاعية – ومحتقرا لجميع الاشياء الاثنية (نسبة لمدينة اثينا) - الاثنية الكلاسيكية للتجارة والعالمية والفنون العليا. جادل روسو بان الحضارة هي مفسدة كليا – ليس فقط النظام الاقطاعي القمعي للقرن الثامن عشر بارستقراطيته الطفيلية المنحطة، وانما ايضا في الخيار التنويري بتمجيده للعقل والملكية والفنون والعلم. هذه كانت الخاصية المسيطرة للتنوير والتي وقف روسو بالضد منها.

في بحثه عن أصل اللامساواة، بدأ روسو هجومه على المرتكز الاساسي لمشروع التنوير وهو العقل.

الفلاسفة كانوا تماما على صواب بان العقل هو اساس الحضارة. التقدم العقلاني للحضارة هو كل شيء الاّ التقدم، لأن الحضارة تحققت على حساب الاخلاق. هناك علاقة عكسية بين التطور الثقافي والتطور الاخلاقي: الثقافة حقا تخلق تعليما كبيرا ورفاهية وتعقيدا - لكن التعليم والرفاهية والتعقيد جميعها تسبب انحلالا اخلاقيا.

"ان أصل انحلالنا الاخلاقي هو العقل، الذي هو أصل آثام البشرية". قبل ان يستيقظ عقلهم، كان الناس كائنات بسيطة منعزلة، يشبعون حاجاتهم بسهولة بجمع البذور من بيئتهم المباشرة. تلك الحالة السعيدة كانت المثال:" طالما ان حالة الطبيعة هي الحالة التي يكون فيها الاهتمام ببقاءنا الذاتي الأقل ضررا للآخرين، فان تلك الحالة بالنتيجة هي الأكثر ملائمة للسلام و للعرق الانساني". ولكن بمصادفة غير سعيدة وغير قابلة للتوضيح، استيقظ العقل، وحالما استيقظ العقل قذف بوابل من المشاكل على العالم، محولاً الطبيعة الانسانية الى النقطة التي لم نعد قادرين فيها العودة الى حالتنا الاصلية السعيدة. عندما كانت الفلسفات تبشّر بانتصار العقل في العالم، اراد روسو إظهار ان "كل التقدم اللاحق كان في ظاهره عدة خطوات نحو كمال الفرد، بينما هو في الحقيقة يتجه نحو تفسخ الكائن البشري". حالما استيقظت قوتهم العقلية، ادرك الناس ظروفهم البدائية، وهذا قادهم ليشعروا بعدم القناعة. لذا هم بدأوا بعمل تحسينات على ظروفهم، تلك التحسينات تصاعدت بشكل مثير في الثورتين الزراعية والمعدنية. وبلا شك، تلك الثورات حسّنت النصيب المادي للبشرية لكنها في الحقيقة حطمت الكائن البشري:" الحديد والقمح هما منْ جلب الحضارة للانسان لكنهما خرّبا الجنس الانساني".

هذا الدمار اتخذ عدة اشكال. اقتصاديا، قادت الزراعة والتكنلوجيا الى فائض في الثروة. فائض الثروة قاد بدوره للحاجة الى حقوق الملكية. الملكية، جعلت الناس متنافسين ينظرون للآخرين كأعداء.

فيزيقيا، عندما اصبح الناس اكثر ثراءً بدأوا يتمتعون بمزيد من الراحة والرفاهية. لكن تلك الراحة والرفاهية كانت سببا لإنحلال فيزيقي. هم بدأوا يأكلون الكثير من الطعام معظمه طعاما رديئا، وبهذا اصبحوا أقل صحة. هم أخذوا يستعملون ادوات وتكنلوجيات جديدة، وبهذا اصبحوا فيزيقيا أقل قوة. الشخص الذي كان في الماضي قويا جسديا اصبح معتمدا على الطبيب والاجهزة الاخرى .

اجتماعيا، مع الترف والرخاء جاءت يقظة المعايير الجمالية، تلك المعايير حوّلت حياة الناس الجنسية. العمل الجنسي الذي كان مباشرا في الماضي اصبح مرتبطا بالحب، والحب حالة فوضوية وحصرية وتفضيلية. الحب، بناءً على ذلك، ايقظ الغيرة والحسد والمنافسة والكثير من الاشياء التي وضعت الانسان بالضد من الآخر.

وهكذا "ادّى العقل الى تطوير جميع خصائص الحضارة – الزراعة، التكنلوجيا، الملكية، والجماليات – وهذه جعلت البشرية ناعمة وكسولة وفي صراع اقتصادي واجتماعي مع ذاتها ".

لكن القصة لم تنتهي هنا بل اصبحت اكثر سوءاً، لأن الصراعات الاجتماعية المستمرة خلقت القليل من الرابحين في قمة الهرم الاجتماعي والعديد من الخاسرين تحته. اللامساواة اصبحت نتيجة بارزة و ضارة للحضارة. هذه اللامساواة ضارة لأن جميع أشكال اللامساواة"حين تكون اكثر ثراءا او شرفا او قوة" هي "امتيازات يتمتع بها البعض على حساب البعض الآخر".

الحضارة، طبقا لذلك"تكون لعبة صفرية فيها الخسارة تأكل الربح الى جانب العديد من الأبعاد الاجتماعية الاخرى، حيث الرابحون يكسبون ويتمتعون اكثر واكثر بينما الخاسرون يقاسون الكثير ويُتركون الى الخلف".

لكن امراض الحضارة ازدادت سوءاً، لأن العقل الذي صنع لامساواة الحضارة ايضا صنع الأفضل الذي لا يهتم بمعاناة سيئي الحظ. العقل طبقا لروسو هو في الضد من العاطفة: العقل يخلق الحضارة التي هي السبب الحتمي لمعاناة ضحايا اللامساواة، لكن العقل ايضا يخلق اناسا عقلانيين يتجاهلون تلك المعاناة. "العقل هو من يخلق الانانية" كتب روسو "والتفكير يجعلها اكثر قوة". العقل هو الذي يحوّل الفرد نحو نفسه. العقل هو من يفصله عن كل ما يزعجه ويؤذيه. الفلسفة هي منْ يعزله ويحركه ليقول سراً للانسان الذي يقاسي، "متْ ان كنت ترغب، انا آمن وسليم".

في الحضارة المعاصرة، يصبح نقص العاطفة هذه اكثر من إثم. يرى روسو، بما ان الرابحين نجحوا في منافسات الحياة المتحضرة، الآن اصبح لديهم اهتمام شديد في المحافظة على النظام. المؤيدون للحضارة – خاصة اولئك الذين يعيشون في قمة الهرم وبعيدين عن التعساء – يخرجون ليشكروا التقدم الحضاري في التكنلوجيا والفن والعلوم. لكن أشكال التقدم هذه ذاتها والتمجيد لها تعمل فقط لإخفاء الأذى الذي تنتجه الحضارة. محذرا هربرت ماركوس و فوكلت، كتب روسو مقالا شهيرا في العلوم والفنون:"الحكام دائما ينظرون بسرور الى انتشار ذوق الفن والتسلية بين اتباعهم ". هذه الاذواق المطلوبة بين الناس "هي سلاسل تقيّدهم". "العلوم، الرسائل والفنون" – بعيدة عن رقي و تحرير البشرية – "تنشر اكليلا من الزهور على سلاسل الحديد التي اُثقل بها البشر وتخنق فيهم الاحساس بالحرية الاصلية التي ولدوا لأجلها، تجعلهم يحبون عبوديتهم، وتحوّلهم الى ما يسمى اناس متحضرون".

صرح الحضارة هذا فاسد جدا لدرجة لا امكانية للاصلاح. مقابل المعتدلين الخجولين الذين يريدون تحقيق مجتمع جيد باسلوب متدرج، دعا روسو الى ثورة."الناس كانوا باستمرار يرقّعونها (الدولة) هم يجب ان يبدأوا بازاحة الهواء ووضع المواد القديمة جانبا مثلما فعل ليكرغس Lycurgus في اسبارطة لكي يقيم صرحا جديدا جيدا ".

 

حاتم حميد محسن

........................

الاقتباسات مأخوذة من رسالة روسو الثانية حول أصل اللامساواة المنشورة لأول مرة عام 1755.

 

زهير الخويلدي"لا ضرر ولا ضرار" حديث شريف

برز تباين بين موقف تقليدي يمثلها الفقهاء وبعض المتكلمين والمفسرين والمؤرخين واللغويين يتبنى نظرة مقيدة للسلوك الإنساني ومنتصرة للحدود والضوابط والأحكام وموقف مجدد يتميز بالاستنارة يمثله العلماء والفلاسفة وغالبية المتكلمين ومعظم المؤولين يراهن على الحرية ويفسح المجال للعقل والإرادة والاجتهاد.

ماهي منزلة الحرية في الإسلام؟ هل ثمة تناقض بينها؟ إلى أي مدى يسمح الإسلام بالحرية الدينية؟ كيف عرف الإسلام مفهوم الحرية؟ ومتى تم التخلي النهائي عن مفهوم العبودية والرق والاستبداد والخضوع؟

تتمثل أطروحة هذا المبحث في القول بأن النظرة المقيدة للحرية الإنسانية والمثبتة للجبرية قاصرة وبعيدة عن مقاصد الشارع التي ذكرها في الوحي وأشار إليها النبي في سيرته وأحاديثه وأنها راجعة إلى اعتماد التقليد والتفسير الحرفي للنصوص وعدم مراعاة المصالح المرسلة والتأويل الشامل للإمكانيات التشريعية.

الإسلام دين حرية قام بإلغاء الرق وإزالة العبودية ونادي بمحاربة الظلم والاستعباد ورفض الحكم المستبد وانتصر للعدل في القضاء والمساواة بين الناس في الحقوق وطلب من الحكام تحمل مسؤولية كاملة في توفير الأمن والحماية للمواطنين وصيانة الكرامة لكل شخصية وتركيز الدولة الراعية لسلامة الاجتماع.

من غير المقبول أن تسود النظرة التقليدية الرافضة لفكرة الحرية والمكرسة للاستعباد والاستيلاء والغلبة والرافضة لكل حقوق الإنسان ومنتجة للإقصاء والتمييز والحكم المطلق الذي يعتمد على القوة والهيمنة.

غير أن التطرق إلى مسألة الحرية داخل النص الديني وضمن الفضاء الإيماني هو أمر جلل وعلى غاية من العسر والتعقيد ويتطلب التثبت الميداني والإحاطة الكاملة بموضوع البحث وشروطه ولوازمه وأهدافه وتبعاته على مسائل التسامي والعلو والقداسة والاطلاقية التي تتعلق بالألوهية والنبوة والقرآن والشعائر.

توجد اعتراضات على قبول فكرة الحرية الدينية داخل الإسلام:

- الدين مجال للتطبيق والفعل وليس مجالا للتنظير والجدل.

- وجود ثوابت في الإسلام وأحكام قطعية هي محل إجماع.

- القول بالقضاء والقدر وبأن الإنسان مسيرا و ليس مخيرا.

- مركزية مفهوم الطاعة لاحترام الأفراد لوحدة الجماعة.

- البحث عن الخلود في مقام الآخرة والنجاة من آثام الدنيا.

- العبودية المطلقة من البشر لله والتسليم لإرادته ومشيئته.

 فهل تؤدي هذه الاعتراضات إلى نفي وجود الحرية داخل الدين الإسلامي؟

كلا، توجد مساحات عديدة للقول بوجود حرية دينية داخل الإسلام تتراوح بين النص الرمزي والاجتهاد الفقهي والتأويل العقلي والتجربة التاريخية والموقف النبوي والفكرة الفلسفية والرؤية الوجودية الرسالية.

يمكن تقديم الأدلة الكافية على التبني العقدي للحرية في الإسلام:

- الانتماء إلى الدين لا يكون بالإكراه بل عن طريق الاقتناع.

- الإقرار باللسان عند التشهد هو أحد شروط الإيمان الحر.

- تعمل التجربة الدينية بوصفها تجربة لغوية على محاورة المرء لخالقه.

- استئناف الاجتهاد يشمل الأصول ولا يقتصر على الفروع.

- تأويل النص الديني لا حد له والمعنى متعدد والقراءة مفتوحة.

- التسامح لب القول في الإسلام وجوهر العقيدة وأساس الجاذبية.

فكيف تحول الإسلام التاريخي من الحرص على التحرر من كل القيود إلى تكريس العبودية لكل السلطات؟

يفسر المؤرخون هذا الانحراف بجملة من العوامل:

- الرواسب الجاهلية التي لم يتم القطع معها بشكل تام

- التأثر بالتجارب السياسية الكسروية والرومانية المجاورة

- تسرب الكثير من الاسرائليات التي أضرت أثر ما نفعت.

- فراغ دستوري في التشريع وغياب نظرية في الدولة.

إذا عدنا إلى التجربة الحضارية للمسلمين فإننا نجد ما يلي:

- قبول الإسلام التعددية في القراءة والتأويل داخله وتشكل الفرق والمذاهب والملل والنحل.

- تعايش الإسلام مع الطوائف المغايرة عنه من أهل الكتاب وغيرها من العقائد والأديان.

- خلو الإسلام من السلطة الكهنوتية ذات التنظيم الهرمي وجمعه بين الإيمان والإحسان.

- أهمية الاستشارة والبيعة العامة ورضا الناس في تكوين الشرعية السياسية للحكام.

جملة القول أن الفهم المستنير للإسلام يتساهل مع الحرية الشخصية والحرية الدينية وحرية الضمير ويقر حرية الفعل وحرية الإرادة وحرية الاختيار والحرية السياسية والحرية الفكرية والحرية الوجودية. فكيف مثلت مدرسة الاعتزال العقلية التأسيس الكلامي للحرية من خلال الإقرار بخلق الأفعال؟

 

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

علي رسول الربيعيغالبًا ما يتم فهم المفاهيم العامة بشكل أفض بمضاداتها، اذ بضدها تتمايز الأشياء. يمكن أعتبار حقوق الإنسان، كما نص عليها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادرعن الأمم المتحدة عام 1948، عالمية، شاملة حقًا من حيث النطاق والمضمون. جاء الإعلان العالمي ليعبر أساسًا عن قناعة راسخة، وكرد على أهوال الإبادة الجماعية للرايخ الثالث، بأن جميع البشر، بحكم كون كل فرد فيهم انسان، يتمتعون بالقدر نفسه من الحقوق الأساسية. كان الهدف من الإعلان العالمي هو ضمان الحد الأدنى من كرامة الإنسان لكل انسانعلى وجه الأرض.

على الرغم من مرور أكثر من سبعين عامًا على الإعلان العالمي، إلاُ أنه من الصعب للغاية تحديد ما يمكن أن يُقال الآن عن حقوق الإنسان. من المؤكد أنه حتى بعد مرور سنوات عديدة على الإعلان العالمي، لا يزال التعذيب والقتل والإبادة الجماعية والكثير من الضحايا. ومع ذلك، تتعرض معايير حقوق الإنسان للهجوم بشكل متزايد من قبل أولئك الذين يعتقدون أن المعايير الحالية تعرض للخطر تعبيرات التنوع القومي والعرقي والثقافي والديني. لقد تم التأكيد على تهمة أن السياسة الحالية لحقوق الإنسان تفرض الأيديولوجية والقيم الليبرالية الغربية على أولئك الذين يتعاطفون بقوة مع التقاليد وأنظمة القيم غير المتوافقة بشكل كبير مع الليبرالية، ويتقبلونها طواعية.

هناك سؤال نوقش كثيرًا بشأن ما إذا كانت حقوق الإنسان عالمية حقًا أم أنها تعتمد على الثقافة، وهي مسألة أصبحت أكثر إلحاحًا منذ الإحياء الأخير للقومية والسياسة العرقية في أعقاب سقوط الإمبراطورية السوفيتية1. علاوة على ذلك، فإن المشكلات التي أثارتها حقوق الأقليات تلقي بحدة وشدة أكبر على هذه القضية. تتضمن هذه المشكلات عادةً مواجهة بين الادعاءات الجماعية، الغارقة في أيديولوجية أو تقليد تتعارض مع المبادئ الأساسية للأعراف أو لثقافة الأغلبية، والمطالبات الفردية، التي صيغت كحقوق دستورية أساسية.

يؤدي التحليل التالي إلى استنتاج مفاده أن المعارضة بين المفهوم العالمي لحقوق الإنسان ونظيره النسبي الثقافي هو غير مناسب بل وخاطئ. أولاً، لا توجد رؤية واحدة للعالمية، فهناك العديد من الرؤى المختلفة. ثانياً، عكس العالمية ليس النسبية، ولكن الخصوصية. علاوة على ذلك، فإن الصراع بين العالمية والنسبية يميل إلى تفاقم المنظورات الليبرالية وكذلك المواجهات بين الليبراليين والجماعتيين. يمكن تجنب هذه الصعوبات إلى حد كبير عن طريق التمسك بالتعددية وتصورها للصراع بين الثقافات كديناميكي وسائل إلى حد ما. على الرغم من أن المصادمات بين العالمية والخصوصية تبدو حتمية، إلا أن هذه الصدامات غالبًا ما تكون أكصر جزئية وأكثرمحلية من المتوقع. وأيضا، في عالم متزايد الترابط، قد يكون هناك فرص أكبر للتقارب أكثر سهولة مما يبدو للوهلة الأولى.

من الضروري النظر بإيجاز في العلاقة بين العالمية والنسبية والخصوصية.

الصورة النمطية التي يستحضرها التباين بين العالمية والخصوصية هي صورة الانقسام بين الفردية الليبرالية الغربية والأشكال غير الغربية للجماعات الطائفية والقبلية. من ناحية، لدينا الفرد الليبرالي الملتزم بالديمقراطية الدستورية. من ناحية أخرى، المجتمع غير الغربي المترابط بإحكام، مع غرابة في بعض الأحيان إن لم يكن طقوس بغيضة صريحة (من وجهة نظر غربية)، مثل ختان الإناث على سبيل المثال وغني عن القول، ومع ذلك، فإن هذه الصورة تثبت أنها خاطئة إلى حد كبير. في الواقع، وبالمعنى الدقيق للكلمة، نلاحظ أنه على الرغم من أن النزعة الفردية الليبرالية الغربية قد تكون عالمية في تطلعاتها، إلا أنها في النهاية نظام أيديولوجي وقيمي معيّن مثله مثل أي من نظيراتها المجتمعية غير الغربية.

إن الفردية الليبرالية الغربية ليست بأي حال من الأحوال الإيديولوجية الوحيدة التي تتسم بطابع العالمية و الشمولية في تطلعاتها فهناك الجماعية الماركسية، ومن الأديان الإسلام. أما الرؤى الأخرى، على النقيض من ذلك، مثل تلك التي اعتنقتها أواليهودية، على سبيل المثال، فهي ليست عالمية في الطموح ولكنها تتبنى بعض المعايير، التي تفترض أنها عالمية في نطاقها. لأن الدين اليهودي هو دين شعب واحد لا يسعى إلى نشر جميع تعاليمه على الآخرين. بعض المعايير التي يتضمنها خاصة باليهود، بينما يزعم البعض الآخر أنها عالمية النطاق. على سبيل المثال، تعتبر معظم الوصايا العشر، وليس كلها، تنطبق على الشعوب الأخرى. تبعا لذلك، فإن الوصية الرابعة التي تعلق بشعائر يوم السبت لا تنطبق إلا على اليهود2. من وجهة نظر فلسفية، لذلك، فإن الفرق الرئيسي هو بين المعايير التي يتم تبنيها أو تبريرها عالميًا، والمعايير الخاصة، إما لأنها تعتمد في ثقافات معينة، ولكن ليس كلها، أو لأنه لا يمكن تبريرها عبر جميع الثقافات. علاوة على ذلك، من المهم التمييز بين الادعاءات الواقعية للعالمية والمطالبات المعيارية لها. على سبيل المثال، قد تمارس العديد من المجتمعات المختلفة بعض أشكال التعذيب، مما يعني أنه من المنظور الواقعي سيكون من الخطأ الادعاء بوجود تنصل عالمي من التعذيب. ومع ذلك، لا يزال من الممكن أن يكون الإدعاء متسقًا بأن التعذيب خطأ عالميًا وأن المجتمعات التي تمارسه أو تتغاضى عنه يجب إدانتها أخلاقياً.

في ضوء هذه الملاحظات، يبدو أكثر دقة التحدث عن العالميات (الشموليات) والخصوصيات في صيغة الجمع وليس في صيغة المفرد. التأكيد على الجمع مفيد في تبديد إغراء مساواة الخصوصية بالنسبية. قد تكون الممارسة المحددة للقيم خاصة بطبيعتها ونطاقها دون أن تصبح مجرد نسبية. تخيل، على سبيل المثال، أن هناك اتفاقًا عالميًا على أن الدين التوحيدي هو أعلى منفعة أخلاقية، لكن الطرق المختلفة لعبادة الله نفسه تستحق الثناء على حد سواء. في ظل هذا المفهوم، فإن المسيحية والإسلام واليهودية هي ثلاث ديانات، ولكن نظم القيم والممارسات التي يروج لها كل منهم ليست نسبية على الإطلاق. فهي ثلاثة تعبيرات مختلفة وخاصة عن الحقيقة الأخلاقية العالمية الشاملة نفسها.

