منى زيتونهل توجد ميكانيزمات عقلية تقف وراء تشكل كثير من الأفكار والاعتقادات الخاطئة بالأساس في البنية المعرفية للأفراد، ومن ثم ظهور السلوكيات المُشكِلة خاصة في مجال التواصل البشري؟

هذا سؤال هام ولا شك، وينبغي التنبه إليه لأنه أُس البلاء. يُلاحظ وجود ما يُعرف بأخطاء التفكير لدى من يعانون مشاكل في التواصل الإنساني؛ أي الطريقة التي يُفكر بها الإنسان وتتسبب في تكون اعتقادات وأفكار خاطئة، وتدفعه إلى التفاعل الاجتماعي بشكل خاطئ.

 وليس هدفي إجراء بحث علمي موسع عن الموضوع، فما ينتج عن تلك الأخطاء في تفكير الأفراد أعمّ بكثير من أن يُحصر في مشكلات بعينها. هدفي أن ألفت فقط إلى وجود تلك العمليات في تفكيرنا.

ولعل من أهم تلك الميكانيزمات العقلية، إلقاء اللوم على الآخرين،‏ وعدم التفريق بين الحقائق والآراء، والتعميم الزائد، وتشويه الحقائق، وغيرها. هذه الميكانيزمات تتسبب في تكوين أفكار واعتقادات خاطئة ينشأ عن اعتناقها غالبًا سلوكيات مشكلة، قد يتأذى الفرد وحده بسببها، وقد ينتشر أذاها نحو المجتمع.

يعتبر إلقاء اللوم على الآخرين من أكثر أنواع أخطاء التفكير التي يستخدمها الفاشلون لتبرير فشلهم، وإظهار براءتهم من سوء أحوالهم؛ فالأفراد ينقسمون في استجابتهم لما يمر بهم من حوادث إلى ذوي مركز تحكم داخلي، وذوي مركز تحكم خارجي.

من يكون مركز تحكمهم داخليًا يتميزون بارتفاع درجة ثقتهم بأنفسهم، وتحملهم مسئولية نتائج أي سلوكيات يقومون بها، وكما يفتخرون بتحقيقهم للنجاحات وينسبونها لأنفسهم، فهم لا يتهربون من تحمل مسئولية أي فشل حدث بسبب سلوكياتهم وقراراتهم. في حين أن العكس يحدث مع الصنف الثاني الذين يكون مركز تحكمهم النفسي خارجيًا، فهؤلاء لا يحكمون السيطرة على ما يواجهون من مواقف، ويرفضون الإقرار بمسئولية سلوكياتهم وقراراتهم عن أي نتائج سيئة تحدث بسببهم؛ فإما أن يلقي بالاتهام على غيره من البشر أو يدعي أنها إرادة الله تعالى، وأن الأمور جرت على النحو الذي جعل الأمور تؤول إلى ما آلت إليه، ولم يكن بالإمكان تغيير المقادير!

هناك أيضًا خطأ ما يُسمى بالتوجيه المتعمد Intentional Orientation حيث نتأثر بالتسمية التي تُطلق على شيء ما، ونتعامل مع الشيء في ذاته وفقًا للصورة التي يخلقها الاسم في الأذهان، وإن كانت هذه التسمية لا تشير إلى حقيقة الشيء بدقة، ولكنها تشير إلى إدراكنا له.

من أخطاء التفكير أيضًا عدم التفريق بين الحقائق والآراء، والحقائق موضوعية بينما الآراء ذاتية. كثيرًا ما لا تكون المشكلة في التعبير عن الرأي، بل تكمن المشكلة عندما يتعامل الكثير منا مع الرأي على أنه حقيقة، بينما قد يكون الرأي خاطئًا إذا كان مبنيًا على استدلال غير سليم!

وتتسبب إشكالية التعميم وعدم التمييز -كخطأ شائع في التفكير- في مشاكل عديدة لعدد متعاظم من البشر، والتي تنشأ من أن عدم قدرتهم على التمييز تتسبب في إصدار حكم واحد أو سلوك واحد نحو عدد كبير من الأشخاص أو المواقف لأنهم يفترضون تشابهها التام، ويفشلون في النظر إليها بشكل فردي وملاحظة أوجه الاختلافات بينها!

والتعميم الزائد هو أساس تشكل الأنماط الجامدة أيًا كان أساسها، سواء كان الدين أو السلالة أو النوع أو غيرها. والنمط الجامد هو صورة عقلية ثابتة يتم تعميمها على الأفراد التابعين لجماعة ما، دون ملاحظة الفروق الفردية بينهم أو الفروق التي ترجع إلى عوامل أخرى.

والاستقطاب خطأ شائع في التفكير له ارتباطه الواضح بالتعميم. يمكن القول بلا تردد إن أغلب البشر عنصريون، ولديهم ما يمكن أن أسميه الهوس بالتفرع الثنائي ‏dichotomania، فهم يحبون التقسيم الثنائي الحدّي فقط؛ الشيء ونقيضه. جرّب أن تعرض تقسيمًا ثلاثيًا في أي نطاق وستجد عزوفًا ‏عنه؛‏ فالثنائية تعني الحدّية القطبية؛ إما أبيض أو أسود، إما مؤمن أو كافر، إما أنك سني أو شيعي، ‏ودائمًا القطب المقابل هو العدو. من ليس معنا فهو ضدنا. فالتصنيف الثنائي يكرس للعداوة، بينما تقبل وجود تصنيفات متعددة ثلاثية أو رباعية أو أكثر، ‏يمجد التنوع الإنساني، ويصب في النهاية في بحر الإنسانية الذي يوحدهم دون تصنيف، لكن البشر يبحثون عما يقسمهم ويتجاهلون سبب توحدهم "الإنسانية"‏.

فماذا عن تشويه الحقائق؟

يعتبر انتشار الانحلال الجنسي كسلوك على مستوى العالم، وتوجيه الأفراد والمجتمعات إلى تقبله باسم الثقافة، نتيجة مباشرة لتشويه مجموعة من الأفكار الخاصة عن أمانة الجسد للرجل والمرأة، خاصة المرأة، فأصبح قطاع عريض من البشر يعتبرون أن الإنسان حرٌ في التصرف في جسده، ولا معنى لديهم للعفة ولا للشرف. تلك الأفكار المادية غير الأخلاقية في حد ذاتها ناتجة عن الثقافة الغربية المعاصرة التي جعلت من القيم الأخلاقية –فضلًا عن الدينية- مناقضة للحداثة والتطور.

لطالما تم النظر إلى علاقة الرجل الجنسية بالمرأة على أنها علاقة أخذ من الرجل وعطاء من المرأة، وربما لأجل هذا كان اللوم الأكبر يقع دائمًا على المرأة عند الانخراط في علاقات مُحرَّمة؛ كونها الطرف المُفرِّط، ولكن لدى المنادين بالحرية في العلاقات الجنسية فلا أخذ ولا عطاء، وليس للأمر علاقة بالشرف من الأساس؛ فشرف الإنسان لا علاقة له بجسده. وخطأ التفكير الذي يقوم عليه هذا السلوك هو تشويه الحقائق خاصة أمام المرأة؛ فالأمر أشبه بشخص معه خاتم ثمين من الماس قام أحد المحتالين بإقناعه أنه لا يساوي شيئًا فنتج عنه أن فرّط فيه بسهولة. والحقيقة أن المُفرِّط ملام على تفريطه، وهذا لا يعني ألّا يُلام المحتال.

كما لم يقتصر التحول الفكري الحادث، على العلاقة الطبيعية بين الرجل والمرأة؛ فلأن التركيز صار على كون العلاقة الجنسية هي علاقة متبادلة يعطي كل طرف فيها نفسه للآخر، كان مما ترتب على تلك الفكرة الجديدة أن أي شخص بالغ عاقل يمكنه أن يقرر إقامة علاقة مع شخص آخر بكامل إرادته، أيًا كان هذا الشخص، سواء كان من جنسه نفسه، أو حتى من محارمه! وهو تبرير للشذوذ الجنسي وزنا المحارم، أقل ما يُقال عنه أنه مُقرف لمن يمتلك فطرة سليمة.

وبلغ تشويه الحقائق مرحلة أن أصبح بعض الداعين لنشر الانحلال –كثقافة- في مجتمعنا يروجون أن المهر الذي يعطيه الرجل للمرأة قبل الزواج، وعرفته أغلب المجتمعات قديمًا كتعبير من الرجل عن محبته للمرأة ورغبته فيها، ليس أكثر من أن المرأة تبيع نفسها! وللأسف فإن كثيرًا من الرجال –ربما تحت تأثير الضغوط الاقتصادية- قد حدث له تحول فكري فاعتنق هذه الفكرة العجيبة، ووصل الأمر إلى درجة أن فتيات ممن لا يرين العلاقات غير الشرعية انحلالًا صرن يتبنين الفكرة نفسها! وأنا قطعًا لا أتحدث هنا عن المغالاة في المهور، بل عن مفهوم المهر ذاته ودلالته.

ووصلت محاولة تشويه الحقائق وتغيير الأفكار إلى مفهوم الزواج نفسه الذي كان مقدسًا إلى يوم قريب، فالزواج بلا حب هو اغتصاب لا حق للرجل فيه وفقًا لهؤلاء! ويتم تبرير الخيانة للمرأة بناءً عليه، والترويج لها! فالاحترام من وجهة نظرهم مرادف لما نراه نحن انحلالًا. في مسلسلي "جراند أوتيل" و "لا تطفئ الشمس" على سبيل المثال يظهر نموذج الزوجة الخائنة حاضرًا، مع إيجاد مبررات درامية لها ونعومة رومانسية تمتزج بتلك الخيانة لجعل المشاهد يتقبلها، لتتسلل تلك السلوكيات المقرفة والمحرمة إليه تدريجيًا، ويتقبل الأفكار التي تعكسها.

وليست أخطاء التفكير وحسب هي ما يمكن أن تغير البنية المعرفية لأفراد المجتمع، بل يمكن نشر فكرة في المجتمع، والترويج لها، على أن يكون المعروض سطحيًا كقمة جبل الجليد، بينما جذور الفكرة الحقيقية تبقى في العمق، ولا يكون سهلًا على المواطن العادي في أحايين كثيرة إدراكها.

إن بث فكرة جديدة في المجتمع يعني تقبل سلوكيات جديدة ترتبط بها، وانتشار السلوكيات دليل على تخلل الأفكار التي تنبني عليها في العقول وتقبلها، حتى وإن كنا لا ندرك ونعي العمق الحقيقي لتلك الأفكار. والحل يكمن لأجل تغيير تلك السلوكات في تفنيد الأفكار التي تقف خلفها وبيان عوارها.

 

د. منى زيتون

 

سامي محمود ابراهيما. سالم خلف احمد

في مرايا الواقع السياسي وعينا مزيف ومحرف يبحر في الإشاعة ويتيه في لجة بحر الانا الغارق في هموم الدنيا.

لهذا، علينا أن تزيح من ذهنيتنا الاحتجاج بما يفعله السلاطين والآخرون. علينا أن نقرأ التاريخ قراءة واعية وان نتهم انفسنا ونفهمها واذا اتهمنا أنفسنا وقفنا على أحوالنا، فإن الله تعالى لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، وذلك هو الوعي بالواقع والحال والوجود..

هذا من جانب من جانب آخر نجد أن الوعي الحقيقي يتطلب التوازن بين الفرد وذاته، فمعظم الانتكاسات تأتي من عدم التصالح مع الذات، فينشأ الصراع، وللأسف الغالبية يركزون على ما لا يريدون، فتكبر الفجوة الداخلية التي تجعل المرء محدود الرؤية والتفاؤل والانسجام مع ذاته، وهذا يعني عدم التناغم مع عالمه الخارجي، وهنا يضع الفرد العتب على الظروف، مع أن الخلل ليس فيها، وإنما في داخله، لذا من الضروري التصالح مع اعتقاداتنا وأفكارنا وطروحاتنا ورؤانا.. عندها سنكون وهكذا لن تبقى مشكلة .

وفي هذا الصدد:

يروى أن صيادا عاد من رحلة صيد وفيرة إلى المنزل، فجأة يتجه نحوه قارب . انزعج الصياد وصار يصرخ على صاحب المركب ان توقف.. لكن المحظور وقع فقد ارتطم القارب بالقارب، ثم تبين ان لا احد كان يقود القارب الاخر، فقد كان فارغا. لذا شعر بمزيد من الاسى والحزن فلا أحد يمكنه تحمل المسؤولية .

حياتنا مليئة بالمراكب السابحة على غير هدى، ومعظمها فارغة.

من السهل التفكير في أن الآخر خاطئ أو سيء، بدلا من تقاسم المسؤولية .. يمكن أن تشعر بالإحباط عدة مرات، لكنك لست فاشلا حتى تبدأ في إلقاء اللوم على شخص آخر والتوقف عن المحاولة.

كما ان لعبة اللوم تقتضي ايضا البحث عن كبش فداء لا يستطيع الدفاع عن نفسه . وهكذا من السهل إلقاء اللوم على الأشخاص أو الجماعات الذين لا حول لهم ولا قوة . مجموعة مهمشة، تعد هدفا سهلا عندما لا نستطيع التعامل مع شعور بالذن، نرغب في أن نرمي به الى الآخرون من خلال إبراز المشاعر السيئة فيهم، والتي قمنا بإلحاقها بهم قصدا حتى نتمكن من الظهور بشكل جيد.

نحن نعيش ثقافة اللوم والشكوى، لأن الجميع يبحثون دائما عن أشياء يشتكون منها، فنحن باستمرار نريد أن نكون خيرين.

إذا نحن بحاجة الى الوعي روحيا وماديا لنتمكن من اليات النهوض، نستثمر الذات الانسانية في الوجود فنتوسع داخل فلك الحضارة. وبذلك نتخلص من حتمية السقوط والانحدار الى حتمية النهوض في مسار الحياة العالمية.

هذا التحول يتزامن مع رؤية عقلية عالمية تمتلك بصرا حادا يغوص في الاعماق لينتشل سر كينونتنا الغامض، خاصة ان الوعي حالة من الاستنفار العقلي والذهنية الثائرة التي تتجاوز الاعتبارات الظرفية إلى رحاب المسائل الكلية..

إن الوعي الحقيقي هو ذلك المرتكز على الشمولية والعمق التفسيري, إنه ذلك الذي يبحث عن النواميس والسنن الناظمة لهذا الكون, ويربط بين العلل ومعلولاتها.

نعم العقل الواعي القادح لزناد فكره لا يملك تجاهل دهشته ومناهضة حب الفضول المغري باقتحام المجاهيل ومقاومة التوق الجبلي نحو سبر أغوار الأشياء، لكن ان لم يضبط ويقنن فمصيره إلى التيه والتخبط.

إنها دعوة للخروج بالعقل من ازمة اللاوعي، حين يكون العقل انتقائيا حين يكون عقلا للاحتلال، والبحث الدؤوب عن عقلنة التوسع من أجل السيطرة والأسواق، بل حين يتحور العقل إلى ملكة وأداة باعثة على التدمير والتخريب.

ولهذا فان علينا أن نسعى دائما إلى تفحص برامجنا وقراءة أحوالنا وإقامة علاقات نقدية مع ذواتنا ومع العالم. فطعم الحقيقة المطلقة أسعد وألذ من طعم الحيرة المعذبة مهما طرء على الحيرة من التمجيد.

لنقلب صفحات العالم ونقراها من جديد علنا ننتج في قاموس الحضارة. انبعاث ونهضة تحتضن الحياة وتجعل من الإنسان وعيا جديدا يحتمل سعة العالم اللاواعي اللامنتمي وثقله المطرد. لا بد من تحديد بعدنا الذاتي في ارض الواقع، وننسى أثرنا المعكوس تحت الوصاية سنين طويلة. لنتذكر ان مصادر طاقتنا موجودة في منظومتنا الفكرية. فنشهد عندئذ وعي وانسجام تام مع سائر مفردات الحياة.. لنتذكر اخيرا اننا امة واعية قادرة على النهوض رغما عن جميع ما يعتريها من عارض المحنة الحاضرة.... فلنتفكر بمداد العقل والايمان، بجدلية الوعي والانسان عندها سنتجاوز لجة البحر المظلم لنصل الى بر الامان.

وعبر ثنايا الزمن تتشكل ملامحنا بانتظام جميل يبقينا احسن مما كنا بانتظام متلاحق. وان اية حياة مهما كانت بسيطة ستكون جميلة وممتعة أن رويت بصدق.

فحين نرى الجمال نود ان نكون امم وجماعات وشعوب وحضارات وانساب وقبائل. فبعض المشاهد والانفعالات والأحاسيس تجعلنا نضيق بكوننا واحد، إذ لا بد من وجود آخر يقاسمنا مشهد الحياة، يحمل عنا شيئا من فرح وسرور مباغت. خاصة ان حياتنا مليئة بالمفاجات، هي تجربة مفعمة بالمعاناة في مسيرة عبورنا نهر الزمان، الذي نقطعه ونحن نحمل اثقال وجودنا على اكتافنا الى ان نصل جزيرة الامل المفقودة في ابدية جميلة متصلة بكل معاني الوجود . وكأن روح الحياة وجمالها قد اختزلت في حكمة تعطي الزهد اقصى معانيه. معاني تفجر لدينا الاحساس بالتفاؤل برغم التشرب البطيء للماساة التي نعانيها. وفي رحلة البحث عن الذات نقطع المسافات فبيننا وبين السعادة صحاري مجهولة، وهواجس لا تنتهي. خاصة ان الوجود المشروط غياب، ومساحة الصبر قليلة تنتهي بحرف وعلى حافة جرف، بعدها يعلن الوداع الى غياب بنكهة الحضور. ولا زلنا تلامذة في مدرسة الدنيا نتعلم أبجديات الحياة واسماء الواقع وجدول الضمير وكيمياء السعادة وفيزياء الوجود وفن الواقع وجمال الحقيقة.

إن انساننا يحتاج اليوم أمس الحاجة إلى خطاب روحي يوقظ فيه سبات الضمير، ويضخ النور في الإرادات الإيجابية البناءة .. نرغب دائما ببرمجة مسيرة المستقبل إلى إشغال مكان بين نجوم السماء قريبا من موقع الثريا ومشهد سحر الوجود الخلاق. فلنتفكر بمداد العقل والايمان، بجدلية الوعي والانسان.

 

د. سامي محمود ابراهيم

 

نايف عبوشلا شك إن نسبة النجاح في مرحلة الثالث المتوسط، التي أعلنتها وزارة التربية ،والتي بلغت (٦٩، ٣٤) في المائة، هي نسبة متدنية ،وبالطبع فإن هذه النسبة غير نهائية، إذ لم يتم احتساب النتائج للدورين الاول والثاني، وبالتالي فأن نسبة النجاح المعلنة، محسوبة للطلبة الذين ادوا الامتحانات فقط، ولا تشمل العدد الكلي للطلبة،حيث أنها لا تشمل الطلاب الذين لم يسمح لهم بأداء الامتحان، بسبب عدم دخولهم البكالوريا.

ولاشك ان تدني نسبة النجاح، بهذا الشكل المزعج ، تعكس تدني واقع التعليم بشكل عام في البلد، لأسباب كثيرة، ومعروفة للجميع، حيث أنعكس هذا الواقع المزري سلباً، على أولياء أمور الطلاب، وعوائلهم، وبالتالي، فإن المشكلة أصبحت هاجسا عاما، يؤرق الجميع، طالبا، ومدرسة، وجمهورا، ومؤسسة تربوية، إذ من الواضح أن وضع الطالب، بشكل عام، ومستوى أدائه، ولاسيما في هذه المرحلة، إنما هو محصلة دالة، تتفاعل فيها متغيرات عديدة، أهمها، الطالب، المدرسة، الأهل، والمجتمع.

ولعل الأمر يتطلب معالجة جذرية لهذه الإشكالية، وذلك من خلال اعتماد استراتيجية شاملة للمعالجة، تأخذ بنظر الاعتبار كل جوانب هذه الإشكالية، طالبا، ومدرسة، ومنهجا، ومعلما، ومحتمعا. بمعنى أن مشكلة تدني مستوى التعليم، أصبحت متداخلة الأبعاد، ومعقدة، وتحتاج إلى تعاون الجميع، بهدف الوصول إلى الحل الموضوعي الجذري، لهذه المشكلة.

ففيما يتعلق بالأسرة، فإنه يجب عليها الإرتقاء بوعي الطالب، ومراقبته، وترشيد سلوكه، وحثه على الدراسة والاجتهاد، وعدم فسح المجال أمامه لاضاعة الوقت في اللهو، واللعب، والإنغماس في الإنترنت، والأجهزة الذكية، بالشكل الذي يهدر وقته، ويستنزف طاقته، ويستهلك جهده،وحثه في نفس الوقت، على احترام المعلم، وزملائه في المدرسة، وعدم العبث بموجوداتها، والحرص على نظافة المدرسة، والمحافظة عليها.

أما فيما يتعلق بالمعلم، فإن المطلوب منه ان يقوم بواجبه كتدريسي، ومرب، في نفس الوقت، وان عليه أن يضبط سلوك الطلاب داخل الصف، وداخل باحة المدرسة، استكمالاً لدور الأسرة، وان يركز على التأثير الإيجابي في السلوك الجمعي للطلاب، عن طريق الإشعاع، والرمزية، ابتداءً، ليكون القدوة الحسنة، والمثل الأعلى، لطلابه، قبل اللجوء إلى استخدام أساليب الترهيب، والتعنيف، والزجر.

وبخصوص المنهج، فإن المطلوب من الجهة المسؤولة عن وضع المناهج، ان تواكب التطور في العالم، وان تسترشد بتجارب الآخرين، وان تعتمد مناهج متطورة، تتناسب مع المرحلة العمرية للطالب، بحيث يستطيع استيعاب مواد المنهج، ويدركها بسهولة  بعد أن يقوم المعلم بشرحها للطلاب، مع التركيز على تكليف الطالب بالواجب البيتي، والتحضير لمادة اليوم التالي، واعتماد الامتحان الفجائي  بين الفينة والأخرى، بما يجعل الطالب منشغلا على الدوام، بمهام التعليم، ومستعدا لأي امتحان يجرى له، في أي لحظة.

كما يتطلب الأمر التوسع باعتماد مختلف وسائل الايضاح، والوسائل المختبرية الأولية، التي تعين الطالب على هضم المادة، واستيعابها بيسر، بما فيها استخدام الحاسوب، بشكل مبسط، ليواكب الطالب التطور الحاصل في الثورة الرقمية، ويتفاعل مع معطياتها،بما يمكنه من تجاوز الأمية التقنية في هذا المجال.

أما بالنسبة لتوفير الكادر التعليمي، بالعدد الكافي من المعلمين، فإنه ينبغي مغادرة حالة ما بات يعرف بالمحاضر المجاني، وذلك بالعمل على توفير المعلمين، والارتقاء بمستوى المعلم، معنويا، وماديا، بما يحفزه على تحسين أدائه، ويدفعه للارتقاء بعمله،بالإضافة إلى حماية المعلم، ومنع أي تجاوزات عليه، سواء من قبل الطلاب، او ذويهم،أو أي طرف آخر.

ويتطلب الأمر أيضا ، الإهتمام الجدي، بترميم البنايات المدرسية ، وبناء مدارس جديدة، كافية لاستيعاب الطلاب، للتخلص من مشكلة الاكتضاض، وصعوبة ضبط الطلاب.

ولعل التركيز على تفعيل صيغة الدور التكاملي، للمدرسة والأسرة، بشأن إعداد طالب مؤهل، ومتفوق، سيكون مفيدا في ضمان الحفاظ على انسيابية الحياة التعليمية للطالب، بسلاسة، وبما يحول دون رسوبه، او تسربه من الدراسة، حيث سيخسر عندئذ، فرصة الحياة في تلقي تعليمه بكل حلقاته،في نفس الوقت الذي يخسره المجتمع كطاقة واعدة، ينبغي الحفظ عليها، وصيانتها من الهدر، والضياع.

 

نايف عبوش

 

 

محمود محمد علينعود للمقال السابع والأخير ونستأنف حديثنا عن الهيمنة الأمريكية علي منطقة الخليج العربي فنقول: بقيت العلاقات الأمريكية العراقية متوترة بعد حرب الخليج الثانية نتيجة للدور الفعال الذي لعبته الولايات المتحدة لاستصدار القرارات والعقوبات الدولية التى فرضها مجلس الأمن، والتي شكلت حصاراً اقتصادياً شاملاً على العراق، والذي على إثره عاش العراقيون أوضاع مزرية، حيث عانوا من نقص الموارد السياسية الغذائية والمستلزمات الصحية، وإلى جانب هذه الضغوط التى مارسها "صدام حسين" علي أبناء الشعب، مما أوقع الشعب العراقي بين مطرقة نظام صدام وسندان عقوبات الأمم المتحدة .

إن العداء الأمريكي واستهدافه للعراق هو تخطيط استراتيجي من دولة أصبحت بعد انهيار الاتحاد السوفيتى أقوي وأعظم دولة أصبحت، حيث يمكن الإشارة إلى أن غياب الاتحاد السوفيتي والفراغ الاستراتيجي الذي خلفه متجسداً في فكرة وجود عدو تبنى عليه الولايات المتحدة سياستها الخارجية، قد عوض منه العراق بعدوانه على الكويت، فبروز العراق كقوة إقليمية تتربص بآبار النفط وتهدد المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط، جعل من فكرة صناعة العدو تقفز إلى ذهنية صانع القرار الأمريكي. ومع غياب أية قوة مقابلة جديدة للولايات المتحدة، ومع تلاشي القوي الأخرى في مواجهة عزيمة الولايات المتحدة، برز الدور الذي أرادت الولايات المتحدة لعبه من خلال حرب الخليج الثانية، وهو تعزيز زعامتها الدبلوماسية والعسكرية لترسيخ الانطباع بأنها الدولة الوحيدة التى تصنع وتقترح جدول الأعمال وتوزيع الأدوار على الدول الأخرى في ظل النظام العالمي الجديد الذي جاءت ولادته الرسمية في خطاب الرئيس جورج بوش الأب في 11/9/1990. وقد أعطى للخطاب عنوانا عريضا (نظرة إلى النظام الدولي الجديد) وقد كلف بعدها كل من ديك تشيني وبول ولفويتز مهمة التنظير لما جاء في هذا الخطاب لكن خسارته في الانتخابات الرئاسية جعلت مشروعه الأساسي يتأخر ولكنه عاد واضحاً مع وصول ابنه البار إلى السلطة الذي نشر وأشار إلى هذا الخطاب في خطابه الذي ألقاه في 11 سبتمبر 2002م بمناسبة الاحتفال بـ 11 سبتمبر ويجب التذكير أن هذا الخطاب كان قد أعد في الثاني من أغسطس "اليوم الأول للغزو الصدامي للكويت" في اجتماع مصغر في Aspn Institute  وحضرته مارجريت   تاتشر.

بوش الأب اعتبر أنه الآن أمام حدث في مواجهة لحظات وحيدة ورائعة "فأزمة الخليج التي تبدو خطيرة، إلا إنها فرصة نادرة للتقدم نحو مرحلة تاريخية لهدفنا وهو إقامة نظام دولي جديد .. والدخول في مرحلة أكثر تحرراً من التهديدات والإرهاب وأقوى في البحث عن العدالة ألاحظتم التعابير المستعملة " . يتابع بوش الأب حديثه قائلاً : في هذا العالم لن يكون لنا أي عدو يهددنا فقط خصوم في العالم الثالث الذين عليهم أن يتمسكوا بجهودهم من أجل التسلح، ولذا فعلى الكونجرس أن يطور برنامجاً متعدداً للدفاع يأخذ بعين الاعتبار ليس فقط تحسين العلاقات، بل مسؤولياتنا في مواجهة الأخطار، فالعالم ما زال خطرا وهذا الأمر واضح فالاستقرار ليس أكيداً والمصالح الأمريكية ليست مضمونة وعدم الاستقرار الإقليمي سيكون شاملاً .

وعليه يمكن القول أن العراق طوال فترة ما بعد حرب الخليج الثانية، وهو يعانى من حصار اقتصادي وتأزم سياسي، وانتهاك لخصوصياته كدولة مستقلة، وأن العلاقات الأمريكية العراقية ظلت تتدهور يوم بعد يوم طالما أن أمريكا لم تحقق الهدف الأسمى، وهو الإطاحة بصدام حسين وتغيير النظام السياسي لخلق نظام موال لمصالحها وطموحاتها في المنطقة .

وهذا الأمر كان في صالح إسرائيل ؛ حيث منح الغزو العراقي للكويت ذريعة جديدة لعدم الانسحاب من الأراضي العربية المحتلة، ورفض نشوء دولة فلسطينية عليها، خوفاً من أن يحولها الفلسطينيون، الذين أيدوا صدام حسين،إلى رأس جسر لهجوم عراقي على إسرائيل في المستقبل. لقد تغيرت كل المعادلات السياسية في المنطقة، بعد الحرب في مصلحة إسرائيل، في المستقبل المنظور؛ وتتمثل أبرزها في:

1-انزواء الصراع العربي- الإسرائيلي، وتراجع الجهود الدولية في تسوية المشكلة الفلسطينية، وتقليص الولايات المتحدة ضغوطها على إسرائيل،وإباحتها ترسانتها، لتتزود منها ما يلزمها من سلاح، لمواجهة أي عدوان عراقي.

2- تنحى القضية الفلسطينية، وقضية الهجرة اليهودية معاً، عن الاهتمامات الدولية، وإجهاض ثورة الحجارة الفلسطينية.

3- تخليص إسرائيل من عدوين لها، العراق ومنظمة التحرير الفلسطينية، وانتهز الإعلام الإسرائيلي ذلك الواقع للقضاء على أي أثر من آثار تعاطف الرأي العام العالمي مع الانتفاضة الفلسطينية.

4- انفتاح أبواب التقارب بين إسرائيل والاتحاد السوفيتي،فانفتاح أبواب الهجرة اليهودية منه إليها، ثم إنشاء علاقات كاملة بعد الحرب بين البلدين، وبين دول شرقي أوربا وإسرائيل.

ولم تكتف إسرائيل بمكاسبها الوافرة تلك، فطمعت بمغانم اقتصادية أو عسكرية، تركزت في:

أ- السعي إلى حيازة السلاح والمعدات من الولايات المتحدة، تحت دعوى التوازن العسكري مع الدول العربية، ولاسيما مصر والمملكة العربية السعودية . ومن ثم إبرامها صفقة كبيرة، اشتملت على أحدث الأسلحة الأمريكية، بخاصة في مجال الطيران، والصواريخ الباليستية المضادة لصواريخ أرض/ أرض.

ب- الاستئثار بميزات اقتصادية، استأثرتها بعض الدول المتضررة بالفعل، من الغزو العراقي للكويت، ومطالبتها واشنطن بإسقاط ديونها العسكرية (4.5 مليارات دولار).

ج- المطالبة بمبلغ 10 مليارات دولار، كضمان لقروض أمريكية، على مدي السنوات الخمس التالية للحرب، للمساعدة على استيعاب المهاجرين السوفييت الجدد.

كما أسفرت حرب تحرير الكويت بداية الأطماع التركية في منطقة الموصل، وكركوك، وشمالى العراق مستعيرة الأدلة ومستعيدة الوثائق من العهد العثماني، وذلك ضمن إطار ما يطلق عليه " العثمانية الجديدة"، فقد وجدت تركيا نفسها، بعد حرب تحرير الكويت، راغبة في الاضطلاع بدور حيوي في محيطها، الذي كان في وقت مضي جزءاً من الامبراطورية العثمانية، وفي الجمهوريات الإسلامية في آسيا الوسطي، وقد ولد هذا الوضع توجهات تركية، مبنية على التواصل الجغرافي، بين تركيا والعالم العربي، وفي إطار هذه التطلعات الجيدة اندرجت قضية الموصل وكركوك، وبنت تركيا مطالبتها بضمهما على دعامتين هما : وجود أقلية تركمانية في المنطقة، وثراء المنطقة بالنفط .

كما وضح الفكر التركي تجاه العراق، بعد الحرب، من خلال الخريطة، التي رسمها "أوزال" Ozil لعراق ما بعد الحرب، والتي تدعو إلى تقسيمه ثلاث دويلات: عربية وكردية وتركمانية. كان أوزال يهدف من وراء ذلك، إلى تسهيل ضمن شمالي العراق، الكردي والتركماني، إلى تركيا، سعياً إلى جعل تركيا دولة عظمي في المنطقة، غنية بالنفط والطاقة البشرية والنهضة. ومن أجل تحقيق الأطماع التركية في شمالي العراق، استغلت تركيا موضوع نشاط حزب العمال الكردستاني، لتخترق الحدود العراقية الشمالية. ففي 5 أغسطس 1991م، أي بعد انتهاء حرب تحرير الكويت بنحو خمسة أشهر، شنت القوات التريكة غارات جوية شاملة على قواعد الأكراد، في شمالي العراق، استمرت عدة أيام، واستهدفت بحسب البيان التركي، ضرب قواعد تابعة لحزب العمال الكردستاني. كذلك اخترقت القوات البرية التركية الأراضي العراقية وتوغلت فيها مسافة 5 كم، مستغلة انشغال العالم الغربي بجولات جيمس بيكر James Baker، وزير الخارجية الأمريكي، في منطقة الشرق الأوسط للبحث في مؤتمر السلام. وتجددت الهجمات التركية، في 13 أكتوبر 1991م، على مناطق العراق الحدودية، فبادر العراق إلى الاحتجاج لدي تركيا على عملياتها العسكرية المستمرة، عبر الحدود، وحذرها عواقبها الوخيمة، وطالبها بتوقف هذه الانتهاكات، حفاظا على علاقات حسن الجوار. غير أن تركيا، واصلت غزواتها، شمالي العراق، في نوفمبر 1992، متذرعة بالذريعة نفسها، تدمير قواعد حزب العمال الكردستاني. وأصبحت اعتداءاتها تتكرر على مدار الأعوام التالية .

كما أدت تداعيات حرب الخليج الثانية عام 1991م، والفترة التالية لها إلى تحول كبير في شكل الوجود العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط، ومنطقة الخليج تحديداً، في اتجاهين:

الأول: اتساع نطاق التسهيلات العسكرية المقدمة للقوات الأميركية في قواعد، ومحطات، وموانئ، ومطارات، ومعسكرات، ومراكز الغالبية العظمى من دول المنطقة ذات العلاقة بالولايات المتحدة، أو حتى بعض الدول التى لا يبدو أنه تربطها علاقات سياسية قوية بها، وتتضمن تلك التسهيلات حق استخدام المجال الجوي وزيارة الموانئ واستخدام المطارات العسكرية وعمليات النقل الجوي والانتشار المتقدم وخدمات الوقود والصيانة وتخزين الأسلحة، إضافة إلى المناورات العسكرية المشتركة .

الثاني: تزايد عدد القواعد العسكرية الرئيسية بشكل غير مسبوق، ليصل إلى خمس قواعد عسكرية في دول الخليج وحدها. وتأتى أهمية تلك القواعد من أنها تشكل مراكز عمليات عسكرية رئيسية شبه متكاملة، تتمتع باستقلالية نسبية، وقدرة عامة على دعم عمليات قتال جوية أو برية أو بحرية، سواء من خلال تمركز عناصر من تلك القوات فعليا فيها، أو تجهيز القاعدة لانتشارها وقت الحاجة، وتتم إدارتها بموجب اتفاقات عسكرية مع الدول المضيفة لها. ويمكن ذلك القوات الأمريكية من إدارة عمليات عسكرية رئيسية بشكل سريع في اتجاهات مختلفة دون حاجة لخطط حشد كبرى، أو إتمام ذلك الحشد بشكل سريع .

هذه أهم وقائع الغزو العراقي للكويت الذي جر الويلات على الشعب العراقي نفسه قبل الشعب الكويتي الذي عاش كابوساً عابراً ومحنة مؤقتة بعد أن تم تحرير الكويت وعادت الحياة إلى طبيعتها، بينما دولة العراق تكاد تتلاشي والشعب العراقي يسومه كل يوم سوط عذاب القوات الأمريكية والغربية المتحالفة عليه، ومن الإرهاب الأعمى الذي يحصد كل يوم أرواحاً بريئة  بالجملة .

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل- جامعة أسيوط

 

عدنان عويدمع بداية القرن الأول للهجرة، بدأ الصراع بين القدرية والجبرية... بين من قال بحرية الإرادة الإنسانية وبين من قال بعدم وجودها، حيث كان للسياسة الدور الكبير في الصراع الدائر بين التيارين، وظل هذا الدور قائماً حتى هذا التاريخ. فهذا عبدا لله بن عباس يقول بالمنهج السلفي، وهو من عاصر الرسول ومارس السياسة في عهد علي بن أبي طالب حيث كان والياً على الكوفة، ثم انقلب ضد علي لمصلحة معاوية والبيت الأموي، وهو من روي عنه قوله: (كان يقال عليكم بالاستقامة والأثر وإياكم والتبدع). (1). وهذا الموقف السلبي أيضاً من أهل الرأي نجده عند رد الخليفة مروان بن الحكم على القدرية من المعتزلة عندما راحوا يقولون له اتقي الله بالعباد، فخاطبهم: (إنكم تأمرونا بتقوى الله وتنسون أنفسكم، والله لا يأمرني أحد بعد اليوم هذا بتقوى الله إلا ضربت عنقه.).(2). وجاء هذا القول بعد أن نبه مروان الحسن البصري عن القول بالقدر برسالة جاء فيها: (... لقد بلغ أمير المؤمنين عنك قول في وصف القدر ولم يبلغه مثله عن أحد ممن مضى، ولا نعلم أحد تكلم به ممن أدركنا من الصحابة رضي الله عنهم، كالذي بلغ أمير المؤمنين عنك.).(3). وكذلك في رده على أهل المدينة ممن راح يضع الأحاديث ضد البيت الأموي بعد أن أوقف العمل بالرأي، حيث يقول: (لان أحق الناس أن يلتزم الأمر الأول وقد سالت علينا أحاديث من قبل هذا المشرق لا نعرفها ولا نعرف منها إلا قراءة القرآن، فالتزموا ما في مصحفكم الذي جمعكم عليه الإمام المظلوم. (4).

أما مسألة تجذر السلفية وتبلورها في بعديها الفكري والسياسي لاحقاً، فكانت مع اتكاء الخلفاء العباسيين لدعم سلطتهم وإدارة شؤونها على الفرس والأتراك وغيرهم، وبدء تدخل هؤلاء حتى في تعيين الخليفة أو عزله، حيث تحول الخلفاء إلى ببغاوات في قفص الخلافة كما يقول أحد شعراء عصر ضعف الدولة العباسية: (خليفة في قفص... بين وصيف وبغا. يقول ما قالوا له... كما يقول الببغا.)، الأمر الذي فسح في المجال واسعاً لتأثيرهم  على قرارات الخلافة السياسية والإدارية، وهذا يتطلب بالضرورة شرعنة سلطاتهم وما يقومون به، فوجدوا في الفكر السلفي الوثوقي ما يبرر لهم كل ذلك، وفي مقدمة هذه الشرعنة جاء إصدار الفتاوى والكتب التي تبرر وصول الخليفة إلى السلطة حتى ولو كان أمر الموافقة يقوم على موافقة شخص واحد من الرعية، أو الوصول إلى هذه الخلافة بالغلبة. كما هو الحال عند بدر الدين بن جماعة في كتابة (تحرير الأحكام في تدبير أهل الإسلام). أو كتاب 0الأحكام السلطانية) للماوردي، أو (الأحكام السلطانية) لأبي يعلى الفراء وغيرها من الكتب التي وضعت خدمة للسلطان قبل الرعية.

