بليغ حمدي اسماعيليملك العقل العربي شهوة متمايزة تتمثل في الأسئلة، فهذا العقل الذي اجتهد في الجمع والتصنيف والتبويب وصياغة هوامش لمتون النصوص القديمة استفاق وهو يدجج حضارته الأصيلة على شهوة الأسئلة التي قادته بالضرورة إلى إنتاج ثقافة اجتاحت الغرب الأوروبي، ونجحت في استغلال المرونة اللغوية واحتباك ألفاظ العربية الفصيحة في تطويع العلوم التطبيقية، وهو بذلك ـ العقل العربي ـ استطاع أن يجمع لحظتين غير متماثلتين في آن واحد، الإشراق الإنساني المتمثل في فنون اللغة والتفسير والفقه والفلسفة، والتثوير العلمي في مجالات الرياضيات والفلك والطبيعة، وهي خصوصية عجيبة انفردت بها الثقافة العربية ولا تزال تتفاخر بهذه اللحظة الاستثنائية في تاريخها رغم قرون طويلة من التصارع السياسي والتناحر المذهبي .

ولعل من أجمل اللقطات التي سجلتها ذاكرتي من لقاء الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي مع المخرجة المتألقة الرائعة ساندرا نشأت خلال الفيلم التسجيلي شعب ورئيس هو حديث السيد الرئيس عن التعليم المصري ومشروع إصلاحه الذي سيمتد أربعة عشر عاما، ولاشك أن أي إصلاح اقتصادي أو اجتماعي أو سياسي لا ولن يتم أبدا إلا عبر بوابة التعليم ليس كما هو الآن حسب وزارتي التربية والتعليم والتعليم العالي، بل التعليم الذي يعني التنوير والتثوير والتجديد، وأعتقد أن مصر العظيمة تستحق نوعا استثنائيا راقيا ولائقا للتعليم يليق بقدرها وتاريخها التنويري الضارب في القدم .

التَّرْبِيَةُ العَرَبِيَّةُ الرَّاهِنَةُ:

من أجل تطوير التربية العربية الراهنة، فنحن بحاجة ماسة إلى تجديد الخطاب التربوي نفسه، وإيجاد إطار مرجعي يحكم الظاهرة التربوية التي تمارس في مؤسساتنا التعليمية الضاربة بالوطن العربي شرقا وغربا، وإذا كانت الحياة اليوم تتسارع بصورة رهيبة، فبات أولى الاكتراث بضرورة تنويع خطابنا التربوي العام مستهدفين خلق جيل جديد من الطلاب يستطيعون مواجهة تحديات المستقبل . وإذا كانت التربية الفوقية التي تصدر عن صانعي القرار التعليمي لا تعكس واقعنا المدرسي الحقيقي فغن هذا يزيد من تفاقم أزمة التربية التي تشارف نهاياتها إذا لم ندرك المفارقة القيمية بين قرار تربوي يصدر، ومشهد تعليمي مغاير .

فحتى الذين لا يدركون كنه التربية، يفطنون حد اليقين أننا على مشارف نهايتها التي تبدو منطقية بعض الشئ، وهذا الوعي الذي امتثل ليقين الفعل جاء من سؤال مفاده هل تمتلك المؤسسة التعليمية العربية مقومات التربية؟ . والسؤال بهل يقتضي دوما إجابة بالإيجاب أم بالنفي، وفي المشهد التعليمي الراهن وفي ظل أزمات التربية المتلاحقة تغدو الإجابة الحتمية بالنفي غالبا .

ومشارف النهاية تجئ على عجل كوننا على كفاءة ومهارة في توصيف واقعنا التربوي، وتوافر إمكاناتنا الهائلة في رصد الخلل ومواضعه، والتردي ودوافعه، وهذه سنتنا التي لا تنقضي أننا نجيد توصيف العَرَض وسرده، ثم ندخل في حالات من الجدل الواسع في علاج المرض، الأمر الذي يؤدي بنا دائما إلى تبني سياسات تربوية لا تتوافق مع واقعنا الراهن ومستقبلنا الذي يبدو غامضا معرفيا وتعليميا . وهذا الجدل يعكس قصورا شديدا في العلاج.

تلك مقدمة تدفع القارئ إلى تعكير صفو سعادته، وربما إيقاظه على حقيقة صادمة بأن أبناءه الذين يذهبون كل صباح إلى مؤسسته التربوية لا تفي بمسئولياتها، ولا تكترث بأنها تقدم أكبر خدمة إنسانية لأبنائه وهي أن يستحيل عضوا فاعلا في مجتمعه ومن بعد وطنه العربي الكبير.

ويسألونك عن التطوير التربوي، وسيخرج عليك رجال يدغدغون أسماعك بأحاديث تشبه حواديت وحكايات جدتي عن ملامح تطوير التربية، والدور التنموي للمدرسة والواقع يشير إلى أننا بالفعل لا نقدم تربية ممكنة التحقيق، فالمؤسسة التعليمية صارت مشغولة بفعل السياسات التعليمية والقوانين المنظمة لها بالتحصيل والترويج لثقافة الاختبارات والدرجة النهائية ولا تهرول إلى صيحات تنمية القدرات أو تعديل الاتجاهات وتنمية المواهب وتعزيز الإمكانات المتاحة لتلاميذنا، فكل هذه الأمور ورقية تزين أرفف وجدران مؤسساتنا التعليمية وخير دليل حرص بعض المحافظين على تتبع مراكز الدروس الخصوصية لأن المدرسة بالفعل صارت ورقة امتحان ودرجة نهائية ومرحلة لاحقة ينتقل إليها الطالب .

ونحن بالفعل أمام ملامح عصية على التأويل وصعبة المراس في تفسيرها أيضا، تلك الملامح التي لا يمكن حصرها وقصرها على وجود إدارة تعليمية فاشلة وباهتة وأكثر خيبة لواقع تعليمي متأزم بالفعل، ولا على مستوى المعلم الذي صار ينتظر قرارات وزارته كمن يقبع خلف باب زنزانته انتظارا لأخذه غرفة تنفيذ حكم الإعدام من خلال قرارات وتعليمات ودورات تدريبية وهمية وورش عمل كارتونية، وتطبيق أنظمة لا تصلح لبيئة تعليمية تحتاج إلى تطهير شامل وكامل.

وماذا أيضا؟ نكتشف على الدوام أننا نمارس قبيل المعاناة عشوائية في التخطيط التربوي لمؤسساتنا التعليمية، وبسؤال لأحد أساتذتي الذين غفل عنه صانعو القرار التربوي رغم أنه الرائد في مجال التربية الراهنة عن عدم وجوده في مكان صناعة القرار التربوي أفادني بأن السياسة التعليمية العربية منذ سنوات بعيدة لا تشجع على الاستقرار، وأن القادم يطبق فكرة تربوية ستمحي بعد زوال منصبه وهكذا، أصبحت لدينا قناعة بأننا نعشق الانطلاق من نقطة الصفر .

ونقطة الصفر الغالبة على سياساتنا التربوية تجعلنا نؤكد على ملمح رئيس للتربية العربية التي تشارف على النهاية، أحادية الرؤية التربوية، فمشكلة التخطيط لا تزال تقف عند عائق الأحادية وجنوحها بغير اكتراث أو اقتناع للأخذ بفكرة المشروع الجماعي للتخطيط، حتى ورش العمل والندوات الجمعية التي تعقد ليل نهار بمؤسساتنا التربوية العربية نجدها تدور حول فكرة محددة سابقا وهو أمر محمود، لكن غير المحمود أن هناك ثمة محاور ثابتة لا يمكن الخروج عنها رغم كوننا نردد صباح مساء بضرورة إمطار الأدمغة وتكريس ثقافة العصف الذهني للرؤى والطروحات النقدية البناءة .

الطَّالِبُ .. من دَورِ التَّعَلُّمِ إلى مَصِيرِ الضَّحِيَّةِ:

ولا يمكن اقتناص أزمة المؤسسة التربوية العربية في المنتفع الأول بها، ألا وهو الطالب نفسه، الذي يظل المصطلح حائرا على تسميته، فمرة يدعى طالبا، ومرة أخرى تلميذا، ومرة ثالثة متعلما بحجة الالتزام بتطبيق استراتيجيات التعلم النشط . وهو في الحقيقة رغم شغبه واستمرائه الفوضى مسكين يستحق الشفقة، لأنه ضحية بعض الإدارات التعليمية الفاشلة التي قد تعاني من فقر الإعداد التربوي المهني، ومعلم خائب لم يكترث بالحصول على درجات علمية تتخطى حاجز الشهادة الجامعية الأولى، ومناهج بائسة انتهت صلاحيتها التعليمة في ظل عالم تربوي متسارع ومتصارع معرفيا ومهاريا.

وَاقِعُ التَّرْجَمَةِ العَرَبِيَّةِ:

وإذا كنا نتحدث عن نهاية وشيكة للتربية فإن هذا يدفعنا إلى تحديد أبرز عوامل النهاية، وهو التغيرات التربوية المفاجئة والمتسارعة، فإذا كنا نعتقد بأننا على اتصال مستدام بالفكر التربوي الغربي فإن هذا الاتصال حقيقي فعلا لكنه بات اتصالا متأخرا زمنيا، فالترجمة التربوية عادة تقتصر على أطروحات أكاديمية مقرها ومقامها الرسائل العلمية التي لا توظف في ميدانها الحقيقي، وحركة الترجمة تتجه غالبا في هذه الأحايين إلى مجالات الطب والهندسة والفيزياء وكثيرا ما يكون الاتجاه صوب ترجمة إنسانيات النظريات النقدية أو تحليل النفس الإنسانية إلى مكوناتها التي لو فكر المترجمون قليلا لوجدوا علاج النفس وأصول تفسيره في القرآن الكريم .

فالترجمة بالفعل قائمة لكنها باهتة وتتناول ما أنتجه العقل الغربي منذ سنوات بعيدة، رغم علم القائمين على القرار التربوي بأن التربية اليوم متسارعة وتصعب متابعة كل جديد بها .

ووجود حركة بطيئة للترجمة، مع تزامن عقدة التخطيط الصفري التي أشرنا إليها منذ قليل، يجلعنا نقف أمام ظاهرة تربوية عربية وهي تقليدية الإدارة، فإذا كان القرار التربوي الفوقي في بعض الأنظمة التعليمية العربية لا يهتم بفكرة التخطيط للمستقبل أو جماعية اتخاذ القرار، فإن الإدارة التنفيذية التي تدير المشهد التعليمي على مستوى المدرسة تتسم بالتقليدية وغياب الحضور عن الاستخدام الإلكتروني، والاستخدام الإلكتروني لا يعني أن المدرسة بها معمل يشتمل على كثير من أجهزة الحاسوب المتطورة فالأمر لا يتعد حد الاستخدام والاستهلاك لا الإنتاج أو تطوير التقنية ذاتها . لكن الإدارات التربوية المعاصرة تطبق اليوم فكر الإدارة إليكترونيا وتسعى لربط المؤسسة التعليمية بالطلاب والمجتمع والمؤسسات ذات العلاقة بالتربوية عن طريق شبكة معلوماتية متخصصة تسهم في رفع الوعي المعلوماتي والمهاري لدى العاملين بالمدرسة وبالتلاميذ وتجعل شركاء المجتمع على علاقة وطيدة بإحدى المؤسسات الوطنية ألا وهي المدرسة .

مَلامِحٌ مِن خُطَّة عِلاجِ الأزْمَةِ:

حسنا، هذا هو العرض في الإدارة، فماذا عن العلاج ؟ العلاج يبدو بسيطا عن طريق تفعيل الإدارة الإلكترونية من ناحية، ومن ناحية أخرى يكمن العلاج في سؤال فعن طريق الأسئلة يعمل العقل ويتفجر بالإبداع، والسؤال هو: ماذا يحدث لو جعلت المدرسة طلابها يشاركون في إدارة المدرسة ولو لمدة يوم واحد كل أسبوع؟

ليس الأمر بكارثة لأننا في الأصل نجرب ونطور ونعدل ونحذف هذا ونعيد تجديد هذا، وشراكة الطلاب في الإدارة سيجدد شبابها ويحيي شرايينها المتصلبة .

وربما وأنا أستعرض ملامح نهاية التربية، استقر بي الحال على ربط المشهد الانتخابي لبرلمان النواب بمصر مؤخرا وحال التربية القائمة، فكثير من المحللين عبر الفضائيات تناول ظاهرة عزوف الشباب عن المشاركة في التصويت، وظهر رجل يدلل على المستوى الثقافي للناخب، وراح آخر يبرهن على أن العزوف مفاده قصور برنامج المرشح، وهكذا تعددت الأسباب والحجج والدوافع التي أدت إلى ظاهرة العزوف .

لكن العزوف ليس مقره ومستودعه سياسيا هذه المرة، إنما الممارسات التربوية داخل أسوار المؤسسة التعليمية هي التي أدت إلى تلك الظاهرة، وعلاج هذا لا يكون فقط بممارسة الطلاب لأنشطة مدرسية محددة ومكرورة وأصبحت بائدة في بعض الأحيان، لكن عن طريق تجديد الحراك المدرسي إما بأنشطة يقترحها الطلاب أنفسهم تعكس مطامحهم وآمالهم ودوافعهم للتعلم، ووجود ديموقراطية تعليمة تفرز لنا جيلا استثنائيا قادرا ليس فقط على مواجهة التيارات والأفكار الوافدة، بل في بناء الأوطان العزيزة التي تستحق بذل الجهد والمجهود .

تَجْدِيْدُ الخِطَابِ التَّعْلِيْمِيِّ .. تَغْرِيْدٌ خَارِج السِّرْبِ:

الذين هرولوا من التربويين العرب وراء التقرير الأمريكي ذائع الصيت والانتشار (أمة في خطر) والذي أعد بشأن النهوض بالتعليم الأمريكي عن طريق الاهتمام والتسارع المعرفي بمادتي الرياضيات والعلوم لم يستفيقوا بعد على وضع أخطر يحتاج إلى مزيد من الهرولة بل هوس الاهتمام أيضا لا مجرد نقل الحذر وترقب الخوف الذي يحذو بسياساتنا التعليمية فحسب . ولاشك أن الأخبار المتعلقة بالشأن المدرسي في مصر على وجه الاختصاص تتصدر مشهد المتابعة، ورغم أن هناك حالة غير مستدامة لتتبع أخبار ترشح الراقصة سما المصري وقبول طعن أحمد عز الرجل الحديدي في انتخابات مصر إلا أن أخبار المؤسسة التعليمية تظل دوما في مقدمة اهتمام المصريين بغير إطلالة على أن كثيرا من المصريين لم يعودوا يهتمون بالعلم وأهله .

وفي الوقت الذي نتبارى ونتراهن وأخشى أن أقول نتناحر في قنص فرصة تجديد الخطاب الديني كان علينا بصدق ووطنية أن نتبارى لصالح الوطن في تجديد خطابنا التعليمي الذي يستحق الشفقة عليه، وأذكر مجددا بغير كلل أو ملل لم يكن في خاطر أو هواجس محمد علي باشا وهو يدشن لامبراطوريته المصرية أن دعائم الثقافة التي سعى إلى تكوينها وتأسيسها ستكون باعثا قويا ودافعا إيجابيا لحرية الوطن الذي تربع هو وأسرته متعددة الأنساب والأصلاب على عرشه قرونا طويلة . الأمر نفسه الذي لم يكن بخاطره وخاطر المؤسس الثاني للدولة المصرية الخديثة الخديوي إسماعيل باشا أن نظامه التعليمي الرائع سواء على مستوى العصر الحديث والعصر الراهن في تمصر الوطن والحفاظ على هويته الرئيسة التي لا يمكن أن تشوبها عاطفة سياسية موجهة أو تقتنصها تيارات وفصائل لها أطماع ومطامح أيديولوجية معينة أن تؤدي بنا إلى حال تعليمي متردٍ وأكثر ترهلا.

وهذا الخطاب التعليمي ليس مجرد وثيقة ورقية مثل وثيقة الانضباط المدرسي التي قرأتها مرتين وقبلت بنودها بشرط توافر تحقيق واجبات وزارة التربية والتعليم وصدقها في التنفيذ، والخطاب أيضا ليس مجرد بنود تنظيرية تفيد بأنه يجب على المعلم أن يفعل كذا ويقابل بكذا أو أن على الطالب الالتزام بقواعد معينة لأن المحك في الالتزام بتلك الشرائط التنظيرية هو ما تابعناه بخوف وخشية من أخبار أرجو أن يكون الوزير بغير غفلة عنها وإلا فحقا تعليمنا في خطر . وآخر الأخبار الموحشة التي أفزعت واقعنا التعليمي هو تعرض طالبة بمدرسة الخصوص للاغتصاب الوحشي على يد مجهول داخل المدرسة وتنظيم الطلاب وقفة احتجاجية من أجل المطالبة بأخذ حق زميلتهم وأخبار أخرى متناثرة يفيد بأن الوطن لن ينهض إلا بتعليم مستنير وخطاب تربوي بعيد عن النفاق والتقليد والمبالغة والأخذ بأسباب الحضارة دون امتلاك مقوماتها.

التَّعلِيمُ مِن التَّلقِينِ إلى اسْتِثْمَارِ العُقُولِ:

لكن اليقين يؤكد أن الأمم التي تسعى للنهضة وتسير في طريقها للارتقاء تأخذ بمبدأ أن التعليم استثمار للعقول والمهارات والأداءات وتربية وتنمية للمشاعر والجوانب الوجدانية، وربما هذا ما يصر المسئولون على تجاهله باستثناء استخدام بعض المفهومات التربوية المستحدثة والتي لا تتوافق مع واقع مجتمع لا يزال يعاني من شلل الأطفال والأمية ورغم ذلك نجد وزير التربية والتعليم والقائمين على أمر التعليم في مصر يحدثوننا بحديث غريب ويبدو عجيباً أيضاً عن تعليم قد يأتي يواكب أحداث المشهد السياسي لكن ما يمكن استشرافه أن التعليم الجيد لا يقتصر على قرارات وزير أو استحداث نظم تعليمية متقدمة قد تبدو كالجسم الغريب بالجسد الحي، بل يتمثل التعليم في أبهى صوره عن طريق الشراكة الحقيقية بين أولياء الأمور والطلاب ورجال الأعمال المهمومين بالقضية والمؤسسة الرسمية للتعليم .

وربما تتجسد مشكلة النظام التعليمي في الكتاب الذي صار مريضاً بالفعل من ناحية المعلومات الباهتة ويكفيك أن تعلم حقيقة مفادها أن اللغة العربية بكتبها المدرسية تقدم معرفة وبيانات ومعلومات وتجهل المهارات اللغوية وكأن القائمين على تعليمها أخطأوا القصد وظنوا أن اللغة معرفة لكنها في الحقيقة مجموعة من المهارات والأداءات وليست كالدراسات الاجتماعية، مثلها في الحال مثل مواد الكيمياء والفيزياء والأحياء التي خرجت من طبيعتها العلمية الأدائية وأصبحت حبيسة ورقة الاختبار وتسجيل مجموعة من الحقائق العلمية بغير تطبيق أو تطوير لها .

لكن إذا كان الوطن بحق يسعى للارتقاء فينبغي أن يكون على وعي تام وكامل بأسس المدرسة الحديثة التي يمكن وصفها بالصدق من حيث مطابقة الواقع وحاجات المجتمع ومطالبه التي لن تنتهي لأنه بالفعل لا يزال وليداً لاسيما بعد ثورته السياسية وإسقاط النظم الحاكمة التي سيطرت على التعليم من أجل مصالحها لا من أجل مصلحة الوطن . والمدرسة بهذه الصورة تتطلب شروطاً ومواصفات  قد يراها معظم المواطنين رفاهية لكنها في الحقيقة هي صلب التطوير والتحديث، منها موقع المدرسة نفسها، فكثير من المدارس التي يتم تشييدها تقع وسط البنايات السكنية مما يجعل الطالب يذهب إلى مدرسته وكأنه لم يفارق بيته الضيق، لكن ينبغي للمدرسة أن تكون في مناطق خالية من العمارات الشاهقة والبنايات السكنية التي تتعالى منها أصوات الجيران ومشاجراتهم، وكم كنا ونحن صغار أكثر شغفاً بمراقبة السكان وهم يطلون من شرفات مساكنهم غير مبالين لشرح المعلم، لكن يبدو أن الوزارة لا تريد التفكير في مشكلات قصور انتباه المتعلمين لأنها بالفعل مشغولة بقضايا أخرى تراها أكثر أهمية .

إن المكان التعليمي هو الذي يسمح أو يعيق نجاح التعليم وهذه الحقيقة يمكن ملاحظتها من خلال متابعة ومشاهدة القنوات التعليمية الأجنبية التي تعرض المدارس وتصميمها لا الذي يشبه مدارسنا الأقرب للمراكز الصحية أو المؤسسات الإدارية التي تجعل من الطالب موظفاً لا مبدعاً ويسير بحركات ثابتة تبعاً لطبيعة المكان والتصميم الهندسي .

والشرط الثاني للمدرسة العربية الحديثة هو توافر مدير تعليمي يتسم بمواصفات ومؤشرات تحقق الريادة والإبداع والتفوق الأكاديمي وفاعلية النشاطات المدرسية، وما أفجع حقيقة أن غالبية مدرائنا بالمدارس غير مؤهلين أكاديمياً وتربوياً وشرط ترقيهم فقط هو حصولهم على دورات تدريبية تنظمها مديريات التربية والتعليم أو رضا رؤسائهم فقط . لكن المدير مثل الحاكم عليه أن يكون أكثر خبرة بالنظم التعليمية وأن يكون قد جرب وشاهد وعاين واختبر كثيراً من المشاهدات الصفية وغير الصفية، بالإضافة إلى قياس حجم إنجازاته المرتبطة بمجال المهنة نفسها لا بقدر مساهماته الحزبية أو النقابية أو السياسية .

 

الدُّكْتُورُ بَلِيغ حَمْدِي إسْمَاعِيل

 

زهير الخويلدياستهلال:

"كل عبد له في يديه القدرة على كسر سلاسله" - وليام شكسبير

لو لم تكن فكرة الحرية في المركز، فهي على الأقل واحدة من النقاط الجوهرية التي تدور عليها الفلسفة منذ القديم ولقد زاد ذلك كثيرا في الأزمنة الحديثة وعصر الأنوار ووقت الثورة العلمية والصناعية. أما اليوم فهي تعبر عن عدة طموحات مختلطة وتلخص الكثير من أحلام اليقظة والتطلعات الشبابية الواعدة.

 قد يرفض أحدهم تمتع الآخرين بها ويؤثر بقائهم في العبودية لكي يحتكرها لذاته ويتمتع بفضائلها لنفسه ولكنها ترفض ذلك وبدل أن يمتلكها تقوم هي بامتلاكه وتنتقل عدواها إلى غيره وتفيض على العالم بأسره. إذا كانت فكرة الحرية تتضمن كفايتها الذاتية وتملك القدرة على التحديد الذاتي فإن العبودية لو قلبناها كما هي في المسار التاريخي والحالة الاجتماعية يمكن الوعي بها والانقلاب عليها ونفيها وتحويلها إلى حرية.

بيد أن المشكل الفلسفي الذي يطرح لا يتعلق بمسألة الحرية بقدر ما يثار ضمن الدروب التي تكتسب فيها وبالتالي يجدر الابتعاد عن الخلط بين الحرية وغياب الإكراه وانتفاء الضغوطات وزوال الموانع والعقبات وتحريك الوعي حول معنى الحرية في الوجود الإنساني والغوص في العمق الذي ترتكز عليه وتتبع تحول الجدلية التي تتشكل بمقتضاها ووصف الظهور المرئي للأحرار في الأشكال الكبرى والصور اللامعة.

هكذا تظل الحرية تتأرجح بين غياب الإكراه الخارجي والتحديد الباطني من جهة واختراق الحد المسموح به وتخطي العتبات المرسومة وفق قدرات الملكات البشرية واستعمال الحرية لكي يتم التخلي عن الحرية.

لو أردنا اختزال الموضوع بوضوح أكبر حول القسمة السهلة بين التصورات المتعارضة حول الحرية فإنه يمكننا أن نعارض بين اتجاهين كبيرين: الاتجاه الأول يقر بوجود تطابق بين الوعي الحر والطبيعة العليا، والاتجاه الثاني يقوم بالانقطاع والتعالي الذي يميز الحرية عن كل طبيعة واقعية أو ممكنة. فماهي العلاقة بين الطبيعة والحرية؟ وهل يتناقض القول بطبيعة الكائن والكائن الطبيعي مع مطلب الحرية؟

لعل التفكير في شيء معين على أنه موضوع يعني تحديده بصورة طبيعية وبالتالي تمثل الطبيعة بالأساس نظاما من التحديدات للأشياء والمواضيع ويتعلق الأمر بالتسجيل القبلي لنظام الأشياء في نظام الفكر الإلهي ضمن جبرية لاهوتية ولكن يمكن أن يتعلق من جهة أخرى بالضرورة المنطقية وبالسببية الطبيعية.

لكي نفهم العالم يجب أن نفترض مبدءا تحديديا، فإذا كان العالم مفهوما ألا تصبح الحرية غير مفهومة؟

 لو كان العالم مفهوما لكانت الحرية مشكلا ولو رفضنا القول بالحتمية الكونية فإن الحرية نفسها تفقد معناها: ليس من خلال افتراض أن الإرادة هي سبب وجود ما نريده ونختاره وإنما أيضا لأننا دون افتراض سلسلة من الأسباب الضرورية في الطبيعة فإنه يتعذر علينا رؤية تتابع الأشياء من بعضها البعض ولزوم شيء معين من شيء آخر نريده. فما يجعلنا أحرار بهذا المعنى هو معرفة السلسلة السببية الطبيعية لكن إذا كانت هناك سلسلة سببية طبيعية فإن ما يقع يترتب منها ويصدر عنها ، أما معرفة كيف تكون الحرية ممكنا فإنه يعود إلى معرفة كيف ننزل الإرادة ضمنها وبالمقارنة مع الأسباب المولدة لها.

هناك عدة حلول قدمها الفلاسفة حول هذه المشكلة:

- القبول بأن نظام الطبيعة ليس هو نفسه ضروريا بل حادثا وجائزا ويمكن للأشياء أن تحدث من ذاتها دون علة ضرورية ويمكن أن تحدث من شيء آخر .

- القبول بأن نظام العالم ضروري وبأن الأفعال الإنسانية تنتمي إلى الطبيعة وبأن ما يحدث لنا تابع لنظام الطبيعة وأننا لا نقدر على أي شيء بخلاف ذلك.

- القبول بأن نظام العالم هو ضروري وأن الإرادة الإنسانية تمثل جزء من هذا النظام وبالتالي فهي ليست سببا حرا بل نحن نريد هذا الشيء بدل ذاك وفق شرط محدد ولا نقدر على إرادة أي شيء.

- وجود ضرورة كونية تحكم الكون وبالتالي امتناع وجود الحرية الإنسانية بما أن الرغبة تتفوق على الاستطاعة.

- إمكانية قبول القوانين التي تتحكم في الطبيعة ومحاولة تكييف ميول الطبيعة البشرية والأهواء مع هذه القوانين وتفادي التناقض بين المنشود الإنساني والموجود الواقعي.

ألم يقل ديكارت:" من الأحسن تغيير رغبات بدل نظام العالم"1[1]. هكذا تطرح الحرية دوما مشكلا أنطولوجيا ولا يمكن حله إلا بافتراض انتماء الإرادة إلى نظام مغاير لنظام الطبيعة وغير خاضعة للقوانين الطبيعية والاستنجاد بفكرة الذات التي برزت في الفلسفة الحديثة. لكن حريتنا في العالم لا يمكن التفكير فيها خارج علاقتنا بالنظام الطبيعي بما أن حركاتنا مرتبطة به وبالتالي تعود الصعوبة بالظهور مجددا ولقد تفطن إلى ذلك ديكارت عندما عرف الجوهر المفكر ضمن الحرية اللاّمتناهية ولكنه أخفق في التفكير في علاقة الفكر بالمادة وبقيت المشكلة عند كانط الذي سيجعل من الذات الحرة شرط وجود القانون الأخلاقي.

يمكن التطرق إلى جدلية الحركة الحرة ، وأشكال الحرية والحرية الملتزمة ، والحرية من حيث مشروع وجود ولكن هل يمكن الاعتقاد كما ترى الفلسفة الريبية الحديثة بأن تكون الشعور بالحرية مجرد وهم؟

فكرة الحرية عند هيوم:

"الانفعال هي وجود بدئي أو ، إذا أردت ، وضع بدئي للوجود"

يعتبر دافيد هيوم الحرية مجرد فكرة مختلقة وغير لازمة ويقول بوهم الحرية. كما أن التعارض بين الحرية والضرورة ليس سوى عبارة عن الفتور واللامبالاة في الانتقال من فكرة إلى أخرى والإحساس بأن أفعالنا ناتجة عن إرادتنا واستخلاصها من بواعث هو مجرد تكرار وخلط بين ظواهر متشابهة.

ضرورة الفعل ليست خاصية الفاعل وإنما خاصية الكائن الذكي الذي يستنتج الفعل من الظواهر السابقة. إن الإرادة الإنسانية التي لا تخضع لأي شيء وتتحرك في جميع الاتجاهات تنتج صورة سلبية عن نفسها.

فالحرية الخيالية هي الحركة الواقعية التي تتشكل في الرغبة العجيبة في إثبات أن الفاعل هو باعث الفعل.

في هذا السياق يثني هيوم على الاعتقاد بقوله:" الاعتقاد ليس سوى كائن أكثر حيوية وأكثر حياة وأقوى وأكثر حزما وأكثر استقرارا من ما يمكن أن يحققه الخيال وحده." ويضيف "ليس من العسير تفضيل تدمير العالم بأسره على خدش إصبعي"ولكنه ينقد السببية بهذا التصريح:" تأتي أفكار السبب والنتيجة من تجربة تُعلمنا أن مثل هذه الأشياء المعينة، في جميع الحالات الماضية ، قد تم دمجها مع الآخرين؛ عندما ننتقل من انطباع كائن ما إلى فكرة أخرى ، فإننا مصممون ليس عن طريق السبب، ولكن عن طريق التعود أو مبدأ الارتباط"2[2]، فهل يؤدي هذا النقد الريبي لفكرة السببية إلى الإقرار بوجود الحرية الفيزيائية؟

فكرة الحرية عند روسو:

" الحرية هي أقل ما تفعل إرادة الفرد من عدم الخضوع لإرادة الآخرين."

يتناول روسو الحرية في إطار علاقتها بالعبودية ويصرح:" لا يمكن أن يكون المواطن حرا تماما إلا إذا كان العبد عبدا إلى أبعد حد" و"لا يستطيع المرء أن يحافظ على حريته إلا على حساب حرية غيره"

في كتاب العقد الاجتماعي يعود روسو إلى الإغريق ويقسمهم إلى أسياد يفعلون بأنفسهم ما يردون ، يعيشون في منطقة هادئة ويجتمعون في الساحة العامة ويقررون ما يتفقون عليه، في حين أن العبيد محرومين من هذه الامتيازات ويعيشون في مناخ قاس ووضعية بائسة ويتعذر عليهم الإقامة في الساحة العامة ونادرا ما يستعملون لسانهم ويقوم بأشغالهم ويعطون قيمة كبيرة لكسب قوتهم أكثر من حريتهم ويخافون من الحرمان والعوز أكثر من خوفهم من البقاء في حالة العبودية. بهذا المعنى كان الشغل الشاغل هو الحرية ولا تبقى الحرية على ماهي عليه بعيدة المنال إلا بفضل العبودية وتأخر وعي العبيد بأهميتها.

ان الطاغية لا يضمن لرعاياه الطمأنينة المدنية لأانه يرضي دوما طموحه وجشعه اللامحدود واستعماله للقوة في حل الخلافات يجلب له الحروب وتتكاثر حوله الفتن وتتحول حياة الرعايا الى حياة بائسة وجحيم.

بينما في الشعوب الحديثة عرفت نهاية العبودية بالمعنى القديم وبداية عهد الشعوب الحرة وصار الإنسان يدافع على اختيار حرية غيره من خلال الديمقراطية التمثيلية ومنح ثقته لعدد من النواب في البرلمان[3].

من هذا المنطلق يميز روسو بين الحرية الطبيعية التي يحصل عليها الشخص عندما يعثر على شكل من التجمع البشري يدافع ويحمي بكل القوة الموحدة عن خيراته والحرية القانونية المدنية التي يحصل عليها عن طريق المواضعة ومن خلال إبرام ميثاق اجتماعي يقوم بمقتضاه كل شخص بتذويب كل حقوقه لفائدة المصلحة المشتركة بشرط أن ترجع له كل حقوقه الأولى وأن تضمن له كل حقوقه التي اكتسبها بالقانون.

هكذا ينقد روسو الحرية الطبيعية ويرى بأن الإنسان يستمد قيمته كذات حرة وأن التنازل عن الحرية تحت أي سبب أو عنوان يؤدي إلى التنازل عن الإنسانية والى فقدان القيمة التي منحت له وخلع الكرامة البشرية وفي هذا السياق يصرح في العقد الاجتماعي :" إن تخلي المرء عن حريته يعني تخليه عن طبيعته كانسان وعن حقوق الإنسانية جمعاء بل وعن واجباته وليس هناك تعويض ممكن لمن تخلى عن كل شيء"4[4].