لأن العلاقة بين ما هو خاص وما هو نسبي متعددة الأوجه ومعقدة، سأقتصر على النسبية التي لا يمكن فيها تبرير الادعاء المعياري إلا في النهاية من حيث المفهوم المتنازع عليه للخير. وبعبارة أخرى، عندما لا يمكن تبرير الادعاء المعياري إلا من حيث البعض من بين عدة مفاهيم متنافسة للخير، فإن مبرر مثل هذا الادعاء سيعتبر ذا طبيعة نسبية. وفي جميع الحالات الأخرى، على الرغم من أن تبرير الادعاء المعياري قد يكون معتمدًا على وقائع أو قواعد معينة، فسيتم اعتبار المبرر المعني على أنه مُخصِّص أو خصوصي وليس نسبيًا.

 أرى من الضروريالأشارة الى تمييز آخر بأختصار. فقد تثبت أن القيم العالمية في كل من الطموح والنطاق، عند الفحص والتدقيق، أنها أكثر خصوصية أو أكثر نسبيًة بكثير مما تم التفكير به في البداية. خذ الحظر العالمي المفترض ضد القتل. لا تحظر جميع المجتمعات القتل فحسب، بل يبدو أن هناك إجماعًا لصالح معاملة القاتل على أنه عالمي، أي أنه خطأ بغض النظر عن الثقافة أو الظروف التاريخية. بمجرد أن ننتقل من المفهوم العام للقتل إلى القضية الأقل تجريدية حول ما الذي يجب اعتباره جريمة قتل، يبدو أن الإجماع عرضة للإنهيار حتى داخل حدود نظام واحد . نشير مرة أخرى إلى أحد الأمثلة الصارخة، يعتبر الإجهاض في بعض البلدان جريمة قتل، وقتل عن عمد من قبل لأطباء الذين يقومون بإجراء عمليات الإجهاض3. بينما يعتبر آخرون القتل جريمة لكن لاينطوي الإجهاض بأي حال من الأحوال على قتل. علاوة على ذلك لا يتضح من هذا المثال ما إذا كان هناك إجماع على القتل بشكل عام، مع وجود خلافات بشأن بعض التفاصيل في ظروف محددة، أو سواء كان ذلك تحت إجماع عالمي، تكمن هناك النسبية الفعلية المستمدة من الصراع غير القابل للحل بين مفاهيم الخير.

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

....................................

 -1Kymlicka, Will.1995. Multicultural citi2enship: A liberal theory of minority rights. New York: Oxford University Press.1.

 -2 Stone, Suzanne L. 1991. Sinaitic and Noahide law: Legal pluralism in Jewish law. Cardozo Law Review 12: 1157.

 -3 Moore, Shelby. 1997. Doing another's bidding under a theory of defense of others; shall we protect the unborn with murder? Kentucky Law Journal 86:257. 269.

 

صالح الهماشي لعل من المتفق عليه ليس في الادبيات الاقتصادية فقط بل وفي عموم الحياة وبمختلف طبقاتها سواءً العلمية الاكاديمية او الواقعية العملية ان أي نشاط اقتصادي حتى ولو كان صغيرا فأن له مساهمة حقيقية وفاعلة في النمو الاقتصادي البلاد، لذلك فليس من الغريب ان نرى جميع دول العالم المتقدمة اقتصاديا تسعى لتوسيع نشاطها الاقتصادي وتنويع مصادر دخلها، للقيام بالعملية التنموية من جهة وتسيير أمور البلاد والعباد من جهة ثانية، ويتم ذلك من خلال الاستثمار التام والامثل لكل الموارد الطبيعية والجغرافية ،وطالما كان العراق واحد من اهم الدول التي تتمتع بموقع متميز على مستوى الخريطة السياسية او الجغرافية او الاقتصادية العالمية الامر الذي جعله هدف للعديد من الشركات العالمية، التي كانت وما تزال تسعى للاستثمار فيه الامر الذي يعود بالمنفعة للبلاد ويؤدي بالنهاية الى توفير الاف فرص العمل، وتعمل على تقوية وتعضيد الاقتصاد العراقي الذي هو بأمس الحاجة الى مثل هذه الاستثمارات، لكن ما يؤسف في الامر ان نرى الفساد من جهة وسوء الإدارة والتخطيط من جهة ثانية سواء كان ذلك مقصودا او غير مقصود او حتى ناتج عن اهمال على اقل تقدير يعمل على عرقلة مثل هذه المشاريع الاستثمارية، ولا يقف الامر عند ذلك بل ان بعض القرارات الارتجالية والغير مدروسة قد تجرنا الى تحميل العراق غرامات مالية جزائية اذا ما اخل العراق بهذه الاتفاقيات العالمية.

ان المقدمة السابقة قد لا يكون لها معنى ولا تترك عند القارئ الكريم أي قبول دون الإشارة ولو بشكل سريع وواضح وبدون أي مواربة الى بعض المشاريع التي تعتبر امثلة حية على سوء الإدارة وعرقلة عمليات الاستثمار داخل البلاد، ولعل واحد من هذه الأمثلة هو الغرامة التي تحملتها وزارة النقل بسبب عرقلتها للعقد المبرم بين الموانئ العراقية من جهة وشركة (العبد للنقل العام) من جهة أخرى عام ٢٠١٨ والذي تحمل العراق على اثر اخلاله بالعقد غرامات مالية وصلت لحد ٤٦ مليون دولار، وبالرغم من هذه الخسارة الغير مبررة والتي قد لا نجد لها مسوغ غير سوء الإدارة والعشوائية في اتخاذ القرارات الاستراتيجية، فان الامر لم يقف عند هذا الحد من الخسارة بل نجد ان هذه القرارات قد تكررت بصورة ثانية في قضية مماثلة وهي العقد المبرم بين العراق من جهة وشركة (منزيز البريطانية) من جهة اخرى ، وهي احدى كبريات الشركات العالمية في مجال إدارة وتوجيه المجال الجوي للدول والمطارات العالمية ونقل الافراد (الترانزيت) والنكوص الحاصل من جهة العراق في عقدها مع هذه الشركة الامر الذي قد يؤدي بنا الى غرامات مالية تصل الى ملاين الدولارات، مع خسارة الاتفاقية بما قد تجلبه للبلاد من فائدة مالية وسياسية، وتعيد للطيران العراقي وللأجواء العراقية المكانة المستحقة بين باقي الدول المنافسة التي بالرغم من انها لا تمتلك ما للعراق من مميزات لكنه تفوقه بمراحل كبير في مكانتها العالمية مثل تركيا او الامارات او قطر او غيرها من الدول التي قد لا تتورع لفعل أي شيء على المستوى الداخلي والخارجي لمنع مثل هذه العقود التي قد تهدد وتنافس مصالحها الاقتصادية ومطاراتها وما يدره لها من أموال وارباح كبيرة، تسد لها في بعض الأحيان افتقارها للنفط وتدر لها من الأموال ما تجعلها في غنى عنه مثل تركيا والامارات التي تعتمد في إيراداتها الكلية على قرابة ٣٠٪؜ من إيرادات المطارات والترانزيت .

كان من الممكن بل من المفترض ان يستفيد العراق مالياً واقتصادياً وحتى سياسياً من هذا الاتفاق ولكن الامر انتهى بأن يدفع العراق الملايين كتعويضات مالية وغرامات بسبب نكوصه على الاتفاق المبرم مع شركة (منزيز البريطانية) ومع الاسف وكما اعتدنا ان نرى العراق في السنوات الأخيرة نراه الخاسر الوحيد لكل ما يجب ان يكون ربحاً صافياً حلالاً له، لأسباب مختلفة منها الإهمال وسوء الإدارة، وشخصنة القرارات وتجييرها للصالح الشخصي على حساب المال العام، ولما لا يعلمه الا الله، ولعل هذه الصورة تعود بأذهاننا الى ملف ميناء الفاو الكبير، وكيف انتهى به الحال الى خربة ترتاعه رياح الخيبة والخذلان بعد ان غدا قرباناً ذبح على اعتاب ميناء مبارك الكويتي بالرغم من ان ميناء الفاو كان من المفروض ان يُنجز قبل سنين طويلة وان يرفد الخزانة المركزية العراقية بمليارات الدولارات سنويا، وقد لا ابالغ اذا وصفته بأنه من المفترض ان يكون الرديف الأمثل للنفط، والطوق الذي سيخلصنا من الاعتماد المفرط على الريعية التي لم تجلب للبلاد سوى الخراب.

ان الوضع العراقي الداخلي يحمل في طياته خطورة تتزايد مع تفاقم الازمة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية تحت ضغط الشارع العراقي الملتهب والمطالب بالإصلاحات السياسية والاقتصادية التي كانت البطالة وعدم توفر العمل هي سببها الرئيسي ومحركها الأول، مع ملاحظة العجز الحكومي الواضح عن تقديم الحل الواقعي واكتفائها بالتعيينات المركزية في الدوائر العامة كحل لازمة البطالة، وتركها مئات الالاف من شبابنا يفترشون الأرض ويلتحفون السماء في ساحات الاحتجاج في انتظار أي مشروع حقيقي يوفر لهم الكرامة مع الحياة من خلال فرص العمل، ولا اعلم ما قول شبابنا اذا علم ان الحكومة قد فرطت في مثل هذه الاتفاقية التي بالإضافة الى ما توفره من الاف فرص العمل فانه ستجعل المطارات العراقية قبلة لما لا يقل عن ١٠ مليون زائراً في السنة الواحدة يدخلون بشكل مؤقت (ترانزيت) بعد ان كان ولايزال الرقم صفر، وللقارئ ان يتصور ما يمكن ان يفعله ١٠مليون وافد سنويا قابل للزيادة، وما يمكن ان يوفره من اموال قد تصل لحدود ٢٪؜ من الناتج القومي كبداية للالتحاق بباقي الدول، وكم عامل وفندق وأسواق وعربات نقل وخدمة وصورة مشرقة يمكن يشغله هذا العدد من الزوار سنويا.

 ان الانذار الموجه الى وزارة النقل العراقية من قبل شركة منزيز البريطانية بسبب عرقلتها للعقود المبرمة بينهما من قبل متنفذين في هذه المؤسسة الحكومية وبدون أي مبرر وبشكل يثير الكثير من علامات الاستفهام التي تعود عليها العراقيون في ظل تفشي الفساد المال والإداري في البلاد، وإن التهديد المباشر من قبل هذه الشركات بمقاضاة وزارة النقل وشركة الخطوط العراقية ودفعهم بالإيفاء بالتزاماتهم بالقانون قد لا يخسر البلاد مبلغ الغرامة المنصوص عليه في العقد بالإضافة الى حرمانها من مئات الملايين من الدولارات في وقت ان البلاد بحاجة الى كل فلس ودينار، بل انها قد تؤدي الى عزوف باقي الشركات العالمية عن دخول البلاد للاستثمار ليبقى البلاد بذلك في الركن المظلم في الوقت الذي تحقق مطارات تركيا والامارات وقطر كل يوم تقدما وانتصارا على حسابه، مستغلة ضعفه، ولا استبعد ان تكون متسببة بذلك

 

الخبير الاقتصادي صالح الهماشي

 

عبد الجبار نوريتوطئة: "لكل فعلٍ ردة فعلٍ تساويه بالمقدار وتعاكسهُ بالأتجاه" أنه قانون فيزيائي سوف أستعيرهُ بموضوعية لوصف السلوك الأجتماعي والسياسي للفرد العراقي .

هناك سؤال يفرض نفسهُ عن مدى مصداقية الفرد العراقي في الولاء، حينها راجعت مدونات علم الأجتماع السوسيولوجي والسايكولوجي رست قناعتي في الأستعانة بمنجزات الدكتور علي الوردي عالم أجتماع عراقي ومؤرخ عُرف بأعتدالهِ وموضوعيته وأسلوبهُ السلس، تشعر أثناء القراءة في بحوثهِ أنهُ يتحدث معك أكثر من كونه يكتب لك، في كتاباته حرارة وصدق وواقعية وعفوية وبساطة، مع الوردي يمكننا أن ننظر بعيني زرقاء اليمامة  الثاقبة إلى حقيقة المجتمع العراقي بدون أقنعة بعيداً عن المزايدات الزائفة والمتهافتة والعادات البغيضة والآيديولوجيات الغيبية الوهمية الغير خاضعة للواقعية الملموسة أضافة إلى أن لديه أكثر من 150 بحثا في هذا المجال وخصوصاً كتابهُ " دراسة في طبيعة المجتمع العراقي " وسوف أركز على طبيعة المجتمع العراقي بكل أيجابياته وسلبياته وتباين طبقاته وبالأخص البدو ومدى تأثيرهم في المجتمع العراقي وما سببه من آثارأستمرت مدى أجيال وأمتزاج الحضارة مع مجتمع البداوة وظهور الصراعات لعشرات العقود وبالتالي الأمتزاج معها بصراع طبقي يشمل مناطق الوسط والجنوب بدون كردستان لأن لها حكاية أخرى لأختلافها جيمورفولوجيا عن باقي مناطق العراق .

فهي محاولة متواضعة في تفسير بعض الظواهر الأجتماعية في المجتمع العراقي على ضوء ثلاث فرضيات : أزدواج الشخصية وصراع البداوة والحضارة والتناشز الأجتماعي، تلك هي حفريات الدكتور علي الوردي في الشخصية العراقية، والتي هي بمثابتة دراسة مقارنة لطبيعة المجتمع العراقي وبناه الظاهرة والمخبأة وصراحة أستطاع العلامة الوردي أن يصوغ مفاهيم أجتماعية توقف عندها الزمن وشغلت الذين جاءوا بعده لآنها كانت ولا زالت بمثابتة الشرارة التي فتحت نيران الأسئلة حول بصمات طبيعة الشخصية العراقية.

أن ما تعرض لهُ المجتمع العراقي عبر تأريخه المئوي منذ تأسيس حكومته الوطنية في 1921 الكثير من المطبات والكوارث الطبيعية والأجتماعية والأنظمة الشمولية وفيضانات مدمرة والطاعون تتمثل بأفعال فيزياوية تتقارب من صدمات كهربائية هزت كيان الفرد العراقي وحفرت شقوقاً في اللاوعي وعملت على صياغة شخصية الفرد العراقي الذي يصفهُ علي الوردي في كتابه الموسوم " دراسة في طبيعة المجتمع العراقي " يقول : { لقد أجمع علماء الآثار أن وادي الرافدين كان مهبط حضارة تعد من أقدم الحضارات في العالم، وقد شاركهُ بهذه الميزة " مصر " وقد أختلف  بعض العلماء حول أيهما أسبق حضارة من الآخر، ليس هذا المهم أنما ما يهم هو معرفة أن العراق أحتضن منذ بداية التأريخ البشري حضارة مزدهرة، وأزدهرت في العهد العباسي حتى صارت بغداد العاصمة بودقة أجتماعية ضخمة تذوب فيها خلاصة ما أبدعهُ البشر من تراث حضاري}أنتهى .

لقد شخصتُ بعض من العادات السيئة المستلبة في شخصية المجتمع العراقي كردود أفعال جراء مؤثرات عنف الطبيعة والغزوات والأوبئة والفيضانات والمجاعات والنظم الشمولية، وكذلك أن أبرز الأفعال المؤثرة في طبيعة شخصية الفرد العراقي هي الحقبة (العثمانية) خلال أربعة قرون الأخيرة مما جعل جغرافية أرض الرافدين منطقة صراع بين الفرس والأتراك لأستغلال مواردها الطبيعية، والنزوحات البدوية والأنقلابات العسكرية المتكررة، والأحتلال الأمريكي في 2003 والتعسف الأرهابي الداعشي والأنفلات الأمني وأستقواء الميليشيات وغياب القانون كل هذا الكم الكارثي المستلب كانت مخرجاتها هذه الحفريات العميقة في شخصنة الفرد العراقي: 

أن تقارب الجسور الجغرافية لوادي الرافدين من الجزيرة العربية وصحرائها السالبة كانت قد دفعت بموجات بدوية الواحدة تلو الأخرى عن طريق الفتوحات أو عن طريق التسلسل التأريخي، لابد من هذه الموجات لها وقعٌ كبير كفعل فيزياوي مؤثر لوقوع الشعب العراقي بين نظامين متناقضين من القيم الأجتماعية :نظام- قيم البداوة الأتية اليه من الصحراء المجاورة وتلك البداوة ونزوعها إلى الحرب بروح قبلية بالأستقواء بمفاهيم القوة والعزة وعشق الحرية والمثل الثقافية البدوية مثل الأجارة والغيرة وقيم الضيافة وأيواء الطريد، ونظام - قيم الحضارة المنبعثة من تراثه الحضاري القديم، فكان ردة الفعل : أن يعاني الفرد العراقي صراعاً أجتماعياً وثقافياً على توالي الأجيال فهو من ناحية لا يستطيع أن يطمئن إلى قيمه الحضارية زمناً طويلاً ولا يستطيع أن يكون بدوياً لأمتلاكه وفرة المياه وخصوبة تربة الرافدين تضطرهُ إلى تغيير القيم البدوية الوافدة أليه لكي يجعلها ملائمة لظروفه الخاصة فقد أنفتح أمامه طريقان متعاكسان فهو يضطر أن يسير فيهما في آنٍ واحد، فهي :-

- (الأزدواجية) في شخصية الفرد العراقي كردة فعل ، يقول الوردي في هذا الموضوع: (العربي بدوي في عقله الباطن مسلم في عقله الظاهر)، ومن الأفعال التي صدمت الفرد العراقي عبر أربعة قرون من الصراع العثماني العربي وأبتلاء المجتمع العراقي بكثير من التناقضات والرؤى المتقاطعة في مختلف المساءل الفقهية والفلسفية والسياسية والثقافية وكانت ردة الفعل أن يقع الفرد العراقي ضحية هذا الصراع وأكتفى أن يتقمص بعضاً مما أستجد من أفكار ورؤى وسعى أن يكون جزءاً منها بدون أن ينزع جلباب العشيرة والطائفة والمنطقة ويتخلص من دائرتها الضيقة ينطبق عليه قول نزار قباني: (لبسنا ثوب الحضارة والروح جاهلية)، والحصيلة الحداثوية اليوم أن الفرد العراقي تغيّر سريعاً في الجوانب المادية ولكنهُ تغيّر ببطء في الجوانب الثقافية والقيمية .

- التناشز الأجتماعي الذي يميّز المجتمع العراقي والذي هو التفاوت في التغيير الأجتماعي وهو مولد للمشاكل الأجتماعية من أبرزها ظهور أزدواج الشخصية، ويؤثر سلباً على البنى الفكرية للأفراد ويغلق منافذ الوعي والتفتح الثقافي لتلوث اللاوعي في الذات البشرية بالرواسب القبلية والعادات العشائرية التي هي وريثة البداوة الصحراوية، ويقول الوردي في في كتابه (دراسة في طبيعة المجتمع العراقي): سيبقى التناشز الأجتماعي شاخصاً في حاضرنا ويخترق هيكليتنا الأجتماعية دون النظر في التغيير .

- الصراعات الدائمة والمتوارثة في المجتمع العراقي كصراع العشائر مع بعضها وصراع الحكومات ضد العشائر، وصراع الحضر البداوة وتعبير أدق صراع المدن مع الأرياف .

- ظاهرة التديّن في التشيع والتسنن والتصوف .

- الأزدواجية الشخصية في المناطق الحضرية .

- ظهور نخبة النفاق الأجتماعي المتمثلة بوعاظ السلاطين التي ظهرت جلياً منذ العهد العباسي وتمحورت بشكل طبقة واضحة مع العصرنة الحالية .

- أجمع علماء الأجتماع أن في صفات (البعض) من الشخصنة العراقية الغوغاء واللصوصية ونزعات جرمية وتخريبية .

- والبعض من المجتمع العراقي سماع للسوء ميال للفوضى .

- أن الشعب العراقي اليوم منشق على نفسه وفيه من الصراع القبلي والطائفي والقومي أكثر من أي شعب عربي .

- أهتزاز المنظومة الأخلاقية للمجتمع العراقي في العهد الأمريكي

 

عبد الجبار نوري - كاتب وباحث عراقي

 

المصطفى سلاملا يختلف دارسو السرد في كونه جزءا من الزمن / التاريخ، وشكل من أشكال الحضور في ذاكرة الأشياء والكائنات والكيانات، بمعنى أكثر؛ الحضور في ذاكرة الأمة وترسيخ هويتها أو تجذ يرها في التاريخ. وقد لعب السرد في تاريخ الشعوب دورا مهما في تجذير ذاكرة الأشياء والفضاءات والكائنات وحفظها من آفة المحو والغمر ... كما أنه جزء من عوالم الإمكان أو لنقل إنه آلية من آليات اشتغاله  . ويتأطر السرد ضمن ثلاثة أسئلة كبرى:

- سؤال الفعل

- سؤال السلوك

- سؤال الكينونة أو جدوى الوجود  .

من هذا المنظور، تتأسس قراءتنا  لرواية " المغاربة"  والتي حظيت بقراءات ودراسات مختلفة ومتنوعة . تنطلق هذه الرواية من تبئير حكاية محمد الغافقي قبل أن يصيبه العمى وبعد أن أصبح أعمى من جهة أولى. ومن جهة ثانية تبئير الحكي أو السرد حول فضاء بني ملال. وتتم عملية السرد بالتناوب بين كل من محمد الغافقي وأخيه عبد الهادي العسكري.

