حسن العاصيالقرن العشرين شهد تغيرات عميقة على مستويات الفلسفة والنقد النظري، تبدلت خلاله المفاهيم النظرية، التيارات الفلسفية، المدارس النقدية بصورة لافتة، وانعكس ذلك على الفكر بشكل عام. فهل نحن مقبلون على مرحلة ما بعديات، ما بعد الحرب الباردة، ما بعد الماركسية، ما بعد الحداثة، ما بعد العولمة، ما بعد الاستعمار؟ هي مجرد مصطلحات أم هي توصيفاً لمرحلة من عصر سريع التحول ولا يستقر على حال؟ أم أنها مؤشر على فترة انسداد ونكوص فكري؟

مازال النقاش متواصلاً في أوساط المفكرين والمثقفين وراسمي السياسات الاستراتيجية في العالم منذ أكثر من ربع قرن، حول نظرية المفكرين الأمريكيين "فرانسيس فوكويوما" عن النظام العالمي الجديد، ونظرية "صامويل هنتنغتون" عن صراع الحضارات.

والآن بتنا نسمع من بعض المفكرين عصر "ما بعديات" للدلالة على مرحلة ما بعد العولمة التي ارتبطت بكل ما هو أمريكي النمط والثقافة والمفهوم والصناعة. السؤال الكبير هنا هل تمكنت العولمة فعلياً من حذف الهويات القومية، وأسست عالماً إنسانياً خالياً من الحدود؟ أم أن العالم يتهيأ لمرحلة ما بعد العولمة، ذلك أن مشروع الأسواق المفتوحة والاقتصاد الموحد ينهار، ربما خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي مؤشر على ذلك، وربما يتبعها آخرون لاحقاً.

يبدو أن حتى أمريكا نفسها خلال ولاية "ترامب" تحاول الفكاك من العولمة التي كانت لفترة قصيرة مضت رائدة لها. وإلا كيف نفسر سعي الإدارة الأمريكية الحالية التحرر من الاتفاقيات والمعاهدات الدولية، والتخلص من التزاماتها تجاه المجتمع الدولي، والانغلاق على نفسها والانكفاء نحو شعار "أمريكا أولاً" الذي كان شعار حملة ترامب الانتخابية. يترافق الطلاق الأمريكي مع القارة الأوروبية الفضاء الأقرب للولايات المتحدة جغرافياً وسياسياً واقتصادياً وعسكرياً، مع تصاعد الميول القومية والأفكار اليمينية حد الشوفينية والعنصرية في أوروبا، وتصاعد التمييز العنصري والكراهية ضد المهاجرين والأجانب الذي يعكس وجودهم في جانب منه وجهاً من وجوه العولمة.

في القرن العشرين

بعد انهيار الاتحاد السوفيتي في بداية التسعينيات من القرن العشرين اختفت مفاهيم وقيم ونظم، وحلّت مكانها أخرى جديدة، فغاب عن المشهد مصطلحات مثل الصراع الأيديولوجي، النظام الاشتراكي والشيوعية، الحرب الباردة. وظهرت أفكار جديدة وتعابير وكلمات جديدة، مثل العولمة والحداثة، واعتبر بعض المفكرون الغربيون أن الاشتراكية قد تمت هزيمتها للأبد، وأن الرأسمالية قد انتصرت، وبهذا فإن التاريخ أوشك على نهايته كما قال المفكر الأمريكي المحافظ من أصل ياباني "فرانسيس فوكوياما" في كتابه "نهاية التاريخ" الذي ألفه عام 1992 بعد تفكك الاتحاد السوفيتي، رغم أنه تراجع لاحقاً عن كثير من الأفكار التي وردت في كتابه، إلا أنه يمكن اعتباره نموذجاً للمقاربة، يعبر عن العديد من المفكرين الغربيين الذين روجوا لأفكار ما بعد الحرب الباردة. عالم القطب الأوحد بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية القوة الاقتصادية والعسكرية والتقنية الأضخم.

دخل العالم مرحلة جديدة بعد الثورة المعلوماتية والتطور الهائل في وسائل الاتصالات، والتمدد الواسع للشركات متعددة الجنسيات وتقدم آليات الاقتصاد الرأسمالي. أدى هذا إلى تراجع دور الدولة بالمفهوم التقليدي، وضعف الثوابت السياسية كالسيادة والوطنية والدولة القومية.

عقب أحداث أيلول/سبتمبر 2001 أقدمت الولايات المتحدة على احتلال أفغانستان والعراق، وأصبحت القوة الوحيدة المتسلطة على العالم، وفرضت إرادتها ومفاهيمها وأسلوبها على بقية الدول، بحيث تحول البيت الأبيض مركزاً للعلاقات الدولية. وقامت أمريكا بتنصيب نفسها قاض على العلاقات الدولية والثنائية والإقليمية والمحلية. كما سعت إلى إخضاع معظم الدول وغالبية الحكام الذين تحولوا إلى موظفين في الإدارة الأمريكية. وهيمنت الولايات المتحدة على مجلس الأمن وبقية المنظمات والهيئات الدولية وعلى منظمة التجارة العالمية، وصندوق النقد والبنك الدولي، وسيطرت على نظام الاتصال وشبكة المعلومات العالمية وعلى أهم الوسائل الإعلامية والأقمار الصناعية. بدا وكأن أمريكا سيطرت على العالم أجمع، وأن هذا الكون قدر له أن يتأمرك.

عصر ما بعد الحرب الباردة

بدأت مرحلة جديدة استبشرت البشرية معها قدوم حقبة مختلفة، تتراجع فيها أصوات التهديدات النووية وصراع الأيديولوجيات وانقسام العالم، نحو مرحلة من الهدوء واستثمار أموال سباق التسلح في تحقيق الرخاء والرفاه الاجتماعي للشعوب. وهذا يتطلب اتباع استراتيجيات سياسية واقتصادية وفكرية جديدة تعتمدها الدول الكبرى، وخاصة الولايات المتحدة التي تربعت على عرش العالم كدولة عظمى وحيدة.

ولكن هذا لم يحصل من سوء طالع الشعوب، ولم يصبح العالم أكثر أمناً ولا استقراراً من ذي قبل، بل على العكس تماماً، تفردت الولايات المتحدة بقيادة العالم بكل عنجهية وغطرسة نحو المزيد من الحروب والقتل، وبذلك اضاعت أمريكا فرصة نهاية الحرب الباردة لصياغة استراتيجية مختلفة لجعل العالم اقل اضطراباً.

الأزمة المالية

كثير من المفكرين اعتبروا أن الأزمة المالية التي أصابت البنوك والشركات الأمريكية الكبرى في العام 2008 بمثابة مؤشر مهم على احتمال انتهاء عصر العولمة، ومرحلة السطوة الأمريكية باعتبارها تعكس مركزية رأس المال المالي. حيث يعتبر البعض أن الأزمة كانت اقتصادية وليست فقط مالية، وأدت في النهاية إلى سقوط السياسة الليبرالية الجديدة التي اعتمدت العولمة للهيمنة على اقتصاديات العالم. وقد شكل ربما تدخل إدارة الرئيس الأمريكي السابق "باراك أوباما" وضخ حوالي 600 مليار دولار لإنقاذ البنوك والشركات الأمريكية التي كانت قد أعلنت إفلاسها وانهارت، سقوط النموذج الرأسمالي، لأن الرأسمالية في الأصل تقوم على حرية السوق الذي يوازن نفسه دون تدخل الدولة.

إن حرية الحركة للبضائع والبشر، وارتفاع مستويات التجارة العابرة للقارات، وظهور الاتحادات التجارية الدولية، كل هذا أسهم في تسريع وتيرة النمو الاقتصادي العالمي بمعدلات غير مسبوقة، لكن الأزمة المالية عام 2008 بددت هذه الإنجازات، ووضعت العولمة على حافة السقوط.

فإن سألنا كيف ذلك، نقول إنه بدلاً عن حدوث طفرة اقتصادية كما هو الحال عقب خروج الاقتصاد من أية أزمة مالية، ما حصل هو العكس حيث تقلص النمو الاقتصادي العالمي بنسبة حوالي خمسين في المئة بعد الأزمة. هذا الانكماش الاقتصادي كان على حساب توزيع الثروة بصورة عادلة. أقدمت البنوك على رفع معدلات الإقراض والاستثمار في البورصة والعقارات، بدلاً من ضخ واستثمار الأموال في اقتصاد حقيقي يخدم الطبقات الوسطى والمتدنية.

عولمة العالم

العولمة التي بدأت في ثمانينيات القرن العشرين نتيجة تطور النظام الرأسمالي العالمي، والآفاق التي أحدثتها ثورة الاتصالات والمعلومات، وظهور البث الفضائي، ثم شبكة الانترنت التي أزالت الحدود السياسية والاقتصادية والثقافية بين الدول والشعوب، ومنحتهم فرصة التواصل فيما بينهم والتفاعل خارج قيود السلطة، ثم ظهر البريد الالكتروني، ومنصات التواصل الاجتماعي لاحقاً، التي أصبحت صوت القوى المقموعة في الأنظمة الاستبدادية، ومنبراً لخطابها السياسي والفكري.

العولمة هي امتداد وتطور طبيعي للرأسمالية، وتجاوز لعصر الحداثة، وهي بمثابة تحقق نبوءة المفكر الأمريكي "آلفن توفلر" وتجسيد للتطورات الهائلة التي ظهرت في مرحلة الموجة الثالثة على الأصعدة الفكرية والعلمية والتقنية، وهي أفكار روج لها توفلر وتوقع أن يتم المساس بسيادة الدول واختراق الهويات الثقافية للأمم الضعيفة، التي تعيش على هامش دول المركز الرأسمالي الصناعي المتطور.

وكان المفكر الأمريكي "توفلر" قد أصدر كتاب "صدمة المستقبل" العم 1970، وكتاب "الموجة الثالثة" العام 1980. وقد استعمل تعبير صدمة المستقبل للدلالة على التغيرات الاجتماعية المستقبلية التي توقعها، في دول العالم وخاصة الدول المتقدمة، ومنها القلق المتزايد الناجم عن تسارع وتيرة الحياة. وفي كتاب الموجة الثالثة ذكر ثلاث أنواع من الموجات، وكل واحدة منها تدفع نحو تشكل نمط محدد من ثقافة المجتمعات، وحين تتوفر إمكانية ولادة موجة فإنها تزيح الثقافة التي قبلها. فالموجة الأولى كانت بالمجتمعات الزراعية وامتدت حتى القرن السابع عشر ميلادي، وكانت هذه الموجة قد أزاحت المجتمعات التي كانت تعتمد على الصيد ولديها ثقافة بدائية.

واعتبر "توفلر" أن الموجة الثانية بدأت مع الثورة الصناعية في أواخر القرن السابع عشر لغاية منتصف القرن العشرين، ومن أبرز معالمها النظام التعليمي الموجه، وظهور الشركات بهيئتها الحديثة، واعتمدت هذه الموجة على التضخيم. تضخيم الإنتاج حتى يلبي احتياجات الجميع، وتضخيم التوزيع كي يتضخم الاستهلاك. تضخيم التعليم ليواكب الطفرة الصناعية والتقنية، ولإيجاد متخصصين والاستفادة من تعليم الجميع. جرى أيضاً تضخيم وسائل الإعلام كي تقوم بدورها في غسل عقول البشر، ونشر المفاهيم التي تخدم مصلحة القوى الصناعية، وتعميم ثقافتها على الشعوب والدول النامية. تضخيم صناعة الأسلحة كي تكون قوة ردع لاي تمرد وخروج عن الهيمنة الرأسمالية.

ثم ظهرت الموجة الثالثة منذ خمسينيات القرن العشرين، ومازالت متواصلة، وهي مرحلة ما بعد الصناعة. هي إيجاد مجتمع يعتمد على المعرفة والمعلومات كمورد رئيسي، نطلق عليه عصر الثورة المعلوماتية، عصر الفضاء، عصر القرية العالمية، عصر العولمة. هذا العصر يركز على الجودة والتنوع والإنتاج المعرفي، والمقدرة على التجاوب مع المتغيرات المتسارعة. وهو عصر يتوفر على طيف واسع من أنماط الحياة ووجود ثقافات فرعية، وسعي الشركات نحو التخصص. ويمكن للمعلومات أن تكون بديلاً عن الموارد المادية للأمم والشعوب. إن الطبقة العاملة قد تم استبدالها بطبقة أخرى تتكون من طبقة العقول العاملة، فهل نحن مقبلون على الموجة الرابعة من المسيرة التاريخية للرأسمالية؟

خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي

هل يشير خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي إلى انهيار فكرة السوق المفتوحة والاقتصاد الواحد؟ وهل نحن مقبلون على عصر ما بعد العولمة؟ وهل استيقظت أوروبا من صدمة خروج الشريك القوي؟ وماهي إمكانية انتقال العدوى إلى دول أوروبية أخرى، ومن هي الدولة المرشحة أكثر من غيرها؟ جميعها وغيرها أسئلة تشغل تفكير مراكز الأبحاث الأوروبية التي يسعى الباحثون فيها لمعرفة هل خروج بريطانيا أحد أعراض الأزمة المالية التي أصابت الاقتصاد العالمي في العام 2008، أم أنه فيروس معدي سيتنقل لمرشح آخر.

الأزمة المالية تسببت بتقليص حجم النمو الاقتصادي العالمي، وعمقت من مبدأ عدم المساواة وتفشي ظاهرة رفض الحدود المفتوحة، وكذلك النقمة على القادة السياسيين التقليديين. ويلاحظ أن نسبة حصول الأحزاب التقليدية الأوروبية في الدول الأعرق ديمقراطياُ، قد تقلصت انتخابياً إلى نحو ثلث الأصوات بعد أن كانت تحصل على ثلثي الأصوات قبل الأزمة المالية. كما يلاحظ تنامي الغضب الشعبي على القادة والزعماء الأوروبيين الذين انتخبهم الناس للتخفيف من سطوة الأزمة ولم يفعلوا شيئاً. هذا الغضب الشعبي الذي اعتبر أن نظام العولمة قد تركهم يواجهون مصائرهم وحدهم، تستغله الأحزاب اليمينية والقوى الشعبوية، التي توظف مشاعر الناخب الأوروبي التي تثقله الأزمات الاقتصادية، وتستثيره رؤية المهاجرين الذين يتوافدون على القارة الأوروبية، ويعتبر أنهم يسرقون الوظائف وينافسون على مصادر الرزق.

إن الثلاث عقود الأخيرة قبل الأزمة المالية شهدت نمواً في الاقتصاد العالمي، ساهمت فيه حرية الحركة والتجارة عابرة الحدود والتطور في التقنيات الحديثة والثورة الرقمية، وهو تطور أسهم في تحسين المستوى المعيشي للشرائح والعائلات الأوروبية، لكنه في ذات الوقت أدى إلى تمزيق النسيج الاجتماعي لهذه الدول. وما بعد الأزمة لم تتعدى نسبة النمو الاقتصادي 2 في المئة وهو أقل مؤشر للتعافي الاقتصادي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

ومن نتائج الأزمة المالية عام 2008 أن رفعت البنوك من معدلات الإقراض، وارتفعت الاستثمارات في البورصة والسندات المالية والعقارات، وهي قطاعات لا يستثمر فيها إلا الأغنياء، بدلاً عن أن يجري الاستثمار في قطاعات اقتصادية تسهم في خلق وظائف جديدة تخفف من حدة الأزمة. وهو أمر يؤدي إلى عدم العدالة الاقتصادية بين الدول وفي الدولة الواحدة. فبحسب دراسة لبنك سويسرا نجد أن من بين أكبر 46 اقتصاداً عالمياً، كان هناك 12 دولة تعاني من عدم العدالة في العام 2007، بينما بلغ العدد 35 دولة في العام 2017، مما يؤكد بوضوح اتساع ظاهرة عدم العدالة في توزيع الثروات.

قيام عالم آخر

إن كانت العولمة مجرد مرحلة من مراحل تطور الرأسمالية، فإننا مقبلون على مرحلة جديدة في مسيرة النظام الرأسمالي، وظهور اتجاهات أو عولمات أخرى جديدة. سيرورة الحياة بالمعنى التاريخي لا يمكن اختزال أنظمتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية في نمط واحد، أو عولمة واحدة وثقافة واحدة بات الجميع يتضرر منها حتى في معقلها.

من الطبيعي والحال هذا أن تتسع دائرة الرفض لهذا الغول المتوحش، ولهذا النظام الذي يتسبب في زيادة الأثرياء غنىً والفقراء إفلاساً، فظهر "التحالف ضد العولمة" الذي يضم ملايين المناهضين في العالم، وتم تأسيس "المنتدى الاجتماعي العالمي" في العام 2001 الذي يعقد اجتماعاً سنوياً بهدف تنسيق الحملات التي يقوم بها أعضاء الحركة العمالية لمناهضة العولمة، وتبادل وتطوير المعلومات حول خطط العمل. وهذا المنتدى بمثابة رداً على منتديات النخبة القوية من الدول التي تعطي نفسها الحق في وضع الاستراتيجيات الاقتصادية العالمية مثل "مؤتمر دافوس" الشهير.

في البرازيل ظهر "المنتدى العالمي للبدائل" أيضاً في العام 2001 بجهود قوى سياسية واجتماعية ومدنية معارضة للعولمة، بعيداً عن المواجهات التي كانت قد شهدتها كلاً من جنيف وبراغ وسياتل، لتبادل التجارب والأفكار والمقترحات حول البدائل المتاحة للعولمة في شكلها الحالي، ويستقطب سنوياً آلاف المشاركين من خمس قارات، ويحضره برلمانيون غربيون.

هل هناك إمكانية قيام عالم آخر؟

العولمة الراهنة ليست سوى شكلاً من أشكال الهيمنة الأمريكية، التي قسّمت العالم إلى أثرياء وفقراء، وهو ما يتطلب إحداث انقلاب في السيرورة التاريخية للبشرية. إن العالم الذي نعرفه لم يعد محكوماً من الأحزاب السياسية ولا من رجال السياسة، بل تحكمه الاتحادات الاقتصادية الدولية الكبرى مثل البنك الدولي ومنظمة التجارة الدولية، والتجمعات الاقتصادية العملاقة لكبريات الشركات عابرة القارات.

لقد بات منطق حسابات الأسواق الحرة هو السائد والمقرر للسياسات العالمية، وليس البرلمانات الغربية التي تضم بين جدرانها مندوبي الشعوب المنتخبون. وانتقلت السلطة من السياسيين ليقبض عليها رجال الاقتصاد المسيطرين على وسائل الإعلام والاتصال، ويمتلكون المعلوماتية وتقنياتها الحديثة. بل لقد وصل الأمر إلى حد محاولة رأس المال المالي إحكام قبضته على قوت البشر واحتكار الغذاء في العالم.

من هنا تبرز أهمية إجراء المقاربات الفكرية لتقديم أفكار وحلول لتحقيق العدالة في توزيع الثروات، وعدم الاكتفاء بالاحتجاجات والاعتراضات. حلول تضمن نمو اقتصادي مستدام للاقتصاد العالمي، وتطوير الحياة الديمقراطية، ومنح منظمات المجتمع المدني دوراً أكبر في المشاركة بوضع السياسات العامة، ثم رفع فاعلية المؤسسات الدولية ومنها الهيئات التابعة للأمم المتحدة. ربما أيضاً العمل الجماعي من قبل المتضررين دولاً وشعوباً، بهدف جعل نظام العولمة أو ما بعده نظاماً أكثر إنسانية اجتماعياً.

هل يمكن بالفعل تخفيف وحشية العولمة الراهنة التي تضع الجميع في ميزان الربح والخسارة بسوق البيع والشراء؟ هل تستطيع الأفكار البديلة رسم وجه آدمي للرأسمالية الأسحم؟ وهل تتمكن المنتديات والمؤتمرات البديلة من صياغة مستقبل للبشرية، مختلف عن المستقبل الذي ينتظرنا، أم أن المشاركين فيها ليسوا سوى يساريين متقاعدين من الحرس القديم الذين لم يستطيعوا التأقلم مع التحولات الوقائع الجديدة؟

بديل العولمة

حسناً، ما هو بديل العولمة؟ يبدو أنه عالم يتألف من قوميات بحدود مغلقة ويشهد صراعاً بين الحضارات. وربما أننا سنشهد عالماً مختلفاً لم نعهده بعد ولا نعرف ملامحه.

صاحب كتاب "رأس المال في القرن الواحد والعشرين" عالم الاقتصاد الفرنسي توماس بيكتي ، الذي صدر في العام 2013 حذر من أن معدل العوائد في رأس المال على هيئة الأسهم والفوائد والايجارات واستثمارات طويلة الأمد، هو أعلى من معدل النمو الاقتصادي على شكل الناتج القومي والدخل الفردي، هو أمر من شأنه مراكمة ثروة الأغنياء، إذ أنها تنمو بصورة أعلى من الناتج وأجور العمل، وبهذا يتضخم رأس المال المالي على حساب رأس المال البشري، فينال الأثرياء الحصة الأضخم على حساب بقية قطاعات المجتمع، والنتيجة عدم عدالة تصاعدي في توزيع الثروة، وتآكل تدريجي في الطبقة الوسطى بالمجتمعات.

على الدوام كانت الطبقة الوسطى بمثابة قلعة النظام السياسي الليبرالي الغربي، وتقلصها يهدد الأنظمة الديمقراطية. في فترة قبل عام 2008 كانت نسبة الحكومات الغربية تحظى بتأييد شعبي نحو الثلثين، لكن الآن انخفضت هذه النسبة إلى نحو الثلث.

هذا الاستياء الشعبي من الحكومات والعولمة استغله قادة الأحزاب اليمينية الشعبوية، أمثال ترامب في الولايات المتحدة وماري لوبن في فرنسا ومثل الذين قادوا خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وهو انسحاب يعكس الغضب الاجتماعي الذي يلقي باللائمة على الأنظمة الحالية وعلى حرية التجارة وتنقل الأفراد والمهاجرين الذين يسرقون الوظائف.

في أعقاب أزمة 2008 انتعشت الأحزاب اليمينية الشعبوية العنصرية، ولاقت افكارها القومية المتطرفة قبولاً لدى قطاعات واسعة من الناس، بعكس ما توقع بعض المفكرين بأن تزدهر الأحزاب اليسارية بعد الأزمة. وهذا يعود في جانب مهم منه إلى فشل الأحزاب اليسارية والليبرالية الغربية في تقديم حلول للإشكاليات التي واجهتها الدول الغربية، وعجز اليسار على تقديم أية أفكار أو مشاريع جاذبة للجماهير، وكذلك عدم تمكن المفكرين والمثقفين اليساريين الغربيين من وضع منهاجية واضحة. هذا الضعف في قوى اليسار وانحسار دورهم أدى إلى تنامي فكر اليمين المتشدد.

فيما سبق توافق اليسار الأوروبي الضعيف مع الاشتراكيين الصينيين والرأسماليين الأمريكان على لغة العولمة، حين شجعوا فكرة التجارة الحرة، ووافقوا على مبدأ عدم المساواة في مقابل معدلات نمو اقتصادية سريعة ومتصاعدة. لكن في السنوات الأخيرة بدأ يعلو صوت الاحتجاجات الوطنية تدافع عن مصالحها ووظائفها ومصادر رزقها، ثم باشرت بعض الدول في اتخاذ إجراءات ضد العولمة. الإشكالية الحقيقية أن هذه التدابير تحمي الاقتصاد الوطني على المدى القصير، لكنها سوف تؤدي إلى عزلته وإضعافه لاحقاً، مما ينتج ركوداً ثم بطالة متزايدة ثم تضخم فأزمة اقتصادية جديدة.

بينما يتضح أن الطبقة المتوسطة هي المتضرر الأكبر، فإن المعركة الحقيقية بينها وبين نظام العولمة، ويبدو أن الموجة الرابعة سوف تشهد صراعاً طبقياً معاصراً، بين الطبقة المتوسطة ونظام العولمة، وليست بين التجارة الحرة والإنتاج المحلي، ولا بين اليسار واليمين. ما تحتاجه البشرية هو أيديولوجية تكفل العدالة الاجتماعية وتعادل الفرص، وإعادة توزيع الثروة بشكل منصف يسهم في نمو الطبقة الوسطى من جديد، وانتصارها على وحش الحداثة.

ماذا يفعل العرب؟

النخب العربية من مثقفين ومفكرين وسياسيين واقتصاديين وعلماء اجتماع، لم يتمكنوا من تجديد لا فكرهم ولا خطابهم ولا أدواتهم ولا منهجهم، كي يتكيفوا مع المتغيرات الكونية الكبيرة التي لم تدع شيئاً على حاله، ولم يتمكنوا من فهم منطق العولمة الكامن. إن المنهج التاريخي المقارن لم يعد صالحاً لفهم الظواهر الكونية المعقدة وتفسيرها، فلا بد من الانخراط البحثي المعرفي لاستنباط مناهج مختلفة لقراءة ومقاربة فترة ما بعد الامبريالية، ما بعد الحداثة.

أم أن العرب قبلوا أن يعيشوا على هامش المجتمع الدولي، وهل هم فعلاً جزء من ثقافة العالم؟ إن ثقافة أي أمة هي ما يحدد وجودها والمساحة التي تحوز عليها، وأسلوبها في رؤية الكون، وطريقتها في التحليل والتخطيط وترتيب الأشياء.

فإذا كان تجاوب العرب مع العولمة يواجه صعوبات جمة، إذ يعاني الاقتصاد العربي من هبوط في مستويات النمو، وفشل في سياسات التوافق بين التعليم وأسواق العمل، كما يعاني العرب من ارتفاع نسبة الولادات ، وعدم وجود نظم وطنية للعلم والتكنولوجيا والمعلوماتية، فإن مرحلة ما بعد العولمة، أو عصر الموجة الرابعة سوف تضاعف هذه التحديات في العالم العربي بوصفه يضم دولاً نامية تخضع لضغوط اقتصادية داخلية وخارجية، ولا يستطيع التكيف مع المستويات الفائقة من التطور والكفاءة والمهارات التي تفتقد لها الاقتصاديات العربية، وبهذا قد لا يكون أمام هذه النظم إلا التفكك لضعفها وعدم توفر إمكانية المقاومة لديها، أو ربما يحمل العصر الجديد الحافز لدي العرب إثارة روح التحدي، للقيام بتحولات اقتصادية ثقافية جذرية تسهم من خلال تفعيل العمل العربي المشترك في أن يكون العرب موجودين لا قوماً مندثرين.

 

حسن العاصي

كاتب وباحث فلسطيني مقيم في الدانمرك

 

الحسين اخدوشسرّع ظهور مفهوم الإنسان على مسرح الفكر النظري للقرنين الثامن التاسع عشر الحديثين بانبثاق مشكلات نظرية جديدة في الثقافة الغربية، نجمت عن التأسيس المنهجي للإنسان (من منظور فلسفة التاريخ وبعض علوم الإنسان)، بالتالي ظهور مشكلة القيّم المشتركة وبروز مشكلة البحث عن كيفية فهم وتأويل الثقافة والروح الإنسانية بشقيها الداخلي والخارجي.

شكلّت كلّ هذه المستجدات الفكرية تحفيزا نظريا للبحث عن فهم جديد يستجيب للطابع "الكوسموبوليتي" (=العالمي) للإنساني كما أسّست له التصورات الإنسية للأنوار ضدّا عن تلك التصورات ذات النزوع  "الإثنومركزي"«Ethnocentrisme»، التي كانت قد خيّمت بظلالها على الدراسات التاريخية والثقافية منذ الاكتشافات الجغرافية الكبرى إلى قيام الحركات الاستعمارية أواخر القرن التاسع عشر.

والواقع انّه لم يكن بالأمر اليسير أن تُفْهم القيّم والمعايير الإنسانية على أنَّها كونية لو لا أنّ تَشَبّع الإرث الأنواري بالفهم الكوني للثقافة الإنسانية، وبالأخصّ لدى الذين نظّروا لفكرة التقدّم الإنساني وعلى رأسهم "كانط" «Kant» المفكّر الفرنسي "كوندورسي" «Condorcet» الذي آمن أشدّ الإيمان بوحدة مصير البشرية وقدرتها على تحقيق تقدّمها العقلي غير النهائي.

مهّدت الحداثة الفلسفية الغربية الطريق نحو ظهور مركزية إنسِية مكان المركزية اللاهوتية المطرودة من على مسرح الفكر النظري العقلي، فتحوّل بذلك النقاش الفكري (الذي كان في ما مضى جدالا بين الديني والعقلي) ليصبح في الفترة الحديثة حوار العقل واللاعقل. بذلك تبدّل النقاش في المسائل المعنوية والروحية لحياة الإنسان الحديث، حتى تلوّنت تلك القضايا بنماذج معيارية أخرى جديدة: قيمية وأخلاقية، تحتّل فيها الإنسية المُعَلْمَنة صدارة التشريع والتأسيس للقيّم الأرضية، ضدّا عن أية إمكانية للارتداد من جديد إلى القيم الدينية المتعالية؛ محقّقة بذلك إحدى تنبؤات الفيلسوف نيتشه عن إنسانية متحررة من كل أوهام الدين والمثالية السالبة للحياة الأرضية.

لكن الإحراج الذي تنطوي عليه هذه النظرة الجديدة من حيث هي تسويغ لكونية "القيّم الإنسانية" المُعَلْمَنَة، هو أنّ التحوّل الذي وقع بعد الانتقال من "النموذج التقليدي للمجتمع" إلى نمط جديد للحياة الاجتماعية والسياسية يوصف بكونه حديث ومعاصر، قد جعل هذه العلمنة أيديولوجيا تنصّب نفسها نوعا جديدا من اللاهوت باسم الناسوت الكوني الذي اقترح نفسه ديانة جديد للعصور الحديثة. 

إنّ النقاش حول مسألة العلمنة لم يكن أبدا مفصولا عن صراع قوى النظام القديم المتمثلة في الإقطاع المدعوم كنسيا مع القوى الاجتماعية الصاعدة المتمثّلة في البورجوازية الناشئة. لقد كان ذلك النزاع في عمقه السبب الاجتماعي والسياسي لمحاولة كبح تسلّط الفئات الأرستقراطية المتحالفة مع رجال الدين، فكان الحديث عن مدى قدرة الأديان على الاستجابة للتقدم النظري للإنسان إفرازا مباشرا لهذا الصدام الذي سينتهي بتحييد سلطة الكنيسة عن الفضاء العام.

أفضى النقاش حول هذه المسألة إلى طرح التساؤل: هل يمكن تحقيق تقدّم إنساني حقيقي باعتماد النظرة الدينية التقليدية للأمور؟ ألم تفقد الأديان التقليدية الكثير من جدواها الروحية المعنوية في غمرة التطور الهائل الذي تحققه البشرية في مسيرتها نحو اكتمالها التاريخي؟ وهل يلغي المنظور الكوني للإنسان التعدّد الخلاّق والاختلاف المبدع الذي ساد الثقافات البشرية على مرّ تاريخها؟

قد تكون الرّيادة الثقافية والصلاحية العقلانية للحداثة لا تحول دون نقدها من طرف دعاة الخصوصية القيمية والثقافية، الذين يستثمرون نقط ضعفها المنهجية المتمثلة في عدم تركيزها للنظر على وجود تفاوت واختلاف قيمي حتى من داخل الكونية نفسها. وتدعم هذا الرأي حجج كثيرة، تأتي على رأسها حجة انهيار المعايير الإبستيمولوجية والميتافيزيقية لليقينيات الكلاسيكية التي قامت عليها الحداثة العلمية التي تشكّل سند العلمنة نفسها.

غير أنّه لمّا عرَف أنموذج الذاتية، والذي تمحورت حوله الحداثة الغربية، نوعا من الاندحار والانحسار الفلسفيين وذلك منذ مطلع القرن العشرين، حيث تكشّفَت أزمة العلوم الأوربية مع "هوسرل" وظهر انسداد أفق النزعة الإنسنية مع "هيدغر"؛ فقد ظهر أنّه لم يعد بإمكان "بارديغم الذات" المؤسّس للعلمنة أن يصمد أمام صعود أنموذج نظري جديد تحتل اللغة صلبه.

الواقع أنّ لمفهوم العلمنة  (la sécularisation)أهميته في الفكر الغربي الحديث، نظرا لما أثاره من خلافات وتباينات فكرية في غاية من الأهمية، خصوصا ما يتعلق بعلاقته بالتراث الديني وبالحداثة. وقد شكل كتاب هانس بلومنبورغ «مشروعية الأزمنة الحديثة»  ترجمة للنقاش الدائر حول دور العلمنة في نقل الشعوب الغربية من الوقوع تحت هيمنة الكنيسة ورجالاتها إلى لحظة تحرّرية شملت كل مناحي الحياة الأساسية للناس. بيّن هذا الكتاب، بشكل أركيولوجي عميق، سبب نشأة الحداثة، وكيف أطاحت التأويلات العلمية لعقلانية العصر الحديث بالعصور الوسطى اللاهوتية المسيحية.

الظاهر أنّ النزاع الفكري حول مفهوم العلمنة قد بدأ يطفو من جديد على سطح النقاش الفلسفي المعاصر. ويبدو أنّ لانتقاد بعض نظار الفكر الغربي المعاصر لمحدودية أفق الحداثة دوره في استعادة مختلف الجوانب الروحية المنسية من طرف أيديولوجيا الأنوار الحديثة. لذلك، اعتبر "هانس بلومنبورغ" علمنة العصور الحديثة مفهوما جيّدا يُسعفنا في فهم كيفية تطور وتغير النسق الفكري للحداثة الغربية التي تشكّلت في سياق النزاع الطويل ضد التقليد التراثي الغالب على ثقافات الشعوب الأوربية للقرون الوسطى.

لئن كانت فلسفة الأنوار مع "كانط"، مثلا، قد دعت إلى تحرير الفرد من طغيان التقليد والأفكار الموروثة، بالتالي الحكم على الوقائع والأمور من خلال معايير العقل الممكنة وحدها؛ فإنّ ذلك كان يجد ما يبرّره في محاولة عصر الأنوار نقد ورفض كلّ وصاية وتسلط تريد التحكّم في إرادة الناس. من هنا كان ولابد من العمل على تحييد قوى التقليد التي تبرّر ذلك التسلط؛ وذلك لن يتأتى، بحسب أطروحة الأنوار، إلاّ بعلمنة المجتمع بالإعلاء من قيمة العقل والدعوة للحرية والمساواة وتحقيق تعاقد سياسي حقيقي يعكس مجموع الإرادات الفردية.

يظهر أنّ مشروع الحداثة الغربية الذي كان بمثابة علمنة شاملة للحياة الثقافية والسياسية والاجتماعية ما كان له أن يتحقّق لولا تضافر العوامل الفكرية (العلم والفلسفة) مع بعض العوامل السياسية والثقافية الاجتماعية. غير أنّ هذه الحداثة نفسها سرعان ما ستظهر تناقضاتها وتبرز محدوديتها رغم كلّ ما وعدت به من تفاؤل؛ فهي، بالنهاية، لم تعكس كل أفعالها تلك الأقوال والدعاوي التي ادعتها أيديولوجيتها الأنوارية، بل ظلّت الغلبة والسيطرة ومنطق القوة طاغية على مناحي الحياة السياسية.

لقد أظهرت الأحداث الكبرى للقرن العشرين اندحار قيم الحداثة أمام سيادة منطق رأسمال، وقيام الحركات الاستعمارية مع ظهور الامبريالية والصهيونية التوسعيتين على حساب الدول والشعوب الضعيفة. ولعلّ في هذا الأمر ما يكفي ليكتشف المتأمل في أيديولوجيا الحداثة محدوديتها بمحدودية الدعاوي المؤسّسة لها.

 

الحسين أخدوش

 

سارة طالب السهيلحقا اننا نعيش معطيات  مجتمع ما بعد الحداثة عبر فضاء تكنولوجي واسع الافاق وثورة اتصالات غيرت كثير من المفاهيم الاجتماعية والثقافية وجمعت بين ثقافات الشرق والغرب في لحظة كونية ممتدة عبر الاثير، فبضغطت زر واحدة على هاتفك المحمول قد تتواصل مع العديد من الاشخاص في العالم ومن مختلف الثقافات لكي تتبادل الرؤى وكل ماهو مشترك انساني.

ورغم هذه الحقيقة، فان ذواتنا الحضارية والمخزون الثقافي لكل واحد منا قد يطل برأسه في هذه اللقاءات الالكترونية، فالانسان عبارة عن مخزن للمعارف والعلوم والثقافة المتوراثة خاصة الثقافة الشعبية وعلى رأسها الامثال الشعبية التي نتشربها من أهالينا ومن مجتمعنا كما نشرب كأس الحليب كل صباح، خاصة وانها وسيلة لتعليم دروس فن الحياة بشكل حكيم وايضا مرح، وكما تتنازع مضامين الامثال بين الحث على الفضيلة ونبذ الرذيلة، فانها تسخدم اساليب متنوعة بين الجد والسخرية لتوصيل هذه المضامين لمتلقيها.

ولاغرابة ان نجدنا مصبوغين ومختومين بختم الامثال الشعبية لانها ببساطة تجري منا مجرى الدم في العروق عبر تداولها عبر الاجيال والحقب الزمنية باعتبارها مرآة تعكس عاداتنا وتقاليدنا وافكارنا وقيمنا الاخلاقية والدينية ورؤانا الاقتصادية والسياسية والفكرية والفنية، على ذلك يمكن اعتبار المثل فلسفة شعبية لمنظومة حياتنا. 

فالأمثال الشعبية تمثل خلاصة خبرات الشعوب وحضاراتها وثقافتها ومنجزات عقلها الجمعي قديما وحديثا ايضا بما تحتويه من حكمة الايام والخبرات الانسانية طوال عقود، ولعل ما يبقيها على قيد الحياة هو ما تملكه من خصائص فنيه كالايجاز والايقاع الموسيقي مما يسهل حفظها وتناقلها، ولذلك قال ابن المقفع: "إذا جعل الكلام مثلاً كان أوضح للمنطق وآنق للسمع وأوسع لشعوب".

المثل لغة واصطلاحا

المثل  في اللغة هو النظير والشبيه، كما تقول شَبهه، وشِبهه. واصطلاحا، فان  الأمثال هي العبارة الفنية السائرة الموجزة التي تضاع لتصوير موقفا أو حادثة ولتستخلص خبرة إنسانية يمكن استعادتها في حلة أخرى مشابهة لها مثل:" رب ساع لقاعد" و " ورجع بخفي حنين" و"الكلام لك واسمعي يا جارة".

كما يعرف المثل بأنه جملة قيلت في مناسبة خاصة، ثم صارت - لما فيها من حكمة - تذكر في كل مناسبة مشابهة، ويشترط  فيها الإيجاز وحسن التشبيه وإصابة المعنى وحسن الكناية.

