جواد بشارةالبرنامج الأوروبي أقليدس Euclid وتلسكوبه الفضائي الذي يحمل نفس الإسم يطمح لتعقب آثار الكون المرئي لكي يفهم هذه الكينونة الغريبة الطاغية على مكوناته والمعروفة بإسم " الطاقة المظلمة أو السوداء أو المعتمة أو الداكنة التي يفترض أنها هي التي تقف وراء توسع الكون وتمدده .

ما هو الهدف الأساسي من سعي البشر لاستكشاف الفضاء الخارجي ومعرفة أسرار الكون والحياة رغم الجهد الشاق والمخاطر والكلف العالية ؟ منذ القدم، وحتى قبل بداية التاريخ المكتوب والمدون للبشرية، كان الإنسان يتأمل ويتساءل ويخاف من الظواهر الطبيعية كالزلازل والبراكين والعواصف والفيضانات والبرق والرعد وقساوة الطبيعة وفتك الحيوانات المفترسة وعلى نحو خاص الخوف من الموت المتربص بالإنسان في كل لحظة. ماذا يمثل الإنسان نسبة إلى الكون المرئي العاجز عن تصوره أو إدراكه؟ لقد أعتقد الإنسان قبل قرون طويلة أنه مركز الكون وكل شيء معد من أجله ولا يوجد غيره من يستحق هذه المكانة فالأرض موطنه وهي مركز الكون، والشمس والقمر موجودان لإضاءة ليله ونهاره، والنجوم لتزين سمائه، بيد أن العلم الحديث والتقدم العلمي والتكنولوجي حطموا هذا الوهم وأظهروا الإنسان على حقيقته وإن أرضه وشمسه وسمائه، بل ومنظومته الشمسية برمتها، لاشيء نسبة إلى الكون وهي أصغر من ذرة غبار في صحاري العالم أو أصغر من قطرة ماء في محيطات العالم فشمسنا ليست سوى نجم متوسط متواضع يقبع في أحد ضواحي مجرة درب التبانة من بين 300 مليار نجم تفوقه حجماً وكتلة وطاقة، والأرض واحد من الكواكب التي تعد بمئات المليارات ايضاً في درب التبانة وحدها فما بالك في باقي المجرات التي تؤثث الكون المرئي والتي تزيد على 300 مليار مجرة؟ حصلت انعطافة في مطلع القرن الحادي والعشرين، بفضل التلسكوبات الفضائية والأرضية المتطورة والدقيقة جداً وعمليات الرصد والمشاهدة والحسابات والقياسات بمساعدة الكومبيوترات العملاقة التي تقوم بمليارات العمليات الحسابية في الثانية الواحدة، وتبين للبشر أن 68% من محتويات الكون الطاقوية تفلت من حساباتهم وحدود مداركهم وهم لايعرفون سوى 4.9% فقط من المادة المرئية وإن 25% هو عبارة عن مادة سوداء أو مظلمة مجهولة الهوية وخفية، غامضة وغير معروفة الماهية، كما ذكرنا في الحلقة السابقة. إلى جانب ذلك توجد كينونة كونية أخرى لاتقل غموضاً ولغزية وغرابة وهي الطاقة السوداء أو المظلمة أو المعتمة أو الداكنة حسب مختلف التسميات في الوسط العلمي الفيزيائي وعلم الكونيات. ففي السابق، وقبل سنوات الثلاثينات من القرن الماضي، القرن العشرين المنصرم، كان العلماء على علم، بفضل مشاهدة ورصد العالم الأمريكي إدوين هابل، بأن الفضاء في حالة توسع وإن المادة، بواسطة قوتها الثقالية الجاذبة تكبح وتحاول أن تمنع هذا التوسع الكوني، وإن مستقبل الكون المرئي يعتمد على نتيجة الصراع والمبارزة بين التوسع والجاذبية أو الثقالة، ولكن المعادلة تخلخلت بدخول عامل الطاقة السوداء أو المظلمة حيث لاحظ العلماء أن الفضاء لايتوسع فحسب بل ويتسارع في توسعه وتمدده، مايعني أن هناك امتدادات مكانية هائلة تقف وراء الأفق الكوني لكي يلج فيها التوسع الزمكاني الكوني، إلا أن الكينونة التي تتسبب في هذا التسارع التمددي والتسارع التوسعي تظل لغزاً وتزداد غموضاً، فلا أحد يعرف طبيعتها أو ماهيتها أو كميتها الحقيقية سوى أنها تشكل 68%، وهل هي موجودة منذ البدء، أي منذ ولادة الكون المرئي؟ وماهو معدل تأثيرها وتوسيعها للكون؟ يعتمد علماء الكونيات والفيزياء النظرية على المهمة القادمة للوكالة الأوروبية للفضاء وآلتها المذهلة أقليدس التي ستطلقها في سنة 2022.

كل شيء بدأ سنة 1998 مع حملات التدقيق والتأكد التي واكبت مشاهدات ورصد إنفجار مستعر أعظم سوبرنوفا الذي ازداد سطوعه بما لا يقل عن 200 مليون مرة درجة سطوع الشمس مرئيا بالعين المجردة من الأرض. من هنا صارت المستعرات العظمى مثار اهتمام العلماء باعتبارها عينات للقياس لأن درجة سطوعها الحقيقية باتت معروفة مما جعلها ثمينة من الناحية العلمية. فلقد كان صعباً على العلماء معرفة سبب خفوت سطوع إحدى النجوم المشاهدة بالعين المجردة، هل السطوع الضعيف ذاتي ومرتبط بحقيقة النجم أم لأن هذا الأخير بعيد جداً؟ وبالتالي تم حسم الأمر بفضل المستعرات العظمى السوبرنوفا لأن سطوعها ذاتي ويترجم مسافاتها الحقيقية لذلك تحولت إلى بطاقات تعريف أو علامات تؤشر على المسافات بالرغم من حقيقة أنه يوجد في الكون المرئي أو المنظور حوالي 100 مليار نجمة تولد وتموت كل عام، وهو ما يعادل حوالي 275 مليون في اليوم، أو 11.5 مليون في الساعة.

ورغم سطوع النجوم والمستعرات العظمى وكثرتها في الفضاء تبدو السماء مظلمة وكالحة أو معتمة والسبب هو المسافات الهائلة بين النجوم وبين المجرات . وأكثر الأجسام الفضائية عتمة وظلمة في الكون المرئي هي الثقوب السوداء. وهي أجرام أو نجوم في غاية الكثافة والإنضغاط مولدة حقلاً ثقالياً كثيفاً جداً إلى درجة أنه يجذب أي جسم وأية مادة في الفضاء بما في ذلك الضوء تمر بالقرب من الثقوب السوداء من هنا لايمكن رصدها على نحو مباشر لأنها لاتعكس أية إشعاعات أو ضوء وبالتالي لابد من اللجوء إلى الطرق غير المباشرة، وكانت نظرية النسبية العامة قد تنبأت بوجود مثل هذه الأجسام الفضائية إلا أن سلوكها يستدعي اللجوء إلى فيزياء الكموم أو الكوانتوم التي تصف العالم الذري ومادون الذري، والحال أننا لم نعثر بعد على النظرية الموحدة بين دعامتي الفيزياء المعاصرة وهما نسبية آينشتين والميكانيك الكوانتي أو الكمومي. ولقد اكتشف العلماء أن الثقوب السوداء موجودة بوفرة وبمختلف الأحجام وفي مختلف مناطق الكون وداخل جميع المجرات تقريباً، أشهرها الثقوب السوداء النجمية التي تبلغ كتلتها حوالي مائة مرة كتلة الشمس وأصل نشوئها نجم هائل الكتلة وصل إلى نهاية عمره وتطوره وازدادت كثافته وانضغط في حيز ضيق جداً وكتلة هائلة مما قادة ذلك إلى أن ينهار على نفسه بفعل قوة ثقالته . وهناك الثقوب السوداء العملاقة trous noirs super massif الهائلة الكتل التي تبلغ 4 ملايين مرة أكبر من كتلة الشمس، ويوجد أحد هذه الثقوب السوداء الهائلة أو العملاقة في مركز مجرتنا درب التبانة، يبتلع كل مايمر بالقرب منه على مسافة 12 مليون كلم، ويعتقد بعض العلماء أن جزء من الثقوب السوداء المنتشرة في الكون المرئي تمثل جزءاً من المادة السوداء غير المرصودة، وهي ثقوب سوداء قديمة أولية أو أصلية نشأت منذ اللحظات الأولى لولادة الكون المرئي وسط منطقة كثيفة من الفضاء الكوني تبلغ كتلة بعضها 30 مرة كتلة الشمس ولعبت دوراً جوهرياً وأساسياً في تشكيل بنية وهيكيلية الكون. ولكن يعتقد العلماء أن بعضها تبخر كما تنبأ العالم البريطاني الراحل ستيفن هوكينغ المتوفي سنة 2018، والذي تحدث عن وجود شعاع غير منظور يخرج من الثقب الأسود سمي بشعاع هوكينغ يجد تفسيره في الفيزياء الكمومية أو الكوانتية ولم يتم بعد اكتشافه مختبرياً .

هناك أيضاً في الكون ما يسمى بالمجرات السوداء أو المظلمة وهي تبدو وكأنها خالية من النجوم تقريباً من هنا سبب عدم سطوعها والتي يفترض أنها تكونت في المليار الأول من عمر الكون وتحتوي على غازات كونية سوداء أو معتمة وقليل من النجوم السوداء أو المظلمة التي يعتقد أنها مكونة من المادة السوداء. ويحاول العلماء رصدها أو الكشف عن وجودها بفضل الكوازارات، وهي الأجسام الأكثر سطوعاً في الكون ومن المحتمل أن ضوء الكوازارات قد قام بتأيين ioniser، الغازات المجاورة لتلك المجرات المظلمة ولقد اكتشف فريق بحث أوروبي ESO 12 من هذه المجرات السوداء أو المظلمة سنة 2012 . أحد هذه الكوازارت هو الكوازار HE 0109-3518، الواقع على بعد 11 مليار سنة ضوئية عن الأرض ما يعني أنه تشكل عندما لم يبلغ الكون المرئي من عمره سوى بضع مليارات من السنين. كما رصد تلسكوب غيا Gaia الأوروبي الفضائي سنة 2018 مجرة سوداء أو مظلمة جديدة بالقرب من مجرتنا درب التبانة ولم يرصدها أحد قبل ذلك التاريخ لذلك سميت " المجرة الشبح galaxie fantôme وهي مجرة أنتيلا 2 Antila" يتبع

 

د. جواد بشارة

 

رائد عبيسدائماً ما يدور البحث عن تطبيق العدالة وحلم تطبيقها في المجتمع، من قبل رجال الفكر والفلاسفة والقانون و العدالة والناس المظلومين، الذين يتمتعون بطموح سيادة العدالة في المجتمع، من خلال مجتمع يؤمن بها، ويعي ضرورة تطبيقها بشكل عام لا خاص . فالمجتمع قد يثور على دولة لا تتحقق العدالة بين مواطنيها وافراد شعبها، أو قد يثور فرد على أسرته عندما لا يعدل معه في توزيع الميراث ،أو حتى في المعاملة، أو تثور المرأة على زوجها ، لعدم عدالته بينها وبين ضرتها، وأمثلة ذلك تطول، مادام لكل فرد في المجتمع له حق، عليه أن يطالب بالعدالة .

وبما أن الظلم الذي يقع على المجتمع، متأتي في الغالب من سلطة الحكم وقانونه ،أو من رجال ظالمين مرتبطين بالسلطة، بحيث يستشعر الجميع أن العدالة غائبة تماماً، عندها يتساءل الجميع عن العدالة ويفكر لها وبها، ويبحث عن مصادرها، والتي عادة ما يتذكر شخص عادل من التأريخ يُذكر أسمه كرمز للعدالة وأحقاق الحق، فاستياء المجتمع، وتذمره ،واعتراضه، وثورته، وتظاهره، واحتجاجه، وتمرده ،وأضرابه، و استنكاره، وكل فعل ممكن أن يمارس ضد غياب العدالة ويكون الناس فيه على حق . فهم بذلك يسألون عن العدالة ويسعون لتطبيقها، ولكن هل يؤمنون بتحقيقها بعيداً عن الأنانيات، والعلاقات، والمحسوبيات، والاتفاقيات الظالمة والمؤامرات ؟ هل لدى المجتمع القدرة على تحقيق العدالة وتقبلها؟ هل لدى المجتمع القدرة على أنتاج العدالة؟ هل لدى المجتمع القدرة على استرجاع العدالة الغائبة؟ المجتمع القادر على انتاج العدالة، هو مجتمع حي، وواعي، ومدني.

هل مجتمعنا العراقي قادر على إنتاج العدالة من خلال قانونه ، وسياسته، ومؤسساته وطباع أهله ؟

إن إشكالية تحقيق العدالة، إشكالية عامة، موجودة في كل المجتمعات، حتى في المجتمعات الكثر أنصافاً لذاتها، ولكن هناك نسب مقبولة، تُقلل من معدلات المظلومية في المجتمع ،تكون كفيلة بتحقيق الاستقرار والرفاه الاجتماعي .

هناك مفارقة في هذا الأمر- ربما المجتمع متغافل عنها نتيجة تماديه في الظلم - وهي سعيه لكسب العدالة، والمطالبة بها بدون الاستعداد لتكوينها، فالعدالة التي نطالب بها، ربما هي عدالة قانونية، وليس عدالة أخلاقية، بكونها مفهوم أخلاقي ومعياري صرف – ونُطالب أيضاً بالعدالة الاجتماعية دون الاستعداد الذاتي لها! ونطالب بالعدالة التصالحية مع وجود الضغائن! فالعدالة لا تستوجب اقتران الضغينة بتحقيقها، ونطالب بالعدالة السياسية! دون وجود أخلاق الاعتراف، وعدالة الاعتراف! ونطالب بالعدالة بين ذواتنا والآخر، ونحن لا نملك رغبة التصالح الذاتي! ونطالب بتحقيق العدالة الانتقالية ، ونحن نشارك الظالم وحكمه! الذي أنتقل منه الظلم إلى عدالة ظالمة جديدة ! فتطبيق العدالة لا يعني بالمعنى الكبير الثورة على مضاداتها من أجل تحقيقها. بل تحتاج إلى استعداد ذاتي وأخلاقي للإيمان بشي اسمه العدالة، حتى نستطيع الحديث عنها وآليات تطبيقها، مع وجود مثل هذا الاستعداد- وأن كان بطريقة فردية - سيسمح إلى اشاعة هذا المبدأ وتحويله إلى مبدأ اجتماعي، يكون أقرب إلى قبول العدالة، كمبدأ مشاركة مع الجميع لا مبدأ أقصاء أو إلغاء . فالترحيب بفكرة العدالة من قبل فئة اجتماعية ما، سيساعد على إشاعة نمط من العدالة وبأي عنوان كان. فأسمى ما يكون هو أن تَنتُج العدالة من قبل المجتمع، المتربي عليها، والمتسامح في تطبيقها، ورافضاً بذلك حجم الظلم الواقع عليه. "فحلم المجتمع بحاكم عادل وهو ينتج حاكم ظالم" تعد من أكبر المفارقات التي لا تساعد أو تسمح لتحقيق العدالة بين الطرفين الحاكم والمحكوم. فالحاكم يستبد ويظلم عندما يرى المجتمع متظالم فيما بينه، منقسم على نفسه في فهمه للعدالة بحسب منفعته ومصلحته .

وعندما تكون العدالة غير متبناة أخلاقياً، سوف لن تكون قانوناً، فتحقيق العدالة عبر القانون الصارم، يعني أن العدالة غير موجود في ضمائرنا ! وطبيعة المجتمع بشكل عام، وغير مرحب بها؛ لأن هذا القانون سوف يكون قانوناً مزعجاً وتعسفياً بحسب رأي كثير من الناس.

فكيف نجعل من العدالة طابعاً اجتماعياً عاماً؟ وما الآليات المناسبة لتحسين قدرة أنتاج المجتمع للعدالة؟ هل التربية الدينية هي المناسبة لذلك؟ هل التربية الأخلاقية هي المناسبة؟ هل التربية القيمية بشكل عام هي من تساعد على أنتاج العدالة في المجتمع؟ هل التعليم له دور في ذلك؟ ما الذي يجعل المجتمع أقرب إلى تحقيق العدالة وقبولها؟ هل ممكن أن يختزل تطبيق العدالة برجل؟ هل ممكن أن يكون المجتمع رمزاً للعدالة ولا تقتصر رمزيته على فرد أو شخص ما؟ هل ممكن أن تكون رمزية العدالة مجتمعية لا فردية؟ وإذا كان ذلك ممكناً فسوف يُؤمن لنا في مستقبل المجتمع والحكم وجود أفراد عادلين في توليهم للمسؤولية، سوف يكونوا عادلين؛ لأنهم نَتاج لمجتمع عادل. وبعد هذه التساؤلات ، وحتى نكن أقرب إلى الواقع، يجب أن نسأل المجتمع ونحقق معه، هل المجتمع العراقي فعلاً قادر على أنتاج العدالة ؟ وهو يضج بالظلم وأنواعه، سواء كان ظلماً فردياً أي ظلم الفرد لذاته ،أو ظلماً أُسرياً، أو ظلماً اجتماعياً، أو سياسياً، أو قانونياً، وكل أنواع الظلم الذي يمكن يوجد في كل شيء. فالعدالة أيضاً ممكن أن توجد في كل شيء ، بما أن مجتمعنا لا يتمكن من الإجابة على هذه السؤال ؛ لأنه لو التفت لنفسه لوجد أن الظلم قد طغى في جميع مفاصله الحياتية، بل وحتى السيكولوجية، فهناك كثير من البشر لا نجد للعدالة وجود في دواخلهم! ومع ذلك يُطالبون الناس بالعدالة، وضرورة تطبيقها عندما تُمس مصالحهم ! كيف نفسر ذلك التناقض المجتمعي؟ وكيف ننقد المجتمع بها حتى يسترجع قيمتها في ذاته، ليعيش المجتمع حالة من الانصاف الذاتي المكون للعدالة بطابعها العام؟

 

دكتور رائد عبيس

 

 

عدنان عويدالدين في سياقه العام، هو جملة العقائد والرؤى والتصورات ولأفكار والمبادئ والرموز والطقوس التي يؤمن بها الإنسان ويعمل عبرها دائما على إعادة هيكلة نفسه وحياته المادية والروحية وفقا لأهداف متعالية وغايات نهائية قد حُددت له بشكل مسبّق من قبل سلطة عليا فوق قدراته وإمكاناته. وهذه السلطة العليا تختلف في طبيعتها وجوهرها وتعاليمها بين دين وآخر عبر التاريخ.

والدين أي دين عندما يتحول إلى أيديولوجيا، تصبح له وظائف سياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية بالنسبة لحياة الإنسان، وفي مقدمة هذه الوظائف، ربط الإنسان بالإله والعمل على نشر وتطبيق تعاليمه وأحكامه من قبل القوى التي حولت هذا الدين إلى أيديولوجيا، متكئين في دعواهم هذه على كل ما يحمله النص الديني من أبعاد وقيم إنسانية نبيلة تدعوا إلى الخير والمحبة والعدل والمساواة والحفاظ على حياة هذا الإنسان بكل دلالاتها ومكوناتها ويأتي في مقدمتها دمه وماله وعرضه وحق العيش في هذه الحياة عيشة كريمة. وعلى الرغم من أن هذه الوظائف أو المقاصد الدينية تتمدد أو تتقلص أثناء الممارسة، حيث تخضع هذه التعاليم الدينية لمصالح القوى التي توظف هذا الدين لمصالحها، ويأتي في مقدمة هذه القوى، القوى الحاكمة ومن يساندها أو يقف معها من رجال الدين.

أما بالنسبة  لـ "التدين" عند عامة الناس البسطاء، فيبقى له طبيعته التي غالباً ما تخرج عن إسار الأيديولوجيا بالرغم من دخول الدين في كل مسامات حياة الإنسان. ففي حالة التدين الذي يعني في  سياقه العام شكلاً من أشكال انتماء الإنسان وإيمانه وممارسته للخطاب الديني، بناءً على ما وصل إليه فهمه لهذا الدين من مصادره الأصلية (النص المقدس) مباشرة، أو بناءً على ما تعلمه في مؤسساته التعليمية، أو ما فُسر وأُول له من هذا النص الديني عن طريق مشايخ وعلماء هذا الدين، بكل انتماءاتهم الطائفية والمذهبية والطرقية، بما يتوافق ومصالح هؤلاء المادية والمعنوية، وكذلك الحفاظ على هذه المصالح وتنميتها وتطويرها. وغالباً ما يتسم هذا التدين بسمات خاصة أهمها:

1- استغلال المقدس والاحتفاء به بشكل عفوي.

2- توظيف الخوارق والخرافة لتأكيد مسائل قيمية.

3- مواجهة العلم في أغلب الأحيان بما يحمله النص الديني من أفكار عن خلق الكون وحركته وآلية عمله .

4-  الانتقائية في التعامل مع النص الديني وبت هذا النص أو الآية من سياقها العام عند توظيفها.

5-  الاعتماد كثيراً على النقل وإقصاء العقل.

6- الأخذ بعموم اللفظ على حساب خصوص السبب في فهم النص الديني وتفسية وتأويله.

7- التركيز كثيراً على القص الديني في التراث لتثبيت قيم وسلوكيات السلف الصالح الذين لم يتركوا شيئاً للأخلاف.

8- المحافظة على الشكليات في الدين، كاللباس والطعام وطرق تعامل الناس مع بعضهم، ومناسك أو طقوس الدين  والتعبد.

9- سيادة روح التسامح والعفو بين الناس أثناء تعاملهم بإسم الدين وقيمه، وغير ذلك.

من هذا المنطلق في فهمنا للدين والتدين، نستطيع التأكيد هنا على أن التدين في سياقه العام، هو محاولة أو محاولات دائمة من قبل الإنسان لخلق حالات من التطابق بين واقعه المتغير والمتحرك والمتبدل باستمرار، وبين سلطة النص الديني المقدس المفروض عليه من خارج التاريخ، بالرغم من قوة الواقع وحركته المستمرة التي غالباً ما تفرض نفسها على جوهر هذا الدين، الأمر الذي يدفع الناس إلى التمسك بأهداب الدين والمتاجرة بشكلياته خدمة لمصالحهم على حساب الجوهر الذي يتعارض في الحقيقة مع غرائز الناس ومصالهم الأنانية، وهذا ما تعبر عنه الآية الكريمة: (كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ.). الصف -3.