على هذا الأساس التخلي عن الحرية يكرس الخضوع غير المحدود ويسلب الناس حقوقهم وإرادتهم ويجعلهم يسلمون ما بحوزتهم من ممتلكات لغيرهم وينزع الصفة الأخلاقية عنهم ويجعلهم غير ملزمين بأي شيء أو قيمة تجاه أي جهة أو إزاء أي شخص،ويمثل شرط بطلان العقد وتشكل السلطة المطلقة. يحدث الانتقال من حالة الطبيعة الى حالة التمدن بسبب العقد الاجتماعي تغييرا جذريا في الإنسان حيث يستبدل الغريزة بالعدالة في سلوكه ويضفي الطابع الأخلاقي على أفعاله ويفقد حريته الطبيعية التي لا تحدها سوى قوى الفرد وحقه اللامحدود في فعل ما يشاء ويربح حرية مدنية لا تحدها سوى الإرادة وملكية ما في حوزته ويربح الحرية الأخلاقية التي تجعله سيدا على نفسه ومتحررا من عبودية الشهوة5[5].

في هذا السياق يحدد روسو الحرية المدنية كما يلي: " أما الامتثال للقانون الذي قمنا بتشريعه لأنفسنا فهو الحرية"، وبالتالي لا يرى وجود تعارض بين إرادة الفرد وإرادة العامة إذا ما تم احترام العقد الاجتماعي بين الشعب والسلطة السياسية المنبثة عنه في مستوى الحقوق والواجبات وتمتع المواطنين بمختلف حرياتهم الأساسية والمعنوية وتمكن الجميع من المشاركة في سن القوانين ووضع التشريعات المناسبة.

لكن استفاد كانط كثيرا من هذه الجهود الجبارة التي بذلها روسو في المجال القانوني والأنثربولوجي؟

فكرة الحرية عند كانط:

"الحرية هي مجموعة الحقوق التي لا يستطيع أي مجتمع عادي افتكاكها من أعضائه دون انتهاك العدالة والعقل. الحرية ليست حقًا ، إنها واجب. الحرية هي الحق في فعل ما تريد مع ما تملك"

يعبر كانط عن عدم ارتياحه للقول بأن بعض الشعوب لم تنضج من أجل منحها الحرية وينادي بتهيئة الناس لكي يمارسوا حريتهم الشرعية ويرى أنه يشبه من يقول بأننا لسنا ناضجين من أجل حرية الشعور ويعتبر أن المحاججة بهذه القولة يعني أن الحرية لن تتحقق أبدا ويكشف عن الدوران في حلقة مفرغة مفادها: أننا لا يمكن أن نكون ناضجين من أجل الحرية، إذا لم نكن مسبقا أحرارا ويجب أن نكون أحرار لكي نستطيع استخدام قوانا بشكل يخدم حريتنا"6[6].

كما تعاني الحرية من الكثير من العوائق بالنظر للخضوع لأوامر السلطة والاشتغال برعاية الغير ولذلك تظل المحاولات الأولى التي يبذلها الناس قاسية وخطيرة. على هذا النحو ينبغي أن يتحرر الناس من الظروف الصعبة والقيود الثلاث – الدولة والأسرة والكنيسة- التي تمنعهم من استعمال عقلهم بحرية لكي ينضجوا من أجل العقل ويقوموا بما يردون فعله ويعبروا عن قدرتهم على تحقيق مبدأ الحرية ويعلموا أن الله ذاته خلق الإنسان من أجل الحرية، فكيف يكون له الحق في إبعادها عنه؟

الإنسان الحر هو المواطن الفرد الذي يعيش في دولة مدنية يحكمها القانون وتسير مؤسساتها بشكل ديمقراطي ويقترح كانط في مقالة في البيداغوجيا7[7] تربية الإنسان على الحرية من خلال القواعد التالية:

- يجب أن نترك الطفل حرا منذ طفولته الأولى شريطة ألا يشكل عائقا أمام حرية الغير.

- عليه أن يتهذب لأنه لا يمكنه الوصول إلى غاياته إلا إذا ترك الآخرين يصلون إلى غاياتهم.

- نبرهن له أن الإكراه الذي فرضه عليه هدفه هو أن نجعله يستخدم حريته وأن نربيه لكي يستطيع أن يكون مستقلا حرا وأن يستغني عن اللجوء إلى الغير.

هكذا تساعدنا التربية على معرفة قياس قوتنا والحدود التي يفرضها علينا حق غيرنا وأننا لا نتمتع بأي امتياز. في هذا السياق يؤكد كانط في المجال الأخلاقي على أن الإرادة الحرة هي الإرادة الأخلاقية وعلى استقلالية الإرادة هي ميزة العقل العملي سواء في أسس ميتافيزيقا الأخلاق8[8] أو في نقد العقل العملي.

يبرهن على ذلك بالقول بأن حرية الإرادة هي التي تجعل الوعي بالقانون ممكنا وتجعله الإنسان يوافق ويتقبل المبادئ النظرية الخالصة على أنها ضرورة يفرضها عليه العقل وليست مستقاة من التجربة ولا مقيدة بإشباع الشهوة المباشرة ولا نتيجة تعرض للتهديد وتمسك بحب الحياة ، في هذا الإطار نراه يصرح: "انه بإمكانه فعل شيء ما لأنه يعي أنه يجب عليه القيام به ويتعرف أيضا بداخله على الحرية التي كانت ستظل مجهولة من طرفه لولا وجود القانون الأخلاقي"9[9].

فاذا كانت الضرورة خاصية الكائنات الطبيعية وإذا كانت الإرادة ترتبط بالعقل والحياة فإن الحرية السلبية موصولة بالاستقلال عن الأسباب الخارجية بينما الحرية الايجابية تكون سببية تعمل وفق قوانين ثابتة.

 من هذا المنطلق" يمكن أن نعرف الحرية العملية بأنها استقلال الإرادة تجاه كل قانون ما عدا القانون الأخلاقي" كما " يشتق مفهوم الحرية من الواجب الأخلاقي المشروط" و"مما لاشك فيه أن الحرية هي مبرر الوجود، انه شرط القانون الأخلاقي... إن القانون الأخلاقي هو ما يجعلنا نتعرف على الحرية". ويضيف كانط أيضا: " بالنسبة لي لا شيء مطلوب غير الحرية ، بمعناها الأكثر براءة ، أي تلك التي تقبل على استخدام علني للعقل في جميع الميادين".

 على هذا الأساس يقر كانط بوجود ضرورة في الظواهر وحرية في الجواهر. بطبيعة الحال الاستقلال هو قوام حرية الإرادة والخاصية التي تجعلها قاعدة نفسها واستقلال الإرادة هو المبدأ الوحيد لكل القوانين الأخلاقية والواجبات التي تتطابق معها وتتعارض أخلاقية الإرادة مع مبدأ الإجبار والتبعية لأن الإرادة الحرة والإرادة الخاضعة لقوانين أخلاقية هما في النهاية نفس الشيء".

لكن لا يتوقف احترام القانون على الجانب المضموني وإنما يرتبط بالخصوص على الجانب الشكلي أي القاعدة. لكن كيف نرفع من درجة الحرية ونرد لها الاعتبار في الحياة اليومية؟ وماذا تفعل الحرية أمام سلطة المجتمع وفي مواجهة الفردانية؟ وهل تنحني أمام ضربات ضرورة التاريخ وتغترب في العالم الطبيعي؟ والى أي مدى يمكن أن تصمد الحرية بالمعنى الأخلاقي والتربوي أمام التحديات التي تتعرض لها من العنف السياسي وحيلة العقل ومكر التاريخ والقوى الطبيعية؟

خاتمة:

" ليس من الجيد أن تكون حرا جدًا. ليس من الجيد أن يكون لديك كل الضرورات" – باسكال-

لا يمكن البرهنة على حرية الاختيار وإنما يمكن اختبارها وممارستها في الحياة اليومية والفكرية وكل فلاسفة حرية الاختيار قد انطلقوا من مجرد وصف لتجارب نفسية أو أخلاقية كانوا قد مروا بها أو عاشوها، لقد أعلن ديكارت بأن "حرية إرادتنا تعرف دون حجج بواسطة التجربة التي نجريها وحدها" ويذكر لايبنتز بالشعور الداخلي القويsentiment vif interne بحرية الاختيار. أما برجسن فقد كشف عن الحرية في المعطيات المباشرة للشعور، في حين عثر عليها مين دي بران في الظاهرة الأولية fait primitif التي تتكون من تجربة الجهد العضلي. بالنسبة لديكارت نحن نقوم في وعينا بتجربة حرية الاختيار لامتناهية مثل تجربتنا اللامتناهية مع الله ونستطيع أن نرفض بالبداهة اي شيء يحول دون ظهور القدرة على حرية الاختيار وذلك لان قضية بديهية مثل أنا أفكر إذن أنا موجود تفرض التصديق وجوبا. ولكني أحوز دائما على الحرية على الامتناع عن تثمينها وعلى توجيه انتباهي إليها: أعتقد في ما أراه بوضوح وتميز بواسطة نور الذهن، ولكن لا أرى إلا ما أشاهده ولا أشاهد الا ما أريد. حتى بداهة الحق خاضعة لإرادتي الطيبة لانتباهي الحر". غير أن هذا الرأي قابل للنقاش لأن تمرين الانتباه لا يبدو انته غير محدود لأن الإنسان لا ينتبه سوى لما يهمه ويمكنه أن يسحب انتباهه من موضوع هام بشكل مباشر ويحمله على موضوع مختلف يعيره اهتمامه بصورة مباشرة أو غير ذلك، ولا يمكن بالتالي عزل قدرة الانتباه عن سياق الحياة الذهنية الذي يحددها. فما علاقة الحرية بالتربية والتنوير؟

 

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

.................................

المصادر والمراجع:

Descartes René, Méditations métaphysiques, 1641. In Œuvres et lettres, édition Gallimard, collection la pléiade, Paris, 1953.

Hume )David(, enquête sur l’entendement humain, 1748, Traduit par M. Beyssade, édition GF, Paris,1983.

 Rousseau Jean Jacques, Du contrat social, édition Garnier-Flammarion, Paris, 1966.

Rousseau J-J, Emile, direction de Bernard Gagnebin et Marcel Raymond, in Œuvres complètes, édition Gallimard (Pléiade), Paris, 1959-1995.

Rousseau J-J, discours sur l’origine de l’inégalité parmi les hommes, collection 10-18, union générale d’éditions, 1973.

Kant (Emmanuel), la religion dans les limites de simple raison. Edition de Laurent Galloi , Classiques Garnier, coll. « Textes de philosophie », Paris ,2015, 302 pages.

[1] Kant (Emmanuel), Traité de pédagogie. Traduction de J. Barni, revue et actualisée, introduction et notes par Pierre-José About, édition Hachette, Paris, 1981.

Kant (Emmanuel), fondements de métaphysique des mœurs, 1785, traduction de Victor Delbos, éditions les Echos du Maquis, juin 2013.

Kant (Emmanuel), critique de la raison pratique,1788, traduction Picavet, édition librairie Félix Alcan, 1921.

 

ميثم الجنابيالقضية الكردية- أفق مغلق وبدائل محتملة (5)

لقد توصلت في المقال السابق، إلى أن دراما «الانفصال الكردي» قد أدت في مسارها السلبي إلى ترسيخ وتعميق ثلاث مكونات (نفسية وذهنية) فاعلة عند الأحزاب القومية الكردية الكبرى وهي كل من:

- نفسية وذهنية الغنيمة،

- والوساطة والوصاية الأجنبية،

- والتجزئة والانعزال.

 وهي مكونات تراكمت فيها ذهنية ونفسية الأحزاب القومية الكردية في مجرى عقد كامل من الزمن، وجدت طريقها وتهذبت جزئيا من خلال المسار العام أو الخارجي (العراقي) كما نراه في اشتراكها الفعال ومساهمتها في أعمال ونتائج «مؤتمرات» المعارضة العراقية حتى سقوط السلطة الصدامية.

طبعا أن الصيغة الأولية للتوجه العراقي، الذي برز بوضوح في الوثيقة التي جرى توقيعها في واشنطن على اثر الاحتراب الدموي الطويل بين الحزبين، لم تكن نتاجا للرؤية العراقية (الوطنية) الكردية، بقدر ما كانت جزء من رؤية الولايات المتحدة وبريطانيا من جهة، وتركيا من جهة أخرى. وهي رؤية جرى التعبير عنها بوضوح في احد البنود التي تقول، بأن الحزبين يتفهمان «بان الولايات المتحدة تحترم هذه التطلعات لجميع العراقيين». ومن أهم هذه «التطلعات» الواردة في بنود الاتفاقية كل من الإقرار «بسلامة ووحدة الأراضي العراقية، والمحافظات الشمالية الثلاث دهوك، أربيل والسليمانية هي جزء من العراق». و«كل من الحزبين دون استثناء يقبلون بالحدود الدولية العراقية»، و«يسعى كلا الحزبين لخلق عراق موحد، تعددي وديمقراطي الذي يضمن الحقوق الإنسانية والسياسية للأكراد في العراق، وجميع العراقيين وفق أسس سياسية مقررة من قبل الشعب العراقي»، ويطمح «الحزبين بعراق مبني على أسس فيدرالية بشرط أن تصان وحدة أراضيه الإقليمية».

لقد قيدت هذه الوثيقة وغيرها، وواقع وإمكانيات الحركات القومية الكردية في العراق والمنطقة، مكونات النفسية والذهنية المتراكمة فيما أسميته بالمسار السلبي للأحزاب القومية الكردية. ونعثر على هذا التقييد فيما أسميته بالمسار العام (العراقي) أو الخارجي لدراما «الانفصال الكردي»، أي كل ما نعثر على مفاصله في اختلاف وتباعد وتقارب وتمازج وتناقض وتوافق الهمّ الكردي والهمّ العراقي. وهي عملية طبيعية في ظل

- انحطاط الدولة المركزية بعد سلسلة الحروب الداخلية والخارجية التي لازمت كل زمن الدكتاتورية الصدامية،

- وفي ظل تنامي الوعي القومي الكردي المحكوم منذ البدء باختلاف أصوله عن العرب واغترابه عن العراق بالمعنى التاريخي والثقافي.

ومن هذين المكونين (السياسي القومي والتاريخي الثقافي) تراكمت عناصر الفكرة العرقية والانعزالية في أيديولوجيات الأحزاب القومية الكردية. وهي عملية متناقضة يصعب الحكم عليها بصورة وحيدة الجانب، إلا إننا نستطيع تتبع ملامحها الكبرى المتراكمة في وعي ولاوعي الأحزاب القومية الكردية في غضون العقد «الحاسم» من زمن «الحواسم» التوتاليتارية والدكتاتورية.

ففي نص ميثاق العمل الوطني المشترك المنعقد في دمشق نهاية عام 1990 نعثر على فكرة «إنهاء ممارسة الاضطهاد القومي» وكذلك مطلب «إلغاء سياسة التمييز القومي وإزالة الآثار السياسية والسكانية لمحاولة تغيير الواقع القومي والتاريخي لمنطقة كردستان العراق، وحل المشكلة الكردية حلا عادلا، ومنح الكرد حقوقهم القومية والسياسية المشروعة من خلال تطبيق وتطوير بنود اتفاقية 11 آذار سنة 1970 نصا وروحا».

في حين نرى تغير النبرة والصيغة بعد الأحداث الدرامية لعاصفة الصحراء وفشل الانتفاضة وظهور «المنطقة الآمنة» في شمال العراق. ففي البيان الختامي الصادر عن الاجتماع الموسع للمؤتمر الوطني العراقي الموحد المعقود في أربيل عام 1992 نعثر للمرة الأولى على صيغة سياسية عامة وأولية لفكرة الفيدرالية. ففي احد بنود النص المتعلقة بالنظام السياسي البديل في العراق نقرأ ما يلي:«إقامة البديل الذي يستجيب لإرادة الشعب ويتمثل في النظام الدستوري البرلماني الديمقراطي الفيدرالي التعددي، الذي يلغي التمييز والاضطهاد العنصري».

وفي هذه الوثيقة تبرز للمرة الأولى حدود القضية الكردية بصورة مستقلة وقائمة بحد ذاتها. حيث تجري الإشارة في نص الوثيقة إلى أن الاجتماع المذكور أعلاه في مجرى «دراسة القضية الكردية وسبل الحل المنشود أكد حقيقة التنوع والتعدد في تركيبة المجتمع القومية... وأجمع على أهمية تعزيز وترسيخ الوحدة الوطنية الطوعية والمساواة التامة بين جميع المواطنين، معبرا عن احترامه للشعب الكردي وإرادته الحرة في اختيار الصيغة المناسبة للشراكة مع أبناء الوطن الواحد». أما بصدد الفكرة الفيدرالية، فإننا نعثر على العبارة التالية:«وتوقف عند قرار الاتحاد الفدرالي، وناقش صيغة وتجارب النظام الفدرالي واعتبره يمثل صيغة مستقبلية لحكم العراق ينبغي الاستناد إليها كأساس لحل المشكلة الكردية في أطار المؤسسات الدستورية الشرعية». واستكملها بفكرة أن وحدة العراق والتعايش بين قومياته ينبغي أن تبنى «على أساس الاتحاد الاختياري». كما شدد الاجتماع على «تلبية المطامح المشروعة والعادلة للشعب الكردي وتصفية جميع مظاهر الاضطهاد والقمع العنصري على أساس المبدأ القانوني الذي يقر حقه بتقرير المصير».

أما في البيان الختامي الصادر عن اجتماع المعارضة العراقية في نيويورك 1999 فإننا نعثر على عبارة الإقرار بالحقوق «القومية المشروعة لشعب كردستان العراق على أساس الفدرالية». وهي فكرة أكدت عليها وثيقة البيان السياسي لمؤتمر المعارضة العراقية المنعقد في لندن نهاية عام 2002.

فمن بين الفقرات المتعلقة بالقضية الفيدرالية نعثر على ما يلي: «العراق دولة ديمقراطية برلمانية تعددية فدرالية (لكل العراق)». وان المؤتمر يعبر عن احترامه لشعب كردستان وإرادته الحرة في اختيار الصيغة المناسبة للشراكة مع أبناء الوطن الواحد. كما «توقف المؤتمر عند تجارب النظام الفدرالي واعتبره يمثل صيغة مناسبة لحكم العراق ينبغي الاستناد إليها كأساس لحل المشكلة الكردية في إطار المؤسسات الدستورية العراقية بعد القضاء على نظام صدام الدكتاتوري وإحداث التغيير المنشود». أما في مجال المشاركة السياسية، فقد أكد المؤتمر على «ضرورة إشراك جميع مكونات الشعب العراقي من العرب والأكراد...». وفي موقفه من سياسة السلطة الصدامية تجاه الأكراد أكد على إدانته لما «يتعرض له شعب كردستان العراقي من تمييز وقهر واضطهاد منظم من قبل نظام صدام العنصري» و«تهجير قسري وتطهير عرقي واستخدام الأسلحة الكيماوية وتغيير الهوية القومية وتغيير في الواقع القومي لمناطق كركوك ومخمور وخانقين وسنجار والشيخان وزمار ومندلي». كما أكدت الوثيقة في موقفها من فكرة حق تقرير المصير على ما أسمته بتلبية «المطامح المشروعة والعادلة لشعب كردستان وتصفية جميع مظاهر الاضطهاد والقمع على أساس المبدأ القانوني الدولي الذي يقر حقه في تقرير المصير».

ولا تخرج جميع الوثائق اللاحقة من حيث المضمون على ما جرى استعراضه بصورة مكثفة لما يمكن دعوته بالمطالب القومية الكردية المتراكمة في مجرى عقد من الزمن. فعندما نقارن بين الوثيقة الأولى الصادرة عن قوى «المعارضة العراقية»، أي «ميثاق العمل الوطني المشترك المنعقد في دمشق بنهاية عام 1990» وبين آخر وثيقة مشتركة كبرى بهذا الصدد، أي وثيقة «البيان السياسي لمؤتمر المعارضة العراقية المنعقد في لندن نهاية عام 2002»، فإننا نقف أمام تغيرات جوهرية فيما يتعلق بالأولويات في مواقف الأحزاب القومية الكردية من النفس ومن العراق. بمعنى التحول من الحد الأقصى آنذاك والقائم في «تطبيق وتطوير بنود اتفاقية 11 آذار سنة 1970 نصا وروحا» إلى فكرة الفيدرالية السياسية والقانونية وحق تقرير المصير وإعادة النظر بتغيير التركيبة القومية لبعض المناطق وكثير غيرها. (يتبع...)

 

ا. د. ميثم الجنابي

 

الوارث الحسنالتعليم الابتدائي القاعدة الأساس لكل تعثر دراسي

- منذ أن أخذ المغرب استقلاله وتخلص من الاستعمار الفرنسي سنة 1956 م، أولت الدولة ومازالت تولي اهتماما كبيرا بمجال التربية والتعليم، وذلك رغم الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية التي عانى منها المغرب في القرن الماضي وبداية الألفية الثالثة .

ومنذ مطلع التسعينيات من القرن العشرين، مر النظام التعليمي بالمغرب بعدة إصلاحات بهدف تقليص الفوارق في التعلم وضمان نشر التعليم بين صفوف أبناء الشعب المغربي، فكان المنطلق سنة 1963م، بإلزامية التعليم للمتعلمين الذين تتراوح أعمارهم بين 07 و13 سنة . وفي سنة 1990م، أعيدت هيكلة المنظومة التعليمية سواء في التعليم الأساسي أو التعليم الإعدادي والثانوي . ومع مطلع القرن 21 جاء الميثاء الوطني للتربية والتكوين، في ظل ظرف سياسي خاص وانتقال جزء أساسي من المعارضة إلى المشاركة في الحكومة وإعداد الميثاق سنة 1999م عبر مشاركة كل الأحزاب والنقابات في اللجنة الخاصة للتربية والتكوين لصياغة مرتكزاته ومبادئه أملا في إنجاح الإصلاح .

وقد تم بحق،الحرص في صياغة المبادئ الأساسية للميثاق على الرفع من وتيرة الإصلاح وتجديد مجالاته، من خلال توخي الدقة والوضوح في إصدار القرارات مع الاستحضار الدائم لضرورة التوفيق بين ماهو مرغوب فيه وما هو ممكن التطبيق في انسجام تام مع الخصوصيات الوطنية. ومن هنا، جاءت دعامات التغيير في صيغة مقترحات عملية مضبوطة التطبيق وآجال التنفيذ تتوخى نشر التعليم وتعميمه على فئات المجتمع وربطه بالمحيط الاقتصادي والتنظيم البيداغوجي مع الرفع من جودة التربية والتدريس وتثمين الموارد البشرية وتكوينها فضلا عن الاهتمام بالتسيير والتدبير التربوي وكذا تفعيل الشراكة وإيجاد التمويل اللازم للمشاريع المدرجة.

وأمام عدم تحقيق الميثاق لما كان منتظرا منه وعجزه عن الوصول إلى إنجاز أهم الرهانات والدعامات التي سطر لها خاصة فيما يتعلق بالتعميم والجودة، سارعت وزارة التربية الوطنية سنة 2009م إلى إنقاذ فشل الميثاق واستكمال بعض دعاماته، بمخطط استعجالي بديل وجدير بتخليص المدرسة المغربية من مشاكلها الوظيفية ووضع حد لأزماتها البنيوية العويصة والتخفيف من التعثرات العديدة التي تتخبط فيها المؤسسات التعليمية.

وبذلك، اعتبر البرنامج الاستعجالي 2009/2012 بمثابة خارطة طريق تحدد الخطوات العملية التي يجب الالتزام بها من أجل إصلاح المنظومة التعليمية المغربية وإعادة الثقة من جديد إلى المدرسة العمومية لكي تكون فعلا مدرسة النجاح ومدرسة الحداثة ومدرسة المستقبل التنموي ورصدت له بالتالي،مزانية ضخمة فكانت الفرصة مواتية لبعث روح تربوية وتعليمية جديدة في المدرسة المغربية بجعل المتعلم والمنهاج والموارد البشرية والبنية التحتية في قلب عجلة التغيير والإصلاح، لكن الغايات من هذا البرنامج لم تتحقق أيضا لسوء تدبير الموارد المالية والمادية والبشرية المرصدة حسب التقارير المنجزة في الأمر.

ثم جاءت الرؤية الاستراتيجية 2015/2030، من أجل مدرسة الإنصاف والجودة والارتقاء، بثلاثة وعشرين رافعة تستجيب على الورق لمتطلبات المدرسة المغربية الحديثة، وتلبي الحاجيات الملحة للأمة من أجل إصلاح المنظومة وتأهيلها وتجديد هياكلها وجعلها تطلع مرة أخرى بأدوارها على النحو الأمثل، وجعلها مواكبة لتحولات العالم ومستجداته في العلوم والتكنولوجيا والمعارف الجديدة والتربية والتكوين والبحث العلمي والتقني والابتكار لتعزيز تموقع المغرب ضمن البلدان الصاعدة.

ولكن وبعد كل هذه الإصلاحات التاريخية، القديم منها والجديد، فإن المدرسة المغربية مازالت تعاني من بعض الظواهر السلبية والمقلقة التي يكاد جل الفاعلين التربويين يجمعون على تصاعد خطورتها واستفحالها بين صفوف المتعلمين اليوم، ومنها على الخصوص الفشل الدراسي والتعثر المدرسي وتدني مستواهم العلمي والمعرفي، وذلك رغم ما بذل من مجهود للحد منها أو محاولة التقليص من انتشارها على امتداد الأطوار التعليمية .

وفي هذا الصدد، وتجاوزا لكل المطبات التي حالت وتحول دون أن يحقق الإصلاح أهدافه المنشودة، فإن الرؤية الاستراتيجية كفيلة برافعاتها أن تصل قبل سنة 2030 إلى الأهداف المسطرة، إيمانا منها بأن الإصلاح يجب أن ينطلق من التعليم الابتدائي، وهذا هو مربط الفرس، حيث أن  هذا الطور التعليمي، يعتبر القاعدة الأساس لكل إصلاح تربوي هادف، مبني على الجودة وتكافؤ الفرص والمساواة والإنصاف أيضا، وتيسير النجاح في هذا المسار الدراسي والتكويني المهم، مما يستدعي النهوض به أولا بالتدرج في حدود السنوات الجارية والقيام بخطوات إجرائية لتجاوز المعيقات المستقبلية في التعليم بالطوريين الإعدادي والثانوي .

لذلك، فإذا ظلت الأعطاب المعرفية والبداغوجية والتربوية مستفحلة بشكل مؤثر في الطور الابتدائي، فإن أثر ذلك، يبقى عالقا في المسار الدراسي والتكويني للناشئة على مر الأطوار التعليمية القادمة، مما يسبب التعثر الدراسي والتكرار مستقبلا ويوسع دائرة الهدر المدرسي والفشل في النجاح . وتتمظهر أولى هذه الأعطاب في ثلاثية، المتعلم نفسه والمدرس وكذا الأسرة والمنظومة التعليمية بشكل عام .

هكذا يلاحظ كل المهتمين بالشأن التربوي، أن الفشل في النجاح والتعثرفي الاكتساب المعرفي والنماء الثقافي والعلمي ما بعد الطور الابتدائي، راجع بالأساس إلى الوسط الاجتماعي الهش والفقر والهشاشة والأمراض الصحية واللاتوازن الأسري والأمية وعدم وجود فضاء أسري مناسب للتتبع الدراسي، هذا فضلا عن صعوبة المنهاج وكثرة المواد واللغات الدراسية، وغياب الدعم المادي والاجتماعي للأسر المعوزة والفقيرة .

كما نجد عدة عوامل سلبية أخرى مرتبطة بالمؤسسة التعليمية نفسها، وبالعاملين فيها تنعكس سلبا على المنتج التربوي . وبالتالي تساهم في ترسيخ هذه الظاهرة منها : غياب الاستقرار النفسي والاجتماعي للمدرسين خصوصا لدى العاملين في المجال القروي، من نقل وضعف الخدمات الاجتماعية والثقافية والترفيهية وغياب شروط العمل المهنية المريحة وانعدام الوسائل الديداكتيكية والاكتظاظ والأقسام المشتركة وكثرة المواد وساعات العمل، فضلا عن غياب التأطير والمراقبة التربوية وعدم نجاعتها في حال وجودها  ويزداد ذلك سلبية أكثر مع الرغبة في متابعة الدراسة الجامعية مع ما يصاحب ذلك من تغيبات وهدر لزمن التعلم وكذا هزالة الأجرة أمام متطلبات الحياة، علاوة على انتشار الموظفين الأشباح، هذا بالإضافة إلى فشل جل الإصلاحات في منح رجل التعليم ما يستحقه من مكانة وتقدير لحقوقه ومتطلباته الإدارية والعملية، حيث غياب الدعم البيداغوجي لهيئة التدريس والإدارة التربوية على حد سواء، وكذا ضبابية البرامج والمناهج والكتب الدراسية المعتمدة وتقادمها في بعض المواد، كما يمكن أن نضيف أيضا نقص الكفاءة والفعالية البيداغوجية المرجوة، بسبب سوء التوظيف وغياب التكوين والتكوين المستمر للمدرسين ورجال الإدارة . ولاغرو أن وزارة التربية الوطنية بدأت توظيف مجموعة من المدرسين بالتعاقد وبدون تأهيلهم وتكوينهم تأهيلا بيداغوجيا وديداكتيكيا، أو قد تكونهم تكوينا سريعا لا يحقق النجاعة الحقيقية ولا يعطي الثمار المرجو، داخل القسم الصفي.

ويمكن الإشارة أيضا، إلى الخصاص المهول على مستوى الأطر الإدارية خاصة في التعليم الإعدادي والتأهيلي، وإثقال كاهلها بأعباء إضافية، فضلا عن عدم تمكنها من وسائل العمل الإدارية والتربوية الكافية، ولا ننسى كذلك، الوضعية المتدهورة لبعض الفضاءات التربوية والتعليمية على مستوى البنيات والتجهيزات وكذا عدم قدرة مجموعة من المؤسسات على استيعاب العدد الهائل من المتمدرسين والذين يتزايدون كل سنة .

ومن الأسباب الأخرى كذلك، هو تراجع صورة ووظيفة المدرسة العمومية لدى المجتمع المغربي، بشكل عام من منظور جدوى التمدرس وبالأحرى التخرج في ظل تراجع قيمة الشهادة المحصل عليها وعدم مواكبتها لما يستجد في سوق الشغب وبطالة الخرجين.

وعلى هذا الأساس، يمكن اعتبار الفشل الدراسي وتراجع المستوى المعرفي للمتعلمين ظاهرة بنيوية مركبة، ومستفحلة بشكل مخيف في المغرب، غير أن محاربتها والحد منها ليس بالمهمة المستحيلة والمعقدة، وإنما يمكن تجاوزها إذا توفرت الإرادة السياسية والحقيقية للإصلاح أولا، ثم إنجاز رافعات تعد  بنتائج ملموسة وفق مقاربات تشاركية للمتدخلين في الشأن التعليمي والتفعيل الناجح لمبادرات التجديد في التعليم الابتدائي على المدى القريب، مع اعتماد برامج تشجيعية لتعبئة وتحسيس الأسر بخطورة الانقطاع عن الدراسة في سن مبكرة وتقوية دور (مدرسة الفرصة الثانية) في إعادة إدماج المنقطعين والمفصولين أو إعدادهم للمنهاج السيوسيو مهني، ثم وضع آليات جديدة لبعث وإحياء المناهج والكتب المدرسية وتوحيدها وتقليص مواد التدريس في الطور الابتدائي وتعزيز القدرات التعليمية في اللغات العربية واللغات الأجنبية والرياضيات.

ومن هذا كله، واستدراكا للتعثرات الحاصلة والمستقبلية، ومن أجل تحقيق الأهداف المنشودة وتنفيذ هذه الخطوات العملية المقترحة، وجب على الدولة توفير المستلزمات الميسرة للتربية والتكوين المادية منها والمالية وتفعيل مراقبتها في إطار ربط المسؤولية بالمحاسبة وبذلك تكون خطوة مهمة نحو النجاح.

 

بقلم : الدكتور الوارث الحسن / المغرب

باحث تربوي حاصل على الدكتوراه

 

 

ميثم الجنابيالقضية الكردية- أفق مغلق وبدائل محتملة(4)

إن دراما الانفصال والتجزئة والانغلاق في الأحزاب السياسية وبرامجها لم تكن صفات مميزة للأحزاب الشيعية السياسية والقومية الكردية، بل مست الجميع دون استثناء. غير أن البحث هنا سوف يكون مخصصا لهذين النوعين من الأحزاب بسبب نموذجية التحول فيهما بهذا الصدد. وهو تحول راديكالي صنعته شراسة الطائفية السياسية وهمجية القمع القومي المعجونة بالانحطاط الشامل في مؤسسات الدولة والمجتمع المدني والخروج على ابسط مقومات الوطنية من جانب السلطة الصدامية، أي كل ما أدى إلى صعود نفسية وفكرة الرجوع إلى «المصادر الأولية». وهو رجوع اتخذ في حالة الأكراد ما يمكن دعوته بدراما «الانفصال القومي».

فقد اتخذت نفسية وفكرة الرجوع إلى «المصادر الأولية» عند الأكراد بحكم الضرورة طابع النزوع العرقي، وذلك بسبب الضعف التاريخي والذاتي للأكراد وبدائية الفكرة الكردية. وذلك لأن "القومية الكردية" هي "قومية" بحكم الإمكانية وليس الواقع. وهي إمكانية مقطوعة بسبب خلوها من تاريخ الدولة ومنظومة الثقافة التاريخية. مما جعلها على الدوام أقرب إلى المعشر والقوم منها إلى قومية ودولة.