وتنطلق الامثال الشعبية  من بيئة وفكر الجماعة الانسانية في اي مجتمع من المجتمعات البشرية لتعكس ببساطة موجزة وموحية نظرتهم للحياة، وهي نظرة مستقاة من واقع خبرتهم بها ومعايشتهم لها كواقع يومي مجرب مما يضفي عليها طابع الحكمة والديمومة، ولان خبرات الناس تنبع من واقع حياتهم وبيئاتهم، فان امثالهم تعكس طبيعة هذه البيئات المتنوعة، فأبناء البيئة الساحلية تصطبغ بصبغة بحياة البحر من مد وجزر وصيد وسفن وامواج عتية وسماء صافية ومعاني الاغتراب خلال رحلة البحث عن الرزق.

وتعكس الامثال الشعبية المستقاة من البيئة الزراعية قيم الاستقرار والتعاون ومن ثم التفاؤل بالمستقبل حينما يأتي وقت الحصاد بالخير الوفير "من زرع حصد "، بينما تعبر الامثال الصادرة عن البيئة الصحراوية قيم ومعاني الترحال بحثا عن العشب والماء وما يستتبعه من حاجة ملحة للصبر والتحمل.

خصوصية المثل

يتمتع المثل الشعبي  بالعفوية عبر استخدام لغة العامة السنة العامة وينفرد بابتعاده عن الرقابة وعدم معرفة قائله، كما ان ينطلق من تجربة وقصةانسانية فردية لكن مع تكرارها مع افراد أخرين يحولها لتجربة جمعية يشترك الكثير من الناس في معايشتها بحلوها ومرها مما يضفي عليها طابع انساني مشترك مثل "الحب اعمي".

ويستسيغ الناس المثل بكل سهولة لما يحتويه من بلاغة نافذة عبر عنها أبو اسحق النظام بقوله: " يجتمع في المثل أربعة لا تجتمع في غيره من الكلام: إيجاز اللفظ، وإصابة المعنى، وحسن التشبيه، وجودة الكتابة، فهو نهاية البلاغة.

الحكمة والمثل

تتشابه المثل والحكمة في كثير من الاحيان بسبب التقائهما في السرد والايجاز والسهولة والخبرة الانسانية، ومع ذلك فانهما يختلفان في الهدف والمصدر كما يقول الباحثون المتخصصون.

فالحكمة تعبر عن تجربة خاصّة يولّدها العقل بعد تحليلها؛ ليصل بعدد التحليل لحكمة يستفيد بها في حياته ويفيد غيره من خبرته، وقد عبر الخالق العظيم عن الحكمة بقوله تعالى "ومن اوتي الحكمة فقد اوتي خيرا كثيرا" فالحكمة ليست متاحة لأي شخص الا اذا كان عقلانيا حكيما. وقد عرفت الانسانية الكثير من الحكماء والحكم ومن امثلتها حكمة صينية لا انساها ما حييت وهي " من يعرف اكثر يغفر أكثر "، وفي عالمنا العربي جرت الحكمة مصبوغة بالشعر كما في أبيات المتنبّي: "إذا غامرت في شرفٍ مروم فلا تقنع بما دون النّجومِ.. فطعم الموت في أمرٍ حقير كطعم الموت في أمرٍ عظيم.

أما المثل فيكون نتاج لموقفٍ لحظيّ يُقال فيه قولاً فيصبح مثلاً، ولكنه قد يتقارب مع الحكمة إذا نتج عن تجربة مثل " لكل حيٍّ أجل، بعضُ الحُلُمِ ذلُ، يد واحدة لا تحمل بطّيختين، لن يصغي إليك أحدٌ حتّى تقول شيئاً خاطئاً ".

التقاء الامثال عالميا

من متابعتي لبعض الامثال العالمية وجدت ان الكثير منها يتشابه في  مضمونه وخبراته الانسانية بالامثال العربية، وهو ما يؤكد حقيقة ان الخبرة الانسانية المشتركة تتواصل بين الشعوب وتتجاوز حواجز المكان. وهناك الكثير من الامثال التي خرجت من البيئات الشرقية والغربية لكنها تعبر محتوى انساني  جلعها تنتشر في مكل مكان من ارض المعمورة، ومنها مجموعة الأمثال العالمية التي تدعو لاغتنام الفرصة مثل: (اطرق الحديد وهو ساخن)، و(اصنع كوخك والشمس ساطعة) وغيرها.

وكذلك تتشابك الامثال في المنطقة العربية، وتبعد عن القطرية بانتشارها الجغرافي في الميحط العربي كله مما يصبغ عليه صبغة انسانية مشتركة ومن ذلك العديد من الامثلة التي خرجت من البيئة الشعبية اللبنانية ولكنها عرفت طريقها لكل الشعوب العربية فصارت ملكا للجميع ومن ذلك: " آخر الطحين كركعة " ، "الحائط الواطيء كل واحد بيقفز عليه" ، و" ضربني وبكى وسبقني واشتكى " ، " اليد الواحدة لا تصفق... وغيرها.

ومن نماذج الامثلة الاجتماعية التي تعكس الخبرة البشرية المثل السويسري " من هز بيت جاره.. سقط بيته " وقد يقترب معها في المعنى المثل الشعبي العربي "اللي بيته من ازاز ما يحدفش الناس بالطوب " ، والمثل الايطالي " قناعتك نصف سعادتك " يلتقي في مضمونة بالمثل " القناعة كنز لا يفني ".

وكذلك المثل البولندي " فعل الخير مع ناكر الجميل مثل إلقاء ماء الورد في البحر" تقابلها بيت زهير بن أبي سلمى حكيم شعراء العرب " ومن يصنع المعروف في غيره اهله يكن حمده ذما عليه ويندم ".

اما المثل الفرنسي " إذا أردت أن تعرف رقي أمة فانظر إلى نسائها " يقابلها أمثولة الشاعر حافظ ابراهيم " الأم مدرسة ان أعددتها أعدت شعب طيب الاعراق"، والمثل الامريكي " كثيرا ما نرى الاشياء على غير حقيقتها لأننا نكتفي بقراءة العنوان"، والمثل الصيني " سلح عقلك بالعلم خير من أن تزين جسدك بالجواهر" ، والمثل الروسي أخطاء الاخرين دائما أكثر لمعانا من أخطائنا، والمثل الانجليزي " كل امرئ يصنع قدره بنفسه"، والاسباني "الإعجاب بالنفس وليد الجهل"، والايرلندي " اعط حبك لأمرأتك، وسرك لوالدتك "، والمثل الهندي "عامل ابنك كأمير طوال خمس سنوات، وكعبد خلال عشر سنين، وكصديق بعد ذلك"، والمثل التشيكوسلوفاكي " علمني أهلي الكلام، وعلمني الناس الصمت "، والمثل البرتغالي "على الذين يعطون أن لا يتحدثوا عن عطائهم، أما الذين يأخذون فليذكروا ذلك "، كل هذه الامثال تتقارب على اختلاف جغرافيتها وحضارتها من كل انسان على ارض البسيطة. 

امتزاج الأنا والاخر

علاقة الأنا  بالاخر في ثقافتنا الشعبية  تبدو في بعض الاحيان علاقة امتزاج او تكامل او تقارب في ثقافتنا الشعبية التي تجسدها الامثال بشكل واضح، ولذلك كانت هذه العلاقات المتشابكة محل العديد من الدراسات المتخصصة في هذا المجال ومنها دراسة للباحث  سيد إسماعيل  في كتابه "الآخر.. في الثقافة الشعبية"  لاحظ فيها أن الشعوب التي كانت تعيش ضمن الدولة العثمانية لديها قدر من الأمثال المشتركة أو المتشابهة، كما هو الأمر لدى الأتراك والعرب والأكراد والألبان، وذلك نتيجة  الحياة المشتركة بينهم التي امتدت 400-500 سنة، ضمن الدولة الواحدة والثقافة الواحدة (الإسلامية)، ويبدو في الأمثال أو الحكم المنسوبة إلى (نصر الدين خوجة) أو (جحا).

وقد وجد بين الأمثال الشعبية الفارسية والألبانية ما هو متطابق أيضا مع الأمثال الشعبية العربية مثل: (بيخاف من خياله) و(اللي بيطلع الحمار لفوق بينزله)... ومن الأمثال المتشابهة بين الأمثال الشعبية الفارسية والألبانية (النجاة في نهاية الفنجان) و(اللص الماهر يطفئ المصباح أولا).

وهناك أمثالا متشابهة في المعنى ومختلفة في التعبير مثل المثل الفارسي "أحرق لحيته بنفسه"، والمثل الألباني "ذهب الجدي بنفسه إلى القصاب"، والمثل الفارسي "الإنسان يحتاج إلى العقل لا إلى القوة"، والمثل الألباني " ماذا يفيدك المال والقطيع إذا ليس لديك عقل؟"،  والمثل الشعبي الفارسي" القرد لا يصلح للحفر على الخشب" يقابله في الألبانية " لا تدع الذئب يحمي الغنم"... وغيره.

وتم رصد التشابه والتطابق في الامثال العربية والالبانية  في أول كتاب جامع للفولكلور الألباني (النحلة الألبانية- 1878م) الذي وضعه الباحث والشاعر ثيمي ميتكو (1820-1890) ثم صدر لاحقا "أمواج البحر- 1908م"  للباحث والشاعر سبيرو دينه (1848-1922).

وفي هذين المصدرين، وجدت بعض الأمثال الشعبية العربية والألبانية المتطابقة أو المتشابهة مثل: " ما تزرع تحصد"، و"زلة القدم ولا زلة اللسان" ، " لا تؤجل عمل اليوم إلى الغد "،  و" العمل يدل على الإنسان"، و" لقت الطنجرة غطاها"،  و"الصديق الصالح يدل على الطريق الصالح"، و" يرى الشعرة في عين غيره ولا يرى الحطبة في عينه"، وعكست مثل هذه الامثال  دلالات ثقافية واجتماعية وسياسية.

ضرورة الفرز

ورغم أهمية الامثال في حياتنا باعتبارها خبرةانسانية ضرورية للتواصل والاندماج الاجتماعي، الا ان بعضها يعبر عن مضامين تبعث على التشاؤوم او الانهزامية لدى بعض الشعوب التي وقعت تحت براثن الاحتلال، واخرى يدعو للتكاسل ويقلل من شأن الطموح والتطلع، وهو ما يتطلب منا ان نكون اكثر وعيا عند تلقي الامثال ويكون لدينا القدرة على فرز الغث من السمين منها.

ومن النماذج السلبية لهذه الامثال: "  اللي يباوع لفوق يتعب" و" اللي يبص لفوق توجعه رقبته"،  و"رايح فين يا زعلوك بين الملوك". فهذه النماذج اطلقت من قبل فئة اجتماعية عليا تحاول الحفاظ علي مكتسباتها وسلطاتها من ان تحاول الطبقات الدينا التطلع اليها والحلم بها.

وهذه النماذج السلبية للامثال الشعبية لابد وان نفرزها ونتخطاها ونأخذ بما ينفعنا ويبث فينا الامل للمستقبل ويدفعنا للعمل والنجاح والسلام والتعاون والرحمة.

 

سارة السهيل

 

سامي فارسالتعليم هو المرتكز الأساسي في عملية النهوض الحضاري للأمم وهو العمود الفقري في عملية التنمية والبناء والأعمار، وعندما ينحرف التعليم عن مساره الصحيح نتيجة العديد من الأسباب والمشاكل والمعوقات وطرق الفساد المتعددة يصبح التعليم عبئاً ثقيلاً على المواطن والدولة

الشعوب الحية هي التي تحترم المفكرين والمبدعين والمعلمين الذين يعملون على بناء الإنسان، هي التي لاتستسلم للفساد والتخلف والجهل بل تستلهم من التراث الفكري والحضاري وتستفيد من تجربتها الخاصة ومن التجارب العالمية المتشابهة لتغيير واقعها نحو الأفضل وتأمين  مستقبل ابنائها فتستمد العزم بالأعتماد على ثرواتها البشرية وتسخير طاقات وقدرات الشباب وخبرات الكفاءات وتشجيع رؤوس الأموال من " القطاع الخاص " ليكون سنداً وداعماً في عمليات الإعمار والبناء والتنمية المستدامة فيكون للقطاع الخاص الدور الفعال في تغيير الواقع فيساهم مساهمة جادة في التنمية والأعمار والأستثمار الأمثل بالتعليم

وأيجاد الحلول المناسبة والمعالجات فيعمل على أنشاء مؤسسات تعليمية لها مكانة عالمية تحقق مخرجات تعليمية ذات مستوى وجودة عالية  لتحقق  تعليماً ينافس التصنيف العالمي واقتصاداً تنموياً يسهم في عملية بناء الإنسان ومؤسسات الدولة

تجربة التعليم الأهلي بالعراق لم تكن حديثة العهد كما يظن البعض بل قامت العديد من المؤسسات التعليمية الأهلية والمتمثلة بالمدارس والمعاهد في العراق منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة التي اعتمدت على التعليم الأهلي في بداية نشأتها ولكن الظروف السياسية خلال الحكومات المتعاقبة التي عملت على محاربة وتهميش التعليم الأهلي وعدم أعطائه الدعم الكافي لينمو ، كما هي سياستها في محاربة وتحجيم القطاع الخاص في كافة المجالات فلم يحصل  على الدعم الكافي لينمو ويأخذ دوره الحقيقي في دعم الأقتصاد العراقي

وتلك السياسة جعلت من المواطن العراقي وخلال عقود طويلة مضت يعتمد على الدولة في توفير كل احتياجاته مقابل أمتلاك الحكومة السيطرة على الثروات البشرية والمعدنية  للبلاد وتقوم هي بتوزيعها حسب سياساتها الخاصة مما خلق العديد من المشاكل الإقتصادية المعقدة والتي من نتائجها البطالة والركود الأقتصادي في العديد من المجالات الحيوية في الصناعة والزراعة بشكل مأساوي وعدم مواكبتها للتطور العالمي وهذه السياسة ونتيجة عدم توفر البنية التحتية لايزال القطاع الخاص الى يومنا هذا يعاني من محاربة العديد من الفئات في المجتمع ويعامل على انه حالة غير صحيحة وذلك نتيجة الثقافة المتخلفة التي زرعتها الحكومات المتعاقبة في معاداتها للقطاع الخاص  ولأسباب سياسية وأقتصادية معروفة للجميع

بعد عام 2003 ونتيجة تغيير العديد من القوانين والتي تنص على دعم القطاع الخاص والأستثمار المحلي ومنها في مجال التعليم " الأهلي الخاص " أنشئت العديد من المؤسسات التعليمية من رياض الأطفال والمدارس والجامعات

حصل ذلك  نتيجة العديد من الأسباب منها تردي واقع التعليم العام في العراق وعدم قدرته على توفير العديد من المستلزمات الأساسية للعملية التربوية  والتعليمية وكذلك للظروف القاسية التي شهدتها البلاد خلال السنوات الأخيرة والتي خلقت العديد من المعوقات والمشاكل المستعصية نتيجة الفساد الإداري والمحاصصة التي جعلت التعليم العام دون المستوى المطلوب وفي جميع المراحل دون استثناء من التعليم الأبتدائي الى التعليم الجامعي

وايضاً تلبية حاجة طبيعية نتيجة لمسايرة العولمة  والأنفجار المعلوماتي الهائل الذي يشهده العالم وتلبية الرغبة في التعليم بأعتباره حق مشروع لكل فرد في المجتمع مما أعطى الحافز الى انشاء العديد من المؤسسات التعليمية الأهلية لتوفر ما عجز عنه التعليم العام فأخذ التعليم الأهلي او الخاص يستقطب أعداداً كبيرة من الطلبة وعمل على أمتلاك هيئات تدريسية مؤهلة ذات كفاءات وخبرات أستمدها من التعليم العام خلال عقود مضت وأمتلكت بعض المؤسسات الأهلية  بنايات ذات مواصفات أكاديمية حديثة مزودة بوسائل تعليم تتناسب مع التطور الحاصل في وسائل التعليم العالمية فأنتشرت العديد من المؤسسات التعليمية الأهلية في العراق وتلك حالة إيجابية تجعل حالة التنافس فيما بينها لجذب الطلبة ، واختلفت هذه المؤسسات في حجمها وذلك حسب إمكانية المستثمر المادية والكفاءة وقدرته على توفير الأفضل والأحسن وهنالك العديد من المشاريع الصغيرة أصبحت أشبه بالدكاكين كما يطلق عليها  بعضها تحمل أسماء براقة همها الربح السريع في المقابل هنالك مؤسسات رصينة من المرحلة الأبتدائية والمتوسطة والثانوية والجامعات والقائمون عليها هدفهم دعم التعليم في العراق والأرتقاء به ، وتلك حالة إيجابية سليمة من خلال الأستثمار الصحيح في التعليم ليكون رديفاً وطنياً وداعماً الى التعليم العام مما يستوجب على الدولة توفير جميع أنواع الدعم والوسائل المتيسرة لديها لينهض التعليم الأهلي بالعملية التعليمية ويأخذ دوره الطبيعي في عملية التنمية المستدامة ويعمل على سد الفراغ الحاصل في التعليم العام من خلال امتلاكه المرونة وقدرته على التغيير والتطوير

ان ماتوصلنا اليه جاء نتيجة دراسة مستفيضة وزيارات ميدانية في العراق الى الجامعات والمدارس الأهلية والتعليم العام وأطلعنا على تجربة مدارس المتميزين والموهوبين في بغداد والمحافظات ، وقمنا بمتابعة الحالات الإيجابية وتشخيص الحالات السلبية وذلك بالتعاون مع مراكز بحوث في جامعات عراقية وتوصلنا الى نتائج أهمها أن دعم التعليم الأهلي من قبل الدولة وتوفير له كل مستلزمات النجاح والتطور والنمو هو احد الحلول السليمة التي تعمل على إنقاذ العملية التعليمية

فلابد من تذليل الصعوبات والمعوقات وتوفير فرص التواصل مع المؤسسات التعليمية الأهلية العالمية  والأستفادة من الخبرات المتوفرة لديها في مجال المناهج والهيئات التعليمية والإدارية على ان تكون مخرجات التعليم الأهلي توازي المؤسسات العالمية في الجودة والكفاءة

قمنا كذلك بالتواصل مع الجامعات والمؤسسات البريطانية ومع المهتمين بالتعليم من البريطانيين  وتوصلنا الى مايلي

من اجل تحقيق الجودة العالية في التعليم لابد من تحقيق برنامج التطوير المهني والإداري للهيئات التعليمية والإدارية للمدارس الإهلية العراقية بالتعاون والتؤامة مع المؤسسات التدريبية البريطانية التي تتمتع بخبرات وتجارب تعليمية ثرية وذلك للإرتقاء بالتعليم الإهلي ليكون بمصاف التعليم في الدول المتقدمة .

لذلك نقترح تحقيق برنامج التطوير المهني النوعي للمؤسسات التعليمية من خلال الشراكات العالمية مع مؤسسات علمية وتدريبية

يستهدف برنامج التطوير المهني التعليمي الممارسات المهنية للهيئات التعليمية والإدارية ، والمشرفين التربويين، في إطار معايير عالمية، ووفق المتطلبات الأساسية والواقع المهني للفئات المستهدفة، واحتياجات التطوير والتغيير ، ويتم تنفيذ هذا البرنامج في إطار شراكة دولية تتمتع بخبرات وتجارب تعليمية ثرية ومتميزة.

ويقوم البرنامج بإعطاء المعلمين فرصة معايشة واقع التدريس في دول متقدمة، ضمن بيئة تعليمية متطورة، ونقلها الى العراق من خلال ورش عمل تطويرية وتأهيلية .وفق خطط سنوية تستوعب أعداداً من المتدربين القادرين على سد النقص الحاصل في التدريب في كافة مجالات التربية والتعليم والعمل على تإسيس برنامج رصين لوضع مناهج تعليمية تواكب التطور في مجال التعليم

لذلك نقترح ان يعقد مؤتمراً متخصصاً لتعليم في لندن من أجل الإطلاع على المؤسسات التعليمية البريطانية عن كثب وكذلك يحضره من المتخصصين بالتعليم في المؤسسات التعليمية العالمية مما يفتح الأفاق أمام التعاون مع المؤسسات العراقية يعقب المؤتمر ورش عمل ينفذ فيها برنامج التطوير المهني في التعليم بشكل عام وكذلك يشارك في المؤتمر من العراق ممثلي التعليم العام والتعليم الأهلي من المؤسسات الرصينة

ان توفير سبل نجاح ودعم التعليم الأهلي في العراق من قبل الدولة يفرض بالتالي استحداث قوانين وضوابط يكون بموجبها التعليم الأهلي يجب أن يكون ذو مكانة متقدمة في التصنيف العالمي للتعليم

وكذلك ان يكون داعماً وشريكاً حفيقياً للتعليم العام في العراق .

أن دعم الدولة للقطاع الخاص للأستثمار في التعليم هو ايضاً من التجارب العالمية التي عملت فيها الدول على دعم مؤسسات تعليمية عالمية ثم جعلت من القطاع الخاص راعياً لها وبالتالي تلك المؤسسات أصبحت ذَا مكانة عالمية متقدمة في التعليم في العالم

ومن الحلول لأنقاذ التعليم أيضاً  تشجيع الهجرة العكسية للأكاديميين العراقيين والتربويين من ذوي الخبرة والكفاءة

وتوفير الفرص المناسبة لهم لإدارة المؤسسات التعليمية في العراق في القطاع العام والأهلي وكذلك تشجيع الأستثمار الأجنبي الأكاديمي في بناء مؤسسات تعليمية ذات جودة عالية في العراق .

 

سامي فارس

الأمين العام لجمعية المدارس العربية التكميلية في المملكة المتحدة

..........................

ورقة عمل ملخص لدراسة عن واقع التعليم في العراق وكيف الأرتقاء به

 

 

عامر عبدزيد الوائليرهان الفلسفة: الفيلسوف لهذه القضايا ولتلك المشكلات عادة ما تكون أكثر عمقاً وأبعد غوراً من نظرة الآخرين لها. فهو عادة لا يكتفي برصد ما يظهر على السطح، بل يتجاوز هذه الظواهر الظاهرة إلى ما ورائها، إنه لا يبحث فيها إلا باعتبارها نتائج لأسباب أعمق يكشف هو عنها فتكون بمثابة الحفر وراء تلك الظواهر وتحتها، وتكون بمثابة الجذور لشجرة ذات جذع وفروع وثمار. أما الناس فلا يهمهم في حياتهم إلا تلك الثمار وبالطبع فإن كانت الثمار ناضجة وجميلة فهم آكليها وسعداء بها. أما إن كانت الثمار فاسدة فهم يأنفون منها ويبتعدون عنها دون أن يشغلهم السؤال عن مسببات هذا الفساد. وإن بحثوا فهم يتوقفون عادة عند السبب المباشر دون أن يخوضوا في جذور هذا السبب ومسبباته هو أيضاً .. إلخ ..()

الفرق بين الفيلسوف والانسان العادي من قضايا مجتمعه:

إن الفرق إذن بين نظرة الفيلسوف ونظرة الإنسان العادي، هو الفرق بين ما لا يندهش لما يصيب مجتمعه من أمراض وبلايا وإن اكتوى بنارها، وبين من تؤرقه هذه الأمراض فيظل يبحث ويبحث ويتأمل ويفكر حتى يصل إلى معرفة العلل البعيدة المسببة لهذه الأمراض. وبين نظرة الفيلسوف ونظرة الإنسان العادي توجد نظرة العالم الذي يندهش لهذه الأمراض فيكتفي – كما يحدث لدى علماء الاقتصاد والاجتماع والسياسة وغيرهم – برصدها ومحاولة علاجها بعد معرفة علتها أو سببها المباشر. والحقيقة التي لا ينبغي أن يفوتنا هنا التنبيه إليها هي أن التوقف عند السبب المباشر لأي مشكلة أو مرض يعاني منه المجتمع اقتصادياً كان أو اجتماعياً أو سياسياً – رغم أهمية ذلك – إنما يجعل الحل أو العلاج للمشكلة علاجاً وقتياً لأنه لم ينظر لهذه المشكلة أو لتلك الظاهرة المرضية نظرة شاملة قادرة على حل هذه المشكلة وما يرتبط بها وما يترتب عليها وما يتقاطع معها .. إلخ. إن هذه النظرة الشاملة لا يملكها بالقطع إلا الفلاسفة أو أولئك العلماء الذين درسوا الفلسفة أو لديهم سعة أفق الفيلسوف وعقله المبدع الخلاق.166

الاطروحة والاطروحه المضادة:

تستحضر معالجته بشكل غير مباشر الخطابات الغربية التي استلهمة التاريخ وفلسفته في تقديم صوره صراعية بين الحضارات تلك الصورة التي جعلت من المركزية الغربية ونظرية الاعراق الموجه الرئيس لها اذ جعلت من الغرب القطب الاوحد الذي يتخذ من الاستشراق وفلسفة التاريخ ونظرية العراق الموجه في نظرته الى الاخر وهو يؤرخ للمسيرة الفكر في ظل خطاب كونيال استعماري متمركز حول ذاته وصولا الى نظرية صراع الحضارات التي جاءت في ظل صراع كوني يغلفه نفس عنصري اصولي في النظرة الى الاخر المسلم بوصفه ارهابي كانت هذه هي الاطروحة المضادة التي تعمل النص على ايجاد معادل بل اطروحه اكثر انسانية منها انها اطروحة تقوم كما اشار لها الدكتور النشار بقوله:"علاقة الانا بالاخر جدلية الحوار والتعايش الحضاري " لانه عرف الحضارة انطلاقا من هذه الاطروحة بوصفها:" إن الحضارة هي التقدم الروحي والمادي للأفراد والجماهير على السواء"

مقومات الحضارة:

ان الحضارة الإنسانية نتاج التفكير العقلي للإنسان، وهي ناتج سيطرة الإنسان بعمله على قوى الطبيعة أولاً، وسيطرة الإرادة العقلية للإنسان على أهوائه ونزعاته ثانياً.

فهذه الاطروحه اكثر انصاف في التعامل مع الاخر بوصفه شريك وليس تابع واكثر تمدن في التعامل مع البيئة التي جاءت الحداثة برغبه كاسحة من اجل الهيمنة عليها وجعلها تخصع الى حاجات الانسان الغربي وهوائة الاستعمارية ونظرته الاستهلاكية بحجة اهليته وتفوقه العرقي والعقلي الذي كان يقوده شعور بالتفوق وهو يرفع شعار ازالة الاسطرة من العالم كان يساهم في الهيمنة علية واخضاعة وهو يتمركز حول ذاته الغربية،هذه الاطروحة رسمة مسار صعب اد الى تشيئ العالم والهيمنة عليه وتهديد السلم العالمي الذي كان كانط يرسم له رؤية اكثر تنويرية الا ان الكونيالية احدثت خراب وقادت الى تاويلات مختلفة وزيفت بها فلسفة التاريخ .

لكن اطروحة النشار كانت ترصد الاثار السلبية برؤية فلسفية عميقه فقد رسمت مسار مختلف للحضارة الانسانية بقوله: "إن الحضارة الإنسانية فيما أرى أشبه بنهر كبير تتعدد منابعه وتفريعاته لكنه يسير نحو مصبه بالكثير من الخيرات لبني البشر. كل ما هنالك أن مصدر حياة النهر ومنابعه طبيعية، بينما البشر هم من يصنعون نهر حضارتهم بأيديهم وبتوجيه من عقولهم المبدعة."

هنا برؤية استشرافية يرئ مسيرة الحضارات القديمة منها، والحديثة وصولا الى الاستنتاج الاتي:"وقد تطورت الحضارة الإنسانية عبر التقدم الذي أحرزه الغربيون منذ القرن السابع عشر وحتى الآن تطورًا هائلاً في كل مجالات الحياة وقد استفاد الغربيون بالطبع طوال هذه القرون بمشاركات وإبداع البشر في كل قارات العالم وقادوا ذلك بنجاح أحيانًا وبفشل أحيانًا أخرى".

رغم انه ياخذ من الفكر المركزية في فلسفة التاريخ الحداثي أي فكرة (التقدم) الا انه يمنحها في سياق اطروحته دينامية اكثر انفتاح وانسانية عندما يجعلها خارج التشيئ الحداثي، وتدخل في تناص مع تونبي ومنهجه في الحضارات يقول النشار:" أن التقدم الحضاري للإنسان تقوده أفكاره؛ فالحضارة في كل دورة من دوراتها إنما تبدأ بفكرة يبتدعها البشر الذين يقودون هذه الدورة الحضارية أو تلك".

الا انه يتجاوز الافق الغربي بالتاكيد على عامل جوهري في هذه الاطروحه وهو عامل كاد ينتفي في الاطروحة المظاده انه (العامل الاخلاقي)، بقوله:" إن الحضارة الإنسانية تقوم على دعائم أهمها: الفلسفة، والعلم، والأخلاق. وأي أمة تنجح في بلورة فلسفة جديدة أي تملك الرؤية الفكرية الجديدة المبدعة والخلاقة، ستكون لها من خلال ذلك فنونها وآدابها الأصيلة، كما ستكون قادرة على إبداع العلوم الجديدة، وفي ذات الوقت ستكون قادرة على تربية أبنائها وفق هذه الرؤية الجديدة متسلحة بلا شك بعقيدة دينية معينة سواء ابتدعتها أم استندت فيها على شريعة سماوية استلهمتها وأمنت بها" .

وهو يرى ان هذا العامل الذي كان المحرك في دينامية الحضارة الاسلامية بكل تجلياته هو الدين فهو الفكرة المركزية في الحضارة الاسلامية وهو الكامن وراء انجازاتها العلمية والعسكرية والسياسية انه الدين بقوله:" فقد كان المؤرخ الإسلامي يعي تماماً أن الدافع الأكبر لهذه البطولات العسكرية كان الدين وكان إنكار الذات. إنهم حتى حينما كانوا يؤرخون لسيرة الرسول × كانوا يؤرخون له بوصفه نبياً رسولاً وليس بوصفه بطلاً سياسيًا أو قائدًا عسكريًا" .ص34.

راهنية هذه الاطروحة:

الرهانية تكمن في اهمية الفلسوف وهو يتناول الواقع وما فيه من مشاكل بشكل نقدي يسبر الاغوار ويتعمق في البحث عن الظاهر واللامفكر فيه او المسكوت عنه وهنا ياتي الرهان أي الموضوعات المهمة التي تجذب الفيلسوف وتدفعه الى التامل النقدي ومن الرهانات المهمه ياتي رهانان مهما لهما كبير العلاقة بحياتنا هما: رهان العلاقة بالآخر، رهان الانا وما تعاني من تخلف وتراجع فكري .

رهان العلاقة بالاخر: (جدل "الأنا" و"الآخر")

لذا كانت لهذه الظاهرة أسباب كثيرة شكلت بطانة نفسية خلقت حول الأخر صور Imageنمطيه Stereotypeوتمثيل Mirepresent له قوالبه الجاهزة مما يجعله موضوع يتسم بالثبات "نجد أن عملية التنميط بوصفه تعميما مبالغا فيه حول سلوك أو سمات لأعضاء جماعات خاصة .فالتنميط العرقي racial والاثني Ethnic يمكن أن يكون ايجابيا أو سلبيا وعلى الرغم من انه كثيرا ما يكون سلبيا .ونجد أن العمليات التنميطية تتكون من عمليات تصنيف للجماعة المختلفة عن الذات، وتبسيط لصفاتها بشكل مبالغ فيه وتعميم ثابت نسبيا وملئ بإحكام القيمة ويرتبط بالفئة كعلاقة ملاصقة لها ودالة عليها "() والتنميط يؤدي كما تشير الباحثة إلى اختراع Othering بوصف العملية بجملتها لا تعدو كونها؛ إما موقف دفاعي عن النفس أو محاولة تحجيم الآخر لكن تبقى العملية ذات ثنائية بنيوية الذاتSubject / الآخرOther ومن هنا جاء مصطلحOtherness الآخرية إذ تشير إلى:التميز الذي يقوم به الإنسان ليفرق بين نفسه والآخر من حيث الاختلافات العقلية،والاثنية Ethnicوالجنسية Sexual.()، فقد تم التحول في خطاب الحداثة من خطاب التنوير الذي جاءت به الثورة الفرنسية إلى الخطاب الكونيالي القائم على الاستعمار والهيمنة من اجل البحث عن الأسواق والمواد الأولية والعبيد من هنا تم وضع أو بوادر الاستشراق من اجل معرفة الأخر حتى يتم السيطرة علية بعد الاستكشافات الجغرافية حيث خلفت تلك الأوضاع انقساما إذ لا ينقسم العالم فقط إلى غرب وشرق فهذا تقسيم تاريخي أساسه عقائدي وسببه النزاعات والحروب التي اندلعت على مر العصور والتي كونت الأحلاف والاستقطاب؛ ولكنه أيضا ينقسم إلى شمال وجنوب وهذا تقسيم جغرافي أساسه اقتصادي يكون فيه الشمال هو الغني المزدهر والمتطور والجنوب هو الفقير النامي والمستضعف ولذلك تكونت العقد والصور المزيفة وتكاثرت الانتقادات باحتقار ومخادعة دول المركز الموجودة في الشمال وخاصة في أوروبا وأمريكا الشمالية وشمال آسيا ممثلة في الاتحاد الروسي واليابان لدول الأطراف ومناطق الظل الموجودة في الجنوب وخاصة في إفريقيا وأمريكا الوسطى واللاتينية وجنوب آسيا وشرق أوروبا وجنوبها.

نحو بناء معرفة مشتركة، وقد كانت البداية في معالجة هذا الامر من - الدكتور النشار - من خلال تقديم الاسؤال الاتي: ما الأنا والآخر ؟ وقد جاءت الاجابة بالشكل الاتي: " الأنا ":" المقصود بالأنا هو الأنا المصري – العربي – الإسلامي – الشرقي، بهذا الترتيب التصاعدي نحو الدائرة الأكبر انطلاقاً من الدائرة الوطنية – القومية الأصغر". وهي بنظره تتمثل بكونها هي "أنا" حضارية بنت أول الحضارات البشرية على أرض مصر القديمة وصاحبها حضارات الشرق القديم الخمس الكبرى؛ الحضارة الآشورية – البابلية الحضارة الهندية، الحضارة الفارسية والحضارة الصينية. فهذا التاكيد الذي يقدمه النشار يقوم على تحديد صفات الهوية الحضارية وهي بالتاكيد لي عرقية بل حضارية تبدء من الشرق القديم الا انها توقف عند ممهماز مهمه هو التوحيد " بين البناء الحضاري المدني – التقني – المادي وبين البناء الأخلاقي – الديني، فلم تفصل بين العقيدة الدينية الأخلاقية وبين السياسة بل كانت في المقام الأول حضارات أخلاقية تقوم في بنيتها الأصيلة على احترام الآخر بقدر احترام الذات أعني أنها قامت على أساس عدم التمييز بين البشر كافة واحترمت وجودهم وقدرت إنجازاتهم".

ان الفيلسوف النشار يؤكد على معياران مفقودان في الحضارة الغربية هما: الاخلاق واحترام الآخر، وهي معاير مهمه في تناول النشار وهو يعمل على الحفر في المتن الحضاري الشرقي الحكيم الاخلاقي المتسامح، يحاول ان يؤسس الى مايتجاوز الاحتباس الذي تعيشه علاقة الانا بالاخر وما تعانية من تخلف وهيمنة الفاقة وثقافة العنف التكفيري . رغم انه يؤكد ان هذه الرؤية لم يغب عنها البعد الصراعي التي عاشته تلك الحضارات القديمة من حروب ؛ الا انه يؤكد ايضا:" إلا أن هذه الحروب لم يسفر عنها مطلقًا استعباد الآخر أو النظر إليه نظرة استعلائية دونية، ولم تكن بأي حال حضارات عنصرية تمجد الذات وتنفي الآخر أو تحتقره. كما أنها لم تكن أبدًا بادئة بالعدوان، بل كانت دومًا حريصة على حسن الجوار، وعلى التعاون الإيجابي الخلاق مع جميع البشر وجميع الدول، ففي مصر القديمة تم عقد أول معاهدة في التاريخ بين رمسيس وخاتوسيل، وفيها مدت مصر بحضاراتها الرائدة وإمكانياتها التقنية العالية يدها لكل من أراد أن يتعلم منها وأن يستفيد فكانت تستقبل الأجانب من كل صوب وحدب، ومن المعروف أن معظم علماء الحضارة اليونانية وفلاسفتها قد تتلمذوا على الحضارة المصرية القديمة " وهو امر يظهر في نظرتها الى الاخر وتقبلها له في مدنيتها .

ثم انه يقف عند مفهوم مقابل الانا هو " الآخـر" فيقدم له توصيف يتفق مع تلك المقدمات التي تستحضر نقيض ما جاءت به الكونيالية من عنف واقصى فيعرف بالقول: " أما "الآخر" فهو الإنسان الغربي بداية من صانع الحضارة اليونانية القديمة حتى صانع المدنية الأوروبية والأمريكية في عالم اليوم" .

ويبدو انه يتقبل الفهم الذي قدمه الغرب الحديث والمعاصر بوصفه بنية متجانسة وهو وريث الحضارة اليونانية والمسيحية في حين هذا الكلام فيه نقود كثيرة فالحضارة اليوناني اكثر قرب من الحضارات الشرقية القديمة والاسلام منها من الغرب المسيحي ؛ لكن النشار هنا يقدم الى هذا الغرب نقد من خلال تقويم مسيرته في علاقته بالذات فيقول فيه:" إنه ذلك الإنسان الذي زرع "العنصرية" منذ فجر حضارته حينما استولى على الإنجاز الحضاري لحضارات الشرق القديم وبلورها في علوم وفلسفات ذات طابع نظري عقلاني في بلاد اليونان القديمة ثم تناسى ذلك فادعى كاتبوه – باستثناء قلة من المنصفين القدامى – أنهم نقطة البدء في الفلسفة والعلوم، فهم أول من أطلقوا لفظة Philo Sophia وهم أول من صاغوا نظرية هندسية على يد فيثاغورس، وهم من وضعوا أول صورة لمنطق التفكير الإنساني على يد أرسطو، كما كانوا أول من صنع أسس الفكر المثالي وأول نظريات فلسفية متكاملة على يد أفلاطون وأول من قاموا بفصل العلوم عن الفلسفة بدء من انفصال علم الرياضيات على يد اقليدس "

هنا يقدم الى نقد التمركز الغربي حول نفسه ويعمل حذف وتناسي الجهد الشرقي في تكوين او التمهيد للمنجز اليوناني طبعا هنا النشار لايفصل بين التصورات اليونانية والتصورات التي جاءت بها المركزية الاوربية بكل امتداداتها العنصرية التي اعتمدت على نظرية الاعراق

بقوله:" إذا كان ذلك كذلك في الزمن القديم، فهو لم يختلف مع بداية عصر النهضة الغربية الحديثة حيث اقتبسوا كل المنجزات الحضارية للعالم الإسلامي خصوصاً والشرقي عموماً وبدأوا منها عصر نهضتهم، فأصبح جاليليو وكبلر ونيوتن هم مؤسسو علم الطبيعة الحديث وليس العلماء المسلمون. وأصبح فيكو وليس ابن خلدون هو مؤسس علم وفلسفة التاريخ، وأصبح المنهج العلمي التجريبي هو نتاج أفكار بيكون ولوك وميل من فلاسفة الغرب المحدثين وليس نتيجة للتقدم العلمي الذي أحرزه العلماء العرب بفضل استخدام جابر بن حيان وأبو بكر الرازي والحسن بن الهيثم وغيرهم لهذا المنهج العلمي بكل مسلماته وخطواته ومراعاة الدقة في نتائجه! كما أصبح المنهج العقلي الاستنباطي هو نتاج عبقرية أبو الفلسفة الحديثة ديكارت وتناسوا تأثره بالفكر العقلاني الإسلامي ونقله لعبارة الغزالي "الشك أول مراتب اليقين"!"

