المهدي بسطيلي"يبدو الأمر شبيه بالمحرم والمجرم، أنت متهم إذا ناقشت وتحدث عن الجنس بمجتمعاتنا، ونظرت بصورة تحتمل قدر لا بأس به من المنطق، هي حالة مرضية يرفض صاحبها تشخيص مرضه ويصبح السوي فيها موصوما اجتماعيا ومنحلا أخلاقيا "

كيف ننظر للجنس؟

أثارتني في الحقيقة نظرية الإنتقال الجنسي التي تحدث عنها عالم الاجتماع عبد الصمد الديالمي المتخصص في سوسيولوجيا النوع، حينما تحدث عن مسار العلاقة بين السلوك الجنسي والمعيار الديني. في المرحلة الأولى وتحديدا منذ جيل الستينات إلى جيل الألفين كان السلوك الجنسي محكوم ومؤطر بالمعيار الديني، أي النص المقدس وبالتالي فكل العلاقات الجنسية تتم داخل إطار مؤسسة الزواج (خضوع تام للمعيار الديني)، في المرحلة الثانية والتي في حقيقة الأمر تحتاج الكثير من محاولات التحليل والتفسير، منذ جيل الألفينات إلى الآن قصور المعيار الديني في تأطير السلوك الجنسي، وبالتالي أصبحت العلاقات الجنسية تتم أيضا خارج مؤسسة الزواج، فبالرغم من استمرار النص الديني من خلال مختلف تأويلاته، للتحريم والتجريم يستمر السلوك الجنسي في التمرد عليه، ويلاحظ أيضا أنه خلال هذه الفترة يسجل حضور قوي للنص أكثر من المرحلة الأولى، اذن لمذا هذا التناقض؟ هل تفسره المسألة "كل محظور مرغوب فيه"؟

ربما تحيل المسألة في سياق التفسير على الدراسة التي قام بها الأستاذ عبد الرحيم عنبي انتقال استخدامات الجسد الأنثوي، والتي أعتبرها جوابا قد يفسر هذه "السكيزوفرينيا" التي نعيشها خلال هذه المرحة، بأن الجسد الأنثوي انتقل في تأدية وظيفته من الإنتاج البيولوجي وبالتالي انتقال من  النظر للمرأة في أنها الحرث الخصب لإكثار النسل، واستحضار مختلف التأويلات والغايات السامية في تعمير الأٍرض وغيرها، إلى تحقيق المتعة الجنسية اليوم فقط والعامل المفسر هو الارتفاع القوي لاستهلاك موانع العمل بالمجتمع المغربي داخل نسب كبيرة جدا تحتاج ما تحتاجه من التفسير والتحليل، وبالمقابل أيضا الاستهلاك القوي للمحفزات الجنسية سواء منها الطبيعية أو الاصطناعية

نستنتج اذن أنه هناك انتقال في سياق خروج السلوك الجنسي عن طوع السلوك الديني والحظور القوي لكليهما في نفس الوقت وكلما ازداد السلوك الديني تحريما وتجريما كلما ازداد السلوك الجنسي من نشاطه.

نستنتج أيضا وجود إنتقال في النظرة لدور الجسد الأنثوي واستخداماته من الإنتاج البيولوجي إلى تحقيق المتعة الجنسية مع وجود النص الديني طبعا. ماهي نتيجة هذه الحالة من التناقض التي اعتبرها الديالمي انفجار جنسي مرغوب فيه وغير مباح؟

يمكن اعتبار هذه الحالة نوع من النفاق الاجتماعي رغم أن مصطلح النفاق لا يحظى بقدر العلمي لكنه يبدو حاملا للمعنى المطلوب، وهي تناقضات بين القول والفعل في استحضار مستمر للنص الديني، من خلال تأويلاته ونتبجح باستمرار به لكننا نشجع بشكل خفي وظاهر في كثير من الأحيان على ممارسة الجنس، ونمارسه في سياق يتناقض تماما مع القول الديني، وهو ما دفع الديالمي للقول بضرورة علمنة المعيار الديني في الجنس

ألا يبدو الأمر مفسرا لمختلف جرائم المتأسلمين في السلوك الجنسي؟

ألا يبدو هذا مفسرا لكثير من الأحداث التي شهدناها، حالات اغتصاب في حق قاصرين قام بها شيوخ دين كما يدعون؟

إن الفرد المغربي يستدعي الإسلام الشعبي في كل محطات حياته، وحتى في المسألة الجنسية

ويتعامل بنوع من الإنتهازية الخطيرة جدا، ويعتبر علاقته الجنسية الشرعية محكومة بشروط الحياء كما يتمثله هو، ويرفض كل محاولات النقاش من أجل متعة جنسية للطرفين، رغم حاجته المشتركة لذلك، ويبحث في المقابل عن متعة جنسية مع طرف آخر خارج العلاقة الشرعية، وقد يتقبل كل أنواع المتع الجنسية ويحللها حينها، ولعل ها التناقض خطير يعاني منه الفرد المغربي وينعكس بالضرورة على علاقته الأسرية. وهذا كله في سياق حضور المعيار الديني.

كما أن المغربي (الذكر) منذ بلوغه، يجد نفسه مطالبا بفتح غزواته الجنسية الخاصة، والإستمتاع بعلاقته الجنسية مع نساء مختلفات، وعليه أن يبحث في أخر المطاف على أنثى حافظت على جسدها الذي لا تملك الحق فيه، وينادي بحقه المشروع في جسد طاهر بمعنى ما يتصوره، ويطلب الضمانة المتمثلة في عذرية الأنثى.

في الحقيقة ما دفعني لكتابة هذه الورقة هو مقال عدد اليوم بجريدة الصباح المغربية  والذي كشف امتهان طالبات للجنس وولوج عالمها وكشفت الصحيفة عن السبب المادي كأول مسبب لولوج عالم الامتهان الجنسي، لكن يبدو السؤال الانتهازي بين القول والممارسة هو السبب، ويعلن عن فئة تعيش تخبطا في محاولة الفهم بين الانفتاح على الجنس والحرية الجنسية والحق في الجنس، الذي أعطته حاجة بيولوجية وحفزته حاجة "اللوكس الاجتماعي" والتعبير عن ذات واعية متحررة متمردة على الوضع الاجتماعي والثقافي إن صح التعبير

أكتبها من جديد ما ندعي فهمه نحن مخطئين فيه والاتزان الذي ندعي أننا نتملكه، نعيش تناقض بين القول والممارسة، لذلك يجب أن نحسم بين تحريم وتجريم تام للممارسات الجنسية وخضوع تام للمعيار الديني عبر القول والممارسة، أو نعلن عن علمنة السلوك الديني في سياق السلوك الجنسي ونعلن الحرية الجنسية ونؤطرها داخل مؤسسات مشروعة عبر الثقافة الجنسية، ولتكن للفرد حرية الاختيار في الشكل والأسلوب

 

 بقلم المهدي بسطيلي

 

 

مصطفى غلمانلماذا لا يحصل الطفل المتمدرس على أكبر قدر ممكن من الوقت الحر، يختار فيه هواياته ويبادر إلى إبداع لحظات مليئة بالفرح والسعادة؟

لماذا لا يتحصل الطفل المتمدرس طرقا جديدة من الكفايات الممتدة التي لا ترتبط بمجالات محددة أو مادة دراسية معينة، وإنما يمتد توظيفها إلى مجالات مفتوحة ومندمجة، ترتفع فيها الحركة البيداغوجية المفتوتة بالاكتشاف والمغايرة وتفتيق الحوار وتعلم المعارف؟!

أليس حريا بوضعيات التعليم والتربية ببلادنا أن ترقى إلى تطوير وإبراز وحدة المناهج التربوية والبرامج المدرسية بعد ارتفاع قيم الطفرة الهائلة في مجال التكنولوجيا وما راكمته التجربة الجديدة للعديد من البلدان الناجحة في إدماج علوم النفس بطرق التدريس.

إن اصطراع مناهج التعليم التقليدي في تجربتنا الهجينة تؤكد انفعال القائمين على تكريسها واستمرارها بما يضمن عدم أهلية النمو الشامل للتلميذ من زوايا عديدة ككم المعارف والمعلومات وتغييب الجوانب النفسية والجمالية والفنية في عملية التلقين وربط مسألة الحفظ بالواقع دون تحديد التوازن الذهني الفسيولوجي، وتقليص الدور الجماعي للمتنافسين لأجل تحديد ضوابط مانعة للتفوق والسلوك المواطن، وتحفيز التلميذ على إبراز وتشجيع الميول والأواصر ودعائم التفكير والإيجابية السلوكية.

إن من آثار المفهوم التقليدي للمنهج في المادة الدراسية ما يثير العديد من المفارقات والنقائض ويحول الحديث عن إصلاح التعليم مسألة منافية لأقرب النظريات العلمية إلى إواليات التأصيل وتنقيح الهوية وتمكين المدرسة الوطنية من إيجاد حدود بيداغوجية متفق عليها، ترنو إلى تفكيك معقدات الإصلاح ودفعها إلى الاستقالة والرحيل.

فمن تلك الآثار ما لايزال يختزل أجيالا ضائعة في سرادق اللغو والافقار والفراغ والتذمر.

كيف بربكم يمكن فهم أطنان الكتب ومقررات التدريس التي تثقل كاهل المتمدرسين وتجعلكم في حالات من الخوف والضمور العقلي والجري خلف تكديس المعارف والمعلومات؟

مع ما يشكل عدم الترابط بين المواد الدراسية وإغفال وحدة الهدف البيداغوجي في العملية التعليمية التعلمية ، وانسداد أفق التكامل فيها ونفوق جاهزية الفهم الناظم لتلك الوحدة والتكامل، ما يجعل المنهج دون محتوى ودون وجود حقيقي.

إن الأمر يستعصي فهمه عندما تتردد التلقينات الصفية فتصبح مادة ببغاوية مليئة بالنتوء والاستعجالات الفارغة.

وهنا يجب الوقوف عند مسؤولية المعلم ودوره في رد الاعتبار للمستوى التلقيني التعلمي، حيث يشرف بشكل مباشر في إعداد وصياغة معنى جديد لتدبير مفهوم المنهج طبقا لبرنامج دراسي دسم ومتكامل، تستحضر فيه ومن خلاله الحياة المدرسية ، متضمنة خبرات التلميذ التي تنظمها المدرسة وتشرف عليها، داخل جدران الأقسام الدراسية وخارجها.

مع التأكيد الضروري على ادراج المنهج الدراسي كعملية هندسية تربوية يتم الحكم عليها على ضوء المقاييس الكيفية للمدخلات والمخرجات.

الدور السوسيولوجي للمعلم مهم وفاعل، والانتقال به من مكمل للمعارف وضاغط بها ومنفذ لبرنامج تلقيني وموزع للأدوار وشاحن أو ناقل للمعرفة، إلى مرشد وموجه ودليل للبحث والاستقصاء واستعادة البادرة وتكوين علاقة.

هو مناط المنهج التعليمي الحديث، الذي يسع قابليات التلميذ، مع ما يسبغ هذه القابليات من تمايز وفروق فردية، على حسب مستويات الاستعداد والقدرات والميول والاتجاهات.

إن إعادة صياغة خطة دراسية حكيمة سيساعد لا محالة في توفير هامش حكيم لمنهج دراسي ناجع وفعال. لا يعقل أن نغفل الخطة التي ترتبط بمضمون التدريس الذي يشرف على إعداده وتطبيقه المعلم، ونتجه لممارسة حالة الإنزال على المنهج الذي يروم الطريقة والنشاط المأمول، والذي ينسحب في كليته لمستويات عائق التواصل مع التلميذ.

وحدة التأطير هنا ضرورية ومستعجلة، ويلزم الإسراع بإشراك بنية التأهيل والتكوين البيداغوجي والتربوي للفاعل التربوي، حيث لا وجود لمنهج أو خطة تدريس دون وجود الحلقة المفقودة في العملية برمتها.

قبل الختام:

خاطرة مليئة بالعبر نشرتها الشاعرة والباحثة المغربية لالة مالكة العلوي في صفحتها الخاصة بالفاسبوك؛ تلخص هذا الإرباك المتاخم لأزمات التعليم، وخلفيات تعويمه السياسي والايديولوجي، وهي تلميح يدقق في التفاصيل الصغيرة لتدهور مستويات التدريس

( مرحبا أنُّوس، كيف وجدت مَدْرسَتك الجديدة؟

- أكرهها يا خالتي، فالمعلمة تقول لنا في كل حصة: " ثبتوا أذرعكم، أغمضوا عيونكم، أسكتوا... بدون حس !!!

.... آه...!!  يا طفلي الصغير .. كم عَلمْتُك وعَلَّمتْكَ أُمُّك على مدى سنواتك الخمس أن تفتح عينيك على اتساعهما وترى وتتأمل وترفع يديك عاليا... وتنطلق..

لتأتي معلمة ضَجِرَة.. وَتُرْغمك على تثبيت ذراعيك وإغلاق عينيك الصغيرتين..

"..................... في مدارسنا حيث الخنوع والجه

 

د. مصــطفى غَــلْمَـان

 

رائد عبيسلا يمكن للسياسة ان تجانب أي مجال من مجالات الحياة دون توظيف وتسخير لكل أنماطها العملية و الفكرية، حتى المعارض منها لأيديولوجيتها الحاكمة. فالقطيعة لا تنفع كثيرا في فهم الواقع المحيط بالسياسة ولا بمستقبلها.

لذلك نجد أن ميلها للتصوف وتسخيرها له، أصبح كتسخيرها للجامع ومنبره، المنبر الروحي الباطني، الذي يعتمد الهمس والمحادثات الشفوية والانفرادية كوسيلة لنشر تعاليمه، بات مطمح سياسي لمشاركة وسائل الدعوة وطرقها في تحقيق أثر يراد له أن يمرر عبر هذه الطرق التأييدية بين الشيخ ومريديه.

لم يعد التصوف طريق للوصول الى النقاء فقط، بل نهج مستثمر في التعريف بسياسات جديدة، تتخذ من خطوات المكاشفة الروحية دعوات للتبشيرات السياسية، بحجة المتشاركات والمتلاقيات بينهما .

فالتصوف العملي هو الأقرب الى السياسة من التصوف النظري وإن كان قد يكون الأساس لتلك الرابطة، فتعريفات التصوف ونشأته وأحواله ومقاماته، وكل طرق النقاء التي يسلكها المتصوف لا تمثل رابطة عكسية مع الواقع وإن كانت ارتداد عنه. فالاتجاه إلى الأعلى، أي الى العالم المفارق العلوي لا يغني من التوظيف السياسي الذكي لكل امتدادات ذلك التصوف.

وهنا تكمن مخاطره، التي نجد فيها وجوه للتصوف وأقنعة لم تكشف بسهولة ما دام يحمل نفس النزعة ومظاهرها والكيفية لأقناع المؤيدين والمريدين .

كيف يحافظ التصوف على نقائه الروحي من التوظيف المادي ؟ وكيف توظف السياسة مناهجها في احتواء النزعة الروحية والتوافق معها ؟ بل وتسخيرها لصالح أهداف بعيدة، مثلما يحدث في عالمنا الإسلامي.

إن الانتشار الناعم للتصوف الإسلامي في العالم، شجع دوائر التفكير السياسي الى المقارنة مع التصوف وطرق إنتشاره بطرق العولمة وأساليبها الناعمة وتأثيراتها البعيدة المدى، مما جعل التفكير بالتصوف كأحد الطرق لاختراق المنظومات المغلقة للدين بسهولة، بل و اختراق اهم منفذ رابط بين الدين ومعتنقيه وهو البعد الروحي، وبعد ما تحول هذا البعد الروحي إلى منهج، ونمط عيش، وطرق تعلم وأساليب حياة ومدارس ودعوات تبشيرية. أخذت بنظر الاعتبار في التفكير السياسي وإمكانية التقرب إليه وفهمه وتسخيره بطريقة تحاكي كل اتباعه .

وهذا ما تم عبر نقل التصوف من المنظور القيمي الروحي الإنعزالي، إلى النمط الحياتي المشارك في توليد منظومة جديدة إلى جانب منظومة الفقه والأصول، فالنزعة الإستكشافية والأستشرافية للروح الصوفية لم يعد تأمل الروح المطلق أكبر غايتها، بل اصبح موضوعها واقعيها يهدف إلى روحنة كل الأشياء وإلباسها طابعاً روحياً عرفانيا تأملياً صاعداً في ما بعد . وهذا الأمر ربما نجده فيه قرب مع بعض الحركات السياسية ذات النزعة الباطنية والتي لها ان تتحالف معها إن اقتضت ضرورة البقاء لذلك .

فالصراع مع السلطة التي تدعي السلام على أساس توافق الروح الصوفية المسالمة معها، قد لا ينتهي بتجربة سياسية صحيحة ولا اعتقاد صوفي سليم، فالمنطق النفعي ربما حاضر بين إمكانية التفاعل والتعامل مع هكذا عوامل.

لذا فالتصوف يجب إن ينتمي إلى حروفه لا صروفه، فصروف الدهر التي مرت على التصوف وأتباعه، جعل من فكرة التصالح مع السلطة، فكرة حاضرة مع فكرة السلطة عن سلام روح الصوفية ليؤمن لها سلطتها، جعل بينهما مساحة احترام ووئام، وهذا ما شجع نمط التفكير السياسي السلطوي الداخلي، والتسلطي الخارجي، وأحيانا بتعاونهما معا على توظيف التصوف لبرامج وستراتيجيات سياسية مختلفة، ومن قبل بلدان ذات روح استعلائية واستعمارية كأمريكا وغيرها.

وما قد يثار من أسئلة حول طبيعة هذا التعاون المتواري خلف أجندات سياسية، مثلاً هل هناك تصوف تقليدي وتصوف حديث؟ يبدوا أن روح التصوف أو الروح التواقه له لم تعد تلك الروح المغتربة، بل وفرت عليها التكنولوجيا وسائل جديدة في التعاطي مع ما هو روحي بشكل لا روحي، وهذا أضعف النزعة القيمية في نمطيات التصوف المتعارفة عليها، وإن كانت بنفس المعايير التي تسوق بها الأفكار الصوفية لأنها الأقرب للتلقي .

اذاً أين يكمن التخلف عن التصوف وروحه ومنبعه الاصيل؟ إن كان بما كان من قيم وروح ونقاء! وإن كان على الطبيعة لا يفسر على إنه رافد من روافد تمام اليقين وحده فقط، بل هناك عوامل إنضاج ومسائل بعيدة عن المهاك والمتارك وقريبة من روح الدين وجوهره.

إن الدوائر الصوفية المفتوحة هي الأقرب للأختراق، لأن التصوف وتجربته بما انها سر بين الفرد وربه، لا يمكن أن ينقل ليكون تجربه للأخرين، لأنه تجربة فردية بشكل دقيق. وإن الإفصاح على الأسرار بمثابة اقتراب من الأقدار كما كان مع الحلاج والسهروردي .وهذا يعطي إنطباع على إن عملية التسويق الإعلامي لأي موضوع صوفي يحمل سراً معيناً ليكسب قناعة ممن يبحث عن قناعات مشتركة، وهذا الإفصاح عن الاسرار إنما يمثل نمط من التخلف عن قيمة التجربة التي يراد للمتبع اكتشافها بنفسه، هذا نمط الأول، النمط الثاني، هو استعارة هذا السر عند من يبحث عن " فتنة الأسرار" وتلقيها عند الاتباع بين مصدق وبين رافض، وبين مشكك وبين متيقن، وهذا الأمر هو ما يزرع الفتن ويزعزع فكرة الاعتقاد بهذا النهج، بكونه وسيلة نقية كما يدعي متبعيه. وهنا يكمن التخلف، عندما يتشاطر الصوفي مع السياسي مكامن اسرار الطريقة، ويتخذ منها اداة جديدة للنفاذ إلى حقيقة خفية ممكن أن تتحول في يوماً الى قضية سياسية، ضد أي طرف سياسي اخر أو نظام حكم والدعوة الى تغييره، عبر أساليب الاتباع التصديقية بهذه الطريقة بعد تحول أفكارهم وتسخيرها عملياً وإصلاحياً.

فالنزعة الباطنية الحاكمة في السياسة في عالمنا الاسلامي أكثر تأثيراً من النزعة البركماتية الصريحة والمعلنة، وإن كانت في الغالب مقترنة معها وموظفة لإدعاءاتها، فالصوفية والنزعات الباطنية الشبيهة بنهجها كانت حجة لمن يحكم باسم الإسلام، لتوظيف أي فكرة ممكن ان تديم الحكم باسمها وترضي أطرافها. وهذا شبيه بما كان في عهد الأمويين وتبنيهم للفكر الجبري أو العباسيين وتبنيهم للفكر المعتزلي . فالتصوف بهذا النهج اصبح أيضا موظف من قبل دوائر ومؤسسات أمريكية، الهدف منها هو احتوائي واستشراقي ومخابراتي وسياسي ستراتيجي . ساعد تخلف الأمة الإسلامية في هذا المجال الى مساعدة هذه الدوائر في تقديم تصورات واضحة عن أثر التفكير الروحاني على القيم الأخلاقية والدينية للفرد المسلم بطريقة مباشرة وغير مباشرة. كما ساعدت هذه الدوائر عن قرب في تنظيم حركات صوفية إيحائية بجوهر القيمة المتوخاة من التصوف الأصيل، ليكون تجربة روحية جديدة بمقاسات تخلفية غير منظورة يكون ظاهرها مقامات وأحوال مستنسخة وهجينة، لا تحمل أي دلالة عن قيمة التجربة الفردية الناصعة والتي عرفت وعهدت عن التصوف من قبل.

فالتخلف يعبر عنه بطريقتين الأول: عن عدم إدراك للخطر الملف بهذه الطريقة الروحية، والثاني عن توظيفها الداخلي او الخارجي وخلق صراع طائفي وسياسي جراء ذلك .

فالتصوف بات ينهج طرق العنف، والمعارضة السياسية. والانخراط بالجدل التنظيمي، والانغماس المتفاعل مع الأحداث، وهذا ما عرف بمسمى التصوف السياسي والذي زاد من حدة الصراع بين مدارسه ومذاهبه في العالم الإسلامي والذي شجع محتليه او المستحوذين عليه إلى الانشغال بهذا التوظيف، ليخدم قضاياهم مع جهل أهله بذلك، وهذا هو ما يقارب التخلف عن سير النظم المعرفية والسلوكية للتراث القيمي الذي كان يمثله التصوف، بينما أصبحت كثير من أنماطه اليوم جزء من فلكلور شعبي، يسرد في قصص الكبار على الصغار بدون أي أثر يوحى من قيم تلك التجربة .

 

دكتور رائد عبيس

 

صبحي عبدالنبييعتبر مزج الحقائق بالأساطير في مسامر العرب، ومجمعاتهم من أساليب التشويق والتحفيز لجذب السامعين والسروح بخيالهم إلى أفق بعيد عن الواقع، ليخرجوا من النمط الى المغمور، مع طابع الصدق، وتحاشي الكذب الفاحش، نظرًا رؤيتهم للأساطير ثقافة وفن .

ومن اهم مايميز ساحاتهم تمييزهم الحقائق عن الأساطير في الأذهان وإن كان الامتزاج بينهما موجودًا في حاناتهم، فلذا لم يؤثر هذه الأساطير في دقة نقلهم لبقية العلوم (كعلم الانساب، واقوال الحكماء، وبعض المعلومات عنوالعقاقير الطبية العشبية، ونقلهم لاخبار ملوكهم وحروباتهم في الجاهلية .

ومن الأمثلة التي تكون غالبًا من باب الأساطير، حديثهم عن العمالقة، وهذه نبعت خاصة من الاسرائيليات ليبرروا تخاذلهم ورجعوهم عن الحق حينما طلب منهم سيدنا موسى عليه السلام بأن يدخلوا الارض المقدسة بعد ان انقذهم من بطش فرعون وجنوده، كما قال تعالى على لسانهم "قَالُوا يَا مُوسَىٰ إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُوا فِيهَا ۖ فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ" فعزموا على عدم الدخول مادام العماليق فيها، وبعد هذه الحدثة بدأوا يسطرون لهم الاساطير بانهم قوم ليس كالبشر واحجامهم لاعلاقة بالاحجام المعهودة، ومن ابرز ماقالوا (إن من كبر أحجامهم ليأخذ أحدهم السمكة فيشويها بالشمس مباشرة وان عيونهم تكون على حجم البشر السوي)

وأورد البري جزءًا من تاريخههم "

وقد كانوا يسمون بـ"الجبابرة"؛ إذ قد وصفوا بالطول الفارع، وضخامة الأجسام حتى حيكت حولهم الخوارق والخرافات والعجائب والمعجزات، وحكيت عنهم الأساطير والأخبار، ونُظمت فيهم القصائد والأشعار، بل لقد ساحوا في أرض الجزيرة العربية وتجاوزوها إلى الشام والعراق ومصر، وأقاموا الحضارات والمباني والعمارات، وشقوا السواقي والقنوات، وحكموا البلاد والعباد حتى دانت لهم الأمصار في الأراضي والجزر والبحار؛ فأقام الكنعانيون والآموريون حضارة شهدها البابليون بحدائقهم المعلقة التي وصفت بأنها من عجائب الزمان وشواهد المكان. هذا ماكان يقصده الاسرائيليون بالاساطير . كانت الأسطورة عند عرب الجاهلية تمثل علاقتهم بالكائنات، وآراءهم في الحياة، ومشاهداتهم، وكانت مصدر أفكارهم، ألهمتهم الشعر والأدب، وكانت الدين والفلسفة معاً.وايضا كانت من قبيل الطابع الفكاهي والتشويقي  والاستثاري، وابراز مكانة الاجداد من خلال القصص ومن أمثلة تناغم الأساطير

السوداء للساحرات بالعصور الوسطى، كما استخدمت في ثقافتنا العربية، بأمور السحر والشعوذة وتحضير الجان، فقيل أن من ينظر إلى عيني، قطة سوداء طويلاً، فسوف يتلبس به جني ما !

هذا بالإضافة إلى الأسطورة القديمة، بأن التوائم لابد لهم من قطتين سوداوين، يجب ألا يتم لمسهما، وإلا تأذى الطفلين، وفي هذا قصة قديمة، تروي بأن امرأة ولدت طفلين توءم، وعندما بلغ الطفلان الرابعة من عمرهما، بدآ ينطلقان ليلاً، ويهاجموا جيرانهما، بعد أن يتحولا إلى قطتين سوداوين، بحلول منتصف الليل كل يوم .

وفي إحدى المرات هاجمهما أحد الجيران، وقامت زوجته بإلقاء مياه ساخنة عليهما، لتفاجأ أمهما بحروق بالغة في ساقيهما، في اليوم التالي، وعقب هذا الحادث أدرك الجميع، أن الطفلين ليسا على ما يرام، وأنهما يعانيان من حالة تلبس ما، جعلت الجميع يعتقدون بمرور الأجيال، أن لكل توءم قطتين تحملان نفس روحيهما .

وقيل إن بعض القصص دخيلة من ثقافات أخرى كسنمار مع النعمان (إذ بني السنمار للنعمان الخورنق ويقال: بناه على شكل تكون الشمس فيه في كل ساعة على لون، فألقاه من فوقه لئلا يبني لغيره مثله، فضربت العرب المثل بجزاء سنمار.

قال الشاعر:

جزى بنوه أبا الغيلان عن كبر

وحسن فعـل كما يجزى سنمار

والعبرة أن الاساطير كانت لها وقر في المجتمع كافة (العربي واليوناني والفارس والرومي) فكانت النتيجة احيانا القتل من جراء ملاحقة الاساطير المتمثلة في الاشياء غير المرئية، وظهر في زماننا اساطير شبيهة واشد خطرا منها  كبعض الألعاب التي تودي بالابناء الى أفق مجهول بعد ان تاخذ بلباب العقول كلعب الحوت الزرق وغيرها،فنرجو النباهة بدوارة الدنيا والتاريخ . فها نحن اليوم نعيش بين اسطور اسرائيل واسطورة العربي القديم واسطورة الالعاب واسطورة الزمان... المقال للتشويق فحسب ..

 

دكتور صبحي عبد النبي عبد الصادق - كاتب سوداني

 

 

عبد الجبار الرفاعيلا يتردّد الشيخ أمين الخولي في القول بأن "تطور العقائد ممكن، وهو اليوم واجب لحاجة الحياة إليه، وحاجة الدين إلى تقريره، حماية للتدين، وإثباتاً لصلاحيته للبقاء، واستطاعة مواءمة الحياة، مواءمة لا يتنافر فيها الايمان مع نظر ولا عمل"[1]. وفي السياق نفسه يدعو الخولي إلى رؤية جديدة في التعاطي مع الغيبيات، والتحرر من نسبة كل شيء إلى اليها، والاستغراق في تفاصيل عوالمها، لأن تكوين الأجيال الجديدة لا يهضم عقله العلمي هذا اللون من الكلام. وفي موقف لافت يشير إلى أن القصص الواردة في النصوص الدينية تتحدث بلغة التمثيل وليس لغة التاريخ، إذ يكتب: "ما ينبغى أن تظل تلك الصور الساذجة من الحديث عن غيبيات لم يأمر الدين بشيء من التفصيل لها، وإطالة الحديث عنها، ولا أن نستمع إلى صنوف من القصص الذى هو تمثيل لمعان، وتقريب لحقائق لا تاريخاً ولا تسجيلاً، لأن ما فيه من الحديث المفصل يصدم حس هذه الأجيال، ويناوئ تكوينها العقلى بعلميته، وتكوينها الفنى بدقته، كأن تقول لهم إن التصوير حرام، وإن أشد الناس عقابًا يوم القيامة المصورون، فى حين تحتاج أنت إلى الاستفادة من التصوير ومجالاته الفنية فى الإيضاح الدينى اعتقاديًا وعمليًا، وهذا مثل قريب لوجوب تطور العقائد فى عرضها فى جوهرها وصميمها"[2].