إن تعميم حصيلة التجربة السياسية للأحزاب القومية الكردية بهذا الصدد تشير إلى أنها مرت بأربع مراحل وهي:

- الأولى ترافقت مع نتائج عاصفة الصحراء(1991- 1992)،

- والثانية تشكيل إقليم تحت المراقبة (أمريكي بريطاني تركي) (1992- 2003)،

- والثالثة بعد سقوط الصدامية (2003)،

- والرابعة في ما يسمى بالاستفتاء على الانفصال عام 2017

ويمكن ملاحظة التغيير النوعي في سلوكها الخارجي والداخلي من خلال تبدل القوة المؤثرة في سياسة الأحزاب القومية الكردية. بمعنى الانتقال من تأثير العامل الإيراني إلى الأمريكي البريطاني التركي، وأخيرا إلى الأمريكي العراقي. وهو تحول كان يعمل في اتجاهين خاص (قومي كردي) وعام (عراقي)، أو داخلي (كردي) وخارجي (عراقي)، لعل فكرة الفيدرالية العرقية وليست حتى القومية هي احد مظاهرها اللاحقة.

فقد تراكمت في دراما «الانفصال» نوعية خاصة من الانفصام الوطني في الوعي السياسي القومي الكردي. وهو تراكم تدريجي في الزمن، راديكالي في النوعية، أي منذ عام 1992 حتى 2002. وهي الفترة التي تشكل مرحلة انحطاط الدولة العراقية بوتيرة سريعة وتعرضها إلى تدخل وضغوط خارجية شديدة. وشكلت هذه الحالة المرتع الذي عاشت عليه ونمت النزعة العرقية الكردية كشكل من أشكال التعويض عن المهانة التي تعرضوا إليها من جانب الدكتاتورية الصدامية.

لكننا حالما نحلل طبيعة ومسار هذا التحول بمعايير الرؤية العلمية، فإننا نتوصل إلى انه لم يكن مجرد رد فعل على السياسة الصدامية، بل ونتاجا مترسبا في قاع الفكرة القومية الكردية غير العميق. بمعنى أن ضعف وهشاشة الفكرة القومية الكردية وطبيعة البنية التقليدية (الجبلية والقبلية) والضعف الثقافي التاريخي هو المصدر الأساسي لهذا التحول. وهو أمر برز بوضوح بعد فترة قصيرة من «الاستقلال» بأثر تراكم الصراعات الداخلية الكردية – الكردية. رغم أن هذا "الاستقلال" كان محكوما بحماية قوى عسكرية خارجية (أمريكية بريطانية) وممولا من دكتاتورية داخلية (عراقية)!! ويمكن فهم هذا التمازج بمقاييس الابتذال الحزبي باعتباره «تكتيكا سياسيا». غير أن التكتيك السياسي مهما كان محسوبا بتوازن القوى من الناحية العملية، لا يمكنه أن يصنع في حال خضوعه لابتزاز الدينار والدرهم وقوى الاحتلال شيئا غير نفسية وذهنية المؤامرة والمغامرة. انه يتحول مع مجرى الزمن إلى مراوغة حزبية. أما في مجال «الصراع القومي»، فإنه لا يؤدي إلا إلى ابتذال الفكرة القومية التحررية نفسها.

وشكلت «الاتفاقية» الموقعة بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني في واشنطن في السابع عشر من أيلول عام 1998 نموذجا لهذا الابتذال الكلاسيكي. ففيها نقرأ في أول فقرة من «الاتفاقية» شكر الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني الوزيرة أولبرايت وكذلك الحكومة الأمريكية لتحقيقها سلسلة من اللقاءات الودية والناجحة خلال أيام في واشنطن!! ويعكس هذا الشكر واقع انعزال الأحزاب القومية الكردية. فمن الناحية الجغرافية لا يعزل احدهما عن الآخر سوى جبال قليلة. أما في معناه الرمزي فقد كان الذهاب إلى واشنطن يعكس حقيقة المسافة الفعلية بالمعنى الجغرافي والغاية. ولا يمكن للرؤية الحزبية أن تجعل هذه الغاية قادرة على الارتقاء إلى مصاف الرؤية الوطنية العراقية. لهذا أصبح الذهاب إلى واشنطن الطريق الأقرب للرجوع إلى «كردستان»! إذ يفتقد هذا الرجوع الجغرافي إلى الأبعاد القومية والاجتماعية السليمة. ونعثر على هذه النتيجة في «الوثيقة» نفسها. ففيها نقرأ شكر الحزبين للولايات المتحدة وقيادتها على مساعدتهم في اجتماعهما من اجل «دعم آلية عمل للتعامل المستقبلي»!! بل يجري وصف نتائج اللقاء بكلمة «عظيمة»، وذلك لأنه استطاع أن يعمل من اجل «إنهاء النزاع بشكل تام ودائم» بين الحزبين. وهو إنهاء يمكن فهم حوافزه الداخلية على انه مرهون بتدخل القوى الخارجية. بمعنى انه ليس نتاجا لوعي ذاتي، ومن ثم لا قومية فيه.

كما يمكن رؤية هذه النتيجة بوضوح في حدة الموقف المعادي للحركات الكردية التحررية في تركيا وغيرها من مناطق انتشار الأكراد. كما نراه في الفقرات التي تتكلم عن «منع الإرهاب وذلك بتوفير حماية أقوى للحدود العراقية». ولعل الاتفاق على ما يسمى بمهمات المرحلة الانتقالية تصب في هذا الاتجاه. كما نراها في البنود المتعلقة بالمحافظة على الحدود التركية والإيرانية، والقيام بإجراءات معقولة للسيطرة على مراقبة تدفق الأشخاص عبر هذه الحدود ومنع تحركات الإرهابيين. كما يجري تحريم وتجريم حزب العمال الكردستاني ومحاربة «أي ملاذ له داخل إقليم كردستان العراق»، كما يجري التعهد بضمانة «عدم وجود أي قواعد لهذا الحزب داخل هذه المناطق، وسوف يمنعونه من زعزعة الاستقرار والإخلال بالأمن أو استعمال القوة عبر الحدود التركية».

ولم يكن مضمون هذه العبارات محكوما بأولوية الرؤية الوطنية العراقية، بقدر ما أنها تشير إلى الاستعداد الفعلي للحفاظ على المصالح الضيقة الخاصة. وإلا فمن الصعب فهم أو تبرير كلمة «الكردستاني» بوصفها الكلمة الجوهرية في أسماء الحزبين!! أما الاستمرار اللاحق لهذه الرؤية الحزبية فقد شق لنفسه الطريق أيضا إلى الموقف من قضايا العراق والقوى العراقية. وفي حصيلتها كانت النتاج غير المرئي في بداية الأمر لضعف الرؤية السياسية الاجتماعية وغلبة فكرة ونفسية الغنيمة. وفيها تنعكس أمزجة الرؤية الحزبية التي تتعامل مع إشكاليات أكراد العراق بنفسية وذهنية الرهينة، أي لا أبعاد اجتماعية حقيقة فيها. من هنا الاهتمام المفرط بفكرة الوساطة والوصاية الأجنبية.

ففي الجزء المتعلق بما أسمته «اللقاءات المستقبلية بين القيادات» تجري الإشارة في الفقرة الثانية منه إلى رغبة الحزبين في أن يكون «أول لقاء في أنقرة واللقاء اللاحق في لندن»! كما توضع ضمن مهمات «هيئة التنسيق العليا» حق طلب «وساطات عالمية» وليس وساطة واحدة! ولا تعني نفسية الائتمان والثقة بالوساطة الخارجية بالنسبة لقوة «قومية تحررية» في بداية معتركها سوى هوة التجزئة العميقة وانعدام الثقة التي ترتقي إلى مصاف الغريزة الحيوانية. ومن الممكن العثور على هذه النفسية في مظهر وباطن اغلب البنود الأساسية للوثيقة. ففي الموقف من الانتخابات لا نعثر من حيث الجوهر على فكرة الديمقراطية والحقوق، التي سوف يجري المتاجرة الرخيصة بها في وقت لاحق، وبالأخص بعد سقوط السلطة الصدامية. إذ ليست البنود المطالبة «بإجراء انتخابات حرة ونزيهة لبرلمان إقليمي جديد» و«الاعتماد على أدق المعلومات الإحصائية المتوفرة حول تعداد السكان للمحافظات الشمالية الثلاث وتوزيع القوميات والمذاهب». و«العمل مع هيئات دولية، بأجراء إحصائية وذلك لتهيئة التسجيل الانتخابي»، سوى الوجه الفعلي على نفسية التجزئة وعدم الثقة والشك وانتشار التزييف والتزوير في الإحصاء والمواقف. وسوف تبرز هذه الممارسة من جديد بعد ظهور أول إمكانية للاندماج الوطني بالعراق بعد فترة «الاستقلال»، التي لم تصنع في هذا المجال سوى نفسية وذهنية التجزئة والانعزال وعدم الثقة. ولعل عبارة معرفة تعداد سكان المحافظات الشمالية الثلاث على أساس «توزيع القوميات والمذاهب» هي الصيغة الأولية المبطنة التي ستكشف عن مضمونها السياسي بعد عام 2003. كما أن التجزئة في المواقف والنيات مازالت عميقة لحد الآن في كل شيء، بما في ذلك تجاه مهمة ما دعته الوثيقة بتوحيد وحدات الميليشيا (البشمركة). وهي نفس الممارسة التي سنراها لاحقا. بمعنى بقاء الميليشيات مجزأة على أساس حزبي، في حين يجري رفعها الآن إلى مصاف «الجيش»!!(يتبع....)

 

ميثم الجنابي

 

 

عبد الله الفيفيقال (زيد بن عُبيد):

- نحن في كثيرٍ من أمورنا بين مُقيَّدٍ داخل موروثات اجتماعيَّة، ومنبتٍّ، مُقيَّدٍ خارج موروثاته الاجتماعيَّة، أو مُقيَّدٍ داخل موروثات اجتماعيَّة أخرى، غربيَّة، بطبيعة الحال. ذلك أن الموروث الأصيل، السليم، هو هُويَّةٌ وشخصيَّةٌ إنسانيَّة، ينبغي أن نأخذ منه ونَدَع، ونُدَوِّر ونُطَوِّر، لا أن نرميه وراء ظهورنا بدعوَى المعاصرة، وما هي إلَّا تقليدٌ سعدانيٌّ، واعتناقٌ لموروثٍ بديل.

فأجابه (عُبيد بن زيد):

- صدقتَ، وإنْ بالغتَ أحيانًا متحمِّسًا في صدقك.  ومِن هؤلاء مَن قد لا يتورَّع عن جرح مشاعر الناس في معتقداتهم وخياراتهم وحرِّيَّاتهم الشخصيَّة، بألوان السُّخريَّة والاستفزاز، منفِّسًا عمَّا يُكِنُّ صدره، لا لشيءٍ إلَّا لأنهم يختلفون معه في التوجُّه والرأي!

- في الوقت الذي ينادي فيه- زورًا وبهتانًا- بالحُريَّة!

- إنَّما يقصد هؤلاء حُريَّتهم هم! حُريَّة لا تستحقُّ لديهم هذا الاسم إلَّا حينما تخدم ميولاتهم وتوجُّهاتهم. وتلك في حقيقتها دعوةٌ مؤدلجةٌ إلى الحُريَّة، لا تحتمل الحُريَّة الحقيقيَّة، وليست مؤهَّلة لمسؤوليَّاتها الحضاريَّة؛ بدليل ما يتميَّز به خطاب أعلامهم من تشنُّج، وإقصاء لمخالفيهم، وتنقُّص لهم، واعتقادٍ أنهم هم وحدهم قد اعتقلوا الحقيقة المطلقة تحت أُهبهم، ساعين إلى فرض نمطٍ معيَّن من الحياة والتفكير، مدَّعين أنه هو سبيل النجاة الأمثل الذي يَجُبُّ ما عداه.

- وهنا نقف على تطرُّفٍ يشكو من تطرُّف، وأصوليَّةٍ تناضل لدحر أصوليَّة، وعصبيَّةٍ تجأر في وجه عصبيَّة، لا تني في مناوأة من تشتمُّ منه انحرافًا عن الخطِّ الذي تسير عليه. متَّخذةً في سبيل ذلك وسائل العنف اللغويِّ والمعنويِّ كافَّة، وأساليب الإرهاب الفكريِّ والدعائيِّ بشتَّى تقنياته. والسبب، ببساطة، أن هؤلاء، كسائر الأطراف الثقافيَّة، أبناء ثقافةٍ واحدةٍ، لا تؤمن بالتعدُّد، ولا بالتعايش؛ لأنها ليست ثقافةً في الأساس، بما تعنيه الثقافة من تنوُّعٍ وحِوارٍ وقبولٍ بأطياف وطوائف أخرى، وإنَّما هي عقيدة.

- إنْ لم تكن معها، فلا شكَّ أنك مصنفٌ ضِدَّها، ومن ثمَّ فأنت عدوٌّ، تتربَّص بك الدوائر!

- صحيح.  وفي هذه الحالة يُصبِح أيُّ حِوارٍ أو نقاشٍ مع مَن شَبَّ على هذه العقليَّة مضيعة وقت، وإهدار جهد، وبلبلة عقل، وإيذاء نفس؛ لأنك داخلٌ حينئذٍ في معركة أحزاب، ومقحمٌ ذاتك في مواجهاتٍ جاهليَّه، مع مَن لا يتعامل إلَّا بعقيدة: "يا قاتل يا مقتول"!

- إنك في الوقتِ الذي تؤمن فيه بحقوق المرأة، على سبيل المثال، وبحقِّها الشرعيِّ والقانونيِّ في أن تنال مكانتها المناسبة في مجتمعها، تُصدَم بمَن يصوِّر الأمر بهذه السذاجة: "المرأة لن تنال حقَّها إلَّا إذا التصقت بالرجل، ولم تتلفَّع بأخلاقها"!

- هكذا.. بهذه المعادلة؟!

- هكذا.. بهذه المعادلة "القماشيَّة"، صدِّق أو لا تُصدِّق!

- الحجاب- بضروبه المتباينة- مسألة حُريَّةٍ شخصيَّة، بالبداهة، بكلِّ مقاييس العقل والعدل والحُريَّة.

- هذا رأيك أنت. لكنه، قبل ذلك، ليس باختراعٍ إسلاميٍّ، كما يصوِّره بعضٌ، بل هو تقليدٌ قديمٌ في المجتمعات البشريَّة، توحيديَّة وغير توحيديَّة.

- كيف؟

- كان يُعرَف- مثلًا- في (بلاد الشَّام)، قبل الميلاد بقرون، ويسمُّونه، حسب اللغة الأكديَّة: «كتموم». وهو تعبيرٌ شبيهٌ بكلمة "حجاب" في العربيَّة؛ إذ كان لا يجوز للمرأة المتزوِّجة أن تَخرُج من بيتها دون أن تضع الـ(كتموم) على رأسها، فتُغطِّيه.(1)

- حُلوة "كتموم" هذه!

- وفي الثقافة الإسلاميَّة اختُلِف في حدوده وموجباته، بل اختلفت البلدان الإسلاميَّة في أنماطه، بحسب البيئات والظروف.  ومن الجليِّ اليوم أننا أمام ذوقٍ غربيٍّ صِرف، يتبنَّاه خطابٌ، معتقدًا- أو مغالطًا- أنه هو الكفيل بتغيير عقل المرأة العربيَّة، وكأنها ما أن تكشف عن جمجمتها- بحسب التفكير النِّسوي القماشي- حتى تتنزَّل عليها أنوار العقل وإيحاءات المعاصرة! كأنْ ليس هناك أمام المرأة إلَّا ذلك، وإلَّا فهي متخلِّفة لدَى هؤلاء، مهما حملتْ من شهادة وأنجزت من إنجازات.

- عند هذا الفِكر الذي يربط مكانة المرأة الحضاريَّة بمقدار ما ينكشف من جسدها، ويجعل ذلك هو المعيار الأوَّل والمقوِّم الأهم، يَبين أن الهدف ليس بالمرأة ولا عقلها ولا حقوقها. إنَّ الأمر لا يعدو صورةً اجتماعيَّة، قد تكون لها مسوِّغاتها النفسيَّة والاجتماعيَّة، لكنها لا تؤدِّي إلى الهدف المدَّعَى وليست شرطًا للوصول إليه. وتتمثَّل تلك الصورة في أن يصبح نسيج المجتمع، ونُظمه السلوكيَّة، وأعرافه وترتيباته، نسخةً مستنسخةً، وفي مظهرها قبل كلِّ شيء.

- هو ذاك، وإلَّا فلا علاقة بين ما تلبسه المرأة، أو كيفيَّة ما تلبس، أو في أيِّ مكانٍ تجلس، وبين حقيقة دماغها وكيف يعمل، ولا بما يمكن أن تحوزه من مكانة اجتماعيَّة ووطنيَّة وعالميَّة. ولأن الأمر كذلك ما سمعنا قط أحدًا يُلقِي بتبعة تخلُّف العرب على الطاقية والغترة والعقال، أو الثياب والمشالح، وغيرها من أزياء الرجال المتراكمة، مع أنها تغطِّي الجسم والرأس، وربما تُخفي أجزاء من الوجه أكثر أحيانًا ممَّا تفعله بعض طرائق الحجاب!

 

أ. د. عبدالله بن أحمد الفَيفي

.......................

(1)  انظر: عبدالله، فيصل، "المرأة في مملكة حَـلَب (يمحاض) في القرن الثامن عشر قبل الميلاد"، مجلَّة دراسات تاريخيَّة، العدد 17، دمشق، ص111.

 

محمد عرفات حجازيمع ازدياد الفضائيات الخاصة بالأطفال، في وقتنا الراهن، تغلغلت شخصيات أفلام الكرتون في أطعمة الأطفال وألبستهم وألعابهم... ودخولها ليس مجرد رسوم مُلوّنة، بل بما تحتويه من قيم ومفاهيم وأدوار درامية تحملها هذه المسلسلات. وعلى هذا الأساس، تلعب الرسوم المتحركة دورًا هامًا في مرحلة الطفولة ومفاهيم التربية، بما لها من آثار إيجابية (الآثار اللغوية ـ تنمية الحسّ الجمالي ـ حبّ الاطلاع ـ وتعزيز القيم...)، وآثار سلبية في (الأخلاق ـ الهويّة ـ العقيدة ـ الفطرة ـ هدم القيم...).

بالتأكيد، أنت واحد من ملايين العشاق لسلسلة الأفلام الكرتونية الكوميدية الشهيرة (توم وجيري)، تلك السلسلة التي أضحكت الملايين، إن لم يكن المليارات في مختلف بقاع الأرض.

بدأ إنتاج تلك السلسلة في بداية عام 1940م إلى سنة 1967م، في أمريكا، وفازت بسبع جوائز أوسكار كأفضل فيلم رسوم متحركة قصير، لتصبح من أشهر البرامج الكرتونية، وهي من تأليف وإخراج وليام هانا وجوزيف باربيرا.

يُظهر المسلسل الصراع بين القطّ (توم ـ الحارس الشرعي للمنزل)، وبين الفأر (جيري ـ اللّص الدخيل)، ويتناول موضوع الحلقات ـ في أغلبها ـ محاولة توم الإمساك بجيري، كوليمة له، لكن جيري ينجح في الفرار في كل مرة، إما لسرعته وصغر حجمه، أو مراوغته وحيله الذكية في الفرار من قبضة توم. وخلال ذلك، غالبًا ما يقع توم في مأزق ويصطدم أحيانًا بالكلب (سبايك ـ حارس الحديقة)، أو يقوم بكسر أثاث المنزل وأدوات المطبخ، ليصطدم بصاحبة المنزل.

ويكمن سبب مُطاردة توم لجيري، غالبًا، لمحاولة الأخير إفساد منزل سيدة القط، والتهام طعامها الذي تأتمن عليه توم. ويقوم جيري، بمحاولات أخرى لاستفزاز توم، مثل إنقاذه للفرائس التي يحاول توم أكلها، مثل البطة الصغيرة، والسمكة الذهبية، وعصفور الكناري، أو العمل على الوقيعة بينه وبين الكلب، أو القط المتشرد بجوار صناديق القمامة... ورغم قيام توم ببعض الحِيَل، أحيانًا، للإمساك بجيري، إلا أنّه نادرًا ما يستطيع الإمساك بجيري؛ لمهارة الأخير، أو لمكره وذكائه. وفي أحيان كثيرة، يكون الحظّ هو العامل الأساسي في فرار جيري.

وتبدو العلاقة بينهما كعلاقة حبّ للمضايقة والاستفزاز أكثر من الرغبة في التخلّص من الآخر، ومع ذلك، كما ترى، أحيانًا، يجمعهما الاهتمام والعناية ببعضهما في بعض اللقطات، بل وأحيانًا أخرى، يتحدا معًا ضد صاحبة المنزل للحصول على محتويات الثلاجة.

وما لا يعرفه البعض، أنّ آخر حلقة لتوم وجيري تنتهي بإقدامهما على الانتحار. والمُفارقة، أنّ أفلام توم وجيري لم تتوقف عند هذا الحدّ، بل تمّ إنتاج مجموعة أخرى في بداية عام 1990م باسم Tom& Jerry Kids Show، أو أبناء توم وجيري، والتي يتوارث فيها الأبناء صراع الآباء.

وعلى مدار ساعات مشاهدتك، تجذبك الموسيقى التي تلعب دورًا كبيرًا في الحلقات، من خلال إضفاء الإثارة والأحاسيس، وهي توليفة من موسيقى الجاز، والبوب، والموسيقى الكلاسيكية. والتي عزّزت غياب الحوار بين توم وجيري؛ إذ نادرًا ما يتكلمان، وعوضًا عن ذلك، يستخدمان الضحكات، وتسمع أصوات الفزع المصنوعة بآلات موسيقية.

ويحتوي المسلسل على العديد من المشاهد العنيفة؛ إذ استخدم توم وجيري في صراعهما العديد من الأسلحة، كالعصا، والسكاكين، والطلقات النارية، والديناميت.. وبرغم شعبية المسلسل، إلا أنّه يُوصف بالعُنف المُفرط، لكن المدافعين عنه يذكرون بأنّه لا توجد دماء أو طعنات في أي مشهد من المشاهد. ولم تجد ـ مثلًا ـ الرقابة الفنية في بريطانيا غضاضة من كل تلك المشاهد، ولكنها طالبت، في الآونة الأخيرة، بحذف مشاهد التدخين من تلك الأفلام، بحجّة ما ينتج عنها من ضرر على الأطفال.

وكما رأينا، تقوم شخصية توم على أساس أنّه حاد الطباع، ومُرفّه للغاية؛ أما جيري، فهو انتهازي، ويعتمد على ذاته، بالإضافة إلى امتلاكه قوة كبيرة مُقارنةً بجسمه الصغير، ويملك ذكاءً حادًا، مما يعطيه ميزةً كبيرةً على توم. وبرغم انتهاء معظم الحلقات بفوز جيري، إلا أنّه في حلقات أخرى تكون النتيجة مُغايرة تمامًا ويفوز توم، وأحيانًا تكون النتيجة خسارة الاثنين معًا أو تصالحهما.

أما الكلب سبايك، فيأتي في بعض الحلقات كارهًا توم بسبب مطاردته لجيري، ونادرًا ما لعب دور الوسيط بينهما.

والآن، دعني أسألك: ألا تعتقد أن اسم توم وجيري أصبح مرادفًا للمشاكل والمُلاحقات بين الأطفال مثلًا، فأصبحنا نُشبهّهما بالقطّ والفأر؟، وهل تأثر أحد أفراد أسرتك بتلك المشاهد العنيفة، وحاول استخدام آلة حادة، مثلًا، في شجاره مع قرينه؟، ألم تسأل نفسك، ومن قبل، ألم يسألك أطفالك: لماذا توم وجيري لا يرتديان الملابس إلا أثناء ذهابهما للمصيف؟، وهل أخبروك عن حُبّهم المُفرط لجيري (رغم كونه لّص) وبُغضهم لتوم (الحارس الشرعي) الشرير؟. وفي مشهد الحساب الأخروي، طلب توم من جيري التوقيع على وثيقة المُسامحة، ولكن، مَن يطلب السماح من الآخر: صاحب الأرض، أم اللّص؟، ومن جهة واقعية عربية: ألا تجد وجهًا للشبه بين توم وجيري، وما يحدث من اليهود في فلسطين؟، ألم تُصوّر لنا كافة وسائل الإعلام، في أغلب موادها، أنّ اليهود إنما يعتقلون الفلسطينيين، بل ويطلقون عليهم الرصاص، نظير هجوم الأخيرين عليهم، ورشقهم بالحجارة؟، حتى اقتنع البعض بإمكانية التواجد اليهودي مع الفلسطينيين في سلام، شريطة عدم اعتداء الأخير على الأول!

ومن منظور فلسفي، فقد عبّر الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه (1844ـ 1900م)، في العديد من مؤلفاته، عن صراع القيم وقلبها على يد اليهود؛ إذ رأى أن أخلاق السادة، النابعة من قوة الشخصية، كانت صاحبة السيادة قديمًا، وبخاصةٍ عند الرومان. أما أخلاق العبيد، الضعفاء، فقد جاءت موجتها مِن آسيا، ومِن اليهود بصفةٍ خاصة أثناء خضوعهم السياسي؛ لأنّ الخضوع يولّد الضّعة. وقد رأى نيتشه أنّ الإنسانية قد بلغت آخر مراحل التدهور حينما مجّدت الرحمة والتضحية، عن ضعف، والتي تمثّلت في قِيم المسيحية. وقد لخّص التاريخ بذلك، الصراع بين قِيم السادة، وقِيم العبيد، والذي اتّضح مِن خلاله انقلاب القِيم، فأصبح الخير شرًّا، والعكس بالعكس. وهذا هو جدل الصراع عند نيتشه: صراع ثنائيّ بين قِيم مُتناقضة ورغبات مُتفاوتة.

ومن جهة واقعية عصرية، ألم تنقلب أغلب القيم في حياتنا اليومية؟، أوـ لم يتحول الكذب إلى ذكاء؛ والطيبة إلى غباء وعبط؛ والعدل إلى ضعف؛ والتواضع إلى ذلّة؛ والتكبّر إلى وجاهة؛ والوقاحة إلى شجاعة؛ والأدب إلى سذاجة؛ والصدق إلى حماقة؟!

وختامًا نقول: لقد تمّ تصوير بعض الموضوعات، في شتى مجالات الحياة، بأسلوب يُضفي على السلوك المُنحرف هالة من البطولة والذكاء والشجاعة، أو تقديمه على أنّه ضحية ـ كما تمّ في توم وجيري ـ مما عمل على تغيير الاتجاهات، ومن ثمّ القيم، نحو هذا السلوك. وعليه، نقترح ضرورة تشجيع صناعة الكرتون العربية؛ وتوسيع دائرة إعلام الطفل؛ وترشيد أوقات بثّ برامج الأطفال؛ إلى جانب إحداث مراكز دراسات تنمية الطفل..

 

محمد عرفات حجازي

باحث في الفلسفة والأخلاق التطبيقية ـ مصر

 

فلسفةُ السُّلوك الاجتماعي ليست ظاهرةً مَصلحية مَحصورة في الأُطُر المادية، والسلوكُ الاجتماعي ليس فِعلًا روتينيًّا يوميًّا عابرًا، لأن أفعال الإنسان تنبع من قناعاته الداخلية والقيمِ الفكرية الرمزية المُسيطرة على مشاعره . وبعبارة أُخرى، إن أفعال الإنسان _ مهما بَدَت سطحية وساذجة وظاهرية وعَرَضِيَّة _ تنطلق من جوهر رمزي مركزي في داخل الإنسان، وهذا هو المنبع الفكري الذي يُسيطر على روافد السُّلوك الاجتماعي، ويتحكَّم فيها، كَمًّا ونَوْعًا، رُوحًا ومادةً. وكما أن فَلَتَات اللسان البسيطة تَكشف _ في الغالب الأعَم _ عن مُحتويات القلب، كذلك الأفعال الإنسانية البسيطة تكشف عن أنساق ثقافة المجتمع، وطبيعةِ النظام الاجتماعي المُسيطر على القيم الفردية والجماعية . والإنسانُ أوَّلًا وأخيرًا هو ابن بيئته، ونتاج عَصْره .

2

لا يُمكن إنكار تأثير العقل الجَمْعي في ثقافة الفرد ومبادئه وقناعاته، ولا يُمكن تجاهُل الإحساس الإنساني بإفرازات الشُّعور العام في المجتمع. وهاتان المُسَلَّمَتَان تُجسِّدان الأساسَ الفلسفي لمنظومة الوَعْي والوَعْي المُضاد. ومهما كان الإنسانُ قويًّا، لا يَستطيع الإفلات مِن سَطوة المكان (بمعنى الذِّكريات المُتمركزة في الذهن، وليس التضاريس الجُغرافية)، كما أنه لا يَستطيع الخُروج مِن جِلْده، والقفز في الفراغ، تمامًا كالسَّمكة التي لا تَستطيع الخُروج مِن البحر، والقفز على اليابسة. وهذه البُنية الإنسانية المحصورة في إطار الزمان وحَيِّز المكان،تُنشِئ وَعْيًا خاصًّا بها، يتماهى مع ذاتية الإنسان كبُنية اعتبارية مُستقلة نسبيًّا، ويندمج مع مصالحه الشخصية ضمن التيار العام في المجتمع . وفي نفْس الوقت، يَنشأ وَعْي مُضاد ناتج عَن العقبات الاجتماعية في طريق الإبداع الشخصي للإنسان. وهذا الوَعْيَان الجُزئي (الفردي) والكُلِّي (الجماعي) سَيَصطدمان عندما تتناقض مصلحةُ الفرد معَ مصلحة الجماعة، وتُصبح الحُرِّيةُ الفردية تهديدًا لوُجود المجتمع. وبالتأكيد، لا تُوجد حُرِّية مُطْلَقة في الأنساق الاجتماعية، ولا يُمكن ترك الحبل على الغارب . والحُرِّيةُ المُطْلَقة هي الفَوضى الشاملة. وهذا الأمر يَدفع باتجاه بناء حُرِّية الإنسان النِّسبية على قاعدة العمل الجماعي لتحرير المجتمع مِن الأمراض الروحية، والخَوفِ مِن المُستقبل، وتَطهيرِ الفكر الاجتماعي مِن الاتِّكالية، والسَّلبية، وجَلْد الذات، وانتظار الخَلاص والحُلولِ السِّحرية، والبحثِ العبثي عن مُجتمع مثالي. وإذا أدركَ الإنسانُ أن حُرِّيته الحقيقية تعني أن يَبدأ فَوْرًا بإصلاح نفْسه، ويَقتلع شَوْكَه بيده، ولا يضع أخطاءه على الآخرين، ولا ينتظر مجيء أحد ليُساعده، فإن المُجتمعُ _ عِندئذ _ سيُصبح مُتَقَدِّمًا، بدون صِدام بين وَعْي الفرد ووَعْي الجماعة، وبدون نزاع بين الحُلم الجُزئي والمصلحة الكُلِّية . ولا يُمكن للإنسان أن يَحصل على حُجرة هادئة ومُريحة في سفينة تغرق، وهذا يعني وُجوب تحويل الحُلم الإنساني إلى مشروع للنهضة الجماعية. ومِن غَير المَعقول حُصول صِدام بين الإنسان ومُجتمعه، إذا تَكَرَّسَت النَّهضةُ كحُلم جماعي يُوازن بين الرُّوح والمادة، وإذا صارت فلسفةُ السُّلوك الاجتماعي سفينةَ نجاةٍ تتَّسع للجميع، لأنه عندئذ لن يخاف الإنسانُ مِن المجتمع، ولن يَشُكَّ المجتمعُ في الإنسان، وهذا يعني الوصول إلى حالة السلام الرُّوحي، والسِّلْم الاجتماعي، والمُصالحة الداخلية، ولن يخاف البَحَّارَةُ مِن بعضهم البعض، ولن يُوجِّهوا جُهودهم لتدمير أنفسهم، وإغراق السفينة، لأنهم أمام خطر واحد يُهدِّد حياتهم جميعًا، وهو مَوج البحر . وإذا تَكَرَّسَ الخَطَرُ كتهديد وُجودي شامل وعام، اتَّحدت الجُهودُ لمُواجهته، والتَّصَدِّي له .

3

إن كَينونة السُّلوك الاجتماعي نتاج لتفاعُل الفكر الإنساني مع الجَوْهَر (حقيقة الوُجود). والوُجودُ الإنساني لا يتم تحليله إلا مِن خلال خصائص الثقافة الاجتماعية ورُموزِ الظواهر العقلية . وإذا تَمَكَّنَ المجتمعُ مِن التفريق بين الخصائص والرموز في أنساقه، وصناعة توازُن منطقي بين الفاعلية الذهنية والدافعية الواقعية، ومعرفة الحدود الفاصلة بين العناصر الوجدانية والتراكيب العملية، استطاعَ النُّهوضَ، والانطلاق إلى الأمام . وعمليةُ النهضة لا معنى لها إذا انفصلت عن قيمة الانطلاق، لأن النهضة لَيست مقصودة لذاتها، وأهميتها تتجلَّى في كَوْنها مرحلة أساسية لصناعة الوَعْي بأهمية الانطلاق . وإذا صار الوَعْيُ ثقافةً اجتماعيةً عامَّةً، انطلقَ المجتمع إلى أحلامه، وتَجَاوَزَ حاضرَه، وتَقَدَّمَ إلى المُستقبل، بدون خَوف ولا تردُّد . وكما أن الخَوف يَشُلُّ قُدرةَ الإنسان على التفكير،كذلك يَشُلُّ قُدرةَ المجتمع على الانطلاق واقتحام المُستقبل .