فهو هنا يبين المنجز الشرقي القديم منه والاسلامي ودوره في تحقيق التحورت الحضارية المهمه والذي تعرض الى الحذف والتناسي من قبل الآخر الغربي هنا النشار ينطلق من اجل تقويم تلك العلاقة بين الغرب والشرق على اساس الاعلان العالمي لحقوق الانسان بالاتي:"لما كان الإقرار بما لجميع أعضاء الأسرة البشرية من كرامة أصيلة فيهم، ومن حقوق متساوية وثابتة يشكل أساس الحرية والعدل والسلام في العالم، ولما كان تجاهل حقوق الإنسان وازدراؤها قد أفضيا إلى أعمال أثارت بربريتها الضمير الإنساني. وكان البشر قد نادوا ببزوغ عالم يتمتعون فيه بحرية القول والعقيدة والتحرر من الخوف والفاقة كأسمى ما ترنو إليه نفوسهم ولما كان من الجوهري العمل على تنمية علاقات ودية بين الأمم، ولما كان من الأساس أن تتمتع حقوق الإنسان بحماية النظام القانوني إذا أريد للبشر ألا يضطروا آخر الأمر إلى اللياذ بالتمرد على الطغيان والاضطهاد، ولما كانت شعوب الأمم المتحدة قد أعادت في الميثاق تأكيد إيمانها بحقوق الإنسان الأساسية وبكرامة الإنسان وقدره وبتساوي الرجال والنساء في الحق، وحزمت أمرها على النهوض بالتقدم الاجتماعي وبتحسين مستويات الحياة في جو من الحرية أفسح، ولما كانت الدول الأعضاء قد تعهدت بالعمل بالتعاون مع الأمم المتحدة على ضمان تعزيز الاحترام والمراعاة العالميين لحقوق الإنسان وحرياته الأساسية، ولما كان التقاء الجميع على فهم مشترك لهذه الحقوق والحريات أمراً بالغ الضرورة لتمام الوفاء بهذا التعهد فإن الجمعية العامة تنشر على الملأ هذا الإعلان العالمي لحقوق الإنسان بوصفه المثل الأعلى المشترك الذي ينبغي أن تبلغه كافة الشعوب وكافة الأمم، كما يسعى جميع أفراد المجتمع وهيئاته واضعين هذا الإعلان نصب أعينهم على الدوام، ومن خلال التعليم والتربية إلى توطيد احترام هذه الحقوق والحريات وكيما يكفلوا بالتدابير المطردة الوطنية والدولية الاعتراف العالمي بها ومراعاتها الفعلية فيما بين شعوب الدول الأعضاء ذاتها وفيما بين شعوب الأقاليم الموضوعة تحت ولايتها على السواء (*).

فإن الفيلسوف النشار ينطلق من هذه الديباجه فيقول:" ولست أريد من "الآخر" الغربي سوى أن يعاملني وفق هذه الوثيقة الدولية بكل شفافية وبكل إخلاص" . ().وانطلاقا من تلك الوثيقة، فانه يقدم رؤية جديد تستنبت تلك الوثيقه وتعمل على تاصيلها من خلال تقديم البديل عن العنف الذي اقامه الغرب بحق الاخر الشرقي فجاءت رؤيته البديله تقوم على البحث في " أسس بناء المعرفة المشتركة للحضارة الإنسانية" أي البحث عن قواسم مشتركه ممكن تكون قاده من اجل بناء رؤية تقوم على المساواة بعيدا عن الخطابات العرقية القائمة على التمركز الاوربي كما جاء في نظرية الاعراق وتجلت في الخطاب الاستشراقي وفلسفة التاريخ، وهذه الاسس تتمثل:

(أ) الأصل الواحد للبشر: هنا ياتي التصور البديل على الميراث المشترك بين الاديان التوحيدية بوصفها كلها تعود آدم فيقول: " لا شك أنه من الضروري أن يتذكر الإنسان في كل وقت وفي أي مكان أنه لم يخلق وحده في هذا العالم، كما أنه لم يُخلق مميزًا عن غيره من بني البشر؛ فالبشر جميعاً لآدم وآدم من تراب" الا انه يعمل على التجذير الى ماهو ابعد من هذا عندما يعود الى فهمه للهوية الحضارية يحاول الجمع بين الفهم التوحيد والفهم المصري عن الحضارة العالمية فيقول " فقد أدرك البشر منذ إخناتون الملك والفيلسوف المصري القديم إمكان أن يتحد البشر في دولة عالمية واحدة وأن يخضعوا لقانون عالمي واحد وأن يؤمنوا بإله واحد وكان هذا هو حلمه الأكبر الذي حلم به وعمل على تحقيقه".

فانها يبحث عن اصول هذه الرؤية التي تمظهرت باشكال متنوعه ولعل اخرها في ما جاء به كانت حول السلم وتجلى في قانون عند جون رولز ()، وما جاءت به افكار العولمه من تصورات عن العولمة ؛ الا ان النشار يحفر في تاريخ الافكار فيجد انها تمظهرت في دعوات منها:" كانت دعوة الكلبيين من تلاميذ سقراط، كما كانت فكرة فلاسفة الرواق عن الأخوة العالمية والمساواة بين البشر وحلمهم بدولة عالمية واحدة يسود فيها المساواة بين البشر وتتوحد أهدافهم ومصالحهم في ظل قانون عالمي واحد هو القانون الطبيعي ذا الأصل الإلهي.ولا يخفي علينا أن الديانتين السماويتين الكبيرتين في العالم وهما "الإسلام" و"المسيحية" وكذلك الديانات الأخرى كالبوذية والكونفوشية بها نفس الدعوة إلى المساواة بين البشر. ونفس الدعوة توصل إليها الفلاسفة المحدثون منذ عصر التنوير، وهي التي تضمنها بلا شك الميثاق العالمي لحقوق الإنسان سواء في ديباجته أو في بنوده كما أشرنا فيما سبق" .من هنا فانه يحاول اكتشاف اصول متنوعه كلها تبين هذه الرؤية التي تتمثل بالعودة إلى إحياء الاعتقاد بالأصل الواحد للبشر فهو يراها مسألة ضرورية.

اما القاعد الثانية التي يقدمها فهي تقول على الاعتراف بالاختلاف بوصفه وليد البئية التمظهرت تلك الثقافة فيها:" اختلاف الهويات الثقافية باختلاف البيئات والمعتقدات" فهذه النقطه تعزز السابق ولا تنفيها فالإيمان المطلق بالمساواة بين البشر، كنتيجة طبيعية للأصل المشترك والواحد لهم لا ينفي أن كل مجموعة منهم قد التقت ونشأت في بيئة جغرافية مختلفة ومن ثم فقد تفاهموا بلغة معينة وتوصلوا إلى عقيدة معينة حول الوجود وتعايشوا معاً بعادات وتقاليد معينة.

فالعالمية كما تطرحها العولمة تتمثل بدمج والحاق ثقافات العالم بالثقافة الغربية وعلى وجه الخصوص تلك الثقافة الاستهلاكية والتي يراد لها ان تكون مقياس التحديث والكونية فهذا الامر غير مبرر فان البديل الذي نجده في فكر النشار يقوم على احترام الخصوصيات الحضارية ؛ لانها بنظره " عميقة الجذور لدى كل شعوب العالم، وأن هذه الهوية الثقافية لا يتنازل عنها أصحابها بسهولة خاصة إن كانت عناصر هذه الهوية لها عمق تاريخي طويل وتتعلق بمعتقدات دينية وأخلاقية مختلفة ومتمايزة. ومن ثم فإن علينا أن نؤمن جميعاً "الأنا" و"الآخر" بالتنوع الثقافي الذي يميز الحضارة البشرية عبر عصورها المختلفة. وأن ذلك التنوع هو مصدر ثراء هذه الحضارة ولم يكن أبداً مصدراً للقلق أو سبباً للاضطراب أو للصراع" .فهذه معالجه تقف مقابل ثقافة التشيئ والاستهلاك .ويكمل هذه النقطة بالنقطة الثالثة وهي تحق التوازن وتحارب التهميش والاقصاء الذي تمارسه العولمة وتقدم بديل انها:" التكافؤ الثقافي والحضاري" فهي مكمله لماسبق وتحقق انشاء فضاء عمومي عالمي يقوم على التواصل والتشاور لكن ضمن قواعد متوازنه وهو يقول عنها:" في اعتقادي أن أهم أسس بناء المعرفة المشتركة بين "الأنا" و"الآخر" الإيمان بأن لدى كل مجموعة من البشر كما قلنا ثقافة متميزة وروح حضارية مختلفة، وأن هذه الثقافة المتميزة والروح الحضارية المختلفة لدى أي شعب أو أي أمة تتكافئ مع ما لدى الشعوب أو الأمم أو الجماعات البشرية الأخرى، تتكافئ معها في القيمة بالمعنى المنطقي والعقلي، وكذلك بالمعنى الأخلاقي والاجتماعي والسياسي" .

اما النقطة الرابعه فهي " شيوع خطاب "الوحدة" الحضارية وإلغاء التصنيفات العنصرية" هذه النقطة هي تكثيف الى النقاط السابقه وبها تكتمل غايته في الحقيقة الوحدة الحضارية وفعالية التطور التي اسس لها منذ البداية فيقول:" فالحقيقة أن بشر الشمال لا يختلفون عن بشر الجنوب إلا في الظروف الطبيعية أو البيئية التي نشأوا فيها. وهذه الظروف بما تعنيه من مناخ طبيعي مختلف ومقدرات مادية متباينة لا تعني مطلقاً أن أولئك يتميزون عن هؤلاء أو أن هؤلاء أفضل أو أكثر ذكاء من أولئك" .

حتى يكتمل خطابه في ارساء تلك الوحدة الكونية الجامعة والتي يبدو معها " ان تلك المعرفة التي تزيح أي فواصل بين "الأنا والآخر" وتجعل من الممكن إذا خلصت النوايا وصدقتها الأقوال والأفعال إقامة حضارة مشتركة هدفها رخاء الإنسان، أي إنسان أيًّا كان موضعه أو لونه أو دينه" .

بهذا يكون تناول قضية من القضايا الراهنه وقدم توصيف لها مبين العوائق التي تواجها واقترح لحلول لها في تصويب العلاقة بين الذات والاخر .

رهان الانا وما تعاني من تخلف وتراجع فكري

بعد ان تناول علاقتنا بالاخر فانه يتوجه الى الشطر الاخر من الجدلية أي الذات وهي الرهان المهم في احداث التحول المطلوب كما اسماه هو "امراض المجتمع المصري ".

في مجال بحثه عن العوائق، فما يفعله ازاء هذا الحال انه هو ذاته مافعله ازاء علاقتنا بالاخر من خلال تشخيص الاخطأ، فانه يجد ان هذه الارض عطشى الى العدالة وهي ما كانت موجوده في مصر منذ فجر التاريخ " بكلمة واحدة هي الماعت Maat، تلك الكلمة السحرية التي كانت سر أسرار الاستقرار والإبداع الحضاري لدى المصريين القدماء، فقد تحلقت حولها أفعالهم وأقوالهم وطموحاتهم في آن معاً، كانت هي مطلب الشعب وعهد الساسة والحكام وأنشودة الحكماء والمفكرين. إن الماعت تعني في آن واحد العدالة والنظام، ولتلاحظ معي أيها المصري المعاصر أسبقية العدالة على النظام وشمول الكلمة ". فهذه العدالة سمة مهمه في فلسفة الحقوق،لهذا فان غيابها يعني هدم لهذا النظام والنشق العمي في الوعي الجمعي ومن اهم نتائج هذا الغياب هو هدم تلك القيمة العليا في نظام الحقوق والتي شخصها الدكتور النشار في الاسباب الاتية:

الوجع الأول: غياب العدالة والنظام (الماعت):الهيروغليفية للمعنيين معاً بهذا الترتيب، فالعدالة إذا تحققت بين الجميع وارتضى بها كل فئات المجتمع وطوائفه واطمئنوا إلى أنه لا فرق هناك بين حاكم ومحكوم في تطبيق القانون والالتزام به كان من الطبيعي أن ينتظم الجميع في أداء أعمالهم والأدوار الموكولة إليهم وأن يتناغم الأداء فيتحقق الانضباط والجدية ويعم الخير على الجميع وتنظم حركة المجتمع متجهة وجهه واحدة تنشد الخير للجميع.إن غياب النظام إذن وشيوع الفوضى إنما هو نتيجة طبيعية لعدم احترام القانون من كبار القوم قبل صغارهم، من الأثرياء قبل الفقراء، من السادة قبل الخدم، من الأقوياء قبل الضعفاء.()

الوجع الثاني: انهيار سلم القيم التقليدي:من المعروف أن المجتمع المصري طوال تاريخه من المجتمعات التي بنت حضارتها على الأخلاق والانضباط الأخلاقي المعتدل، فقد اكتشف المصريون معنى الأخلاق، ومعنى الضمير الإنساني وأدركوا أن حياتهم الاجتماعية والسياسية أساسها السلوك المعتدل القويم والتحلي بكل الفضائل، لكن المجتمع المصري اليوم قد اضحى مشغولاً وملتحفاً بقيم استهلاكية تميل إلى الإشباع الشهواني – الجسدي وليس إلى إشباع العقول. إن ذلك اللهاث وراء هذه الإشباعات المادية جعل القيم الأخلاقية الإيجابية تنزوي بعيداً، فالقيم الأخلاقية كما يقول علماء الاجتماع ما هي إلا انعكاس للأسلوب الذي يفكر به الناس في سياق ثقافي معين وفي فترة زمنية محددة ().

الوجع الثالث: غياب الثقافة العلمية وشيوع ثقافة التخلف: إن مجتمعنا يئن الآن تحت وطأة شيوع ثقافة التخلف بكل قيمها السلبية، فأفراده في معظمهم يعيشون صباح – مساء ثقافة "الأنا مالية" واللامبالاة، الوصولية والمحسوبية، الرشاوي والفساد المالي والإداري بكل صوره. وهذه القيم السلبية هي نتيجة طبيعية لمجتمع غاب عن أفراده عناصر الثقافة العلمية التي هي أساس ما أسميه دائماً "ثقافة التقدم" ؛ فهذا هو إخناتون الملك المصري الذي حكم مصر في حوالي القرن الرابع عشر قبل الميلاد يقول في بردياته التي اكتشفت في تل العمارنة: "إن العلم هو أول أركان الإيمان بالخالق، لقنه الله للإنسان بالخط والقلم، وعن طريق المعرفة بالقراءة والكتابة يتفتح عقل الإنسان لتقبل علوم المعرفة المقدسة وينفتح قلبه للإيمان بالخالق كما يقول أيضاً: "إذا أردت أن تورث ابنك ميراثاً لا يفني فورثه العلم، فالعلم هو الثروة التي تزداد كلما أخذت منها، ولا تورثه المال، فالمال هو الثروة التي تنقص كلما أخذ منها". ()

الوجع الرابع: إهدار طاقات الشباب وعرقلة حركة الأجيال: إن شرطاً ضرورياً يعلمه الجميع هو الأهم في صنع تقدم الأمم وتطور فعلها الحضاري هو الاستثمار الأمثل لطاقات شبابها والحرص على الاستفادة من كل إمكانيات هؤلاء الشباب الجسمانية والعقلية. إن الحقيقة التي ينبغي أن يدركها كل من يعنيه أمر تقدم مجتمعه أو نهضته من كبوته هي أنه لا نهوض ولا تقدم إلا بالشباب، وبث الثقة في نفوس هؤلاء الشباب والثقة في إمكاناتهم المبدعة وقدراتهم العقلية الابتكارية.()

الوجع الخامس: تناقض الأقوال مع الأفعال:إن من أبرز أوجاع مجتمعنا المعاصر هو غلبة الأقوال على الأفعال في أحيان كثيرة؛ إذ يكثر بين المصريين في كافة طبقاتهم ومستوياتهم الاجتماعية وفئاتهم الوعود القولية وخطاب التطمين والإجادة والإتقان، والحب والتعاون، والارتقاء في الأداء سواء كان في مجال الزراعة أو الصناعة أو حتى في مجالات البحث العلمي. مجتمعنا يعيش على الكلام و"كله تمام" على صعيد الخطاب النظري في مجالات الحياة! وكم كان نزار قباني شاعر العربية المعاصر الشهير بليغاً في التعبير عن هذا المرض الموجع في المجتمعات العربية حينما قال "مقتلنا يكمن في لساننا – فكم دفعنا غالياً ضريبة الكلام" وكم كان بليغاً حينما عبّر عن حالة الانفصال بين الأقوال والأفعال: "إذا خسرنا الحرب .. لا غرابة. لأننا ندخلها بكل ما يملكه الشرقي من مواهب الخطابة .. بالعنتريات التي ما قتلت ذبابة. لأننا ندخلها بمنطق الطبلة والربابة ..".()

الخاتمة: لقد كانت نقودة تلك تشخيص الى جانب مهم من جوانب العطب في الواقع المصري والعربي فهو كان يضع يده الى عوائق مادية ومعنوية في طريق التنمية المادي والمعنوي فهو يربط بشكل جدلي بين المادي والمعنوي بين الحضارة والثقافة، ويعطي الى الجانب المادي اهمية مثلما يعطي للجانب المعننوي بوصفه راسمال رمزي في احداث التحول مع ربطه القديم بالحديث ضمن رؤية حضارية، وهي رؤية متفائله تعتمد طاقيات التفكير الابداعية والاستراتيجية معا لهذا نجدالنشار بعد هذا يطرح السؤال المهم الاتي: ماذا لو أصبح الحاضر ابناً للمستقبل ؟

طبعا سؤال دينامي فاعل ان نبتعد عن المثالية وان نبدء بنقد الحاضر من اجل التمهيد لمستقبل الشرق: ذلك المكان الذي يمثل بالنسبة للغرب، بلاد السحر والفن، ومسكن الروح، منبع الخيرات، بلدان الشرق، بلدان الثراء والكنوز، متمثلة بآثاره، لا سيما آثار بلاد الرافدين وبلاد النيل. إذن الشرق يمثل في ذهن الغربي تلك الأرض التي تحتاج إلى مستثمر، ولا يوجد مستثمر غيره، فهو من يمتلك العقل والتقنية متمثلة بالعلم، بينما الشرق جاهل يعيش عوالم السحر والشعوذة، ولا بد من معين يعينه على أن يعي أهمية المكان الذي يعيش فيه، ولتنشيط هذا الوعي مقابل، هذا المقابل هو استثمار الأرض واستغلال البشر. وهذا لا يتم الا عن طريق الاستعمار، تلك الكلمة التي تحمل دلالة الاستغلال وفي الوقت نفسه دلالة الأعمار."()

تتضمن هذه الشبكة الرمزية القواعد والتعريفات و ما شابه ذلك من أمور تفسير ما هو متوقع من المرء أن يفعله، بيد أنها تشتمل أيضا على طائفة من المفاهيم الرمزية ثاوية عادة داخل الأساطير، وتفسر لماذا يتعين على المرء أن يأتي الفعل المتوقع منه.

 

 د. عامر عبد زيد الوائلي

 

جواد بشارةهناك عبارة شهيرة للعالم الفرنسي باسكال تقول: " البشر يحتلون الوسط ما بين اللاشيء وكل شيء"، ويعمل العلم على تقنين الحدود  لذلك الوسط أي بين 10-18 من المتر و 1026  متر هو الحجم التقريبي المنظور أو المرصود للكون المرئي، وكانت هذه النتيجة الحسابية ثمرة جهود ثلاثة قرون من البحث والتقدم العلمي . فالعلماء يؤمنون بموضوعية وحيادية الطبيعة وقد شيدت العلوم على حجر أساس يتمثل بقانون السبب والنتيجة أو التأثير والمعروف فلسفياً بالعلة والمعلول، حيث ينبغي على التجارب العملية والمختبرية والرصدية أن تثبت صحة التنبؤات والتوقعات والفرضيات النظرية. والحال إن هناك بعض المصادفات الرقمية تبدو شديدة التخصصية ولا تتماشى بالضرورة مع إحساسنا بالمتقبل والمحتمل، أي فكرة إن ما يتم إنجازه وتحققه  ليس فيها ما هو غير محتمل على نحو خاص. إن هذا التشخيص يحث على إتخاذ وجهة من التفكير تحطم القوالب الجامدة والسيرورة المتشددة، وهو ما يعرف بالمبدأ الأنثروبي، أي إن الأشياء تحققت بموجب ظهورنا على مسرح الوجود وفق مشيئة عليا.

نشأ الإنسان على كوكب ملائم لاحتضانه، وقهرت الحياة، بكل مراحلها، العديد من العقبات الكأداء لكي تتمكن في النهاية من التشبث وغرس جذورها في هذا الكوكب لتستمر وتتطور. فهناك شمس بحجم متوسط وأبعاد جيدة وملائمة، وتبعث طاقة كافية  وعمرها مناسب فلا هي قديمة جداً و لا حديثة جداً، وعلى مسافة  ملائمة أيضاً من الأرض . كما إن حجم الأرض  تكيف مع المسافة التي تفصله عن الشمس ويتناغم معها في خلق مدار مناسب . أما طبيعتها الصخرية فقد ساهمت في إيجاد غلاف جوي يحميها وضروري لها لمنع حدوث الاحتباس الحراري ويحافظ على درجة حرارة رحيمة ومعتدلة وهناك قمر تابع للأرض يؤمن مهمة المد والجزر وهي عملية أساسية ومصدر  للتفاعلات الكيميائية الضرورية للحياة، باختصار نحن نعيش على الأرض لأن هناك ظروف ملائمة اجتمعت من أجل ذلك، ولكن هل الأرض وحدها في الكون المرئي هي التي تتوفر على مثل هذه الظروف  المناسبة لنشأة الحياة؟

هل  يمكننا أن نفكر ونعتقد بأننا ثمرة صدفة غير محتملة الوقوع أم نتيجة تصميم عظيم  وذكي ؟ و لابد من التفكير جدياً أن كوننا المرئي يضم عدداً هائلاً من الكواكب بأشكال وأحجام وخصائص متنوعة منها مشابهة لأرضنا كأنها التوأم لكوكبنا مما يدفعنا للاعتقاد أن إحتمالية ظهور الحياة فوق تلك الكواكب أمر شبه بديهي على غرار سيرورة ما حدث على الأرض من قوانين التفاعل والتطور الكيميائي والبيولوجي .

أما الكون المرئي فيحتوي من 100 إلى 300 مليار مجرة  وهناك سدم وأكداس وحشود وتجمعات وعناقيد مجرية لا تعد و لا تحصى في الكون المرئي، وفي كل مجرة هناك ما لا يقل عن 200 مليار نجمة كحد أدنى، لذلك فإن نسبة العثور على كوكب ملائم للحياة مثل الأرض باتت كبيرة، فالاحتمالية باتت ممكنة والمبدأ الأنثروبي غدا قديماً وعفا عليه الزمن.

إلا أن " الذريعة الكوكبية أعلاه" لا تستجيب، كتفسير، لدقة الثوابت الفيزيائية التي توسم كوننا المرئي، فهذا الأخير، بعد التمعن به ودراسته بعمق، يبدو متجانساً على نحو مدهش فالخصائص والمعايير التي تملي على المادة سلوكها وتصرفها تبدو دقيقة للغاية ولديها القيم الضرورية اللازمة لذلك، وبالتالي هناك الكثير من الأمثلة على ذلك.

فلو كان الاختلاف في الكتلة بين النيوترون والبروتون، أصغر قليلاً، فسوف يكون النيوترون أكثر استقراراً ولانفجرت النجوم بسن مبكرة، ولأصبح تكون الحياة أمراً مستحيلاً . ولو كان الاختلاف أكبر قليلاً، فسوف يكون عمره أقصر وسوف يقلل من قيمة العلاقة بين كميات النيوترونات والبروتونات، ولتطور الانفجار العظيم على نحو مختلف تماماً، أي لأختلف جذرياً عما نعرفه الآن. ونفس الشيء بخصوص العلاقة بين كتل البروتونات  والإلكترونات، ولقيمة ثابت البنية أو الهيكلية الدقيقة  أو لسرعة التوسع الكوني. فلو تضاعف حجم الكون على نحو أسرع لما صار بوسع النجوم أن تتشكل، أما التطور الأبطأ فسوف يكثف المادة في بنية مضغوطة للغاية على غرار الثقوب السوداء فأي تغيير في القيم مهما صغر أ و كبر، سوف يقلب رأساً على عقب التطور الكوني ولن نكون هنا لنتحدث ونناقش ذلك. فالتفاصيل الصغير في التركيبة الكيميائية يمكنها أن تحدد الظروف الأساسية اللازمة . وهذا يتعارض مع المعقولية، باستثناء استدعاء تبرير أو حجة إحصائية جديدة.

تستند وجهة النظر الأنثروبية على الصعوبة الإحصائية لتفسير تلك المصادفات ولا ننسى أن المعايير والخصائص المدروسة لديها نفس القيمة في كل مكان من الكون المرئي. فنحن لا نعيش في جزيرة محظوظة وذات حظوة  ومفضلة داخل الفضاء الكوني، ومن الناحية العملية فإن المقاربة تعترض على الاكتفاء بعلة الصدفة لوجودنا وتشجع على عملية تفكير وتأمل حول إمكانية وجود تصميم مسبق ذكي وعاقل " تصميم عظيم" ولكن يجب التعامل مع هذه الفرضية  بحذر شديد  لأنها يمكن أن تقودنا للبحث عن غاية ما ورائية أو غيبية، وفق المبدأ الأنثروبي  الذي تبنته الأديان.

المبدأ الأنثروبي، بصيغته الأكثر مقبولية، يفرض قوانين طبيعية تتسق وتتوافق مع وجودنا، وكأنها بديهية تقريباً بيد أن التفكير بذلك يمكن أن يكون مقيداً أو تقييدي فالمبدأ يسمح بانتقاء حيز ضيق من القيم المسموح بها لسرعة التوسع الكوني . إن هذه الشروحات المستقاة من المبدأ الأنثروبي لا معنى لها إلا في حالة غياب مبررات  وذرائع أخرى . ولكن  مالم نكتشف " نظرية كل شيء" بعد، فإن اختيار الثوابت الفيزيائية لقيمها الحالية يظل لغزاً غامضاً. فلا توجد لحد الآن نظرية شمولية كاملة وجامعة أو قصوى يمكنها تغيير الثوابت الجوهرية للمبادىء الكبرى في الكون المرئي. فالعلماء مازالوا يبحثون عن الكأس المقدسة ولكن يبدو أن القيم في الوقت الحاضر تم تحققها على نحو عشوائي وأن هناك مجال " للصدفة" فلو لم تتطور الحياة إلى الوضع المتقدم الذي هي عليه اليوم، لما كان هناك من يبالي بذلك أو يقلق، لكننا موجودون وعلينا أن نبحث في سر أو لغز: هل هناك خطة خارجة عنا تختبيء وراء هذا الوجود؟

وعلى ذكر الوجود، فإنه أكبر من الكون المرئي وسابق عليه في أعماق اللانهاية الزمنية أزلياً وأبدياً وسرمدياً ويضم في فنائه عدد لامتناهي من الأكوان du Multivers التي تجعل المبدأ الأنثروبي يتردد ويترنح . فبعد الانفجار العظيم ولد كوننا المرئي، وربما معه عدد كبير من الأكوان الأخرى، ومما لاشك فيه أنه ولد مع كون توأم له مكون من المادة المضادة المنعدمة تقريباً في كوننا المرئي، ثم بدأ الكون المرئي بالتوسع، وفجأة تعرض لحالة من التضخم الفجائي الهائل بأسرع من الضوء لكي يبلغ حجمه الحالي وفي فترة زمنية لامتناهية في القصر، وهذه الفرضية قدمت لتوضيح وشرح الإيزوتروبي expliquer l’isotropie أي تفسير حالة التماثل والتساوي والاتساق البادية في الكون المرئي . ولو كان كوننا المرئي قد ولد بهذه الطريقة بالفعل، فلا يوجد هناك سبب يمنع حدوث ترددات وتقلبات كمومية مماثلة ومتوازية، ما يعني انبثاق عدد لامتناهي من الأكوان لأن الفراغ الكوني المتهيج يقود إلى ولادة كونية ويستمر باقي الفضاء الكوني اللامتناهي بالتوسع والتمدد وفي داخله تتشكل فقاعات كونية متجاورة ومتداخلة ومتوازية ومتباعدة في آن واحد، وكل فقاعة هي عبارة عن كون يشبه أو يختلف كلياً عن كوننا المرئي، وله قوانينه وثوابته ومكوناته المتشابهة أو المختلفة عما يوجد ويسير كوننا المرئي. بل يعتقد الكثير من العلماء أن هناك عدد لامحدود من الانفجارات العظيمة حدثت وتحدث باستمرار دون توقف وبدون انقطاع، يفصل بينها مساحات واسعة ومتمددة دوماً بفعل حركة الوجود . ولا توجد هناك بالضرورة اتصالات أو تفاعلات بين تلك الأكوان المتعددة . ويمكن للتضخم الكوني أن يحدث بطرق مختلفة ومتنوعة لكل انفجار عظيم يحدث من أجل خلق أو ولادة كون جديد. وهذا يعني عدم وجود مبدأ أعلى متسامي لعملية الخلق، أي عدم وجود خالق بالمعنى الديني  للمفهوم.

لقد كرست نظرية الأوتار الفائقة هذه الرؤية، انطلاقاً من صرح النموذج المعياري للجسيمات الأولية اللامتناهية في الصغر، وتطمح هذه النظرية للجمع بين، أو توحيد القوى الكونية الجوهرية الأربعة أي الثقالة أو الجاذبية والكهرومغناطيسية والقوة النووية الضعيفة والقوة النووية الشديدة التي تدير العالم مادون الذري. ويبلغ العدد التقريبي، وفق الحسابات الرياضياتية في الحواسيب أو الكومبيوترات العملاقة 10500  حسب نسبة الإمكانيات  الإحصائية  الممكنة الحدوث إثر  تعدد الأبعاد المكانية  وتنوع البعد الزمني  واعتباره من المتغيرات  في إطار نسيج الزمكان d’espace-temps، بيد أن ذلك محض تصور نظري افتراضي لحد الآن، وغير قابل للتدقيق التجريبي والمختبري أو الرصد  والمشاهدة في الوقت الحاضر. الفيزياء المعاصرة تدرس كوننا المادي الملوس والمنظور لكنها لا تستبعد البنية الكلية الشاملة الممكنة الوجود وإن كانت تقبع الآن في نطاق الميتافيزياء، فمن المؤكد أننا نعيش في أحد تلك الأكوان المناسب لظهورنا في داخله، ربما مع أقوام وحضارات وكائنات أخرى كثيرة، نظراً للعدد اللانهائي للفقاعات الكونية التي أثمرتها نظرية الأوتار الفائقة من الناحية التنظيرية فقط. ولقد سبق للفيلسوف الإغريقي أبيقور أن قال:" ليس فقط عدد الذرات فحسب، بل وكذلك عدد العوالم في الكون، لامحدود " وهذا طرح واضح وصريح وموجود منذ آلاف السنين.

من الناحية الإحصائية، لم يعد مستحيلاً، بل ممكناً جداً، وجود أكوان أخرى على غرار كوننا المرئي تضم حيوات وحضارات، ما يعني انهيار الذريعة الأنثروبية، وهذا يعطي فكرة جلية عن تفاهة وجودنا وعدم أهميته مقارنة بما هو موجود، حتى في نطاق كوننا المرئي وحده، فما بالك بالنسبة إلى عدد لامتناهي من الأكوان؟ الكوسمولوجيا المعاصرة تصيب الدارس بالدوار وتقوده إلى الجنون. فنحن بالكاد بدأنا نعرف القليل جداً عن كوننا المرئي فكيف يمكننا تصور وإدراك الكون الكلي؟ وحتى تكون هناك إمكانية عادية وبديهية لظهور الحياة  يتوجب علينا تقبل فرضية تعدد الأكوان المختلفة والمتشابهة . فالرؤية السابقة للكون تفترض وجود خالق  وتصميم عظيم مسبق أدى إلى خلق الكون، إلا أن نظرية تعدد الأكوان تلقي بنا في خضم فوضى عقلية وإدراكية عملاقة وهائلة un gigantesque chaos، الأمر الذي يدفعنا للتساؤل هل هناك فائدة أو جدوى من الاعتقاد بوجود إله خالق؟ وما هو هذا الإله وما هي ماهيته وصفاته ؟ وللتهرب من هذا المأزق الفكري صرح آينشتين بأنه يؤمن بإله سبينوزا وهو إله يغمر الكون المرئي برمته وقد وضع له قوانينه وثوابته وحركته وسيرورته مرة وإلى الأبد ولم يعد يتدخل في شؤونه، حيث تحدد وتقرر كل شيء انطلاقاً من لحظة بدئية تأسيسية، ولكن في حالة وجود عدد لامتناهي من الأكوان فهل لكل كون إله خاص به على غرار إله سبينوزا؟  وهل هناك إله فائق أو مطلق " الله الواحد الأحد" كما تقول النصوص الدينية الذي يتسامى ويتعالى على كافة " الآلهة الكونية الأخرى؟" هذه مشكلة ثيولوجية بامتياز لا يرغب العلم الخوض فيها في الوقت الحاضر نظراً لنقص أدواته البحثية وأجهزته التقنية والتكنولوجية اللازمة للرد على ما يصدر عن هذه الرؤية من تساؤلات .

يتبع

 

 د. جواد بشارة

 

 

قاسم جمعةكل ما تكتبه يسقط امام سطوة رب التعليم، فطالما تلتقطك الكاميرا وانت تُحاصر الطلبة، كأيام البعث الغبي، وتلقي عليهم اكاذيب المعرفة السطحية والهوس الطاحن للغة الفراغ؛ فأنت توجد كينونة ترفع مناسيب معرفتك الورقية وترضي اربابك المسلوبي الإرادة، لارتهانهم لهذا السوق الحميري للقطيع الأكاديمي ..

بروفايل محشو بالتفاهات وكراريس مسروقة وطلبة أكلهم العفن من تكديسهم في قاعات، ونقلهم الى غيرها، وهكذا اسال نفسي مرات..

ما فائدة الجامعات لماذا لا تلغى؟..مادام الجميع ينجح والراسخون في العلم لا حول لهم الا الركون للراسخين في وحل الجهل؟.

هذا ما قاله لي احدهم، لان ما أريده أنا يختلف عما يرغبه، فهو متذمر وناقم على من حوله ولا يرضى بالمرفوض الجميل ..!

صادفني في الطريق في خضم تلك التأملات الصامتة حينئذ، صديق الطفولة والذي انتهت به الحياة الى ان يعيش على ماكسبته أيديه عندما افترش زوايا احد الأماكن ليبيع (حاجة بربع) بعدما كان يحفظ ديكارت. ويضع تحت وسادته رسالة اللاهوت والسياسة لاسبينوزا. وكنا نتسابق على قراءة الكتب الفلسفية لكي نذهب في صباح اليوم التالي لنتباهى بما عرفنا قدر إمكانيتنا من تحليل وتركيب وحفظ لمقاطع مثيرة من نص لهذا المفكر او ذاك الأديب لماركس لو لغوته او بارمنيدس ...الخ ولكي نقرأ لمدني صالح والألوسي وأميمة وغيرهم من اساتذة فلسفة الفرض الأكاديمي لا المرفوض !!..

لقد انتهت به الاقدار ليكون بائع للوهم لكي يطعم أولاده ويشري بما يرزق ترياقا لامه العليلة..

لقد كنّا نمتلك كتبا كثيرة واذكر مرة ضحك علي كثيرا لا تشفيا، بل منافسا لانه استطاع ان يشري كتابا وبقيت أنا أتأمل بنطالي الجديد، كنت قد اشتريته فقررت بيعه .لكي لا اشعر بالحيف الثقافي، تجاه صديقي المثقف، الذي صادفته كما قلت..فوجدته كافرا بالفلسفة ومرتدا للدين اذا جاز القول،، .

سالته ضمن الأسئلة الممطرة التي هطلت ساعتها هل لاتزال تعشق الفلسفة وعالمها الخلاب ؟..

ضحك كثيرا وأخذ ينادي حاجة بربع يا ولد ! .. بكيت كثيرا ومع نفسي تسللت الأسئلة .. ربما سياتي اليوم الذي نبيع فيه ثقافتنا وهوياتنا وربما باقل من الربع !..

لقد تحولت الدنيا فصار من كنّا لا تعيره اهتماما ثقافيا ومعرفيا، نجماثقافيا للوسط الإعلامي وبات من يأكل الكتب ويهضمها ويزينها جمالا على جمال

يتوسل الحمار الأكاديمي والمثقف السارق ..لكي يتحصل على وثيقه تخرجه المحروقة بسبب النهب المسعور!.

والفلسفة تزول عندما تكون او تدعي الأكاديمية الفجّة وترفض ما ينبغي فرضه وتفرض ماينبغي رفضه .. لقد تحول همنا من ان نكتب الى ان نكذب! هكذا يقول هذا الصديق البائع .

كتاباتنا يشوبها الكذب وأقلامنا معروضة في سوق الانتظار للبيع ..

شهاداتنا معلقة كصورة جدي الوهمي!.. الذي لطالما اعتقدت انه جدي بعدها تبين انه احد السادة الذين كانت أمي تقدسه بفطرتها النقية.. وكنا لا نسال عنه لان صورته معلقة ومحل مباركة لأركان بيوتاتنا المسكونة بالهموم والجري اللاهث وراء السرابات المملوءة بالحقيقة والتي كانت تشفي وتغني كل مريض ..لأنهم اكلوا وتعلموا الطيبة من الاله بمعزل عن منابر الكره وآلهة الفسق . كنّا لانرغب بالانتصار ولكن نسعى للكف عن الاذى ..

الفلسفة تتسابق عليها الأكاديميات المرفوضة فتحولت الى كراريس وعلامات تجارية مشهورة للفشل هكذا أجابني بائع الحاجة بربع .