يشدّد الخولي على رفض أيّة قراءة لا تاريخية للتراث، وينظر إلى التراث بوصفه محكوما بعوامل وظروف خاصة مولّدة له، تتناسب مع ضرورات ومشروطيات زمانية مكانية تفرضها كلُّ حقبة تاريخية، وعلى هذا فهو يتغيّر ويتطوّر مستجيبا لما تمليه عليه تلك المشروطياتُ والضرورات.

ويحيل الخولي الخلافَ بين المتكلمين، وتغيّرَ الأقوال وتنوّعَها في مسائل: "الذات والصفات، والكلام الإلهي، والقضاء والقدر، والجبر والاختيار.. وغير ذلك"، إلى التغيّر في البيئات والزمان والمكان، والتغيّر هو التطور، تبعاً لمفهومه[3].

وهو بذلك يتخطّى الدعوةَ لفتح باب الاجتهاد في الفقه، ويصرّ على ضرورة شمول الاجتهاد لكلِّ علوم ومعارف الدين. وتشديدُه على أن "تطورَ العقائد واجبٌ" يؤشر بوضوح الى أنه قد تجاوز ما كان عليه سلفُه وأقرانُه من دعاة الإصلاح في الأزهر.

ودعوتُه هذه من الدعوات المبكرة في دنيا الإسلام لبناء "علم كلام جديد"، على وفق التسمية المتداوَلة اليوم، ذلك أن علمَ الكلام الجديد ما هو إلا ضربٌ من الاجتهاد في تفسيرِ وتسويغِ الاعتقاد، طبقاً لما يتطلّبه كلُّ عصر، بنحو تتسع فيه وظيفةُ علم الكلام لتتجاوزَ حمايةَ إيمان الناس، الى صيانتةِ من التوحّش والتشدّد والتحجّر.

وكأن الشيخَ الخولي هنا يستعير مفهومَ "التاريخية" من الفلسفة والعلوم الإنسانية الحديثة، ليطبّقه على مجالات التراث المتنوّعة. إذ يحيل مفهومُ "التاريخية" إلى أن أفكارَ كلِّ بيئة تشبهها، ففي البيئة الخصبة عقلياً تزدهر الأفكارُ العميقةُ الغنية ُالمركّبة، وفي البيئة الفقيرة عقلياً تتفشّى الأفكارُ المبسّطة الفقيرة الهشّة. وتظلّ الأفكارُ على الدوام متماثلةً مع بيئتها، معاصرةً لها، ومشتقّةً منها. في ضوء هذا الفهم لا يمكن امتدادُ الأفكار خارج سياقاتها الزمانية والمكانية الخاصة، وتأبيدُها للعصور كافة، على اختلاف أنماط الحياة، وتغيّر الزمان والمكان والبيئة.

704 امين الخوليوهو في كلّ ذلك يصرّ على ضرورة دراسة التراث والتبصّر بمسالكه المتنوعة، بل يعتقد أن "أول التجديد قتل القديم فهماً"[4]. وكأنه يلمح بعبارته الى أولئك المراهقين ممن لا يكفون عن التبسيط، فيلبثون عند السطح في فهمهم للتراث، ولا يدركون مدياتِه المتشعبة، ولا يرون شراكَه المتشابكة، فيظنون أن التجديدَ يتحقّق فور نسيان القديم وتجاهله، بلا دراسةٍ ودرايةٍ بمجالاته ومشاغله ومقولاته. مثلما يشير إلى أولئك الذين يعكفون على حراسةِ التراث وتقديسِه، فينبّه إلى أنه مالم تتحوّل وظيفتُنا حيال التراث، من حارس للتراث إلى دارس، فلا يمكننا الخروجُ من أنفاق الماضي، وأن نكون معاصرين لزماننا.

لعل اختيارَ الخولي لكلمة "قتل" تشي بأننا واقعون في شراك القديم شئنا أم أبينا، وتلك الشراكُ لا تفتأ تتراكم باستمرار، فتحيطنا من كلّ جانب، ولا سبيل للإفلات منها من دون أن تتمّ غربلتها. ومعنى القتل هنا ليس التدمير والإبادة، إنما هو تبصّر "العناصر القاتلة" في التراث، كي نتغلّب على تسميمها لحياتنا، وننجو من فتكها بنا. القتلُ هنا كنايةٌ عن الوعي الدقيق بمدارات القديم، واستكشافِ خرائطه، وتغلغلِ أسئلته ومفاهيمه في عصرنا، وتعطيلِ عناصره المحنِّطة لحركتنا، وشلِّها لقدرتنا على النهوض وإدارة الحاضر واستبصار المستقبل. وبوضوح لا لبس فيه يفصح الخولي في موضع آخر عن مفهومه للتجديد، وأنه ليس بمعنى اجتثاث واستئصال القديم بأسره، إذ يفسّره على أنه: "اهتداء إلى جديد كان بعد أن لم يكن، سواء أكان الاهتداء إلى هذا الجديد بطريق الأخذ من قديم كان موجودًا، أم بطريق الاجتهاد في استخراج هذا الجديد بعد أن لم يكن"[5]. إنه لا يدعو لإهدار القديم والتفريط به، بل يريد:

أولاً: تحيين ما هو قديم ببعث روح جديدة فيه، بعد أن تحجّر مما تراكم عليه من الماضي، وغرقِه في سوء الفهم والأسئلة المبسّطة والأحكام السابقة.

ثانياً: الاجتهاد، بمعنى ابتكار وإبداع " الجديد بعد أن لم يكن". وهذا ما يمتاز به هو عن جماعة من المصلحين في عصره، ممن ذهبوا إلى أن كلَّ جديد إنما هو استئنافٌ وإعادةُ إحياء للقديم، بخلع غطاء جديد على مضمون قديم، وتقديم القديم بأوعية جديدة، بوصف التراث مستودعاً يستوعب كلَّ ما ننشده في كلّ زمان ومكان، على وفق ما شاع وذاع من قول: "ما ترك الأول للآخر شيئاً".

ثالثاً: استيعاب وشمولّ التطوّر بوصفه "سنة شاملة في: الأصول والعقائد والعبادات والمعاملات". وهي دعوةٌ تتخطّى أيضاً ما يدعو له الكثيرُ من الإصلاحيين، ليس فقط لأنها تستوعب العقائدَ بموازاة الفقه، بل لأنها لا تتوقف عند المعاملات خاصة في الفقه، التي شاع القول بأنها "إمضائية"[6]، وإنما تشمل كذلك العبادات. وهو قول ربما ينفرد به الشيخُ الخولي، ذلك أن المعروفَ أن أحكامَ العبادات توقيفية، لا تتغيّر أو تتبدّل أو تتطوّر. لكن مع ذلك دعا الخولي إلى إعادة النظر في المؤلفات الفقهية والكلامية، وضرورة الإصغاء لصوت الواقع المتغير، والتحدث إليه باللغة التي يفهمها، لأن الواقع في تحوّل متواصل، والبشر تستجد في حياتهم أمورٌ لا تعرفها مدونةُ الفقه، وذلك ما أشار إليه بقوله: "إن الناس تحدث لهم باختلاف الزمان أمور ووقائع لم يرد لها ذكر  فى كتب الفقه القديمة، فهل نوقف سير العالم لأجل كتبهم؟ إن هذا لا يُستطاع، إنه جمود وموات يجعل العوام ينصرفون عن دينهم الذى لا يجارى وقائع حياتهم"[7]. وفي نقاشه مع شيخ الأزهر[8]رفض الشيخُ الخولي انحصارَ التطوّر ببعض أحكام العبادات، فذهب إلى أن "التغير والتطور سنّة شاملة في الأصول: العقائد والعبادات والمعاملات، وفي هاتين الأخيرتين شريعة الإسلام هي انتخاب ما نراه أيسر عملًا وأصلح للبقاء"[9].

لذلك نراه لا يتردد في الدعوة لتطوير أحكام العبادات بما يتناغم مع متغيرات الواقع، فيثير مسائل تتصل بتيسير أداء الصلاة عبر الافادة من الوسائل الحديثة، إذ يقول: "وماذا يكون الرأى فى حكم الاقتداء بالأجهزة المتطورة التى تُذاع بها الصلوات الجامعة من جمعة وعيد، وفيها واسطة حاضرة مشهودة كالتليفزيون، يرى فيه المُصلى من حال الإمام وحركاته ويسمع من صوته، ووعظه ما لا يستطيع أن يراه إلا بكل صعوبة فى مسجد حيَّه الصغير أو الكبير المزدحم"[10]. وأحكام المعاملات عند الشيخ الخولي تدور مدار المصلحة، ذلك أن: "الأمر فى المعاملات على كل حال ليس إلا أمر مصلحة واقعة حيث وجدت فثم حكم الله كما يقولون بصريح اللفظ، وتطور عرض العقائد والعبادات والمعاملات يهدف إلى أن لا يبدو الجو الدينى فى صور منعزلة عن الحياة"[11].

وعلى الرغم من أن الخولي لم يشرح لنا بالشكل الكافي مبررات موقفه، والمنهج الذي تبتني عليه دعوته هذه، وربما لم يسعفه العمر لبيان تطبيقاتها في مختلف أبواب العبادات، لكن تظلّ الدعوةُ لتطوّر العبادات غريبةً على تفكير المصلحين وقتئذٍ. ولا أظنه يعني أكثرَ من فتاوى تيسير وتسهيل أداء الفرائض العبادية، وتوسيعِ مفهوم "نفي العسر والحرج" واللجوء لمصاديق "العناوين الثانوية"، ليستوعب حالاتٍ ومواقفَ لم تكن تُصنف من مصاديق العسر والحرج أو العناوين الثانوية لدى الفقهاء قبل ذلك.

والخبير بأصول الفقه وقواعد الاستنباط يعرف أن مثل هذا الدعوات تظل أقرب للشعارات العامة، مالم تتوغل في البنية التحتية العميقة للاستنباط الفقهي، وتعيد بناء ما ترتكز عليه، من أصول للفقه وقواعد لاستنباط الأحكام الفقهية، بنحو يسمح ببناء أصول وقواعد جديدة تمنح المستنبط امكانية انتاج فتاوى بديلة تواكب ايقاع حياة المسلم المتغيرة بتغير الزمان والمكان.

 

د. عبدالجبار الرفاعي

..........................

[1] الخولي، أمين. المجددون في الإسلام، ص ٥٢.

[2] المصدر السابق، ص 63-64.

[3] المصدر السابق، ص 54 – 55.

[4] الخولي، أمين. تعقيب على مقالة "التفسير" في: دائرة المعارف الاسلامية. ص 2336.

[5] الخولي، أمين. المجددون في الإسلام، ص 32 – 33.

[6] الأحكام الإمضائية  هي: ما أسّسها العقلاءُ وأمضاها الشارع، أي أن المعاملاتِ تشريعاتٌ كانت متعارفةً لتنظيم المجتمع العربي في الجزيرة عصر البعثة، فأمضاها الإسلام وأقرّها، مع حذف وتهذيب وإعادة بناء شيء منها.

[7] يُمنى طريف الخولى،  قراءة فى كتاب الخير: التطوير والتجديد فى الفكر الدينى، دار الكتب والوثائق القومية، 1996، ص4.

[8] مناهج تجديد، ص 46. عن: جريدة الأهرام 27 رمضان 1384.

[9] المصدر السابق، ص 46.

[10] المجددون فى الإسلام، ص 62.

[11] المجددون فى الإسلام، ص 63.

 

 

رائد عبيسقد نجد للتصوف والتطرف مشترك معنى بالبعد العميق، وإن كانا متضادين في المعنى المعياري لقيمة كل مفهوم، ولكن قد نجد لهما تقارب مصداقي، وهذا التقريب دخل حيز التخطيط للتخريب، بمعنى أن المتضاد هو متقابل مع الضد وهذا التجاور ينتج تحاور، على المدى القريب أو البعيد، او مصاهرة اذا لم تكن مقاهرة، بمعنى اتباع سياسة الارغام ونعومة الانتقام. إذ لم يعد مثل هذه الحالات في التعامل مع المتناقضات أن تعلن التصادمات. فالقضية باتت مرضية من قبل كل طرف بلا كلف، لأن الجار اولى بجاره، والدار ينالها الخراب إذا لم يكن للجار بها مهاب. اقتضت الضرورة التاريخية أن نكون مع القضية، إعداء في العلن واحباب في الخفاء كاللبن، هذا ما يجري مع مسألة التصوف الذي نشأ من فكرة الخوف لا الخرف، واتباعه وسيلة لتقريب الله منها ونحن منه، ولكن ما الذي يحدث عندما يجد الصوفي نفسه في غفلة من أمره؟ وان التصوف ليس الطريق المناسب للوصول إلى الله بمعنى أن الرهبانية هي منبوذة ومستنكرة ومرفوضة، لا سيما وأن العقلانية الدينية تدعو إلى التوازن بين ما هو ديني و دنيوي، ولكن متى تكشف هذه العقلانية وقد بلغ التصوف بصاحبه إلى طرق عدم رؤية الحياة كما يراها الدنيوي؟ اذا كان التصوف نهج وطريق ووسيلة فقط لبلوغ الحقيقة التي احب المتصوف بلوغها عن طريقه دون غيرها من الطرق، عندها ندرك أنه ليس بعيدا عن طرق العقلانية والرجوع إليها اذا لم يكن بعيدا عنها اصلا. لأنه نهج معرفي بالدرجة الأساس ومن ثم تحول إلى نهج عبادي أو العكس لا يهم، المهم هو أن هذه الوسيلة يجب أن لا يحكم عليها انها جزء من مفاهيم الغلو والتعصب والتشدد، وان كان كذلك سوف يتحول التصوف الطريق العرفاني بأسرار المعرفة الدينية إلى نهج ايديولوجي حركي سياسي، وبهذا التحول يفقد التصوف قيمته كمنهج معرفي له مقاماته وأحواله. ويكون جزء من نهج سياسي داخلي او خارجي، او داخلي مستعمل من قبل جهات خارجية، عبر الاستشراق ومدارسه أو أنه طريق جديد للمنافسة و الحضور ! بصيغة حزب مرة، او حركة، أو مدرسة علمية، او تيار فكري، او مؤسسات تأخذ صفة وطابع آخر مختلف عن فحواها وسلوكها مرة اخرى، وهذا يعني أن السلوك الصوفي لم يكن كما كان عند الجنيد أو الحلاج أو ابن عربي او غيرهم من الذين يفنون حياتهم الجسدية والمادية من أجل قيم روحية اكتسبت، لا بل أخذ السلوك الصوفي نهج المعارضة والمضاربة والمأربة ودخل بالسياسة ويشارك بالقرار ويمنح الخيار. هذا النمط من التصوف بات نهجا في مدارسنا الصوفية المعاصرة وأخذ يسمى بمسميات مختلفة، مثل: تصوف سني، وتصوف شيعي، وهذان المسمان هما الأبرز من حيث الانقسام الفعلي في عالمنا الاسلامي، وبات الثاني يتهم الاول بالاقتراب من التصوف اليهودي، والاول يتهم الثاني بالاقتراب من التصوف الصفوي او الفارسي الإيراني .هذه الاتهامات تعكس حجم الاختلافات والصراعات بين أطراف التصوف .وسبب هذا الصراع هو استغلال الدوائر الاستخباراتية الدولية لحجم هذا الصراع بين المدارس ودعم أحدهما على الاخرى، وتبيان أثرها السلبي على المجتمع والدين والمصالح، وهذا ما دفع كثير من قادة التصوف السني الى نقد الشيعة بعنف واتهامهم بتضييع الدين وتهديم الأمة الاسلامية، وذلك لأن الشيعة يولون للقبور الصوفية مثلا أهمية كبيرة بزيارتها وارتيادها. والشيعة يتهمون التصوف السني بأنه وفر أرضية الى تخريب الاسلام وكسر شوكته، من خلال تعاونهم واعتمادهم على دعم المخابرات والسياسات الدولية، في تقويتها وموازاتها للحركات الدينية المعتدلة في العالم الاسلامي. فهناك حرب بين المقامات والاحوال الصوفية، من بلغ مقاما صوفيا معينا وشجع به ممارساته ومظاهرها وسلوكياته الشاذة، بقصد تشويه الدين من خلالها لأنها مستثمرة من قبل دول لا تريد خيرا بالإسلام وأهله، فسرعان ما نجد من يستشعر هذا الخطر يعلن الحرب والعداء والتشكيك الاجتماعي لهذه الحركات، ولكن الحرب بالمحصلة ستكون متقابلة ، وعندها تضيع قيمة الفعل الصوفي الصحيح. السؤال الأبرز هنا هل يستشعر الفرد هذا الصراع بين المدارس الصوفية وانتماءاتها؟ هل يدرك الصوفي أن التصوف أصبح سياسة؟ هل يدرك أن التصوف لم يعد منهجا معرفيا بل ايديولوجيا؟ هل يدرك أن كل القيم الروحية التي يمثلها التصوف قد تبددت؟ هل يدرك حجم الخراب الذي يخطط له لا ضاعت قيم الإسلام من خلال مدارس التصوف ومنهجه؟ وهل يعتقد أن القيم الروحية في الاسلام يمثلها التصوف فقط؟ ما شأن التصوف و السياسة ؟! هل بات التصوف مرادف للتطرف؟! ام أنه منتج له؟ هل أصبح التصوف منهجا للتطرف؟! ام ان السياسة جمعت بين الأثنين؟ هل التشكيك بنهج الصوفية بات مبدد للتصوف؟ صحيح أن التصوف له بدايات سايكولوجية في الغالب، الا أن الان أصبحت له رغبات سياسية وأيديولوجية لها أن تفعل بالمجتمع ما تفعل بالسالك، وهذا يعني أن المواقف ستكون مواقف مريد مع شيخه، وهذا يخلق حالة من الطاعة العمياء ومصادرة لجمهور العامة ، الذي عليه أن ينال من التصوف ما يجعل خياراته في تقويم الواقع اقرب الى تجريد مفاهيم، لا يستطيع به معالجة أي خلل أو مواكبة اي تطور. هل يستفيد التصوف من التطور التكنولوجي؟ بالبعد البركماتي للتصوف ممكن أن يكون الجواب بنعم، لان آليات نقل القيم لم تبت روحية صرفة بل تقنية بحتة ! وهذا لم يحقق الأثر الفاعل لمعنى القيم بل يساعد على تقمصها تعنتا وغلوا، لأنها صادرة من شيخ يكون قد سحر أتباعه بزيف خطابه وما يتطلبه من دعم مادي، هذا فيما لو اقتصر على ذلك، فقد بلغ ببعض متصوفة السياسية أو سياسي التصوف أن يزرع القيم الرذيلية بنفوس أتباعه حتى ينتهي بهم إلى حاجة التطهر، والأخذ من شيخ الطريقة ليس بما يليق به بل بما يتلقاه، وهذه دوغمائيات جديدة أضيفت إلى دوغمائيات الفقه واصوله، فالدين لم يعد محميا كما يجب وقيمه باتت مهددة بالهدر! لان أتباعه نهلوا من غير مشاريع واعتقدوا بما استورد منها ضنا منهم أنه جوهره ولكن في الحقيقة انه ما يدمره. التطرف هو أحد صيغ التدين واشدها فهما متزمتا للدين، وقد امتد هذا السلوك من الخوارج ، وبدأ في العصر الحديث والوقت الراهن من اهم مصادر التفكير السياسي في مبدأ صراع الحضارات وتهديمها من الداخل وعلى يد أبناءها، هذا الأمر الخطير في كون التطرف هو سلوك فردي أو جماعي أو سلوك دولة، ام جماعات داخل دولة، أو سلوك مشاريع داخلية أو خارجية أو داخلية خارجية أو العكس، فالأمر لا يختلف كثيرا مع دوائر التفكير السياسي باستثمار التطرف، والذي نجحت به كل الأطراف الراغبة بالاستثمار إقليمياً ودولياً ومحلياً، مثلما فعل بالعراق بتسخير داعش لخرابه أو لتدمير سوريا، أو ليبيا، أو اليمن، أو حتى السعودية، أو موريتانيا، أو النيجر، أو أفغانستان، أو إيران، أو الصومال، أو حتى السودان، أو مصر، أو بلد آخر ينتج ويساعد على إنتاج أو يمهد لذلك، أو يدعم بعده أو يشارك جهارا بهذا المخطط أو ذاك، والتي تتبناه جماعات بمسميات دولة إسلامية أو جماعة إسلامية، والذين يقودوها متطرفون تدربوا عليه في الخارج، مع دعم بالسلاح والأفكار والافراد، الفكر المشترك بهذا التطرف، وفر له بيئة مناسبة اينما يتجه ويكون، وقد نال حتى الدول التي صنعته ودعمته وساندته. فالتطرف هو سلوك عدائي مع الاعتدال ، ونهج مضاد للتضاد ، يريد أن يكون الحياة بلون واحد. هذا هو الأمر الذي يقارب مشروع التوأمة بين التصوف والتطرف سياسيا، سياسة استثمار السلوك وتوحشه ونظرية نزع القيم وانتزاع الهوية، ورغبة العيش، هذه السياسية ساعدت الظروف العربية على استقلالها واستفحالها في ذهنية الفرد العربي، مما جعل حضور فكرة كره الأوطان، وتنامي رغبة الهجرة بين الشبان، أمر مقبول ومشجع عليه، حتى في العواصم الاكثر رفاها وأقصد، بذلك من دول الخليج، المجتمعات العربية باتت تكره ثقافة الحقد والكراهية السائدة في المجتمع والتي انعكست سايكولوجية ومرضيا على كيان الفرد المسلم والعربي، لاسيما بعد زوال فكرة وواقع الحكم باسم القومية، والشموليات المشتركة بين البلدان العربية والإسلامية، والتي اصبحت افكار الفردانية، والشخصية، والاستقلال الانشطاري، لا الاستقلال الوحدوي، وتنامي افكار الانفصال، ونبذ الأقليات المتعايشة، والصراع بينهما، وتحجيم المكونات، والهويات الفرعية الاخرى سياسياً، واجتماعياً، و نشاطياً على حساب مكون حاكم، أو ايديولوجيا حاكمة أو عائلة حاكمة، فنشأت التطرف وعوامل تعزيزه متصاعدة وليس متنازلة، متنامية وليس مضمحلة، قوية وليس ضعيفة، فكيف للمضطهد الاستسلام والاقرار بالقاهر؟! بالتأكيد ينتج عنه تطرف مضاد، وهذا ما شجعته دول في امريكا وأوروبا وبلدان مجاوره ومحيطة ببلداننا العربية والإسلامية أو منظمات، ومؤسسات في داخل بلداننا تنظير لهذه الانقسامات وإلغاء التفكير الوحدوي من ذهنية شعوبنا العربية والإسلامية.

 

الدكتور رائد عبيس

 

احمد شحيمطظلت الفلسفة ومنذ ميلادها في بلاد اليونان تنشد الحقيقة وتطلب المعرفة لأجل ذاتها للمتعة والشغف المعرفي وتحويل الترسبات العالقة من الفكر الأسطوري وترسبات التقاليد والبديهيات وتنوير الذات بالممكن من الفكر الموجه باليات منطقية ومناهج في قيادة العقل نحو الصواب واليقين . رسائل الفلاسفة ليس كما تفهم دائما أنها موجهة بين الذوات في سياق حكايات الحب والغرام وما كان مستترا في أرشيف الفلاسفة وقام البعض بنشره للكشف عن الوجه الآخر من الحياة العاطفية كتلك الرسائل بين هايدغر وحنا ارندت ورسائل نيتشه إلى لوسالومي ومشاهير الفلاسفة من أفلاطون وشوبهاور وهيجل في علاقتهم بالمرأة. فالرسائل هنا تعني كل ما في سطور الكتب والكلمات من قيم إنسانية وأفكار في إصلاح الذات وتوجيه العالم نحو الحقائق وتنبيه الفكر نحو المفيد والممكن في عالم السياسة والأخلاق والمجتمع . رسائل في الحكمة والتنوير ورسائل في الأخلاق ونصائح للفعل الأخلاقي المناسب في تهذيب النفوس وتحسين المدارك . والصعود في سلم ومراتب العلم والمعرفة وتربية الناس وفق منطق سليم كنتاج ما تركه الفلاسفة من رسائل وتصورات. فالقصد من الرسائل توجيه الفكر بطرق ميسرة في الفهم وتبسيط المتن الفلسفي وإضافة ما هو ممكن للنسق الشامل في التفكير الفلسفي .الأمر هنا ينطبق على أرسطو في كتبه من الطبيعة وما بعد الطبيعة والسياسة والختم برسالة إلى ولده نيقوماخوس .رسالة في القيم وتوجيه الابن نحو نصائح يمكن أن تنير الطريق وفق ما يفهم أرسطو من الأخلاق في تحقيق الغاية التي ينشدها الإنسان وهي السعادة . الخير الأسمى في طلب العلم والمعرفة وتنمية ملكة العقل . طيب العيش وحسن الفعل مرادف لكون الإنسان سعيدا وهذا الرأي الشائع والمشاع عند عامة الناس . والانقسام في نيل الخير الأسمى هو ما يجعل الناس ينقسمون في مراتبهم العلمية والمعرفية وفي الفضيلة التي قال عنها أفلاطون الكثير بين فضيلة الحكمة والشجاعة والعفة والاعتدال . طبائع الناس ومراتبهم في تحصيل الخير الأسمى وان الناس ليسوا على مذهب واحد في الأخلاق والأفكار . الطبائع الغليظة ترى السعادة في اللذة . والعقول النشيطة حقا تضع السعادة في المجد .أما الصواب في نيل الخير الأسمى أساسه الحياة العقلية التأملية .عموما رسالة أرسطو إلى نيقوماخوس في الأخلاق والفضائل والسعادة وهي بالفعل عصارة تجارب الفيلسوف وحوار طويل مع المعلم أفلاطون وفهم اشمل للخير الأسمى والاعتدال في النفس والتناسب في الرغبات . أما في رسائل الفيلسوف اليوناني ابيقور وحكمه فإنها بالفعل رسائل في المعرفة والأخلاق على مقياس الطريقة السقراطية وليس على مقياس الجدل الأفلاطوني أو الارغانون الأرسطي . تخليص البدن من الرغبات واللذات والارتقاء في عالم الجواهر والمثل أو البحث عن الجواهر من وراء الإعراض لا يمنحها الشعور بالسعادة واللذة . حكمة ابيقور في توجيه الناس نحو الاعتراف بكل يحتوي عليه الإنسان من رغبات طبيعية وضرورية تلبى في عالم الواقع وغايتها أن يحس المرء بالسلامة للجسد والهدوء والسكينة للنفس، اللذة خير في ذاتها، مضمون الأخلاق العملية في الإقبال على الضروري والمفيد وفي طرح اللذات الهدامة والماجنة .ومن يريد أن يعرف أكثر يجب أن يقرأ في عمق أفكار ابيقور التي تضمنت حكمة في الاعتدال والإقبال على التفلسف في كل المراحل العمرية من الشباب إلى الشيخوخة. رسائل فلسفية في مضمونها أفكار وحقائق موجهة للإنسان في إثارة الانتباه إلى صلب المشكلات التي يمكن أن تواجه الإنسان وفي حقيقتها رسائل في إسعاد الإنسان وفق نوايا الكاتب وما يروم إليه من نوايا في تحسين العقل وإصلاح الأخلاق . وتثبيت الحق وطلب العدالة والدعوة في إرساء مجتمع السلام والسلم .ولذلك ليست الرسائل في الغراميات ومراسلات الفلاسفة وما يتعلق بالجوانب العاطفية في حياة الفلاسفة . ذلك موضوع آخر يمكن أن يكون عنوانه الأساسي الفلاسفة والحب . للتفتيش عن خفايا تتعلق بالجانب المسكوت عنه في عواطف الفلاسفة وذلك الوجه الخفي الذي يحمل معنى آخر من الحياة الحميمية . ومن الفلسفة الإسلامية هناك رسائل الكندي ومنها رسالته إلى المعتصم بالله في استحسان العمل بالفلسفة وخصوصا الفلسفة الأولى وفي قيمة الفلسفة ومنزلتها كأعلى الصناعات حدها إصابة الحق العمل به . ورسالة للتفصيل في النفس والجوهر وتحسين العقل ورسالة في كمية كتب أرسطو وما يحتاج إليه المرء في تحصيل الفلسفة . الغرض من الرسالة توجيه الفكرة وتقديم صورة مميزة عن منزلة الفلسفة الأولى وصورة الفيلسوف المحب للحكمة والعلم والباحث عن الحقيقة. وليس هناك ما يدعو الناس إلى سوء فهم للغايات القصوى من الفلسفة . رسائل من الفيلسوف إلى الحاكم السياسي ورسائل إلى الفقيه المتزمت للكف عن معاداة الفلسفة وإقناع الكل بقيمة التفلسف وما في الحكمة من علاقة تكامل وتوافق مع الشريعة . تلك من أهم الأهداف التي كانت تسعى إليها الفلسفة الإسلامية . أما في الفكر الفلسفي الحديث فهناك رسائل باروخ اسبينوزا في اللاهوت والسياسة .في الفلسفة والإيمان . وفي السياسة والحرية .جوهر الكائن البشري الحرية وأساس الاختيار مبني على القواعد الفكرية السليمة ومنطق الصواب في تطبيق المنهج الاستنباطي على الأشياء . والعقل أساس كل نظام سياسي واجتماعي . تحسين المدارك وتوجيه العقول نحو الصواب ما يسعى إليه اسبينوزا وتأمل الإنسان في الطبيعة يدرك انه جزء غير منفصل عنها . وان النظام الأكثر صرامة وقوة هو القائم على سلطة العقل وحكم الأغلبية وبالطبع النظام الديمقراطي المناسب في السلطة والتدبير .أما حكم الاستبداد فهو قائم على سلطة الفرد الواحد وتوظيف الدين في مجال السياسية للسيطرة على الجماهير . فالغاية من ممارسة السياسة في ظل دولة مدنية قائمة على سلطة الأغلبية والحريات الفردية والجماعية هي بالفعل الدولة التي يطلبها الفيلسوف في ضمان الأمن والسلم وتكريس الحرية الحقيقية . وليس الدولة التي تخيف الناس أو ترهبهم وتزرع الشقاق والانقسام بين طبقات المجتمع. من يتأمل في سطور الرسائل يجدها بالفعل أهداف وغايات في الفكر والسياسي والأخلاقي وفي إصلاح المجتمع . ونافدة العبور نحو المستقبل من خلال إعادة النظر في الفرد والجماعة .في القيم التي تعلي من قيمة الشخص باعتباره كائنا يسمو بالغايات النبيلة وفي الحكم الرشيد المتفق على قواعده في صيانة الكل من الاستبداد وطغيان النزعة الفردانية في الحكم المطلق . أما في رسالة التسامح لدى جون لوك فهي رسالة موجهة إلى نبذ التعصب والعنف الممارس باسم الدين والقوة . وتحت شعار حق القوة وإلغاء الآخر بسبب الاختلاف الديني والمذهبي . هذا النوع من العنف والتعصب شهدته أوروبا في القرون الوسطى وقبل إحلال الدولة الحديثة بقواعدها العقلانية الديمقراطية . صراعات مذهبية بين البروتستانت والكاثوليك .فالدين لا ينشر بالسيف والقوة بل بالإقناع واستمالة الناس بالعاطفة وما في التدين من سكينة وطمأنينة . وعندما يشتد الصراع في ترسيخ الفكرة بالقوة يقفز التعصب الديني والمذهبي للواجهة ويعزز نفسه باعتباره المنطق السلبي والوحيد في فرض الرأي بالقوة . رسالة الفيلسوف جون لوك في التسامح الديني هي رسالة في تجاوز المذهبية والتعصب الذي ولدته الصراعات في قلب أوروبا . في مرحلة دقيقة من بناء الدولة الحديثة .والمجتمع المدني .التصور الذي رافق ميلاد المجتمع التعاقدي والدولة الديمقراطية العقلانية التي أعلنت من ميلاد الحكم المدني والسلطة المقيدة . لا يمكن السماح بالمجتمع أن يتحول إلى مجتمع متعصب تنتعش في واقعه المذهبية والتعصب الديني والنزوع نحو القوة والسلاح والهيمنة على أملاك الغير . إنها الشرعية الجديدة التي ساهمت في تحرير الإنسان من هيمنة حق القوة والحق الطبيعي المطلق وما يتعلق بحالة الطبيعة نحو أفق جديد في تحرير الإنسان ومنحه حقوق وامتيازات . ومن الفلسفة الحديثة ورسائل الأخلاق والمعرفة إلى الفلسفة المعاصرة ورسائل جديدة في تحرير الإنسان من النزعة المركزية الغربية ومن سلطة العقل وايلاء أهمية بالغة للإنسان باعتباره كائن منتج للأدوات والأشياء ومنتج للرموز والعلامات .الإنسان الذي أصبح محط تأويلات وتفسير من قبل العلوم الإنسانية ومحط العناية من قبل الوجودية في جعل الحرية أسمى الموجودات . هناك رسائل الفيلسوف سارتر موجهة للإنسان والكشف عن أعمال الإنسان المنافية للأخلاق والكرامة خصوصا عندما كتب سارتر عن الجزائر في إدانة الاستعمار الفرنسي ومناصرة للثورات العمالية في العالم والفلاحين في فرنسا والرفض في استلام  جائزة نوبل للآداب في 1964 بدعوى انه لا يكتب لأجل الجوائز بل يكتب لأجل الإنسان وذلك موقف شجاع ورسالة موجهة إلى كل مثقف عضوي ملتزم بقضايا أمته وقضايا الإنسانية . إنها بالفعل الرسائل التي لازالت خالدة في أفكار معبرة عن قيمة الوجود الإنساني في نيل الحرية والاعتراف بالآخر ومحاولة من قبل الفلاسفة في بناء الإنسان فكريا وأخلاقيا ووجدانيا . فالإنسان ما فتئ يقدم نفسه بوصفه الكائن العاقل والمفكر والمريد ضد كل الحتميات والاشراطات في عالم محدد بالأسباب والنتائج لازال هذا الإنسان ينفلت من صرامة الاكراهات الخارجية  ويرتسم في الأفق بوصفه مشروعا يتجدد باستمرار ويحيا في تجاوز الانغلاق وترسبات الفكر المضاد للحياة والتقدم 