أما بالنسبة لتوسع الفتوحات الإسلامي ودخول شعوب كثيرة تحت مظلة الإسلام والخلافة الإسلامية معا، فقد أعطى لهذه الشعوب  المجال أيضاً لتُدخل الكثير من مفردات ثقافتها وعقائدها في صلب العقيدة الإسلامية والتشريع الإسلامي وخاصة ديانات الفرس القديمة مثل المانوية والزردشتية، وتعاليم الرواندية والمقنعيّة وغير ذلك الكثير، وذلك خدمة لمصالح سياسية وقوى اجتماعية محددة وجدت في الدين الوسيلة الأكثر فاعلية لتحقيق تلك المصالح وخاصة مصالح القوى الشعوبية، الأمر الذي ساهم في كثرة الفرق والطوائف الإسلامية بفعل هذين العاملين، السياسة والفتوحات، وهذا ما جعل الخليفة العباسي "المهدي" في عصر القوة العباسي يوجد ديوانا خاصاً لمحاربة كل من راح يدس على الدين الإسلامي ويحاول إدخال مفاهيم دينية غير إسلامية على العقيدة الإسلامية، وقد عين عليه رجل سمي (صاحب الزنادقة)، مهمته التأكد من صحة عقيدة المسلم ومن تثبت عليه التهمة بالزندقة كان يقتل. والزندقة هنا راحت تتوسع في دلالاتها ليدخل في مضمارها ليس الذين حاولوا إدخال تعاليم دينية كالزردشتية والمانوية وغيرهما فحسب، بل أدخل في عالمها من أعطى للعقل والحرية الإنسانية اعتبارهما في تفسير النص الديني وتأويله خدمة لمصالح الناس.

مع سيطرة الأتراك على الخلافة في زمن المعتصم،  بدأ الفكر السلفي يفرض بقوة على مسلمي الخلافة، وخاصة في زمن الخليفة " الواثق" الذي وصل إلى الخلافة بإرادة الأتراك، وهو الذي وضع تاج الخلافة على رأس القائد التركي "إشناس" وسلمه مقاليد إدارة شؤون الخلافة. وعند استلام "المتوكل" طُلب منه أن يصدر فرماناً عام 232هـ يأمر الناس فيه بالتسليم والتقليد بالفكر السلفي الجبري، ورفض العقل أو القول به، بعد أن ساد استخدامه زمن المأمون والمعتصم والمتوكل، وأمر الشيوخ والمحدثين، بالحديث في السنة والجماعة واعتماد النقل على حساب العقل للوقوف بوجه القدرية والتصدي لهم. وهنا راحت الأمور تأخذ منحى معاديا للعقل وحرية الإرادة الإنسانة، وخاصة في عهد الخلفاء اللاحقين للمتوكل كما جرى في عهد الخليفة "المعتضد" عام 278هـ،عندما منع بيع كتب الفلسفة والمنطق.(5).

مع فتح مظلة هذه الأجواء المشحونة بالفساد والظلم والقهر وتغييب العقل، أخذت السلفية الفكرية طابعاً رسمياً محمياً من الدولة، وراحت تشكل لمن يقول بالرأي، محاكم تفتيش شبيهة بمحاكم الخليفة "المهدي"، ولكنها هنا تعمل لمصلحة الأتراك وتبرير سلطاتهم كأمر مقدر من الله، دون أن ننكر بأن هناك نيات حسنة لدى بعض الفقهاء ورجال الدين ممن اتخذ الموقف السلفي الفكري هذا سلاحاً ضد الفوضى الفكرية والفقهية التي بدأت تسيء للدين وتعمل على تشويهه من قبل الشعوبية، مع وصول العباسيين إلى الخلافة، وهناك أيضاً من ساهم في تبني الفكر السلفي وتعميقه في الساحة الفقهية، خدمة لمصالح أنانية ضيقة سياسية أو مادية أو معنوية، وهم الأكثرية .

على العموم إن العقلية السلفية هي عقلية وثوقية، تعمل على تضخيم الانفعال والعاطفة والشعور والوجدان والإحساس على حساب العقل والمنطق والتمييز والإدراك، وهي عقلية تقطع كل صلة بالعالم المعيوش، وتكفر كل ما هو حديث وإبداعي في حياة الناس بكل مستوياتها، طالما هي بعيدة عن حياة السلف، وبالتالي يجب محاربة هذه الحياة المعاصرة والنضال من أجل تجسيد أو تطبيق قيم ومثل الفكر السلفي ومنهجه. ومن هذا المنطلق أو المنظور الماضوي، اعتمدت الفقه وسيلة أساسية لخدمة أهدافها. أي (علم الفروع). أي المنظومة الفقهية لأهل الحديث، وهي منظومة معادية أو مناهضة للعقل وعلم الكلام، وقد كفرت وزندقة كل من اشتغل على المنظومة العقلية، لذلك فإن من أولى أهدافها، تحريض المشاعر والعواطف وإلهابها، وجعلها بديلاً عن العقل في تقويم حياة الفرد والمجتمع، وتحديد ما عليهم أن يفعلوا وما عليهم أن يتركوا مع اعتبار الماضي وحده هو المنطلق الوجودي والمعرفي لكل ما يعيشه الإنسان، وما سيأتي لاحقاً  في حياته.

 

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث من ديرالزور – سورية

...............................

المراجع

1 – عبد الجواد ياسين- العقل الفقهي السلفي بين النص والتاريخ- المركز الثقافي العربي- ط1- 1998- ص 157. \

2- عبد الجواد ياسين- العقل الفقهي السلفي بين النص والتاريخ- المركز الثقافي العربي- ط1- 1998- ص 157.

3- المرجع نفسه- ص157.

4 – المرجع نفسه – ص 158

5- د. حسن إبراهيم حسن- تاريخ الإسلام –ج1- دارالجيل – بيروت ط3- 1991- ص 23.

 

منى زيتونيُعرف الضغط النفسي بأنه أي تغيير داخلي أو خارجي في بيئة الفرد من شأنه أن يؤدي إلى استجابة انفعالية حادة ومستمرة.

والضغط إما أن ينشأ نتيجة لعوامل داخلية كالقلق والاكتئاب والمخاوف المرضية، أو بسبب إساءة استخدام العقاقير الطبية. وقد تكون الضغوط الداخلية على الفرد بسبب طموحه ورغبته في التفوق. كما قد تأتي الضغوط من متطلبات البيئات الخارجية التي تسبب تزايد أعباء الفرد اليومية من ضغوط العمل وضغوط الأسرة والضغوط الاجتماعية.

تتمثل الضغوط الاجتماعية في العادات والتقاليد والقوانين الواجب مراعاتها في المجتمع الذي يحيا فيه الفرد، والتي قد تختلف مع توجهات الأفراد، ومع ذلك يضطرون إلى مسايرتها.

وتختلف المجتمعات في قوة الضغط الذ‏ي تمارسه على أفرادها للخضوع والامتثال لمعاييرها، وعادة لا يجرؤ الأفراد في المجتمعات الصغيرة والريفية والقبلية على مجرد التفكير في الانحراف عن السلوك المرغوب اجتماعيًا أو إبداء الإعجاب بأفكار تخالف أعراف المجتمع حتى لو كانت أكثر منطقية، بينما تعطي المجتمعات الكبيرة والمفتوحة فرصة أكبر لأعضائها للانحراف عن معاييرها.

لكن ينبغي الإقرار بأنه لا يوجد مجتمع لا يطلب من أفراده مسايرة معاييره بدرجة أو بأخرى، ونخطيء حين نتصور أن المجتمعات المتقدمة في عصرنا تتيح حرية لأفرادها أكثر من المجتمعات النامية لأن القوانين التي يفرضها أي مجتمع متقدم هي جزء من معاييره التي يضغط على أفراده لأجل الامتثال لها، ويمكنني القول إن إخضاع الأفراد لقوانين المجتمع يكون أقوى في المجتمعات المتقدمة بينما إخضاع الأفراد لأفكار وقيم المجتمع يكون أقوى في الدول النامية.

ولا ننكر أن لدى كل فرد درجة من المسايرة وإلا لصارت حياته عراكًا مستمرًا بينه وبين مجتمعه لا يملك أي شخص أن يحتملها، ولكن المشكلة تكمن في المسايرة المفرطة التي تفقد الفرد استقلاليته وقدرته على نقد ما يستحق النقد، فينبغي ألا يساير العادات الاجتماعية على حساب نفسه عندما تكون عديمة المعنى والقيمة. ومهارات الفرد التواصلية تسهم بشكل أساسي في توازن الفرد مع الضغوط الاجتماعية وتحقيقه لكلا التوافقين النفسي والاجتماعي.

أما ضغوط العمل فيمكن أن تتمثل في زيادة حجم العمل أو إدمانه، وقد تظهر على العكس في قلة العمل وما يسببه ذلك من ضغط على الفرد، والأهم من كم العمل هو الضغط الناشيء عن عدم حرص الأفراد في مجتمعنا على الاسترخاء وتجديد النشاط في العطلات، ما يؤدي إلى الإجهاد، والذي يؤدي تراكمه بدوره إلى القلق، فالاضطرابات النفسية والجسدية، حيث يمكن أن يُصاب الإنسان ببعض الأمراض الجسدية، كما يتشتت الانتباه وتضعف الذاكرة ويتشوش التفكير وتتعطل القدرة على اتخاذ القرارات السليمة، وترتفع درجة الحساسية ويرغب الشخص في الانعزال عن الناس، وربما يفتقد الضبط الانفعالي ويصبح عدوانيًا عند التعامل معهم. وتكون أول ما تتأثر العلاقة الأسرية.

والأشخاص الناجحون حقًا هم من ينجحون في علاقاتهم الشخصية والمهنية وليس المهنية فقط. هؤلاء هدفهم في الحياة لا يقتصر على تكوين الثروة واكتساب المركز الاجتماعي المرموق، بل يخصصون وقتًا لأنشطة تجمعهم بعائلاتهم.

هذا لا يمنع من أن الأسرة نفسها قد تكون أحد مصادر الضغوط الخارجية على الفرد عندما يغيب التوافق بين الزوجين ويشعران بافتقاد الحب والسعادة. ويسهم حظ كلا الزوجين من مهارات التواصل الاجتماعي في إحداث التوافق الزوجي، بل ومساعدة بعضهما في تخطي ضغوط العمل وسائر الضغوط الاجتماعية.

والضبط الانفعالي –كمثال- من أهم مهارات التواصل اللازمة لتفاعل اجتماعي ناجح، واكتساب الدرجة الملائمة منه تسهم في التغلب على الضغوط النفسية. ويعتبر انفعال الغضب من أهم الانفعالات التي يسهم التدريب على ضبطها في التغلب على الضغوط؛ ذلك أن الشخصية العصبية تواجه الكثير من المواقف الاجتماعية التي تفشل في التوافق معها بسبب التعبير المبالغ فيه عن الغضب بطرق سيئة، ويتم ذلك بشكل لا إرادي. هذا الشخص غالبًا يفشل في توزيع الأعباء الملقاة عليه، وفي معالجة أسباب الضغوط ولا يواجهها أولًا بأول، ما يؤدي إلى تراكمها وتعقدها إلى الدرجة التي قد يصعب معها حلها. ويُنصح بتخصيص وقت لقضائه مع الزوجة، ووقت للأبناء، وكذلك للعائلة والأصدقاء مهما كان قدر انشغاله في عمله. كما لا بد من اقتطاع وقت للاسترخاء يوميًا فلا ينسى نفسه، ووقت للأنشطة التي تسعده، وكذلك عليه أن يتعلم خلق حوار إيجابي مع النفس ومع الآخرين.

الضائقة الاقتصادية والمشاكل النفسية!

شابة جامعية جميلة في عامها الجامعي الأول، في الفصل الدراسي الأول كان لديها يومان في الأسبوع، يبدأ فيهما جدولها الدراسي في تمام الثامنة صباحًا.

وكعادة الفتيات الصغيرات في بلادنا فهن يكثرن الاهتمام بمظهرهن في بداية المرحلة الجامعية، فكانت تتأخر حتى تجهز نفسها في الصباح، وكانت غالبًا تمر سريعًا لتشتري شيئًا لفطورها في هذين اليومين، من أحد الأكشاك في طريقها، والتي يعمل بها أحد الشباب، والذي لم تهتم حتى بأن تعرف اسمه.

في الفصل الدراسي الثاني، قررت الفتاة أن تبدأ حمية غذائية، ومن ثم فقد توقفت عن المرور على الكشك لشراء البسكوت أو المقرمشات التي كانت تفطر بها. ثم كان أن شعرت يومًا بالجوع الشديد لأنها كانت قد تناولت وجبة عشاءها مبكرًا، فقررت أن لا ضير في كسر الحمية وشراء شيء لتأكله من الكشك قبل الذهاب إلى الجامعة، وإذا بالشاب يعاتبها، ويكلمها كما لو كانت قد خاصمته، وهو لا يفهم السبب!

والمشكلة ليست في أنه أُعجب بها، بل جوهر المشكلة أنه أوهم نفسه أنها مهتمة به لمجرد أنها كانت تشتري منه بانتظام مرتين أسبوعيًا، بينما هناك عشرات وربما مئات البشر يشترون منه بشكل أكثر استدامة، وفيهم فتيات، ولكنه لم يظن هذا الظن في أي فتاة من بينهن! لأن هذه الفتاة الجميلة وحدها، التي أوهم نفسه باهتمامها به، هي من يتمنى حقًا أن يكون الواقع معها على نحو ما توهم!

من خلال متابعتي لأحوال المجتمع، وما يُعرض عليّ من مشكلات، رأيت أن كثيرًا من الشباب صاروا يهربون من الواقع الذي يعجزون فيه عن تحقيق أحلامهم، ويغرقون في الأوهام؛ فعندما يضغط عليهم الواقع، ويكونون أضعف من تحمله، يهربون منه، ويختلق كل منهم واقعه الزائف في خياله! وهذا خطر على صحتهم النفسية.

فما يحدث من سياسات اقتصادية خاطئة لن يجعل فقط أناسًا تفتقد حاجاتها الأساسية، بل وسيزيد من أعداد المرضى النفسيين!

 

د. منى زيتون

 

عامر صالحكشفت وزارة التربية عن نسب النجاح للمرحلة الوزارية المتوسطة، وقد بلغت 34.69 في المئة. فيما أشار عدد من المسؤولين والمعنيين إلى أسباب عديدة لتدني نسب النجاح في الامتحانات الوزارية، أبرزها سوء الواقع التعليمي وآفة المحاصصة التي نخرت المؤسسة التربوية والتعليمية. وقالت وزارة التربية في بيان مقتضب، إن نسبة النجاح في مرحلة الثالث المتوسط، بلغت 34.69 في المائة، مضيفة أن هذه النسبة غير نهائية، حيث لم يتم احتساب النتائج للدورين الاول والثاني. ويؤكد ذوي الاختصاص في التربية والتعليم، إن" نسب النجاح المعلنة غير حقيقية، كون النسب المعلنة هي للطلبة الذين ادوا الامتحانات فقط، الذين يقرب عددهم من 650 الف طالب، وتم التغاضي عن عدد الطلبة الكلي الذين لم يسمح لهم بأداء الامتحان، بسبب عدم دخولهم الى البكالوريا، ولو تم حساب هذا العدد لكانت النسب تعبر عن كارثة حقيقية". وقد اكد كادر وزارة التربية ان النتائج اكثر كارثية في التعليم الأهلي حيث وصلت بعض نتائج النجاح فيها الى الصفر.

لا يمكن الحديث عن التعليم المتوسط ونتائجه المنخفضة جدا بمعزل عن خلفية التعليم في المراحل التي سبقته، فالتعليم بمراحله المختلفة هو حلقة وصل وتأثير متبادل لما قبلها وبعدها، وبالتالي فأن طالب الثالث متوسط هو من مخرجات مرحلة الابتدائية، وان النظر الى مشكلة انخفاض التحصيل الدراسي وتدني النتائج النهائية بمعزل عن ذلك هو شكل من اشكال العبث والهروب من الاسباب الحقيقية التي ادت الى ذلك، لأن ازمة التربية والتعليم في العراق بكل مراحله هي ازمة متصلة، وان تدني التحصيل في التعليم المتوسط هو انعكاس لتدنيه في المرحلة الأبتدائية التي سبقته ومؤشر لضعف الكفاءة الداخلية للنظام التربوي والتعليمي.

هناك عموما أنسيابية ضحلة بين مراحل التعليم العام المختلفة والمتمثلة بالانخفاض الشديد لنسب النجاح في كل المراحل الى جانب التسرب دون اكمال المرحلة الدراسية، وهي تشكل احد عوامل الاهدار البشري والمادي في التعليم حيث تكون مخرجات المراحل ضعيفة جدا يقابلها انفاق على التعليم بلغ في السنوات الاخيرة اكثر من 27 مليار دولار، ومن حق المرء ان يتسائل أين هي العوائد والفوائد من هذا الاستثمار المالي في هذا القطاع وأين هي مخرجاته الكمية والنوعية، وحتى من تواصل ما بعد المرحلة المتوسطة الى السادس الاعدادي فهذه هي نتيجته، فالمشكلة أكبر من ان تنحصر في نتائج أداء طلبة الصف الثالث متوسط ونسبتهم الفقيرة.

لقد وقع نظام التربية والتعليم بعد 2003 أسوة بغيره من القطاعات الاجتماعية أسير للمحاصصة الطائفية والاثنية مما أخل بمهمة هذا القطاع الحيوي في التربية والاعداد وتركه فريسة للأجتهاد والفوضى وغياب فلسفة تربوية واضحة للنظام التربوي والتعليمي، الى جانب غياب فوضى في صياغة الاهداف التربوية للمراحل الدراسية المختلفة، والى جانب مالحق بالنظام التربوي والتعليمي جراء الاحتلال من تدمير وخراب شامل في مؤسساته التحتية من أبنية ومعدات ومختبرات ولوازم مدرسية وكادر تعليمي.

اليوم يعاني هذا القطاع من ازمة خانقة تتجسد في ابرز ملامحها: انعدام الابنية اللازمة والمهيئة تربويا للتعليم، ضعف الوسائل التعليمية من مختبرات ووسائل ايضاح واجهزة الكترونية مخصصة للعملية التعليمية، ضعف الكادر التدريسي وانعدام الحوافز التعليمية وعدم توفر الفرص الكافية لأعادة التأهيل وتجديد الخبرات، ضيق الفصول الدراسية بالدارسين من مختلف المراحل مما يثقل كاهل الطالب والمدرس في التركيز والاستفادة القصوى من الحصة الدراسية، التنقلات بين المدرسين وانعكاساتها على العملية التربوية، انتشار الدروس الخصوصية في مختلف المواد مما يرهق الطالب ماديا ويضعف عطاء المدرس في حصته المدرسية، عدم تغطية المدرسين لمفردات المنهج خلال العام الدراسي، غياب عنصر التشويق في المنهج الدراسي، ضعف صلة المنهج بحاجات الطلبة الحياتية، وضعف التنسيق بين المدرسة والمجتمع المحلي، انعدام الامن المجتمعي حيث الارهاب والقتل اليومي والاختطافات تعرقل حركة الدارس من والى المؤسسة الدراسية وغيرها من العوامل ذات الصلة المباشرة بالعملية التربوية.

وهناك عوامل اخرى خاصة بالطالب نفسه وبيئته المحيطة منها ما هو اقتصادي، حيث الطالب اليوم هو معيل في الكثير من الحالات لأسرته بسبب الفقر والعوز، او عدم تمكن الاسرة من الاستجابة لمتطلبات دراسة أبنائها مما يضطر الطالب على العزوف الكلي من الدراسة أو التأجيل، الخوف من الفشل وقلق الامتحان، عدم كفاية الوقت لبعض الطلبة، وصعوبة بعض الاسئلة الامتحانية، المناخ الامتحاني العام وما يسود في القاعات الامتحانية من اجراءات مشددة، انقطاع التيار الكهربائي في الساعات الامتحانية والدراسية العادية وخاصة في اجواء الحر الشديد، وكذلك المستقبل الغامض للطالب بعد انهاء المرحلة الدراسية حيث عدم الحصول على كلية او فرع للدراسة، وانعدام الجدوى من الدراسة في مجتمع كالعراق تزداد فيه بطالة الخريجين.

هذه بعض من العوامل التي تتحكم بالتحصيل الدراسي ونسب النجاح، ومن هنا يجب البحث موضوعيا في تدني مستويات النجاح التي وصلت الى حد يخجل منه تاريخ التربية والتعليم في العراق، بعد ان كان العراق يفتخر عالميا بمستويات انجازه التربوي والتعليمي، وكان يرسل الى الدول العربية خيرة كوادره لبناء انظمة التعليم هناك وسد الشواغر التدريسية.

في الختام يجب التأكيد هنا ان تدني التحصيل الدراسي في مراحل التعليم قد يكون من ضمن مشاكل التعليم ومخرجاته وهي مشكلات تقليدية تقع في كل الدول بنسب مختلفة ولا تشكل ظاهرة تهدد بقاء النظام التعليمي صالحا للأعداد والتربية والتأهيل، وبالتالي يجري حصر الظاهرة في حدودها الضيقة لمعالجتها وتقليصها الى الحدود الدنيا، اما في العراق فأن الامر مختلف وهويشكل ظاهرة في كل المراحل وتهدد النظام التعليمي، وبالتالي فأن المعالجة يجب من خلال معالجة ازمة التربية والتعليم في العراق، ابتداء من فلسفته واهدافه الى تغير المناهج واعداد الكادر التدريسي والعمل على تحديث طرائق التدريس ووضع حد لتعسف التعليم الأهلي ومعالجة خضوعه للربحية والمنافسات غير النزيه والعمل على ربطه محكما بالتعليم الحكومي.

 

د. عامر صالح

 

عدنان الظاهرشغلني موضوع التطور والتحولات منذ زمن بعيد.. يعود إلى العام الدراسي 1949 / 1950 حيث درّسنا يومذاك المرحوم الأستاذ ناظم شوقي [الدكتور فيما بعد والأستاذ في كلية العلوم / جامعة بغداد] مادة الأحياء في متوسطة الحلة للبنين. كان يُلمّح إليها بين حين وحين وكان الموضوع هذا أكبر من قدراتنا العقلية. مع ذلك لم تفارق ذاكرتي أبداً موضوعات من مثل (النشوء والإرتقاء) و(البقاء للأصلح) و(الإنتقاء الطبيعي) فضلاً عن ذكره للعالم دارون صاحب نظرية النشوء والإرتقاء. ما سمعنا ـ قبل الفقيد أستاذنا الفذ ناظم شوقي ـ بهذه الأسماء والعناوين والظواهر وكنا مأخذوين بتفرّغه وتفانيه في التدريس حتى مستويات غير معروفة في ذاك الزمان ولا مألوفة . جمع طلبة صفنا [الثاني متوسط] ذات يوم في قاعة كبيرة تتوسطها طاولة كبيرة خضراء اللون طرح فوقها أرنباً أبيض اللون.. خدّره بمادة كيميائية ثم ثبّته بمسامير صغيرة على سطح الطاولة وشرع بشريحه بأناة ودقة شارحاً لنا كل صغيرة وكبيرة تتعلق بأحشاء الأرنب وأجهزته وتفصيلات أعضائه. لم يحصل قبلاً مثل هذا الأمر على صعيد التعليم المتوسط. وللتأريخ.. كان مدير المدرسة الأستاذ عبد المجيد الفلوجي يتعاون معه بلا حدود ويضع تحت تصرفه كافة الإمكانيات المُتاحة وكنا، نحن الطلاّب الصغار، نلاحظ ذلك فالأستاذ الفلوجي أبو رياض كان حازماً في الأمور الإدارية وشديداً مع باقي المدرسين حدَّ زعل البعض منهم عليه وإلغائهم عقود عملهم في العراق كالأستاذ الفلسطيني الرائع محمد سليم رشدان والأستاذ المصري سعد درويش [واصل التدريس في نفس المدرسة المتوسطة لسنوات عدّة]. كنّا نعرف سبب غضب الأستاذ المصري لكننا كنّا نجهل سبب خلاف الأستاذ الفسطيني مع السيد مدير المدرسة ! في ضوء هذه الأحداث والنماذج كنا نلمس قوة ومتانة العلاقة التي تربط الأستاذ ناظم بالسيد مدير المدرسة فهل كان للجورة أو الجيرة أو التجاوربالسَكَن دورٌ حاسم في هذا الموضوع؟ كانا متجاورين في سكنهما. كانا ينتميان إلى جيلين مختلفين فالأستاذ الفلوجي أكبر سنّاً من المرحوم ناظم بأربعة أو خمسة أعوام حسب تقديراتي ومشاهداتي ومقارناتي. هذا منشأ معرفتي بقوانين التطور ونظريات دارون ومن أنَّ أصل الإنسان قرد وغير ذلك. وهذه بداية طرحي لمسائل مُحدّدة للنقاش الفكري والسياسي أجملها بما يلي:

الفصل الأول:

1ـ التطور والتحوّل بآليات صراع الطبقات على المستوى البشري [ماركس]

2ـ التطور والتحوّل بآلية صراع الأضداد على كافة الصُعُد [ماركس]

3ـ التطور والتحول حسب قانون البقاء للأصلح و(الأقوى) [دارون]

هل الأصلح والأقوى هو الأفضل وهو الأفضل دوماً؟

4ـ البقاء للأذكى والمنتصر وللمحقق أهدافه [إبن خلدون]

إعتبر إبن خلدون وآخرون (1) في مقدمته أنَّ معاوية أفضل من علي في صراعهما المعروف لأنه، معاوية، حقق النصر على علي في معركة صفّين بخدعة التحكيم ورفع المصاحف على رؤوس الرماح ! معيار ابن خلدون هو: من يحقق أهدافه ومن يحقق نصراً على خصمه فإنه الأفضل!

5ـ إنتقاء الطبيعة (الإنتقاء الطبيعي) [دارون]

6ـ التطور والتحولات الكبرى نتيجةً لتظافر وعمل هذه الآليات جميعاً ومعاً.

التطوّر والتحوّل / الصراع الطبقي

علّمنا كارل ماركس أنَّ (الصراع الطبقي هو مُحرّك التأريخ البشري) ومن خلال هذا الصراع تطوّرت البشرية صعوداً من حقبة العبودية حتى بلغت المرحلة الرأسمالية ومن ثمًّ الإشتراكيّة المعاصرتين وهما مركز إهتمامي وأساس مقالي هذا فما الذي جرى وما كانت نتائج الصراع بين المعسكرين الكبيرين الرأسمالية العالمية تمثلها الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها في حلف الناتو من جهة ومعسكر الإشتراكية العالمية يقوده الإتحاد السوفييتي السابق ومعه حلفاؤه في حلف وارشو. الكلام عن فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية التي تكللت بانتصار الحلفاء [كلا المعسكرين] على ألمانيا النازية وحلفائها في دول المحور الثلاثي (ألمانيا وإيطاليا واليابان). لم تكد أنْ تنتهي الحرب المدمّرة الشديدة السخونة حتى بدأت حرب جديدة دُعيت (الحرب الباردة) خاصة بعد أنْ ضربت أمريكا في شهر آب 1945 مدينتي هيروشيما وناكازاكي اليابانيتين بقنبلتين ذريتين وهما سلاح فتّاك جديد لم يسمع العالم به قبلاً. هل كان هناك قبل الحرب العالمية الثانية صراع طبقي على صعيد العالم بين القطبين الكبيرين، الرأسمالية والإشتراكية، أمريكا وروسيا؟ لا أظن ذلك، لماذا؟ كانت أمريكا تعاني من أزمة الكساد القاتلة التي امتدت لبضعة سنوات 1927 ـ 1933 في حين كان الإتحاد السوفييتي تحت زعامة ستالين مشغولاً بتحديث وتطوير الصناعة والزراعة والطاقة الكهربائية والصناعة النفطية وبناء السوفخوزات والكولخوزات والسوفيتات في عموم الدولة الجديدة: الإتحاد السوفييتي والنظام الإشتراكي. كانت أمريكا وقتذاك منكمشة على نفسها وليس لها وجود فعّال في أوربا خاصةً. إذاً لم يحصل صراع إلاّ بعد الحرب العالمية الثانية وانقسام العالم إلى معسكري الرأسمالية والإشتراكية وبدايات الصراع بينهما فهل كان هذا الصراع طبقياً وكافياً لتحريك البشرية والعالم نحو عالم جديد ومرحلة جديدة تختفي الرأسمالية فيها وتنتصرالشيوعية نظاماً عالميّاً جديداً؟ كلاّ، الصراع بين الدول لا يمكن أنْ يكونَ صراعاً طبقياً إنما هو الحرب بعينها ولا تنتصر الشيوعية بالحروب إنما السلم مناخها ومتطلبها الأساس.

سأتحفظُ كثيراً على القول السائد أنَّ الرأسمالية قد انتصرت على الإشتراكية بتفكك المعسكر الإشتراكي والإتحاد السوفييتي وحلف وارشو وانهيار جدار برلين بدايةً من العام 1989 ، لماذا؟ لأنَّ هذا (الإنهيار الثلاثي) لا يعني بأي حال من الأحوال إنهيار أو نهاية الإشتراكية كحقبة تأريخية ونظام عالمي سينهض لا ريبَ ما دامت الرأسمالية قائمة في هذا العالم. كل ظاهرة في الكون تحمل نقيضها الذي يقضي عليها مع مرِّ الزمن وحركة الكون. مع الحركة يتكون ويبرز الجديد والمجتمعات البشرية تتحرك مع حركة عقارب الساعة ودوران الكواكب والنجوم حول بعضها وحول نفسها كما هو شأن الأرض أرضنا. سوى أنَّ الجديد في الأمر هو أنها تنشأ من أعلى أشكال ودرجات الرأسمالية الكليّة على عموم الكرة الأرضية وليس في بلد واحد. يبدأ الصراع الفيصل في داخل تنظيمات الرأسمالية العليا الكلية وليس بين قطبين متناحرين متضادين تمثل أمريكا أحدهما وتمثل الصين مثلاً [والإتحاد السوفييتي السابق] القطب الآخر والخصم الذي يرشحه تأريخ وقوانين التطور ليتبوأ قيادة البشرية نحو عالم جديد خالٍ من الطبقات والصراع الطبقي واستغلال الإنسان لأخيه الإنسان: الشيوعية. لم يحصل أبداً صراع جدلي (دايالكتيكي) بين النظامين الرأسمالي بقيادة أمريكا والإشتراكي بقيادة الإتحاد السوفييتي السابق أبداً أبداً إنما حصلت في زمن الحرب الباردة مناوشات وحصلت حروب بالوكالة والتحريض والتمويل [الحرب الكورية والحرب الفيتنامية والحرب في أفغانستان] وحصلت إنقلابات وحروب أهلية وقف وراءها هذا القطب أو ذاك وحصلت أزمات قرّبت البشرية من شفير حرب ذريّة لا ينجو أحدٌ منها مثل أزمة خليج الخنازير والصواريخ التي وصلت جزيرة كوبا من موسكو. ليس في هذا أي شكل من أشكال وطبيعة صراع الأضداد الذي يقتضي وحدة وصراع الضدين فأين الوحدة؟ لا وجودَ لها ... وأين الصراع الجدلي؟ لا وجودَ له. المشكلة الجوهرية هي غياب الفعل الدايالكتيكي، الجدلي ... فكيف ولماذا غاب هذا الفعل المصيري وهل غاب بمحض الصدف أمْ غيّبته أطراف معيّنة يهمها غيابه لأنَّ وجوده يعني ويُفضي إلى زوالها من على مسرح البشرية وتأريخ البشر؟ معنى هذا أنَّ الرأسمالية بقيادة أمريكا كانت أذكى وأقدر من الإشتراكية تحت قيادة الإتحاد السوفييتي وتفهم قوانين التطور والتحول وتطويعها بأشكال وآليات هي أفضل بكثير من خصومها في معسكر الإشتراكيّة الدولية ومركزها موسكو. تنضوي تحت هذا التصور أو التكهّن كافة الفرضيات والمقولات والأقاويل والتخريجات حول إنحراف القيادة السوفياتية وجمودها العقائدي وانشقاق المعسكر الإشتراكي وتشظيه إلى مراكز تمردت على ستالين وموسكو كالصين ويوغسلافيا ورومانيا والإنتفاضات المسلحة التي حصلت في المجر ثم في جيكوسلوفاكيا في آب 1968 [ربيع براغ] فضلاً عمّا حدث من إنشقاقات داخل صفوف بعض الأحزاب الشيوعية ومنها الحزب الشيوعي العراقي في عام 1967 بقيادة عزيز الحاج. وفي هذا المضمار كثُر القول حول دور سباق التسلح بين الشرق والغرب وغياب الدمقراطية في البلدان الإشتراكيّة وانكماش النمو الإقتصادي ونُدرة الحاجيات الضرورية لمعيشة مواطني هذه البلدان وخاصة الزُبدة واللحوم والملابس وأزمة السكن المستفحلة خاصة في الإتحاد السوفياتي السابق. الخلل الأكبر والأعظم إذاً في غياب الدور الفاعل لقوانين الدايالكتيك الماركسي!

هذه وجهة نظري أُصرّح بها عَلَناً ولا أدّعي أني مُصيب بشكل مُطلق وأنْ لا من وجهات نظر أخرى مغايرة أو مناقضة وهي وجهة نظر فكرية ـ فلسفية مُبسّطة مستقلة عن باقي النظريات والفلسفات الأخرى وعن الإقتصاد والإقتصاد السياسي خاصةً. كما إني لا أناقش مسألتي المركزية الدمقراطية ودكتاتوريّة البروليتاريا ودوريهما في تعثّر وفشل الإشتراكية في سباقها مع الرأسمالية. أتذكّرُ موقفاً لا أنساه: في لقاء تمَّ بين كرباتشوف والرئيس الأمريكي رونالد ريغان سأل هذا ذاك سؤالاً ذكيّاً خبيثاً: مَن الذي انتصر في الحرب الباردة أنتم أم نحن؟ أجاب كرباتشوف " نحنُ " .... هل كان هذا الرجل غبيّاً في إجابته أم كان كصاحبه خبيثاً؟ ما مصير هذا الرجل؟ باع اسمه بمليون دولار علامة فارقة لشركة تنتج الفودكا . لم يُطق المقام في وطنه بل تشبث بوسائل كثيرة ليهاجر إلى الولايات المتحدة الأمريكية حتى رتبت له مصادر معروفة زيجة زواج من إمرأة أمريكية (ربّما روسيّة الأصل مهاجرة لأمريكا) أخذته معها إلى بلدها وطبيعي سيطلب هناك الجنسية الأمريكية حسب قوانين الهجرة الأمريكية. أيها الناس ! لا تنسوا مّنْ كان هذا الرجل في موسكو وعموم الإتحاد السوفيتي قبل تفككه وزوال المنظومة الإشتراكية وحلف وارشو... تذكّروا عسى أنْ تنفع الذكرى ! هل تنتصر الإشتراكية برجال من هذه النوعية والعيار؟ لا أتكلم عن السكير المدمن يلتسين ... لا .. ليتكلم عنه غيري. إلى هذا وذاك إنتهى مصير الإشتراكية وفي قلبها وموطنها الأول ويأتيك مَنْ يُثرثر من كافة جهاته حول حتمية خسارة الإشتراكية وانتصار الرأسمالية !

سؤال:

هل الحرب ضرورية للتحول من الرأسمالية إلى الإشتراكية وأنْ لا إنتصار لهذه على تلك إلاّ بالحرب؟ هذا سؤال مطروحٌ للمناقشة.

ملاحظة: أكتب مقالي هذا وأتابع ما ينشر الدكتور محمود محمد علي من مقالات في موقع " المثقف " بعنوان [سقوط الإتحاد السوفيتي بحروب الجيل الرابع] ... حزيران 2019 . ما أكتب شئ مُختلف عمّا كتب الدكتور محمود فإنه يُركّز على دور الحروب في هذا السقوط أي أنه سار في المنحى المعاكس لإتجاهي بتناوله أثر الحرب في فشل التجربة الإشتراكية بينما أنحو أنا المنحى المعاكس أعني هل تنتصر الإشتراكية بالحروب ولا غير الحروب؟ وهذا يعني فشل واندحار الرأسماليّة نتيجة خوضها للحروب .

همّي الأكبر هو دراسة وتحليل عواقب تعطيل آليات قوانين الدايالكتيك وكيف عُطلت ومن قام بتعطيلها فترة الحرب الباردة التي بدأت بُعيد الحرب العالمية الثانية كما هو شائع لكني أجزم أنها (الحرب الباردة بين المعسكرين) بدأت مع الحرب الأهلية الإسبانية في عام 1936 وغزو الجنرال فرانكو لإسبانيا منطلقاً من المغرب وتواطؤ الغرب معه خاصة هتلر وطائرات سلاحه الجوي التي دمّرت الكثير وفي مقدمة ما دمّرت والأكثرشُهرة هي مدينة غيورنيكا التي خلّدها الفنان بيكاسو بلوحته الشهيرة " غيورنيكا " المعلّقة اليوم على أحد جدران المتحف الوطني الإسباني في العاصمة مدريد.

الرأسمالية العالمية تُدرك جيّداً أنَّ السلامَ العالمي هو عدوها اللدود ومعول هدمها وتحويلها إلى أنقاض وآثار عفى عليها الزمن فبدون حروب تواجه كساداً قتّالاً وبطالة مروّعة وفقر وجوع وإضرابات وتخريب الأمر الذي يؤول بالحتم نحو إيثار الناس للنهج المغاير: الإشتراكية، لذا تظل هذه الرأسمالية العالمية تفتعل الحروب والنزاعات لتعطّل فعل قوانين التطور والتحول الضرورية لقيام التحولات الكبرى في ظل السلم العام. هذه هي المسألة كما أراها.