.فانتهت بها الحال من رفض لما يفرض عليها الى ساحة للرقابات وصراع البروفايلات الصورية ..تركني هذا المتحاور وراح يدخل حاجياته وأغراضه في صندوق محكم حديدي وقال اني ذاهب للصلاة فهل تأتي معي ! قلت سوف اذهب لأشتري كتابا لان معرض الكتاب بدأ اليوم وعلي الأسراع.. فغادرنا وكل منا يحمل هم أسئلته الى مخابئ القدر المرفوض والمفروض القادمين ...

 

د. قاسم جمعة

 

محمد عرفات حجازيرغم وجود نساء فيلسوفات فاعلات منذ قرون، إلاّ أنّ تطوير منظور فلسفي نسويّ لم يحدث إلّا في الآونة الأخيرة؛ لعدّة أسباب، منها: عديد المناظرات التي عمّت نطاقات أوسع حول علم السياسة الجنسي في السنوات الأخيرة؛ أيضًا بسبب التغيّرات الاجتماعية والاقتصادية التي طرأت على وضع المرأة.

يخوض علم الأخلاق النسويّ في الفلسفة الاجتماعية؛ لفهم العلاقات بين الجنسين، بحيث يمكن ويتعيّن عليها أن تتغيّر.

ويضمّ علم الأخلاق النسويّ عددًا من المواضيع، كالأسئلة المُتعلّقة بما يقوم به الناس وبما يتوجّب عليهم عزو قيمة له، وذلك من خلال إشارة خاصة إلى الجنس والعلاقات الجنسية، وعبر توجّه معياري لتحرير المرأة من الإجحاف الجنسي. فضلًا عن ذلك، أثار الفلاسفة النسويّون مسائل علاقة بين النظرية والتطبيق أو الخبرة المُعاشة: إلى أيّ حدّ تُناظر نظريات الشخصية، المساواة وعلم الأخلاق، تنوّع سُبل العيش في العالم المعاصر؟، أيضًا ثمّة قضايا من قبيل الأدب الإباحي، والاغتصاب، وعلم الأخلاق الطبي (كتقنيات التناسل)، تندرج تحت علم الأخلاق النسويّ وأعمال النسويّين الفلسفية.

يُجادل النسويّون أنّ المفاهيم الأخلاقية المُهيمنة الخاصة بالمساواة والعدالة والحقوق والتحرّر والاستقلالية إلخ... ليست مُحايدة جنسيًّا، بل صُقلت بدرجة أو بأخرى لصورة ذكوريّة على نحو خاص.

وربّما كان استبعاد النساء ضمنًا أو صراحةً؛ بسبب تحديد مواضيع أو اهتمامات مُهيمنة ذات قيمة ذكورية، مثل: سُبل النظر في النفس، العقل، والأخلاق التي يبدو أنّها تُعزّز قيمًا ذكورية قد تستبعد أو تُثبط عزيمة النساء، إمّا عبر تضمين أنّهن أقلّ قُدرة، أو بتقويم أعمالهنّ في مواضيع بديلة على أنّها أقلّ فلسفية، ما أدى إلى استبعاد النساء ضمن الفلسفة، ضمنًا أو صراحةً.

إنّ إحدى المسائل الرئيسية عند أشياع النسوية تتمثّل في تحديد مدى مٌحاباة الفلسفة للمنظور الذكوري؛ حيث كان أغلب مُمارسي الفلسفة في الماضي من الرجال. وربما كان هذا الارتباط مُجرّد صُدفة تاريخية، وهنا يُشير النسويّون إلى أنّ الطريقة التي يبحث بها الفلاسفة في تمييزات العقل ـ الجسم، النظام ـ الفوضى، هي تمييزات تعكس أو تفترض غالبًا الاختلاف الجنسي، بحيث تربط بين الذكورة والعقل والنظام.

وقد جادل البعض في الماضي بأن الجنس (البيولوجيا) يخلق أو يُشكّل الجنس الثقافي أو(مفاهيم الاختلاف الثقافية). وهناك مَن يعترض على هذا المذهب إذا كان يستلزم تصوّرًا حتميًّا للهوية لا يُتيح فرص تغيير إدراك الاختلاف، أو يعزو سُبلًا في التفكير إلى الرجال والنساء. ولا يُشكّل الاختلاف إشكالية بالضرورة، بيد أنّه قد يمنح قيمة غير متساوية بحيث يعتبر النساء "الجنس الأضعف". وثمّة صيغة أكثر اعتدالًا لهذه المُحاجّة، اقترحها مفكّرون أمثال مل ودي بوفوار، تسمح بإسهام الاختلاف البيولوجي في إدراك الاختلاف دون أن تجعل منه العامل الوحيد، ما يحول دون كونه حتميًّا.

بحسب الاتجاه النسوي، تتطلّب المساواة الجنسية مثلًا: مفهومًا في "المساواة" يدعم واقع الفروق الجنسية ـ "العمى ـ الجنسي"، بوصفه كامنًا في بعض سياسات المساواة في الفرص ـ ليس ملائمًا. لذا، يتوجّب إعادة فهم فكرة "الاستقلالية" بحيث تأخذ في الاعتبار ارتباطنا بعضًا ببعض.

عمومًا، تفترض الفلسفة النسويّة، بوجه عام، أنّ مسألة الاختلاف الجنسي مسألة فلسفية على أحد المستويات، ووفق نقطة الانطلاق، تنتج سُبلًا مختلفة في التنظير بخصوص هذه المسألة. ورغم أنّ النساء ينزعن إلى الانشغال بهذا الأمر، إلا أنّه ليست كلّ الفيلسوفات أشياعًا للفلسفة النسويّة ـ رغم أنّ أعمالهن قد تشتمل على تضمينات نسويّة.

ويقترح نسويّون آخرون، من أمثال كارول جيليجان، أنّ الاختلاف مهمّ كونه يُفضي إلى خبرات مختلفة تمامًا بالعالم. فخبرة النساء تتّسم أساسًا بالرعاية، الحضانة، والأمومة في الماضي. وهكذا اقترحوا أنّه بمقدورها أن تُشكّل قاعدة لنموذج مختلف في العلاقات الأخلاقية "علم أخلاق الرعاية".

كما حاول نسويّون آخرون إعادة تقويم الاختلاف دون تعزيز ارتباطات الجنس ـ الجنس الثقافي، حيث جادلوا بأنّ الفروق الرمزية والخبراتية الموجودة أصلًا قد تُوظّف في إثراء مفاهيم راهنة في الشخصية أو الهوية، علم الأخلاق، والابستمولوجيا. كما ركن النسويّون الفرنسيون إلى البنيوية والتحليل النفسي بوصفها مصادر لطرح تصوّرات في الجنسية، الهوية، والاختلاف. وعبر هذا النهج، يمكن للاختلاف أن يُفضي إلى التعدّدية دون خسارة في التجسيد أو في خصوصية المرأة.

وهنا، نكون قد وصلنا إلى وجوب إجراء مُفاوضات دقيقة ومُركّبة، كما في فروع أخرى من الفلسفة النسوية. أولًا: يُمكن إعادة تقويم ما يُميّز حياة المرأة، ويُشوّه سمعتها. مثلًا: عادةً ما تُعتبر القدرة على الرعاية، أو النزوع شطر تقديم حبّ لا شروط له، خارج نطاق الحياة الأخلاقية الحقّة. ثانيًا: ترقب النسويّة، بطريقة نقدية، العمليات الاجتماعية التي جعلت قدرات اجتماعية مثل الرعاية ترتبط بجنس أكثر من ارتباطها بآخر، ما يعني أنه يتوجّب تأسيس منظور نُحدّد وفقه "السجايا النسويّة" التي يتعيّن استبعادها، وتلك التي يتعيّن إعادة تقويمها.

وأخيرًا، تجب مواجهة مسألة ما إذا كنّا نتطلّع إلى مستقبل توجد فيه مجموعة مشتركة من المفاهيم الأخلاقية، تسري دون اختلاف على الرجال والنساء، أو إلى مستقبل قد تزدهر فيه الفروق الأخلاقية ـ عبر مسارات جنسية واجتماعية أخرى..

 

محمد عرفات حجازي/ باحث من مصر

.....................

مراجع

- تد هوندرتش، دليل أكسفورد للفلسفة، ت/ نجيب الحصادي، المكتب الوطني للبحث والتطوير، طرابلس، ليبيا، ط1، 2005م.

 

المصلحةُ في اللُغَةِ هي: المنفعةُ ومافيهِ صلاحُ الشيءِ. وعند المالِكِيَة اصل من الاصولِ التي بنى عليها الامام مالك اكثرَ فقهِهِ. وقد اشتهر الفقهُ المالكيُّ بانَّهُ فقهٌ واقعيٌّ يبتني على مقاصدِ الشريعةِ، ويستوحي روحَها.

الاحكام تابعةٌ للملاكاتِ والمصالحِ والمفاسد

ولكنَّ فقهاءَ الاماميّة ايضاً قالوا: (أنَّ الاحكامَ تابعةٌ لملاكاتٍ ومصالحَ ومفاسد)، وهذه القاعدةُ مستندَةٌ على اصلٍ كلاميٍّ وهو: (ان افعالَ الله تعالى معَلَلَةٌ بالاغراض؛ لانه حكيمٌ وافعالُهُ منزَهَةٌ عن العبَثِ واللَغوِ، ولكنَّ الغرضَ لايعودُ اليه جلَّ وعزَّ بل يعود الى العباد). ومن الامثلةِ على كونِ الاحكام تابعة لملاكات ومصالح ومفاسد واقعيّة، بيعُ الدمِ، في السابق كان ملاكُ حرمةِ بيعِ الدم هو عدمُ وجودِ منفعةٍ عُقَلائيّةٍ لهُ. امّا اليوم، وبعدَ اكتشافِ وجودِ منفعةٍ محللةٍ له وهي انقاذُ حياةِ المرضى والجرحى، وحازَالدمُ بذلكَ على ملاك اخر؛ فجازَ بيعُهُ وشراؤُهُ.

وهذا المعنى من تبعيّةِ الاحكام لمصالح واقعيّة، ومن تقسيم المصالح الى ضروريةٍ وحاجيّةٍ وتتميميّة، اشارَ اليهِ الشهيدُ الاول رضوان الله عليه، وهو من اكابر فقهاء الاماميّة الذين تحدثوا عن مقاصد الشريعة، وانَّ الاحكامَ مبنِيَّةٌ على ملاكات ومصالح واقعيّةٍ. يقول الشهيد الاول: (الشرعُ معللٌ بالمصالحِ فهيَ امّا في محلِ الضرورةِ او محلِّ الحاجةِ، او التتمّة، او مستغنىً عنها امّا لقيامِ غيرِها مقامَها وامّا لظهورِ غيرها مقامَها وامّا لظهورِ اعتبارِها). (المظفر،اصول الفقه). وقد اختلف في كون المصلحة التي هي ملاك الاحكام، هل هي علةُ الحكمِ ام حكمتُهُ ؟.

والشهيد الاول تحدثَّ كذلك عى ان الاحكام شرعت لجلب المنفعة اولدفع ضررٍ، والنفع والضرر يمكن ان يكونا دنيويينِ او اخرويينِ، ويمكن ان يكون المقصود مقصوداً اصليّاً او مقصُوداً تَبَعّيّاً. (الشهيد الاول، القواعد والفوائد، ج1، ص35، قاعدة 6).

وما قاله الشهيد الاول هو نفسُ ماقالهُ الشاطِبِيُّ في المُوافَقات، فالشاطبيُّ يقول: (المعلومُ منَ الشريعةِ أَنَّها شُرِعَت لمصالِحِ العباد، فالتكليفُ كُلُّهُ، امّا لدَرءِ مفسَدَةٍ، وامّا لِجَلبِ مصلَحَةٍ، أو لَهُما معاً) المُوافَقات: ج1، ص 199.

تقسيمات مالك للمصلحة

قَسَّمَ الامام مالك المصلحة الى ثلاثةِ اقسامٍ هي:

1- المصلحةُ المعتَبَرَةُ: وهيَ المصلحةُ التي دَلَّ الدليلُ على اعتبارها.

2- المصلحةُ المُلغاة: وهي المصلحةُ التي دَلَّ الدليلُ على الغائها.

3- المصلحة المُرسَلَة: وهي التي لم يَدُّلُّ الدليل على اعتبارها ولاعلى الغائها فهي مرسلة اي: مطلقة. والمصلحة المعتبرة هي اشبه بالظن المعتبر عند اصوليّي الاماميّة، والمصلحة المرسلة اشبه بالظن المطلق، الذي قام دليل الانسداد الكبير على اعتباره.

الشيخ الانصاري والمصلَحّة السلوكيّة

ذهبَ الشيخُ الانصاريُّ الى فرضِ المصلحةِ السلوكيّةِ في الامارات لتصحيح جعلها. (فرائد الاصول،ج1، ص42). والشيخ ذهب الى فرض المصلحة السلوكيّة؛ لانه لايتبنّى القول بتصحيح جعل الامارة على نحو الطريقيّة المحضة، ولايقبل كذلك تصحيح جعل الامارة على نحو السببيّة؛ لانّهُ يستلزمُ القولَ بالتصويب.

ولتوضيح مسلك الشيخ الانصاري بالمصلحة السلوكيّة اقول: ان السَبَبِيَّةَ يمكنُ تصورُها على ثلاثةِ اقسامٍ وهي:

1- السَبَبِيَّةُ الاثباتِيَّة: وهي ان الامارةّ سببٌ في اثبات الحكم الواقعي ؛ لان الله ليس له احكام واقعيّة، وانما الامارة هي التي تثبت حكما. وهذا هوَ قولُ الاشاعرة.

2- السَبَبِيَّةُ الانقلابيِّة: وهي التي تعترفُ بوجود احكام واقعيّة لله تعالى، ولكنها ترى ان الامارةَ تقلب هذه الاحكام الواقعيّة بما يتطابق مع الامارة، فهي لاتثبت حكما، وانما تقلب حكما بما ينسجم مع مؤدى الامارة. وهذا القول قال به المعتزلة.

3- السَبَبِيَّةُ التداركيّة: وهي السببية التي لاتثبت احكاما؛ لانها تؤمن بوجود احكام واقعيّة، ولاتقلب هذه الاحكام بما يتوافق مع الامارة، وانما هي سببية تداركية، يُتَداركُ بها مصالح الواقع الفائتة عند خطأ الامارة في ادراك الواقع. وهذا قول الشيخ الانصاري، قاله حتى لايقع في التصويب الذي لايقبله الاماميّة.

مصالح الدول وفقه المصلحة

وفقا لفقه المصلحة الذي قال به الامامُ مالك، اين نضع مصالح الدول؟ فالولايات المتحدة تقول انَّ لها مصالح في منطقتنا، والدول الاوربية تدعي ان لها مصالح في افريقيا. والدول الاخرى تدّعي ان لها مصالح، وبالتأكيد أنَّ هذهِ المصالح، لاتدخل في المصالح المعتبرة التي اعتبرها الشارع، فهل تدخل في المصالح المرسلة ؟ بالتأكيد انَّ مثلَ هذهِ المصالح لاتدخل تحت عنوان المصالح المرسلة؛ لانَّ المصالحَ المرسلةَ لها ضوابط في الفقه المالكي، وهي ان تكون المصلحةُ مصلحةً واقعيّةً، لامصلحةً موهومةً. وينبغي ان تكون المصلحة منسجمة مع مقاصد الشريعة، ولاتؤدي الى ظلمٍ وفسادٍ.

فلاقيمة لمصلحة فرنسا في احتلال الجزائر، فهذهِ مصلحةٌ ملغاةٌ، بل المصلحة بوجود مقاومة جزائرية تطرد المحتل، وتحرر الارض من دنس الاحتلال. واحتلال الصهاينة لارض فلسطين بلحاظ مصلحة اليهود بايجاد وطن قومي لهم، هذه مصلحة ملغاة، لانها تتعارضُ مع مقاصدِ الشريعةِ، ومع مصلحة الشعب الفلسطيني بالبقاء على ارضه. ونضال الفلسطينين ضد الصهاينة مصلحة حقيقية لهم، في تحرير ارضهم ومقدساتهم، وطرد المحتليّن. هذا هو فقه المصلحة، ليس فقها تبريريا ؛ وانما هو فقه واقعي.

وفي الختام، لايمكن لاية قوةٍ غاشمةٍ ان تتوكأ على فقه المصلحة، لتبرير احتلالها وقمعها للشعوب الاخرى.

 

زعيم الخيرالله

 

المهدي بسطيلي"نظام الحكم بالمغرب نظام ملكية دستورية، ديموقراطية برلمانية واجتماعية.يقوم النظام الدستوري للملكة على أساس فصل السلط، وتوازنها وتعاونها، والديموقراطية المواطنة والتشاركية، وعلى مبادئ الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة. تستند الأمة في حياتها العامة على ثوابت جامعة، تتمثل في الدين الاسلامي السمح، والوحدة الوطنية متعددة الروافد، والملكية الدستورية، والاختيار الديموقراطي"

المصدر الفصل الأول من الدستور 'أحكام عامة'

لا يمكن لأحد أن ينكر أن المغرب منحدر من القبيلة، بل إن القوة العلمية التي لازالت تحظى بها العديد من الأبحاث العلمية، من هذا الباب في شق منها تأكيد على أن المغرب، هو اتحادية قبائل، مستدلين على ذلك بظهور مقومات القبيلة، واستمرارية تواجدها على مستويات عدة، خاصة منها المستوى السياسي. وقد ظلت أغلب الدراسات التي قاربت المسألة القبلية في المغرب، في نسق التاريخ والأنثروبولوجيا بشكل خاص، تحاول تفسير التحولات التي عاشها المجتمع المغربي، وما مدى صحة القول، باستمرارية البنية التقليدية أو تفككها، ونحيل هنا على رواد الطرح الإنقسامي، حيث شكلت الانقسامية كنظرية لقراءة الحياة السياسية بالمغرب .

وانطلاقا من التعريف الذي يضعونه للقبيلة، بأنها " نسق من التنظيم الاجتماعي يتضمن عدة جماعات محلية مثل البدنات والعشائر والمداشر تقطن إقليم معين يكثنفها شعور قوي بالتظامن الالي والوحدة"، ويمكن اعتبار التجديد الذي وضعه "افنس برتشارد" تلميذ مالينوفسكي للقبيلة، اقرب تعبير عن خصائص القبيلة الإفريقية التي استخلصه في دراسته لقبائل النوير بالسودان.

والقبيلة عند برتشارد هي الفاعل في النسق السياسي التي تحدد ملامحه الظروف الايكولوجية، والمعاشية هي التي تحدد أشكال العلاقات وأنواعها، ويرتكز هذا النسق على القرية كوحدة صغرى، يتم النفود السياسي داخلها حسب شبكة المصاهرات وهذه الشبكات تنقسم الى فروع قبلية، أولية، ثانوية، أما العلاقات بين مكونات النظام القبلي، فتقوم على الانصهار والانشطار.[1]وقد تم توظيف ملامح هذا التعريف، من طرف "ايلنست غيلنر" على قبائل الاطلس الكبير بالمغرب، ليجيب على سؤال، علاقة القبيلة كمؤسسة اجتماعية بالحياة السياسية .لقد وجد غيلنر أن النظام السياسي والاجتماعي لهذه القبائل، نظام يسوده الإنقسام، ويعني ذلك أن كل قبيلة تنقسم إلى فروع، تنقسم بدورها الى أجزاء، إلى أن تصل الى مستوى الوحدات العائلية، يدير شؤونها أمغار يتم انتخابه بالانتداب بين القبائل، كل سنة وآخر يدعى أمغار وينظر في جرائم الدم، والشرف، له هالة تحول دون التفكير في عزله من منصبه .[2]

إن تطبيق هذه النظرية، وخاصة على الحياة السياسية بالمغرب من طرف الباحث الأمريكي "جون واتربوري" في الفترة الحرجة من تاريخ المغرب، في أطروحته الشهيرة "أمير المؤمنين الملكية والنخبة السياسية بالمغرب"، والتي عمل من خلاله على تأكيد استمرارية النمط الانقسامي في البنية السياسية للدولة المغربية، يزكي توظيفنا لمفهوم القبيلة في هذا السياق بالذات، لنطرح السؤال هنا، هل يمكن الحديث عن الدولة المغربية في منهى عن القبيلة ؟

آخذين بعين الاعتبار التعريف الذي يقدمه جون واتربوري أن" المغرب تحول الى اتحادية قبائل، تتحكم فيه أجزاء يحكمها الانصهار والانشطار ضمن إطار اللعبة السياسية خاضعة لأمير المؤمنين، الذي يعرف كيف يحدث انقساماتها بذكاء."

ينطلق رواد التصور الأنجلوسكسوني من اعتبار مفاده أن المجتمع المغربي منحدر من القبيلة، وذلك بسبب حضور الخصائص القبلية التي تحددها النظرية الإنقسامية، لكن ما علاقة المجتمعات القبلية بالسلطة السياسية؟

هو نفسه السؤال الذي وضعه 'النست غيلنر' على قبائل احنصال بالأطلس الكبير [3].وما يميز النظرية الانقسامية هو قابليتها للتمدد على يد الباحثين، حيث شكلت العين التي درس بها "جون واتروري" اللعبة السياسية بالمغرب، والتي توجت بأطروحته "الملكية والنخبة السياسية بالمغرب "حيث شكلت مرجعا إن لم نقل مصدرا أساسيا للباحثين المغاربة بمختلف تخصصاتهم في مجال الفكر السياسي والسوسيولوجيا السياسية [4].ركز واتربوري على النخبة السياسية المغربية، باعتبارها الفئة التي تتدخل في عملية توزيع منافع الدولة والمشاركة في القرارات، وقد حدد مكونات هذه النخبة من الأحزاب السياسية سواء أحزاب اليمين وأحزاب اليسار ثم الأسر الكبرى والقبائل والضباط والعلماء والشرفاء وغالبا ما يكون قادتها الموظفون السامون من الحكومة، وأكد أن أسلوب هذه النخبة ذا أساس انقسامي شبيه بالأسلوب الذي تحدثه القسمات الصغرى بالنظام القبلي محكومة بالانصهار والانشطار. ولعل ذلك ما يؤكده "عبد الله ساعف" [5]بأن النخبة المغربية تعتمد مسلكيات شبيهة بمسلكيات القبائل المنظمة طبقا للمبادئ الانقسامية. في حين عمل المخزن على استدماج الممارسات السياسية التقليدية بالحديثة، وتجلى ذلك بعد خروج المعمر الفرنسي، وتبنى قانون مخزني يشتغل على الطقوس الرمزية العتيقة، بالإضافة إلى القانون الدستوري الذي فرضته الحماية، إن هذا الاستدماج التقليدي الحداثي بدسترة الّإرث المخزني جعل التاريخ المغربي مرتبطا بتاريخ المؤسسة الملكية، وجعل الدستور المغربي يتشكل من طابق علوي يمثل روح الغرب، وآخر سفلي عميق يجسد عمق الموروث والروح العميقة وهذا ما سنستفيض في ذكره لاحقا. كما عملت المؤسسة الملكية على تأكيد تموقعها بوظيفة التحكيم ولعب دور 'الأكرامن' للتعالي عن كل الانقسامات داخل اللعبة السياسية، وتعزيز السلطة من خلال بث الخلافات بين الفرقاء ، وقد أكدت المؤسسة الملكية دائما تشبثها بمفاهيم البركة والشرف كجوهر وعمق الشرعية التي تبرر تواجدها.وقد أعلنت المؤسسة الملكية لرغبتها في كسب رهان العالم القروي كخزان للمشروعية الانتخابية عبر تدجين النخب وصناعة الأعيان الجدد [6].

إن النسق السياسي المغربي يعمل من خلال مزج التقليد والحداثة من أجل تعطيل المسار التاريخي لتقوية الجهاز المخزني بالدولة المغربية وذلك على حساب مسلسل الديموقراطية التي تعلنها الدولة ظاهريا في مؤسساتها فأصبحت الحياة السياسية بالمجتمع المغربي، بين إرثين: ″إرث العادات والتقاليد في علاقتها بالسلطة وطرق تدبيرها، وإرث الاستعمار في شكل بنيات تحتية وآليات معقدة غير ملائمة في الغالب لواقع البلاد وحاجياته″، ونتيجة لهذا ″الإرث المزدوج″، تحاول التوفيق بين المؤسسات التقليدية (الزوايا، القبائل، النظام المخزني، ...)، وبين القواعد الجديدة التي أصبحت تفرضها المؤسسات العصرية والنظام الاقتصادي الحديث وآليات التدبير الجديدة للأحزاب والنقابات .... دون المساس بما أسماه واتربوري ب ″الشخصية المغربية″.ترتبط الحياة السياسية بالمغرب اذن بثوابت ووظائف هي:

وظيفة سياسية تتجلى في التحكيم كوظيفة قديمة موقرة موجودة قبل الحماية، حيث إن "الشريف أو الوالي" هو الذي يمارس دور الحكم على العموم (التقديس) ، لكن نقلت وظيفة التحكيم للملك ولجان التحكيم التي تتدخل في الشؤون الداخلية للأحزاب السياسية (خصوصا بعد انقسام الحركة الوطنية سنة 1937، والصراعات الداخلية التي عاشها حزب الاستقلال في الفترة ما بين 1956 و1958، والتي أفضت إلى انشقاقه سنة 1958)، [7]

دور سياسي يضطلع به زعيم: لا يمكن ضمان التوازن بالمجتمع المغربي ولا تغير موازين القوى، إلا بالانضمام لزعيم والالتفاف حول عقيدة، وهذا هو حال الأسلوب السياسي بالمغرب (مثال علال الفاسي بحزب الاستقلال، والمهدي بن بركة بالاتحاد الوطني للقوات الشعبية، رغم رفضه لهذا الأمر في البداية، لكنه استجاب في الأخير لذلك نزولا عند رغبة أتباعه) .

يتجلى الأمر إذن، في حرص الزعيم السياسي على تبني وممارسة مجموعة من العادات والتقاليد للمحافظة على أتباعه (النسب، الانتماء للقبيلة، المصاهرة، ...)

ولعل الأمر الغريب هو استمرارية محققة لهذه اللعبة السياسية، ألم تتحالف الأحزاب السياسية بشكل جماعي ضد حزب العدالة والتنمية لإضعافه حينما تقوى؟هو نفسه أسلوب القسمات القبلية الذي تحدثنا عنه سلفا، بالإضافة لاستمرارية العلاقة بين الشخص والمريد في أحزابنا السياسية لكل زعيم أتباع يناصرونه...

إن النسق السياسي المغربي ارتبط بشكل قوي بمحددات وثوابت لم يقطع معها وكأنها قوالب جاهزة لابد أن يلجها كل من دخل الحياة السياسة بالمغرب، وربما هذا هو المفسر الأساس لفشل الأحزاب السياسية المغربية، وارتباط وجودها بالحياة السياسية المغربية بشكل موسمي (الانتخابات) وتفقد نجاعتها على المدى البعيد...

نضع هذه الورقة كمحاولة للفهم وتحليل بسيط للنسق السياسي المغربي، ونتساءل من خلالها عن استمرارية النسق التقليدي وأسباب ذلك، سعيا لتقويم النموذج الديمقراطي بهذا الوطن العزيز وعقلنه الحياة السياسية .

"لابد من القطع مع كل أشكال التقليد"

 

بقلم: الهدي بسطيلي

طالب باحث سلك الماستر- المغرب

.........................

[1] Salah éden Med. Maroc. Tribus. makhzen et colons Ed l’ harmattan; paris ;1986

 [2] لأنتربولوجيا والتاريخ- حالة المغرب العربي مقال ليليا بنسالم -، عبد الأحد السبتي وعبد اللطيف الفلق. دار توبقال، الدرا البيضاء، ¹1988

[3] التحليل الانقسامي للبنيات الاجتماعية في المغرب /حصيلة نقدية/ المستقبل العربي/ع75بتاريخ 1985

[4] سوسيولوجيا المغرب احمد الشراك /مرجع سابق

[5] D ; abdallah saaf /images politique du maroc/ed okadLrabat 1988P79

[6]المخزن في الثقافة السياسية المغربية /هند عروب /وجهة نظر 2003

[7] واتربوري، جون. أمير المؤمنين: الملكية والنخبة السياسية المغربية، ترجمة عبد الغني أبو العزم، عبد الأحد السبتي وعبد اللطيف الفلق. مؤسسة الغني للنشر، الرباط، 2013 (الطبعة الثالثة) اسلوب النخبة

 

نايف عبوشلاشك أن أجهزة الاتصال الذكية، قد مكنت الناس من التواصل فيما بينهم بشكل سهل وسريع. ويقينا فأن تلك الميزة تحسب من الايجابيات الرفيعة لتلك الأجهزة، وتقنياتها المتطورة في هذا العصر. إلا أنه لابد من الإشارة في نفس الوقت، الى أنها وسائل ذات تأثير سلبي، بما أفرزته من ظاهرة الانغماس الشديد لمختلف شرائح المستخدمين في واقعها الافتراضي، الذي افرزته طبيعة استخدام تقنيات تلك الأجهزة، كبديل للواقع الحقيقي، ومن بينها بالطبع شريحة الأطفال، والصبيان، الأمر الذي ساعد على إتاحة استخدامها بينهم بسهولة، وبلا قيود، ناهيك عما تتضمنه تطبيقاتها من إمكانيات الدخول إلى مواقع غير مرغوب فيها، وبكل ما يحمله مثل هذا الاستخدام غير الرشيد لها عندئذ، من تداعيات ضارة على الأطفال، والصبيان، بالدرجة الأولى.

وبالطبع فإن فقدان الأطفال لآصرة الترابط الاجتماعي، يأتي في مقدمة سلبيات الاستخدام غير المنضبط، حيث يؤدي انشغال الطفل بالجهاز اللوحي، أو الهاتف النقال الذكي، طوال الوقت، وإفراطه في استخدامه، إلى انفصاله عن مجتمع اهله وزملائه، ليخسر بالتالي، فرصة تكوين علاقات حية مباشرة معهم، مما قد يؤدي إلى إحداث فجوة كبيرة في العلاقات العاطفية بينه وبينهم، وبين والديه وأفراد أسرته، وبذلك قد يصبح الطفل انطوائيا، وغير قادر على الاندماج، والتواصل المباشر بالمجتمع، والعالم الخارجي.

على أن إدمان الطفل على استخدام هذه الأجهزة، وانغماسه في بيئتها، يؤدي إلى هدر وقته، وخموله بما يعتريه من إرهاق بدني، ومن ثم تشتيت تركيزه، ، وهو ما قد يؤدي بالمحصلة، إلى إضعاف حماسه للتحصيل الدراسي، وربما يفضي به الأمر إلى الفشل في الدراسة، وتسربه منها .

كما ينبغي الإنتباه إلى أن إدمان الطفل على ممارسة الألعاب الإلكترونية، باستخدام تلك الأجهزة دون مراقبة الوالدين، قد يؤدي إلى اكتسابه عادات عدوانية، من خلال تأثره بمشاهد القتل والتدمير في هذه الألعاب، ومحاكاتها، وجنوحه لتقليدها .

واذا كان من المتعذر منع الأطفال، والصبيان، من استخدام تلك الأجهزة، بما هي وسائل استخدام تفرضها طبيعة العصر، وحيث قد لا يتاح للآباء أحياناً حجب المواقع الضارة فيها، ضمن نطاق مكاني محدد، من الناحية الفعلية كما يبدو، فانه ليس هناك من خيار في هذه الحالة، سوى الحرص على توعية الجيل، وتوضيح خطورة الأمر لهم، والعمل على ترشيد طريقة استخدامهم لهذه التقنيات، وذلك من خلال الإرتقاء بوعيهم، ورفع وازع حسهم الأخلاقي، بأسلوب يتناسب مع درجة وعيهم وسنهم، وبالشكل الذي يضمن الاطمئنان على سلامة الاستخدام، وتفادي حالات الجنوح، من دون إثارة حفيظتهم، لكي لا يشعروا أن منعهم من استخدامها المفرط، أو مراقبتهم الجادة، إنما تستهدف حرمانهم، او الحد من حريتهم في الاستخدام .

ولا ريب إن ترك الحبل على الغارب، والتقاعس في ترشيد استخدام الأطفال، والصبية، لهذه الأجهزة، سيعني إهمال الإهتمام المطلوب بسلامة البناء الحضاري اللائق للناشئة، وما يترتب على ذلك الإهمال من ضياع يتقاطع مع عادات، وتقاليد المجتمع الحميدة .

 

نايف عبوش

 

عبد الجبار الرفاعييميز الشيخُ أمين الخولي بوضوح بين التجديد في مفهوم القدماء ومفهومه المختلف للتجديد، فالتجديد في مفهومهم هو ضرب من الإحياء لما كان مندرسًا، والتذكر والاستئناف لما كان منسيًا، بينما التجديد في مفهومه هو ضرب من التطور، وليس إحياء لما هو مندرس، أو تذكرًا لما كان منسيًا، أو استئنافًا للقديم وإحضاره كما هو. ويرسم الخولي رؤيته هذه بقوله: "من وصف القدماء لعمل المجدد حينًا أنه إحياء ما اندرس، ومعنى هذا أن شيئًا من المعالم الدينية الاعتقادية أو العبادية، فرضًا أو سُنة، قد أهُمل ونُسى على مر الزمن، فيعمل المجدد على إعادة العناية به، والتزامه بالصورة القديمة الأولى التى كان عليها. وهذا الفهم المتبادر القريب من جملة كلامهم لا ينتهى إلى شيء من معنى التطور، الذى هو تغير الحياة أثناء سيرها إلى مستقبلها، فإذا ما كان المجدد مُطورًا للحياة فمعنى ذلك أنه يقدر تغيرها فى سيرها إلى غدها، ويعمل على جعل الدين مسايرًا لها فى هذا السير، موائمًا لحاجتها فيه، فالتجديد الذى هو تطور ليس إعادة قديم كان، وإنما هو اهتداء إلى جديد، بعد أن لم يكن عن طريق الاجتهاد"[1]. وبذلك تجاوز الشيخُ أمين الخولي وجهةَ الإحياء والإصلاح التي بدأت مع الشيخ رفاعة رافع الطهطاوي في القرن التاسع عشر، وتواصلت فيما بعد مع جمال الدين الأفغاني والشيخ محمد عبده، ومن تلاهما، ممن تمحورت جهودهم على الدعوة لإحياء ماضي الأمة واستئناف أمجادها، بالاعتماد على الأصول والمبادئ الموروثة في فهم الدين وتفسير نصوصه. لكن الشيخ الخولي استطاع أن يشتقَّ نهجاً يتلمس في ضوئه دربًا مغايرًا لما عرفناه من أصول ومبادئ موروثة في فهم الدين وتفسير نصوصه.

ظلّ الخولي مسكونًا بفكرة التطوّر، واستبدّت به هذه الفكرة إلى الحدّ الذي استند فيه إليها بوصفها مرجعيةً لإعادة بناء المعارف الدينية، وآداب وعلوم اللغة العربية، فمع الخولي، وللمرة الأولى، يتصدّع جدارُ الدرس اللغوي والبلاغي التقليدي، كما تنفتح الفلسفةُ الأخلاقيةُ في التعليم الأزهري على أفق جديد. لم يتردّد الشيخ الخولي في الدفاع عن نظرية التطوّر الدارونية في الأحياء، وأصرّ على منحها مشروعيةً، في ضوء ما يحاكيها ويقاربها من إشاراتٍ في "رسائل اخوان الصفا"[2]، وآثارِ ابن مسكويه، وابن سينا، وابن الطفيل، ممن ألمحوا أو صرّحوا بتصنيف الموجودات في سُلّم تراتبي، يحتلّ فيه الإنسانُ الذروةَ في تكامله، فيما يليه الحيوانُ، فالنباتُ، إلى أدنى مرتبة وهو الجماد. وشغف الخولي بالتجديد إلى الحدّ الذي كان برأيه هو الثورةُ الكبرى في كلّ قرن، إذ يقول: "إن ذلك التجديد على رأس القرون هو ذلك العمل الثوري الكبير الذي تحتاجه الأمة، كأنما هو ثورة اجتماعية دورية"[3].

توسّع الخولي في تطبيق فكرة التطوّر على علم الكلام والفقه واللغة، بل تعميمها لتشمل أبعادَ الوجود البشري المعنويةَ والفكريةَ والاجتماعيةَ والأخلاقيةَ كافة. وأصرَّ على أن التطوّرَ هو الناموسُ الشاملُ في الخلق والحياة، وليس ناموسًا خاصًا بعلم الأحياء فقط. يكتب الخولي: "صار كل باحث يتصدى لدرس شيء من ذلك إنما يتقدم إليه مسلّمًا بعمل ناموس النشوء فيه، فيما مضى وفيما هو آت، ولم يعد الباحثون يقبلون القول بظهور كائن كامل الوجود دفعة واحدة، فكرةً كان أو لغةً أو فنًّا أو حضارة... إن ظهور الفكرة الجيدة يشبه في تطور الحي ظهور صفات جديدة في نوع من الأحياء تخالف الصفات القديمة، وقوة يقين أصحاب الفكرة الجديدة بصحتها وصلاحيتها تقابل درجة قوة الصفات الجديدة في الحي على البقاء. وإن صلاح البيئة الاجتماعية لحياة الفكرة الجديدة ومعاكستها لحياة الفكرة القديمة، تقابل حال البيئة الطبيعية بالنسبة لصفات الكائن الحي الجديدة. وإن قوة اقتناع أصحاب الفكرة الجديدة بها، وترسيخهم لها، في أذهان الناس، تشبه قوة الحي على إفناء منافسه وإبادته. واقتناع الناس رويدًا بالفكرة الجديدة وانسلاخهم من الفكرة القديمة يشبه موت الأفراد الضعاف في التناحر المادي. وإنّ تأصّل الفكرة وثباتها في نفوس مقتنعيها يشبه تأصّل صفات الحي الجديدة في نسله ورسوخها"[4].

تبدو حالةُ التفهّم لقيمة معطيات العلوم والمعارف الحديثة واضحةً في توكؤ الخولي على نظرية التطور الدارونية، والاستنادِ إليها بوصفها مرجعيةً شاملة في تسويغِ ضرورة تطوير اللغة وآدابها، وتجديدِ معارف وعلوم الدين. وهي سمة طبعت تفكيرَ بعض رجال الدين والمثقفين في ذلك العصر، ممن تعرّفوا على العلوم الحديثة، واكتشفوا التقدّمَ الغربي، واستند غيرُ واحد منهم إلى نظرية التطوّر لتسويغ تجديد التفكير الديني. كما تمادى بعضُهم وأسرف في توظيف فرضيات ونظريات وقوانين العلم الجديدة في تفسير القرآن، مشدّداً على التوأمة بين العلم والقرآن الكريم، إلى الحدّ الذي أضحى معه النصُّ القرآني بمثابة كتاب لا مضمونَ له، ولا يكتسب مضمونَه إلا بإسقاط معطيات العلم الحديث ونظرياته واكتشافاته[5].