 

   بقلم : أحمد شحيمط من المغرب

 

سلام جمعة المالكيمما يبعث الامل والروح في قلب كل كاتب ذو رسالة وقضية، ان يرى او يستشعر، في الاقل، صدى او تفاعلا مع ما يكتبه... وقد ازعم انني أستشعر في احداث وتغيرات العديد من دوائر وزارة التعليم العالي والبحث العلمي واجتماعات الادارة الجديدة مع الجهات المسؤولة في مختلف المؤسسات والدوائر الاكاديمية هذه الايام، بعض انعكاسات ما كتبته في الاجزاء السابقة المتعلقة بشكل خاص بملف الجامعات المستحدثة، وهذا ما ستتم الاشارة اليه ادناه، من خلال فتح ملف شائك ولا يخلو من المخاطر لكل من يجرؤ على محاولة الولوج اليه دون التسلح بما تستوجبه تلك المحاولة من دروع ومصدّات....غير أن البحث لا يتكامل دون فتح ملف القيادات الجامعية للجامعات المستحدثة... فحسبي الله ونعم الوكيل...

ان استحداث اصغر وحدة في أي مؤسسة يستوجب ان يتم تسليمها لايادٍ متمكنة، خبيرة وذات باعٍ "لا اقل من عشرات السنين" في مجال او مجالات عمل تلك الوحدة، وبشكل خاص لو لم يكن لتلك الوحدة وجود معنوي او مادي قبل تأريخه...فكيف الحال لو كان ذلك الاستحداث لجامعةٍ يٌفترض بها ان تضم كلياتٍ وأقسامٍ...و كيف لو كان ذلك الاستحداث سيقرر أو ينحت مصائر مئاتٍ من شبابٍ سيكونون أساس قيادة العهود القادمة؟ وان متابعة بسيطة لكل تجارب الاستحداث على المستويات الاقليمية والعالمية للأقسام والكليات (أعود للتأكيد أن تجربة استحداث جامعات منذ البدء يليها التفكير في انشاء كليات وأقسام تجربة عراقية بامتياز!!!)، سنجد ان اختيار القيادات الجامعية ابتداءا من أصغر تشكيل وصولا لرئاسات الجامعات يعتمد أساسا على الخبرات العالية وأيكال الامور لحملة أعلى الالقاب العلمية من ذوي السمعة العريضة والتجربة الواسعة... بل وربما يكون اختيار عناصر أقرب للمتقاعدين بشكل وقتي لحين اكتساب الجيل اللاحق للخبرة المطلوبة، هو الوسيلة الانجع لضمان عدم تجيير تلك القيادات موارد الاستحداث وامتيازاته لمصالحهم الشخصية اشباعا لعقد نقص سواء فيما يتعلق بالالقاب العلمية او الوجاهة او للصعود على اكتاف مؤسساتهم.... وقد يقول قائل بضرورة فسح المجال للطاقات الشابة او المتوسطة التي لم يتح لها المجال للتعبير عن نفسها وابراز امكاناتها.. وذاك كلام جميل ولا يخلو من الصحة...نعم لو كان فسح ذلك المجال في كليات او جامعات قائمة بذاتها ولها منظوماتها العاملة وأنظمتها المؤسساتية الناتجة عن تراكم الخبرات والتجارب، مما قد يسهم في ضخ دماء وافكار جديدة ولكنه ايضا يردع العثرات او الهنّات المتوقعة من نقص خبرة القيادات الجديدة التي سوف تجد من يجبرها ويعيدها لجادّة الصواب عكس الحال لو استفردت تلك القيادات الجديدة ببيئة فاقدة أصلا لأي خبرة متراكمة أو مرجعية خبراتية تتولى تقديم المشورة والتصويب، بما يجعل لتلك العثرات انعكاسات سلبية خطيرة، قد لا يمكن العودة عنها، ويكون الطلبة الجامعيون هم المجني عليهم بالدرجة الاولى ناهيكم عن الملاكات التدريسية والفنية والموارد المالية !!!

لقد حمل التصريح الاخير لوزارة التعليم العالي والبحث العلمي حول توجيهات السيد الوزير بدعم الجامعات المستحدثة وتيسير اعارة وتنسيب الملاكات التدريسية حسب التخصصات، اشارة قوية وشبه صريحة لوجود انتدابات عشوائية سابقة للملاكات التدريسية في تلك الجامعات دون ان يكون التخصص أساسا لنلك الانتدابات... وهو ما أشرت اليه سابقا في جزء سابق من هذه الدراسة... غير ان الاشارة الاكثر أهمية بالنسبة لهذا المبحث هو ورود مصطلح "الجامعات الام"، وهو لعمري أمر غاية في الاهمية وكان من الاولى ان يتم استخدامه منذ بدء الشروع في تلك الجامعات...أي ان يخرج التأسيس باديء ذي بدء من عباءات الجامعات الام الاكثر عراقة وخبرة واستقرارا وان تظل عجلة القيادة بيد تلك الجامعات فترة مناسبة حتى اكتساب ادارات يتم تأهيلها في تلك الاثناء، الخبرة المناسبة أو الاستقرار القيادي المناسب لأن تتولى مسؤولية كبيرة لا يسهل تسييرها دون تلك الرعاية.

ان مراجعة للمكاسب والايجابيات التي كان يمكن جنيها من استحداث اقسام او كليات بدلا عن الشروع في جامعات، ووضع تلك الاستحداثات تحت رعاية وادارة وقتية للجامعات الام، ستتجلى واضحة في الاقتصاد الكبير في النفقات المالية الناجمة عن تنصيب ادارات عليا بما تتطلبه من استحداث درجات وظيفية خاصة لافراد من درجات وظيفية ادنى بكثير، وتبعات ذلك الاستحداث من حمايات وسوّاق ونفقات يعلمها الجميع لا موجب لها "في المراحل الاولى في الاقل"، وتركيز الموارد المالية بالذات، في الاحتياجات الحقيقية للكليات بدلا عن توجيهها نحو ايجاد مقرات جديدة فخمة فاخرة لتلك القيادات الجديدة وتوابعها. أيضا، سيكون تركيز القيادات الجامعية المؤقتة منصبّا "تحت قيد التكليف اصلا" بإيجاد وتطوير وتدريب قيادات مستقبلية من الملاكات التدريسية والفنية والادارية في تلك الكليات المستحدثة بغرض تسليمها القيادة في وقت لاحق دون ان يدور في خاطر تلك القيادات المؤقتة الانشغال بانجازات وهمية او منافسة تلك القيادات المستقبلية او تعويق تطورها وظهورها، بحكم كونها "القيادات المؤقتة" من حملة اعلى الالقاب العلمية والدرجات الوظيفية وممن تشهد لهم المحافل الاكاديمية بالوجاهة. كما ان تحقق المكسبين المذكورين آنفا سيجعل من تلك الكليات "او الجامعات" المستحدثة نماذج ايجابية تمثل جذبا للطاقات الجديدة او التي لم تجد لها مكانا في المؤسسات التقليدية وبالتالي فإنها بما لديها من آفاق توسع محتملة ستكون عاملا من عوامل خفض مستويات البطالة ضمن الوسط الماهر او المتقدم، اضافة الى انها ستمثل عاملا مهما من عوامل اشعال المنافسة مع المؤسسات التقليدية.

السيد الوزير المحترم... السادة مسؤولو المؤسسات الاكاديمية المحترمون.. ان عدم الشروع في الخطوات الصحيحة في الماضي لا يمنع ان يتم التفكير في اصلاح ما يتم تشخيصه من الهنّات او العيوب، خاصة مع النفس الهائل والرغبة الواضحة في التغيير واعادة ضخ الاوكسجين النقي في رئة التعليم العالي في العراق التي تكاد تختنق واستشعر العالم كله ذلك من خلال الغياب المذّل للمؤسسات الاكاديمية في قوائم التصنيف الرصينة على مستوى العالم مع مفارقة امتلاك العراق العديد من الكفاءات والخبرات على مستوى الافراد......الله الله فيما وضعه الله تعالى تحت اياديكم من سلطات وامكانات زائلة في يوم من الايام وستُسألون عنها ... عسى ان لا يطول وقوفكم حينها....

.....

يتبع

أ. د. سلام جمعه المالكي

 

نبيل عبدالامير الربيعيمن خلال علاقتنا التاريخية القلقة مع يهود العراق، وفي خضم الأحداث والأزمات التي رافقتها، تأصلت فينا على مر الزمن حالة لا تبارحنا إلى يومنا هذا، وهي صورة اليهودي عدواً، تحولت الفكرة إلى قوة ناهية لكل فعل ينوي تعديل الصورة، تلك الصورة المرسومة في المخيلة سلفاَ: (مستغلون، محتكرون، منعزلون، عملاء، اعداء، صهاينة. إذن كيف السبيل والغاية إلى الخروج من هذه الاشكالية المفروضة، بالحق وانصاف التاريخ؟ أم مسايرة المفروض لما تم غرسه في نفوسنا؟ لأحد مكونات الشعب العراقي الذي عاش في بلاد الرافدين زهاء 2600 سنة حتى هجرتهم القسرية عام 1951م.

المشكلة الأساسية ليست في حق العراق بامتلاك أرثه بصرف النظر عن الاعتبارات الدينية، بل أن حق العراق في امتلاك هذا الارث هو حق أصيل تبعاً للظروف الموضوعية والتاريخية. ولكن علينا التذكّر فقط أننا نتحدث عن أرث تاريخي، وثائق وآثار هامة للغاية للبحث العلمي والتاريخي وتكاد تكون كنزاً بالنسبة لمراكز البحوث، والأكثر من هذا أن الدول قد تمتلك حصرياً أرثها التاريخي، لكن تلك الملكية لا تؤهلها لإخفاء هذا الارث ومنع البشرية من الاطلاع عليه . قضية الأرشيف اليهودي بصرف النظر عن الجدل السياسي حوله يبدو اليوم أقرب إلى أن يوضع في أطار حلم، لكل المهتمين بالارث الفكري الإنساني والباحثين فيه، تحت بند أن تراث البشرية هو تراث مشترك(1).

ضمن امسيات اتحاد ادباء وكتاب بابل وبرنامجه الثقافي الثاني والأربعون. وكانت محاضرتي ليوم الخميس الماضي ٢١/٢/٢٠١٩ تحت عنوان (الارشيف اليهودي العراقي). وقد ادار الجلسة د. عبد الرضا عوض.

بداية المحاضرة تطرقت عن تأريخ تواجد المكون اليهودي في العراقي منذ السبي الآشوري عام 859 ق.م ولغاية ترحيلهم القسري عن العراق عام 1951م. ومن ثم ما قامت به الحكومات المتعاقبة على اعتقال وتغيب واعدام ابناء المكون اليهودي، ثم التطرق عن طريقة العثور على الأرشيف اليهودي العراقي.

في قبو داخل مقر جهاز المخابرات العراقية لحكومة العراق السابقة قبعت الوثائق والآثار والمخطوطات الهامة التي يتم توصيفها اليوم تحت مصطلح «الأرشيف اليهودي» لعشرات السنوات بعيداً عن الأعين وفي أجواء خزن لا تراعي المعايير الدولية، ما أدى إلى تلف العديد منها، حتى العام 2003م لم تكن القضية مثاراً للجدل، وكان بالإمكان أن تتعرض تلك الوثائق إلى الحرق أو التلف الكامل من دون أن يعرف العراقيون حتى أنها موجودة في ذلك القبو . وبناءً على معلومات سرية، ذكر أن العثور على وثائق وملفات الأرشيف اليهودي تمت من قبل الجيش الأميركي في السادس من أيار 2003م، إذ قام 16 جندياً أمريكياً، وهم من ضمن فرقة البحث عن أسلحة الدمار الشامل، حيث تم العثور على كمية من لفائف التوراة، وكتب الصلاة والتقويمات العبرية العائدة لتأريخ حقبة من الزمن لتأريخ طائفة دينية عاشت قرابة 26 قرن من الزمن في بلاد الرافدين وهجّرَ لأسباب شتى من العراق حتى بقى منها النفر القليل الذي لا يتجاوز أصابع اليد . أن الدفين - الأرشيف اليهودي - وجدَ متعفن، وبعضه ذات قيمة وثمن حضاري وتأريخي، والكثير منه لا يقدر بثمن وهناك 7002 من الكتب وعشرات الآلاف من الوثائق التي سرقت من يهود العراق(2).

في المقابل، كشف سعد اسكندر، مدير دار الوثائق العراقية :«أن الوثائق التي عثر عليها بعد سقوط النظام السابق عام 2003م كانت ثلاثة أنواع : وثائق أمنية، أرشيف حزب البعث، والأرشيف اليهودي، إذ أنه مجموعة من الكتب الحجرية القديمة والكتب الحديثة ووثائق ومخطوطات يعود تأريخها إلى ما قبل 300 سنة أو أكثر، هذه الوثائق التي جاءت بعد تهجير يهود العراق وسلب ممتلكاتهم وإخراجهم من العراق، و ترك ما تبقى من معابد ومدارس وبعض البيوت الكبيرة التابعة للطائفة، في عهد صدام حسين أراد نظامه إكمال عملية الإبادة فبدأ بالموروث الفني والثقافي اليهودي وهاجم المعابد والبيوتات واستولى على وثائقهم وكتبهم.

هناك اكثر من رواية لقصة العثور على الأرشيف اليهودي العراقي، ومن ثم الاستيلاء على موجوداته وسرقتها:-

أولاً الرواية العراقية الرسمية يسردها مدير دار الكتب والوثائق العراقية سعد اسكندر بقوله : إن الأميركيين لم يعثروا على الأرشيف اليهودي كما يدعون، بل أن أحد كبار ضباط جهاز المخابرات العراقي السابق، تقرب من أحد رجال المعارضة (بعد عودتهم من العراق) وأخبره أنه كان مسؤولاً عن أرشيف مهم جداً يعود إلى النبي موسى، ويريد كشفه للقوات الأميركية بشرط الحصول على ضمانات أمنية. وبالفعل قامت الفرقة العسكرية المكلفة بالبحث عن أسلحة الدمار الشامل (فرقة ألفا) وبعد تحديد موقع الأرشيف بمساعدة عراقية، صدرت أوامر وزير الدفاع الأميركي بجمع الأرشيف والتحفظ عليه(3).

تذكر رئيسة هيئة الآثار والتراث العراقية د. أميرة عيدان : أن القوات الأميركية عثرت على حوالي (30) صندوقاً تحتوي مخطوطات باللغة العبرية في أحد أقبية دائرة المخابرات العراقية(4).

أخرج الجيش الأميركي الأرشيف من قبو تحت الأرض، بالاتفاق مع سلطة الائتلاف الأميركي المدني، وتم الاتفاق مع مؤسسة نارا- الأرشيف الوطني الأميركي- التي تولت عملية الترميم، وينص الاتفاق مع المؤسسة على أن تكون وزارة الثقافة العراقية طرفاً معها، بعد حل سلطة الائتلاف الأميركي»(5)

ثانياً بعض الروايات تؤكد أن القوات الأمريكية عندما اجتاحت العراق، عثرت على سجن خفي في قبو في مديرية الاستخبارات العراقية، يضم 16 صندوقاً من الحديد والخشب، وقد نقل الأرشيف إلى مطار بغداد مقر القوات الأمريكية، كاشفاً أن أحد المترجمين العراقيين أبلغ عن وجود هذا الأرشيف لدى القوات الأمريكية في مطار بغداد، إلا أن أمريكا عام 2005م قامت بتوقيع مستندات مع العراق بأن تستعيد الأرشيف اليهودي.

ثالثاً فقد نشرتها صحيفة الواشنطن بوست بقلم الكاتب لورين ماركو في 10 كانون الاول 2013 فتذكر انه : بناءً على معلومات سرية قام 16 جندياً اميركياً باقتحام الطابق السفلي من مقر المخابرات لنظام الرئيس السابق صدام حسين في بغداد في 16 آيار 2003 الذي غمرته المياه، حيث تم العثور على كمية من لفائف التوراة وكتب الصلاة والتقويمات العبرية.

محتويات الأرشيف

حاولت الجهات الرسمية العراقية التقليل من أهمية محتويات الأرشيف اليهودي العراقي. ذكر السفير العراقي في أمريكا لقمان فيلي «بأن الأرشيف العراقي في أمريكا ليس يهودياً بالكامل، إذ يضم وثائق تعود إلى منظمة التحرير الفلسطينية، إضافة إلى وثائق أمنية وأرشيف حزب البعث . كما أن معظم الكتب الدينية للأرشيف اليهودي كانت بالعبرية ومنها بالعربية، ومن ضمن محتويات الأرشيف اليهودي:

1- كمية من لفائف التوراة لمقاطع من سفر التكوين البالغ عددها 48 مكتوبه على جلد .

2- تقويمات باللغة العبرية .

3- 7002 كتاب.

4- مجموعة من الخطب المطبوعة بشكل جميل من قبل حاخام في المانيا في عام 1692م.

5- عشرات الآلاف من الوثائق المدرسية تعود لأعوام العشرينات من القرن الماضي حتى منتصف السبعينات، والكتب المدرسية التربوية لمدارس الأليانس.

6- 1700 تحفة نادرة توثق لعهد السبي البابلي الأول والثاني.

7- أقدم نسخة للتلمود البابلي تعود لعام 1793م .

8- أقدم نسخة للتوراة عمرها 200 سنة جلبت أصلاً من فينا عام 1568م.

9- مخطوطات تاريخية .

10- سجلات شرعية تعود لعدة قرون التي تركتها الجالية اليهودية العراقية.

11- كتب دينية وقصصاً تعود إلى القرن الثامن عشر والتاسع عشر.

12- لفائف من التوراة برقع جلدية .

13- أنجيلاً بلغة العبرية .

14- وثيقة عبارة عن مذكرات مكتوبة يدوياً عام 1902م.

15- كتاب صلوات عيد الفصح يعود لعام 1930م باللغتين العبرية والفرنسية.

16- مجموعة من المواعظ لأحد رجال الدين طبعت في ألمانيا عام 1892م.

17- كتاب التصوف عام 1815م.

18- رسالة رسمية تعود إلى رئيس الحاخامات بشأن تخصيص الأغنام لرأس السنة.

19- تقويم عربي وعبري لعام 1972/ 1973م.

20- كتاب مقدس باللغة العبرية عمرة 400 سنة.

يقول اليهودي العراقي الثري (أدوين شكر) المقيم في لندن، والذي غادر العراق عام 1971م وعثر على شهادته المدرسية ضمن المعروضات في واشنطن : يحتوي الأرشيف على عشرات الآلاف من الوثائق، وما يقرب من (2700 كتاب) تم عرض (24) قطعة منها فقط في المعرض، ومن بين هذه القطع شهادتي المدرسية.. ويحتوي الأرشيف كذلك على المستندات التي تم العثور عليها داخل مدرسة (فرنك عيني) اليهودية في بغداد، التي تم إغلاقها عام 1972م وتحويلها إلى المدرسة النظامية التابعة إلى وزارة التربية. كذلك يوجد ضمن الأرشيف وثائق زواج وكتب ومراسلات بين أبناء الطائفة اليهودية العراقية وجهات في دول العالم، إلى جانب نسخ من كتب دينية وتاريخية يرجع تاريخية إلى ما يزيد عن (400) سنة(6).

من جهته يذكر النائب الإسرائيلي العمالي (موردخاي بن فورات) وهو أحد المنحدرين من يهود العراق الذي يعمل باحثاً في مركز (إرث يهود بابل) الواقع قرب تل أبيب: إن إسرائيل اشترت مجموعة من المخطوطات الأثرية الثمينة من عناصر ميليشيا رافقت القوات الأميركية لدى دخولها إلى العراق عام 2003. ويضيف : إننا تمكنا من الحصول على تعليق نادر لسفر أيوب نشر سنة 1487م وقسم من كتب الأنبياء المنشورة في البندقية سنة 1617م من مخازن حصينة لأجهزة الأمن العراقية في عهد صدام حسين(7).

صيانة وترميم الأرشيف

بعد نقل القوات الأمريكية الأرشيف للصيانة إلى إدارة الأرشيف الأمريكي للوثائق في ميراند تكساس كلية بارك، للتأكد من سلامة الأرشيف العراقي اليهودي، بعد أن تعرض للرطوبة والحرارة أثناء الخزن، والاطلاع على عمليات حفظه وصيانته التي تم باستخدام التقنيات والأساليب الحديثة، في هذا المجال وترقيم صفحاته بشكل الكتروني، وأعداد عرض صوري وفديوي يوثق عمليات نقل الأرشيف وصيانته وإنقاذه من التلف، كما أن مكونات الأرشيف نحو 18% تنطوي على أهمية تاريخية فعلاً، في وقت يتوقع اكتمال صيانته منتصف عام 2014م ليجري تسليمه إلى الحكومة العراقية بحسب الاتفاق بين الجانبين.

لكن مشروع الترميم كان متعثراً حسب تصريحات الحكومة الأمريكية، أثر ازدياد العنف وسفك الدماء في بغداد عام 2006م، إلا أن عودة الاستقرار بعد عام 2007م تقريباً إلى العراق تحول مبلغ ثلاث ملايين دولار في عام 2011م وهو الدعم الاقتصادي للعراق لدعم إعادة العمل وللترميم بالشكل الجيد وفق أساليب علمية رصينة، ومن المتوقع أن يصل اثنان من خبراء العراق للاطلاع على مجريات العمل في مجموعة الملف التي تم العثور عليها.

في كلية بارك في تكساس في قسم الأرشيف، إذ يعمل عدد من الخبراء بشكل متواصل بأجهزة وأدوات مختلفة للتنظيف وترقيم الوثائق والأوراق المهمة وتغليفها، كما يعمل عدد من التقنيون لامتصاص الرطوبة من تلك الأوراق، وخاصة كتب الصلوات وإصلاح ما تلفتها الحشرات عبر الأعوام، كما أن البعض يتم تنظيفها تماماً وقد يتم تجليدها ثانية، بعد إنجاز الإصلاح والترميم سيتم عرض الأرشيف على الشبكات الفضائية مع تنظيم معرض له بعنوان اكتشاف واستعادة المحافظة على التراث اليهودي العراقي(8).

أن الأرشيف يتضمن مجموعة من الوثائق المهمة التي تؤكد تاريخ الحضارة البابلية وتأريخ اليهود ويحكي قصة اليهود، وهنالك صيحات كثيرة ليس فقط من الحكومة العراقية ولكن من المواطنين أيضاً لاستعادة الأرشيف اليهود بعودته إلى موطنه الأصلي حضارة بلاد الرافدين، أن المرحلة المقبلة ستشهد تحسناً في قضية استعادة الأرشيف اليهودي ولكن لا يمكن أن نحدد متى يعود إلى موطنه الأصلي(9).

مراسيم دفن الأجزاء التالفة من الأرشيف

أبدى متحف الأرشيف الأميركي موافقته على نقل جزء من الأرشيف اليهودي العراقي إلى بغداد فيما تم دفن الأجزاء التالفة منه في مقبرة لليهود العراقيين في نيويورك، بينما تستعد لجنة حكومية لمتابعة هذا الملف مع المسؤولين الأميركيين(10)، من خلال ما تم من أجراء مراسيم دينية خاصة لدفن الأجزاء المتضررة من الأرشيف يعكس صورة العراق الجديد، كانت مراسيم الدفن لأجزاء وصفحات تالفة من التوراة التي هي جزء من محتويات الأرشيف اليهودي الذي نقل لترميمه في واشنطن وذلك في مقبرة (نيو مومنتيفور) التابعة للجالية اليهودية في ضواحي مدينة نيويورك، بحضور السفير العراقي في واشنطن، لقمان فيلي، بحسب ما نقلت صحيفة تايمز أوف انديا THE TIMES OF INDIA، أنه وفقاً للقانون والعرف اليهودي، فإن أسلوب الدفن هذا يستخدم للأشياء التي تحمل طابعاً مقدساً وتتعرض للتلف ولم تعد مناسبة للاستخدام والتداول . وقال رئيس منظمة الجالية اليهودية في العراق، موريس شوحيت، بحسب الصحيفة أوف انديا، إن «الصندوق الذي وضع في القبر يحتوي على الأجزاء والصفحات التالفة من التوراة التي علاها التعفن والتفسخ، كما أن أكثر من 120 شخصاً حضروا مراسيم الدفن» . وبينت الصحيفة أن «الأرشيف الوطني في واشنطن، كان قد نظم معرضاً لبعض العينات من محتويات الأرشيف اليهودي بعد ترميمها لفسح المجال أمام الزوار من الجالية اليهودية والآخرين، إلقاء نظرة على إرث اليهود الذين عاشوا في العراق منذ مئات السنين، ومقتنياتهم القديمة والنادرة»(11).