إن هذا السعي الدائم من قبل الإنسان لخلق حالات التوافق هذه بين مصالحه وحاجاته المستمرة والمتجددة دائماً، وبين النص الديني الثابت، جعلته يتجه في طريقين، أو يتخذ موقفين اثنين هما:

أولاً: الموقف الجبر الذي لا خيار فيه لهذه الإنسان إلا الخضوع لسلطة هذا النص المقدس، والسير وفق أوامره التي فهمها أو فسرها وأولها له أجداده من السلف بعد أن أقفل باب الاجتهاد كما هو الحال في الدين الإسلامي على سبيل المثال لا الحصر، وبالتالي العمل دائماً على ليّ عنق الواقع في كل حركته وتبدله كي ينسجم مع تفسير وتأويل هذا النص المقدس، كما فسر وأول في العصور الوسطى، حتى لا تكون هناك بدعة في حياة الإنسان التي ستؤدي بدورها إلى الضلالة فالكفر، وهذا ما يؤدي في النتيجة إلى حدوث شرخ عميق بين ما يعيشه الإنسان وبين ما يؤمن به أو يفكر فيه. وعلى أساس هذا الموقف المتناقض بين الفكر والممارسة يأتي الشطح والهروب من الواقع عند المتصوفة والفرق الباطنية، أو التطرف ومحاربة المختلف بعد تكفيره وإخراجه من الجماعة أو الفرقة الناجية عند دعاة الحاكمية. وفي مقابل هذا الموقف الجبري يأتي:

ثانياً: الموقف القدري، الذي يمنح حرية الإنسان وإرادته الدور الكبير في إعادة تفسير وتأويل النص الديني وبالتالي تسخير العقل لإعادة النظر دائماً في النص المقدس، من خلال حكم العقل على هذا النص وفتح دلالاته اللامحدودة، على كل قضايا الحياة،  خدمة لمصالح الإنسان وحاجاته التي لا تنضب، وفي هذه الحالة العقلانية في التعامل مع النص الديني، يأتي التوافق بين الفكر والممارسة في حياة الناس الفكرية والعملية، ويخضع النص في جوهره الإنساني لمصالح الناس ومراعاة خصوصيات الفرد والمجتمع، شريطة أن تراعى في هذه الحرية المقاصد الأساسية للدين طالما هي تهدف إلى احترام إنسانية الإنسان وتعمل على تنميتها وتطورها.

أمام هذه المعطيات يتبين لنا كما أن للدين وظائفه، فللتدين وظائفه أيضاً يمارسها الإنسان في حياته، وتتحد طبيعة صحتها أو خطأها وفقاً لدرجة وعيه وتفسيره أو تأويله للنص الديني، ولمصالحه وموقفه من الحياة والآخرة معا.

أهم وظائف التدين:

أولاً الوظيفة اللاهوتية للدين: وهي وظيفة تحدد طبيعتها ودلالاتها ودرجة عمقها علاقة الإنسان بالدين ذاته، لذلك، هي تتمظهر واضحة في حديثه وعلاقاته مع الآخرين وسلوكياته وطريقة لباسه وممارسته للطقوس الدينية. فهي عند المؤمن البسيط  لا تتعدى تأدية الفرائض الدينية من صوم وصلاة وزكاة وصيانة لسانه وفرجه والتمسك ببعض طقوس ورموز هذا الدين، وإن استطاع فالحفاظ أيضاً على حقوقه وحقوق الآخرين المادية والمعنوية وفقاً للمعايير الأخلاقية والشرعية التي حددها أو شرعها الدين. أما عند الرجل الذي نذر نفسه لدينه وربه، فهي تأخذ بعداً وشكلاً آخر أكثر تطرفاً، وغالباً ما تتجلى هذه الحالة عند المتصوفة العرفانيين. فالمتصوف يعتبر الوظيفة الدينية لديه ذات أبعاد روحية ومعرفية (غنوصية)، تدفع الإنسان إلى التخلي عن معظم ما هو محسوس في هذه الحياة، كي يتفرغ لعبادته ومناجاته لله التي تُوصل البعض من رجال التصوف إلى مرحلة الشطح أو التطرف فكراً وسلوكاً، إن كان من حيث لباسه، أو حديثه، أو تفكيره، أو موقفه من الحياة المادية، أو النظر في حاجاته ورغباته، أو في رؤيته الفلسفية تجاه الله. هذه الرؤية التي توصله إلى مرحلة وحدة الوجود، أو التوحد مع الله. وتاريخ التصوف ألعرفاني يعطينا نماذجاً لهذا النوع من التطرف نجدها عند الحلاج وذي النون والسهروردي ورابعة العدويّة وابن عربي وغيرهم الكثير. فمثل هؤلاء تركوا الحياة بما فيها وسلكوا طريق الجوع والتقشف ولبس الصوف والتوجه نحو الله بأرواحهم التي تسامت عن كل محسوس وغريزي. الأمر الذي جعل الكثير من معاصريهم، وبخاصة من كان لهم وظائف دينية تخدم السلطات الحاكمة، يجدون في هؤلاء المتصوفة خطراً على الدين نفسه من جهة، وخطراً على سلطة الحاكم الذي غالباً ما كان مستبداً، كونهم قد لمسوا عند هؤلاء المتصوفة العرفانيين مواقف تميل للفقراء والمحرومين والتضحية من أجلهم، وهذه المواقف تُهدد معاقل الحكام ومن يُسبح بحمدهم من جهة ثانية. وهذا ما أدى إلى قتل الكثير من هؤلاء تحت ذريعة الشذوذ والتطرف والشطح في الدين.

ثانياً: الوظيفة السياسي للدين: هي وظيفة متعددة الأغراض، يمكننا تحديد أبعادها في التالي:

1- الوظيفة الدعوية:

وهي وظيفة يقوم بها رجال دين متخصصون في دراسة العقيدة وأصولها وأحكامها الشرعية، وغالباً ما يوظف هؤلاء الدعاة الذين يفسح لهم المجال واسعاً لنشاطهم الدعوي في الجوامع وقنوات الإعلام، من أجل نشر فكر ديني محدد غالباً ما يصب هذا الفكر نهاية المطاف في خدمة القوى السياسية الحاكمة ومنحها الشرعية.

2- الوظيفة المدخليّة:

وهي وظيفة يؤديها أيضاً نخبة من مشايخ ورجال الدين المتخصصين في فهم العقيدة، وهذه الوظيفة تتجسد في خدمة مؤسسات الدولة الدينية، فهم موظفون دولة يؤدون وظائف دينية خدمة لهذه الدولة وما تمثله من قوى حاكمة، يقتصر دورهم في الظاهر على نشر القيم والرؤى الدينية التي تدافع عن السلطة وتبرر أو تشرعن لها أعمالها بإسم الدين، وكثيراً ما يستغل رجال ومشايخ هذا التيار الديني الفسحة الواسعة لحركتهم الدينية فكراً وممارسة كي يقوموا بنشر الفكر السلفي الأصولي التكفيري من خلال دروسهم الدينية في الجوامع وعبر وسائل الإعلام المتاحة لديهم وغير ذلك من مؤسسات دينية، ونتائج هذا النشاط تجلت واضحة في ما سمي ثورات الربيع العربي، كما هو الحال في سورية حيث تجلى هذا الدور التسيسي للدين واضحاً من مواقف من حَمل لسلاح ضد الدولة وكثرة عددهم وتوجهاتهم الفكرية.

3- الوظيفة الجهادية للدين وتشمل:

أ- الوظيفة الجهادية التكفيرية:

 وهي وظيفة تؤديها قوى اجتماعية غالباً ما تكون ذات طابع تنظيمي أو حزبي، تعمل خارج نطاق الدولة، وتتخذ في حركتها التنظيمية والجهادية طابعاً سرياً.

تنطلق وظيفة هذا التيار، من أن هناك خالقاً لهذا الكون بكل ما فيه وعلى رأسه الإنسان، الذي خلقه الله فسواه فعدله، وبالتالي رسم له طريقه في لوح محفوظ من ولادته حتى مماته، وهو الذي أنزل عليه القرآن ليبين له ماذا له من حقوق وما عليه من واجبات، وبالتالي ما عليه إلا أن يطبق ما جاءه في هذا القرآن، الذي عرفت فيه الأجيال الأولى من الصحابة الصراط المستقيم، وعليه الاقتداء بهم والخلاص من كل مفاهيم الجاهلية (الوضعية) التي ابتدعها الإنسان وادعى بأنه قادر بها أن يحدد مصيره بنفسه. ومن خلال هذا المنطلقات جاءت الحاكمية ومن هم مسؤولون عن تطبيقها من النخب التي نذرت نفسها لفهم هذه العقيدة والعمل على تطبيقها فكراً وممارسة ولو بحد السيف، وبالتالي فكل من يخرج عن هذه الحاكية فكراً وممارسة فهو كافر وخارج عن الدين يُحل دمه وماله.

ب - الوظيفة الجهادية العقلانية:

 نجد في هذا الاتجاه تياراً آخر في هذه الوظيفة الجهادية، وهو التيار أو الاتجاه المقاوم، الذي اتكأ دينياً على العقل وحرية الإرادة الإنسانية، والقدرة على فتح النص المقدس بكل دلالاته الإنسانية، حيث وجد في الدين منهجاً إنسانياً وروحياً قابلاً لفهم الحياة في كل مستجداتها ومستوياتها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية، وأهم قضية هي القدرة على تطبيق مقاصد الدين الأساسية في حفظ حياة الإنسان وماله وعرضه وأرضه. تُمثل هذا الاتجاه في الحقيقة القوى الليبرالية وبعض الفصائل السياسية الإسلامية التي اعتبرت الجهاد ضد عدو الخارج وفي مقدمته الكيان الصهيوني وقوى الامبريالية والاستبداد جوهر عملها ونشاطها القائم على الدين.

ثالثاً: الوظيفة الاجتماعية (السوسيولوجية):

وهي وظيفة تقوم على أسس أخلاقية في الغالب، حيث أن الأخلاق الدينية هنا ذات طابع معياري، وهي صالحة لكل زمان ومكان، كونها ذات طابع رسم حدودها النص المقدس، وبالتالي فإن التمسك بها وتأديتها، سيضفي طابع المصداقية على من يتمثلها. من هنا تأتي وظيفة الدين الاجتماعية، ذات طابع براغماتي (نفعي) في الغالب، إما لإرضاء الله والحصول على مكافأة الجنة، أو لإرضاء المجتمع وتحقيق منافع شخصية حياتية. فكم من إنسان حج إلى بيت الله كي يستغل صفة (الحاج) التي تعطيه مصداقية أمام المجتمع وعلاقاته. وكم من إنسان كان منحرفاً في أخلاقه فتاب إلى الله، واستطاع بتوبته تبيض صفحة أخلاقه بتربية دقنه وحمل سبحته ومسواكه، أو في صلاته وصيامه. ومع ذلك فنحن لن نعدم  بعض المواقف الدينية الصادقة النابعة عن تمثل حقيقي لقيم الدين، ولكنها قليلة.

رابعاً: الوظيفة الثقافية:

وهي برأي الوظيفة الأكثر تعقيداً، والأكثر خطورة على حياة الفرد والمجتمع، كونها تشكل حاجزاً أمام إبداعات الإنسان. فالثقافة كما نعرفها هي كل ما قام الإنسان بإنتاجه تاريخياً عبر علاقته مع الطبيعة المجتمع من قضايا مادية وروحية بما فيها قابليات الإنسان ومهاراته الفكرية والعضلية التي اكتسبها عبر تلك العلاقة التاريخية. وإذا كان الدين كما جاء في النص المقدس يسمح بالحصول على المعارف الدنيوية وطلب العلم من المهد إلى اللحد، وهو لا يدخل في نطاق الكفر وانكار الخالق، واعتبر العلماء بمثابة الأنبياء، فلا مشاحة إذاً بممارسة النشاطات العلمية أو الثقافة في الزراعة والصناعة والتجارة، والفن والأدب والفلسفة وتشغيل العقل ومهاراته في التحليل والتركيب من أجل ابتداع الحلول الكفيلة لتخليص الإنسان من سيطرة القوانين العمياء في الطبيعة والمجتمع، ونؤكد هنا على القوانين الاجتماعية التي يخلقها الإنسان بنفسه أثناء إنتاجه لخيراته المادية والروحية، حيث يتحقق ضياعه وغربته واستلابه وتشييئه وعذاباته عبر هذا الإنتاج. بيد أننا نجد بعض القوى الدينية السلفية الظلامية المعاصرة التي تفهم الدين وتفسره أو تأوله بعقلية القرون الوسطى وما حملته تلك القرون من صراعات فكرية ذات طابع مذهبي وسياسي ما بين أهل العقل والنقل، ما بين أهل الجبر والقدر، حيث تحارب هذه القوى الجمودية الامتثالية كل جديد تفرضه طبيعة الحياة ويعبر عن القيم الإنسانية الإبداعية النبيلة. فهي تحارب الفن الذي يمثل جسد الإنسان، كون هذا التجسيد برأيهم يمثل حالة وثنية قام الإسلام بمحاربتها، وبذلك قتلوا إبداعات الإنسان الفنية تحت مفهوم الحرام. وهذا ينطبق على رجال القانون، حيث اعتبروا أراءهم والقوانين التي يسنونها هي خارج النص الشرعي الذي سنه الله وتحدي له. وهذا ينطبق على محاربة الفلسفة التي تحرك عقل الإنسان وتفسح المجال أمامه في التحليل والتركيب لكل الظواهر التي يتعامل معها ومنها الدينية ذاتها، كما تجعل الإنسان يتساءل عن لماذا ظهرت هذه الظاهرة ؟، وكيف؟. وأين؟ وهي أسئلة وجد فيها أصحاب هذا الفكر الديني الظلامي خروجا عن الفهم السلفي للنص الديني كما فهمه مشايخ الطرق والفرق والمذاهب، الذين طالبوا المسلمين أن يستسلموا لتفسير وتأويل النص كما فهمه هؤلاء المشايخ، واعتبروا أصحابه ومن تبعهم هم الفرقة الناجية، وكل من يخالفهم في التفسير والتأويل كافر ومن الفرق النارية التي يُحل دم ومال أتباعها. من هذا المنطلق الفكري الجمودي الوثوقي، قالوا إن الفلسفة تؤدي إلى الإلحاد، وكذلك حاربوا الفن القصصي، تحت ذريعة أن القرآن يقص علينا أحسن القصص.. وهكذا نجد بمثل هذه الوظيفة القمعية للثقافة بإسم الدين، قد تم القضاء تاريخياً على أهم إبداعات الإنسان ومهاراته الفكرية التي سمح النص الديني نفسه ضرورة استخدامها في التعامل مع النص الديني ذاته والبحث عن حقيقته، (ألا يفكرون، ألا ينظرون. الخ.) ثم أن هذه المهارات الفكرية وحدها من يستطيع العودة به دائماً إلى مرجعتيه الإنسانية، لتفسح في المجال واسعاً أمام ثقافة المحبة والتسامح واحترام الأخر والاقبال على الحياة الدينا اقبالا خيراً واعتبارها طريقا صالحا للآخرة، على اعتبارها متاعاً يدخر فيها الإنسان كل الخير لأخرته. إن ثقافة الكره والظلام والجمود التي  تعمل القوى السلفية التكفيرية على تعميمها اليوم، هي ثقافة ما ضوية تجاوزها الزمن منذ ألف عام ونيف، هذه الثقافة التي أُعطيت صفة التقديس، وتحولت مع مرور الزمن عند دعاتها إلى جزء من التكوين النفسي والأخلاقي والوجداني والمخيالي للفرد والمجتمع، بل جعلت في الحقيقة من يسيرون في ركابها يعيشون حالات من الانفصام والازدواجية ما بين قيم العصر الذي يعيشونه، وهي القيم التي تفرض نفسها بالقوة على حياتهم اليومية المباشرة، وبين قيم الماضي التي تغذي قلوب وعقول الناس عبر المدرسة والإعلام والجامع، كي تعمل دائماً على إعادة إنتاج عالم الغيب بديلاً من عالم الشهادة، عالم كره الحياة بدلاً من عشقها، عالم حور العين وسواقي الخمر والعسل واللبن، وجنان الخلد، بدلاً عن عالم الأرض التي أمر الله تعالى أن يكون الإنسان فيها خليفة له ويعمل على إعمارها وتحقيق سعادته فيها، من منطلق اعمل لدنياك كآنك تعيش أبداً، واعمل لآخرتك كآنك تموت غداً.

 

د. عدنان عويّد - كاتب وباحث من سورية

 

 

سليم مطرلماذا تخلى أكراد العراق، عن الانتماء الى (حضارة) اربيل العراقية العريقة، واختاروا الانتماء الى (لا حضارة) ميديا "الأُمّيـــة" الايرانية؟

ـ من غير المعقول الافتخار بدولة (ميديا) "الأمية" التي لم تستطع ان تكتب حرفا واحدا عن نفسها؟ بل كانت عاجزة حتى عن إقتباس كتابة وحضارة جيرانها العراقيين!؟

723 سليم 1

- المصادر الوحيدة الوحيدة عن هذه الدولة، هي المخطوطات العراقية(آشورية وبابلية)، ثم اليونانية!

ـ لقد فرض التزييف القومي نفسه حتى على الاعلام العربي، بل حتى على ويكيبيديا العربية! والطريف ان هؤلاء المزيفون يضطرون الى وضع صور تمثل آثار حضارات ايران اللاحقة (اخمينية وبارثية وساسانية)، بل حتى آثار عراقية، وينسبونها الى (الميديين)!!؟؟

ـ يكفينا نصف ساعة من مطالعة ويكيبيديا الانكليزية او الفرنسة او بأية لغة عالمية،(Medes)، لنسف كل هذا التهويل والتزيف عن (الحضارة الميدية)!!! جميع المصادر العالمية الحديثة تتفق على التالي: 

تاريــخ الميدييــن

723 سليم 2

يبدأ تاريخ إيران المعروف والرسمي بظهور(الميديون) في وسط الهضبة الايرانية بين جبال زاغاروس، وعاصمتهم (أكبتان ـ همادان حاليا)، في الالف السابق للميلاد، أي بعد ظهر الحضارة العراقية بأكثر من الفي عام. المصادر الوحيدة التي ذكرتهم من ملوك العراق(الآشوريون) في الحقبة التي كانت فيها السلالة الآشورية تحكم عموم العراق (نينوى وبابل). يكتبون بأن (الميديين) جماعات بدوية جبلية تمتهن الغزو وتربية الخيول. وان الآشوريين مضطرون دائما لمحاربتهم والسيطرة على مناطقهم كي يمنعوهم من عبور الجبال والهبوط الى وداي النهرين. علما بأن نزوح البدو في تاريخ (بلاد النهرين الخصبة) اساسي جدا، في تكوين تاريخه وسكانه وثقافته. فمن الغرب (بدو بادية الشام: الساميون ـ العرب ـ)، ومن الشرق والشمال(بدو الجبال: ألقفقاسيون ـ الآريون ـ الأكراد). ان (قعلتي كركوك واربيل) الباقيتان حتى الآن، قد تم تشييدهما لمراقبة وصدّ بدو الجبال.

723 سليم 3

ان اول من ذكر(الميديين) هو الملك (شلمنصر الثالث ـ 859-824) في حولياته وسجل اسماء 36 من شيوخ قبائلهم. وقام غالبية ملوك آشور بشن حملات تأديبية ضدهم لايقاف هجماتهم البدوية: (شمشي حدد الخامس ـ 824-811) (حدد نيراري يي ـ 811-783). بل ذكر الملك (تغلات فلاصر الثالث ـ 745-727)، انه قام بتهجير من سكان زاغاروس 65،000 شخص الى مناطق اخرى. وقام الملكان (سرجون الثاني 722-705)، ثم ابنه (سنحاريب 704 - 681) بتشييد ثلاث بلدات في مناطقهم في ايران: بارشوش Parshuash وكيشين Kisheshinو خرخهار Kharkhar، من اجل تشجيعهم على التوطن وكذلك للحصول على خيولهم المعروفة وبعض المعادن الثمينة والنحاس. الملك الاشوري (أسرحدون 680-669) يكتب بأنه تحالف مع شيوخهم لمحاربة البعض الآخر. بل تم تجنيد الكثير منهم في الحرس الملكي في نينوى زمن الملك (أشوربانيبال ـ 668-627).

لكن رغم كل هذا، فأن الاشوريين لم ينجحوا بالسيطرة الدائمة على مناطق هؤلاء البدو، بسبب وعورة الجبال وصعوبة المواصلات. حتى نجح الميديون اخيرا في تقديم العون الى الكلدانيين (سلالة من جنوب العراق) لأسقاط حكم السلالة الآشورية. وتقول المصادر اليونانية(الرحالة هيرودوتس) فيما بعد، انه نتيجة هذا التحالف قام الملك العراقي الكلداني(نبوخذنصر الثاني 562 و 605 ق م) بالزواج من(اميتس) ابنه الملك الميدي، وشيد لها (الجنائل المعلقة) في (بابل) من اجل إسعادها وتعويضها عن حياة الجبال.

لغتهـم وثقافهم

ان المؤرخين لا يتحدثون عن(حضارة ميدية) ما داموا لم يمتلكوا حتى قدرة على الكتابة، بل يصح الحديث عن (ثقافة) مثل جميع الشعوب، بدائية أو متحضرة.

ان اللغة الميدية مجهولة، ولا نعرف عنها سوى بعض الكلمات التي ذكرها المؤرخ اليوناني(هورديت) الذي زار المنطقة بعد زوالهم بعدة قرون. ومن هذه الكلمات القليلة لوحظ وجود علاقة ما مع اللغة الفارسية وطبعا معها الكردية. مثل كلمة (سباكا spaka ـ كلب) و(اوفاسبا uvaspa ـ الخيول).

اما ثقافتهم فانه قد تم معرفتها بشكل افضل من خلال بعض الفخاريات البسيطة التي وجدت في مناطقهم، ولكن ليس من المؤكد تماما انها تعود لهم. لهذا لم تعترف بها المتاحف العالمية. كذلك هنالك حصون في المنطقة قد تكون لهم، وبعض جدارها وبواباتها قد سرقوه من القلاع الآشورية.

اما ديانتهم فأيضا لا يمكن التعرف عليها بسبب عدم وجود شهادات ولا وثائق، ولكن تم العثور على مطابخ وبقايا مباني في منطقة (تيب نوشي جان Tepe Nush-i Jan) شمال همادان قد تكون معابد للنيران. لكن ليس هنالك حتى إشارة بحرف واحد لديانة زرادشتية، او غيرها.

هل الميديـون أكراد؟!

723 سليم 5

 

هذا المقطع ننقله نصا عن وكيبيديا الانكليزية:

(اقترح المؤرخ الروسي واللغوي فلاديمير مينورسكي Vladimir Minorsky أن الميديين ، الذين سكنوا على نطاق واسع في الأراضي التي يشكل الأكراد في الوقت الحالي أغلبيتها، ربما كانوا أسلاف الأكراد المعاصرين. ويذكر أيضًا أن الميديين الذين غزوا المنطقة في القرن الثامن قبل الميلاد ، كانوا يشبهون الأكراد لغوياً. وقد قبل هذا الرأي العديد من القوميين الأكراد في القرن العشرين.

مع ذلك ، يجادل مارتن فان برويسين " - van Bruinessen ، وهو عالم هولندي، ضد محاولة الاستيلاء على الميديين كأجداد للأكراد. ويقول: "على الرغم من أن بعض المثقفين الأكراد يزعمون أن شعبهم ينحدرون من الميديين ، فلا يوجد دليل يسمح بمثل هذا الارتباط عبر الفجوة الكبيرة في الوقت بين الهيمنة السياسية للميديين واولى الوثائق عن الأكراد"

علما بأن (أكبتان ـ همادان) عاصمة الميديين، مقطونة حاليا بأغلبية فارسية وآذربيجانية بالاضافة الى أكراد.

لهذا نحن نخاطب اخوتنا الاعزاء أكراد العراق:

723 سليم 6

يمكننا تفهّم ان يتمسك (أكراد ايران) بكردية (ميديا) والانتماء اليها، ولكن لماذا انتم يا أكراد العراق؟! مثلما (العروبي البعثي العراقي) يدعي الانتماء الى (حضارة اليمن) ويتخلى عن (حضارة العراق)؟!

كونوا واقعيين يا اخوتي وإنتموا الى الارض التي تعيشون عليها انتم واسلافكم منذ آلاف السنين، أي الى (كردستان العراق). هل نسيتم ان عاصمتكم(أربيل) من بين المراكز الحضارية العراقية المهمة:

(أربيل ـ اربع إيلو ـ اربعة آلهة بالأكدي)، التي كانت عاشت مرت فيها جميع المراحل الحضارية العراقية: سومرية، آشورية، سريانية مسيحية، ثم تركمانية، وأخيرا كردية.