يتّسع قانونُ التطوّر في منظار الخولي ليشمل اللغةَ أيضًا، مثلما يشمل الظواهرَ الأخرى في الاجتماع البشري كافة. فهو يرفض المواقفَ اللاعقلانية في التعاطي مع العربية، بوصفها استثناءً من لغات العالم، لذلك لم يقبل ما يقال عن: " فضل العربية .. وكمال العربية .. وانتهاء العربية إلى ما لاشيء بعده"[6]. وشدّد على أن العربيةَ ليست استثناءً من اللغات البشرية، فكلُّ لغة كائنٌ اجتماعي حيّ، يحيا ويتطوّر تبعا لسنن الحياة وتطوّرها، وأن اللغةَ بطبيعتها أكثرُ حيويةً ومرونةً وإمكاناتِ تحديث من سواها، ففيها على الدوام كلماتٌ تموت وتندثر، وأخرى تتوالد، أو تنحت، لتثري معجمَها، وتعزّز رصيدَها التداولي. وذلك ما يوضحه الخولي بقوله: "فاللغة من أشد المظاهر الحيوية لينًا، وأقلها تصلبًا وتحجرًا، وأطوعها للتطور، وقدماؤنا يدركون هذا واضحًا، حين يتحدثون عن تهذيبِ اللغة وعواملِه، وحين يقرّرون أن الاستعمالَ يحيي ويميت، ويقبح ويحسن، وحين يصفون تداخلَ اللغات، وما إلى ذلك من دلائل الشعور بتأثر اللغة بالحياة تأثرًا قويًا"[7].

وفي لفتةٍ بالغةِ الدلالة يتحدّث الخولي عن مأزقِ الفصحى، والازدواجِ اللغوي بين الفصحى والعامية، وكيف أننا نتحدّث بلغةٍ غيرِ تلك التي نفكّر ونكتب ونقرأ فيها، فسعى للكشف عن الجذور التاريخية لذلك، وكيف أن المنهجَ الذي اعتمده المعجميون الأوائل في جمع اللغة تبنّى لغةَ البدو في الصحراء العربية خاصة، إذ استبعدوا كلَّ كلمة تدلّ على ما هو شائعٌ في المدينة والحواضر المعروفة؛ لذلك اغتنت العربيةُ بكلمات البادية، وما يدلّ على الظواهر الطبيعية والحيوانات والنباتات والعادات والتقاليد والأدوات والأشياء والصور والحاجات السائدة في نمط الاجتماع القبلي، في حين افتقرت الى ما هو معروفٌ ومتداوَل في المدن. وكأنه هنا يلمح الى أن العربيةَ مازالت مرآةً لحياة البداوة، وأنها مشبعةٌ بنمط ثقافتها، فرؤيتُها للعالم ضيقةُ الأفق، وإيقاعُ التحوّل والتغيير فيها بطيء، خلافاً للغة المدينة التي تغتني بالكثير من الألفاظ الدالة على ما يسود حياةَ الحواضر المدينية من أشياء وأفكار. من هنا ضاقت عربيةُ القبائل البدوية في العصر العباسي عن استيعاب ما تفشّى في الاجتماع الإسلامي من أشياء وأفكار لم تعرفها الباديةُ من قبل، فعوّضت ذلك بالاستيرادِ من غيرها، واشتقاقِ وتوليدِ ألفاظ جديدة. 

 

د. عبد الجبار الرفاعي

.......................

[1] الخولي، أمين. المجددون في الاسلام. ص 45.

[2] وردت في الرسالة الثامنة من الجسمانيات الطبيعية في رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء أشارات لنظرية التطور. بيروت: دار صادر، ١٩٥٧ ، ج2: ص ١٧٨ وما بعدها.

[3] الخولي، أمين. المجددون في الاسلام. ص 17.

[4] الخولي، أمين. كتاب الخير. ص ٥٧، 66.

[5] أسرف في تطبيق هذا المنهج الشيخ طنطاوي جوهري ( 1870 – 1940)  في تفسيره:  الجواهر في تفسير القرآن الكريم، كما تحدثنا عن ذلك في فصل 6 في الطبعة الثانية من كتابنا: الدين والاغتراب الميتافيزيقي.

[6] الخولي، د. يمنى طريف. أمين الخولي والأبعاد الفلسفية للتجديد. ص 42، عن: . 56 د. حامد شعبان، أمين الخولي والبحث اللغوي، ص 16.

[7] الخولي، أمين. مناهج تجديد. ص 17.

 

 

حسين سرمك حسنقتلت أكثر من (300) مليون إنسان في العالم الثالث!!

أكملتُ قبل مدّة موسوعة عن الإبادت الغربية (الأمريكية البريطانية والفرنسية والبلجيكية بشكل خاص) وفيها معلومات مثيرة وخطيرة تُكشف لأول مرّة للقارىء العربي. فأغلب القرّاء في عالمنا العربي لا يقرأون، وللأسف، بلغة أخرى غير لغتهم الأم وخصوصا باللغة الانجليزية – ولهذا فهم لا يطلعون على ما يُكشف من وثائق خطيرة تنشرها الحكومات الغربية المعنية بفعل التقادم الزمني أو بفعل طلبات قوانبن حرية الحصول على المعلومات أو يسرّبها مواطنون غربيون شجعان آمنوا بأن الحقيقة ومصائر الشعوب أعلى من مصالح الفئات الاستغلالية المتحكمة في بلدانهم او يحصل عليها باحثون وكتّاب وصحفيون استقصائيون ملتزمون بشرف الكلمة. والأفراد البواسل من الفئتين الأخيرتين تحمّلوا الكثير من التضحيات في سبيل مبادئهم ولعل أفضل الأمثلة على ذلك ما حصل للصحفي غاري ويب (أنتج عن قضيته فيلم مهم هو "اقتل الرسول kill the messenger) وعبقري الكمبيوتر آرون شوارتز (الخالق الرائع لموقع رديت Reddit ولـ  أر إس إس RSS) وراي غريكار وكارول كاسير وعضوة مجلس الشيوخ الأمريكي "نانسي شايفر" والجندي الأمريكي برادلي ماننغ والمتعاقد الأمني إدوارد سنودن والصحفيان الشهيران الأمريكي سيمور هيرش والبريطاني روبرت فيسك وغيرهم الكثير من "أبطال الحقيقة" فإليهم منّا آيات الاحترام والتقدير.

في هذه الموسوعة (1916 صفحة) سوف يتم تصحيح التصوّر الخطير الخاطىء الذي يسيطر على عقول الكثيرين وهو أن هناك (محرقة) أو (هولوكوست) كبير في تاريخ العالم الحديث هو المحرقة اليهودية أو الهولوكوست النازي ضد اليهود والذي تدور حوله الكثير من الشبهات ويتم تغيير عدد الضحايا بين وقت وآخر حينما تتكشف حقائق جديدة (منها عدم وجود غرف غاز نازية في معسكرات الاعتقال وظهور سجلات الصليب الأحمرالدولي التي كانت متسترا عليها سابقا) تثبت بما لا يقبل الشك أن العدد الحقيقي لضحايا الهولوكوست هو أقل بكثير مما تروج له الدعاية الصهيونية.

ما سيثبت في هذه الموسوعة هو أن هناك محارق وهولوكوستات غربية (أمريكية وبريطانية وفرنسية وبلجيكية بشكل خاص) أغرب من الخيال بأعداد ضحاياها وبأساليبها الوحشية. إبادات جماعية لا يمكن أن يصدقها العقل ومن المستحيل أن يقترفها إنسان يحمل مشاعر وعواطف بشرية سليمة وصحّية. هذه الإبادات (الهولوكوستات، المحارق) تفوق بمئات المرّات الهولوكوست اليهودي من حيث وحشية الأساليب وعدد الضحايا المُرعب.

وخذ بعضاً من هذه الأرقام:

- الولايات المتحدة الأمريكية (بعض – وأؤكد على "بعض" - من إبادات أمريكا الجماعية):

هولوكوست المواطنين الأصليين (الذين يُسمّون خطأً بالهنود الحمر بسبب خطأ كولومبس في أنه وصل إلى الهند عن طريق آخر ولم يعرف أنه وصل العالم الجديد!!): قتل بين 67 - 112 مليون مواطن!!

هولوكوست إبادة الأفارقة الأحرار (9 ملايين قتيل خلال 13 عاماً فقط)

الهولوكوست الفلبيني (إبادة الشعب الفلبيني): إبادة مليون مدني و16 ألف جندي فلبيني

الهولوكوست الألماني بعد الحرب قادته الولايات المتحدة الأميركية فأبادت 9-15 مليون مواطن ألماني

محرقة أسرى الحرب الألمانيين على يد إيزنهاور أدت إلى مقتل مليون أسير ألماني

الهولوكوست الإندوتيسي: أكثر من مليون قتيل حسب منظمة العفو الدولية

الهولوكوست الفيتنامي (إبادة الشعب الفيتنامي): أمريكا قتلت 4 ملايين فيتنامي من أجل الديمقراطية !!

مذبحة ماي لاي: الجنود الأمريكيون قتلوا وأحرقوا 504 مدنيين فيتناميين (منهم 182 امرأة- 17 منهن حوامل- و 173 طفلا، من بينهم 56 رضيعا) 

680 سرمك 1

(بعض من ضحايا مذبحة ماي لاي الذين قتلهم الجنود الأمريكان- لاحظ الضحايا من النساء والأطفال)

الهولوكوست الأمريكي الكيمياوي في فيتنام:

وفقا لما ذكره الصليب الأحمر الفيتنامى، فقد تأثر حوالى مليون من الفيتناميين بالعامل البرتقالي، من بينهم 150 الف طفل يعانون من عيوب خلقية، وفقا لما ذكرته شبكة سى ان ان الاخبارية. 

680 سرمك 2

(طفلان فيتناميان مشوّهان)

680 سرمك 3

(أطفال فيتناميين مشوهين بفعل العامل البرتقالي الأمريكي)

الهولوكوست البنغلاديشي: أسقطت أمريكا التجربة الديمقراطية في بنغلاديش (1/2 مليون – 3 مليون قتيل)

- بريطانيا- وهذا أحد أرقام ضحايا الإبادات الجماعية البريطانية:

الهولوكوست البريطاني في الهند: قتلت المجاعات البريطانية 55 مليون مواطن هندي 

680 سرمك 4

(جثث الهنود من ضحايا المجاعات البريطانية متروكة في الشوارع ولاحظ العقبان وهي تأكل الجثث المتفسخة وكيف تنتشر على الأرض وعلى السطوح)

- فرنسا- وهذه بعض – وأؤكد على "بعض" - من إبادات فرنسا الجماعية:

فرنسا سبقت داعش في قطع الرؤوس وأبادت 10 ملايين جزائري (الجزائر بلد العشرة ملايين وليس المليون شهيد)

كيف رمت الشرطة الفرنسية بالمتظاهرين الجزائريين في نهر السين مربوطي الأيدي؟ - مذبحة 17 أكتوبر 1961 ضد الجالية الجزائرية بفرنسا: 300 قتيل جزائري و 400 في عداد المفقودين وما يقارب من 9260 معتقل 

680 سرمك 5

(جنديان فرنسيان يستعرضان بفخر رأسين مقطوعين لمواطنين جزائريين)

- بلجيكا- وهذه بعض أرقام المحارق البلجيكية ضد المواطنين الأفارقة في الكونغو:

الهولوكوست البلجيكي في الكونغو: قتل الاستعمار البلجيكي 10 ملايين مواطن كونغولي – وقطع أيدي الملايين 

680 سرمك 6

(ضحايا مدنيين مقطوعي الأيدي في ظل الاستعمار البلجيكي) 

680 سرمك 7

(مُبشّر يشير إلى اليد المقطوعة لقروي كونغولي. كانت الأيدي المقطوعة "الرمز الأكثر قوة للوحشية الاستعمارية البلجيكية" في الكونغو). 

680 سرمك 8

(أب يحدق في يد وقدم ابنته البالغة من العمر خمس سنوات، مقطوعةً كعقاب لأنها حصدت القليل جدا من المطاط)

 - وهل انتهت السادية الغربية في القرن الحادي والعشرين؟

هذه بشاعة لا تُصدّق: جنود بليجيكون يشوون طفلا صومالياً حيّاً ثمّ عفت عنهم المحكمة!!!- جنود إيطاليون اغتصبوا امرأة صومالية بقنبلة يدوية مدهونة بالمربّى! – قال الجنود: قادتنا أمرونا بعدم معاملة الصوماليين كبشر وقتل النساء والأطفال!- وعفت عنهم المحكمة أيضاً 

680 سرمك 9

(الجنديان البلجيكيان اللذان قاما بشوي الطفل الصومالي حُكم عليهما بغرامة 200 جنيه والسجن شهر واحد!!)

- الإستعمار حالة إيجابية !!!

والكارثة الكبرى الآن تتمثل في إصرار الدول الغربية على أن هذه الإبادات هي خسائر ضرورية لكي تقوم الدول الاستعمارية الغربية بـ "تحضير" وتطوير وتحديث شعوب تلك البلدان المظلومة!!:

في عام 2005 فرنسا "المتحضّرة" تُصدر قانون تمجيد الاستعمار !!- إبادة الشعوب ليست شرّاً بل "تبادل ثقافات"!!- ويجب إدخال مدح الاستعمار في المناهج الدراسية

جرائم منظمة الجيش الفرنسي السري - تدشين نصب تذكاري يُمجد منظمة الجيش الفرنسي السري التي قتلت الآلاف من الجزائريين- وقانون فرنسي لتكريم الخونة والسفّاحين الذين تعاونوا مع المُحتل خلال الثورة الجزائرية

فرنسا: مزاد علني لبيع أدوات إعدام وتعذيب مجاهدي الجزائر ضد الاستعمار

هولوكوست المسلمين: الولايات المتحدة قتلت 6 – 8 ملايين مسلم لمكافحة الإرهاب! فهل قتل الإرهابيون مثل هذا العدد؟

وبالمناسبة فإن عدد ضحايا الإرهاب الفعليين الذين يُـتهم بقتلهم المسلمون هو (5) آلاف وبضمنهم ضحايا هجمات 11 أيلول "المفبركة" على أبراج التجارة في نيويورك والذين يبلغ عددهم (3) آلاف ضحية بينهم يهودي واحد – بسبب تبليغ الموظفين اليهود بعدم الدوام في يوم الهجمات مثلما بلفوا المواطنين اليهود الفرنسيين في باريس بعدم الخروج يوم الجمعة الذي وقعت فيه هجمات باريس الإرهابية الشهيرة - .

ويهمني القول بأنّ هذا الجهد الذي بذلتُه في تقديم هذه الموسوعة عن الإبادات البشرية الغربية التي يقترفها الغرب بحق الإنسانية خصوصا في العالم الثالث قد حفزني عليه عدد من العوامل في مقدمتها عاملان، الأوّل هو استمرار هذه المذابح ضد الإنسانية يقترفها الغرب كل لحظة وخصوصا تحت غطاء ذرائع مواجهة "الإرهاب الإسلامي" الذي خلقته وموّلته ودرّبت مقاتليه الدوائر الاستخبارية الغربية، والثاني هو اطلاعي على السلسلة المهمة (ثلاثة كتب) للمؤرخ الأستاذ "منير العكش" عن أمريكا والإبادات الجماعية والجنسية والثقافية. فله منّي التحية والتقدير.

عنوان الحلقة المقبلة هو:

صدّق أو لا تُصدّق:

يحتفظ متحف الإنسان الفرنسي بـ 18 ألف جمجمة من الشعوب المحتلة قطعوا رؤوس أصحابها؟- تم التعرّف على 32 منها لقادة جزائريين قُطعت رؤوسهم! – المحتلون الفرنسيون يقطعون رؤوس الجزائريين ويحتفظون بها في المتحف الفرنسي؟

 

الدكتور حسين سرمك حسن

14 – شباط / فبراير - 2019

 

جواد بشارةهناك في عالم الفيزياء والكوسمولوجيا مفاهيم تم التخلي عنها مع مرور الوقت وظهور نظريات جديدة،" مثل الأثير، واللون لوصف المادة على المستوى الذري وما دون الذري  وغيرها"، فلماذا لا يمكننا التخلي عن مفهوم الزمن؟

الإدراك الحدسي لمفهوم الزمن يبدو سهلاً تقبله، ولكن في واقع الأمر هناك سمات وخصائص  كثيرة تجعله مركباً ومعقداً تجعل من المستحيل سبر ماهيته تقريباً. فبنية وتركيبة الزمن " خطية" أي كالخط المستقيم، وكل نقطة على الخط تمثل لحظة. وكذلك فإن هذا الخط  المستقيم " الزمني" موجه أو ذو اتجاه، فالماضي مختلف عن المستقبل . لذلك فإن هذا الخط الزمني المستقيم يتضمن لحظة هي غاية في الخصوصية ألا وهي " الحاضر" الذي يفصل بين الماضي والمستقبل، وبالتالي فهو بمعنى من المعاني، يمكن اعتباره الوحيد واقعياً أو حقيقياً لأننا نعيشه. إلى ذلك نضيف أن الزمن مفهوم قابل للقياس والحساب بالثواني والدقائق والساعات والأيام والأسابيع والشهور والسنين والقرون الخ، وهو إلى جانب ذلك شمولي أو كوني فهو ذاته في كل مكان، وأخيراً وليس آخراً، الزمن " يمر أو يجري أو يتدفق" حتى لو لم يحدث شيء أو لا يتحرك شيء يقرن به كما يعتقد غالبية البشر. فللزمن واقعه الخاص المنفصل عن واقع محيطه والمكان الذي يحتويه، ومستقلاً عن تعقيدات الأحداث التي تتعاقب عبره . يمكننا من خلال هذه الخواص والسمات إعطاء " صورة" قد تكون ساذجة، وذلك باعتبار الزمن  الكوني أو زمن الكون المرئي  بمثابة ضربة أو خفقة رقاص أو دقة لساعة كونية.

بيد أن تقدم العلوم والتكنولوجيا أظهرت أن العالم مختلف عما يبدو لنا فالعديد من المفاهيم التي كانت " بديهية" في وقت ما، كتسطح الأرض وثباتها أو سكونها لم يتم تثبيتها واستخدامها سوى لفترة محدد من التاريخ  الكوني. والحال يمكن أن يحدث نفس الشيء بالنسبة لمفهوم الزمن. فاليوم بتنا نعرف أن الزمن " ليس شمولياً و لا كونياً " فالمدة الزمنية لحدث ما تبدو  عموماً هي ذاتها  مع مختلف الأشخاص، والسبب الوحيد لهذا الاتساق  والتوافق هو أن ساعاتنا ليست دقيقة تماماً، فالساعات الذرية أثبتت لنا، وفق ما جاء في نظرية آينشتين في النسبية العامة، أن الزمن الذي تشير إليه الساعات الذرية أو النووية يعتمد على السرعة لكل شخص، وعلى موقع وارتفاع كل شخص، إلى جانب عوامل أخرى كشدة الجاذبية والتواجد بالقرب من ثقب أسود  والتنقل بسرعات عالية تقرب إلى سرعة الضوء الخ... فالزمن يختلف  من شخص لآخر حسب مكانه وحركته وسرعته وتحركه . وكلما تقدمنا في علم الفيزياء والكونيات تنتفي خصائص أخرى للزمن الحدسي وتفقد  علاقتها  وقيمتها . فالزمن النيوتني الثابت والمطلق يختلف  عن الزمن الآينشتيني النسبي والممتزج بالمكان. فلقد اكتشف آينشتين، قبل أكثر من قرن، أن الزمن لا " يجري أو يمر " بنفس الإيقاع بالنسبة لجميع المراقبين رغم افتقاده للأدوات التقنية المتطورة  والمفاهيم النظرية الحديثة في ذلك الوقت المبكر  في بدايات القرن العشرين، فلم يكن يمتلك في ذلك الوقت سوى الميكانيك النيوتني وتشخيصات غاليله  والكهرومغناطيسية لفراداي وماكسويل  وثقالة نيوتن في الجاذبية . وبالرغم من فعالية وصلاحية تلك النظريات إلا أنها كانت مبنية على مفاهيم متناقضة كتلك المتعلقة بسرعة الضوء، التي قال آينشتين أنها ثابتة  وليست متغيرة، لذلك كان لا بد من التوصل إلى مفاهيم جديدة تتجاوز تلك المفارقات أو التناقضات وبالتالي يجب إعادة النظر في الكثير من المفاهيم، بما فيها مفهومنا عن " الزمن" . واليوم نجد أنفسنا في وضع مشابه لما كان عليه الحال في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين . فلدينا اليوم نظريتان يشكلان دعامتي الفيزياء المعاصرة وهما فعالتان جداً ويتمتعان بمصداقية هائلة وعلى مدى أكثر من قرن، وأقصد بهما: الميكانيك الكمومي أو الكوانتي والنسبية العامة. لكنهما مبنيتان على مفاهيم تبدو متناقضة ومتنافرة ومتصارعة مما يدفعنا لمعاودة النظر في مفاهيمنا لصياغة خارطة مفاهيمية متجانسة ومقبولة . ولو أخذنا ما جاء في هاتين النظريتين معاً فإنهما ستشيران إلى أن جميع جوانب  المفهوم الساذج  للزمن ليست سوى خصائص محلية وجزئية للحالة الزمانية المرتبطة بحواسنا  وبخصوصية تجاربنا  ومحدودية معارفنا و|دراكنا. فالنسبية العامة علمتنا أنه لايمكن فصل الزمن عن نسيج متراكب ومتواصل ومرتبط مع المكان سماه آينشتين " الزمكان" وإن هذا الأخير هو عبارة عن كينونة ديناميكية أو كيان ديناميكي متحرك، وهنا يبرز لنا مفهوم جديد للزمن يختلف عما لدينا من فهم حدسي له . والحال أن الميكانيك الكمومي يكشف لنا كذلك أن " كل كينونة ديناميكية"، كالحقل الكهرومغناطيسي، هي أكثر تركيباً وتعقيداً من نسيج متصل  ومتداخل أو مندمج  ومتحرك، ولا يمكن وصف تجلياته إلا من خلال قوانين الاحتمالات وينتج عن ذلك أن الزمن، ليس شمولياً وكونياً كما بين لنا آينشتين، فحسب، بل و كذلك ليس متجها وجهة محددة، ويفقد بنيته الخطية وفق ما جاء في الميكانيك الكمومي أو الكوانتي.

يقول العالم الفيزيائي الإيطالي كارلو روفيللي أنه مقتنع تماماً أنه، من أجل التوصل إلى صياغة مفاهيمية للزمانية، للتحول  والتطور، بصورة تتوافق مع المكيانيك الكمومي أو الكوانتي و النسبية العامة، أي التي يمكن أن تنشيء لنا نظرية كمومية أو كوانتية للثاقلة théorie quantique de la gravitation، فإن أفضل طريق لذلك هو التخلي عن المفهوم الحدسي للزمن، بل وربما إلغاء مفهوم الزمن برمته من أدواتنا النظرية الفيزيائية والرياضياتية  ونعمل كما لو أنه غير موجود مثلما تخلينا عن الأثير، وعن مفهوم التزامنية في النسبية الخاصة. فالتحرر من مفهوم الزمن هو قرار ليس  أكثر راديكالية مما يبدو عليه . فالزمن ليس ضرورياً أو يتعذر الاستغناء عنه في الفيزياء . فما نحسبه أو نقيسه في الحقيقة  والواقع ليس الزمن على الإطلاق بل بضعة متغيرات فيزيائية تتغير مع الوقت، وليس الزمن الحقيقي، إن وجد مثل هذا الكيان.

 الزمن الحراري Le Temps Thermique

كيف يمكننا تصور عالم بدون زمن؟ يحتاج الأمر لثورة مفاهيمية وصياغة نظرية ثورية للعالم والفيزياء النظرية لإدراك ذلك، وإلا كيف يمكن أن نصف هذا التدفق  للوقت في حياتنا اليومية وينظمها؟ وإذا لم يكن يدير ويتحكم بالعالم على الصعيد الجوهري، فكيف وفي أية ظروف ينبثق " الزمن" الذي نعرفه؟ الجواب المبدئي يتمثل بتخيل وجود " الزمن الحراري" وهو مصطلح اقترحه سنة 1993 عالم الرياضيات الفرنسي آلان كون Alain Connes و كارلو روفيللي Carlo Rovelli  . ففي الفيزياء الكلاسيكية هناك وصف للتطور داخل الزمن لعدد متنوع من الأنظمة يمكن حصرها في فئتين أو مجموعتين وهما: المجموعة الميكانيكية والمجموعة الحرارية . في المجموعة الأولى لاتلعب السخونة والحرارة أي دور مهم كما هو الحال في حركة الكواكب أما في المجموعة الثانية فهي لأنظمة تتضمن تبادلات حرارية مهمة وتغيرات في درجات الحرارة مثل شمعة تحترق. وسواء في الميكانيك أو الثرموديناميك يستخدم الفيزيائيون معادلات تتضمن متغير " الزمن" ويدرسون كيف يتأرجح رقاص الساعة وكيف تستهلك شمعة تحترق نفسها على مدى زمني معين وفي الحالتين لدينا معادلات رياضياتية تصف هذا التطور ولكن هل هو نفس الزمن في الحالتين؟ الجواب بالنفي  لوجود اختلافات ملحوظة وملموسة. أهم ما نلمسه هو أن ظواهر المجموعة الأولى قابلة للعكس réversible  مثلما هي حالة فيلم معروض بالمقلوب أو بالعكس من النهاية للبداية في حين أن ظواهر المجموعة الثانية غير قابلة للعكوسية أو الانعكاس . 

إن هذا الاختلاف ينطوي على أهمية كبرى . فقد لوحظ أنه يمكن الاستغناء عن " متغير الزمن  variable temps  t" في معادلات الميكانيك لكن الأمر غير ممكن في معادلات الديناميكا الحرارية أو الثرموديناميك.  ففي هذا الأخيرة لايمكن استبدال الزمن بعملية جمع بين قيم مرصودة  الواحدة بالنسبة للأخرى . وهكذا فإن القانون الثاني للثرموديناميك  الذي ينوه إلى أن أنثروبي نظام ما منعزل لا يتزايد أبداً بمرور الوقت، وهي معادلة لايمكن تفسيرها من خلال نظام العلاقات، فالزمن الذي يظهر في المعادلات الثرموديناميكية يبدو أساسياً وضرورياً لوصف العالم الذي نشاهده ونرصده. وبالتالي اقتضى الأمر أن ندخل مفهومين مختلفين للزمن وهما " الزمن الميكانيكي  و الزمن الحراري . وإذا أمكننا التخلي عن " الزمن الميكانيكي" le temps mécanique لكي نفهم العالم، فإن " الزمن الحراري le temps thermique يبدو لنا أساسياً وجوهرياً وقد يكون القيمة الفيزيائية الحقيقية التي تشكل أصل فهمنا الحدسي للزمن. فعندما نفكر بالزمن نقرنه بعدد من الخواص التي تعود بالأصل إلى الثرموديناميك، وبالتالي عندما نبحث عن المفهوم الحدسي للزمن انطلاقاً من نظرية جوهرية تخلو من الزمن، يتعين علينا في هذه الحالة الالتفات نحو الثرموديناميك. فقوانين هذا الأخير ترتبط بحقيقة أننا نجهل آلية التفاصيل لكل جزء من مكونات النظام الذي نشتغل عليه كالغاز والحرارة فهذه الأخيرة على سبيل المثال ناجمة عن تهيج عشوائي للذرات والجزئيات التكوينية وهي تهيجات يستحيل علينا رصدها أو مشاهدتها ومعرفتها بالتفصيل. فجهلنا بالتفاصيل الميكروسكوبية يقودنا إلى وصف الغاز موضوع الدراسة، على نحو تقريبي  واحتمالي وإن هذا الوصف التقريبي يقود إلى الثرموديناميك. وهذه الفرضية  الراديكالية تعرف بإسم " فرضية الزمن الثرمودينامي hypothèse du temps thermique" وقد تمت صياغة هذه الفكرة رياضياتياً في إطار الفيزياء الكمومية أو الكوانتية . وهذه الخطوة مستلهمة  من الوصف الاحتمالي لحالة نظام في الفيزياء الستاتيكية الإحصائية .

يتبع

 

د. جواد بشارة

 

إنسانية الطب: رغم التطور الحاصل في الطب، في الوقاية والتشخيص والعلاج، إلا أننا حين نتعامل مع أطباء اليوم، نجد أن سؤالاً مشروعاً يفرض نفسه علينا: هل أن ذلك التطور في التقنية الطبية يصاحبه تطور في إنسانية العلاقة بين الطبيب والمريض؟

يمكننا القول بأن هذه العلاقة هي على المحك أكثر في إطار ممارسة الطب النفسي عما في سواه من بقية الإختصاصات. ففي هذا التخصص تكون عادة الأمراض مزمنة، فتتكرر اللقاءات بين المريض والطبيب، وتجري في الجلسات تلك مناقشة أمور خاصة في حياة المريض، وهو الشيء الذي يضيف عمقاً إضافياً يندر أن نجده في بقية التخصصات الطبية.

وهذه هي إحدى الأسباب التي فرضت على من كان يختار مهنة الطبيب النفسي في بدايات القرن العشرين، أن يتم تحليله نفسياً هو قبل كل شيء، وذلك لكي تزداد بصيرته بنفسه أولاً، ولكي يصير أكثر عمقاً وصدقاً، مع نفسه أولاً، وبالتالي مع الآخرين.

تغير الطب النفسي كثيراً بعد إكتشاف الأدوية النفسية في الخمسينات من القرن العشرين، وصار أقرب للطب العام، ولا يخفى أنه فقد بعض ذلك الثراء والعمق الفلسفي الذي كان يمتاز به قبل ذلك.

بالطبع فإن المريض يستفاد أكثر من الطبيب النفسي الذي يجيد وصف الدواء المناسب، أكثر من إستفادته من طبيب الذي يبقى يتفلسف له حول أسباب المرض، وقد لا يصف له حلاً عملياً، لكن ألا يمكن أن نبقي على شيئاً من العمق الإنساني في زمن الأدوية هذا؟

الطبيب النفسي (ميدارد بوس Medard Boss)

لتسليط الضوء قليلاً على تلك الفترة التي كان ربما فيها الطب النفسي أكثر غنى بالمعاني الفلسفية وأكثر عمقاً دعونا نتحدث عن أحد الأطباء النفسيين الذي قد يكون غير معروف لدينا في العالم العربي، وهو (ميدارد بوس Medard Boss). لقد تدرب على الطب النفسي في مدينة (بورغولزلي Burghölzli) على مقربة من الدكتور (بلولرBleuler) الأب، وبلولر الإبن، ثم بدأ في تحليله فرويد، وأكملت التحليل (كارين هورناي) في برلين. ثم استفاد من تعليم (فلهيلم رايش) حين كان طالباً عنده إلى جانب كل من (هانز ساخت)، و(أوتو فينيخل)، وإيرنست جونز. ثم شارك في حلقات دراسية استمرت عشر سنين إلى جانب كارل غوستاف يونج. ولا يخفى على متتبع علم النفس والطب النفسي دور كل من هذه الأسماء في التأريخ. ألا تثير سيرته الغيرة؟

حين صار (ميدارد بوس) بدوره طبيباً نفسياً أستاذاً وتسلم مسؤولية تدريب طلاباً في النفسي في سويسرا، يبدو أنه أحس أن عليه أن يحسسهم بعمق هذا التخصص، وأن « يزعزع ذلك الثقل في رؤاهم »، كما سنقرأ بعد قليل تعبيره ذلك، وسيلجأ في ذلك لأحد فلاسفة عصره الأهم، مارتن هاديجر. فلماذا هايديجر؟

لماذا هيديجر؟

رغم أنه كان معروفاً بحبه للبساطة في حياته اليومية، يعد مارتن هاديجر أكثر فلاسفة ألمانيا العصيون على الفهم، فهو يستخدم، مثلما فعل في كتابه (الوجود والزمن)، الكلمات مركب يصعب ترجمتها، مثل كلمة (دازاين Das sein) تلك، التي جرت ترجمتها للفرنسية إلى (الحقيقة الانسانية réalité humaine)، ثم ترجمها سارتر إلى كلمة (الوجود existance).

ويمكن تبسيط فلسفة هيديجر بأننا في زحمة يومنا العادي ننسى أن نتأمل وجودنا، ولا نرجع لذلك التأمل إلا ربما حين نمرض، فنأخذ اجازة من عملنا ونبقى وحيدين في السرير فنرجع للتساؤل وللتعجب من كينونة الأشياء. و بأننا نهرب من مواجهة (العدم) او اللاشيء، وننسى ان نتحرر من الآراء المسبقة والصلبة تلك التي تسود في محيطنا الإجتماعي الذي نرمى فيه في بداية حياتنا. وتحت ضغط تلك الآراء لا نصير ذاتنا، بل نصير تلك الشخصيات التي تريدها لنا هذه المدن الكبيرة، تلك التي كان يتجنبها هيديجر حيث كان يعيش في الريف كارهاً للتلفاز وللضجيج. وأخيراً إن علينا أن لا نصير ما نحن عليه لكي يرضى علينا الآخرين، بل علينا أن نرتفع فوق ذلك لنصير أصلاء.

أعجب (ميدارد بوس) في كتاب (الوجود والزمان) لهيديجر، ويبدو أنه أحس بأن عند هيديجر شيئاً يقدمه لطلاب الطب النفسي، يجعلهم أكثر عمقاً، فراسله طالباً منه إعطاء محاضرات لهم، فوافق هيديجر رغم أنه أجاب بكل صدق وتواضع بأن هذه المحاضرات لن تحوي على تفاصيل متخصصة في الطب النفسي، فربما لم يكن يريد تحميل ما يقوله اكثر من حجمه.

زعزعة الثقل في رؤاهم

أستمرت محاضرات هيديجر لطلاب الطب النفسي عشر سنين، وفي نهايتها، عام ١٩٦٩، كتب ميدارد بوس رسالة لهيديجر يشكره فيها نقرأ منها:

(إن تلك الفكرة المشتركة التي كنا يتشاركها كلّ منا، المتمثلة في إقامة المحاضرات مشتركة في زيورخ، كانت قد ولدت من رغبتك أنت في تقديم المساعدة عن طريق طرح افكارك الفلسفية للكثير من الأشخاص الذين يعانون مثلي من تلك الحاجة للدعم القوي للعلوم الطبية. لقد مرت أكثر من عشر سنين على بداية هذه الاجتماعات. ولم تحجم أنت أبداً عن ذلك الثقل المتمثل في الحلول ضيفاً عليّ، مرةَ أو مرتان أو ثلاث مرات في كل فصل دراسي، لكي تجلب لمن هم الأفضل من بين طلابي ومن بين زملائي في العمل، قرباً هو حقاً كبير، وفكراً جوهرياً، وهو الشيء الذي لم يكونوا كأطباء نفسيين متحضرين له، هم المتدربين من طرف واحد، وهو طرف العلوم الطبيعية. إن شلة من الأطباء الشبان السويسريين، بالإضافة إلى مشاركين سابقين في المحاضرات السابقة كانوا قد قدموا من الخارج، هم اليوم  جميعاً يكنون الإمتنان العميق لذلك الصبر الذي كنت دوماً تبديه لكي تزعزع ذلك الثقل في رؤاهم التي ضيق عليها الغماء. الشيء الملموس حقاً في دائرة الأطباء النفسيين والمعالجين النفسيين من زيورخ الذين شملتهم محاضراتك هي تلك الطريقة الحتمية والمستديمة التي قامت بها نشاطاتك وتعليماتك بالتأثير على طريقة وشكل ممارستهم الطبية ومنحتهم وجهاً اكثر أنسانية. »

ديمومة الدهشة

ورغم أن (بوس) كان يعتقد أن أفكار هيديجر يمكن أن تترجم إلى طريقة علاجية تستند إلى الفلسفة الوجودية إلا أنه اغلب اطباء النفس، حتى المتأثرين منهم بهيديجر وبالفلسفة الظاهراتية مثل (بنزفاجنر Binswanger)، قد كانوا حذرين من ترجمة الأفكار الفلسفية تلك إلى تطبيقات عملية في علاج الأمراض.

وغير واضح حقيقة اليوم إن كان هناك ترجمة عملية لتلك النظريات في العلاجات النفسية. نعم، إن الطبيب النفسي المطلع والمتأثر بتلك النظرية الوجودية سوف يصرح في وقت ما للمريض الذي يراجعه بذلك التبسيط لتلك النظرية، بضرورة صياغة وجودنا الأصيل، بضرورة التساؤل وعدم الهروب من الإجابات الغير مريحة. فهل ذلك يكفي لأن نسميه (طريقة علاجية)؟

ربما أكبر فرق بين الطبيب النفسي المتأثر بالفكر الوجودي عن غيره هو أصالته هو نفسه، وديمومة دهشته من العالم حوله، ومحاولته تحطيم الآراء المسبقة، وصدقه مع نفسه ومع الآخرين بأنه يجب أن لا يمنحوه حجماً أكبر مما تستحق وظيفته. تلك الوظيفة التي باتت اليوم مقتصرة في الكثير من أوجهها على وصف العلاج الدوائي المناسب، وهو الشيء الذي لم يعارضه على سبيل المثال حتى (بنزفانجر) فحين توفرت الأدوية النفسية في الخمسينات من القرن العشرين لم يعاديها بل رحب بها لما وجد فيها من فائدة للمريض ومن طريقة عملية، حتى ولو على حساب ما آمن به من النظريات الفلسفية التي تعمق فيها في فترة ما.

يبقى الطب النفسي في نهاية الأمر من أهم التخصصات الطبية لأنه في الصميم من تلك العلاقة الجدلية، علاقة النفس بالجسد، ويبقى الطبيب النفسي، في عصر الأدوية والبايولوجيا هذا، الذي يهدد بأن يختزل الإنسان إلى آلة أو حيوان، يملك مفاتيحاً ليفتح أبواباً من التساؤلات ومن المعاني، ويدعونا لعلاقات أكثر إنسانية، ولدهشة دائمة.