رأي بعض العراقيين حول عودة الأرشيف

هناك عدة تساؤلات حول الأرشيف، منها من يقول : العجيب أن يكثر الحديث اليوم عن إرسال الأرشيف اليهودي إلى وزارة الآثار العراقية في بغداد على الرغم من أنه من غير الواضح أين سيتم حفظه أو عرضه؟ والسؤال الكبير حول الأرشيف الذي يطرحه يهود العراق اليوم هو كيف يمكن إرجاعه إلى العراق دون ضمانات حقيقية لحفظه وصيانته وإمكانية الاستفادة منه خصوصا وادعاء الحكومة أنها تمتلك أضعافه في العراق؟ فلماذا لا يمكنها حفظ وصيانة الموجود فعلاً عندها لتضعه في المتاحف بصيانة واهتمام ويتم عرضه في المتحف وإمكانية الاستفادة منه؟.

لذلك كله كتب بعضهم رسالة موجهة إلى مسؤولين في الإدارة الأمريكية ووقّعها الكثير من الحضور من اليهود العراقيين يطالبونهم بالحفاظ على أرشيفهم وعدم تسليمه إلى بغداد كحق طبيعي من حقوقهم بعد كل تلك المحن والمآسي والتهجير والمعاناة، فضلاً عن السعي الحثيث لاسترجاع الحقوق المغتصبة لتأريخ أبناء الديانة اليهودية، وإن تأريخاً عظيماً عمره ثلاثة آلاف عام لا يمكن أن تمحيه خمسين عاماً من المعاناة والمحنة والتهجير وسيبقى خالداً يدونه التاريخ بحروف من ذهب كما يتذكره الطيبون من مختلف الأديان والمذاهب الذين تعايشوا وتحاببوا وتزاوجوا بمودة ووئام وانسجام وسلام(12).

يتساءل الصحفي نبيل الحيدري في مقال على موقع إيلاف إن «السؤال الحقيقي هو أين حقوق يهود العراق اليوم ؟ فإذا أقرّت الحكومة بتأريخهم العظيم، فعليهم بإرجاع جنسياتهم أولاً كما طالبت في مؤتمر الأديان في السليمانية العام الماضي، وكذلك طالبتُ إعطائهم مقاعد برلمانية أسوة بغيرهم من الأديان والمذاهب لإرجاع جميع ممتلكاتهم وأموالهم التي سلبت ظلماً وعدواناً،وتعويضهم عن الخسائر الفادحة التي ألمّت بهم، فكيف يجوز إرجاع الأرشيف بدون أهله وأصحابه الحقيقيين، وهذا غير مقبول، فمثلا الشهادة المدرسية ترجع إلى صاحبها الحقيقي وكذلك الوثائق الأخرى . والسؤال الكبير حول الأرشيف الذى يطرحه يهود العراق اليوم هو كيف يمكن إرجاعه إلى العراق دون ضمانات حقيقية لحفظه وصيانته وإمكانية الاستفادة منه خصوصاً، وادعاء الحكومة أنها تمتلك أضعافه في العراق، فلماذا لا يمكنها حفظ وصيانة الموجود فعلاً عندها لتضعه في المتاحف بصيانة واهتمام ويتم عرضه في المتحف وإمكانية الاستفادة منه . لذلك كله كتب بعضهم رسالة موجهة إلى مسؤولين في الإدارة الأمريكية ووقّعها الكثير من الحضور من اليهود العراقيين يطالبونهم بالحفاظ على أرشيفهم وعدم تسليمه إلى بغداد كحق طبيعي من حقوقهم بعد كل تلك المحن والمآسي والتهجير والمعاناة، فضلاً عن السعي الحثيث لاسترجاع الحقوق المغتصبة لتاريخ ناصع يتجاوز المسلمين والمسيحيين في ثلاثة آلاف عام باهر خالد(13).

أما رأي الأستاذ سمير عزت معلم، الذي أرسل في رسالة على النت قال : رأي في الموضوع هو على أساس :

1- مصدر المعروضات: اغلب المعروضات صودرت من بيوت وكنائس يهودية عند قيام سلطات الأمن/الاستخبارات بمداهمة البيوت والكنائس.

2- الأهمية الدينية: لا أهمية لصندوق خشبي بداخله مجلة جلدية ملفوفة وعليها مخطوطات التعاليم الدينية بالعبرية لمن لا يقرأ العبرية.

3- انتقاص فئة: أن كانت الغاية من الإعادة عرض المفردات على أبناء الشعب العراقي فلن يتم ذلك تماما ما لم تسنح الفرصة أمام اليهود العراقيين من زيارة العراق والمعرض.

لذلك اعتقد انه من المرجح ترك المعروضات لمن سهر وحرص على استعمال جميع طرق التكنولوجية في استنساخ وإنقاذ ملفات تلفت في مياه السراديب وتوضع الآن تحت أنظار الجميع دون تفرقة.

أما رأي الأستاذ حسقيل عزرا جميل، في رسالة على النت قال : عزيزي نبيل اعتقد الأحسن أن يكون الارشيف اليهودي لدى دوله محايدة للحفاظ عليه وهذا أوسط الأمرين.

أما السيدة ثريا كانوا بطرس فقد علقت على الموضوع وقالت: أفضل حل باعتقادي هو وضعه أمانة لدى اليونسكو، لحين استقرار الأوضاع الأمنية والسياسية ووجود حكومة عراقية تهتم بتراث العراق كله على أساس أنهُ تراث وطني وليس على أساس نظرة إيديولوجية

أما الدكتور خضر البصون، فكان لهُ رأي مخالف إذ قال : اعتقد أني معارض لفكرة إرجاع الارشيف إلى العراق . طبعاً المكان اللائق له في متحف يهود العراق حيث يعيش معظم يهود العراق، ولكن إذا كان هذا علقم مرّ، فمن الطبيعي أن نفضل أن يبقى في دولة «محايدة» ربما انكلترا حيث أسهل السفر إليها.

كما علق الدكتور فلاح حاج حول الارشيف وقال : الارشيف ثروة تاريخية ينبغي الحفاظ عليها، على الأقل للاستفادة منه في مجال التوثيق . هذه كنوز ثمينة بغض النظر عن موقفنا من دولة إسرائيل . ربما يكون من المناسب الاحتفاظ بهِ في دولة محايدة مؤقتا بسبب الأوضاع الأمنية غير الطبيعية.

وفي نهاية الأمسية كانت هناك مداخلات بشار عليوي، سعد الشلاه، د. نصير الحسيني، الباحث أحمد الناجي، د. عبد الرضا عوض) وكانت هناك عدة تساؤلات حول الأرشيف، منها من يقول : العجيب أن يكثر الحديث اليوم عن إرسال الأرشيف اليهودي إلى وزارة الآثار العراقية في بغداد على الرغم من أنه من غير الواضح أين سيتم حفظه أو عرضه؟ والسؤال الكبير حول الأرشيف هو كيف يمكن إرجاعه إلى العراق دون ضمانات حقيقية لحفظه وصيانته وإمكانية الاستفادة منه خصوصا وادعاء الحكومة أنها تمتلك أضعافه في العراق؟ فلماذا لا يمكنها حفظ وصيانة الموجود فعلاً عندها لتضعه في المتاحف بصيانة واهتمام ويتم عرضه في المتحف وإمكانية الاستفادة منه؟.

أما من ناحية المخاوف على الأرشيف من قبل الحضور فهي عديدة منها مثلا : أين وكيف سيحافظ على الأرشيف؟ هل سيبقى كأرشيف كامل؟ هل سيكون مصير الأرشيف مثل ما حصل ولا يزال يحصل بالآثار في العراق؟ كيف يمكن الاطلاع عليه وعلى محتوياته إذا عاد إلى مكان غير آمن؟ وقد كانت حصيلة الحوار أن يبقى الأرشيف في دولة محايدة للحفاظ عليه دون عودته إلى العراق.

 

نبيل عبد الأمير الربيعي

.........................

المصادر

1- مصطفى الكاظمي - الحرة عراق - عن الأرشيف اليهودي .. وحلول تضمن الحقوق-10-2-2014.

2- الواشنطن بوست تروي قصة سرقة الأرشيف اليهودي العراقي 11/12/2013. http://l-news.net/index.php/policy/36438.html

3- جريدة العرب بتاريخ 5/10/2009. حوار مع مدير عام دار الكتب والوثائق العراقية د. سعد اسكندر.

4- تصريح أوردته وسائل الإعلام العراقية في 5/1/2009.

5- صحيفة الصباح الجديد - سها الشيخلي في 3/18/2014.

6- صحيفة العرب. العدد 9435 بتاريخ 11/1/2014 . حوار مع اليهودي العراقي أدون شكر..

7- صحيفة العرب العدد 9436 في 11/1/2014.

8- صحيفة الصباح -الأرشيف اليهودي العراقي.. في طريق العودة – في8-9-2014 http://www.alsabaah.iq/ArticleShow.aspx?ID=77399

9- العراق تايمز – الأرشيف اليهودي في طريقه إلى بغداد -http://sumria.blogspot.com/2013/04/blog-post_6.html

10- العراق تايمز- الأرشيف اليهودي في طريقه إلى بغداد- http://sumria.blogspot.com/2013/04/blog-post_6.html

11- المدى برس/ بغداد -17-12-2013 تحت عنوان (مراسم دفن أجزاء تالفة من الأرشيف اليهودي في نيويورك).

12- نبيل الحيدري - الأرشيف اليهودي العراقي تاريخ حافل بالأمجاد –إيلاف - في 20-ديسمبر – 2013.

13- موقع إيلاف – نبيل الحيدري - الأرشيف اليهودي العراقي تاريخ حافل بالأمجاد-20 ديسمبر 2013- See more at: http://www.elaph.com/Web/opinion/2013/12/858745.html#sthash.HRwqvA02.dpuf

 

 

عدنان عويدفي المفهوم: تعتبر الواقعية إحدى المدارس الفنية التي تركز في اهتمامها على كل ما هو واقعي وحقيقي وموجود في الطبيعة والمجتمع، وقد توازى  ظهور الواقعية مع المدرستين الاتباعية والرومانسية، ففي أعماق الرومانسية بذور حية تنادي بتحرير الإنسان من واقع مؤلم، وفي الاتباعية كثير من الرؤى العظيمة التي تتجه إلى الواقع بغية إصلاحه وتطويره. هذا وتعمل المدرسة الواقعية ساعية عبر فنانيها وأدبائها إلى تجسيد مشاهداتهم في الواقع على شكل أعمال فنية وتصويرها بصورة طبق الأصل، وذلك من خلال رصد كافة الظروف المهمة على أرض الواقع, سواء الاجتماعية أو السياسية أو الاقتصادية, وكذلك الشؤون الدينية المختلفة، وتظهر في هذا الفن أو الأدب الواقعي مشاعر وانفعالات الفنان أو الأديب في كافة الأعمال التي ينتجها، الموضوعية والملاحظة الدقيقة، والثورة على شرور الحياة، والثقة بقدرة العلم على حل مشكلات الإنسانية من خلال الخلق الأدبي أو الفني، مما أتاح المجال لوجود نوعين من المدارس الواقعية وهما الواقعية الرمزية، والواقعية التعبيرية.

بيد أن التمذهب في إطار الفلسفة الواقعية, لم تتحدد نظرياته الدقيقة إلا على يد جماعة الشعراء وكتاب القصة والمسرحية الذين آمنوا بقدرة الكلمة على الكفاح  والهجوم على الواقع الفاسد لتدميره تدميرًا شاملا بغية إعادة بنائه. متخذين أبعادًا حضارية إنسانية.

أسباب ظهورها وأهدافها:

ظهرت الواقعية على شكل اتجاه أدبي في القرن التاسع عشر، والعشرين تحت تأثير مزدوج لنهوض العلم والعقلانية الفلسفية.

لقد رافق ظهور تلك المدرسة, انتقال العالم بشكل جذري من الحياة الزراعية إلى الحياة الصناعية المتطورة، والتي أضحى فيها الواقع الملموس أساساً متيناً تبنى عليه الأشياء، حيث ركزت الثورة العلمية والتقنية على تقديم تفسيرات وتعليل للكثير من الظواهر على الأرض. لقد فجرت البورجوازية الزاحفة إلى السلطة والمنتصرة في القرن التاسع عشر, نمط الحياة التقليدي المبني على الانتماءات التقليدية وعلى التوازنات الاجتماعية وعلى المقولات اليقينية, فكان هناك في الحقيقة سعي دائم لتفسير كافة أسباب الوجود، ومن هنا اقتبس الفن التشكيلي على سبيل المثال هذا المجال ليجسد, تلك المرحلة، وتوثيقها لمجمل الشخصيات التي كان لها وزنها الاجتماعي والسياسي والديني، ومنها تندرج كثير من أعمال الكلاسيكيين التي تهتم بالطبيعة والبورتريه ورسم المزهريات والطبيعة الصامتة. وهذه ما حققه العلم أيضاً في الوصول إلى نجاحات مماثلة على مستوى العلوم الفيزيائية والكيميائية والميكانيكية وغيرها، ومن هنا ظهرت الواقعية على أنها  ليست حكراً على الرسم والنحت والسينما والموسيقى والثقافة بصفة عامة فحسب, بل هي ملتقي جملة من الابداعات العلمية والفكرية كذلك.

إن الواقعيين يختارون مادة تجاربهم من مشكلات العصر الاجتماعية، وشخصياتهم الأدبية تؤخذ من الطبقة الوسطى (البورجوازية) لتنتقد آفاتها التي تهدد المجتمع بالانحلال، أو من طبقة العمال لتصور ما يعانونه من جور وظلم، فالمجتمع موضوع الفن، والفن تعبير عن المجتمع من أجل المجتمع.

فعلى الروائي، قبل كل شيء، أن يدرس مظهر الأشخاص، ويسألهم ويمحص أجوبتهم، ويدرس مساكنهم، ويستجوب الجيران، ثم يدون حججه واضعا حدا لتدخل الكاتب إلى أقصى درجة ممكنة فيكون المثال الأعلى نوعاً من اختزال مقاصد الأشخاص، وسلسلة من الصور لمظاهرهم المتنوعة. إن الملاحظة الدقيقة هي عمل الروائيين الأساس. فلقد زال الهوى والوهم. إن الواقعية تهدف إلى أن تصبح التعبير عن مفردات الحياة اليومية أو محاكاتها, بيد أن هذه المحاكاة ليست تسجيلا فوتوغرافيا ولا نقلا آليا لزخم الحياة بإيجابيات وسلبياته، بل هي عملية ابتداع للواقع وصياغته صياغة واعية تقوم على المتخيل والتصوير والتشكيل والنمذجة.

إن الكتابة الواقعية عملية إبداعية تستند إلى الواقع تستوعبه وتتمثله أو تستلهمه، ثم تصبه في معمارية فنية تقوم على التماسك والانسجام والتآلف الجدلي. لقد  عزف الواقعيون عن التعقيد وعن الزخرفة اللفظية المعروفة لدى الكلاسيكيين وعن لغة الطبقات الأرستقراطية وتبنوا لغة الشرائح الاجتماعية الشعبية بعيدا عن كل تملق طبقي وعن كل روح غرائبية. فالإخلاص هو القيمة الوحيدة التي يريدها في الفن، ثم أعرب عن رغبته في الشعر .

خصائصها:

خصائص المدرسة الواقعية بما أن المدرسة الواقعية ظهرت في فترة التطور الصناعي، فقد كان هناك:

1-  إهمال كبير للذات بهدف حشد الجهود للتركيز على القضايا المادية والملموسة، أي أنها أهملت الذات من أجل الموضوع، ومن هنا جاءت خاصية إهمال إحساس الفنان من أجل التركيز على الواقع. لقد ركز الفنان أو الأديب أو المفكر الواقعي كافة اهتماماته وتصويره على ما هو معاصر, وتناول الأحداث الصحيحة أو الممكنة , ووصف الأشخاص والبيئات والزمان والمكان وتصوير كل ذلك تصويرا يحاكي الواقع المشاهد, ومع العناية باللفظ والصيغة والصورة. أي تناول كل  ما هو حقيقي ويحاكي المنطق والعقل، والابتعاد بشكل تام عن الأحلام والأوهام والخيال، وبالتالي أهمال كل ما هو تقليدي وأسطوري أو ذاتي.

2-  لقد ابتعدت الواقعية في الرسم عن تكوير الأجسام من خلال التظليل وذلك بهدف الإيهام بما يسمى البعد الثالث، حيث لجأت الواقعية لاستخدام الألوان في صورة مساحات، واعتمدت في ذلك على أنواع الألوان ودرجاتها.

3- اكتشاف القوانين التي تتحكم في المجتمع والعلاقات الاجتماعية، وآمنت بأن الإنسان خاضع لنواميس وسنن صارمة. سماها  "أوغيست كونت" بـ "الفيزياء" الاجتماعية .

4 - الضوء ليس مسلطاً على العازف من مصدر خارجي، ولكن ينبع من جسمه ومن تباين المساحات ودرجات الألوان.

اتجاهات الواقعية:

أ- الواقعية الانتقادية: وقد شملت الانتقادية الواقعية جزءًا كبيرًا من إنتاج الواقعيين، حيث كانوا يناضلون بسلاح النقد إزاء أمراض المجتمع.

وهي الشكل الذي أخذته الواقعية في القرن التاسع. أي أن الواقعية ولدت وهي نقدية، لأن أوضاع المجتمع الصناعي الأوروبي في منتصف القرن التاسع عشر، كانت تحول دون تبلور فكر ثوري جماهيري مؤثر في الفنون والآداب. فاكتفت الواقعية وقتها برصد التناقضات الاجتماعية والكشف عن خبايا الأزمات الكبرى التي كانت تعصف بأوروبا. وقد تحرى الأديب الواقعي النقدي الصدق في وصفه لحركة التطور الاجتماعي. ويعد هذا الموقف وقتها موقفا إيجابيا، لأن  الأديب أو الفنان الواقعي رفض الصمت والانصياع للإيديولوجيا البورجوازية, وآثر تعرية الواقع ووصفه كما هو بكل موضوعية وبكل جرأة. ولكون يفتقر إلى النضج السياسي، وإلى الوعي الإيديولوجي, وإلى الرؤية الجدلية وإلى الشمولية، لم يستطع تفكيك الواقع وإعادة بنائه وفق نظرية ثورية بهدف تغييره وتحويله والقضاء عليه، وبعبارة أخرى نستطيع أن نقول إن الواقعية النقدية تمثل الطرف الثاني من الجدلية (أي نقيض الأطروحة كما طرحها هيجل)، التي لم تتوج ولم تكتمل بالتجاوز إلى نفي النفي .

ب - الواقعية الطبيعية: وهي شكل آخر من أشكال الواقعية، يلتصق بالمادي والعلموي, وهذه المدرسة هي أقرب إلى علماء الاجتماع, أو التصاقًا بهم، رغم أنها جاءت رد فعل على تفلت مذهب (الفن للفن) والرومانسية من مضمون الحياة والمجتمع، لذلك عمل الواقعيون الطبيعيون على توثيق صلة الأدب بالحياة، واستعانوا بالعلوم التجريبية.

ج - الواقعية الجديدة (الاشتراكية): إن الجمالية الأساسية لواقعية الاشتراكية تتمثل فيما يلي:

1- الوفاء للإيديولوجية الشعبية، ووضع النشاط الإنساني في خدمة الشعب وروح الحزب، والارتباط العضوي بنضال الجماهير الكادحة.

2- هي نزعة إنسانية اشتراكية وأممية، ذات تفاؤل كبير بالتاريخي.

3- لقد رفضت الشكلانية والذاتية, وكذلك  الذاتية الطبيعية. وهي حصيلة النظرة الماركسية إلى الفن والأدب، والموقف المشترك للكتابة هو الالتزام بأهداف الطبقة العاملة، والنضال في سبيل تحقيق الاشتراكية.

4-  وكان الواقعيون الاشتراكيون يدينون ميوعة الأدب الحديث في المجتمعات الرأسمالية وخاصة المدارس التي تنطلق من الذاتية والتخيل والاحساسات الذاتية, مثل الرمزية والانطباعية والسريالية والرومانسية والوجودية.. وغيرها ، مثلما هاجموا الواقعية الانتقادية لأنها تتظاهر بتحليل المجتمع، لكن لا تفضح البورجوازية وطبيعة استغلالها للمجتمع والدولة.

5- تمثل الواقعية الاشتراكية بالنسبة للواقعيين الاشتراكيين الطموح من  أجل وضع الأسس لمجتمع اشتراكي مثالي ونموذجي، ولروح ملحمية جديدة تؤسس للبطل الاشتراكي، صانع التاريخ ومستقبل الإنسانية.

أهداف الواقعية لدى الأدباء والفنانين العرب:

لقد احتفى الواقعيون العرب بالمبادئ الوطنية والقومية والإنسانية، فكانوا عبر أعمالهم الفنية والأدبية, يطالبون بتحرر الأوطان من المستعمر ووحدتها, وتحرر الشعوب من التخلف الحضاري المزري، ونهضتها إلى مستوى تطور العصر. فبعضهم يرى الاشتراكية المنصف الوحيد من الفقر، وفريق يرى التمسك بالشرعية الإسلامية وتطبيقها هو ما تنشده الإنسانية من قيم حضارية متقدمة.

وقد نشأت فكرة الالتزام نتيجة احتكاك الأديب بمشكلات الحياة التي يعيشها، وكانت قضية الحرية والعدالة الاجتماعية والوحدة العربية وقضايا التحرر العالمية هي أهم القضايا التي تبناها الأدباء والفنانون العرب، فصارت مهمتهم النقد والمعارضة والتنبؤ، بيد أن هذا (الالتزام) صار سجنًا وقيدًا لفكر الكاتب أو الفنان أو الباحث, فهو الذي حرر نفسه من إسار المواقف، نراه قد عاد ليقيد مواهبه في محراب الكلمة والمذهب والنمذجة، وهذا سجن أشد حصرًا للموهبة.

 

د. عدنان عويّد - كاتب وباحث من ديرالزور – سورية

..........................

المراجع:

للاستزادة في هذا الموضوع راجع التالي:

1- المدرسة الواقعية - رزان صلاح -  موقع موضوع - ٧ فبراير ٢٠١٦.

2-  الواقعية في الأدب - أ. د/ الطيب بودربالة. و د/ السعيد جابا الله -  مجلة العلوم الإنسانية- جامعة محمد خيضر بسكرة العدد السابع - 2005

3- المدرسة الواقعية في الفن التشكيلي - عويم بن ساعدة  - منتدى متوسطة .

4- المدرسة الواقعية - شبكة الفصيح.

 

 

حسين سرمك حسنمن الشعوب المحتلة قطعوا رؤوس أصحابها؟- تم التعرّف على 32 منها لقادة جزائريين قُطعت رؤوسهم! – المحتلون الفرنسيون يقطعون رؤوس الجزائريين ويحتفظون بها في المتحف الفرنسي؟

أكملتُ قبل مدّة موسوعة عن الإبادت الغربية (الأمريكية البريطانية والفرنسية والبلجيكية بشكل خاص) وفيها معلومات مثيرة وخطيرة تُكشف لأاول مرّة للقارىء العربي. فأغلب القرّاء في عالمنا العربي لا يقرأون ، وللأسف ، بلغة أخرى غير لغتهم الأم وخصوصا باللغة الانجليزية – ولهذا فهم لا يطلعون على ما يُكشف من وثائق خطيرة تنشرها الحكومات الغربية المعنية بفعل التقادم الزمني أو بفعل طلبات قوانبن حرية الحصول على المعلومات أو يسرّبها مواطنون غربيون شجعان آمنوا بأن الحقيقة ومصائر الشعوب أعلى من مصالح الفئات الاستغلالية المتحكمة في بلدانهم او يحصل عليها باحثون وكتّاب وصحفيون استقصائيون ملتزمون بشرف الكلمة. والأفراد البواسل من الفئتين الأخيرتين تحمّلوا الكثير من التضحيات في سبيل مبادئهم ولعل أفضل الأمثلة على ذلك ما حصل للصحفي غاري ويب (أنتج عن قضيته فيلم مهم هو "اقتل الرسول kill the messenger) وعبقري الكمبيوتر آرون شوارتز (الخالق الرائع لموقع رديت Reddit ولـ  أر إس إس RSS) وراي غريكار وكارول كاسير وعضوة مجلس الشيوخ الأمريكي "نانسي شايفر" والجندي الأمريكي برادلي ماننغ والمتعاقد الأمني إدوارد سنودن والصحفيان الشهيران الأمريكي سيمور هيرش والبريطاني روبرت فيسك وغيرهم الكثير من "أبطال الحقيقة" فإليهم منّا آيات الاحترام والتقدير.

في هذه الموسوعة (1916 صفحة) سوف يتم تصحيح التصوّر الخطير الخاطىء الذي يسيطر على عقول الكثيرين وهو أن هناك (محرقة) أو (هولوكوست) كبير في تاريخ العالم الحديث هو المحرقة اليهودية أو الهولوكوست النازي ضد اليهود والذي تدور حوله الكثير من الشبهات ويتم تغيير عدد الضحايا بين وقت وآخر حينما تتكشف حقائق جديدة (منها عدم وجود غرف غاز نازية في معسكرات الاعتقال وظهور سجلات الصليب الأحمرالدولي التي كانت متسترا عليها سابقا) تثبت بما لا يقبل الشك أن العدد الحقيقي لضحايا الهولوكوست هو أقل بكثير مما تروج له الدعاية الصهيونية.

ما سيثبت في هذه الموسوعة هو أن هناك محارق وهولوكوستات غربية (أمريكية وبريطانية وفرنسية وبلجيكية بشكل خاص) أغرب من الخيال بأعداد ضحاياها وبأساليبها الوحشية. إبادات جماعية لا يمكن أن يصدقها العقل ومن المستحيل أن يقترفها إنسان يحمل مشاعر وعواطف بشرية سليمة وصحّية. هذه الإبادات (الهولوكوستات ، المحارق) تفوق بمئات المرّات الهولوكوست اليهودي من حيث وحشية الأساليب وعدد الضحايا المُرعب. وقد كلّفت هذه المحارق الغربية البشرية خسارة ما يقارب 300 مليون إنسان بالحسابات التقريبية كما رأينا في المقالة السابقة (الإبادات (الهولوكوستات ، المحارق) البشرية الجماعية الغربية قتلت أكثر من (300) مليون إنسان في العالم الثالث!!). وهذا الحساب يستثني الحروب الدموية الكثيرة التي شنها الغرب مثل الحرب العالمية (الغربية) الأولى والحرب العالمية (الغربية) الثانية التي كبّدت البشرية عشرات الملايين من الخسائر المباشرة وغير المباشرة بالأرواح.

الآن نتوقف عند حادثة أغرب من الخيال!! :

هل تصدّق هذا: يحتفظ متحف الإنسان الفرنسي بـ 18 ألف جمجمة من الشعوب المحتلة قطعوا رؤوس أصحابها؟- تم التعرّف على 32 منها لقادة جزائريين قُطعت رؤوسهم! – المحتلون الفرنسيون يقطعون رؤوس الجزائريين ويحتفظون بها في المتحف الفرنسي؟ 

701 سرمك 1

(مدير المتحف الفرنسي وسط الجماجم المحفوظة في علب كرتونية)

- جماجم" الجزائريين في فرنسا.. نسخة "داعشية" من القرن التاسع عشر

- "جنرالات فرنسا هم المعلمون الكبار في القتل والجرائم ضد الإنسانية وسبقوا "داعش" في قطع الرؤوس وحرق الأجساد"

هذه أوصافٌ ساقها مؤرخون وباحثون جزائريون عقب الكشف عن آلاف الجماجم المحفوظة في أحد متاحف باريس لمقاومين جزائريين قُطعت رؤوسهم، بأوامر جنرالات فرنسيين، في مشهد يحاكي من وجهة نظرهم ما يفعله التنظيم الإرهابي "داعش" في عصرنا الحالي؛ بل "فاقَهُ"، ليعكس إرهاباً يعود عمره إلى القرن التاسع عشر.

تلك الجماجم أحيت "جرائم" لم تُدفن ارتكبها الاستعمار الفرنسي، وطالت مناطق بالجزائر هُجّر بعضها وأُبيد سكانها لتنقطع سلالة المقاومين؛ فلم يعد لهم أحفاد يتوارثون تاريخهم سوى باحثين من منطقة "ليشانة"، التي يقول مؤرخون إنها كانت مهد "ثورة الزعاطشة" الشعبية عام 1849.