سؤال آخر:

حول مقولة البقاء للأصلح والبقاء للأقوى /

هل صحيحٌ أنَّ الأصلحَ ينتصر في صراعات الحياة والإنسان والحيوان في الطبيعة وهل يبقى هذا (الأصلحُ) هو الأصلح لآماد وآماد وهذا أمر يخالف جذريّاً قوانين التطور والتحول الدايالكتيكية فالمادة في حركة دائبة مع مرور كل ثانية زمنية ومع هذه الحركة يتم التحول والتطور أي أنَّ ما هو صالح اليوم سيغدو غير صالح غداً وهذه بديهة يعرفها الجميع. البقاء والصلاح يتناقضان عاجلاً أم آجلاً. أضرب مثلاً من المسألة التي سبقت الإشارة إليها .. أعني النزاع بين عليٍّ بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سُفيان الذي حُسم لصالح معاوية في معركة صفيّن حيث خدعة التحكيم ورفع المصاحف على رؤوس الرماح. هل انتصر معاوية على عليّ لأنه الأفضل والأصلح؟ كلاّ ! إنتصر مَنْ انتصر بخدعة لئيمة وخيانة وغدر مُركّب فكيف يكون الخائن والغادر والدسّاس هو الأفضل؟ الناس مختلفون حول مقاييس الفضيلة فمن قائل [الغاية تبرر الوسيلة / ميكيافيلي] فافعلْ ما شئتَ لكي تكون المنتصر ... إكذبْ ... مارس العهر .... أغدرْ ... إشترِ الرجال بالمال والنساء ... قدّم ظهرك لعدوّك ... مارس القوادة وما شابه ذلك ... إفعلْ لتنتصر على خصمك ما شئتَ ! هل في هذا صلاح للأمّة؟ قال قبلنا مفكّرون وفقهاء إنَّ الدُنيا إنتصرت بمعاوية على الدين مع عليّ وانتصارها يعني غلبتها وأفضليتها على الدين والجنّة والآخرة وأنها تمثل عصرها وإنها هدف وغاية أغلبية ناس ذاك الزمان ولا غرابة في هذا النصر ففيه إرادة ومزاج ومصالح الناس فحققت الحياة إرادتهم وأعلت قيمهم وضمنت حاجاتهم إذْ ليس أمامهم إلاّ حياة واحدة يحيوها لمرة واحدة أما الجنّة فشأنها لمن يعتقد بها ولمن يبتغيها وهناك ثلاثة أمثلة معروفة ومتداولة تعبّرُ أصدق تعبير عن هذا الكلام منسوبة لخليفتين أو ثلاثة من خلفاء بني أُميّة (لعِبتْ هاشمُ بالمُلكِ فلا / خبرٌ جاءَ ولا وحيٌّ نزلْ) والثاني (اليومَ خمرٌ وغداً أمرُ) والثالث (إذا لاقيتَ وجهَ ربّكَ يومَ حشرٍ / فقلْ يا ربِّ مزّقني الوليدُ) هنا يخاطب الخليفة الوليد بن عبد الملك بن مروان قرآن المسلمين . معلوم أنَّ الناس يتبدلون في حيواتهم وتتغير أمزجتهم وأنماط هذه الحيوات ويتغير طعامهم وتتغير ملابسهم ويتغير ملوكهم وسلاطينهم وأمراؤهم وخلفاؤهم فكيف نفهم مقولة أنَّ البقاء للأصلح؟ هل تنطبق هذه المقولة على حالة سقوط دولة بني أُميّة وانتصار دولة بني العبّاس؟ وسقوط هذه وانتصار دولة هولاكو والمغول؟ سقطت الملكية في العراق وانتصر النظام الجمهوري وتتابعت الإنقلابات حتى مجئ البعث للحكم في إنقلاب 17 تموز 1968 فهل تسلسلت هذه الإنقلابات من الأسوأ للأفضل وأمامنا ما آل إليه حكمُ آخر حزب وعصابة حكمتا العراق! هل وضع العراق اليوم (تموز 2019) أفضل من وضعه زمن عبد الكريم قاسم أو عبد الرحمن محمد عارف؟ البقاء أصلاً أمر نسبي عابر ولا ثبات في الحياة فالصالح اليوم لا يبقى للأبد صالحاً.

سؤال آخر: هل الأقوى هو الأصلح وهل الأصلح هو الأقوى؟ هل انتصرت الرأسمالية على الإشتراكية في زماننا هذا لأنها الأقوى أم لأنها الأصلح أم الإثنان؟ لا تنتصر الإشتراكية على الرأسمالية بالحروب بين هذين القطبين بل تنتصر سلميّاً في قطب الرأسمالية الأكبر في مجرى التنازع والصراع الطبقي اليومي الدائب بين جبهة الرأسمال من جهة والطبقة العاملة المُنتجة في الصناعة والزراعة ومناجم الفحم والتنقيب عن المعادن كاليورانيوم والذهب والماس وباقي المعادن النادرة والثمينة ... وحلفائها من المثقفين والبرجوازية الصغيرة بكافة مستوياتها. فإذا حصل التحول التأريخي الجبّار هنا جرَّ العالم معه في هذا التحول سريعاً أو تدريجاً أو يأخذ أشكالاً شتّى حسب ظروف البقية من بلدان العالم وطبيعي أنْ لا تجري هذه التحولات بطرفة عين بل ستأخذ حِقباً وأجيالاً لا يستطيع أحدٌ تقديرها فقد تقصُر وربما تطول لأزمان وأزمان إعتماداً على ظروف العالم الشديدة التغيّر التي يمكن التنبؤ ببعضها والقليل منها.

الإشتراكية في قلب الرأسمالية وليس في التنازع [والتعايش السلمي] بين قطبين عُظميين.

الفصل الثاني:

حول مقولة (الصُدفة والضرورة) ومن أنْ (لا صُدفة بدون ضرورة).

أرى أنَّ في هذه المقولة الشهيرة خطأ خطيراً بل وأكثر من خطأ. أجملها بما يلي:

1ـ الصدفة والضرورة ليستا أضداداً جدلية [دايالكتيكية]

2ـ الأضداد الجدلية [الدايلكتيكية] تستلزم وحدتها والصراع فيما بينها حسب قانون " وحدة وصراع الأضداد " الماركسي الجدلي.

3ـ قوانين الصراع الماركسية تقرر أنْ في مجرى الصراع بين الأضداد ينتصر أحدها ويفنى الآخر ... فمن هو المنتصر ومن هو المندحر الفاني في عملية الصراع المُفترض بين الصدفة والضرورة وما هو العنصر الجديد وليد هذا الصراع؟ صدفة جديدة؟ ضرورة جديدة أو ماذا؟

4ـ لا أرى أية علاقة بين الصدفة والضرورة والأمثلة أكثر من أنْ تُعدُ وتُحصى منها مثلاً:

أمشي على رصيف شارع عام في مدينة كبيرة أو صغير تقابلني سيارة ما أنْ تقترب مني حتى ينفجر إطار أمامي فيها فتنحرف وتصعد الرصيف وتقتلني وربما آخرين غيري. أين الضرورة في هذه الصدفة؟ هل قتلي في حادث عارض وغير متوقع هو ضرورة وما طبيعة هذه الضرورة وإلامَ تؤدي؟ أنْ أمشي على رصيف شارع عام في زمن محدد وتقترب مني في هذا الزمن المحدد سيارة ينفجر فيها واحد من إطاراتها الأمامية فتنحرف وتصطدم بي وتقتلني ! هذه محض مصادفات عرضت فما وجه ضرورتها في عملية قتلي ومفارقتي للحياة؟ هل في تنحيتي من الحياة ضرورة وضرورة لمن؟ هل فيَّ على الحياة خطر داهم يستدعي إزالتي من على سطح الكرة الأرضية لتجنيبها شرَّ هذا الخطر؟

مثال آخر: أحجز مقعداً في طائرة تأخذني إلى عاصمة بلد ما في يوم بعينه وإقلاعها يتم في ساعة محددة بذاتها ... تقلع الطائرة وفي الجو عالياً يحدث فيها خلل فتنفجر وتتمزق إلى أشلاء ويحترق جميع ركّابها وأنا أحدهم. تحديدي للهدف من طيراني واختياري لساعة ويوم السفر والشركة المسؤولة عن خط طيراني ما علاقتها بما حادث للطائرة وقد حدث ما حدث وكان ممكناً أنْ لا يحدث. ما الضرورة في تحطّم الطائرة ومقتل جميع ركابها؟

إذاً، والأمثلة كثيرة جداً، لا من علاقة جدلية أو غير جدلية تربط الضرورة بالصدفة ولا هذه بتلك. أجلْ، الأمثلة لا تُعد ولا تُحصى.

قرأت ذات يوم في كتاب فلسفي جملة تقول: الصدفة هي طريق تجلّي الضرورة ! وهذا كلام لا يختلف عن ذاك القائل: لا صدفة بدون ضرورة. أفتوني يا ناس في شأن هذه المعضلة وأريحوني.

 

د. عدنان الظاهر

...............

هوامش

(1) علي الوردي، كتاب وعّاظ السلاطين، الناشر شركة بهجة المعرفة / بغداد التأريخ؟ الصفحات 218 ـ 219 .... كتب علي الوردي ما يلي (يقارن بعض الباحثين بين عليّ ومعاوية فيفضلون معاوية على علي باعتبار أنهما تنافسا على الخلافة فغلب أحدهما الآخر والغالب أفضل من المغلوب في عرف هؤلاء الباحثين . لا مراء أنَّ معاوية أفضل من علي ـ هذا إذا قسنا الفضيلة بمقياس الغَلَبة والفوز في ميدان السياسة. .... إننا نظلمُ عليّاً حين نقيسه بمقياس معاوية فمعاوية رجلٌ من دهاقين السياسة ودُهاتها ولنا أنْ نفضله على غيره حسب هذا المقياس. أما عليّ فكان له مقياس آخر يختلف عن مقياس معاوية إختلافاً كبيراً .... لقد فشل عليٌّ في ميدان السياسة حقاً وهو خاسر إذاً في نظر أولئك الذين يحترفون السياسة ولا يرون في التاريخ سواها. أما في نظر أولئك الذين يعتبرون التاريخ معركة مبادئ فعليٌّ بطلٌ جبّار لا يُشقُّ له غُبار).

 

منى زيتونذكرنا في مقال "نظرة على الوظيفة الاجتماعية للغة" وجود أنماط أساسية للتواصل اللفظي، وسنخصص هذا المقال للتفصيل في الحديث عن هذه الأنماط.

أنماط الاتصال اللفظي  Verbal Communication types

1- التساؤل (الاستفهام) Questioning

2- التفسير Explaining

3- الإفصاح عن الذات  Self-disclosure

4- المبادأة والإنهاء (الاستفتاح والختام) Opening and Closing

5- التوكيدية Assertiveness

6- التدعيم Reinforcement

7- الاستماع (الإصغاء) Listening

التساؤل (الاستفهام)

التساؤل هو مهارة المرسل في طرح الأسئلة على المستقبل لأجل استكشاف وجهة نظره في كافة الجوانب المتعلقة بموضوع الحوار. وتتضمن تلك المهارة الرئيسية مهارات فرعية.

ومن أهم دعائم تلك المهارة؛ طريقة التدرج في توجيه الأسئلة، واختيار نوعية الأسئلة، ومراعاة فنيات إلقاء الأسئلة. وينبغي مهما كانت طبيعة العلاقة أن يُلقى السؤال في جو من الود وألا يتحول التساؤل إلى استجواب.

بدايةً فإن موضوع السؤال يجب ألا يكون شخصيًا مع الغرباء، كما يجب أن يكون مفيدًا. وينبغي أن يتدرج توجيه الأسئلة منطقيًا من موضوع إلى آخر دون قفز، وأن ينتقل المرسل من الأسئلة الأكثر عمومية واتساعًا إلى الأسئلة الأكثر ضيقًا وتفصيلًا. وتكون الأسئلة المفتوحة أكثر تماشيًا مع الإجابات المتسعة المتطلبة في بداية الحوار، مثل: كيف ترى حياتك بوجه عام؟ مما يتيح للمستقبل الإجابة وفقًا لما يراه هامًا من وجهة نظره، ثم يبدأ المرسل استخدام الأسئلة المغلقة ذات الإجابات المقيدة. يمكن القول إن الأسئلة المفتوحة تمدنا بمعلومات أكثر عن مشاعر واتجاهات الشخص، بينما الأسئلة المغلقة تمدنا بمعلومات أكثر تحديدًا ودقة عن الجوانب التي نرغب في التعرف عليها.

وقد تُصاغ الأسئلة بطريقة مباشرة أو غير مباشرة. كما وتختلف أنواع الأسئلة وفقًا للغرض منها، فقد تُطرح بغرض طلب التوضيح أو التوسع في الحديث عن جانب ما أو طلبًا لإعطاء تفصيلات أو أمثلة أو أدلة. وأحيانًا قد تُصاغ الأسئلة بحيث توحي للمستقبل أن يجيب إجابة معينة!

وينبغي التقليل ما أمكن من أن يضع المرسل المستقبل في موقف دفاعي بأن يطلب من المستقبل تفسير موقفه باستخدام الأسئلة البادئة بـ "لماذا؟"، خاصة في الحوارات الشخصية. لا سيما في بداية الحوار.

ومن الضروري الاعتناء بأن تكون الأسئلة خالية من أي غموض أو التباس يجعل وجهة الحوار تتحول وقد توقفه تمامًا بسبب سوء الفهم، كما ينبغي ألا يتابع المرسل إلقاء عدد من الأسئلة بشكل متتالي دون سكوت بينها، لأن هذا لا يعطي للمستقبل فرصة كافية للرد على كل سؤال، ويشعره أنه يتم استجوابه. كذلك ينبغي التأكيد على عدم مقاطعة المستقبل ومساعدته على إطلاق العنان لأفكاره ومشاعره المتعلقة بالتساؤل المطروح.

ومن المهم للغاية في العلاقات الإنسانية، وللحفاظ على كونه حوارًا وليس استجوابًا أن يتبادل طرفا الحوار دوري المرسل والمستقبل، فيكون لكل منهما الدور في طرح الأسئلة، كما يجب عليه الإجابة على تساؤلات الطرف الآخر، وعدم التحرج إذا لم يعرف إجابة سؤال ما، بل يخبر من يسأله ببساطة أنه لا يعرف الجواب، أو أنه سيبحث ويوافيه بإجابة قريبًا.

والتساؤل كمهارة يمكن أن يفيد فائدة عظيمة في مساعدة المستقبل على استكشاف مشكلات التواصل والدور الذي يلعبه سلوكه دون وعي منه في ظهورها، فهو يستبصر بنفسه عن طريقه. ويمكن في المقابل أن يكون سببًا في إفساد العلاقات بين الأشخاص تمامًا.

وتتداخل سلوكيات الاتصال غير اللفظي مع الكلمات لتؤثر في فعالية التساؤل، واحتمال حدوث مشاكل تواصلية. على سبيل المثال فإن نبرة الصوت يمكن أن تحمل الدفء والتعاطف ويمكن أن توصل رسالة بالاتهام أو رسالة أخرى بالسخرية والتهكم، وكذا تحمل سرعة الكلام وتعبيرات الوجه والإيماءات والتواصل البصري وحركات الأيدي وغيرها من قنوات التواصل غير اللفظي رسائل كثيرة للمستقبل تتداخل مع معنى الاستفهام المطروح. وكلما اختلفت الثقافة التي ينتمي إليها المرسل والمستقبل كان احتمال إساءة الفهم والتفسير للرسالة أكبر، لكن استخدام التغذية المرتدة (الآراء الراجعة) تعمل على تصحيح وتلاشي أي خطأ.

التوضيح

عندما تفهم سلوكياتك يمكنك المشاركة في تفاعل اجتماعي أقوى والمساهمة في حل مشاكلك، ولن تفهمها إلا عندما تجري نقاشًا عميقًا عن أفكارك وانفعالاتك المرتبطة بها ليتحقق لك هذا الفهم الحقيقي والوعي بهذه السلوكيات.

هذا الفهم العميق من الفرد لسلوكياته أو القدرة على التوضيح لها، يتفاوت نصيب الناس منه، فكثيرون لا يتأتى لهم إلا بعد كثير من الملاحظة للنفس والنقاش الهادف حول سلوكياتهم. ولا بد أن يعمد من يناقشهم إلى استخدام التركيز، ليُحول انتباه شريك الحوار إلى النقاط التي تساعده على استيضاح وفهم سلوكياته وأفكاره.

وهذا النمط اللفظي من أكثر ما يستخدمه المعالح أثناء التحليل النفسي لمساعدة المريض على استكشاف أسباب مرضه، لكننا في الحياة الاجتماعية لا نصل إلى الحد الذي يصله التحليل النفسي، فلا نفترض عند مناقشة سلوكياتنا أن هناك عقدًا تتحكم في الفرد ينبغي حلها، ولا نطلب من الفرد أن يغوص في أعماق طفولته المبكرة ونجبره على تذكر خبرات سيئة نعتقد أنه يسقطها من ذاكرته.

عند استخدام التوضيح كنمط تواصل اجتماعي لفظي فنحن فقط نضع في الاعتبار أن هناك سلوكيات اجتماعية يقوم بها الفرد، ربما كانت خبراته عنها غير مكتملة، وعليه أن يكون أكثر وعيًا بها وفهمًا لها لأجل مساعدته أن يسلك بشكل أفضل، ويمكن مناقشة ماضي الفرد لأجل تحقيق هذا الهدف لأنه قد يكون حدث له في الماضي ما جعله يسلك على هذا النحو السيء.

لكن من المنظور الاجتماعي فالتركيز ينبغي أن ينصب على الحاضر والمستقبل؛ أي إننا نناقش سلوكيات الفرد في الحاضر، وإن كانت للسلوك جذور في الماضي نستوضحها، وهو ما يختلف عن التحليل النفسي الذي يركز بالأساس على التنقيب في الماضي.

التفسير

يرتبط التوضيح بالتفسير، والذي هو إعادة وصف السلوكيات الاجتماعية بطريقة مختلفة لأجل تحقيق فهم واستبصار أوضح لها، أو يمكن القول إنه ترجمة كلمات وانفعالات الفرد وصياغتها بطريقة أخرى تجعل الدوافع وراءها أكثر وضوحًا.

وإعادة الوصف لأجل الفهم والاستبصار هذه تتطلب درجة عالية من الانتباه والإصغاء ودقة الملاحظة والربط للسلوكيات الاجتماعية مهما دقّت كي يمكن الاستبصار بما وراءها.

وكي يكون تفسير السلوكيات فعّالًا اجتماعيًا ينبغي معرفة أنه من الأهمية بمكان أن يكون الفرد قادرًا على تفسير سلوكياته تفسيرًا صحيحًا بنفسه؛ لأن قدرة غيره على تفسيرها لا تعني شيئًا ما لم يصل هو بنفسه إلى هذه التفسيرات، ليكون ذلك مقدمة لتحسين سلوكياته.

وتختلف قدرة الفرد على تفسير السلوكيات الاجتماعية في ضوء معرفته بنظريات الشخصية المختلفة، لكن هذا لا يمنع أنه تبقى لأي شخص على درجة من الثقافة العامة قدرته التفسيرية؛ لأن للخبرات الاجتماعية أثرها الواضح في اكتساب مهارة التفسير؛ ففلان سلك هذا السلوك بدافع الغيرة وهذا سلك بدافع المحبة والحرص على إخوته، و....

ينبغي أيضًا التمييز بين التفسيرات الأولية لأي سلوك والتي قد تكون خاطئة وتفتقد إلى الفهم والاستبصار الجيد بأسباب ودوافع السلوك، وبين التفسيرات العميقة التي يصل إليها الفرد بعد تدقيق، وربما يرتبك ويتفاجأ في بداية إدراكه لها.

مع ذلك ينبغي أيضًا ملاحظة أنه مهما كانت درجة خبرة ومهارة الفرد الاجتماعية، تبقى تفسيراته للسلوكيات الاجتماعية –الخاصة به وبالآخرين- ظنِّية، ولا ينبغي التعامل معها على أنها حقيقة مطلقة غير قابلة للنقاش.

الإفصاح عن الذات

يُقصد بالإفصاح عن الذات ما يخبر به الفرد الآخرين عن نفسه عندما يتواصل معهم اجتماعيًا. هذه المعلومات التي يُعرِّف بها الفرد نفسه تنقسم حسب عموميتها؛ فهناك معلومات عامة متاحة للجميع ولا مشكلة لديه في أن يعرفها أحد مثل أنه متزوج، ومعلومات أخرى قد تكون متاحة لفئات خاصة ربما لا يرحب بأن يعرفها الجميع مثل العمر بالنسبة لأغلب النساء، ومعلومات شديدة الخصوصية يعرفها الفرد عن نفسه ولا يرغب أن يشاركه فيها أحد.

مع ملاحظة أن توزيع نوعية المعلومات على تلك المستويات الثلاثة يختلف من فرد لآخر، فما يعتبره شخص معلومات عامة لا يضيره معرفة الناس بها قد يراها آخر حصرية على فئات خاصة أو شديدة الخصوصية.

وهناك معلومات أخرى عن الفرد لا يفصح عنها لأنها غير معروفة له، وتقع في مستويين:

-  المستوى الأول، حين تكون المعلومات عن الفرد غير معروفة للفرد نفسه ومعروفة للآخرين، ولمعلومات هذا المستوى أهميتها العظمى في ميدان التواصل الاجتماعي؛ حيث يرى الناس صورة للفرد لا يراها لذاته، وربما يعرفون عنه ما يتناقض مع معرفته لنفسه، فقد يرى الفرد نفسه قائدًا بينما يراه الآخرون مسيطرًا! وقد يرى نفسه مراعيًا لحقوق الناس بينما يراه الآخرون عدوانيًا! وقد يرى نفسه حريصًا على التواصل مع الآخرين بينما يراه الآخرون عازفًا ومقصرًا عن التواصل معهم! وقد يرى نفسه معتزًا بكرامته ويراه الآخرون مغرورًا! وقطعًا يصعب أن يتفق الناس على نظرة واحدة للفرد الواحد فمن يرون شخصًا عدوانيًا ربما كان ذلك لوقوفه مع أصحاب الحق ومعاداتهم لأنهم الطرف الظالم في قضية ليس إلا. لكن، مع ذلك يبقى التعرف على منظور الآخرين حول الفرد وكيف يرونه هامًا، ويلفت نظر الفرد إلى مسببات كثيرة لسوء الفهم الذي يتصل بسلوكياته.

-  المستوى الثاني من المعلومات غير المعروفة عن الفرد تكون غير معروفة له عن نفسه، وكذلك غير معروفة للآخرين. هذه المعلومات التي تظهر مع الأيام ومع تغير الظروف، لنفاجأ وكأننا أمام بشر لم نعرفهم، ونحسبهم تغيروا، لكن بمراجعة صغائر السلوكيات في الماضي نكتشف أن أحدًا لم يتغير، وأن هناك جذورًا عميقة لسلوكياتهم الحاضرة جعلتها المستجدات تنمو وتتفرع، فبرزت بعد أن كانت خافية. فالشاب أو الشابة الذي يخشى الزواج سبق وأن ظهرت منهما سلوكيات أثناء المراهقة توضح وجود ذلك القلق المرضي، لكن لم يلاحظه لا الفرد ولا الآخرين.

 

ويُعتبر الإفصاح عن الذات أحد الأنماط اللفظية ذات الأهمية القصوى في التواصل الاجتماعي، فعندما يحكي فرد عن مشاعره وأفكاره وخبراته يشجع هذا المستقبل على التعبير، خاصة عندما يلمح تشابهًا بين ما أفصح عنه المرسل وبين مشاعره وأفكاره وخبراته هو، مما يُسهم في تقارب العلاقة بينهما أيًا كان نوعها.

ويعتبر الإفصاح الانتقائي ذو فاعلية كبرى؛ ويركز على نوعية الأفكار والمشاعر المطلوب تشجيع الآخر على البوح بها. ومهما كانت درجة التعبير اللفظي منخفضة لدى الشخص فإن إفصاح الآخرين أمامه عن ذواتهم يشجعه على الإفصاح عن أشياء ربما لم يكن يفكر في البوح بها مع أقرب الأقربين.

ويُعتبر هذا ملحوظًا في علاقاتنا الاجتماعية؛ إذ إن الإنسان التلقائي البسيط الذي يتحدث ببساطة عما يشعر به، ويحترم الخلاف، ويدعم الآخرين، ولا يحمل رغبة في الانتقاد والحكم على سلوكيات الناس، قد يُفصح الناس أمامه عن أفكار وخبرات ومشاعر ليس من السهل أن يبوحوا بها أمام غيره، حتى وإن كانوا يلقونه للمرة الأولى!

كما أن عبارات التدعيم التي يتلقاها الفرد عند إفصاحه عن ذاته، ربما تساعده على مزيد من الإفصاح. وهنا يرتبط نمطان من أنماط التواصل اللفظي: الإفصاح والتدعيم.

وينبغي الأخذ في الاعتبار أن عوامل مثل: نوعية العلاقات بين الأفراد ومناسبات الإفصاح عن الذات والطبقات الاجتماعية والثقافات المختلفة تتداخل ويتفاعل بعضها مع بعض، لتقرر ما إذا كان الفرد يمكن أن يُفصح عن نفسه، وإلى أي حد؛ فبعض الناس حذرون تمامًا فيما يخص مسافاتهم الشخصية، وليسوا على استعداد للإفصاح، ولأن يكونوا كتابًا مفتوحًا أمام الآخرين، بل هم أيضًا لا يرغبون في الاستماع كثيرًا إلى الآخرين. وهنا تلعب الفروق الفردية دورها، فحتى هؤلاء الحذرين اجتماعيًا، يوجد أشخاص يمكن أن يتشجعوا للإفصاح أمامهم.

كما قد تنشأ الإشكالية من نقص الحساسية الانفعالية لدى الفرد، فعندما يستمع إلى شخص يفصح عن خبرات مؤلمة لا يكون هذا دافعًا له ليفصح عن ذاته لدعمه وإشعاره أنه هو الآخر وآخرين مروا بخبرات مشابهة، بل يستشعر الضيق بهذه الخبرات التي تُروى له دون داعٍ، ولا علاقة له بها! ودائمًا أقول إن أصعب ما يخص أي شيء يتعلق بالإنسان هو صعوبة التنبؤ به.

المبادأة والإنهاء (الاستفتاح والختام)

تعتبر المبادرة اللفظية من أهم السلوكيات المرتبطة بمهارة التعبير اللفظي، وتعني قدرة الفرد على البدء بتعريف نفسه للآخرين. كما تتضمن المبادرة ما هو أكثر من المبادأة، فتشمل الاستمرار في الحوار، وصولًا بعد ذلك إلى إنهائه.

يؤثر هذا النمط اللفظي في التفاعلات الاجتماعية بأنواعها تأثيرًا كبيرًا، ويكون تأثيره أوقع فيما يخص العلاقات الشخصية.

ويرتبط أيضًا ارتباطًا وثيقًا بالمعايير الاجتماعية المقبولة، وما يُتعارف عليه بآداب الحوار. وترتبط المبادأة تحديدًا بالثقة في النفس التي تدفع بالفرد إلى عدم التردد في بدء الحوار.

التوكيدية

تعتبر التوكيدية أحد أهم الأنماط اللفظية المرتبطة بالتفاعلات الاجتماعية اللفظية.

يمكن القول إن التوكيدية هي نمط من السلوك اللفظي موجه نحو الذات، يجعل الفرد يعبر عن مشاعره وأفكاره وأهدافه الحقيقية بصراحة وبطريقة مناسبة، ويرى ذلك من حقه، ويحترم مع ذلك مشاعر وأفكار الآخرين وإن اختلفوا معه، كما ولا يسمح للآخرين باستغلاله، مهما كانت درجة قرابتهم منه، لكن دون الإساءة للآخرين. وحتى في المواقف التي يتم فيها الرفض، يكون هذا الرفض مصحوبًا بالاحترام والتفهم للآخر.

إنها موقف إيجابي عادل نحو نفسك ونحو الحياة، واحترام لنفسك وللآخر؛ فلا انسحاب ولا خوف، وكذلك لا سيطرة على الآخر ولا مهاجمة للآخر في المقابل.

وهناك مظاهر تقترن بضعف توكيد الذات، أهمها انخفاض الثقة بالنفس، وضعف تقدير الفرد لذاته، وارتفاع درجة القلق، وانخفاض التوافق النفسي والاجتماعي لدى الفرد، ومشاكل كبيرة في التواصل وعدم القدرة على إقامة تفاعل اجتماعي ناجح مع الآخرين.

ولا شك أن التدريب على توكيد الذات في المقابل يُعلي الثقة بالنفس، ويُحسن مفهوم الذات لدى الفرد، ويجعل مرجعية الفرد داخلية فليس بحاجة إلى محاولة إرضاء الآخرين على حساب نفسه.

ونظرًا لارتباط نجاح الفرد في الحياة بالتوكيدية، فيجب أن يُقيِّم الفرد مستوى توكيديته لذاته، وهناك استبيانات كثيرة متوفرة لذلك.

في حالات عديدة يتضح من خلال تقييم توكيدية الفرد أن نقص التوكيدية يرتبط ببعض المواقف أو يكون بإزاء بعض الأشخاص فقط من ذوي الأهمية كالأب والأم، الذين قد يصعب على الأبناء التعبير عن آراء وأفكار وأهداف تعارض آراءهم وأفكارهم وأهدافهم. وأحيانًا تحدث المشكلة أمام المدير في العمل. لذلك فإن تحديد المشكلة بدقة هو أول خطوة على الطريق.

التدعيم (التعزيز)

كما أن الفرد بحاجة أن يتعلم كيف يؤكد ذاته، فهو بحاجة أيضًا أن يتعلم كيف يدعم الآخرين. هذا الدعم يؤثر إيجابيًا على تفاعله الاجتماعي مع الآخرين، ومهما كان الفرد قويًا يستند إلى ذاته، فلا شك أن علاقته تتأثر إيجابيًا بمن يلمس منهم دعمًا له خاصة في الشدائد.

ويُعرف التدعيم أو التعزيز الخارجي بأنه عملية تزيد من احتمالية تكرار السلوك في المستقبل. غير أن آثاره النفسية الإيجابية على صاحب السلوك المعزز أكثر أهمية من زيادة احتمالية تكرار السلوك؛ حيث يتحسن مفهوم الذات لديه، وتزيد دافعيته؛ فالتدعيم يساعد الفرد على إدراك أن الآخرين يرون سلوكه على نحو إيجابي.

قد يكون التدعيم الذي يتلقاه الفرد من مدعّميه إيجابيًا بتقديم مكافأة أو إشادة بالسلوك الجيد، وقد يكون سلبيًا باستبعاد جزاء تم توقيعه نتيجة إهمال سابق واعتباره كأن لم يكن. وفي الحالين يُقدَم دعم للسلوكيات الجيدة التي يظهرها الفرد.

وما يعنينا هنا تحديدًا هو تدعيم الآخرين لفظيًا، بوصفه أحد أنماط التواصل اللفظي، وليس أي من وسائل التدعيم غير اللفظية. ولكن لا يخفى أن من الناس من يظهرون تقديم الدعم الاجتماعي للآخرين لفظيًا بينما سلوكياتهم التواصلية غير اللفظية تحمل رسالة أخرى تبدو من خلال نبرة الصوت وسرعته وتعبيرات الوجه وغيرها.

وهناك عوامل لها اتصالها الوثيق بالتدعيم منها مقداره، وتوقيته، فكلما زاد مقدار التدعيم زادت قيمته، وكلما زادت فترة الإرجاء قلت قيمته؛ فلا يُعقل أن تُبارك لأحد نجاحه بعد شهور وتتصور أنك تدعمه!

من المهم جدًا أن نتفهم أيضًا أن التدعيم المستمر الذي يُستخدم لأي سلوك يفقد قيمته وتأثيره، ويشبه أن يكون شكلًا من أشكال النفاق الاجتماعي. والتدعيم المشروط يكون للسلوك الجيد فقط. كما أنه لا يلزم أن يتم تدعيم كل سلوك جيد يصدر عن الفرد، بل الأفضل أن تظهر دعمك للآخرين بشكل متقطع.

وقد يُساء استخدام التدعيم إلى الحد الذي يُعيق تنمية الدافعية الداخلية لدى الفرد، فيُصبح الفرد أسيرًا لانطباعات الآخرين وآرائهم عنه.

الاستماع (الإصغاء)

لا يُعتبر الاستماع نمطًا من أنماط التواصل اللفظي فقط، بل هو أحد المهارات الأربع الرئيسية للتواصل إذا نظرنا إليه كعملية مهاراتها الرئيسية هي (التحدث- الكتابة- القراءة- الاستماع).

والتحدث والكتابة هما الوسيلتان الأهم لأي شخص للتعبير لفظيًا عن نفسه، بينما القراءة والاستماع هما وسيلتاه الأساسيتان للإحساس بالآخر وفهمه. لن تفهم شخصًا لمجرد أنك تعبر له عن نفسك، بل لا بد أن تستمع إليه بغرض فهمه، ولا تتعجل في الرد أثناء الاستماع، ولا تبحث عما تنقده به من سقطات كلامه. الاستماع هو وسيلة لفهم الآخر لتعزيز العلاقة وليس للانتصار للنفس. هذه بدهية يغفل عنها كثير من الناس وتتسبب في الكثير من المشاكل.

ويعتبر الاستماع نمطًا سلبيًا للتواصل اللفظي، رغم أنه في ذاته عملية نشطة تتطلب بذل الجهد؛ فالتفاعل الاجتماعي الناجح لا يكفي فيه أن يكون الإنسان متحدثًا فقط، بل جزء أساسي منه أن يعرف الفرد كيف يستمع للآخرين ويُنصت إليهم، فهذا جزء أساسي من أي حوار فعّال ثنائي الاتجاه.

يختلف الاستماع عن عملية السمع؛ فالسمع كعملية فسيولوجية ترتبط بسلامة الأذنين وسلامة مركز السمع في المخ، لكن الاستماع عملية معقدة تتطلب إظهار الاهتمام لما يقوله الطرف الآخر، فهو يرتبط بعدد من العمليات العقلية كالانتباه والإدراك لمحتوى الرسائل اللفظية والتفكير فيه وتذكره، إضافة للسمع كعملية فسيولوجية.

يساعد الإصغاء على بناء تواصل اجتماعي فعّال، لأنه يشعر المتحدث بالتقبل والأمان، وأن أفكاره ومشاعره تصل للآخر بطريقة سليمة.

ويتضمن الاستماع الفعال –كنمط للتواصل اللفظي- إرسال رسائل غير لفظية لأجل إشعار المرسل بفهم الرسالة. وغالبًا فإن الصمت أثناء الإصغاء مع إعطاء تعبيرات وجهية مناسبة واستدامة خط النظر يعطي انطباعًا أفضل بكثير من إصدار أصوات من نوعية "إمممم" و "آآآآآآ"، لكن في أحوال أخرى كالتواصل اللفظي عبر الهاتف حيث تُفتقد تعبيرات الوجه والاتصال البصري تكون لتلك الأصوات قيمتها.

كما أن المستمع الجيد يلجأ إلى طرق تساعده في إشعار محاوره بانتباهه لما كان يقول بعد انتهاء المتحدث من كلامه، قد تكون تلك الطرق أيضًا لفظية أو غير لفظية. ومن الطرق اللفظية إعادة صياغة المحتوى اللفظي لحديث المحاور، أو تلخيص محتوى حديثه بعد انتهائه من بعض الجزئيات؛ فمما يساعد في إعطاء التأثير بالإصغاء إعادة صياغة المحتوى اللفظي للطرف الأول بكلمات شريك الحوار؛ فإعادتها عليه بعبارات أخرى بعد انتهائه من حديثه تُعرِّفه أن ما يعنيه قد وصل الطرف الثاني بالفعل، كما تسمح بتصويب أي فهم خاطئ للرسالة اللفظية يكون قد وصل الطرف الثاني. ويختلف ذلك عن التكرار الحرفي لما قاله المرسل، والذي لا يعطي انطباعًا كافيًا للمرسل بأن ما قاله قد فُهِم.

ولكارل روجرز رؤية إيجابية حول التكرار اللفظي –وليس التكرار الحرفي للعبارات-، فهو يراه أكثر فاعلية في بناء العلاقات؛ فأغلب الناس لديهم ألفاظهم التي يكونون أكثر راحة عند استخدامها، وهم يحبون من يستخدم ألفاظهم خاصة حين يتحدث عنهم. يمكنني أن أضرب مثالًا؛ فأنا كمسلمة أكون أكثر ارتياحًا لوصف ديانتي بالإسلام وليس بالمحمدية، والذي صار الوصف الذي يُطلق على المسلمين في بعض الدول الغربية، وأعتقد أن المسيحي سيشعر براحة أكثر في التعامل مع من يسميه مسيحيًا والنقيض مع من يسميه نُصرانيًا، رغم أن لفظ نُصراني في حد ذاته ليس مسبة. أعرف صديقة قديمة كان سبب خلافها الأول مع زوجها، والذي توسع إلى حد الانفصال بينهما أنه كان دائم المزح معها أمام الناس وتعريفهم عليها بأنها "أم العيال"، بينما هي أستاذة جامعية! ومن الهدي النبوي أن تنادي أخاك بأحب أسمائه إليه.

وعودة إلى صياغة المحتوى اللفظي، حيث يمكن القول إن إعادة صياغة المحتوى اللفظي بعد انتهاء المرسل من إرسال الرسالة هو الجانب الإيجابي للإصغاء، والتأثير الناشئ عن تلك العملية أقوى من كل قنوات التواصل غير اللفظي كالإيماءات وتعبيرات الوجه وإدامة الاتصال البصري أثناء الحوار والتي قد تُستخدم لإعلام المتحدث بأن شريكه يتواصل معه ويهتم لما يقول.

وقد تؤثر الظروف المحيطة بالموقف على الاستماع فتعيقه، كما قد تؤثر عوامل أخرى تتعلق بسمات شخصية الفرد أو صفاته العقلية. على سبيل المثال: يتأثر الاستماع سلبًا بالضوضاء المحيطة، كما تكون سمات مثل نقص النشاط العقلي وضعف الانتباه أو سرعة الملل وقلة الصبر من أسباب ضعف الاستماع. وأحيانًا لا يكون ضعف القدرة على الاستماع راجعًا لأي من الأسباب السابقة بل يكون عارضًا بسبب الإرهاق.

ولا يرتبط الاستماع الجيد بعمليات التفكير وحسب، بل يرتبط بفهم وتحليل الكلام، ومساعدة المرسل على توضيح أي غوامض في رسائله لا تصل للآخرين بشكل سليم، وتكوين حكم على تلك الرسائل، ومحاولة كشف أي تناقضات أمام الفرد بين الواقع كما نلاحظه وبين ما يعتقده هو عن نفسه، فمن أهم فوائد الإصغاء مساعدة المتكلم على فهم نفسه ومشاكله والتعبير عن مشاعره بشكل عميق، وربما مساندته من غير تخطئة ووعظ، وأسوأ ما ينتج عن الاستماع السيء هو التسرع في الحكم على آراء الشخص بسبب اجتزاء حديثه وعدم الاستماع إليه كاملًا.

وتوجد فروق كبيرة بين الجنسين، وكذلك فروق ثقافية، في الاستماع كنمط من أنماط التواصل اللفظي، وكثيرًا ما يتولد سوء فهم بسبب تفسير قنوات التواصل غير اللفظي المصاحبة له. وسنتوسع في شرح تلك الفروق في الفصل الخاص بعلاقة الثقافة بمهارات التواصل، وفي فصول الباب الثاني الخاص بالفروق بين الجنسين في التواصل الاجتماعي.

بالرغم من تلك الفروق فيكاد يكون مجمعًا عليه أن المستمع الجيد لا بد أن يحاول المحافظة على قدر من الاتصال البصري مع من يحاوره، وألا يتجنب مواجهة خط النظر تمامًا كما يفعل المستمعون السيئون، وعليه أن يجلس جلسة مناسبة يأخذ فيها وضعًا منفتحًا مع الميل قليلًا تجاه محدثه، وأن يتجنب الحركات غير الضرورية التي تدل على قلة الانتباه والتملل من كلام المتحدث. وعليه أيضًا أن يومئ بحركات توحي بالمتابعة والإصغاء، مع تجنب إعطاء انطباع بالموافقة. ينبغي كذلك عدم مقاطعة المتحدث، مع الحرص على تبادل الأدوار بينهما.