4

لا يَستطيع الإنسانُ أن يَلعب دَور البطولة على خشبة مَسرح الحياة، إلا بعد خُروجه مِن الكواليس وإزاحة السِّتار الفاصل بينه وبين الناس، ومُواجهتهم . وهذه المُوَاجَهَة ضرورية، لأنها تُمثِّل لحظةَ الحقيقة، وتُجسِّد عمليةَ صناعة الحَدَث . وكُل حَدَثٍ منطقي هو نظام مِن العلاقات الفكرية، التي تُشكِّل إيقاعًا اجتماعيًّا واعيًا، يَربط بين القواعد التفسيرية للمعنى الإنساني وطبيعةِ الإنسان بكل تناقضاتها. وقُوَّةُ النظام الاجتماعي لا تتجلَّى في مَنْع تَشَظِّي الأنساق الإنسانية، وإنَّما في السَّيطرة على الشظايا، لأن التَّشَظِّي لا بُد مِنه. وأيضًا، إن المجتمع المُنظَّم ليس الذي يَخلو من عناصر الفوضى، وإنَّما الذي يُسيطر على عناصر الفوضى، ويجد لها مكانًا ضِمن آلِيَّة البناء الاجتماعي رُوحيًّا وماديًّا .

 

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

 

علي اسعد وطفةإن الذي ملأ اللغات محاسناً***جعل الجمالَ وسرّه في الضّاد .

أحمد شوقي

اللغـة اختراع تفرد به الإنسان في مملكة الكائنات الحية، وفي عمق هذا الاختراع تكمن عبقرية الإنسان اللسانية التي مكنته من اختزال الوقائع في رموز وصور وإشارات تتداخل وتتكامل في نظام لغوي بالغ التعقيد. وقـد هيـأت اللغة، بوصفها ظاهرة اجتماعية نفسية بيولوجية، المخاض لولادة فـروع علميـة لسانية، تبحـث في نشأة اللغة وتاريخها وأشكالها وقانونية وجودها. (وطفة، 2011، 289).

يمكننا تعريف علم اللغة (Linguistics) ببساطة بأنه الدراسة العلمية للظواهر اللغوية بحثا في طبيعتها واستكشافا لأنساق تفاعلاتها الداخلية والخارجية. وعلم اللغة يدرس بنية اللغة فيما يتعلق بأصواتها Phonetics, Phonology وبنية كلماتها Morphology وتشكيلات جملها Syntax ودلالاتها ومعانيها Semantics (حجازي،1997،17).. واستطاع رواد هذا العلم أن يطوروا البحث العلمي في هذا المضمار، وأن يؤسسوا لمناهج علمية جديدة تتناسب مع القضايا اللسانية والظواهر اللغوية، واستطاعوا في نهاية الأمر ترسيخ منظومة متكاملة من التقاليد العلمية والمناهج البحثية في مختلف مناحي واتجاهات الظاهرة اللغوية.

وفي خضم التطور الذي شهدته الدراسات والأبحاث اللسانية ظهرت فروع علمية لسانية متعددة أبرزها علم اللغة الاجتماعي (Sociolinguistics) الذي يعنى بدراسةِ العلاقة بين اللغة والمجتمع بوصفها ظاهرة اجتماعية. ويندرج تحت هذا العلم فروع أخرى كعلم اللهجات (Dialectology)، و التخطيط اللغوي (Language Planning)، والتحول اللغوي (Language Shift)، والموت اللغوي (Language Death).

ويعود إلى دوركهايم Durkheim فضـل السـبق في النظر إلى اللغة في جوانبها الاجتماعية، ويتبـدى ذلـك حين يقرر منذ البداية أن اللغة ظاهرة اجتماعية، أو "شيء اجتماعي" بالدرجة الأولى (Grawitz, 1984, 314). وتجد رؤية دوركهايم هذه تعزيزا لها في أفكـار جـون ديـوي Dewey الـذي ينظـر إلى اللغة بوصفها نمطا من السلوك الاجتماعي. هذا ويجمع كل من دوركهايم وديوي وساسور Saussure على أهمية العلاقة التي تربط بيـن اللغة والحياة الاجتماعية، كما يجمعون على أهمية الشروط الاجتماعية للغة بوصفهـا الإطار الموضـوعي لنمـو اللغة وتطورها وتباينها بتباين المجتمعات الإنسانية. وتأسيسا على هذا التصور يعلن كثير من الباحثين والدارسين أن البحث اللغوي في مجال المجتمع يمكن من استكشاف معمق لمختلف القضايا الاجتماعية في المجتمع.

واستطاع عالم اللسانيات المعروف إدوار سابير أن يستكشف العلاقة الجوهرية بين اللسانيات والحياة الاجتماعية في دراساته وأبحاثه الأنتروبولوجية المعمقة حول اللغة والمجتمع، فوضع الأسس المنهجية لدراسة العلاقة بين الأنتروبولوجيا واللغة. ويرى سابير في هذا الصدد أن اللغة الأم التي يتكلمها أبناؤها ويفكرون بواسطتها تنظم تجربة المجتمع وتصوغ المعالم الأساسية لوجوده وكينونته الذاتية لأن اللغة – كل لغة - تنطوي على رؤية مميزة وخاصة للعالم، واستطاع ساسور بعبقريته المعهودة أن يكتشف "أن جزءا كبيرا من العالم الحقيقي يوجد بشكل لاشعوري في العادات اللغوية لشعب ما (بركة،2002،84). وفي هذا الاتجاه يقول عالم النفس الأمريكي دينلاب Dunlap: "إنه يمكننا أن نعـرف أشياء كثيرة عن حياة الشعوب والأمم عن طريق دراسة وتحليل اللغات التـي تتكلمهـا" (عبد الواحد،1951،99).

2- في مفهوم اللغة:

جاء في القول في القول المأثور أن " اللغة تفكير منطوق والتفكير بأنه لغة صامة".

ويعرف ابن خلدون اللغة بقوله: «اللغة في المتعارف هي: عبارة المتكلم عن مقصوده، وتلك العبارة فعل اللسان، ناشئة عن القصد في إقامة الكلام. فلا بد أن تكون ملكة مقررة في العضو العامل لها وهو اللسان، وهو في كل أمة بحسب اصطلاحاتهم» (أحمد، 1991).

ويعد تعريف ابن جنّي (المتوفى 392 هـ) للغة في كتابه "الخصائص" من أكثر التعريفات تواترا وتأثيرا إذ يقول في تعريفها: " أما حدّها فإنها أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم". وهذا التعريف يتضمن في جوهره مختلف المعطيات الحديثة لعلم اللسانيات في مجال تعريف اللغة، ويتوافق مع معظم النظريات الحديثة التي عرّفت اللغة (حجازي، 1997، 10). ويتطابق تعريف ابن جني مع التعريف الذي جاء في لسان العرب، وفيه " أن اللغة هي أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم "(ابن منظور، 1300، 116).

وجاء في المعجم الرائد عن تعريف اللغة الفصحى بأنها: كل لغة نهجية تخضع لقواعد الصرف والنحو ولأصول التركيب اللغوي. وهي لغة الأدب والعلم ووسائل الإعلام والصلاة وما إليها. وعكسها « اللغة العامية»، وهي اللغة المحكية. (المعجم: الرائد). وجاء في معجم اللغة العربية المعاصر أن اللُّغة العربيَّة الفُصحى: لغة القرآن والأدب، وهي لغة خالصة سليمة من كلِّ عيب، لا يخالطها لفظ عاميّ أو أعجميّ، خلاف العاميّة ". ويحرص الخطباء والدعاة على استخدام الفُصحى في كلامهم، - تذاع نشرات الأخبار باللغة العربية الفُصحى ".(معجم للغة العربية المعاصر).

فاللغة كما تنص عليه هذه التعريفات القاموسية: ألفاظ وضعت لمعان، وهي لسان القوم به يتعارفون ويتواصلون. هذا يعني أنها كلام يتفق عليها الناس في مجتمع محدد ويحددون نسق الدلالات فيه والمعاني وطرق الاستخدام. ولا يخرج المحدثون كثيرا عن هذا السياق القاموسي في تعريفهم للغة، وعلى هذا النحو يعرف ناصر الدين الأسد اللغة فيقول:"بأنها ماهية دلالية قوامها حروف وأصوات: حروف حين تكون مكتوبة، وهي أصوات حين تكون ملفوظة منطوقة. ولكنها في دورها وحقيقتها إنما هي معان ومدلولات تصبح أحيانا صورا بيانية وخاصة حين تنضو اللفظة إلى غيرها في سياق من الكلام"(الأسد، 2004،16). " ويتطرق الأسد إلى وظيفة اللغة بوصفها أداة اتصال وتفكير فيقول: " واللغة بما تكتنزه من معان ودلالات وأحاسيس وسيلة للتفكير، كما أنها وسيلة للتعبير والتواصل بين الناس " (الأسد،2004،17).

ومن أكثر تعاريف اللغة تداولا اليوم التعريف الذي يقول " إن اللغة نظام رمزي يستعمل للاتصال بين بني البشر وهو يتكون من عناصر متناسقة أصغرها الأصوات وأكبرها الجمل والعبارات" (بغول، 2004). واللغة كما يرى عدد كبير من المفكرين أكثر من الكلام وأعمق من الكتابة وأشمل من التفكير، وعلى هذه الصورة يراها يحيى الرخاوي الذي يقول: " إن اللغة هي الأصل، وهي التركيب الغائر للكيان البشري، والكلام إحدى مظاهرها"(الرخاوي، 2003). ويرى السيد "أنّ مفهوم اللغة مفهوم شامل وواسع، لا يقتصر على اللغة المنطوقة، بل يشمل المكتوبة أيضا، ًوالإشارات، والإيماءات، والتعبيرات الوجهية التي تصاحب عادة سلوك الكلام"(السيد، 1988،11).

ومن التعريفات الشمولية التي أعطيت للغة التعريف الذي يسوقه محمد عبد القادر أحمد فيقول: "اللغة مجموعة منظمة من الرموز الصوتية أو المكتوبة التي ترمز إلى المعاني والأفكار، يتفاعل بواسطتها أفراد المجتمع الإنساني، ويستخدمونها في أمور حياتهم، وبها يتم التواصل والتفاهم بين الناس، ونقل ثقافة الآباء والأجداد إلى الأجيال القادمة، وهي من هذه الزاوية وسيلة اجتماعية تؤدي وظيفة حيوية في الحياة الإنسانية "(أحمد، 1991).

ويؤكد أحمد على الطابع الرمزي للغة فيقول: " اللغة منظومة رمزية كبرى تشتمل على عدد من الأنظمة الفرعية التي يتألف كل منها من مجموعة من المعاني تقابلها مجموعة من المباني المعبرة عن هذه المعاني، ثم من طائفة من العلاقات التي تربط فيما بينها" (أحمد، 1991). وتؤكد هذه التعريفات في أغلبها على اللغة بوصفها أداة تفكير وتواصل واتصال في المجتمع وهي ضرورية للاستدلال على المعاني المتوخاة من كل الرموز والمعاني والدلالات المطلوبة.

ويقدم الرخاوي تعريفا يماهي فيه بين اللغة والوعي والوجود فيقول:" اللغة ليست إضافة لاحقة بظاهر الوجود البشري، الفردي أو الجماعي، بل هي الوجود البشري في أرقى مراتب تعقده، إذ هي التركيب الغائر الذي يمثل الهيكل الأساسي الذي يصدر منه السلوك" (الرخاوي، 2003).

ويميز سوسور في بنية اللغة بين صورتين: فهناك اللغة بوصفها ملكة فطرية في الإنسان، وهناك اللغة بوصفها طاقة رمزية مكتسبة. فاللغة في صورتها الأولى قوة فطرية بطبيعتها يزود بها كل مولود بشري، وهي من أهم السمات الفطرية التي تميز الإنسان عن الحيوان. أما اللغة المكتسبة فهي تنويعات لغوية مكتسبة تأخذ صورة نظام من العلامات التي تتحد بمعانيها (De Saussure,1968, 32).

ويميز بسام بركة ثلاث سمات أساسية للغة في مفهومها الشامل، هي:

أ- اللغة نظام يتغير بتغير المجتمعات تاريخيا ومكانيا وهي دليل على الواقع الاجتماعي.

ب- اللغة مؤسسة ثقافية واجتماعية وهي نسبية متغيرة واصطلاحية.

ج- تقوم بدور مهم في عملية المعرفة عند الفرد وعند الجماعة على حدّ سواء (بركة،2005، 25).

وهذا التصور الشامل يركز على أهمية التغاير والصيرورة في بنية اللغة بوصفها مؤسسة اجتماعية ثقافية كما يؤكد على الأداء المعرفي للغة ودورها في بناء الثقافة والوعي.

ونستطيع أن نقول مع الفيتوري بأن اللغة "‏ منهج فكر، وطريقة نظر وأسلوب تصوير، وهي رؤية متكاملة تمدها خبرة حضارية متفردة، ويرفدها تكوين نفسي مميز، فالذي يتكلم لغة هو في واقع الأمر يفكر بها، فهي تحمل في كيانها تجارب أهلها وحكمتهم وخبرتهم وكلمتهم وبصيرتهم وفلسفتهم"‏ (الفيتوري، 1986،20). وهي " إبداع إنساني يلبي الحاجات الطبيعية والروحية والاجتماعية وهي قابلة دائما لاستيعاب الجديد وهي منهج فكر وأسلوب تصوّر لأننا نفكر بلغتنا التي تعبر عن هويتنا وحكتنا وتجارب حياتنا وفلسفتنا وتراثنا وبصيرتنا مما يؤكد قدرتها على مواصلة دورها الحضاري واستيعابها للمعرفة البشرية في كل زمان" (محجوب، 2012).

ويمكننا أن نستخلص بناء على ما تقدم من تعريفات أن اللغة نظام رمزي ذهني معقد التكوين، يعبر عن هوية مجموعة بشرية، ويرسم حدود حضورها الإنساني في الوجود، وأنها تشتمل على فلسفة المجتمع والبنية الذهنية له وطريقة التفكير فيه، وهي تشكل بنية وظيفية شديدة التعقيد بها يتواصل أفراد الأمة ويتفاعلون ويبدعون إنسانيا ويرسمون حدود تاريخهم وحضارتهم. ويمكن النظر إلى اللغة بوصفها الإطار العام للوجود الإنساني والحضارة البشرية، إذ لا يمكن لأمة أن تكون من غير لغة، ولا لحضارة أن تقوم وتزدهر في قطيعة مع اللغة التي تشكل خصوصية الإنسان عبر التاريخ. وباختصار ترمز اللغة - بوصفها ماهية إنسانية مثقلة بالمعاني- إلى الوجود البشري في أرقى تجلياته، وأعظم إبداعاته، إذ هي صيرورة وعي دائم التشكل والتجدد والتغاير تتجلى في صورة إبداع لخطاب متدفق بالدلالات والألفاظ والمعاني.

3- في مفهوم الفصحى:

الفصاحة عند العرب هي "البيان" كما جاء في لسان العرب. وهي اللفظ الفصيح أي "ما يدرك حسنه بالسمع". والإنسان الفصيح هو الذي "يحسن البيان ويميّز جيد الكلام من رديئه". وفصح الرجل؛ "انطلق لسانه بكلام صحيح واضح "، والفصيح: من يحسن الكلام ويميز جيده من رديئه ". والفصيح في كلام العامة المُعْرِبُ (لسان العرب). وجاء في تاج العروس: الفَصِيح: المنطلق اللِّسَان في القول الذي يعرفُ جيِّدَ الكلام من رديئه. وقد أَفصحَ إِذا تكلَّم بالفَصاحةِ. وجاء في المعجم الوسيط: فصح الرجلُ: انطلق لسانه بكلام صحيح واضح.(الفَصَاحَة ): البيان. و سلامة الألفاظ من الإبهام وسوء التأليف. يقال: رجل فصيح: يحسن البيان ويميّز جيّد الكلام من رديئه. وكلام فصيح: سليم واضح يدرك السمع حسنه والعقل دِقّته. ولسان فصيح: طلق يعين صاحبه على إجادة التعبير. ويجمل القول في الفصحى كما يقول الدجاني "أنها تحرص على صحة اللفظ ووضوحه" (الدجاني، 2000، 16). ومقياس الصواب في الفصحى يكون في المحافظة على سلامة اللغة العربية ومراعاة التطور الذي تخضع له (الدجاني، 2000، 16).

ويمكن القول في هذا السياق: إن العربية الفصحى توازن ما يسميه الغربيون Classical Arabic أو العربية الفصحى Fusha Arabic، أو العربية الأدبية Literary Arabic وما يرمز له فيرغسون بالنمط العالي أو المرتفع ورمز له بالحرف (H) (الزغلول، 2000، 56).

وغالبا ما يقصد بالفصحى اللغة العربية التي تستخدم في الكتابة والتأليف والترجمة، وهي ذات اللغة التي حافظت على قواعد اللغة العربية وما تنطوي عليه من أصالة، وهي لغة الشعر العربي القديم، ولغة القرآن الكريم، وهي اللغة التي يتكلمها العلماء والمفكرون والمثقفون في عالمنا العربي. ويمكن القول في هذا الخصوص إن اللغة العربية الفصحى هي لغة الفكر والأدب والعلم، وهي اللغة ذاتها التي تعتمدها الدول العربية لغة رسمية في مختلف مؤسسات الدولة ودوائرها بوصفها اللغة الوطنية القومية. (الأنصاري، 2008،114). ويحدد محمد حسن عبد العزيز سمات الفصحى فيقول إنها " مكتوبة، تستخدم في التعليم، وفي العلم، وفـي الأدب، وفي الصحافة، وهي اللغة الرسمية المشتركة في العالم العربي اليوم"(عبد العزيز، 1992،11).

ومن حيث الخصائص والسمات اللسانية، فإن الفصحى تتميز بصحة ألفاظها، ودقة معانيها، ووضوح مبانيها، في حين تعاني العامية من تحريف اللفظ، وغموض الكلمات، وإبهام المعاني، والخروج عن المألوف في قواعد الفصحى. وقد عني علماء اللغة بالحديث عن "مقياس الصواب اللغوي" الذي تلتزم به الفصحى. ويرى كثير منهم أن الفصاحة تقوم على دعامتين: المحافظة على سلامة اللغة العربية من جهة، ومراعاة التطور الذي تخضع له من جهة ثانية. والفصحى في جوهرها أن يجري الكلام على المقاييس الجمالية والنحوية للغة العربية القديمة في أكثر تجلياتها الأدبية وأدق معانيها الفكرية وهي اللغة التي تحاكي القرآن الكريم بوصفه أعلى مراتب الفصاحة وأكثرها جمالا وبيانا واكتمالا.

و"الفصحى" كما يقول خليل كلفت " واحدة مشتركة في العالم العربي كله، من المحيط إلى الخليج، كما يقال، رغم السمات الخصوصية الأقل جوهرية هنا وهناك. أما "العامية" أو "العاميات" العربية فتتباين تباين الأقطار العربية (العراق، المغرب، السودان...إلخ)، أو المناطق اللغوية داخل القطر العربي الواحد(لهجات مصر، على سبيل المثال)، أو المناطق اللغوية العابرة للحدود السياسية (اللهجة الشامية) (كلفت، 2012).

ما بين الفصحى والفصيحة:

يُقصد باللغة الفصحى اللغة العربية التي نزل بها القرآن الكريم بوصفه النصُّ المقدس في قواعد العربية ومرجعٌها في القياس النحوي. والفصحى هي الأصل والمرجع للهجات العربية التي كانت موجودة في صدر الإسلام، حيث اتسم اللفظ القرآنيُّ بجزالة اللفظ الذي لا تشوبه أي شائبة ولا يعتريه أي نقص.

ويجري بين أهل اللغة والمهتمين بااللغة العربية جدل لطيف حول أفضلية استخدام مفهومي " اللغة الفصحى" و"اللغة الفصيحة". ومن الواضح أن استخدام عبارة " اللغة العربية الفصحى" هو الاستخدام الشائع بين المفكرين والكتاب والباحثين بصورة واسعة. وهذا الاستخدام يفرض نفسه بقوة في كتاباتهم وأعمالهم. وهذا الأمر هذا لا يتعارض مع استخدام عبارة "اللغة العربية الفصيحة" فكلاهما يؤديان إلى المعنى نفسه من حيث وضوح اللغة العربية واشتمالها في ذاتها على بيانها وبلاغتها والتزامها بقواعد اللغة وأصولها.

ومع سلامة الدلالة للتعبيرين فهناك من يميز بينهما فيما يتعلق بالدلالة. إذ يرى بعضهم أن الفصحى تتطلب يلتزم المتحدث الالتزام بأعلى درجات الفصاحة والبلاغة، ولا يقوى على ذلك إلا الأدباء والخطباء وأهل الوعظ والارشاد وكبار أساتذة اللغة. وعلى خلاف ذلك يقتضي وصف اللغة العربية بالفصيحة أنه يجب على المتحدث فيها أن يستخدم الحد الادنى من الجزالة اللغوية والبيان في الاعراب، وهي صالحة للتواصل والتفاهم بين الناس لتسهيل معاملاتهم وقضاء حاجاتهم اليومية. وضمن هذا السياق تكون الفصحى للأدب والأدباء والشعر والشعراء والعلماء بهدف التأثير والبلاغة، وقد نزل القرآن الكريم وتربع على عرشها وهي معجزته في عملية التأثير والاقناع.

 فـ "الفَصاحة" كما يرى بعض الباحثين " مَزيّةٌ في الكلام أو صفة تفضيل، كما في الآية: «وأخِي هارون هو أفصحُ منّي لسانا" [القَصص: 34]؛ و"أَفْصحُ" هُنا صفةُ تفضيل للمُبالَغة مُؤنَّثُها "فُصحى". فكُلّ "كلامٍ كان أشدّ بيانًا وأقوى إفادةً يُنعَتُ بـ"الفصيح"، وإذَا زاد عن غيره يكون "أَفْصَح".! والأرجح أنّها تدل على كفاءة الكلام كإجادةٍ للتّأْليف تبليغا وتدْليلا وتوجيها، بحيث إنّها تُنافي كل عُيوب الكلام وآفاته من عِيٍّ وتكلُّف وتقعُّر ولَحْن وحَشْو وإسهاب. وبهذا، فـ"الفصاحة" تعني القُدرة على إتيان القول بما يُناسب حالَ المُخاطَب بلا زيادة ولا نُقصان. ويقول الجُرجاني في هذا المقام «إنّ الفصاحة وصفٌ يجب للكلام من أجل مَزيّة تكون في معناه، وأنّها لا تكون وصفا له من حيث اللّفظ مجردا عن المعنى" (الجرجاني، 2004، 442).

ومن ثَمّ، فإن كلمة "الفُصحى" تمثل صفةٌ للُّغة العربيّة في صيرورتها لُغةً مُشترَكةً بين القبائل العربيّة التي كانت تختلف - بهذا القدر أو ذاك في مَناحي الكلام. وهذه الصيرورةُ تمّت بفعل الاشتراك في اللّغة من شدّة الاحتكاك في الأسواق والمَواسم الكبرى التي كان الحجّ على رأسها والتي أتى الإسلام فعزّزها بنصّ "القُرآن" الذي كان حافزا لتدْوين المُتون واستنباط قواعد النّحو وأُصول الفهم. فـ«العربيّة المُشترَكة» صارت "فُصحى" بمعنى أنّها لُغةٌ تغلّبتْ وهَيْمنتْ على مُختلف اللّهجات القَبَليّة والجهويّة بالشكل الذي جعلها تَفْرض نفسَها على ألسنةِ المُتكلِّمين، خصوصا بعض عصر التّدْوين"( الكور، 2013)1 .

يقول أحد المفكرين: " ويجوز أن نقول اللغة الفصيحة أو الفصحى" أما من اعترض على الفصحى بوصفها صيغة تفضيل نقول " لا يلزم في التفضيل أن يكون بين شيئين متماثلين أحدهما أفضل من الآخر في نفس الشيء لقوله تعالى في سورة (الفرقان): وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا. أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا) وواضح أن التفضيل هنا بين أهل الجنة وأهل النار - وهم غير مشتركين في شيء. أما اللغة السليمة فهي اللغة الخالية من الأخطاء بأنواعها". فـ" اللُّغة العربيَّة الفُصحى: لغة القرآن والأدب، وهي لغة خالصة سليمة من كلِّ عيب، لا يخالطها لفظ عاميّ أو أعجميّ، خلاف العاميّة (يحرص الخطباء والدعاة على استخدام الفُصحى في كلامهم وتذاع نشرات الأخبار باللغة العربية الفُصحى" (الأعشير، 2014).

ونحن في تناولنا لأحد هذين المصطلحين في هذا الكتيب يقوم على أساس منهجي خارج دائرة الجدل التقليدي حول الأفضلية. فالمفهومان كلاهما برأينا يدلان على اللغة العربية السليمة التي تتناغم مع قواعد اللغة ومنهجها وفقهها وتلتزم بناصية الصواب والبيان والإعراب. ومع أننا لسنا في وارد القطع في الاستخدام إذ يستوي لدينا استخدام مفهوم اللغة الفصيحة مع اللغة الفصحى، فالمعنى الذي نأخذ به يرمز إلى سلامة اللغة بوصفها لغة معيارية في بيانها وقواعدها وإعرابها. ومع ذلك يجب علينا أن نأخذ باعتبارات عديدة نرجح فيها استخدام الفصحى أو اللغة العربية الفصحى للاعتبارات التالية.

أولا – يجري استخدام تعبير "الفصحى" غالبا كاسم يدل على اللغة العربية بتمامها وكمالها وليس كصفة تفضيل. فعندما نقول "الفصحى" (بدون إضافات) فهذا يعني أننا نستخدم اسم علم يدل على اللغة العربية الفصيحة اسما لا صفة. على سبيل المثال يجري القول " التدريس بالفصحى، أو تكلم الفصحى، يكتب بالفصحى. وهناك مئات التعابير التي تدرج على استخدام الفصحى كاسم للغة العربية وليس كصفة تفضيلة.

ثانيا – مئات الكتب في فقه اللغة العربية دبجت تحت عوان اللغة العربية الفصحى، ويندر أن نجد عنوانا يقال فيه " اللغة العربية الفصيحة".

ثالثا – في البحوث اللغوية يجري استخدام اللغة العربية الفصحى في المدارس والمناهج والجامعات.

رابعا – رَسُخ استخدام مفهوم "اللغة العربية الفصحى" بقوة في بنية اللاشعور اللغوي عند المثقفين، وارتسم في الذائقة اللغوية تفضيلا على استخدام تعبير "اللغة العربية الفصيحة" وهو تعبير صحيح أصيل فصيح لا غبار عليه.

هذه الأسباب والممارسات تفرض واقعا لغويا لا يمكن تجاهله، وهذا يعني أن رفضنا أو قبولنا لاستخدام مصطلح أو مفهوم يجب أن يخضع غالبا لواقع الممارسة الثقافية. ويأخذها بعين الاعتبار.  وقد قرأت مرة أن الزمخشري وسيبويه كان عندما يشكان في صيغة أو لفظ أو كلمة كانا يذهبان إلى البادية وعند مقابلة أول شخص يصافانه من أي قبيلة عربية كانا ستمعان إليه ويقرران مشروعية لفظة ما قاعدة ما كلمة ما بناء على اللغة التي يتكلمها الإعراب. وأخيرا فإن برأينا لا صير من استخدام المفهومين. ولكن في البحث العلمي يفضل دائما استخدام نموذج مفهومي واحد، ولذا وجدنا من الأنسب لنا استخدام مفهوم اللغة العريبة الفصحى في كتيبنا هذا ونرجو أن نكون موفقين في هذا الاستخدام للاعتبارات التي أشرنا إليها.

4- في مفهوم العامية:

استخدم مفهوم اللهجة (Dialect) قديما بمعنى اللغة، واللهجة هي اللغة عند علماء العربية القدماء، "فلغة تميم ولغة هزيل ولغة طيء التي جاءت في المعجمات العربية لا يريدون بها سوى ما تعنيه كلمة (اللهجة). كما أطلق على اللهجة لفظ "اللحن"، وفي هذا قال أحد الأعراب (ليس هذا لحني ولا لحن قومي)"(الضامن، 1989، 32).

ويجري اليوم استخدام لفظة "اللهجة" بمعنى اللغة العامية المقابلة للفصحى. وجاء في المعجم الوسيط أن العَامِّيَّةُ: لغةُ العامة، وهي خلافُ الفُصحَى، واللّغة العاميّة: هي اللُّغة المتداولة بين النَّاس، وهي بخلاف اللُّغة الفصحى المستخدمة في الكتابة والأحاديث الرَّسميَّة والعلميَّة. والعامي من الكلام: ما نطق به العامة على غير سنن الكلام العربي، وكذلك: "العامية: لغة العامة وهي خلاف الفصحى".

وتأخذ العامية تسميات عديدة منها اللغة العامية أو المحكية أو الدارجة أو اللهجة، ويعرفها الزغلول بأنها "النمط الذي يسميه الباحثون الغربيون بالعربية الدارجة Colloquial Arabic، أو العربية المحكية Spoken Arabic، أو اللهجة Dialect، وهي التي أطلق عليها فيرغسون النمط المنخفض ورمز له بالحرف (L). وهو النمط الذي يكتسبه العربي بصورة طبيعية في مختلف أصقاع الوطن العربي. ويختلف هذا النمط باختلاف المناطق الجغرافية والجماعات البشرية المتمايزة (الزغلول، 2000، 60).

 وتميل العامية إلى التبسيط ولاسيما في القواعد حيث تختفي صيغة المثنى تقريبا وينقص عدد الضمائر، وتختفي أوزان الجمع، وحركات الإعراب. وهذا يعني أن العامية العربية غير قادرة على أداء دور ثقافي في مجال المعرفة العلمية والثقافية، وعليه فإنه يجب على المتكلم أن يعود إلى الفصحى ليمزجها بتراكيب عامة إن أراد التعبير عما يقول بشكل أوفى. (الزغلول، 2000، 63).

 وتعرّف الأنصاري العامية بالقول: " هي اللغة التي تستخدم في الشؤون العادية ويجري بها الحديث اليومي، لا تخضع لقوانين لأنها تلقائية متغيرة، تتغير تبعًا لتغير الأجيال، وتغير الظروف المحيطة بهم" (الأنصاري، 2008، 114).

هذا ويرى معظم أهل اللغة أن اللهجة العامية هي لغة الشعب كله تسيل على الألسن بلا عسر ولا تصنع، وتعبر خير تعبير عن مشاعر الناس وأفكارهم وتطلعاتهم وطموحاتهم. ويحدد المجلس الأعلى للغة العربية مفهوم العامية الدارجة بأنها " مستوى تعبيري يتخاطب به العامة عفويا في الحياة اليومية، وهو مستوى غير خاضع لقواعد النحو والصرف ويتصف بالتلقائية والاختزال، إنها عربية فقدت بعض الخصائص الموجودة في الفصحى مثل الإعراب" (المجلس الأعلى للغة العربية،2008،5).

5- بين العامية والفصحى:

شغل الباحثون بتحديد العلاقة القائمة بين العامية والفصحى، واهتموا بتحديد خصائص وسمات كل منهما، كما اهتموا بتحديد الدور والوظيفة التي يجب أن يقوم بها كل منهما في مضمار التكامل بينهما. وفي هذا المضمار يقدم لنا الباحث سليمان العايد تصورا واضحا عن أوجه التشابه والاختلاف بين العامية والفصحى في محاضرة له عن علاقة اللغة المنطوقة باللغة المكتوبة في اللغة العربية إذ يقول ": نريد باللغة المنطوقة اللغة هذه التي يستعملها الناس في واقع حياتهم اليومي، وفي حركتهم المعاشية المتكررة، وما اعتادوا التعبير به عن أغراض ومطالب وشؤون الحياة؛ وهذا شامل للغة حين تنطق، وللغة حين تكتب، ما دامت بهذا الوضع، وعلى تلك الحال. كما نريد باللغة المكتوبة تلك التي اكتسبت صفة الثبات، وتتابعت الأجيال على التزام كتابها، وهذه تشمل ما ينطق من اللغة إذا اتسم بالتأنق والصنعة كما يفعل الخطباء"(العايد، 1996،4). واللغة هي لغة التخاطب الحيّ، وهي "لغة ينفك مستعملها من كثير من سمات اللغة الفصحى، كالإعراب، ونظام الجملة، واستعمال أدوات الربط، ويستعيض عنها بغيرها، ولا يحرص على تجنب اللحن، ويرسلها، دون تحضير أو تزوير. وكل ما لا ينطبق عليه هذا الوصف فليس بلغة خطاب، كالشعر والخطابة، والتأليف، مما يتعمل له الشاعر والخطيب والمؤلف، ويبذل فيه شيئًا من الصنعة، انتقاء واختيارًا وإحكامًا"(العايد،1996، 4). وتتميز اللغة المنطوقة بأنها لغة متحولة سريعة التغير، لا تكاد تثبت على حال، بما فيها من صواب »، بخلاف اللغة المكتوبة التي تقف في طريق التغير الذي يلحق لغة الكلام قد ضبطته معيارية دقيقة، تقف في وجه التغير السريع الذي هو طبيعة اللغة المنطوقة، ولها فائدة في تحسين وسائل الاتصال وصبغ اللغة المنطوقة بصبغة أدبية مشتركة (العايد، 1996، 4).