 

سامي عادل البدري

 

عماد عليلو عدنا قليلا الى ما قبل استيراد الفلسفة اليونانية الحقيقية والواقع الذي فرض التامل والتمعن العقلاني فيما يخص جوهر الفلسفة وثنايا وتلابيب تعقيداتها وكيفية العمل وفقها في التاريخ الاسلامي، اي ما حدث سياسيا واجتماعيا فيما بعد وفاة محمد رسول الاسلام وبُرز الصراع السياسي وفقا للمصلحة الدنيوية بشكل واضح وجلي وما احدث من الخلافات الداخلية بين المسلمين حول خليفة الرسول وما وصلتنا من المؤلفات حول ذلك والتي سمي بقضية الامامة لحين اندلاع الحروب الاهلية الداخلية بين المسلمين انفسهم وانقسامهم على الجبهات السياسية المخالفة وغير المنسجمة مع بعضها (انبثاق الخوارج، الشيعة، السنة، المعتزلة) وما افرز من الافكار والمواضيع المهمة والحساسة من حكم على المسلم الكافر او من هو مرتكب الخطيئة الكبرى الى موضوع القضاء والقدر مع الاسئلة المطروحة حول القضايا المعقدة الشائكة حسب الفقه والحساب والقياس. وكان السبب الرئيسي لكل ذلك هو الاستناد على العقل موازيا النقل لاثبات الذات ورد المناوئين لهم من جميع الجوانب. بمعنى اخر، الفترة التي تم فيها صمت النصوص المقدسة امام العيديد من الاسئلة الدينية وغير الدينية، مما حدا بالمسلمين الى استنطاق النصوص كي ينتجو به الاجوبة ، اي الاجتهاد في العمل الديني، والذي هو من حيث المصطلح عبارة عن استعمال العقل في فهم القرار والحكم الذي ليس لدى النقل اية مقولة واضحة وصريحة حوله، هذه المواضيع التي تراكمت بمرور الوقت كانت نتيجة المنتجات الكثيرة والمنقولة او المستوردة وكان الى حدما اثر ازدياد الصراعات الداخلية وتطور المجتمعات بنسبة معينة. ويمكن تسمية هذا العصر بعصر الكتابة ويعتبر المرحلة الثانية من تنمية الفكر الاسلامي مقارنة مع المرحلة الاولى من الفكر المستند على اساس الايمان، اي مرحلة تجلي وسيطرة الخطاب القرئاني على المجتمع او بالاحرى على قبائل شبه الجزيرة العربية.

من هنا وبسبب توسع الصراعات الداخلية وامتزاج الاثنيات والاجناس الدينية الاجنبية مع هذه البيئة وازدياد الحوارات، ففرضت الفلسفة نفسها كضرورة ملحة للمشاركة في صورة واطار الشكل اليوناني المعروف في الحضارة الاسلامية التي مهدت لها الارضية السياسية قبل الفلسفية. بمجيء الفلسفة الاسلامية فسحت الفرصة لعودة العقل ذاته الى الفكر الاجنبي والامم البعيدة كما قال كندي؛ انه حاول ذلك كي يثري نفسه ويتمكن من التنقل من الحالة المحلية الى المستوى العالمي، لذلك، فان كان الفكر الاجنبي في البيئة الاسلامية مساعدا في ان يكون العقل الاسلامي اكثر نشاطا في ايجاد الاحوبة للقضايا الداخلية المحلية، وبسبب التعارف والاندماج الفكرالمحلي مع الافكار الاجنبية، فاصبحت الارضية متوفرة للحل المناسب والجديد لما طرح وواجه تلك الاسئلة والقضايا الفكرية الجديدة. في الوقت الذي كان كندي كاول فيلسوف اسلامي يدعم بشكل رئيسي ترجمة تلك المؤلفات والنتاجات ضمن رسالته الى المنصور الذي كان حاكما بين الاعوام ( 137 - 158 ه)، وحفزه كسلطة لدعم الترجمة ( بالاخص حكمة تلك الشعوب)، فانه كان يؤمن بها بشكل راسخ ويعتقد بانه يمكن بهذه الطريق ان ينجوا من المشاكل الفكرية، دون ان يدرك بان الفلسفة هي بذاتها حاملة للمشاكل والقضايا الفكرية الخاصة بها، وعلاوة على ذلك عند خلو الفلسفة من هذه الاسئلة فانها تسقط كفلسفة وتفقد قيمتها .

ان كان دعم الخلافة العباسية لعملية الترجمة حدث سياسي من اساسه، وكان الهدف الرئيسي هو بناء الخطاب الفكري الموحد والقوي الذي يفرض على الجميع التجمع حوله، ولكن سرعان ما تحول هذا التفلسف الفكري الاسلامي الى السبب العميق والمؤثر لهذه الخلافات. وكما قلنا فان الطبيعة الاعتيادية لاي عقل يريد ان يتفهم الحياة والدنيا عن طريق الفلسفة، اي طبيعة الاختلاف ووجود الفهم غير المنسجم مع البعض، وبهذه الاسباب وبالعوامل الاخرى فاننا نعلم بان الترجمة وظهور الفلسفة في الحضارة الاسلامية كان له التاثير اللامحدود والمستمر على الفكر الاسلامي بشكل عام، وحتى على اولئك الذين كانوا منذ بداية العملية مناوئين للفلسفة وو ترجمة تلك المؤلفات، ويسميهم الكندي في تلك الرسالة بتجار الدين.

كان للترجمة دور هام وتاثير على الجميع، فتاثير المؤلفات الفكرية الفلسفية التي تُرجمت لم يكن على المهتمين بها او من ترجمها فقط وانما على المناوئين لها ايضا، فاعتبروها كفرا فوقعوا بشكل غير مباشر تحت تاثيرها. بمعنى اخر، فمن لم تكن له علاقة وتواصل مع الفلسفة فان الفلسفة بذاتها اتصلت به. من جهة اخرى، مثلما كان تاثير الفلسفة بشكل مباشر وغير مباشر فانها من حيث الزمن امتد والى الابد، حسب ما كانت عليه المرحلة التي نفذت فيها عملية الترجمة وظهور الفكر الفلسفي فكانت متزامنا مع تدشين حجر الاساس للفلسفة وظهور كافة العلوم الاسلامية الاخرى، لذا لم يكن ظهور الفلسفة حدثا تكون له العلاقة المتلاصقة مع عصر ومرحلة معينة او تُختزل تاثيراتها بشكل ايجابي على الذين كانوا متواصلين معها ومتشاركين لها فقط وانما كانت ملامحها شمولية وواسعة ومؤثرة على الجميع وكانت ابعاد الفلسفة اليونانية من خلال الترجمة كاهم عنصرالذي فرضت نفسها ولها التاثير المباشر على هذه الحضارة والثقافة العامة للمجتمع.

كان التوجه الفلسفي للعقل الاسلامي قمة نشاط ذلك العقل وعظيم الاهتمام والتفسير للدين والحياة، وواجه مبكرا الخطاب النقلي والديني الجمودي باسناد ودعم السلطة الاسلامية، وفي النهاية وبعد صراع مرير كانت نتيجته اسقاط هذه العقلانية الفلسفية، وسيطرت العقلية المحلية في شكلها الارثوذوكسي، بداية كانت بطابعها الجنبلي ومن ثم الاشعري في القرن الثالث في المرحلة الثانية للخلافة العباسية وبعد ان توفر له حينئذ دعم السلطة السائدة . اي، هذا ما ادى الى اختلال في الامر وبدلا من الانفتاح على الفكر الانساني وترجمة المؤلفات الاجنبية والحوارات العقلانية وتعددية المذاهب، اصبحت الفتاوى والتكفير والتبديع والتحريم اللغة الثقافية المسيطرة على المجتمع الاسلامي. وبهذا الشكل يمكن ان نعتقد بان ظهور الفكر الفلسي لم تكن عملية فكرية عقلانية مجردة في الحضارة الاسلامية. انها لم تكن شيئا من نتاج النخبة الثقافية في عصرهم ولم تكن حدثا ثقافيا فقط وانما وبالدرجة الاولى كانت عملية سياسية ومن ضرورات السلطة العباسية في مرحلتها الاولى، وكان هذا من اجل بناء الخطاب السياسي العام الشمولي والقوي الذي كان الهدف منه ان يتمكن جمع الجميع حوله داخليا ويمحي التشرذم وايضا يتمكن من الناحية الفكرية على المستوى الخارجي مواجهة المناوئين له. وهذا لا يعني ابدا تهميش دور النخبة من اهل الكلام الاسلامي في هذه العملية او الرغبة الشخصية للخليفة مامون للعلم والفكر الجديد في البيئة الاسلامية مثلا، وكانت هذه العملية اكبر من الرغبة ونية والارادة الصفية اللاتاريخية. مثلما كما سارت الامورعلى العكس، فان سيطرة الخطاب الارثوذوكسي الاسلامي في بدايته وبشكله الحنبلي في عصر المتوكل وما اصر على منعه لاي نوع من النشاطات الفلسفية والكلامية او بشكلها الاشعري الى ان نصل الى الامام الغزالي وكتابه الشهير في تكفير الفلاسفة.

كل هذه لم تكن عملا او فعلا دينيا مجردا ولكن كان لها علاقة عميقة بضرورات واحتياجات السياسة والسلطة العباسية الى الخطاب الذي كانت الارادة الدنيوية والتاريخية مختفية وراءها. عندما نلتفت الى الفكر الاسلامي من المنظور التاريخي والدنيوي، فان مقولة ننيتشة تكون قائمة امامنا وهي تنطق قائلة (الذي اصبح لديكم الهيا، فانه انساني دون اي حد). ما اُستقبل دينيا واصبح مقدسا ضمن هذه الثقافة وطُرح سماويا، فان اكثريته دنيوي وانساني وارضي. لذا العودة الى البدايات، اي الى العصر الذي ظهر فيه الخطاب الفقهي والعقائدي الديني ليس بشيء يمكن ان يدخل خانة رواية الحكايات ومجموعة من الحوادث التاريخية التي لم تكن لها علاقة بوقتنا الحاضر، ولكنها لها علاقة مباشرة وكحاجة وضرورة علمية عقلية لرؤية الجانب اللاالهي لهذه الثقافة الانسانية.

 وعليه يمكننا ان نؤكد على خمود وافول الفلسفة الاسلامية قبل تجليها كما هو عنوان الكتاب، ويمكن ان تؤخذ بنظر الاعتبار مجموعة من الملاحظات ومنها؛ الهدف والمقصود بالفلسفة الاسلامية وباعتبارها جمع تلك الحوارات الفكرية المستندة على العقل كأرث للشعوب الاخرى وتجلت تحت تاثير الوعي التاريخي وكانت محاولة لكشف المعنى والدلالات الجديدة للمسائل المهمة من خارج مقولات النصوص المقدسة وثقافة هذه النصوص. سواء التي لها علاقة باللاهوت والماوراء الطبيعة الاسلاموية او ما لها العلاقة بالمسائل الدنيوية الاخرى. ان كنا قد القينا الضوء على الفلسفة الاسلامية التي لها اساس يوناني وتطورت على ايدي المترجمين والفلاسفة غير العرب في هذه الحضارة، وبالاخص الشعوب الايرانية، ولكننا في نفس الوقت ننوي ان نبين من هذه الطريق وان كان بشكل مختصرجمع النشاطات الفكرية في البيئة الاسلامية كجزء غير منقطع عن النشطات الدنيوية، كي نرى بهذه الطريقة طبيعة وخصوصية وتطور هذا الفكر حتى عصر السقوط والخمود والافول. الحقيقة الثانية فيما نقصده من التجلي والخمود والافول لا يعني ان هذا الفعل طبيعي واعتيادي وحدث عقلاني وفكري مجرد ومتواضع ومؤثر ولكن على العكس تماما كثيرا ما تكون هذه العملية من جانبيها عمل سياسي واصطناعي وكانت يستنده القرار السياسي. لذا على القدر ما هي تجلي وهي اظهار الامر وطرحه ومن ثم خموده وافوله وسسقوطه. اما الملاحظة الثالثة التي لها العلاقة مع العنوان، وهو عندما نقول بانه كان الافول الفلسفة في القرنين الخامس والسادس الهجري لم نقصد به الموت النهائي للعملية والموضوع ولكن هي سقوط ووقوع وفقدان طبيعة الترجل والقيام وبمعنى ان تكون صاحبة الهوية والابداع كما كانت ابان القرنين الثاني والثالث بشكل خاص. بعدما تعرضت الفلسفة الاسلامية للضربات المتسلسلة من قبل الرجال الدين التقليديين والسلطة السياسية وكانت النتحية انحراف الفلسفة وتفرغت من طاقة سيرورتها واسقطت في النهاية.

ان كنا نريد ان نقارن هذه الصورة بما يفعله الانسان وهو يحاول الوصول الى هدف ما وقطع الطريق له نحو الامام، فاننا يمكن ان ندعي بان بداية ظهور الفلسفة الاسلامية كانت عند النصف الثاني للقرن الاول والقرن الثاني كانت هرولة، وبعدها بسبب العوائق او العراقيل التي واجهتها في القرن الرابع ومن ثم اصبحت تحت زخم الضربات الصارمة للخطاب الفقهي والسلطة السياسية فانها اصبحت تسير متعرجة، الى انها في القرن السادس وبمجيء الغزالي والمدرسة النظامية ابان سلطة العباسيين فانها اُفلت او سُقطت . مع هذا السقوط والخمود وان كان جسد الفلسفة الاسلامية جاثمة على صدرها، فانه كان بين فينة وا خرى، وبما كان يحمل من مقومات الحركة، فانه يحاول الحركة من اجل ان لا يقف ويثبط بشكل نهائي. الى ان ظهر ابن تيمية في القرن الثامن وسقطت الخلافة الاسلامية على ايدي المغول، فانها توقفت على الحركة نهائيا كفلسفة ونشاطات عقلية اسلامية حرة . وعوضا عن ذلك اختزل العقل الاسلامي في ترديد وتكرار الخطاب الفقهي السلفي. في هذه العملية الطويلة والمعقدة، وان وقعت الفلسفة على عقبها ولكن عصارة الثقافة الاسلامية وحتى الجانب اللافلسفي واللاعقلاني اصيبت بتاثيرات الفلسفة ذاتها. وهذا ما ادى الى ان نقول ان النهاية الماساوية للفلسفة وسقوطها في الحضارة الاسلامية لم ولن تفرض ان تكون نهاية تاثيراتها وافرازاتها. ومن هنا يجب ان نقول بانه عندما نريد ان نفهم الخطوط العامة لتاثير وحظور الفكر الفلسفوي الاجنبي في الحضارة الاسلامية سيبقى فهمنا للفكر العرفاني الاسلامي بشكل عام مشوها ومعقدا.

ومن هذا المنظور يمكن القول بان هناك ثلاث بيئات وارضيات التي نمت فيها الثقافة الاسلامية كما تكلم عنها الاكاديمي والمختص في الفكر الاسلامي بشكل عام الدكتور ابراهيم مدكور، واولها؛ بيئة اهل الكلام الشيعي والسني، من امثال المعتزلة والزيدية وبعض من الاشعرية. البيئة الثانية وهي فلسفية مجردة . والثالثة بيئة اهل التصوف، وهي التي تمكنت من الحفاظ على الفلسفة بعدما همشتها الناس عندما هاجمتها اعدائها، وعليه ولهذا السبب، عاشت الفلسفة مدة طويلة في حضن التصوف كما عاشت مدة اخرى في حضن اهل الكلام.(1).

 وبهذا المعنى فانه يُعتبر التفهم من اللغة والفكر العرفاني محاوله للمرور من خلال محاولة فهم اللغة والفكر الفلسفي. وان وقف هذان الاتجاهان على النقيض وهما مخالفان مع البعض ولكن في الكثير من محطاتهما يمتزجان مع بعضهما، وا ية محاولة لفكهما بشفرة حادة ربما تؤدي الى جرحهما معا. ولهذا السبب فان الفارابي كمستهل حقيقي للفلسفة الاسلامية كثيرا يظهر نفسه كمتصوف، بينما ابن العربي كما كان في قمة تطور التصوف الاسلامي عند بعض الباحثين، فهو يُقدم على انه فيلسوف وليس بعرفاني.

كما قلنا من قبل فان الثقافة الاسلامية من الوجهة المعرفية والابستمولوجية، تنقسم على الاقل الى ثلاث مستويات رئيسية كما سماها الجابري (البرهان والبيان والعرفان). ونحن اسمينا المدرسة الاولى بالمدرسة العقلانية والثانية بالمدرسة النقلانية والثالثة بالمدرسة العرفانية. الخطا الاكبر في هذا التصنيف للثقافة العقلانية الاسلامية (الى جانب العديد من الاخطاء المنهجية والتاريخية والفكرية) انه يعتقد بانه هناك تقاطع وانفصال نهائي بين هذه المستويات، في الوقت يتكشف لدينا وعن طريق القراءات النقدية لمشروع الجابري (بالاخص من قبل جورج طرابيشي) تلك الحقيقة وهي ان هذه المدارس الثلاث كلما كانت مخالفة وحتى اضدادا مع البعض ولكن سيلتقون مع البعض في العديد من الوجهات، ولكل منهم تاثيره الكبير والعميق على الاخر. ومن هذا المنظور والمرصد، لفهم العرفان الاسلامي ولغته وفكره وتوجهه، نحتاج كثيرا الى تفهم طبيعة الفلسفة في فضاء الفكر الاسلامي، كما هو الحال عندما نكون بعيدين عن فهم المدرسة العقلية سيكون هذا العمل ناقصا وسيخرج معوجا . وهذا لا يعني ابدا بان التصوف الاسلامي ليس صاحب هوية وخصوصية به، ولكن يكون هذا بمعنى؛ ان الاتجاه الديني والاتجاه الفكري له هو امتداد وتعمق الحوار الميتفايزيقي واللاهوتي خلال الحضارة الاسلامية. لذا هذا ليس بصدفة ان يكون تجلي الفكر التصوفي الاسلامي متزامنا وهو متوازي في المكان ذاته مع ظهور الفلسفة في الحضارة ذاتها( يعني العراق في القرن الثاني والثالث). لا يعني كلامنا هذا بان هذا الكتاب هو باب للتصوف الاسلامي فقط ولكنه باب للفلسفة الاسلامية ومحاولة لفهم الزخم الفلسفي الاسلامي، وفي الحقيقة هو محاولة لفهم الزخم الفكري الاسلامي بشكل عام، لانه وكما نعلم بانه الفكر العرفاني الاسلامي وعلى الاقل منذ بايزيد البسطامي في القرن الثاني الهجري مرتبط بشدة مع الفلسفة الاسلامية في القرون الوسطى. مع ذلك، هذا الكتاب نتاج مستقل، وفي هذة الوجهة، فانه محاولة لاظهار بدايات الحوارات الخارجية والمحلية وطبيعة تلك الحوارات وتاثيراتها الخارجية والداخلية منذ توسعه وتعمقه حتى تضييقه وبهاتته.

 

عماد علي

 

عماد عليلم يشغلني شيء طوال مطالعاتي واطلاعاتي اكثر من الفلسفة والاسئلة العفوية والتامل العميق في كينونة الحياة. واذا كان من الممكن ان ندعي وجود الفلسفة في المجتمع الاسلامي باسم الفلسفة الاسلامية كما تُنطق مجازا اكثر من المعني في جوهره اساسا. وعليه، واخيرا وجدت ان اجيب بما اقدر عليه وبشكل حيادي بعيدا عن خلفيتي الفكرية الفلسفية والاثنية عن الاسئلة المتزايدة يوما بعد اخر في ذهني واعتقد في اذهان الكثيرين من المهتمين بالفلسفة الاسلامية بشكل خاص ايضا وفي مقدمتها السؤال، هل حقا هناك فلسفة اسلامية حقيقية قبل اي شىء، وهل يمكن ان نعتقد بانها اي الفلسفة انبثقت في المجتمع الاسلامي بعيدا عن استخدامها وجوهرها من اجل اهداف اخرى وما يمكن ان نسميها الفلسفة المجردة كفلسفة بذاتها وبهدفها الخاص ولم تنبثق لما تطلبتها ادعاءات الصراعات السياسية واستعمالها كآلية جاهزة لنفي الاخر ومنعه من التقدم او عرقلة بيان موقفه واسقاطه فكريا قبل تقدمه بخطوة واحدة او انتشاره اصلا؟

فوجدت ان الفلسفة في المجتمع الاسلامي او ما يمكن ان نسميه الحضارة الاسلامية اصبحت ضحية الصراعات المختلفة والسياسية بشكل خاص والمستوى المتدني للثقافة العامة للمجتمع في مراحل نشر الدين الاسلامي وفقدان دور النخبة المتميزة وضمورهم اساسا او تذمرهم من السلطة الجائرة وتقييد حريتهم في اكثر المراحل الاسلامية حكما عبر التاريخ.

و ما دعاني الى هذه الكتابة هو اعتقادي بان اية محاولة وان كانت ضئيلة لفهم الفكر والفلسفة الاسلامية من اية ناحية كانت العقلانية والتقلانية والعرفانية تضطرك الى العودة مجبرا الى التاريخ الطويل لتجلي وتنمية وتوسع الفكر الاسلامي بشكل عام في تلك المراحل، وبالاخص العودة الى مرحلة بدايات القرن الثاني الى نهايات القرن الرابع الهجري التي تميزت بانبثاق ما يمكن ان نسميه مجازا الفلسفة الاسلامية، وهي المرحلة الذهبية للتاريخ والفكر الاسلامي. لكونها المرحلة التي يمكن ان نعتبرها قد تجلت فيها ما سميت بالفلسفة الاسلامية والفكر الاسلامي والثقافة الدينية وكُتبت تلك العلوم الاساسية واُعتبرت اساسا للمراحل الاخرى التالية لها. لم تكن تلك المرحلة نهاية التفكير والتوجهات الشفهية فقط وانما اعتبرت بداية لتدوين العلوم في الثقافة الاسلامية وكذلك تاسيس وتدوين العقل الاسلامي بتوجهاته الرئيسية الثلاث. وهذا لا يعني ان العلم والفكر الاسلامي قد توقف عن التنمية والتطور فيما بعد وانما بمعنى اخر ان البنية الرئيسية للعقل الاسلامي واسسه العامة واطره الفكرية قد اثبتت بشكل قوي في هذا العصرنتيجة ما تلاقته من الدعم المميز من سلطة تلك المراحل من جهة والصراع المنضبط بشكل واخر فيها.

رغم ذلك الا اننا لا نعتقد بان الفسفة الاسلامية قد انبثقت بشكلها العلمي المعروف ولكنها الى جانب ذلك ما يفرض نفسه ان نقول انه انبثقت ارضية مناسبة لظهورها وتاسيسها وتطورها من خلال توريد الافكار والتوجهات الفلسفية ودمجها مع الواقع الموجود في حينه، ولكنها ورغم الارضية والدعم انها واجهت عراقيل وعقبات كثيرة مما اجبرتها على الخنوع والخضوع للامر الواقع واوقفتها ومن ثم اسقطتها واماتتها وهي لا تزال في رحم التاريخ. وكل عملية فكرية مابعد تلك المرحلة لم تكن غير الدوران في تلك الدائرة التي كونتها الصراعات السياسية قبل الفكرية والفلسفية بشكل عام، وكلما تعمقت واهتم بها الكثيرون فاصبحوا مضطرين الى العودة الى تلك المرحلة لبيان اساسها وصحتها وحقيقتها، وهو العصر الذي اُعتبر بداية تعرف المسلمين على الاسس العامة للفسفة والكتابات الاجنبية وبداية مرحلة عملية الترجمة بشكل واسع الى اللغة العربية التي كانت اللغة الرسمية للفكر الاسلامي بما احتوت العديد من المصطلحات والمفاهيم والمعطيات الاجنبية التي كانت هذه اللغة قد تعرفت عليها من قبل، او كما يقول الاخرون لم يكن في ثنايا اللغة العربية تلك المصطلحات والمفاهيم الخاصة بالفلسفة الا بعد عملية الترجمة ونقل فحوى ما انبثقت في الحضارة اليونانية وتسملتها الفلسفة العربية وامتزجت بها واكثرها بشكل مشوه ايضا لانها اجبلت في بيئة اسلامية غير مشجعة على الاستقبال لتلك المفاهيم بشكل علمي وصحيح.

وهذا،اي عملية انبثاق الفلسفة باي حال كانت، ان كانت بدوافع خاصة مبنية على صراعات سياسية الا انها مع ايجابياتها المتعددة دفعت الى افراز سلبيات جمة معاكسة للتوجه الفلسفي الصحيح، وهو ما سبب في تعمق العملية الدينية وخلط الفلسفة بالمباديء الدينية ويمكن ان ندعي بان نتيجة ذلك اُنشات مدارس ومذاهب وتوجهات عدة كرد فعل لما استوردت من الفلسفات الاجنبية وبالاخص من اليونانية. وكان دعم العصر العباسي وفي مراحله الاولى وبالاخص ابان حكم المامون للتعرف على ما كان موجودا في بلاد الاغريق وترجمة منتوجاتهم الفكرية والانسانية له الاثر الاكبر، وان كانت تلك العملية من اجل اهداف سياسية بحتة كما يعتقد الكثير من المتخصصين والمتفقين على انها كانت ضد الفكر والتوجه والاداعاءات والنتاجات الغنوصية الباطنية في تلك المرحلة. وعلى الرغم من ذلك الا انها كانت بداية انبثاق مرحلة جديدة وشيئا ما انقطاعا بين الفكر الديني المحلي المغلق على نفسه وتحولهاالى التوجهات الجديدة من الفكر المنفتح والمركب والمتاثر بافكار الاثنيات والثقافات المختلفة.

 

عماد علي

 

سألني: ما هو الحب؟

فأجبتُ: ستعرفه عندما تضيع فيه، فالأفلاك التي تدور في سماواتها انما تحركها أمواج الحب، ولولا الحب لكانت كالجليد تتجمد، وتمضي الأفلاك في مداراتها لأن عرش الله يغمرها بانعكاسات الحب. (وكل في فلك يسبحون) (الصوفي جلال الدين الرومي).

وفي موضع آخر يتحدث الرومي عن الحب قائلا: سوف أخبرك كيف خلق الله الإنسان من طين؟

ذلك أنه جل جلاله نفخ في الطين أنفاس الحب!

(د. صهباء محمد بندق.الحب كيف نفهمه وكيف نمارسه. القاهرة: دار السلام ، الطبعة الأولى، 2006، ص15).

هذا تعريف المتصوفة للحب.

بهذا المعنى الربوي الفيّاض للحب، الذي غمر الكون كله بما فيه؛ سماءه وما حوت، وأرضه وما أقلّت أستفتح حديثي عن الحب. الحب تجلى في السماء أولاً، ثم في الأرض ثانياً.

الحب موسيقى عزفت في أرجاء الكون، فالشمس بضوئِها احتضنت السماء والأرض. الأرض تعكس أمواج الحب بألوانِها المختلفة، خرير الماء، هدير الشلالات، حفيف الشجر، نسمات الهواء، صوت الرعد ، مشاهد البرق، نزول المطر، وهطول الثلوج، أنس الحيوانات مع بعضها البعض وأصواتها، كلها تعزف موسيقى حبِها، وحبِّ وتعظيمِ خالقها (كل قد علم صلاته وتسبيحه...) (وإن من شيء الاّ يسبح بحمده ولكن لاتفقهون تسبيحَهم).

الحب كلمة كبيرة مثقلة بمعانٍ متعددة بتعدد جزئيات الكون، ولا يمكن حصره في معنى واحد أو نوع واحد، وعلى حد تعبير أدمون روستان(الشمس يتجزّأ نورها وتبقى كُلّاً ... مثل المحبة). نعم هذا أبلغ تعبير عن أنواع وأصناف الحب التي لا حدود لها، فالحب متكثّر بتكثّر ما تكرّمت به يد الخالق البارئ في الكون وما ضمّ واكتنز.

ويعّرفه ابن القيم بقوله: (معاني الحب لا تعلم حقيقتها الاّ بذوقها ووجودها..وفرق بين الذوق والوجود.. وبين التصور والعلم، والحدود والرسوم التي قيلت في المحبة صحيحة غير وافية بحقيقتها... بل هي إشارات وعلامات وتنبيهات)(د. صهباء، ص25).

يعّرفه عالم النفس الألماني إريك فروم بأنه (قوة تنبعث بين اثنين، فإذا حدث لإثنين مغتربين شأننا جميعا أن سمحا فجأة للحائط بينهما أن يسقط، وشعرا بأنهما أصبحا شخصاً واحداً، فإن هذه اللحظة الخاصة، والحميمة من الشعور بالتوحد هي من أشد التجارب في الحياة بعثا للبهجة، والتوهج بالسعادة، فليس الحب حالة سلبية بل هو حالة ايجابية)(د. صهباء.ص28).

لا أريد التفصيل أكثر بمعنى الحب، أكتفي بتعريف جلال الدين الرومي للحب في أول الحديث، وأتبنّاهُ؛ لا لكون قائله رجلاً صوفياً إنما للمعنى الوافي الذي فسّر فيه الحب، فضلاً عن ميلي الشديد لأفكار المتصوفة نظريا لا عمليا.

على ماذا يرتكز الحب؟

للحب على الأرض ألوان عديدة لا حصر لها منها: حب الله ، الحب الإلهي(الصوفي) ، حب أنبياء الله، وأولياء الله، حب الأخيار والصالحين، حب الوالدين، حب الأخوة، حب الأبناء، حب الأصدقاء، حب الغرائز، حب الطبيعة وسحرها، حب الصور الجميلة، حب المعاني الجميلة، وحب الرجل والمرأة، وهو ما يخص موضوعنا اليوم.

وقبل الدخول في عالم النفس وفضاءاتها، وما يقوله علماء النفس في الحب، وسبل وطرائق الوصول اليه، والتعاطي معه، والأخذ، أو عدم الأخذ به؛ فهو حديث يطول. لكن أردت طرح ما يجول بخاطري وفق معرفتي المتواضعة، واطلاعي بخصوص هذا الموضوع المهم.

هناك شروط خاصة لكي يولد الحب ويتجذر في النفس. القلب المحب هو قلب كريم، مضحٍ، والقلب الكريم يعطي بلا حدود، وكرم القلب مشروط بطهارته، لأن الكرم صفة مقدسة من صفات الله جل وعلا، وطهارة القلب تعد أساسا لانبثاق النور فيه، فخصال التضحية والكرم والطهارة والنور هي أحجار كريمة نفيسة منها تنبثق مشكاة الحب. الحب الأصيل هو ذا الذي ينبني على هذه الخصال. القلب الذي يخترع العناصر المتقدمة وفوقها هو قلب كريم، وهو يعرف كيف يحب؛ فالحب الصحيح ليس كل القلوب قادرة على توليده. الحب الأصيل يولد في القلب الطاهر، فهو كالصلاة التي لاتصح بدون طهارة ووضوء.

(ما لمس الحب شيئاً الاّ وجعله مقدساً) (الحب لا يُكتب على الورق لأن الورق قد يمحوه الزمان، ولا يُحفر على الحجر لأن الحجر قد ينكسر، الحب يوصم في القلب وهكذا يبقى الى الأبد)(جلال الدين الرومي).

كلما سمت القلوب صارت أكثر صفاءً، وسموها آتٍ من خلو الفضاء حواليها من الإغراءات والمظاهر المادية. حينما تصفو القلوب تغدق الحب بلا حدود. وحينما نستطلع حياة الماضين وكيف كانت سيرورة إيقاعها؛ لا نستغرب من سماع قصص حب مشبوبة بأجلى وأجمل وأرق المعاني.

الثقة، والصدق، والوضوح، والإحترام، والاهتمام، والتقدير، والإيثار، والتضحية، كلها ركائز أساسية للحب الصحيح بين الجنسين، وهي التي تقود الى علاقة ناجحة. وهي ساهمت بشكل كبير في حفظ العلاقات العاطفية والزوجية من الإنهيار والتدهور والإنزلاق، يكسوها كذلك صفو الحياة وخلوها من أي منغّصات قد تؤدي الى حدوث خلل في العلاقة بين الطرفين. هذه المعاني إذا فُعّلت في العلاقة فستؤدي الى نجاحها بالنهاية. كل ما يدور من جدال وسجال في إطار العلاقة بين الجنسين هو حول هذه المعاني المتقدمة، وعليها إما تدوم العلاقة أو تنتكس فيما إذا اختل معنى منها.

كل منا يستطيع أن يرسم نقشاً خاصاً لحبه على صفحة كتاب الحياة، وكل نقش هو سمة أو بصمة خاصة به لا تشبه بصمة أحد. الحب مزيج (كوكتيل) وأعني الألوان المتعددة للشيء، من مجموعة معانٍ من العاطفة المتوهجة، والبهجة، والقوة، والألم، والتحدي، والصبر.

يمكن بعضٌ منا لا يحب التكثير والمبالغة في أساليب الحب مع الطرف الآخر كأن يكون حبيب أو غيره. لكن بعضٌ آخر يحب التكثير، والمبالغة، والتلوين الذي يأخذ مديات كثيرة (إن الكيميائي الذي يستطيع أن يستخلص من عناصر قلبه الرحمة، والاحترام، واللهفة، والصبر، والندم، والدهشة، والعفو، ويدمج هذه العناصر في عنصر واحد يمكن أن يخترع هذه الذرة التي تسمى الحب) (جبران خليل جبران).

نظرة سريعة مقارنة في إيقاع الحياة بين الماضي والحاضر

إذا توغلنا قليلا في الماضي واستطلعنا بشكل مختصر حياة أجدادنا، وأهلنا، وربما جيلنا عاش جزءاً منها، لوجدنا ايقاع الحياة آنذاك مختلفا تماما عن الآن. كان ايقاع الحياة بطيئا فيه تأمل، وصمت، وإنصات، وأمزجة الناس كانت متوائمة ومتسقة تماما مع سيرورة الحياة. نأخذ أقرب مثال فيها أصوات الناس آنذاك غيرها الآن، فأصواتهم صافية، موسيقية، جميلة؛ لذلك الغناء والموسيقى في ذلك الزمان جميلان، والسبب صفاء الهواء، والماء، والغذاء من كل الملوثات التي نشهدها الآن، وهي على تنوعها، الكيمياوية، والإشعاعات الكهرومغناطيسية، وإشعاعات أجهزة الإتصال، والكثير لا حصر له في الغذاء، والماء، والهواء، وكل ذلك له أبلغ الأثر في صحة الناس الجسدية ،والنفسية، والمزاجية، وتأثيراته في جمال الأصوات. الموسيقى والغناء في الزمن القديم كانا بطيئين يسيران وفق إيقاع الحياة، فآذان الناس سمّاعة للأنغام والموسيقى الطويلة المتأنية،  وتأنس بها. خلاف الحياة الآن، فإيقاعها سريع، وكل ما فيها يمضي بسرعة. فالتكنولوجيا المتطورة المواكبة للحياة البشرية غطّت كل مجالاتها، وفي كل مجال لها باع طويل، وتتغير الحياة وفقها. نمط الحياة تغير، وكل شيء غدا سريعا، ونحن في سباق مع الزمن السريع، الذي يدعونا الى المزيد من الاستهلاك، ليذهب عنا لذة الإستمتاع بلحظات الجمال والتأمل. الملوثات الخطيرة في الهواء، والماء، والغذاء، التي ذكرتها كلها لها أبلغ الأثر على الصحة العامة. أصوات الناس لم تعد صافية موسيقية جميلة كالسابق، فضلا عن سرعة الحياة فلا توجد متعة في الموسيقى والغناء كما السابق. الحياة صارت لحظية، لذلك نرى الغناء الآن كله عبارة عن لقطات خاطفة براقة أو ما تسمى (فيديو كليب)، وهي تجسّد صورة من صور الحياة التي تمضي بسرعة البرق الخاطف.

كون الحياة آنذاك بطيئة تأملية نرى حتى أسماء الناس طويلة وتلفظها يحتاج الى نفس طويل، فأسماء البنات كان ينتهي بالياء المشددة والهاء المربوطة مثلا: هاشمية، كاظمية، جاسمية، جمهورية، لطفية...الخ) وبعضها ينتهي بتاء مربوطة مخففة: مثل مليحة، مديحة، صبيحة...نعيمة.الخ، وبعضها ينتهي بتاة مربوطة لكن أجمل مثل: خالدة، ساجدة، ماجدة..الخ). حتى بين الطبقة المتحضرة الأسماء لو كانت جميلة لكنها تلفظها صعب.. مثل : انتصار، انتظار..) والسبب كما عبرتُ هو ايقاع حياة الناس كان بطيئا تأمليا، ونفسهم طويلا؛ فكل شيء يسير ببطء وتأمل. أما الأسماء في الزمن الحاضر فهي قصيرة سهلة اللفظ تتناغم وايقاع الحياة السريع غير المتأني، وتتواءم مع نَفَس الناس السريع الذي لا يقبل البطء. فأسماء البنات القديمة اختفت وحلت الأسماء الجديدة وأكثرها لا تينية لسهولتها مثل:(لينا، ألينا، إلينا، لورا، لارا، سارا، سما، حلما، شيدا، شدا، رنا، رولا....الخ). إذ لا وجود لجرس موسيقي في الأسماء، فهي سهلة اللفظ وهي موائمة للزمن الحاضر وسرعته.

الأزياء كذلك تغيرت. كانت الأزياء في زمان مضى فيها من التعقيد والخياطة الجميلة بموضات مختلفة، والأقمشة كذلك كانت تُلزمنا على تصفيفها الدائم بآلة المكواة، في حين الأزياء الآن تخلو تماما من التعقيد، فالأقمشة عملية من النوع السريع اللبس ولا يحتاج المكواة، ولا تحتاج للإهتمام الزائد في النظر اليها لكونها مصنوعة من مادة مطاطية (البولستر او الستريج). والأزياء تقريبا الآن أصبحت موحدة عالميا. نرى أحيانا في بعض أزياء الجيل الجديد ثقوب وتشوّهات في موضات خياطة الألبسة، وهي مقصودة، حتى يتلافى الجيل الجديد النظر لزيّه والمضي السريع فتيار الحياة جارف خاطف، ولسان حاله يخاطب الجيل: ارتدوا زيّكم وامضوا سريعا. نحن جيل السبعينات الآن نبحث في الأسواق حتى نعجز، ونتعب، ولا نعثر على أزيائنا، بسبب اختلاف الأزياء الذي لا يتفق مع أذواقنا نحن القدامى ذوي الإناقة المتميزة التي يفتقدها جيل اليوم.

الطعام كذلك، في الزمن الماضي ذو نكهة لذيذة خاصة فالأمهات يجهدن أنفسهن بإعداده، لساعات طويلة في المطابخ، بينما الآن نرى على شاشة التلفاز يعدون وجبة طعام خلاف نصف ساعة، وبعضها بعشر دقائق، وطغت عليه الدهون المشبعة والكريمات والأجبان المذابة، وسمي (Fast food) (فاست فوود) يعني الغذاء السريع، الذي منه البيتزا، وغيرها من الأغذية التي يدخل في اعدادها الأجبان المذابة التي تشكل خطرا كبيرا على صحة الإنسان. (فاست فوود) يعني كُلْ سريعا وأنت واقف فالحياة لحظات سريعة لا ينبغي لك التأمل والحديث حول مائدة الطعام كما السابق، فالحياة تسبقك وهي لحظات انزلاقية، نعم هذا لسان حال (الفاست فوود) يقول لنا، وهو إحدى صور العولمة. العولمة اقتضت أن نعيش كلنا على سطح الكوكب الأرضي الشاسع لكن في قرية صغيرة، فوسائل الإتصال الإجتماعي هي إحدى صور العولمة(الفيس بوك، الواتساب ، الفايبر، تانكو، تلكرام...الخ). توحيد الزي العالمي أيضا إحدى صور العولمة.