 

د. منى زيتون

 

 

كرة القدم ليست مجرد لعبة رياضية، انها كبر من ذلك بكثير ربما اصبحت مجال حرب غير اخلاقية تستعمل فيها كل الوسائل من اجل الربح . لعبة تحولت من مجال للفرجة والمتعة الى فضاء مزدحم بالسياسة والايديولوجيا والمال والخرافة والعنف .

قيمتها وشعبيتها تكمن في قيمتها الفرجوية لانها تمثل مجالا حيويا للترفيه الإنساني، وللتنفيس من ضغوط الحياة المعاصرة وإيقاعها السريع. إضافة الى كونها قناة من قنوات الفعل السياسي ووسيلة ومن سائل التأثير السياسي والايديولوجي .

هي لعبة تحولت الى مجال للصراع والعنف والتوثر من خلال حجم العنف المرتبط بها وبالملاعب، مما يولد الرغبة في محاولة فهم ومقاربة موضوع كرة القدم بين الفرجة والعنف من خلال معرفة الاسباب والدواعي من داخل مقاربة سوسيولوجية .

مؤخرا، في مباراة لكرة القدم بين فريقين عربيين في نهائي عصبة الابطال بين الترجي التونسي والوداد الرياضي، توقف كل شئ وتحول النقاش العمومي الى نقاش حول كرة القدم، لا حديث يعلو على وقائع المباراة واسباب توقفها ومسارات ما بعد التوقف، وعن المؤامرة والبيع والفساد وعن مصير الكأس واجتماعات ادارة الكاف لتقرير في مصير المباراة / المعركة .

النقاش كان كثيفا ومتضخما مليئا بالتفاصيل الكثيرة، مما يقود الى استنتاج اساسي ان كرة القدم اصبحت انشغالا يوميا للمواطن وربما قضية وطنية تحضي بالأولوية المطلقة في سلم اولويات مواطن مقهور .

حكم المباراة انتهت صلاحيته، وصفارته لم يعد لها معنى . توقف كل شئ، وحدهم السياسيون يعيشون اسوأ لحظاتهم، رغبة في ايجاد مخرج امن لتفريق حشود بشرية قد تفعل أي شئ وكل شئ .

نزل رئيس الكونفدرالية الى الملعب وكل الطاقم الاداري في سوك مرفوض رياضيا، توقفت المباراة، واعلن الترجي فائزا بقرار من رئيس الحكومة التونسية ولدواعي امنية !

بتونس هناك فوبيا من التجمعات، ومن الحضور الجماهيري، انها الدولة العربية التي دشنت شرارة التغيير فيما سمي بموجة الربيع العربي بعد حادثة احراق البوعزيزي لنفسه فالأمن اولا والامن اخيرا، الحشود لا يمكن التحكم فيها لا بإرضاء كبريائها، هكذا فكر المسؤولون في ايجاد حل امني لمباراة كانت سياسية وتجارية قبل ان تكون رياضية .

كرة القدم اصبحت فعلا سياسيا ورهانا اقتصاديا ومنتوجا معولما، تعمل من خلالها نظم وشركات العولمة على نشر قيمها، ربما هي الاداة الاكثر فعالية لنشر قيم العولمة وصناعة مواطن عالمي لا يهتم بتراثه وقيم مجتمعه، لأنه مشغول بأخبار الفرق العالمية واخبار نجوم كرة القدم، انجازاتهم، انتقالاتهم وكل التفاصيل الصغيرة والكبيرة حول حياة الفريق والنادي واللاعبين .

ان العولمة وعبر كرة القدم استطاعت توحيد الزمن رغم اختلاف الجغرافيا . اكثر من مليار ونصف مشاهد وفي لحظة واحدة يتشاركون نفس الزمان ويعيشون نفس الحدث ويتقاسمون نفس الاحساس انه زمن كرة القدم - كاس العالم – مثلا او مباراة الريال وبرشلونة او الريفير وبوكا جونيور وغيرها .

يقول إدواردو غاليانو: "كلما تحولت هذه الرياضة إلى صناعة، يتم استبعاد الجمال الذي يتولد من متعة اللعب لمجرد اللعب"، فكرة القدم لم تعد لعبة ورياضة تسود فيها الروح الرياضية ومؤسسة عل قيم المحبة والتعارف والتنافس الشريف، وانما اصبحت صناعة وتجارة وسياسة وأمن .

مع نهاية القرن التاسع عشر الميلادي، أصبحت كرة القدم لعبة عالمية، فقد انتشرت وتعممت في مناطق نفود الاستعمار الانجليزي في مناطق مختلفة من العالم، وأدى ذلك إلى إنشاء الاتحاد الدولي لكرة القدم، والذي يُعرف اختصاراً بالفيفا (FIFA) عام 1901م.

تعد كرة القدم أكثر أنواع الألعاب الرياضية العالمية شعبيةً وحضوراً، إذ يتجاوز جمهورها المليار متفرج حول العالم وهو رقم مهم ومغري للشركات كسوق تجارية مربحة . انها لعبة لا تعرف حدوداً جغرافية أو هويات دينية أو عرقية أو قومية، بل هي أشبه بلغة عالمية توحّد البشر، وهي الوسيلة الوحيدة لتوحيد هم خلال التظاهرات الرياضية الكبرى، سواء تظاهرات كاس العالم او الذيربيات العالمية مثل الريال وبرشلونة والريفير وبوكاجونيور، ليفربول والمان سيتي، اليوفي والانتير وغيرها من المباريات التي تشد كل الانظار، حيت تختفي كل الفوارق وكل الخصومات ولا تبق غير خصومة كرة القدم والعنف الناتج عن كرة القدم في حالة الغضب الجماهيري .

لذا، فكرة القدم لها جاذبية سحرية وهذا سر قوتها وقيمتها، لدرجة ان إدواردو غاليانو اعتبرها بالذيانة الجديدة [[1]].بعض عشاق ومشجعي اللاعب الارجنتيني ماردونا قاموا ببناء كنيسة المارادونية (Iglesia Maradoniana) والتي تعرف أيضاً باسم كنيسة مارادونا، هي كنيسة تم تكريسها في مدينة روساريو بالأرجنتين تقديسا لاسم ماردونا حيت اعتبر صور من صور الرب على الارض وقد اسست هده الكنيسة في 30 اكتوبر 1998 وهو تخليدا لذكرى ميلاه .

لا احد ينكر القيمة الفرجوية لكرة القدم حيت اصبحت وسيلة للترفيه الإنساني، كمجال للتنفيس من ضغوط الحياة المعاصرة وإيقاعها السريع. لكنها اصبحت قناة من قنوات الفعل السياسي ووسيلة ومن سائل التأثير الايديولوجي، من اجل صناعة رأي عام موالي او مضاد لأي نظام سياسي، في الكثير من المباريات تتحول مباريات كرة القدم الى استمرار لسياسة حربية تخاض على ارضية الملعب وفي قنوات التلفاز وفي البرامج والاخبار والندوات وفي شبكات التواصل الاجتماعي من اجل خلق تعبئة وطنية: مباراة ايران والولايات المتحدة الامريكية ؟ ومباريات قطر ضد الامارات والسعودية الاخيرة.

البعد السياسي للعبة لا يعني غياب الابعاد الفرجوية واجواء المتعة النفسية التي تصنعها، لان الفضاء الذي يوفره فعل التشجيع يمنح الأفراد قدرة خلاقة على إعادة صياغة ذواتهم وبناء عوالم جديدة في اطار جمعي عبر حشود يختار ها الفرد بطواعية، من اجل التعبير عن ذاته في اطار حماسي يشكل فرصة لتفريغ كل المكبوتات، وبالتالي تحقيق راحة نفسية وتحقيق توازن ربما كان مفقودا بسبب كثرة الضغوطات الاجتماعية، وهو ما يقود الى فرضية ام الملاعب تشكل عيادة جمعية للتفريغ والعلاج .

كرة القدم تعتبر من اهم اليات العولمة لبناء هويات جديدة مؤسسة على قيم نمطية بتفكيك اسس الهويات المحلية والمتمايزة، واستبدالها بهوية واحدة ومعولمة .

تملك نفس الخصائص حيت يصبح لاعبي كرة القدم ملهمي الشباب في تثبيت القيم وانماط السلوك الجديدة، بما يقود الى انتاج مواطن عالمي يتنفس كرة القدم .

وفي مستوى آخر، توظّف النظم الحاكمة في الدول النامية كرة القدم لأغراض دعائية، على سبيل المثال: رأينا كيف يوظّف نظام السيسي تأهُّل المنتخب المصري إلى كأس العالم ويقدّمه على أنه منجز من منجزات نظامه. وكيف سوقت ايران انتصاراتها على السعودية والامارات على انه انتصار على مشروع الحصار .

و يعتبر بعض انصار الفريق الارجنتيني ان الهدف الذيسجله دييغو ماردونا في مرمى الانجليز في كأس العالم 1986، عندما قام ا بمراوغة ستة لاعبين من المنتخب الإنجليزي ثم حارس المرمى، كان انتقاما سياسيا من القوات البريطانية ورد الاعتبار لكبرياء الجيش الارجنتيني على هزيمتها في حرب جزر الوكلاند عام 1982. لدرجة أعتبره البعض أنه الإله مارادونا خاصة عندما علّق على هذا الهدف وقال: إن يد الله هي التي أحرزت هذا الهدف .

وعلى الرغم من كل ذلك، لا تزال كرة القدم تلعب دوراً هاماً في تكريس التعايش، والتقارب الانساني، حيث إنّ أماكن الفُرجة والتشجيع تمثل نقطة التقاء وتقارب بين المشجعين، ومن خلالها يكونون فضاء مشترك إنساني.

كرة القدم اصبحت فعلا تجاريا، وهنا يكمن اصل المشكل، حيت الربح المادي والخسارة هو الهاجس الاساسي المتحكم في المباريات لاسيما ضغط شركات الرهان الرياضي، بمعنى لعبة بمثابة ارض حرب ومواجهة مفتوحة تستعمل فيها كافة الوسائل من اجل غاية وحيدة، الربح والمزيد من الربح .

انها طريق للصراع والتنافس الغير الاخلاقي لان الامر لا يتعلق بفوز عادي ومقابل خسارة عادية تنتصر في الاخير الروح الرياضية، والافضل هو من يفز ويخرج الجمهور راضيا مستمتعا بأداء كروي في اطار من المتعة والفرجة بعيدا عن منطق التشنج والتعصب .

ان تصبح كرة القدم فعلا تجاريا معناه البحث عن الانتصار بكافة الطرق وهو ما يفتح الباب امام المنطق المكيافيلي حيت الغاية تبرر الوسيلة، لاسيما في دول العالم الثالث حيت شبكات الانتماء والوطنية والغيرة ترتبط بكرة القرق وبالندي والفريق المحلي او الوطني .

لا يمكن ان تنتصر قيم كرة القدم المؤسسة على التنافس الرياضي الشريف حين تصبح الرياضة فعلا تجاريا، لان خسارة من شانها الحاق خسائر بالبورصة وخسائر لشركات الرهان الرياضي وخسائر امنية نتيجة الشغب والعنف المتزايد وارتفاع منسوب الحقد والتخريب.

و لعل الاحداث المأساوية في التاسع والعشرين من ماي 1985 بملعب "هيزل" حيت أحداث شغب فائقة الخطورة بسبب مشجعي فريقي ليفربول وجيفنتوس بمناسبة نهائي الكأس الأوربية هي الأحداث التي خلفت 39 قتيلا . فأصبحت الرياضة وكرة القدم طريقا للقتل الجماعي . او انها لعبة قاتلة حين ارتبطت بظاهرة الهوليكانز .

حين تحولت لعبة كرة القدم من فعل فرجة وفعل رياضي مؤسس على قيم المحبة والتعارف والفرجة، الى فعل سياسي وتجاري وامني اصبحت فعلا معقدا تستفيد منه مؤسسات العولمة الباحثة عن الربح الصافي، ولو على حساب الكثير من الخسائر والمعاناة .

كرة القدم فعل شعبي ساهمت الى حد كبير في دمقرطة اللعبة، لأنها كانت لعبة شارع وكانت موضوع فرجة للجميع، لكن الامور تغيرت بسبب مسلسل وتأثيرات العولمة اللعبة تغير كل شئ، اصبحت لعبة نخبة حيت نجوم كرة القدم لم يعدوا يصنعون بشكل تلقائي في الازقة والشوارع واحياء المدن القديمة كما هو الحال في التجربة البرازيلية.

الان تغير كل شئ اصبحت الاكاديميات هي المصنع الاول للنجوم والمدارس الخاصة بالأندية، وهو ما يعيد طرح اشكالية الى أي حد ما زالت كرة القدم لعبة شعبية مفتوحة امام الجميع، وللجميع سواء في ممارستها او حتى في الفرجة مادام اغلب ان نقل المباريات اصبحت مملوكة لشركات وبشكل حصري؟

كرة القدم لم تعد لعبة شارع وليست لعبة محدودة بحدود المستطيل الاخضر، وانا هي ظاهرة مركبة يتداخل فيها السياسي بالتجاري بالاقتصادي وبالقيمي والثقافي والاجتماعي مما يجعلها ظاهرة معقدة تزداد تعقيدا كلما ازداد تدفق المال حولها .

ربما المال يقود الى الخراب والعنف واستبدال البعد الفرجوي بالبعد التكتيكي، لان المهم هو الفوز باي ثمن، وان الفرجة ليس انجازا، لان الاهم هو تحقيق اكبر قدر من الارباح ولو على حساب القيم الرياضية.

عنف الملاع: حين تصبح الرياضة فعلا عنيفا

تتحدد وظيفة السؤال السوسيولوجي حسب بيير بورديو على القدرة على معرفة الاسباب المخفية واستكشاف المسكوت عنه والمضمر، لذا يصبح الاستعانة بخدمات الفكر السوسيولوجي أمرا ملحا . من اجل اختراق مناطق العتمة الكثيفة المحيطة بالعنف الرياضي وشغب الملاعب، باعتباره حدثا مرعبا ومخيفا في الوقت ذاته .

الوقائع العنيفة والمأسي المرتبطة بمباريات كرة القدم لاسيما من طرف مشجعي الفرق،وحجم الخسائر التي يخلفها شغب الملاعب يقود الى تبني فرضية حروب الملاعب، وان كرة اقدم اصبحت ارض معركة مفتوحة، تتعدى حدود الملعب ورقعته وتتجاوز القوانيين الرياضية والاخلاقية المؤطرة للعبة، مما يقود الى استنتاج ان كرة القدم لم تعد لعبة فقط وانها ساحة حرب .

أحدات ملعب هيزل الشهيرة ووفاة اكثر من 39 مشجع ايطالي، وأحداث بورسعيد الدموية ووفاة اكثر 72مشجع يكشف حجم العنف المضخم، المحيط بلعبة ربما قد تتحول الى لعبة عنف وشغب .

الامر يقود الى تساؤل اساسي من اين يأتي هذا العنف وما مصدره، وكيف يتحول فضاء فرجوي الى فضاء للعنف بكافة اشكاله ؟

 

عنف الملاعب هو عنف يلفه الغموض، لأنه عنف مخفي، وقد يكون أسوأ أشكال العنف بحسب بيير بورديو .

اولا - العنف الرياضي: الماهية والاسباب

ارتبط تنظيم المسابقات الرياضية بالعنف في الكثير من مراحل تاريخ الانسان، لاسيما في القرون الوسطى حيت كان الفعل الرياضي هو احتفاء بالعنف وتمجيد للقوة .

فالرياضة هي فعل تنافس من اجل الفوز، وهو ما يقود الى وجود طرفين في أي لعبة منتصر ومنهزم، الاحساس بالهزيمة يغذي مشاعر الاحباط ويقود الى الى سلوكات عدوانية على الطرف الاخر، وهو سلوك قديم نجده اسسه في حلبة المصارعين gladiateurs Les ([2]) وفق ما اشرت اليه موسوعة ويكي بيديا.

فالعنف ينتقل عبر العدوى مما يوسع دائرته، وهنا تكمن خطورته كونه عنف انتشاري يتمدد بسرعة في وجود سياقات اجتماعية ملائمة، كتلك التي توفرها فضاءات الجماهير والحشود، مما يعقد مهمة التحكم فيه حين يتجاوز حدود الملعب وينتقل عبر العدوى الى المدرجات والجماهير المتحمسة .

فكل هزيمة هي تغذية لمشاعر الاحباط عندها يقود الى ارتفاع منسوب التوثر، والعنف المادي اتجاه المشجعين الفريق الاخر وضد الممتلكات العامة .

احداث ملعب هيزل سنة 1985 ([3])كانت لحظة حاسمة ومؤثرة في تاريخ العنف الرياضي ولفتت الانتباه الى خطورة الفعل .

مند تلك اللحظة اصبح مفهوم مثيرو الشغب وصانعي العنف في المدرجات مفهوما مركزيا عبر الحديث عن ظاهرة الهوليغانز.

فالهوليغانيزم Hooliganism يؤشر في اللغة الإنجليزية على الشغب والفوضى، و قد ذكر الاسم اول مرة في تقارير شرطة لندن في صيف عام في إشارة إلى سكير ايرلندي سيء السمعة، اسمه باتريك هوليجان يعيش في لندن ويشارك بانتظام في مواجهات شوارع لندن، وكان شخصا عنيفا لا يؤمن الا بالعنف لتدبير حياته ونزاعاته([4]

وهناك من يعتبر ان اصل الكلمة مشتق من الاسم سيكون شخصًا يتصرف بنفس الطريقة، فرضية أخرى هي أن هذا الاسم يأتي من اسم عصابةHooleyIslington .

تعتبر احداث ملعب هيزل لحظة حاسمة التعاطي بجدية مع ملف شغب الملاعب،حيت اصبحت الفرجة مرتبطة في احيان كثيرة العنف، اصبح هاجس تدبير المباريات محكوما بأعداد خطط لمواجهة أي تهديد محتمل .

ظاهرة الشغب ستعرف انزياحات متوالية عن متنها الأصلي، ذلك بدءا من تجاوز رقعة الملعب في شكل اشتباكات بين اللاعبين أو اعتداءات على الحكام، إلى المدرجات في صيغة مشاحنات بين المشجعين وأجهزة الأمن، وأخيرا في مستوى نقل ممارسات الشغب إلى خارج الملعب بتخريب الممتلكات الخاصة والعامة .

الشغب هو اعتداء جماعي على الافراد وعلى الممتلكات العامة وبهدف الاضرار والحاق الاذى .

و قد عرفه ابن خلدون باعتباره نزعة طبيعية،حيت ان أخلاق البشر فيهم الظلم والعدوان، بعض على بعض، فمن امتدت عينه إلى متاع أخيه امتدت يده إلى أخذه إلى أن يصده وازع ([5])، واعتبر ان سبب العنف فهو العصبية، وتعني عنده: الالتحام الذي يوجب صلة الأرحام حتى تقع المناصرة ([6])، وأساس العصبية عند ابن خلدون هو الاستعداد الفطري الذي يدفع الفرد إلى نصرة قريبة بالدم والدفاع عنه.

واعتبر توماس هوبز احد منظري فلسفة العقد الاجتماعي أن الطبيعة الإنسانية مشبعة بالعنف، وان الانسان دئب لأخيه الانسان نتيجة الاشباع المحدود للرغبات مما يولد صراعا حولها، ما يقود الى حرب الكل ضد الكل نتيجة التنافس الشامل .

اما ماركس فقد اعتبر ان العنف ليس فعلا غريزيا،و لا يمثل حالة الطبيعة وانما هو

سمة للحالة الاجتماعية التي أفسدها الاستحواذ بوسائل الإنتاج، فالتنافس بين الناس سبب عامل سياسي يتعلق بملكية وسائل الإنتاج، لذلك فإن الصراع ليس هو الحرب الشاملة وفق ما اشار اليه توماس هوبز ولكن هو صراع طبقات اجتماعية .

و اعتبر كارل ماركس اعتبر ان للعنف دورا وظيفيا بناءا وايجابيا، لأنه اداة من اجل صناعة التغيير وتحقيق العدالة الاجتماعية بالقضاء على الملكية الفردية لوسائل الانتاج .

فالعنف فهو شرط أساسي لتجاوز هذا الخلل ولإحداث التغيير فهو مولد كل مجتمع قديم يحمل في طياته مجتمعاً جديداً كما أنه الأداة التي تحل بواسطتها الحركة الاجتماعية مكانها وتحطم أشكالاً سياسية جامدة وميتة ([7]).

أما دوركهايم فقد اعتبر ان أن العنف ظاهرة ثقافية مرتبطة بتطور البنى الاجتماعية وبالتطور الاجتماعي والانتقال من اشكال التضامن الالي الى التضامن العضوي .

ويعتبر جورج زيمل أبرز من تعامل مع ظاهرة العنف باعتباره مجموعة تصرفات عدائية تصدر عن الأفراد اتجاه الاخر، استنتج ان التصرفات العدائية تعتبر تصرفات وظيفية من اجل تماسك النظام الاجتماعي؛ لأنها تساهم في استمرار العلاقات تحت ظروف التوتر والضغط، فالسلطة الناتجة عن الضغط والقوة تساهم في الحفاظ على تماسك انسق واستمراريته وغياب الضغط يقود الى الفوضى والتشتت . فالضغط يمنع انحلال النظم الاجتماعية والجماعات البشرية، وبالتالي فهو – العنف - شبيه بصمامات الأمان ( [8]).

هناك نظريات سوسيولوجية اعتبرت ان العنف هو ناتج الانظمة السياسية سواء الرأسمالية او الاشتراكية، فالنظام الرسمالي يسحق الذات الفردية لاسيما نتيجة التفاوتات الطبقية والشيوعية عملت على سحق الذات الفردية، مما يعني انهما نظامان ساهما في انتاج العنف بكافة اشكاله ومستوياته .

عموما فالدرس السوسيولوجي في مناولته لمفهوم العنف ينطلق من فكرة عن نسبية العنف المرتبط بنظام المعايير والقيم الاجتماعية الخاصة بكل مجتمع . بمعنى أن كل نظام يحدد قيمه الخاصة التي تبين الحدود التي ينبغي ان يكون عليها التصرف والسلوك الفردي والجماعي، من اجل بناء النظام الاجتماعي والحفاظ عليه، وان كل خروج عن القيم والمعايير التي تصنع النظام تقود الى انتاج العنف وصناعة الفوضى واللانظام .

فالعنف وفق المدلول السوسيولوجي يكون نتيجة العلاقة المتوثرة بين قهرية القيم الاجتماعية والرغبة في التمرد وعدم الخضوع والامتثال لها .

وفق ماسبق فان العنف هو تصرف خارج النظم والقيم والمعايير الاجتماعية المحددة للنظام، ويحيل الى كل تصرف يمثل اختراقا قصديا أو عفويا لمعايير العقل الجمعي وقيمه .

فالشغب والعنف الرياضي من الناحية السوسولوجية هو محاولة اعتداء على الاطار القيمي المنظم للأنشطة الرياضية والاجتماعية، والتي تهدف الى خلق اجواء من المتعة والفرجة .

فالعنف يشكل عنصر اعتداء مادي على القيم مما يقود الى تحويل الفرجة الى ازمات، وشغب وخسائر واعتداءات على الارواح والممتلكات، نتيجة الفرح المبالغ به في حالات الفوز، او نتيجة عدم قبول النتيجة او الاستنكار والرفض والاعتراض والرفض . فالشغب داخل الملاعب الرياضية يدل على نوع التحرك الفجائي والذي ينتشر بسرعة في المدرجات وخارجها .

فهو شكل تعبيري عن حالة اختراق لنظام القيمي وصناعة للفوضى، ونتيجة اختراق غياب محددات الضبط القيمي والاجتماعي والقانوني والتي تحدد ضوابط السلوك بما يحقق الاستقرار والانسجام بين السلوك والقيم .

ميزة الشغب الرياضي وعنف الملاعب لا سيما في مباريات كرة القدم انه يندلع بشكل فجائي ويتجاوز سقف مسبباته، وشروط إنتاجه المباشرة، مما يجعل منها عنفا لحظيا واندفاعيا يصعب التحكم فيه يتميز بمايلي:

اولا - عنف مجالي: ما يميز عنف الملاعب انه عنف مرتبط بالملاعب أي بمجال جغرافي محدود ومراقب، فهو مرتبط بكل ما يتعلق بالملعب ومحيط الملعب والطرق المؤدية اليه .

ثانيا - عنف غير محدد اجتماعيا: ان اغلب المشاغبين لا يمثلون فئة متجانسة من حيت الفئات الاجتماعية والوضع الاجتماعي والمهني .

ثالثا - عنف شبابي: ان اغلب المشاغبين من فئة الشباب وهو ما يجعله عنفا شبابيا .

رابعا - عنف تعويضي: تعتبر بعض الدراسات ان هذا النوع من العنف يشكل فرصة لتفريغ المكبوتات ويشكل الية للتفريغ والتنفيس عن الذات المثقلة بإكراهات الواقع وصرامته .

خامسا - عنف غير مدروس: إن الجماهير المحتجة لا تحتج بناء على خطة مسبقة، وحتى إن وجدت هذه الخطة، فإنه لا يتم الانضباط إليها كلية، ان العنف المنفلت هو عنف فجائي وجد الفرصة المناسبة للخروج والتعيير عن نفسه .

حيت يصير الشغب احتجاجا بديلا عما يعانيه المحتجون من تهميش وإقصاء، مما يجعل منه احتجاجا سياسيا، ولو في اطار زمني مؤقت وضاغط عبر رسائل قصيرة تكون محملة في الاغاني والاهازيج، في هذا السياق ندكر اغنية الرجاء البيضاوي في بلادي ظلموني والتي تحولت الى اغنية تملأ الساحات العمومية والفضاءات العامة واصبحت اغنية تلازم كل حركة احتجاجية في الشارع .

فالأغنية تحمل رسائل سياسية بالغة ودقيقة تشكل رؤيته الخاصة من الواقع العام ال\ي يعيشه الشباب وموقفهم مما يجري .

فالاغنية تكشف مواطن الاعطاب في السياسة العامة للبلاد، وهي رسالة ينبغي قرءاتها من اجل التعامل معها لاسيما في ضل تراخي وضعف مؤسسات الوساطة السياسية، وهشاشة الفعل الحزبي وضعف قدراته التنظيمية والتأثيرية للشباب .

هناك محاولا ت كثيرة لفهم اسباب العنف المحيط بالملاعب وان هناك قلق اصبح متزايدا حول هذا الواقع المرعب .

كل المؤشرات تكشف ان ملاعب كرة القدم اصبحت تمثل فضاءا سياسياً بامتياز من خلال نوع وطبيعة الشعارات التي ترفع وحجم التحديات الامنية المرتبطة بتدبير الزمن الرياضي المخصص للمباريات .

فالشعارات التي ترفع تتجاوز ماهو رياضي، وانما تعمل على توظيف ما هو رياضي لتمرير رسائل سياسية، اغنية في بلادي ظلموني نموذجا .

فالعنف المرتبط بالملاعب مرتبط بوجود بيئة مناسبة لان الرقابة الاجتماعية والمؤسساتية المرتبطة بأجهزة الدولة تصبح غير فعالة نتيجة تشتيت المسؤولية وتعويمها وارتفاع منسوب الحماسة الجماهيرية، وان الرقابة تتشتت داخل الجماهير، وبالتالي تضعف المسؤولية الفردية، وتعوّض بالحماسة الجماهيرية، وهو ما يمنح الجمهور والمتفرجين اطارا حمائيا من اية متابعة، مما يساعد مواصلة الاحتجاج والتعبير العنيف من اجل توجيه رسائل سياسية من غير الممكن تمريرها، او التعبير عنها خارج زمن الملاعب .

فالملعب يوفّر الاطار النفسي والاجتماعي للاحتجاج والتعبير والرفض وحتى المواجهة والعنف والتمرد ضد مؤسسات الدولة .

غوستاف لوبون من خلال كتابه الموسوم بسيكولوجية الجماهير قدم تصورات تؤطر وضعية الجماهير ومجموعات الألتراس، حين اكد ان معدلات الانفعال تكون عالية لدى الجماهير، مما يعني فقدان السيطرة على الذات وتكريس سلوك انفعالي واندفاعي، لان الفرد داخل الحشود سيفقد قصديته وارداته اثناء الفعل الجماهيري، ويجد نفسه خاضع لإرادة الجمهور ومسلوب الارادة وجزءا من ذهنية عامة لها قوانينها الخاصة والمتحكمة في الافراد وفي تصرفاتهم، القوة الحماسية للجمهور يصعب التحكم فيها وبالتالي تصبح محفزا لتعبئة الافراد والجماعات .

وفق رؤية لوبون فان قائد الألتراس هو الشخص الذي يملك كاريزما التاثير على المجموعة،و يعمل على حسن توظيف واستثمار تصورات لوبون من اجل ضمان المزيد من التحكم، وضمان اتساقها في اطار من الفعالية سواء كان ذلك بوعي منه وبدون وعي .

السؤال الاساسي الذي يطرح مادا لو لم يتمكن القائد من التحكم في انفعالات الألتراس

لان الفعل الاحتجاجي غالبا ما يندلع في لحظات خاصة، وفي حالة توفر الظروف المناسبة للتعبير عن نفسها، لا سيما في الحالات الضاغطة كالهزيمة مثلا وهي لحظات تكون شديدة التوثر، وشديدة الانفعال مما يقود الى تهيئة اجواء تفجير العنف عنف كبير .

ما يميز العنف والاحتجاج الجماهيري المنطلق انه احتجاج تطوري ينطلق من شعارات بسيطة تم شعارات عنيفة وبعدها العف المادي بكافة اشكاله .

فالاحتجاج الواقع هو احالة الى واقع نفسي ومكبوت جماعي وجد فرصته للظهور والتعبير عن ذاته، لان كل فعل احتجاج هوتصريف لواقع يختزن بوادر الازمة المجتمعية وتعقيداتها المركبة وهو ما يعني ان العنف بالملاعب الرياضية هو عنف مجتمعي لم ينزل من السماء وانها هو نتيجة تراكمات ومسلسل من الاحباطات اليومية .

الفعل الاحتجاجي هو فعل سياسي، لأنه اداة تعبير عن مواقف سياسية لم تجد المناسبة والاطار الملائم لتصريفها، لاسيما في ظل الموت السريري للمؤسسات الوساطة لاسيما الجمعيات والاحزاب السياسية الموكول اليها مهام التأطير.

امام ضعف الاحزاب السياسية وعدم قدرتها على ممارسة التأطير السياسي والحزبي لاسيما لفئة الشباب والذي وجد نفسه خارج المؤسسات الاجتماعية ومؤسسات الوساطة، وجد نفسه وحيدا يعبر عن نفسه في المناسبات الخاصة: الملاعب الرياضية نموذجا.

فالملاعب والجماهير والعقل الجمعي تمنح ارضية ملائمة للتعبير عن الذات الفردية والجماعية بكافة اوجاعها وامالها واحباطاتها نستحضر دائما رمزية اغنية في بلادي ظلموني .

إن الاحتجاج بهذا المعنى يعد فرصة لتفريغ المكبوت السياسي، فالانخراط في المجوعة التشجيعية او الالتراس يساعد الفرد على امتلاك مزيد من الجرأة بحسب غوستاف لوبون، هذه الجرأة الزائدة والمؤمنة بفضل الانتماء الجمعي للحشود تمكن من تصريف الشحنات المكبوتة والتحرر من الخوف واكتساب تقافة وشرط المواجهة والتحدي، ومنه يتحول الموقف الاحتجاجي في كثير من الأحيان إلى فضاء للتفريغ السيكولوجي أكثر منه فضاء للمطالبة بالتغيير.

الدرس السوسيولوجي يؤكد ان العنف يولد عنفا محتملا، وان العنف في الملاعب ليس عنفا من خارج البنية الاجتماعية وانا هو سلوك تعبيري لشباب يعاني مشكلات حياتية وان المجتمع ينظر لهم نظرة عدم تقدير باعتبارهم شباب بلا قيمة، عديمو المسئولية، وينشغلون بأمور صغيرة لا قيمة لها.

وفي حقيقة الأمر، فإن غالبية هؤلاء الشباب يعانون من الفقر، والبطالة، والاقصاء، والتهميش الاجتماعي، الأمر الذي يجعل من ظاهرة تشجيع كرة القدم حالة تنفيس، وشكل من أشكال التمرد الاجتماعي على الأوضاع السائدة.

ملاعب كرة القدم اصبحت شبيهة بعيادات الطب النفسي من اجل استعادة المكبوث وملاذاً لهؤلاء الشباب، الذين يفضلون الاحتجاج كوسيلة تعبير عن انفسهم كوسيلة لمقاومة كل اشكال التعسف واللاهتمام .

ثانيا: الهوية الوسيوسيولوجية للاتراس:

االألتراس ظاهرة اصبحت واقعا، هي مجموعات تشجيع خاصة بكل فريق رياضي تصنع فرجة في الملاعب لكنها في احين كثير ة اصبحت مصدر عنف .

فاالألتراس هي جماعات تشجيعية تحرص على تشجيع الفريق، عن طريق شعارات وأغان وألوان خاصة بها. وتقوم فلسفتها على التشجيع الدائم فريقها وهو تشجيع يقترب من درجة التعصب.

من اهم مبادئهم التشجيع المتواصل للفريق بغض النظر عن النتيجة فوزا او هزيمة، والتشجيع وقوفا والحضور الدائم والتتبع لكل مباريات الفريق سواء داخل الملعب او خارجه .

فمفهوم االألتراس كلمة لاتينية الاصل تعنى حرفيا الفائق أو الزائد عن الحد، أما المعنى الشائع فهو فئة من مشجعى الفرق الرياضية معروفة بانتمائها وولائها الشديد للفريق وتحمل اسما خاصا وتضع شعارا خاصا بها يكون بمثابة رمز لهويتها، فاالألتراس تعني التشجيع الزائد عن الحد انها التشجيع الجنوني .

و يعتبر الكابو او القائد الذي يقود تشجيعات االألتراس: يقود التشجيع والذى يكون مسئولا عن اختيار الأغانى والهتافات وتوقيتها وحركات الأيدى والتشكيلات، وعادة ما يكون مكانه بارزا في الملعب حتى يستطيع التواصل مع الجميع ويضمن الاتساق والانسجام في كل الانشطة التشجيعية .

كما تتميز تقافة االألتراس بما يسمى بالموكب وهي مسيرة تضم أفراد المجموعة خلف اللافتة التي تحمل شعار المجموعة التشجيعية .

اما مفهوم التيفو Tifo: فهي كلمه ايطالية تعنى المشجع، ويقصد بها افتتاح النشاط التشجيعي ويتم فيه رفع شعار االألتراس والرسائل التشجيعية للفريق وكل ما يتعلق بالندي وتاريخه.

فالسلوك التشجيعي لالألتراس هو سلوك جماعي من خلال تغيب قيم الفردانية، واعتبار ان قيمته تحدد في انخراطه في المجموعة وذوبانه فيها .

وهو ما يفسر ظهور أفراد االألتراس عادة ملثمي الوجوه، اشارة الى ان االألتراس هي فعل جماعي . ولعل اهم ميزة اجتماعية تميز مجموعة االألتراس هو الولاء المطلق للمجموعة وهو ما يؤسس عصبية رياضية مؤسسة على حب الفريق وقيم الفريق وهو ما تعكسه الشعارات المرفوعة [9] .

ان العصبية المؤسسة لمجموعة الألتراس تشكل سببا اضافيا لتغذية العنف لاسيما حين يتعلف الامر بحالة احباط او مس بهوية الفريق او احد رموزه .

كما أن اختيار اسم الألتراس وشعاره ليس تلقائيا ولا عفويا وانا هو اختيار وظيفي ومدروس ومؤسس على خلفيات تقافية سواء بشكل شعوري او غير شعوري، ويمكن التوقف عند بعض الامثلة مثلا:

ان اغلب الاسماء تدل على القوة والصلابة والشجاعة وحتى قيم الافتراس مثل: القرش، الفدائي، النمر، النسر، الحربي أو العسكري، وقليلة هي الجماعات التي تفضل قيم السلم كما هو الحال بالنسبة الألتراس المغرب التطواني . ومن المفارقات ان التراس المغرب التطواني ورغم انه يحمل صفة للسلم، فانه تورط في اكثر من مرة في اعمال عنف وشغب .

العنف في الملاعب الرياضية ليس عنفا مستوردا لكنه نتيجة لعنف مجتمعي، هو عنف مبرر باسباب وسياقات انتاجه، الامر الذي يستدعي فهما دقيقا من اجل التعامل معه وايجاد الحلول الواقعية والممكنة .

 

الفرفار العياشي

دكتوراه علم الاجتماع المغرب

...................

المراجع:

1- إدواردو غاليانو، كرة القدم بين الشمس والظل، ترجمة: صالح علماني، دار طوى للنشر، 1995 .

2- أرفنج زايتلن: النظرية المعاصرة في علم الاجتماع، ترجمة محمد عودة وآخرون (الكويت: ذات السلاسل، 1989) ص ص: 180-181.

3- عبد الرحمن بن محمد بن خلدون: مقدمة ابن خلدون، تحقيق علي عبد الواحد وافي، ج2، ط3، (القاهرة: دار نهضة مصر، بلا سنة طبع)، ص482.

4- فيليب برنو: العنف وعلم الاجتماع، في المجتمع والعنف، تأليف فريق من الاختصاصيين، ترجمة الأب الياس زحلاوي، ط2، (بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، 1985)، ص95.

هوامش

[1] إدواردو غاليانو، كرة القدم بين الشمس والظل، ت: صالح علماني، دار طوى للنشر، 1995م

[2] L'un des premiers actes d'hooliganisme attestés dans l'histoire remonte à l'Empire romain lorsqu'en 59 eut lieu dans l'amphithéâtre de Pompéi pendant un spectacle de gladiateurs une rixe entre habitants de la cité et habitants de Nucérie.

[3] جاءت كارثة ملعب هيزل خلال مبارة كأس اوروبا النهائي بين ليفربول ويوفنتوس في عام 1985 في بروكسل، عاصمة بلجيكا . وبدأت الكارثة قبل وقت قصير من انطلاق المباراة الى أعمال العنف تجاه مشجعي يوفنتوس، وذلك خلال سقوط احدى جدران الملعب وتراجع الايطاليين في خط المواجهة والضغط ضد جدار الملعب . تم التدافع والدهس حتى الموت في حالة من الذعر . تسبب انهيار الجدار إلى وفاة عدد كبير من المشجعين . وانتشرت فوضى عارمة في محاولة لحفاظ المشجعين في الملعب على سلامتهم . فقد نحو 39 شخصا حياتهم في هذا اليوم وأصيب نحو 600 مشجع بالجروح.

إدواردو غاليانو، كرة القدم بين الشمس والظل، ت: صالح علماني، دار طوى للنشر، 1995م

[5] عبد الرحمن بن محمد بن خلدون: مقدمة ابن خلدون، تحقيق علي عبد الواحد وافي، ج2، ط3، (القاهرة: دار نهضة مصر، بلا سنة طبع)، ص482.

[6] المصدر نفسه: ص484.