الرواية نص يسرد كينونة أو هوية فضاء بني ملال، وهي هوية متجذرة في التاريخ  المغربي المعاصر، وراسخة في جغرافيا المدن المغربية، والسارد هنا يتناوس بين فضاءين: فضاء دار الباشا وما تحمله من دلالات تاريخية وتراثية وسياسية وسلطوية وثقافية ...ثم فضاء المدينة وكيف أخذ في التشكل عمرانيا وسياسيا واجتماعيا.

يسرد هذا النص الفعل الإنساني سواء كان فردا أو جماعة، سلطانا أو رعية، مؤرخا أو فقيها أو سياسيا .، مناضلا أو انتهازيا، معارضا للسلطة أو منخرطا في لعبتها. إنه نص يستنطق فعل السلاطين والباشوات والمسؤولين في هذه الجغرافيا / الفضاء، فعل السياسي والإعلامي، فعل الفقيه والمثقف ... ثم علاقة هذا الفضاء كهامش بالمركز: كيف كانت الخيوط تمتد أو تتقلص بين المركز والهامش في تاريخ السلطة المغربية، طبعا الأمر يتعلق بالخيوط السياسية والاقتصادية والإدارية...بين بني ملال أو إيالة تادلا  بني ملال ومراكش أو الرباط ...لقد كان هذا الفضاء أو الإقليم محطة عبور من ...إلى ...

إلى جانب ذلك، يرصد السارد عبر رؤيته كيف كان نمط العيش في هذا الفضاء: لغة وتقاليد وعلاقات اجتماعية ومنظومة قيم وتمثلات ذهنية . هذا الفضاء بأبعاده الجغرافية والسياسية والتاريخية تؤثر فيه الطبيعة والحرب، رسم حدوده المجاعات والأوبئة، وتعيد تدبير سياسته الحَرْكات والحَرَكات، وتصنع مصيره جهات نافذة اقتصاديا وسياسيا. لقد تم تسريد هذه الموضوعات في الرواية بالموازاة مع دينامية الحدث وامتداداته  عبر مسافات سردية متنوعة.

لقد اتخذت هذه الرواية " المغاربة " عنوانا لها، والمغاربة جمع لمغربي المنسوب إلى المغرب، وهذا ما يجعلها تعني الكل، فهي ليست خاصة، إنها عنوان لهوية مركبة غير بسيطة . " المغاربة " مسمى أو دليل، أي علامة تتسم بالامتداد والتجدر في الماضي والانفتاح والتوسع في الحاضر، تجدر في التربة الدينية الملتبسة بالسياسة ، أو كيف ينبتق السياسي من جبة الديني ؟. التحضر عند المغاربة ملتبس بالبداوة، حيث لم نصل بعد إلى الفصل بين البداوة كنمط عيش في البادية والتحضر كنمط عيش في المدينة . المديني لم يتحرر من الريفي في نمط عيش المغاربة،  وهذا من بين الأسئلة العميقة في الرواية . إن المغاربة خصوصية في كل شيء.

الرواية والتاريخ:

حفلت الرواية في بناء متخيلها بالمادة التاريخية، حيث يلمس القارئ حضورا قويا للتاريخ إلى جانب مكونات أخرى مثل اللغة والأدب والفنون.. وكأنها بذلك متحف وضع فيه الروائي هذه الهوية في كليتها.

يدل التاريخ على توالي أحداث العالم على مر الزمن، أي الوقائع التي جرت أو حدثت في الماضي. والتاريخ ظاهرة  اجتماعية منتسبة إلى الماضي . إنه عند الدارسين: علم الإنسان بالماضي: يدرس صيرورة الأرض والسماء والأنواع كما يدرس الحضارة  .  وتثار حول التاريخ مجموعة من الأسئلة تخص: الحقيقة ؟ الذاتية؟ الموضوعية؟ علاقته بالسلطة؟ ...حيث هناك من يرى بأن التاريخ علم سلطوي، وعي بالسلطة . ويقترن وجودا وتحققا بمقولتين سلطويتين: الانتصار أو الهزيمة. إن التاريخ ينتج ويعاد إنتاجه ضمن مؤسسات السلطة، سواء كانت سياسية أم دينية أم اجتماعية أم علمية .في مجال السلطة السياسية يساوي مؤرخ السلطة بين الانتصار والحقيقة، ويربط الحقيقة بالمنفعة، فمن انتصر كتب تاريخه وهو الحقيقي  . ويتجلى هذا الأمر على مستوى الكتابة والتدوين، فإذا كان التاريخ يحدث مرة واحدة، فهو يكتب أكثر من مرة، وهذا يكشف عن المفارقة بين الحدوث والكتابة أو الرواية، أقصد رواية التاريخ نفسه . وهنا يخضع لتعديلات وتغييرات  تتحكم فيها مصالح وأهواء وتتخذ مصائر وأحوالا.

وإذا كانت الرواية عملا تخييليا جماليا مقترنا وجودا بالحاضر، فهي تعمل على استحضار المادة التاريخية، وهذا الاستحضار يتأسس على مبادئ مثل الحوار أو التفاعل أو التناص . وما يبرر للرواية ذلك هو كونها جنسا أدبيا غير مكتمل، تتفاعل داخله الأصوات والنصوص والخطابات ...غير أن ذلك يمكن تأطيره من خلال بعض المحددات مثل:

- الإرادة الإنسانية: حيث نشاه التاريخ رهينة بالإرادة الإنسانية، كما أن الحقيقة التي يحملها خاضعة لتلك الإرادة . وعندما ينتقل الحدث التاريخي إلى الخطاب الروائي هناك إرادة الروائي أيضا أو مقصديته . لماذا استند الروائي إلى التاريخ؟ وما هي رؤيته لذلك؟ وماذا يضيف المكون التاريخي إلى النسق الروائي جماليا وفنيا؟

- الذاكرة: هي هوية الأفراد والجماعات، ومثلما تتأسس على مكونات ثقافية مختلفة تتشكل أيضا من التاريخ، وبالتالي نتحدث هنا عن تاريخ الذاكرة الإنسانية عامة. وقد ساهمت الرواية عبر تاريخها في بناء وتشكيل أو ترسيخ هذه الذاكرة .

- الحاضر: له تأثير قوي ولافت  في الكتابة الروائية  ومسألة  التشخيص السردي  للقضايا الإنسانية وللتحولات السوسيو اجتماعية، حيث هناك استجابة دوما لأسئلة الحاضر الحارقة. كما أن إعادة النظر في التاريخ أو استحضار ه أو استلهامه  يشكل بدوره جوابا عن أسئلة يفرزها الحاضر . وكما قال سارتر: التاريخ محدد بالاستعادة القصدية للماضي عن طريق الحاضر .

انطلاقا من هذا التصور لكل من التاريخ والرواية كخطابين يتفقان في أمور ويختلفان في أخرى، يمكن لنا أن نطرح السؤال التالي: كيف تم استحضار التاريخ إلى خطاب رواية " المغاربة " ؟

بدءا من العنوان، يستحضر القارئ التاريخ، حيث لا يمكن تمثل " المغاربة " كشعب أو أمة دوت تاريخ . وبالتالي فلا بد من استحضار هذا البعد التاريخي بالقوة والفعل . هكذا يؤسس العنوان كعتبة هذا الأفق عند القارئ في التلقي قبل الولوج إلى عوالم النص ومداراته خلال عملية القراءة .

يؤسس التاريخ حضوره في الرواية من خلال صيغتين أو شكلين: تاريخ عربي عام من خلال استحضار وقائع تاريخية عربية مثل عزل الملك فاروق يوم 26 يونيو 1952. وكيف تخلى عن السلطة والنفوذ والأبهة مرغما . يقول السارد مقارنا بين الباشا والملك فاروق:" ومن هناك كنت أتأمله، كان يشبه الملك فاروق في تلك الصورة الحزينة  التي يودع فيها مصر ليركب باخرة المحروسة تاركا مصر لحكم العسكر .....لكن فاروق، يوم 26 يونيو 1952 وهو يغادر قصر رأس التين، كان يعرف أن كل شيء انتهى، فلا يرى إلا انهياره الداخل "   ثم تاريخ خاص: عزل باشا مدينة بني ملال أو ما يعرف في الكتابات التاريخية   المغربية بإيالة بني ملال، يقول السارد:" لكن ما الذي يحزن الباشا إلى حد أنه يجعله على حافة البكاء؟ وأي ملك خلفه وراءه ؟ ....كيف سيتحمل الحياة في هذه المدينة الصغيرة الصامتة الكئيبة ...؟"

الصورة الأولى لحضور التاريخ في الرواية:  يتأكد حضور المادة التاريخية في المتن السردي للرواية برواية تاريخ أسرة أو عائلة باشا مدينة  بني ملا ل وكأن التأريخ لهذه العائلة تأريخ للمدينة . لقد استدعى الروائي مرجعية تاريخية مهمة لبني ملال من خلال عائلة الباشا بوزكري وابنه عبد السلام وما عرفته تلك الفترة من أحداث وصراعات وحروب وتحولات في السلطة ومناورات بين السلطات المركزية والقبائل أو ما يعرف بالصراع بين المخزن والقبائل . هنا يكشف التشخيص السردي  المستند إلى المادة التاريخية دور القبيلة كمفهوم مركب في صيرورة الأحداث إلى جانب المكون الديني وكيف كان القياد يسوسون الإيالات " الأقاليم " ويعالجون تمرد القبائل ويضمنون تحلفها أو يكسرون شوكة  القوية منها . لقد كان للقائد بوزكري دور فعال في الوساطة بين السلطة المركزية والقواد الثائرين من جهة  ثم القبائل المتمردة والزوايا الدينية المؤثرة . يروي السارد، استنادا إلى المادة التاريخية  دور الوساطة التي كان يقوم بها الباشا للمستعمر: " أجمعت كل الوثائق التاريخية على أنه كان وراء مفاوضات استسلام كل قبائل تادلا، بل كان وراء دخول الاحتلال في 16يوليو 1916 إلى قصبة بني ملال بدون قتال . وفي 21 منه، أقيم استعراض عسكري ووشح القائد بوزكري من لدن ليوطي نفسه بوسام اعترافا له بجهوده في استسلام مواطنيه، وتلطف وسماه في كلمته – تهدئتهم لما فيه خير للجميع – "   . بهذه الصورة البانورامية ستكشف الرواية عن تاريخ هذه المدينة وكيف تشكل في ظل ظروف تاريخية خاصة .

إلى جانب استحضار تاريخ هذه العائلة، تم استدعاء تاريخ تأسيس حزب الاستقلال بالمدينة والذي صادف تعيين عبد السلام خلفا لوالده بوزكري، وكيف كان يتعامل  مع هذا الحزب من خلال سلطة الحماية ثم حدث عزل أو نفي السلطان محمد الخامس، ورد في النص ما يلي: فحين أراد الباشا  الكلاوي وبإيعاز من سلطات الحماية عزل محمد الخامس، وتولية فرد آخر من الأسرة الحاكمة مكانه ...تذكر ما قيل له، لم يتسرع، ولم يبد موقفه بوضوح، ووضع كما فعل والده دوما رجلا هنا ورجلا هناك . فالسياسة ليست علما دقيقا، ولا أحد يعرف من ستؤول له الأمور ....و نجح طيلة الشهور التي اشتدت فيها الأزمة في أن يكون في قائمة الفريقين، وكلما خلا إلى فريق قال لهم: أنا معكم . وحين نفي محمد الخامس بايع بن عرفة ..."   . هذه الوقائع التاريخية شكلت إطارا عاما لمدينة بني ملال باعتبارها الفضاء المركزي والمحوري في الرواية . وكأن الأمر يمثل نموذجا أو مثالا للمدينة المغربية عامة التي تأسست في ظل ظروف متشابهة .

التاريخ مادة ومكون أساسي نستحضره لفهم الحاضر والآن، غير أن هذا الاستحضار لم يكن موضوعيا أو حياديا بل تم من خلال رؤية السارد وبالتالي رؤية الكاتب، يمكن أن نتأمل هذا المقطع السردي: " كنت أرى الباشا وهو يحيي الناس بتثاقل وملل، وأقول لنفسي، ربما ليس للحكايات التي يتداولها الناس عن عائلته من الصحة إلا الأسماء والتواريخ، أما الباقي فتلفيق فيه من الخيال وتصفية الحساب المتأخر أكثر مما فيه من الحقيقة (ص 104)...

الصورة الثانية التي تم استدعاء التاريخ بها إلى عالم  الرواية:  هي اعتماد ما يمكن تسميته بهوية  "المغاربة " وذلك لكون هذه الأخيرة هوية مركبة وليست بسيطة، فقد تشكلت عبر طبقات ثقافية، ساهم في تشكيلها الديني والطبيعي والتاريخي والسياسي والقبلي ...و يدرك القارئ هذه الصورة من خلال ما عنونه الروائي ب: هذيانات مغربية  وقد قسمها إلى ثلاثة أبواب:

- باب المغاربة: في هذا الباب قدم هوية المغاربة من خلال مجموعة من السمات مثل علاقتهم بالسلطة، جاء في الرواية:  "فالمغاربة لا يحرسون الذكرى إلا إذا كانت تتكئ على سلطة قائمة (ص 109) .." وهذا أمر تؤكده الوقائع التاريخية حيث هناك أحداث ومناسبات احتفظ بها المغاربة لاستنادها إلى السلطة، سواء كانت سلطة سياسية أم سلطة دينية . إن ذاكرة المغاربة تاريخها متأسس على ماضيهم، أي أن حاضر المغاربة مبني على الماضي، كيف كانوا ؟ كيف تشكلت هويتهم ؟ سياسيا ودينيا واجتماعيا وطبيعيا ... يضاف إلى ذلك  ذهنية المغاربة ، فقد ورد في الرواية: " لأن المدن التاريخية لهذا البلد، وطيلة قرون كانت بالأساس محطات تجارية في الطريق العابرة للصحراء، ولأن مدنه الشاطئية، كانت هي أيضا، عبارة عن وكالات تجارية، فقد ازدهرت العقلية التجارية وصاغت بأناة أرواح المغاربة الذين صاروا لكل شيء، وبالنسبة لهم ثمن، وأعلوا إلى مقام القول المأثور بأن الشيء الذي لا يباع ولا يشترى حرام . لا تستغرب أن ترى، إذن، كل من في البلد يطلب من الوطن مقابلا، المقاوم والمناضل، والسياسي والمثقف، والرياضي، والفنان، ورجل  الدين...بلد ضاع بين نقائض كثيرة: الإسلام والوثنية، المخزن والسيبة، القبيلة والوطن، الأندلس والصحراء. .. وفي مقطع آخر، يتابع السارد سرده راصفا بعض خصوصيات هذه الهوية المركبة: " تعرض المغرب لقسمة ضيزى  وهو يستقبل الهجرات العربية، فالقبائل الشامية والمتاخمة للشام والعراق حيث تأثير الحضارات  الفارسية واليونانية والرومانية والبيزنطية عبرت توا إلى الأندلس، وكان من نصيب المغرب عرب نجد والحجاز واليمن: الرعاة والمحاربون، فلا غرابة أن يزدهر في الأندلس الشعر والغناء وأناقة اللباس والمأكل ورغد العيش، وأن تزهر هنا الخيام وبعر القطعان والشواء والسيف.."  .

الصورة الثالثة التي تمثل  بها التاريخ في رواية "المغاربة " تم من خلال اكتشاف مقبرة من الجماجم خلال بعض الأعمال (وجود جماجم دون هياكل) مما كان مناسبة لإثارة أسئلة دون أجوبة: لمن هذه الرؤوس ؟ لماذا دفنت هنا ؟ من المسؤول عن ذلك ؟ هي أقرب إلى الإعدامات الجماعية  التي وقعت في تاريخ المغاربة، جاء على لسان السارد: " وقعت هذه الإعدامات الجماعية فيما عرف بمحنة الاعتراف التي قام عبد المومن بن علي الكومي ثاني ملوك الدولة الموحدية، واقتدى فيها بمحنة التمييز التي أشرف عليها المهدي بن تومرت مؤسس الدولة . وهي تصفية دموية باردة وجماعية للخصوم والمعارضين بدعوى أن إيمانهم ضعيف وإخلاصهم مشكوك فيه . وربما هذه الجماجم المحيطة بنا هي الشواهد المتبقية من جرائم الاستفراد بالحكم والتعصب الديني الأعمى الذي كان يقتل فيه الناس جماعات على ترك الصلاة ....

الصورة الرابعة للتاريخ في الرواية: تاريخ اليسار المغربي، وكيف كانت المدينة فضاء احتضن هذا التيار الفكري الثوري، جاء في النص:  في شهر رمضان سنة 1960، وقع بني ملال حادث أثبت له بأنه كان على حق في كل توقعاته، فقد اندلعت ما صار يعرف في أدبيات اليسار، بانتفاضة القايد البشير بن التهامي، الذي اغتال رفقة القايد حمو الفاخري عميد الشرطة أوقبلي وفرا إلى الجبال المجاورة لبني ملال، وهناك هاجما، رفقة من انضاف إليهما (يردد الباشا أسماء قادة جمهورية تاكلفت الخاطفة واحدا واحدا ...أسسا جمهورية شعبية أوهى من زخة مطر في سمائم أغسطس..

الصورة الخامسة لاستحضار التاريخ في الرواية، تمت من خلال تاريخ تأسيس الفديك (جبهة الدفاع عن المؤسسات الدستورية) في 20 مارس 1963 . من خلال الإشارة إلى رموزها والغاية من ذلك، ثم هناك إشارة إلى أحداث مولاي بوعزة سنة 1973 (ص 193) .

باب السلاطين: تضمن هذا الباب جزء من المادة التاريخية، وهو ما يشكل الصورة السادسة لحضور التاريخ في الرواية، يتعلق الأمر كيف استقبل المغاربة إدريس بن عبد الله الأعزل الهارب من الشرق، وكيف بايعه المغاربة: " حين كان شيوخ أوربا، القبيلة الساذجة، يبايعون إدريس بن عبد الله الأعزل الهارب من الشرق رفقة مولاه راشد، ويقولون: هو سيدنا ونحن العبيد ...و حين بايعوا ابنه وهو طفل في سن إحدى عشر سنة، كانوا يضعون لبنات في تاريخ طويل لاحتقار الذات والعبودية المختارة ...  " . كما ذكر السارد بعض الوقائع التاريخية التي اقترنت ببعض السلاطين مثل: "كانت زينب النفزاوية وهي – بحسب وصف ابن خلدون – من المشهورات بالجمال والرياسة زوجة ليوسف ابن علي بن وطاس شيخ وريكة، ولما تغلب عليه لقوط بن يوسف المغراوي اتخذها زوجة له، ولما قتل أبو بكر بن عمر المرابطي لقوط تزوجها هو أيضا، لكنه اضطر إلى العودة إلى الصحراء فاستخلف وراءه على تراب المغرب وعلى زوجته يوسف ابن تاشفين . وهكذا لا يكتمل امتلاك الأرض إلا بامتلاك المرأة . لذا لا غرابة في أن يبقى الفقهاء، وحتى مجيء الاستعمار يتجادلون: هل فتح المغرب عنوة أم صلحا ؟ أو عنوة وصلحا في الآن نفسه ؟ كأنهم يقيمون وضعية جارية في سوق نخاسة لا وطنا وشعبا وهوية متجذرة . . "  وهناك مثال آخر ذكره السارد، يقول: " إن أرهقت الضرائب أو عسف القواد قبيلة فتمردت وقتلت القائد، وأغارت على القوافل التجارية المارة بالقرب منها أو القبائل المجاورة، كان السلطان يغضب ويعد حملته المدمرة، فيحرق الزرع ويسبي النساء والأطفال والأنعام، ويهدم الدور، ويعود بحصاد وافر من المساجين والرؤوس التي تعلق للعبرة في أبواب وأسوار المدن، هذه العين بالعين، لم تخلف في البلد كما قال غاندي، إلا عميانا . " . إضافة إلى أمثلة انتقاها السارد مصادر تاريخية متداولة ومدونة في المادة التاريخية المغربية مثل: المعجب في تلخيص أخبار المغرب لعبد الواحد المراكشي وإتحاف أعلام الناس لعبد الرحمن بن زيدان ومناهل الصفا لعبد العزيز الفشتالي .....

تاريخ المغرب كما ورد في " المغاربة " اقترن بسلاطين كثر، حكموا البلاد ومارسوا السلطة، وغلبت على تجاربهم أو ممارستهم: الاغتيالات والقتل والتمرد والعصيان والخيانات ...و من خلال هذه الأمثلة، استنتج السارد بخصوص التاريخ المغربي أو الكتابة التاريخية أنه يجب أيضا تاريخ الخيانة في هذا البلد   .