أخيرا لا تنسوا يا اخوتي هذه الحقيقة الجغرافية المطلقة:

ان (جبال زاخاروس) الجبارة بكاملها تفصلكم عن ايران وأكراد ايران، كما تفصلكم جبال طورورس عن اكراد تركيا!

اقبلوا بهذه الحقيقة الواقعية : كردستان العراق، جزء طبيعي من جغرافيا وتاريخ العراق، وانتم واجدادكم ساهتم مباشرة وغير مباشرة بصنع هذا التاريخ العراقي.

 

سليم مطر

..............................

ملاحظة: (سنعود قريبا بحلقات اخرى عن أكاذيب الحضارة الفارسية).

لمزيد من المعلومات طالع: (Medes) وكيبيديا بالفرنسي والانكليزي، وفيها تجدون جميع المصادر الخاصة بالموضوع .

 

 

جواد بشارةالسماء تبدو مظلمة ومعتمة رغم ما تحتويه من مليارات النجوم والمجرات والسدم والكوازارات. ومنذ عقود طويلة يسعى علماء الفيزياء والفلك والكونيات إلى فهم مم يتكون الفضاء العميق الكائن بين النجوم والمجرات ولماذا هو مظلم وأسود أو معتم، والأغرب من كل ذلك هو أن كل ما هو موجود ومرئي في الكون المنظور لا يشكل سوى 5% من محتويات الكون والباقي، أي الــ 95% ليست سوى مادة سوداء أو مظلمة وطاقة سوداء أو معتمة أو مظلمة والتي يجهلون كل شيء عنهما تقريباً فلا أحد يعرف طبيعة وماهية وخصائص هذين المكونين فهما لايصدران أي نوع من الإشعاعات وبالتالي مايزالان مجهولين، رغم مايمتلكه العلماء من تكنولوجيا حديثة ومتطورة وكمبيوترات عملاقة وتلسكوبات متقدمة  جداً فضائية وأرضية وأدوات رصد وقياس ونظريات معاصرة. بين الفينة والأخرى تظهر أفكار وفرضيات جديدة للإيقاع بتلك المادة اللغزية الغريبة المسماة المادة السوداء أو المظلمة. أو نظرية جديدة تتطلب إعادة النظر ومراجعة ضرورية لوسائل الحساب والرصد والتقصي. إلا أن المهمة عسيرة فليس لدى العلماء سوى أجهزة وأدوات تقيس وترصد كل ما يصدر ضوءاً أو إشعاعاً سواء من نوع الطيف الضوئي المرئي أو الأشعة الحمراء أو فوق البنفسجية أو أشعة إكس . والحال أن هناك تقديرات تقول أن نسبة المادة السوداء أو المظلمة الغامضة تقدر بــ 25%، والتي بدونها تفقد المجرات نجومها وتتمزق ركامات السدم وعناقيد المجرات وتتشتت ولن يعد بوسعنا معرفة أو دراسة وشرح وتفسير البنية الهندسية والتركيبة الهيكيلية للكون المرئي . كما يوجد هناك 68% من الطاقة السوداء أو المعتمة أو المظلمة التي تتسبب بتمدد الكون المرئي وتوسعه وتشوه الزمكان فيه وتباعد بين المجرات  والسدم  والتي يجب أخذها بالحسيان عندما نريد حساب أو قياس المسافات في الكون المرئي. هذا هو الواقع  المعروف للطبيعة  والكون المرئي، إلا إذا كان هناك واقع آخر مجهول وخفي مختلف تماماً نجهله في الوقت الحاضر. بعض العلماء والباحثين قدموا نظريات افتراضية ونماذج كونية  مبنية على مبدأ الاستغناء عن هذين المكونين الغامضين  فنحن نسبح فيما يمكن أن نسميه اللامتناهي في السواد والظلمة الكالحة والمعتمة التي تطغي على الكون المرئي برمته.

لنأخذ أولاً المادة السوداء أو المظلمة وندرس المعطيات التي وفرها لنا التلسكوب الفضائي الأوروبي  غيا Gaia، المكرس لمطاردة ورصد هذه المادة الغريبة المجهولة الماهية. فهذا التلسكوب الذي يراقب ويستكشف مجرتنا درب التبانة من على بعد أو مسافة 1.5 مليون كلم عن الأرض، منذ العام 2013، نجح في رصد سيل من النجوم غير منتظر أو غير متوقع، أطلق عليه تسمية أس آي SI، ويتنقل بسرعة 300 كلم/ساعة عبر مجرة درب التبانة في مناطق قريبة من منظومتنا الشمسية، وهو سيل أو تيار كثيف يسرق أولوية شمسنا ويتقدم بالضد من اتجاهها ولقد رصد العلماء مصدر هذا السيل النجمي وعرفوا أنه قادم من مجرة مجاورة في طريقها للتمدد والتشتت بسبب قوة جذب المجال أو الحقل الثقالي لمجرتنا درب بالتبانة، وتنبع أهمية هذا السيل بأنه غني ببضاعة ثمينة هي المادة الغريبة المسماة المادة السوداء أو المظلمة. وفي إطار نموذجهم الكوسمولوجي، يقدر العلماء أنه إذا لم يتفكك هذا السيل النجمي فذلك لأنه يحتوي على مادة سوداء أو مظلمة أكثر مما يحتويه من نجوم، بتعبير آخر  يوجد نوع من الإعصار من هذه المادة الغامضة والغريبة، كما جاء في دراسة نشرتها مجلة آستروفيزيك Astrophysique  أي الفيزياء الفلكية في ديسمبر 2018. ويتمنى العلماء ويعتقدون بأنهم سيتمكنون من اصطياد كينونة أو عينة من هذه المادة أسموها ويمب Wimp – weakly interactive massive paricle، بعبارة أخرى، الحصول على جسيم ذو كتلة مرتفعة نسبياً مع بقائه غير قابل للرصد تقريباً لأنه لا يضئ أو يبث أو يعكس إشعاعاً و لا يتفاعل تقريباً مع أي جسيم مادي طبيعي أو عادي، والحال أن ويمب Wimp هو الجسيم المرشح الأكثر لفتاً للانتباه لتفسير المادة السوداء أو المظلمة لذلك هناك نشاط محموم للبحث عنه أو لاكتشافه ورصده واصطياده، ولم ينجح أحد في ذلك لغاية اليوم.

في أواسط سبعينات القرن الماضي تمكنت العالمة الأمريكية فيرا روبين Vera Rubin من حساب حركة النجوم التي تدور حول مراكز مجراتها أثناء دراستها لسرعة دوران النجوم والغازات والأغبرة في أطراف المجرات ولاحظت أن النجوم والسحب والأغبرة والغازات التي تقع على أطراف المجرة تدور بسرعة أكبر مما تنبأت به النظريات الكوسمولوجية عكس ما قال به إسحق نيوتن في قانون الجاذبية أنه كلما كانت النجوم أبعد عن مركز المجرة كلما كانت سرعة دورانها أبطأ أو ضعيفة مقارنة بتلك التي تتواجد بالقرب من مركز المجرة لكن فيرا روبن لاحظت عكس ذلك وإن النجوم على أطراف المجرة تدور بسرعة كبيرة لدرجة أنها كان يجب أن تفلت وتغادر مجرتها وإذا لم تفعل ذلك فهذا يعني أن هناك مادة غير مرئية تعطيها كتلة إضافية تجعلها باقية في مداراتها وتحافظ على اتساقها، وهي كتلة غير مرئية يفترض أنها تتواجد بالقرب منها أو حولها في الهالة المجرية، ومنذ ذلك التاريخ ولد لغز المادة السوداء أو المظلمة وفيما بعد لاحظ علماء الفلك والكونيات أن تلك الظاهرة موجودة في عناقيد المجرات  وحشود المجرات  وهكذا حتى نصل إلى التركيبات المجرية القصوى الأكبر حجماً وأنها ساهمت بكل ثقلها وكتلتها منذ اللحظات الأولى للكون لكي تقوم بتشكل النجوم والمجرات والسدم وأكداس أو عناقيد المجرات والحشود المجرية التي تملأ اليوم الفضاء الكوني. وبرغم كل ذلك فإن نسبتها لا تتعدى الــ 5%،  من كمية المادة الواجب توفرها في الكون ففي أي شكل أو هيئة توجد الــ 95% الباقية وكيف نعمل لكي نرصدها ؟ كان ذلك هو هاجس العلماء إبان سنوات الثمانينات من القرن الماضي.

كان أو تساؤل طرحه العلماء على أنفسهم : ماهو شكل أو هيئة  هذه المادة الغريبة وما هي ماهيتها الحقيقية؟ قبل أن يحصل شبه توافق حول المرشح الأكثر حظاً للمكون الأولي أي الجسيم الأصغر المكون للمادة السوداء أو المظلمة ألا وهو الويمب Wimp وقاموا باستبعاد عدد كبير من العناصر المرشحة خاصة الأجسام المظلمة  أو الداكنة أو المعتمة الافتراضية. وكانت هيئة علمية فرنسية هي التي  نفذت مشروع  إيروس Eros لتبحث على مدى إثني عشر عاماً من خلال التجارب المتنوعة، عن الأجسام الأولية السوداء أو المظلمة التي افترض أنها المكون الأولي أو الأساسي للمادة وقامت بمسح الهالة المحيطة بمجرة درب التبانة بحثاً عن الأجرام السوداء أو المعتمة، ومن بينها النجوم المعروفة باسم الأقزام البنية les naines brunes، وهي نجوم لا تملك ما يكفي من الكتلة لإشعال  التفاعلات النووية التي هي مصدر الضوء في النجوم العادية، وكان التركيز على تلك النجوم القاصرة أو الضعيفة الكتلة حصراً، إلا أن النتيجة تكرست عام 2004 والتي حسمت الموقف وقالت أن المادة العادية المألوفة، الموجودة في الكواكب والنجوم، لايمكنها أن تفسر سر الكتلة الخفية للكون المرئي والتي تسمى أيضاً الكتلة المفقودة . فكل شيء يشير إلى أن هذه المادة السوداء أو المظلمة موجودة على هيئة أكثر غرابة مما كنا نظن. . من هنا برزت فرضية جسيم الومب  الخالي من الكتلة تقريباً ويتصرف على نحو سري كتوم . هناك فرضية أخرى تقول بوجود نسيج من الثقوب السوداء الأولية المجهرية والتي ظهرت في اللحظات الأولى من طفولة الكون المرئي، وهي كذلك لاتبعث ضوءاً وقامت بترتيب بنية المكان الكوني منتجة فائضاً من الجذب الثقالي، في حين يقدم علماء آخرون فرضية أن ما يفسر المادة السوداء أو المظلمة هو نوع جديد من النيترينوات العقيمة stérile، أو نوع من الآكسيونات axions، وهي جسيمات أخف من الومب، و لا يستبعد أن تكون الطبيعة أكثر غرابة وغموضاً ولغزية مما نعتقد تجعل المادة المظلمة مكون من مزيج من هذه المكونات الافتراضية مطعمة بتحوير أو تعديل طفيف للثقالة . في الوقت الحاضر يبذل العلماء جهودهم للبحث عن ومطاردة جسيم الومب وذلك بطريقتين : إما على نحو غير مباشر من خلال تفكك الومب في المسرعات والمصادمات الكبرى للجسيمات أثناء تصادمها في LHC مصادم الجسيمات الكبير في سيرن تحت الحدود السويسرية الفرنسية، وإما على نحو مباشر كما هو الحال عندما يخترق جسيم أولي جهاز الكشف على غرار غزينون ت Xenon T في مختبر غران ساسو GrannSasso في إيطاليا والذي انتهت آخر عمليات التأهيل له سنة 2018 ولكن لم يفلح أي من المنهجين في اصطياد هذا العنصر النادر المسمى ومب، ولقد استبعدت العديد من الفرضيات والنظريات في هذا المجال . ثم يأتي كشف تيار الأس إي SI من قبل التلسكوب الفضائي غيا Gaia الذي قلب المعطيات السابقة على عقب.

علماء كثيرون ومنظرون اقترحوا، منذ سنوات الثمانينات، التحرر من قبضة هذه المادة الافتراضية الغريبة  والمجهولة الماهية المعروفة باسم المادة السوداء أو المظلمة وذلك بتعديلهم لقوانين الثقالة  أو الجاذبية التي جاء بها إسحق نيوتن  والتي التصقت بحركة النجوم. هناك خرق أو شذوذ ما نتج عند تحليل وتطبيق قانون الجاذبية أو الثقالة الكونية النيوتني، هو الذي دفع العلماء لاقتراح فرضية وجود مادة سوداء أو مظلمة، وهو القانون الذي ينص على أن سرعة تنقل النجوم تقل  أو تنخفض كلما ابتعدت النجوم عن مركز المجرات في حين أن المشاهدات وعمليات الرصد أظهرت عكس ذلك، من هنا كان لزاماً على العلماء افتراض وجود هذه المادة الغريبة  والمجهولة التي لم يتم إثبات وجودها مختبرياً . من هنا أيضاً قام بعض العلماء بصياغة نظرية بديلة سميت نظرية موند MOND – modified newtonian، أي الديناميكيات النيوتنية المعدلة، وتنص على أن التعديل على قانون نيوتن يتم عند حدود عتبة محددة، عندما يكون التسارع قوياً  ـــ  كما هو الحال في مركز المجرات ـــ وفيما يتعدى تلك الحدود يحدث التعديل على قانون الجاذبية الكونية ولكن علينا أن نفهم ونتعرف على " تلك الحدود أو العتبة  المشار إليها، علاوة على أن نظرية موند لا تفسر  حركة الأجرام في المستويات القصوى الكبيرة جداً والتي تتجاوز نطاقات المجرات كالسدم والعناقيد والحشود والأكداس المجرية و لا تعير اعتباراً لعدم الاتساق والتجانس في الخلفية الإشعاعية المكروية الكونية المنتشرة التي تحتوي المكونات الأساسية وتمثل البذور الأولى لتكون المجرات المستقبلية والموجود في الأحفوريات الأولية لأول ضوء صدر بعد ولادة الكون المرئي عندما كان عمر الكون لا يتجاوز 380000 سنة، وكذلك لم تسهم هذه النظرية في توضيح سر وماهية وجوهر الطاقة السوداء أو المظلمة أو المعتمة التي سنتحدث عنها في الحلقة القادمة .

يتبع

 

د. جواد بشارة

 

هل نحن جادّون حقّاً في فَهمِ فكرِ الجيلِ الجديد؟

اللغةُ وعاءُ علومِ الكونِ، وقلبُها. (اللغة هي كل ما هنالك فهي بداية الأنا. اللغة مجموعةٌ من العلامات التي تحدد شكل العالم. علاقات أجزاء اللغة ومكوناتها التي تمثل قوانينها هي قوانين العالم. وبهذا فإن العالم، وكل حقول المعرفة، فيزياء أو ميتافيزياء، دين أو أسطورة أو سحر، إنما هي تمثلات لقوانين اللغة والنحو. والمنطق هو في الحقيقة محاولة واعية لتنظيم العلاقات الداخلية للغة. فتناقضات اللغة هي تناقضات العالم.

إن اللغة هي الوجود والإيجاد، هي وعاء الكينونة، بل هي "كن فيكون" وبمجرد وجود الله تثبت أن الوجود موجود، فلا مجال في اللغة لوجود العدم. ولا أسبقية بين الوجود واللغة، فلا واحد منهما أسبق من الآخر؛ فاللغة هي روح الكوجيتو، ولولاها لما أدركتُ الأنا في "أنا أفكر".  تلك الأنا التي هي إطلالتي الأولى على الوجود، لأنها أول وجود أعرفه وأتيقّن منه). (الدكتور منذر جلوب. "الأخلاق في بعدها الأنطولوجي". مجلة قضايا إسلامية معاصرة، ع69- 70(2019م – 1440هـ، ص54-55).

والرياضياتُ قاعدةُ العلوم بأكملِها، وهي علم العلوم، وروح العلوم.. كلٌّ من العلمين لديه آليةُ تفكيرٍ خاصة يعبِّر بها عن نفسه، سواء بحلِّ لغزٍ لغوي، أو لغزٍ رياضي لافرق، فلا يمكن أن نحلَّ مسألةً ما، أو قضيةً ما، من دون استخدامِ الألفاظِ في اللغة، والأرقامِ أو الرموزِ في الرياضيات.  علم اللغة هو علم نظري – تطبيقي، وكذلك الرياضيات هو علم  نظري – تطبيقي، بين اللغة والرياضيات علاقةٌ وثيقةٌ على عكس ما يتصورُ أغلبُنا.

والرياضياتُ لها دورٌ مهمٌ وأساسٌ في تفعيلِ الفكر، وتطويرِه، وتعليمِه الدقة في التفكيرِ، والتأمّلِ، والتحليلِ، والتأويلِ، وتوليدِ طرقِ تفكيرٍ منطقية جديدة؛ تقودُ العقلَ الى ابتكارِ الأفكارِ بالأخص إذا كان العقلُ ذكياً ومتميزاً. من كان يتمتع بذكاءٍ رياضي يستطيع الإبداع، والذكاء الرياضي يثوّر العقول. وتثويرُ العقول عملية شاقة لا يمكن لأيِّ أحدٍ أن يستوعبَها، فحين تثورُ العقولُ تبدعُ وتنتج، فالمكاسب العلمية التي وصل اليها العلم اليوم كانت من العقول الرياضية، التي انتهت بنا اليوم الى بلوغنا عالم  Apple) - ) كمثال - فلو لم تتطورْ علومُ الرياضيات لما استطاع العلمُ بلوغَ كل المنجزات التي حققها، وكلها قدمت خدمةً عظيمةً للبشرية، وعلى مختلفِ الأصعدة.

العملية الحسابية تتم داخل الفكر، والتحاورُ بها يتم بواسطة الألفاظ، ومن ثم تحليلها، بعدها تتمُّ بلورتُها بشكل أرقامٍ ورموز، ولايمكن أن نتصوَّر أيَّ عمليةٍ حسابيةٍ من دونِ أرقام. فالرياضيون يحتاجون اللغة، ولايمكنهم الاستغناء عنها بأية حالٍ؛ لأن إذا استغنوا عنها لايمكنهم حلَّ أيَّةِ مشكلةٍ ما، أو مسألةٍ رياضية ما، ولايمكن تحليلها ما لم يتوفروا على رصيد لغوي. العلاقةُ بين الرياضياتِ واللغة هي علاقةٌ وثيقةٌ تكامليةٌ لايمكن الفصلُ بينهما، والرياضيات تستوجب الصمت أغلب الأحيان لأن فيها انهماك دائم لحل مسائل وإشكالات. ومن أراد الإبداع في الرياضيات أيضا عليه الغوص في بطون كتب اللغة فالتلازم بينها وبين اللغة وثيق جدا، من يتمتع بعقل رياضي لغوي فهو ذو ثقة عالية بالنفس، وإناقة فكرية متميزة.

من هنا يمكننا القولَ: إن الطالبَ القادمَ من حقل العلوم التطبيقية (الرياضية) ويَلِجَ حقلَ العلومِ الإنسانية،  إذا كان ذا عقلٍ نيّرٍ نراه يبدع إبداعاً مميّزاً، ويكتبُ بطريقةٍ خاصةٍ عميقةٍ، وعلميةٍ، وتحليليةٍ دقيقة. يؤسسُ نصَّه على أساسٍ رياضي، يعني يبني هيكلاً رياضياً أولاً لنصِه، ومن ثمَّ يحشوه بلغتِه الخاصة، وبحسبِ رصيدِه اللغوي الذي يحتويه. وهذا ما رأيتُه متجسّداً في أسلوب الكتابةِ، والتحليل لبعض من الجيل الآكاديمي المتعلم تعليما متميزا.

أستطيع القولَ أني أأْنَسُ بفكرِ الجيل الجديد من الشباب الآكاديمي، كونه يحمل هموماً، تختلف عن همومنا نحن الكبار، وأفكارُهم تختلف عنا. شباب ذو ثقافةٍ خاصةٍ وثرية، جيلٌ واع، يدعوك حين تدخل معه في حوارٍ، أو سجال أن تكون ذا خلفية ثقافية واسعة على الأقل، ولا أقول عميقةٍ لأن العميقين هم قلة بيننا، والحوار معهم يدعوك الى التفكير بعمق، والتحليل بعمق، حتى تستطيع أن تتواصلَ مع فكرِه، والاسترسال في الحواراتِ الثرية. جيلٌ تعلمتُ منه الكثير سواء من الذكور، أو الإناث لا فرق. جيل يسأل بعمقٍ، ويجادل بعمقٍ، ويساجل بوعيٍ، وفطنةٍ، وذكاءٍ متميزٍ، وعمق. بصريح القول أشتاقُ لقاءاتِنا العلمية، والفكرية، وسجالاتنا، وجدالاتنا المتنوعة والمختلفة، التي تارة نتفق عليها كثيرا، وأخرى نختلف عليها كثيرا، وكلها أغنتْني وعبّأتْني بالوعي العميق. بعضٌ من أبنائي الشباب والشابات يدخلون معي في حوارات، وسجالات عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وليس بالضرورة أن نكون متفقين في الفكر والرأي، وأأنس معهم أكثر مما أأنس مع مجايلييّ، ليس استخفافا بأحدٍ مطلقا، إنما الثقافة العميقة وروح التطلع، والتفاؤل، والأمل، والحيوية التي يحتويها جيل اليوم المتميز تدعوني للاسترسال معهم في حوارات شيقة لا تُمل.

كإنموذج من نتاجات الجيل الجديد المتميز الذي اطلعت عليه في ضوء فهمي للعلوم النظرية والتطبيقية هو كتاب بعنوان: إشكالية التراث والحداثة في الفكر العربي المعاصر: مقدمة نظرية لتناول المعرفة العلمية الحديثة الوافدة الى بلداننا العربية ،وكتاب إبيستمولوجيا السوسيولوجيا: في (إستنهاض – تساؤل – العلم – بالمجتمع – والإنسان)  للدكتورمحمد حسين الرفاعي منذ أربعةِ أعوام الى الآن، فضلاً عن مقالاتِه اللاحقة، وأطروحتِه الموسوعة للدكتوراه، التي هي الآن تحت الطبع في ثلاثة مجلدات، والمؤلفاتِ الأخرى التي صدرت، أو التي تحت الطبع، ولقاءاتِنا المتعددة، واتصالاتِنا عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وجُلّها لقاءات علمية ثرية؛ يتخللها النقاشُ، والتحليلُ، والحوارُ العميقُ والغني بكل ما تعنيه الكلمة، وبمختلف الحقول، والمواضيع المستجدة. وانبهرتُ من طريقةِ تحليلِه مع العلم أني ابتعدت عن عالم الرياضيات أكثر من أربعين عاما. وجدتُه يستخدم رموزاً وأقواساً مختلفة في نصِّه، وهي إثارة انتباه القارئ الى التأمّلِ في العبارات، وعدمِ الجزمية في الأمور، وعدمِ الإسترسال في القراءة التي هي في الغالب قراءة أدبية صحفية؛  وطريقته رياضية بارعة في إلفات نظر القارئ وفكره الى التوقف، والتفكير، والتحليل الرياضي. وقلت في نفسي:

أتمنى أن أحظى بالفهم الرياضي، الذي كنت أتمتع به يوم كنت طالبة ثانوية ذات شغفٍ في علميْ الرياضيات واللغات معاً، لألتهمَ مؤلفاته، وكل ما يكتب لأنه يكتب بطريقة مختلفة عنا نحن الجيل القديم. وكان متفوقاً في علوم الحاسوب، والأول على الكلية في كل السنوات الدراسية، وكاد أن يقطفَ ثمرةَ الماجستير في برمجة الحاسوب، التي كنتُ أطمحُ كأمٍ تحبَّ لإبنها التفوق والنجاح، وكنتُ أتألّم كأم حريصة جدا على مستقبلِ إبنها، لكن إدراكَه للأوضاع المزرية التي تعتري بلداننا ومآسيها، وغيرتَه الشديدة على أهله وأبناء وطنه، حثّته على انتشال نفسه من العلوم الرياضية، ومن بين الحطام وأشلاء أصدقائه المتناثرة في الجامعة المستنصرية، التي تخلّفها انفجارات بغداد بين الأعوام 2004-2008 ؛ وكل ذلك حثّه على الولوج في عالم العلوم الإنسانية؛ علّه يساهم في إرساء وعيٍ أساس في علم اجتماع المجتمعات؛ لتستفيقَ من سباتِها الطويل، وتنهضَ لتؤسّسَ لنفسِها أسلوبَ حياةٍ به تقضي على العنف، وتحقن الدماء، وتحقق السلام والمحبة والراحة. ولا أكتمُ سرّاً حين علمتُ بزجِّ نفسه في حقل العلوم الإنسانية كم تألّمتُ، وكان كل همّي أن ينهي إبني مشواره الدراسي بأسرع وقت في علوم الحاسوب حتى يقطف الدكتوراه فيه، إذ رأيتُه يكرّرُ نفسَه من جديد، ويستأنفُ الدراسةَ في حقلِ (الاجتماع) الذي استغرق منه ثمانية أعوام، وقبله عامين لعلوم الحاسوب، فكان مجمل السنين التي قضاها في بيروت هي عشرة أعوام في الدراسة، ودلف العام الحادي عشر، والبحث المتواصل، الذي حرمه لذة الراحة والنوم.