[7] فيليب برنو: العنف وعلم الاجتماع، في المجتمع والعنف، تأليف فريق من الاختصاصيين، ترجمة الأب الياس زحلاوي، ط2، (بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، 1985)، ص95.

[8] أرفنج زايتلن: النظرية المعاصرة في علم الاجتماع، ترجمة محمد عودة وآخرون (الكويت: ذات السلاسل، 1989) ص ص: 180-181.

[9] بالتضحية والإخلاص نعيش حياة الألتراس”،

 

 

محمود محمد علينعود للمقال السادس ونستأنف حديثنا عن الهيمنة الأمريكية علي منطقة الخليج العربي فنقول :ومن هنا هبت الولايات المتحدة تشجب هذا الحدث، بالرغم من أنها أوقعت صدام حسين في هذا الفخ، ففي مساء الأول من أغسطس 1990، وفور إعلان نبأ الغزو العراقي للكويت، أرسل الأدميرال " بيل أوينز Bill Owenz، قائد الأسطول السادس الأمريكي في البحر الأبيض المتوسط، إشارة إلي وزير الدفاع الأمريكي ريتشارد تشيني Richard chiny، ومفادها : العراقيون اخترقوا، وفور وصول الإشارة، دعا الجنرال "كولين باول Collin Poweil، رئيس هيئة الأركان المشتركة، كلا من نائبه الجنرال "ديفيد جيرميا Davaid Jermiah، ومساعده الجنرال "توم كيلي"Tom Kelly، إلى الاجتماع معه، لتقدير الموقف .وفي الوقت نفسه، أبلغ "برينت سكوكروفت Brent Scowcroft، مستشار الأمن القومي، ليبلغ بدوره الرئيس جورج بوش نبأ الغزو العراقي .

في الساعة الحادية عشر مساء الأول من أغسطس 1990م، صدر عن مكتب الرئيس جورج بوش، مجموعة من القرارات، أبرزها :

أ- إن الرئيس بوش يدين بشدة الغزو العراقي للكويت، ويطالب بسحب القوات العراقية، وبدون قيد أو شرط، ولا يقبل بديلاً عن ذلك بشيء.

ب- تقرر إرسال قوة من الطيران الحربي إلى السعودية فوراً، وتضم 25 طائرة من طراز F15.

ج- تقرر تجميد كل الأموال العراقية، والكويتية في كافة البنوك.

د- تقرر إنشاء لجنة طوارئ دائمة لمتابعة الأزمة تضم عدد كبير من أركان الجيش الأمريكي

هـــ- إنشاء لجنة طوارئ تعمل تحت رئاسة مستشار الأمن القومي برنت سكوكرفت.

وفي ختام الاجتماع طلب الرئيس بوش استدعاء الجنرال "نورمان شوارتزكوف" Norman Schwarzkopf قائد قوات التدخل السريع إلى واشنطن لينضم إلى الاجتماع في صباح اليوم التالي، في مكتب الرئيس بوش، مع جلب خطط العملية المعدة للتدخل السريع "1002ـ 90" في منطقة الخليج.

وفي الساعة الثامنة من صباح 2 أغسطس 1990، اجتمع          الرئيس بوش الابن مع مجلس الأمن القومي الأمريكي، في غرفة العمليات الخاصة المحصنة ضد التصنت، وكان هناك في انتظاره (ديك تشيني) وزير الدفاع، و"جيمس واتكنز" James Watkins وزير الطاقة، و"روبرت كميت" Robert McNaught مساعد وزير الخارجية، و"كولن باول"، رئيس أركان الجيش، و"نورمان شوارتزكوف" Norman Schwarzkopf، قائد قوات التدخل السريع، و"ريتشارد دارمان" Richard Darman وزير الخزانة، و"وليم وببستر"William Webster، مدير وكالة المخابرات المركزية،والجنرال "برنت سكوكروفت"Brent Scowcroft مستشاره للأمن القومي.

كانت الأفكار التي تدور في ذهن بوش، والتي طرحها على الحاضرين تتلخص بما يلي:

1- أن الولايات المتحدة يجب أن تلعب الدور الرئيسي في الأزمة.

2- أن لا تفاوض ولا أنصاف الحلول مع النظام العراقي.

3- أن تسعى الولايات المتحدة لتعبئة الرأي العام الدولي ضد العراق.

وبعد أن فرغ الرئيس جورج بوش من حديثه مع الحاضرين، تحدث وزير الطاقة عن آثار عملية الغزو على سوق النفط، والمخاطر الناجمة عنه، ثم تلاه وزير الخزانة، الذي اقترح فرض الحصار الاقتصادي الشامل على العراق .

ثم جاء دور العسكريين، وهو بيت القصيد في ذلك الاجتماع، حيث أقترح "كولن باول" Colin Powell توجيه ضربة جوية فعالة وحاسمة للعراق، وتطبيق خطة التدخل السريع والمسماة [1002ـ 90] وضرورة حشد الولايات المتحدة، وحلفائها قوة كبيرة قادرة على دحر القوات العراقية، وتدمير آلته الحربية، والبنى التحتية للاقتصاد العراقي .

كما جرى النقاش حول ضرورة الحصول على موافقة السعودية على الحشد العسكري الأمريكي على أراضيها، وانتهى النقاش بالمقررات التالية :

أ- الاتصال بالملك " فهد بن عبد العزيز"، والحصول على موافقته على حشد القوات في السعودية.

ب- العمل على إغلاق أنابيب النفط العراقي المارة عبر السعودية، وعبر تركيا.

ج- الطلب من السعودية، ودول الخليج تقديم الأموال اللازمة لهذا الحشد، وتكاليف الحرب.

ثم تحدث وزير الدفاع "ديك تشيني" عن الخطة المعدة للتدخل السريع، موضحاً مراحل تنفيذ هذه الخطة، والتي تتلخص بما يلي:

1- المرحلة الأولى: وتقضي بالعمل بأسرع وقت على ردع القوات العراقية من محاولة غزو السعودية، وذلك بإرسال فرقة مدرعة، وعدد من حاملات الطائرات المزودة بصواريخ كروز، وتوماهوك، مع عشرة أسراب من الطائرات الحربية، وبالإمكان تأمين ذلك خلال شهر.

2- المرحلة الثانية: وتقضي بإكمال التحشيد في السعودية، لكي يكون للولايات المتحدة وحلفائها قوة ضاربة، لا تقل عن 250 ألف عسكري مجهزين بأحدث الأسلحة والمعدات، قبل المباشرة في تحرير الكويت.

3- المرحلة الثالثة: توجيه ضربات جوية لكافة المرافق الحيوية للعراق، بدءاً من المطارات العسكرية، والاتصالات، والرادارات، ومراكز تجمع القوات العراقية، وآلياته العسكرية، وانتهاءً بكل المرافق الحيوية، ومنشآته الاقتصادية، وطرق مواصلاته، وجسوره.

4ـ المرحلة الرابعة: الهجوم العسكري البري لتمزيق القوات العسكرية العراقية، وإخراجها من الكويت، عن طريق القيام بالتفاف خلف القوات العراقية، من الأراضي السعودية، والدخول نحو الأراضي العراقية، لقطع الاتصال مع القوات العراقية في الكويت.

وبدأت القوات الأمريكية بالتدفق إلى السعودية في 7 أغسطس من عام 1990، وفي نفس اليوم الذي أعلن العراق فيه ضمه للكويت واعتبارها “المحافظة الـ 19 وصل حجم الحشد العسكري في السعودية إلى 500,000 جندي.

وفي نفس الوقت صدرت سلسلة من قرارات مجلس الأمن والجامعة العربية، وكانت أهمها قرار مجلس الأمن الدولي رقم 678، والذي أصدر في 29 نوفمبر سنة 1990م والذي حدد فيه تاريخ 15 يناير من سنة 1991م موعداً نهائياً للعراق لسحب قواتها من الكويت، وإلا فإن قوات الائتلاف سوف “تستعمل كل الوسائل الضرورية لتطبيق قرار مجلس الأمن الدولي رقم ”660”، الذي يفرض حصاراً اقتصادياً على العراق يمنع تصدير، واستيراد السلع، والمنتجات كافة، وقد وافق عليه 13 عضو وامتنعت "كوبا" و"اليمن" عن التصويت .

وقام الرئيس الأمريكي جورج بوش عرض مرة أخيرة للعراق في محادثات "جيمس بيكر" و"طارق عزيز" في 9 يناير 1991م، إلا أن هذا الأخير فشل، وفي 23 يناير 1991م حوت الكونجرس على تفويض الرئيس بشن الحرب في إطار قرار هيئة الأمم المتحدة، ووافق مجلس الشيوخ علي القرار، وبعد 24 ساعة شنت الطائرات التابعة لقوات التحالف ضربات جوية على أهداف عسكرية على العراق والكويت تعززها قصفات متتالية من صواريخ كروز .

وفي 24 فبراير 1991م بدأت قوات التحالف توغلها في الأراضي الكويتية والعراقية، وتم تقسيم الجيش البري إلى ثلاث مجاميع رئيسية، بحيث تتجه المجموعة الأولى لتحرير مدينة الكويت، بينما تقوم الثانية بمحاصرة جناح الجيش العراقي في غرب الكويت، وتقوم المجموعة الثالثة بالتحرك وتدخل جنوب الأراضي العراقية لقطع كافة الامدادات للجيش العراقي .

وبدأ القصف ولم يواجه هذا القصف مقاومة من الطيران العراقي، حيث كان العراق منعدم الدفاعات وقد تم تحرير الكويت بعد ذلك مخلفة خسائر اقتصادية، لأن الهدف من التدخل العسكري الأمريكي جاء بعد تخطيط مسبق لضرب البنية التحتية الاقتصادية العراقية، لشل قدارته العسكرية والمدنية، حتى تتسنى السيطرة على العراق مستقبلاً وبسهولة، وهو ما تم فعلاً،كما وجهت ضربات قوية لمواقع إنسانية هامة ومراكز التموين، حيث ذهبت الحرب بقوة العراق العسكرية الضخمة، ودمرت قاعدته الاقتصادية والتكنولوجية؛ فكلت أظافيره عن تهديد جيرانه، الأمر الذي أدى في النهاية إلى شل قدرة العراق وعدم تأمين حاجياته وانهياره .

وحققت العمليات نصراً هاماً مهد لقوات التحالف للدخول داخل أجزاء من العراق، وتركز الهجوم البري والجوي على الكويت والعراق وأجزاء من المناطق الحدودية مع السعودية، وقامت القوات العراقية بالرد عن طريق إطلاق عدد من صواريخ سكود على إسرائيل والعاصمة السعودية الرياض.

وشهدت عاصفة الصحراء استخدام 1814 دبابة من طراز “إم1 إبرامز” للمرة الأولى، واستخدمت الطائرة “إف - 117 نايت هوك” وشنت قوات التحالف الدولي أكثر من 100 ألف طلعة جوية .

وفي 26 فبراير 1991م بدأ الجيش العراقي بالانسحاب بعد أن قاموا باعتقال المدنيين من منازلهم ومن الشوارع والأماكن العامة، وتم ترحيلهم إلى العراق ولا يزال هناك أكثر من 605 أسير من الكويتيين والغير كويتيين لم يطلق سراحهم ولم يتم الإرشاد إليهم من قبل النظام العراقي وما زال مصيرهم مجهولاً، كذلك قام الجيش العراقي بإشعال النار في أكثر من 737 بئر نفط وشكل خطاً طويلاً من الدبابات والمدرعات وناقلات الجنود على طول المعبر الحدودي الرئيسي بين العراق والكويت وقصفت قوات التحالف القطاعات العسكرية المنسحبة من الكويت إلى العراق وسمى هذا الطريق فيما بعد بطريق الموت . وفي 27 فبراير 1991م أعلن الرئيس الامريكي جورج بوش عن تحرير الكويت قائلاً: " الكويت أصبحت محررة وأن الجيش العراقي قد هزم " .

وبالتوازي مع الحملات العسكرية قامت الولايات المتحدة الأمريكية منذ عام 1991م بانتهاج سياسة قصدية تستهدف إضعاف العراق اقتصادياً،ففرضت الولايات المتحدة حصاراً اقتصادياً شاملاً على العراق بموجب قرار مجلس الأمن 661 في أغسطس 1990م، حيث يمنع العراق من استيراد أي من السلع والمنتجات التي يكون مصدرها العراق، وأي أنشطة يكون من شأنها تعزيز التصوير والشحن لأي سلعة أو منتجات وأية معاملات تجارية باستثناء الإمدادات الطبية والمواد الغذائية المقدمة لظروف إنسانية كما أوصى العراق بتشكيل لجنة تابعة لمجلس الأمن مهمتها الحرص على تطبيق نظام العقوبات ضد العراق والسهر على تنفيذ القرار 661 لسنة 1990م،كما عملت هذه اللجنة على منع دخول العديد من المواد الطبية والاستهلاكية وأصدر مجلس الأمن بتفويض من الولايات المتحدة قرار 670 في 25 سبتمبر 1990م، والذي ينص، "بأن يطبق الحظر على جميع وسائل النقل الجوية والبحرية، وبهذا يكون العراق قد وقع في حصار اقتصادي يمس جميع الجوانب .

هذا الحظر الاقتصادي ليس هدفاً في حد ذاته بل هو وسيلة لتحقيق هدف لا يتحقق بسهولة وبدون إبعاد العراق عن التأثير في مجريات الأحداث النفطية في الخليج وفي العالم لأن الولايات المتحدة بحضورها العسكري الواسع في الجزيرة العربية تكون ضمنت لمدة طويلة خروج هذا النفط ليس فقط من دائرة الهيمنة العربية بل دائرة القرار العربي أساسا . وللحديث بقية

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل- جامعة أسيوط

 

صادق السامرائي"فاصفحِ الصفحَ الجميل"  الحجر85

سأتناول الموضوع وفقا لمنظار الطبيعة البشرية والآليات النفسية التي تحرك السلوك وتحدد خارطة التوجهات. وهذا المقال منشور قبل عقدٍ من الزمان.

فهل أن التسامح والسلام من طبع البشر؟

إن أية نظرة متفحصة أو سريعة لمسيرة الحياة البشرية فوق التراب، تؤكد بأن السلام سراب نطارده والتسامح حلما من أحلام اليقظة!

ولهذا استمرت الحروب واشتد أوارها، وتم استخدام وتسخير كل المبتكرات للقيام بفعل الشر، وما أبدعناه ضد التسامح والسلام يتفوق كثيرا جدا على ما أوجدناه من أجلهما.

فالسلام حالة أرضية غير ممكنة وكذلك التسامح لأنهما لا يصلحان كوسيلة أو مبدأ للبقاء والتواصل. فالأرض تفرض قوانينها وإرادة التراب تتفوق والصراع ما بين أقطاب الوجود متواصلة وبها يبقى ويتجدد وبدونها ينتفي ويغب تماما.

فقانون الصيروة الكونية والديمومة الحية محكوم بالصراع ومعطياته،  وبقوانين الغاب ودستورها الذي يتسلط على سلوك الأحياء بأسرها ومنها البشر.

ولو كان التسامح مفيدا ويمتلك قدرات إقتصادية وبقائية لتأكدت تقاليده وأعرافه منذ أبعد الأزمان. لكن الواقع البشري عبر العصور يؤكد أن الحروب هي السائدة والعدوان هو المتحقق والمؤكد والفاعل في الحياة.

وقد خاضت البشرية اقسى وأعتى الحروب في القرن العشرين وهي مقبلة على الأعتى والأقسى في القرن الحادي والعشرين الذي توفرت فيه أسباب التدمير الفائق والخارق .

فقد تعلمت البشرية أساليب للفتك ببعضها لم تخطر على من سكن الأرض قبل هذا العصر المتفجر بالطاقات الخارقة، فالعقل قد تمكن من الخيال والأفكار صارت صاغرةً طائعةً لإرادة البشر واستبداد أمارة الهوى التي تتوطنه.

فالكلام عن التسامح يعني الكلام عن السلام، وحضور السلام لا يعني بالضرورة تحقيق التسامح، فالسلام قد تصنعه القنابل النووية كما حصل في الحرب العالمية الثانية. والسلام الذي يسعى إليه البشر هو سلام الغلبة والإفتراس وليس سلام التسامح والمحبة والأخوة، لأن في ذلك تعارض مع طبائع النفوس وتعطيل لآليات الصراع الذي يحكم خطوات المخلوقات ويتأكد مع دوران الأرض التي تضخنا بطاقات التلاحم المرير.

فالبشرية في سلوكها محكومة بالإنفعال والعواطف الساخنة التي تسخر العقول لمصالحها وليس العكس، ومشكلة التسامح مرتبطة بسيرورات العواطف والإنفعالات التي تتحكم بقدرات البصر والإدراك وضبط السلوك، أو ما نسميه بالحلم، الذي يندر بين الناس، فلو ساد الحلم لساد التسامح .

لكن العواطف دوما منتصرة، ولا يمكن للنفوس أن تهدأ إذا ثارت وقد يتوارث الأجيال ثورتها لأنها تتسبب في تغيرات جينية فاعلة في سلوكنا وكيفيات إدراكنا وإستقبالنا لأحاسيسنا وما يدور حولنا.

فمسيرة البشرية الطويلة الغنية بالصراعات والحروب والعدوان، قد خلفت موروثات جينية كثيرة جدا من الصعب التحرر من قيودها وتحطيم أسرها والإنتصار على إرادتها. فالعدوان متعة المخلوقات والتسامح لا يوفر لها تلك اللذة البقائية المتأججة التي يمنحها لها العدوان، الذي يعني القوة والإنتصار على إرادة الموت أو التوهم بذلك. فما دام الموت قائما، فأن من الصعب جدا على المخلوقات في مسيرتها ما بين الولادة والختام، أن تستكين للتسامح وتؤمن حقا بالسلام، لأن الموت طاقة فاعلة في دياجير لا وعيها وقوة تحركها باتجاه هدف نهايتها وتجددها بالتوالد المعبر عن الأصلح فيها.

والمشكلة العصية الي تجابه التسامح والسلام، أن المردودات الإقتصادية للسلام أقل من مردودات الحروب والعدوان.

فالحروب ومنذ بدايتها كانت نشاطات إقتصادية تستبيح بها المجتمعات مجتمعات أخرى وتمتلك ثرواتها وقدراتها المادية والبشرية، وتسرق جيناتها بالتزاوج مع الغنائم الأنثوية بعد إبادة الذكور أو إستعبادهم.

ولا يمكن لبشرية قطعت هذه الأشواط الطويلة من الصراعات الدامية والمدمرة أن تركن بسهولة إلى السلام والتسامح، وتؤمن بأنهما سيوفران لها حياة إقتصادية آمنة.

قد يكون هذا المنطق غريبا لكنه فاعل في ديناميكية العدوان المتواصل فوق الأرض، ففي كل حرب تستباح مجتمعات وأعراض وثروات وتزهق أرواح ويربح مَن يربح ويخسر مَن يخسر،لكن البشرية تنطلق إلى عالم آخر بعد كل صراع فتاك، وقدراتها في التقدم والتطور تتناسب مع شدة حروبها وقسوتها .

ولهذا فأن الحرب العالمية الثانية أنجبت ما لا يخطر على البال من المبتكرات، وكذلك الحب الباردة التي هي رمز للصراع المحتدم ما بين القوى البشرية، والتي عبرت عن كل طاقات العدوان واللاتسامح ما بين البشر، وانتهت إلى ما نحن عليه من منجزات في القرن العشرين، أي أنها قد عززت السلوك العدواني وأضعفت قدرات التسامح مابين الناس.

وبخصوص الأديان فأنها جميعا في جوهرها ذات منهج متقارب وتدعو إلى ذات المبادئ التي لا يمكنها أن تتجسد فعلا وتكون واقعا حيا، وهي في تصارع وتباعد وعدم اطمئنان، بسبب الأمية الدينية القائمة والمؤكدة في الذين يدّعون هذا الدين أو ذك، أو الذين تفاعلوا مع الدين بقوة عاطفية شديدة العماء لدرجة أنهم صاروا طاقات عدوانية مؤهلة للإنفجار السريع والمدمر، ليس بسبب الفهم الصحيح للدين وإنما بفعل تجسيدهم لعدوانيتهم ومنحها معاني سامية أخرى تسوغها، فيصير عندهم القتل عادة ونوع من طقوس الدين و لكي يريحوا ضمائرهم الخربة التي تحاول اليقظة بين الحين والحين، لكنهم يلجمونها بشراسة عدوانية جديدة تنمي طاقات الفتك بالآخر والتوهم باللاموجود فيهم.

وهكذا فأن التسامح والسلام سيبقيان من أحلام البشرية  الأبدية العصية على التجسيد فوق التراب، إلا فيما قلّ وندر بين بعض البشر المتنور والصاعد بمداركه إلى حيث التسامي الإنساني الرحيم،والتمثل المطلق العميق لمعاني الوحدانية وقوانين الكينونة الكونية.

وربما ستستمر على أنها ترف فكري وتطلع لا يقر بمنطقه منهج التراب وتنكره عقيدة الطين.

ونحن مخلوقات تعادي ما لا تدريه، وكلما إزدادت مسافات معرفتنا لبعضنا كلما إزدادت عدوانيتنا على بعضنا البعض، وكأن فينا قوى تمنعنا من الإصغاء لبعضنا وتوهمنا بالمعرفة الأنانية، وترغمنا على إتهام الآخر بما يبرر لنا العدوان عليه وفقا لقدراتنا.

فهل رأيتم قوةً لا تظلم وقويا لا يستبد، وطاقةً لا تعبر عن نفسها وتؤثر في محيطها .

ففي النفوس قوى وطاقات لا بد لها أن تظهر وتدخل في خضم الصراع الأرضي المحتدم، الذي تمنحه طاقات البقاء أمنا الشمس وهي ترقب مطحنة الأرض الدوارة فينا.

وبدلا من التركيز على التسامح والسلام من العملي والنافع أن نركز على التفاعل المفيد بين البشر، وأن نوفر الظروف الموضوعية اللازمة لتنمية القدرات الإيجابية ذات المصلحة المشتركة، ونبتكر قوانين التعاون المعاصرة، التي  ستمنحنا فرصة لتحقيق الأفضل والإقتراب من بعضنا، ورعاية مفردات الإطمئنان والأخوة الإنسانية، التي ربما تؤثر في تغيير مواقفنا وخرائط سلوكنا التي نراها غير مجدية.

وختاما، يبدو أن أدمغتنا قد تشكلت بوسائل تؤهلها للتعبير عن التخاصم والعدوان والحروب أكثر من التسامح والسلام، ولكي نعيد تشكيلها فأننا بحاجة إلى مسيرة أجيالٍ وأجيالٍ وأجيال.

 

د. صادق السامرائي

 

محمود محمد علينعود للمقال الخامس ونستأنف حديثنا عن الهيمنة الأمريكية علي منطقة الخليج العربي فنقول : كانت حرب تحرير الكويت هي أشد نقاط التحول خطراً في تطور العلاقات العربية – العربية؛ حيث تعد هذه الحرب من أقوي أحداث التاريخ العربي المعاصر خطراً، وأعمقها تأثيراً في العلاقات، البيئية والإقليمية والدولية، للدول العربية، فثمة قيم ومبادئ ومفاهيم، كان مأمولاً استقرارها، لكن حرب تحرير الكويت أثبتت أن ذلك الأمل، كان مبنياً، في الغالب، على أساس غير متين، كما كانت هياكل وبنى ومؤسسات، في طور التشكل، أو في مرحلة العمل تعرضت جميعها، بدرجات متفاوتة لهزة عنيفة، من جراء تلك الحرب العربية الكبرى كذلك، لم تسلم أوضاع الاستقطاب، الايديولوجي والسياسي، في العالم العربي، من آثار الزلزال العنيف.

فبعد ثمانية سنوات من الحرب البعثية والمعارك الطاحنة مع إيران، وجد الرئيس "صدام حسين" أن هذا النزاع لم يجلب له أي مكاسب استراتيجية أو سياسية، لذلك ما إن كادت إيران تعلن عن قبولها لوقف إطلاق النار، حتى أسرع العراق لوضع خاتمة لذلك الفصل المأسوي في تاريخ المنطقة، وقد كان وقف إطلاق النار والعوامل الاقتصادية الخانقة التى أصبحت عليها العراق بعد الحرب عامل دفع بالأزمة من مرحلة الغزو المباشر إلى رحلة الصدام، وضم الكويت وهكذا تم فتح صفحة غير مشرقة في تاريخ العلاقات العربية. إلا أن هناك اتجاهين قد سارت فيهما أطماع صدام، الأول في خط مفاده أن أطماعه تمتد إلى الخليج العربي بكامله، وأن الكويت لم تكن سوي الخطوة الأولى. أما الاتجاه الثاني، فينظر إلى النزاع العراقي- الكويتي كخلاف بين دولتين، وأن صداماً كان يتولى التوقف عند حدود الكويت، بل ذهب بعضهم إلى انسحابه لقاء بعض المكاسب .

وقد قام بعض الباحثين الغربيين بتحليل هذين الاتجاهين مستعرضين تاريخ العلاقات بين بغداد وحكام الخليج، بهدف التوصل إلى جواب موضوعي لحسم الخلاف القائم بينهم، والذي يعود إلى فهم المصالح الحقيقية للمنطقة والأهداف الواجب متابعتها دفاعاً عن هذه المصالح المرتبطة بالقوة غير العربية في المنطقة خاصة إيران. واعتباراً من 1958م حكم العراق نظام وطني كان همه الأول تجنب السيطرة الإيرانية والأمريكية محل النفوذ البريطاني المنحسر .

وسبب آخر للتوتر بين العراق وجيرانه، ينجم عن حاجة العراق الاستراتيجية إلى منفذ على الخليج العربي، الأمر الذي أدي إلى توتر دائم بين الكويت وإيران، لأن العراق كان بحاجة إلى اعتراف إيران بسيادته على شط العرب، أو قبول الكويت التنازل عن جزيرتي"وربة" و"بوبيان"، الأمر الذي يبين الترابط الوثيق بين نزاع العراق مع إيران ونزاعه مع الكويت.  لذلك كان من الطبيعي أن يؤدي النزاع الكويتي إلى تسمم العلاقات بين بغداد ودول الخليج الأخرى .

وقد كان للعراق دوافعه لغزو الكويت، وقد ظهرت هذه الدوافع في وثيقة نشرت في لندن خلال شهر سبتمبر 1990م، عرضت فيها أسبابه على أنها ضحية مؤامرة دبرتها الولايات المتحدة وإسرائيل لمنعها من الوقوف على قدميه بعد حربه مع إيران، وقدم مبرراته في حقه التاريخي تجاه سياسة الكويت النفطية، وقد أثارت مطالبه هذا العالم؛ خاصة أن النزاع كان محصوراً منذ عام 1963م في مسألة الحدود، وقضية الجزر ولم يكن وجود الإمارة موضع أي جدال .

ولا يخفي أيضاً الدور الذي لعبه تصريح السفيرة الأمريكية أبريل "جلاسبى" لدي العراق، حين ذكرت أنها لم تعقد أي اتفاقات دفاع مشترك مع الدول الخليجية، حيث قالت السفيرة للرئيس صدام بنص العبارة:" إننا لا نملك آراء محددة، فيما يتعلق بالصراعات العربية – العربية، مثل نزاعكم الحدودي مع الكويت، لقد كنت فيها نهاية الستينات (كانت جلاسبي تشغل منصب سكرتيرة في السفارة الأمريكية في الكويت) .وكانت التعليمات لديها تقضي بعدم إبداء الرأي في هذه القضية، التي لا تهمنا، كأمريكيين، لقد أعطي "جيمس بيكر" وزير الخارجية، أمراً إلى الناطق الرسمي عندنا، لإعادة تأكيد هذه التعليمات، نحن نأمل لأن تسووا القضية بالوسائل الصالحة، من طريق القليبي، أو حسنى مبارك رئيس مصر، وكل ما نرجوه هو الوصول إلى حلول سريعة. ضوء أخضر ثالث يؤكد أن الخلافات الحدودية، بين العراق والكويت، لا تشغل بال الولايات المتحدة، وفي المناسبة، هل أستطيع لفت انتباهكم إلى المخاوف التى تراودنا، فيما يتعلق بهذا الموضوع ؟ نحن نلاحظ أنكم حركتم قوات ضخمة في الجنوب، ومن الطبيعي ألا يعنينا الأمر بحد ذاته. ولكن  عندما يحدث في الإطار الذي رسمتموه بأنفسكم، في عيدكم الوطني، كذلك الأمر، عندما نأخذ في الحسبان وجهة النظر العراقية إلى ما تقوم به الكويت، والإمارات من طبيعة عسكرية، لا بد أن نشعر أننا معنيون بالوضع وبالنتيجة، لقد تلقيت تعليمات بأن أطلب منكم بكل صداقة وود إعلان نياتكم "؛ وهذا الحوار بين الرئيس صدام حسين والسفيرة قد مثل دعوة صريحة منها للغزو من دون تدخلها فيه، مما أظهر العكس بعد الغزو الذي مثل حجة للدفاع الأمريكي عن مصالحه في  المنطقة .

على الرغم من جميع هذه الحجج التاريخية، والخلاف القديم بين البلدين لا بد من وجود أسباب مباشرة للغزو، وهى الخسائر الفادحة للعراق بعد حربه مع إيران وانخفاض سعر برميل النفط عام 1990م، مما حال دون تسديد ديونه المترتبة عليه للدول الأجنبية، رغم شطب معظم الديون المترتبة على الدول العربية عدا الكويت التى طالبت بدينها .

أضف إلى ذلك وصول المفاوضات مع إيران حول شط العرب إلى طريق مسدود، والتحول إلى جزيرتي "وربة" و"بوبيان" الكويتيان، وقد أصبحت من الأهداف الاستراتيجية لصدام حسين، ورغم الدور الإيجابي للكويت في مساندتها للعراق عند اختراق السلاح الإسرائيلي المفاعل النووي العراقي، وإعمار العراق بعد الحرب، كما ترأست الوفد الذي كلف من قبل مجلس العربية للنظر في اعتداء إسرائيل عليه. وعلى إثر نشوب الحرب العراقية – الإيرانية لم تتوان الكويت عن مساعيها لوقف الحرب، ولم تكف الكويت عن التنبه بأن غياب التضامن العربي وتصدع الصف العربي والانقسامات بين الدول العربية يشكل أحد عوامل المأساة .

على الرغم من كل هذه الموقف الداعمة للعراق في الأزمات، لم يمض عامان على توقف الحرب العراقية – الإيرانية حتى أخذ يصاعد خلافاته ضد الكويت، تحت دعاوي ضرورة إسقاط الكويت لما هو مسجل على العراق من ديون الحرب، التى بلغت 14 مليار دولار، مع أن الكويت لم تثر هذا الموضوع، وعلى الرغم من إبلاغ أمير الكويت بإسقاط الدين. وفي ذلك يمكن القول أن العدوان كان مفاجأة العالم، إلا أن النظام العراقي، كان يدبر له قبل فترة ليست بالقليلة من وقوعه.

وكان المأزق أن الكويت هي الأخرى تحتاج إلى زيادة دخلها وتبرر احتياجها للمال لتعويض خسائرها أثناء الحرب العراقية – الإيرانية، ولإحساسها بأن أمنها مكشوف عملت الكويت على زيادة مشتريات السلاح، وأيضاً سبب آخر وهو إسقاط اقتصادها في فضيحة سوق المناخ . كل ما ذكر يبرر الحرب بأنها حرب حدودية بحتة بذلت فيها مساع كثيرة لحلها سلمياً لكنها فشلت  .

وعلى الرغم من المذكرات المتبادلة بين رئيس الحكومة العراقية – نوري السعيد في عام 1932م وحاكم الكويت، عن طريق المعتمد البريطاني في الكويت، كان اعترافاً واضحاً وثابتاً من جانب العراق بأحقيته، فالتعبير الصادر عن الرئيس ملزم به فهو وفقاً للقانون الدولي يعبر عن إرادة الدولة، وهذا الاعتراف بالكيان المتميز من جانب العراق، يؤكد أن معظم الخلافات التى ثارت بين البلدين في مرحلة ما قبل استقلال الكويت، كانت بشأن الحدود، ولم تكن بشأن وجود الكويت في حد ذاته .وتنص المادة "11" من معاهدة فيينا لخلافات الدول على أن لا تؤثر خلافات الدول في حد ذاتها على الحدود المقررة بمعاهدة، أو الالتزامات والحقوق المقررة بمعاهدة، والمتعلقة بنظم الحدود. وفي ضوء هذا المبدأ يمكن القول بأن الحدود الكويتية – العراقية، قد استقرت منذ عام 1932م على خط الحدود المبين في الاتفاقية المبرمة في 29 يوليو 1913م بين تركيا وبريطانيا، كما وافق حاكم الكويت، وقد استقر إقليم الكويت في حدوده تلك حتى بعد الاستقلال عام 1961م واعترف العالم أجمع بالكويت كدولة مستقلة داخل حدودها التى استقرت منذ عام 1932م لكل ما ذكر أغلق الباب أمام الادعاءات العراقية، وموافقتها دون قيد أو شرط على قرار مجلس الأمن رقم 687 الصادر في أبريل 1991م، والذي تضمن اعتراف العراق بخط الحدود التى أقرت في اتفاق 1932م و1963م مؤكدا فساد الادعاءات العراقية .

قد يكون البعد الاقتصادي هو أهم العوامل التى أدت إلى الغزو بالرغم من الذرائع العديدة التى أثارها النظام العراقي مبرراً الغزو والاحتلال، إلا أن النتائج الكارثية للحرب العراقية – الإيرانية وتدهور الأحوال المالية والمعيشية في العراق، قد دفعت به لاحتلال الكويت متسلحاً بادعاءاته التاريخية من أجل معضلة النظام الاقتصادية وتسخير موارد الكويت النفطية والمالية، لمواجهة الالتزامات الملحة في العراق؛ حيث قدرت الأسلحة في تلك الحرب بــ 100 بليون دولار. أما البنية التحتية فقد قدر بـ 35 بليون دولار، أما العائدات النفطية 15 بليون دولار، وخلال تلك الفترة اقترض العراق من الدول الأجنبية 35 بليون دولار، أما الدول العربية 35 بليون دولار، ومعظمها لحساب السعودية والكويت. وقد كان معظم هذا الاتفاق على الآلة العسكرية على حساب الالتزامات المالية في العراق .

وثمة نقطة أخري جديرة بالإشارة، وهي أن حرب الخليج الثانية كان هدفها تحرير الكويت كموقف دولى متوافق عليه، لكن هيمنة أمريكا على العمليات العسكرية التى تمت تحت إشرافها وسرعة تدخلها بأكثر من 100 ألف جندي جعل هذه الحرب تحيد عن هدفها من تحرير الكويت المحبذ من المجتمع الدولي ممثلاً في الأمم المتحدة إلى تحطيم وتخريب العراق كقرار أمريكي، اتخذه صقور البيت الأبيض (المحافظون الجدد) الذين تشبعوا بمقولات الغرور بالقوة لإقامة الإمبراطورية الأمريكية التي لا تقف دونها قواعد القانون الدولي كما حددها صامويل هنتجنتون حول صراع الحضارات ، ووجدوا حرب الخليج الثانية فرصة لتنفيذ تلك المقولات كعقيدة آمنوا بها فأصبحوا بسياستهم تلك أقرب إلى الفاشية أو النازية التى يطلق عليها " مشروع القرن الأمريكي "، أو الأصولية الدينية الأمريكية التي تجسد مفهوم الاستراتيجية الأمريكية الجديدة .

وكانت الولايات المتحدة قد سلكت خلال حرب الخليج الأولي سياسة فرق تسود بين الأطراف المتصارعة معتقدة أن هذا السلوك من شأنه ضمان استمرار تدفق النفط إلى أسواقها؛ بمعنى منع أي قوة إقليمية ناشئة من شأنها أن تسيطر، أو أن تحدث عدم توازن جيو سياسي في المنطقة، فكانت نتيجة السياسة الأمريكية في المنطقة حرب الخليج الثانية، ذلك أن المنطقة حسب الرؤية الأمريكية كانت بحاجة إلى تطورات أكبر مما أحدث في حرب الخليج الأولي، تطورات من شأنها المحافظة على المصالح الحيوية الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط. ولأجل هذا بدأ الدور الأمريكي خلال وقبل حرب الخليج الثانية أكثر دبلوماسية، فقد عملت إلى دفع الآلة العسكرية لضرب العراق، وذلك بتأليب دول المنطقة عليه، من أجل ضربه بموافقة وإجماع دولي وباستصدار لقرارات من مجلس الأمن .

وإذا كانت الكويت والسعودية خلال حرب الخليج الأولى، قد دعمت العراق اقتصادياً ووصلت حجم المساعدات الكويتية للعراق أثناء الحرب العراقية-الإيرانية إلى ما يقارب 14 مليار دولار، كان العراق يأمل بدفع هذه الديون عن طريق رفع أسعار النفط بواسطة تقليل نسبة إنتاج منظمة أوبك للنفط. واتهم العراق كلا من الكويت، والإمارات العربية المتحدة برفع نسبة إنتاجهما من النفط بدلاً من خفضه، وذلك للتعويض عن الخسائر الناتجة من انخفاض أسعار النفط مما أدى إلى انخفاض النفط إلى مستوى يتراوح بين 10 و12 دولار بدلاً من 18 دولار للبرميل. ولكن إحصائيات منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك)، تشير إلى أن 10 دولاً من ضمنهم العراق، لم تكن ملتزمة بحصص الإنتاج. وعلى الرغم من ذلك تعهدت كل من الكويت والإمارات بالالتزام بحصص الإنتاج المقدرة بمليون ونصف برميل في 10 يوليو 1990، وصرحت الكويت في 26 يوليو 1990 بأنها خفضت إنتاجها من النفط إلى مستوى حصص منظمة أوبك. وبدأت الأحداث تأخذ منحنى تصعيدياً من قبل النظام العراقي، حيث بدأ العراق بتوجيه اتهامات للكويت، مفادها أن الكويت قام بأعمال تنقيب غير مرخصة عن النفط في الجانب العراقي من حقل الرميلة النفطي ويطلق عليه في الكويت حقل "الرتقة" وهو حقل مشترك بين الكويت والعراق .

واعتقد صدام حسين أن أي عمل يقوم به ضد الكويت، هو حماية الاقتصاد العراقي من الانهيار، حتى وإن كان عسكرياً، لا يحمل الولايات المتحدة أن تتخذ ضده إجراءات قاسية، خاصة بعدما أعطته الولايات المتحدة الضوء الأخضر، والمتمثل في قول السفيرة الأمريكية في بغداد أن الولايات المتحدة الأمريكية ليس لها علاقة بموضوع النزاع الحدودي والنزاعات الأخرى بين العراق والكويت .

ويبقى السبب الرئيسي لتنفيذ قرار الغزو هو الحدود المتنازع عليها بين البلدين حول حقل الرميلة ؛ حيث يقع أكثر من 90 % في التراب العراقي، الأمر الذي جعل  صدام حسين،  يتهم الكويت بسرقة النفط منه أثناء حربه مع إيران، كما أن الكويت ركزت على منطقة الرميلة، الأمر الذي استفز صدام  حسين وأدخله في أزمة للإنتاج وانخفاض الأسعار، بحيث  يعتمد 90 % من موارده على النفط، لذا طلب من الكويت 2,4 كتعويض عن النفط المسروق من الحدود العراقية والتخلي عن حقل الرميلة وتدفع للعراق مالية مساعدة قدرها 12 مليار دولار كتعويض عن انخفاض الأسعار .