باب الأولياء الصالحين: في هذا الباب، ذكر السارد من خلال شذرات بعض وقائع الأولياء الغريبة  العجيبة . حيث لهذه الفئة الاجتماعية حضور قوي في تاريخ المغاربة . كما أن ذهنية المغاربة ومتخيلهم أو لا وعيهم الجماعي تأسست على هذا المكون الديني أو القدسي الذي لم يكن متطابقا مع الحقيقة الدينية، بل هناك انحرافات  أو شطحات  خارج المعيارية الدينية . وهذه الثقافة الدينية كما رسخها الأولياء وتفاعل معها المغاربة  وتأثر بها وجدانهم ونمط تفكيرهم، إلى درجة حيازتها لقداسة عندهم، ويمكن أن نستشهد بمثال  من الرواية:

- حين أدرك الموت أبا يعزى آل نور، ألح في طلب ابنه الفاجر، العاق، الذي ابتعد عنه. وحين جاء به تفل في فمه، وفهم كل من حضر الواقعة بأنه يعهد له بأمور الزاوية الكبيرة والغنية من بعده . كانت التفلة وصية وإرثا . (المعزى في مناقب الشيخ أبي يعزى)

- طمع مولاي رشيد في مال الشيخ علي بن عبد الرحمن الدراوي مؤسس زاوية تمدجوت، وتعدى ذلك بأن عامله على تادلا بأن يأمر الشيخ ببعث أمة فاتنة اسمها مباركة للبلاط أو يستصحبها معه، رد الشيخ على هذا الطلب "لما طلب المال أعطيناه، لكن على مباركة تقوم المعاركة " (دوحة البستان في مناقب الشيخ علي بن عبد الرحمن) ....

على سبيل الختم:

الرواية فن متخيل ينفتح على النص الثقافي في كليته وشموليته، والتاريخ مكون من هذه مكونات ذلك النص، واستحضاره إلى مدارات التخييل الروائي إعادة بناء له من جديد وتأويل معانيه ودلالاته . هذا الاستلهام للمادة التاريخية كما رأينا: أمثلة، شخصيات، عائلات، وقائع وأحداث ...لها دلالاتها ورمزيتها في تعميق الشعور بثراء الذاكرة التاريخية والرغبة في نقدها وغربلتها . اي إعادة الوعي بها ضمن أفق تأسيس وعي جديد بالهوية المغربية . هكذا تأسس الحضور التاريخ المغربي إلى عالم الرواية بسبب أزمة الحاضر وانشغالات الراهن واسئلته المشحونة بالتناقضات والتوترات.

الرواية خطاب منتج للمعرفة وبالتالي ساعدت القارئ على معرفة تاريخ هذا الفضاء وتاريخ هذا الإنسان ومعرفة هويته المركبة ...لقد سعت الرواية إلى مساءلة تاريخ المغاربة المكتوب سواء من حيث الانتقاء لنصوص ومقاطع من مصنفات تاريخية معلومة ومشهورة ومتداولة، أو من حيث الأسلبة التي خضعت لها الخطابات التاريخية في كثير من مقاطع الرواية أو من حيث جعل التاريخ مؤطرا للحكاية وخاضعا لرؤية السارد الذي يؤول ويسأل ويسخر أحيانا  (و هنا صوت آخر للكاتب) . بهذه الصورة، يكون التاريخ الرسمي فاقدا لكثير من الصحة ومقبرا للحقيقة  أو مغيبا لها .

إن استدعاء التاريخ إلى خطاب الرواية هو استدعاء للمساءلة، وإتاحة الفرصة للقارئ المغربي والعربي أن يقرأ التاريخ عبر الرواية . ولتجاوز هالة القداسة التي تطبع هذا التاريخ المكتوب وتحيل إلى مواقع الصمت في كلام المؤرخين .

 

د. المصطفى سلام

 

عبد العزيز كحيلالعلمانية العربية منهج فكري لتغيير الحياة ليست حيادية تجاه الدين إنما هي حرب على الإسلام، إنها غواية في شكل هداية، ترفض الإسلام في منطلقاته وأهدافه وأدواته، وهي التطرف المسكوت عنه.

والعلمانيون في فضائنا مسلمون لكن على طريقتهم الخاصة.

بداية القضية أنهم لا يأخذون تصوراتهم عن الله والكون والإنسان والحياة من الفكر الإسلامي ولكن من الثقافة الغربية التي يعدونها هي وحدها الثقافة والعلم والمعرفة، وبما أن الدين في الغرب ظاهرة إنسانية يقوم الناس بتطويعها والتصرف فيها فهم لا يتناولون الإسلام إلا من هذا المنظور أي يقيسونه على المسيحية ويريدون له أن يتطور كما تطورت لينتهي إلى "العلمنة" و "الأنسنة"، لهذا نجدهم ينتقدون المتدينين والفقهاء والخطاب الديني من خارج الجسم المسلم، فهم لا يدخلون المساجد ليسمعوا خطابها ويختلطوا بروادها ويعيشوا أجواء الأخوة الايمانية، ولا يناقشون المتدينين بل يتعالون عليهم، ولا يعترفون بعلم علماء الدين ويصمونهم بالجمود والتعصب بينما يرون في أنفسهم العظمة والكبرياء والهيبة، أي هم مصابون بآفات الصلف والغرور والكبْر، هذا ما يمنعهم ابتداء من أن يكونوا مثل باقي المسلمين، وهذا ما يُسلمهم حتما إلى موقف فكري أقرب إلى الجحود، وإلى موقف سلوكي كله اعتزال للمسلمين وتضايق من الإسلام الذي يعرفه الناس منذ 15 قرنا من الزمن.

يطالبون بتجديد الخطاب الديني بل بقراءة جديدة للإسلام فيها قطيعة مع جميع القراءات من داخل الكيان الإسلامي ليتوافق مع فلسفة الغرب ونظرته إلى الدين والإنسان أي حتى لا يبقى هناك دين أصلا إلا خيط رقيق واهٍ يسكن قلوب العجائز.. يتناولون الإسلام وكأنه موضوع فكري بحت ليس فيه مقدس ولا وحي، هو موضوع يصلح فقط للنقاش وخاصة للنقد اللاذع الذي لا يعترف بثوابت ولا محكمات، إنهم يريدون – كما قال الشيخ البوطي رحمه الله – "الجلوس على مائدة مستديرة يناقشون كلام الله وأحكامه وحلاله وحرامه"...أجل، يناقشون لأنهم بعيدون عن الالتزام به والامتثال لمقتضياته، مشكلتهم أنهم "مسلمون" لكن لا يوجد في أفئدتهم خشوع ولا خشية ولا محبة لله تعالى ولا توقير له ولرسوله وأوامره ونواهيه، لا يسلّمون أن الإسلام ليس عقلا فحسب بل هو عقل وقلب في تلازم حتمي، يرون الإسلام عملا وبناء وعمارة وسعيا من أجل الحياة الدنيا، وهذا صحيح لكنه قبل ذلك صلاة وعبادة وفرائض ونوافل وواجبات ومحرّمات...وهذا بيت القصيد: العلمانيون يتبرمون من هذا الإسلام الذي فيه تكاليف ومشقات وهم يريدونه كالمسيحية لا تكاليف فيها ولا مشقات، وهذه هي المشكلة: غياب الوازع الديني والإيماني من هذه القلوب "المسلمة"، فهؤلاء رغم إسلامهم ليس لديهم يقين، وهم بعيدون في حياتهم عن الله، لا صلاة لهم ولا ذكر ولا تلاوة...تماما كالمسيحيين، حتى لو كان لديهم يقين عقلي فإنه لا يكفي حتى تتوفر معه حرارة الإيمان كما هو معلوم من قطعيات القرآن والسنة.

وبسبب هذا الفصام النكد يرفضون وصف الإسلام بأنه نظام حياة ويفضلون – في أحسن الأحوال – وصفه بدين الحرية والعدالة والمساواة، وهذا صحيح لكنه قبل ذلك عقيدة راسخة وعبادة تستوعب العمر ووحي إلهي يذعن له الجميع، وهو نظام متكامل شامل لشؤون الدنيا والآخرة والروح والجسد والفرد والجماعة والأسرة والمجتمع والحرب والسلم.

بناء على هذا نتأكد من الفرق الهائل بين التجديد الذي يطالب به المتمسكون بدينهم وبين التبديل الذي هو بضاعة العلمانيين.

يزعم العلمانيون أنهم لا يناقشون الإسلاميين لأن هؤلاء متعصبون يرفضون النقاش والحوار، وهذا بهتان مبين، والمشكلة هي أن العلمانيين دأبوا على فرض قراءاتهم وآرائهم كأنها حقائق مسلّمة لأن المفكرين الغربيين انتهوا إليها، فإذا ردّ عليهم محاوروهم بأن هذه الآراء شيء آخر غير الإسلام الموجود في القرآن والسنة كثُر صراخهم واتهموهم بالتكفير...هذا ما حدث بالضبط مع محمد أركون في ملتقى الفكر الإسلامي بقسنطينة عام 1981- وكنت حاضرا- وشاع أن محمد الغزالي كفّره، والحقيقة انه ردّ عليه بينما أركون يرى أن قراءته لا تقبل الرد.

أسس ومنطلقات العلمانية العربية في نظرتها إلى الدين:

- لا تؤمن بوجود حقائق مطلقة فكل شيء متطوّر، وكل شيء في حياة البشر نسبي وخاصة الدين والأخلاق، ولا بد بالتالي من إعادة النظر في كل شيء وممارسة الشك في كل قضية أيا كانت.

- إسقاط القداسة عن الدين وتدنيس المقدس لأن الدين هو سبب التخلف والفشل.

- إحياء وتعظيم الوثنيات القديمة كالفرعونية والبربرية والآشورية والفينيقية كهوية بدل الانتماء الإسلامي.

- استباحة المحرمات والتحرر من الضوابط الشرعية وإسقاط موازين الحلال والحرام والاصطفاف مع الغرب وفلسفته ورؤاه وأساليبه وأخذ كل شيء عنه من التقنية إلى الثقافة وإخضاع الدين لمقاييسه لأن الحضارة الغربية تمثل نهاية التاريخ.

- تأليه الإنسان ورفع الوصاية عنه ليحلّ محلّ الله والدعوة إلى تبني الإنسانية كمبدأ وغاية، وفي نفس السياق تأليه العقل والعالم المادي، فبينما في التصور الإسلامي "الله" هو المحور نصبح هنا أمام تأليه الإنساني وأنسنة الإلهي بحيث يغيب المقدس بتأويلات بعيدة وتُنزع القدسية عن الدين والأنبياء وتُنكر المعجزة الإلهية وتُضخم "المعجزات " الإنسانية، أي يحدث انتقال مركز الاهتمام من الله إلى الإنسان ومن السماء إلى الأرض.

- الدعوة إلى القطيعة مع ماضي الأمة ومفاهيمه وتراثه والانفصال عنه تماما.

- تشويه الاسلام لتنفير الناس منه بالافتراء على مضامينه وتاريخه وتضخيم أخطاء المسلمين قديما وحديثا وتحميلها للدين ذاته.

العلمانيون والقرآن:

ليس للعلمانيين في فضائنا الإسلامي تفاعل ديني، فهم في دراساتهم الأكاديمية وكتاباتهم الفكرية والصحفية ومداخلاتهم المختلفة يتمحور موقفهم من القرآن الكريم حول رفع القدسية عنه وحذف عبارات التعظيم وتقرير عدم أفضليته ورفض التسليم بأنه معجز وأن فيه كل شيء، ويتعاملون معه ثقافيا باستبعاد الآليات المعتمدة عند المسلمين وتفضيل تطبيق مقررات العلوم الإنسانية والفلسفة مع إطلاق سلطة العقل دون قيود مع تعميم الشك على كل مستويات القرآن، وهذا ما ينتهي إلى "نصرنة" الإسلام وإحداث قطيعة معرفية بين القرآن وبين القراءات التراثية التأسيسية والتجديدية، وهي قراءات انتقادية لا اعتقادية كما يُفترض في أي مسلم.

- تتلخص علاقتهم بالقران في تسويته بكلام البشر و نزع قدسيته من النفوس، وقصر أحكامه على زمن النزول، واستغناء البشرية عنه لأنها بلغت الرشد العقلي، وتفسيره تفسيرا باطنيا أو تفريغ نصوصه من المعاني، وفي هذا المسعى يجاهرون بإبطال جميع علوم القرآن والاعتماد فقط على المناهج الغربية المستحدثة إلى جانب إنكار السنة النبوية سواء كمصدر للتلقي أو كشارح ومبين للقرآن.

العلمانيون والوحي:

لا يعدّون الوحي مرجعا من مراجع المعرفة لأن المعارف لا تأتي إلا من دراسة الطبيعة والتاريخ ، لذلك ينكرون حجيته ويُلحقونه بالغيب الذي يزدرونه، فلا يؤمنون بالشريعة وثباتها فضلا عن تحكيمها، ويميّعون الفرائض والحرمات، ويستبعدون الأخلاق الإيمانية لصالح ما يسمى الأخلاق الإنسانية والطبيعية، ويرفضون أطروحاته حول الحدود والمرأة وغير المسلمين، وفي كل هذا يتحججون بروح النص ومغزاه ومقصده مستبعدين ظاهره الواضح المجمع عليه، بل يتهكمون من "عبادة النصوص".

بناء على ما سبق فإن العلمانيين "المسلمين" يريدون – في أحسن الأحوال - عقيدة بلا شريعة ودعوة بلا دولة وسلاما بلا جهاد وحقا بلا وعبادة بلا معاملة ودنيا بلا آخرة.

العلمانيون والتجديد:

يطالب العلمانيون بتجديد الإسلام، والمقصود منه هدم ممنهج للدين، هدم عقدي وروحي وسلوكي، هدم ليس فيه نقد علمي ولا أمانة في النقل ولا فهم صحيح ولا حتى حياد في التناول والطرح، بل هو نشر للشكوك حول القطعيات والمسلّمات الدينية، وهذا تقليد واضح لنقد أرنست رينان للمسيحية بأسلوبه الفلسفي والتاريخي.

إن العلمانيين يستخدمون مصطلح التاريخانية لدراسة الدين دراسة نقض وهدم لإبطال عصمة الوحي والتشكيك في ثبوت القرآن وصولا إلى إزاحة العامل الديني من ساحة المجتمع المسلم نهائيا كما يؤكد أركون في جميع دراساته.

ونشير إلى هذا "التجديد" يتولاه أدباء وكتاب وفنانون وإعلاميون وسياسيون، أي كل من هب ودب... فلسنا أمام علماء أو مفكرين بل أمام محاربين الداء لعقيدة الإسلام وشرائعه وتاريخه وحضارته.

والاجتهاد عندهم لا يعني البحث عن الحكم الشرعي ولكن تطويع النصوص الدينية المحكمة للفكر المعاصر والواقع المعاش، واستحضار نصوص الشرع للهروب منها وإعطاء العقل بعدا تشريعيا والتمويه على كل هذا بمقولة "إعطاء العقل أقصى درجات الفاعلية"، ينطبق عليهم قول الإمام الشاطبي: "من نظر إلى طرق أهل البدع في الاستدلال عرف أنها لا تنضبط لانها سيالة لا تقف عند حد، وعلى كل وجه يصح لكل زائغ وكافر أن يستدل لزيغه وكفره حتى ينسب النحلة التي التزمها الى الشريعة".

هكذا هو الخطاب العلماني: منهجية انقلابية على الدين الإسلامي والحضارة الإسلامية لانبطاحه التام أمام الواقع الغربي فكرا وحضارة وممارسة فردية وجماعية، فيه التوظيف غير البريء لمسألة المقاصد والمصالح كبديل عن علم أصول الفقه وإعطاء المسألة بعدا بشريا بحتا، أي هو إنكار شمولية الإسلام وثبات الشريعة، وإحلال شريعة العقل محل شريعة الوحي. ويكفي إصرارهم على القطيعة التامة مع التراث المفسر للنص الشرعي والاستخفاف بالفكر التقليدي وحتى بتفسير الرسول صلى الله عليه وسلم للقرآن، وتبنيهم النسبية التامة للنص الشرعي ودلالاته، نسبية تمتد إلى المعنى والفهم.

الاعتماد فقط على حس المفسر وذوقه أي هدم أصول الدين الثابتة

وهكذا تدور العلمانية بين كفر مكشوف و آخر مقنع.

العلمانيون والحرية:

تحتل الحرية مكان الصدارة في أدبيات العلمانيين ومساحة كبرى في تنظيرهم باعتبارها منتوجا إنسانيا يُثبت ذات الفرد ويحميه من كل الضغوطات، وهم يستلهمون مفاهيمهم حولها من ثورة أوروبا على الدين حيث كانت الكنيسة قد سلبت الناس حرياتهم بما في ذلك الدولة فقامت الثورة الفرنسية بتحرير الناس والدولة من سلطان الكنيسة، وهذا كلام صحيح لكن إسقاطه على الحالة الإسلامية ليس قياسا مع الفارق بل هو قياس فاسد أساسا.

العلمانية والحياة السياسية:

ليس للعلمانية العربية مشكلة مع الاستبداد ولا التخلف ولا الاحتلال إنما مشكلتها معالاسلام لأنه – من جهة – نقيض طروحاتها الفكرية وشهواتها النفسية، ومن جهة أخرى هو موئل الأمة وملاذها، انحازت إليه بقوة ووضوح كلما أتيح لها الاختيار الحرّ ولفظت إيديولوجيا العلمانيين وأحزابهم، ولها دورها في الانحطاط الفكري والسياسي والسقوط الحضاري الذي تعرض له الوطن العربي طيلة عقود.

القوى العلمانية العربية كائنات غير ديمقراطية لهذه الأسباب:

1- لأنها قوى ضعيفة مشتتة مبعثرة، غير قادرة على إقامة قطب سياسي ينافس القطب الإسلامي، بما يسمح بمنافسة جادة وشريفة ومتقاربة من حيث القوة والحجم

2- لأنها قوى لا تقبل بالهزيمة الانتخابية، ولا تسلم للفائز في الانتخابات بأن يحكم، وهي مستعدة للفوضى بديلا عن حكم الإسلاميين، ومستعدة لهذا الغرض للتحالف مع العسكر ومع الأنظمة الاستبدادية المطاح بها كما حدث في مصر وتونس.

3- فقدت الثقة في الشعوب لذلك تستقوي بالقوى الخارجية وتبذل في سبيل إرضائها كل شيء من مصالح الأمة إلى المبادئ والقيم.

لهذه الأسباب أصبحت العلمانية بمثابة الهراوة الفكرية والإعلامية التي تمهد الطريق للقصف الأمني المكثف وحملات البطش والقهر التي تنتهجها الأنظمة مع الشعوب وقوى التحرر والتغيير، كما أصبحت تروّج مقولة إن الشعوب تريد الأمن وليس الحرية،

من غرائبهم:

- يؤمنون بحرية الرأي إلا الفتوى الدينية فهم يرفضونها حتى ولو لم تكن ملزمة.

- يؤمنون بحرية الشخص الذكر والأنثى في لباسه إلا حجاب المرأة فهم يتضايقون منه ويضيقون عليه، تماما كما يتضايقون من لحية الرجل المتديّن، بل يمقتون هذا المتديّن حتى ولو كان حليقا ويرتدي اللباس العصري...أجل، هم مع المرأة و حقوق المرأة إذا تعرت و ضد المرأة إذا اختارت الستر

لأن العلماني شهواني لا يهمه من المرأة إلا جسدها فإذا اختارت الستر والعفة وقف ضدها بالتشهير والسخرية وحتى بسن القوانين العنصرية الحقيرة، فإذا اختارت العري والسفور وقف معها بالتبجيل والدعاية الكاذبة وحتى بسنّ القوانين المخالفة لثوابت الأمة وحتى للفطرة السليمة.

- يحترمون جميع الأديان السماوية والأرضية إلا الإسلام، فهم يتبرمون منه ويلصقون به شرور العالم، وقد رأينا مرات مرات بسبب أحداث وقعت هنا وهناك أنهم لا تحركهم الاساءة للدين ولا لشخص الرسول صلى الله عليه وسلم بل المساس بمثلهم الغربي واليهودي.

- يحملون ثقافة الضرار وينشرون تزييف الوعي من الداخل مستعينين بمفكرين "تنويريين" هم في الغالب شيوعيون ملحدون (هذه ليست تهمة جزافية بل حقيقة تؤكدها الأدلة القاطعة).

- مسلّمات الفكر الحديث قطعية أما مسلّمات النص الديني فليست قطعية، وهذه نتيجة حتمية لتحكيم الآليات الغربية الحديثة لمخالفة الموروث الثقافي في التعامل مع الاسلام

- إنهم ضحايا الاستلاب الكلي إلى حدّ التنكر التام للوضعية الذاتية والذوبان في عالم الغرب وفرنسا بالذات، ويحتضنون اللغة الفرنسية أكثر من الفرنسيين أنفسهم الذين مالوا إلى الانجليزية كَرها واضطرارا، لأن الفرنسية عندهم شكل من أشكال رفض العربية والإسلام ولديهم ولع بالثورة الفرنسية ليس لأنها حررت الشعب من الاستبداد ولكن لأنها أسست الدولة اللادينية واستبعدت الدين لأول مرة في اوروبا.

 

عبد العزيز كحيل

 

مجدي ابراهيميقترنُ التصوف بالمعرفة، ويمضي الصوفي إلى تحقيق أكبر قدر ممكن في نفسه من لطائف العرفان؛ فالتصوف والمعرفة طريق واحد، ولكن المعرفة الفلسفية عقلية محضة، ولها بالعقل صلة ونسب، غير أنها في التصوف تتخذ شكلاً آخر هو ما سيأتي تفصيله في سياق الحديث.