الأساتذة الذين درس عليهم هؤلاء الشلة من الشباب في علوم (السوسيولوجيا  وسوسيولوجيا المعرفة بخاصة) في الجامعة اللبنانية هم نخبة في العلوم الاجتماعية، وعادة  هدف النخبة هي تخريج نخبةٍ هي قلةٌ من قلةٍ، وهذه القلة هي التي تمسكُ بعصا التغيير من الوسط، وهي التي ترمي الحجارة في بُرْكَةِ الماء الراكدة، فتستفزَّ الماءَ أولاً،  وتُحدِثُ دوائرَ معدودة في الماء الراكد ثانياً، وهكذا هو الفكر النادر لا يمكن أن يكون بمستوى أيدي الجميع، أو بمستوى عقولِ الجميع، مع كل احترامي، وتقديري، وإجلالي الكبير للعلمِ وأهلِه، وأنا من مقدسي العلم بكل فروعِه.

إذا كان العقلُ الموهوبُ بمستوى العقلِ الرتيب، إذن ما فائدة الدراسة الآكاديمية العالية، وإرهاق وتعب السنين التي يمضيها الطالب الموهوب في الدرس والتحصيل العميقين؟

إذا كان من الأجدر أن يكتب بمستوى عامة القراء؛ فما فائدة العلم الآكاديمي هنا؟

الكتابة التي يبتغيها اليوم عوامُ الناس، من ذوي العقول اليقظة أن يكتبوا بطريقة الكتابة المجانية التي لم تعد حصراً، أو حكراً على أحد؛ فالجميع اليوم يكتبون. إذا لم يفهموا الفكرَ الأكثرَ نضجاً وفهماً وعمقاً يذمّونه، فالناسُ أعداءُ ما جهلوا. والسطحية في التفكير، والجهل المخيّم على الأغلبية هما العاملان الأساسيان اللذان يقودان البعض الى الكتابة؛ لأن سوادَ الناس يقرؤون، ويفكرون، ويكتبون بطريقة شاعرية أدبية، الاّ القليل منهم الذين يصوغون فكرا يمكن قراءته، والناس يحبون الشعرَ والأدب؛ لأنهما يخدران العقولَ، والكتابة الناضجة والعميقة تثوّرُ العقولَ، والناسُ ليس لديهم طاقةٌ لتثويرِ عقولِهم، لذلك يتصدّوْن بالنهي عن الكتابة بطريقة التثوير. (لا ثمة ثورة فكرية بعامة من دون روح كلية تحملها) هذه إحدى شعارات الجيل الشاب الجديد، التي أطلقها مفكرنا المتسائل الشاب د. محمد حسين الرفاعي.

وهكذا يبدو أن لكل ثورة مهما كان نوعُها، ومشربُها تستلزم روحاً حديديةً لتحملَها.

العقول الثائرة في بلداننا تخافها السلطةُ؛ لأنها تقلب الطاولةَ على رأسها، لذلك تهاجر العقول بحثاً عن مكان آمن؛ لترسم على خارطةِ الأرض واحةَ لها؛ لتفكر بحريةٍ وأمان.

والأساتذة النخبة الذين درس عليهم الشباب النخبة، وتلقّوا تعليمَهم المُمَيّزَ على عقولِهم الكريمة، يفهمون الجيل الجديد أكثر بكثير من غيرِهم، والنخبةُ اليوم تُعَدُّ بأصابعِ اليد. تكتب النخبة بطريقةٍ تحرّكُ العقولَ الساكنةَ، وهي ما  لا تروق للبعض، التي هي لغة رياضية تحليلية ونظرية عميقة، على ضوئِها تصوغ أفكاراً وآراءَ ونظرياتٍ حديثةٍ في علم اجتماعِ المجتمعات لا يفهمها الكثيرون، ولذلك يصابون بالإحباطِ إزاءها، ويتحجّجون بطرقٍ مختلفة، ويعترضون ويرفضون أسلوبَهم في التفكير والكتابة.

للشاعر الايراني حافظ الشيرازي شطرٌ من بيت شعر بالفارسية (..كجا دانند حال ما سبكباران ساحل ها) ترجمته للعربية تعني:

...ومن أين يعلمون بحالِنا خفيفو الحَملِ على الشواطئ.

إذا كان العقلُ القائدُ بمستوى العقلِ المقود، إذن لنقرأ السلامَ على الوضعِ المزري الذي يكتنفُ بلدانَنا العربية، ومئة ألف داهية تضربنا. إذا لا يوجد عقلٌ مميزٌ يتحفُنا بشيءٍ جديدٍ يُخرِجُنا من حالة الانجمادِ والخدر الفكريين؛ فنحن لابثون بلا أدنى شكٍ نتخبَّطُ في الضبابية، وعدم وضوح الرؤية، اللتين أدّتا بنا الى الأوضاع الكارثية التي تعيشها بلداننا العربية البائسة، وعلى المدى البعيد.

كلٌّ منا له بصمتُه وأسلوبُه الخاصان بأي عمل ما نقدُّمه، والأسلوب يعكس عقلَ وشخصيةَ أيِّ أحدٍ (قل كلٌّ يعملُ على شاكلتِه). فلا يجوز لنا الاعتراض على الآخر، وذمه؛ لأن أسلوبَه لا يليق بمزاج الجمع، ولا يتفق مع أسلوبِهم، فلو تساوت الأساليب لأصبحت الحياة لا تُطاق (لو تساوت الأذواق لبارت السلع) – كما يقولون -.

جمال الحياة بالاختلاف بكل شيء، وكل منا له اختصاصُه ويمارسُ فعالياتِه في حقلِه. ولا داعيَ للخلطِ بين الاختصاصات، فكلٌ في مجالِه يحرثُ ويبحثُ، وهو مسؤولٌ عنه. من كان كاتباً فليكتبْ في حقل تخصصه وبطريقتِه الخاصة التي ليس بالضرورة أن تشابهَ الآخرَ، فأسلوبُ كلٍّ منا في العمل هو نفس بصمة إبهامِنا، التي لا تشابهُها بصمةُ أيِّ أحدٍ في الكون، وإذا أبدعَ أيٌّ منا في مجاله، بالأخص إذا كان شابّا مثقفاً، وواعياً، ذا عقل ذكي ومنفتح، والأدْرى بزمانِه وصنوف همومه ومشاكله (فأهل مكة أدرى بشعابِها)؛ فلماذا لا نفرح، ونشدّ على يديه، ولا نرميه بالحجارة.

نتمنى أن يحظى الجيل الجديد بإصغاءٍ وفهمٍ عميقين لفكره من قبل الآباء الأجلاّء، ففكر الأبناء الجدد مختلف عن فكر الآباء، وهو يحمل حلولاً حقيقية للواقع، ويجتث جذورَ الخلل، والفساد، والفوضى السائدة في مجتمعاتنا، وذلك إذا حظى بالاحتضان، والتسديد، والإعتراف الحقيقي به؛ عبر التصدي لتدريس فكر الجيل الجديد كمنهج آكاديمي في الجامعات العربية بعامة على أساتذة بارعين، وإذا تم ذلك فقد تكون لعمري النقلة الحقيقية للمجتمع العربي وأخذه الى شاطئ الأمان عبر اتخاذ القرار الصحيح على كل صعيد، فيما إذا تم الاهتمام بالجيل الشاب من قبل المجتمع ككل بدون استثناء بما في فيهم الحكام والمتسلطين على رقاب الشعوب. نتمنى أن يضعونا في صف الآملين والمتمنين، ف "ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل".

لأبنائي الشباب المتميز المتألق:

إمضوا منتصبي القامة، مرفوعي الرأس؛ ففكرُكم النيّرُ العميقُ والثاقبُ يحسدكم عليه الكثيرون، والحجرُ الكريمُ لا يمكن الحصول عليه بسهولة، وهكذا هي عقولكم.

بوركتْ مسيرتُكم الفكرية الرائدة، وتكللتْ بالعطاءِ، والإبداعِ، وقطفِ الثمار ولو بعد حين.

غُوصوا  في أعماقِ البحرِ لتلتقطوا اللؤلؤَ فما على الساحلِ الاّ الزَّبَد.

 

إنتزال الجبوري

سكرتيرة تحرير مجلة قضايا إسلامية معاصرة.

 

علي المؤمنالمسعى الأهم الذي لا يزال يعمل عليه التحالف الأمريكي ـ الإسرائيلي ـ السعودي بمزيد من القوة، يتمثل في تفكيك قواعد (عصر الشيعة) الخمس الرئيسة في الشرق الأوسط: إيران، العراق، لبنان، سوريا، اليمن، ومعها القواعد الثانوية: البحرين، شرقية السعودية، وسلخها عن بعضها، وتصنيفها جغرافياً ومناطقياً و قومياً، بهدف الإستفراد بكل منها، وتمزيقها محلياً وإقليمياً، لأن تماسك قواعد الصعود الشيعة و وحدة مساراتها العامة هو عنصر القوة الأساس لصعود الواقع الشيعي، منذ العام 1979 وحتى الآن. ولذلك فإن مدخل تحقيق التحالف الأمريكي ـ الإسرائيلي ـ السعودي لهدف إنهاء عصر الشيعة هو سلب الشيعة أهم عنصر قوة لهم، عبر تمزيقهم داخلياً، وتشتيت مساراتهم، وصولاً الى إطلاق شرارات معارك متنوعة، في داخل القاعدة الواحدة، و بين قاعدة وآخرى.

والمفارقة، أن التحالف الأمريكي ـ الإسرائيلي ـ السعودي، في الوقت يصف العلاقات بين قواعد الصعود الشيعي بأنها علاقات طائفية تتعارض مع الإلتزام الوطني والقومي، فإنه يتعامل مع قوى الصعود الشيعي على أنها مسار واحد ومساحة عمل مشتركة، ويتحرك لتنفيذ ستراتيجيته على محورين:

1-المحور العام، الذي ينفذ فيه التحالف الأمريكي ـ الإسرائيلي ـ السعودي مخططاته لضرب قواعد الصعود الشيعي مجتمعة، أي ضرب الواقع الشيعي برمته، دون فرز مكوناته الوطنية والقومية.

2-المحور الخاص بكل بلد، إذ يقوم التحالف الأمريكي ـ الإسرائيلي ـ السعودي بضرب كل قاعدة صعود شيعي بمفردها.

كما ينفذ التحالف مخططاته ـ أحياناً ـ في إطار عمل مشترك، أي تشترك فيه الأجهزة الأمريكية والإسرائيلية والسعودية معاً، في إطار لجان مشتركة دائمة أو مؤقتة. و ـ في أحيان أخرى ـ تقوم كل حكومة من الحكومات الثلاث بتنفيذ مخطط خاص بها، ضد قاعدة شيعية معينة أو أكثر.

فعلى مستوى العراق، يعمل التحالف ـ من جهة ـ على خلق مجموعة معقدة من الفتن والمعارك السياسية والايديولوجية والطقسية والإجتماعية بين الجماعات السياسية والدينية ومختلف مكونات المجتمع الشيعي، ويعمل ـ من جهة أخرى ـ على خلق توترات متنوعة بين المكونات الشيعية العراقية والجارة الشيعية إيران، بذرائع عنصرية، وخطاب مناطقي. وبمراجعة لتقرير السفير الأمريكي السابق في لبنان والكويت وسوريا وأفغانستان والعراق " ريان كروكر"، في العام 2017، والمعروف بتقرير "مجموعة مستقبل عمل العراق" لمرحلة ما بعد داعش، والمناقشات التي قادها "كروكر"، سيدرك خطورة ما يتم التخطيط له في هذا المجال.

وبموازاة ذلك، يتم قطع أي تعاون بين الواقعين الشيعيين العراقي واللبناني، أو مع البحرين وسوريا. وهو مايتم تنفيذه حيال شيعة البحرين ولبنان أيضاً. وبالنتيجة سلخ كل من العراق ولبنان والبحرين من محيطها الداعم، والاستفراد بكل منها طائفياً وسياسياً، و ذبح شيعتها بسيف القومية والوطنية، كما كان يفعل نظام البعث بشيعة العراق، وكما كان النظام اللبناني بشيعة لبنان حتى قبل أربعة عقود، وكما يفعل النظام البحريني اليوم بالأكثرية السكانية الشيعية، أو ما يفعله النظام الوهابي السعودي بشيعة البلاد.

وتتم عملية شرذمة القواعد الشيعية وتمزيقها، وخلق بؤر التوتر والأزمات داخلها،  عبر دعم الجماعات المسلحة التكفيرية، والضخ المالي الهائل، وشراء الذمم، و استخدام مختلف وسائل التحشيد الإعلامي والدعائي، و التآمر السياسي والمخابراتي. وحين نتأمل في الخطاب السياسي والدعائي للتحالف الأمريكي ـ الإسرائيلي ـ السعودي، نجده يركّز على تحويل أي لون من العلاقة بين الشيعة العرب وإيران الى معادلة ممنوعة بالمطلق، وصولاً الى تحسيس الشيعي العربي بحالة الرعب والاتهام والخيانة إذا فكّر حتى بعلاقة معنوية بشيعة إيران. وفي المقابل يعمل هذا الخطاب على توصيف علاقة القوى السنية في المنطقة بالنظام السعودي، بأنها علاقة طبيعية وضرورية.

وبصرف النظر عن تعقيدات هذا الموضوع، فإن مساعي التحالف الأمريكي ـ الإسرائيلي ـ السعودي في هذا المجال، نجحت الى حد كبير في تحقيق أهدافها. فمثلاً نجد أن القوى السنية في العراق ولبنان والبحرين تتحالف بشكل علني مع أجهزة الحكومة السعودية، بل وتفتخر وتستقوي بهذا التحالف والدعم، دون أن يعترض الشيعة على ذلك، أو تعترض الدولة؛ فذلك ليس معيباً ولا خيانة وطنية، بل هو تكافل وتكامل وتكاتف طبيعي!، على اعتبار أن النظام السعودي هو حامي الحرمين. بل وتعمل السياسة الخارجية الأمريكية والإسرائيلية، ودعايتهما، على زرع هذا الفهم في عقول المسلمين، وتكريسه وتنميته.

وفي مقابل خلق أعقد حالات العداء لإيران، فإن التحالف الأمريكي ـ الإسرائيلي ـ السعودي بات ينجح في تحسين صورة الكيان الإسرائيلي، وتصوير العلاقة معه بأنها نوع من التعامل مع الأمر الواقع، بل هي ضمانة للأمن الطائفي العربي في مواجهة (عصر الشيعة) كما ذكرنا في الحلقات السابقة.

إن الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط، ودعم نماء بلدانها سياسياً واجتماعياً واقتصادياً، واحترام حقوق إنسانها وحرياته، يواجَه بالمزيد من العقبات، وفي مقدمها الإصرار على ممارسة استراتيجية التمييز الطائفي بكل ألوانه، وتسطيح مفهوم المقاومة، وتحكيم المعايير المزدوجة في التعاطي مع القضايا. وهي عقبات يمسك بها ويجذّر وجودها في الارض التحالف الأمريكي- الاسرائيلي- السعودي، الذي يعمل على سلب أي حقوق لقوى التغيير والممانعة الشيعية، لا سيما في العراق وإيران ولبنان وسوريا واليمن والبحرين وشرقية السعودية، وتجفيف منابع القوة لديها. وبالتالي فإن هذا التحالف المهاجِم، إن لم يواجَه بالقوة العلمية والتكنولوجية والسياسية والإقتصادية والتنموية والتسليحية والمعلوماتية والإعلامية الرادعة التي تعادله كماً ونوعاً، فإنه لن يتراجع عن تشكيل شرق أوسط جديد؛ يكون فيه الشيعة المكوّن الأكثر ضعفاً وتمزّقاً، وصولاً الى تحقيق حلمهم في (نهاية عصر الشيعة).

 

د. علي المؤمن

 

 

هي رزق من الله، هدية لا تقاوم، عطاء لا ينتهي، دفق طاغ من الحب والحنان .. هي أيقونة للفرح والسعادة، ضحكتها، صوتها، خطواتها، شعرها المتطاير، كل ملامحها البريئة، تنطق بكل ألوان الخير، كرمها الإسلام ورفع من شأنها، حرم وأدها .. ميزها عن الجاهلية فأكرمها .. أخرجها من غياهب الموت إلى أعلى مراتب الحياة .. في كل مكان وضعت كانت تفيض بالعطاء والحب .. إنها المرأة ..

أكرمها الله وأعلى شأنها ..

أعطاها الله في الإسلام حقوقا كثيرة منها حق الموافقة على الزواج والزوج، حق المهر، إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان، حق العيش والموت بكرامة وغيرها .. وألغى كل ملامح الجاهلية الظالمة .. ليأبى المجتمع أن يعطيها حقوقها فيعود بها إلى مخالب الظلم والظلمات ويعود بها إلى العبودية !

زواج القاصرات أحد مظاهر العبودية التي تعود إلينا بحلة جديدة، التي تستضعف المرأة وبدلا من أن تعطيها حقوقها فأنها تسلبها كل الحقوق بل وتضع على عاتقها الكثير ..

ما الاسباب وما الدوافع؟

 تختلف من أسرة إلى أخرى، أحيانا يكون الفقر سيد الموقف فيقوم ولي الأمر ببيع ابنته كأنها قطعة أثاث للبيع واستلام مهرها ثمنا لها والذي هو أحد حقوقها !

و أحيانا يكون الجهل سيد الموقف، ظنا منهم أن الفتاة خلقت للزواج والخدمة والتربية والعبودية فقط! فلا حق لها في التعليم ولا حق لها في العمل !

المال هو سلطة أقوى من كل شيء، تجعل أصحابه ذوي سلطة نافذة، فتسول لهم أنفسهم حق شراء الفتيات الصغيرات، كسلع تشترى بثمن بخس يرضي رغباته فيلقيها ويبحث عن الأخرى !

قسوة الأهل وظلمهم، يد أخرى تمتد الى أعناق الفتيات، تجعلهن يهربن من منازلهن ظنا منهن أنهن يهربن من الجحيم الى الجنة فإذا بهن يلقين بأنفسهن إلى الهاوية!

الخوف المتعلق بالموروثات الاجتماعية أحيانا كثيرة يدفع الأهل والفتيات لاتخاذ قرارات خاطئة، من ضمنها الخوف من هاجس العنوسة التي وضعوا لها خطوطا حمراء كثيرة وفترة عمرية لا يمكن تجاوزها، مما يجعل الفتاة والأهل يقعون في فخ زواج القاصرات غير مبالين بما يقع على الفتاة من ظلم وكبت ودفن للرغبات والكرامة !

نحن نرى منكرا بحق بناتنا وأخواتنا، ووجب علينا تغييره، عملا، قولا أو بأضعف الايمان . علينا توعية المجتمع والأسرة والفتيات بحقوقهن وأضرار الزواج المبكر عليهن نفسيا جسديا واجتماعيا ..

لابد أن نجد استراتيجيات واضحة للحد من زواج القاصرات بالتوعية الإعلامية، سن قوانين رادعة وتحديد عمر قانوني للزواج، والتوجيه الديني والثقافي للأفراد والأسر بحقوق المرأة في الدين والمجتمع

 

د. فرح الخاصكي

 

نايف عبوشبين معيارية المعرفة الإسلامية وعبثية المناهج التفكيكية

لا ريب أن النص القرآني باستقامة نصه، مبنى ولفظا ودلالة، ليس من وضع البشر الذي يحتمل كلامه الخطأ والصواب، والاستقامة والعوج، ناهيك عن إعجازه اللغوي، والبياني المذهل، الذي أفحم عند نزوله قوماً هم أهل الفصاحة، والبيان. ومع أن قيميته واستقامته التي تمثلت في نفي التناقض مطلقاً عن ألفاظه، ومعانيها من جميع الوجوه؛ جاءت إخبارًا مباشرًا من الله تعالى (قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ)، (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا)، فإن المتتبع لمصدرية النص الإلهي للقرآن، يلاحظ أن أساطين كفار الجاهلية قد أقروا بها عند نزوله، يوم سلموا بعجزهم المطلق عن محاكاته، أو الإتيان بمثله، على بلاغتهم المعروفة، وجزالة ألفاظهم، وكفرهم الصريح به ابتداء، بعد أن استهلكوا كل ما دار في خلدهم من ادعاءات زائفة، وهم أرباب الفصاحة، من أنه قول شاعر، أو قول ساحر، أو قول مجنون، حيث يشار في هذا المجال إلى أن رأس كفارهم، الوليد بن المغيرة، حين سمعه، وهو من بين أبلغ فصحائهم يوم ذاك ؛ قال في القرآن: (والله إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق)، وكل كلام يعاد ويتكرر يمل ويضعف إلا القرآن، لا يخلق على كثرة الرد، بما يعني أن اقترابه المتجسد في فهم النص القرآني على حقيقة لغة وحي التنزيل، بحسه اللغوي الفطري، هو ما حضر في عقله يومئذ، الأمر الذي اضطره على مكابرته، وعنجهيَّته إلى الإقرار التام، بأن النص القرآني ليس من وضع البشر.

وهكذا نلاحظ أنه ربما لو افتقر القرآن الكريم إلى مثل إعجازه اللغوي والبياني المذهل، عند قوم هم أهل صنعتها، لكان من السهل الطعن في إلهية مصدره في لحظة النزول، دون حاجة إلى انتظار ابتكار مناهج تأويلية حداثية لاحقة لتوكيد مثل هذا الطعن المتهافت .

وبذلك فقد ترسخت حقيقة إلهية النص القرآني الدامغة، في المتراكم من الثقافة العربية الإسلامية على مر الأجيال، كما أقرها فطاحل فصحاء، ونحويي وبلغاء العرب، على السليقة، كبديهية يقينية مطلقة، لا تتزلزل أمام أي ادعاء طارئ مناقض لها، من قبيل ما بات يُعرَفُ منها اليوم بالمناهج التأويلية الحداثية على اختلاف مسمياتها .