ويمكن أن نجمل أسباب الغزو بالنقاط الآتية :

- أطماعٌ عراقيةٌ بالكويت قديمةٌ وقد تجسّدت بعدة محاولاتٍ للدخول إلى الكويت، إلا أنّ بريطانيا كانت تمنع ذلك، ومما ساعد على بناء الشخصية الاعتبارية للكويت بعدم تدخل النظام العثماني بها فلم تعزل أو تعيّن حاكماً، كما أنه لم يوجد أي جندي تركي على أرض الكويت.

-  اكتشاف احتياطي نفطي ضخم في الأرض الكويتيّة، مما أدى إلى زيادة أطماع دول الجوار بها خاصةً العراق.

-  الحرب العراقية الإيرانية فعلى الرغم من الدعم المادي الكبير الذي قدمته الكويت، وغيرها من دول الخليج العربي للعراق كدين أو مساعدات، إلا أنّ العراق كان يعتبر ذلك غير كاف، لأنه بحربه يدافع عن كامل دول الخليج من وصول الثورة الإيرانيّة إليها، فقد وصل حجم الدعم الكويتي للعراق حوالي 14 مليار دولار.

- انخفاض أسعار النفط وكان العراق يتهم الكويت، بأنها جزءٌ من مؤامرة لتخفيض أسعار النفط، ممّا ألحق بالعراق خسائر كبيرة نتيجة الفروق في السعر.

-  عدم قدرة العراق على سداد الديون التي تراكمت عليه للكويت وغيرها من دول الخليج.

- اتهام العراق للكويت باستغلالها لحوض نفطي مشترك بينهما أثناء انشغال العراق بحربه مع إيران واستخراج كميات كبيرةٍ من النفط وبيعها لحسابها.

-  رغبة العراق بالحصول على مساحاتٍ مائيةٍ أكبر على الخليج، خاصةً بعد أن دمّرت الحرب الموانئ العراقية وتخوف العراق من إمكانية تجدد هذه الحرب.

- تعرّض العراق الى التضليل من الدول الكبرى بتشجيعه على حل مشكلته مع الكويت على طريقته الخاصة إذ إن الكويت لعبت دوراً في تخفيض أسعار النفط خلال حرب العراق مع إيران.

وفي صبيحة 2 أغسطس 1990م، فوجئ العالم بغزو عراقي همجي، حيث تقدمت قواته نحو مدينة الكويت، مشكلة من ثلاث فرق رئيسية قوامها 100 ألف جندي، للسيطرة عليها وشل الحياة، والثانية نحو منابع البترول لاحتلالها، والثالثة- انتشرت على الحدود الكويتية  السعودية، وتمكنت القوات العراقية من إحكام سيطرتها على الكويت، ولم تجد أثر للأسرة الحاكمة التي استنجدت بالسفارة الأمريكية .

ولقد طرح العدوان العراقي على الكويت في 2 أغسطس، واحتلاله كامل ترابها، وإلغاء كيانها، كدولة مستقلة ذات سيادة، بإعلان ضمها إلى العراق تحدياً غير مسبوق، أمام المجتمع الدولي والعالم العربي. وشكلت مفاجأة الغزو انفجاراً داخل النظام العربي، لكونها أول حالة من نوعها، وأكبر من قدرته وقدرة مؤسساته وآلياته القائمة على مواجهتها، فبدلاً من أن تتبلور إرادة سياسية عربية واحدة، تعددت الإرادات، واختلفت التوجهات، وانقسمت الدول العربية على نفسها، وعلى الرغم من أن معظم الدول العربية، قد أعنت أنها لا تقبل الغزو، من حيث المبدأ، إلا أن بعضها أيدت العراق. وتكشف الخبرة، أن ظاهرة الانقسام، ليست بجديدة على النظام العربي؛ فقائمة الصراعات العربية طويلة، وتتوقف حدة هذا الصراع أو ذلك، ومدي تأثيره في أداء النظام، على أطراف هذا الصراع، وعلى ثقلهم السياسي والاقتصادي والدولي بصفة عامة .

غير أن الصراع هذه المرة يختلف عما سبقة، لأسباب عدة أبرزها :

1- إنها المرة الأولى، التى يكون موضوع الصراع فيها، هو ضم إحدى الدول العربية دولة عربية أخري بالقوة المسلحة.

2- إن الانقسام في شأن الصراع وموضوعه، امتد، لمعايير كثيرة ومعقدة، ليشمل ليس أعضاء النظام العربي فقط، بل قاعدته الجماهيرية؛ إذ يكفى استطلاع الرأي بين الجماهير العربية، حول الأزمة، لتتضح اتجاهات شتى وآراء شتى وآراء متناقضة.

3- في ضوء عجز النظام العربي عن إدارة الأزمة، تحولت إلى أزمة كبري، إقليمية دولية، شكلت أول تحد للنظام العالمي الجديد وهو في طور التشكيل.

4- إن الصراع انفجر في منطقة استراتيجية، حيث مصادر النفط والممرات المائية الاستراتيجية، وهى تمثل أهمية حيوية، بالنسبة إلى الغرب.

5- إن الأزمة كشفت ضعف التجمعات الإقليمية، التى عُدت مدخلاً لتدعيم النظام العربي؛ كما أظهرت افتقاد الجامعة العربية نفسها، نظاما أو آلية، لفض المنازعات بالطرق السلمية، أو بالتحكم الإجباري.

6- في إطار ما أصاب النظام العربي من عجز، حقق بعض دول الجوار الجغرافي، بعض المكاسب السياسية والاستراتيجية على حساب النظام العربي.

ومن ناحية أخري، فإن الاجتياح العراقي قد هز شبكة المصالح الدولية هزاً عنيفا، ولا سيما مصالح الدول العظمي في النظام الدولي المعاصر. وهذه الهزة قد ترضي بعض الذين يرفعون شعارات محاربة الإمبريالية ونحو ذلك، ولكنها في النهاية تجد رد الفعل العنيف، نتيجة لاهتزاز مصالح تلك الدول. فاحتلال الكويت، يعنى أن قراراً واحداً، سيكون مسيطراً على أكثر من العشرين في المائة من إنتاج النفط العالمي؛ ومعنى ذلك، أن هذا القرار، سيكون قادراً بشكل أو بآخر على التحكم بأسعار النفط، وما يترتب على ذلك من تحكم في كافة الأنشطة الاقتصادية العالمية؛ إذ إن النظام الاقتصادي كله مترابط ويؤدي تغير أحد محتوياته إلى غير بقية المحتويات، ومن ثم يصيب النظام بعدم الاستقرار والثبات، وهو ما يؤدي، بدوره إلى اضطرابات سياسية، تجعل من النظام السياسي، الداخلي والخارجي، غير قادر على أداء عمله الأداء الأكمل، مما يؤثر في استقرار كافة أنحاء العالم . وللحديث بقية.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل- جامعة أسيوط

 

علي اسعد وطفة

"ندنو من العظمة بقدر ما ندنو من التواضع" (طاغور)

"ليس للرجل سوى مجدٍ واحد حقيقي، هو التواضع". (إلفرد دو موسّيه).

عُرِف العلماء بتواضعهم وظرفهم، وعذوبة معشرهم، وحبهم للناس، والميل إليهم، والتقرب منهم ومسامرتهم وتكريمهم. واقترنت الحكمة بالتواضع، واكتنزت بالمحبة، واهتزت أغصان المعرفة بحمولة السلام. وعلى خلاف ذلك ارتهن الجهل بالغرور، واشتّد بالاستكبار، ونما بالغطرسة. وإذا كان العالِم يٌعْرَف بتواضعه فإن الجاهل يتميز بغروره، ويعرف بتبجحه وتعاليه واستكباره. واذا كانت العلم قرينا للتواضع وهذا أكيد مؤكد فإن الجهل لا يكون إلا صنواَ للغرور والاستكبار وموئلا لمشاعر التضخم المرضية النرجسية.

ينبئنا تاريخ الفلاسفة أن الفيلسوف الإغريقي فيثاغورث (570-495Pythagoras -) ق.م اعترض على تسمية الفيلسوف بالحكيم ونظر إليه على أنه مجرد محب للحكمة، فالحكمة أوسع من أن يقبضها الإنسان الفيلسوف، بل أقصى ما يمكن أن يصل إليه الإنسان هو فضيلة المحبة للحكمة التي تفيض بأنوارها الكونية، ومن هذا المنطلق التأسيسي كان يعتقد بوجود حكيم واحد هو الله لا عيره العارف بأحوال الكون والقابض على أسراره - وما الفلاسفة في النهاية إلا محبو الحكمة وعاشقوها - وفي قوله يكمن سر التواضع الفكري والفلسفي بين العلماء والمفكرين .

وجاء في الأثر أن رجلاً جاء أبا الريحان البيروني مادحا - والبيروني كما يعرفه القاصي والداني كان عبقرية علمية ليس لها مثيل أو نظير في التاريخ العلمي- فأنشده قصيدة مجّده فيه ورفعه فوق كل المراتب ونهض به إلى أعلى الرتب. وقد ضجّ البيروني بالمدح وتضايق ذرعا بمادحه لما كان عليه من عداوة للفخر والاستكبار والتماهي بالألقاب والرتب فأرزج شعرا يقول فيه ردا على مادحه يبسط فيه أعمق دلالات التواضع الفلسفي والإنساني:

وذاكرا في قوافي شعره حسبي .......... والله لست عارفا نسبي

إذ لست أعرف جدي حق معرفة.....وكيف أعرف جدي إذ جهلت أبي

أبي أبو لهب شيخ بلا أدب ... ..... نعم وأمي حمالة الحطب

المدح والذم عندي يا أبا حسن ...... سيان مثل استواء لجد واللعب. [1]

ومن أخبار التواضع المهيبة في الفلسفة والحكمة، يروي لنا بانوفسكي (Panofsky E.) أن " الفيلسوف الألماني الشهير بمقولاته التنويرية عمانويل كانط تلقى زيارة من طبيبه قبل وفاته بتسعة أيام، وكان طاعنا في السن، مريضا، شبه أعمى، وما أن رأى زائره حتى قام من أريكته ومكث واقفا، يرتعش من الوهن، يتمتم بكلمات غير مسموعة. وقد أدرك زائره أنه كانط لن يستعيد سكونه ما لم يأخذ مقعدا ويجلس عليه، وهو ما قام به؛ وعندها هدأ الفيلسوف وسكن، وعندما استعاد بعض قواه قال: لم يغادرني حسّ الإنسانية بعد. وبفعل الارتباك، كان سامعاه على وشك البكاء"..

إن أحد أهم الدروس التي تعلمناها في مسيرة الحياة والمعرفة الأكاديمية أن المعرفة تتسم بالتواضع وترتسم فيه وتنهل من معينه، وأن أي معرفة أو يفارق سمة التواضع هو علم خواء ومعرفة فارغة. فالتواضع سمة العلم وشيمة العلماء. وهو كما عرفناه ليس تخلّقا ساذجا يتجمل به العلماء، بل هو قوة ساكنة في الأعماق وإقرار عميق من أهل العلم بأن المعرفة بحر متلاطم الأمواج وأن العارف مهما بلغ من علم لا يعرف إلا قليلا وقل لمن يدعي في العلم فلسفة عرفت شيئا وغابت عنك أشياء. فالتواضع في العلم هو إقرار عميق بمهابة العلم واتساع المعرفة الذي يتجسد في الحكمة التي تقول: وما علمتم إلا قليلا وفوق كل ذي علم عليم. فالتواضع هو إيمان عميق وإقرار راسخ بأن المعرفة بحر لا قرار له ومهما تعلم الإنسان فليس له من العلم إلا قليلا. لقد علمتنا الخبرة الطويلة وتعلمنا أن العلم لا يعطيك بعضه حتى تعطيه كلك وهذا الأمر يشكل جذوة التواضع في العلم والمعرفة.

لقد تعلمنا أيضا عبر رحلتنا الطويلة في رحاب العمل الأكاديمي على مدى أربعة عقود من الزمن وعلمنا طلابنا أن الحصول على شهادة الدكتوراه لا يعني أكثر من نقطة بداية، أو بداية رحلة طويلة في دروب العلم والمعرفة، وقد تعلمنا في مدارات الفكر الفلسفي أيضا ايضا أن الإنسان كلما ازداد علما عرف مدى ما هو عليه من جهل نظرا لاتساع المعرفة وعمقها وذلك هو المعنى الذي توخاه سقراط في قوله المشهور " إنني أعرف شيئا واحدا وهو أنني لا أعرف شيئا ". والدرس الأهم الذي يتعلمه طالب العلم أن مرحلة الدكتورة هي المرحلة التي يتعلم فيها الطالب أبجديات البحث العلمي ومبادئه الأساسية. وكان أساتذتنا يقولون لنا إن الشهادة هي رخصة تؤكد أن الباحث أصبح قادرا على البحث والتعلم في رحلة طويلة يجب أن يتشكل في هضابها ومدرجاته. وتعلمنا ايضا أن الشهادة هي اعتراف أكاديمي بقدرة الطالب على التجديف في المياه الراكدة وأنه يجب عليه أن يتعلم المزيد من أجل الملاحة في غمار المياه العميقة البعيدة.

وتبين الملاحظة العابرة أن الحصول على الشهادة العلمية العالية ولاسيما شهادة الدكتوراه تأخذ في مجتمعاتنا مكانها المبجل في نفوس الناس، ومرتبتها العالية في عقولهم. وقد لا أبالغ في القول أن كثيرا من الناس يشعرون بالقشعريرة عندما تذكر هذه الشهادة العالية التي تحتل مكانها في أعلى مرتبة في مدارج المعرفة الإنسانية. وتتعاظم هذه الصبغة التبجيلية التمجيدية لتضفي طابعا تهويليا على حامل الشهادة، وإذا كانت الشهادة عظيمة ونبيلة، فإن حاملها سيكون أكثر عظمة وأنبل سموا، ويتدفق هذا الفائض التبجيلي ليَسِمَ الأستاذ الجامعي حامل الدكتوراه بسمة العظمة والتفوق الفارق الذي يضفي عليه حالة من التسامي الطبقي المعظم. فالأستاذ الجامعي يمثل في وعي الناس والمتعلمين قمة المعرفة ودرتها وهو يفوق ولا يفاق عليه، يعلو ولا يعلى عليه إذ يحتل أعلى مرتبة في مراتب العلم ومدارج الشرف حيث يحظى بكل سمات التبجيل وصفات التعظيم والتسامي.

لقد هالني انشِداه بعض أساتذة الجامعة وتعجبهم عندما تحدثت في سياق بحث علمي عن الأمية الأكاديمية في صفوف أساتذة الجامعة، حتى أن كثيرا منهم قال لي بصيغة الاندهاش الشديد إلى حد الصدمة: أَأُميةٍ في صفوف حملة الدكتوراه ؟! هل يصدق هذا؟! ومما لا شك فيه أن هذه الطبقة من حملة شهادة الدكتوراه قد اتخذت لنفسها موقعا ومنزلة كبيرة مهابة، ووضعت نفسها في مكانة عالية، بل أحاطت نفسها بكل مظاهر الهيبة والوجاهة والوقار، ووصل الأمر إلى درجة اعتقاد بعضهم – وهم أشدهم جهلا- أنهم يجسدون مطلق الحكمة وغاية العلم ومنتهى المعرفة. وهو الأمر نفسه الذي كان سببا من أسباب في انهيار القيمة العلمية لشهادة الدكتوراه وحامليها. فما أن يحصل عليها الطالب حتى يشعر بأنه وصل إلى غاية العلم ومنتهى المعرفة فيكتفي بشرف الشهادة وحظوتها وفخامتها فيرتد إلى محاضن الجمود الفكري والتصحر العلمي والفراغ الثقافي مع الزمن.

ويصف الكاتب اللبناني علي حرب حالة المثقف الجامعي، الذي غُرّ بنفسه ووقع تحت العُجْبَ بذاته، وبلغ حالة الشعور بالعظمة والاحساس الطاووسي بالاستعلاء على غيره من أبناء جلدته، بقوله :" وهكذا يجد المثقف نفسه اليوم أشبه بالمحاصر، وليس السبب في ذلك محاصرة الأنظمة له، ولا حملات الحركات الأصولية عليه، كما يتوهم بعض المثقفين، بالعكس ، ما يفسر وضعية الحصار هو نرجسية المثقف وتعامله مع نفسه على نحو نخبوي اصطفائي ،أي اعتقاده بأنه يمثل عقل الأمة أو ضمير المجتمع أو حارس الوعي. إنه صار في المؤخرة بقدر ما اعتقد أنه يقود الأمة، وتهمش دوره بقدر ما توهم أنه هو الذي يحرر المجتمع من الجهل والتخلف ...ولا عجب :فمن يغرق في أوهامه ،ينفي نفسه عن العالم،  ومن يقع أسير أفكاره ،تحاصره الوقائع.[2]

وغالبا ما يكون هذا التعظيم إلى حد إضفاء طابع المهابة والقداسة على حامل الدكتوراه ولاسيما الأستاذ الجامعي في المجتمعات المتخلفة. ومن هنا نلاحظ حرص السياسيين والقياديين في المجتمع على حيازة شهادات الدكتورة ووضعها أوسمة ونياشين على صدورهم تجملا في عيون العامة والخاصة من الناس. وكذلك هو حرص أبناء الطبقات الارستقراطية على التجمل بالشهادات العلمية العالية طلبا لبريق التفوق وسعيا إلى وميض التبجيل. وعلى هذا النحو نجد الناس يعظمون حاملي الألقاب العلمية وشهادات الدكتوراه. حتى أن أصحاب هذه الشهادات أصبحوا يشكلون طبقة اجتماعية ارستقراطية متعالية تحتكر لنفسها كل سمات التمجيد والتعظيم والتأييد. وغالبا ما ينظر إليهم على أنهم متفوقون فارقون خارقون. ويصل هذا التمجيد إلى حد يبالغ به اصحابه فحملة شهادة الدكتوراه يتمايلون اعجابا بأنفسهم ويهتون طربا على أنغام ألقابهم وتشتعل نظراتهم بالفرح والإعجاب في كل موقف ومكان. فاللقب " دكتور" اصبح رمزا للهيمنة والتعالي والاعجاب بالنفس حتى يقع حامله في وهم العظمة والتميز والضياع النرجسي في أوهام الحظوة الطبقية الفارقة. ويمكن القول باختصار إن حملة شهادات الدكتوراه بدؤوا يشكلون طبقة محظية محظوظة رفيعة الشأن في المجتمع عالية المكانة في وعي الناس. وبدأت هذه الطبقة تكتسب خصوصيتها بوصفها تابو متعال متسام يفوق المنتسبين إليها باقي أجناس البشر. وهذا الوهم بالسمو والتسامي يغرر بأصحابه- ونقصد الحاملين للقب الدكتوراه- إذ يرون أنفسهم قامة فوق الآخرين فهم أصحاب العلم والمعرفة والقدوة والنخبة والمصطفين من البشر، إنهم يحملون في أنفسهم وهم هذه الخصائص المعرفية الذكية التي لا يمكن أن يحظى بها غيرهم من أصناف البشر؟ وضمن هذا المسار يشكل أساتذة الجامعة طبقة مدججة بهالة من التفخيم والتعظيم حتى أصبحت "تابو" مرهوب الجانب يُمنع على الآخرين الاقتراب منه أو تداوله أو نقده.

والآن حان الوقت سوسيولوجيا لتحطيم هذا "التابو" المدجج بالأوهام المرضية الاستعلائية، حان الوقت لتفكيكه وإخضاعه للدرس والتحليل في ضوء المعطيات التاريخية والاجتماعية لتطور العلم والمعرفة. وهنا علينا أن ندرك بأن الشهادات العلمية في زمن الليبرالية الجديدة تباع وتشرى حتى أصبح لها سوقا واسعا تزّور فيه الشهادات وتباع في الدبلومات العالية في أسواق النخاسة العلمية دون حسيب أو رقيب. ومما لا شك فيه أن الشهادات العلمية تشكل مؤشرات لا يستهان بها في مجال التحصيل العلمي والمعرفي ولكن المبالغة في تبجيلها وتعظيمها وإضفاء الهالة على حامليها يجعل من الأمر قضية إشكالية يجب أن تعالج وأن تخضع للبحث والتحليل خارج دائرة التقديس والتمجيد. وخلاصة القول أن الحصول على الشهادات العالية لا يعني إبدا الحصول على مطلق المعرفة وأن حملة هذه الشهادات يمكن أن يكونوا على درجة متواضعة من العلم والمعرفة، لأن الشهادة بداية الطريق وليست منتهاها. وأن هذه الألقاب التي تزين صدور حامليها ليس لها أن تجعلهم فوق الآخرين ولا تمنحهم التفوق العلمي والأكاديمي. وأن التفوق مرهون بالنشاط والعمل والتدرج في مراتب المعرفة ومدارج العلم.

اسمحوا لي أنا أعود بذاكرتي إلى عام 1982 عندما قبلت في الماجستير في جامعة كان (Caen) بفرنسا وكان قد ترتّب علي أن أقابل أستاذي المشرف. ولما جئت إلى الجامعة أبحث عنه، دخلت بالصدفة إلى قاعة اجتماعات وكانت تغص بالحضور الأكاديمي، حييتهم ثم سألتهم ببساطة أين أجد مكتب الدكتور "بول كليرك" .... نظروا إلى جميعا بدهشة بادية على الوجوه – وكأنني ارتكبت خطأ ما – ابتسموا لي في البداية – ثم انفجروا بضحكات عالية سمع دويها في البهو الخارجي – وأنا في حالة دهشة واستغراب لا أدري ما هو السبب. وكان من الصعب عليهم أن يشرحوا لي حينها وهم في موجة الضحك هذه ما الذي أضحكهم ... ثم بدؤوا يمازحونني ويرددون " الدكتور كليرك ...الدكتور كليرك ..." عندها أدركت بعفوية بأن لقب "الدكتور" مستهجن وغير مألوف في الجامعة، وهو الأمر الذي أثار ضحكاتهم المدوية – وعندها أدركت أيضا أن ألقاب التفخيم والتعظيم لا تحظى بالاحترام في الحياة الأكاديمية في فرنسا وفي البلدان المتحضرة وكانت هذه الحادثة لي درسا في أهمية التواضع لا ينسى.

وعلى خلاف ما يجري في الغرب فإن الاستغراق في استخدام الألقاب يشكل ظاهرة مستشرية تضرب عمقها في جذور ثقافتنا المتشبعة بألفاظ التفخيم والإجلال والتعظيم. وهناك في العالم العربي آلاف الحكايات التي تدور في أوساطنا الأكاديمية لتؤكد لنا أن ألقاب التفخيم والتعظيم تشكل ركنا أساسياً في حياتنا الأكاديمية، إنها فعلا كارثة تدل على عمق التخلف الذي نعايشه ويعيش فينا .

يصف الكاتب المغربي الحبيب الدائم ربي حضور ظاهرة التفخيم اليوم  بقوله "أما اليوم فقد صار الكل كبيرا وعظيما حتى ولو لم يكن كذلك، إلى درجة أنّ ألفاظ مثل دكتور وأستاذ وشيخ أصبحت توزع يمينا وشمالا. فمن دون شواهد ولا دبلومات ألفينا الجزارين والكناسين والبوابين وما إلى غير ذلك، يَغدون أساتذة بقدرة قادر. [3] ويتابع  الكاتب حديثه في وصف حدود استخدام هذه الألقاب في بريطانيا وفرنسا بقوله : "فالفرنسيين مشهورون، مثلهم، بصيغ المبالغة في الحكم على الأمور، والإنكليز يجيدون الأساليب “الجنتلمانية”. ومع ذلك فإن الشعبين الأخيرين، معا، لا يطلقان، كما نحن، صفة أستاذ أو دكتور إلا على ذويها، أي على الحاملين لهذه الصفات في واقع الحال. بل إنهم في كثير من الحالات لا يطلقونها حتى على هؤلاء. ولاشك أن القراء لم يسمعوا قط بالدكتور فرويد ولا الدكتور أينشتاين وقد لا يجدون كِتابا ينص على أن مؤلفه دكتور أو أستاذ كما هو الشأن عندنا نحن العرب حيث الاعتداد بالنفس قد يصير، أحيانا، أقرب إلى الأعراض المرضية، إذا لنا الصدر دون العالمين أو القبر." [4]

ويتحدث الكاتب العراقي كفاح محمود كريم عن شيوع هذه الظاهرة في العراق بقوله: " أما الدكتور وهذه الصفة التي أهينت وهي بريئة ممن يستخدمها ظلما وبهتانا، فبعد أن كانت صفة للطبيب أو درجة علمية في اختصاص أكاديمي معين، أصبحت هي الأخرى مثل سابقتها الشيخ تمنح لكل من يعرف كم مصطلح أجنبي أو ينظم كم جملة من المصطلحات السياسية ويخرج على مشاهدي التلفزة خبيرا استراتيجيا، أو يشتريها فخريا لأنه فلتة زمانه، وهكذا دواليك في الباشا التي كانت ذات يوم رتبة اعتبارية أيام مملكة بني عثمان وما تلاها من ممالك وإمارات، ثم بدأت بالتلاشي مع ظهور الجمهوريات، لكنها عادت ثانية في أيامنا المهجنة هذه لكي تقدم صفة تجميلية منافقة للعلاقات العامة! [5]

وفي تفسير هذه الظاهرة تقول الأستاذة الدكتورة نادية جمال الدين في تغريدة لها حول هذا الموضوع :" الألقاب هي الرداء لمن لا يملك سواها، رحماكم هناك فرق بين اللقب العلمى وألقاب التفخيم الممجوجة. ماذا تريد من انسان يشعر داخليا أنه لا يملك شيئا سوى هذا الذى انجزه بمجهوده رغم كل الظروف، انه يا سادة شعور داخلى يحميه من الاستخفاف حينا واللامبالاة به احيانا.....التجربة فى بعض البلاد العربية مريرة حيث الانسان لا قيمة له إلا بما يغطيه من قشور، ومن هنا يسعى جاهدا للاحتماء بها، والزهو بما تضفيه عليه من المظاهر الخادعة ".

ويصف الأستاذ الدكتور محمد الطبولي أستاذ علم الاجتماع بجامعة بني غازي في تغريدة له حول مسألة الألقاب قائلا: " عندما ذهبت إلى امريكا، وبعد الانتهاء من كورس اللغة، التحقت ببرنامج الماجستر، وكان في أول كل محاضرة يطلب منا أستاذ المادة أن نناديه باسمه الأول فقط، وبعد ذلك وعندما أصبحت بدوري محاضرا في إحدى الجامعات الأمريكية كان طلابي ينادوني بمحمد، وعندما عدت إلى ليبيا كتبت اسمي في أول محاضرة لي على السبورة بدون ألقاب فساد بين الطلاب أنني أحمل شهادة الدكتوراه والا لكنت قد كتبت لقبي قبل اسمي وهذه واحدة من قصص عديدة.

ويطيب لنا في هذا المقام أن نردف هذه المداخلة بمطالعة توردها الأستاذة أمينة زوجي باحثة في علم الاجتماع حيث إن استخدام الألقاب حتى خارج المجال الأكاديمي مسألة ثقافة بالدرجة الأولى، ففي المجتمعات المتقدمة يتمتع الفرد بتقدير عال لذاته لأنه يشكل قيمة في حد ذاته بوصفه إنسانا ومواطنا، وبالتالي فهو لا يحتاج إلى تأكيد نفسه بفرض الألقاب، في حين أن الدول العربية ودول العالم الثالث والتي مازالت تعاني من الهيمنة والطبقية والتفاضل على أساس العرق والأصول القبلية والعائلية، وبالتالي فالفرد في هذه المجتمعات يظل يبحث عن الاعتراف عن طريق حيازة الشواهد لينادى عليه بأستاذ أو دكتور وقد يقضي حياته في توفير المال للذهاب إلى الحج ليطلق عليه لقب حاج، كما أن بعض الألقاب هي إرث لعصر العبودية مثل "السيد" و"الشريف"...وهناك ألقاب ترتبط بالسن فرضتها الثقافة التقليدية.

وقد أحسن الزميل خالد وليد محمود في تحليله الرشيق لأبعاد ثقافة التفخيم والتلقيب ومعطياتها الضاربة جذورها في الثقافة العربية التي انتجت نوعا من التعظيم والتفخيم القائم على مفردات اللغة العربية التي استُهلكت بصناعة الألقاب وصوغ الأنساب. فالثقافة العربية أصبحت نسيجاً يعشق التفخيم والتعظيم "وباتت حياتنا الثقافية والأدبية تطفو على بحر من التصنيفات التي تُعطى وتمنح بغير وجه حق. يقول محمود في في وصف لغة التفخيم " إن كان أحدهم ملتزماً أشير إليه على أنه شيخ، وإن كان مستنيراً أُلحق به لقب الليبرالي، وإن خرج من مكتبة، أو حمل بيده كتاباً، قيل إنه أستاذ! وإن رأيت أحدهم وقد اشتعل رأسه شيباً نادوه "حاجّاً"، وهو لم يصل إلى الكعبة! إذن، بتنا أمام ثقافة ألقاب انجرّ وراء بهرجتها وأضوائها كثيرون، ولم يدركوا حجم المبالغة في تقديرهم ذواتهم، وعبء اللقب الذي يحملونه، متناسين أن حجم الشخص ومعطياته يقفان عند لقب "أبو فلان" أو أم "فلان"، لكنهم تعودوا على الكذب على أنفسهم، وانساقوا وراء الألقاب التي أخذت تسابق الاسم، بينما عمر بن الخطاب، بكل عظمته، كان ينادى بــ" يا ابن الخطاب" أو يا عمر. أما مجتمعاتنا، فلا زالت تكرّس هذه الحالة المتردّية التي جعلتنا نفخّم أنفسنا، وننساق وراء وهم الألقاب وأعبائها".

وهذه الحالة الثقافية المؤسسة للتفخيم والتعظيم تبلغ أوجها في الطبقة الأكاديمية المولعة بالألقاب المفخمة التي تحمل في ذاتها ضجيجا وتترك وراءها فيض عجاج، أداد في وصفه زميلنا الدكتور حمزة الخدام الذي يصف واقع الحال في الجامعة فيقول إذا تمت ترقية عضو هيئة تدريس في الجامعة يجب عليك أن تناديه بلقب أستاذ وإذا لم تفعل فهذا يعني أنك تخاصمه وتعاديه ويبلغ الحد إلى درجة العداء.

وتعيد الباحثة عائشة بليح هذا التفخيم والتعظيم في الجامعة إلى تأثير غادر لثقافة القبيلة التي رسخت في النفوس تفخيم مكانة الشخص بحسبه ونسبه في قبيلته. ولما ظهرت الألقاب الأكاديمية مثل الدكتور والأستاذ والمهندس أصبحت ترسيخا لثقافة التحسيب والتلقيب التي تمتد بجذورها إلى القبيلة. تصف بليح هذه الظاهرة وصفا سرديا عندما تقول: كنت كلما التقي مع استاذ كان يدرسني ايام ليسانس كنت اناديه استاذ فكان يتهرب مني وكنت مستغربة لانني لم أفعل له شيء وذات يوم قصصت الحادثة على صديقة لي فضحكت فقالت انا نفس شيء اذا ناديته دكتور يتهرب مني فتقصت على أمر فعرفت انه يجب أن نناديه بروفيسور!. ويؤكد الحبيب الدائم ربي على البعد الثقافي التاريخي في تأصيل ظاهرة استخدام الألقاب في مجتمعاتنا ولاسيما تأثير الثقافة العثمانية المفخمة التي كانت تستخدم أثناء الهيمنة العثمانية فيقول: " فالعثمانيون كانوا مولعين بألقاب الفخامة والعظمة، عسكريا ومدنيا، من قبيل البيه والباي والباشا والباش مهندس والبكباشي إلخ، فتوغلت إلينا حتى تشربناها مع الوقت فغدت من صلب “علاماتنا المسجلة”. [6]

لقد تنامت ظاهرة التماهي بالألقاب والأحساب بين الأكاديميين العرب بشكل ملفت للنظر، وهي تشكل اليوم ظاهرة مخجلة ومريبة يجب أن تدرس في ضوء معطياتها السيكولوجية والاجتماعية في مجتمعات متخلفة. فأساتذة الفلسفة وما أكثرهم يطلقون على أنفسهم فلاسفة - ويمجدون أنفسهم بكلمات وعبارات التكريم التعظيم. ولكن الهوس الأكبر ابداعا للألقاب وابتكارها نراه عند الأكاديميين في كليات التربية، الذي أبدعوا لأنفسهم ألقابا جديدة ليس لها مكان في الأعراف الأكاديمية ولا تجوز كهذه التي نراها في أوساط الفنانين والمصارعين، وعلى هذا المنوال أصبحت الساحة التربوية مفتوحة للألقاب والأحساب والكرامات - فهذا يطلق على نفسه شيخ المربين العرب - وذاك يطلق على نفسه شيخ الفلاسفة التربويين العرب. وهذا يطلق على نفسه العالم العلامة - والحبل على الجرار - وأخشى أن يأتي يوم نسمع فيه ألقابا جديدة على مبدأ ما يشهده الوسط الفني إذ قد نسمع بألقاب كهذه التي تداعب المشاعر مجال الفن مثل: القيصر، والشحروة، وسيدة الغناء، والعندليب. وعلى هذا المنوال وقد لا يكون اليوم بعيدا لنسمع بألقاب جديدة في المجالات الأكاديمية كأن نقول في المستقبل: قيصر المربين العرب، وشيخ الأنتربولوجيين العرب، وشحرورة الأصول، وسيد التربية العربية على مبدأ - سيدة الغناء العربي - والحبل على الجرار ...

ونحن نعتقد أن هذه الظاهرة ظاهرة مرضية خطيرة ومخجلة وعفنة وتدل على أخطر مظاهر التخلف الفكري والأخلاقي والعلمي في الحياة الأكاديمية العربية، وهي تتنافى مع كل قيم التواضع العلمي - وكم أرجو من زملائنا التربويين والأكاديميين محاربة هذه الظاهرة التي تفيض بكل المعاني السلبية وتدل فيما تدل على الانحطاط الفكري والأخلاقي. فالعلم لا يحتمل كثيرا من الألقاب وأحساب والتمجيد، فقيمة العلم تكون في العمل والانتاج والإبداع وليس في الألقاب والأحساب فالأعمال التي يقدمها الكاتب والباحث تكفيه شهادة - والمعيار الأخلاقي يجب أن يكون فيما نقدم من معرفة للأجيال دون أحساب وألقاب .

تقول الدكتورة نادية جمال الدين (أستاذة في كلية التربية بجامعة عين شمس) في هذا السياق "أنا من جيل قديم واتأمل بذهول ما يطلقه الزملاء على بعضهم البعض من ألقاب، وأتساءل كثيرا ماذا أضفنا نحن التربويين حتى نتصور اننا نستحق هذه الاوصاف؟ وتتساءل الدكتورة نادية جمال الدين " هل ترمز هذه الألقاب إلى نوع من الهروب إلى لمداراة قلة الحيلة فى اوطاننا أم ماذا؟ وكثيرا ما تحدثت مع من حولى وتساءلت لماذا هذه الاوصاف تطلق على الزملاء الرجال ولم توصف بها زميلة تحمل تاء التأنيث مع بقية الدرجات العلمية، مع ان منهن من هى استاذة لبعض منهم؟. وتتحدث الدكتورة عن نمط آخر من الألقاب التي تستخدم في الوسط الأكاديمي مثل: جاء عميد العمداء... ويذهب معالى الاستاذ الدكتور ... ويتضمن الأمر استخدام ألقاب أخرى مثل فخامة الدكتور ...الخ. وترى الدكتورة جمال الدين أن هذه الألقاب والتسميات معيبة ولا تستخدم إلا من قبل المستبدين والطغاة والمتسلطين ولا يمكن أن تكون مدادا للثقافة والعلماء والعارفين أهل المعرفة والتواضع.

وسرديات التفخيم والتعظيم التي تسجل نفسها في الجامعة أكثر من أن تحصى وتعد. ويمكن القول فعليا بأن ثقافة التفخيم الأكاديمي أصبحت مرضا سرطانيا يقضُّ مضاجع الحياة الجامعية، ويشلّ الطاقة الإبداعية للعلماء والمفكرين. ومن يراقب وسائل التواصل الاجتماعيـ سيرى بأم العين أن عددا كبيرا من حملة الألقاب الجامعية انصرفوا إلى تمجيد أنفسهم إذا لم يجدوا من يمجدهم. وغالبا ما يوظف هؤلاء وسائل التواصل للحديث عن انتصاراتهم وإنجازاتهم وفهلوياتهم العلمية التي لا تنقطع. وفي عمق هذا التمجيد النرجسي للذات نجد حالة قصوى من التضخم في إضفاء المزيد من ألقاب التفخيم والتعظيم، وقد أصبحت هذه الثقافة ظاهرة مخيفة. فكثير من الأساتذة ينحتون لأنفسهم ألقابا إضافية وقد شاهدنا في الآونة الأخيرة كثيرا منها. فبعضهم ينحت لنفسه ألقابا جديدة أو يهيب بالآخرين من طلابه وتلامذته أن يخلعوا عليه مثل هذه الألقاب ومن ثم يعمل بدورها على تعزيزها. وهذا كله يمثل مرضا ثقافيا من أمراض التخلف المرعب في ثقافتنا الأكاديمية المعاصرة.

ونتأنس في هذه المقالة بقول الدكتور محمد ناجح محمد (أستاذ أصول التربية بجامعة سوهاج) "سيظل الإناء الفارغ يصدر رنينا أعلى من الإناء الممتلئ، وستظل أغصان الأشجار التي تحمل ثمارا تتجه إلى أسفل لثقل ما بها من الخير، بينما ترتفع الأغصان الفارغة إلى أعلى، وسيظل التواضع شيمة من شيم العلماء الذين يستحضرون عظمة من منحهم العلم فيخشونه حق الخشية، وتستحي قلوبهم من أن تشوبها شائبة كبر في حضرة الوهاب العظيم، الذي إن شاء منح، وإن شاء منع، فالعالم الحق هو من يدرك أنه لم يؤت شيئاً على علم عنده، وأنه لم يؤت من العلم إلا قليلاً.

ونختتم إن "الخطأ فضيلة الإنسان والتواضع مجده: وأننا كما يقول طاغور "ندنو من العظمة بقدر ما ندنو من التواضع "، وكما يقول .(إلفرد دو موسّيه) "ليس للرجل سوى مجدٍ واحد حقيقي، هو التواضع" فالتواضع هو الخلق الوحيد الذي لا يستطيع صاحبه أن يفخر به كما يقول أحد الحكماء. ويطيب لنا تتويج العبارة الأخيرة في هذا المقال بترنيمة شعرية تقول "تعلم فليس المرء يولد عالماً وليس أخو علمٍ كمن هو جاهل".

 

علي أسعد وطفة

كلية التربية - جامعة الكويت

................

[1] - ياقوت، معجم الأدباء، جزء 5، ص 2335.

[2] - علي حرب، أوهام النخبة أو نقد المثقف ،المركز الثقافي العربي ،ط 3 ،الدار البیضاء، 2004، ص 98.