وقد جرت عادة النظر الفلسفي إلى اعتبار المعرفة ترادف في اللغة اليونانية كلمة (جنوسيس) أي الغنوص، التي معناها العلم بلا واسطة. والغنوصيّة، كما هو معروف، ظهرت في الأديان الفارسية والمجوسيّة، وهى كلمة يونانية الأصل معناها المعرفة غير أنها أخذت بعد ذلك معنى اصطلاحيّاً هو التوصل بنوعٍ من الكشف إلى المعارف العليا.

ومن هنا؛ فقد كانت الثيوصوفيّة القبالية (Cobala) أو الكبالا اليهودية (Kabbalah)، تعلن أنها تريد أن تصل إلى الحياة الباطنية للملكوت الإلهي، وأن يعيش فيه خُلّص اليهود. والكبالا هي فرقة يهوديّة كانت تُمارس تعاليمها ذات النزعة الصوفية عند رجال الدين اليهودي للكشف عن المعاني الخفيّة والرمزية في الكتاب المقدس لا سيما أسفاره الخمسة الأولى. ومن أسفارها "سفر الجلال" وهو عبارة عن مجموعة نصوص يهوديّة كتبت معظمها باللغة الآرامية، ومن خلال تعاليم الكبالا انتعشت الحياة الصوفية، وتعتبر الكبالا من أشدّ الفرق الغنوصيّة التي عرفتها تواريخ الأديان، وقد تطوّرت وانقسمت فيما بعد، وكان فيلون اليهودي أكبر مثقف بالثقافة اليونانية من أشدّ المتأثرين بالغنوصية.

وانتقلت الغنوصية إلى العالم المسيحي والإسلامي تباعاً وحاربها المسلمون، وتسرّبت إلى أئمة الصوفية كالسّهروردي، والحلاج، والتستري، ومحيي الدين بن عربي.

وكشفت آراء المستشرقين، والتي يردّدها المؤلفون العرب ممّن يتابعونهم، عن عناصر التشابه بين ما يسميه الصوفية المعرفة بالله ويعتبرونه من أخصّ صفاتهم، وبين ما يُرادف في اللغة اليونانية كلمة جنوسيس (الغنوص)، والتي معناها العلم الحاصل بلا واسطة والناشئ عن الكشف والشهود، وذهبوا إلى أن كثيراً من صوفية الاسلام في القرن الثالث الهجري قد عرّفوها بهذا التعريف، ولكن أوّل من بحث في المعرفة بحثاً نظريّاً هو ذو النون المصري (المتوفى سنة ٢٤٥)؛ إذ رأى أن غاية الحياة الصوفية الوصول إلى مقام "المعرفة" الذي تتجلى فيه الحقائق فيدركها الصوفي ادراكاً ذوقياً لا أثر فيه للعقل ولا للرؤية الفلسفيّة، وذلك لا يكون إلا أهل الله الذين يرون بأعين بصائرهم.

ومعنى هذا، أنّه اذا كانت المعرفة الفلسفية تقوم على العقل المدرك الذي يُلاحظ فيه النفس، فالمعرفة الصوفية لا يُلاحظ فيها حظوظ النفس أبداً، لأنه - كما قال ذو النون المصري - إنّه بمقدار ما يعرف العبد من ربّه يكون إنكاره لنفسه. وليس في أقوال ذي النون ما يمكن الجزم بتعريف المعرفة كونها غنوصاً كما هى في العقائد الفلسفية السابقة.

ولا شك عندي أن بحوث المستشرقين، ومن تابعهم من الكتّاب العرب، قائمة على الشكل البرّاني. والمبالغة في إظهار الشكل أغفلت لديهم كشف المضمون. والاعتماد على التشابه الخارجي السّطحي لم يلغ مطلقاً توجُّهات المضمون الديني الذي ينتسب إليه صوفية الإسلام ويدينون له بالولاء.

مادة العرفان في مجال الفلسفة إذا جاز أن نعتبر المعرفة غنوصاً غير مادته في نطاق التصوف إذا اعتبرنا قضايا الدين منهاج وحي من عند الله. العقل في مجال الفلسفة قد يُفرز الغنوص، ولكن الوحي قد يسلم إلى المعرفة الحقيقة بالله فيما لو كان الوحي وجوداً يسلك صاحبه مسلك اتباع النبوة على التحقيق، وهو عين ما يميز المضامين الدينية بعضها عن البعض الآخر ويفرزها أمام منهاج التسليك، فما يسلكه اليوناني ويعتمد عليه غير ما يسلكه الهندوسي أو اليهودي أو المسيحي ويعتمد عليه، نعم! قد تتشابه الأفكار في المطالب الروحيّة الإنسانية العامة لكنها لاتزال من حيث منهاج العمل والتسليك قريبة من عين المضمون الديني ينتسب إليه السالك ويدين له بكل الولاء. (قل إن كنتم تحبّون الله فاتّبعوني يُحببكم الله)، فاتباع منهاج النور هو الفيصل الحاكم في منهاج التسليك.

فلا يكون عرفانٌ في الإسلام بغير اتباع منهاج النور المحمّدي، ولا عبرة لدينا بالأشباه والنظائر التي يعوّل عليها المستشرقون وأذنابهم في الأقطار العربية، لأنها لا قيمة لها ولا عبرة في التحقيق.

المتصوف الحق هو العارف الحق، فالتصوف قوة والتصوف قدرة؛ لكن قوته لا تتأتى لكل إنسان كما لا يتأتى اقتداره لأحد كائناً ما كان ما لم يكن في ذاته أهلاً لهذه القوة مهيئاً لذاك الاقتدار. وفي فترات الجهالة والمرض المعرفي شاع بين الناس أن التصوف ضعف، وأن الصوفية ضعفاء في مواجهة الحياة ليست لهم عزائم يستخدمونها في لجة الحياة الدنيا والأخذ بها بأوفى نصيب !

وهذا بلا شك جهل بطبيعة التصوف، وهو جهل مركب كذلك بأربابه وعارفيه؛ لأن التصوف كله عزيمة وجهاد؛ فلا الكسل ولا العجز ممّا ينسب إلى الصوفية، وهم في الحق أقوياء قُدَراء.

يملك الصوفي زمام نفسه فلا تقوده من ثمَّ النفس، بل يقودها هو إلى ميادين الجهاد الشريف في عالم التَّصَوِّن والعفاف. لم يكن التصوف ضعفاً ولم يكن الصوفية ضعفاء؛ لأن الضعيف لا يكتسب الفضائل العليا ولا يقتدر على الدوام لمشروعية الاكتساب. فما من ضعيف هو ضعيف إذا أراد سلوك الطريق فعمل بهذه الإرادة كسباً شرعياً لفضائل الأخلاق. وبما أن التصوف في حقيقته خُلُق صارت أفضل الفضائل للنفس الزكية هى أن يكون أرباب التصوف وعارفيه أزكى الناس فضلاً وأرفعهم أخلاقاً وأخصَّهُم منزلة وأسماهم قصداً وأجدرهم لموهبة الاقتدار.

ومن الناس من يظن في نفسه كسباً لفضائل الأخلاق، ولاسيما لو كانت أخلاق العارفين، لكن هذه الأخلاق لا تتيسر لأحد إلّا حين يمعن في المعرفة ويتخلق بهمم كبار الصالحين، تلك الهمم التي يجتمع فيها الفضل مع التزكية العالية ومع الجهاد الأبيّ. وإذْ تترقى أخلاق العارفين في طريق الكمال، وإذْ تجتمع هممهم على عطايا الفضل في ذاته لأربابه ومستحقيه، لم يعد قط للضعف طريقٌ إلى قلوبهم، وإنمّا القوة القوية القادرة هى أبدع ما يملكه جهاد العارف في طريق العرفان.

العارف يزيح السِّوَى بإرادته، ويصبر على مصادمة القواطع والأغيار، وهو من بعدُ لا ينسب لإرادته توفيقاً. والعارف يختار ألا يختار؛ لأن اختياره معلق بإرادة الله إنْ في البدء وإنْ في المنتهى.

حقُ العارف أن يكون كاملاً في كل كمال يختاره لنفسه. ومن كماله لنفسه أنْ لا يختار حظاً واحداً من حظوظ النفس، وإنْ كان ولا بد فهو أن يصدر عن هذه النفس كل ما هو مقرون بلطائف العرفان.

وليس من كماله لنفسه أن يختار الكمال الذي هو للنفس؛ فما من كمال كان في المقام الأول للنفس إلا أنقلب على الفور نقيصة ثم معابة يربأ عنها العارفون؛ إذْ يتوخّون الكمال الذي هو من عند الله؛ فاختيار العارف لكماله أن يختار لنفسه ذلك الكمال الأخير، وهو أن يكون على الدوام بين الحركة والسّكون في معيَّة الله، وأن يكون كماله جزءً لا يتجزأ من الكمال الإلهي، وأن يكون الكمال الإلهي أحد مجالي الله فيه.

لم تكن هذه المعيَّة سوى قصداً مقصوداً تتجلى فيه وحدة القصد حقيقة لا مجازاً، يظفر به العارف أيما ظفر في طريق العرفان كيما يتخذ من الوحدة طريقاً علوياً يسير فيه؛ فلا يرى سواه بديلاً ولا يدرك غيره طريقاً كلما كان هو الطريق المنشود في البدء والمنتهى سواء بسواء.

إرادة العارف أن يدرك بدايةً عداوة الأغيار؛ لأنها بمثابة الحُجُب، فلا شيء يحجب أسباب القربة من الله إلا التعلق بالأغيار كيفما كانت. وإنه ما دامت للعارف إرادة حديدية كانت الأغيار بالنسبة إليه مكمن العداوة وأسّ البلاء، لكن إرادته تقف بالمرصاد لكل إرادة تتواطأ مع "الغيرية" وتتعلق بعلائق السّوى وأدران الحجاب.

من أجل ذلك؛ لم تكن الحكمة التي يقصدها العارف حكمة تتهيأ لمدارك المحجوبين؛ لأنّ مدراك المحجوبين لا تسمح بالتواصل مع مصدر الحكمة التي يحفظها العارف ويصدر عنها؛ ولأنها الحكمة التي تنفتح من لطائف الكشف ومنن الشهود والإشراق. هذه الحكمة ليست غنوصاً ولا هي فلسفة نظريّة محاطة بتأملات عقلية صرفة، ولكنها عرفان وجودي بمجالي الخالق سبحانه في ضوء مضمون ديني تشكله العقيدة.

يرى العارف في ظلالها نور الحكمة كله، ونور الوجود من أعلاه إلى أدناه. لا ريب كانت ألطاف العارفين هى هى الصورة الباقية من نفخة الذات الإلهية لكل ما هو موجود في هذا الكون وجوداً على التحقيق بغير أن يكون هنالك ضرب من الوجود في غير نزاع ولا تقدير خفي لا يرى فيه صواب، أعني بغير أن يكون هنالك ضرب من الكذب والبهتان الذي يطمس الرؤية ويضيّق على العارفين منافذ الشهود وفواتح الكمال.

ما من حكمة يطلقها العارف لنفسه إلا ولها من الآفاق العليّة وحدة قصد وآحادية، ليست هى بغير شك من نفسه ولا من اختياراته، تماماً كما أن نفسه ليست بقادرة على ادّعائها، يكفيه من تلك الحكمة أن مقاصده علويّة، ويكفيه من دعواه أن لا دعوى له تقوم من ذاته ولا نفثة لروحه ذاتية. ولذلك؛ كان عرفانه تعريف إلهي، يُستقى من هذا النبع الذي لا يغيض، وتتجلى عليه عطايا الفضل بغير حساب.

العارف مسكونٌ بالحق على الدوام، ومعجون بعجينة التحقيق.

لكن هذا التحقيق الذي ينسحب على العارفين لا دخل لهم فيه؛ إذ العارف في أول مقام ممنوُّ بكل ما يَرد عليه من أحوال : حاله كُلُّهُ حالٌ لا حيلة له فيها، وأخلاقه من الكمال الذي أكتسبه ليست هى بأخلاق تنظيرية؛ لأن أخلاقه من كمال النور المحمدي الذي أنتسب إليه وأراده وعمل بالاكتساب إلى الوصول إليه مع العناية البالغة في تطبيقه؛ فأجاد التّوجُّه وأجاد الاكتساب وأجاد التطبيق.

أمّا التوفيق؛ فلا شأن له به؛ فهو ليس منه في جميع الأحوال، ولكنه من الله الذي جَلَّ عن أن تناله الأحوال.

يسجد العارف لله، فيطوي بسجوده بساط الكون كله ما كان وما يكون؛ فإذا أراد الوصول فلا شئ يحجب عنه الرؤية أو يحجب عنه الوصول بعد إزالة التعلق بالأغيار.

العرفان حكمة سماوية سامية لا دخل لأنظار العقل فيها، وطريق يبتدئ من داخل لا من خارج. ومن إمارات المعرفة في قلوب العارفين أنهم يدركون بالذوق أن المعرفة هى لقاء، وأن اللقاء ممنوع بغير كلاءة ورعاية وتوفيق.

كلُّ العارف كُلُّه لله على الدوام، ولا دوامَ له بغير إدامة المعيّة مع الله على الدوام بغير انقطاع. لم يخطئ العارفون حين انقطعوا، ولم يخطئوا حين عرفوا وادّعوا لأنفسهم حكمة المعرفة؛ فإن هذه الحكمة ليست منهم، ولكنها مُفَاضَة عليهم من الله، من طريق عرفوه، فجنّدوا أنفسهم خدمة له في كافة الأحوال.

 

بقلم : د. مجدي إبراهيم

 

كاظم لفتة جبرلعل من غير المتألف علية الخوض في الفوضى في مجتمعنا بسبب برمجة العقول على النظام، الا اننا من خلال هذا المقال نحاول اخراج منطق جديد لفهم عالمنا بشكل أفضل استناداً على المتغيرات الوجودية للأشياء في هذا الكون، ألا ان مفهوم الفوضى اصبح يأخذ مجرى اخر في المجتمعات المتقدمة، من خلال اخضاع الانسان واحتياجاته لغرض التحليل النفسي والفلسفي للفوضى، فمن حيث ظهور المفهوم يرى الكثير انه سياسي مع بدء سيطرة السياسات الخارجية للولايات المتحدة الامريكية في الشرق الاوسط، الا ان جذرهُ الفلسفي نجده يبدأ مع الفيلسوف اليوناني هيرقليطس () بقوله ان أصل الوجود واستمراره يكمن في الصراع (التغير) فالفوضى صراع بين العناصر، او من خلال الانا الديكارتية في الفلسفة الحديثة وخلق التفكير في الاشياء من خلال بعثرتها و أعادة تنظيمها كما يجب ان تكون ، فهذه الفوضى يمكن ان نسميها الفوضى المنهجية هي الكفيلة في تنظيم الاشياء بعد بعثرتها فهذا هو المنطق الجديد التي اعتمدت علية اوروبا في تطورها العلميز

كما اثبتت الدراسات العلمية مؤخراً أن الاشخاص الاذكياء هم فوضويون ويحبون بعثرة أغراضهم والاشياء، واننا إذ استعرنا فهم أريك فروم في كتابة (فن الوجود) من ان الفوضى تولد الرغبة والحافز في يقظتنا نحو الاشياء فهو يناقشها من خلال الدوافع الذاتية والموضوعية للإنسان، ومن جوانب عده سوى كانت نفسية وعقلية ودينية واجتماعية وباقي مجالات الحياة 0

فنجد التطورات التكنولوجية التي توصل الانسان اليها قائمة على مفهوم خلق الفوضى لنقل عقل الانسان الى مراحل جديدة من التفكير الإنساني عبر عدم الالتزام بالنظام، لأن العمل على الفوضى والتفكر فيها محاولة في الفهم والتنظيم للأشياء، أذ ان هذا التفكير يحتاج فهم لفلسفته، ولا يكون الا من خلال التفلسف حول مجالاته الوجودية فيمكن ان تسميته (بالفوضى الخلاقة).

فبناء الذات يحتاج الى عمل دائم ومع النظام لا عمل يدوم، فالفوضى تحتاج الى عقل للتنظيم والترتيب، اما النظام لا يحتاج الى عقل بل الى عمل مما يجعل العقل نصف نائم بعبارة أريك فروم .

اذ ان تقدم العالم التكنولوجي وفر للإنسان العديد من امكانيات الراحة والتغلب على الطبيعة بسهولة مما جعل التقدم الانساني عكسياً، فكلما اكتُشف علماً جديداً اصبح العقل الانساني اكثر كسلاً واقل وعياً بالوصول الى الحقيقة وابتعاده عنها .

هذا ما يظن به المتعصبين للحقيقة او التابعين الى عيال الله كما يحلو لهم التسمية متناسين الفرق بين الحقيقة الدنيوية المعتمدة على التغير، والحقيقة المفارقة لنا المتسمة بالثبات،  فبناء العقل الانساني يحتاج الى التفكر في الذات، وما يطرأ عليها من تغيرات خارجية تسطيع الذات استيعابها، ومحاولة تهذيبها وتنقيحها لنخرج بحلة جديدة للمعرفة الموزونة من خلال الفوضى.

فمن ناحية الدين فهو مدعاة للنظام والترتيب القائم على الطقوس التي يؤديها الافراد وان من يخرق هذا النظام فهو كافر، النظام هو الذي جعلنا نصف نائمين بسبب العمل فيه دون التفكر في هذا الطقوس ومدى ارتباطها بالحقيقة الثابتة، او الحقيقة المتغيرة ويعيب على القائمين علية اتخاذ الحقيقة الثابتة (الله) واسطة للوصول الى الحقائق المتغيرة الماديات وليس جعل التفكر في الحقائق الجزئية المتغيرة الفوضوية للوصول الية، وان السبب يقع على القائمين لا في الدين نفسة فالدين دعوة في التفكر في الطبيعة والذات وايجاد فوضى منهجية للوصول الى الحق .

اما من الناحية الاجتماعية فان النظام الاجتماعي العربي القبلي يجعلنا نصف نائمين بسبب تشبثنا بالقانون، والعادات والتقاليد القبلية الوضعية التي دائما ما تكون ثابتة وغير قابلة للتغير، فتكون عائقا امام تقدمنا وتفكيرنا بسبب اعطاءها القدسية التي تجعلنا مقيدين بها، وعدم اكتشاف الاخر فالجماعة القبلية تمثل تقيداً لحرية الافراد وحركتهم الاجتماعية يكون النظام هو الحاكم لهذه العلاقة فالفوضى مطلوبة فما خلقتهُ التكنولوجيا التطورية من فوضى يدعوا للتقارب بين الجماعات الانسانية.

اما النظام في السياسة فيمثل تقيداً بوصفهٌ يحد من حريات الافراد، والجماعات، لذلك تجد الفوضى احدى سياسات الدول العظمى لتحريك الجماعات الانسانية لغرض فرض واقع جديد على الدول المعادية لها خارجياً، وعلى شعبها داخلياً فيكون الاعلام والافراد قوى الفوضى .كما ان الفوضى تكشف لنا زيف الاخرين ومدى اختلافهم معنا .

 

كاظم لفتة جبر

 

مجدي ابراهيمفي إطار الدعائم الأربع الكبرى (اليقين، والصبر، والجهاد، والعدالة) التي أشرنا إليها في المقال السابق، "جدلية العلاقة بين الصبر والإيمان"، وفي إطار تفعيل هذه الجدلية كحركة وجودية تأسس على الإخلاص، وبدونها لن يكون للوجود الإنساني قيمة تحكمه ولا قانون يُستخلص منه نافع لبنى الإنسان؛ إليكم جانبٌ واحدٌ فقط من عِدّة جوانب فيها التردي والنكوص إذا خلى الوجود الإنساني من القيمة التي تحكمه ومن القانون الذي يستخلص منه، وهو جانب الصّلة مع الله.

في الحديث الشريف قوله صلوات الله وسلامه عليه (تعس عبدُ الدّرهم، تعس عبدُ الدينار). ولم يكن الدرهم ولا الدينار يعبدان بركوع ولا بسجود، ولكن إشارته عليه السلام منصرفة إلى مجرّد التفات القلب إليهما. ومجرّد التفات القلب وحده إلى السِّوى يقدح في العبادة لله فيبطلها؛ فلا يصحُّ من القلب ذكر (لا إله إلا الله) إلّا بنفي ما في نفسه وحذف ما في ذاته ممّا سوى الله تعالى، ومن امتلأ قلبه بصور المحسوسات ولاحظ "هذيان العالم"، لو قال ألف ألف مرة (لا إله إلا الله) قلما يشعر قلبه بمعناها أو يتحقق من دلالاتها.

وإذا فرغ القلب من مشاركة السِّوى لو قالها مرة واحدة لوجد من اللذة ما لا يستطيع اللسان وصفه، ولهانت عليه الدنيا كل الدنيا، وتقدّم الموت في سبيل هذه الكلمة على عبوديّة الحياة اليوميّة وهوانها ومزلتها، والعيش فيها نكرة بل حشرة على هامش الوجود.

في سورة يوسف آية مباركة (90) تقول:" إنّه من يتق ويصبر؛ فإنّ اللهَ لا يضيع أجر المحسنين". وفي الآية المباركة عند التأمل أسرارٌ عظيمة: منها أن شرط الأجر من الله تعالى أن يكون ها هنا إحسان: إحسان في التقوى، وإحسان في الصبر. نعم؛ فأنت قد تتقي وتصبر لكن في غير إحسان.