قناة "فرنسا 24" بثّت، قبل أيام من الآن، تقريراً كشفت فيه عن 18 ألف جمجمة محفوظة بمتحف "الإنسان" في باريس؛ منها 500 فقط جرى التعرف على هويات أصحابها، من ضمنهم 36 قائداً من المقاومة الجزائرية قُتلوا ثم قُطعت رؤوسهم من قبل قوات الاستعمار الفرنسي أواسط القرن التاسع عشر.

701 سرمك 2

- "لم يُقرأ في التاريخ أن قوماً قطعوا رؤوس آلاف البشر وخبّأوها في متحف طيلة ما يزيد عن قرن ونصف إلا في فرنسا"

ولم يُكشف بداية سر هذه الجماجم سوى في مارس 2011، على يد علي فريد بالقاضي، الباحث الجزائري المقيم في فرنسا. وفي العام نفسه، صدرت عريضة تطالب باسترجاعها؛ غير أنها لم تلق رواجاً كبيراً. وفي أيار الماضي، تمكّن إبراهيم سنوسي، الأستاذ الجزائري في جامعة "سيرجي بونتواز" الفرنسية، من جمع قرابة 30 ألف توقيع لاسترجاع بلاده لهذه الجماجم.

سعيد عبادو، رئيس "منظمة المجاهدين" الجزائرية (شبه حكومية تضم المقاومين الذين حاربوا فرنسا)، قال للأناضول إنه "لم يقرأ في التاريخ أن قوماً قطعوا رؤوس آلاف البشر وخبأوها في متحف طيلة ما يزيد عن قرن ونصف إلا في فرنسا".

- اخفاء الجماجم جريمة لا تُغتفر وظلم لا مثيل له- هذا ردّ جميل 137 ألف جزائري شاركوا في تحرير فرنسا من الغزو الألماني

سعيد عبادو وصف إخفاء فرنسا لهذه الجماجم بأنه "جريمة لا تُغتفر وظلم لا مثيل له"، مطالباً السلطات الفرنسية بإعادتها إلى الجزائر من أجل دفنها في أرضهم طبقاً لاتفاقية إيفيان (بين الجزائر وفرنسا والتي انتهت بالاستفتاء على تقرير المصير واستقلال الجزائر في 5 يوليوز 1962.

وأشار رئيس "منظمة المجاهدين" إلى أن "السلطات الجزائرية أرسلت وفدا إلى فرنسا في يناير 2016، ترأّسه وزير المجاهدين الطيب زيتوني الذي قال إن هناك أملاً لاسترجاع الجماجم".

وتابع: "الفرنسيون يحملون فكراً استعمارياً، ولا نأمن جانبهم ونستعد لهم"، مستدركاً بالقول: "نعمل للتعامل مع فرنسا على أساس الند للند والمعاملة بالمثل، خاصة أن 138 ألف جزائري شاركوا في تحرير فرنسا (من الغزو الألماني) خلال الحربين العالميتين الأولى (1914/ 1918) والثانية (1939/ 1945)

ولفت إلى "اعتراف فرنسا بذلك من خلال دعوتها الجزائر للمشاركة في الاحتفال بانتصار فرنسا على النازية (في 14 يوليوز 2014)؛ لأنّ الجزائريين شاركوا بدمائهم في الدفاع عن استقلال فرنسا".

701 سرمك 3

(مدير المتحف ميشال غيرو وسط الجماجم ويقول إن الاحتفاظ بها كان لأسباب علمية)

- "بلد كفرنسا تدّعي الديمقراطية وحقوق الإنسان تضع رؤوسا قطعها المستعمر ببشاعة ووحشية وِفعْل لا يقترفه إلا الإرهاب في متاحف لتُعرض على الزوّار"

وجنّدت الجزائر، خلال الحربين العالمية الأولى والثانية، عشرات الآلاف من الجزائريين ودفعت بهم في الصفوف الأمامية لجبهات القتال، حيث قُتل منهم الآلاف في المعارك ضد الألمان.

وخلال الأسبوع الماضي، قالت الخارجية الفرنسية إن باريس والجزائر تجريان "حوارا وثيقًا"، وتعملان في إطار "مناخ من الثقة بشأن جميع القضايا ذات الصلة بالذاكرة؛ بينها إعادة نحو 50 جمجمة تحتفظ بها باريس في خزانات معدنية بالمتحف، بعيداً عن الزوار"، وهو ما كان قد صرح به الوزير زيتوني في تموز الماضي بأنه جرى تشكيل لجان مشتركة بين الطرفين بهدف "الإسراع في استرجاع جماجم هؤلاء المقاومين".

وأبدى الوزير استغرابه من "أن بلداً كفرنسا التي تدعي الديمقراطية وحقوق الإنسان تضع رؤوسا قطعها المستعمر ببشاعة ووحشية وفِعْل لا يقترفه إلا الإرهاب في متاحف لتُعرض على الزوار"، واصفاً ما اقترفته فرنسا "بعمل يُبرز أقبح صورة عرفها تاريخ البشرية".

من جهته، رأى عمار سعداني، الأمين العام لحزب "جبهة التحرير الوطني" الحاكم في الجزائر، أن إخراج فرنسا قضية جماجم المقاومين الجزائريين إلى العلن يعد بمثابة "إهانة" للجزائريين.

وتساءل، في تصريح صحفي، "لماذا نلاقي إهانات جديدة من دولة (فرنسا) تقول إنها صديقة؟". وواصل تساؤلاته: "لماذا أخرجوا قضية جماجم مقاومين جزائريين موجودة في متحف بباريس إلى العلن؟". وتابع: "لقد أسموه متحف الإنسان، مع أنه كان يجب أن يسمى متحف الحيوان؛ لأن فيه إهانة لأشرف رجال الجزائر".

701 سرمك 4

(لم يتم الكشف عن وجود تلك الجماجم حتى شهر آذار 2011)

- جرائم فرنسا في الجزائر تفوق جرائم النازيين

من جانبه، قال الطيب الهواري، رئيس منظمة أبناء الشهداء (يتامى المقاومين الذين قتلتهم فرنسا)، إنّ "العالم سيكتشف مرة أخرى أن فرنسا التي خرجت بعد الحرب العالمية الثانية في 1945 لتندّد بالجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبتها النازية هي ذاتها التي نفّذت نفس الجرائم ضد الجزائريين وما زالت تنفذ مزيداً من الجرائم إلى يومنا هذا عبر عدم الكشف عن الحقيقة".

ووصف "الهواري"، في تصريح للأناضول، إخفاء الجماجم بأنه "جريمة دنيئة وغير أخلاقية"، مشدّداً على ضرورة استرجاعها مع الأرشيف الجزائري الذي استولت عليه فرنسا خلال الفترة الاستعمارية.

وحول محاولة الفرنسيين، خاصة من اليمين المتطرف، إلصاق تهمة الإرهاب بالإسلام والمسلمين؛ اعتبر أن "الفرنسيين يكشفون أمام التاريخ أن الاستعمار سبق "داعش" في قطع الرؤوس وحرق الأجساد"، مضيفاً: "الإنسانية والتاريخ يكشفان أن جرائم قطع الرؤوس ليست من تصرفات المسلمين، ولكنها منهم (الفرنسيين)، وتم إلصاقها بنا".

وفي هذا الصدد، أشار إلى أن "1600 عائلة جزائرية من قبيلة أولاد رياح، أبادها الفرنسيون بالدخان في القرن التاسع عشر، في جبال الظهرة، بولاية مستغانم.

ووقعت ما يُسميه الجزائريون "محرقة أولاد رياح" على يد العقيد الفرنسي "إيمابل بيليسيي"، في 19 و20 حزيران 1845، الذي حاصر نساءً وأطفالاً ومدنيين في مغارة فرّوا إليها في جبال الظهرة، فأشعل العساكر الفرنسيون النار في مدخلها حتى لقي جميع من فيها حتفهم اختناقا بالدخان، وأبيدت حينها قبيلة أولاد رياح بأكملها، حسب مؤرخين.

على الخط نفسه، سار المؤرخ الجزائري مصطفى نويصر، في وصفه للاستعمار الفرنسي لبلاده، قائلاً للأناضول: "لو نفتح سجل فرنسا في الجزائر لن نُصاب بالدهشة ولكن بالصدمة"، لافتاً إلى أن "فرنسا لم تقم بقطع الرؤوس فقط بل حرقت الإنسان وقتلت الجزائريين بالدخان".

701 سرمك 5

(الجماجم التي تمّ التعرّف على أصحابها)

- جنرالات فرنسا هم المعلمون الكبار في القتل والجرائم ضد الإنسانية

ونوّه نويصر بأن "بعض المؤرخين قارنوا ما قامت به فرنسا في الجزائر بجرائم أدولف هتلر (زعيم النازية في ألمانيا)، فوجدوا أن جرائم فرنسا تفوق جرائم النازية".

ومضى في قوله: "جنرالات فرنسا هم المعلمون الكبار في القتل والجرائم ضد الإنسانية"، داعياً إلى "إبراز مثل هذا النوع الوحشي من الجرائم للرأي العام العالمي (..) هذا سلاح في أيدينا لكي نقول للغرب أن جرائمه تفوق جرائم داعش، وبعض الأطراف في العالم الإسلامي".

ولفت إلى انتشار صفحات على مواقع التواصل الاجتماعي مثل "فيسبوك"، تنشر صوراً لجرائم فرنسا في الجزائر مقابل صور لجرائم "داعش" في سوريا والعراق، معتبراً أن "هناك صحوة تجاه هذه الجرائم تقول للفرنسيين أنتم الذين صنعتم الإرهاب بوحشيتكم، هو ردة فعل على الممارسات الوحشية للاحتلال".

701 سرمك 6

(جمجمة حمّادي)

- في مذبحة الزعاطشة أبادوا واحة كاملة (800 شهيداً) بسكانها وقطعوا 10 آلاف نخلة!

وتُعد مجزرة واحة الزعاطشة (بلدة ليشانة حاليا في ولاية بسكرة) أبرز الجرائم التي اُرتُكبت إبّان الاستعمار الفرنسي وتعود وقائعها إلى 26 نوفمبر 1849، عندما هاجم الجنرال "هيربيون" الواحة التي كانت معقل الشيخ "بوزيان" قائد ثورة الزعاطشة، بقوات بلغ إجمالها 8 آلاف عسكري. وبعد يومين من الحصار والقصف بالمدافع، تمكنت القوات الفرنسية من تدمير الواحة بالكامل، وقطع 10 آلاف نخلة، وإحصاء 800 جثة لشهداء جزائريين وعدد آخر غير معروف تحت الأنقاض. ومن بين الشهداء كان الشيخ "بوزيان".

أما الجيش الفرنسي، فقد خسر 165 جندياً وأصيب 790 آخرين، وفق الحصيلة التي أوردتها بعض المصادر.

701 سرمك 7

(جمجمة الشهيد القائد الجزائري شريف بوبغلة)

- قطعوا رؤوس الجزائريين وعرضوها في الأسواق

مصادر جزائرية تحدثت عن "إبادة" سكان "الزعاطشة" عن بكرة أبيهم؛ لكن لا يوجد ما يؤكد أو ينفي بقاء أحفاد لسكان الواحة أو للشيخ بوزيان الذي قُتل ابنه وعمره 16 سنة، وقُطع رأسه هو الآخر.

الصحافي الجزائري حفيظ صواليلي قال، في دراسة نشرها بجريدة "الخبر" يوم 5 يوليو 2015، إنه "بعد معركة الزعاطشة التي خاضها المقاومون من 16 يوليو إلى 26 نوفمبر 1849، على بعد 30 كلم جنوب غرب مدينة بسكرة؛ قرّر العسكريون الفرنسيون قطع رؤوس القادة، منهم بوزيان والشريف موسى الدرقاوي، وعَرْضها في إحدى الثكنات ثم الأسواق ببسكرة لمدة ثلاثة أيام، لتكون عبرة لمن يتجرأ على مقاومة بلاده، حسب المحتل الفرنسي".

وتابع صواليلي: "ولأن هؤلاء المقاومين وغيرهم مثّلوا رموزا لرفض المحتل، احتفط الفرنسيون برؤوسهم المقطوعة بطريقة مُذلة".

701 سرمك 8

(جمجمة الشهيد الجزائري مختار)

- البرلمان الفرنسي وافق عام 2010 على إعادة جماجم محاربي كايدونيا التي احتفظت بها فرنسا !!

وفي مايو الماضي، نشرت صحيفة "لوموند" الفرنسية نداءً لمثقفين فرنسيين وقعوا عريضة للمطالبة بإعادة جماجم المقاومين الجزائريين إلى الجزائر، مشيرة في الموضوع الذي عنونته بـ "جماجم المقاومين الجزائريين لا مكان لها في متحف باريس" إلى مصادقة البرلمان الفرنسي على قانون يسمح بإعادة جماجم محاربي "الماوري" في 2010 الذين جرى الاحتفاظ بهم بفرنسا إلى موطنهم كاليدونيا الجديدة.

- الاستعمار الفرنسي انتهج منذ دخوله الجزائر سياسة تهجير واسعة النطاق وحتى إبادة قرى بأكملها استمرت إلى غاية خروجه عام 1962

من جهته، قال ميشال غيرو، مدير المتحف الوطني للتاريخ الطبيعي في باريس، في يونيو: "نحن مستعدون لدراسة طلب تسليم جماجم الجزائريين المحفوظة في متحفنا"، مشيرا إلى "عدم وجود أي عائق قانوني لتسليمها"، حسبما أفادت به وكالة الأنباء الجزائرية.

بن يوسف تلمساني، رئيس المجلس العلمي للمركز الجزائري للبحث في التاريخ (حكومي)، الذي طالب باستعادة تلك الجماجم، قال للأناضول إنه "من الصعب اليوم تحديد خارطة لأحقاد هؤلاء المقاومين الجزائريين الذين توجد جماجمهم في متحف باريس لسببين رئيسيين: السبب الأول يكمن في أن "هؤلاء المقاومين لم يكونوا بالضرورة أبناء المنطقة التي وقعت فيها ثورات شعبية ضد الاستعمار؛ ولكنهم تنقلوا من مناطق أخرى لمؤازرة إخوانهم ضد بطش المحتل وظلمه، وقُتلوا في معارك ومجازر لتنقطع أخبارهم عن أهلهم في مناطق أخرى". أما السبب الثاني فهو معروف لدى كافة الباحثين في التاريخ، ويتمثل في أن "الاستعمار الفرنسي انتهج منذ دخوله الجزائر سياسة تهجير واسعة النطاق وحتى إبادة قرى بأكملها ضد السكان استمرت إلى غاية خروجه عام 1962. وكان يكسر قبائل، وبنقل أفرادها إلى مناطق أخرى وحتى خارج البلاد؛ من أجل كسر شوكة أي مقاومة لوجوده"، وفق تعبير تلمساني.

محمد بلحي، باحث في التاريخ من منطقة بسكرة التي شهدت ثورة الزعاطشة في القرن التاسع عشر، قال إن "سكان المنطقة أبادتهم فرنسا عن آخرهم. ومن الصعب الحديث الآن عن سلالتهم وأحفادهم".

ندير بولقرون، مدير صحيفة "صوت الأحرار" التابعة لحزب جبهة التحرير الوطني (الحاكم) في الجزائر وينحدر من منطقة "ليشانة" التي يقول مؤرخون إنها كانت مهد ثورة الزعاطشة الشعبية عام 1849، أكد أن "هذه المنطقة شهدت ما يمكن أن نسميه إبادة جماعية كاملة أرضاً وبشراً ونخيلاً من قبل الفرنسيين".

701 سرمك 9

(هكذا علّقوا رؤوس الشهداء بوبغلة وابنه ومساعده لثلاثة أيام- كتاب: جيش أفريقيا للكاتب الفرنسي فرانسوا كينوا)

- علّقوا رؤوس الثوّأر المقطوعة لثلاثة أيام

وروى المتحدث للأناضول هذه المعركة والتي أنجز بشأنها بحوثاً عدة سابقاً: "كما هو معلوم تاريخياً، في 26 نوفمبر 1849 وعلى إثر الهجوم الكبير الذي قامت به قوات الاحتلال الفرنسي، حيث إن مصادر فرنسية تحدثت عن قيام 8 جنود فرنسيين بهذا الهجوم ... تم تجميع أهل القرية وقتل الشهيد بوزيان الذي استشهد على أرض المعركة شاهراً سيفه في مواجهة قوات الاحتلال وقُنل ابنه والشيخ درقاوي معه" وقُطعت رؤوسهم

وأردف: "للدلالة على جرائم الاحتلال، قامت السلطات الفرنسية بقطع رؤوس الشهداء الثلاثة وتم التنكيل بهم ونُقلت إلى بسكرة (30 كلم من منطقة الزعاطشة) وتم تعليقها على مرأى من الملأ لثلاثة أيام في محاولة لترويع وقهر الجزائريين وكرسالة أن المقاومة قد انتهت".

وأشار بولقرون إلى وجود عريضة في إطار مسعى استعادة جماجم الجزائريين كلها من باريس، وقد جرى التوقيع عليها من لدن شخصيات تاريخية وأكاديمية بالتعاون مع جمعية مشعل الشهيد (غير حكومية)، وأنهم بصدد تفعيلها. كما أنهم قرّروا بمناسبة ذكرى 26 نوفمبر المقبل والمصادفة لذكرى ثورة الزعاطشة تأسيس جمعية تهتم بجمع الوثائق حول تلك الثورة.

وتمّ التأكد من أن سبع جماجم تعود إلى مقاومين جزائريين، بينها جمجمة الشيخ بوزيان قائد تمرد الزعاطشة بشرق الجزائر عام 1849، والذي أسره الفرنسيون وأُعدم رمياً بالرصاص وقطع رأسه، وأخرى لأحد مساعديه. وقد أضيفتا إلى مجموعات المتحف في 1880. وهناك أيضاً جمجمة محمد الأمجد بن عبد المالك، الملقب بالشريف بوبغلة، الذي فجر ثورة شعبية وقُتل وقُطع رأسه أيضا عام 1854.

701 سرمك 10

(الباحث الغيور الأستاذ علي فريد بالقاضي الذي اكتشف المأساة الفاجعة)

- الجماجم محفوظة في علب كرتونية تشبه علب الأحذية!

وتتواجد الجماجم في علب من الورق المقوّى، موضوعة في خزانات حديدية، معروضة في المتحف الفرنسي، حسب وسائل إعلام محلية.

وفي عمود رأي نشره على الإنترنت، عبر علي فريد بلقاضي، الذي يطالب بعودة هذه الرفات إلى الجزائر، عن أسفه لأن الجماجم ملفوفة وموضوعة في علب كرتونية عادية تذكر بعلب محلات الأحذية. ورفض برونو دافيد هذه الانتقادات، مشيراً إلى أن العلب مخصصة لهذا الغرض ومكلفة، وأوضح أن هذه الجماجم مصفوفة في خزائن مقفلة في صالات مقفلة. وتابع أنه منذ أن تولى رئاسة المتحف في نهاية 2015 قرر أنه ليس من حق أحد أن يرى هذه الجماجم احتراماً لرفات بشرية تم التعرف على أصحابها، وأضاف أنه لم يرها هو أيضاً.

701 سرمك 11

(لاحظ أن الجماجم محفوظة في علب كرتونية مثل علب الأحذية)

 

الدكتور حسين سرمك حسن

14 – شباط / فبراير – 2019

........................

- عن قناة العالم

عبدالرزاق بن عبدالله ومصطفى دالع ــ هيسبرس

الإثنين ١٠ أكتوبر ٢٠١٦ - ٠٨:٣١ بتوقيت غرينتش

- رابط فيلم:

هذا رابط فيلم عن موضوعة الجماجم المحفوظة في المتحف الوطني الفرنسي للتاريخ الطبيعي

https://www.noonpost.org/content/17165

- ملاحظة:

مصادر هذه المقالة والمقالة السابقة عن الإبادات البشرية الغربية مثبتة في مخطوطة الموسوعة.

 

جواد بشارةمن خصائص الزمن، على الأرض، وفي مجرتنا درب التبانة في الفضاء البعيد ما بين المجري، يمكننا التعاطي مع الزمن كفاعل حقيقي ضمن النسيج الزمكاني الذي تحدثت عنه النسبية العامة لآينشتين. فهذه النظرية قالت بإمكانية السفر نحو المستقبل ولم تمنع إمكانية العودة إلى الماضي لكن ذلك يبدو مستحيلاً في الوقت الحاضر . وهذا الموضوع ألهب خيال المبدعين والفنانين والكتاب خاصة كتاب الخيال العلمي. ففي سنة 1895 نشر ه ج ويلز رواية آلة الزمن la machine à explorer le temps، قبل سنوات من إنتهاء فترة حكم الملكة فيكتوريا والتي سبقت ببضع سنوات هيمنة الفيزياء النيوتنية التي دامت قرون طويلة. فلقد نشر آينشتين في بداية القرن العشرين، وتحديداً سنة 1905 نظريته في النسبية الخاصة التي زعزعت أركان مفهوم المكان والزمان الذي ورثناه من غاليله ونيوتن، ومن فهمنا لهذه النظرية بدا ممكناً السفر عبر الزمن، وعلى وجه التحديد الذهاب نحو المستقبل... فالزمن هو نفسه بالنسبة للجميع حسب المفهوم الغاليلي في حين أنه، في نظرية آينشتين مرتبط بالمدة المقاسة أو المحسوبة من قبل مراقبين يكونان في حالة حركة، وسرعة تلك الحركة، ما يعني أن الزمن ليس مطلقاً وثابتاً بل نسبي . ولقد اثبت العلماء لاحقاً صحة هذا المبدأ الآينشتيني: " تباطؤ الزمن مع السرعة"، فكلما كان الجسم المتحرك سريعاً في حركته تباطأ الزمن بالنسبة له عما هو عليه في المكان الساكن، وهو المبدأ الذي عرف فيما بعد بمفارقة التوأمين. ويمكن لمس الفارق الزمني وتأثيرات " الرحلة نحو المستقبل" فقط في حالة السرعة العالية جداً وقطع مسافات بعيدة جداً، أي المسافات مابين المجرية وبسرعة تقرب من سرعة الضوء دون أن تبلغها بالطبع لأنه لايوجد شيء في الكون يمكنه أن يسري بسرعة أكبر من سرعة الضوء حسب آينشتين. فلو تخيلنا رائد فضاء على متن مركبة فضائية متطورة وسريعة جداً ينطلق سنة 2019 نحو نجمة بتيلغوس Bételgueuse التي تبعد عن الأرض مسافة 500 سنة ضوئية وبسرعة 99.995% من سرعة الضوء، فعند عودته سيشيخ رائد الفضاء هذا عشر سنوات بالكاد لكنه سيجد الأرض وهي في المستقبل سنة 3019 أي سينقضي 1000 عام على الأرض، وهذا يعني أن رائد الفضاء الأرضي سافر نحو مستقبل الأرض. والمسالة ليست سوى مسألة وقت وإمكانيات تكنولوجية كما يقول أستاذ الفيزياء في جامعة برينستون، ريشار غوت . أما السفر نحو ماضي الأرض فهذا مستحيل مهما كانت الإمكانيات ومهما بذلنا من جهد ووقت فبوسع الزمن أن يتقلص أو يتمدد ولكن لايمكن أن ينعكس أو يرتد كما تنص النسبية الخاصة الآينشتينية، إلا أن النسبية العامة الآينشتينية قالت بإمكانية ذلك نظرياً بعدما أدخل عامل الثقالة أو الجاذبية الكونية وتأثيرها على نسيج الزمكان . فمعادلات النسبية العامة تسمح بعدة حلول تتوافق كل واحدة منها مع حالة مختلفة عن الأخرى لذلك يكون الجواب معقداً على سؤال كيف يمكن أن نسافر عبر الزمن إلى الماضي، البعض من تلك الحلول تصف أكوان متعددة موازية يكون السفر فيها نحو الماضي ممكناً فيجب أولاً الخروج من كوننا المرئي والذهاب إلى كون آخر، عبر ثقوب دودية، ومن ثم العودة إلى كوننا المرئي (إن كان ذلك ممكناً وهو ما لم يثبت حتى نظرياً) عندها يمكن أن تكون العودة نحو حقبة زمنية من ماضي الكون المرئي، والعلماء يجهلون كل شيء تقريباً عن هذه الفرضية العلمية والمسألة مفتوحة للدراسة والبحث فهناك طريقة ما للذهاب إلى الماضي من الناحية النظرية ولكن هناك استحالة من الناحية العملية إلا إذا تقبلنا فكرة تعدد الأكوان وتفاعلها فيما بينها فهناك مفارقة من يسبق من؟ فلو غادر أحدنا نحو ماضيه وقتل جده أو والده قبل ولادته فكيف يكون قد ولد وسافر ليقتل جده أو والده بنفسه؟ فالكون المرئي بقوانينه الجوهرية المعروفة يمنع حصول مثل هذا الخرق، خاصة وإننا لانعرف شيئاً كثيراً حتى عن كوننا المرئي نفسه فمابالك عن الأكوان الأخرى الموازية وعن طبيعة وحقيقة وماهية كوننا وباقي الأكوان خارج نطاق نظامنا الشمسي ومجرتنا؟ درس آينشتين في نسبيته الخاصة ما ينطوي على مثل هذا التساؤل، هل يمكننا أن نسافر إلى الماضي وطرح فرضيتين جوهريتين: الأولى تقول أن القوانين الفيزيائية ينبغي أن تكون هي ذاتها بالنسبة لجميع المراقبين، ثانياً، أن سرعة الضوء في الفراغ هي ذاتها في كوننا المرئي وبالتالي فهي أحد الثوابت الكونية ولها نفس القيمة بالنسبة لجميع المراقبين أياً كانت حركاتهم النسبية. ما يعني أنه إذا كان هناك مراقبين في حالة حركة نسبية ويقيسان المدة التي تفصل بين حدثين فلن يحصلا على نفس النتيجة، ونفس الشيء بالنسبة للمسافات، وبتعبير آخر لو كانت هناك ساعتان، واحدة في حالة حركة يحملها مراقب ستشير إلى زمن أبطأ مما في ساعة لدى مراقب ساكن على الأرض وكذلك المسافات تتقلص حسب الحركة والسرعة، وليس فقط الزمن. بيد أن ذلك لم يساعدنا على فهم كيفية السفر نحو الماضي وهل هو ممكن أم لا. عالم الرياضيات النمساوي الشهير وصديق آينشتين وهو كورت غوديل Kurt Godel اقترح طريقة من خلال النسبية العامة. ولقد اشتهر غوديل بنظريته عن اللاتكامل théorème de l’incomplétude في الرياضايات والتي أثبتت حدود ما يمكن أن يذهب إليه ويثبته الرياضيون أو علماء الرياضيات لكنه اكتشف في نهاية أربعينيات القرن الماضي وجود حل مثير للفضول لمعادلات النسبية العامة تصف كوناً في حالة دوران ذاتي حول نفسه وقدم هذا الحل كهدية عيد ميلاد لآينشتين بمناسبة بلوغه العام 70 من عمره ولم يكن العالم الحكيم في برينستون سعيداً بهذا الحل لأنه يعني بالنسبة له ضرورة مراجعة نظريته والشك بصلاحيتها كلياً . فالكون الذي درسه غوديل بواسطة نسبية آينشتين العامة غريب ومثير للفضول حقاً لأنه كون متسق متجانس وكل نقاطه متساوية لكنه ليس إيزوتروب isotrop فلديه اتجاه مفضل يمكننا اعتباره بمثابة محور للدوران الذاتي ولذلك عندما نبتعد عن ذلك المحور نشعر وكأننا نعاني من قوة من نوع من مركز للجذب الثقالي أو قوة الطرد المركزي force centrifuge، وهي التي تمنع المادة من أن تنهار ما يمنح الكون المرئي ظاهره المستقر الذي يعتبره آينشتين ضرورياً لأي نموذج من النماذج الكونية المقترحة. ولكن مايترتب على ذلك هو الذي أزعج وأحرج آينشتين لأن السفر نحو الماضي باتت ممكناً في حالة وجود الدوران الذاتي فلتحقيق ذلك ينبغي القيام بحركة منحنية دورانية زمكانية مغلقة ما يعني بتعبير الفيزيائيين إنحناء مغلق من نوع زمني، أي مسار يجلب المسافر إلى نقطة ما من الزمكان متموضعة في ماضيه. يمكن مقارنتها بحركة دائرية مغلقة حول سطح كروي عندما نفترض الزاوية المقاسة حول محور الكرة . وهكذا فإن إنحناءة زمنية مغلقة هي بمثابة حلقة داخل الزمكان . وفي الكون الدوراني الذي اقترحه غوديل فإن مثل هذه الإنحناءة تحيط بالكون كله كالخط الموازي الذي يحيط بالكرة الأرضية . ما دفع العلماء لبحث ودراسة سلسلة من الحلقات الزمكانية، وكل واحدة منها تتيح، من الناحية النظرية على الأقل، إمكانية السفر نحو الماضي .

فبالنسبة للنظرة التقليدية التي لدينا عن السفر عبر الزمن، فإن قطع مسافة، أو السفر عبر إحدى تلك الحلقات سيكون مخيباً للآمال، لأن الزمن سيمر على نحو اعتيادي كما نعهده، ومن خلال نوافذ مركبته الفضائية سوف يرى المسافر النجوم والكواكب في العمق المعهود للفضاء وإن عقارب ساعته مستمرة في الدوران باتجاهها المألوف ومع ذلك سوف ينتهي المسافر إلى أن يبلغ نقطة في الزمكان سبق وأن وجدت في ماضيه.