[3] - الحبيب الدائم ربي، ألقاب مفخمة، العرب ،السبت 2014/06/28.

https://alarab.co.uk/%D8%A3%D9%84%D9%82%D8%A7%D8%A8-%D9%85%D9%81%D8%AE%D9%85%D8%A9

[4] - الحبيب الدائم ربي، ألقاب مفخمة، العرب ، المرجع السابق .

[5] - كفاح محمود كريم، الألقاب وطبقة الفاسدين!، ميدل إيست أو لاين، الثلاثاء 2018/07/17.

https://middle-east-online.com/%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%84%D9%82%D8%A7%D8%A8-%D9%88%D8%B7%D8%A8%D9%82%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%A7%D8%B3%D8%AF%D9%8A%D9%86

[6] - الحبيب الدائم ربي، ألقاب مفخمة، مرجع سابق .

 

نبيل دبابشفي العشرية الثانية من القرن العشرين كانت البداية مع سؤال كبير، ارتبط بظروف عملية عرفتها منطقة المشرق العربي وجنوب أسيا...بعدما قام كمال أتاتورك بإلغاء نظام السلطنة ''الخلافة'' وطرد آخر سلاطين الدولة العثمانية إلى المنفى سنة 1924 م. حاولت العديد من الشخصيات العربية استغلال ذلك الفراغ ''السياسي'' للمطالبة بإعادة السلطة الروحية إلى مجدها (الشريف الحسين بن علي الهاشمي في الحجاز، الملك فؤاد في مصر..). لم يكن في مقدور المثقف السلطوي في ذلك الزمن أن يفهم عمق الثورة التي أحدثها أتاتورك وظل بعيدا عن فهم صميم الأزمة التي جعلت أتاتورك يختار مثل هذا القرار. لقد كانت النخبة المثقفة ثقافة دينية – بالخصوص - عاجزة عن تصور الممارسة السياسية كمعطى اجتماعي له آلياته المتغيرة والتي ليس من الضروري أن يكون لها مرتكزا في الشريعة.

نتج تاريخيا بسبب الصراع على السلطة مذهبين كبيرين، يختلفان في الاسم وليس في منطق التصور للسلطة وآلياتها (السنة / الشيعة). فالأول، إلى جانب تقديس النص يضفي القداسة على العشيرة ويجعل الحكم وراثيا، والثاني إلى جانب تقديس النص يضفي القداسة على أسرة بعينها ويجعل الحكم وراثيا (نظرية الخلافة/نظرية الامامة). مهما بحثنا في تفاصيل مسلسل التاريخ الإسلامي، بداية من القرن السابع للميلاد وإلى غاية بداية الاستعمار الأوروبي، فإننا سنجد نفس منطق التصور ماثلا أمامنا بمسميات مختلفة. فكل من النظرية الشيعية والسنية يجعل المقدس ثنائي البنية. انه التحول الكبير الذي صار يميز العقل السياسي الإسلامي بداية من تاريخ 661 م. لم يعد المقدس ما انزل الله على نبيه محمد (ص) فحسب، بل هو أيضا ما اختاره البعض كرؤية لبسط سلطانه.

لم يستطع الكثير من الكتاب والمشايخ في ذلك العصر، تقبل القفزة الكبيرة إلى الإمام التي قام بها كمال أتاتورك،فكثير منهم بقي متمسكا بالتصور الموروث للسلطة، ودعي إلى ضرورة تجديد سلطة الخلافة لأنها أصل الدين ومن دونها يذهب إيمان الناس وقوتهم ويزول مجدهم. كان ذلك أهم ما ميز مواقف الشيخ رشيد رضا في كتابه '' الخلافة ''، فهو يرى منصب الخلافة من ركائز الدين والخروج عنه أو عصيانه هو بمثابة الكفر بعد الإيمان.لم يستطع الشيخ رشيد رضا التفكير خارج معطيات الكتب القديمة ومنطق القرون الأولى للتاريخ الإسلامي، فظل عقله بعيدا عن عصره وأحوال زمانه. إذ نجده يشترط إلى جانب عروبة الحاكم نسبه القرشي، ويعتمد على أحاديث موضوعة هي صناعة تاريخية ارتبطت بالصراع القديم على السلطة : '' الأئمة من قريش '' '' الأمراء من قريش ما عملوا فيكم بثلاث – ما رحموا إذا استرحموا،و اقسطوا إذا قسموا،وعدلوا إذا حكموا'' (أحاديث يرويها الشيخ في كتابه الخلافة). انه لا يتوقف عند هذا الحد، بل يضفي الشرعية على أسلوب ولاية العهد الذي جعله نظام الخلافة بداية من سنة 661م تقليدا متبعا.

إن ما يخفيه خطاب الشيخ رشيد رضا أو غيره من الكتاب في زمانه، هو الصدمة العنيفة التي لم تستطع عقولهم التصدي لها أو إخفاءها.. كانت اختيارات كمال أتاتورك- بالنسبة إليهم- صفعة غير منتظرة،هم لا يملكون الأدوات لصدها،فكان الحل التقليدي وسيلتهم الوحيدة ، الفرار إلى الماضي والاحتماء به. إن المقدس السياسي – حسب منظور الشيخ رشيد رضا – في خطر، يتوجب تصحيح ما لحق به من ضرر وإعادة نظام الخلافة لأنه فريضة شرعية.

في ظروف هذا الصراع الفكري والسياسي حول  سلطة الخلافة، ولدت جهود القاضي علي عبد الرازق. لقد كانت بمثابة الطفرة التي تسبق زمنها، أو النبتة التي تنمو في ارض غير التي تعودنا رؤيتها فيها. كان طبيعيا إن يلقى الرفض وقسوة المعاملة وأصناف العقاب الاجتماعية، لان البيئة التي يحدّثها لم تنضج لديها بعد رؤية مستقلة عن الماضي الموروث ولا تملك الإرادة لخوض تجربة سياسية جديدة. إنها حال الغريق الذي يبحث عن قشة ليمسك بها وليس لديه ادني استعداد لسماع ما ينصحه به مرشدوه.

إن جهود القاضي علي عبد الرازق من خلال كتابه '' الإسلام وأصول الحكم ‘‘، هي بمثابة تحد للمقولات المألوفة في عصره وثورة على القاموس القروسطي في موضوع الحكم.إنها ثورة عقل داخل منظومة كبيرة قائمة على البديهيات المتوارثة. لم يشرع القرآن الكريم لموضوع الحكم ولا يوجد دليل في الحديث النبوي الصحيح يثبت ما ذهب إليه أنصار الخلافة. بل هو التاريخ من صنع ذلك..و لو كان لدى أنصار الخلافة دليلا شرعيا واحدا فليقدموه. إن الأمر كان متروكا للناس يتدبرونه بالوسائل التي يرونها مناسبة لحفظهم واستمرارهم.

العقل غير مقيد في مسألة الحكم، ومسائل السياسة لا صلة لها بالإيمان إطلاقا،  بل الخروج على نظام الخلافة لا يلغي التقوى. لقد عاشت المجتمعات الإسلامية ثلاثة أعوام من دون وجود خليفة على اثر هجمة التتار سنة 1258 م على بغداد ، ولم ينس المجتمع دينه ولا أهملت الفرائض والسنن . إن اختيار أتاتورك لا يتنافى ومبادئ الشريعة ،كما أن اعتماد نظاما جمهوريا أو ملكيا قائم على الدستور...ليس فيما انزل من القرآن ما يعارضه، بل كل ما ينبغي الحرص عليه هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

لو كان في القرآن أو الحديث الصحيح دليلا واحدا، لما اختلف الصحابة يوم السقيفة وما تخاصموا  فيما بينهم بسبب الأمر. إن الأمر متروك للناس يتدبرونه بما يتناسب وظروفهم وحاجاتهم...فصراع الأجيال حول السلطة هو اكبر دليل على دنيوية المشروع، والذي لم يكن أبدا موضوع إجماع كما يزعم أصحاب النزعة السلفية،بل قامت حروبا طاحنة بين المسلمين لأجله، وكان دائما يؤخذ بحد السيف. إن طاعة الإمام في الحديث النبوي لا تعني وجوب الخلافة كما أن الوفاء بالعهد للمشرك لا تعني الرضا بالشرك.

وفق هاته الطريقة في التحليل، يقوض القاضي علي عبد الرازق كل الأسس التي تقوم عليها نظرية الخلافة ومعها مقولات كل الايدولوجيا السلفية...ليفتح الباب واسعا أمام كل مقترح معقول من شانه أن يجدد روح هاته الأمة بعدما تخلى عنها الأتراك. لكن سؤالنا الأساسي هو التالي: ما السبب الذي جعل فكر علي عبد الرازق يتوقف في الزمن وينتهي، ليستمر في المقابل فكر الشيخ رشيد رضا ويؤسس – لاحقا – ما يسمى بالإسلام السياسي؟ هل يمكن اعتبار السبب سياسيا، أي أن مواقف التيار السلفي كانت هي أيضا مواقف السلطات العربية في ذلك الزمن ، مما جعل فكر رشيد رضا يعرف الاستمرارية في مقابل زوال فكر علي عبد الرازق. ربما يكون سياسيا ولكن بصفة ظرفية، لان المنطقة العربية ستعرف لاحقا ميلاد أنظمة وطنية شبه علمانية.

في تقديرنا، العامل الأساسي هو نفسي – اجتماعي، ارتبط باكتشاف من ينافسنا الغرور والعزة. ولديه من الإمكانات الذاتية التي عجزنا عن تحصيلها... كان ردنا – كمجتمعات خضعت لنظام سياسي تقليدي – هو الفرار واللجوء إلى المخيلة والخوف من المرآة...علي عبد الرازق لم ينجح ولن ينجح أي طرح فكري ينتمي إلى نفس النسق.. لأننا ننتمي إلى وسط اجتماعي مهووس بالحلم والخرافة... ويخاف المغامرة والخروج من الدائرة التي رسمها لنفسه. إننا ننتمي إلى بيئة اجتماعية تضفي القداسة على كل شيء، وتنتظر الحلول دائما.

 

إننا ننتمي إلى مجتمعات لم تتغير كثيرا، منذ عشرات السنين آو أكثر. وليس لديها أي نية لاكتشاف الأخطاء وتشخيصها، بل كل ما يثير الاهتمام- لديها- هو ضرورة رضا الآخر عنها حتى، وإن هي على حافة الهاوية. لم تستطع العقول التخلص من حلم نظام الخلافة والاستعداد لبناء دولة مدنية وفق المقاييس الناجحة في عصرنا، بالرغم من كل الإخفاقات والعيوب التي عرفتها في الماضي.

رفضت – بيئتنا – فكر علي عبد الرازق وبعده فكر محمد أركون وفرج فوده وادونيس وسعيد ناشيد...و احتضنت بفرح كتب المودودي وسيد قطب والعريفي والشيخ فركوس...قد يعترض البعض، ويعتبر السبب في نجاح التيار السلفي واستمراره هو الدعم الذي يلقاه مناصروه من وراء البحار لظروف جيو- سياسية عاشتها المنطقة ..ربما يكون ذلك نصف الجواب.

إننا ننتمي إلى وسط اجتماعي يخاف من الحقيقة، ولا يقبلها إلا في قفاز إيديولوجي..لا يستطيع أن يرى العيب والضعف والتمزق إلا عند غيره...ينفعل لأبسط الأحداث ولا يستطيع أبدا تبني لغة العقل والحوار الصادق. إن جهود علي عبد الرازق، كان يمكن أن ترسم للمنطقة العربية مستقبل أفضل وبأقل التكاليف لو – فقط – تم السماح لها وعدم التضييق عليها بالأساليب التقليدية. من هي المؤسسات – في عصرنا - التي يمكن أن تسند لها مهمة إعادة بعث المسار الذي كرس له علي عبد الرازق حياته؟ للأسف، إن الأيديولوجي اخترق كل المؤسسات العلمية والأكاديمية على صعيد المنطقة العربية، ولا أمل في المنظور القريب لتخطي مستنقع الوحل الذي أمامنا.

إن فكر علي عبد الرازق، ينتمي إلى ظروف سياسية منتهية منذ ما يقارب المائة سنة، ولكن الروح التي كانت تغذيه لا تزال حية..المنطلق عنده هو العقل وممارسة النقد على الموروث الديني، ونزع القداسة عن الأسماء والحقب...الأصل عنده هو الحق واحترام الإنسان والتخلص من التقليد. صوت علي عبد الرازق، كان صوت المتديّن الصادق الذي أحب الحقيقة ورفض خطاب السلطة..المتدين الذي يفكر في الصالح العام ولا يعطي الشرعية لنصوص ميتة.

اجبر على مراجعة أقواله وآراءه، وبعد مضي العديد من السنوات يصدر الأزهر قرارا بتبرئة علي عبد الرازق من التهم المنسوبة إليه...إن جاليله ومارتن لوثر موجودان عندنا فلا داعي لتعليم الناشئة أن أوروبا كانت ضد حرية الرأي وتحارب العلماء ...كفاكم كذبا...إن أراء علي عبد الرازق -لا تزال- غير مرغوب فيها إلى يومنا هذا، وتنتقد مواقفه من قبل بعض الكتاب والخطباء من دون الرجوع إلى نصوصه !.

الأنوار العربية ليست مستحيلة، ولكن أهم ما يعيقها هو استمرار حالة العمى واستئناس العيش داخل الكهف الذي تمر به مجتمعاتنا...آن الأوان لميلاد عقول جديدة جريئة لا تكل.

 

نبيـــل دبابــــش - كاتب من الجزائر

 

علي المرهجتعني النرجسية (حُب الذات) واعلانها التميز الفرداني عن الآخرين، مرة من جهة امتلاك الفرد لعبقرية أو مقدرة فائقة أو تفوق ثقافي أو علمي بالقياس للآخرين الذين يعيشون معه، وهذه نرجسية محمودة على ما فيها من حُب التفاخر بالذات التي تحمل في طياتها تقليل من جهود الآخرين في مجال تفوق الذات.

هناك نرجسية أخرى نستطيع تسميتها (نرجسية فارغة) لأنها اعجاب مُفرط بالذات من دون وجود مؤشرات على ما يُميز هذه الذات في الحياة أو في مجال من المجالات، هي أشبه بمرض نفسي، إن لم تكن هي كذلك، يدَعي صاحبها تميز من دون وجود ما يشفع لمقبولية ادعائهم الفارغ بالتميز!!.

هناك بعض من مقبولية لنرجسية الكبار الذين قدموا لمجتمعاتهم بصورة خاصة في مجال اهتماماتهم وللمجتمع بصورة عامة التباهي والتفاخر بقيمة الذات التي يعترف لها الآخرون بقيمتها المعرفية أو العلمية أو الفنية، أو العبقرية في خرق نظام المعرفة السائد.

أشتق مفهوم النرجسية من أسطورة يونانية تحدثت عن إنسان فائق الجمال أسمه (نرسيس) أو (نركسوس) من شدَة جماله لم يستطع أن يُحب سوى نفسه، بعد أن لم يستطع رؤية حبيبته التي لم تُبادله الحُب، فقضى عمره ينظر إلى الماء علَهه يرى حبيبته، وفي لحظة تجلٍ رأى انعكاس صورتها في الماء، فقفز إلى لماء النهر غرق في ماء النهر حُباً، وعندما مات هذا الشاب أوردت زهرة في مكان دفنه سُميت بـ (النرجس)، وهي واحدة من أجمل الزهور بالعالم، يصح بها وعليها القول (أن اللهىجميل يُحب الجمال)، وفي النرجس جمال أخَاذ، فكيف لنا لا نستحسن النرجسية حينما تكون جمالاً يُزيَن وجه الأرض

النرجسي يهتم بنفسه يمشي مُتفاخراً بتفوقه الحقيقي العلمي أو الثقافي أو العبقري الفائق، وهُناك (نرجسي فارغ) يهتم بمظهره وحُسن ملبسه، تجده يخترق كل جلسات السمر والحوار ليتكلم عن نفسه وأفعاله وربما شجاعته المصطنعة وكرمه الباذخ ادعاءاً.

النرجسي بنوعيه لا يتحمل النقد، ويهيم طرباً حينما يمدحه الآخرون حتى وإن عرف أنهم ليسوا بصادقين، يتمايل جسده ذات اليمين وذات الشمال ليُطرب على أغنية (أم كلثوم):

النرجس مال يمين واشمال

على الأغصان بتيه ودلال

حين ذكر بعض محاسن النرجسي لو كان أميراً أو سلطاناً تجده لا يُقرَب سوى من يمنحونه ألقاب العظمة ويُحسنون التملق واضفاء صفات معرفية وجمالية وأخلاقية له ليست بالضرورة متواجدة فيه!. ليكون هو "الأمير الفيلسوف" و "القائد الضرورة" وهو من لم يأت بمثله للوجود لا قبل ولا بعد، لا يشعر بمتاعب الآخرين، ولكنك تجده مُبغضاً كارهاً لمن لا يشعر بمتاعبه، هو لا يرى الآخرين، ولكنه يطلب من الآخرين أن يروه ويُشعروه بأهمية وجوده بشكل مُستمر.

يهيم النرجسي بوصفه معتقداً بأهميته بخطابات لا عقلانية، تغلب عليها سمة القناعة بأن هناك غيب يحرسه أو إرادة ربانية اقتضت وجوده أو حتمية تاريخية صيرته الشخص الأمثل أو "المُخلص".

النرجسي يمتلك وعيه بنفسه، ولكن هذا الوعي لا يرى وجودات إنسانية نوعية مناضرة له، يُمعن في تكليف الآخرين ليكونا مضحين من أجله، ولكنه لا يُكلف نفسه السؤال عنهم. وكأن نزعته النرجسية قد منحته صفات الله (الخالد) (الأزلي)، وباقي الناس لا قيمة لهم ولا وجود من دونه!.

يشعر النرجسي أنه المالك ـ ولربما ـ يشعر أنه هو المُحيي والمُميت، فالوجودات (الناس والطبيعة) هي التي تتحرك إليه (على سبيل الشوق) ـ بعبارة أرسطية حينما يصف الموجِد الأول.

كل نرجسي مُعجب بنفسه مُفتتن بذاته، ولكن ليس كل مُعجب بنفسه نرجسي مُتتن بذاته.

النرجسية درجات، ومنها الجميل المرغوب، حينما تجد (المتفوق) حقاً في مجال من المجالات مُعجب بنفسه، ولكنه يعكس هذا الاعجاب باعجاب مُقابل لكل من هو (متفوق) في مجال يُشاطره هو فيه أو يُغايره.

في النرجسية اللامرضية ـ كما أرى ـ اعجاب وافتتان بالذات يشعر به النرجسي الذي يليق به التباهي حينما يجده في كتابات الآخرين ومحبتهم له بوصفه عالماً لا سطاناً، فهي (نرجسية جمالية) نستحسنها بمقدار استحساننا للنظر لوردة النرجس بهية الجمال تزدهي وتتغنج تحبباً بمقدار شف الآخرين برؤيتها.

في القيادة الادارية الناجحة وتحقيق التميز في العمل والانجاز ستكون هُناك نرجسية مُحببة عند القائد الإداري ويستحسنها العاملون معه، إن لم يكونا هُم المبادرون للتعبير عن تفوق المدير ونجاحه.

لا أتفق كثيراً مع من يذهب إلى ادراج كل تمظهرات النرجسية في لائحة الأمراض النفسية، لأن كل بني البشر مُعجبون بأنفسهم ولو بدرجات، فهي بظني ليست (اضطراباً في الشخصية) في كل الحالات كما يذهب إلى ذلك أصحاب التحليل النفسي.

أختم بالقول أنني عرفت شخصية نرجسية مُعجبة بذاتها، هو الكبير (مدني صالح) مُففتن بذاته ومُعجب بها، مُحب لمدينته هيت ويهيم بنواعيره، يقول: (أنني لا أصادق إلَا مدني صالح، ولا أحاور إلَا مدني صالح)، وقد فهمت منه أن مدني صالح عنده هو مثال الإنسان الوعي والمثقف المُحب لذاته ولمدينته، وهو في مضنون قوله يرغب بمعرفة شخص يُحب نفسه ويثق بمعقله ومقدار وعيه ويعشق تاريخ نشأته لا تبجحاً، بل بمقدار سعيه هذا (الآخر) لتنمية وعية وثقته بنفسه، ومحبته لتاريخ نشأته على قاعدة (الطيور على أشكالها تقعُ).

عندي الكثير في تمييز النرجسية المحمودة، وعندي الأكثر في توصيف النرجسية المرضية، ولكنني حاولت إيجاز القول لترك التفصيل والشرح لمقام آخر.

 

ا. د. علي المرهج

 

منى زيتونفي بعض الأحيان لا تكمن المشكلة الاجتماعية للشخص في أنه لا يعرف كيف يسلك بالشكل الاجتماعي الملائم، ولكن مشكلته أنه يسلك على نحو غير لائق وغير توافقي من وجهة نظر المجتمع، يراه هو لائقًا!

وبعيدًا عن الدخول في متاهات المسايرة والمغايرة الاجتماعية، وأن الصواب قد يكون في أحايين ما يراه المجتمع خطأ، فأنا هنا لست معنية بالحديث عن أمثال هذه الحالات، بل أعني الأنماط السلوكية غير التوافقية المتعددة، التي ترتبط بنقص مهارات التواصل، والتي يقضي المنطق –وليس العُرف فقط- بأنها خاطئة.

وإذا ما خصصنا المهارات الانفعالية بالحديث، فإنه يمكن تقرير أن النضج الانفعالي لا علاقة بينه وبين العمر؛ بمعنى أدق هو يزيد بزيادة عمر الإنسان، لكن الدرجة التي يصل إليها كل إنسان تختلف بوضوح عن الآخر. وقد درست حالات كثيرة لأشخاص متقدمين في العمر، لا يسلكون بما يتناسب مع أعمارهم، مما يعكس درجة منخفضة من النضج الانفعالي، ودومًا تتضرر علاقاتهم بالأشخاص المهمين في حياتهم بسبب بعض المفاهيم الخاطئة، التي تنطبع في عقلهم الباطن، وتتحكم في سلوكياتهم.

وقد نرى شخصًا ناجحًا على الصعيد المهني، لكنه غير ناضج انفعاليًا بالقدر الكاف، يتعامل مع المقربين منه كملك يتمنن عليهم، ولا يقوم بالأدوار الاجتماعية نحوهم على النحو اللائق، فإما أنه لا يرى لزامًا عليه أن يسلك أو يتأخر قبل أن يصدر عنه السلوك، وهي رسالة كلاسيكية قديمة بدنو القيمة يرسلها نحو الآخرين!

بعض هؤلاء من غير الناضجين انفعاليًا قد يرون المواقف الاجتماعية مع المقربين كمواقف تنافس مع الطرف الآخر، وهدفهم من التواصل الاجتماعي تحقيق النصر فيها! وفي العلاقات الشخصية مع الأشخاص المفترض أن يكونوا شركاء الحياة في المستقبل لا يسلكون بحيث يكون الموقف تنافسيًا وحسب، بل كثيرًا ما يتحول على أيديهم إلى ما يشبه اللعبة ذات الأشواط! من ثم، فالتعامل معهم عن قرب ليس خيارًا سلميًا على الإطلاق؛ إنه أشبه بإعلان حالة الحرب، الذي تتخلله هدنات قصيرة، يتم خرقها سريعًا من جانبهم! سواء كان ذلك بسلوك مباشر منهم، أو بسلوك غير مباشر، يشعل الموقف؛ حيث يجبر الطرف الآخر على رد فعل لا بديل له، وهو قرار قطع العلاقة معهم. وكما قال من قبلنا: من لم يحسب العواقب، فالدهر له مُعاقب، وكلٌ يجني صنع يديه. ولم يفقد أحد نعمة إلا بسوء عمله.

ولأن هؤلاء لا يفهمون أن الهدف من التواصل الاجتماعي هو تحقيق التأثير الاجتماعي وبناء العلاقات الاجتماعية الناجحة مع الآخرين، والذي لا تسهم سلوكياتهم في تحقيقه مع كثيرين من المقربين ذوي الأهمية، فمن ثم هم لا يدركون أنهم خاسرون وليسوا فائزين، كما يتوهمون! ودومًا أقول: الخاسرون فقط من لا يقدرون حالة الموقف المُربح للجانبين، بدلًا من ذلك يخسرون بينما يظنون أنهم الفائزون!

ومن ملاحظاتي حول العلاقات الشخصية تحديدًا، وجدت أن حالات المشاجرات أو الانفصال بين خطيبين أو زوجين أو مرتبطين، الناشئة عن أسباب تافهة، لا تتزايد إلا عندما يكون بينهما توافق غير عادي في الشخصية كأنهما توأمان! وعندما يكون أحدهما أو كليهما غير ناضج انفعاليًا بالدرجة الكافية تتفاقم المشاكل وتنفصم العلاقة؛ فغالبًا نكون أمام درجة منخفضة من التعبير الانفعالي عن المشاعر الإيجابية، مع درجة منخفضة أيضًا من الحساسية الانفعالية، أما الضبط الانفعالي للغضب والضيق وغيرهما من الانفعالات السلبية فتتفاوت درجته، ولكن حتى وإن كان الضبط مرتفعًا، ولا يتم التعبير عن تلك الانفعالات؛ فالنار كامنة تحت الرماد.

ربما أسهمت زيادة التوقعات في المشكلة. نحن لا نهتم ولا نتوقع شيئًا ممن لا يعنون لنا، والعكس تمامًا مع من يعنون لنا الكثير؛ فعدم فتح رسالة أو عدم الرد على اتصال يمكن أن يقيم القيامة في علاقة التوائم الروحيين، وعلى العكس تكون اللامبالاة سائدة في علاقات غيرهم، ممن لا توجد لديهم مثل تلك العلاقة الروحية مع شركاء حياتهم. والعلاقة بين التوائم الروحيين بقدر ما تحقق السعادة بقدر ما تكون أكثر صعوبة من غيرها؛ لأن كلا الطرفين يتأثر بشكل يفوق الحد بأي فعل أو رد فعل من جهة الآخر. والنتيجة أن هؤلاء يخسرون علاقاتهم الشخصية التي يسيطر عليها الحب الحقيقي أكثر من غيرهم.

 

د. منى زيتون

 

زهير الخويلدي"إذا كان لدينا مصدر ضوء ومرآة كروية، فكيف نحدد النقطة التي ينعكس عليها الضوء لعين الناظر؟"

تراوحت حياة الحسن ابن الهيثم بين البصرة في العراق من حيث هي أرض المولد سنة965 ميلادي والقاهرة في مصر مكان الوفاة سنة1040 ميلادي وعرفت عدة رحلات علمية مهمة إلى الشام والأندلس.

حاز ابن الهيثم على فكر موسوعي جمع بين الفلسفة والأدب وبين الرياضيات وعلم الطبيعة وبين الفلك والجغرافيا وبين علم المناظر وطب العيون وتأثر بأرسطو وبطليموس وإقليدس وجالينوس والكندي وثابت ابن قرة وتوصل في مجال الإدراك البصري والهندسة إلى اكتشافات مهمة أثبت صحتها العلم الحديث.

أطلق عليه مؤرخو العلم فيزيائي القرون الوسطى وأطلق عليه المستشرق رينر اللقب اللاتيني Alhazen وحفظت مكتبة فرنسا الوطنية بباريس ومكتبة ليدن ومكتبة بودلن في أكسفورد أعماله الفيزيائية والهندسية.

كتب في العديد من المجالات واهتم بمختلف الظواهر الطبيعية والفلكية والرياضية وألف كتاب المناظر ومقال في التحليل والتركيب وتكوين العالم وميزان الحكمة ورسالة في الضوء وشكوك على بطليموس ومقالة في ضوء النجوم ومقالة في صورة الكسوف والحركة المتعرجة ورسالة في المكان وتصويبات على المجسطي وتأثير اللحون الموسيقية على النفوس الحيوانية واختلاف منظر القمر ومقالة في درب التبانة وكيفيات الاضلال وأصول المساحة والتحديد الدقيق للقطب ورسالة في الشفق ومقالة في قوس قزح وأعمدة المثلثات والمرايا المحرقة بالقطوع وشرح أصول اقليدس والتنبيه على ما في الرصد من الغلط ورؤية الكواكب ونموذج الكون وقول في مساحة الكرة وارتفاعات الكواكب ورسالة في مساحة المجسم المكافي والمزولة الأفقية ورسالة في قرسطون وحركة القمر وإكمال المخاريط واتجاه القبلة والجامع في أصول الحساب ومقالة في تربيع الدائرة والمرايا المحرقة بالدوائر وكتاب في تحليل المسائل الهندسية والقول المعروف بالغريب في حساب المعاملات ونماذج حركة الكواكب السبع وفي الأشكال الهلالية.

لقد ترك ابن الهيثم تأثيرا واضحا في العلوم العربية ويبدو أن ابن رشد قد اعجب بأفكاره المخالفة للقدامى ومنهجه العلمي واستفاد منه تقي الدين الشامي في كتابه نور حدقة الابصار ونور حقيقة النظر عام 1574.

قال ذات يوم: " لو كنت بمصر لعملت لنيلها عملا يحصل النفع في كل حالة من حالاته من زيادة أو نقصان" وتبعا لذلك حاول بأمر من الحاكم الفاطمي بناء سدا في أسوان يقوم بتنظيم تدفق الماء في النيل ويحد من الفيضانات ولكن محاولته باءت بالفشل وترتب عن هذه المحاولة الجريئة انعزاله للتأليف في الطب والهندسة والحساب والفلك والفيزياء وعزمه على الهجرة إلى الشام والى شمال افريقية والأندلس.

كما اعتمد منهجية الشك التجريبي مصرحا :" البحث عن الحقيقة في حد ذاته أمر صعب والطريق إلى ذلك وعر فالحقائق يكتنفها الغموض. الله لم يعصم العلماء من الخطأ ولم يحم العلم من القصور والنقص". لقد اعتمد ابن الهيثم في البداية على المنهج العلمي وأعطى قيمة كبيرة للرصد والسبر والتجارب وجعل من الاستقراء أداة لتفسير الظواهر وأسس الفيزياء التجريبية ولكنه حينما انتقل إلى القاهرة وتعلم الرياضيات زاد على ذلك المنهج المنطقي واعتمد الاستنتاج الاستنباطي وصار يعتمد على الفرضيات وينقح النتائج.

قام بثورة كبيرة في مجال علم المناظر عندما تخلي عن نظرية الانبعاث التي آمن بها إقليدس وبطليموس ونظرية الولوج التي أيدها أرسطو وأسس نظرية الرؤية التي تثبت حقيقة أن الضوء يأتي من الأجسام إلى العين وليس العكس وتعد هذه النظرية المرحلة التمهيدية الضرورية لميلاد فن التصوير وظهور الكاميرا.

درس عضو العين دراسة تشريحية طبية وفسر بشكل واضح وظائف الأعضاء التي تتكون منها وبحث في التأثرات النفسية للإبصار وتناول النظم البصرية باستخدام المرايا المقعرة والكروية والزيغ الكروي وقدم عدد من الأبحاث حول قوى تكبير العدسات وأثبت أن النسبة بين زاوية السقوط وزاوية الانكسار بالنسبة للشعاع الضوئي على العدسة ليست متساوية من ناحية أولى، ومن ناحية أخرى تضمن كتاب المناظر معادلة من الدرجة الرابعة تعرف بمسألة ابن الهيثم وتتناول ظاهرة انعكاس الضوء على المرايا الكروية.

لقد كان للمجلدات السبعة من كتاب المناظر التي ألفها ابن الهيثم وترجمها رجل دين غير معروف في بداية القرن الثالث عشر إلى اللاتينية الأثر العظيم على بحوث روجر باكون والتأثير الكبير في يوهانس كيبلر ولقد قام فريدريك ريزنر بطبعه عام1572على العنوان التالي:الكنز البصري: الكب السبعة للهزن العربي.

لقد قسم ابن الهيثم علمه المستحدث الى سبعة أقسام وانطلق من التطرق الى كيفية الابصار في الجملة ثم فصل المعاني التي يدركها البصر وعللها وكيفية إدراكها وانتقل بعد ذلك الى البحث في أغلاط البصر فيما يدركه على استقامة وعللها ، ثم تساءل عن كيفية إدراك البصر بالانعكاس عن الأجسام الثقيلة ، وتطرق في المبحث الخامس إلى مواضيع الخيالات وهي الصور التي ترى في الأجسام الثقيلة ، واهتم في المبحث السادس بأغلاط البصر فيما يدركه بالانعكاس وعللها وانتهي في القسم السابع إلى البحث عن كيفية إدراك البصر بالانعطاف من وراء الأجسام المشفة المخالفة لشفيف الهواء وبلغ في هذا المبحث الإبداع المطلق.

لقد بحث ابن الهيثم في هذه الموسوعة التأسيسية للبصريات عن خواص البصر والأضواء وكيفية إشراقها وما يعرض بين البصر والضوء ودرس هيئة البصر وكيفية الإبصار ومنافع آلات الإبصار وعلل معانيها.

وضع ابن الهيثم نظرية في البصريات تقر بأن الرؤية تحدث نتيجة خروج أشعة الضوء من كل نقطة في الكائن إلى العينين بعد أن وحد علم البصريات مع الهندسة وأثبت سير أشعة الضوء في خطوط مستقيمة واختزل المنعكس والمنكسر منها في اتجاهين رأسي وأفقي واقترح نموذج لانكسار شعاع الضوء يشبه قانون سنيل المتكشف لاحقا وقدم تحليلا مقبولا للكاميرا المظلمة والكاميرا ذات الثقب التي تجعل الضوء يسمح بظهور صورة كل شيء على الشاشة في الجانب الآخر من تلك البؤرة ، وحرص على التحقق من صدق نظريته المناظرية ومعقوليتها بالقيام بعدة تجارب حول العدسات والمرايا والانعكاس والانكسار.

لقد كان لابن الهيثم السبق التجريبي من خلال تجربة القُمْرَة العربية التي تعني الغرفة المظلمة في نقل صورة من الخارج إلى شاشة داخلية عبر إجراء تجربته على مصباحه الذي تحول إلى كاميرا مظلمة.

فكيف أدت بحوثه البصرية الى التجديد في دراسة الظواهر الفلكية وتفسير كثافة الغلاف الجوي للأرض وظاهرة قوس قزح وشرح وهم القمر وفهم ظاهرة كسوف الشمس والشفق والقول بأن الرؤية تحدث في الدماغ بدل العينين وأن مجموع متواليات القوى هي التي تحدد حجم سطح مكافئ من خلال التكامل؟

 

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

..................

المراجع:

الحسن ابن الهيثم، كتاب المناظر، تحقيق عبد الحميد صبره ، الناشر: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، طبعة أولى 1983، 803 صفحة.

 

منى زيتونمن أهم الأسئلة التي تواجه البشر في حيواتهم هو تساؤلهم عن الأسباب التي تؤدي بهم إلى الفشل. لماذا نفشل؟ سؤال تتنوع المجالات التي يُطلق فيها، كما يتنوع من يتساءلونه؛ فقد يصدر عن طفل صغير كل ما يهمه هو نجاحه في الدراسة وفي اكتساب المهارات التي يحبها، وقد يصدر عن شاب أو شخص ناضج مهتم بتطوير حياته المهنية أو حياته الشخصية. وغالبًا لا نهتم بالبحث في هذا السؤال إلا بعد أن يقع المحظور ويصيبنا الفشل! بينما كان يمكن لنا أن نتقيه إن درسنا أسبابه وتعرفنا إليها قبل أن يقع.

ولنتعرف على بعض أهم مسببات الفشل، ينبغي أولًا أن نميز بين السلوكيات الظاهرة التي ترتبط بالفشل، والانفعالات الداخلية التي تكون مصاحبة لتلك السلوكيات. على سبيل المثال فإن تكرار الأخطاء هو سلوك ظاهر يقترن دومًا بالفشل؛ فالفاشل مهما تكررت مواقف مشابهة للموقف الأول الذي فشل فيه يظل يكرر سلوكياته التي أوصلته لتلك النتيجة، ويرفض أي تغيير، وكأنه يرفض الاعتراف أنه على خطأ! بينما الناجح يدرك أنه عندما يفشل في الوصول إلى هدفه من خلال طريق ما، عليه أن يكون مرنًا، ويسلك طريقًا آخر. على الجانب الآخر فإن التكبر، والذي هو شكل متضخم من الثقة في النفس، هو حالة انفعالية ترتبط بسلوك بعض الأفراد الفاشلين، ولن نتعرف عليه ما لم ينعكس في سلوكيات الواحد منهم.

وأرى أنه من الصحيح أن نقول إن لكل من النجاح والفشل تعلق زمني، ما بين الماضي والحاضر والمستقبل. ولو دققنا سنرى أن الفشل في كثير من الأحيان هو شكل من أشكال التعلق بالماضي، بسلوكياته وانفعالاته! وقد يكون على النقيض شكلًا من أشكال التعلق بأحلام المستقبل مع عدم القدرة على تحقيقها، بينما النجاح يرتهن بتقوية الصلة بالواقع والتركيز على فهم ما بين أيدينا، وما نطمح إليه في ضوئه.

وبينما يعتمد النجاح على التحديد الدقيق للمعطيات وكذا النتائج المستهدفة، وإعادة تقييمهما من وقت لآخر، يمكن أن نقول إن من أسباب الفشل عدم فهم المعطيات الحقيقية، وإساءة تحديد الهدف المستقبلي. ولكن، ماذا لو كانت المعطيات مناسبة في بداية الموقف، ثم تغيرت، أليس هذا دافعًا للشخص الناجح لإعادة التقييم ومن ثم تغيير السلوك؟

سألني أحد الأصدقاء يومًا: متى يكون التوقف عن مطاردة أحلامنا علامة نضج، ومتى تكون دلالة سفاهة؟ ما الحد الفاصل بين الاستسلام الواعي ومطاردة السراب؟

قلت: في الأمور التي تتعلق بالفرد وحده، على الشخص إن أراد النجاح ألا ينتظر مساعدة من أحد، وأن يعتمد على نفسه قدر الإمكان، كما أنه من الحكمة ألا نهدر وقتنا وجهدنا في موقف، لا يبدو أنه سيتحسن. وتوقف الإنسان عن محاولة تحقيق هدف لأنه أعاد تقييم الهدف واكتشف أنه ليس بذي قيمة، أو لأن المعطيات الجديدة عند إعادة تقييم الموقف أرته أن الهدف لم يعد ذا جدوى أو لم يعد بالإمكان تحقيقه، ليس استسلامًا، وهو عين العقل، بل إنه لو استمر في محاولة تحقيق ذلك الهدف والحال كذلك سيكون فاشلًا بحق، كونه يصر على مطاردة السراب!

لكن في بعض الأحيان، لو كان الهدف يستحق الملاحقة، ربما عليه أن يعيد المحاولة لكن مع إجراء تعديلات، أي أن التقييم يشمل أيضًا السلوكيات نحو تحقيقه؛ والعاقل لا يستمر يكرر الأساليب نفسها التي قادته مرارًا إلى الفشل. العاقل لا يرفض التغيير الإيجابي؛ لذلك فإن المرونة وإعادة تقييم المعطيات والأهداف والوسائل كل فترة حتى بعد البدء في التنفيذ من عوامل النجاح.