قد تتقي يوماً أو يومين أو أسبوعاً، وقد تصبر على فعل التقوى أياماً بل شهوراً، وقد تحسن في هذه الأيام المعدودة والشهور المحدودة، وقد لا تحسن، فليس من تقوى وليس من صبر !

إذا لم تستطع أن تداوم على "فعل التقوى"، وعلى ألْفة الصبر الدائم ثم على الإحسان في فعل التقوى وفي فعل الصبر، فقلَّ أن يكون لك أجرٌ في غير ضياع. إنّ الأجر الذي لا تخشى منه الضياع مشروط بالإحسان، لكأنه يُرادف العمل الدائب الموصول، ويواكب مسيرة الجهد المستمر في الطاقة النافعة نحو تغيير النفس وتحويلها من أخسّ العادات إلى أطيبها وأرضاها وأجملها في ميادين الإصلاح.

فكل عمل نافع يزكّي فعل التقوى وينميّه ثم يقويّه، وكل عمل نافع ينقل إلى النفس فضائل التقوى، مرهون بالاستمرار في الإحسان ومشروط على أساسه. فلن يُقال لك أنك رجل تقي ما لم تكن التقوى ديدناً لك وعادة، ناهيك عن قول القائلين فيك، ليس هذا هو المهم، إنما المهم أن تأتيك من الله إشارة بتقواك، وأن تدرك علامة ذلك من نفسك فيما يعترض حياتك من مواقف وأحداث.

ولن تعرف هذه الصفة فيك، ولن تدرك رضى الله عنك بها ما لم يكن فعل التقوى طبعاً لك لا تفارقه ولا يُفارقك، فإذا هو كان على هذه الطاقة النافعة من ضوابطها ومقاييسها؛ فها هنا يجوز عليها أجر المحسنين.

على أن فعل التقوى وحده كفيلٌ بموهبة الفضيلة التي هى "موهبة الصابرين"، فكأنما التقوى فعل لا يقدر عليه إلا صابر، وكأنما الصبر في جوهره طريق المتقين، وكلاهما في مراتب الإحسان على ترقي وعلى مزيد من علو الأسرار .... ثم ماذا؟ ثم انظر نفسك وقد عاقرت الآفات، فلا أنت بالذي يتقي ولا أنت بالذي يصبر؛ لأنك لم تحسن فعل التقوى ولم تحسن فعل الصبر، ولم تداوم عليهما بادي ذي بدء، فكيف تنتظر، من بعدٌ، جزاء الصابرين؟

كيف ترجو من الله أن يوقفك عن سوء عاداتك؛ لتفارقها في غير عودة؟ لكن مع هذا ثق: أنّ الذي في معيّة الله لا يُضام من مكروه آذاه، فالله قادر على خلق القوة فيه لمقاومة المكروه. وإذن؛ فلنكره أنفسنا على تطبيق دعائم الإيمان من: يقين، وصدق، وصبر، وجهاد، وإخلاص، وعدالة، وإحسان؛ كيما نكون أهلاً بالمواجهة، جديرين على الحقيقة بصفة المؤمنين.

ومن أقوال الإمام عليّ أيضاً كرم الله وجهه:" إنّ الإيمان ليبدو لمعة بيضاء، فإذا عمل العبد الصالحات نمت فزادت حتى يبيض القلب كله، وإنّ النفاق ليبدو نكتة سوداء، فإذا انتهك العبد الحرمات نمت وزادت حتى يسودّ القلب كله فيطبع عليه".

وفي إشارة الإمام عليّ رضوان عليه: إنَّ الإيمان ليذكو بالعمل الصالح حتى ليبيض إذا واظب العبد على طريق التزكية، ولكن تلك المواظبة تتطلب سلوكاً أشار إليه ابن عربي في "رسالة الأنوار" فقد ذكرنا فيما سبقت إليه الإشارة أن المانع من تمكن ذكر (لا إله إلا الله) في القلب هو ملاحظة "هذيان العالم" وامتلاء القلب بصور المحسوسات، وهنا يتحتَّم على العارف بالله،ِّ أن يختلى ليُحقق إشباعاً روحياً كيما يخضع حريته لقيود معينة من محض اختياره. هذه الحرية لا يفرضها عليه مجتمع، ولا يمليها عليه قانون المجموع، كائناً مَنْ كان، ثم يروح ليفتش في أعماقه تلبية لنزوعه الروحي وقواه الباطنة، فلا يجد لهما فاعلية إلّا في العزلة يختارها طواعية فيُكْره نفسه على الزهد وما يتبعه من ألوان المعاناة والحرمان.

وليس هذا بالأمر الدائم في حياته، وإنما بالقدر الذي يكفى لكي يشعره هو شخصياً بأنه قد أدى فرضاً واجباً عليه وأشبع رغبة عارمة في باطنه: استفراغ قلبه لله تعالى، ولا يتمُّ له ذلك إلا بالقضاء على "الربانيِّة "، الربانيّة التي تتسلَّط عليه من الناس، ومن المجتمع، ومن نفسه، ومن كل ما هو سوى الله، وهذا ما عبرَّ عنه "ابن عربي" حيث قال:"إذا أردتَ الدخول إلى حضرة الحق ... لا يصحُّ لك ذلك؛ وفي قلبك ربَّانيَّة لغيره". إنما العزلة في الحقيقة: اعتزال الخصال المذمومة؛ فالتأثير فيها لتبديل الصفات لا للتنائي عن الأوطان. ولهذا قيل: من العارف؟ قالوا: كائن بائن، يعني كائن مع الخلق بائن عنهم بالسر.

ولا شرط لزوال الربانيّة غير شرط الخلوة المشروطة بانفراد السّر لله على القصد الدقيق من معناها اللفظي (الاختلاء). ولأبي عثمان المغربي من رجال الرسالة القشيرية قوله: من اختار الخلوة على الصحبة ينبغي أن يكون خالياً من جميع الأذكار إلا ذكر ربّه، وخالياً من جميع الإرادات إلا إرادة ربِّه، وخالياً من مطالبة النفس من جميع الأسباب؛ فإن لم يكن بهذه الصفة؛ فإن خلوته توقعه في فتنة أو بليّة.

ولتلحظ التقريب الدلالي بين لفظ الخلوة وتحقيقها بالمعنى العرفاني؛ فالخلوة خُلُوّ القلب من سطوات الأغيار: أن يكون خالياً ممّا سوى الله؛ لتجد العُرفاء، بهذه الرفعة القصدية، أقدر الناس توظيفاً لطاقة اللغة الروحية. أي والله لا شك عندي في ذلك.

ليست عزلة العارف بالله المُحَقِق مرضاً أو انطوائية نفسية عقيمة، ولكنها ضربٌ من الرقابة الذاتية على تطبيق ما ينبغي تطبيقه تلقائياً من قواعد وأحكام وفروض، خلال معرفته بأخلاق المراقبة واستلهام الضمير وما ينشط له من تطبيق عملي، يُشبع فيها رغبته الطبيعية الخالصة في أن يتحرَّر ممَّا سوى الله، عسى أن يكون بمثل هذا التحرّر جديراً بصحبة الله والأنس معه في كل حال.

إنَّ العزلة التي يتوخّاها العارف إرضاءً لرغبته ليست قدحاً في نسبته إلى المجتمع، ولا هى ركلاً لاهتماماته الاجتماعية؛ فهو إذا كان يقطع النظر عن الواقع الذي يعيش فيه، وعن الوجود المادي المحدود، فلأنه يمدُّ نظره إلى واقع آخر يتمثَّله، وإلى وجود آخر غير محدود يراه بقلبه؛ فيمعن النظر فيه حتى لكأنه يعيش له ولأجله. إنه يريد أن يتخلَّص من "هذيان العالم". فالمجتمع الذي يلاحظه العازف غارقٌ في ضلالات هذا الوجود المادي المحدود، بكل ظواهره ومظاهره وسقطاته واهتماماته الدنيا، ومن هنا يرفض كل هذه المظاهر والظواهر والضلالات والاهتمامات التي يراها حُجُباً باطلة، يرفض البعد الحسىِّ السطحي ممّا هو ظاهر للناس؛ لأنه يشهد بعداً روحياً أعمق.

والحياة الاجتماعية ليست هى كل الحياة ولكنها بعض الحياة. والمجتمع بكل أنظمته ومؤسساته لا يعنيه من المجموع غير إشباع الجانب الحسي الرخيص، كما لا يعنيه من الفرد غير الانقياد إلى هذا الجانب وحده دون سواه، وإنْ قضى على ذاته النورانية الواعية، وغيّبَ وعيه بها، وطمس حقيقته الباطنة الأصليّة.

ولما كان العالم الإنساني غارقاً في الهَذَيَان، وفي الدعوى والضلالات التي تبعد عن المقصد الأصلي من الحياة، صار الإنسان الذي احتواه هذا العالم، وضمَّه المجتمع، وفرض عليه معتقداته وقيوده واتجاهاته، لا يعلم أنه غارق في حياة وهميِّة إلّا عندما يُفارق هذا المجتمع، وينعزل عنه ويتكشَّف له عالم آخر سواه، وإلّا حين يتخلّص من الهَذَيَان، وهنا تبدو العزلة مشروطة، لأن قصد العارف من الخلوة والابتعاد عن الناس: أن لا يكون في قلبه شريك لله، وليس المقصود مجرَّد الاختفاء والعزلة. وليس المقصود أن ينعزل الصوفي ليغتنم في انعزاله وهماً جديداً يضاف إلى أوهام قديمة متراكمة، ولكن المقصود هو التخلص من آثار الوهم المتسلط دوماً ممّا كان يرى ويحس ويشاهد من آفات ومصائب وزواجر ونواهي.

المقصود هو التخلص من "هذيان العالم"، لا الخلوة لمجرد الخلوة وكفى؛ فكم من مختلٍ بنفسه، ينقل معه العالم إلى خلوته. وكم من إنسان يحيا في المجتمع، لكنه خالي القلب من صور المخلوقات.

فإنّ المراد من العزلة - كما يقول ابن عربي - ترك الناس ومعاشرتهم، وليس المراد من ترك الناس، ترك صورهم؛ وإنما المراد أن لا يكون قلبك، ولا أذنك معهم وعاءً لما يأتون به من فضول الكلام، فلا يصفو القلب من هذيان العالم.

وواضح أن تعويل ابن عربي على سلامة "القلب" من اختراق الأغيار هو أساس ما يُقال هنا عن احتكار النمط الاجتماعي للفرد؛ فحفظ القلب عن الطوارق والخيالات الفاسدة التي يتلقاها فيما لو استسلم لهذيان العالم، هو مناط تفرُّده وتميزه واستقلاله وانتماءه لهُويَّته الحقيقية.

ففرقٌ؛ وفرقٌ كبير؛ بين أن نكون آلات يستخدمها المجتمع الذي يمثّل سلطة ضاغطة على الفرد، وبين أن نكون أصحاب قلوب متفرِّدة لا تجد لها قراراً بين أوطان الجماعات بل قرارها الوحيد هنالك على أرض الحقيقة الأصلية في الوجود الكلي العام الكامل الذي لا يمثل المجتمع إلا قطرة في بحره، وجزءً من كله، وشُعاعة من نوره الباهر العظيم.

 

بقلم: د. مجدي إبراهيم

 

المهمة الأساسية للعلوم الاجتماعية هي الوصول إلى الإنسان، وفك شِيفرة مشاعره الغامضة، وتحليل أبعاده النفسية العميقة، ومعرفة مفاتيح شخصيته الظاهرة والباطنة. وطبيعةُ الشخصية الإنسانية قائمة على التَّشَظِّي، لأنَّ الإنسان يتحرَّك في عَالَمه الفكري وبيئته الاجتماعية ومساره الحضاري، في ظِل التحديات المصيرية. كما أنَّه واقع تحت الضغوطات الحياتية، ومُحَاط بالأزمات المعنوية والمادية، وهذا الأمرُ ليس غريبًا، ولا يُشكِّل مُفاجأة، فالحياةُ مَعجونة بالتعب والأخطار، ومعَ هذا فهي جديرة بأن تُعاش بكامل تفاصيلها، والمُتعة كامنة في تجاوز العقبات، وقَدَر السفينة أن تُبحِر في مياه مُضطربة، وتُواجِه الأخطار والعواصف، فهذا جُزء أساسي في حياة البحر والبَحَّارة. ولو انتظرَ كُل رُبَّان هُدوءَ البحر وسُكونه كَي يُبحِر بسفينته، لصارَ عاطلًا عن العمل، ونام في بَيته. ولو انتظرَ كُل طيَّار الطقسَ المُشمِس للإقلاع بطائرته، لَمَا طارت طائرة واحدة في هذا العَالَم . وهذا يعني أن الصُّعوبات هي التي تَمنح الطَّعْمَ للأشياء، كما يَمنح المِلْحُ المَذَاقَ للطعام. ولا شيء يُعادل فرح الطالب الذي يَنجح في امتحان صعب، ويتمكَّن من اجتيازه، لأنَّه عندئذ ستزداد ثقته بنفْسه، ويؤمن بقدراته وإمكانياته، ويَقتنع بأنَّه يَنتمي إلى نُخبة المجتمع التي تمتلك مؤهلات عقلية خاصَّة، وسوفَ يَنظر إلى نفْسه باعتباره مُمَيَّزًا، وقادرًا على صَهر المراحل، والتفوُّق على الذات والآخرين. أمَّا إن كانَ الامتحانُ سهلًا وبسيطًا، فلا تُوجد أيَّة مُتعة في اجتيازه، لأنَّه الجَميع سينجحون فيه بلا تعب. وبالتالي، لا يَشعر الإنسان بتميُّزه، فهو جُزء مِن الكُل، وواحد من الناس، بلا بَصمة مُؤثِّرة ولا مَوهبة مُتفرِّدة . والبطلُ لا يتكرَّس كشخصية كاريزمية جذَّابة، إلا إذا استطاعَ التفوُّق على الخُصوم الأقوياء، وكُلَّما كان الخصمُ قويًّا وشديدًا، كان قاهره وغالبه أقوى وأشد . ولا يَفُلُّ الحديدَ إلا الحديد .

2

التَّشَظِّي في طبيعة الشخصية الإنسانية لا يعني أن الإنسان مُصاب بانفصام في الشخصية، أو أنَّه مريض نفسيًّا، أو يُعاني مِن عُقَد اجتماعية، لأنَّ التَّشَظِّي يعني أن الإنسان في رحلته الحياتية يُقاتل على عِدَّة جبهات، فهو يُقاتل أفكارَه الانهزامية، وإحباطاته اليومية، وشهواته المُتأجِّجة، ونِقاطَ ضَعفه، وصراعاته الداخلية، وأزماته الخارجية، وكأنَّ الإنسانَ قسَّم نَفْسَه إلى أجزاء، ووزَّعها على الجبهات، مِن أجل الانتصار على ذاته، وتَطويعها، حتى يجد السلامَ الداخلي، ويُحقِّق المُصالحةَ مع ذاته والآخرين وعناصرِ الطبيعة . وهذه المُصالحة لا تعني الاستسلام للأمر الواقع، وإنَّما تعني تغيير السَّلبيات في الواقع، وصناعة واقع جديد أكثر إشراقًا . وهذا لا يتأتَّى إلا إذا كان الإنسانُ قادرًا على الحُلم بغد أفضل، وامتلكَ أدوات الإبداع والتغيير نحو الأحسن. والخِيالُ هو الأساس الفكري لتغيير الواقع، وتَطهيره مِن مواطن القُبح، ونَشر الجَمَال والبَهاء فيه. وكُل الشَّظايا التي تتساقط في داخل الإنسان نتيجة عمله تحت الضغط اليومي روحيًّا وماديًّا، يجب أن يُحوِّلها إلى قاعدة صلبة يبني عليها أحلامَه وطُموحاته، وهذا يعني ضرورة توظيف شظايا الكيان الإنساني كعناصر لبناء الإنسان الجديد، وليس هَدمه وتحطيمه. وهذه الشَّظايا مِثل كلام الأعداء، إمَّا أن يَجرح المشاعر، ويُحطِّم المعنويات، أو يَكون سببًا للإصرار والتَّحَدِّي، ودافعًا نَحْو التفوُّق والعمل الدؤوب .

3

كُل إنسان _ مَهما كانت درجة ذكائه ومكانته الاجتماعية _ يَمتلك شَخْصِيَّتَيْن : الشخصية الظاهرة السطحية، والشخصية الباطنة العميقة . والعلاقة بين الشَّخْصِيَّتَيْن كالعلاقة بين الجُزء الظاهر من جبل الجليد، والجُزء الخفيِّ الذي يُمثِّل الكُتلة الأكبر والثقل الحقيقي . ولا يُمكن للإنسان أن يَجد نَفْسَه في ضجيج الحياة وزِحَام الناس، إلا إذا حقَّق التوازنَ والتكاملَ بين الشَّخْصِيَّتَيْن، لحمايتهما من التعارض والتصادم . وهذه الغايةُ لن تتكرَّس كواقع ملموس إلا إذا غاصَ الإنسانُ في أعماقه السحيقة، وبَحَثَ عن الأشياء التي ماتت فيه، وبقايا الذكريات والصُّوَر المُختبئة في زوايا قلبه، ورواسب الأزمنة والأمكنة المُتجمِّعة في وجدانه، وشظايا أفكاره ومشاعره المُبعثرة في كيانه، وعندما يجد هذه العناصر غير المتجانسة، يجب عليه أن يَصهرها في بَوتقة واحدة، لصناعة سبيكة إنسانية قادرة على مُقاومة الشدائد، كما يجب عليه أن يعمل جاهدًا على إعادة تَدوير مشاعره المكسورة وأحاسيسه المُحطَّمة وآماله المُجْهَضَة، لصناعة حياته مِن جديد، وبناء كيانه الإنساني المتماسك، وتقديم نفْسه كمُنتصِر على الظروف، وليس ضحيةً لها . والعناصرُ المُبعثرة في داخل كيان الإنسان، تُشبِه الأسلحةَ القديمة الصَّدئة، والتعامل معها إنَّما يكون بتنظيفها وصيانتها، وإعادتها إلى الخدمة في حرب الإنسان ضد الأعداء الساكنين فيه، والعائشين معه (الخَوف، الوَهْم، عدم الثِّقة بالنَّفْس) . وكما أن الفِكر لا يُجَابَه إلا بالفِكر، كذلك المشاعر لا تُجَابَه إلا بالمشاعر .

 

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

 

 

صائب خليلكان أكثر ما أدهشني في دارون، الأمانة المدهشة في البحث العلمي عن الحقيقة، وهو ما نستطيع ان نتعلم منه الكثير. فلقد كان السؤال إن كانت الكائنات الحية قد نبعت من أصل واحد، سؤالا كبيراً ويفترض افتراضات عليه ان يتحمل وزرها. وقد وضع دارون على نظريته شروطا قاسية يكفي انتفاء أي منها لتعتبر نظريته في التطور غير صحيحة.

فنظرية التطور تقول بان الاحياء تكونت في منطقة واحدة او مناطق قليلة ثم انتشرت وتنوعت مع الزمن. واحد الشروط الصعبة التي يجب على النظرية ان تمر باختبارها، هو أن تتمكن من تفسير وجود حيوانات ونباتات على جزر منعزلة تبعد عن أقرب مكان لتواجد أنواع قريبة منها، مسافة يصعب قطعها في البحر.

في اغلب الحالات لم يكن إيجاد التفسير لوصول النباتات والحيوانات صعباً (كأن تلتصق بعض البذور في أرجل الطيور وغيرها)، لكن حالات أخرى أجبرت دارون على دراسة الجيولوجيا بعمق للبحث عن تفسير للانتقال. ففي بعض الحالات لم يتم إيجاد تفسير مقنع الا بعد اكتشاف ان البحر بين بعض الجزر البعيدة عن اليابسة، كان ضحلا، وهو ما يعطي احتمالا جيدا انه كان هناك اتصال باليابسة سهل انتقال اجداد تلك الحيوانات إلى الجزر. ولم يجد دارون جزراً بعيدة في بحر عميق وفيها حيوانات يصعب انتقالها اليها.

أما بالنسبة للنباتات التي لا يمكن تفسير انتقالها بالطيور، فقد درس دارون التيارات البحرية وحسب كم يوم تحتاج البذور الى الوصول الى تلك الجزيرة من أقرب مكان على اليابسة. ثم صنع احواضا وملأها بمياه البحر، ووضع الحبوب فيها لعدد مساو من الأيام. فإن غرقت الحبوب اعتبر التفسير فاشلا، وان بقيت طافية، اخذ تلك الحبوب وزرعها ليكتشف ان كانت قد احتفظت بقدرتها على النمو بعد تلك الفترة في ماء البحر.

وحسب نظرية التطور فان الكائنات الحية المنقرضة تواجدت في فترات تاريخية محددة، لا قبلها ولا بعدها. ومن ناحية أخرى فأن الطبقات الرسوبية تكونت في فترات زمنية متتابعة ايضاً. فالطبقات الأعلى هي الطبقات الأحدث. لذلك نجد كل طبقة تحتوي على متحجرات الحيوانات والنباتات التي عاشت في تلك الفترة التي سبقت طمر تلك الطبقة. فإن وجدنا بقايا متحجرات لحيوانات أو نباتات في طبقات متباعدة، تعود بعضها لفترات بعيدة عن الفترة التي عاشت فيها تلك الحيوانات، كان ذلك دليلا على فشل النظرية. إلا أن مثل ذلك الاكتشاف لم يتم ابداً، عدا في الحالات التي يمكن بوضوح اثبات ان الطبقات قد انقلبت بفعل هزة أرضية او بركان او ما شابه.