في عام 1914 تيقن آينشتين أن نظريتيه تتضمن إمكانية وجود حلقات زمكانية مغلقة ولم يعجبه ذلك وقد صرح بهذا الصدد قائلاً :" إن حدسي يعارض بشدة مثل هذه الفكرة " فوجود هذه الحلقات الزمكانية يخلق صراعات مع مبدأ السببية الذي يقول أن لكل سبب نتيجة وتأثير أو كل سبب يسبق نتائجه وتأثيراته. ولو قررنا تطبيق مبدأ السببية على كون غوديل برمته فسوف نستنتج أن كل رحلة حول حلقة زمكانية مغلقة من شأنها أن تضع المسافر في وضع يمكنه أن يغير ماضيه ... وهذا مبدأ علمي. وهنا نعود إلى مفارقة مقتل الجد على يد الحفيد الذي يعود إلى الماضي قبل ولادته ليقتل جده حيث ينبغي أن يمنع ذلك ولادته ووجوده فكيف إذن وجد وعاد للماضي ليقتل جده؟ من حسن حظ دعاة وداعمي مبدأ السببية أن الباحثين لم يكتشفوا آثاراً لصالح الكون الدوار على نفسه ولقد حاول غوديل نفسه البحث عن ذلك من خلال تفحصه لكتالوغ المجرات، لذلك بقي نموذجه غير واقعي وغير قابل للتطبيق فهو يشير فقط نظرياً إلى أن الحلقات الزمكانية المغلقة هي إمكانية في النسبية العامة للسفر داخل الزمن، للماضي أو المستقبل.

وفي العقود القليلة الماضية انكب علماء الكونيات على وصف منحنيات زمكانية مغلقة عديدة، فلقد تخيلوا، مثلاً، أن الزمكان يمكن أن يتشوه أو ينبعج في جزء من الكون المرئي فقط. ففي البنية العامة، إن الزمكان هو الذي يملي على المادة كيفية الحركة والمادة تملي على الزمكان كيفية الإنحناء والتحدب، كما قال عالم الفيزياء الحاصل على جائزة نوبل للفيزياء جون ويلير John Wheeler، بعبارة أخرى، إن الكواكب والنجوم والمجرات، تشوه هيكيلية وبنية الزمكان في حين إن هندسة الزمكان هي التي تحدد حركات الأجسام الموجودة في حيز زمكاني ما. وفي بعض الحالات يكون التحدب الزمكاني قوياً بمكان بحيث يمكنه أن يفتح طريقاً للاتجاه من الحاضر نحو الماضي وبالتالي اقترح الفيزيائيون بعض الآليات الغريبة التي بموجبها تنبثق تلك الطرق. ففي عام 1991 أثبت العالم ريشار غوت في مقال له أن " الأوتار الكونية، وهي أجسام افتراضية في غاية الطول والنحافة، بل أنحف من قطر ذرة (وهي ليست كالأوتار في نظرية الأوتار الفائقة) الأمر الذي يجعل من الممكن، عند تفاعلها وتشابكها، خلق وتشكيل منحنيات وتحدبات زمكانية مغلقة عملاقة " وفي عام 1983 بدأ العالم كيب ثورن من معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا ـ كالتيك Caltech ـ بدراسة " الثقوب الدودية، لكي يصف ــ نظرياً ــ نوعاً من الإنحناء الزمكاني المغلق القادر على الربط والتوصيل بين منطقتين مختلفتين من الزمكان أو بين كونين منفصلين كما لو إننا نعبر من خلال نفق . وحسب قوانين النسبية العامة، مثلما يمكن الربط بين منطقتين مختلفتين في الفضاء، من الممكن الربط بين منطقتين أو حقبتين مختلفتين من الزمن، حسب تعليق شين كارول من معهد كالتيك أيضاً .

صار بوسع علماء الفيزياء والكونيات صياغة معادلات رياضياتية لوصف الثقب الدودي وغيره من التحدبات والإنحناءات الزمكانية المغلقة . لكن الأمر توقف عند حدود الرياضيات فحسب, فالدخول في ثقب دودي يمكن تخيله كروي الشكل كما شاهدنا ذلك في فيلم الخيال العلمي البديع انترستيلير Interstellar، مابين النجوم ــ الذي أخرجه كريستوفر نولان سنة 2014 حيث تم خلق مدخل ثلاثي الأبعاد داخل نفق رباعي الأبعاد في الزمكان، كما هي حالة الترحال على مديات جميع المنحنيات والتحدبات الزمكانية المغلقة، فإن المرور من خلال ثقب دودي من شأنه أن يتشابه مع كافة الدروب التي تتكون عبر الزمكان فمهما عمل المسافر عبر الثقب الدودي فإن زمنه يمر ويتدفق نحو الأمام، المشكلة هي في تعريف مفهوم" نحو الأمام" وماذا يقصد به حيث سيكون عديم التزامن مع بقية الكون المرئي أو المنظور. وحتى لو توصل العلماء إلى المعادلات الرياضياتية بخصوص الثقوب الدودية إلا أن النماذج المقترحة تعاني من مشاكل مهمة. فلأجل تشكيل ثقب دودي يجب توفر " طاقة سالبة " هائلة. حسب شين كارول. ولكي تظهر الطاقة السالبة يتوجب أن تتأرجح وتتقلب الطاقة الموجبة الموجودة في حجم معين من الكون إلى أن تصل إلى قيم سالبة لذلك لايمكن تصور فتح نفق رباعي الأبعاد لثقب دودي إلا بتوفر ما يكفي من الطاقة السالبة ولكن من الصعب الإبقاء على ثقب دودي مفتوحاً، إن لم يكن مستحيلاً، فقط بالاعتماد على الطاقة السالبة، فالطاقة السالبة مقترنة بالكثير من الإشكاليات العويصة التي يصعب السيطرة عليها . فحتى لو عثرنا على الطاقة السالبة اللازمة والضرورية لفتح ثقب دودي، فإن الجسيمات الأولية سوف تنتقل قاطعة حلقة زمكانية بعدد لانهائي من المرات ما يعني أن علينا توفير كمية لامحدودة من الطاقة السالبة وهذا مستحيل. وكما إن وجود الطاقة في مكان ما يشوه الزمكان، فإن الثقب الدودي سينهار برمته في نقطة لانهائية الكثافة داخل الزمكان أي يتحول إلى ثقب أسود . والحال أن العلماء ليسوا واثقون بإمكانية حدوث ذلك في الواقع الكوني، ما يعني أن الكون نفسه يمنعنا من بناء آلة يمكنها السفر عبر الزمن والرجوع إلى الماضي، لأن الطريق الدودي الذي ستسلكه المركبة سوف يتحول إلى ثقب أسود وعلى عكس الثقوب السوداء، التي هي أجسام كونية فضائية، فإن الثقوب الدودية والمنحنيات الزمكانية المغلقة ليست سوى بنيات وهيكيليات افتراضية مبتكرة لمعرفة الحدود القصوى للنظرية . ففي النسبية العامة، من الصعب تفادي الثقوب السوداء، في حين يمكن تفادي حدوث ثقوب دودية أو منحنيات زمكانية مغلقة . ولكن حتى لو كانت الثقوب الدودية صعبة الإدراك والتصور لكن مجرد التفكير بها في النسبية العامة يعد أمراً مهماً . فمن غير المنطقي أن تكون لدى البشر مقاربة للسفر داخل الزمن و لا يذهبون إلى الحدود القصوى لتلك الفرضية . فبالإصرار على مثل هذه الممارسات والتجارب يتحسن فهم العلماء للكون المرئي ويتطور استيعابهم له ويمكن ألا يوجد الكون نفسه لو سمحت خصائصه بإمكانية السفر والعودة نحو الماضي لمعرفة كيفية تكونه.

يتبع

 

د. جواد بشارة

 

 

صادق السامرائيهذه نظرية جاء بها ليون فيستنجر عام 1957 تؤكد ميل البشر للتبرير وتسويغ ما يقوم به من أفعال تتناقض وما يؤمن به ويعتقده ويراه، فيستحضر ما يجعل الفعل المناهض لمعتقده متوائما ومنسجما معه!!

فالبشر يمتلك حساسية عالية أو ثيرموستات حساس جدا لأي عدم توافق ما بين أفعاله ومعتقداته، فالبشر يدرك وبمستويات مختلفة أي عمل لا يتوافق مع معتقده ورؤاه ومواقفه الفردية والجمعية، وعندما يحصل العمل المناهض لما فيه، يتسبب في إضطراب داخلي عليه أن يبتكر الوسائل والأساليب الكفيلة بتهدأته وتسكينه، والوصول إلى حالة الإستقرار الداخلي والإتفاق مع ما يحتويه.

 وهذا الإضطراب يسمى اللاتوافق، ويتطلب العمل الجاد للتخلص منه لما يتسبب به من عدم راحة نفسية وعقلية، وهذا اللاتوافق أو التنافر ما بين المعتقد والعمل أو الفعل، تتناسب شدته مع قباحة وفداحة العمل المتنافر مع الرأي والمعتقد، فالسلوك المتنافر يتسبب بعواقب نفسية سلوكية موجعة تتطلب التداخل السلوكي العاجل.

ويسعى صاحب السلوك المتنافر إلى أن يغيّر ما يراه ويعتقده لكي يسوّغ َعمله القبيح،  لكن هذا السلوك صعب ولا يمكنه أن يكون الخيار الأول والأسهل، أو أنه يلجأ إلى تغيير سلوكه، وقد يتوب ويقرر أن لا يعود إلى فعلته مرة أخرى، لكنه ليس الأكثر شيوعا، أو أنه يبرر ما يقوم به ويدافع عنه ويستحضر ما يعزز ما قام به ويجعله متفقا مع ما يعتقده ويراه ويؤمن به، وهذا يسمى التبرير، وهو السائد دوما.

فأقبح الجرائم وأفظع المآثم يمكن تبريرها من قبل مرتكبيها، الذين يعتقدون بالمثل السامية والرحمة والعدل والإنسانية، إذ يتم النظر للسلوك بأساليب أخرى تساهم في شيوعه وتكراره وتمجيده.

وخلاصة النظرية أن السلوك عندما يتقاطع مع المعتقَد، يضع الشخص في مأزق تنافري ما بين عمله ومعتقده، وعليه لكي يتخلص من وجع التنافر أن يغير معتقده أو رأية أو يتوب أو يبرر ويعزز ماإرتكبه من عمل شنيع.

وهذه النظرية تساعدنا على فهم وتفسير السلوكيات السائدة في مجتمعاتنا، والتي تتنافر مع الأعراف والتقاليد والمعتقدات المتوارثة عبر الأجيال، التي تآلفت وتواشجت وتمازجت بكل ما فيها.

فعندما ترى المسلمين يطوفون حول الكعبة بقلب واحد وروح تلهج بإسم الله ، وكأنهم حالة واحدة منسجمة متوافقة متناغمة معتصمة بحبل ربها المتين، وتجدهم بعد ذلك يتقاتلون ويكفرون بعضهم، ويهتكون أعراضهم وحرماتهم ويقجرون أماكن عبادتهم، ويفعلون ببعضهم ما لا يستطيع عدوهم أن يفعله بهم، تتساءل بحيرة عن تفسير ما يجري ويدور؟!!

وعندما تتأمل أبناء الوطن الواحد والدين الواحد والمعتقد الواحد يقتل بعضهم البعض، ويحسبون ذلك من طقوس العبادة وأركان الدين، تتساءل عن هذا السلوك المدهش الرهيب؟!!

ومن أسهل الأساليب وأكثرها رواجا للقيام بالفظائع ضد أخيك في الوطن والمعتقد وأكثر، كأن تكفره أو تحسبه مرتدا، خصوصا وأنك تستحضر ما هو مقدس وديني لتعزيز ما ستقوم به من جريمة، فتقول أنني أقتل أخي المسلم لأنه كفر أو إرتد، أو أنه لم يتبع طريقي الذي يعبّر أصدق تعبير عن الدين والشريعة والرسالة، وأنك إمتلكت القدرة والنفوذ بتفويض من رب العالمين، الذي جعلك آلته للإقتصاص من الكافرين والمرتدين والخارجين عن طاعته، وبهذا فأنك تنفذ إرادة الله ولا شأن لك بما تقوم به سوى تنفيذ أوامره وحسب.

وقمصان الله والشرائع والأديان وغيرها معروفة ومكررة في مسيرات الصراعات والمصائب والخيبات البشرية، لأنها من أسهل ما يمكن إستحضاره لإبعاد حالة التنافر ما بين المعتقد والسلوك.

فقتل المسلم لأخيه المسلم بل لأي مخلوق حرام وجريمة شنيعة، لكن القاتل الأصولي المتطرف يبرر قتل المسلم وإستباحة عرضه وممتلكاته،  بما لا يُحصى من التسويغات والتبريرات المعززة بالآيات والأحاديث والفتاوى والإقتداء بكذا وكذا، وبالتأويلات التي تحرره من أوجاع التنافر وتأثيراته الإضطرابية القاسية.

وخذ – على سبيل المثال – الصراعات الدامية ما بين المذاهب والفرق والجماعات، وما تتسبب به من خسائر ومظالم وقهر وترويع وجرائم بحق الإنسانية، وبمبادئ ومعايير الأرض والسماء، وكيف أنها تتواصل وتتأجج وتزداد قبحا وشراسة، ووراءها أدعياء دين وقادة ومروجين ومسوغين، ومساندين ومنادين بالمزيد من الفظائع والجرائم والمآثم، وكل يحمل راية الله ويشهد أن لا إله إلا الله، وتسانده سيول من الفتاوى والآراء التي تحبب إليه العمل القبيح وتحسبه الفضيلة الكبرى.

كما تجد الأقلام والمعممين والملتحين ومَن له منفعة في هذا العدوان، قد إندفع بجنون المتوحشين الساعين للإفتراس المشين، وبأفعالهم هذه يؤسسون لثقافات تدميرية وتفاعلات إنقراضية مروعة، ويصبح الناس المتورطون بهذه الآثام والمتصلون بها، لا يرغبون بسماع ما يفندها أو يكرههم بها، وإنما يصيخون السمع لما يعززها ويزيد من لهيبها وتأثيرها، فتراهم ينكرون ما لا يتفق وما يحقق التوافق ما بين السلوك المتنافر ومعتقدهم.

وحالهم كالذي يشتري بضاعة ويشعر بأن من الأفضل له لو إشترى غيرها أو أنه وجدها بسعر أقل في مكان آخر، فيتوتر وينزعج، ولكي يقلل مما إعتراه، يستجمع ما ينفره من البضاعة التي لم يشتريها، وما يحببه بالبضاعة التي إشتراها.

وتلعب العواطف دورا كبيرا في التأسيس للممانعة والإنغلاق في صناديق الغفلة، والتغاضي عمّا لا ينسجم ويعزز فعل الرذيلة والتوهم بأنها أفضل من الفضيلة، وهذا الخلل الإدراكي والفهم المنحرف عبارة عن سلوك تغافلي عمهي، يسعى لخداع النفس وإيهام العقل وإحراف القلب ونزع جواهر الإنسانية من أعماق البشر، وتحويلهم إلى آلات وأدوات لتنفيذ البشائع وكأنهم سكارى منومون محقونون بأفيون البهتان والضلال المهين.

ولهذا فالإعلام يحتشد بما يبرر ويسوّغ ديمومة السلوك الرذيل المناهض لأسس ومبادئ الإسلام، وما جاءت به الرسالات السماوية، ويمضي في تسويق بضائع الرذيلة والدجل والتضليل والخداع والإيقاع ما بين الإنسان والإنسان، وتجد مقاطعة شبه تامة لكل ما يزعزع أركان البهتان ويُفحم الأكاذيب والإدعاءات التدميرية.

والذين لا يمتون للمجتمع والدين بصلة ينظرون إلى ما يجري، ويفسرونه على أنه سلوك خارج عن العصر وأن المنطقة تعيش عصورا مظلمة كريهة، وعلى البشرية أن تطمرها بحفر ما فيها، ولهذا تتجيش الجيوش وتداهمها أساطين التدمير والترويع والتخريب والتهجير من كل حدب وصوب.

وعندما تسأل أي شخص مهما كانت ثقافته عما يجري، يأتيك بأتفه وأقبح الأسباب ليسوّغ الذي يحصل ويأبى أن يسمع منك غير ذلك، وبهذا فهو يساهم عن قصد أو غيره في تقوية السلوك وتبريره وتعزيزه، ولهذا فأن السوء السائد سيزداد سيادة، لأن الناس لا تجد بُدا من إسناده وتصديق ما يساهم في تواصله من إدّعاءات وتبريرات مخادعة مضللة وذات سُميّة ووبائية عالية.

ومن الواضح أن العديد من الذين أصبحوا رموزا ومتسلطين، يديرون دفة اللعبة التغريرية التحريفية التدميرية، حتى أن بعضهم صار يتحدث عن الشك في صحة القرآن ويريد أن يأتي بقرآنه، ليبرر به ما يرتكبه من الجرائم والمظالم والمآثم التي تزعزع أركان السماء.

ومن الأمثلة على ما يجري في المجتمع أن الذين تسنموا السلطات، يحسبون ذلك نصرا من ربهم، وما نهبوه وسرقوه من أموال الشعب رزق من الله، فقد فتح الله لهم خزائن الأرض وعليهم أن يتنعموا بنعمته الفضيلة، ونعمة الله لا تحصى ولا تعد وقد خصهم بها، وبهذا يمعنون بالفساد ونهب الأموال، ولا يعنيهم الفقراء والجياع، لأنهم في تقديرهم يعيشون غضب الله عليهم ولا قدرة عندهم لرد غضب الله على عباده.

ووفقا لهذه النظرية يمكن تفسير وفهم الظواهر العصية الدائرة في مجتمعاتنا، وعندما سألوا أحد الحكام عما يصيب أبناء بلده من الويلات وأنهم يتقتلون، كان جوابه بأنهم ليسوا مواطنين من أبناء الوطن، إنهم إرهابيون، ونحن نقاتل الإرهابيين!!

وقس على ذلك العديد من الحالات والظواهر والتفاعلات المتناقضة مع أبسط القيم والمبادئ والأعراف، والتي تتكرر وتتواصل بعنفوان ووحشية.

وسألوا أحد المسؤولين عن الخسائر في صفوف المدنيين وتدمير ممتلكاتهم، فأجاب ببرود وعدم إكتراث، بأنها أضرار ثانوية لا يمكن تفاديها، وقد حصلت في جميع الحروب، فما الجديد في هذا .

والثقافة السائدة في أحد البلدان الذي دُمّرَ عن بكرة أبيه، أن كل ما جرى وتحقق بسبب النظام السابق لا غير، وأن الذين يحكمون فيه لا ناقة لهم ولا جمل بما يحصل من الدمار والخراب وملاحم الفساد وتهجير العباد!!

وهكذا ترى الأمة في مآزق تضليلية خداعية تمويهية تأخذها إلى متاهات سقرية ذات تداعيات فادحة وشنيعة النتائج والتفاعلات، ويساهم أبناؤها في توفير الديناميكية التواصلية الكفيلة بتحقيق أكبر الإنهيارات الفكرية والسلوكية والإعتقادية والإجتماعية والثقافية والإقتصادية والسياسية والعسكرية، وذلك لبراعاتهم التبريرية والتسويغية التي تحقق تعجيزا وشللا، وإنحطاما أليما في أرجاء أعماق الأجيال المبتلاة بقادة التنافرات والتوافقات التحريفية الخلاقة.

وفي أمة ذات تراكمات تراثية وحضارية هائلة، يصبح أي سلوكٍ فيها مُبرَّرا ومُسوَّغا، ما دامت تمتلك الوفير مما يساهم في التعضيد والإسناد، فمخزون الأمة المعرفي كفيل بحمل جميع وجهات النظر والتعليلات اللازمة لأي سلوك، وفي هذا مَكمَن الخطر والبلاء الوخيم!!

 

د. صادق السامرائي

 

 

محمد فتحي عبدالعالأصل الاكراد: حينما نتحدث عن حضارة هذا الشعب العريق الذي يسكن الآن غرب اسيا بمحاذاة جبال زاكروس وجبال طوروس والتي تسمی كردستان الكبري وتزعم الجغرافيا التوراتية ان جنة عدن بكردستان،  فيما تقع كردستان  بين جنبات بلاد أربع هي تركيا والعراق وسوريا وايران وازاء هذا التنوع الانساني فنحن أمام حالة فريدة لا تنتهي من الجدل والاختلاف حول أصل الاكراد وحضارتهم التي وصفها التاريخ بأقدم الحضارات الارستقراطية في العالم الا انها في الوقت ذاته تجربة مثيرة وفريدة أمام أي باحث، ونبدأ بحثنا بتساؤل من هم الاكراد؟

بحسب الروايات العربية فالمسعودي في كتابه (مروج الذهب) يقول ان الكرد من سلالة الايرانيين الذين لجأوا الي قلاع الجبال هربا من ظلم حاكم ظالم ذكره بأسم الضحاك وهو ما ذهب اليه الفردوسي أيضا في كتابه (الشاهنامه) ولا زال مهرجان جزن كردي أو العيد الكردي في 31 اغسطس من كل عام شاهدا علي الخلاص من ظلم الضحاك والحقيقة أن ما اثبتته الدراسات التاريخية هو أن الضحاك لم يكن شخصا بل أسرة ملكية حكمت ايران جمعاء، كما أوردهم الطبري وابن خلدون في مقدمته بأسم بدو الفرس.

لا يخلو أصل الاكراد من جدل مثير فالمؤرخين العرب بذلوا جهدا هاما في البحث عن الاصل العربي للاكراد فيذكر المسعودي في مروج الذهب أن الجد الأكبر للاكراد هو ربيعة بن نزار ابن معد !!

فيما ذهب أخرون الي أنه مضر بن نزار واجمعوا انه كان اميرا علي ديار ربيعة (ديار بكر) فيما زعم ابن عبد البر في كتابه (القصد والأمم ) ان الاكراد من نسل عمرو مزيقيا بن عامر بن ماء السماء وانهم وقعوا بأرض العجم وتناسلوا بها وان انفصال الاكراد عن العرب جاء مع انهيار سد مأرب حيث كانوا من القبائل العربية التي هاجرت من اليمن الي الشمال نحو الجزيرة العربية وانهم سكنوا بعدها الجبال واختلطوا بعدها بعناصر اجنبية،

ومن أطرف ما سيق في أصل الكرد زعم البعض بشكل اسطوري  من سلالة الجن وذلك لشقرة لونهم أو انهم من سلالة من أسرهم  الجني (جاهيل – جاسد) الذي طرده سيدنا سليمان عليه السلام.

الابحاث الحديثة تنتصر في بعضها للاصل الايراني للاكراد فبحسب نظرية مينورسكي، فأصل الاكراد يعود الي الفرس و ٲيد ذلك بعض المستشرقين من أنهم أحفاد الايرانيين الخالدين المحاربين الاشداء، قاطني الجبال وقد نزلوا منذ الالف الثالثة قبل الميلاد الي سهل دجلة والفرات واخضعوا لحكمهم القبائل السامية الضعيفة،‌ وقد ذهب البعض في تأييد هذه الوجهة الي القول أن كلمة كرد هي كلمة فارسية تعني الابطال..كما أورد المؤرخ زينفون ذكر الكرد تحت مسمي كاردوخ وأنهم من هاجموا الجيش اليوناني اثناء عبوره بحيرة وان الواقعة شرق تركيا.. فيما يري هيردوت، أن الشعب الكردي ينحدر في الاصل من سلالة الكروديوني والعرق الآري ...أما السوفيتي مارفي، نظريته  فيری ان الاكراد أقرب الي قبائل الٲرمن والكلدانيين والقوقازيين لطبائعهم المشابهة لهذه الاقوام.. اما البروفيسور لهمان هوبيت، فذهب الي ان الاكراد هم اجداد الجورجيين..

تشير الدراسات الادبية الي أن ٲول ظهور لكلمة كرد كان في الكتابات باللغة البهلوية علی شكل كرد وكردان وان الملك الساساني المؤسس اردشير بابكان يذكر ماديج ملك الكرد ضمن خصومه وان كلمة كرد مشتقة من مملكة كوتيوم ومن شعب كوتي وهي واحدة من اقدم الممالك السومرية ومعاصرة لعيلام وارمينيا واكاد واشتهر الكرد في النصوص المسمارية باسم كرتي واحيانا كاردوخ ..

أقدم الوثائق الاسلامية التي أتي فيها ذكر لكلمة كرد كان بين سطور الرسائل المتبادلة بين الامام علي بن ابي طالب وعامله في البصرة زياد بن أبيه، كما يذكر الحافظ الذهبي تابعيا اسمه ميمون الكردي وجاء في أسد الغابة لابن الاثير  اسم صحابي يدعي جابان ابو ميمون الكردي والذي اتصف بشدة الورع والتحرج في رواية الاحاديث الشريفة كما ورد ذكر الكرد في المصادر الاسلامية في انضمام الكرد لثورة عبد الرحمن بن الاشعث علي الخلافة الاموية وارسال الحجاج الثقفي جيشا لاخضاعهم وكذلك في وقوف بعض الكرد مع مروان بن محمد اخر خلفاء بني اميه والذي ورث وسامته عن امه الكرديه..كما شارك البرامكة من الكرد في وصول العباسيين الي سدة الحكم كما شاركوا في الثورة عليهم ايضا بعد نكبتهم في عهد هارون الرشيد.. وللحديث بقية ...؛

 

استاذه سروه عثمان مصطفی .. اديبة كردية

د. محمد فتحي عبد العال .. كاتب مصري

..................

المصادر:

- تاريخ الكرد في الحضارة الاسلامية د.احمد الخليل

- خلاصة تاريخ الكرد وكردستان محمد امين زكي بك

- الويكبيديا العربية

- الكرد وكردستان ارشاك سافراستيان

 

الحسين اخدوش

قامت الدِّعاية الإشهارية للشركات الكبرى على خلق نظام جديد من الدّلالات والرموز المختلفة، احتَّل فيه السامي مرتبة وضيعة والوضيع مرتبة سامية، وذلك تماشيا مع منطق الإشهار الذي يستهدف تحقّيق المنفعة والعائدات ولا شيء آخر. وبالنظر إلى المنافسة القويّة على الأرباح المفترضة في هذا المجال، فقد أصبح المستهلك المفترض للمؤسّسات الإشهارية هدفا لشتى أنواع الإثارة والاستثارة، للتأثير فيه لينخرط بوعي أو دونه في استهلاك المنتجات الاستعراضية للصناعة الإعلانية الجديدة.

تماشيا مع هذا النهج الجديد، ظهرت الحاجة إلى خلق نجومية دعائية من رغبة جامحة للتشهير التسويقي التصنيعي، مستفيدا من تقدّم أساليب الدعاية الإعلانية المعاصرة. عبر هذه السياسة الإعلانية الجديدة، تحولّت تسمية الفنان الكلاسيكية إلى مجرّد توصيف المؤلّف ذي الأبعاد الإنتاجية، مستفيدة في ذلك من تطوّر الأدب والمسرح والسينما والموسيقى، وباقي الأشكال الفنية للقرن العشرين. وقد انتقل اسم المؤلّف، بدوره، إلى توصيف آخر أكثر حيادية، فكانت تسمية "التشكيلي"، التي تسمح بتوسيع الممارسات الفنية بشكل غير مسبوق، بارزة ومتداولة لتشمل كلّ الممارسات الفنية، ممّا سهّل دمجها في نسق الإنتاج الاقتصادي السائد.

الواقع أنّ ارتباط تطور استعراض الفنون المعاصرة بتجدّد الحاجات الاجتماعية الراهنة جعل الفنّ المعاصر يقع تحت دائرة التسويق، فكان على الآلة الإنتاجية أن تنتقل من الصيغ التقليدية في تسويق الإبداع والعبقرية إلى طور مختلف وجديد، يعتمد معيار الشهرة والنجومية كمعيار للنجاح والترويج بحسب نوعية المستهلك.

انتبه بعض النقاد المنظّرين لحدود سيادة التقنية في الفنّ، مثل أدورنو وهوركهايمر، إلى خطورة هذه التحولات الجديدة في مجال الإنتاج الثقافي. ولقد اعتبرا ظاهرة الشهرة، أو ما يسمّى بالنجومية، عرض ونتاج تطوّر نمط الإنتاج الصناعي الاستهلاكي مطبّقة على ما يسمّيانه "الصناعة الثقافية" التي استثمرت في الفن والإعلام لتسليع القيم الجمالية والفنية.

إنّ الحضارة التي تمارس طقس النجومية هي حضارة في حاجة دائمة إلى آليات اجتماعية لتحدّد من خلالها مستوى كل ما يثير الانتباه لدى الناس. وليست الشهرة والنجومية غير نماذج تستخدمها المشاريع التصنيعية ذات الأبعاد العولمية لخدمة الآلة الكبيرة للإنتاج الاستهلاكي، ومن ذلك تنشأ الحاجة إلى خلق النجومية لخدمة قوى غير مرئية التي هي الفاعلة الحقيقية المحدّدة لما ينبغي تذوقه واستهلاكه.