لا تتوقف عن مساعيك لبلوغ الهدف لمجرد أنك فشلت مرة أو مرات، طالما أن الهدف يستحق السعي إليه، والفاشل هو من يتسرع ويحبط سريعًا؛ فمن أنواع الفشل؛ أن تقرر التخلي عن هدف حقيقي في حياتك، لأنك لا تملك القوة النفسية لأجل السعي لتحقيقه. لا تظن أن الانسحاب ليس خسارة! بالرغم من ذلك فإنه عندما يكون الهدف يستحق إعادة المحاولة ودأب السعي مع كونه صعب المنال، يكون من الحكمة أن نسعى في تحقيق أهداف أخرى موازية في حياتنا، مع عدم توقفنا عن محاولة تحقيق ذاك الهدف الصعب الكبير، كي لا نشعر أننا نهدر وقتنا وجهدنا دون عائد. كمثال على ذلك فإن أغلب طلاب الدراسات العليا يبدأون حياتهم المهنية والشخصية ويسعون لتحقيق أحلامهم فيها، مع استمرار مساعيهم نحو نيل الدرجة العلمية التي يأملونها، مع إدراكهم أن هذه الخطوات الموازية ستعطلهم وتؤخر حلمهم الكبير، ولكن الإنسان بحاجة لنجاحات صغيرة تشعره بأن شيئًا ذا قيمة يدخل إلى حياته.

يتغير الحال في بعض المواقف التي لا تتوقف على الفرد وحده، وإنما يستلزم تحقيق الهدف فيها تآزر جهد آخر أو آخرين، عندها يكون الاستسلام ضرورة عندما يكون التعاون مفقودًا. إن منتهى الإيجابية أن تستمر في البناء من جهتك، بينما الطرف الآخر من الجهة الأخرى يواصل الهدم أو لا يفعل شيئًا! لكن لا يمكن الاستمرار على هذا الحال! فعندما تكون متأكدًا أنك فعلت ما عليك، والطرف الآخر أو الأطراف الأخرى تصر على عدم القيام بما يلزمها من أدوار لإنجاح الموقف، فإما أن تتولى الأمر برُمته -وبعض المواقف لا يصلح فيها هذا الخيار حتى لو أردته-، أو أن تخرج نفسك منه برُمته، لأن الأحمق وحده من يظن أن العجلة يمكن أن تدور من نفسها.

وعلى كلٍ، فليس أحد مطالب بالقيام بأدوار غيره، وعلى كل إنسان أن ينضج انفعاليًا ويتفهم أن الآخرين ليسوا مكلفين بتعويض تقصيره إما لأنه يخشى على كرامته أو لأنه كسول أو لأنه عنيد أو.... أيًا كانت المسببات التي تقف وراء ثباته كالصنم. والبقاء في هذه الأحوال للطرف النشط يعني تعليق الموقف واستمراره أسيرًا له، وهو عائق كبير أمامنا يمنعنا من التفكير في أهداف أخرى ذات قيمة في حياتنا تستحق أن نضع جهدنا ووقتنا فيها.

الفاشل أيضًا يهمل نقاط قوته، وأحيانًا لا يكون على وعي بها! ويستشعر ضعفه، ويخشى الاقتراب من الأهداف الكبيرة. وهناك حكمة إنجليزية تقول: Sometimes, Avoiding Taking the RISK is the biggest Risk out of all. وترجمتها: في بعض الأحيان، يكون تجنب المخاطرة هو أكبر مخاطرة على الإطلاق.

والتأخر في أخذ الخطوة اللازمة في الوقت المناسب لأجل إصلاح خطأ أيضًا قد يكون سببًا من أسباب الفشل وتفاقمه.

الكبر أيضًا من مسببات الفشل، لأنه يجعل الإنسان يسرف في الثقة في قدراته، ولا يبذل الجهد اللازم في التخطيط والتنفيذ اللازمين لتحقيق الأهداف. كذلك فإن التشاؤم وضعف الثقة في النفس قد يجعله يوقف مساعيه نحو أهداف ربما كان تحقيقها في متناول يديه.

ومن السمات الانفعالية التي ترتبط كثيرًا بالفشل في الحياة الشخصية: التخوف من التغيير، والتحسف على النفس، وتضخيم أوجاعنا.

وقد يكون الخوف من كلام الناس وردود أفعالهم هو سبب الفشل، أو أن الشخص يستمع كثيرًا لهم، وربما يستمع لفلان فيقرر شيئًا، ثم يستشير علانًا فيغير رأيه، رغم أن رأيه هو الشخصي بخلاف رأيهما! افعل ما تراه صحيحًا، بغض النظر عن أفعال الآخرين، كذلك افعل ما تراه صحيحًا، بغض النظر عن ردود أفعالهم تجاه ما تفعل! يقول شكسبير: حياة يقودها عقلك، خير من حياة يقودها كلام الناس! كُن دائمًا فاعلًا وليس مفعولًا به! وتذكر عندما تقابل شيئًا أو شخصًا ذا قيمة في حياتك، أن تتخلص من مخاوفك، ولا تكثر القلق، وثق فيما تعتقد أنه صحيح.

وفيما يخص علاقاتك الشخصية تذكر أن الحب هو الأمان الحقيقي، ولا بد أن تحب نفسك أولًا لتكون قادرًا على حب الآخرين، وكي لا تسمح لنفسك بأن تصبح ضحية علاقات اجتماعية فاشلة.

أخيرًا، عندما تواجه مشكلة حددها بدقة، وابعد نفسك عن التفكير في الفرعيات؛ لأنك عندما تركز على شيء ليس هو في الحقيقة صلب الأمر، فهذا لا يساعدك في حل مشاكلك وتجاوز عقبات الحياة، كما أنك عندما تركز على مخاوفك لن تنجح. أغلب المخاوف لا تتحقق لكنها توقف حياتنا، لأنها تجعلنا لا نسعى نحو تحقيق أهدافنا، ومن ثم يصبح الفشل محققًا.

جميعنا في صراع مع ظروف الحياة، ولن تحصل على السعادة إلا إذا اقتنصتها، وإن لم تحارب لن تنتصر، فلا يصل لخط الفوز إلا من يستحق. كن قويًا، واعتمد على نفسك، فالبشر تتقاطع طرقهم معنا ونتلاقي ثم نفترق، وحياتك تحددها وحدك. 

 

د. منى زيتون

 

 

من منا لا ينزع الى الخلود.. من منا لا يبحث عن طريقٍ ما  لم يسلكْه أحدٌ غيره كي يخلدَ، وأجمل المعاني التي ندركها تلك التي نسلك دروبَها لوحدنا دون دال ومدلول، والمعادن الثمينة وجودُها نادر، وحيازُها صعب، كذلك المعاني الجميلة ليست سهلةَ المنال.

الأماكن مثل البشر لديها توق لتظفر بالمعاني الجميلة لكن طريقة التعبير لديها مختلفة عنا، هي تفرض علينا ذلك، وتستحِثَّ خطانا على بحثِ المعاني فيها، وكأنها تحمل إحساسَنا. ومن تلك المعاني نزعة الخلود. الجمادات لها إحساس لا ندركه نحن، يدعم كلامي هذا:

أولا: القرآن الكريم

بقوله: (تسبّحُ له السمواتُ السبعُ والأرضُ ومن فيهن وإن من شيءٍ الاّ يسبحُ بحمدِهِ ولكن لا تفقهون تسبيحَهم). (الإسراء - 44).

و(كل قد علم صلاته وتسبيحه). (النور - 41).

و (وإنَّ منها لما يهبطُ من خشيةِ الله).(البقرة – 74).

ثانيا: علم الفيزياء

أثبتَ هذه الحقيقةَ بكل يقين، أن كلَّ الجمادات فيها من الإحساس ما لا يدركه أي أحد. هو إحساس خاص بها غير إحساس الكائنات الحية الناطقة الأخرى.

علماء الفيزياء الكوريون (حدّدوا موطنَ الإحساس في بعضِ قطعِ الجماد، وتخاطبوا معها بأنواعٍ

من الأشعة التي تحركها، وتبين لهم أن للجمادِ مواطنَ إحساس وذاكرة؛ يمكن التعامل معها بصورة علمية، فقد أكّدَ مشاهدون رأوا ذلك حقيقة حيث وضعوا أمامهم قطعةَ حديد مطوية، ثم سحبوها حتى أصبحت سلكاً مستقيماً من الحديد، ثم أرسلوا اليها أشعةً من جهاز صغير يشبه القلم؛ فعادت الى حالتها الأولى(الحلزونية)، وقالوا لقد أجريت على هذه القطعة دراسات مركزة حتى وصلنا الى موطن الإحساس فيها؛ فأصبحنا نخاطب هذا الموطن بالأشعة.

وفي علم الفيزياء تنص نظرية الذرة على أن كل مادة تحتوي على ذرات صغيرة جدا لا ترى بالعين المجردة، وكل ذرة تحتوي على ألكترونات تدور حول النواة، وتتكون النواة من البروتونات والنيوترونات، وتتحكم حركة الألكترونات من حيث سرعتِها واتجاهِها بحسب الطاقة التي تسلط عليها، وبذلك فإن كلَّ الأجسام بما في ذلك الجمادات تتحرك على مستوى الذرة. والذرة تتأثر بالطاقة التي تسلط عليها، والطاقة هنا هي الأحاسيس الإيجابية أو السلبية التي ينقلها الإنسان الى هذا الجماد. وكما نعلم ان  الجمادات حولنا كثيرة لا نحصيها، والماء من أكثر الجمادات أو(العناصر) التي تشعر بالبشر، وتتفاعل مع مشاعرِنا وحالتِنا النفسية السلبية أو الايجابية، كذلك الجدران تتأثر بالمشاعر على المدى الطويل ولها ذاكرة، وتخزن الطاقة الايجابية أو السلبية) (وليد سليمان. جريدة الرأي، السبت 2/4/2001، حقل أبواب).

الماء يتأثر وتتغير جزيئاته بشكل جميل جدا، خصوصا مع الموسيقى الهادئة، (وجعلنا من الماء كل شيء حي)(الأنبياء – 30).

هذه الآية الكريمة لا تشير الى الماء كونه مصدر الحياة فحسب بل إن الماء يتأثر بمزاج الانسان فهو يعي ويفهم ويتأثر!!!

لقد بحث العالم الياباني سمارا ايموتو في مجال الطاقة السلبية على الانسان فجنّد نفسه وبحث في علم البلوريات وهو علم قائم بذاته وحقل من حقول علم الجيولوجيا (علم الأرض ودراستها) وقال: “إذا تم توجيه كلام أو أفكار شخص ما الى قطيرات  ماء قبل تجمدها فإن أشكال بلورات الماء  ستكون إما جميلة أو بشعة اعتمادا على كلام أو وأفكار ذلك الشخص ما إذا كانت إيجابية أو سلبية. ويقول ايموتو: إن هذا يمكن أن يحدث بإلصاق كلمات مكتوبة أو موسيقى أو صلوات الى جانب وعاء ماء.  فتجارب ايموتو على بلورات الماء كانت عبارة عن تعريض الماء في الزجاجات لكلمات أو صور أو موسيقى ثم تجميده، وفحص النتائج الجمالية للبلورات الناتجة باستخدام التصوير الميكروسكوبي، ووجد ان الماء يتأثر بالكلام الطيب وبذكر الله تعالى عند التسمية عليه وبأسماء الله الحسنى، وليخرج على العالم بكتاب يقع في خمسة مجلدات أسماه (رسالة من الماء Message from Water). ذكر فيها الأعاجيب وكيف يتغير تركيب الماء البلوري لكل اسم من أسماء الله الحسنى، وعند ألاذان، وعند التسمية عليه وقراءة القرآن”. (موقع دنيا الوطن- 18/7/2012).

الماء والأرض توجد محاكاة بينهما فالأرض تتأثر بمجرد نزول الماء عليها. يقول تبارك وتعالى تعالى: (وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [فصلت: 39]. هنا يحصل اقتران بين نزول الماء وإحياء الأرض. في ضوء ما ذكرنا يمكننا أن نستنتج أن الماء يحمل قوة إحياء للأرض.

"إن الماء يسبب اهتزاز الأرض وقد ثبت علمياً أن اختلاط جزيئات الماء مع جزيئات التراب يسبب الاهتزاز لهذه الجزيئات لأن الماء يحوي طاقة عالية، يقول تعالى: (وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ * ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [الحج: 5-6].

من هنا يمكننا القول: "بما أن الماء يحمل الحياة للنبات، ويحمل الحياة لكل خلية من خلايا جسدنا، وكذلك فإن الأرض كما أنها تهتز بنزول الماء عليها فإن خلايا الجسد تتأثر وتهتز بدخول الماء فيها، ومن الممكن أن يتأثر الماء بالاهتزازات الصوتية (فالصوت هو موجات أو اهتزازات ميكانيكية تنتقل عبر الهواء وتنتقل عبر الماء بسرعة أكبر بكثير!) إذاً من الممكن أن الماء بعد قراءة القرآن عليه أن يصبح أكثر قدرة على الشفاء، وهل نجرب كما جرب بعض علماء الغرب الذين تناولوا هذا الكتاب – رسالة من الماء -  بريّ مزروعاتهم بمياه قالوا لها كلمات طيبة فشاهدوا كثرتها وازدياد خيرها."(موقع دنيا الوطن، 18/7/2012).

وفي الماء المسلط عليه طاقة ايجابية كقراءة الأسماء الحسنى وذكر الله وما شابه يكون فيه  شفاء للجسد، وخلايا الجسد حاجتها ماسة مباشرة اليه، لذلك لا عجب حينما نسمع بأن ماء مقدساً في مكان ما يتشافى فيه الناس حين يتناولونه، أو يغتسلون به.

وفي ضوء ما تقدم ذكره، تتبين لدينا حقيقة وهي؛ حينما نلج أماكن العبادة يحدث لدينا شعور الطمأنينة والسكينة والخشوع والجلال المعنوي، وهي معان احتوتها الطاقة الإيجابية المسلطة على فضاء تلك الأماكن المقدسة بشكل يومي؛ فتشربتها جدرانها بسبب كثرة ذكر الله فيها فَسادَها ذلك الفضاء القدسي.

ميتافيزيقا المكان

(ميتا) مصطلحٌ يطلق على ال(ماوراء)، (فيزيقا) تعني (الوجود المادي)، وإذا اجتمعتا صارتا(ميتافيزيقا) وتعني (ماوراء الوجود المادي)، يعني الغيبي. وأيضا تعني خارج الحواس والشعور، أو اللاشعور.

"ميتافيزيقا(Metaphysics) تعني ما بعد الطبيعة، أو علم ما بعد الطبيعة، وهو الفلسفة الأولى في مراتب الفلسفات، وهو علم الربوبية، والعلم بالموجود بما هو موجود. والعلم الإلهي الذي مجاله البحث في الموجود المطلق، والحقيقة المطلقة لا الحقيقة النسبية، والبحث في المبادئ الكلية والعلل الأولى، وأحوال الموجودات التي لا تفتقر في وجودها الى المادة، والوجود الواجب، وآلته الحدس المباشر وليس الاستدلال والتحصيل والنظر العقلي. وهو أعم وأعلى من سائر العلوم، لأنه العلم بالمبادئ التي تستخدمها سائر العلوم. وغرض علم الميتافيزيقا الاطلاع على الحقيقة المطلقة لا الحقيقة النسبية، واستخلاص المعارف القبلية والمجردة الخارجة عن نطاق التجربة، والنفاذ الى الوجود الحقيقي خلف كل تجربة، والبحث عن حقائق الأشياء وأصولها. وقد تنقسم الميتافيزيقا لذلك الى ميتافيزيقا عامة أو علم الوجود بما هو موجود، وميتافيزيقا خاصة هي علم الموجودات، ونظرية الكون وحقيقة المادة ". (المعجم الشامل لمصطلحات الفلسفة، د. عبد المنعم الحفني، القاهرة: مكتبة مدبولي، ط3، 2000، ص859).

ميتافيزيقا المكان تعني غيبيةَ ولاشعوريةَ المكان. المكانُ فيه بعدان مادي ومعنوي، يعني نحياه في الشعور واللاشعور، بالجسدِ والروح. الجسدُ يمثل الجانب المادي، والروحُ تمثل الجانب المعنوي؛ فالجسد غير الروح. حين نعقل أشياءَ فهذا معناه أننا نُدخِلها في حيّزِها المادي العقلي؛ فنخضعها للتصور والجدل والدليل والبرهان، لكن حين نحسُّها بالروح؛ فهذا معناه أنها خارج عن عالم الشهود وعن العقل، وهي في حيّز المعنى الذي نعيشُه بشعورٍ متجرد عن الحواس وهو ليس بحاجة لدليلٍ وبرهان؛ ويعتمد بشكل كلي على إحساسِنا الداخلي بالأشياء. مثلا حينما نريد تأليف قصيدة شعر فإن أبيات القصيدة سوف نُخضِعُها لعالمِ الخيال لأن الشعرَ يحوم فيه، وحين نكملها بخيالِنا وإحساسِنا الداخلي، تولد بهيئة أبياتٍ مكتوبةٍ متجسدةٍ أمامنا على الورق، فوجودُها في عالم المعنى والخيال غير وجودها على عالم الورق والكتاب المحسوس والمرئي أمامنا، وهذا الذي أقصده بالفرق بين الوجود المادي والوجود المعنوي للشيء.

نحن نحيى في أكوانٍ عدة، ولعل أهمها إثنان هما:

الأول: المنزل أو السكن: وهو أولُ كونٍ يضمنا بين كفّيه الكريمتين، وننبسط بين بُعدَيْه المادي والمعنوي:

1- المادي: وينبسط في إمتدادين هما:

أ- أفقي يشمل كل احتياجاتِنا المادية اللازمة لتكوينِنا الجسدي، وهي ممتدة ومنبسطة مع وجودنا فيه. دور المنزل هنا هو دور الفاعل.

ب - عمودي، وهو المتمثل بالسعي والحركة بقوةٍ لنيلِ أمانينا بجدٍ ومثابرةٍ واجتهاد، في ظله. دورنا هنا هو دور الفاعل.

2- والمعنوي أيضا ينبسط في امتدادين هما:

أ- أفقي: يشمل كلَ احتياجاتِنا المعنوية متمثلاً بمعاني الدفء، والحب، والسكينة، والطمأنينة، والأمان، نستقيها من معينه المنبسط والممتد معنا ما دمنا بين أحضانه؛ فهو المهد الأول الذي يضمنا، وأيضا دورُ المنزل هنا دورُ الفاعل.

ب – عمودي: ويمثل المنهلَ الخالد الذي نرتشف منه صفوَ المعاني التي نلبث نحملها على امتداد أعمارِنا حتى في لا شعورِنا. دورنا هنا هو دورُ الفاعل.

لذا فحين نسمع أحياناً أن بعضَ الناس يولدون ويموتون في نفس المنزل، ومن بعدهم يسكنه الأبناءُ والأحفادُ لا نستغرب ذلك؛ لأن المنزلَ ألهمهم قيماً ومعانيَ صارت متأصلةً حتى في زواياه، وأركانِه، وأجوائِه، وفضائِه، وهوائِه؛ فالمنزل لم يعد بناءً صامتاً من الحجر والجدران والحديد وغيره، بل صار سكناً يعبق بالمعاني التي اندكت في شخوصهم، ففيه يجدون لذّتَها وعذوبتَها، ولا يمكنهم أن يبرحوها، ولبثوا في منزلهم يتوارثون استنشاق معانيه العبقة جيلاً عن جيل.

الثاني: البيئة أو المكان: وهو الذي نتحرك فيه، ويضم المنازلَ ومساكنَ الآخرين النظيرة لمسكنِنا، والطبيعةَ وكلَ صور الحياة الأخرى. وهي مثيلة السكن بالضبط لا فرق، ففيها جانبان؛ هما:

1- المادي:  وينبسط في امتدادين هما:

أ- أفقي: وهو الحسي متمثلاً بكل ما تضم طبيعة المكان من أشياءَ مرئيةٍ، نستمتع ونتلذذ بها، وطبعا حسب طبيعتِه كأن يكون غنياً، فإن كان غنياً نرتع بخيراتِه ونعيمِه وخصبِه وما احتوت طبيعتُه من كنوز، وإن كان فقيرا فسيكون له أثرا سلبيا على نفوسنا يرافقنا حتى في المستقبل البعيد. ودور المكان هنا دور الفاعل.

ب- عمودي: ويشمل وظيفتنا المادية وعطاؤنا في العمل والسعي لبناء المكان والسعي لإستجلاء أكمل وأجمل صورة له ويعتمد هذا على إخلاصنا في العمل والجد، وكل بحسبه واختصاصه. دورنا هنا دور الفاعل.

2-المعنوي: وينبسط في امتدادين هما:

أ- أفقي: وهو معين القيم النقية الذي يستبطنه المكان،  فترتشف منه أرواحُنا، فنستشعرُ لذةَ المعاني التي تضفيها علينا الحياة في طبيعته، التي  لها دورٌ كبير في خلقِ طبيعة شخوصنا. دور المكان هنا دور الفاعل.

ب- عمودي: روح المكان المعطاءة هي منجمنا الأول والدائم الذي منه نستلهم المعانيَ الجميلة التي تسند أرواحَنا وتلبث متكّأَنا على امتداد أيامِنا. فإذا كانت الطبيعةُ غنيةً بكل ما احتوته بين كفيها الكريمتين فستكون هي الفيصل في خلقِ أبعاد شخوصنا على مختلف الأصعدة، وأما إذا كان فقيراً فهذا سينعكس قطعاً على رسم معالم شخوصنا كاملة وعلى المدى البعيد. دورنا هنا دور الفاعل.

يحضرُ في ذهني مثالٌ  ذكرته بنت الشاطئ في إحدى مؤلفاتها عن النبي ابراهيم (ع)، وللأسف لم أعثر على المصدر، قرأته قبل عشرين عاما، وهو - كما قيل وقرأناه وربما لم يقرأْه بعضٌ في الروايات التاريخية - أن الأسباطَ الذين تحدث عنهم القرآن الكريم والممتدين من أبناء النبي يعقوب بن إبراهيم (ع)، كان موطنُهم الأول هو مكة المكرمة، لكنهم حينما غادروا مكةَ وتفرّقوا في الأرضِ أخذوا معهم حجارةً من البيتِ الحرام لتمكثَ ذكرى من مكةَ موطنِهم الحبيب، ومن البيتِ الحرام الذي هو ملهمهم الروحي والمعنوي، وقد تكاثروا فيما بعد، ومكث الحنينُ منهم لمكة جارفاً وحاراً للحدّ الذي قدّسوا الحجارة، وأخذوا يضعونها في الوسط ويدورون حولها أينما حلوا ويتمتمون بأورادٍ خاصة شبيهةٍ بأورادِنا التي نرددها حين الطواف حول البيت الحرام، على امتداد أعمارِهم من جيل الى جيل، وحتى بعد أن افتقدوا تلك الحجارة أخذوا أحجاراً وانتهوا بنحتِها على شكل أصنام، فصنعوها أصناماً تحمل أسماء بشرية، ومكثوا يدورون حولها في أي مكان يحلون فيه. وهكذا نشأت عبادةُ الأصنام خارج مكة، وهي بالأصل تقديسٌ لأرضِ مكةَ وحبُ المكانِ والوطنِ الملهم حتى جاء الإسلامُ فحطّمَها.

الأهوارُ شهدت رحلةَ البحثِ عن  الخلود

منطقة شاء الله لها أن تكونَ قبل التاريخ، لم تطرقْ أبواب التاريخ. التاريخ طرق أبوابَها؛ كانت هي  ثم كان التاريخ.

كانت الأهوار، وكانت الجزائر(الجبايش) التي تعانق الهور بعنقها المزدان بعِقْدِ أحجار نفيسة: الماء، الغرين، البردي والقصب، النخيل؛ هذه الرباعية رسمت لها نقشاً جميلاً على خارطة الأرض، حتى أُطلق عليها في العهد القديم ب(جنات عدن)، ثم أطلق القرآن الكريم عليها وعلى مثيلاتِها بقوله (وجعلنا فيها جنات من نخيلٍ وأعنابٍ وفجرنا فيها من العيونِ ليأكلوا من ثمرِه وما عملته أيديهم..).

إبن الأهوار، طفق يبحث عن سحر الخلود وبحث عنه في النهر، لأن لا وجودَ لغير النهر حواليه، فكما أن الحياةَ جاريةٌ فيه كجريان الماء؛ فبحثه عن الخلود كذلك أراده من الطبيعة المحيطة، ومن الماء الكريم تحديداً، فظنّ أن الطبيعة تجود عليه بكرمِها؛ فتخلّده بنعيمِها الذي لاينضب. فهو لايكلّفُ نفسَه بالسعي الطويل والبحثِ والتنقيب، لكون الحياة غنيةً حواليه، وفيها تراكمٌ هائلٌ لذلك نزعة الميل للخلود عنده عالية، لأن خيرَ الأرض متدفقٌ على الدوام. والخلودُ هو مفهومٌ ميتافيزيقي استقاه "أوتونابيشتم" (نوح) كما تقول بعض الروايات التاريخية، من مفهوم خلودِ الإله، وذلك بعد خوضِه تجربةِ الطوفان العظيم، الذي أقرّ بعده بأن الخلودَ للإله فقط، بعد أن غرق كل ما على الأرض ولم يبق سوى هو وزوجته، ومن على سفينته، وقصّ قصتَه على "كلكامش"، بعد أن رآه حزيناً على صديقِه الفقيد " أنكيدو".

كان "أوتونابيشتم" يبحث عن خلودٍ مادي للجسد، كما ورد في ملحمة كلكامش، الذي أفقده الموتُ صديقَه الحميم "أنكيدو" بعد دخولهما غابة الأشجار وقتلا حارس الغابة "خومبابا"،  الذي أثار مقتلُه غضبَ إلهة الماء"أنليل" وبمقتله شاعت شهرةُ كلكامش البطل؛ فتحاول الآلهة"عشتار" التقرب منه بغرض الزواج، لكن "كلكامش" يرفض العرضَ، فتشعر الآلهة"عشتار" بالإهانة، وتغضب غضباً شديداً؛ فتطلب من والدها"آنو" إله السماء أن ينتقم لكبريائِها؛ فيقوم "آنو" بإرسالِ ثورٍ مقدسٍ من السماء؛ لكن "أنكيدو" يتمكن من الإمساك بقرنِ الثور ويقوم "كلكامش" بالإجهاز عليه وقتله، بعد مقتلِ الثور المقدس تعقد الآلهة اجتماعاً؛ للنظر في كيفية معاقبة "كلكامش" و"أنكيدو" لقتلهما مخلوقاً مقدساً؛ فيقرر الآلهة على قتل "أنكيدو"؛ لأنه كان من البشر؛ أما "كلكامش" فكان يسري في عروقِه دمُ الآلهة من جانب والدته التي هي إلهٌ خالد، ووالده بشرٌ فانٍ، وتُنزل الآلهة مرضا أصاب "أنكيدو" الصديقِ الحميم لكلكامش فيموت بعد فترة. موت "أنكيدو" أغرق "كلكامش" في حزن عميق عليه، وفكر بطريقة ما تبقيه خالدا، لأنه كان  خائفا من الموت في قرارة نفسه؛ فبدأ "كلكامش" في رحلة البحث عن الخلود وعليه أن يجد الإنسان الوحيد الذي وصل الى تحقيقِ الخلود وكان أسمه"أوتونابيشتم"، وأثناء بحثه عنه يلتقي بإحدى الإلهات واسمها (سيدوري)، فتقوم بتقديمِ مجموعةٍ من النصائح لكلكامش ليقى خالد، والتي تتلخص بأن يستمتعَ بما تبقى له من الحياة بدلا من أين يقضيها في البحث عن الخلود؛ ويحاول أن يكون سعيدا، لكن "كلكامش" كان مصراً على سعيه في الوصول الى "أوتونابيشتم"؛ لمعرفة سر الخلود؛ فتقوم (سيدوري) بإرسال كلكامش الى الطوّاف (أورشنبي)؛ ليساعده في عبور بحر الأموات (البحرين) حاليا، ليصل الى "أوتونابيشتم" الإنسان الوحيد الذي استطاع بلوغ الخلود، وعندما يجده يبدأ الأخير بسرد قصة الطوفان العظيم الذي حدث بأمر الآلهة، وقصة الطوفان هنا شبيهة جداً بقصة طوفان(نوح)، وقد نجا "أوتونابيشتم" وزوجته من الطوفان، وقررت الآلهة منحهم الخلود. تشعر زوجته بالشفقةِ على "كلكامش"؛ فتدله على عشبٍ سحري تحت البحر بإمكانه إرجاع الشباب الى "كلكامش" بعد أن فشل مسعاه في الخلود؛ فيغوص "كلكامش" في أعماق البحر في أرض الخلود، ويتمكن من اقتلاع العشب السحري. وبعد حصول "كلكامش"على العشب السحري يقرر أن يأخذه الى أورك؛ ولكن في طريق عودته وعندما كان يغتسل في النهر سرقت العشب إحدى الأفاعي وتناولته؛ فرجع "كلكامش" الى أورك خالي اليدين، وفي طريق العودة يشاهد السورَ العظيم الذي بناه حول أورك؛ فيفكر في قرارةِ نفسه أن عملاً ضخماً كهذا السور هو أفضل طريقة ليخلدَ أسمَه. (ملحمة كلكامش. طه باقر. مكتبة النور).

وقيل أن "كلكامش" بعث" أتونابيشتم" للبحث عن الخلود؛ فطفق يبحث عنه في نبتةٍ أُبلغ عنها أنها في قاع النهر، ولما استخرجها منه؛ جاء يعدو مسرعاً فرحاً لصديقِه بمحاذاة النهر، وفي الأثناء خرجت حية منه، وأكلت النبتة التي بيده؛ فعاد الى صديقه "كلكامش"، مستسلماً يائساً معلناً أن لاخلودَ للجسدِ المادي.

الماء ..الكنز العظيم

الماء ألماس الأحجار الكريمة، هذا المخلوق الغني المغتني، الذي أعطى للحياة معنىً على بقعة من بقاع الأرض تعانق الهور، والهور روح الحياة فيها؛ فاحتضن الأرض، والسماء، والحياة، والطبيعة، والناس، وكل شيء.

اتخذها السومريون موطناً لهم، وما كانوا مخطئين؛ حيث الماء شرط بزوغ فجر الحضارة. هو الشريان الأبهر لقلب الحياة هنا؛ منه تتفرع شرايين تتخلل الحياة وتدخل بجزيئاتِها وذراتِها، وهو عاملُ خيرٍ، وخصبٍ، ونماءٍ، وعطاءٍ للأرض، وللإنسان.

الماءُ كائن حي يهبُ الحياةَ لكل شيء (وجعلنا من الماء كل شيء حي). الماء حين يغطي ثلاثةَ أرباع الأرض في هذه المنطقة، يعني يتغلغل في أعماق حياة الناس المادية، والمعنوية هنا.

على الصعيد المادي، الماءُ أغنى الأرضَ، وفجّرَها ينابيعَ (فسالتْ أوديةٌ بقدرها)، فانفجرت بخيراتِها، بنخيلِها، وأشجارِها، وثمرِها، وزرعِها، وينعِها، وكل شيء. والخيرُ هنا متدفقٌ مادام الماءُ  متدفقاً بالكرم والعطاء للحياة، فتمتلىء نفوسُ الناس، وحين تمتلىءُ النفوسُ ينبثق العطاءُ، والعطاءُ هنا هو ضربٌ من ضروبِ الكرم الذي هو في الواقع الكرم المستمد من الماء، نسميه – الكرم المائي- لا يقف، أو يتوقف عند أحد، أو محطة... هو متدفق على الدوام، مثالنا هنا هو: قوةُ دفعِ الماء المتدفق بالتساوي على بستانِ نخيلٍ يمثل العطاء، والعطاء الدفّاق هنا أن كلَّ نخلةٍ ستعطي ثمارَها لوجود الحياة المستديمة المستمدة من الماء، فالكرم خرج من كونه بشرياً بحتاً صار كرماً مائياً بحتاً، والكرم البشري هنا خرج من كونِه صفةً للشخصية الى أصلٍ فيها.

الماءُ عاملُ أساسٍ لاستقرار الإنسانِ لذلك لا يمكن لأي حضارة أن تقوم ما لم يوجدْ الماء. والأرضُ كريمةٌ بالأساس فصنعت الطبيعة الساحرة الغنية.

ميتافيزيقا الجبايش

طبيعةٌ ضُمَّت بين كفّي الجبايش بكل ما تملك من غنىً وثراءٍ مادي مستمدٍ من الماء، أغنى الأرضَ والسماءَ والهواءَ والناس؛ ومعنويٌ مستلهمٌ من طبيعتِها التي تستدعي ساكنَها للتأملِ والصمتِ والسكينة، فتهدّئ النفسَ والأعصابَ وتدخل بشكل مباشر في خلقِ الشخصية، لأنها تتغلغل بالعمقِ فيها كما يتغلغل الماءُ في عمق الحياة الذي يتخلل حتى زوايا المنازل.

على الصعيد المعنوي؛ جغرافية المكان لها أبلغ الأثر في تكوين الشخصية. يمكث البعدُ المعنوي لطبيعتها ثاوياً في أعماق ساكنِها حتى على امتداد حياته المستقبلية. الماء الذي احتوى حياةَ أهلِ الأهوار المادية  هو أيضا احتوى حياتَهم المعنوية، إذ تتجسّدُ فيهم دماثةُ الأخلاق، وأصالةُ القيم والتقاليد، وجمالُ، ودفءُ، وكرمُ النفوس، وهدوءُ الطباع، فالماء حسب علم النفس له أبلغ الأثر في تهدئةِ النفوس وسكينتِها. وانعكس كل ذلك على طبيعة العلاقات الاجتماعية، وسلوكيات الناسِ وأخلاقِهم.

في زيارتي لمدن الأهوار وتحديدا لمنطقة (الجبايش) لمحتُ الهدوءَ والطمأنينةَ على محيا أهلها؛ رغم الظلم والمحن والآلام التي لحقت بأرواحِهم المحبةِ لأرضِهم الكريمة، وطبيعتِهم الغنية والثرية بما اختصها اللهُ دون غيرها. المكانُ الذي تولد فيه وتنشأ فيه يبقى ماكثاً حضوره في وعيِك وفي لاوعيِك.

قناةُ الحرة في حوارها معه، عبّر الأديب الراحل(فهد الأسدي) عن ميتافيزيقا الجبايش قائلا: "ما زلت مشدوداً الى ذلك المكان، ما زلت مشدوداً الى العجينةِ التي أُقتطعتُ منها حتى في كتابتي، لأن جوَّ الجبايش وجوَّ الهور كان يشدني فيها، وما زلتُ في قصصي الكثيرة وحتى أساطيري أبحث عن الأساطير السومرية القديمة، لأني أجد فيها كل ما يشدني". فمن الهور وطبيعتِه الموحية استلهم الأديب الراحل روحَ الأدبِ والأسطورةِ والقصةِ، وضلت مهيمنةً على إحساسِه حتى آخر يومٍ من حياته؛ فلا عجب أن تلدَ طبيعةُ الجبايش قامةً مثل الأديب(فهد الأسدي) الذي وُصف  بأنه(ماركيز، وديستوفيسكي العراق) –حسب وصف النقاد والأدباء له -، وهو بالفعل يحمل هذا  الوصف بلا منازع.

الجبايش فضائي الميتافيزيقي الموحي لروحي بالحبِ، والدفءِ، والصدقِ، وضوءِ الأمل الذي استمدّتُه من شمسِها الصافية، التي علّمتني الصدقَ والإخلاصَ في كل محطات مسيرتي الطويلة، ومنها انطلقتُ لرسم خارطة حياتي التي نقشتُها على صفحةِ عمري وتلوّنت بألوان الجبايش وهي الأصل، وأخرى دخيلة عليها وهي الفرع لتنوع الحياةِ والظروفِ المفروضةِ التي لا دخلَ لإرادتي فيها.

أتمنى لو كنت متحررةً من كل مسؤولياتي لاخترتُ الجبايش محطةً أقضي فيها ماتبقى من سنيّ حياتي، حيث الهدوء، والاسترخاء، والدفء الذي استبطنته على مدار السنين متجلياً لمّا يزل فيها، إضافة الى النهرِ، والهورِ الموحي بالمعنى والجمال، والمضائفَ والصرائفَ المتبقية فيها، فضلا على نظافتها المريحة للنفس، وكل ما فيها يبعث فيك الراحة، والطمأنينة، واستجلاء الجمال الذي  يعتمد أيضا على روحك الباحثة عنه (كنْ جميلا ترَ الوجودَ جميلا).

حبي للشمس واهتمامي بها منذ طفولتي ربما حَمَلَني على اختراقِ الأشياء والمواقفَ والأمورِ بحدّةٍ، مزيحةً الغمامة التي تعترضني؛ وأنتزعُ منها نقطةَ ضوءٍ، تزيحُ عني أيةَ حالةِ يأسٍ في مسيرة حياتي الملَّونة بألوانٍ شتى.

(الإيمان ...أن ترى النورَ داخل قلبك حتى لو أن عينيك لا ترى إلاّ الظلام).

(ليسطعَ النورُ في أعماقِك يجب أن يحترقَ شيءٌ فيك).

(لو زالَ منك الأنا لاحَ لك من أنا) (جلال الدين الرومي).

وهذه الحالة رافقتني على امتداد أيام عمري حتى استطعت إنجاز الكثير، بالاعتماد على نقطة ضوء الأمل في قاعِ نفسي، حتى ولو كنتُ في أحلك الظروف.

إن من يرَ القبحَ في كل شيء لايرى الاّ نفسَه، وهي حالة مستوحاة من نرجسية حادة ينطوي عليها صاحبها.

ربما لأني ولدتُ فيها وعشتُ طفولتي، مكثتْ الجبايش حافرةً في وجداني وذاكرتي. السكنُ في الأماكن الملهمة يجعلك تبدع إذا كنت كاتباً أو أديباً أو...

بفضلِ عصرِ انفجار المعلومة؛ ضُمَّ العالمُ اليوم في قرية واحدة، فلا  البعد يُقصيه ولا القرب يُدنيه. عالم النت طوى المسافات والزمان والمكان. المدنُ الصغرى ملهمةٌ لكبارِ السن أكثر من المدن الكبرى التي تلتهم العمرَ، وتأكُلُه بالخلسةِ والخفاءِ كما يأكلُ السوسُ الخشب.

الأماكن ملهمةٌ، روحُها الخاصة تهبُنا معانيَ وقيماً مضيئةً، فيما اذا تجاوزنا عالمَ التشاؤمِ والضبابيةِ الذي يغشي حياةَ بعضٍ منا، فيحجبُه عن إدراكِ أنقى المعاني وأجملِها.

(هل تعرف ما أنتَ؟ أنتَ مخطوطةٌ إلهية، أنتَ مرآةٌ تعكس الوجهَ النبيل. هذا الكون ليس خارجك. أنظر داخل نفسك كل ما تود أن تكون عليه موجودٌ فيك بالفعل).

(مادام قلبك قد تعلم إشعال الشموع.. فإن الشمس لا تجرؤ على إحراقه)(جلال الدين الرومي).

 

بقلم: إنتزال الجبوري