ووفق نظرية التطور فأن أعضاء الحيوانات وأجزاء النباتات قد "تطورت" بشكل "تدريجي" وان هذا التطور حتى في مراحله المتوسطة، كان مفيدا للكائن الحي في صراعه من اجل البقاء، وإلا لما وصل العضو الى المرحلة المفيدة اصلاً. العين مثلا، كانت تعتبر من أصعب الأعضاء تفسيراً في تطورها. فيجب على نظرية التطور لا ان تكتفي بإثبات إمكانية تطورها تدريجيا (أي لا تحتاج الى قفزة تترتب فيها الخلايا بشكل معين وتكسب فجأة خواصاً معينة)، وإنما أيضا ان تكون مفيدة حتى قبل ان تكتمل. فلو كان العضو غير مفيداً في مراحل تطوره الأولى، لما بقي الحيوان الذي ظهر عنده، على قيد الحياة في تلك المراحل.

لكن أصل العين، وهي عبارة عن أجزاء الجلد التي تحسست للضوء، كانت مفيدة للحيوان، وازدادت فائدتها تدريجيا مع زيادة حساسيتها واعطت في كل مراحلها فائدة لذلك الحيوان تزيد من فرصته في البقاء والتكاثر.

مشكلة أخرى على النظرية ان تحلها هي: هل ان عدد السنوات التي وجدت فيها الحياة كافية لمثل هذا التطور؟ في البداية كانت هناك مشكلة تصور ان الأرض خلقت قبل 6000 عام حسب الكتاب المقدس، ولم تكن هذه الفترة تكفي لتطور معظم الأعضاء. لكن النظرية استبدلت بنظرية ان الكون موجود منذ الأزل وسيبقى إلى الأبد، وبالتالي زالت تلك المشكلة.

ثم تبين للعلم ان الأرض قد تكونت قبل حوالي 4,5 مليار سنة، وان الحياة بدأت بحدود 3,5 مليار سنة قبل الآن، فهل تكفي هذه الفترة؟ .لقد حسب بالفعل عدد الأجيال اللازم لتطور العين مثلاً، ووجد ان الفترة كانت أكثر من كافية. ولم يتم اكتشاف أي عضو لا يمكن تفسير وجوده بالتطور التدريجي والمفيد في جميع المراحل. وهكذا افلتت النظرية من كل الصعوبات التي وضعت امامها وكان انتفاء شرط واحد كاف لهدمها من أساسها.

كان دارون هو من يبحث في تفنيد نظريته أكثر مما فعل منافسوه، وبشكل مدهش الأمانة، حتى يشعر المرء أنه كان يبدو أكثر حماساً لتفنيد نظريته مما كان لإثباتها، وتلك صفات العالم الأمين، فتحية له في عيد ميلاده الـ 111 الذي يصادف اليوم، 12 شباط.

 

صائب خليل

 

علاء اللاميحين كانت الآيات القرآنية شعارا لجريدة الشيوعيين "الشرارة"!

مع توسع وتصاعد زخم انتفاضة تشرين العراقية المستمرة، وتزايد دور الشباب والمرأة العراقية فيها بشكل غير مسبوق في تاريخ العراق الحديث والقديم، تصاعدت وبشكل محموم مظاهر العداء للاختلاط والاتهامات بما يسمونها "الإباحية وسوء الأخلاق". وترافق ذلك مع ارتفاع أصوات عديدة محذرة أو شاكية من الكفر والإلحاد والمساس بالمقدسات والدين والرموز الدينية فجأة ودون مقدمات.

غير أننا إذا أردنا تفادي الوقوع في معسكر أعداء الشيوعية التقليديين ممن يستخدمون الصرخة التكفيرية التي أطلقها المرجع الشيعي حليف شاه إيران والمعادي للثورة الجمهورية العراقية في 14 تموز 1958 السيد محسن الحكيم "الشيوعية كفر وإلحاد"، أو المكررين لحيثية "عداء الشيوعيين للدين والمتدينين" من أهل النظام الطائفي الرجعي القائم اليوم،  أو الوقوع في المعسكر المقابل الذي يضم الصنميين "الشيوعيين" واللبراليين القشريين والذين يعتبرون أن الشيوعيين أبرياء تماما من أي تجاوزات في هذا المجال، أو القائلين بـ (إن الشيوعية ينبغي أن تكون فعلا عدوا للدين والتدين ولإيمان الناس الموروث)، فينبغي لنا أولا أن نُلِمَّ بحقائق وتفاصيل هذا الموضوع وأن نضعه في سياقه التاريخي الحقيقي وظروفه الواقعية، وأن نأخذ بنظر الاعتبار أن "الشيوعية" ليست دينا جديدا ضد الأديان، ولا هي حركة إلحادية تبشرية ضد ا|لأديان بالدرجة الأولى بل حركة سياسية واجتماعية لها ما لها وعليها ما عليها، وأن أهدافها الثورية الأصلية واضحة وتتمثل بإزالة الطبقات وأنظمة القمع والاضطهاد والتمييز العنصري والطائفي والجنسي من المجتمع، وهذا ما يثير حفيظة القوى الرجعية المحلية الممسكة بالحكم والناهبة لخيرات البلاد وحلفائها الخارجيين الإمبرياليين ويثر ذعرهم ويدفعهم إلى استعمال كل أنواع الأسلحة الخبيثة.

ولعل أفضل مصدر للاطلاع على حقائق هذا الموضوع - في ما يخص علاقة الشيوعيين العراقيين قديما بالدين - هو ثلاثية حنا بطاطو وخاصة الكتاب الثاني (الحزب الشيوعي- الفصل 24 ص 361) وعنوانه "جدل حول الدين"؛ ومنه نفهم تفاصيل الحرب التي شنتها السلطات الملكية العراقية الرجعية ضد الشيوعية في سنوات التأسيس، والتي شاركت فيها سلطات الاحتلال والهيمنة البريطانية عبر السفير البريطاني السير جون تروبتك. لقد حاول توربتك تحريك وتحريض المرجع الديني الشيعي الراحل محمد حسين كاشف الغطاء ضد ما سماه "العدو المشترك" ممثلا بالشيوعية والشيوعيين في العراق، وقد رفض المرجع كاشف الغطاء هذا التحريض البريطاني فكرة وموضوعا، وقال المرجع حينها كما ينقل بطاطو عن مصادره إن (مسألة العدو المشترك لا يدعمها أي منطق أو برهان)! ونقرأ أيضا حقائق كثيرة عن علاقة الشيوعيين بالدين وبالقرآن تحديدا حيث كان شعار جريدة "الشرارة" الشيوعية في الأربعينات من القرن الماضي، وخلال قيادة مؤسسه يوسف سلمان "فهد"  آية قرآنية هي (فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ ۚ)  ثم تغير هذا الشعار في عدد تالٍ إلى آية أخرى هي {وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ} ص 103.

وفي هذا الكتاب نتعرف على جهود الشيوعيين الأوائل للاستفادة من المناسبات الدينية الحسينية، ونشر الفكر الثوري ومعارضة النظام الملكي العميل لبريطانيا عن طريق المواكب والتجمعات العاشورائية. ولكن هذا لا يعني عدم وجود متطرفين رافضين لهذا التوجه الفهدوي ومتجاوزين من ذوي الممارسات والأفعال التجديفية ضد الدين ورموزه من أفراد شيوعيين في مجتمع ذي تقاليد قديمة في الجدل والتمرد والتجديد الفكري تعود إلى العصر العباسي. ففي هذا العصر ازدهرت المدارس الفلسفية والفكرية الكثيرة والمتحررة، وانتشرت المدارس الفكرية والفلسفية ومنها الإلحادية والتشككية واللاأدرية، وكثر مريدو الاعتزال "معتزلة" والزنادقة والربوبيون والتصوف المؤمن والآخر الملحد والدهريون (مازالت هذه الكلمة - دهري - حية في اللهجة العراقية وتطلق على الشخص كثير الجدل والإلحاح والإلحاف فيه).

لذا رفض بعض الشيوعيين - وكانوا قلة كما تؤكد المعطيات التوثيقية - تلك التوجهات التسامحية والاعتدالية مع الدين والمتدينين واعتبروها تقاليد إقطاعية بالية ينبغي رفضها والتخلي عنها، كما عبرت عن ذلك مقالة ظهرت في جريدة " كفاح السجين الثوري" سنة 1954، وأحدثت هذه المقالة ردود أفعال مهمة، وأصبحت القضية موضوعا لنقاش فكري وسياسي واسع بين الشيوعيين وأنصارهم في السجون وخارجها. وأخيرا استقر قرار الشيوعين وقيادتهم على الاستمرار بتبني واعتماد الخط الفكري التصالحي المعتدل مع الدين وعدم التصادم مع المتدينين واستعدائهم والتجاوز على رموزهم وطقوسهم، ومحاولة الاستفادة ثوريا منها. وتم تبني ما يشبه القرار أو التوجه الفكري الرسمي الذي يقوم على (موقفنا معروف تجاه معتقدات الناس ... السياسة الطويلة الأمد للشيوعيين العراقيين، القاضية بتجنب توجيه أية إساءة إلى الدين أو إلى القوى الدينية والامتناع بشكل عام عن الحديث عن هذا الموضوع في العلن مهما كان الثمن /ص364).

هذا في ما يتعلق بتراث الحركة الشيوعية العراقية في طورها الستاليني الذي أعاقها عن التطور، وحبسها في حدود معينة عمليا وفكريا، أما اليوم فلم تعد هناك حركة شيوعية عراقية طبقية جذرية، ووطنية معادية للامبريالية والأنظمة الرجعية منذ عدة عقود، وزادت الأمور سوءا بعد الاحتلال الأميركي حين أصبح  "الحزب الشيوعي" الوريث الاسمي للحركة الشيوعية العراقية حزبا من أحزاب النظام الرجعي الطائفي الذي جاء به الاحتلال، وشارك الحزب بممثلين رسمين في كافة الهيئات التي شكلها الاحتلال في عهد بول بريمر من مجلس الحكم على الحصة الشيعية إلى لجنة كتابة الدستور المكوناتي، مرورا في المشاركة في عدة حكومات قائمة على المحاصصة الطائفية. وحتى الاختلافات التي حدثت بين أشخاص وتيارات داخل الحزب فقد كانت بائسة ولا علاقة لها بجوهر مهمة الحزب الشيوعي الطبقية الثورية، فمثلا: حدث خلاف بين تيار فهمي والحلفي الداعين للتحالف مع التيار الصدري وتيار آخر مثله قيادي آخر هو حسان عاكف الذي كان يدعو الى التحالف مع مدنيين مشبوهين من أمثال المتصهين وزائر "إسرائيل" الدائم مثال الآلوسي أو النائب المنبوذ والمروج للاحتلال الأميركي فائق الشيخ علي، وكأن مشكلة الحزب هي العثور على طرف سياسي يتحالف معه ويكون له ذيلا بعد أن استغنت عنه القيادات الاقطاعية الكردية وأصبح لها "ذيلها الشيوعي الخاص" ممثلا بالحزب "الشيوعي في كردستان" الذي انشطر عن الحزب الأم بقرار داخلي مشبوه وانفصالي الجوهر، ولم تكن مشكلته ومهماته تتعلق بقضايا وطنية وطبقية وبلد يقسم بين أمراء الحرب والمليشيات من زاخو إلى الفاو وتنهب ثرواته وتداس سيادته واستقلاله من قبل اميركا والدول الإقليمة وفي مقدمتها إيران!

وحتى حين بدأت انتفاضة تشرين المستمرة بادرت قيادة الحزب الى اتخاذ موقف معاد لها وأمرت قيادة الحزب أعضاءه بعدم المشاركة فيها ثم ما لبثت أن تراجعت عن موقفها هذا بطريقة فجة ودنما أي اعتذار أو اعتراف بالخطأ حين شاهدت أن أعضاء الحزب في القواعد تمردوا عمليا على توجيهاتها الداخلية وشاركوا في الانتفاضة وقدموا التضحيات الكبيرة كمواطنين عراقيين، وأقول: واليوم يختلط الحابل بالنابل والمدني المشبوه والمدافع عن الاحتلال الأميركي بالشيوعي المخلص المدافع عن الانتفاضة والمشارك بها وهناك الكثير من العناصر التي تحسب على الشيوعية والشيوعيين من هؤلاء الذين لا تعرف لهم فكرا أو هوية سياسية فهم ملحدون من النوع الذي سماه فردريك إنجلز "الإلحاد المراهق" والذين يجدون مهمتهم في الإساءة الى الدين والمتدينين ورموزهم دون تمييز وبلا أي جوهر طبقي تقدمي ، وبهدف التنفيس عن غضبهم على الساسة الإسلاميين الطائفيين من الشيعة أو السنة الذين حرموهم من المشاركة في الحكم ومغانمه. ويشترك مع هؤلاء مرتزقةُ القلم ممن يسمون أنفسهم بالمدنيين واللبراليين ويروجون للجهات التي يعملون فيها ولأجلها من منظمات ومراكز أبحاث ومعاهد صحافة وإعلام دولية مشبوهة التمويل والأهداف.

إن هؤلاء الناس ما هم إلا عناصر وشلل معزولة ولا قيمة لها رغم علو صوتها وضخامة تمويلها والوسائل الإعلامية المكرسة لخدمتها، وهي لا فكر مهما لها إلا بمقدار من تحدثه من ضجيج فارغ وتحت شعارات العداء لما يسمونه "الإسلام السياسي"! إن هذا العداء في الحقيقة عداء سياسي أيديولوجي لا علاقة له بالنضال الطبقي ضد الأنظمة الكومبرادوية واللصقراطية "كلِبتوقراطية Kleptocratique " وشبه الإقطاعية التابعة للغرب في العراق وغيره، والتي لا يختلف جوهرها الطبقي سواء كانت بقيادة زعماء إسلاميين أو علمانيين، وقد تقاسم الإسلاميون والعلمانيون، في الحالة العراقية بعد الاحتلال الأميركي العمالة للاحتلال وتدمير العراق وتقسيمه عمليا على أساس طائفي وقومي، وقام كل من الإسلامي وعلماني بدوره كما ينبغي، ومنذ أول حكومة بقيادة العلماني إياد علاوي وحتى الإسلامي المدعوم إيرانيا ومليشياويا عادل عبد المهدي!

كما أن هذا العداء لما يسمونه "لإسلام السياسي" لا يخلو من عناصر العداء الغربي للإسلام ككل، دينا وحضارة بائدة وشعوبا حية، ومن منطلقات استشراقية غربية معادية للإسلام والمسلمين من حيث جذوره ومنطلقاته، وهو يمتزج عندهم بالترويج لإسرائيل الصهيونية والدفاع عنها والدعوة للتطبيع معها. وهذا العداء لما يسمونه " الإسلام السياسي" المخلوط بما يسمونه " الإرهاب الإسلامي" تروِّج له وسائل الإعلام و"تصنيع الموافقة الديموقراطية" كما يسميها تشومسكي، في الغرب الإمبريالي حصرا، وقد آن الأوان لوضع الحروف على النقاط وإعطاء الجوهر الطبقي وعلاقاتها بالمركز الغربي أولويته في تقييم الأنظمة والحكومات في بلداننا بغض النظر عن قشرتها الأيديولوجية سواء كانت إسلامية أو علمانية ليبرالية.

شخصيا، أعتقد أن الاطلاع على حيثيات هذا الموضوع والعلاقة بين الشيوعيين والدين وخصوصا في العراق مهم جدا، وبدونه لا يمكن الخروج بموقف سليم ومفيد ومنصف. وإنْ كان يحق لي أن أوضح وجهة نظري كمواطن في الموضوع فأعتقد أن الرأي الذي عبر عنه الراحل هادي العلوي في مؤلفاته وخصوصا في كتابة الأهم (مدارات صوفية – تراث الثورة المشاعية في الشرق) هو أفضل ما طرح في هذا المجال، حيث اعتبر الشيوعية أو "المشاعية" كما كان يفضل تسميتها لا علاقة لها بالسياسية، بل هي حركة اجتماعية أولا وأخيرا، تهدف لإزالة الطبقات وإحلال المساواة المشاعية في الخيرات والثروات وتكرّم الإنسان وتكرس حرياته، وبهذا المعنى فهي ليست أيدولوجيا متحزبة أو موقف فلسفي رسمي يفرضه "المكتب السياسي للحزب" بالقوة على الشعب على الطريقة الستالينية.  إن الأيديولوجيا لا أهمية فيها في الحركة المشاعية التي يدعو إليها هادي العلوي بل الأهمية تكون للموقف والانحياز التام إلى القلبية الإنسانية والغالبية الفقيرة المحرومة، وهي الحركة التي ترفض الهيمنة الإرهابية الغربية والظلم الطبقي الذي تمارسه دول الأغنياء اللصوص في الدول التابعة، أما الموقف السياسي من مختلف قضايا العالم المعاصر فهو ملحق وتابع ويمكن للفرد المشاعي أن يتبنى المواقف والأفكار الوطنية والأممية التقدمية المعتادة التي يرتضيها، فالأصل هو الموقف الطبقي الثوري العملي من قضية الملكية الخاصة الاستغلالية، والعمل على إزالة الطبقات الظالمة والمستحوذة على الثروات وإشاعة تلك الثروات بين أصحابها الحقيقيين وتحويل الدولة من سلطة "سلطان" إلى خادم للناس يمكن استغناء عنه بمرور الوقت مع تطور العلم والتكنولوجيا والانتقال إلى عصر الإدارة الذاتية للمجتمعات الإنسانية ضمن ما يمكن تسميته مجتمعات دولة اللادولة المشاعية.

 

علاء اللامي - كاتب عراقي

 

 

مجدي ابراهيمإذا لزم أن تكون العودة لمحمد عبده واجبة، فليس ألزم لها ممّا عانته السّاحة الثقافية المصرية الآن من جدال. فقد بلغت قضية تطوير العقل الديني مبلغها حتى اشتعلت معها نار الفتنة من وراء الحوار الذي دار بين الدكتور محمد الخُشت رئيس جامعة القاهرة، والدكتور أحمد الطيّب شيخ الأزهر، واتّخذت مساحة فوق مساحتها فيما حدث قبل أيام في مؤتمر تجديد الخطاب الديني بالأزهر الشريف، الأمر الذي يدعو لغبطة الحكماء ولغط الشامتين، فالأوّلون يغبطون لتلاقح الأفكار والآخرون يشمتون لزهوة الانتصار، ولا نصر مع الرأي تزهو به إذا نصرك فيه من لا يفهم ومن لا يُحسن أدب المقال.

باعتقادي أنه بالبداهة كان حواراً راقياً لولا الذين نفخوا فيه السُّم الزعاف، فعوض أن يكون حواراً علميّاً يحتمه جوهر الموضوع المطروح، جعلوه معركة بين جبهتين .. وبما أن الناس غرست فيه الفتنة، فأغلب الذين لم يراعوا أدب الحوار حوّلوه إلى خصومة بفعل الهوى أو بفعل الميل الذي لا يعمل فيه التفكير.

درجةُ الفهم في بلادنا أضعف من أن تستوعب حوارات فكريّة جادة، أو توظفها أُلفةً في ظل الحرية بعيداً عن عبوديّة الانقسام.

ظنوه شجاراً (ويا ليته كان حجاجاً) بين طرفين وهو لا يُقام على شجار بل على اختلاف، مع حسن النوايا، لا تفسده قضية الود.

مصادر شيخ الأزهر - مع أنه أستاذ عقيدة وفلسفة - مختلفة عن مصادر رئيس جامعة القاهرة، فلابد من خلاف، ولو توحدّت المصادر لزالت نقاط الخلاف. هل يُخطئ الإمام ويصيب الخشت أم يحدث العكس ولا حرج معه؟ وإذا أصاب الإمام رفعنا الحرج ونصبنا المحافل وبالغنا في التصفيق والتهليل، واعتبرناها معركة الخاسر فيها ضعيف، أي فكرة أسوأ من هذه الفكرة تدخل العقول المُقيّدة بأغلال التقليد؟!

لقد كانت ردود الإمام الأكبر موفّقة جداً إلى حدٍ كبير، ولكن هل خلت الأخطاء تماماً من كلام شيخ الأزهر مع إجلال كل الفضل له؟

سل شيخ الأزهر نفسه: هل تخطئ يا فضيلة الإمام؟ وهل كلامك كله صواب مطلق؟ فلا شك تكون الإجابة: يا قوم إني بشرٌ مثلكم أصيب وأخطي ولا أملك حقيقة في كلامي مطلقة. ومع إجلال كل الفضل كله لفضيلة الإمام هل خلت من حديثه الهنات؟

بالطبع لا .. قال إننا عقدنا المؤتمرات تلو المؤتمرات لنقول للناس إنّ الإسلام يبرأ من الإرهاب. نعم جميل جداً .. ولكن ألا يوجد في التراث من حمل لواء الإرهاب تحت مظلة الإسلام .. ألا توجد مناطق سوداء في التراث الإسلامي، كما توجد في كل تراث آخر، لو ظلت كما هى لكانت مادة تخلف ظاهرة فضلاً عن كونها مادة خصبة يرتع فيها المسترهبون صباح مساء؟

موقف الأزهر من التراث لا زالت تحكمه عقلية "الشيخ عليش" ألدّ أعداء محمد عبده؛ إذ كان قطباً بارزاً من أقطاب التقليد والجمود في الأزهر الشريف. وكانت له قناعاته المتصلّبة نحو كل جديد: رفضه، ورفض من يدعو إليه ولو بالقوة القتالية.