وفي ضوء هذا التحديد لمصطلحي الفصحى والعامية، يمكن أن نلاحظ أن أهم الفوارق بينهما، هو تحريف النطق ببعض حروف اللغة، وتغييره كليًّا في بعض الأحيان، وإهمال إعراب أواخر الكلمات، وتغيير حركات حروف الكلمة في العامية. وهذه الفوارق تؤدي إلى فارق آخر مهم، هو أن الفصحى العربية تأخذ صورة واحدة لا تغاير فيها من حيث الجوهر، في حين تتعدد العاميات العربية بتعدد أنحاء الوطن الكبير واختلاف اللهجات. وواضح أن هذه الفوارق تضع الفصحى في مكانة متميزة، وتجعلها “الأُنموذج “ للسان الراقي الحريص على النطق الصحيح للحروف، وعلى الإعراب، وعلى سلامة الكلمة. ولافت أن العامية في بلد ما تتفاوت في درجة قربها من الفصحى بين حي وآخر. ولافت أيضًا أن هناك تشابهًا بين العاميات المختلفة في بلاد العرب في جوانب تحولها عن الفصحى صوتيًّا وصرفًا ونحوًا، وإن ذهب كل منها مذهبه.

ويمكن لنا في هذا السياق التمييز بين اللغة العربية الفصحى وبين العربية العامية في التقاطعات الآتية:

1- تتميز اللغة العامية بوصفها لغة شفوية يتحدث بها الناس دون أن يكتبوها في حين تتميز اللغة الفصيحة بأنها لغة الكتابة والتدوين. والعامية لا تستخدم عادة في التوثيق والتدوين والكتابة الأدبية أو العلمية فهي لغة مشافهة وليست لغة كتابة كما هي حال الفصحى.

2- تأخذ العامية أهميتها بوصفها لغة الحياة اليومية والتواصل الاجتماعي في أشمل معانيه، أما الفصحى فهي اللغة الرسمية التي يجري تداولها في الإدارة والإعلام والأدب والسياسة والتعليم والكتابة والمحافل الدولية.

 3- تعتمد اللغة العامية على السجية والانسيابية وعلى العادات اللغوية المألوفة ولا تخضع لمنطق القواعد اللغوية كما هي حال الفصحى التي تعتمد على منظومة من القواعد والمبادئ التي يجب مراعاتها أثناء الكتابة والحوار.

4- تراعي الفصحى متطلبات البيان اللغوي في أرفع مستوياته ضمن نطاق الصرف والنحو والألفاظ الدلالية المتقنة، وعلى خلاف ذلك تعتمد العامية الاقتصاد اللغوي واليسر اللفظي التعبيري دون اهتمام بمقتضيات الدقة اللغوية والبيان اللغوي المتطور.

5ـ تتنوع العامية بتنوع الجغرافية والطبقات والفئات الاجتماعية والمجموعات السكانية في حين تأخذ الفصحى طابع لغة وطنية شاملة على وحدتها على الرغم من التنوعات الاجتماعية والتباينات الاجتماعية.

6- يتضح تأثير العامية وحضورها الواسع في لغة الطبقات الاجتماعية الواسعة في حين يقتصر تأثير الفصحى في النخب الثقافية والاجتماعية ولدى أبناء المتعلمين من الطبقة الوسطى.

7ـ تتباين العامية بتباين اللهجات المحلية في البلد الواحد مثل: اللهجة المصرية، اللهجة اللبنانية، السوريةفي حين تتميز الفصحى بوحدتها وتجانسها وشمولها بوصفها لغة وطنية واحدة في مختلف جوانب الحياة الثقافية والسياسية والعلمية والأدبية.

8- تتصف العامية بفقرها العلمي حيث لا نجد في بنيتها مفردات علمية تتعلق بالعلوم والفنون والآداب. وذلك على خلاف العامية التي تتميز بثرائها العلمي وغناها الكبير بمفردات العلم وألفاظه ومعانيه.

9- تختلف العامية في البلد الواحد باختلاف طبقات الناس وتنوعهم الاجتماعي ولهجاتهم: لهجة الفلاحين، ولهجة العمال، ولهجة الطبقة البرجوازية. وهذا التباين الاجتماعي ليس له حضور في اللغة العربية الفصحى.

وتجدر في هذا السياق الإشارة إلى هذه المناظرة التي يجريها كلفت ما بين فصاحة العامية وفصاحة الفصحى إذ يقول: " "الفصحى" هي لغة الفصاحة، والفصاحة هي الوضوح والسلامة من اللحن. وقد تبدو اللغة المسماة بالعامية واضحة، محليا على الأقل، لكنها تبدو على كل حال بعيدة عن السلامة من اللحن بمعايير "الفصحى". ولكنْ كما أن الوضوح يتحقق بوسائل "العامية" وليس بوسائل "الفصحى"، فمن الواجب أن يُنظر إلى السلامة من اللحن (أيْ السلامة من الخروج على المعايير النموذجية أو من الانحراف عنها) لكل لغة من اللغتين على أساس معاييرها الخاصة وليس على أساس معايير اللغة الأخرى "فالفصحى" سليمة بمعاييرها الخاصة و"العامية" سليمة بدورها بمعاييرها الخاصة "(كلفت، 2012).

وهذا التناظر الذي يجريه كلفت يتضمن رؤية موضوعية غير مألوفة في مجال المقارنة بين العامية والفصحى. فأهل العامية يجدون العامية أكثر وضوحا من الفصحى وقد يعبرون بها بشكل أفضل. وغالبا ما يعتمد المدرسون في الجامعة اللهجة العامية لتفسير ما لا يستطيع الطلاب فهمه بالفصحى. وفي كل الأحوال يجب أن يؤخذ هذا الرأي المقارن على محمل الجد العلمي وألا يستهان بقيمته السوسيولوجية.

ويتابع كلفت تحليله للفصاحة ما بين الفصحى والعامية قائلا: " وإذا كانت فكرة الفصاحة، بشقّيها، تنطلق من جعل "الفصحى" المعيار الأوحد والمطلق أو المثل الأعلى بلا منازع للغة العربية، فإن الانطلاق من "العامية" أو من الحياد الوصفي إزاء الازدواج اللغوي القائم لا يمكن إلا أن يؤدي إلى أن تطالب "العامية" بالاعتراف بفصاحتها، أيْ بوضوحها وسلامتها، وربما على قدم المساواة مع "الفصحى" وربما أكثر منها بكثير، على أساس أن تمكُّن العرب من "العامية" أقوى بما لا يقاس من تمكُّنهم من "الفصحى" (وربما من تمكُّن خاصتهم من "الفصحى"). "فالعامية" بدورها فصحى أو حتى أكثر فصاحة (بما لا يقاس) بمعاييرها الخاصة. (كلفت، 2012). ويعني ما سبق بطبيعة الحال أن الفصاحة سمة طبيعية لكل لغة بحكم بداهة كونها لغة، وهي تزدهر بازدهار لغة وتنحط بانحطاطها وتموت بموتها وتنتقل من خلال التطور اللغوي البطي أو العاصف إلى لغة جديدة تحل محل القديمة (كلفت، 2012).

وباختصار: "الفصاحة لا تحتكرها "الفصحى" ولا "العامية" ولا تمتلكها "الفصحى" ولا "العامية" بصورة مكتملة، لأن "العامية" ليست لغة مكتملة الحلقات، كما أن "الفصحى" ليست لغة مكتملة الحلقات. ذلك أن "الفصحى" عاجزة، منذ قرون وقرون، عن الاستمرار كلغة كلام وحياة يومية. وهي بذلك لغة ناقصة. كما أن هذا النقص، هذا الانفصال عن الحياة اليومية، يُفقرها ويحرمها من حيوية الحياة ويجرّدها من القدرة على التعبير عنها بالحيوية المطلوبة، أضف إلى ذلك أن "العامية" تنافسها منافسة شاملة متفاوتة القوة في كافة مجالات الثقافة والتعليم والإعلام" (كلفت، 2012).

 

علي أسعد وطفة

..........................

1- الكور، عبد الجليل (2013) القُرآن بين "الفُصْحى" و"الفُسْحى"!، هسبرس، الاثنين 02 دجنبر 2013 - 12:40. https://www. hespress. com/writers/95310. html

مراجع

- ابن منظور، أبو الفضل جمال الدين محمد بن مكرم (1955)، لسان العرب، مج 1، بيروت، دار صادر ودار بيروت.

 - أحمد، محمد عبد القادر (1991).اللغة العربية أصلها وأهميتها ووظائفها وتعليمها لطفل المرحلة الابتدائية، مجلة التربية، س 20، ع 96، مارس/ آذار، قطر: اللجنة الوطنية القطرية للتربية والثقافة والعلوم.

- De Saussure, F.(1968) ours de linguistique général, Paris: Payot.

- الأسد، ناصر الدين (2004). مقدمة لدراسة اللغة وهوية الأمة، مجلة ثقافات.

- الأعشير،عبد الله آيت (2014). اللغة العربية الفصحى، نظرات في قوانين تطورها وبلى المهجور من ألفاظها، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، قطاع الشؤون الثقافية، الكويت.

- الأنصاري، محمد جابر (1988). التعريب الجامعي وحتمية المقاربة الميدانية أربعة اعتبارات اساسية لحسمها، رسالة الخليج العربي، س 8، ع 24.

- بركة، بسام (2002). اللغة العربية القيمة والهوية، مجلة العربي، العدد 528، نوفمبر/تشرين الثاني.

- الجرجاني، عبد القاهر (2004) كتاب دلائل الإعجاز، مكتبة الخانجي، القاهرة، ط 5.

- حجازي، فهمي (1997). مدخل إلى علم اللغة، القاهرة: دار قباء.

- الدجاني، أحمد صدقي (2000). الفصحى والعامية: العامية اليافاوية..تأملات وتساؤلات، مجلة مجمع اللغة العربية، نوفمبر/تشرين الثاني، 2000.

- الرخاوي، يحيى (2003). اللغـة العربيـة وتشكيـل الوعـي القومـي، شبكة العلوم النفسية العربية:http://www. arabpsynet. com/Archives/VP/VP. Rakkaoui. ArabLangage. htm

- الزغلول، محمد راجي (2000). ازداوجية اللغة: طبيعتها ومشكلاتها في سياق التعليم، ضمن مجموعة مؤلفين (2000). اللغة والتعليم، الكتاب السنوي الثاني، بيروت: الهيئة اللبنانية للعلوم التربوية.

- السيد، محمود أحمد (1988). في طرائق تدريس اللغة العربية، دمشق: مطبعة جامعة دمشق.

- الضامن، حاتم صالح (1989). علم اللغة، بغداد: جامعة بغداد، كلية الآداب.

- العايد، سليمان بن إبراهيم (1996). علاقة اللغة المنطوقة باللغة المكتوبة في اللغة العربية، محاضرة ألقيت في نادي مكة الثقافي الأدبي بتاريخ 1/10/1417.

- عبد العزيز، محمد حسن (1992). الوضع اللغوي في الفصحى المعاصرة، دار الفكر العربي، القاهرة، الطبعة الأولى، 1413هـ / 1992.

- عبد الواحد، علي(1951). اللغة والمجتمع، القاهرة: دار الكتاب العربية.

- كلفت، خليل(2012). الازدواج في اللغة العربية بين الفصحى والعامية، الحوار المتمدن، العدد: 3712. www. ahewar. org/debat/show. art. asp?aid=305504

- الكور، عبد الجليل (2013) القُرآن بين "الفُصْحى" و"الفُسْحى"!، هسبرس، الاثنين 02 دجنبر 2013 - 12: https://www. hespress. com/writers/95310. html.

- المجلس الأعلى للغة العربية (2008). الفصحى وعاميتها: لغة التخاطب بين التقريب والتهذيب. أعمال الندوة الدولية التي نظمت بالتعاون مع وزارة الثقافة ضمن فعاليات الجزائر عاصمة الثقافة العربية 2007 المنعقدة يومي 4- 5 يونيو/ حزيران 2007. الجزائر: المجلس الأعلى للغة العربية.

- محجوب، عباس (2012). التًّعليم باللغة العربية في التًّعليم الجامعي، بحث منشور في موسوعة دهشة الإليكترونية، http://www. dahsha. com/old/viewarticle. php?id=28917

- وطفة، علي أسعد (2011). علم الاجتماع التربوي، الكويت: مطبعة الفيصل.

 

 

الوارث الحسنإغفال المؤسسات التعليمية الدينية وتطبيق الخناق عليها وانشطار التعليم إلى شطرين متنافرين أدى إلى وقوع صدام عنيف بينها وأفرز تباعدا في المنظور الديني والمدنيمما خلق جيلا متطرفا ومتعصبا على المدى البعيد

-إن الاستعمار عند تثبيت أقدامه في البلدان العربية والإسلامية اتجه نحو ترسيخ مناهج للتعليم، تمكن بموجبها من تمرير أفكاره في المقررات الدراسية، وقد ساهم فعلا في تكوين أجيال متعاقبة تحمل أفكارا تبتعد عن الدين والإسلام .

هكذا فإن إنشاء مدارس تعليمية واستخدام أخرى حفز الطبقة البورجوازية إلى الالتحاق بهذه المدارس الحديثة التي تعتمد النمط الجديد من التعليم الحديث والذي كان يهدف الغرب من ورائه إلى خلق جيل جديد له ثقافته لا تتقاطع مع الموروث الأصيل وبخاصة ما يرتبط بالحالة الدينية التي كانت وماتزال جزءا أساسيا من الهوية الاجتماعية للمغرب وللبلدان الإسلامية عامة.

وتنفيذا للتوجه الاستعماري كانت مادة التربية الدينية، مادة غير إلزامية ولا يتعلق النجاح والرسوب بما يحقق المتعلم والطالب من درجة فيها وإنما كانت مادة هامشية جدا وحتى المدرس نفسه لهذه المادة لا يكون جادا في تعليمها في الأغلب الأعم .

كما أن نجاح الغرب المستعمر في إبعاد الشعب العربي عامة عن حضارته وثقافته الجامعية، أدى في نهاية الامر إلى خروج بعض الأشخاص عن السيطرة الإيديولوجية وعندما يبتعد الجمهور عن حضارته وثقافته وهويته ودينه فإنه لا محالة يفرز جيلا متناقضا إما ثائرا أو خانعا .

وهذا ما مكن من ظهور حركات التحرر الوطني وقد نشأت معها تنظيمات مناوئة التي قاومت المحتل واستقطبت جيلا من الطبقة الشعبية المقهورة والفقيرة، وحصل معها المغرب وبعض الدول العربية والإسلامية على استقلالها ولكنها ظلت واقعة تحت تأثير التوجهات الفكرية المتعصبة دينيا،و التي زرعتها السياسة الاستعمارية، فكان ظهور حركات إسلامية متشددة وتابعة، سيطرت على النخب القديمة وانتزعت منها الشرعية القيادية وبدأت تتأهب لتفريخ جيل جديد من المتشددين والممانعين .

إلى ذلك تأثر العرب ومعهم المغرب الكبير بالثورة الإخوانية الإيرانية واعتناق بعض الكوادر من التنظيمات الإسلامية للفكر المتطرف واعتبار الشريعة الاسلامية أساس الحكم والتشريع، بيد أن بقاء الدول العربية والإسلامية على ماهو عليه بعد الاستقلال من التخلف وانفصال مجتمعاتها عن حضارتها وتكوينها الثقافي الأم  والأساس، خلف جيلا بأكمله يغرق في التخلف العلمي وهو ما تعيشه معظم البلدان العربية مقارنة بما تعيشه البلدان الغربية من تقدم علمي كبير وواسع  ولذلك أسبابه ومبرراته الواقعية أفرز لنا مجتمعا يميل إلى التطرف ومحاربة التطورو التقدم، فضلا عن غلبة الفكر الديني على المدني في ظل هذه الإرهاصات والمخاض الذي يعيشه المجتمع العربي مما أفرز لنا نخبا تميل إلى الرادكالية والتطرف .

وفي خضم ذلك تم اتهام الأزهر بالجمود الفكري والخذلان العلمي، وعدم رغبة رجالاته في الانتفاع بتطور الواقع والحياة والاكتفاء باجترار الماضي وهذا ما خالف دورها الديني والتوعوي لتحقيق الرفاهية الدينية . إضافة إلى إنشاء مؤسسات تعليمية حديثة تسير في مسار آخر بعيد عن التعليم الديني، مثل كلية الألسن وكلية الطب وكلية الصيدلة والهندسة.. تضاهي الكليات ذات توجه ديني وعلوم شرعية .

وبذلك، لوحظ توجيه العناية نحو المؤسسات التعليمية المدنية بزيادة أعدادها وتنوع تخصصاتها وإغفال المؤسسات التعليمية الدينية وتطبيق الخناق عليها مما أفضى إلى مزيد من الانحسار فبدأ انشطار التعليم إلى شطرين متباعدين، تعليم ديني محض وتعليم مدني محض، وهذا ما أدى إلى وقوع صدام عنيف أحيانا بينها وأفرز تباعدا في المنظور الديني والمدني .

 

بقلم : الدكتور الوارث الحسن

المغرب-باحث تربوي

  

 

حاتم حميد محسناصبحت العولمة واقعا حتميا، في الاقتصاد و السياسة والتكنلوجيا والأعمال وكل جوانب الحياة الحديثة الاخرى. الطريقة التي نتفاعل بها مع العالم قد توسعت وتسارعت بفضل التقدم الاقتصادي والتكنلوجي الذي سهّل من امكانية وجود شبكة بهذا الحجم . قبل ثورة المعلومات التكنلوجية، اتخذت العولمة في الاساس وظيفة اقتصادية. لكن ما حدث لاحقا فتح الباب امام التأثيرات السياسية والثقافية،  فتغيرت الاهداف الاولى في المساهمة بالتنمية العالمية من خلال التجارة الحرة وتبادل المعلومات، واصبحت العولمة حاليا تؤثر بفهمنا للجماعة واستبدلته بفهم آخر يطمس إحساسنا بالهوية القومية والمسؤولية المدنية.

هناك آثار اجتماعية وسياسية جديدة لهذا المشروع الذي بدأ يزداد في حجمه وتأثيره منذ بداية القرن العشرين. في (الثورة الادارية) لجيمس بونهام James Buonham 1940، لاحظ انه " في التاريخ الانساني، عادة يحدث التغيير بسرعة كبيرة وعنف شديد لدرجة ان الاطار ذاته يتحطم ليحل محله اطار جديد". بونهام اعتقد ايضا ان سرعة التغير التكنلوجي في القرن العشرين كانت شديدة بحيث غيرت طريقة الحياة لتصبح شيء مختلف كليا في النوع وليس في الدرجة. هذا الميل كان له صداه عبر القارة. في "تمرد الجماهير، 1929" كتب الفيلسوف الاسباني اورتيجا بان حضارة القرن العشرين يمكن تلخيصها ببُعدين: الديمقراطية الليبرالية و "التقنية" technicism وهما نتيجة للاتحاد بين الرأسمالية والتصنيع والعلوم التجريبية. لكن هذين البعدين كانا يندمجان وبطريقة صاغا بها رؤية جديدة لمستقبل العالم.

الانسان الواسع

أطلق اورتيغا على الانسان في المجتمع الحديث بـ "الانسان الواسع" mass man حيث ، الانسان الشاب المقتنع بذاته، الذي من خلال تأثيره السياسي وثروته، كان يقلّص فرديته الى هوية جمعية، حيث المساواة والتجانس في المجتمع الاوربي. نحن نستطيع ان نتعلم من هذين المفكرين ان التكنوقراط والسياسيين العالميين cosmopolitan يناصرون العولمة لنفس الاسباب التي اشار لها بونهام واورتيغا في كتابهما وهي اسباب تتعلق بالتأثير السياسي، المكاسب الاقتصادية، والخداع الطوباوي. هنا،  نضيف حافزا آخرا: الاحترام المنسي او المُتجاهل عمدا للحياة المدنية. وبالتالي، لم يعد صحيحا بان العولمة تساهم في تطوير الجالية وبناء الامة محليا او دوليا، لأنها وبدهاء تُضعف رغبة الناس بالمشاركة في شؤونهم المدنية.الفيلسوف السياسي ميشيل ساندل يؤكد بطريقة مشابهة: نحن كنا مجتمع بنظام سوق ،  جئنا لمجتمع سوق. بيئتنا تصبح اكثر استهلاكية ليست فقط بالمعنى المادي(رغم انه الجزء الاكبر).،  نحن بنفس المقدار نتعامل بمبادئنا السياسية والاخلاقية في السوق العالمي، نبيعها للخارج ولكن ليس في الوطن.

واذا كنا منصفين، لابد من القول ان  نظام السوق والاخلاق فيهما شكل  من الخيرية المتأصلة التي تجعلهما مناسبين لأكثر المجتمعات في العالم الحر كأساس لليبرالية التي انشأت العولمة. لكننا لا نفهم الخيرية المتأصلة في فكرة معينة ما لم نتعلمها من التجربة . العولمة تساعدنا في نسيان هذا الخوف. شيء واحد نتعلمه هو كيف نصنع صندوقا ثم نبيعه لأجزاء اخرى من العالم. في وقت ما سيذهب اولئك الناس الذين يعرفون المهنة . لكننا اصبحنا الوارثين للمشاريع المملوكة للعوائل التي تجاهلت قيمة الصناعة المحكمة التي بنت ثرواتنا في المقام الاول. لكن مع ذلك، لابد من المتاجرة. في هذا الصندوق المغلف تكمن الديمقراطية الليبرالية. ضمن مشروع العولمة، لانزال نرى آثار الليبرالية كما تُمارس في قيمها الانسانية. المشجعون للعولمة يعرّفونها دائما بالاشارة الى فكرة الارتباط مع الآخرين والمساهمة في التقدم الانساني. لكن هذا الايثار قد ينقلب في الاتجاه المعاكس: نحن مجبرون اكثر هذه الايام للارتباط مع الاخر البعيد الذي نظن انه اكثر شبها بنا من جيراننا المعروفين. نحن نظن اننا نعرف جيراننا بسبب معرفتنا بمنْ  صوّت لهم ، الديانة التي يعتنقها، من اين جاء، الخ. من جهة اخرى، نحن نشعر مرتبطين مع الاخر البعيد لأننا نبني فكرة عنه تنسجم مع مُثلنا التي لا نستطيع اختبارها بالتجربة في التعامل مع هذا الفرد كزملائنا المواطنين.وهنا تكمن المشكلة. ان التركيز المفرط على التقدم العولمي ربما يساهم في نمو حالة عدم الاستقرار الوطني في الديمقراطية الليبرالية في العالم .عندما يصبح الناس اكثر انقساما على طول الخطوط السياسية محليا،  سيصبحون اكثر ارتباطا في النطاق العالمي لنفس هذه الاسباب. فمثلا، التقدميون يحترمون الارتباطات الذي تخلقها العولمة وهو ما يرفع من ضميرنا العالمي بالاستفادة من ثقافتنا الرقمية ليجعلنا اقرب الى الاجنبي، مع ذلك، هم يلومون الوزن الاقتصادي  الذي تضيفه العولمة الى الرأسمالية والوزن السياسي الذي تضيفه  الى الليبرالية الغربية كأحسن نظام لتحقيق هذه الغايات الانسانية. مناصرو السوق الحر يمدحون العولمة بسبب التقدم الاقتصادي الذي جلبته لكل المجتمعات في العالم من خلال خلق الثروة، الابتكار، التجارة، لكن على المستوى الاجتماعي، المحافظون قلقون من ان تاكيدها على السوق العالمي والربح يتجاهل القضايا الاكثر اهمية،  مثل، الجالية، المحلية، الوطنية. كلا الفريقين ايضا يستجوبان اخلاقية نظام السوق العالمي،  اليسار يدّعون بانه يفقر العمال بجعلهم مربوطين باجور قليلة وخاضعين لمدرائهم،   واليمين يدّعون  بانه يحط من القيم الاخلاقية للمجتمع الذي من خلاله تتأسس وتنمو مواطنة صحية.

مهما كانت وجهة النظر التي نؤمن بها، من الإنصاف القول انه من خلال الفعل و دخول السوق العابر للافكار والسلع ، فان الدول تجد نفسها متغيرة اجتماعيا. نحن نضع انفسنا بجانب الدول التي تنسجم مشاكلها السياسية مع وجهة نظرنا: اذا كنا نقيّم العائلة والتقاليد، فسوف نكيل المديح  لرئيس وزراء هنغاريا فكتور اوربان(المعادي للاجئين). واذا كنا نقيّم حقوق الانسان فسنقف مع الامريكيين من اصول اسبانية. نحن نتجاهل الاختلافات الثقافية والتاريخية البسيطة التي تجعل قضايا كل امة متفردة. اما وطنيا، فان التأثير اكثر خبثا . وكنتيجة لما نرى في الخارج، نحن نفترض الناس داخل دولنا يقعون ضمن فئتين اما صحيح او خطأ: اذا كنت لاتحب بريكست،  فانت اذاً لاتحب المحافظين، وانت تعرف جيرانك هم جمهوريون ، ولذلك، المحافظون في الولايات المتحدة يجب ان يتقاسموا بعض العيوب الفكرية حول بريكست. من المحتمل التوقف عن البحث عن مساعدة ونصيحة الناس  ضمن جاليتنا، وبدلا من ذلك نختار افضل وجهات النظر حول العالم التي تؤيد  وجهة نظرنا.

حاليا لدينا خيار الابتعاد عن جيراننا رقميا من خلال تلفوناتنا وكل الوسائط الالكترونية الاخرى. ابقاء هذا الانفصال من خلال العولمة كما كنا نعمل لسنوات ، سيجعلنا بالتأكيد نصل اليوم الذي لا تعني فيه الهوية والمواطنة اي شيء اذا لم يجددا صلاحية معتقداتنا. حماية المدنية هي اكثر اهمية الان من اي وقت مضى. نحن يجب ان نحذر من الجدال لأجل العولمة المدمرة للديمقراطية الليبرالية على المستوى القومي. في هذه الحالة، يكون الفهم التقدمي للعولمة هي انها تناصر المُثل العالمية التي تتصرف بعدوانية تجاه الدولة القومية وانها تثبط نظام السوق الذي هو اكثر ملائمة للكفاءة الذاتية والاستقلال الضروريين للبلد. انتقاد العولمة الشديد لا يعني المحافظة على الوضع القائم، خاصة في مناخنا الحالي الذي وضع الليبرالية في ازمة.نحن نستطيع زيارة لوك اواللجوء الى توكوفيل، لكن جزءا من الأجوبة والحلول لمأزقنا السوسيوسياسي بحاجة لتُدرس من خلال الظاهرة الحالية هذه.

ديفد هيلد

المنظّر السياسي والباحث في العلاقات الدولية ديفد هيلد، كتب بأن رغبة العولمة بتطوير النماذج التقليدية للتنظيم السوسيواقتصادي هي قوة كبيرة تشكل تحديا مباشرا للدولة الحديثة عبرتحدّي المبادئ التي تجبر المواطنين للمشاركة في المهمة الجمعية في الحفاظ على الدولة. تفضيل المواطنين على الامم الاجنبية هو غير اخلاقي. قيل لنا ان الحدود القومية تعيق التدفق الحر للبضائع والعمل التي تحتاجه كل الدول لتنمية ثرواتها. هدف التجارة وسياسات الهجرة يجب ان لا يكون لمصلحة اي بلد معين، وانما للجنس البشري ككل. هذه المعارضات هي معقولة بما يكفي لذاتها. ولكن بالنسبة للسوق العالمي لكي يحقق هذه الاهداف عالميا يعني انه يحتاج لإذابة الولاء للامة وبهذا يزيل اي معنى للهوية المدنية بين الدول رغم اختلاف تاريخها و تقاليدها وثقافتها. العولمة هي مشروع يسعى ويتطلب مستوىً كبيرا من التجانس الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، اي بكلمة اخرى، تجانس ثقافي لكي يمكن للعولمة التنظيم بين الامم. من بين الاسئلة المهمة حول الموضوع  اثيرت من جانب كينيث مينغو Kenneth Minogue، المشكك بالعولمة، هو كان مهتما بالآثار السياسية والاجتماعية للسوق العالمي، لأنه اعتقد ان الجانب الاقتصادي للعولمة كان يساهم في تآكل الهوية المدنية اكثر من اي شيء اخر. شعبية السوق العالمي ربحت النصر للعولمة، حسبما يرى، وانها وجّهت صفعة ثقيلة للفلاسفة السياسيين في التقاليد الليبرالية عندما اظهرت ان توق الانسان الداخلي للحرية والانجاز الذاتي يمكن اشباعه بسهولة باستهلاكية مجتمع السوق العابر. هذه العولمة نجحت بكونها اصبحت متغلغلة في حياتنا لدرجة جعلت مينوغو يتسائل ما اذا كانت قوانين الاقتصاد تقرر التجانس الظاهر في حياة الانسان. هو لم يجب ابدا على هذا السؤال بشكل محدد وانما استنتج بان الاعتقاد  بعالمية العولمة كان وهما اقتصاديا يمكنه وبشكل خطير ان يخدع المجتمع  حول "ديناميكية العالم الحديث".

عولمة المدن وانهيار الثقافة

لازال العالم الحديث، لم يأت للوجود بعد في عدة اجزاء من دولنا. في عدة اماكن، خلق تأثير العولمة فقط مظهرا للتحديث تنفذ فيه مشروعها، وانه جرى تجاهل مسؤوليته عن عدم الاستقرار الاجتماعي ومن ثم السياسي الحاصل الان في الديمقراطيات الليبرالية. أهم حدث معاصر الان  هو التحول المستمر "للمدن العالمية" global cities. ان الطريقة التي تلتقي بها الثروة والتكنلوجيا في المدن العالمية اليوم وسّع الفجوة الثقافية بين المدن الصغيرة ونظرائها من المدن العالمية. هذه القدور من الحب غير المقدس "حسب تعبير اوغسطين" تشترك بالمسؤولية  عن عدم استقرارنا العالمي .

المدن تؤثر على الثقافة، وعندما تُعولم المدن تصبح مراكز خالية من الثقافة بسبب الاندماج في التعدديات الثقافية. كل المدن المعولمة في العالم هي متشابهة ثقافيا مع بعضها اكثر مما في الاماكن الاخرى ضمن الوطن ذاته. هذا النقص في الثقافة المحلية في المدن يقابله تمسك ثقافي حيث لايزال المقيمون في عدة اجزاء يقيّمون ويمارسون شكلا من الهوية القومية والوطنية التي تقود حياتهم. العديد من الناس الذين يعيشون في الاماكن الهامشية التي هي خارج اهتمام العالم تكون العولمة اما وهما او منافس يتحدى سبل عيشهم. انها  تبدو اشبه بتفاهة لكن اتساع الانقسام بين العالمي والقومي ، العالمي والمحلي، يمكن اصلاحه باعادة التاكيد على الجالية. ولكن في عدة اماكن، بدا التركيز على اصلاح هذه  المشكلة الاجتماعية صعبا في ضوء الحقائق الاقتصادية الملحة. توتراتنا السوسيوسياسية تتصاعد لأن الصعوبات الاقتصادية للناس هي اما صامتة او متفجرة. ازدياد التجارة يتطلب حكومة اكبر. تحرير التجارة يوزع المكاسب بشكل غير عادل، لذا فان العمال ذوي الياقات الزرقاء الذين يخسرون وظائفهم او اولئك الذين يلتصقون باعمال وضيعة سيصبحون اكثر سوءا. لتصحيح هذا التأثير، تُمارس بعض الافعال الحكومية اما بمختلف اشكال التدخل الحكومي او ببرامج الرفاهية الموجودة سلفا والتي تعالج المشكلة فقط في سطحها الخارجي. ولكن بدلا من اعتبار المجتمع المرتكز على السوق ساهم في زيادة الحاجة الى دولة الرفاهية، من الملائم القول ان المشاكل التي تصيب فقراء امريكا، مثلا،  هي ليست مالية في الجوهر،  انها نتيجة الحرمان الاخلاقي والروحي ، حيث الناس لايعطون الاولوية لقيم العوائل الموحدة، الجاليات، الايمان وهو ما يخلق دورة من الفقر لا تستطيع تخفيفه اي حكومة بل  تجعله اكثر سوءاً . الفشل في إعطاء الاولوية للجالية على التقدم الاقتصادي والتكنلوجي، ساعد الناس غير المناسبين في التأثير على هذه القضايا وتشويهها بطريقة مناقضة للمجتمعات الحرة. هذه الفجوات الثقافية بين العالم المعولم وشبه المعولم  بقيت راكدة لفترة طويلة لتأتي اليوم في لحظة خطرة ، حيث قضايا العدالة الاجتماعية والهوية تفرض نفسها على الخطاب العام، واصبحت لها  جاذبية في الاوساط الاجتماعية.

مراحل العولمة

الجغرافي البرازيلي ملتن سانتوس Milton Santos عرض أحسن تحليل عن تأثير العولمة على الفقر الاخلاقي والمالي. وصف سانتوس العولمة بالخرافة التي تدّعي ان السوق الاستهلاكية يمكن ان تكون قوة تجانس اقتصادية. هو اعتقد ان السعي للاتساق والتماثل من خلال العولمة ادى الى مجتمع أقل توحّدا، مع زيادة ملحوظة فقط في "عبادة الاستهلاكية"والاعتماد على الدولة. هو في الاساس كتب  بناءً على تجربة العالم الثالث لكنه عمم  بحثه ليشمل الجماعات ذات الحاجة بشكل عام.