تنتج الشهرة وتستهلك وفقا لهذا المنظور باعتبارها بضاعة إعلامية فقط، بحيث يمكن استثمارها لأغراض تفوق أبعادها الجمالية الأصيلة لصالح أبعاد استهلاكية آنية تخصّ تلك الصور المزيّفة التي ترسمها النجومية في وسائل الإعلام الدّعائية والإشهارية. بمقتضى ذلك، أصبح النجم أو الشخص المشهور (وهو إمّا لاعب رياضي، أو ممثّل، أو فنان شعبي..) في موقع الظهور البارز الذي تُحاط به  عناية التشهير التي تمكّن الآلة التسويقية لترويجه وهو يقتني أو يستهلك منتوج صناعي معيّن في إعلان إشهاري دعائي مقصود ومدفوع الثمن.

وبالنظر إلى التّمَاهِي الكلّي للجمهور مع الحاجات المُسْتَحْدَثَةِ، منع العمل الفني الاصطناعي الناس التحرّر من مبدأ النافع، في الوقت الذي كان منتظرا منه ذلك كما هو الحال بالنسبة للعمل الفني الأصيل. غير أنّه لمّا استبدلت القيمة المستخدمة في تلقي الأمر الثقافي بالقيمة التبادلية ذات الأبعاد التجارية المحضة، تحوّلت قيمة العمل الفني والثقافي عامة إلى مجرّد سلعة تباع وتشترى. هكذا، بدل البحث عن التذوق الجمالي الفني، أصبح يُصار إلى معاينة التمظهرات الفنية المسلّية فقط. وبدل البحث عن أن يصير الإنسان عارفا بالثقافة والفنّ، غدا يُصار إلى الاكتفاء بربح هالة مجد ونشوة لهو مؤقّت فقط.

أمسى المستهلك، بمقتضى ذلك، حجّة في صناعة اللهو بالنسبة للمؤسّسات الدعائية التي لا يستطيع المواطن العادي اكتشاف قوة تأثيرها عليه وهو الخاضع لضرورة اقتناء بضاعتها الفنّية كسلعة مقوّمة بثمن. الواقع أنّه قد أصبح كلّ شيء تحت هذا المظهر الوحيد للمتعة قابلا لأن يستخدم لأجل شيء آخر عداه، حتى دون تعيين غرض عقلاني معقول وراء ذلك؛ بالتالي، أصبح لا قيمة لأيّ شيء إلاّ وهو مأخوذ باعتباره سلعة تتحدّد قيمته بثمن. لقد غدت قيمة استخدام الفنّ، وفقا لذلك، تتحدّد باعتباره موضوعا ذي قيمة تبادلية، وهي الصفة الوحيدة التي يمكن أن يتمتع بها المستهلك للفنّ الذي يسوّق له على هذا الأساس.

يُظهر التحليل النقدي الذي يقيمه كلّ من أدورنو وهوركهايمر للصناعة الثقافية الجديدة أنّ نزوع التبضيع والتسليع (Marchandisation) في الإنتاج الثقافي المعاصر قد رسّخ فعليا القيمة التبادلية للفنون المعاصرة أيّما ترسيخ، حتى صار الفنّ المعاصر مرتبطا بنسق الإنتاج الصناعي الذي غدا الحصول عليه يقع تحت طائلة العرض والطلب.

لقد تحوّل الفن، حسب ما لاحظه أدورنو وهوركهايمر، إلى سلعة قابلة للاستهلاك المبتذل يحكمها هاجس الربح، وأصبح بذلك مثله مثل أيّة تجارة أخرى رائجة في الأسواق الجديدة. كانت المعزوفة التي يؤدّيها المايسترو "توسكانيني" (Arturo Toscanini)، والتي كانت تبثها الإذاعة في ما مضى، لا تباع ولا تشترى وإنّما يُستمتع بها حين إذاعتها المجانية فقط على أمواج الراديو. كان يقدّم كل صوت من هذه السمفونية كما لو أنّه خالد، غير أنّه بمجرّد إذاعتها كان يرافقها بين الفينة والأخرى إعلان دعائي معيّن كفاصل إشهاري مستقطع من زمن إذاعتها للترويج لمنتوج ما.

ولعلّ ما يلزم الانتباه إليه هَاهُنا هو أنّ المراوغة الدعائية التي تحصل، بشكل مباشر أو غير مباشر، كانت تستغلّ زمن إذاعة المنتوج الفني المرغوب والمحبّب لدى الجمهور لتمرير وصلة إشهارية غير منتظرة ولا مفكّر فيها أصلا. وهذا الأسلوب الكلاسيكي للإشهار ساهم في حينه من رفع رقم معاملات صانع السيارات، أو الصابون مثلا، الذين كانوا يمولون المحطات الإذاعية ويذيعون فيها إعلاناتهم الدعائية والتجارية.

كان الراديو والإذاعة في بداية القرن الماضي، وأواسطه، ثمرة سيادة ثقافة الجمهور، وهي نفسها الثقافة التي سوف تتطوّر بشكل حاسم بمرورنا إلى عهد الإشهار المتلفز الذي أوصل هذه الثقافة إلى أوجها وذروتها مع الصناعة السينمائية، وبتقنية اليوتيوب المنتشرة في مواقع التواصل الاجتماعية كما هي معروفة حاليا.

الواقع أنّه قد تقوّت البنيات التقنية لنظام التبادل الربحي الذي أسّسه المجتمع الصناعي الحديث وطوّره في صيغ معاصرة، فسحبه التطور الاقتصادي على مناحي مختلفة للحياة: الصناعية والثقافية، ممّا قوّى تجارة منتوجاتها. وقد بيّن أدورنو مخاطر هذا التطوير الصناعي على ثقافة الجمهور التي ستتعرّض لعملية التبادل التي ستحدّد فيما بعد قيمة تلك المنتوجات الفنية والثقافية وفقا لصنمية التسليع (Fétichisme industriel) كما نبّه إلى ذلك ماركس (Karl Marx) نفسه.

وبما أنّ السلع التي تنتجها صناعة الثقافة لا تقاس بالقيمة الاستعمالية فقط، وإنما أيضا من خلال قيمة مجردة يحدّدها السوق فيما بعد؛ فإنّ هذا الأمر سرعان  ما يفضي إلى نهج منطق الاستهلاك الذي يفترض بدوره وجود أنماط جاهزة من الجماهير الخاضعة والمستجيبة لهيمنة المال والتسليع. لذلك، عادة ما تتمّ عملية إخضاع هؤلاء لهذا النمط من التعاطي مع المنتوجات الثقافية الاستهلاكية انطلاقا من القدرة الهائلة التي تنفرد بها الآلة الدعاية لمجتمع الجمهور عبر تحويل الثقافة الحقيقية إلى ثقافة جماهيرية استهلاكية.

تأسيسا على تحليل ظاهرة الدعاية والإشهار في مجتمع الجمهور المستهلك للفرجة، أمكن القول، مع أدورنو وهوركهايمر مثلا، إنّ الصناعة الثقافية ليست مجرّد ظاهرة اجتماعية بسيطة عرضية، بل حالة ثقافية مركبة، تعكس مدى هيمنة قيم الاستهلاك، وسطوة التبادل التجاري في كلّ شيء. وفي خضم هذا السعي المحموم للربح عن طريق الإعلان والإشهار الجديدة عبر وسائل التواصل المعاصرة المختلفة، أحلّ المعلنون المستشهرون تقنية الدعاية وصناعة الفرجة الفجّة والتهريج الرخيص مكان المدفع والبندقية.

لقد أصبحت تقنيات التواصل المعاصرة منخرطة في عملية خلق كبيرة لحاجات وهمية وهدّامة تضمن ديمومة استهلاك الفرجة التي يتوقّف ترويجها على مدى نجاح الدّعاية والإشهار. ونظرا لازدياد الطلب الفُرْجَوي على التفاهة، جرّاء توسّع قاعدة مجتمع الجمهور الذي أنشأته آلة الدّعاية والإشهار الكلاسيكية، لم يفعل الأفراد، روّاد التواصل الاجتماعي، سوى إعطاء هذا النظام الدّعائي طابعه الشعبوي ليصبح آلة إعلامية ضخمة لترويج وتسويق التفاهة كشكلّ متطرّف للفرجة. 

 

الحسين أخدوش

 

الى حد قريب كانت المناهج الدراسية بدءا بالقراءة الخلدونية- التي الفها ابو ساطع الحصري وسماها على اسم ابنه "خلدون"- والتي خرجت اجيال من المثقفين من كتاب وادباء وعلماء اثروا الساحة المجتمعية بابداعاتهم التي كانت ولاتزال ياكل المجتمع ثمارها، اطباء، مهندسين قضاة، معلمين، وكل شرائح المجتمع، كانت بمادتها السلسة وطريقة هجاءها تعتبر المرجع الاول للطفل وهو في اول مراحل حياته الدراسية، تلك الطريقة التي تجعله يتهجأ اي كلمة وهو في الصف الاول، ولايخفى على احد انّا كنا نتهجأإ اسماء المحال التجارية ويافطات الاطباء لما لهذه الطريقة الهجائية من وقع تكنيكي على دماغ الطفل وكأن الكلمة قطع "ليغو" يفككها ثم يعيدها..

اما اليوم فالهجوم التعليمي على دماغ الطفل وصل ذروته في ظل المناهج الصعبة جدا ابتداءا من الاول الابتدائي حيث القراءة التوليفية، فتجدالطفل يردد كالببغاء دون ان يعرف كنه الحرف او الكلمة، دروس علمية في مادة العلوم كحالات المادة والاجسام الغاطسة والطافية"قاعدة ارخميدس" التي كانت تدرس في المتوسطة، طرق معقدة في درس الرياضيات لف ودوران من اجل حل مسالة طرح بسيطة تقود الطالب الى متاهات لاغنى له عنها سوى التذمر وكره الدروس ثم العزوف عن الذهاب الى المدرسة ، اضافة للدروس الاخرى الغير منهجية كالحاسوب واللغات مع تقصير باستغلال واهمال دروس الفنية والرياضة والتي تعتبر المتنفس الوحيد للطالب، وقد بدا الامر ياتي اكله من خلال التسرب من مقاعد الدراسة ناهيك عن ان بعض بنايات المدارس غير صالحة صحيا ونفسيا ، تفتقر لشروط النظافةاضافة الى تكدس اعداد كبيرة بالصف الواحد يصل الى اربعين او خمسين طالب، مع التفريط بالزامية التعليم التي تركت الحبل على الغارب لقيام بعض الاهالي من الطبقة الفقيرة بالزام اطفالهم بالنزول الى سوق العمل وترك المدرسة مما ولّد اجيالا من الاميين الذين يغزون المجتمع الان..

ان الامر محسوم بالنسبة لطلاب المدارس الاهلية من حيث البنايات والاهتمام بالتدريس وان كانت المناهج واحدة والتي تمتاز بالصعوبة والضغط على اعصاب الطفل خصوصا الطفل المتوسط الذكاء او مادون المتوسط، فتلك الماساة يدفع ثمنها الطفل واسرته وخصوصا الامهات اللواتي تولن بانفسهن مهمة اداء الواجبات، وهذه للاسف حقيقة ومعاناة حقيقية في كل بيت تقريبا ..

ان واقع التعليم اليوم يحتاج الى وقفة جادة لايجاد الحلول الناجعة المناسبة  لاعادة التوازن الى العملية التربوية من جديد من خلال اعادة النظر بالمناهج الدراسية والاهتمام اكثر بالواقع التعليمي الذي يعتبر الخط الاول والرافد الحيوي المهم في اي مجتمع يسعى الى التطور والازدهار ..

 

مريم لطفي

 

ميثم الجنابيلقد كان المستقبل وما زال وسيبقى من بين اعقد الإشكاليات، حتى حالما يتحول إلى "فكرة قريبة التنفيذ" و"مشروع واقعي" و"مخطط واضح المعالم" و"قضية فنية فقط" و"مسألة زمن لا غير". والسبب يكمن في كونه احتمالا حيا. ومن ثم يحتوي على إمكانيات لا تحصى، خصوصا حالما يجري الحديث عن مستقبل في ظل صراع لم تحسم أولوياته، ولم تتبلور في أذهان ونفسية قواه الاجتماعية والسياسية ونخبه العامة والخاصة مرجعيات قومية عليا1 . فالمستقبل هو في الأغلب ديمومة لمعلوم ومشروع لمجهول، وبالأخص هو تحقيق لمبادئ مرجعية كبرى او مبادئ متسامية، أي لتجارب الأمم في كيفية حل إشكاليات وجودها الطبيعي والماوراطبيعي ونوعية تراكم هذه الحلول في مرجعيات خاصة. من هنا يصبح الخروج عليها انحطاطا او تخريبا او نكوصا او تحللا، وبالمقابل يصبح البقاء ضمن سياقها التاريخي والفناء بمعاييرها الثقافية أسلوب الرقي الدائم. وضمن هذا السياق يمكن القول بأن تأسيس التاريخ الفعلي يفترض تأسيس "تاريخ المستقبل". وليس مصادفة أن يكون احد الأسباب الجوهرية لانتكاسة الفكرة القومية الراديكالية هو أنها لم تستند إلى وعي ذاتي تاريخي، إي وعي قادر على تأسيس منظومة البدائل الكبرى بالضد من صنع الأهواء المتبدلة والمسطحة للأيديولوجيات السياسية المصطنعة. وقد غذّت هذه الحالة وما تزال تغذي الجذرية السياسية للأصوليات المتطرفة، بوصفها الوجه الآخر للراديكالية السياسية القومية والشيوعية. وكلاهما وجهان للغلو والانغلاق العقائدي. وليست الطائفية السياسية في الواقع سوى الثمرة المرة لانغلاق طرق وآفاق هذه الراديكاليات السياسية المصطنعة. الأمر الذي يعطي لنا إمكانية القول، بأن الطائفية السياسية هي الموجة الأخيرة لهولاكو الغزو الهمجي الملازم لسيادة فكرة الزمن، أي لتيار الخراب المادي والمعنوي للقيم الإنسانية، وانعدام الرؤية التاريخية والمستقبل. وهي موجة نعثر عليها ليس فقط في تعصب الحركات المذهبية والطائفية المغلقة، بل وفي "الاجتهادات" الخربة للصحافة والإعلام ورجال الفكر! ومن الممكن أن نتخذ من "محنة" العراق المتولدة من زاوج دكتاتورية قبيحة باحتلال أقبح وما يدور حوله نموذجا "حيا" بهذا الصدد. ومفارقة الظاهرة تقوم ليس فقط في تحول العراق من "قلب العروبة" النابض إلى ميدان الاقتتال الهمجي، بل وإلى ميدان التجريب المبتذل "للتفلسف" الطائفي، كما نراه في مختلف مظاهر البحث عن أسباب ومقدمات "محنة العراق" في مقارنات "تاريخية" مبتذلة مثل "ابن العلقمي" و"صدام حسين"، والروافض والنواصب، أي إلى مختلف مظاهر اجترار الزمن وإنتاجه المتكرر لحالة الانحطاط. وليس هذا بدوره سوى ما ادعوه بهيمنة نفسية وذهنية الزمن، أي اجترار معالم ونتائج الانحطاط والخراب، التي يمكن التدليل عليها في احد نماذج "التفلسف" المسطح عبر مقارنة "محنة القرآن" القديمة "بمحنة العراق" الحالية2 !

إن "محنة" القرآن، أي الجدل اللاهوتي السياسي حول مسألة ما إذا كان القرآن قديما (منذ الأزل) أم مخلوقا (بمرحلة ظهور الإسلام)، لم تكن امتحانا سياسيا فقط أو اختبارا عقائديا عاديا من اجل السلطة كما يشيعه هذا النوع من "التفلسف". كما أنها لم تكن معتركا بين "شيعة" فرس بقيادة المأمون، و"سنة" عرب بقيادة الأمين، وإلا لأدى ذلك إلى رمي كل جدل الأفكار والمدارس في مزبلة المذاهب المنغلقة.

إن هذا الإسقاط المفتعل والمسطح على أوضاع العراق الحالية هو تفعيل سيئ للخطأ والخطيئة. انه يساهم في تفعيل الكليشات المذهبية والطائفية المميزة للزمن الميت و"القرون المظلمة" عن تصوير "شيعة العراق" فرسا وصفوية (مع الجهل المريع بهذا المصطلح)، و"سنة العراق" عربا! أي كل ما يساهم بوعي أو دون وعي على تعميق وتوسيع الأوهام الطائفية. والأوهام هي على الدوام القوة الأشد تخريبا. وحالما تسعى لجعل الزمن تاريخا، فإنها تتحول إلى مغول الجاهلية الجديدة وتتر المستقبل الفاحش!.

فمن الناحية التاريخية كانت "محنة القرآن" امتحانا فكريا وثقافيا معقدا وعسيرا، لا يخلو من أبعاد سياسية. لكنها أبعاد كانت جزء من صيرورة الثقافة الإمبراطورية العربية الإسلامية ورؤيتها الكونية الصاعدة. وهو السر القائم وراء تحول المأمون ومرحلته إلى "العصر الذهبي" في الحضارة الإسلامية. أما محنة العراق الحالية فهي محنة الانحطاط العام للدولة والثقافة والفكرة القومية، التي لعبت فيها الطائفية السياسية وما تزال دورا فاعلا. وفي هذا الانحطاط العام يكمن سرّ المصّنع الخفي والعلني للطائفية السياسية وليس العكس. من هنا خطورة الإسقاطات المبتسرة للقراءة الطائفية للتاريخ. فالطائفة من حيث البنية والتركيب زمن "دائر"، والطائفية اجترار ممل لقيم ومفاهيم تعيش على أطراف التاريخ الفعلي. ومن ثم فهي نفسية وذهنية جزئية، أي لا علاقة لها بمنطق التاريخ العام. لهذا لا يوجد تاريخ طائفي، وذلك لأن الطائفة بلا تاريخ. من هنا يمكننا القول، بأنه لا توجد قراءة طائفية للتاريخ، بل يوجد تأويل مذهبي ومتحزب لزمن الأسلاف، أي لماض لا قيمة له بحد ذاته. أما القراءة الطائفية للتاريخ فهي مجرد اصطناع مفتعل لنفسية وذهنية الأهواء (أي ما يعادل فكرة الأيديولوجية المتحزبة بالمعنى الحديث). وهي قراءة تؤدي إلى تهشيم الوحدة أو "الغرض المتسامي" الذي تدعي تمثيله، وذلك لأنها تسحب الوعي الاجتماعي والسياسي صوب مستنقع اللاعقلانية والهمجية. وهي الحالة التي يمكن رؤيتها على واقع العراق الحالي، ومن ثم احتمال تكرارها في دول العالم العربي الأخرى.

من هنا ضرورة قراءة الماضي أيضا بالشكل الذي يجعلها جزء من قراءة المستقبل، لكي يكون بالإمكان التحرر من اجترار الزمن والارتقاء إلى مصاف التاريخ. فالعالم العربي ما زال يراوح في مكانة لمدة قرنين من الزمن. واغلب ما فيه مستورد، بما في ذلك رموز الملابس العربية الأصيلة! وهو السبب القائم وراء عدم إدراك الحقيقة البسيطة القائلة، بان حقائق التاريخ الكبرى هي مرجعيات متسامية لا علاقة لها بالأحزاب والمذاهب والطوائف. وان حيويتها الفعلية والحقيقية تقوم في استعدادها وقدرتها على تنظيم وعي الذات القومي (العربي). وبالتالي، فان قراءة صراع الآراء والمواقف والمدارس القديمة ينبغي أن يتحول إلى جزء من قراءة الأفكار، أي إلى جزء من بناء العقل النقدي ومنظومة القيم الثقافية مثل الإقرار بالتعددية والتنوع والاختلاف بوصفها مرجعية فكرية روحية كبرى، أي النظر إلى كل الاختلافات القديمة على أنها اجتهادا. والأهم من ذلك التحرر منها بوصفها حلولا ورؤية "عصرية". وذلك لأن تجارب الماضي جزء من الماضي، أي جزء من الزمن المنصرم. والتاريخي فيها فقط يقوم في قدرتنا على توظيفها العقلاني بالشكل الذي يخدم تطوير الرؤية الإنسانية وفكرة الحرية والتقدم الاجتماعي.

إن تحويل القراءة المتفلسفة للتاريخ إلى قراءة مغلوطة لتاريخ الفلسفة والأفكار، يعادل المساهمة في إثارة مختلف أشكال اللاعقلانية والهمجية. فإن كانت هذه القراءة عن دراية فهي ارتزاق وتخريب للعقل والضمير القومي، وإن كانت عن غير دراية فهي ليست فكرا.

بينما تفترض الدراية والفكر التأسيس الحي للتاريخ القومي بوصفه تاريخيا ثقافيا، أي نفيا لزمن الانحطاط، وفي الحالة المعنية لزمن الطائفية بمختلف أصنافها، والسياسية منها بشكل خاص. فالتاريخ الثقافي للأمم (والعربي احدها) وحدة متناقضة لا تخلو من دموية. ومهمة المثقف بشكل عام ورجل الفكر بشكل خاص تقوم في تنشيط حركة الدماء في قلوب وشرايين الوعي القومي الثقافي وليس في سكبها على أسياف المعارك الهمجية! فالبديل العربي الجديد في العراق يقوم في نفي العار العراقي وتحويله الى جزء من غربلة الزمن السيئ.

***

ا. د. ميثم الجنابي

....................

1-  لقد أبدع التاريخ الفكري والثقافي العربي الإسلامي وأسس في الوقت نفسه لهذه المرجعية الضرورية الكبرى بمفهوم "الاجماع". بمعنى الصيغة المعقولة والمقبولة للاتفاق العام على فكرة ورؤية لا تنفي التنوع والاختلاف، بقدر ما أنها تؤسس لتحييد تحول الاختلاف إلى قوة مخربة. والاجتماع بهذا المعنى يعادل قوة العقل المنطقية في قدرته على تصنيع الاتفاق والوفاق والمساومة العقلية. وهي فكرة ديناميكية هائلة، وذلك لأنها تحتوي بحد ذاتها على مرجعية وتؤسس لها بمعايير الرؤية والمبدأ والمنهج والغاية. والمهمة الآن تقوم في كيفية تحويل هذه الرؤية إلى أسلوب لبلوغ المرجعيات القومية أي الاجماع على ما يمكن تنشيط التنوع والاختلاف دون أن يؤدي إلى تغلب العابر والجزئي والثانوي على العام والكلي.

2- اتناول هنا بالأخص ما وضعه محمد عابد الجابري من مقالات آخر عمره في المجلات السعودية! وهي حالة تشير الى خراب فكري ومعنوي. كما انها ظاهرة مؤسفة للغاية. لكنها تشير في الوقت نفسه إلى ما يمكن دعوته بالهشاشة الخفية والمبطنة للفكر والثقافة العربية وبالتالي عدم قدرتها على مواجهة اغراءات الرشوة والابتزاز أواخر العمر بأثر ضعف الصحة وثقل العيال وأشياء اخرى!

 

 

سليم مطر(عقدة تفوقهم) و(عقد نقصنا)!

طيلة تاريخ البشرية، من اولى ميزات الحضارات الصاعدة، ايمانها الكبير بـ(تفوقها الاخلاقي وامتلاكها عقيدة الحق) مع قدرتها الساحقة على اشعار الشعوب المستضعفة بـ(النقص) إزاء تفوقهم الثقافي والاخلاقي وانهم ملائكة منقذين!

جميع الحضارات والامبراطوريات والاديان ما تمكنت من الانتشار الّا عبر ايمانها الذاتي بتفوقها العقائدي والاخلاقي، وقدرتها على إقناع الشعوب الاخرى بانها ناقصة: وحشية، كافرة، متخلفة، دكتاتورية.. الخ.. وهي ايضا مثل جميع الحضارات، فيها الجنّة وجهنّم، وشعوبها ملائكة وشياطين.

قبل الاسهاب بالتنظير، هاكم هذا المثال البسيط، لتوضيح كيف تلعب(عقدة التفوق والاستعلاء) دورا سحريا بتعمية ضمائر اشد الناس ملائكية ودفاعا عن المستضعفين:

قبل اكثرمن عام حدثت في فرنسا ضجة كبيرة في جميع الاوساط لمحاكمة الرئيس السابق (ساركوزي) بتهمة استلامه قبل اعوام رشوة من (القذافي) لدعم حملته الانتخابية.

لكن الغريب والعجيب، ان لا احد من اليمين واليسار والمثقفين ورجال الفلسفة والاخلاق والدين، طرح السؤال التالي: انتم تحاكمون هذا الرئيس لانه قبض رشوة. ولكنكم تسكتون تماما عن جريمة اكبر بملايين المرّات ارتكبها بحق شعب ووطن، عندما ارسل اساطيل فرنسا لشن حرب على ليبيا وتركها للدمار حتى الآن؟! بل هذه الجريمة لم تكن ضد ليبيا وحدها، بل ضد افريقيا بكاملها التي كانت تستفيد من ثرواتها.

نعم ان هذه الثقافة التفوقية التي تبرر النفاق وتدمير الآخر، تمارس بصورة دائمة وحتى بشكل غير واع ولا مقصود. خذوا مثال الجيش الامريكي الذي احتل العراق ودمر دولته وشعبه ونشر فيه الفساد والارهاب. كل هذا لم يحرك كثيرا ضمائرهم، لكنهم فجأة ثارت ثائرتهم لمرأى صورة أحد معتقلي سجن (ابو غريب)!!

نفس الحال عندما يسكتون ويشجعون سياسة إسرائيل بأذلال وقتل وحصار ملايين الفلسطينيين، ولكنه يصفقون لـ(ديمقراطية إسرائيل) عندما تحاكم جندي صفع فلسطيني، او وزير اختلس بضعة دولارات!!!

نعم هنالك الكثيرون في الغرب من الطيبين والملائكة، لكنهم في غالب الاحيان دون ان يدركوا، يخضعون لـ (عقدة التفوق الشيطانية) دون ان يدركوا: قبل سنوات احتجت النجمة الفرنسية السابقة (بريجت باردو) ضد المسلمين واليهود لانهم يذبحون المواشي ليكون لحمها حلال. وطالبت بفرض الطريقة الاوربية (المتحضرة جدا جدا!!)، أي بقتل المواشي بضرب الرأس بالمطرقة او الصعقة الكهربائية!!!

نعم ان الحضارة الغربية هي مثل جميع الحضارات المهيمنة في التاريخ، تعميها شعاراتها الداعية لـ(نشر عقيدة الحق) وانها مكلفة من قبل (الله) او (التاريخ) لانقاذ الشعوب المسكينة من (خطايا التخلف والتعصب والدكتاتورية)! بل هي افضع حضارة مهووسة بهذا الشعور بالتفوق والاحتقار للشعوب الاخرى، لأنها إمتلكت وسائل جبارة، مخابراتية وحربية واقتصادية واعلامية وثقافية واتصالية، مع تقنيات نفسية شيطانية لنشر ثقافتها الاستعلائية، وتشجيع (عقدة النقص) لدى الشعوب المستضعفة. وآخر واخطر وسائلها، شراء ذمم النّخب الفاعلة من خلال المال والشهرة، ونشر الثقافة الاستهلاكية والخلاعية بين الشعوب.

اساس الحضارة الاوربية الحديثة!

ان اولى تجليات (عقدة التفوق) في اوربا الغربية، ظهرت بقوة للبدء بالحملات الاستعمارية والفتوحات منذ القرن الخامس عشر. بررت فلسفاتهم التقدمية والانسانية جدا جدا (بما فيهم الكنيسة، وحتى مفكر ثوري مثل ماركس)، غزو العالم من اجل انقاذه من الوحشية والتخلف ونشر الحضارة الانسانية الاوربية! باسم هذا الشعار والشعور التفوقي، أبادوا شعوب كاملة في امريكا واستراليا. بل ان هذه الحضارة هي الاولى في تاريخ البشرية، مارست بصورة منظّمة خلال قرون (سياسة ابادة الشعوب بدنيا) من اجل الاستيلاء على اراضيها، مثل هنود امريكا الشمالية وفي استراليا وجنوب افريقيا، وأخيرا اسرائيل.

خلال قرنين قاموا بنقل اكثر من مئة مليون افريقي كعبيد الى امريكا الشمالية والجنوبية، مع رمي نصفهم في البحر لانهم ضعفوا وهبط ثمنهم! بل الاكثر هولا انهم عند اكتشاف امريكا راحوا يتحدثون عن (عالم جديد) كأنه لم يكن موجودا ولا مسكونا ببشر قبل مجيئهم! واطلقوا على افريقيا (القارة العذراء) تشبيها بالمرأة العذراء التي اتى الفحل الاوربي كي يضاجعها ويجعلها مأهولة بالبشر!

دون رحمة وتحت شعارات التحضير والتنوير شرعت جيوشهم المستعمرة بنهب الخيرات وتحطيم الثقافات والعقائد واللغات المحلية، وفرض حضارتهم المتفوقة. بل بلغ نفاقهم انهم حتى الدين المسيحي الذي يحاربونه في بلدانهم، راحوا يستخدمونه في مستعمراتهم كوسيلة سحرية للسيطرة الروحية على الشعوب. تحت رعاية الجيوش الفاتحة، قام المبشرين بنشر المسيحية في افريقيا وآسيا وامريكا.

ديمومة عقدتي التفوق والنقص!