وكان الشيخ عليش هو العدو اللدود للإمام "محمد عبده" أكبر مصلح مجدّد عرفته البلاد الشرقية، ولا تزال قاعات الدرس في بلادنا تهتدي بأمثال عقلية الشيخ عليش أحد شيوخ المالكية الذين وقفوا بالمرصاد لدعوة الإمام محمد عبده، يرفضون الاجتهاد ويعادون تجديد الخطاب الديني، ولا يرون في الإصلاح إلا الكفر والبغضاء والمعاداة. وقد وصل الأمر - فيما يرويه الإمام محمد عبده نفسه - في عداء الشيخ "عليش" للاجتهاد إلى درجة دفعته أن حمل حربة توجّه بها ليطعن زميله الشيخ السنوسي الذي جرؤ على الاجتهاد، فخرق حرمة الدين واتبع سبيلاً غير سبيل المؤمنين؛ لأنه صنّف كتاباً في أصول الفقه زاد فيه بعض مسائل على الأصول المالكية، ولولا مغادرة الشيخ السنوسي القاهرة إذْ ذاك قبل ملاقاة الشيخ عليش، لوقعت الواقعة واغتيل واحد من المجتهدين على يدي أحد المُكفّرة من دعاة التقليد.

من يصدق فينا هذا العته الفكري؟

منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر ونحن نلف وندور في حلقة مفرغة ونقول: تجديد تجديد، تجديد، ولا نجدّد ولا نُهبّب؛ كمن هو جوعان وأمامه المخبز من قريب، ويظل يكرر اللفظ:  جوعان، جوعان، جوعان ألف الف مرة بغير حركة تنقله من اللفظ إلى العمل الذي يشبع فيه جوفه، والمخبز أمامه على بعد أمتار!

يمكنك أن تذهب الى المخبز، لتتناول خبزك من غير لغط كثير، لكنك تكاسلت واكتفيت بكلام يلوكه لسانك دون حركة سلوكية نافعة لك أو لغيرك، غير أنك آثرت التراجع تمهيداً للموت، ثم رحت تلوم جهود الخبازين. هل من عته فينا أمكن من هذا العته؟!

لم يكن الإمام محمد عبده أكبر مصلح تجديدي عرفته البلاد الشرقية إذ ذاك بالذي يقبل من التراث كل ما فيه؛ لأن هذا القبول نفسه يطعن في فريضة الإصلاح بمقدار يفسد مقومات التجديد كذلك، قال رحمه الله في أخريات حياته حاكياً عن نفسه:" ارتفع صوتي بالدعوة إلى أمرين عظيمين: الأول: تحرير الفكر من قيد التقليد، وفهم الدين على طريقة سلف الأمة قبل ظهور الخلاف، والرجوع في كسب معارفه إلى ينابيعها الأولى، واعتباره ضمن موازين العقل البشري، وأنه على هذا الوجه يعدُّ صديقاً للعلم، باعثاً على البحث في أسرار الكون، داعياً إلى احترام الحقائق الثابتة، مطالباً بالتعريف عليها في أدب النفس وإصلاح العمل.

كل هذا أعدّه أمراً واحداً. وقد خالفتُ في الدعوة إليه رأي الفئتين العظيمتين اللتين يتركّب منهما جسم الأمة: طلاب علوم الدين ومن على شاكلتهم، وطلاب فنون هذا العصر ومن هو في ناحيتهم.

أمّا الأمر الثاني، فهو إصلاح أساليب اللغة العربية في التحرير، سواء كانت في المخاطبات الرسميّة بين دواوين الحكومة ومصالحها، أو فيما تنشره الجرائد على الكافة، منشأ أو مترجماً من لغات أخرى، أو في المراسلات بين الناس".

هذه المنهجيّة ولا شك هى أساس كل نزعة إصلاحية تجديدية تأخذ بها العقول المفكرة وتضيف عليها، وترفضها العقول البليدة المتحجرة، ولا تقبل منها المساس بما عساه أن يوقظ فيها صحوة العقل وانفتاحه على المعارف الأخرى.

التراث - مُطلق التراث - ملئ بالضعف وملئ بالقوة أيضاً، ولكن مع ذلك لا جدوى من التعبّد به، والنظر إليه نظرة التقديس.

أظهر شيخ الأزهر دفاعه عن مُلاك (الحقيقة المطلقة) وقال إنه لا يوجد معتقد مسلم أو مسيحي أو غيرهما، يعتقد في دين ينتسب إليه إلا إذا أعتقد الحقيقة المطلقة. وهذا صحيح، لكن المسلم أو المسيحي أو غيرهما يعتقد الحقيقة المطلقة نعم وليس منه مانع، وانمّا المانع أن يمتلكها وأن يجاهر بامتلاكها أو يمتلك التعبير عنها. لا أحد من البشر يستطيع أن يدّعي امتلاك التعبير عن الحقيقة المطلقة، نعم هو يعتقدها إيماناً لكنها حين تنزل إلى منطقة التعقل والتعبير وإعمال النظر والتفكير لا تصبح على لسانه حقيقة مطلقة بل يصبح التعبير عنها نسبياً، وإلاّ دنّسنا تقديس الحقيقة المطلقة بألسنة الناطقين، لينقلب المُقدّس إلى مُدنّس مع كل نظر أو تفكير. والإمام الأكبر نفسه هو أعرف العارفين بأن الحقائق المطلقة (الحقائق الإلهيّة) أصلاً لا يُعبّر عنها ولا تدّون في كتب فما بالك بادّعاء احتكارها، أو احتكار التعبير عنها. وبمن؟ بأقوال البشر، وأفكار البشر، وزعامات البشر، وسلطات البشر وسطواتهم على السواء.

العائق الأكبر أمام فهم الحقيقة المطلقة ومعرفتها هم البشر أنفسهم: تقديسهم واضفاء صفات الخالق عليهم من حيث لا يشعر المخلوق، ثم معرفة الحق من ألسنة الرجال لا معرفة الحق اولاً ثم معرفة أهله كما كان الإمام عليّ رضوان الله عليه يقول.

لم أكن أحبُّ للدكتور الخشت أن يستخدم المصطلحات الفلسفية مُجرّدة عن تعريبها أو شرحها، فأغلب الأزاهرة يأنف منها ولا يتقبّلها كاصطلاح (الأبستمولوجيا) (العقل الديالكتيكي) أو حتى نظريّة الأشكال القانونية المتوازيّة أو (إمّا .. أو) أو (مجاوزة التراث) ممّا يحتاج إلى شرحه لعقولهم في سنوات، ليتناسب مع درجة الفهم، وأنت ترى الأنظار ازاءها كانت مدهوشة، والكل فاغر فاه من سماعها كأنما يسمعون أهوال الفزع الأكبر يوم الدين.

نحن نحتاج إلى سنين طويلة قادمة لنقول كما قال أسلافنا البررة إنّ هذا التراث عمل بشري يجوز نقده وفحصه وقبول ما عساه يتناسب مع عصرنا الذي نعيشه، ولكننا نقبله اذا صحّت بعض مواطنه من حيث المنهج لا المذهب، نأخذه من حيث الروح بغير قطيعة معه، التراث ليس مقدّساً؛ لأنه عمل بشري وإلا لو كان مقدّساً لما جاز نقده والاختلاف معه. أمّا أن تكون عقولنا تراثية فهذه هي المصيبة الكبرى، لأن العقل التراثي عقل مغلق لا يقبل مطلقاً مفاتيح التجديد إلا أن تقوم بكسره غير مأسوف عليه.

ينقلنا هذا إلى أمر آخر وهو مسألة تغيير طريقة التفكير. هذه مسألة وإن تكن ليست بجديدة كل الجدّة فهي شائكة وبخاصّة فيما لو قيلت في عقر الدّار، والدار نفسها لا تحتمل النقد المنهجي، ولا تطبقه على الأثاث بل تحتفظ به كما الحلية الثمينة تدّخرها للزمن المأزوم، فقل لي بربّك كيف تطيقه؟ ثم ماذا؟ ثم تعنون المؤتمر بعنوان التجديد وهى توغل في التقليد الذي جاءت آثاره كما سمعت وشهدت، وأقلها رفض الحوار المشروع.

هنالك يكون النظر إلى الأشعري أو الماتريدي ليس نظراً لا لأشخاص بل لأئمةٍ معصومين لا ينطقون عن هوى، فكل ما يُقال عنهم ضرب من التجاوز تحلّ على قائله اللعنة ولا ينتكب طريق البغضاء، مع أن التراث نفسه ملئ بالوقوف عنده مع نظرات النقد والفحص التي تصل إلى حدّ الهجاء، ولم يسلم الأشعري نفسه من اللوم والمؤاخذة والنقد، ولا سلم أحدٌ قبله، ولا سلم غيره، ولا سلم أفضل منه ولن يسلم من يأتي بعده إلى آخر الزمان.

مسألة تغيير طريقة التفكير تصطدم مباشرة بالعقل التراثي، لأنها تكفر بتقديس المذاهب التي يصنعها رجال في أزمنتهم، ولم يكشف عنهم حجاب الغيب ليشهدوا أزمنتنا.

والعقل التراثي نفسه مُقدّس تقدّس معه الأشياء، ومسألة تطويره تمزيقٌ مباشر لشرايين قداسته.

الكارهون للأزهر أشعلوا الفتنة، وجعلوها حواراً قائماً كحوار الطرشان أو حوار العميان سواء، فقال قائلهم: لم يكن الدفاع عن التراث لشيء يتعلق بالدين من حيث هو دين، ولكن لمكانة السلطة التي يمثلها رجل الدين، ويحفظها على نفسه.

هذه لغة خبيثة تشعل الفتنة أيضاً وتُأجج نار الخلاف؛ فما يُقال عن شيخ الأزهر (يا فالح ..!) يُقال مثله في هذه الجزئية عن رئيس جامعة القاهرة. فلم يكن التجديد تجديداً، ولا التطوير تطويراً من أجل الدخول إلى عصر ديني جديد بل من أجل سلطة يمثلها رجل الفكر ويحفظها أو يقصرها على نفسه .. كلا التعبيرين واحد ولا خلاف، وكما تكون السّلطة لرجل الدين تكون أيضاً لرجل الفكر؛ فالسلطة مشتركة لمن يريد أن يركبها ويتسلّط بها على خلق الله.

وبعيداً عن السّلطة والسّلطنة كان جديراً أن تؤخذ المسألة بحصافة كما أخذها الخشت، فتجاوز الوقوف عند النقاط الاستفزازية مثل: ينبغي أن تكون الكلمة مدروسة، "وربما يتأثر بك شبابنا" ما هذا؟ ولم نخشى على الشباب أن يتأثر بما يُقال؟! وكيف تجئ الكلمة غير مدروسة وصاحبها يُهدي كتابه فيها؟

أنا شخصيّاً لا أقبل أن تقال هذه الكلمة لا عن الخشت ولا عن غيره، وبخاصّة وقد قيلت على مرأى ومسمع من شهود فيهم من يفهم ومن لا يفهم، ونربأ بالإمام أن يكون قد قالها بدافع التعالي أو الاستحواذ والسيطرة .. رجل يقرأ ويُدّرس ويكتب ويؤلف في هذه الموضوعات منذ أن وعى على حياة عقلية منتجة، ليُقال له ينبغي أن تكون كلمتك مدروسة، بالإضافة إلى ما يبدو فيها ظاهراً من منطق التعالي التعليمي، كأنما يقولها لتلميذ في مدرسة أوليّة.

وليس في الأمر استطالة، ولكنه بدا استدراجاً لشعور البسطاء الذين يصفقون بعد كل عبارة بما لا يليق بحوار فكري في قاعة علم، وليس في الإمام الطيّب نفسه تعالي بالحقيقة، وهو العالم العامل التقي النقي الورع، ولن نصدّق قول المجنون "نيتشه" فإنّ أكثر القديسين ورعاً وتقوى يخفي وراء ورعه وتقواه حافزاً للسيطرة، كلا ! نيتشه هذا رجل كاذب ملعون يفضح الأقنعة الزائفة، بل كان الأمر يتطلب التوفيق بين الآراء بهدوء يسحب الفرصة أمام المتعالمين من إشعال فتيل الفتنة بين طرفين كلاهما يفهم ما يقول. وهكذا اشتعلت النار من حيث لا يُراد لها اشتعال، وهكذا تكون لغة الحوار في بلادنا جدباءً غير نافعة، نحن بحاجة إلى أن نتعلّم أدب الحوار وقواعد التفكير النقدي، ونجيد أدب الاختلاف، ونفوّت الفرصة على أصحاب الفتن أن يكون لهم نصيب ٌمن قدح الزناد.

ولكن هيهات ثم هيهات.

 

بقلم: د. مجدي إبراهيم

 

"التحرر من الإيديولوجيات، تحول إلى عبودية، لم يدركها الناس، ولم يختاروها، ولكنهم وجدوا أنفسهم فيها !!!"

يشير مفهوم "الأيديولوجية" كالفكرة والشعارات والمفهوم والتدريس إلى انظمة من وجهات النظر حول الواقع وطرق تطويره وفهمه والتحول من وجهة نظر الأفكار والأهداف والقيم والمثل العليا والمعايير التي اعتمدتها مختلف الجهات الفاعلة في الحياة الاجتماعية والثقافية الفردية والجماعية بما في ذلك المجموعات الإثنية والطبقية والمجتمع والدولة والحضارة ككل، كما يُشار إلى مفهوم "الأيديولوجية" تقليديًا بمجموعة أو انظمة من وجهات النظر والأفكار والأساطير والشعارات السياسية ووثائق سياسة الأحزاب والمفاهيم الفلسفية التي تعبر عن المواقف تجاه واقع معين ووجهات نظر ومصالح وأهداف الناس والطبقات، وعبر المواضيع السياسية فأن الأيديولوجية تأتي عن طريقة معينة من المعرفة وتكون أكثر دقة من واقع البناء الغريب وتكون موجهه نحو تحقيق المثل الأعلى وتجسيدًا لعدد من الأفكار المتعلقة بأفضل أشكال الوجود الاجتماعي، وهي موجودة دائمًا في المعرفة العلمية وليس فقط في العلوم الاجتماعية وإنما حتى أيضًا في العلوم الطبيعية والطبية والهندسية والقوانين التي اكتشفتها وبدا الأمر موضوعيًا تمامًا ومختلطًا حول الأفكار الإيديولوجية والتاريخية والثقافية والأهم من ذلك كله فأن الكثير من المفكرين يرون أن الإيديولوجية هي ظاهرة العصر الجديد كنظام مصطنع للمواقف والقيم والمثل وطرق التحليل التاريخي والأهداف الاجتماعية الموضوعة، وكانت قد نشأت جميع الإيديولوجيات المعروفة تقريبًا في العصر الجديد في ذروة العقلانية وترجع إلى الاعتقاد في إمكانية بناء "جنة أرضية" بمساعدة مشاريع عقلانية لتكون المثل الأعلى لكل نشاط بشري حيث أدت المثل العليا في تاريخ الدول دائمًا دورًا حاسمًا وساعدت في بناء نظام رمزي وبنائي ومعياري في المجتمع من خلال تعريف غائي لترتيب الأهداف والوسائل الأعلى للمثل وطرق تحقيقها، ولذلك فإن فكرة الدولة أو مفهومها يتبين أنه لا ينفصل عن الأساس المنطقي لهدف وجودها ومعناها في التاريخ الإنساني ومصير الفرد مع تعريف تأكيد إن الدولة المثالية والكمال والنموذج المثالي والقيمة والغرض يشكلون أساس فكرة الدولة، ومثل هذا الفهم للدولة ور كطبيعتها المعرفية يؤدي حتماً إلى تهمة المثالية أي الاعتراف غير المبرر للهيمنة الدلالية والبدائية للمبدأ الروحي على المادة، ومع ذلك وبالنسبة إلى التفكير العقلاني فإن المثل الأعلى هو جوهر الإنشاءات المنطقية والقيمة حتى في قلب الفكرة المادية البحتة عن "مجتمع المستهلك" أو "دولة الرفاهية" تكمن صورة مستقبل الخير المشترك والتي سيتم فيها تلبية جميع الاحتياجات الأساسية للإنسان وجميع الحقوق الطبيعية، فلذلك لا يمكن لأي مجتمع الاستغناء عن عناصر الإيديولوجية لا الحديثة ولا حتى التقليدية.

من المستحيل بناء تسلسل هرمي من القيم القانونية والسياسة القانونية للدول من دون وجود ايديولوجية معينة، وأي قاعدة قانونية هي أمر يهدف إلى حماية قيمة معينة لنظام القواعد القانونية أو نظام التشريع، وبالتالي فإن أيديولوجية الدولة موجودة حتمًا في نظام القواعد القانونية التي تصدرها والتي يمكن اعتبارها وسيلة لتنفيذ الأحكام الدستورية وتحقيق الأهداف وتحقيق القيم المنصوص عليها في القواعد الدستورية، ومن أجل ضمان الأمن القومي بشكل فعال فمن الضروري أن يكون لدى الدول قيم أساسية لا تشمل الفرد وأمنها فحسب بل تشمل أيضًا الأسرة والعرق والشعب والأمة، وفي حالة وجود تضارب في المصالح بين المصالح الفردية والمصالح الوطنية فقد يتأثر الأمن القومي، فلذا ولضمانه يجب أن تكون إحدى القيم الأساسية لمجتمعاتنا بتبني موقفًا واضحًا لسلطة الدول فيما يتعلق بالمثل والقيم الروحية والأخلاقية والقيم الأساسية للغاية ويمكنك تسمية هذه القيمة كما يحلو لك كالفكرة الوطنية أو الدولة المثالية أو مبدأ الدولة الأساسي، فببساطة الأيديولوجية هي قمر صناعي في المجتمع يفكر فيه ويعكس الناس. وان تساؤلنا في لماذا تحتاج الدول والمجتمعات إلى الوحدة الاجتماعية؟ نجد الإجابة في العصر الحديث عبر "نهاية الإيديولوجية" وبذلك يتحول التحرر من الإيديولوجية إلى عبودية لا يدركها الناس ولم يختاروها ولكنهم وجدوا أنفسهم فيها، فتتمثل الأيديولوجية الحديثة لـ "مجتمع المستهلك" في شكل جديد من الأيديولوجية الليبرالية أو البرجوازية تحتاجها الدول والمجتمعات لكنه لا توجد أخلاقيات بدون أيديولوجية ولا توجد أيضا اخلاقيات حقيقية في الايديولوجيات، غير إننا لن ننسى انه يمكن للشعب ومن ثم نظام الدولة المثالية أن يكون بمثابة مؤشر للأخلاق العامة معتمدا كليا على العادات السائدة في المجتمع. وفي ظل أيديولوجية الدولة يجب فهم مجموعة من القيم والقواعد التي تضفي الشرعية على تنظيم السلطة العليا في بلد معين وإن جوهرها هو المثل الاجتماعي الذي يعتمد عليه تبرير إنفاق الطاقة وكذلك الدافع لسلوك المواطنين في بناء نموذج مثالي للدول والبنية الاجتماعية وضمان الأمن القومي وتحقيق قوى اجتماعية وسياسية معينة، فعبر ذلك ينشأ المجتمع من الناس على أساس القيم والمثل العليا المشتركة وأهداف الحياة المميتة وبالتالي فإن جوهر الدولة ينطوي على حماية ثقافة الشعب المكون للدولة بناء على يقين من التواصل الوطني والثقافة الشعبية، وان كل دولة وكل أمة وكل ثقافة تختلف عن بعضها البعض عبر ترتيب مختلف للقيم لذلك يتم تحقيق أنجح تفاهم متبادل بين الأشخاص الذين ينتمون إلى نفس الثقافة والى ذات الأمة واحدة، وإن أهم لحظة في مسألة أيديولوجية الدولة هي النظر في حقيقة أن كل مؤسسة سياسية وقانونية وكل دولة هي نتاج التطور الثقافي لشعب ما وأمة ما، تتشكل كل دولة ضمن ثقافة معينة، يكون حاملها هو الشعب المكون للدولة ولا يمكن أن يكون هناك شخص مجرد وخارج إطار التقاليد الثقافية والتاريخية، وإن أيديولوجية الدولة على المستوى الوطني ضرورية لتوحيد الناس على أساس القيم الروحية العليا المعقدة من الأفكار حول ما يجب أن يكون في تطور الدولة حول أهدافها، ومن دون الإيديولوجية فمن المستحيل ضمان الأمن القومي وإدارة الدولة بفعالية ولكل أمة لها فكرتها الخاصة عن الدولة الذي يتم تحديد التسلسل الهرمي لقيمها عبر تاريخ وتقاليد وثقافة الشعب المكون لها، لذلك ومن أجل تطوير نظام أية دولة فمن الضروري السعي لتطوير التقاليد والثقافة الأيديولوجية وجعلها متاحة للإدراك مجتمعيا وتحويلها من نظريات وافكار إلى منهج قابل للتطبيق والتنفيذ الواقعي.

 

بقلم/ الدكتور ميثاق بيات ألضيفي