ومع ذلك، فلا يزال بعض المهووسين بالمناهج الحداثية في تأويل النصوص، يتعمدون إسقاطها على قراءة النص القرآني، وإخضاعه لتأويل متعسف،تبعاً لما تمليه عليهم معايير استخدام هذه المناهج في التعامل مع الوحي القرآني، كما لو أنه نص إنساني عادي، تشكل في إطار بيئته الاجتماعية مكانا، وزمانا، مما يسوغ لهم القول بتاريخية القرآن على تعالي نصه، حيث تكون سلطة القارئ في هكذا منهجيات تاويلية تفكيكية، فوق النص القرآني، وبالتالي تكون موجهة له بألفاظه ودلالته، الأمر الذي يمكنها من أن تستولد بتأويليتها الحداثوية المزعومة معاني جديدة، على وفق معايير تعاطي القارئ مع الألفاظ المستولدة .

 ولذلك فإن اعتماد منهجيات لا تتوافق أكاديميا مع منهجيات البحث المعتمدة في المتراكم من المعرفة الإسلامية في تأويل النص القرآني، والانسياق وراء ثقافة التفكيك، والتهافت على القراءة التأويلية الهدامة، والعزوف عن تمعن النص القرآني بمقاييس الفهم اللغوي العربي الفصيح، الخالي من عجمة المناهج الحداثية التي رطنت بها ألسنة المتنطعين بالغزو الثقافي،

 تظل أمرا غير مقبول علميا، ولا مستساغ منطقياً، مهما أضفيت عليها من نكهات زائفة تحت ستار الحداثة، والمعاصرة، وذلك بغض النظر عن قدسيات النصوص الدينية، والحصانة الأخلاقية التي ينبغي أن تحاط بها، ناهيك عن كونها خروجا على مبدأ الحياد والموضوعية، في البحث العلمي المنصف؛ حيث يفترض أن تتطابق أدوات البحث، ومنهجياته التأويلية، حداثية، أو ما بعدها، مع معايير المعرفة المعتمدة في اللغة العربية، وعلوم القرآن الكريم، أولا وقبل كل شيء.

 

نايف عبوش

 

راغب الركابيأثارت الوزيرة - ريا الحسن - قضية الزواج المدني كمطلب يساهم في تحويل الدولة والمجتمع إلى الشكل المدني المطلوب، ولكن وقبل ذلك لا بد من الأعتراف بان الزواج في أصله مدني، حتى من قبل أن تنزل الرسالات والرسل .

فالزواج هو لفظة مركبة من عنصرين (زوج) وقد أستخدمها القرآن الكريم للدلالة على هذا المعنى في قوله: (وزوجناهم بحور عين) الطور 20، وهو يعني الإقتران بين عنصرين ليشكلوا خلية واحدة، والذي يطلق عليه عرفاً في معنى الزواج هو كذلك بلا ريب، فالزواج في أصله التاريخي والمعرفي هو علاقة صحيحة بين - ذكر وأنثى -، غايتها تأسيس أسرة وتكوين حياة من طرفين، وبهذا التعريف يخرج الزواج من كونه فعل من إنتاج الدين، إنما جاء الدين ليؤكد على صحة هذه العلاقة ويشجعها، وهذه الحاجة تجدها عند كل الكائنات الحية، ولذلك لم نجد في الدين غير الكلام العام الذي يجري في السياق وليس في التأسيس، ولم يقترح الدين صيغة معينة على ضوئها يصح بها الزواج، بل أعتمد على الصيغة البشرية التقليدية في (الرضا والقبول) من الطرفين أعني الذكر والأنثى، وهي نفس الصيغة القديمة المعتمدة لدى عامة التكوينات البشرية، هو إقرار من طرفين ذكر وأنثى (رضا وقبول)، وعلى هذا يصح الزواج ويعتمد ويصح ما ينتج عنه كذلك من نسل وذرية .

ولا تشذ عن هذه القاعدة جميع العقود المقترحة لدى المؤوسسات الدينية لجميع المذاهب والطوائف، لكن الشيء الذي تميز به القرآن الكريم إنه حرر هذه العلاقة ونظم طريقة التعاطي معها، فلم يجعل منها علاقة معاملاتية وحسب تشبه تلك المعاملات التجارية في البيع والشراء، ولهذا لم يعتمد في تأسيس علاقة الزواج على صيغة العقود التجارية، بل قدم مذكرة تحرير تحت بند - الميثاق الغليظ -، ومعناه الإتفاق بين الطرفين أعني الذكر والأنثى على كيفية الحياة، وكيفية إدارة شؤون البيت (البعولة) والرعاية والحماية وكل ما يتعلق بتكوين الأسرة، وفي حال تم الإتفاق على كل هذه البنود يتم التوقيع فيحصل الرضا ويتم القبول .

 هذا في القرآن ولكن عامة المسلمين لم يلتزموا بهذه الصيغة، وجعلوا من الزواج مجرد واحد من العقود التجارية التي يركزون فيها على المهر والقيمة المادية، دون النظر إلى طبيعة التكوين الأسري ومايجب فيه ومايلزم، وحين طرحت موضوعة الزواج المدني في لبنان عجت المنابر بصراخ رجال وإنتهازيين محرفين للكلم، معتبرين الزواج المدني تعد لا يلتزم بشروط الزواج التقليدية وهذا منهم ترويج ودعاية ووهم كبير .

 فالزواج المدني كغيره يجب أن يسجل في الدوائر الرسمية ويعتمد في المؤوسسات الحكومية ذات العلاقة (السجل المدني)، وهو يعتمد في إقراره على شهود وكاتب عدل، لكنه ليس زواجاً على النمط التقليدي القديم، وهو بذلك يبتعد عن تلك المباركة الزائفة لرجال الدين، والزواج المدني بصيغته المقترحة زواج قانوني وشرعي، وهو مستوف لجميع الشروط ولا ينقصه من هذا الجانب أي شيء .

 وأما الضجة المفتعلة ضده فمردها سياسي وليس ديني، وكما قلنا فالتاريخ والقانون يؤكدان على صحة إجراءات الزواج المدني، وكما يقولون لا مشاحة في التسمية، لكن بعض رجال الدين ولغاية لا نفهمها لديهم، يصرون على مواجهة كل ما من شأنه التخفيف من أعباء وتبعات الزواج والعسرة، التي يحصل عليها البعض جراء التعسف بالمطالب والمبالغة في الإسراف والترف .

الزواج المدني ليس سفاحاً وليس هو علاقة غير مشروعة، بالعكس هو زواج شرعي يخلو فقط من وجود رجال دين، ومع إن وجودهم في الحقيقة لا فائدة منه ولا طائل وليس ضرورياً، لأن الأصل المقترح للزواج المدني هو في التخفيف من أعباء الزواج التقليدي، الذي يكلف المال والجهد ويزيد من العنوسة وحتى في المخالفات والخطايا، ولهذا قال في الأثر عليه السلام: (إن جاءكم من ترضون خلقه ودينه فزوجوه ) ولم يقل من ترضون ماله وحسبه ونسبه أو ماشابه من هذه الصفات الزائلة، لأنه إنما يتحدث عن القيمة وليس عن القشور، والشيء الممنوع في الدين هو كل ممارسة خاطئة من قبيل الإغتصاب أو الخيانة أو التعدي على القصر، هذه الأشياء التي يجب محاربتها والوقوف بوجهها، وليس ما يخفف على الناس تبعات باطلة ومجحفة وغير ذات شأن، ولهذا نقول : إن السيدة ريا الحسن وزيرة داخلية لبنان، أكمل في عقلها من كثير من المتبجحين والذي يخلطون بين القبيح والحسن ..

 

راغب الركابي

 

عبد الجبار الرفاعيكان مدخلُ الشيخ أمين الخولي لتحديث مناهج تفسير القرآن توظيفَ المناهج الحديثة في تفسيرِ ونقدِ النصوص الأدبية، وتعميمَها لتشمل النصَّ القرآني، لذلك دعا إلى ما أسماه: "التفسير الأدبي للقرآن"[1]، مستنداً في تسويغِ دعوته لهذا النوع من التفسير إلى أن أسلوبَ تعاطي العرب مع هذا النصّ كان أدبياً، "لأن العربي القح، أو من ربطته بالعربية تلك الروابط، يقرأ هذا الكتاب الجليل، ويدرسه درساً أدبياً، كما تدرس الأمم المختلفة عيون آداب اللغات المختلفة، وتلك الدراسة الأدبية، لأثر عظيم كهذا القرآن، هي ما يجب أن يقوم به الدارسون أولاً، وفاءً بحق هذا الكتاب. ولو لم يقصدوا الاهتداء به، أو الانتفاع مما حوى وشمل. فالقرآن كتاب الفن العربي الأقدس، سواء نظر إليه الناظر على أنه كذلك للدين أم لا"[2]. ويشرح الشيخ الخولي طريقته في التفسير الأدبي قائلاً: "إن التفسير اليوم – فيما أفهمه – هو الدراسة الأدبية، الصحيحة المنهج، الكاملة المناحي، المتسقة التوزيع، والمقصد الأول للتفسير اليوم أدبي محض صرف، غير متأثر بأي اعتبار، وراء ذلك… وعليه يتوقف تحقق كل غرض آخر يقصد إليه. هذه هي نظرتنا إلى التفسير اليوم وهذا غرضنا منه"[3]. "وهذا التفسير الأدبي عندي هو الذى يجب أن يتقدم كل محاولة لمعرفة شئ من فقه القرآن، أو أخلاق القرآن، أو عبارات الإسلام ومعاملاته في القرآن"[4]. تبتني طريقة "التفسير الأدبي للقرآن" على تفسير الآيات في سياق موضوعات القرآن، وليس تفسيرَها على وفق ترتيبها في سور القرآن، "فصواب الرأي - فيما يبدو - أن يفسّر القرآن موضوعاً موضوعاً، لا أن يفسّر على ترتيبه في المصحف الكريم سوراً أو قطعاً"[5]. إذ يصنِّف المفسّرُ الآياتِ تبعاً لموضوعاتها، ويتعرّف على مناسباتِ نزولها، والسياقِ الذي وردت فيه، والدلالاتِ الحافة بها، بغية اكتشاف وحدتِها العضوية، والمنطقِ الداخلي الذي تنتظم فيه، وشبكةِ الدلالات المنبثة فيها، وما يمكن أن تولّده من مفاهيمَ ومعانٍ مشتركة، تمثل المفاهيم المفتاحية للإصلاح النفسي الخُلُقي والاجتماعي الذي يرمي إليه القرآن. مقصد التفسير الأدبي عند الخولي ليس أدبياً أو فنياً، كما ربما تشي تسميته، لأنه يرفض أن يكون الأدب للأدب، أو أن يكون الفن للفن، إذ يقول في تحليله الدلالي لكلمة في أحد الآيات: (ونريد هنا لنقف عند هذه الوحدة للاستعمال القرآني في تعبيره بالضعف والضعفين "فَيُضَاعِفَهُ"[6]، وهي وقفة أدبية. على أنها وقفة ليست وقفة يراد منها الفن للفن، بل هي فنه المرتبط بالهدف الاجتماعي الذى يرمى إليه القرآن دائماً، نبتغيه أول ما يبتغى من هذه الأحاديث. وإن الفن يرجى للفن وحده، فإنا لا نأخذ هنا بهذا الاتجاه. ولا نحسب القرآن قد أخذ به، لأنه يجعل فنه القوى وسيلة لإصلاح الحياة البشرية، ذلك الإصلاح الخُلُقي والاجتماعي العام الذى أنزل من أجله هدى للناس ورحمة)[7]. فليست هناك آية أو كلمة ترد في القرآن إلا ويكون هدفها الهدى والرحمة، وليس الهدف الأدب بوصفه أدباً، أو الفن بوصفه فناً، لأن "طبيعة النص القرآني من حيث هو كتاب هدى ودين، تقتضي توجيه كل لفظ وآية إلى مناط الهداية والاعتبار"[8].

ويشرح الخولي ما ينشده في طريقة تفسيره الأدبي، فيؤكد أنه يتمحور حول بعدين:

أحدهما: دراسة حول القرآن.

والثاني: دراسة القرآن ذاته.

ويعني بالدراسة حول القرآن "دراسة البيئة المادية والمعنوية والثقافية التي نزل فيها القرآن الكريم"[9]. واستكشاف تشكل الواقع وطبيعة الظروف السائدة في عصر الوحي، ونمط الاجتماع العربي في عصر النزول، وكيفية الحياة الاجتماعية والثقافية وقتئذ، وما يسودها من ظواهر ذات صلة بالمكان والزمان والبيئة، سواء كانت ماديةً أو معنوية، ودراسة كلّ ما يتصل بالذوقِ العربي، وأساليب التعبير، وأنماط تلقي وفهم الكلام المتعارفة في المجتمع، فكيف تلقاه وفهمه المشافَهون به في بيئتهم وثقافتهم وذوقهم ومشكلات واقعهم[10]، بمعنى أن الخولي أراد أن يقرأَ النصَّ "قراءة تزامنية"، ويضيء تفسيرَه من خلال اختراق الطبقات المتراكمة مما راكمه المفسّرون وغيرُهم من تأويلات وتفسيرات، ينتمي كلّ منها إلى زمانِ المفسّر ونمطِ فهمه وثقافتِه وأحكامِه المسبقة، ولا تحيل بالضرورة إلى معنى النصّ القرآني، بالمعنى الذي تلقاه المخاطَبون به في عصر النزول. إنه يحاول صياغةَ فنٍ لفهم القرآن، ينشد إيقاظَ المعنى المحتجب فيه، والكشفَ عنه بتفكيك ونزع ما تلّفع به من مدلولات تدفّقت متواليةً بمرور الزمان. ولا يمكن أن يتحقق ذلك من دون الاعتماد على علوم الإنسان والمجتمع واللسانيات وعلوم اللغة الحديثة.

أما البعدُ الثاني لتفسيره الأدبي وهو دراسةُ القرآن ذاته، فيريد به شرحَ الكلمات، وبيانَ معاني المفردات، والكشفَ عن طبيعةِ حياة الألفاظ وتطوّرِ دلالتها عبر الزمان، ومعرفةَ مدياتِ التأثر والتأثير المتبادَل بين العربية وغيرها من لغات المجتمعات المسلمة، وما اصطبغت به العربيةُ في عصور ازدهار وانحطاط الحضارة الإسلامية، وأثرِ الزمان في صيروة المعاني وتحولاتها، والتعرّفَ على مدى تأثير كلّ ذلك في تفسير القرآن. وهنا ينبّه الخولي إلى أن "من الخطأ البين أن يعمد متأدب في فهم النص القرآني الجليل فهماً لا يقوم على تقدير تام لهذا التدرج والتغيير الذي مس حياة الألفاظ ودلالتها"[11].

كذلك يستند في تفسيره إلى البعد النفسي، ففي ضوء اهتمامه باكتشاف صلةِ البلاغة والأدب بالنفس الإنسانية، والوشيجةِ العميقة التي تربط بينهما، وكيف أنها ترجمةٌ لما يجيش في النفس، تحدّث الشيخ الخولي عن الإعجازِ النفسي للقرآن، الذي ينبثق عن التفسير النفسي، وبيانِ ما يحدِثه القرآن من أثر بالغ في النفس البشرية، وطبيعةِ تذوّق هذا النصّ والتفاعل معه. وشدّد على ضرورة الاستعانة بعلم النفس في دراسة وتحليل ذلك، فإن "فهم الاعجاز الفني بالمعاني النفسية، يحوج إلى تناول القرآن بتفسير نفساني"[12]. وحدّد مفهومَ "الإعجاز النفسي لبلاغة القرآن الكريم، بمعنى أثره العظيم على النفس الإنسانية ووقعه عليها وفعله فيها"[13].

رأى الخولي التفسيرَ النفساني الطريقَ الذي يخلّص التفسيرَ من الادّعاء والتمحّل، فهو لا غير يضيء لنا أبعاداً مهمة في بنية النصّ القرآني، ويخرجنا من سوء الفهم المكرّر لتعليل ما يسود المصحفَ من سماتٍ وخصائصَ بيانية. يلخّص الخولي رؤيتَه هذه قائلاً: "فبالأمور النفسية لا غير، يعلل إيجازه وإطنابه، وتوكيده وإشارته، وإجماله وتفصيله، وتكراره وإطالته، وتقسيمه وتفصيله، وترتيبه ومناسباته، وما قام من تعليل هذه الأشياء وغيرها، على ذلك الأصل فهو الدقيق المنضبط، وما جاوز ذلك فهو الإدعاء والتمحل، أو هو أشبه شيء به"[14].

وتنبّه الشيخ الخولي مبكراً إلى خطأ الزعمِ بسبق القرآن لاكتشافات العلم ومكاسبه، أو الاشتغالِ على إسقاط هذه الاكتشافات على الآيات الكريمة، وحذّر من خطورة الإسراف في توظيف نتائج العلم الحديث في التفسير، وكيف أن ذلك ينتهي الى إهدار معاني القرآن، وهدفِه المحوري في هداية الناس إلى التي هي أقوم، إذ يشرح ذلك قائلاً: "وثمة معنى بعيد، قد سبقت إليه أوهام قوم في هذا العصر، فآثرت أن أنفي القصد إليه هنا، أو التعويل على شيء منه.. ذلك هو استخراج قضايا علم النفس ونظرياته من القرآن، تدعيماً للزعم بأنه يتضمن كل شيء... ولا نناقش هؤلاء المسرفين هنا، وانما ننفي أنا نريد إلى شيء من هذا في تبين الاعجاز وتفهمه. فنحن ندع علماء النفس، في تجاربهم العلمية، ومشاهداتهم الواقعية، أو تأملاتهم النظرية... ولا نرى سبق القرآن اليه، أو تقدمه على الأجيال بأصله، وما إلى ذلك، بل نتلقاه منهم، لنعتمد عليه من بيان الوجه النفسي للإعجاز"[15]. لو تدبّرنا هذا البيانَ الواضحَ للخولي لما استهلكنا جهوداً كثيرةً وأموالاً هائلة في الإصرارِ على سبق القرآن لما جاء به العلمُ والمعرفةُ الحديثة، وتقويلِ الآيات ما لا تقوله في مجالات العلوم الطبيعية والإنسانية المختلفة، والعملِ على خلط الدين بالعلم، وإهدارِ طاقات الكثير من الباحثين الشباب، وتضييعِ عقولهم في متاهات بناء: علم نفس إسلامي، وعلم اجتماع إسلامي، وعلم اقتصاد إسلامي، وأدب إسلامي، وفن إسلامي، وغير ذلك مما ورطتنا فيه أقلامُ كتّاب الجماعات الدينية، وكدّسته من كتابات تثير هويةً جائعةً للالتحاق بقطار تقدّم العلوم والمعارف والتكنولوجيا، وتحرّض نفساً يعذّبها الغيابُ عن العصر، فتعِدُها باللحاق بقطار التقدّم بل والتفوّق عليهم، من خلال ما يسمى بـ"أسلمة المعرفة"[16].

وواصل الجيل الثاني، ممثلاً بنصر حامد أبو زيد، نهج "مدرسة الأمناء" التي أشاد لبناتها الفكرية أمين الخولي، وكان أبو زيد الأكثر براعة في تطوير مدرسة الشيخ الخولي والجيل الأول من تلامذته، عبر توظيفه الهرمنيوطيقا في فهم القرآن وتفسيره.

 

د. عبدالجبار الرفاعي

....................

[1] للتفسير الأدبي أكثر من طريقة، لكن الشيخ أمين الخولي يشرح طريقته في هذا التفسير في كتابه : "مناهج التجديد في النحو والبلاغة والتفسير والأدب"، وهكذا في تعقيبه على مادة التفسير في: "دائرة المعارف الإسلامية".

[2] الخولي، أمين. مناهج تجديد. ص 230.

[3] الخولي, أمين. من هدى القرآن. القاهرة: الهيئة العامة المصرية للكتاب، 1996، ص8.

[4] الخولي, أمين. دراسات إسلامية. القاهرة: دار الكتب المصرية، 1996، ، ص38.

[5] تعقيب على مقالة "التفسير" في: دائرة المعارف الإسلامية، ص 2341.

[6] البقرة، 245.

[7] الخولي, أمين. من هدى القرآن. مرجع سابق، ص109.

[8] عبد الرحمن, عائشة.القرآن وقضايا الإنسان. القاهرة : دار المعارف، 1999، ص22.

[9] عمر حسن القيام. أدبية النص القرءاني : بحث في نظرية التفسير. المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 2012، ص 44.

[10] الخولي, أمين. من هدى القرآن. مرجع سابق، ص 236.

[11] المصدر السابق. ص 237.

[12] الخولي، أمين. مناهج تجديد. ص 160.

[13] المصدر السابق. ص 152.

[14] المصدر السابق. ص 154.

[15] المصدر السابق. ص 153.

[16] كنتُ أنا ضحية هذا الوهم قبل أربعين عاماً، لكني سرعان ما تحررت منه.

 

جواد بشارةعندما نتوهم أن الحاضر هو واقع حقيقي مستمر ولا ندرك أنه يتحول إلى ماضي خلال ثواني ويتجه نحو المستقبل باستمرار دون توقف، ولا ندرك أن ذلك يحدث على الصعيد النفسي أو السيكولوجي  والشعوري فهذا يؤشر إلى حالة من غياب الإدراك والفهم أو الوعي الصحيح. فالعلم الفيزيائي بدأ قبل فترة وجيزة الإهتمام بمفهوم الزمن و" مروره " أو " تدفقه" المعنوي وليس الفيزيائي من خلال دراسة سيرورة عمل الدماغ البشري . فلو دار المرء بسرعة حول نفسه وتوقف فجأة فسوف يشعر بدوخان ويتكون لديه انطباع أو شعور بأن العالم يدور من حوله ولكن ما تراه عينيه خاطيء فحركة العالم حول الجسم وهم بصري  سببه دوران السائل في الأذن الداخلية ويمكن تطبيق ذلك على حالة إدراك التدفق الزمني. شيئان من عدم التناسق الزمني يخلقان الشعور بتدفق ومرور الزمن  وهما: أولاً: التمييز الثرموديناميكي بين الماضي والمستقبل، كما لاحظ الفيزيائيون فمفهوم الأنثروبي (النظام) مرتبط بالمعلومات الموجودة في نظام ما. لذلك فإن تشكل الذاكرة هو سيرورة أحادية الإتجاه unidirectionnel فالذكريات الجديدة تضيف معلومة للمعلومة المخزونة عن طريق التراكم المعرفي والمعلوماتي ويزيد من مستوى الأنثروبي في الدماغ حينئذ نشعر بأننا ندرك هذا الاتجاه الأحادي كما لو إنه تدفق للزمن ومرور للوقت.  وثانياً هو ن إدراكنا للتدفق مرتبط، بطريقة أو بأخرى، بالميكانيك الكمومي أو الكوانتي. فمنذ بواكير صياغة هذه النظرية الفيزيائية تقبل العلماء أن الزمن مدرج في سياقات هذه النظرية  على نحو متفرد مختلف عن المكان عكس ما طرحه آينشتين حول وحدة المكان والزمان في نسيج " الزمكان" فالدور الخاص للزمن هو أحد الأسباب التي جعلت توحيد الميكانيك الكمومي أو الكوانتي مع النسبية العامة صعب جداً إن لم نقل مستحيل. فمبدأ الريبة أو اللادقة لهيزينبيرغ يقول أن الطبيعة غير حتمية بذاتها وتوحي بأن المستقبل مفتوح والماضي أيضاً وإن هذه اللاحتمية تتجلى على مستوى أو نطاق ذري أو مجهري  وما دون ذري. فالخصائص المرئية أو المرصودة والمشاهدة التي تميز أي نظام فيزيائي هي غير محددة وغير دقيقة ولا حتمية من لحظة إلى أخرى . فعلى ل سبيل المثال، إن الإلكترون الذي يصطدم بذرة يمكنه أن يقفز إلى أي موضع أوأي اتجاه، ومن المستحيل التنبوء بمكانه مسبقاً، ولا معرفة مآل هذا الحدث إلا من خلال الإحتمالية. فاللاحتمية الكمومية أو الكوانتية توحي بأنه في أية حالة كمومية أو كوانتية خاصة يوجد عدد  لا محدود من الأزمنة المستقبلية البديلة  أو عدة "واقعات " كامنة قد يصل عددها إلى اللانهاية. فالميكانيك الكمومي أو الكوانتي يزودنا بالاحتمالات المتعلقة بكل حل ممكن الحدوث وبكل مخرج قابل للمشاهدة والرصد لكنه لايشير على الإطلاق لأي مستقل ممكن سيصبح عليه الواقع . ولكن عندما يقوم مراقب بشري بعمل قياس وحساب فسوف يخرج بنتيجة واحدة فقط. فالإلكترون المعرض للقياس والحساب سوف يتجه باتجاه واحد معلوم بعد قفزته . ففعل القياس والمشاهدة أو الرصد سوف يفرز واقعاً واحداً من بين عدد لامتناهي من الواقعات الممكنة. فبالنسبة للمراقب، يغدو الممكن واقعاً والمستقبل المفتوح يغدو ماضياً ثابتاً مما ينطبق تماماً على ما نعرفه على أنه مرور أو تدفق الزمن . بعض العلماء الكلاسيكيين يعترض على هذه الفرضية لكن البعض الآخر، ممن يعتقدون بصحة نظرية العوالم والأكوان المتعددة، يتقبلون هذا التفسير. ففعل الرصد والمراقبة ووعي المراقب الذي يقوم بعملية الحساب والرصد يدفع الواقع إلى الانشطار ويدفع الطبيعة لكي تقرر. وقد أعرب بعض الباحثين مثل روجيه بينروز، الأستاذ في جامعة أوكسفورد، عن اعتقاده بأن الانطباع أو الشعور بمرور الزمن يمكن أن يكون مرتبطاً بالسيرورة الكمومية أو الكوانتية التي تحدث داخل الدماغ فهي مصدر مثل هذا الشعور.