رغم جميع التطورات الفكرية والسياسية بعد نهاية الاستعمار، الا ان (عقدة التفوق والاستعلاء الحضاري الغربي) لا زالت مهيمنة على الشعوب الغربية. وتتغذى على (عقدة النقص لدى الشعوب المستضعفة) التي تصرخ بتقديس كل ما هو غربي بما فيه ازبالهم وسمومهم الصناعية والطبية.

لهذا فأن من أكبر واصعب مهمات النخب المدنية والدينية في البلدان المستضعفة، الانتباه لهذه الحالة، وتمييز ايجابيات وفوائد الحضارة الغربية، مع فضح نفاقها وأخاديعها العقائدية والضميرية. وبنفس الوقت مكافحة(عقد النقص) لدى شعوبنا من خلال احياء وإعلاء (ثقافة الهوية الوطنية) والتنبيه الى قيمة التراث الادبي والفني والحياتي، والتخلص من (الروح الاستهلاكية) واللهاث والهوس بكل ماهو جديد وغربي! خصصوصا خصوصا التخلص من هذا الاعتقاد الساذج والعذري والطفولي بأن الغربيين متفوقين علينا اخلاقيا. كلا ثم كلا ثم كلا: انهم رغم تفوقهم التقني والاقتصادي، إلا إنهم زالوا بشرا مثلنا، فيهم ملائكة وشياطين. وأوطانهم مثلا اوطاننا، فيها جحيم وجنّان.

 

سليم مطر ـ جنيف

 

 

منى زيتونتُنسب للإمام علي بن أبي طالب عبارة شهيرة، ربما توضح سبب العذاب العاطفي الذي يلاقيه كثير من بني آدم، يقول فيها: "زهدك في راغب فيك نقصان حظ، ورغبتك في زاهد فيك مذلة نفس". وهناك أشخاص رائعون نقابلهم في حياتنا، ليس من بينهم رجل يتلهى بمشاعر البنات، ولا بنت تتبذل من أجل أن تحظى بزوج، لكنهم مع ذلك يعانون لأجل الوصول إلى الشريك المثالي، وتكوين أسرة معه ترضيهم وتسعدهم. ولكن، كيف السبيل للحب الحقيقي؟

الحب الحقيقي يزيد الثقة بالنفس. يجعلك تحب ذاتك، ليس هو الذي يجعلك تستعظم عيوبك وتكره ذاتك؛ ربما كان أكثر من يفهم ذلك ويستشعره من تكون لغتهم للحب هي اللغة الأولى (كلمات التقدير والتشجيع)، ويستحيل أن تبقى علاقة ناجحة مع استمرار النقد من جانب أحد طرفي العلاقة، ومداومته على إثبات تقصير الطرف الآخر. في العلاقات الناجحة عندما يخطئ أي من طرفي العلاقة يعترف ويطلب الصفح طالما يريد للعلاقة أن تستمر؛ فالمحب الحقيقي لا يتوقف عند الأخطاء التي تبدر من شريكه في رحلة الحياة، ولا يراكمها ليعيد تذكيره بها، طالما اعتذر عنها.

لكن الأمر أكبر من ذلك. الحب الحقيقي ليس تغافلًا عن أخطاء الحبيب، بل هو نظرة إلى الحبيب تقترب من رؤيته كاملًا!

هل الحب أعمى أم بصير؟!

تقول إحدى أساطير الإغريق إن الآلهة قد تعاركت، وفقأ إله الجنون عيني إله الحب، فحكم زيوس كبير الآلهة على إله الجنون أن يقود إله الحب طوال عمره؛ ولأجل ذلك يقولون: الحب أعمى، ومن يُسيِّره مجنون!

لكن، هل الحب الحقيقي بالفعل أعمى؟

أنا أقول: بل الحب الناضج الحقيقي يتفهم العيوب. الحب الحقيقي هو حب يشترك فيه العقل والقلب والروح؛ لذا فإن الإدعاء أنك تحب شخصًا وأنت غير معجب بصفاته ادعاء كاذب، بل وعلى قدر درجة إعجابك بصفاته يكون حبك له. لكن أحيانًا لا يتفهم الإنسان نفسه، فيتصور أن هناك صفة تزعجه في إنسان وأنه يحبه بالرغم منها، والحقيقة إنه قد يكون يحبه لأجلها! أو على الأقل يحبه بمجمل صفاته كما هو، ومنها هذه الصفة.

قد تعرف شخصًا صراحته جارحة، وتتصور أنك تحبه بالرغم من هذه الصفة، والحقيقة أنك ترى ما وراء هذا العيب ميزة فيه هي صدقه العميق وعدم نفاقه، فأنت تحب هذه الصراحة التي قد تصل حد الوقاحة في نظر آخرين. أنت بالفعل تحبها، وربما لو لم تكن فيه هذه الصفة ما أحببته!

كمثال آخر: من يعتدّون بكرامتهم قد يبلغ بهم الأمر في كثير من المواقف مبلغ العناد، ومع ذلك لا يعدمون من يحبهم، وقد يكون عنادهم في مسائل الحق والكرامة ليس عيبًا في نظر من يحبونهم، بل هو من أشد ما يكبرونهم عليه!

لكن أغلب الناس تتصور أنها تتحمل عيوب أحبتها، وليس كل الناس لديها درجة من الوعي الكافي لتدرك أنهم قد يكونون يحبونهم كما هم، ولو لم يكونوا بهذه الصفات ما أحبوهم. ربما أيضًا أن المسألة ليست فقط مسألة وعي، بل إن الحب الحقيقي الذي يبلغ هذه الدرجة نادر وقليل.

الحب الحقيقي يعني أن ترى إنسانًا لا يضاهيه أحد ولا يماثله في نظرك أحد، لا تملك أن تفكر في غيره، ولا تشعر بغيره، ولا يؤثر فيك غيره. تحبه إجمالًا لا تجزئة. أما من يحب صفات ويكره أخرى فلم يبلغ مبلغ الحب الحقيقي، وهذا حال أغلب الناس؛ يحبون بعض المزايا وتعجبهم، ويتذمرون من صفات أخرى يرونها عيوبًا. والأدهى من ذلك عندما يكون ما يتذمرون منه هو صلب شخصية الشريك، فيشعرونه دومًا أنه معيب، ويبدأ الشعور بعدم التوافق.

الإشكالية إذًا ليست في الحب، لكن فيمن يدّعون الحب. كثيرًا ما تكون الصفات التي تتسبب في عدم التوافق واضحة تمامًا في فترة التعارف والخطبة، لكن كلا الطرفين قد يتغاضى عنها لأجل إتمام الزواج. وبعد الزواج، البنت تدعي المفاجأة بالصفات التي لا تعجبها في الرجل، وتبدأ الشكوى، والرجل يكون أكثر وضوحًا فيسعى لتغييرها في شريكته، وقد يعترف بأنه كان يرى العيوب قبل الزواج ولكنه كان واثقًا أن شريكته ستتغير من أجله! فهناك صنف متسلط وفاقد الثقة في نفسه في آن واحد، يريد أن يتزوج بشخصية ذات مزايا عديدة، ولا يرضيه أي عيوب يراها على قلتها، فيسعى أن يجري عليها بعض التعديلات ربما ساعده ذلك التسلط على تأكيد ذاته واكتساب مزيد من الثقة في نفسه، ويبدو أنه لا يفرق بين أن يتزوج إنسانًا/إنسانة ذا/ذات كيان واعتبار وبين أن يشتري سيارة بحاجة إلى تعديلات لتكون أفضل!

كما أن هناك صنف شاعري رومانسي للغاية لا يدرك معنى الحب الحقيقي وأهمية التوافق العقلي كجزء لا يُجتزأ منه، يسيء إلى نفسه بالانسياق وراء مشاعره تمامًا، ويمكن أن يضيع عمره سدى من أجل من لا يستحق. وقد يفكر في هذا الحب الحالم على أنه حب العمر الذي لا ولن يُنسى، ويصل حد التماهي معه والتلذذ بتعذيب النفس فيه، دون مبالاة بالكرامة أحيانًا.

شريك حياتك المثالي ينبغي أن يحبك كما تحبك أمك. يحبك بأخطائك وعيوبك قبل حسناتك ومزاياك. يقول نجيب محفوظ: "أقصى درجات السعادة هو أن نجد من يحبنا فعلاً. يحبنا على ما نحن عليه، أو بمعنى أدق يحبنا برغم ما نحن عليه".

يذكرني هذا بقصيدة كتبها أخي المهندس فداء الجندي في زوجته ورفيقة حياته يقول فيها:

أحبك مثلما أنتِ *** أحبكِ كيفما كنتِ

ومهما كان، مهما صار *** أنتِ حبيبتي أنتِ

وأنا أقول عندما تجد شخصًا يدعي محبتك ورغبته فيك، ولا يكف عن محاولة تغييرك اعلم أنه شخص مستبد لا يحبك بل يرغب في امتلاكك. من يحبك لا يُغيِّرك شكلًا ولا موضوعًا. من يحبك يريدك كما أنت، ويتقبلك كما أنت.

لا تجعل رغبتك في التكيف لمسايرة المحيطين بك تغيرك جذريًا بحيث تشكل ضغطًا عليك. في النهاية لن تكون سعيدًا إلا عندما تكون نفسك، لا بد أن تعيش الحياة التي تريدها وأن تشعر أن من حولك يتقبلونك كما أنت دون محاولات لتعديلك.

مزايا وعيوب

بالرغم من أن الحب الحقيقي لا يستشعر العيوب ولا يكاد يركز عليها، فإن لكل منا بالفعل مزاياه وعيوبه، وتفهم طباع شريك الحياة ومحاولة التكيف معها أساس رئيسي من أسس السعادة. ضع في اعتبارك أنه لن يمكنك أن تجد إنسانًا تتفق معه بنسبة 100% وإن وجدته لن تكون سعيدًا، فمساحة الاختلاف هامة لتشعرك أن هناك حياة.

والمزايا والعيوب تعني أن لكل صفة ما يناقضها، كما أنه كثيرًا ما تترتب الصفات بعضها على بعض، أو لنقل إن العيوب ما هي إلا درجة متطرفة من إحدى الصفات، وكل صفة إيجابية في البشر قد تتحول إلى سلبية فيهم إن تم الإفراط فيها.

ويمكن القول أيضًا إن أغلب صفات البشر هي صفات متصلة على تدريج، وليست صفات منفصلة، وهناك حدان للصفة ونقيضها؛ فالخير والشر ليسا صفتين منفصلتين بل هما حدا تدريج، لا يصل أي بشر منا إليه، فلسنا خير مطلق ولا شر مطلق، ودرجة الخير في داخل كل منا تحدد مكاننا على التدريج المتصل.

وينبغي التنبه لذلك التطرف في الصفات المسمى بالعيوب، وعدم إنكاره، وإلا فسيستمر كل منا في اعتبار نفسه كاملًا، ويرى النقص في الآخر فقط. ينبغي أن نزيد وعينا بأنفسنا، وليس فقط أن نديم تركيزنا على الآخرين لنرى القشة في أعينهم، ونتعامى عن لوح خشب في أعيننا.

ولنتذكر أن نجاح أي علاقة في حرص كلا الطرفين على المحافظة عليها، وليس لأنهما مثاليان بالنسبة لبعضهما، والعقلاء لا يهدمون علاقاتهم إلا لأسباب قوية. يقول الشاعر:

تمسك إن ظفرتَ بودِ حرٍ *** فإن الحرَ في الدنيا قليلُ

ومن أمثلة تطرف الصفة الإيجابية لتصير عيبًا:

- العاطفية والحنان والتفهم الزائد مزايا قد يتطرف الإنسان ليصل درجة أن يعيش في الخيال ويهرب من الواقع، وقد تصبح إرادته ضعيفة.

- التفاؤل أمر جيد لكنه أيضًا قد يصير معيقًا في كثير من الأوقات لإدراك الواقع.

- قوة الشخصية قد تؤدي إلى التصلب في الرأي، والصلابة قد تؤدي إلى العناد!

- القيادة المميزة قد تصل حد التسلط والإحساس بالعظمة.

- الإفراط في التنظيم والترتيب ومحبة الكمال ميزات، لكن كثيرًا ممن يملكونها لا يتقبلون النقد بتاتًا.

- الطموح وتحمل المسئولية والاجتهاد والمثابرة مزايا، لكن الإفراط فيهم يؤدي للبرود وقسوة القلب والتشاؤم والبحث عن المصلحة!

- الاستقلالية والاعتماد على الذات من الصفات العظيمة، لكن قد يعزلان الإنسان عن محيطه.

- الحماسة والجرأة والشجاعة في مواجهة المواقف قد يتطورون في الشخصية إلى سرعة انفعال وعنف ورغبة في الانتقام.

- الانتباه للتفاصيل والدقة أمر جيد، سواء في العمل أو الدراسة، وأحيانًا عند التعامل مع الناس، لكن قد يؤدي ذلك للقلق الشديد المعيق أو الشك في الآخرين أو الوسوسة.

- التفكير المتأني قد يتطرف ليصير ترددًا وعدم قدرة على الحسم، بينما سرعة الحسم قد تتطرف وتؤدي إلى اتخاذ قرارات غير مدروسة، فتصبح عجلة تجلب الندامة.

- حب العمل قد يصل حد الإرهاق وإهمال الحياة الشخصية.

- الحب أجمل ما في الوجود لكنه قد يتطرف ويصل حد الغيرة المفرطة وحب التملك.

- الإخلاص للجماعة التي ينتمي إليها الفرد أيًا كان نوعها قد يتطرف ويصل حد التعصب.

- الصراحة قد تصل إلى درجة الوقاحة.

- التمسك بالعادات والتقاليد الاجتماعية الحسنة شيء عظيم، لكن قد يتطرف بعض الناس لدرجة الرجعية والتمسك بتقاليد بالية، لا أصل لها في الدين، ولا قيمة حقيقية لها في المجتمع.

- حب الحياة قد يصل إلى الانهماك في الملذات، وربما حب الضوضاء، وربما أيضًا ضرر الصحة.

- ربما يكون حب الطبيعة المفرط سببًا في اعتزال الناس.

- الانفتاح على الآخرين وحب استكشاف العالم والمغامرة قد يصل حد المخاطرة.

- حب المنزل والعائلة الزائد قد يؤدي إلى فقدان فرص كثيرة في الحياة المهنية.

- الرضا يمكن أن يتطرف فيصير لا مبالاة!

- الكرم الزائد قد يصل حد الإسراف والتبذير.

 

شخصيتك تحدد نوعية الشخصية التي تكرهها

ينبغي التنبه أيضًا إلى الصفة السِمة؛ أي الصفة التي تغلف الشخصية، وتعتبر أظهر ما فيها؛ لأن ليست كل صفاتنا تكون بالدرجة المؤثرة نفسها في انطباع الآخرين عنا.

ويعتبر ارتباط شخصيتين ذاتا سِمتين ظاهرتين متعاكستين من أهم عوامل الفشل الذي يكون من الصعب تداركه أو تجاوزه وعدم الالتفات له، لذلك فإن تجنبه من البداية يجعلك لا تتكبد عناء تجربة ستكون على الأغلب فاشلة.

من أمثلة ذلك:

- الشخص الذي يكره القيود ومحاولة فرض السيطرة لا بد أن يبتعد عن الشخصيات التي تكثر الطلبات، لأنها شخصيات خانقة بالنسبة له.

- الشخص الذي يبحث عن الدعم وتنمية ثقته بنفسه وقدراته يكره الشخصيات كثيرة الانتقاد.

- الشخص العملي الطموح يكره الشخصيات المحبطة.

- الشخص المسالم الذي يحب الحياة الوادعة يكره الشخصية التي تعكر راحة باله وتخلق المشاكل حوله.

- الشخص العاطفي للغاية يكره الشخصيات الباردة.

- الشخص الواضح الصريح يكره الشخصيات الشكاكة التي تتمهل في تصديقه بلا سبب!

- الشخص الحساس يكره الشخصيات الوقحة.

- الشخص الذي يحب الخصوصية يكره الشخصيات المتطفلة.

- الشخص الرومانسي الحالم يكره الشخصيات الواقعية.

- الشخص المتحمس الذي يشتعل نشاطًا يكره الشخصيات البطيئة.

- الشخص المعتز برأيه يكره الشخصية المجادلة.

- الشخص الحيوي محب التغيير يكره الشخصية الروتينية الثابتة على المألوف في كل نواحي حياتها.

- الشخص المتزن لا يحب الشخصية الخفيفة التي تغير رأيها كل لحظة بلا سبب.

وأكرر أنه ينبغي إن أردنا إنجاح العلاقة أن نقر بالعيوب والأخطاء، ثم نحاول تلافيها، لا أن نصر عليها ونكررها، كما يُفضَّل من البداية الابتعاد عن أصحاب الشخصيات التي سِمتها الأساسية تناقض السِمة الرئيسية في شخصياتنا مهما كانت المزايا التي نراها فيهم.

الكِبر جذر كل الشرور

كثيرًا ما تنصلح العلاقة بين شخصين، ثم لا تلبث أن تسوء بعدها بفترة قصيرة. فما هي الأسباب التي تقف وراء ذلك؟

أحيانًا يرجع السبب إلى تمسك كل طرف من طرفي العلاقة أو أحدهما بالسمات الشخصية المعيبة لكل منهما، التي ينشأ ويتجدد عنها الخلاف.

في حالات أخرى، يقع الخطأ في المشكلة الأولى التي تنشب بين الطرفين على أحدهما دون الآخر، ويرجع سبب تجدد المشاكل إلى تألم الشخص المخطئ من رد فعل الطرف الآخر الذي لم يتقبل خطأه ولم يمرره دون حساب، وبمجرد أن ينصلح الحال نجد المخطئ يترصد أي تصرف للطرف الثاني ليلومه عليه باعتباره المخطئ هذه المرة! وتستمر حالة الترصد من كلا الطرفين لتنشأ سلسلة تكاد لا تنتهي من الخلافات، تتمرر بسببها العلاقة، ويتبعها بالضرورة قطع نهائي لها، أو الإبقاء عليها صوريًا إن كانت رابطة دم.

ولو دققنا سنجد أن جذر المشكلة يكمن في الحالة الأولى في رفض تغيير السمات المعيبة والسلوكيات الخاطئة سبب نشوء وتجدد المشاكل، وفي الحالة الثانية يكون جذرها هو رفض الإقرار بالخطأ من قِبل الطرف الأول، لمجرد انجراح صاحبه وتألمه من رد الفعل الذي قُوبل به، واعتباره رد فعل الطرف الثاني الذي سبب له الألم خطأ يستحق أن يبحث للطرف الثاني عن تلكيكة يرد بها عليه لينتقم ويرتاح باله!

وأتساءل، لماذا ننسى دائمًا أن الكِبر هو جذر كل الشرور، وأن الإقرار بالخطأ ومحاولة تهذيب النفس أهم سمات المؤمنين؟

 

د. منى زيتون

 

 

محمد ممدوحفى لقاءات عدة فكرية ووعظية حاولت أن أقدم للناس وجهة نظر الإسلام الحقيقية في ضوء جوهر مقاصده التى تختصرها آية (إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (الأنعام162)  أى أن الإسلام يتدخل في كل شئ من أصغره إلى أكبره، من حقيره إلى عظيمه، من جزئه إلى كله، وهو إذ ينظم ذلك فإنما يقصد إلى اتمام نعمة الحق على الخلق إذا اتبعوا منهجه، وشقاؤهم إذا أعرضوا عن منهج الله سبحانه، كما يقصد إقامة الواحدية المطلقة لله الواحد الأحد، فالصلاة خالصه لله، والذبح خالص لله، والحياة كلها خالصة له سبحانه، والممات له حبًا فيه وإقبالاً عليه وشوقًا إليه أو ذودًا عن دينه ودفاعًا عن العقيدة عبر الجهاد والشهادة، ثم في الأخير لا يخلُ شئ من هذه الأمور من دين الله الصحيح، فالصلاة تكون بعلم، والحياة من معاملات وسلوكيات تكون وفق منهج الله وضوابطه، والممات وما يتبعه من مآتم وأحزان يكون وفق المنهج العام لله، بلا ابتداع ولا مغالاة، أما إذا تم شئ من هذه الجوانب كافة على غير منهج الإسلام فهو دعوة صريحة إلى الجاهلية الأولى، خاصة إذا كان معنى الجاهلية كل ما يبتعد عن جوهر الإسلام أو يعاديه أو يُضاده.

أقول هذا والواقع يشهد على مدى ما وصل إليه هذا الدين من عبثية ورجس ما أنزل الله بهما من سلطان، فاعتدينا على شريعة الله ومنهجه، وابتدعنا دينًا غير الدين باسم الدين، وأوجدنا إلهًا غير الله باسم الله، واخترعنا شريعة غير الشريعة باسم الإسلام، ويكفى للدلالة على هذا الألم ما يُحدثه الناس في مآتمهم من بدع.. قرى بأكملها لا تقبل إلا بقارئ معين من الإذاعة يتحصل في الليلة الواحدة على مبلغ ثلاثين ألف جنيه .. وقرى أخرى تتباهى بمآتمها، بحجم الإضاءة، وعدد الكراسى الفاخرة الوثيرة، وعدد ما يُنصب من زينة وخيام وسجاد، وعدد المعزين، وأجر القارئ، كل هذه الأكاذيب والخيلاء الكاذبة من مداعى الفخر والتباهى والتعالى بين الناس، وينظر الفقير إليهم ولا يجد لميته ثمن الكفن ولكن يدين نفسه لأجل إتمام عمليات المنظرة الكاذبة والفارغة خوفًا من نظرات الناس المشمئزة ومصمصة الشفاة.

وقرى أخرى تقيم العزاء ثلاثة أيام، كل يوم بقارئ مختلف، وإضاءة كبرى، وصوانٌ كبير، وقرى تقيم ما يسمونه " الأربعين" و "الذكرى السنوية " أيضًا بذات التكاليف وذات العنجهية والجاهلية والمنظرة.

مئات المشاهد والعادات التى ينتحر العقل أمامها !!

وما جدوى هذه التكاليف؟ وما فائدة هذا البذخ؟ وماذا ينال الميت منه؟! لا شئ أبدًا يناله من هذا العُهر، فلا ينفع الميت إلا الصدقة أو العلم أو الولد الذى يدعو له أو أثره الطيب الذى يبقى بعد مماته من زرع يأكله إنسان أو طير أو حيوان، أو علمٌ ينفع به الناس أو أى أثر تُحمد عاقبته، أما غير ذلك فلا جدوى منه ولا خير يٌرجى من ورائه.

وما مبرر أولئك الذين يرتكبون هذه الحماقات؟! لا شئ غير تقليد الآباء ووجود معايير مغلوطة للشرف.

والقرآن يذم المقلدين للآباء في غير موضع (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آَبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ) (المائدة104) (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ) (لقمان21) (بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ) (الزخرف22) حتى عبادة الأصنام، لم يعرضوها على عقولهم، وإنما تأثروا بالعادة والتقليد فقالوا (قَالُوا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ) (الأنبياء53) (قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آَبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ)(الشعراء74)، حتى الفواحش يفعلونها ويعترفون بها، ولا مبرر لهم غير عبادة السلف من دون الله، من دون الإرتكاز إلى العقل (وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آَبَاءَنَا) (الأعراف28) منطق اللامنطق، العهر بعينه، لا عقلانية ولا قبول للحوار العقلانى، هذه قناعات لا سبيل إلى تغييرها في فكرهم، هذا ما يُصرون دومًا عليه، وكأن ما يفعله الآباء قد حاز درجة المقدس الذى لا فكاك منه ولا نقاش فيه.

وأمثال هؤلاء في حاجة إلى إعادة ترتيب أفكارهم وتدريبهم وتثقيفهم من جديد بعد هدم ونقض ما حوته عقولهم من سموم، وتعويدهم احترام العقل واللجوء إليه والقبول بموضوعيته وتجرده، وإلا فلن يكون إلى إقناعهم من سبيل.

وطائفة أخرى تنظر إلى موضوع المآتم والبذخ فيها على أنها قضية شرف، فدومًا تجد على ألسنتهم عبارات " نفعل ما يليق باسمنا أو بعائلتنا "، أو " لابد من مأتم تتحاكى به الناس " أو "لابد من مأتم يليق بالحاج فلان أو بفلان " ومثل هذه التعبيرات قد غزت قطاعات كبرى من مجتمعاتنا، من أبناء الدين الخاتم، أبناء العقل، أبناء المستوى الرفيع للإنسانية، وهى عبارات لا تمت إلى الإسلام بصلة بقدر ما قد استُعيرت من الجاهلية الأولى.

وما دخل الشرف بالفشخرة والمغالاة في المآتم؟! الشرف الحقيقى في طاعة الله سبحانه، في إقامة سنة نبيه () وليس في معاداتهما معًا، ليس في المنظرة التى لا تُغنى ولا تُسمن من جوع، التى لا تفيد أمة في قنطير ولا قطمير.

الشرف الحقيقى في التزام سنة رسول الله ()، في الإحسان إلى الفقراء والمعوزين بدلاً من هذه النفقات الطائشة التى لا تفيد حيًا ولا تنفع ميتًا، فالصدقة الجارية أولى، وإطعام البائسين أولى وكسوة العراة أولى، وأبواب الخير أولى، كل ما يقدم من نفع للإنسانية أولى من بذخ لا مردود له غير الفشخرة والتباهى والكبر، والثلاثة حاربهم الإسلام ووقفت لهم الإنسانية بالمرصاد، الإنسانية القيمية لا البشرية، الإنسانية الباحثة عن الإنسان لا المضادة لوجوده.

والنبى الكريم () يخبرنا بأن هذا كله رجس من عمل الشيطان، لا قيمة له، بل ضرره أكبر من نفعه حال تكالب الناس على هذه العادات وتباهيهم بها وجعلها معيارًا للشرف أو عادة الآباء التى لا سبيل إلى قطعها، والميت لا ينفعه من ذلك شئ، بل هو كله للأحياء فشخرة وتعالى، والله يكره التعالى (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ) (القصص4) (تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا) (القصص83) أما ما ينفع الميت فقد حدده الرسول الأكرم () : " إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث، صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له "(1) .. هذه هى الثلاثة النافعات بعد الموت، لم يأت ضمنهم العزاء، ولا كبار القراء، ولا المشاعل و المباخر، فقط إما صدقة، وإما علم، وإما ولد صالح يدعو لوالديه بالرحمة ..

أما ما يعتاده الناس من مآتم كبرى، يطوف فيها ولدان بصنوف المشروبات، فهذا يمثل المنظرة ويدل على التباهى والتكبر برزق الله وعطائه، وأن تصير هذه العادات ضمن مئات العادات الأخرى الباطلة واللامنطقية راسخة إلى حدّ ظن المنطقية والعقلانية فيها، فتلك مصيبة أعظم، وأن يُصر عليها المتعلمون وأرباب الشهادات العلمية الرفيعة فتلك أعظم من سابقتها، لأنهم – وهم أهل العقل – يُنحون العقل جانبًا ويقدمون عبادة الأسلاف والآباء، والمعايير الباطلة للشرف على ما يقتضيه العقل وتراه الحكمة.

إن هذه المنظرة ليست من الدين في شئ، ولن نصنع أبدًا بتلك الأهواء مستقبلاً تحترمه الأمم، ولن نخطو خطوة واحدة للأمام ونحن باحثون عن الشكل لا المضمون، العرض دون الجوهر، فتلك هى الآفة التى طالما حاربها الدين (وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ) (المائدة15) (وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ) (الجاثية18) (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ) (الفرقان23) وواجب الأمة بأسرها أن تحتكم إلى العقل في كل عاداتها وتقاليدها فما كان حسنًا قبلناه، وما كان سيئًا رفضناه، وهذه من العادات السيئة التى تعمق الجاهلية الأولى في البذخ والإسراف والتباهى بلا أدنى مردود دينى أو دنيوى، بل هو التبذير والتعالى لا أكثر ..

 على العلماء الحقيقيين الذين يرجون الله واليوم الآخر أن ينظروا بعين بصيرة ناقدة إلى تلك العادات المرذولة، أن ينظروا إلى النبى () وكيف كان يتعامل في مثل هذه المناسبات .." اصنعوا لآل جعفر طعامًا فقد شغلهم أمر صاحبكم "(2) .. لم يكن يدعو قراء القرآن وهم كُثر حينئذ، ولم يكن يصنع صوانًا أو إضاءة أو أيٍ من تلك المراسم، بل كان أهل الميت يتلقون العزاء لمدة ثلاثة أيام لا غير، لا قارئ، ولا صوان، ولا إسراف .. على العلماء أن يوجهوا الناس نحو فقه الأولويات، وفقه الواقع، وفقه المقاصد، فالإنفاق على أبواب العجز والعوز أولى من المنظرة والفشخرة، والميت ينتفع بالصدقة الجارية لا بالقارئ ذى الثلاثين ألفاً، وإلا فلن تعالج مشكلات أمتنا ما دمنا نرى الباطل وندير له ظهورنا، ونرى الحق ونغمض عنه أعيننا ولنا في كل حياتنا الأسوة برسول الله () (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) (الأحزاب27) (وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) (الحشر7) . أما من أصر على عبادة السلف أو قلب معايير الشرف بتلك الصورة فهو يهدم الدين، يثور ضد العقل، وكلاهما إثمٌ كبير، وشر عظيم، وفى هذا بلاغ وحجة على العالمين.

 

د. محمد ممدوح

...................

  1- سبق تخريجه

  2- رواه ابن ماجه والترمذى برقم 3132