المعلومات التي ينقلها لنا الطب الحديث مخيفة، فإحداها إن الرجولة كلما تتقدم الأجيال تضعف بسبب ضعف هرمونات الذكورة عند الرجال، والسبب كما أسلفت إيقاع الحياة الحاضرة والتغيرات الجذرية التي طرأت عليها، فنوع الغذاء وتلوث الهواء ليس بعوادم السيارات، والمصانع، وغيرها فحسب، بل حتى الإشعاعات والأمواج التي تبثها شبكات الإتصال، وكل اجهزة الإتصالات، والعواصف الشمسية، والتغيرات المناخية التي طرأت على سطح الكوكب الأرضي، فضلا عن نوع الأنسجة التي تصنع منها الألبسة، والأفرشة، وأنواع الموكيت، و السجاد كلها تضعف هرمون الذكورة، وفوق ذلك الاختلاط الفوضوي والعشوائي بين الذكور والإناث.

علاقة الرجل والمرأة

العلاقة بين الرجل والمرأة كانت مختلفة عن الآن تماما. فبسبب كون المجتمع آنذاك محافظا فإن وجود المرأة في الشارع والحياة بعامة نادر. وإذا وجدت فهي متحفّظة، وحافظة مقامها، ومجدها، وأنوثتها بزيّها المحتشم، وحيائها، وتمنّعها. فالمرأة في ذلك الزمن مختلفة عن المرأة الآن تماما. المرأة المتزوجة في منزلها منهمكة بأعباء الزوجية والمنزل والأبناء، وإذا خرجت تخرج لزيارة صديقاتها فقط حتى هي ممنوعة من دخول الأسواق، لأن المجتمع محافظ لا يسمح بدخول النساء اليه. كون المرأة في منزلها وتكفّلها مسؤولياتها بنفسها ساهم كثيرا في بسط الحياة، وصفائها، وراحتها، وسكينتها، وطمأنينتها. وكما أوضحت فإن إيقاع الحياة آنذاك بطيء فإعداد الوجبات الغذائية يستغرق الكثير من وقت المرأة لذلك يقل تواجدها خارج المنزل فضلا عن العادات والتقاليد الاجتماعية، التي لا تسمح لها بالتواجد الدائم. على ضوء هذا فإن الرجل لا يمكنه أن يتعدى حدوده خارج علاقته بزوجته، بسبب عدم وجود المرأة الدائم والمشاع والفوضوي كما الآن. والكلام كله حول حياتنا الشرقية. أما الحياة الغربية فهي مختلفة عنا تماما. المرأة موجودة مع الرجل منذ نعومة أظافرهم في صف واحد وكرسي واحد فلا توجد في حياتهم عقد علاقات عاطفية وجسدية، لذلك حين يتزوج  الغربيون يختارون شريكة الحياة التي يرغبون بها بجد، ويقضي كل حياته معها حتى الشيخوخة، ما خلا اذا حصلت حالات خيانة فهي حالات طبيعية حين تتعدد الخيارات يسبقها عدم رغبة الرجل بالزوجة الأولى وتغيير الحياة تماما. في مجتمعنا الآن العلاقات مفتوحة، ومباحة، ومشاعة، وفوضوية بين الذكور والإناث، فلا الزواج غدا كافيا لسد حاجة الذكور والإناث الغريزية على حد سواء. لذلك ترتفع نسبة الخيانات الزوجية بين الرجال والنساء. في مجتمعنا الشرقي ذات القيم والتقاليد، يخون الرجل والمرأة معا لا فرق، والشواهد كثيرة جدا نسمعها ونراها بآلاف الحالات، وحالات الطلاق، والانفصال السريع بعد فترة وجيزة من الزواج بسبب وجود بدائل كثيرة؛ فالخيانات الزوجية على قدم وساق بين الرجال والنساء وأسهل وسيلة هي الموبايل وغيره. وكل هذه الصور التي ذكرتها لا تجسّد المعنى الحقيقي للحب الذي تحدّث عنه اخصائيو علم الإجتماع، وعلم النفس، وعلم العلاقات العاطفية.

من كان هدفه من العلاقات الحصول على أكبر عدد من الأجساد؛ فهو لا يعيش حالة الحب الحقيقي، وعليه أن لا يقع في فخ الزواج، فالزواج فيه عقد شرعي أمام الله وأناس شهود، من ينقض العقد بالخفاء فهو محاسب أمام الله، لأن العقد جرى بين طرفين لا يحق لأي منهما نقضه تحت أي عنوان. ومن عدّد الأجساد، لا يعرف ماهية الحب. الحب ليس الجسد، والحب معناه عميق، والكثيرون يجهلون معناه.

على ضوء ما ذكرت فإن الرجال والنساء ما لم يحدّوا ويغيّروا من نمط اهتماماتهم؛ فحياتهم العاطفية والزوجية مهددة بالخطر والانهيار. كذلك سيكون مستقبل الأسرة في خطر. لا أكون متشائمة والتشاؤم ليس من خصالي، لكن الوضع الذي وصل اليه مجتمعنا خطير جدا، وسيبتلع مستقبل الأجيال القادمة وأقصد بهم جيل الأحفاد، التي ربما لا يكون للزواج الدائم من موقع في حياتهم الاّ العلاقات المؤقتة العابرة، كأني أرى ذلك جليّا، الاّ ما ندر فيهم.

الجيل الجديد من الشباب إذا استطاع من ترويض نفسه، واستيعاب المتغيرات الهائلة والمرعبة في حياتنا، واستطاع التأقلم؛ ربما سينجح في إدارة دفة العلاقات المشتركة إذا تمتع برصيد عال من الذكاء الإجتماعي.

صورٌ من الحب  في التراث العربي

جسّد لنا التراث العربي صوراً للحب مشبوبةً بالوجد والهيام بالمحبوب. في التراث الحب وجد قلوباً كريمة منفقة له بكل زهد وإفراط. تتشابه القلوب والنفوس؛ فتنفق الحب دون حساب(اقترب ممن يفتحون في روحك نوافذ من نور، ويقولون لك أنه في وسعك أن  تضيء العالم) (شمس الدين التبريزي).

هذه نماذج لامعة للحب الجميل في الزمن الجميل، نذكرها على سبيل المثال:

قيس بن الملوح مجنون ليلى

الذي قيل انه تابع كلب ليلى؛ ليدله على مكانها فمر على جماعة يصلون وعندما عاد ماراً بهم؛ قالوا له : أتمر علينا، ونحن نصلي، ولا تصلي معنا؟

قال: أكنتم تصلون؟ قالوا: نعم، قال: والله ما رأيتكم، ووالله لو كنتم تحبون الله كما أحب ليلى ما رأيتموني قط.

قيس يخاطب ليلى معاتباً حين رأى كفّيها مخضبتين بالحناء، قائلا:

ولما تلاقينا على سفحِ رامةٍ                وجدت بنانَ العامريةِ أحمرا

فقلتُ خضبتِ الكفَّ بعد فراقنا؟           قالت معاذ الله ذلك ماجرى

ولكنني لما وجدتُك راحلاً                 بكيتُ دماً حتى بللتُ به الثرى

مسحتُ بأطرافِ البنانِ مدامعي           فصارَ خضاباً في اليدين كما ترى

وجميل بثينة الذي هام ببثينة، وأنشد فيها أرقَّ الأشعار، وأجملهاَ، ومنها:

وما ذكرتك النفس يابثين مرة      من الدهر الا كادت النفس تتلف

والاّ علتني عبرةٌ واستكانةٌ          وفاض لها جارٌ من الدمع يذرف

وابن زيدون الذي هام بولادة ابنة المستكفي بالله في العصر الاندلسي، وأنشد فيها فيضاً من أعذبِ الأشعار وأرقِّها ومنها قصيدته النونية المشهورة:

أما هواك فلم نعدل بمنهله شرباً     وان كان يروينا فيضمينا

لم نعتقد غير الوفاء لكم رأياً          ولم نتقلد غيره دينا

اما ديستوفيسكي فقد قال لزوجته وهي على فراش الموت: لم أخنك حتى في الذاكرة، وفي مورد آخر قال لها:

(احبك انتِ، لا أعرف كيف يولد الحب، ولا كيف يوضع شخصين على شمس واحدة، أو كيف يوزع الليل نجمة نجمة بينهما، ولا أعرف لماذا ترك قلبي جاراتك ، والنادلة ، والبائعة، واختارك أنت).

(يمكن لأي شخص أن يختارك في توهّجك، لكني أنا سأختارك حتى حين تنطفىء، تأكد بأني وإن رأيتُ النور في غيرك سأختار عتمتك)(شمس الدين التبريزي).

هذه صور جلية للحب الحقيقي، الذي نفتقده في زماننا هذا، ليس لأن الزمان تبدّل، والخيارات للاثنين مفتوحة فحسب، فهي أيضا موجودة في كل زمان بصورها المختلفة؛ لكن لأن الأغلبية ذكورا وإناثا لم يصلوا للحالة التي وصل اليها ديستوفسكي، وأمثاله النوادر، الذين يَرَوْن صورةَ المحبوب مرآةً لأراوحهم، وشقوا في ذواتهم حفرا تحتضن أجلى وأرق صور للحب غير الذي نراه الآن في زماننا؛ فهو ليس حبا أصيلا، إنما لهاث وجري خلف ألوان قوس قزح المبتذلة في كل مكان، وهو وقوع في الحالة الحيوانية، التي من الأجدر بالبشر الترفع عنها ليتميزوا عن نوع الحيوان، والتي تسببت بكوارث وصدمات لايمكن الوقوف بوجهها اذا ما استمروا على هذه الحال، وقانا االله وإياكم شرورها.

يستورد شبابنا إنموذجا غربيا للحب (فالنتاين)، حتى في المعاني التي ترسم السعادة والبهجة على محيا حياتنا، يستوردونها من العالم الغربي؛ فيما أهملوا نماذج َلامعة سطعت في سماء الشرق هنا خلفها لنا التراث العربي، وجسدت أجلى صور للحب.

القسيس (فالنتاين) كان قد نذر نفسه للجمع بين الشباب والشابات العشاق في زواج مشروع في عقد مشروع. ولما علمت به الكنيسة عاقبته واعدمته؛ لأن يُعتبر هذا التصرف خرقاً لأسرارِ الكنيسة فصار شهيدَ الحب، ومنذ القرون الوسطى والشباب يحتفلون بيوم الحب تخليداً لذكرى شهيد الحب. وسرى الاحتفاء من العالم الغربي الى عالمنا الشرقي، وهو مُحتفىً به بين جيل اليوم، والذي ما كان له وجود في أيامنا الخوالي، ماخلا في العالم الغربي، وهو غير عالمنا.

كما نعلم أن الإحتفاء به في عالمنا آتٍ من فراغ حقيقي يدور فيه أبناؤنا يفتشون عن معنى ما يبعث فيهم نوعاً من الأمل؛ لمواصلة الحياة التي غدت لهم بلا معنى.

يقول جلال الدين الرومي في العشق واصفا الناس فيه: (الناس في هذا العالم مثل ثلاث فراشات أمام شمعة متوهجة، الأولى اقتربت من الشعلة بعض الشيء وقالت: بهذا عرفت العشق.

والثانية اقتربت أكثر حتى لامست الوهج بطرف جناحها وقالت: بهذا عرفت كيف تحرق نيران العشق.

أما الثالثة فاندفعت بكليتها الى الشعلة حتى احترقت تماما، هي وحدها من عرفت ماهو العشق).

الحب من منظور علم النفس

نجوب في فضاءات علم النفس، وما يقوله عن الحب، وما هي دوافعه، والمؤثرات التي تحوطه، والسبل الكفيلة بإبقائه، عبر تساؤلات أجابها فحوى المكالمة الهاتفية التي تلقيتها من إبنتي الدكتورة تقى عبد الجبار الرفاعي المتخصصة بطب الأنسجة (باثولوجي)، وهي قارئة جيدة ليست في مجال اختصاصها فحسب؛ بل في مختلف مجالات الطب، ومنها الطب النفسي، كذلك سماعها لمحاضرات مهمة لأطباء وأخصائيي علم النفس، والعلاقات العاطفية والأسرية.

تحدثت لي من منظور علم الطب النفسي شارحة حالة الحب وماهيته، بالإعتماد على المحاضرات الشفاهية، عن أبرز متخصصي علم النفس والعلاقات العاطفية والأسرية.

حاولتُ الإبقاء على أفكار المهاتفة كاملة، لكن كتبتها بتصرف مني:

نشأة الحب بتأثير نوعين من الهرمونات هما "هرمون النشوة" (دوبامين) و"هرمون الحب" (أوكسيتوسين)

يقع الحب بصورة عامة تحت تأثير هورمون خاص به أسمه (Dopamine) (دوبامين)، وهو هرمون النشوة والإدمان، يرتفع هذا الهرمون في الجسم في اللقاء الخالي من العلاقة الجسدية بين الجنسين، وتكون نسبته في صعود في الفترة الأولى من اللقاء، ويستمر بالصعود كحد أقصى من 6- 9 أشهر. ويؤكد أخصائيو العلاقات العاطفية والأسرية أن في غضون هذه الأشهر الستة أو التسعة أشهر الأولى من العلاقة أن لا يكون فيها أي علاقة جسدية؛ والسبب حتى يتأكد الشريكان أنهما في العلاقة الصحيحة أم لا، وهل هما متعلقان ومتفقان منطقيا وعقليا بعد التسعة أشهر؟ بعد التسعة أشهر يبدأ الهرمون بالهبوط، وذلك حين تهبط حالة الشغف والهيام بينهما. قامت طبيبة أمريكية بتصوير أدمغة مجموعة من العشاق بأشعة الرنين المغناطيسي(MRI) فلاحظت أن الأدمغة لديهم تتحفز عند اللقاء، نفس تحفّز أدمغة مدمني الكوكائين حين يتعاطوْنه، وهي مادة تسبب النشوة والارتياح لمدمنيها.

دكتور هولاكويي اخصائي علم الاجتماع والعلاقات الأسرية والعاطفية. يؤكد على: ضرورة وجود الطرفين خلال المدة من 6-9 أشهر مع بعض في لقاءات طويلة، كأن تكون مثلا مرتين أو ثلاث مرات في الأسبوع، وفي كل مرة يكون اللقاء من 6-10ساعات، يتعاشران سوية، ويخرجان معا في فضاءات مختلفة، حتى في مجالات عملهما، لكن بدون علاقة جسدية؛ عندئذ يعرف أحدهما الآخر وبالتأكيد سوف يكتشف أحدهما الآخر. في كل منهما صفات جيدة أو سيئة ظاهرة وباطنة. ويؤكد على أن هذه الصفات لابد من ظهورها شاءا أم أبا، فهي تظهر بشكل عفوي. إذا كانت الصفات السيئة التي تظهر يمكن تحمّلها من الطرفين عند ذاك يمكن البقاء في العلاقة، واذا لايمكن؛ فيجب قطع العلاقة على الفور حتى ولو كانا في عنفوان هيامهما.

بإمكاننا الإعتراض على كلام الدكتور هولاكويي وذلك بقولنا: من المحتمل أن يكون أحد الطرفين كتوما ويخفي بعضاً من صفاته السيئة عن الشريك، ويكون مثاليا أمامه، حتى يتجاوزا الفترة الإنتقالية الأولى التي تقودهما الى مرحلة الحياة الزوجية. لكن الدكتور قطع علينا الطريق ولم يفسح مجالا للنقاش بقوله: الصفات لابد من ظهورها شاءا أم أبا، فكان حديثه وافيا لا يقبل النقاش فيه، وجّلنا مرّ بالمرحلة الإنتقالية ولاحظ ذلك جليّا.

ماثيو باغز أخصائي علاقات عاطفية وزوجية يقول: أن الحب والجنس لدى الرجل منفصلان، يصور الحب في مدينة (ميامي)، والجنس في مدينة (سياتل)، والفاصلة بينهما كبيرة، إذا دخل الرجل في خانة الحب (ميامي) والكلام لماتيو؛ يخاطب المرأة: عليك إعطاؤه وقتا، هل هو أهلا له؟ وهل هو في مكانه الصحيح، وتقبل مسؤولية الحياة المشتركة؟

هو في (ميامي) إذا أخذ كفايته من الحب، وكان أهلا لتقبل الحياة المشتركة والحياة الزوجية، عند ذلك خذيه الى ولايته (سياتل) الى حيث العلاقة الجسدية التي تُبنى على أساسها العلاقة الزوجية. يُقال: إن الرجل إذا أراد إمرأة لتكون شريكة حياة حقيقية يتسلّق لها الجبال.

وهرمون آخر أسمه هرمون الحب (Oxytocin)(أوكسيتوسين)، وهو هرمون العناق والالتصاق، وهو عند المرأة عشرون ضعف ما عند الرجل، وهو مهم بالنسبة للرجل والمرأة في العلاقة الجسدية، ولا يقتصر عليها، وله علاقة وثيقة بفسلجة الجسم بل يتعداه الى مدى أبعد؛ فيفرزه جسم المرأة حين الولادة والرضاعة، فتلتصق بوليدها وتحتضنه وترعاه. لهذا الهرمون تأثيرات مهمة في الجسم، حينما يرتفع يؤثر على المشاعر؛ فيشعر صاحبه بالراحة النفسية، والانفتاح، والبهجة، والثقة بالنفس، والدفء، والإيثار، ويمتد على تعابير الوجه والبشرة، وحتى تمتد المشاعر لتغرق آخرين بالحب، والحب المعني هنا هو الحب الإنساني الأخوي حينما يكون هذا الهرمون مرتفعا لدى صاحبه، ويتجسد عند المرأة الحاضنة للزوج، والأهل، والأخ، والإبن. الله جل وعلا أوجده في جسم المرأة أضعاف ما هو عند الرجل لغاية عظيمة هي احتواء الجنس البشري، والحفاظ عليه من الانقراض بالعاطفة، وتحت تأثير هذا الهرمون المهم جدا لديمومة الحياة وحفظها.

يلخص علم النفس الحب بنزول وصعود هذا الهرمون بالدم؛ هرمون (الأوكسيتوسين) عند الرجل والمرأة. يرتفع هذا الهرمون عند المرأة أثناء علاقة الحب وبعد العلاقة الجسدية بين الجنسين. عند الرجل يرتفع هذا الهرمون لديه عند العلاقة الجسدية مع المرأة التي يحبها، لكن لا يرتفع مع المرأة التي لا يحبها، ويوضح علم النفس على هذا الأساس أن الرجل لا يحب الاّ أمرأة واحدة، فالعلاقة الجسدية عند الرجل ليس لها علاقة بالحب. أحيانا الرجل يمارس العلاقة مع إمرأة لا يحبها مثلما يحدث في العلاقات المؤقتة. هرمون (الأوكسيتوسين) مرتفع عند المرأة على الدوام ويرتفع عند الرجل حين يقترب من المرأة فيما ينخفظ لديه هرمون الذكورة(التستسترون). حينما ينخفظ لديه هرمون الذكورة يحتاج الرجل أن يبتعد عن المرأة؛ ليرفع هرمون الذكورة، ويعيده الى مستواه الطبيعي الذي يعيده الى رجولته، وبعد أن يشبع ذكورته يعود لعائلته، زوجته، وأبنائه، أو صديقته. هرمون (الأوكسيتوسين) هرمون الالتصاق، يكون مرتفعا لدى الرجل كلما كان قريبا من المرأة؛ لأن ينخفض لديه هرمون الذكورة؛ وكلما ازدادت الذكورة قربا من الأنوثة تضعف وتتأنث، عكس تصور مجتمعنا أن من يمارس العلاقات المتعددة مع النساء هو ناتج عن قوة في الذكورة والرجولة، وان من لم يمارسها فهو ليس رجلا. علم النفس يثبت خلاف ذلك تماما.

نعود الى هرمون (أوكسيتوسين) الذي يكون مرتفعا عند المرأة في حالة الحب، وفي العلاقة الجسدية أو غيرها. المرأة بعد العلاقة الجسدية لا تتأثر بل تزداد حبا للرجل لأن هرمون(أوكسيتوسين) لديها مرتفع.

وتقول دكتورة في علم النفس: أن دماغ الرجل مقسم الى خانات منفصلة واحدة عن الأخرى؛ فالاتصال بين جانبي الدماغ عند الرجل أقل من المرأة بكثير. حينما يدخل الرجل في خانة ينفصل عن باقي الخانات، يعني الرجل حينما يؤدي عملا واحدا؛ لايمكنه في آن واحد أن يؤدي عملين، عكس المرأة التي بإمكانها أن تؤدي أعمالاً عدة في آن واحد؛ لأن الإتصال بين جانبي الدماغ لديها كبير. فلو لو تكن المرأة غير قادرة على أداء عدة أعمال في آن واحد لربما يموت الكثير من الأطفال. يمكنها مداراة الطفل والقيام بأعمال عدة بموازاته. الرجل لو أدى أعمالاً عدة في آن واحد؛ لما كان بإمكانه حماية عائلته، والعمل لأجلها. فالتركيز عنده فقط على عمل واحد لا غير.

الرجل حين يدخل "كهفه"

الرجل من أجل أن يسترجع نسبة هرمون الذكورة في الدم الى نسبته الطبيعية يحتاج لأن ينفصل تماما عن عالم المرأة؛ فيدخل في مخدعه؛ فيمارس أعماله التي تسترجع فيه الرجولة، والأمثلة كثيرة في هذا: مثلا يمارس عمله اليومي النهاري، متابعة التلفاز، التفكير بحل مشكلة ما، عمل تجاري، عمل فكري كأن يمارس الكتابة والقراءة ،أو يلتزم الصمت، وغيرها الكثير من انشغالاته.

يؤكّد علم النفس على المرأة أن تترك الرجل حين يدخل مخدعه هكذا يسميه أو “كهفه"، كما يعبر عنه د. جون كري مؤلف كتاب"الرجال من المريخ والنساء من الزهرة"، وأنصح النساء والرجال والشباب بقراءة هذا الكتاب المهم الذي يكشف ويحل بعض المشاكل بين الرجل والمرأة. يجب على المرأة في هذه الحالة ترك الرجل نهائيا وعدم التواصل معه سواء بالحديث، أم بالإتصال الهاتفي، أم بأي شيء آخر. دورالمرأة هنا أيضا التوجه والتركيز على أعمالها المتعددة. الرجل يحتاج لأن يستجمع حاله، ويعود لرجولته، ويرفع هرمون الذكورة لديه، ثم يعود سعيدا منتشيا، يعاود ممارسة الحب مع زوجته وأبنائه، أو صديقته. (أن نتوقع من الرجل الذي في كهفه أن يصبح فورا منفتحا، وأكثر استجابة، وودودا أمر غير واقعي مثلما نتوقع من المرأة المنزعجة أن تهدأ فورا وتصبح منطقية جدا. إن من الخطأ أن نتوقع أن يكون الرجل دوما على صلة بمشاعره العاطفية مثلما هو خطأ أن نتوقع أن تكون مشاعر المرأة دوما عقلانية ومنطقية. عندما يدخل أهل المريخ الى كهوفهم يميلون الى نسيان أن أصدقاءهم يمكن أن تكون لديهم مشكلات أيضا، وتسيطر عليهم الغريزة التي تقول قبل أن  تهتم بأي شخص آخر، يجب أولا أن تهتم بنفسك، وعندما تشاهد المرأة رد فعل الرجل بهذه الطريقة، فإنها تقاومها وتستاء من الرجل).(الرجال من المريخ  والنساء من الزهرة. د. جون كري. ترجمة: عبد الكريم العقيل. الرياض: مكتبة جرير، الطبعة الثانية، 2007، ص63).

ويؤكد د. جون كري، على المرأة أن لا تجعل من الرجل المحور الذي تدور عليه حياتها بأكملها، فهذا خطأ فادح، يقول للمرأة مشبّهاً الرجل بوجبة الطعام، يجب أن لا يكون الرجل وجبتك الأساسية، لتكن وجبتك الأهم نفسك وعالمك بما فيه اهتماماتك الرئيسية، ثم بعدها الرجل الذي يمثل لك طبق الحلوى بعد الطعام.

وتؤكد دكتورة أخرى متخصصة في علم النفس بقولها: ان الرجل لا يحب المبالغة في الحب من المرأة؛ فالحب الزائد يخنقه. وتؤكد يجب أن لا تكون المبادرة من المرأة، فالأجدر المبادرة يجب أن تبدأ من الرجل أولاً، بعد أن تعطيه المرأة كامل حريته في فضائه، ولا تبدي إزاءَه أيَّ مشاعر، لكنه حينما يقترب منها يجب أن تبدو أنثى بكل معنى الكلمة. 

كيف تحافظ المرأة على علاقة الحب؟

تقول أخصائية العلاقات الزوجية و العاطفية هيلينا هارت:

يجب أن تحافظ المرأة على أمرين في علاقتها مع الرجل، هما:

1- الفضاءSpace "، يعني ترك الرجل في فضائه حراً، دون الاقتراب منه والكلام معه، فحينما يكون في فضائه لا تكون لديه أيّة طاقة اتصال مع المرأة، وعليك أيتها المرأة أن تنشغلي أيضا بفضائك الخاص بك، وأن لا تصل طاقتك للرجل بكلام، أو أمر بعمل ما، أو أي صورة من صور التماس معه. وتستطرد: ركّزي أيتها المرأة على فضائِك ودَعي فضاء الرجل له، أخرجي الرجل من دماغك. هرمون الرجولة(التستسترون) يحب الحرية، الطبيعة البيولوجية له تقول هذا، وهي التي أعطته هذا الحق في معاشرة الكثير من النساء. لذلك هو لا يحتفظ بالنسل البشري، بسبب حريته؛ فالحرية التي يطلقها له الهرمون الذكوري يحثه على نثر خلاياه الذكورية في فضاء واسع، وتستدل على هذا أن بإمكان جسم الرجل في اليوم الواحد أن يفرز ملايين الخلايا الذكورية، فيما يفرز جسم المرأة خلية واحدة كل شهر التي هي البويضة، والفرق شاسع جدا بين الجنسين؛ فالمرأة تحفظ النسل البشري، فيما الرجل لا يحفظه؛ بسبب تعدد علاقاته الجسدية، إذ لا يدري أين تكون خلاياه الذكرية في أي مكان ما ضيّعها.

وهذا الأمر سارٍ في بلدان الغرب، ويسري في بلدان الشرق الآن، لغير الملتزمين بدين وأخلاق وقيم واعتبارات.

2- النعومة: Softness  تعني بها الأنوثة، وتؤكد إن على المرأة أن  تتمتع بأنوثتها كاملة أمام الرجل زوج أو حبيب، يجب عليها ذلك حينما يكون قريبا منها. عليها أن تظهر كامل أنوثتها دون تصنّع، فالأنوثة شيء فطري عند المرأة يظهر مع الحبيب بشكل لا إرادي، حتى تتحقق السعادة الكاملة لها وله بالحب، والمعاشرة الزوجية.

محراب الرجل

كاتبة أمريكية أخرى تصف قلب الرجل بالمنزل ذي الغرف المتعددة التي هي تمثل العلاقات العابرة بنساء أخريات غير المرأة التي يحبها، وفيه محراب مقدس واحد،  وفي المحراب توجد المرأة التي يقدسها الرجل ويحبها. النساء الأخريات دورهن عابر. محرابه المرأة التي تترك أثرا عميقا في حياته، كأن تمنح حياته معنى، مثلا يحقق بظلها مقاما معنويا، مقاما علميا، مكسبا ماليا مهما، أي التي تمنح حياته قيمة Value ، تمنحه طاقة ايجابية، تضيء حياته بإشعاع الأمان ؛ فهي ملاذه من آلام الحياة ومتاعبها والتي يكمل مشواره الحياتي معها بعيدا عن كل الاعتبارات الأخرى خارج ما ذكرت. وأما الباقيات فوجودهن عابر. لذلك تؤكد على أن المرأة يجب أن تتحلى في هذه الحال بالذكاء لتدير دفة العلاقة مع زوجها، أو صديقها.

نعترض هنا على الكاتبة الأمريكية التي تصف قلب الرجل مقسما الى خانات في كل خانة هناك أمرأة؛ لكن المرأة التي تمنح حياته قيمة وأهمية هي محرابه المقدس. إطلاق العنان للرجل لممارسة ما شاء الله له من علاقات هي دعوة الى المشاعية في العلاقات، والعلاقات الفوضوية تؤدي الى انهيار الأسر، ونشوء مشاكل في الأسرة، التي ربما تكون مشاكل صحية، أو سلوكية، أو نفسية، أو اجتماعية، للزوجة، وللأبناء ما لاحد لها ربما ستعود على الرجل بالذات بمردود سلبي كبير، والشواهد أمامنا كثيرة لا حصر لها. والعلاقة مع الأخريات غالبا ما تتم بالسرّ والخفاء، ومن كان متزوجا لا يحق له التنقل بالعلاقة بما شاء له تحت غطاء ديني أو إجتماعي، والدين كما شرّع تعدد الزوجات بعقد مؤقت أو دائم، كذلك حرّم السرقة، والزواج دون علم الزوجة هو سرقة الثقة، والسرقة لا تقتصر على المادة؛ بل أيضا تتعداها الى المعنى. وإذا كانت له زوجة مقدسة يحبها فمعنى هذا ان العلاقة مع المقدسة أجمل وأرقى وأمتع، فلماذا يتزوج؟ وما فائدة الزواج هنا؟

تجيب الدكتورة فوزية الدريع المتخصصة بعلم النفس والجنس عن أسباب "خيانة" الرجل وهي تسمية آتية من الغرب، في الشرق تسمى "علاقة عابرة"، أو "زواجاً ثانياً"، وفي الغرب تُسمى "خيانة"، وهي كذلك تصنف أي علاقة خارج إطار الزواج ب(الخيانة) لعدم علم أحد طرفي العلاقة:

الحقيقة أن السبب الأول هو عدم وجود إشباع في نظام الزواج كله ..بالطبع البعض وهو يدرك بشاعة الفعل ربما يبرره بأنه حب...قضاء وقدر، وحصل الذي حصل وهذا يبقى مجرد تبرير لإعطاء الخطأ شرعية معينة. عند الغرب تعتبر الخيانة خيانة إذا كان الطرف الآخر لا يعلم، وهم يرون الزواج عقد اتفاق لذلك فلو تم الإتفاق مع أحد الزوجين فيمكن أن تتم الخيانة دون خوف، ويبقى ذلك أحد صور انكسار روحانية وقيمة العلاقة الثنائية. (كتاب مليون سؤال في الجنس، ج2. د فوزية الدريع. منشورات الجمل، 2006،ص74).

د.وليام كلاسر طبيب نفساني أمريكي يقول: على الطرفين أن يحدّا من استخدام السيطرة (الكونترول) الخارجي من الطرفين؛  ظنا منهما أنهما سينجحان في مهمتهما وهو خطأ كبير تقع فيه النساء والرجال، البحث والتنقيب والمتابعة في شؤون، وهواتف، وكتب، وأوراق، ووثائق عمل، وغيرها من الشؤون الشخصية لكل منهما غير صحيحة، وتقودهما الى الفشل الذريع في العلاقة. ويؤكد أن الرجل كائن بصري. يستمتع النظر للنساء، وليس بالضرورة أن تكون كل النساء التي ينظر اليها يحبها؛ لكن حب النظر طبيعته، ولا توجد امرأة تنافس امرأة. يخاطب المرأة قائلا:  كوني أنت كما أنت، وارفعي من ثقتك بنفسك. أما إذا غيّرتِ من طريقة التعاطي والتعامل مع الرجل الصحيح الذي هو رجل الحياة فستنجحا، وتنتصرعلاقتكما وتحافظا عليها. في حالات خاصة إذا اختار الرجل نفسه حياة جديدة قاصدا الخلاص من حياته السابقة، وترك زوجته أو شريكته؛ فذلك بحث آخر. البحث هنا فقط في حدود العلاقة الزوجية، أو العاطفية الناجحة التي تسير سيراً طبيعيا.

علاقة الرجل والمرأة في الزمان الماضي

د. تقى عبد الجبار الرفاعي المتخصصة بطب الأنسجة (باثولوجي) تشرح حالات نجاح الزيجات في الزمان الماضي، بسبب كون المرأة مؤدية كامل مسؤوليتها الأنثوية وانشغالها بعالمها الخاص، فإدارة المنزل وشؤون الأبناء، والإهتمام الكامل بالزوج وشؤونه. والزوج أيضا يؤدي كامل مسؤولياته الزوجية التي هي العمل لكسب العيش، وحماية الزوجة والأبناء ورعايتهم، وكل هذا كان قبل الحرب العالمية الثانية. المرأة لم تكن باحثة عن شؤون الزوج الشخصية في السابق، وكانت محدودة الصلاحيات، فكان الرجل سيدها (سي السيد)، وليس لديها صلاحية السيطرة (الكونترول) عليه، فمسؤوليات كل منهما محدّدة ومعروفة.

أما بعد الحرب العالمية الثانية، ودخول الماكنة الى الحياة، ودخول المرأة عالم الحياة الجديد، ومنافستها الرجل في عالمه أدى الى قلب القيم وكل الإعتبارات على عقب، فالمرأة أخذت مجالات الرجل، وغادرت عالمها الأنثوي الخاص، وهو منزلها مخدع أنوثتها، فصارت تكسب المال كما الرجل، ولم يعد للرجل عليها من سلطة مالية وولاية ذكورية، فصارت هي المرأة، وهي الرجل على حد سواء. وصارت لديها السيطرة (الكونترول) البحث عن شؤون الرجل؛ لأنها بدأت تقوى بالمال، وفي عصرنا الراهن أجهزة الاتصالات صارت هي الكونترول الأساس للمرأة حتى الجالسة في منزلها التي لا تعمل، ووسائل الاتصال الاجتماعي التي أدت الى إنفلات اجتماعي مرعب وهائل. كل ذلك أدى الى ذكورية المرأة بخاصة التي تعمل في مجالات الرجال فصارت شبيهة الرجل، حتى جسدها وشكل وجهها اختلف عن السابق.

دعوة جادة للعودة الى الوراء

في محاضرة له يؤكد الدكتور جون كري محتجا على وضع المرأة الراهن:

يجب على المرأة أن تعود لأنوثتِها، الأنوثة يعني النعومة والحاجة لحماية الذكر. وقعنا ضحايا التطور والحضارة والمعاصرة، وكل ذلك أدى الى انحسار دور المرأة، وتضائل أنوثتها، وأطلب من المرأة احترام الرجل وذكورته والعودة الى مركز ثقلها، عند ذلك تسعد الحياة، ونسعد، وكل يأخذ دوره في الحياة.

يستند الدكتور جون كري في نصيحته هذه على أن العلاقة بين الرجل والمرأة قائمة على اعتبارات فطرية غريزية عند كليهما، وهو ان الرجل يحب السيطرة واحترام شخصه وتقديره، وهو يحب سماع كلمات التقدير، والاحترام، والثناء الدائم عليه، وكل ذلك يعود الى عودة المرأة لمكانتها الحقيقية، وأنوثتها، ورقتها، ويجب على المرأة أن تسمعه كلمات تعبر عن ذلك دائما؛ لأن سماعها يرفع لديه هرمون الذكورة(التستسترون)، وهو أهم شعور لدى الرجل يجب أن لا تهمله المرأة مطلقا.

ويضيف لا ننكر وجود صور للحب نادرة، و شاذة يتجسد فيها الأخلاص بكل معانيه التي لا يحيد الرجل والمرأة عنها.

يقول اختصاص العلاقات الاسرية ماثيو هاسي:

إن الحب الحقيقي الخالص من الشوائب سينتصر في النهاية .

(فأما الزبدُ فيذهبُ جُفاءً وأما ما ينفعُ الناسُ فيمكثُ في الأرض).

لأبنائي وبناتي الأعزاء المحترمين:

أبدلوا (الفالنتاين) ب(إبن زيدون) كأهم أنموذج لعيد الحب.

كونوا "كالنحلة التي تعيد تكوين الرحيق عسلا، ولاتكونوا كالببغاء ترددون ما تسمعون".

كونوا الغواصين لالتقاط اللؤلؤ من أعماق البحار، وليسوا الواقفين على الساحل بانتظار من يغوص بدلا منكم لتحوزوا عليه.

 

انتزال الجبوري

سكرتيرة تحرير مجلة "قضايا إسلامية معاصرة"

 

 

 

منى زيتونكان لانتشار ثقافة الاستهلاك في مجتمعاتنا المعاصرة تأثيرات سلبية كثيرة، لعل من أهمها ذلك التصور الذي أصبح لدى كثيرين بأن السعادة في الأخذ، فأفرطوا على أنفسهم في الملذات غير مدركين أنها كماء البحر لا يروي!

يستحيل أن تكون السعادة في النهم، ولن يجد إنسان سعادته الحقيقية سوى في العطاء. والأطفال الصغار هم أكبر دليل على أن السعادة في العطاء، هولاء الملائكة نحن من نهتم بشئونهم، فيعود علينا ذلك بسعادة لا تُوصف. جرِّب أن تعطي الآخر، صغيرًا أو كبيرًا، ما يفرحه وما يريده، ماديًا أو معنويًا، وسترى أن السعادة قد ارتدت إليك.

وتذكر أن ليس لك حقوق على الناس بأكثر مما عليك واجبات. والأناني فقط من يأخذ ولا يعطي، أو يعطي ما يراه حسنًا وكافيًا للآخر بغض النظر إن كان هذا النوع من العطاء يُعجب الآخر ويريده أم لا! وهذا تجاهل تام لرغبات الآخر! وشكل من أشكال الأنانية يغفل كثير من الناس عنه.

ويعتبر كتاب "لغات الحب الخمس" The 5 Love Languages للدكتور جاري تشابمان Gary Chapman استشاري العلاقات الزوجية، من أكثر الكتب مبيعًا حول العالم.

الفكرة الأساسية التي طرحها الكاتب في كتابه أن ما يجعل شخصًا يشعر أنه محبوب يختلف عن شخص آخر، كما أن طرق البشر التي يعبرون بها عن الحب لشركائهم تختلف؛ ولذلك قد لا ندرك حبهم لنا في بعض الأحيان، لأننا ننتظر منهم عطاءً من نوع ما، بينما هم يقدمون لنا الحب بطريقة أخرى، كما نقدم نحن لهم الحب بطريقة لا يفهمونها! وكمثل شخصين يتحدثان لغتين مختلفتين من المؤكد أن يحدث سوء تفاهم!