لم يعثر العلماء لحد الآن على عضو عضوي داخل دماغ الإنسان يكون مختصاً بالزمن كما هو الحال مع  القشرة البصرية في الدماغ المسؤولة عن الرؤية . ويمكن في المستقبل القريب أن يتوصل العلماء إلى حقيقة عمل ووظائف السيرورات الدماغية المسؤولة عن إدراكنا لمرور الوقت وجريان الزمن على المستوى الشعوري . حينئذ يمكن التفكير بصنع دواء لوقف هذا الإدراك . أما إذا تمكن العلم من إثبات عبثية مفهوم مرور وأو تدفق الزمن فلن يقلقنا بعد ذلك قلقنا وخشيتنا من المستقبل وألا ناسف على ما حصل لنا في الماضي ولا الخوف من الموت أو الولادة. ولا الانتظار أو الحنين حيث سيكونان من بين المفردات البشرية.

هناك أيضاً ما يدعى بحالة نفاذ الصبر، فلم يعد المرء يحتمل الانتظار أمام شباك التذاكر أو المعاملات الإدارية ولا الوقت الذي يحتاجه الكومبيوتر للانطلاق والعمل أو تنفيذ أمر أو عندما يكون الباص أو الميترو أو القطار متأخراً، حتى أن البعض تشكل لديه نفور مرضي من الدخول إلى الإدارات الحكومية لإنجاز معاملاته خاصة في بلدان العالم الثالث حيث طوابير الانتظار طويلة ولاتطاق، وهذا يشير إلى تسارع إيقاع الحياة والعمل والتواصل الآني بين الناس عن طريق الانترنت ووسائل الاتصال الاجتماعي لقد انتهى البريد العادي والرسائل التي كان ينتظرها العشاق بفارغ الصبر . من هنا يتساءل علماء الأعصاب عن تداعيات وانعكاسات مثل هذه التغييرات على نمط الحياة وعلى دماغ الإنسان. ومحاولة معرفة آليات العمليات العصبية والدماغية عندما نصل إلى مرحلة نفاذ الصبر وعدم تحمل الانتظار. ماهو الانتظار في الدماغ؟ إن مفهوم الاندفاع قد يساعدنا في فهم عدم تقبل وتحمل الانتظار فالاندفاع هو نزعة التنفيذ بسرعة وفوراً حتى بدون تفكير أو تأمل أو تروي وعدم مراعاة ما يمكن أن يترتب على هذا التسرع والاندفاع من نتائج وتبعات أو تداعيات على المدى القريب أو المتوسط أو البعيد، لأنه ترجمة نفسية  لعدم تحمل مرور الزمن ببطء على الصعيد السيكولوجي المحض . ومن وجهة نظر علم النفس، هناك نوعان من الاندفاع : الأول مرتبط بعملية السيطرة أو عدم السيطرة وعدم القدرة على كبح الاندفاع الآني والفعل الآلي الناجم عن رد الفعل الفوري، والثاني مرتبط بالاندفاع الانفعالي والتحفيزي، أي القدرة أو عدم الدرة على القيام باختيار زماني متداخل intertemporels، أي الاختيار بين عدة خيارات يترتب على كل منها تبعات مستقبلية آنية أو مؤجلة ولقد أخضعت تلك الاندفاعات إلى تجارب مختبرية وطبية عديدة لدراسة المناطق الدماغية المتعلقة بذلك .

يتبع

 

د. جواد بشارة

 

رائد عبيسلم يكن في خلد السياسيين العراقيين يوماً، مخاطر المغامرة السياسية، وآثارها الاجتماعية السلبية التي تترسخ في أذهان المجتمع، وسيكولوجيته، وتكوينه البنيوي، الذي افتقر بسبب المغامرات السياسية الشخصية الى أبسط مقومات وجوده، ونموه، ونضوجه المعرفي، والفكري، والشخصي، فبقيت شخصية المواطن العراقي تعاني التذبذب في علاقاتها مع نفسها ومع الآخرين، ومع الأنظمة السياسية، والاقتصادية، والتربوية وغيرها، والتي لم تجد فيها ذاتها ولا وجودها، فالبعد الأنطولوجي للمواطن تم تشويهه تماما بل ومسخه ايضا، على شكل ايديولوجي، أو دكتاتور، أو متحزب، يمثل دور السلطة واداتها التي تنفذ كل ما لا يتناسب مع طبيعة تكوينه الشخصي، فعندما نمنح ذواتنا للسلطة، علينا أن نفهم أن التكوين البنيوي سوف يكون خارج إرادتنا، بل يجب أن تكون هذه الذات طيعة بما فيه الكفاية، ومرنة لتشكيلات في المواقف، تنسجم مع رغبة السلطة بذلك وان كان على أساس مبدأ التناقض، أو الازدواجية، أو الكذب، أو النفاق. أما دور السلطة في توفير مستلزمات المسخ، وأدوات الأدلجة، والصناعة السياسية، وطاقة التحول التي تمكن الأفراد - الذين توجه لهم هذه السياسية - من الاستجابة وتوفير قناعتهم بل و خداعهم. بما أن هذه الرغبة تحتاج إلى من يقوم بها كفريق عمل سياسي ينفذ اجندات شخصية وسياسية، تمثل قمة هرم السلطة، وسيكون أمامهم خيار وحيد، وهو تجنيد الناس ايديولوجيا، بمعنى تدجينهم حتى ينقلوا هذه الثقافة السياسية إلى المجتمع بطريقة الوثوقية، والتصديق، والإيمان، والاعتقاد بلك. بمعنى اجراء عملية غسل دماغ جماعية، تنتهي الى تحقيق الاطمئنان عند هرم السلطة بقوة سلطته، واستبداد حكمه، وتطبيع نهجه في مخيلة وواقع الفرد والمجتمع العراقي، بحيث ينتاب اليأس كل من يُريد أن يُغيَر أو يسعى إلى إيجاد تحول في النمط السياسي الذي بدأ يوطد حكمه أو يكون قد نجح في ذلك.

هذا اليأس الاجتماعي انعكس على طبيعة الإرادة السياسية عند المجتمع سلبياً، بحيث لم يعد هناك أي دور سياسي للمجتمع، ممكن أن يعبر به عن الرفض أو المعارضة، أو تجديد النظام السياسي السائد، أو إحداث تغيير في العملية السياسية، أو إتاحة حرية التحزب والتشكيلات السياسية، ورفض سياسة الحزب الواحد، الذي ما زال رمزه يقبع في الوعي الجمعي العراقي، بل وما زال يُحاكيه، ويحلم برجوعه، أو بوجوده، أو إمكانية استعادة التجربة، وهذا سبب رئيسي نراه في اشكالية المغامرات السياسية، او ممكن أن يكون سبب حقيقي لإشكالية التحول السياسي، والانشطار السياسي بين الاحزاب، بما أن المجتمع لم يسع إلى رفض الأحزاب التقليدية الميتة سريريا ً تقريبا ً، والخروج على نهجها في إدارة دفة الحكم، ورفض كل سياساتها الغير محدودة، فان المجتمع بهذا السكوت يساعد على موت نفس الأحزاب التي خضع واستجاب لها وايد سياستها تملقاً أو نفاقاً أو تصديقاً، فعملية التحديث الذاتي والمجتمعي سياسياً، يساعد على ديمومة ونضوج حتى الأحزاب المُعَارض لها، بتدارك بنيتها الحزبية من الانهيار عبر النقد المجتمعي السياسي الذي يساعد بشكل أو بآخر الى انضاج التجربة السياسية بل والحفاظ عليها . فالناقد السياسي يكون بذلك مفيداً بطريقة غير مباشر في وجود الأحزاب ايضاً، فالأحزاب التي نريد موتها يجب علينا أن لا ننقدها، بطريقة تنضجها، وبما أن هذا الامر غير متحقق بشكل واسع في ثقافة المجتمع السياسية، فان الأحزاب السياسية سترتد على نفسها، وتقوم بعملية انفصال وانشقاق وتمرد، وجمود، واستقالات، وانعدام الفاعلية الاجتماعية بل وحتى السياسية، وهناك كثير من الأحزاب لا يسمع لها أي رأي سياسي، أو تدخل في قضية ما، لا من باب الإقصاء فقط، بل لانعدام رؤيتها السياسية اتجاه قضايا البلد، والمجتمع والصالح العام .

وهناك نماذج حتى في حزب البعث الذي أرتد على زملاءه، ووقع بهم قتلا، وتصفية، وسجون، وتهجير، ونفي وغيرها من الممارسات، فالمجتمع لم يكن ناقد لسلط الحزب بالاعتراض على ممارساته، والا لكان قد نقذ هؤلاء من تلك الأفعال القمعية. وهنالك نموذج آخر حزب الدعوة الذي انشق الى داخل، وخارج، وإصلاح، وحركة بشائر، وغيرها من التسميات التي تحاول أن تقف بالحزب على رجليه، ولكنه تهاوى سياسياً في الانتخابات الأخيرة 2018، وقلت فاعليته السياسية.

كذلك الحال مع الأحزاب السنية المتدهورة، والمسارعة على زوالها بواسطة مواقفها السياسية المتذبذبة والتائهة، والتي ينتج عنها يومياً تشكيل سياسي جديد معترضاً على سابقه، والحال متشابه مع المجلس الأعلى وتيار الحكمة، والحال نفسه في التيار الصدري، فضلا عن موت كثير من الأحزاب التي أتت بعناوين مختلفة، ابان مرحلة السقوط ومرحلة التغيير، واليوم ظهر لنا المنبر العراقي كتشكيل سياسي جديد، بأفكار قديمة وعتيقة، محاول أن يرمم الخراب بالخراب، ويعلن عن اصطفافات سياسية جديدة، ذات منحى شخصي، فئوي ضيق، يميل نحو التوريث، والتقريب، والاقصاء والتهميش، لمن ارد المنافسة والمشاركة، وغيرها من المطامع الذاتية التي تتضح من خلال فكرة الاستقلالية إدارياً وقيادياً ومالياً، فكل مثال من هؤلاء يمثل حالة خاصة، ومركزية بسبب تضخم ذواتهم سياسياً، والتي تحاول أن تختزل المجتمع بهذا التمثيل الجزئي، بوهم البطولة السياسية المتخيلة.

فهذا الانشطار السياسي لم يكن ضرورة مرحلة، أو مصلحة بلد، أو مقتضيات وطنية، بل بات مزاجية واضحة من أسبابه الزعل السياسي، الطمع بالقيادة، التقاطع في المنافع، التعارض السياسي، هذا اذا كان بعوامل داخلية، اما اذا كان بعوامل خارجية، فهناك بلدان مجاورة وغير مجاورة، تدفع الأموال من أجل إحداث انشطارات سياسية في الداخل العراقي، لتشتيت القرار، والتأثير على الاستقرار السياسي، واحداث انشقاق جماهيري، وهدر اقتصادي بخيرات البلد، وإيجاد مزاحمة سياسية بين أطراف شخصية متنافسة، من أجل إيجاد صوت لها في الداخل العراقي . فالمجتمع الذي يفهم اللعبة من وراء الاسرار والإصرار في وعلى المكابرة - على ما لا يمثل مصلحة البلد و يصب في خانة التمثيل الشخصي لكل عمل سياسي مرتبط بقرارات خارجية وولاءات – عليه لزوماً أن يكون على وعي عملي كبير بحجم هذه المؤامرات التي تتمثل بتشكيلات سياسية جديدة، تحاول أن تعكس صورة غير تلك الصورة التي شوهتها ملامح المرحلة، ولكن هم متغافلين في الواقع عن السبب الحقيقي وراء هذا الفشل، فهم بهذا التجديد للتشكيلات السياسية أنما يسعون وراء الفشل لا النجاح، ويستبدلون نفس الفحوى بمسميات جدية. فالوعي السياسي يموت بموت هكذا مبادرات فارغة، مع عدم إدراك لقيمة المرحلة التي تحتاج إلى عمق في الرؤى، والتي يجب أن تعكس حقيقة التجربة التي يدعوها في تاريخهم النضالي المزعوم، الفراغ لا ينتج الا الصدى، والقشور لا تبلغ بطالبها إلى اللب، والوضع الراهن يحتاج إلى أصحاب بصيرة سياسية يسعون إلى بناء بلد من خلال بناء وترميم نفوس وعقول وأجسام ابناءه.

 

الدكتور رائد عبيس

 

منى زيتونمن أسوأ السلوكيات التي تؤدي إلى الفشل الاجتماعي، التهرب من أداء الأدوار الاجتماعية التي علينا أداؤها، وتبرير التقصير بأن المبادرة تتوجب على غيرنا! كما أن أحد المبادئ الأساسية للعلاقات الاجتماعية الناجحة المحترمة، هو مبدأ المعاملة بالمثل reciprocity principle.

قد يقول قائل بأن الله تعالى يقول في كتابه الكريم: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ۚ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: 34]. قال ابن كثير في تفسير الآية: "أي: إذا أحسنت إلى من أساء إليك قادته تلك الحسنة إليه إلى مصافاتك ومحبتك، والحنو عليك، حتى يصير كأنه ولي لك حميم، أي: قريب إليك من الشفقة عليك والإحسان إليك".

من المؤكد أنه ليس أفضل من قول الله قيلا، لكن المواقف الاجتماعية في العلاقات الشخصية كثيرًا ما لا تكون في إطار الحسنة والسيئة الذي تتحدث عنه الآية. هناك مواقف نشعر فيها أن هناك من يرى لنفسه حقوقًا زائدة على حقوقنا، وأنه يسلك على هذا النحو! وهناك أناس مشكلتهم الأساسية في التوازن بين الأخذ والعطاء؛ لا يعطوا الآخر أي شيء وينتظرون منه –في المقابل- كل شيء! ولا إدراك ووعي كافٍ لديهم بهذه المشكلة في شخصياتهم.

والمعتاد عندما أحاول أن ألفت نظر أحدهم للمشكلة أثناء جلسات العلاج السلوكي، أن أجد التبريرات تنهال علي، بأن لو فعل الطرف الثاني كذا، فعندها سوف أفعل هذا الذي تنصحيني به! أي أنه يريد من الطرف الآخر أن يبادر بالخطوة التي من المفترض أن يبادر هو بها!

ولا أراه سلوكًا ولا مفهومًا تافهًا أن يتهرب شخص من أداء أدواره الاجتماعية ثم يبرر سلوكه الخاطئ لنفسه؛ لأنه -وكما يبدو لي- يتسبب في نسبة مرتفعة للغاية من المشاكل الاجتماعية، وهو موجود عند نسبة متزايدة من الرجال، ويتسبب في معاناة حقيقية لشريكات حياتهم. إحداهن قالتها لي بالإنجليزية: He doesn't give me enough to keep going!، وترجمتها: إنه لا يعطيني ما يكفي كي أواصل.

وعن نفسي لمّا قالت لي تلك المرأة إنها يستحيل أن تأخذ المبادرة نحوه، وهو والجدار سواء؛ بلا تفاعل، لم ألمها، ولم أنصحها بالعكس، لأن للمرأة كرامة، وهو –أي الزوج- بحاجة حقيقية لإصلاح مفاهيمه عن دوره الاجتماعي الذكري، ولو كنت مكانها كنت سأسلك مسلكها حتى لو خربت العلاقة نهائيًا مع من له هذا السلوك وهذه المفاهيم.

ونصائحي لأمثال هذا الرجل هي:

تعلم أن تعطي الآخر ما يحتاجه، تعلم أن تعيد نفس القدر الذي أخذت، وليس فقط أن تأخذ، وازن نفسك.

وتذكر أنه يستحيل أن تتقدم للأمام باستخدام نفس الطرق الفاشلة التي اتبعتها من قبل وأدت بك إلى علاقة مضرة بصحتك النفسية وصحة زوجتك. أنهِ الدائرة القديمة كي تتجنب إنهاء العلاقة برُمتها، لأنه من المستحيل أن تستمر على هذه الحالة. ببساطة، إما أن تنصلح العلاقة أو أن تنتهي! ونحن مخيّرون في حياتنا، ولسنا مسيّرون تتلاعب بنا الأقدار، كما يحلو للسلبيين أن يدّعوا حين يتباكون بعد الفشل، حين يلومون الجميع إلا أنفسهم!

ساعد نفسك لتزيد وعيك بأسباب مشاكلك وما يتوجب عليك فعله لحلها، ولا تترك اللا وعي يسيطر عليك، ويجعلك تتمسك بشكل مرضي بطرقك القديمة المعتادة في العلاقات الاجتماعية –ذلك يحدث لأسباب غالبًا ما تتعلق بالتنشئة الاجتماعية، كغياب أحد الوالدين شبه الدائم أو غياب محبته ورعايته-؛ لأن تمسكك باتباع نفس الأسلوب الذي ثبت فشله مرارًا سيجر عليك الفشل مرة أخرى. قد يبدو الطريق القديم الذي اعتدته هو الأسهل لك، لكنه في الحقيقة ليس كذلك لأنك لن تجني منه شيئًا، بينما الطريق الجديد الذي أنت بحاجة لاستكشافه والسير فيه بحذر يقوده الوعي هو الذي سيوصلك إلى الهدف. لا تقاوم، كف عن المقاومة؛ فالتغيير حتمي إن أردت النجاح.

تذكر أيضًا أن الحديث المتبادل من القلب إلى القلب Heart to Heart conversation هو الوسيلة التي ينبغي البحث عن سبيل لتنفيذها، لبلوغ هدفك بالنجاح في علاقتك الشخصية بزوجتك. ناقش وعبّر عن مشاعرك بأمانة وصدق ووضوح، وإن كان هناك ما يتوجب عليك الاعتذار عنه اعتذر بشجاعة، فقد خلق الله لك لسانًا ولم تُخلق أبكمًا، ولم يخلق الله داخلك المشاعر تجاه زوجتك لتكبتها داخلك، ولتستكشفها هي بحاستها السادسة. كما أن نسبة كبيرة من المشاكل الاجتماعية تحدث بسبب الوقيعة، والتي ما كانت لتنجح من الخبثاء إذا ما كان حبل الكلام والمصارحة موصولًا.

كثيرًا ما تنشأ المشاكل العائلية بسبب مبالغة أحد الطرفين في الاحتفاظ بالأسرار والخصوصية، فهو باختصار لا يفهم معنى وجود شريك حياة! أيًا كانت الأسباب التي تتسبب في المشكلة فينبغي أن تصارح بها شريكة حياتك، إلا إن كنت تعتبرها ديكورًا في العلاقة، وعندما تفرغ من إصلاح كافة الأمور المادية والاجتماعية ستخبرها في تقرير موجز بما حدث!

ولا تنس أن المبادرة تكون من الرجل؛ فالرجل رأس المرأة. وتمثيل دور الضحية المغلوب على أمره، الذي ينتظر مبادرة المرأة للإصلاح لن يجعلك رجلًا! لماذا يغيب عن كثير من الرجال أن المبادرة والشجاعة في العلاقات الشخصية لا تقل أهمية عنها في العلاقات المهنية؟! كما أن بعض الرجال يدفعهم الغرور إلى الثقة العمياء في عدم تحول مشاعر المرأة عنهم، فهم إما ينتظرون مبادرتها أو يؤخرون مبادرتهم ظنًا منهم أن بإمكانهم العودة ومحاولة إصلاح شق الخلاف في أي وقت. في بعض المواقف المتأزمة –خاصة عندما تشك المرأة في خيانة الرجل، مثلما هو الحادث في الحالة التي دفعتني لكتابة هذا المقال- فهذا الظن أقل ما يُوصف به أنه سخيف! تأخرك في الحديث معها يؤكد ظنونها.

أخيرًا، فقد كانت هذه محاولتي الأخيرة للنُصح، لأن من يرى دخانًا يفوح من فوهة بركان ولا يدرك أنه سينفجر حتمًا قريبًا، ويُمني نفسه بأن شيئًا ذا بال لن يحدث، يستحق أن يردمه رماده.

 

 

سليم مطرفي السنوات الاخيرة، ساد في اوربا مفهوم مختلف لمعنى(المقدس)، وما يخالفه اي(المدنّس). فلم يعد هذا المفهوم حكرا على (المتدينين)، بل تم الادراك بأن أي انسان او مجتمع، مهما كانت عقيدته دينية او إلحادية، لا يمكنه ان يستمر بالوجود الا بفضل قناعات، واعية او غير واعية، بمقدسات (او ثوابت ومبادئ وقيم) من المستحيل أو من الصعب عليه مخالفتها. ففي المجتمعات الغربية الحديثة هناك مقدسات: (الوطن، الدولة، الحرية، العلمانية، الديمقراطية، الخ..). فها هو النشيد الوطني الفرنسي (المارسيهLe marseillais) يقول (:الحب المقدس للوطن، يدعم أسلحتنا الانتقامية!)

هذه بعض من مقولات مفكريهم حول الموضوع:

ـ ان الكيان الأكثر قدسية في المجتمعات الحديثة هو (الدولة)، وأن (الدكتاتوريات) ليست سوى التعبير الأكثر تطرفا في هذا التقديس!  (يونغ C. G. Jung عالم نفس سويسري)

ـ في المجتمعات "المتطورة"،  يتم الكشف عن ( نزعة التقديس) أساسا من خلال (الاحتفالات) و(الحروب). إذ يتحكم بهاتين الظاهرتين المبادئ نفسها: تجاوز القواعد ، وإلغاء المحظورات، وتركيز الطاقة للتعبير عن وحدة المجتمع.   (الفرنسي  روجر كايوا  Roger Caillois  أول من أجرى دراسة مقارنة بين المجتمعات القديمة والمجتمعات الحديثة).