كان سانتوس مندهشا بنظريات وفلسفات التاريخ. العولمة، كما عرّفها مجموعة مركبة من نظام جديد من التقنية والسياسة الى جانب التقدم التاريخي. عندما قال كانط  ان التاريخ تقدّم بدون نهاية، وسّع سانتوس هذا القول مضيفا بان التاريخ هو ايضا "تقدم لا متناهي في التقنية". مع كل تقدم تكنلوجيي، فان مرحلة تاريخية جديدة تصبح ممكنة. طبقا لسانتوس، ان المرحلة الاولى كانت تقسيم العمل الدولي الذي ترسّخ بظهور مراكز المدن والهياكل التشريعية القادمة بشكل رئيسي من الغرب، المرحلة الثانية كانت الثورة ما بعد الصناعية حيث المناطق الحضرية استثمرت في مواقعها الجغرافية عبر تطوير النقل البري والبحري لتسهيل تراكم راس المال على نطاق اوسع ، اخيرا، سمى سانتوس المرحلة الثالثة "ثورة الاستهلاك"التي شجعت التصنيع السريع في الاماكن غير المتطورة.

كانت المدن اول منْ تأثر بالفقر الحضري(اطراف المدن) عندما اصبح من الصعب معالجة قضايا مثل الاسكان، العمل، التهميش، الهجرة، والازدحام. مشكلة المدن الحضرية هي ان العولمة تنشر الابتكار"من المناطق القطبية الى المناطق الهامشية والثانوية، ومن الفترات التاريخية السابقة الى فترات لاحقة. المناطق القطبية (المناطق المتطورة) تسرّع التغيير في المناطق الهامشية (المناطق غير المتطورة). هكذا، جسدت العولمة الاماكن غير المتطورة بشكل من التقدم التاريخي المنهك. تطورها السوسيواقتصادي اعتمد على كيفية وتوقيت احساسها بضغط العولمة وليس بالنمو الطبيعي لها.

العولمة اول ما استقطبت الناس حسب الطبقة والمكاسب الاقتصادية قبل الظاهرة الحالية من الاستقطاب التكنلوجي . سانتوس كجغرافي ركز على التأثيرات المكانية للعولمة في العديد من الدول النامية، وهو ما يفسر سبب ارتباط نقده بتنمية المدينة. هو ادرك ان الطريقة التي نُظمت وصُممت بها الاماكن لها تأثير مباشر على تصور الناس لمكانهم في المجتمع. هو اعتقد ان العولمة كانت تُضعف التصادم الاساسي بين المستهلك والمواطن حين وضعته في بيئة يُنظر فيها للاستهلاكية السائدة والمواطنة  كشيء قديم الطراز.  المشاركة المدنية لها تأثير قليل عندما لايرى الافراد ان حكومتهم تعمل لأجلهم. بدلا من ذلك، فان امكانية وجود مستقبل لمواطنة كاملة دائمة يعتمد على الحلول المحلية ، ومنع امكانية ان يصبح  الانتاج والاستهلاك المواطنة الجديدة حسب سانتوس.

الهوية الثقافية

لو وضعنا كل الانتقادات جانبا، لا استنتاج يمكن طرحه حول العولمة بدون الاعتراف الذي لا مفر منه  بفوائدها، حتميتها، استحالة إبطالها. مساعدة الامم الاخرى هو شيءضروري ونبيل. جرعة معينة من العولمة كانت مفيدة حين حسّنت الصحة والتعليم وثروة العديد من المجتمعات. الخطر يأتي عندما نتوقف عن الاعتقاد بالشكل التعددي لهذه المشاريع ونسعى لجعلها مشروع عولمي واحد. ان اساس النظام العفوي الذي يفخر به نظام السوق هو ان التعددية طبيعية، جيدة، وضرورية للابتكار والتبادل. لكن التعددية يمكن المحافظة عليها فقط من خلال تعزيز الروابط المحلية التي تحفز الناس على تطوير وحماية بيئتهم المعينة. ولو انتقلنا خطوة اكثر، سنرى ان التعددية لن تستمر بدون دولة قومية كأحسن غطاء لتواريخنا و ثقافاتنا المتفردة والمتغيرة . ان مشكلة العولمة وعدم استقرارنا  الاجتماعي تكمن في تأثير العولمة على النفسية المدنية، انها تزيل ارتباطنا بأرضنا والذي بدوره له تأثير واضح على تضامننا القومي،  وعلى التزاماتنا تجاه جيراننا وجالياتنا والتي يجب ان تاخذ الاولوية دائما . العولمة تسألنا لنختار بين الحفاظ على ثقافاتنا او احتضان التعددية الثقافية،  الاخيرة هي فقط مظهر تقليدي.

 

حاتم حميد محسن

.......................

 المصدر:Imaginative conservative,Nov,2019

 

قاسم حسين صالحفي خمسينيات القرن الماضي كانت الجمعية العامة للأمم المتحدة لا تعترف باللغة العربية، بل كانت لا تجيز الترجمة التحريرية الى العربية الا بشرطين:ان تكون الوثائق ذات طبيعة سياسية وقانونية تهم المنطقة العربية، وان تدفع الدول العربية تكاليف الترجمة!

 وبجهود دبلوماسية مميزة للمملكة المغربية، من خلال منصب رئيس المجلس التنفيذي لمنظمة اليونسكو الذي كان يشغله السيد محمد الفاسي، وسفير المغرب لدى الأمم المتحدة في حينه السيد رشيد الحلو، وباسناد من المملكة العربية السعودية وعدد من الدول العربية، وافقت الأمم المتحدة في العام 1973 بقرارها الرقم 3190 باعتماد الثامن عشر من ديسمبر / كانون الأول يوما عالميا للغة العربية، بجعلها لغة رسمية للجمعية العامة وهيئاتها. واستمر العمل بهذا القرار الى عام 1977 حيث تم ادراج تكاليف الترجمة الى العربية ضمن الأعباء اللغوية للأمم المتحدة، ونالت حظها كلغة اممية الى جانب خمس لغات معتمدة هي: الانجليزية، الفرنسية، الصينية، الاسبانية، والروسية.

وللتاريخ فان اميركا كانت من المعارضين لهذا القرار، مبررة ذلك بان ملوك وأمراء ورؤساء العرب يجيدون التحدث بالأنجليزية!، برغم ان عدد الذين يتحدثون العربية يزيد على (425) مليون نسمة متفوقة على عدد الذين يتحدثون بالروسية اوالفرنسية.

 لا نريد ان نتحدث هنا عن كامل مزايا اللغة العربية بوصفها من اقدم اللغات السامية، وانها لغة القرآن، والبلاغة والبيان، والاستقامة والترادف والمعاني الجميلة، وتفوقها على لغات العالم بمفرداتها الحية التي تبلغ فيها ( 000 303 12)كلمة، فيما عددها باللغة الأنجليزية (000 600) وفي الفرنسية (150000) وفي الروسية (130000)، ولا عن الذين كتبوا فيها من العلماء والمفكرين والأطباء وما كانوا عربا، ولا الشعراء في عالمنا العربي، وابلغ ثلاثة بينهم (احمد شوقي ومعروف الرصافي وجميل صدقي الزهاوي) كانوا من الكورد وليسوا عربا!.

 نشير فقط الى ان العربية لها اهمية خاصة لدى المسلمين كونها لغة مقدّسة لا تتم الصلاة الا باتقان بعض مفرداتها، فضلا عن انها لغة شعائرية رئيسة لدى عدد من الكنائس المسيحية في الوطن العربي، وان الكثير من اهم الأعمال الدينية والفكرية والعلمية اليهودية في العصور الوسطى قد كتبت بها.وكانت، بعد انتشار الاسلام وتأسيسه دولا، لغة السياسة والعلم والادب لقرون طويلة، وما يزال تأثيرها موجودا في عدد من اللغات لاسيما الفارسية، التركية، الكوردية، الماليزية، البرتغالية، والاسبانية.

 وكانت جامعة قرطبة بحضارتها العربية الراقية يقصدها الطلبة من كل بلدان اوروربا.ويذكر ان الشاعر الاسباني لوركا كان قد سئل:هل تعتبر المرحلة العربية بتاريخ اسبانيا.. استعمارا؟ اجاب:المرحلة الوحيدة المضيئة في تاريخ اسبانيا هي المرحلة العربية، وما قبلها كان ظلاما.

ولقد شاهدت في زيارتي الأخيرة لأسبانيا ان الأسبان نحتوا التماثيل لأطباء ومفكرين وقادة عرب تكريما لهم، ليس لهم ذكر في زماننا هذا مع انهم ونحن.. عربا!

ما يعنينا هنا هو التنبيه الى ان لغتنا الجميلة تعيش محنة من اهلها نوجرها في خمس قضايا:

الأولى: ان البلدان التي نجحت في تحقيق تنمية اقتصادية واجتماعية، تم لها ذلك باعتماد لغتها القومية، ولك ان تستشهد بكوريا الجنوبية، فضلا عن الصين واليابان. فلقد كانت كوريا من افقر دول العالم فيما تعدّ الآن سابع دولة صناعيا. وفي كتابه (امبراطورية الكلمة.. تاريخ اللغة في العالم) يتوصل نيكولاس الى ان تاريخ العالم وامبراطوريته ما حدثت من خلال مساحة الوطن او اقتصاد الدولة او تعداد الشعب بل من خلال ازدهار اللغة وانحسارها من عصر الى آخر.ولقد اكتشف الأنثروبولوجيون أن اللغة هي المعبر الأول بين حضارة سابقة وحضارة لاحقة، وأكد المؤرخون أن اللغة تمثل هوية الأمة، فيما الذي يجري الآن في العراق ان حضارته قد صابها انقطاع، وأن اللغة العربية تشكو من هزال، وانها تتعرض فيه الى انتكاسة خطيرة بظهور الهويات القاتلة.

الثانية:  صحيح ان الذين جاءوا الى الحكم احالوا الوطن الى خراب وحياة المواطن الى شقاء، لكننا ما كنّا نتصور ان اساءاتهم ستنال من لغتنا الجميلة.فكثير من المسؤولين السياسيين والنواب يرتكبون اخطاءا لغوية مخجلة حين يتحدثون، ويخطئون ليس فقط في اسم كان وخبر ان ورفع المجرور والمضاف اليه، بل حتى في املاء كلمات بسيطة.. ولك ان تطلع على فضائحهم اللغوية عبر الفيسبوك، فاحدهم بمنصب مدير عام يكتب شكرا بالنون هكذا (شكرن)، وآخر يكتب لكن هكذا (لاكن)!.

 والأساءة الاوسع انتشارا والأكثر خطرا ان فضائياتهم التي تجاوزت الخمسين، ترتكب اخطاءا فاحشة بحق اللغة. فمعظم العاملين فيها من المذيعين والمذيعات يرفعون المفعول وينصبون الفاعل والمجرور!.وتلك فاحشة ما حدثت في تاريخ المؤسسات الاعلامية العراقية.ففي السبعينيات، اعلنت مؤسسة الاذاعة والتلفزيون عن حاجتها الى مذيعين ومذيعات.. تقدم في حينها اكثر من (1200) من حملة البكلوريوس.. خضعوا الى اختبار من لجنة ضمت مديرها العام (محمد سعيد الصحاف)، ومدير اذاعة صوت العرب (سعد لبيب)، وكبير المذيعين سعاد الهرمزي، والراحلان الدكتور عبد المرسل الزيدي وبدري حسون فريد.. اجتاز الاختبار عشرة فقط!.وقد تلقينا نحن العشرة تدريبا بدورة اذاعية في اللغة والصوت والالقاء والدراما وتحرير الخبر لثلاثة اشهر! سمح لنا بعدها دخول الاستديو، لا كما يجري الآن.. ياتون بهم (بهنّ) من البيت الى الاستديو!

الثالثة: ان العرب عموما يتباهون بالتحدث بلغة اجنبية لاسيما الانجليزية، وشاعت في الامارات بشكل خاص ظاهرة اساءت جدا الى اللغة العربية هي ان من يتحدث بها يعدّ متخلفا، وان عليك التحدث بالانجليزية حتى مع العاملين في (المولات) مع انهم عربا!. وتشيع الآن في العراق ظاهرة التدريس باللغة الأنجليزية من رياض الأطفال..  وهذا جيد ومطلوب ان كان الهدف تعلمها بوصفها لغة ثانية، فيما الواضح هو تفضيلها على اللغة العربية.

الرابعة: ان العراقيين في بلدان المهجر الذين تجاوز عددهم السبعة ملايين، لا يتحدث معظمهم مع اطفالهم بلغتهم العربية حتى لو كانوا على مائدةالطعام!.. مع انهم يتلقون تعليمهم بلغة البلد الذي هم فيه، وان المطلوب من العائلة العراقية في المهجر ان تعمل على تنمية الشعور بالانتماء للوطن من خلال التحدث معهم باللغة العربية، وتذكيرهم بانها ما عادت (مخجلة) بعد ان اصبحت سادس لغة يعترف بها العالم. والتوصية ذاتها مطلوبة من الاسرة العراقية في الداخل.. بضرورة تشجيع اطفالهم على تعلم اللغة العربية الفصيحة.

والخامسة: ان جيل (الانترنت) من الأطفال والمراهقين والشباب، تولعوا بمفردات اللغات الاجنبية وتولد لديهم نفور من اللغة العربية، وشاعت بينهم مفردات من قبيل (كنسلها، دلّتها، سيفها.. ).. بعكس جيل السبعينيات الذين تربوا على برامج تلفزيونية تحبب لهم لغتهم مثل (لغتنا الجميلة) و (لغة الحروف.. جعفر السعدي بدور استاذ القواعد ومعه سهى سالم بدور الآنسة قواعد، ومحمد حسين عبد الرحيم الذي يحلم بأنه راى قوري فترد عليه الآنسة قواعد: ليس في لغتنا قوري بل ابريق الشاي)، وبرنامج المناهل.. الذي يبدأ بأغنية (هذي لغتي.. فوق الشفة كالأغنية.. المنـــــاهــل).. وأخرى يتذكرها ابناء ذالك الجيل وما تزال مطبوعة في ذاكرتي كوني كنت يومها مشرفا على برامج الأطفال. 

ما يؤلم حقا ان اللغة العربية كانت، في العراق تحديدا، حزينة في يوم الاحتفاء بفرحها.فلقد مرّ يومها باهتا على الصعيدين الرسمي والاعلامي.ذلك لأن معظم من في السلطة بين من يشعر بالنقص في علو شأن العلماء والأدباء، وبين جهلة لا يدركون ان جعل العربية لغة رسمية أمميا الى جانب خمس لغات عالمية فقط، يعدّ اعترافا بحيويتها وتطورها واعترافا بمساهمتها في تطوير الحضارة الانسانية عبر غزير عطاءات مفكريها وعلمائها واطبائها وادبائها، ولا يعنيهم تكريم علماء اللغة العربية في يومها، وليس في حساباتهم ولا يخطر على بالهم ما تفعله دول تحترم مفكريها. فالصين مثلا اعتمدت العشرين من نيسان يوم اللغة الصينية تخليدا لذكرى سانغ جيه مؤسس الأبجدية، وروسيا اعتمدت السادس من حزيران يوم اللغة الروسية تكريما لميلاد شاعرها الكساندر بوشكين، وبريطانيا اعتمدت الثالث والعشرين من نيسان تخليدا لوفاة ويليام شكسبير. والكارثة تكمن في ان ثقافة القبح التي اشاعها الاسلام السياسي قد شوهت كل جميل في الوطن.. حتى وجه لغتنا الجميلة، وأن على شباب التحرير أن يعيدوا لها حيويتها وبهاءها وايقاعها الموسيقي الذي يطرب كل السامعين!

أ. د. قاسم حسين صالح

 

 

عبد الحسين شعبانتنظر الغالبية الساحقة من الناشطين في ميدان حقوق الإنسان إلى الأديان باعتبارها نقيضاً لحقوق الإنسان، وهو الموقف ذاته الذي تتخذه الأوساط الدينية بشكل عام إزاء منظومة حقوق الإنسان، باعتبارها خارج دائرة الإيمان. ويرتفع الجدل حول "أحقية" كل فريق منهما وادعاءاته، في حين تُهمل المشتركات الإنسانية الجامعة لبني البشر، تلك التي تشكل عموداً محورياً للأديان أساسه الإنسان، الأمر الذي يقتضي البحث عن الجوامع المقرّبة وليس الفوارق المُباعدة.

في الدين حقوق للإنسان، مثلما في حقوق الإنسان قيمٌ دينية، وفي الكثير من الأحيان تستمد الحركة الحقوقية الإنسانية قوتها من المنابع الدينية المتأصلة فيها، وهو الأمر الذي ينبغي للعاملين في ميدان حقوق الإنسان إدراكه، لأنه يكسبهم قوة مهمة وأساسية، بل وحليفاً جديداً إلى جانب الشرعة الدولية، مثلما يُكسب الأديان ذاتها بُعداً أكثر إنسانية وتقدّماً ومدنية.

علينا أن نتذكر أن العديد من المعارك الكونية المتعلّقة بالحرّية والكرامة قادتها شخصيات من منابع دينية مثل المهاتما غاندي في الهند رائد المقاومة المدنية - اللّاعنفية والذي اغتيل في 30 يناير (كانون الثاني) 1948، وعبد الغفار خان  الذي شارك في المقاومة السلمية عبر سلاح " الصبر والاستقامة"  وأوسكار روميرو من السلفادور أحد أبرز روّاد لاهوت التحرير الذي اغتيل في العام 1980، ومارتن لوثر كينغ في الولايات المتحدة،  القس الذي قاد حركة الحقوق المدنية من أجل المساواة، والذي اغتيل في 4 أبريل (نيسان) 1968. وكان العديد من قادة حركة التحرّر الوطني ضد الاستعمار من رجال الدين المسلمين والمسيحيين وغيرهم من المؤمنين، ناشطين من أجل التحرّر والاستقلال والعدالة، وغالباً ما يقومون بذلك لإيمانهم الديني الذي يمنحهم قوة أخلاقية وروحية وشرعية شعبية.

لم أجد غضاضة في التلاقي بين حقوق الأديان وحقوق الإنسان، بل أعتبر ذلك أمراً طبيعياً وواجباً على  الطرفين تنميته بما يعزّز الكرامة الإنسانية المتأصلة في البشر، فالأديان عموماً تدعو إلى المحبة بين البشر واحترام حقوقهم بغض النظر عن اختلافاتهم، بما يعني توفير المستلزمات الضرورية لحماية منظومة الحقوق الإنسانية التي تسلّم بها الأديان، فأين تكمن الإشكالية إذاً؟

الإشكالية في استخدام الدين أحياناً لقمع الأصوات الشجاعة المطالبة بالتغيير، بل يتم تبرير القمع وانتهاك الحقوق ممالأة للحكام، وفي أحيان أخرى لخدمة مصالح خارجية، بما يلحق الضرر بحقوق الأديان والإنسان، سواء في الترويج للتعصّب ووليده التطرّف ونتاجهما العنف والإرهاب، مثلما يخطأ بعض نشطاء حقوق الإنسان  حين يعتبرون مثل هذا السلوك يمثّل الدين أو يعبّر عنه، فيكون رد فعلهم معاداة الدين في حين ينبغي عليهم مواصلة الكفاح ضد التعصّب والخرافة والتفسيرات الماضوية للدين بما فيها إضفاء صفة القداسة على ما يطلق عليه "رجال الدين".

وهكذا يبالغ بعض دعاة حقوق الإنسان في مجتمعاتنا العربية والمسلمة بالعلمانية ويضعونها نقيضاً للدين، وبالمقابل يستخدمها بعض المتدينين بصفتها رديفة للإلحاد، ويستند الفريق الأول إلى أن "الإعلان العالمي لحقوق الإنسان" لم يتضمن أي إشارة إلى الله، وينسون إن ذلك وضِعَ لتقبّل الناس هذا الإعلان على اختلاف دياناتهم بمن فيهم الذين بدون دين سماوي أو أرضي. ومثل هذا الأمر يقود إلى إبعاد أوساط واسعة مؤمنة بالله عن حقوق الإنسان والمشتركات الكثيرة التي تجمع المتدينين بالعلمانيين، لاسيّما كونهم بشرٌ مثلهم ولهم نفس الحقوق والواجبات والتطلّعات، حتى وإن كانت هناك بعض الجوانب الاختلافية العقائدية.

ويخطأ بعض الناشطين في حركات حقوق الإنسان حين يبعدون المتديّنين عن التواصل مع هذا الحقل المهم، مثلما يخطأ بعض المتدينين حين يعتبرون هذا الحقل خاص بالعلمانيين، ولذلك لا بدّ من تجسير العلاقة، بما يعزز الثقافة الحقوقية في الأوساط الدينية والمدنية، لكي لا تتسع الفجوة بين المجموعتين، فالدين هو وجهة نظر كونية تتضمن القيم المتأصلة في الإنسان بما فيها حياة الإنسان ونظام الكون وتطلعات المستقبل، إذْ أنّ خسارة حقوق الإنسان للأديان ستكون كبيرة جداً لما فيها من قوة روحية ومعنوية مؤثرة تستحوذ على عقول مليارات البشر، مثلما تكون حقوق الإنسان ضرورة لا غنى عنها لحماية المتدينين من الانتهاكات أيضاً لأسباب دينية أو مذهبية أو طائفية، وذلك عبر الدعوة لنظام يحترم حقوق الجميع ويؤكد على مبادئ المساواة والحق في تأدية الطقوس والشعائر الدينية بحرية.

وعلينا إدراك أن القوة الدينية التي لا ترتبط بالتزامات حقوق الإنسان تتحوّل إلى قوة شيطانية عمياء خطرة ومدمّرة مثلما هو "داعش" والجماعات الإرهابية، بغض النظر عن مسمياتها وشعاراتها،         فالبشر خلقوا من خالق واحد وهم سواسية عند الله، ويتمتعون بحقوق مشتركة ومتماثلة وهو ما تؤكده الشرعة الدولية لحقوق الإنسان، ولعلّ ذلك ما كان مثار حوار معمّق بدعوة من " منتدى التنمية والثقافة والحوار" و" حوار الأديان الدانيماركي- العربي" في أيانابا (قبرص) بحضور وازن لشخصيات فكرية وثقافية وحقوقية.

 

عبد الحسين شعبان - باحث ومفكر عربي

 

 

"كل حق في العالم.. كان لا بد من النضال.. لأجل اكتسابه"!!!

يكتسب التراجع الديمقراطي بكل بلد وجوهًا مختلفة وفقًا لتقاليده وتاريخه وإن مفتاح "الكفاح من أجل حقي" تتكرس بشعار: "كل حق في العالم كان لا بد للنضال لأجل اكتسابه"، على أساس أن ذلك الكفاح لا يتكون فقط في المواجهة الاجتماعية، لأنك ومعه تناضل من أجل حقوقك عبر تطبيق معرفتك وثقافتك وطريقتك التربوية، والتي توقن أنها أفضل الطرق لتوحيد الحقوق والتعليم الأساسي والمتخصص ونقل المعرفة بجزء مما نسميه "ثقافة الحقوق"، والتي هي الأساس الضروري للعمل السياسي والمجتمعي بامتياز. والتعليم هو حاجة أساسية وأولوية وإن المجتمعات الديمقراطية التي تحاول أن تعيش ديمقراطية أفضل وأفضل هي ليست مستدامة من دون معرفة الحقوق التي يتمتع بها المواطنين ومن دون إدراك لحالتهم من هم السادة الحقيقيين، ولكن في مجتمعات مثل مجتمعنا حيث تسود الذرية التعددية من الضروري أن نعلم بالتمييز بين الرغبات والتوقعات والمصالح والحقوق، حتى تلك التي يمكن أن نعتبرها حقوقنا غالباً ما تتعارض مع حقوق الآخرين لأن الاختبار الحقيقي للحقوق هو تعلم المعرفة والاحترام لتأخذ حقوق الآخرين على محمل الجد من حيث الأولوية السياسية للتثقيف في ضرورة اقترانهم لتجنب الضرر للحقوق القانونية ذات الأولوية، بالإضافة إلى ذلك فأن الحقوق لا تُكتسب مرة واحدة وإلى الأبد لكن الكفاح من أجل ضمانها هو مهمة دائمة تلزم جميع المواطنين وليس فقط السلطات العامة والمسؤولين بموقف اليقظة وكيفية تشكيل ذلك التصرف والحفاظ عليه بتيقظ.

  مقترحنا جاء لتقوية الأدوات بحيث تتجذر ثقافة الحقوق في مجتمعاتنا بالتثقيف على وجه التحديد بشأنها وبالتالي ينبغي أن تكون أولوية للسلطات العامة وللعاملين الاجتماعيين ولجميع المشاركين في العملية التعليمية, غير إننا لو كنا أكثر وعياً بهشاشة الديمقراطية والتضحيات الهائلة التي كلفتها للوصول إليها وبالسهولة التي يمكن أن تضيع بها إذ لم نعتني بها بالحقائق وليس الكلمات، ونجد المزيد من الحماس للدفاع عنها ضد الانتهازيين الذين يستفيدون من أي نظام سياسي وكذلك بالنسبة لأولئك الذين يستخدمونه لمصلحتهم الشخصية أو يخدعونه بشدة أو يحاولون تدميره. ومن المثير للقلق أن نرى في فترة وجيزة من الزمن ظهور أعراض الرعب الشمولي، وما مدى عودة ظهور الحلول المتطرفة تلك التي تدعي أنها تأتي لإنقاذ "الشعب" أو "الأمة" في مواجهة مظالم الرأسمالية أو صد الثقافات والتقاليد الأجنبية حتى الإنجازات الهائلة للديمقراطية الاجتماعية الأوروبية بجهدها الكبير لإضفاء الطابع الإنساني تم تجاهلها ومحيها وتحولت الأنظمة وقادتها بتفضيل التنافس على الجوهر العقائدي المفترض وانتهى بهم الأمر إلى فقدان السبب الأساسي لوجودها، مما اظهر الحلول المتطرفة المدعية على أنها أتت للإنقاذ وأدت أيضا إلى التقاء الأزمة الاقتصادية والثورة التكنولوجية في القرن الجديد إلى إبطاء دائرة الازدهار التي كانت مرتبطة بها وأعادت رواكد قاع الحالة الإنسانية كالخوف والطائفية والتعصب والقومية إلى الحد الذي انخفض فيه النظام وتضخمت العديد من المشكلات التي كان يتعين عليه حلها مرة أخرى كالنزاعات والانقسامات الاقتصادية والاجتماعية وتلفيق الأعداء الخارجيين والتطرف وعلت الأصوات مرة أخرى على عدم قابلية الديمقراطية وحتى على استهجان استحسانها.

هل هذا الاتجاه قابل للعكس؟ هل نسير على حافة الاستبداد أم أننا نعاني من اضطرابات يمكن للديمقراطية التغلب عليها؟ربما يكون من المناسب الإشارة إلى أن أزمة الديمقراطية الليبرالية لا يجب أن تنتهي في نظام شمولي أو غير ديمقراطي تمامًا مما يوضح لنا الواقع أكثر إلى إن ظهور نماذج غير ليبرالية وشبه ديمقراطية لربما يكون في ظل ديمقراطية مع انتخابات دورية، وإننا ألان نشهد أكثر من تغيير جذري في النظام وتدهورًا تدريجيًا للديمقراطية لا يمكن أن يحد من حلم حريتنا فحسب بل يضر أيضًا بتعايشنا بشكل خطير، ولتجنب هذا التدهور فالمسؤولية تكون على الجميع واحترام الأفكار التي لا يتم مشاركتها يعني عدم الاستجابة لها ورميها بالشتائم وعدم الأهلية، لان الديمقراطية ليست مجرد نظام سياسي يختار قادتها بطريقة معينة بل هو نظام سياسي يتصرف حكامه ومواطنيه بطريقة معينة تختلف عن الديكتاتوريات ليس فقط في الطريقة التي يختارون بها قادتهم ولكن في الطريقة التي يعاملون بها مواطنيهم وبطرق نيل حقوق بعضهم البعض.

 

بقلم/ الدكتور ميثاق بيات ألضيفي

 

حيدر جواد السهلانيللعلم تاريخ طويل بدأ اثر محاولات وتجارب اولية عديدة قام بها الانسان البدائي، بغرض حل بعض معضلات الحياة وتحقيق اغراض ظرفية، لكنها مع ذلك كانت كافية لبدأ العلم، ويطرح مؤرخ العلم كرواثر ان العلم اقدم عهد واسبق في الوجود من الانسان ذاته. ويوصف العلم بأنه منهج بحث لانتاج المعرفة، او بأنه مجموعة من الاجراءات المعروفة التي تراجع وتصوب بأستمرار وتقود الى خلق نظريات تتطور في كنف المعرفة نفسها، ومن مميزات العلم الموضوعية والتحليل والتركيب والتحقق عن طريق البرهنة والتجريب.(1)

فلسفة العلم هي حديث فلسفي عن العلم، وقد ظهر هذا الفرع من الفلسفة في بداية او وسط القرن التاسع عشر، وسبب هذا الظهور وتزايد على هذا الفرع هو من قبل الفلاسفة والذين يرون بأن العلم خاضع الى التجربة حقق نتائج كبيره ومن العلماء الذين يرون بأن العلم لابد ان يخضع لأسئلة الفلسفة، فظهر فلاسفة علم كثيرون منهم من كان عالمآ وعمل بالفلسفة ومنهم من كان فيلسوفا وعمل بأختصاص فلسفة العلم. وبذلك ان فلسفة العلم كمبحث تخصصي ومتميز، يهدف الى تكوين معرفة بالمعرفة العلمية او نظرية عن النظرية العلمية.(2) و فلسفة العلم هي الفلسفة التي تركز اهتمامها بمنطق ومنهج العلم وخصائصه وشروط المعرفة العلمية وكيفية تقدمها، وكافة العوامل التي تساهم في عملية التقدم، حيث ان فلسفة العلم تقدم آليات معرفية ومنهجية في سبيل تشكيل العقل لتمكينه من حل كافة المشاكل والعراقيل التي تعترضه، وفلسفة العلم ليست جزءآ من العلم ذاته، وانما هي ذلك الفرع من الفلسفة الذي يستهدف فحص العلم وتحليله بطريقة نقدية، وكذلك تسعى فلسفة العلم الى فهم اهداف العلم ومناهجه ومبادئه وتطبيقاته وانجازاته. اماعن نشأة فلسفة العلم فيكاد يكون هناك مايشبه الاتفاق على ان اول من وضعه هو الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي اوجست كونت(1798- 1857) الذي عرفه بأنه الدراسة الخاصة للمفاهيم العامة لمختلف العلوم من حيث ان هذا الدراسة خاضعة لمنهج واحد، وعلى ذلك ان فلسفة العلم هي دراسة لمفاهيم ومناهج العلم بقصد الاستفادة منها في مجالات اخرى تسعى للوصول الى العلمية، وفي القرنين التاسع عشر والعشرين شهدت فلسفة العلم تطورآ كبيرآ، بل اصبحت هي اهم فروع الفسفة واكثرها تطورآ، واهتمت فلسفة العلم بالاجابة على عدد من الاسئلة مثل ماهو العلم وماهي طبيعته وماهي حدوده. وعند الرجوع الى تاريخ الفلسفة، نجد كثير من الفلاسفة عملوا في مجال العلم وصاغوا نظريات كثيرة في العلم، واعتمدوا على الملاحظة، لأعطاء وصياغة ارائهم الفلسفية، فمثلآ طاليس اول الفلاسفة الذي اعتمد على الملاحظة في صياغة رأيه الفلسفي وهو اصل الكون الماء، والفيثاغورين هم جماعة علمية دينية سياسية يخضعون لنظام مشترك ويعملون في الرياضيات والفلك، ويعتقدون ان العلم هو خير وسيلة لتهذيب الاخلاق، وافلاطون الذي كتب على باب الاكاديمية لايدخلها الا من كان ملمآ بالهندسة، وذلك لأيمانه بأن العلم له نصيب كبير من المعرفة. وبذلك اهتم فلاسفة اليونان كثيرى بالعلم، اما فلاسفة المسلمين كان لديهم الكثير من  العلوم سواء في الطب او الفلك او البصريات والكيمياء. ولقد بدأت التفرقة في العصر الحديث بين العلم والفلسفة على يد رواد البحث العلمي التجريبي من فلاسفة وعلماء، الذين اعتمدوا الملاحظة والتجربة والآلآت والادوات التي تمكنهم من دراسة الظواهر الطبيعية واكتشاف اسرارها، فكان من نتيجة ذلك انفصال العلوم الجزئية عن الفلسفة ومنها علم الفيزياء والكيمياء وعلوم الحياة، كما انفصلت علوم اخرى لاحقآ مثل علم النفس وعلم الاجتماع وعلم الانثروبولوجيا.(3) وتاريخ العلم منذ الاغريق الى وقتنا الحاضر ماهو الا تاريخ انشقاق قسم من الفلسفة تلو الاخر لتصبح فروعآ معرفية مستقلة، اذ في القرن الثالث قبل الميلاد جعلت اعمال اقليدس الهندسية في علم المكان تنفصل عن الفلسفة، الا انها كانت تدرس بواسطة الفلاسفة في اكاديمية افلاطون وقد جعلت ثورة غاليلو وكبلر ونيوتن في القرن السابع عشر من الفيزياء موضوعآ منفصلآ عن الميتافيزيقا.(4) ولكن مع هذا لايمنع من وجود نزوع علمي عند الفلاسفة ونزوع فلسفي عند العلماء، وظهور انظمة فلسفية ذات اسس او توجهات علمية ونظريات علمية ذات ابعاد فلسفية.(5) ومنذ  القرن العشرين ازداد الاهتمام بفلسفة العلم ومن اهم من بحثوا في فلسفة العلم وتاريخ العلم هم  سارتون(1884- 1956) وكراوثروباشلار(1884- 1962) ورايشنباخ(1891- 1953) وهنري بوانكاريه(1854- 1912) وبرتراند رسل(1872- 1970) ووايتهد(1861- 1947) وتوماس كون(1922- 1996) وكارل بوبر(1902- 1994) وامري لاكاتوش(1922- 1974) وجورج لاكاتوش وفي وطنا العربي من اهم من كتب في فلسفة العلم يمنى طريف الخولي(1955- )، وقد تناولوا العلم بالبحث والفحص والتحليل ومراجعة تاريخه ومن قال بان العلم تراكمي ومن رآى العلم عبارة عن ثورات ومن يرى العلم هو قطيعة ومن يرى بأن العلم عبارة عن زمرة علمية تحدد العلم.