اعتبر الكاتب أن هناك خمس لغات حب مختلفة، ولكل منا لغة حب أساسية يستخدمها للتعبير مع أحبائه، وأحيانًا نستخدم اللغات الأخرى أو بعضها كلغات ثانوية. هذه اللغات هي:

لغة الحب الأولى: كلمات التشجيع  Words of Affirmation

لغة الحب الثانية: تكريس الوقت Quality Time

لغة الحب الثالثة: تبادل الهدايا  Receiving Gifts

لغة الحب الرابعة: تقديم المساعدة والخدمات  Acts of Service

لغة الحب الخامسة: الاتصال البدني  Physical Touch

ولأن الحب ليس أخذًا بل هو عطاء؛ فهو شيء مقدم للآخر وليس لأنفسنا، فقد ركز تشابمان على أن إرضاء الشخص لشريكه يخلق حالة من السعادة والإيجابية لديه، تعود على الفرد نفسه، وما لم نتعلم لغة الحب الأساسية الخاصة بشريكنا في الحياة كلغة حب ثانوية لنا، إضافة إلى لغتنا الأساسية للحب، لنعبر له من خلالها، لن نستطيع إرضاءه؛ لأن معرفة لغته وتعلمها هي بمثابة امتلاك مفتاح قلبه، ولن تستطيع فتح قلب إنسان إلا بمفتاحه. كما أن التحدث بلغة حب شريكنا ليس علامة على حبنا له وحسب، بل هو إشعار له بالأمان في علاقته بنا، وفي الحياة بوجه عام، وإشعار له بأهميته لدينا، ورفع لمستوى ثقته بنفسه وثقته في علاقته معنا.

حقق الكتاب نتائج باهرة بين من قرأوه، إلى حد صناعة المعجزات، وإعادة الحب والسعادة إلى أكثر الأزواج ضجرًا وكراهية لعلاقتهما؛ لأنه أفهم كل زوج أن عليه أن يقدم الحب إلى الطرف الآخر بالطريقة التي يتمناها الآخر، وأن يسلك بالطريقة التي ترضي الشريك وتسعده؛ فسلوكياتنا السيئة نحو شركاء حياتنا كثيرًا ما تكون محاولة منا للبحث عن الحب وفق طريقتنا.

نقطة أخرى هامة لفت إليها د/تشابمان، وهي أن استخدام لغة الحب المناسبة لا بد أن يكون بصفة مستمرة، كي يكون الشريك ممتلئًا بالحب دائمًا، فالحب هو غذاء علاقاتنا الاجتماعية التي لا ضمان لاستمرارها حية بدونه. وبدون ملء خزان الحب لشريكنا بشكل دائم سيشعر شريك الحياة أنه مستغل وليس محبوبًا.

لغة الحب الأولى: كلمات التشجيع (الكلمة الطيبة صدقة)

بالنسبة للغة الحب الأولى؛ كلمات الثناء والتشجيع، فتعتمد على الإطراءات اللفظية وإظهار التقدير الدائم لشريك الحياة عندما تعلم أن هذه لغة الحب التي يفهمها؛ فتمتدح زيه وهيئته وأي عمل منزلي قام به، وأي عمل مهني نجح فيه، بعبارات بسيطة ومباشرة. وهذا بدوره سيحفزه فيحاول إرضاءك وإسعادك كرد فعل لكلماتك الطيبة التي أشعرته بحبك له.

إن كلمات التشجيع تتطلب في البداية أن نرى الأمور من منظور شريكنا، ونشعر باحتياجاته ورغباته وأولوياته. كلمات التشجيع تشعر من يتلقاها بالأمان لثقة الشريك فيه وفي قدراته، وتساعده على تنمية أداءاته ومهاراته التي يرغب في تطويرها، وأن يأخذ خطوات جادة في حياته لم يكن ليأخذها لولا تشجيع شريك حياته.

وكل منا مهما كان حجم استيائه من شريكه فلا بد أنه يقر أن له حسنات وأشياء جميلة يفعلها ولو أحيانًا. جميل أن نركز على إخبار شريكنا بما يعجبنا فيه، وأن نكف عن الشكوى والتذمر مما لا يعجبنا. جميل أن نذكر نجاحاته ونثني عليها بدلًا من أن ننكر عليه سلوكياته التي تزعجنا، ومن الرائع أيضًا أن نشجع أي سلوك إيجابي يعتبر خطوة صحيحة في طريق السلوك المستهدف الكامل الذي يستحق التشجيع حقًا. كما أنه من الرائع أن نمدحهم ليس فقط أمامهم، بل وأمام غيرهم من الناس المهمين بالنسبة لهم، والذين نثق أنهم سينقلون لهم رأينا الإيجابي فيهم.

من خلال ملاحظاتي المتجمعة، توصلت إلى استنتاج -بدا لي غريبًا للوهلة الأولى- بأن الرجال بحاجة إلى كلمات التشجيع والتقدير من زوجاتهم أكثر مما تحتاجها النساء! كما أن من هذه لغته الأساسية لاستشعار الحب يضايقهم الشكوى والنقد والإلحاح كثيرًا أو معارضة الشريك لأفكارهم، بقدر ما يضايقهم نقص الدعم اللفظي من الشريك. وسبق أن تحدثنا في مشكلات التواصل اللفظي عن حساسية الرجال تجاه أي خلاف في الرأي من زوجاتهم في موضوعات مصيرية هامة، وأزعم أن الرجال أيضًا حساسين لفظيًا للغاية تجاه عدم استشعار التقدير من شريكات حياتهم لهم، وعدم تقديرهن لما يقومون به لأجل دعم الأسرة. كذلك فإن من أهم ما يُشعر الرجل بالتقدير أن تأخذ المرأة رأيه في أمورها وشئونها الخاصة.

قد يقول قائل إن كثيرًا من النساء أيضًا في أوقات الشكوى قد ترد على زوجها بأنها هي الأخرى تفعل كذا وكذا للمنزل وله وللأولاد ولا تتلقى تقديرًا، لكن حقيقة الأمر أنه شتّان بين الفعل وبين رد الفعل. المرأة حين تقول هذا فليس أكثر من رد فعل على مقولة الرجل، أما الرجل فهو دائم الشكوى الحقيقية من نقص تقديرها له لأن هذا بالفعل يحزنه، بينما هي إن كانت تستشعر نقصان حبه لها فغالبًا سيكون بسبب انشغاله الدائم عنها وعدم قضاء وقت معها.

نقطة أخرى لاحظتها، وهي أن الأشخاص الذين يستشعرون الحب من خلال كلمات الدعم والتشجيع ربما كانوا أكثر قابلية للوقوع في الخيانة الزوجية من غيرهم، لأنهم الأسهل في تبدل عواطفهم وتحولها إلى شخص آخر يصبح هو مصدر الدعم في حياتهم، والذي لا يستغنون عنه! وربما لأجل ذلك كانت الخيانة أكثر انتشارًا بين الرجال.

لغة الحب الثانية: تكريس الوقت

لغة الحب الثانية؛ هي تكريس الوقت، وتعني أن الحب عند من هذه لغته هي قضاء بعض الوقت معه بشكل دوري، يتحدث فيه مع الشريك، وقد يمارسان نشاطًا مشتركًا فيه –حتى ولو كان الحديث أثناء تناول الطعام-، مما يشعر الفرد بالاهتمام والأمان والسعادة.

ولأن قضاء الوقت يتوفر كثيرًا في مرحلة الخطبة حيث يتحدث كلا الطرفين كثيرًا رغبة من كليهما في التعرف على الطرف الآخر، فإن الصدمة تكون مفجعة بعد الزواج لمن تكون هذه لغته الأساسية التي يستشعر من خلالها الحب، بينما تكون لغة شريكه لغة أخرى.

هذه اللغة تنتشر بين النساء أكثر، وهي سبب جملتهن الخالدة بعد الزواج "أنت لم تعد تهتم بي"! فكثيرًا ما تكمن الإشكالية وراء اختفاء سعادة المرأة الزوجية في أن المرأة ترى أن عدم حديث الرجل معها، وقضاءه وقته بعيدًا عنها، وممارسة أنشطة لا تجمعه بها، دليلًا على قلة حبه واعتنائه بها؛ فلا هو يهتم بعالمها، ولا هي جزء من عالمه!

والرجال في الغالب يستمرون بعد الزواج في قضاء أوقات مع أصدقائهم، وغيرها من الأنشطة الذكرية كمشاهدة مباريات كرة القدم وغيرها، التي لا تستهوي كثيرًا من النساء فلا يشاركونهم فيها. ربما كان من أسباب الفشل الزوجي إصرار الرجال على أن يستمر برنامج لقاءاتهم مع أصدقائهم بالمعدل نفسه الذي كان عليه قبل الزواج. ولا أبالغ حين أقول أن انتشار الكافيهات المزعج حيث يلتقي الرجال بعيدًا عن زوجاتهم له دوره في رفع نسب الطلاق.

كما أن الوقت الذي يقضيه كثير من الرجال في المنزل لا يعطون فيه زوجاتهم انتباههم؛ فجلوسه بجانبها في حجرة المعيشة بينما يُحدق في جهاز التليفزيون أو الكمبيوتر أو يقرأ مجلة أو جريدة ليس وقتًا يمضيه معها ويتحدث إليها، وقد ذكرنا عند الحديث عن الاتصال البصري أن المرأة لا تشعر بالانتباه إلا عندما ينظر الرجل إليها، حتى لو كان يسمعها بالفعل. كما ذكرنا في الفصل الخاص بأساليب التواصل أن المرأة لا تريد في أغلب الأحيان أكثر من الفضفضة مع الرجل عما يزعجها، فهي لا تطلب منه النصح بل الإنصات! وهو ما لا يفهمه أغلب الرجال.

في مصر، كانت هناك عادة منتشرة في بيوت الطبقة العليا والطبقة المتوسطة من المجتمع المصري حتى أواخر القرن الماضي، وهي جلسة شاي وحلوى وقت الأصيل قبل غروب الشمس، وكانت لقاء العائلة اليومي الذي يتحدث فيه الزوجان والأبناء، ويعرف فيها الجميع أخبار باقي أفراد الأسرة. كانت جلسة يومية تعمق الروابط الأسرية وتشيع الدفء في العائلة، وتُعرِّف كل فرد من الأسرة ما يحب ويكره الأفراد الباقون. لكن مع أهمية تلك الجلسات التي تضم الأبناء فإن جلسات الزوجين الخاصة لا غنى عنها.

إذًا فالمقصود بتكريس الوقت هو إعطاء الانتباه الكامل لشريك الحياة، إعطاؤه وقتًا كافيًا –ليس بالضرورة أن يكون طويلًا- يتبادلان فيه الحديث عن أحوالهما وما يشغلهما، وربما يتشاركان في نشاط معًا. أن يكونا معًا، وليس أن يكونا فقط في المكان نفسه! وأن يكونا معًا تعني أن يعرف كل منهما عن الآخر أدق تفاصيل حياته، وكل ما يحب وكل ما يكره، وعندما يسترجعان شريط حياتهما معًا يكون بإمكانهما أن يجدا العديد والعديد من الذكريات المشتركة، وهي ما يمكن أن نُطلق عليه اسم "ذكريات الحب".

وأحيانًا تكمن المشكلة ليس في عدم رغبة الرجل تخصيص جزء من وقته لقضائه مع زوجته، ولكن المشكلة أنه لا يعرف كيف يتبادل معها الحديث، لا يعرف كيف يحدثها عن نفسه لأنه لا يجيد التعبير اللفظي عن أفكاره ومشاعره الشخصية، وليس المقصود هنا أن يخبرها بحبه، فهذا تبسيط مُخلّ لحجم المشكلة.

كما قد تكمن المشكلة في طريقة تعبير المرأة عن رغبتها في تكريس زوجها لبعض من الوقت يقضيه معها؛ لأنها ببساطة تصيغ طلبها صياغة عامة، وليس صياغة محددة؛ فالرجل غالبًا لا يعرف ماذا عليه أن يفعل تحديدًا، فإن أردتي منه أن يخرج معكِ للتنزه أو لتناول الطعام وحدكما أخبريه عن رغبتك بشكل محدد. ومن المهم للغاية عدم الإلحاح خاصة إن كانت لغة الحب لزوجك هي اللغة الأولى "كلمات الدعم والتشجيع"؛ فهؤلاء يكرهون الإلحاح والشكوى تمامًا وربما يعاندون!

ولا يعني هذا أنه لا يوجد رجال يتشكون من أن زوجاتهم لا يضعونهم على قائمة أولوياتهن، لكن بالتدقيق نجد أن أغلب شكاوى الرجال من انشغال النساء تكون منصبة في حقيقة الأمر على لغة الحب الرابعة "تقديم المساعدة والخدمات"؛ فهو لا يشتكي أنها لا تمنحه جزءًا من وقتها لتقضيه معه، بل يشتكي تقصيرها في أداء الأعمال المنزلية، والفرق كبير.

ملحوظة أخيرة لاحظتها في علاقة الأبناء بالآباء تتعلق بتكريس الوقت، وهي أن اندماج المراهقين في جماعات الأقران بشكل كلي أو جزئي يرتبط بدرجة أساسية بتكريس الوالدين أوقاتًا لهم في مرحلة الطفولة؛ فالوالد الذي يُكرس وقتًا كافيًا لابنه في طفولته يقوي علاقته به لدرجة الصداقة في الكِبر، بحيث لا يغنيه أقرانه عن أبيه مهما كانوا مقربين منه، وعلى العكس من ذلك قد تنقطع علاقة المراهقين بآبائهم لأنهم عانوا في طفولتهم من نقص تخصيص أوقات يقضونها معهم.

لغة الحب الثالثة: تبادل الهدايا (تهادوا تحابوا)

لغة الحب الثالثة، هي تبادل الهدايا. "تهادوا تحابوا"، فإن كانت لغة الحب الثانية؛ تكريس الوقت، تصنع "ذكريات الحب"، فلغة الحب الثالثة تصنع "تذكارات الحب".

ولا يخلو زواج في أي ثقافة حول العالم من تبادل الهدايا، بل إن إعلان الارتباط يبدأ بخاتم يهديه الزوج إلى زوجته. في ثقافتنا العربية يُسمى هذا الخاتم بالدبلة، ولا بد من قطع ذهبية أخرى تُهدى إلى العروس تُسمى الشبكة، تختلف قيمتها وحجمها من منطقة إلى أخرى، وإن كانت الظروف الاقتصادية الطاحنة قد ساهمت في تقليلها، لكنها لا زالت باقية لأن هناك من لغة الحب الأساسية عندهم هي تلقي الهدايا! فالحب ليس عطاءً معنويًا فقط بل ومادي أيضًا!

والهدية في حقيقتها هي رمز مادي له قيمة عاطفية. لكن الهدايا ليست ذهبًا ومجوهرات فقط، ولا يلزم أن تكون غالية الثمن، بل تكمن قيمتها في أن من أهداها قد فكّر في إسعادك، وانتبه إلى ما يعجبك، فانتقى هديته لتناسب ذوقك. والتفات شخص إلى قيمة الهدية التي أُهديت له ربما كان علامة سوء في شخصيته، لكن ربما كان أيضًا لأن الهدية بسيطة للغاية بحيث لا تتناسب إطلاقًا مع المستوى المادي لمن أهداها.

هناك صعوبتان تتعلقان بهذه اللغة من لغات الحب، إحداهما ذكرها د/تشابمان في كتابه، وهي أن الشريك المطلوب منه إسعاد شريكه التي هذه لغته، عليه تعلم كيفية اختيار الهدايا أو صنعها، وربما كانت الاستعانة برأي الأصدقاء وأفراد العائلة مفيدة.

الصعوبة الأهم من وجهة نظري التي لم يذكرها د/تشابمان هي أنه وإن كانت المداومة على الهدايا شيء جيد في الثقافات الغربية إلا أن هذه اللغة للحب يصعب أن تكون لغة رئيسية في ثقافتنا للتعبير عن الحب؛ بحيث نعطي هدايا بشكل مستمر كما نفعل في كلمات التشجيع وتكريس الوقت، ولو فعل زوج مصري هذا سيساور القلق زوجته بأنه ولا شك اقترف كارثة ويسترضيها ليقلل قوة الصدمة إزاء فعلته.

في ثقافاتنا العربية غالبًا ما تقترن الهدايا بالمناسبات، وقد تكون هذه المناسبات مستجدة كترقية حديثة أو عودة من سفر، وقد تكون ذكرى كعيد الزواج وعيد الميلاد، وهذه الأمور الأخيرة يصعب على الرجال كثيرًا تذكرها، فلا يشترون الهدايا المتوقعة منهم لزوجاتهم، وتنشأ المشكلات من جرّاء ذلك.

وكفرق ثقافي إضافي بين ثقافتنا والثقافة الغربية في التعبير عن الحب بلغة العطاء المادي، كثيرًا ما يستبدل الزوج الهدايا بالنقود في المناسبات كالأعياد، أو يعطي الزوجة بطاقة بنكية للسحب منها بشكل دائم وشراء كل ما تريد بدلًا من التفكير في شراء هدايا قد لا تناسب ذوقها.

قد يظن بعض الناس أن الأفراد الذين يفضلون الهدايا المادية للتعبير عن الحب ماديون متطلبون بطبعهم، والحقيقة أن هذا ليس شرطًا على الإطلاق، وأحيانًا ما تكون هديته المادية التي يطلبها هي وجود شريكه نفسه جانبه في مواقف حياته الصعبة. ربما يختلط علينا الأمر في هذه الحالة، فهل هي تكريس للوقت أو تقديم هدية؟! لكن لأنه ليس أي وقت، ولأنها أوقاتنا الصعبة، فوجوده المادي في حد ذاته هو هدية.

كما أن هؤلاء الأشخاص يقدرون الهدايا من نوعية أن يشتري شريك الحياة وجبات طعام جاهزة أو يتولى أمر الشواء عوضًا عنهم في العزائم، أو حتى تقديم ورود أو هدية للمنزل، أو أن تدفع صدقة جارية عنهم، كما أنهم يحبون الهدايا التي تُصنع لأجلهم مهما كانت بسيطة.

لغة الحب الرابعة: تقديم المساعدة والخدمات

لغة الحب الرابعة هي تقديم المساعدة والخدمات. ولا يجب أن نتصور أن هذه اللغة تنتشر بين الرجال فقط فيشعرون أن المرأة التي تؤدي الأعمال المنزلية بمهارة تحبهم لأجل ذلك، فهناك نساء كثيرات أيضًا من هذه النوعية التي تُقدر للغاية المساعدات والخدمات، وتستشعر أن الآخر يحبها عندما يقوم بها لأجلها، وكما يمكن أن نجد رجلًا يشكو أن زوجته لا تكوي ملابسه أو لا تطهو طعامه، يمكن أن نجد امرأة تتشكى من أن زوجها لم يصلح لها صنبور المطبخ أو أنه كثيرًا ما ينسى إخراج كيس القمامة!

ولا يقتصر تقديم المساعدة والخدمات على الأعمال المنزلية. الفكرة أن هؤلاء يشعرون بالحب ويجدونه أكثر عند مساعدة الآخرين لهم في تنفيذ أي عمل أو مشروع. أن تعمل أشياء من أجلي يعني أنك تحبني.

وتقديم المساعدة والخدمات ليست كتكريس الوقت الذي نقرر فيه فقط أن نكون على سجيتنا مع شريك حياتنا، وأن نمارس أنشطة ممتعة كالتنزه أو تبادل الحديث، بل يستلزم القيام بالخدمات والمساعدات بذل الجهد، وكما أن بعض الناس يسيء فهم فكرة تكريس الوقت فيعتقد أن وجوده في الحجرة نفسها بينما يتشاغل عن شريكه بشيء ما يعني أنه يهتم لأمره، فكذلك هناك من يؤدي تلك الخدمات مع التبرم وإظهار الاستياء، فيستحيل أن تكون والحال كذلك تعبيرًا عن الحب.

من أهم ملاحظاتي حول من لغة حبهم تقديم المساعدة والخدمات أنهم من أنصار الدور الجنسي التقليدي؛ أي أنهم يحتفظون في أذهانهم بتصور تقليدي عن الأدوار التي يجب أن يلعبها الذكور وتلك التي يجب أن تؤديها الإناث، وليس لأي منهم أدنى رغبة في القيام ببعض أدوار الجنس الآخر التقليدية، فكما يستحيل على رجل منهم أن يغسل الأواني أو يساعد في تنظيف الأطفال فإن المرأة منهم تنتظر من الرجل أن يقوم بصيانة المنزل بنفسه، وكما يكره هو أن تشتري طعامًا جاهزًا أو تحضر خادمة إلى المنزل، تكره هي أن ترى عمالًا في المنزل لإصلاح الأشياء البسيطة فيه! كما أن الرجل الذي هذه لغة حبه الأساسية لا يحب أن تعمل زوجته خارج المنزل أو تكثر الخروج من المنزل حتى للزيارات العائلية.

وقد ذكرنا سابقًا أن الرجل عادةً يستخدم الصيغة الآمرة كأسلوب ذكري في التواصل لضمان تحقيق طلباته إن تأخرت المرأة عن تلبيتها، فإن كانت لغة الحب الأساسية التي تشعره بالحب هي تقديم الخدمات فأوامره التي يلقيها لا شك تُلحق الأذى النفسي بشريكته. يمكن استبدال الأمر بالطلب لأن تلقي الأوامر يُضيع جو المحبة والود، وتضرره لن يقل عن مستوى تضررها. يمكنه أيضًا أن يحدد لها طلباته منها بوضوح، وربما يضع قائمة بما يحب أن يكون عليه شكل المنزل عند عودته، وأن يتحمل دوره في الأعمال التي يقوم بها الرجال عادة ولا يتهرب من أدائها ويلقيها عليها.

لغة الحب الخامسة: الاتصال البدني

يعتبر الاتصال البدني لغة الحب الخامسة التي تشعرنا بحب شريك الحياة لنا. وهي تبدأ من الأيدي المتشابكة وحتى العلاقة الحميمة بين الزوجين.

الشد على الأيدي والعناق تحديدًا لا يتوقفان على العلاقات الزوجية، فهما من قنوات التواصل غير اللفظي العالمية التي نُشعر بها الآخرين بحبنا ومساندتنا لهم خاصة في أوقاتهم الصعبة.

على العكس من تكريس الوقت فإن مجرد الجلوس بجانب شريك الحياة أثناء مشاهدة التليفزيون أو القيام بأي نشاط مستقل بجانبه يعتبر تعبيرًا عن الحب لمن تكون لغة حبهم الأساسية هي الاتصال البدني.

وشريك الحياة (زوجًا أو زوجة) الذي يكون اللمس طريقته في التعبير عن الحب لا يكثر فقط من الاقتراب وملامسة شريكه، بل ويعبر عن حبه بالطريقة نفسها مع كل فراق ولقاء قصير، فبمجرد الخروج من المنزل والعودة لا بد من تقبيل وعناق قصير. وهو يحب أن يسير بجانبه في الطريق وقد يمسك يده، وينزعج كثيرًا عندما يشعر أنه ينفر من المشي إلى جانبه فيتقدم أو يتأخر!

وإن كانت الخيانة الزوجية تؤثر في أي إنسان طبيعي، فإنها لدى أصحاب لغة الحب الخامسة تكون مدمرة لهم على المستوى الإنساني، فالطريقة التي طالما اعتبروها تعبيرًا لهم عن الحب يتم التعبير بها لشخص آخر!

وكثير من الرجال يعتقدون أن الاتصال البدني هو لغتهم الأساسية للحب لمجرد أنه يشعر بالرغبة الجنسية نحو زوجته، وهذا خلط كبير؛ فلغة الحب الأساسية هي اللغة التي تُشعر الشخص أنه محبوب، والتي يُعبر بها الشريك لهم عن الحب. فإذا ما كانت العلاقة الزوجية الحميمة لا تكفي وحدها لتشعر الرجل أن زوجته تحبه –وكثيرًا ما يكون الأمر كذلك-، فهذه ليست لغته الأساسية للحب.

وينبغي أيضًا ملاحظة أن الرجل تنشأ لديه الرغبة في العلاقة الحميمة مع زوجته لأسباب فسيولوجية حتى ولو لم يكن يستشعر حب زوجته له، وذلك على العكس من أغلب النساء اللاتي يستحيل أن يرغبن في تلك العلاقة ما لم يكن يحببن أزواجهن ويشعرن كذلك بحبهم لهن.

ينبغي أيضًا ملاحظة أن هذه اللغات الخمس ليست قاصرة فقط على التعبير عن الحب في العلاقة بين الزوجين، بل هي لغاتنا التي نعبر بها عن الحب لكل الناس، كبارًا وصغارًا، قطعًا مع اختلاف درجة علاقاتنا بهم. ولكي تنجح علاقتك مع أي إنسان بدءًا من ابنك الصغير ووصولًا لزميلك في العمل أو جارك في السكن ينبغي أن تعرف لغة الحب الأساسية التي يفهمها وتؤثر فيه لتتعلمها كي تعبر له عن نواياك ومشاعرك الطيبة نحوه عن طريقها. هذه هي اللغة التي يمكن أن تخاطبه بها فيفهمك، ويشعر بحبك له.

لكن، من منا لا تسعده كلمة طيبة، كلمة تقدير وتشجيع ممن يحبهم؟ ومن لا يشعر بالسعادة عندما يقضي وقته معهم؟ ومن لا يشعر أن من أهدى له هدية يحبه ويفكر فيه؟ ومن منا لا يمتن كثيرًا لمن ساعدوه في إنجاز عمل وخدموه بطريقة أو بأخرى؟ ومن لا يشعر بالدفء والأمان عندما يمسك بيد أحبائه أو يحتضنهم؟

الحقيقة الدامغة أننا كلنا كبشر نفهم تلك اللغات الخمس لكن بدرجات مختلفة، والحال يشبه من يتكلم لغة أم، ولغات أخرى بعضها قد يتقنها لكن ليس إلى درجة إتقان اللغة الأم، وبعضها يتحدثها بدرجة ضعيفة.

وأسهل طريقة لنعرف اللغة الأساسية للحب لشخص ما هي من نوعية الشكوى التي يبديها الشخص تجاه شريك حياته، لأنه حين يشتكي يكشف دون قصد سبب نقص شعوره بالحب؛ فهل هو يشتكي أنه لا يُقدِّره أو من أنه لا يقضي الوقت معه أو ......؟ وليس بالضرورة أن نكون نتذمر لدرجة الشكوى فيمكننا أن نعرف لغتنا من مراجعة ما نطلبه من الشريك ومن الآخرين ذوي الأهمية في حياتنا. كما أن طريقتك في التعبير عن حبك للآخرين قد تعبر عن لغة الحب الخاصة بك التي تتمنى أن يخاطبوك بها، لكن ربما كانت تعبر أيضًا عن تنشئتك الاجتماعية.

أمر آخر هام ينبغي لفت النظر إليه وهو أنه في حال كان للزوجين لغة الحب الأساسية نفسها، فإن هذا لا يعني بتاتًا أن كلًا منهما سيجيد مخاطبة الآخر بها، ففي بعض الأحيان تكون للتنشئة الاجتماعية في بيئتين مختلفتين تأثيرها السلبي على إمكانية التفاهم؛ فقد يشتركان في كونهما يرغبان في كلمات التشجيع، ولكن أساليبهما التعبيرية تختلف، كما قد تختلف المواقف التي يرونها جديرة بالاهتمام وتشجيع شريك الحياة عليها، وقد يشتركان في أنهما يرغبان في تكريس وقضاء الوقت مع الشريك ويختلفان حول نوعية الأنشطة والاهتمامات التي يمكن أن يقضوا أوقاتهما فيها! كما قد يختلفان على نوعية الهدايا التي يجدها كل منهما مناسبة للآخر! وقد يكونان ثنائيًا لغته الأساسية هي تقديم المساعدة والخدمات لكن الرجل لا يقبل أن يقوم ببعض الأعمال التي تربى في منزله على أن المرأة فقط هي من تقوم بها، والعكس، فلا هو يمكن أن ينظف المنزل بالمكنسة، ولا هي ستعتني بحديقة المنزل أو تشتري الطلبات لأن والدها هو من كان يقوم بهذه الأعمال! 

من أجل ذلك، لا يكفي أن نعرف لغة الحب الخاصة بشريك حياتنا، بل أن نفكر بدماغه، ونسأل أنفسنا عما يمكن أن يسعده حقًا. تريد أن تقضي معه وقتًا اقضه في مكان يحبه هو، لا المكان الذي تحبه أنت. تريد أن تشتري له هدية، اشترِ ما يعجبه هو، لا ما يروقك أنت. تريد أن تطهو له اصنع له طعامه المفضل. حاول أن تتوافق مع نفسيته، مع تطلعاته، مع رغباته. يمكن أيضًا أن تخيّره.

كثيرون تكمن مشكلتهم في محاولاتهم الدءوبة لإسعاد من يحبونهم والتقرب منهم، لكن على طريقتهم هم. علاقاتهم مع الناس أشبه بمن يمسك قوسًا، يرمي به أسهمًا كثيرة، لكن أي من تلك الأسهم لا يصيب الهدف، ولا حتى يقترب منه. ثم يشتكون بعد ذلك عن سر عدم تقبل شركائهم لهم، وابتعادهم عنهم.

باختصار، فكر كما لو كنت زوجتك، وفكري كما لو كنتِ زوجك.

والأمر يستحق المحاولة. علينا أن نفهم أن تعلم لغة حب شريك الحياة ومخاطبته بها لإرضائه عاطفيًا من الأساليب الناجحة عند إعادة فتح صفحة جديدة بين الزوجين، يتطلعان فيها للمستقبل، وينسيان ما أفسداه في الماضي في علاقتهما نتيجة التعامل الخاطئ لكل منهما مع الآخر.

هناك أيضًا نقطة هامة أخيرة أشير إليها، وهي أنه بالرغم من اتفاقي مع د/تشابمان في أن أغلب مشاكل التواصل تأتي من عدم توافق ما يقدمه لنا من يحبونا مع توقعاتنا منهم، وأنهم لو تعلموا أن يتوافقوا مع توقعاتنا ويخطبوا ودنا بما يسعدنا سيكون ذلك رائعًا، لأن الحب هو شيء نقدمه للآخر وليس لأنفسنا، نلبي به احتياجه، ليرتد ذلك إلينا، لكن بالرغم من ذلك، أرى أن د/تشابمان قد فاته أن يلفتنا إلى ضرورة الانتباه إلى ما يُقدم لنا كتعبير عن الحب وتقديره أيًا كان اللغة التي يُقدم بها، لأن الحفاظ على العلاقات الإنسانية في النهاية مسئولية الطرفين، وكل شخص منا مهما تعلم التعبير بلغة الآخر ليسعده سيبقى أسهل عليه أن يُعبر بلغته، وبدلًا من أن يتحدث كل منا لغة الآخر العاطفية لِم لا نتحدث معًا باللغتين معًا ونقدرهما معًا لنصل إلى الإشباع العاطفي لكلينا معًا؟ مع ذلك أتمنى ألا تكون هذه الفكرة الأخيرة رِدّة لمن فهم فكرة لغات الحب فيستسهل ويعبر عن حبه بلغته هو فقط، ويتناسى لغة الآخر التي هي السبيل الحقيقي لإسعاده، لتبقى فكرة لغات الحب بالنسبة إليه تنظيرًا لا حظ له من التطبيق!

 

د. منى زيتون

...........................

* ملحوظة: فكرة لغات الحب مأخوذة عن د/جاري تشابمان، لكن ما ورد في هذا المقال ليس نقلًا عنه.

 

يُتَهَمُ الاسلاميّون بانهم لاولاءَ لهم لأوطانِهم، انطلاقا من مقولة: (انّ وطنَ المسلمِ عقيدتُهُ) . وهذه المقولة (وطنُ المسلمِ عقيدتُهُ) لاتتنافى ولاتتقاطع مع قدسيّة الوطن التراب ؛ فقد جاء عن الرسول صلى الله عليه واله وسلم انّ: (من قُتِلَ دونَ ارضِهِ فهو شهيد) . وقد جاءت الايات لتؤكدّ الترابط والتواشج بين الوطن الارض والوطن العقيدة يقول الله تعالى: (لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّه عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) الممتحنة: الاية: 8، فنرى في هذه الاية علاقة ورابطة بين الدين والاخراج من الاوطان . وجاء في اية اخرى مدحا للمهاجرين الذين اخرجوا من وطنهم وضحّوا بالاموال ابتغاء مرضاة الله، وقد قدم الاخراج من الديار على التضحية بالاموال، لان فراق الوطن اقسى على النفس من التضحيّة بالمال . يقول الله تعالى: (لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ)

الحشر: الاية: 8 .وجاء في مدح الانصار: (وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) الحشر: الاية: 9، فهناك رابطة وعلاقة بين الدار والايمان .

ونرى هذه العلاقة بين الدعاء بالامن للوطن، ورزق اهله من الثمرات، وبين الايمان بالله واليوم الاخر للتاكيد على الوشيجة القويّة بين الوطن الارض والوطن العقيدة.

يقول الله تعالى حاكيا عن خليله ابراهيم في دعائه:اذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۖ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَىٰ عَذَابِ النَّارِ ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) البقرة: الاية: 126 وفي دعاء اخر لابراهيم ينقله القران الكريم يؤكد على الرابطة القوية بين الوطن (الارض) وعقيدة التوحيد، يقول الله تعالى:

(وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الْأَصْنَامَ) ابراهيم:الاية:35 .

الوطن في اللُغَة

يقول ابن منظور في لسان العرب: (الوطن: المنزلُ تُقيم فيه، وهو موطن الانسان ومحلهُ، واوطان الغنم والبقر مرابضُها واماكنُها التي تاوي اليها، يقال: اوطن فلان ارض كذا وكذا اي اتخذها محلا ومسكنا تقيم فيه) ابن منظور، لسان العرب، مادة وطن، ج 6، ص 949 .، وقد وردت مادة وطن في القران الكريم بمعنى المكان والمقام فيه، في قوله تعالى: (لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ ۙ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ ۙ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ)التوبة: الاية 25.

وفي الوطن الارض يقول الرسول (ص) حينما اخرجه قومه من وطنه مكّة:

(ما اطيبك من بلد واحبَكِ اليّ، ولولا انّ قومي اخرجوني منك ماسكنتُ غيرَك) .

الطغاة والمصلحون

الطغاة وعلى طول الخط يتهمون دعاة الاصلاح، بانهم مثيروا فتنة، وانهم يخونون اوطانهم . وقد اتهم فرعون موسى عليه السلام بانّ مشروعه السيطرة على البلد ونفي الشعب وفرعون خارج البلد، يقول الله تعالى: (قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَىٰ) طه: الاية: 57 . وفي اية اخرى يحرّض فيها فرعون بني اسرائيل على موسى (ع) متهما اياه بانه يريد نفي بني اسرائيل من وطنهم، يقول الله تعالى:

(يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ) الشعراء: الاية: 35.

المفهوم الاحادي للوطن منشا الكوارث

الحركات المتطرفة لها نظرة احادية للوطن، فهي تحصر الوطن بالوطن العقيدة، وتزدري الوطن الارض، والذي هو نزوع فطري عند الانسان، وهو عند الكائنات الحيّة الاخرى غريزة، فالحيوانات ترتبط بالمكان، وتقيم لها مكانا تأوي اليه مع صغارها وتدافع عنه . وهذه النظرة الاحادية، قسّمت الوطن الى دار حرب ودار اسلام، فسيّد قطب في كتابه (معالم في الطريق) يرى ان وطن المسلم الذي يحّن اليه ليس قطعة ارض . وجاء في كتاب المعالم ايضا: ان الوطن ليس هو ارض مصر، وانما الوطن هو الاسلام . ولكن هذه نظرة احاديّة اختزاليّة للوطن . فعبد الحميد بن باديس الذي اعتبر حب الجزائر لايتعارض مع حب العروبة كدائرة اكبر، ولايتعارض مع الانسانيّة الدائرة الاوسع . وهذه الدوائر تتكامل ولاتتقاطع.

وراي سيّد قطب تبنّاه شكري مصطفى، زعيم جماعة التكفير والهجرة، فهو لايجيز الدفاع عن ارض مصر، والانخراط في صفوف جيشها دفاعا عن الارض والوطن، يقول مصطفى شكري في التحقيقات: ص 1540 مايلي:

(اذا اقتضى الامر دخول اليهود اوغيرهم فان الحركة حينئذ ينبغي الاّ تبني على القتال في صفوف الجيش المصري، وانما الهرب الى اي مكان امن؛ اذ خطتنا هي الفرار من العدو الوافد تماما كالفرار من العدو المحلي وليس مواجهته) .

ويتحدث القاضي جواد ياسين بهذه اللهجة الحادة، في كتابه (مقدمة في فقه الجاهليّة المعاصرة)، ص 105:

(عندما تنسلخ الاوطان من رداء الاسلام، ينحسر عن المسلم واجب الدفاع عنها، والجهاد في سبيلها ... بل وقد يجد نفسه ملزما بمجاهدة وطنه، ومقاتلة اهله) .

وطنان لاوطن واحد

اذا تعاملنا مع الانسان ككيان واحد بسيط ينتمي الى هذا العالم، عالم الملك، الى الدنيا ؛ فحينئذ يكون الحديث عن وطن مُلكي، وطن دنيوي، وطن الجسد . اما اذا تعاملنا مع الانسان ككائن ثنائي له روح وجسد ؛ فعندها سيكون له وطنان، وطن ينتمي الى عالم الملك، الى عالم الدنيا، الى وطن الجسد . ووطن اخر ينتمي الى عالم الملكوت، وطن الروح، وطن الاخرة .

وطن الجسد ينتمي الى الارض مبدا ومصيرا، يقول الله تعالى:

(مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَىٰ) طه: الاية: 55

(هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ ۚ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ)

هود: الاية: 61 .

والوطن الاخر، وطن الروح، فيبتدا من الله وينتهي اليه، يقول الله تعالى:

(إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) البقرة: الاية: 156.

الدولة الحديثة

الدولة الحديثة تحدثت عن وطن واحد، لانها دولة تنتمي الى هذا العالم، ولاتبحث عن ماوراءه ؛ بل ترى ان البحث عن ماوراء هذا العالم بحث بلا معنى ولاجدوى، وهي غير معنيّة به .

الحداثة كلها تتحدث عن وطن واحد يحتضن الانسان من الولادة الى الوفاة، وهو غير معنيّ بما بعد الموت .

وفي الختام، الذين تبنّوا احادية الوطن جلبوا الكوارث على امتنا وشعوبها، هذا ماصنعته داعش واخواتها من قتل وتنكيل وتدمير لكل الاوطان . والنظرة الثنائية للوطن هي نظرة واقعيّة تتعامل مع الكائن الانسانيّ بواقعيّة .

وانهي الحديث بالقول: انّ الاسلاميين الذين اتهموا بعدم ولائهم لاوطانهم، كانوا اشدّ الناس دفاعا عن الاوطان . ففي الجزائر كانت الثورة الجزائرية اسلاميّة في منطلقاتها وقيادتها، وفي العراق كانت ثورة العشرين التي خلصت العراق من الاحتلال البريطاني، كانت اسلامية بقيادتها وجماهيرها ونخبها . واليوم اسلاميّوا لبنان هم من حررّ الارض، واسلاميّوا العراق هم في طليعة من واجه داعش، وحرر الارض . فلو كان ولاؤهم لغير اوطانهم، فما معنى بذلهم للدماء والتضحيات بسخاء.

 

زعيم الخيرالله