ـ أن (الدولة والتقنيات) هي من  اكبر (مقدسات) العصر.  لكن عدم وعي هذا (التقديس)، هو مصدر (إغتراب)

ـ ليست (التقنية) هي التي تستعبدنا، ولكنه (التقديس) غير الواعي الذي اضفيناه على (التقنية).

ـ  إنها ليست (الدولة) التي تستعبدنا ، بل هي (تجلياتها التقديسية).   (جاك ايلول Jacques Ellul ـ مفكر فرنسي)

المقدسات الكبرى في الحضارات الكبرى!

طيلة تاريخ البشرية، إمتلكت الحضارات الصاعدة، عاملين اساسيين يبرر ويساعد على توسعها وهيمنتها الحضارية والعسكرية وتكوين امبراطورياتها :

أولا، امتلالكها (عقيدة جديدة ومقدسات كبرى): مثل (عقيدة السلام والتحضر) لدى الحضارات القديمة:العراقية والمصرية واليونانية والرومانية.. الخ. ثم (العقيدة الدينية الالهية) لدى حضارات: الدول المسيحية الرومانية والبيزنطية. كذلك الدول الاسلامية: عربية اموية وعباسية واندلسية، وهندية، وعثمانية.. الخ).  اخيرا ومنذ عدة قرون سادت(عقيدة الليبرالية الديمقراطية)، التي تعتمد عليها الحضارة الغربية(اوربا الغربية وامريكا) لتبرير ونشر هيمنتها وامبراطورياتها الاستعمارية. (التجربة الروسية السوفيتية السابقة، بررت امبراطوريتها بالعقيدة الشيوعية وتحقيق المساوات المطلقة).

ثانيا، (الايمان المطلق بالتفوق وإمتلاك الحقيقة المقدسة): ان هذه الحضارات الصاعدة يجب ان تعتمد على قناعات كاملة لا تقبل الجدل: (نحن متفوقون) على باقي الشعوب التي (تجهل عقيدتنا وحضارتنا)، لهذا يتوجب علينا مساعدتها(بالسلام والحرب) من اجل إكتشاف(طريق الخلاص) الذي إكتشفناه نحن. لهذا فأن جميع الحضارات، بررت اخلاقيا ودينيا، ثم علميا حداثيا، حروبها(المقدسة) لتكوين امبراطوريتها الكبرى التي غايتها: نشر(عقيدة السلام والتحضر)، او (الحق الالهي)، واخيرا (التقدم والديمقراطية والحداثة الغربية)!

المقدّس  المدنّس في الحضارة الغربية!

من اهم مميزات(المقدسات الكبرى) قدرتها على تغطية جميع الافعال مهما كانت شنيعة ولا إنسانية، مادامت هي في خدمة هذه(المقدّسات). أي أن (المدنّس) يتم معرفته بمدى إنسجامه ومخالفته لتلك (المقدّسات الكبرى). وهذا واضح في جميع الحضارات الكبرى، التي بررت الكثير من الافعال المنافية للأنسانية بأسم الدفاع عن (العقيدة المقدسة) ونشرها بين الجماعات والشعوب (الجاهلة أو الكافرة، أو المتخلفة)!

لا نريد العودة التي تاريخ الحضارة الغربية، التي بأسم(مقدسات التقدم والعلم والديمقراطية والحداثة) شنت حروبها الاستعمارية التي أبادت فيها شعوبا بأكملها وإستعبدت عشرات الملايين من الافارقة.  بل هي حتى الآن لا زالت  تبرر اشنع جرائم التاريخ، الحربية العالميتين الاولى والثانية، بأعتبارها حروبا دفاعية(ضد اعداء الديمقراطية!؟)، قّتل فيها حوالي 100 مليون اوربي على أيادي اوربيين!

لنبقى في الوقت الحاضر، ونعطي هذه الامثلة البسيطة والقريبة، عن ديمومة هذه (العقيدة وشعاراتها المقدسة والشكلانية) وكيف انها لا زالت، وفي كل لحظة، تمارس دورا سحريا بتعمية ضمائر اشد الناس ملائكية ودفاعا عن المستضعفين:

ـ قبل اكثرمن عام حدثت في فرنسا ضجة كبيرة في جميع الاوساط لمحاكمة الرئيس السابق (ساركوزي) بتهمة استلامه قبل اعوام رشوة من (القذافي) لدعم حملته الانتخابية.

لكن الغريب والعجيب، ان لا احد من اليمين واليسار والمثقفين ورجال الفلسفة والاخلاق والدين، طرح السؤال التالي: انتم تحاكمون هذا الرئيس لأنه قبض رشوة. ولكنكم تسكتون تماما عن جريمة ضد الانسانية اكبر بملايين المرّات ارتكبها بحق شعب ووطن، عندما ارسل اساطيل (فرنسا) لشن حرب على (ليبيا) وتركها للدمار حتى الآن؟! بل هذه الجريمة ضد افريقيا بكاملها التي كانت تستفيد من ثروات ليبيا.

لكنهم لا يعتبرون كل هذا(جريمة) لأنها تمت بـ (موافقة البرلمان) واحترام (قدسية الديمقراطية)!!؟؟

ـ  نفس الحال بالضبط، عندما قام الجيش الامريكي بأجتياح العراق وتدمير دولته وشعبه ونشر الفساد والارهاب والخراب حتى الآن. كل هذا لم يحرك كثيرا ضمائرهم، لأن جيوشهم ما تحركت إلا  ضمن (قرارات برلمانية)! لهذا، فجأة ثارت ثائرتهم لمرأى صورة أحد معتقلي سجن (ابو غريب)، لأن هذا (مخالف لديمقراطيتهم) في معاملة السجناء!!؟؟

ـ نفس الحال عندما يسكتون ويشجعون سياسة إسرائيل بأذلال وقتل وحصار ملايين الفلسطينيين، مادام كل هذا يحترم (قدسية الديمقراطية) وقرارات البرلمان!! ولهذا فأنهم سرعان ما يصفقون لـ(إنسانية وديمقراطية إسرائيل) عندما تحاكم جندي قد صفع فلسطيني! او وزير اختلس بضعة دولارات!

وهذا المواقف والممارسات الغير إنسانية، ليست فقط في المجال السياسي، بل هي سائدة ويومية في المجتمعات الغربية وتقبلها بكل (حُسن نية وبراءة وطيبة إنسانية)، مادمت ضمن(مقدسات الحضارة الغربية)، وهذه أمثلة بسيطة:

ـ قبل سنوات احتجت النجمة الفرنسية السابقة (بريجت باردو) ضد المسلمين واليهود لانهم يذبحون(بطريقة متخلفة) المواشي ليكون لحمها حلال. وطالبت بفرض الطريقة الاوربية (المتحضرة جدا جدا!!)، أي بقتل المواشي بضرب الرأس بالمطرقة او الصعقة الكهربائية!!!

ـ بأسم رعاية الحيوانات، فأنهم يحشرون الكلاب والقطط في شققهم الضيقة، بل يقومون بـ (أخصائها) لمنع مشاكل الانجاب.

ـ بأسم (قدسية الحرية الشخصية) يسمحون ويشجعون(افلام الجنس) التي تحط من قيمة الانسان، وخصوصا المرأة، وتحولها الى حيوان جنسي يقبل بكل الممارسات العنيفة والشاذة للرجال.

ـ باسم (قدسية الليبرالية الاقتصادية والملكية الخاصة)، يسمحون لحوالي 10% من المجتمع بأمتلاك 90% من ثروات المجتمع!

ـ وباسم (قدسية الوطن ومصالحه العالمية) يسمحون بصرف المليارات المليارات على الصناعات الحربية والجيوش والمخابرات وحيك المؤامرات والأستيلاء على ثروات الاوطان.

ـ كل هذا التباكي على (المهاجرين) الهاربين من الفقر والحروب، لا أحد يسأل: طيب وما هو دور دولهم المتحكمة بالعالم، في نشر هذا الفقر وتشجيع الحروب، من خلال بيع الأسلحة وحيك المؤامرات وشراء ذمم المسؤولين وإفسادهم كي يتنازلوا عن ثروات أوطانهم للشركات الاحتكارية العالمية.

ـ أنهم يحسدونا الى حدّ الحقد الاسود، على ثرواتنا البترولية، لكن لا حد منهم يسأل: ـ طيب، وأين يتم إستثمار وتّخزين هذه المليارات، هل في داخل اوطاننا المسكينة، ام في مصارفهم الكبرى التي تعيش على الغش والاختلاس وتمويل الحروب والمؤامرات؟

نعم ان الحضارات الكبرى تعيش على (مقدّساتها الكبرى) التي تبرر وتغطي جميع (المُدنّسات). بل تبلغ بها (عقدة التفوق) الى إعتبار (مقدّسات) الشعوب المستضعفة، (مدنّسات) يتوجب محاربتها بكل السبل! والاشنع من هذا انها تعمل على اقناع الشعوب المستضعفة بقبول كل هذا، من خلال اقناعها بـ(عقدة النقص) إزاء كل ما هو غربي وحداثي!!

 

سليم مطر ـ جنيف

 

رائد عبيسيروي التاريخ قصصه وأحداثه بطريقة مضحكة تارة، ومحزنة تارة أخرى، إذ لا ينشطر التاريخ الى بعد ثالث وهو البعد العقلاني، المنصف لذاته وللآخرين. وبهذا يمثل الحكم التاريخي حكماً أنفعالياً إزاء الأحداث وقرأتها. فتاريخ العراق الاجتماعي والسياسي قريب من هذه الأنفعالية وبعيد عن العقلانية، لا سيما بهذين البعدين. التي تصبح تشكيلة الهوية الثقافية فيهما متجاذبة مع طبيعة النظام السياسي والاجتماعي المتفاعل مع النظام السياسي او العكس. وهذا التفاعل ينتج لنا هوية ثقافية عامة أو خاصة،ثابتة أو متغيرة، وفق طبيعة النظام المتجه بتحكم الهوية وقصديات الأدلجة من ذلك . فبين المركز والأطراف علاقة تاريخية  تعكس التجاذب، والتقليد، والتبعية، والاستعارة،والتقمص، والمحاكاة، إذا لم يكن هناك تداخل كبير، ينتج عنه أدور ثقافية تمثلها المجموعة مرة، والأفراد مرة أخرى، حتى تصبح جزء من الهوية العامة لمدينة ما، سواء كانت هذه المدينة تعد طرف لمركز او مركز، المهم هو أن يكون هناك طابعاً ثقافياً سائداً مقبولاً، يمثل ثقافة المجتمع بشكل عام دون الشعور بالدونية . فما المقصود بالأطراف؟ وما المقصود بالمركز؟ وأي علاقة بينهما ممكن أن تحد الأطراف كأطراف والمركز كمركز؟ ومن الذي يمنح هذا التوصيف؟ وهل هناك توصيف ثالث بينهما؟  الأطراف، هي كل مجموعة بشرية تعيش في قرى، أو قصبات أو بشكل عشوائي في مناطق نائية عن أقرب مركز مدني وحضري يحيط بها . أما المركز، فهو أي موقع سكاني متحضر، عمرانياً، وخدماتياً، وتجارياً، تكون الحياة فيه أقرب إلى التنظيم منه إلى العشوائية كالتي تحدث في الأطراف. هناك توصيف ثالث نستطيع تسميته بالمناطق المتداخلة، وهي المناطق التي تتداخل فيها المساكن الريفية مع المساكن الحضرية، وتشاركها في الخدمات عمرانياً وحضارياً. اذاً ما أثر التساؤلات المتقدمة حول موضوع الهوية الثقافية ؟ هناك معايير ممكن أن تحد من توصيف الهوية الثقافية لأي مجتمع، ونحن كما ذكرنا نعيش أمزجة سياسية مختلفة،  ومتنوعة، ومتقلبة انعكست سلباً على بلورة نمط ثقافي موحد وسائد في البلد بدون التأثير السياسي عليه.

فقد كان العراقيون يتقمصون أدورا ثقافية تحاكي المنظومة الحاكمة،  مثل استعمال أهل الجنوب لعبارة (عجل يابه) التي كانت كثيرا ما يستخدمها الحاكم وغيرها من العبارات التي تفسر تفسيرا سايكولوجياً بمحاكة ما هو أدنى لما هو اعلى وهذا موجود حتى في تلقائية الطفل عندما يقلد الكبار. ولكن هناك تقليد يأخذ منحى آخر، ينبع من الشعور بالدونية في العادة، وهذا ما يجعل الفرد كثير التقليد والجري وراء تقمص دور ثقافي معين،  كأن يتعلق بالملبس، أو المأكل، أو التقليد السلوكي وغيرها. وبهذا فأن النمط الثقافي الذي يمثله المقلد،  نجده نمط متقلب،  متلون،  متبدل،  تبعاً للثقافة الأكثر تأثيراً فيه،  وهي ثقافة المركز بالنسبة إليه ؛ لأن كل ما يدعوه للتغير يعد مرتكز بالنسبة إليه، وهذا يعني أن المركز عادة ما يأخذ صفة وتعريف معنوي معياري غير التعريف الجغرافي الذي ذكرناه فيما سبق .

أما مركز المركز، فهو المركز الجامع للجميع، بمركزية جغرافية،  وثقافة أي بالبعد المادي، والمعياري الرمزي مثل : العاصمة بالنسبة للجميع، هي تمثل المركز الأوسع بالنسبة للمحافظات، والمركز الأقرب بالنسبة إلى ضواحيها،  فهي مركز المركز، أما المحافظات، فهي أيضا تعد المركز قياساً مع الضواحي المرتبطة بها إدارياً، ومراكز هذه الضواحي تعد مراكزاً لأطرافهاً أيضا ً، فبين الأطراف ومركزها،والضواحي ومركزها،  والعاصمة ومركزها،  ومركز المركز بالنسبة إلى الكل،  نجد تحول ثقافي، وتكون بها الهوية الثقافية تأخذ تعريفاً مختلفاً، لا سيما أن كان يرافق هذه العلاقة توترات سياسية، وعسكرية و اجتماعية وطائفية . مثلما حدث في كل العقود الأخيرة في العراق، التي كان فيها العراقيين الجنوبيين مثلا ً يناغمون ثقافة المنطقة الغربية لأنها تمثل لهم ثقافة السلطة،أو محاولة الكرد مثلا التفاعل مع ثقافة الجنوب لخلق اندماج اجتماعي، عندما كانوا الكرد يُهجرون الى المناطق الجنوبية أو الفرات الأوسط. أو العكس عندما يرحل العربي إلى المناطق الكردية، والتي كان فيها أهل الجنوب وفي المنطقة الغربية، يعرفونهم "بالشروكة" وهو توصيف للدونية الطبقية التي كانت تمارس بحق طبقات المجتمع الجنوبي، مع محاول هذا المجتمع تقليد نمط ثقافي مناطقي، من أجل إيجاد حالة من الإندماج الاجتماعي المصطنع. وهذا ما مر على جميع العراقيين تقريبا تبعا للتحولات السياسية ونتاجاتها من حروب،  وحصار،وتهجير وغيرها، وحتى بعد التغيير، بدا أهل المنطقة الغربية تصنع مشتركات مع أبناء الجنوب، على مستوى اللهجة والثقافة،  لإيجاد مشترك هوياتي، يقلل من الفارق بينهم، ويمنع التمييز المناطقي، والطائفي وحتى العشائري .وهذا أيضا ما شاهدناه بوضوح في تجربة النازحين، والمهجرين الذين أرغمتهم الظروف السياسية والاجتماعية، من الخروج عن مجتمعاتهم الأصلية نتيجة ولادة حساسية هوياتية جديدة بين المكونات المتعايشة، أو مناطق التنوع الثقافي أو الطائفي الواحد، والتي كانت متعايشة تحت ضابطة القانون .فكثير من المهجرين كانوا يتصنعون معرفتهم بالأنماط الثقافية السائدة، في هذه المناطق كالأكل،والشرب، ونمط العيش والحياة، مع محاولاتهم المحرجة في تغيير حتى لكنتهم، ولهجتهم، ليوفروا على أنفسهم فرصة الإندماج الثقافي، حتى يساعدهم في إيجاد فرص العمل أو التعايش المنفتح .

فالمركز الذي يمثل رمزية هوياتية ثقافية معينة، أصبح نمط يقلد عند أبناء الأطراف، فكل طرف مع مركزه، وصولاً إلى مركز المركز، وهذه الأنماط عادة ما تنقل بطرق تقليدية، مثل التلفاز،  أو الراديو، أو المصاهرة،  أو المناقلة،  أو التجارة، أو الجامعات، أو غيرها من الوسائل التي تعد وسائل غير مباشرة، في نقل العامل الثقافي بين شرائح المجتمع. أما اليوم فقد أصبحت هناك عوامل مباشرة، ومبرمجة في تفعيل الجوانب والمشتركات الثقافية، التي تعبر عن الهوية الثقافة العامة مع الاحتفاظ بالخصوصية،كالفضائيات،  وبرامجها،  أو وسائل التواصل الاجتماعي، وكذلك الانفتاح السياسي والاقتصادي، الهادف إلى إشاعة نمط مشارك في صناعة الهوية العامة، أو تعزيزا للهوية الخاصة، فضلا عن عوامل الانفتاح على السياحة الداخلية والخارجية. وتجربة الهجرة و النزوح التي بلغ عددها بالملايين والتي ساعدت إلى حد كبير في ابراز أثر الهوايات الفرعية الثقافية، في عامل التعايش،بواسطة اللغة، أو اللهجة،  أو المشترك العقائدي،  أو الديني، وعبر اذابة العقد السايكولوجية، والحواجز الاجتماعية بين الطراف والمركز، بعيدا عن أساليب التعالي، والسخرية، وأشعار المقابل بالدونية،  والتمييز العنصري،  والمناطقي وغيرها، والتي مازال كثير من افراد المجتمع يتفاعل مع الآخرين على أساس هذه المعايير،فضلا عن عدها شروطاً في المناصب، والمواقع السياسية، والاقتصادية والاجتماعية، والثقافية وحتى العلمية . وهذا ما يُعمق من نظرية المركز والاطراف على الرغم من كل عناصر الانفتاح التي توفرت وازالت جزء منها، فالفكر المدني الحر، هو الذي يتجاوز كل هذه الأبعاد، ويعدها من صفات المجتمعات المغلقة المناوئة للانفتاح والتحضر والتمدن .

 

دكتور رائد عبيس

 

زهير الخويلدي"عامل الإنسانية في شخصك وفي أي شخص آخر، لا كوسيلة، بل كغاية"

عمونيال كانط

ماذا يجب على المرء أن يفعل لكي يصير مواطنا فاعلا في مجتمع عادل تحكمه مؤسسات في دولة مدنية؟

صيغة طويلة للسؤال الأصعب في تاريخ السياسة والأخلاق والقانون تستدعي تدخل الاجتماع والاقتصاد ولكن طرحها بهذه الصيغة هو من المطالب التفصيلية التي تقتضي توضيحا فلسفيا حول الغاية والوسيلة.

السلوك البشري على المستوى الفردي وعلى الصعيد الجماعي تحدده من الناحية الأخلاقية مجموعة الأهداف القصوى والغايات النهائية والتي تتوزع بين الخيرات المطلقة والسعادات الكاملة والنعم التامة والمنافع اللاّمشروطة وتقتضي التسلح بالإرادات والتغلب على الشهوات وتغليب الأنفس على الأبدان.

بيد الأمر ينقلب بشكل تام على الصعيد السياسي من حيث هو خارج إطار الضرورة واللوازم المنطقية وضمن وضعيات الحدوث وظروف الصدفة والإمكان ويتطلب اختيار الوسائل الناجعة والأسلحة الحاسمة والأدوات الفتاكة بغية الزيادة في البطش وتكبير دوائر الخوف وإطالة امتلاك السلطة وإلحاق أشد الأذية بالأعداء وبسط نفوذ الدولة على السكان واحتكار العنف من الحكام وإعادة توزيعه بالمراقبة والمعاقبة.

كما تعتمد السياسة على خطة "الغاية تبرر الوسيلة" وتجعل من الردع أفضل الوسائل للوقاية من العصيان وتضطر إلى فرض منطق القوة على حق المجتمع الأهلي طلبا للمنعة والنظام وبحثا عن الأمن والغنيمة.

لا يكترث السياسي بطبيعة الأدوات التي يستعملها في المناورة والمبارزة سعيا منه إلى افتكاك الحكم والسيطرة عليه ولا يهتم بنظافة اليدين ومشروعية الوسائل وخيرية الطرق وإنما يضع نصب أعينه الموقع ويسرع في الخطى إليه ويجعل من خطابه فضاء من أشكال السخرية والتهكم والتهجم والتربص والترصد ويتسلح بالخديعة والمكر والدسيسة والمخاتلة ويستميل المتعاطفين إليه ويوظف الغافلين في اتجاه غرضه.

غير أن طريق العنف والكذب لا يورث غير الأحقاد والكراهية ولا يزرع غير الأشواك والطحالب وكثيرا ما ينقلب السحر على الساحر وتظهر المخاطر من صلب الاستبداد والتغلب وتندلع المنازعات والمناكفات ويتم الكشف عن المؤامرات وتتضح للعيان المفاسد وما أوصلته سياسة التعسف والظلم إلى جانب المهالك.

على هذا الأساس تستدعى الحكمة ويتم الاحتماء بالأخلاق ويقع الاستنجاد بالقيم النبيلة والالتجاء إلى مملكة العدل وتصوب الأنظار نحو الغايات وتصطف الإرادات وراء الحق ويكون الاختيار على المبدأ الأصلح والمراد الأفضل وتتجه الآمال نحو تدبير المدينة وفق مقتضيات الفضيلة وتبسيط السبل بغية درك الخير.

هكذا تنتصر الحرية على التبعية ويدمغ العلم رأس الجهل وتقضي أنوار المعرفة على كهوف الظلام ويحرس التعليم الشعب وتنظم التربية المجتمع وتتكفل الثقافة بزرع المحبة والثقة بدل الرعب والتحجر وينطلق ركب التعمير والبناء ويكف منهج التدمير والاحتراب وتزداد درجة الالتحام بين المواطنين وتظهر الحاجة إلى المساواة بين الجميع أمام القانون وتعم الفائدة بالتناصف من الخير العام على الكل.

لكي يصير المرء مواطنا فاعلا في دولة مدنية حري به أن يشارك مع غيره في بناء مؤسسات عادلة ضمن أفق الحكمة العملية التي تجمع بين الأخلاق الاجتماعية والسياسة الناجعة وأن تكون الوسائل المتبعة من نوع الغايات المستهدفة ولا أن تكون الغايات هي التي تبرر الوسائل احتراما للكرامة البشرية وصونا للسؤدد الحضاري للدولة وابتعادا عن اقتراف المظالم وإمساكا للغرائز عن العدوان على معالم العمران.

على الإنسان تحكيم ضميره تجاه نفسه وإزاء غيره: "واجبات نحو ذاتنا عينها واجب المحافظة على أنفسنا وتحسين أنفسنا وواجبات نحو الغير احترام الغير، وهذا ما يقود الى عدم انزال أي شخص إلى مستوى الوسيلة، حب الغير، وهذا يقودني إلى أن أتبنى بعض أهدافه، واجب عدم الاغتياب وواجب الآباء"[1]، فمن ذا الذي يمنح الإنسان الاحترام الضروري والتقدير اللازم والاعتراف المتبادل غير الإنسان ذاته؟

 

د. زهير الخويلدي

.............................