يؤكد الكثير ان هناك رابط وثيق بين الفلسفة والعلم، اذ فلسفة العلم اصبحت لاتنفصل عن الابعاد التاريخية لظاهرة العلم وتعتني عناية شديدة بتاريخ العلم، وان مسألة العلاقة بين العلم والفلسفة هي في حد ذاتها مسألة تاريخية معقدة، ومسألة التاريخ هي في حد ذاتها موضوع تساؤل  بأعتباره علمآ، فالكثير من الاختصاصات كانت تعد علمآ وليس فلسفة.ومع ذلك ان الصلة وثيقة بين الفلسفة والعلم، اذ مثلما يؤثر العلماء في بناء الانظمة الفلسفية، فكذلك يؤثر الفلاسفة بأنظمتهم الفلسفية في بناء المعارف العلمية.(6) (وهذا واضح بكثير من النظريات العلمية او الفرضيات الفلسفية، فكثير من الفلاسفة اعتمد على الطرح العلمي في بناء فرضية فلسفية، اما العلماء فكثير ما اتبعوا المنهج الفلسفي والفرضيات الفلسفي في صياغة نظرياتهم) وبذلك يرى كثير من الباحثين ان العلاقة متلازمة بين الفلسفة والعلم في الفكر الفلسفي، فالعلم يخدم الفلسفة من خلال محاولة حل بعض الاشكاليات التي تطرحها في الواقع، ان الفلسفة كثيرآ ما يستندون الى العلم، كما ان الفلسفة كثيرآ ما الهمت العلماء وهذا ما اكده كارل بوبر "ان المشكلة الفلسفية الوحيدة هي عينها المشكلة العلمية وهي مشكلة فهم العلم" وظهر الانفصال تدريجيآ من القرن السادس عشر، (ويبدو ان هذا الرأي غير صحيح فأبقراط كان طبيبآ ولم يكن فيلسوفآ واقليدس لم يكن فيلسوفآ كان عالمآ بالهندسة ورياضيآ، وكثير من كان مختصآ بالفن، اذا الانفصال بين الفلسفة والعلم وجد من بدايات التفكير لكن عدم دقة التجربة هي من دعت للعمل بالنظريات الفلسفية، وعند اختراع الآلة ودقتها جعل البعض يلتجأ الى الآلة لأثبات الحقيقة) ان فلسفة العلم هي من تتكفل في البحث عن تاريخ العلم وتظطلع بالتفكير في ذات العلم، في منهجه ومنطقه وخصائص المعرفة العلمية، فالعلم على حد قول هايجر(1889- 1976) لايفكر بذاته، أي لايعني بذاته ولايلتفت الى ماضيه، اما الفلسفة فتاريخ الفلسفة هو ذات الفلسفة.(7)

هناك فرق بين الفسفة العلمية وفلسفة العلم، وهو كل عمل يتناول تحليل المفاهيم والطرق المعرفية والمنطقية فهو في صلب فلسفة العلم، وكل عمل يتوسل بالنتائج العلمية من اجل رسم صورة شاملة فهو في صلب الفلسفة العلمية. وايضآ الفرق بين العلم وفلسفة العلم، ان العلم عبارة تتحدث عن الظاهرة حديثآ مباشرآ، اما اذا تناولنا العبارة العلمية بالتحليل والتعليق، فعندئذآ لا يكون مدار كلامنا هو الظواهر الخارجية، بل يكون مداره هو العبارات العلمية ولهذا فهو فلسفة العلم وليس علمآ، اذ تهتم فلسفة العلم بالدراسة والتحليل والنقد المعرفة وانواعها، امثال المعرفة الحسية والمعرفة العقلية والمعرفة التجريبية والمعرفة الحدسية، وغيرها من المعارف العلمية لبيان درجة اليقين فيها وحدودها في الوصول الى الحقيقة والموضوعات التي تتعامل معها هذه المعارف ومدى امكانية تحقيق اليقين فيها وبيان الشروط المنطقية الصحيحة، وتتناول ايضآ بالدراسة والتحليل والنقد ومناهج البحث العلمي التي تعتمدها تلك المناهج في الوصول الى الحقيقة، ولهذا تتوجه بالمناقشة والتحليل لموضوعات مثل القياس والاستقراء والاستدلال وبيان درجة اليقين فيها، ومدى امكانها في الوصول الى المعرفة العلمية.(8)

حيدر جواد السهلاني

........................

الهوامش

1-  ينظر باتريك هيلي: صور المعرفة (مقدمة لفلسفة العلم المعاصرة)، ترجمة نورالدين شيخ عبيد، المنظمة العربية للنشر، ص11.

2-  ينظر يمنى طريف الخولي: فلسفة العلم في القرن العشرين، عالم المعرفة، ص129.

3-  ينظر محمد محمود الكبيسي: فلسفة العلم ومنطق البحث العلمي، بيت الحكمة بغداد، ص38- 39.

4-  ينظر أليكس روزنبرج: فلسفة العلم (مقدمة معاصرة)، ترجمة احمد عبدالله السماحي وفتح الله الشيخ،المركز القومي للترجمة، ص12- 13.

5-  ينظر محمد محمود الكبيسي: فلسفة العلم ومنطق البحث العلمي، ص39.

6-  ينظر المصدر نفسه، ص11.

7-  ينظر يمنى طريف الخولي: فلسفة العلم في القرن العشرين، ص9- 10.

8-  ينظر محمد محمود الكبيسي: فلسفة العلم ومنطق البحث العلمي، ص135- 136.

 

محمد كريم ابراهيمفلسفة الفن هي دراسة لطبيعة الفن، بما في ذلك مفاهيم مرتبطة به مثل تفسير الفنون، كيفية تعبير وتمثيل الفنون، وأشكال الفن. وهو يختلف عن فلسفة الجمالية (هي دراسة للجمال بشكل كامل، طبيعياً كان أم متصنعا) بعامل البشري، أي أن فلسفة الجمالية لا يأخذ الانسان المكون للفن وكذلك الانسان المتحسس به بالأعتبار ويركز فقط على الفن المصنوع وجماليته بذاته فقط . ويختلف فلسفة الفن أيضاً عن النقد الفني والذي يهتم بتحليل وتقييم أعمال فنية معينة. الفن كما هي الفلسفة هو متعدد التخصصات. يأخذ ويعطي لكل مجال في الحياة قيمته المعينة المصور من خيال المعبر. مع مرور الزمان، لقد جسد الفن تجارب ومشاعر الانسان (كما في لوحات يوهانس فيرمير وبالاخص فتاة ذات قرط اللؤلؤي بالنسبة لي)، ويمكن أن يعبر الفن عن الإيمان والعقائد عن طريق أناشيد الدينية وقصائد مدحية للشخصيات الدينية، وكذلك مثل الفنون الأفكار والمعارف كما في قصائد وأبيات الشعرية لتعلم قواعد اللغة العربية كألفية بن مالك أو لحفظ معرفة معينة في مجالات العلوم المختلفة كأشعار المتنبي عن الفلك.

تغيرت الفلسفة نحو الفن على مر التاريخ. ففي عصر النهضة كان يعتقد أن الفن هو مجرد متعة أو شهوة للأحاسيس لا غير، فهي لم تنقل افكاراً ولم يجسد تجارب أناس ولا يمكن تعلم منه. ثم تغير اتجاه الفلسفة في قرن العشرين نحو الفن عند المعرفيين ((Cognitivismللأعتراف به كأداة بشرية قابل للخضوع على تجارب علمية لدراسته وفهمه تجريدياً عما يحمله من رسائل ومشاعر. وبعدها في قرن الثامن عشر غرق الفن مع بقية اختراعات البشرية في حركة الرومانسية (romanticism) فأشتهر الفن وأصبح تعبيراً لمشاعر الفنان وشخصيته والتجارب الذي عاش فيه والمعاناة الفردية الذي أدى به إلى التعبير، بعد ان كان مجرد آلة لنقل الأفكار والعبر للمجتمع في السابق.

لكني أرى قلة قليل من الشخصيات والفلاسفة القدامى تكلموا عن مضار الفنون بقدر ما تحدث فيه الفيلسوف أغريقي أفلاطون (428- 348 قبل ميلاد)، فأفكاره عن الفن كانت تعتبر واحد من أميز وأكثر تأثيراً على فلسفة الفن في تاريخ الفلسفة الغربية. ظن أفلاطون أن الفنون بأنواعها الشاملة هي سيئة للبشرية كمجتمع وللشخص كفرد من المجتمع ويمكن هذه الفنون أن يتلاعب في مشاعر الفرد ويغير افكاره ويغريه بالخروج من طريق الحق والصواب والمنفعة إلى طريق السيء والضار وهلوسة.

من أجل فهم كامل لنظرية أفلاطون عن الفن، من ضروري على المرء أن يفهم أحد أفكاره المبدئية الذي خطط فلسفته بشكل كامل اتجاه الفنون بأنواعه.

يبدأ كل هذه النيران الذي أشعلته أفلاطون ضد الفن من شرارة نظرية تعلمه من معلمه سقراط ( 470- 399 قبل ميلاد) وهذه النظرية هي الخط المقدس:  يتكون خط المقدس من خط مستقيم عمودي يقطعه ثلاث خطوط أفقية بشكل غير متساوي فيصبح اربع خانات فيه من أعلى إلى الأسفل. في أعلى الخانة يوجد عالم الحقيقة والمنطق او ما يسمى بالعالم الوجود او المثالي، فهي أعلى أماكن العلم والحقيقة التي يمكن ان يصل إليه الأنسان ويوجد في داخله كيانات أو كائنات مثالية غير قابلة لتغيير مثل الآلهة، أما في الخانة الثانية يوجد أرقام وأشكال الهندسية وهي عالم الرياضيات فهي عالم منسوخ من عالم المثالي ويكون العالم الأشياء الطبيعة الموجودة في كوننا، والخانة الثالثة سماهُ أفلاطون عالم الأشياء والمعتقدات ويوجد فيه كل أشياء الذي نراه ونتحسس به أو نأخذ فقط فكرة عنه ونتصور هذه أشكال في عقولنا كشكل الكلب فنحن نعرف شكل كلب اينما ذهبنا ونقدر أن نفصله من باقي الاشياء لأن صورة كلب المعتقد مطبوع في عقولنا وهذا العالم هي نسخة من العالم الرياضيات كما قلنا، ونأتي أخيراً إلى خانة الرابعة وسفلى وهي خانة الخيال والأوهام، يتكون عالمه من لوحات وأشعار ونحوت فنية، عالم الخيال والاوهام هي نسخة من العالم طبيعة، فهي عالم الظلال لا يوجد في الواقع الكون وانما ينمو في داخل عقل الانسان ويرتبط بمشاعره بدلا من عقلانيته ومنطقه، فيتهاوى الفرد ويمشي على هوى هذه كائنات الموجودة (أي اداة يستهدف المشاعر بدلاً من المنطق) في هذا العالم. اذا أستمر الشخص في رؤية هذه الوحوش مضادين للحقيقة (فهم في الأساس انعكاس للعالم الحقيقة لأنهم يصورنه فالرسام يرسم صور من الطبيعة والواقع، ومؤلف الروايات يستنبط القصص من الواقع او جزء من الواقع، وكذلك المنحت ينحت اشكال الانسان من حقيقة الترشيحية للفرد المصور وهكذا الفنون كلها هي تقليد للعالم الطبيعة عند أفلاطون)، إذاً فهو يؤدي إلى هلاك نفسه ولا يستطيع أن يفهم الواقع ويكون مع انسجام معه. لكن لا يوجد أمل من الهروب من هذا العالم أعتقد أفلاطون، كل البشر موجودين في عصره واناس الذين أتوا قبله ويولودون بعده سوف يقعون في هذا العالم لا محال. الطريقة الوحيدة للإرتقاء من هذا العالم السفلي هو فقط عن طريق التعلم والخبرة،التعلم عن طبيعة الاشياء الموجودة في الحياة وأكتساب الخبرة في تعامل مع الظروف، والتعلم عن أسس الاشياء ورؤية مكونات الكون على شكل انماط رياضياتية يتعرض عقل الفرد فيه للإشياء ما وراء الطبيعة (ميتافيزيقيا) والسمو للأعلى للوصول إلى عالم الحقيقة وعالم المثالية في الخانة أولى.

إن كنت قد قرأت وفهمت الفقرة السابقة والخط المقدس لأفلاطون، فأنت عزيزي القارئ تدرك الآن لماذا يحمل أفلاطون كل هذه الضغينة ضد الفنون بأنواعه المختلفة. كلما تعرض الفرد للفنون، للوحات الجميلة والمؤثرة، للموسيقى والغناء عذبة والرومانسية، لأشعار وقصائد، وقصص وروايات، وأفلام ومسرحيات، كلما بقي شخص في هذا العالم الوهمي الذي لا نفع فيه ويشرده ويلهيه عن العالم الحقيقي الخارجي فيغذي المرء نفسه من أنعكاسات وظلال عالم الطبيعة الأعلى من هذا العالم ويؤخر رحلته للتحول من أدنى مستويات الادراك والمعرفة إلى مستويات أخرى من الرقي والحكمة. ولربما كلمة (دنيا) عند العرب قد أتي جذوره من هذه الفلسفة، فلا شك أن الدنيا هي ادنى مستويات الحقيقة.

بعيداً عن كتابات أفلاطون العتيقة، يمكن تعريف الفن في الوقت المعاصر على أنه: أي شيء يتم تصويره وتجسيده من واقع الطبيعة من خلال العقل والجسم البشري لخلق مشاعر وأفكار أو تجارب (في الفنان نفسه وفي جماهير)، من خلال الحواس (سواءاً كانت بصرية كاللوحات أو سمعية كالموسيقى أو ذوقية كالطعام أو تحسسية كالرقص وغيره) والتي يصعب على الطبيعة الخامة غير الملومسة أن يشكل مثل هذه الفنون (أو على الأقل نادرة في الوقت والمكان المناسب).

والفن يعتبر أداة من صنع الأنسان تماماً مثل أي تكنولوجيات الأخرى. ينقل الفن خلاصة التجارب الحسنة أو السيئة التي يشعر بها الأنسان، ويحفز المشاعر مناسبة عند جمهوره تجاه موضوع الذي يتلمسه، ويقوم بتسيط أفكار الصعبة للذهن ويحاول تيسير التعليم. على سبيل مثال، يمكنك قراءة قصة مكتوبة بشكل جيد تتضمن درساً أخلاقياً أو تتعلم منه سلوك معيناً والذي يكون من المحتمل أن يكون صعباً بمحاولة أكتسابه من تجارب حياتك الشخصية أو من الطبيعة. أو على سبيل مثال يمكنك الشعر بمشاعر وعواطف روحانية من خلال النظر إلى لوحات الإلهية لليوناردو دافنشي، أو يمكنك تعلم أفكار التجريدية الصعبة مثل مواضيع الرياضياتية عن طريق رسوم متحركة أو محاكاة حاسوبية أو ألعاب رياضيات المسلية. كما يمكن للفن أن يجعل الناس يتهيأون عن طريق هذه القصص والعبر لأخذ أجراءات صحيحة عند مواجهة تجارب حياتية مماثلة، والشعور بمشاعر ملائمة بأتجاه مواقف شخصية مشابهة لموضوع الذي يجسده الفن. مدعماً بهذا التعريف وبالمعارف السابقة يمكننا البدء بنظر حول نقد أفلاطون للفن.

المناقشة

لكي يتمكن المرء من الخروج من مظاهر العالم وأختطاف نظرة على عالم المثالي والمعرفة، يجب عليه أن يذهب خطوة بخطوة من عالم الادنى إلى عالم الأعلى من الخط المقدس. بدا الفن لأفلاطون يكسر هذه العملية ويتجاوز عديد من نقاطها فقط للوصول إلى نهايات العوالم. هذا المشكلة كانت معضلة حقيقة لأفلاطون، كيف يمكن للمرء أن يصل إلى أعلى المراتب أويقتبس منه أو يظهره في تصرفاته وهو لم يتعلم أي من العلوم ولم يكتسب أي من المعارف السابقة ولم يفهم لغات الرياضيات ويستنتج أسسه؟ كيف يصل الشخص إلى عالم المثالي وهي عالم الآلهة وأشكال المثالية بمعلومات قليلة وجهد أقل؟ كيف يصبح المرء حكيماً ويفهم التجارب ويستخلص قيمه وهو آخذ طريق المختصر؟ لا يمكن، أفلاطون يجيب مع مثال. يجادل أفلاطون أن أي يشخص يمكن أن يحفظ الشعر ويلقيه بسلالسة أو يحفظ قانون من قوانين الرياضياتية ويطبقه بمرونة دون أي معرفة للكتاب هذه الشعر أو سبب كتابتهم من وراءه أو معنى الشعر أو القانون العميق. يمكن على المشاهد أن يرى لوحة يتعجب فيها بألوانه وأشكال المصورة فيه وتفاصيل الدقيقة التي يجسد طبيعة السيناريو بأكمله دون معرفة فكرة وراءها وعن مصوره. هؤلاء الناس إذاً لم يصلوا إلى نهايات العلوم ولم يفهموا حكمة الأمور وإنما هم يدعون بذلك ويظهرونه في مظاهرهم لغايات أخرى (كمثل أن يتظاهر الشخص بالحكمة والمعرفة لجلب أنتباه الناس أو لجلب المال) وليسوا دارسين للطبيعة لأستيعاب واقعه. يمكننا رؤية هذا في زمن عصرنا. الطلاب الموجودين في المدارس والجامعات أغلبهم يدرسون المواد ويحفظونه للنجاح بالأختبارات بدلاً من فهمه بعمق وتطبيق حكم هذه الكتابات بكفاءة على واقعهم وعلى تغيير من حال أنفسهم إلى الأفضل، فهم ما زالوا كما كانوا، لم يغير ولن يغير هذه العلوم من أفكارهم شيئاً لإنها أصبحت وسيلة للغايات مادية ونفسية بدلاً من أن تكون الغاية نفسه. لا شك أن هؤلاء الطلبة سوف يعانون بشكل الكبير في مستقبلهم العملي لقلة معلوماتهم وفهمهم للمادة.

كل هذا التعرض للفنون يمثل مشكلة كبيرة للفرد، لأنه يجعله يتحرك بدافع أنفعالات عاطفية للمواضيع وأشياء التي يجسده أو يتمثله الفن دون اللجوء إلى طرق التفكير المنطقية وتحليل وتأمل طبيعتهم. المشاهد الذي يرى لوحة المسيح المصلوب لدييغو فلايسكيز يتأثر برسم الفنان لمشاعر المسيح وآلام مسامير مثبتة في يديه وقدمه ولكن هذا المشاهد يعجز تفكير منطقياً بهذه اللوحة وعن حياة المسيح ومعيشته وسبب صلب الروم للمسيح وكذلك دوافع الفنان دييغو لرسم هذه اللوحة (فاللوحة تظهر المشاعر ويخفي كثير من الحقائق والمعارف). يمكن للمرء أن يستمع إلى نشيد وطني أو أغاني عن الوطن ويتأثر به نفسيته وينفعل فيه عواطفه أتجاه ذلك الوطن أو الشخص الذي يمجده هذه الفنون من دون أن يعلم الدافع السياسي من وراءه، وهكذا لبقية الفنون. أن كنت تقرأ هذا فأنت الذي أخترته لتفهم يا عزيزي مدى غفالة هؤلاء المحررين عن مستوحى المقالات التي تصلهم، وكسالتهم السخيفة عن قيام بواجبهم وقراءة ما يوجد في طي الأسطر. هؤلاء هم الذين أخذوا على عاتقهم من دون حياء حكم ونقد لكتاب أتعبوا في البحث على الحقيقة ليروا في آخر المآل جهدهم قد وسم بوسمه المادية لجيوب المحررين. إن كنت تقرأ هذا في أي صحيفة كانت فأعلم أن هذه الموقع ليس آمننا لك، يجدي عليك أن تحاول في طريق آخر.

عرف أفلاطون قوة الفن في التلاعب بمشاعر الجماهير الجاهلة عن الحقيقة الموضوع المصور مباشرتاً من واقع عصره. نذكر هنا مسرحية أريستوفنيس "الغيوم" الذي كان أحد الشخصيات الساخرة فيه سقراط معلم افلاطون حيث جسد كشخص متغطرس  يرفض تقاليد الاغريقية القديمة ويؤمن بآلهة غير آلهة الاغريق، فساهم هذا بشكل كبير في كسر سمعة سقراط عند جماهير الأغريق وحرض على اكتساب قبول الاغلبية بمحاكمته وأعدامه (والمدعي للسخرية هو أنه أتهم برفضه للأيمان بآلهة الأغريق بالضبط كما ألفه أرييستوفنيس في مسرحيته).

يتأمل أفلاطون: هل كان هذا عدلاً؟ هل عرف الجمهور حقيقة وصدق سقراط كما عرفه أفلاطون؟ هل فهموا فلسفة معلمه ليحكموا عليه بتهم باطلة هذه؟ كلا، فهم تأثروا بالفن المسرحية وأداءه بدلا من أن يفكروا بمنطق بشأن التهم الذي أسقطوه على معلمه. هنا يبدأ المرء بالتعاطف مع سلبية أفلاطون أتجاه الفن.

بالأضافة إلى ذلك كما قلنا سابقاً، لم يعمل الفنانون بأخلاص من أجل فنهم لتمثيل حقيقة الموقف المصور أو الفكرة المرسلة، بل أقاموا فنهم من أجل سلع المادية أو من أجل حصول على أعتراف وشهرة أجتماعية.

بالطبع لقد كان معروفاً على مر التاريخ أن الدافع من الفن تم بناؤه لتحقيق مكاسب الشخصية للفنانين أولاً (والمثال المعروف هو كتابات شكسبير)، ثم للأرستقراطيين أغنياء (لوحة عرس أرنولفي) والسياسيون النفوذيين(كأشعار أعشى القيس في مدح ملوك العجم) ثانياً. الفن كله أصبح يعبر عن أراء وسلطة أفكار هؤلاء الراعيين للفنانين، ولخلق شعور معين في نفوس الجماهير لأسباب شخصية.

في ذاك الزمن، نعم يمكننا القول هذا على الفنانين، أما في زماننا، فأنقلبت أتجاه الرياح لعدة فنانين فأصبحوا يتوافقون مع الرأي العام وأغلبية الجماهير بدلاً من أرستقراطيين الأغنياء لبيع سلعهم الفنية التي تكون متناغمة مع ايديلوجيا الأكثرية ومشاعر البدائية الموجودة مسبقاً في الأفراد المجتمع. ولم تأت الإلهام الفن لأغلبية فنانين كما يدعونه وإنما فنهم هي نتاج لتحليل دقيق وتفكير في موقف الناس فيما يحرك مشاعرهم وما الذي يخلق النشوة والتوافق في نفوسهم، ففنونهم هي أستمداد لأفكار وتجارب الغالبية العظمى.

هذه القوة الخلابة موجودة في الفن أقلق أفلاطون ومعلمه سقراط فعلموا خطره على الجماهير عامة وخاصة الجهلة ومنهم الأطفال.  من سهل جداً أن يمتص الأطفال ما ينقله الفنون من مشاعر الكراهية ضد مجموعة ما مثلاً عن طريق سماع أغاني يحتقر ذلك الفئة، وما ينقله الفن من أفكار مؤذية أو ضارة للنفس وللمجتمع للأطفال عن طريق القصص وروايات سيئة لا تعد ولا تحصى، وكذلك ما ينقله من تجارب يحض على محاكاة الأساليب والمواقف ومثالها أفلام الأكشن وبما يقوم أبطاله من تفجير وقتل وتدمير وكذلك افلام الكوميديا التي تلين بعض سلوكيات غير لائقة في المجتمع. لأن عقل الطفل لا يمتلك معلومات وتجارب حقيقية كافية ومعارف عن ما هو الضار وما هو النافع للنفس،وما هو المقبول وما هو غيرالمقبول في المجتمع، وهم غير قادرين على المقارنة والحكم على ما هو حقيقي وما هو مجازي. إذا أن هذه الأمثلة عن الفن كلها ينطبع في عقل الطفل ولا شك بأن الطفل يتأثر ويقوم بتقليد هذه التصرفات في آنِ وفي المستقبل. نرى أن هذا الفكرة قد شغل تفكير أفلاطون وقد قام بنفي الشعر الملحمي والشعراء منتسبين إليه من مدينته المذكورة في كتاب الجمهورية (الكتاب العاشر)، والسبب في ذلك يدعي أفلاطون هو أن القصص المذكورة في هذه الأشعار عن قتال الآلهة للبعض هي قصص تحريفية مثله مثل لوحة لا يعكس الموضوع الذي يتلمسه أو الشخص الذي يرسمه، هذه الأشعار يتلاعب بمشاعر المستمعين ويجذبهم إلى هذا التحريف بدلاً من الحقيقة.

يحذر سقراط أيضاً من خطريين آخرين: عندما يروج هؤلاء الشعراء في شعرهم الخوف من الموت وعندما يظهر رجال نبيلون من الطبقة عليا يتصرفون بطريقة غير لائقة. إذا تعود وترعرع هؤلاء الصغار على مثل هذه الأنواع من العبر فمن المحتمل أن يتصرفوا بذلك الأسلوب، من المحتمل أن يشعروا بالحزن والشفقة على أنفسهم في مواقف عندما تكون هناك حاجة ماسة للقوة والثبات (في مثل أوقات الحرب والدفاع عن المدنية).

بالعودة إلى النقطة الأساسية، ووضع قليلاً من الكلمات في فم أفلاطون (آملاَ أن لا أخلق مشكلة مع القراء الأكادميين): رأى أفلاطون أن من الصعب على الأنسان أن يكتسب الخبرات أو الحكمة عن طريق الكتب وقيل وقال من أناس آخرين، فلا يمكن للحكيم أن يصبح حكيماً إلا بالتجارب، ولا يمكن للمسافر (مجازياً) أن يصل إلى غايته إلا بأخذ طريق أساسي مباشر من دون أخذ دروب المختصرة. ولا يمكن للفرد أن يصل إلى عالم المعارف وعالم المثالي من الخط المقدس إلا بالمرور بعوالم الدنيا وتحمل مشقاتها وأختبار تجاربها.

كذلك بالنسبة للفن، فهو يوعد مشاهده وسامعه وقارئه والمتحسس به أن يوصله إلى الهدف الذي يريده من دون أخذ عناء ومشقة الوسائل ومشاكل الطريق الرئيسي، ويعطيه أحاسيس مثل الروحانية من دون عبادة أي شيء (كما سماه البابا غريغوري "الفن هو الأنجيل للأميين")، ويتلاعب بأفكاره ومعارفه عن الحقيقة والواقع الذي أكتسبه زائداً إليه ما يراه الفنان وأنصاره مناسباً، وناقصاً منه ما يعتبرونه مناقضاً للأهدافهم المتنوعة.

الفن لأفلاطون هو كالظل لا يعرف مشاهده أي شيء عن حقيقية الأشكال الثلاثية وطبيعته الذي يكون عالم الظلال، فهو نسخة رديئة من الواقع، يتجاهل في هذا العالم كثير من الحقائق والتفاصيل الهامة مثل عالم الفنون وينبت فيها فقط ما يريد الفنان زراعته من أفكار وأحاسيس وتجارب.،فهُم هؤلاء الفنانون وجماهيريهم ساكني هذا العالم قد حفظوا شيئاً وغابت عنهم أشياءٌ.

 

 الخاتمة

 بإختصار؛ في ذهن أفلاطون، الفن هو سيء بسبب:

1- الفن يربك الجمهور بين ما هو حقيقي وما هو مزيف. لا يمكنك أن تعرف بين الفضيلة الحقيقية والفضيلة المقلدة المزيفة.

2- لأننا مهما تعلمنا من الحقيقة ومهما أكتسبنا من معارف الدنيا، فنحن ما نزال بشر طبيعيون، ولأننا أناس ننجذب إلى المشاعر أكثر من المنطق، إذا يمكن أن تؤثر الفن حتى أفضل شخص بيننا ويمكنه أن يرشدنا إلى فعل أفعال المجنونة ما كنا لنفعله من دون تأثير وأحياء هذه المشاعر، ويجعلنا في كثير من الأحيان نفعل ما يمكن أن يؤذينا ويؤذي المجتمع الذي هو نحن ومن نحبهم جزء منهُ.

3- يمكن للفن أن يجعل مشاهده وسامعه وقارئه مطوي على ذاته، على طبيعته، ويمنعه عن الشعور بمشاعر حقيقية، وأختبار تجارب حقيقية، وتفكير بأفكار حقيقية. يمكن للشخص أن يصبح مهووساً بالفن لدرجة أنه لا ينظر إليه كناقل الرسالة وكأداة بشرية ينقل التجارب والاحاسيس، وأنما يقوم بدراسة الفن من أجل الفن أو من الأجل حصول للمتعة من الفن دون النفع منه. تماماً مثل تناول الأفيون: لا يعطي صاحبه سوى المتعة المزيفة عن طريق التلاعب بكميائية الدماغ من دون خروج منفعة من المتعاطي.

4- يعتقد أفلاطون إذا كان الفن يقلد الواقع والواقع هو تقليد لعالم المثالي المعرفي الحقيقي. عندها سيكون متعرض للفن بعيدًا عن عالم المعرفة الحقيقية الذي يجب أن يحاول روحه تحقيقه.

5- يمكن أستخدام الفن للتلاعب بالناس لفعل أي شيء يريده الفنان أو راعي الفنان من دون أي مبررات أو النظر إلى حقيقة الموقف والموضوع الذي يتحدث عنه الفن. مثل تحفيز مشاعر سيئة عند الجماهير من قبل حزب السياسي ضد خصوم السياسية آخرى من أجل الحصول على منصب معين وبالرغم من أن هذين الحزبين كلاهما كفوئيين للمنصب.

من الجديرللقارئ أن ينتبه أن أفلاطون لم يكره الفن بحد ذاته وإنما كره قوة التي يحمله الفن لتلاعب بعامة الناس. وكيف يقوم بكراهيته وأفضل كتابه (الجمهورية) مبني على شكل محاورات مسرحية فنية يقوم فيه الشخصية الرئيسية (معلمه سقراط) على مخاطبة وأختبار معرفة المقابل في مواضيع مختلفة من أجل نقل أفكار فلسفية الرئيسية على نحو سلس مع أختيار مناقشات ومعاني وعبارات ملفتة للأنتباه للقارئ العادي بدلا من مجرد وضع النقاط الأساسية وخلاصة المواضيع الفلسفية بطريقة واضحة.

الفن لأفلاطون إذاً هو سيف ذو الحدين يمكن أستخدامه للخير وللشر ولكنه لا يحمل الشر ولا الخير بداخله. أن كان الخيريمكن ان يتعرف ويدرك من خلال العقل الواعي والتفكير المنطقي والفلسفي وأن كان للشر يمكن أن ينبذ ويكره من خلال نفس التحاليل المنطقية. فأذاً العلوم المنطقية وأستخدام الذهون المعرفية يصبح بديلاً يفضل على الفنون من أجل أقناع الأفراد بفائدة أو بمضار موضوع معين.

إلى جانب ذلك، يمكن أستعمال الفن لأغراض شريرة في كثير من الأحيان أكثر من أستخدامه لفائدة الناس. ويمكن أن يأتي من قبل الطغاة والأرستقراطيين الذين يحاولون وضع فكرة أو إدخال مجادلة في عقول الجماهير الجاهلة عن هذه المواقف المتجسدة حيث يمكن أن يقع الشخص غير المتعلم في فخه. وحتى لو كان للفن خير، فيجب للمرء أن يأخذ حيطة حذر، فبعض أحيان أعظم شر يأتي على شكل ملاك.

 

 أسمي : محمد كريم إبراهيم

 

 

عدنان عويدهناك فرق شاسع بين الإنسان التاريخي واللاتاريخي. فالأول، إنسان عقلاني، يؤمن بالعياني والملموس، والنسبي، والتاريخي الذي يعيش الحركة والتطور والتبدل. والعقل لديه هي معارفه التي اكتسبها من خلال نشاطه وكدحه عبر علاقته مع الطبيعة والمجتمع تاريخياً، وبالتالي راحت تشكل ذاكرته وتراثه وثقافته، ومقومات وجوده ومرتكز انطلاقته نحو المستقبل. والإنسان التاريخي، لا يتكئ كثيراً على الماضي إلا بما يخدم حاضره ومستقبله ومستقبل أجياله القادمة. وهو من يؤمن بأن سعادته في حريته وعتقه من كل ما يكبل عالمه الإنساني ويحول دون تحقيق ما يطمح إلى تحقيقه من قيم إيجابية. وفردوسه هو واقعه الذي يعشه فيه الآن، أو ما يحلم بإقامته مستقبلاً. ليس لديه رموز أو طقوس أسطورية ينتمي إليها، وبالتالي يؤديها كي تشعره بتمايزه واختلافه عن الآخر، وليس لديه انتماءات ضيقة يشعر أن خلاصه فيها. (عشيرة قبيلة مذهب طائفة). فرموزه هي ما يحققه من إبداع يفجر عبره كوامن عوالم إنسانيته وكشف أسرار مجاهيلها التي توصله إلى جوهر إنسانيته. أما انتماءاته الحقيقية فهي وطنه أولاَ، وعقله الحر ثانياً، وحرية إرادته في صنع مستقبله ثالثاً. وعالمه الذي يجد فيه ذاته أخيراً، وهو عالم الإنسان الرحب الذي ليس له حدود إلا حدود الابداع والمحبة والعدل والسعادة للجميع. الإنسان التاريخي هو من ينظر دائماً إلى الماضي من خلال ما يخدم الحاضر والمستقبل... وهو من يبحث عن  قوس قزح يجد في تعدد ألوانه سر جمالية حياته وحياة الآخرين.