المرجع:

1- مونيك كانتو – سبيربير وروفين أدجيان – ، الفلسفة الأخلاقية، ترجمة جورج زيناتي، دار الكتاب الجديد المتحدة، بيروت، 2008.

كاتب فلسفي

 

احمد الكنانيمقدمة ديوان المثنوي والتي كتبها مولانا جلال الدين الرومي بالعربية تنعت الديوان بصفات تكاد تجعله وحي السماء الى البشر، هو نور مثل نوره كمشكاة فيها مصباح، يشرق اشراقا أنور من الاصباح، هو عين تسمى عند أبناء السبيل سلسبيلا وعند أصحاب المقامات والكرامات خير مقاما واحسن قيلا .. الابرار فيه يأكلون ويشربون، هو كنيل مصر شراب للصابرين وحسرة على آل فرعون والكافرين، ... يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا، وانه شفاء الصدور وجلاء الاحزان، بأيدي سفرة كرام بررة، يمنعون بأن لا يمسه الا المطهرون تنزيل من رب العالمين، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والله يرصده ويرقبه وهو خير حافظا وهو ارحم الراحمين ...

ومن المعلوم ان هذه الصفات هي ذات الاوصاف التي ذكرها القرآن للقرآن ذاته، والغريب ان مولانا جلال الدين لم يكتف بتلك الصفات بل زاد عليها قوله: وله القاب اخر لقبه الله تعالى بها، اقتصرنا على القليل، والقليل يدل على الكثير، والجرعة تدل على الغدير، والحفنة تدل على البيدر الكبير ...

اذن هو يستشعر  خلود كتابه واهمية موقعه للسالكين، وانه قرآن المتصوفة والعارفين، نظرا للتجربة الروحية التي عاشها خلال فترة اللقاء التاريخي بشمس الدين التبريزي وما بعدها حيث جعلت منه سالكا طريق العارفين وداعيا له بالحكمة والموعظة الحسنة بشعر مثنوي لا يخفي كونه وحيا يوحى اليه، وان هناك قوة مسيطرة توحي اليه يشير اليها في ابياته ب " هو" على ما سياتي توضيحه ... اذن هو قرآن بلغة فارسية عذبة.

والظاهر ان مقولة "قرآن بلغة فارسية " كانت ومازالت شائعة وغير مستهجنة من الادباء والمتصوفة بل حتى ممن ينتمي الى طبقة رجال الدين، فهناك شاهد تلو شاهد على ذلك :

ينقل عن الشيخ البهائي (وهو من كبار علماء الشيعة في أصفهان زمن الدولة الصفوية) شعرا في مديح مولانا جلال الدين ما ترجمته العربية: اني لم اقل عن مولانا انه نبي الا انه صاحب كتاب، والمثنوي كالقرآن يهدي بعض والبعض الاخر يضل:

من نمی گویم که آن عالیجناب        هست پیغمبر ولی دارد کتاب

مثنوی او چو قرآن مدل               هادی بعضی و بعضی را مضل

وبهذا المعنى رويت ابيات لعبد الرحمن جامي الشاعر والمتصوف الإيراني .

وكذلك اقبال لاهوري يمتدح الرومي في قصيدة طويلة أوردها في " اسرار خودي" يثبت أيضا ان مولانا بلغة فارسية ويسميها حرف بهلوي قد كتب القرآن :

روی خود بنمود پیر حق سرشت    کو به حرف پهلوی قران نوشت

في كتاب "مناقب العارفين" لشمس الدين الافلاكي قصص عن المقربين للمولوي بهذا المضمون، وكتاب الافلاكي هذا هو الكتاب السَّيَرِي الأكثر طولاً وتفصيلاً في كلِ ما يتعلق بسيرة الرُّومي وآبائهِ الرَّوْحيين وتلاميذه ومُرِيدِيه . بدأ الأفلاكي في كتابة مناقِب العارفين في قُونِيَّة محل إقامة مولانا جلال الدين في عام 718هـ، 1318م بدعم وتشجيع من اولو عارف الجلبي حفيد الرومي، واستمر في تنقيح الكتاب وتوسيعه فترة طويلة جَمَع فيه مرْويَّات سيِرته عن طريق الُمشَافَهَة من أشخاص أحبُّوا مولانا واتَّبعوا طريقته التي أبْرَز ملامحها ابنِه سلطان ولد .

ينقل الافلاكي قصة لطيفة احد ابطالها هو ابن الرومي سلطان ذاته عندما تعرض للاحراج نكاية بوالده وان ديوانه المثنوي هو قرآن قرين بقرآن المسلمين! وسلطان كان يرد على المنتقدين بأن ديوان والده هو تفسير للقرآن وليس قرآنا، فوصلت الحكاية الى مولانا جلال الدين، وفي لحظة سكون انفجر موبخا ابنه: اي سگ! چرا قرآن نباشد؟ اي خر! چرا نباشد:

أيها الكلب أيها الحمار ولِمَ لا يكون !!

ومن طرائف هذا الكتاب يذكر قصة حصلت لمولانا عند ذهابه للصلاة بمعية صدر الدين القونوي وعند شروع الصلاة بدأ الامام يقرأ سورة " يا أيها الكافرون .." في الركعة الأولى وكررها أيضا في الركعة الثانية، حينها يلتفت مولانا لصدر الدين ويقول له المعنى بسورة الكافرين الأولى هو انت وفي الثانية انا، فنحن الكفار بنظر امام الجماعة ...

ويظهر ان خلافا في الرؤى بين المولوي وصدر الدين انجرعلى تلامذة صدر الدين فكانوا يكيلون للرومي التَهم وان المثنوي هو قصص واساطير ولا يحوي شيئا مهما، والرومي في جواب هؤلاء ينشد قصيدة في القسم الثالث من المثنوي يوبخ المنتقدين بأشد التعابير ليس ذاك التلميذ فقط حيث يصفه بعدم الفهم وانما يعمم الصفة لكل مدرسة القونوي بأنها مكان للحمير:

خربطی ناگاه از خرخانه‌ای           سر برون آورد چون طعانه‌ا

از مقامات تبتل تا فنا                   پله پله تا ملاقات خدا

کودکان خرد فهمش می‌کنند          نیست جز امر پسند وناپسند

والقصيدة طويلة يذكَر بها الرومي منتقديه بان المثنوي كُتب بلغة سهلة يفهمها حتى الأطفال الصغار من دون ذكر اسرار المقامات ومراحل العارفين والتي تبتدأ بخطوة تتبعها خطوات للوصول الى لقاء الله .

والحق ان المثنوي كذلك سهل المنال سلس العبارة واضح الفكرة وقصص وعِبر نابعة من الواقع المعاش، ثم هي فرصة للمولوي للتشبيه بين المثنوي والقرآن واشتراكهما في ذات الشكوك وأنهما اساطير الاولين:

چون کتاب الله بیامد هم بر آن          این چنین طعنه زدند آن کافران

که اساطیرست وافسانهٔ نژند           نیست تعمیقی وتحقیقی بلند

 

احمد الكناني

 

 

 

 

جواد بشارةتتعاطى النسبية العامة لآينشتين مع الكون المرئي والمنظور وتصفه على مستويات ونطاقات كبيرة جداً ماكروكوزميك وبالتالي فإن الحلقات الزمكانية المغلقة  Boucles spatiotemporelles fermées  التي تنبأت بها تكون هائلة جداً. وبالعكس من ذلك،فإن النظرية الكمومية أو الكوانتية تتعاطى وتصف العالم على مستويات ونطاقات غاية في الصغر أي مادون الذرية، ميكروكوزميك ، فهل يمكننا أن نتساءل حول ما إذا كان ممكناً وجود الحلقات الزمانية المغلقة على هذه المستويات والنطاقات مادون الذرية؟ في هذه المستويات الدنيا  الصغيرة جداً أو مادون المجهرية ، يمكننا أن نتوقع أن نجد بأن توبولوجيا topologie الزمكان ، أو شكله، لن يكون ثابتاً أو مستقراً. يمكننا أن نتصور بأن تقلبات وخلخلات كمومية عشوائية، تخلق منحنيات زمكانية مغلقة إذا لم يتواجد شيء جوهري يمنع حدوثها ، كما يشرح لنا العالم جون فريدمان  Jon Friedman  من جامعة ويسكونسن ، وهل يمكن لتلك الخلخلات والتقلبات fluctuations الكمومية أو الكوانتية ، بطريقة أو بأخرى، أن تضخم ويتم تحويلها إلى نوع من آلة السفر عبر الزمن والعودة للماضي؟ لا يوجد أي دليل علمي ملموس عن استحالة وجود منحنيات زمكانية مغلقة في النطاقات الميكروسكوبية مادون الذرية أو المجهرية، كما يوضح جون فريدمان. إلا أن أغلب من درس هذه الظواهر الفيزيائية لايعتقد بوجود مثل تلك الحلقات والمنحنيات الزمكانية المغلقة على المستوى مادون الذري أو النطاق المجهري اللامتناهي في الصغر بحدود 10- 30 من السنتمتر. مما لا شك فيه أن خلق حلقة زمكانية مغلقة على المستوى أو النطاق الكمومي أو الكوانتي ، ينطوي على نشوء ظواهر فيزيائية متطرفة. وبالتالي بوسعنا أن نتوقع أن مثل تلك الظواهر الفيزيائية المتطرفة قادت إلى ولادة الكون الذي نعرفه كما يقول العالم ريشار غوت   Richard Gott. وفي عام 1998 نشر ريشار غوت ، مع العالم الفيزيائي  والفلكي الصيني من جامعة بكين لي كسن Li-Xin، نشرا بحثاً يؤكد، ليس فقط، أن المنحنيات الزمكانية المغلقة ممكنة الحدوث في النطاقات الكمومية أو الكوانتية فحسب ، بل أنها ضرورية لتفسير أصل الكون المرئي أو المنظور وأن يكون الكون هو الأم التي تلده أي الكون يلد نفسه، أي أن حلقة زمكانية مغلقة جعلت من الممكن خلق ونشوء الكون المرئي حسب ريشار غوت.

وكما في نموذج الانفجار العظيم " البغ بانغ" فإن كون العالمين ريشار غوت ولي كسن يبدأ بمرحلة " تضخم" inflation حيث يتواجد مجال أو حقل من الطاقة في كل مكان هو الذي نسميه " التضخم" وهو الذي أدى إلى حصول التوسع الأساسي الأولي السريع جداً للكون المرئي. واليوم يعتقد العديد من علماء الكونيات الكوسمولوجيين أن التضخم قد تسبب في ولادة عدد لا نهائي من الأكوان " فعندما يبدأ التضخم بات من الصعب جداً وقفه" ، كما يشير ريشار غوت ، فهو يخلق شجرة تتضمن عدد لانهائي من الأغصان أو الفروع  ــ الأكوان ـــ وما كوننا سوى واحد منها فما هو الجذع الأساسي لتلك الفروع والأغصان لتلك الشجرة الكونية؟ يفترض العالمان غوت وليكسن أن الحلقة  الزمكانية المغلقة الأولى في النطاق الكمومي أو الكوانتي من ضمن التعدد اللانهائي للفروع ، قد انغلقت على نفسها وانطوت بشدة لتشكل الجذع بعد أن تنامت". وهناك رسم تخطيطي للنموذج الكوني لريشار غوت ولي كسن للكون الخالق لذاته وبنفسه على شكل رقم ستة  6 طرفه العلوي المفتوح يمثل الكون المتوسع الذي نعيش فيه وطرفه السفلي عبارة عن حلقة زمكانية مغلقة تكونت إثر التقلبات الكمومية المشار إليها، وتفرعت بعد التضخم لتنتج عدد لانهائي من الفروع ــ الأكوان ـــ وتشكل الجذع الرئيسي الحامل للأغصان والفروع،هي الأصل المفترض لكوننا المرئي . فالقفزة الزمكانية المفاجئة  للتضخم العظيم المفاجيء داخل تلك الحلقة الزمكانية قد أنتجت ومدت كوننا المرئي لتعطينا الكون الذي نعرفه ونعيش فيه. إن هذه الرؤية تثير الدهشة والحيرة إلا أن ريشار غوت يوضح لنا بأن من مميزاتها أنها تلتف على صعوبة تصور فرضية خلق الكون من لاشيء الذي اقترحه لورنس كراوس إلى جانب ألكسندر فيلينكن  ، من جامعة توفت، وستيفن هوكينغ،  من جامعة كمبردج، وجيمس هارتل ، من جامعة كاليفورنيا في سانتا بربارا  وهم جميعهم اقترحوا نماذج كونية نشأت من لاشيء. ففي الرؤية الكمومية أو الكوانتي، لايوجد فضاء فارغ حقاً أو تماماً ، بل يكون مليئاً بالجسيمات " الافتراضية " التي تولد وتختفي بسرعة هائلة وعلى الدوام ، ويعتقد ستيفن هوكينغ ورفاقه أن الكون نشأ إنطلاقاً من هذا الفراغ الكمومي أو الكوانتي في حين يقول لنا ريشار غوت ولي كسن أن الكون لم ينشأ من لاشيء بل من ذاته .

مازلنا غير متيقنين من أن إحدى هذه النظريات ستشرح لنا على نحو مؤكد وقطعي أصل الكون المرئي، وتعطينا عمره الحقيقي . كان العالم الفيزيائي الفذ ريشار فينمان Richard Feynman قد قارن الكون بلعبة شطرنج بين الآلهة ، واضاف بأن الباحثين والعلماء يحاولون فهم اللعبة دون أن يفهموا أو يستوعبوا قواعد اللعبة . فهم يراقبون الالهة وهي تدفع بالبيادق من مربع إلى آخر وعلى ذلك يبنون حدسهم واستنتاجهم لقاعدة من القواعد ويلاحظون أن البيادق تتقدم دائماً إلى الأمام ، ولكن بما أنهم لم يشاهدوا بداية اللعبة فلن يمكنهم معرفة أن بوسع بيدق أن يتقدم مربعين من موقعه الأساسي الأصلي كما يمكن ، في بعض مراحل اللعبة، أن يغير البيدق من طبيعته ودوره ويتحول إلى " ملكة" . يبدو ذلك مثيرا للفضول ومناقضاً لقواعد اللعبة، كما يشير ريشار غوت ومع ذلك ليس ذلك سوى جزء أساسي من اللعبة ، ونحن نجهل ذلك فقط لأننا لم نكن شهوداً على جزء من اللعبة التي يحدث فيها هذا الشيء على نحو متطرف، أي تقدم البيدق مربعين أو أكثر وتحوله إلى ملك. لذلك فإن البحث بشأن السفر عبر الزمن والعودة إلى الماضي يشبه هذا المثال . فهو يتضمن عملية تقصي ما ستكون عليه قوانين الفيزياء في بعض الظروف والشروط المتطرفة القصوى، فلا يوجد منطق يمنع الترحال نحو الماضي حتى لو تعلق الأمر بكون لانعيش فيه ، بعبارة أخرى ، إن تحول البيدق إلى ملكة يمكن أن يكون جزء من قوانين النسبية العامة الآينشتينية.

إن مثل هذه الافتراضات والمضاربات الفكرية قد تكون أقرب للفلسفة منها للفيزياء ، ولكن في الوقت الحاضر فإن النظرية الكمومية أو الكوانتية والنظرية لنسبية العامة هي كل ما نملك لفهم الكون المرئي في الوقت الحاضر فهما يشكلان الدعامتين الرئيسيتين للفيزياء الحديثة  وللكوسمولوجيا المعاصرة. فالباحثون الذين يخلطون بين النظرية الكمومية والنسبية الآينشتينية العامة ، خاصة في مجال اكوسمولوجيا، لايمتلكون، في حقيقة الأمر، اية فكرة واضحة عما يقومون به. كما يقول تيم مودلان Tim Maudlin، وهو فيلسوف ومتخصص في فلسفة العلم في جامعة نيويورك. فلا يوجد هنا رياضيات صارمة ومعقدة بل خلطة غير متجانسة لمقاطع من النسبية العامة ومقاطع تشبه الفيزياء الكمومية أو الكوانتية ، لأنهم يجهلون كيف تتقدم الأمور على نحو يتضمن معنى ما ، يكون مقبولاً ومنطقياً ومع ذلك هذا ما يجب أن يقوم به ويفعله الباحثون إذا أردوا التقدم للوصول إلى النظرية القصوى  ، وربما تكون النظرية المستقبلية مدعاة لأن تلغي إمكانية السفر نحو الماضي ، أو ربما تكشف  لنا عكس ذلك تماماً ، أي عما هو أكثر غرابة  وغموضاً مما نظن ونعتقد أن يكون عليه كوننا المرئي. فمنذ أن أعاد آينشتين صياغة تصورنا وإدراكنا وفهمنا لمفهوم الزمن ، الذي مايزال يشكل معضلة تستعصي على الحل ، لا تزال الفيزياء تحقق نجاحاً وتقدماً باهراًن وقد يكون السفر في آلة الزمن التي تخيلها هـ ج ويلز أمراً ممكناً في المستقبل وواقعاً عادياً حتى لو لم نتوصل لحد الآن إلى صنع مركبة تسير بسرعة هائلة قريبة من سرعة الضوء لزيارة المستقبل وهو الأمر الأكثر سهولة ومثبت علمياً بالتجارب المختبرية ، وربما هناك نوع من التماثلية والتناظر الكوني  الذب سيسمح لنا بزيارة الماضي الذي قد يتواجد في الكون الموازي لكوننا .

يتبع

 

د. جواد بشارة

 

زهير الخويلدي"بالنسبة إلى فلسفة تستقر في الرؤية المحض والتحليق فوق البانوراما لا يمكن أن يكون ثمة التقاء بالآخر: ذلك أن النظر يهيمن ولا يستطيع أن يهمن إلا على أشياء"[1]1

تفكر الفلسفة في اللاّشيء وتحيل العديد من الأشياء إلى العدم وتقوم بحركات سالبة وتحرص على النفي وتسحب الوجود من الكثير من الكائنات وتخلع القيمة عن العديد من الأفعال وتصف تجارب من الحياة بالعبث وتسقط جملة من أقوال الناس في دائرة اللاّمعنى وتفضل الصمت على الكلام في كثير من الأحيان.

لكن الفلسفة من جهة مفهومها وتاريخها والمهام التي وجدت من أجلها مطالبة بالقيام بالعديد من الأشياء ولعب الكثير من الأدوار أكثر بالكثير من الوظائف السلبية وأدوار التفرج على الوجود وهو بصدد التفكك، وتنقسم مهام الفلسفة كما جرت العادة إلى نظرية وعملية والى معرفة ووجودية والى أحكام واقع وأحكام قيمة والى تفسير وتغيير والى نقد وتأسيس والى تحليل وتركيب والى تفكيك وتشييد والى تشريح واعتناء.

لهذا السبب يطلب الناس من الفلسفة أشياء قد لا تطلب من صناعات أخرى وينتظر منها المتلقي أمور جمة ويبرر الموقف بأنها تعتبر علم الكليات وصناعة الصناعات والحكمة العظمى وأم المعارف وملكة العلوم. لكن على ماذا تقدر الفلسفة في الواقع؟ وما طبيعة الانتظارات التي يمكن أن تقدمها؟ وهل تنقذ الإنسان من الضياع في العالم وتوصله إلى بر الأمان؟ وماهو بر الأمان الذي ينتظر الإنسان بلوغه؟ وكيف تقدر عليه؟

الفلسفة ليست الفكر الضعيف مهما عاشت التراجع والجمود ومهما عانت من الحصار والمنع والتقييد، وليست مجرد ثقافة نخبوية تمارس نوع من التعالي والتخمة المعرفية وتعيش في برجع عاجي وموقع مترفع وإنما هي بالأساس قريبة من الناس ومتصلة بالجماهير وممارسة ميدانية وتجارب تطبيقية وسلاح ثوري وثقافة عمومية وبحوث تجريبية وسير ذاتية لجملة من المغامرات والمحن التي عاشتها شخصيات.

تحاول الفلسفة في مهمة أولى أن تضع حدا للجهل والشعوذة والخرافة والدجل وتحارب في مقام أول الظن وترنو بكل الطرق بلوغ الرأي السديد والمعرفة المستنيرة بالعقل والحقيقة المرتكزة على العقل والتجربة.

بعد ذلك تعمل على إشاعة التنوير وتحقيق التقدم وتحرص على مقاومة التقليد والتخلف والتأخر بالنسبة للمجتمعات وتنتصر للقيم العصرية وتهتم بالتحضر والتمدن وترتبط بالتجارب التحديثية وحركات الأنسنة.

غير أن هذه الوظائف النبيلة لا تكتمل إلا بالاشتغال على بناء الوعي الفردي والارتقاء بالوعي الجماعي ونقد العقل وإصلاح الذهن وتخليص الفكر من الاغتراب والانبتات والانتقال من الغيبوبة الى اليقظة ومن الكسل والخمول إلى الاستفاقة والحيوية وخلق ديناميكية إبداعية في مجال الأدب والفنون والخلق الجمالي.

ربما مهمة الفلسفة الأولى والأساسية هي الوصول بالإنسان إلى بر الأمان وصناعة المعرفة الرائدة وإعادة تشكيل العالم المشترك على نحو مختلف وتأسيس مقام الكينونة الأصيلة وصيانة المدينة الإنسية من كل المخاطر المتربصة بها ومقاومة نزعات العدم والتوحش والتسليع والاعتصام بالتعقل الحكيم والعلم الجذل.

لعل بر الأمان الذي تسعى الفلسفة بلوغه هو الخلاص من الشر بالقيام بالعمل الصالح والنجاة من الفوضى بتركيز النظام والتنبيه على سبل السعادة بدل التخبط في أوحال الشقاء وأنوار الانعتاق بدل ظلمة الاغتراب والبحث عن نقطة أرخميدس الثابتة التي تكون السند والمرتكز والمبدأ الأول والعلاج الكافي للأمراض التي يعاني منها العصر والأرض الصلبة التي يقف عليها الإنسان زمن الاضطراب واللاّيقين والسيلان.

قد تفعل الفلسفة أشياء كثيرة للإنسان بمجرد أن تفتح رؤية جديدة يطل من خلاله على الكون اللاّمتناهي أو تعثر على فكرة ناظمة تشد إليها مختلف المعارف الجزئية وتجد خيوطا رابطة بين مختلف مقولات الذهن أو حينما تكشف عن مبدأ توجيهي يعتمده الناس في حياتهم العملية وعن تنفض الغبار قيمة أصيلة أهملت.

إن الالتجاء إلى الفلسفة في عصر الرقمي هو في حد ذاته بر أمان للإنسان الذي يعاني من تنامي العدمية ولكن قد لا يكون كافيا إذا ظل الفيلسوف في غير مكانه المأمول وبقيت الثقافة الرسمية تنازع في وجوده.

" إذا كان على الفلسفة أن تحتار وأن تفهم هذا الانفتاح البدئي على العالم، انفتاحا لا يقصي تخفيا ممكنا، فإنه ليس بمقدروها أن تكتفي بتوصيفه ، بل عليها أن تقول لنا كيف يكون ثمة انفتاح دونما إقصاء لتخفي العالم وكيف يظل ذلك الانفتاح ممكنا في كل حين مع أننا محبوبون طبيعيا بالنور."2[2]، لكن إذا لم تكن الفلسفة رؤية للعالم وإبحار من ظلمة الهوية إلى أعماق الكينونة، فماذا عساها أن تكون؟

 

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

............................

المرجع:

1- مرلوبونتي موريس ، المرئي واللامرئي، ترجمة د عبد العزيز العيادي، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، طبعة أولى، 2008، ص148.

2- مرلوبونتي موريس ، المرئي واللاّمرئي، مصدر مذكور، ص85.