أما الإنسان اللاتاريخي أو الجمودي، فهو إنسان لاعقلاني، يرفض قبول العياني والملموس على أنه عالمه الحقيقي الذي ينتمي إليه، وهو سر وجوده، ليعيش عالمه الافتراضي، عالم الوهم والخيال. هو إنسان لا تاريخي، وبالتالي هو يؤمن بالمطلق المشبع بالسكون والجمود، الرافض بالضرورة للنسبي المشبع بقوانين الحركة والتطور والتبدل. والعقل لديه ظاهرة فيزيائية تتحرك بقدرة من خارج التاريخ، أو من داخل عقله المعزول عن محيطه، أي عقل يحمل معارفه المنجزة والعالمة بتابوت من خارج التاريخ أو من عالمه الذاتي، وبهذا العقل الفيزيائي اللاواقعي واللاجدلي، يمارس نشاطه لكسب الماضي والحوز على أسراره الأبدية، وكسب أوهام سعادته التي يجدها فقط في استعادة ماضيه  حيث يكمن فردوسه الذي لا يتوانى عن قتال وسفح دماء كل من يحول بينه وبين رغبته في هذه الاستعادة. وهو الذي تكثر لديه الرموز والطقوس في حديثه ولباسه وسلوكه كي يشعر الآخرين المختلفين عنه، بتمايزه عنهم، وتعاليه عليهم ... الإنسان اللاتاريخي، لا يرى كل ما حوله إلا من خلال أيديولوجيته الماضوية الجمودية المفوّته تاريخياً، وأن هذه الرموز والطقوس والأيديولوجيا، هي التي  تشكل بالوقت ذاته انتماءاته، ،شارداً عن حياته الدنيوية ومندمجاً في عالم الروح والقداسة وكل ما هو متعال على الواقع. إنه ينظر إلى الأسفل من خلال الأعلى، وإلى الحاضر من خلال الماضي، ويقيس الشاهد على الغائب. وهو يبحث دائماً عن لون رمادي يعتقد أنه صالح لكل زمان ومكان.

 

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث من ديرالزور – سورية

 

بكر السباتينيحتفل العالم باليوم العالمي للغة العربية في الثامن من ديسمبر من كل عام.. جاء ذلك من خلال ما بذله أنصار هذه اللغة العظيمة من جهود مضنية لتثبيت حقوق لغة الضاد على صعيد أممي.

لقد اتخذت منظمة الامم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة "يونسكو، بتاريخ 18 ديسمبر 1973 قرارها التاريخي بأن تكون اللغة العربية لغة رسمية سادسة في المنظمة..

مقرة بذلك بأن اللغة العربية تعتبر من اللغات الحية وتمثل إحدى أركان التنوع الثقافي للبشرية. وهي إحدى اللغات الأكثر انتشاراً واستخداماً في العالم، إذ يتكلمها يومياً ما يزيد على 290 مليون نسمة من سكان المعمورة.

وجاء التعامل مع اللغة العربية عالمياً بمثابة الاختبار المفتوح والتقييم الفني من خلال المعنيين بها، كونها تحمل في طياتها إرثاً ثقافياً متنوعاً، وأنجبت عمالقة في كل الصعد، وتجلى إبداع اللغة العربية بمختلف أشكالها وأساليبها الشفهية والمكتوبة والفصيحة والعامية، ومختلف خطوطها وفنونها النثرية والشعرية، آيات جمالية رائعة تأسر القلوب وتخلب الألباب في ميادين متنوعة تضم على سبيل المثال لا الحصر الهندسة والشعر والفلسفة والغناء والأديان السماوية.

وخضعت اللغة العربية لتقييم "فلسفة اللغة" بشكل غير رسمي، من قبل مؤسسات أكاديمية ومفكرين تعاملوا معها بموضوعية في الجوانب المختلفة للغة مثل الكلمات ودلالاتها، واشتقاق الكلمات والمصطلحات المستحدثة، بما في ذلك العلاقة بين المبنى الفكري للتعبير اللساني وقدرة اللغة على التعبير عن حقيقة معنى الكلمات والجمل التي يستعملها الإنسان في حياته، إلى جانب قدرة الترجمة من وإلى العربية على نقل دقيق للمعنى، ناهيك عن المفارقات اللغوية.. حيث ثبت للمهتمين باللسانيات بأن اللغة العربية قادرة على أن تكون لغة إبداعية في كافة المجالات وخاصة الأدب والفنون والعلوم.

وأتاحت اللغة العربية إقامة الحوار بين الثقافات على طول المسالك البرية والبحرية لطريق الحرير من سواحل الهند إلى القرن الأفريقي. وكانت اللغة العربية حافزاً إلى إنتاج المعارف ونشرها، وساعدت على نقل المعارف العلمية والفلسفية اليونانية والرومانية إلى أوروبا في عصر النهضة، لا بل مثلت طليطلة شمال الأندلس منطقة تفاعل حضاري قائم على القبول بالآخر ورفد الحضارة الغربية بخلاصة التجربة الفكرية والمعرفية والإبداعية العربية الإسلامية وتقديم الترجمات اللاتينية لأهم المخطوطات الفلسفية والمعرفية فاتحة الطريق أمام الغرب ليقيموا قاعدة نهضوية على النتائج والمخرجات.

ومن أهم التطورات التي طرأت على تقنيات استخدام اللغة العربية هي تطويعها للحوسبة وبرمجتها لتناسب تطورات علم لحاسوب والذكاء الاصطناعي.

وتحتفي منظمة اليونسكو باليوم العالمي للغة العربية لعام 2019 تحت عنوان: "اللغة العربية والذكاء الاصطناعي" في مقرها الكائن بباريس اليوم.

وستنظم في هذا اليوم الدولي عدة موائد مستديرة، تناقش دور الذكاء الاصطناعي في صون اللغة العربية وتعزيزها، كما ستتعرض لمسائل متعلقة بحوسبة اللغة العربية.

ولكن هذا لا يمنع أيضاً قيام مجمع اللغة العربية برفد هذه الدوائر المستديرة بتقديم دراسات حول المخاطر التي تكتنف اللغة العربية (لغة القرآن الكريم) سواء بتسطيحها عبر مواقع التواصل الاجتماعي أو محاولة تهميشها والتعامل معها على أنها لغة القرآن الكريم فقط، وإعطائها الصبغة الدينية الإسلامية فقط، دون احتسابٍ لما احتوته هذه اللغة العظيمة من موروث ثقافي متنوع (فكري وديني) ضم في طياته مخرجات الحضارة الإغريقية والفارسية والهندية والفرعونية وغيرها.. أي أنها لغة ثرية جداً وقادرة على استيعاب المستقبل بكل نتاجه على كافة الصعد.

 

بقلم بكر السباتين..

18 ديسمبر 2019

 

 

هناك وعي مغربي وعربي بالتراث الشعبي أو الثقافة الشعبية، وما تتضمنه من ألوان تعبيرية  مختلفة . ويتضح هذا الاهتمام من خلال الدراسات والبحوث والتخصصات، سواء على الصعيد الأكاديمي أو غير ذلك. والثقافة الشعبية كظاهرة اجتماعية تاريخية تعد من أهم رموز التراث الحضاري لأي أمة أو حضارة من الحضارات، لما تحمله من رؤية للوجود وللعلاقات الإنسانية وللقيم وللآخر المختلف عقديا وفكريا. كما أن هذه الألوان الثقافية الشعبية بما فيها الأدب الشعبي هي تشخيص لواقع الصراع بين مكونات المجتمع وأطيافه أو طبقاته. حيث لكل طبقة قيمها وتمثلاتها ؛ على اعتبار أن المجتمع الإنساني تاريخيا تأسس على الصراع بين المراكز والهامش . وللأدب الشعبي خاصة والثقافة الشعبية عامة جملة من السمات يمكن أن نرصد بعضها في ما يلي:

- عاش التراث الشعبي عامة والأدب الشعبي خاصة فترة طويلة وعميقة من الشفهية، حيث كان يتم تداوله في الهامش بعيدا عن المركز . ويتداول شفهيا قبل أن يصبح مكتوبا وموثقا من خلال آلية الكتابة. لقد غطت الشفهية أوالشعبية فترة طويلة من تاريخ هذه الثقافة / الأدب قبل أن يعاد لها / لهما الاعتبار ويحظيا  بالاهتمام. والشفهية هنا ليست صفة قدحية أو مذمة في هذه الثقافة أوالأدب، كما أنها ليست سبب وضاعته أو ضعفه وتهميشه . قد تكون كذلك في نظر الثقافة العالمة  المحروسة  والمدعومة من طرف المركز كسلطة تنتج المعرفة والمعايير التي على ضوئها يتم تصنيف  الألوان الثقافية والأدبية وبالتالي الاعتراف أو الإقصاء والتهميش .

- أشارت كثير من الدراسات والأبحاث إلى أن الكتابة ليست أصلا، بل هي حدث طارئ ولاحق، لكن أصبح لها وضع اعتباري خاص، بلغ درجة السلطة أو القانون الذي له حق التقرير في مصير كثير من مظاهر الإبداع الإنساني: تصنيفا واعترافا، إقصاء أو إدماجا  ...بينما الشفهية هي الأصل، لكن تم تهميشها ووضعها في مرتبة لاحقة وتالية ومبعدة أو مهمشة . إن التأمل في تاريخ الكتابة يفيد كونها وسيلة نقل لاحقة للمضامين التي يفكر فيها الإنسان، في حين التعبير الشفهي أسبق عن الكتابة. وهذا ما تؤكده الدراسات في تاريخ اللغة والكتابة .

- في وضع الكتابة يتم مراعاة جملة من التدابير والإجراءات مثل التعديل والحذف والمحو والإضافة ...تبعا لمقصدية وإرادة الكاتب أو السلطة / المركز. أما في وضعية الشفهية، فهي متأسسة على الاستعمال الفطري للغة، أي التوظيف العفوي والطبيعي لهذه الملكة . حيث الإنسان يعبر عن انفعاله أو تفاعله مباشرة بالموضوعات والوقائع أو التجارب الحياتية التي يعيشها .

- في الكتابة، يتم تأسيس الخضوع للمعيارية، والمعيارية تؤسس الثبات والصيرورة على نفس النمط أو المنوال (نموذج الشعر العربي التقليدي)، بينما في الشفهية، والتي هي روح وجوهر الثقافة الشعبية هناك حرية في الإبداع والتصرف، مما يجعل من التحول والتغيير طابعا يسم ألوان التعبيرات الشعبية : أزجال، أغاني، حكايات، أمثال، الوشم... وهذا ما جعل كثيرا من الدارسين يرون في الكتابة استمرارا لهيمنة السلطة (ميشال فوكو  مثلا) سواء كانت هذه السلطة دينية أم لائكية. وكأن الكتابة وما اشتق منها – الكاتب والكتاب – أداة من أدوات بسط النفوذ وحماية المركز من الأخطار التي قد تأتيه من الهامش والمنسي .

- في الكتابة والمكتوب خضوع للرقابة، وإرضاء للسلطة / المركز. ودعاية وتشهير لهما، بينما في الثقافة الشفهية يتسع المجال للحرية أكثر، وتتاح فرص الانفلات من الرقابة أكثر، والذي يساعد على ذلك أن المؤلف في الثقافة الشعبية أو الأدب الشعبي جماعي أي الشعب، وبالتالي لا يمكن محاكمة الشعب أو الزج به في سجون السلطة لتمرده وعصيانه . إن هذا اللون التعبيري صادر عن عامة الناس ومتداول  بين الطبقات الاجتماعية التي لم تصنف كنخبة. هذا الوضع الذي يسم الثقافة الشعبية وما يتفرع عنها من ألوان تعبيرية تنتقل بسلاسة من جيل إلى جيل دون حاجة إلى مؤسسات مثل المدرسة والمعهد والجامعة ....

- في الكتابة قد يحدث الانفصام بين المتكلم / الكاتب وخطابه، إذ من الممكن أن ينتج خطابا دون أن يتكلمه . عكس الأمر في تجربة الثقافة الشعبية ؛ حيث هناك اتصال مباشر وقوي بالحياة وبالمعيش وباليومي أو بما يعانيه المتكلم من آلام وأحلام وطموحات ...

في قراءة المكتوب أي الإبداع الخاضع للكتابة والمتأسس على المعيارية، تنكشف درجات الانفصال عن الخبرة الحياتية، فالنخبة مثلا أو الانتلجنسيا مفصولة عن معترك الحياة، بينما في الثقافة الشعبية، الأفراد يعبرون مباشرة عن آلامهم وأحلامهم ....

هكذا، يتبين لنا مدى قوة الثقافة الشعبية  من خلال ألوانها التعبيرية المختلفة، ومدى قيمة المعاني والمضامين المنضوية في تلك الألوان المسماة شعبية . وهذا يبين أيضا الثقافة الشعبية ليست ترفا، بل هي مادة حيوية ضاربة بجذورها في عمق التاريخ الإنساني، ومصدر إغناء للذاكرة الإنسانية ولمتخيلها . وانطلاقا من أهمية الذاكرة الاجتماعية وأولويتها وجب الاهتمام بالثقافة الشعبية أو بالأدب الشعبي من خلال جمعه وتوثيقه أولا ثم دراسته وتحليله ثانيا .

 

د. المصطفى سلام

 أستاذ مبرز في اللغة العربية

...........................

مراجع معتمدة:

- د عبد الصمد بلكبير: في الأدب الشعبي: مهاد نظري – تاريخي، نشر اتصالات سبو، طبعة أولى 2010 .

- البشير بن سلامة: اللغة العربية ومشاكل الكتابة، الدار التونسية للنشر، تونس 1971 .

- مجلة آفاق، العدد 77- 78 يناير 2010 .

 

محمد كريم الساعديلقد اتخذت فكرة الخطر الاسلامي مكانه أوسع في تنظيرات (صومائيل هنتنجتون 1927-2008) كون أنّ الصراع حضاري وليس صراع مصالح، لذا يرى بأن كل الصراعات التي حصلت في أوربا وغيرها من المناطق الغربية منها أمريكا وغيرها، هي صراع مصالح ولابد أنّ ينتهي ولا يستمر طويلاً، ويضرب مثالاً الحربين العالميتين، قد انتهت بين أبناء الحضارة الواحدة، بينما الصراع الحضاري مع الآخر الشرقي (الإسلامي) مازالت مستمرة، وستستمر الى أزمان أخرى، بسبب اختلاف البنى الاجتماعية والثقافية والدينية والاخلاقية لكلا الحضارتين، الاسلامية والغربية (المسيحية) ومن بعدها أتت أنظمة الحكم الأوربية والامريكية بعد أنتهاء الحكم البابوي، لذلك فهو يقدم في كتابه (صِدام الحضارات) أنّ الموضوع الرئيسي هو أنّ الثقافة والهويات الثقافية والتي هي على المستوى العام هويات حضارية، هي التي تشكل أنماط التماسك والتفسخ، والصراع في عالم ما بعد الحرب الباردة، مزاعم الغرب في العالمية تضعه بشكل متزايد في صراع مع الحضارات الاخرى وأخطرها الاسلام، والاسلام فكراً وديانة وحضارة في قبالة الغرب بكل ما تحويه الكلمة من التصادم وعدم التوافق بين الحضارتين، لكن لماذا الاسلام أولاً، ثم تأتي بعده في الخطورة الحضارات الأخرى مثل الحضارة الصينية، لمنافس الاقتصادي العملاق للحضارة الغربية، أنّ النظرة العامة للإسلام في الغرب تأتي من كون هذا الدين دين إرهاب وهذا الدين مشحون بالكراهية تجاه الغرب بكل مسمياته، وله توصيفات مشحون بالحقد في العقلية الإسلامية على وفق ما يتصوره الغرب ذاته، لذلك فأن الاعتقاد لدى (هنتنجتون) بأن الصراع ليس اقتصادي، أو صراع مصالح وينتهي يوماً ما، بل أنّ الصراع مع الحضارة الاسلامية هو صراع طويل مستمر منذ عهود قديمة وسالت ودماء غزيرة بين الحضارتين، لذلك فأن الاسلام اخطر على الغرب من الحضارات الأخرى، والاقرب تأثيراً من الحضارات الأخرى، وهذه الخطورة تأتي من الاعتقاد بهمجية هذا الدين حسب المعتقد الفكري لديه، فينقل (هنتنجتون) عن (دانييل بيبس) الذي يقدم نعوتاً عن التخلف الاسلامي والتشدد في مواجهة التقدم الغربي، اذ يرى (دانييل): وحدهم الأصوليون المتشددون هم الذين يرفضون التحديث والتغريب، ويلقون بأجهزة التلفزيون في الأنهار، ويحرمون ساعات المعصم، ويرفضون ماكينة الاحتراق الداخلي، وهذه النعوت التي يوصف بها الجماعات المتشددة، وكأنما اصبح الاسلام هو من انتجها فكرياً، وكأن تعاليم الرسول (ص) هي التي اصبحت الدافع لهذه الجماعات المتشددة، وكان هذه الجماعات هي العينة الممثلة للإسلام، لكن لو سألنا (دانييل بيبس) كم تشكل هذه الجماعات من عدد السكان الاصلي للإسلام ؟، وهل الاسلام هو فقط هذه الجماعات المتشددة وأخرها (داعش) وقبلها (القاعدة) التي أوجدتها امريكا في افغانستان ؟، أم أنّ الاسلام هو أوسع وأكبر من هذه الجماعات التي تحاول أنّ تسيء للإسلام ولرسول الاسلام محمد(ص)، وهل أنّ المسيحية او اليهودية خالية من الجماعات المتشددة ما حصل في اوربا من مذابح بأسم المسيح هي ليست كافية حتى يصبح الدين المسيحي دين إرهاب كما يوصف الاسلام الآن ويوصف الرسول بأنه (ارهابي)، لذلك فأن افكار (هنتنجتون) في جعل (الاسلام) الحضارة الاخطر، هو يريد أنّ يتوج الافكار الغربية عن الاسلام تاريخياً، بأن يلغي الحضارة الاسلامية تحت مبدا التحديث والتغريب، حتى يكون الغرب هو السيد المطلق في العالم، وهنا يستعين أيضاً (صامويل هنتنجتون) بمثال آخر في كتابه عن (توينبي) التي يرى فيها استجابة ثانية اخرى بالنسبة للغرب وهي (هيروديانية) (توينبي) لتبني كل من التحديث والتغريب، هذه الاستجابة تقوم على افتراض أنّ التحديث أمر مرغوب فيه وضروري، وأنّ الثقافة المحلية تتعارض مع التحديث وغير قابلة للامتزاج ويجب تجنبها، أو الغاؤها، وأنّ المجتمع لابد أنّ يتغرب بكامله لكي ينجح تحديثه، وهنا نجاح التحديث يعني التغريب ونجاح التغريب يعني التحديث، والامران لا يتمان الا بإلغاء الثقافات المحلية، والغاء هوية الشعب الذي يتم تحديثه وتغريبه، ومن العقبات الواقفة أمام هذا التحديث هو (الاسلام) ومفاهيمه الأصيلة المستمدة من رسوله الكريم (ص) وأفضل طريقة لأبعاد الشعوب عن الإسلام ضربه بالصميم . أنّ الاسلام منذ أنّ وجد كديانة، كانت هناك حضارات تعارضه، وحاولت تشويه صورته، وجعلت من يعتنق هذه الديانة كافر مقابل الايمان، ومن ثم غير متحضر مقابل المتحضر، ومن ثَم بعيد عن العالمية الغربية ، وبعيد عن الغربنة والتحديث في العصر الحديث، فما هو العمل الذي يجب ان يقوم به العقل الغربي من أجل الغاء الاسلام من اصله، وافضل هذه الوسائل هي الطعن بمؤسس الاسلام وواجده، وهو الرسول محمد(ص) بتشويه صورته وعقيدته وأصول ديانته وتوحيده، وبالتالي سلخ أبناء هذه الامة من التواصل مع الاسلام ومع رسول الاسلام (ص)، حتى يتم التحديث والتغريب، ومن أمثلة الاستجابة لهذه المؤامرة ضد الرسول (ص) والتشوية ما قام به (سلمان رشدي) في (آيات شيطانية)، والتي سنتناولها فيما بعد .

وعودة الى (هنتجتون) الذي يشير أيضاً في كتابه (صدام حضارات) الى أنّ الاسلام والمسلمين شعوب تقوم ببناء حدودها بالدم من خلال عنوان في كتابه، إذ يقول (تصادف: الحدود الدموية للإسلام)، ويسرد في هذه الفقرة الصراعات الدموية التي وقعت بين الحضارة الاسلامية وباقي الشعوب المجاور لها في أوربا وأسيا وغيرها، إذ يرى أنّ الصراع القائم هو صراع بين الاسلام والآخرين . العداوات الحادة والصراعات العنيفة متغلغلة بين الشعوب الاسلامية المحلية والشعوب غير الاسلامية، ويسرد مجموعة من الحروب التي يجعل الاسلام فيها هو المتسبب، كون هذه الصراعات وقعت بسبب وجود الاسلام والمسلمين، ومن أمثله: حرب (البوسنة والهرسك) و(كوسوفو)، والصراع بين (اليونان والبانيا)، و(الاتراك واليونان)، و(تركيا وأرمينيا)، و(الأذريون والارمن)، و(الشيشان والانجوش وشعوب اسلامية اخرى)، و(روسيا والشيشان)، و(الافغان والروس)، و(الباكستان والهند)، و(المسلمين والهندوس)، والتمييز الديني في (بنجلادش وماينمار)، وفي جنوب (تايلند)، والصراع بين (اليهود والمسلمون)، وغيرها من الامثلة التي يضربها (هنتجتون)، ويعدها حدود دموية يعمل الاسلام على رسمها ضد الشعوب الاخرى، وكل هذه الامثلة من أجل اقناع القارئ بأن الاسلام هو دين حرب ودماء، ودين يعامل الشعوب الاخرى بقسوة، ولو أستعرضنا مع (هنتجتون) طبيعة الصراعات نجد في اغلبها لا دخل للإسلام فيها كديانة، فهل الحرب بين الارمن وتركيا هي بين المسلمين وغيرهم، أم هي من بقايا الحرب العالمية الاولى، وكانت الشعوب في تلك المنطقة مستقرة قبل دخولها بصراعات عالمية لتقسيم النفوذ الاستعماري بين الفرنسيين والانكليز وغيرهما من الدول المتحالفة معهما في هذا المجال، وهل أنّ الحرب في كوسوفو والبوسنة والهرسك، هي من بقايا انهيار النظام الاشتراكي في اوربا وقبلها كانت هذه القوميات متعايشة وبسلام وأنّ التقسيم الذي حصل بين الهند وباكستان والصراع المستمر حول كشمير وغيرها هي من بقايا النظام الاستعماري الذي جعل في كل تقسيم بين الدول مناطق متنازع عليها، وهل أنّ الصراع بين اليهود والمسلمين في فلسطين هو بسبب (وعد بلفور) وغيرها من الامور التي اقحم فيها اسم الاسلام دون أنّ يكون له مبرر في ذلك، كل هذه الامثلة هي بعيدة عن اتهام الاسلام، بل هو مبرر استعماري لجعل شعوب المنطقة في صراع مستمر من أجل السيطرة عليها واستغلال ثرواتها، بل حتى أنّ بعض الانظمة العربية التي استلمت زمام الامور في الحكومات الاسلامية كانت مدعومة بسياسات غربية ساعدها الغرب في قمع شعوبها، .

وفي كتابه الثاني بعنوان (من نحن؟) لـ(هنتنجتون) الذي يرى فيه بأن هجمات (11 سبتمبر)، والتي قام بها (اسامة بن لادن) جعلت من أمريكا تزداد في تحديد هويتها اكثر من السابق، فإن هذه الهجمات ساعدت على تحديد ملأ الفراغ الذي احدثه (جورباتشوف) مع عدو جديد خطير أكيد، وقد حدد بدقة هوية امريكا بأنها امه مسيحية وقد استهدفت امريكا باعتبارها عدواً، لأنها قوية ومسيحية وتنشر قواتها المسلحة في ارض الاسلام، وهذا الامر قابله الرئيس الامريكي (جورج بوش الابن) بأنها حرب صليبية ضد اعداء امريكا، فالسياسة الامريكية هي معتقدة بهذا الشيء، قبل أنّ يراه (هنتنجتون)، وحتى أنّ الحرب التي قامت بها امريكا ضد الدول الاسلامية جزء منها يدخل تحت هذا التفسير المعلن من قبل امريكا، لأن العقلية الغربية وكما ضربنا بالأمثال السابقة أنّ عدد من رجال الدين الامريكان أنفسهم يرون ذلك، فأن امريكا المسيحية هي من تقود العالم الغربي بالضد من الأخر الاسلامي، ويؤكد هذا المفهوم بأن قرأت (هنتنجتون) على وفق الرؤية الامريكية والعقلية الجمعية للأمريكيين، بأنها مكملة للنظرة العدائية للإسلام، أي أنّ المتشددين الإسلاميين، من المتدينين والعلمانيين يعتبرون امريكا وشعبها ودينها وحضارتها عدو للإسلام، ولا يمكن للأمريكيين الا أنّ يروا في المتشددين الاسلاميين عدواً لأمريكا، فالعداء الاسلامي يشجع الامريكيين على تعريف هويتهم في سياق ديني ثقافي، ومن هنا فان تحديد هوية امريكا الثقافية والدينية لا تأتي في سياق ردات الفعل ضد (11 سبتمبر) فقط، بل هو يقع تحت صراع حضاري طويل كان آخره في الهجمات المتبادلة بين (اسامة بن لادن ) و(جورج بوش الابن) . لذلك فأن اطروحتي (هنتنجتون) في (صدام الحضارات، ومن نحن؟) احداهما انتجت الثانية، فالصدام الحضاري مع الاسلام جعل من الهوية المعلنة لأمريكا- حسب رأيه- هي هوية دينية تقابل هوية الآخر الاسلام .

وفي الانتقال الى (فرانسيس فوكوياما 1952) ونظريته في (نهاية التاريخ)، التي حملت نفس عنوان كتابه (نهاية التاريخ والانسان الاخير)، إذ يرى في مقدمة الكتاب بان فكرة (نهاية التاريخ ) تكمن في طريقة حكم ونظام يعيش فيه الفرد والمجتمع يكون هو النظام القادر على أنّ يصمد إذ ما طُبق بشكله السليم، وهنا يركز (فوكوياما) على الديمقراطية الليبرالية كنظام حكم لأنها اقتصرت على الايديولوجيات المنافسة - كالنظام الملكي الوراثي والفاشية، واخيراً الشيوعية . لقد اشرت فضلاً عن ذلك الى أنّ الديمقراطية الليبرالية بإمكانها أنّ تشكل فعلاً (منتهى التطور الايديولوجي للإنسانية) ولـ(الشكل النهائي لأي حكم انساني)، أي انها من هذه الزاوية (نهاية التاريخ)، الا ان الذي اشرت الى نهايته لم يكن بالطبع التاريخ كتتابع للأحداث، وإنما التاريخ كمجرد مسار متماسك للتطور الذي يأخذ في الحساب تجربة جميع الشعوب في انٍ معاً . هذه النظرة للتاريخ تقترب كثيراً من نظرة الفيلسوف الالماني الكبير (هيغل)، لكن ماهي النظرة التي يقدمها (فوكوياما) للإسلام كدين وشعوب في (نهاية التاريخ ) و( الانسان الاخير) وما هي طبيعة وجود النظام الاسلامي في دائرته المعرفية، بالعودة الى كتاب (نهاية التاريخ) ومدى اقتراب فكرته من فكرة الفيلسوف الالماني (هيغل ) كان ينظر الى العلاقة في السيرورة التاريخية، وكيف كان ينظر الى أنّ هذه العلاقة في تكوين التاريخ البشري لا تعتمد على اقامت المجتمع المدني المرتكز على العنصر الاجتماعي كما عند (جون لوك) بل تعتمد على تحديد العلاقة بين السيد والعبد، اي عندما تكون العملية مقترنة بطبيعة حياة الانسان وكيف أنّ هذه العلاقة تحدد على وفق من هو الاقوى الذي يسيطر والآخر الضعيف الذي يخضع للقوي، لكن هذه العلاقة تبقى غير مستقرة بسبب عدم الرضى ولأسباب مختلفة، فأن (السيد ) كما يرى (فوكوياما) في نظرة (هيغل) هو اكثر انسانية لأنه تجاوز طبيعته البايولوجية نحو غائية غير بايلوجية، أي أنّ يكون مُعترفاً به، أما العبد فيتخلى عن انسانيته خوفاً من الموت العنيف، لهذا السبب خضع على الرغم من كون هذا الخضوع لا يعني الرضا لكن يبقى ضحية لحاجة الخوف التي بداخله وخضوعه للسيد، والسيد يكون ذو انسانية كاملة، بينما العبد يبقى ذو انسانية ناقصة برغم الاعتراف به كسيد، وهذا الاعتراف يبقيه انسان ناقص ويبقيه عبد.

ويرى (فوكوياما) بأن الشعوب الاسلامية التي خضعت للسيد بحاجة الى أنّ تتحرر حتى تشارك في النهاية التاريخ . والخضوع هنا متعدد، أما أنّ يكون الخضوع للقوى الخارجية كالغرب مثلاً، أو أن يكون على وفق مفهوم (هيغل) في (الروح المطلقة) والمرحلة الرمزية الاولى التي خضع فيها ابناء الشعوب الشرقية الى حكام ديكتاتوريين مثلوا أنصاف آلهة، وكانت التضحية والخضوع جزء من هذه المعادلة، ومن هنا يرى (فوكوياما) بأن النظام الاسلامي المكمل للأنظمة الشرقية قديماً، لابد أنّ يتعرض لمفهوم التحديث حتى يكون من ضمن طبيعة الانظمة الديمقراطية الليبرالية وهو ما يطرحه في كتابه الثاني عن (الاسلام والحداثة والربيع العربي)، إذ يرى بأن على الاسلام الراديكالي أنّ يكون هو الأنموذج الحقيقي لدفع الركود الاسلامي نحو التحديث والتجدد، وكأنما يريد أنّ يقدم الاسلام المتشدد بدلاً عن الاسلام المعتدل، يقدم الاسلام المشوه ويثبت صفاته ويؤكد عليها في ذاكرة ابناء الغرب الذي تعود على أنّ يرى الاسلام غير قابل للتعايش، إذ يطرح (فرنسيس فوكو ياما، وناداف سامين) في مفهوم (عصرنة الاسلام) ما يأتي : مهما كان المقصد الحالي للحركات الاسلاموية، فان وظيفتها النهائية هي وظيفة ليبرالية تحررية، ولا تبدو المسافة بعيدة من هذه النقطة لمناقشة أنه ينبغي علينا أنّ نرحب باستلام الاسلامويين السلطة، وذلك لتسريع عملية الانبعاث، أو الإحياء المحتومة، هي محاولة لدمج (اسامة بن لادن) في تيار التحديث العالمي، وأنّ لم تكن هي نفسها قوة معصرنة، حسب قولهما، فالاسلاموية في الاقل تلعب دور الجرافة الثقافية التي تمهد الطريق لليبرالية عن طريق تقويض المؤسسات التقليدية لمجتمع المسلمين، وهذه الجرافة الثقافية التي تمهد الطريق ليس لليبرالية وكما يعتقد (فوكو ياما)، بل تمهد الطريق الى استبدال الاسلام الحقيقي بإسلام متشدد تنطبق عليه فكرة الارهاب، وكما هو التحديث الذي ارادوه في (أبن لادن) وقاعدته، وداعش واخواتها، هل هذا التحديث الذي يريده (فوكو ياما)، حتى يكون الاسلام ومنظومته الجديدة من ضمن (نهاية التاريخ)، وهنا اصبحنا امام صور جديدة غايتها تثبيت الافكار المشوه عن الاسلام، وعن رسول الاسلام، وها هو الخليفة الجديد الذي يزعم بانه يمثل الرسول (ص) في تحديثه الجديد، والبغدادي هو الصورة المزيفة التي أرادوها أنّ تكون مثبتة في اذهان شعوبهم عن الاسلام، حتى يصبح دين إرهاب واقعي يتلاءم مع صورة الاسلام لديهم .

إذن، ماهي الصورة الاخيرة التي ارادها كل من (صامويل هنتجتون، وفرنسيس فوكوياما) في (صدام الحضارات) و(نهاية التاريخ)، فصورة الاسلام ورسوله (ص) لديهم تقوم على ما يأتي:-

اولاً- إنّ الهوية الثقافية للغرب، هوية تقوم وتفصح على شكل العدو المنافس الذي حاول هدم المدنية من خلال افعاله الوحشية والبربرية القائمة على هدم كل حضارة وتطور والبقاء في دائرة التخلف، وهذه هي صورة الاسلام التي روجوا لها، وهم يصورونه بأنه دين ارهاب وخير دليل لديهم ما حدث في (11 سبتمبر) .

ثانياً – إنّ الصراع حضاري، يجب أنّ يأخذ مساحة كبيرة من الزمن، لأن الحضارات لا تقبل الهدنة، وبالتالي فان الاصلح هو الذي يبقى، لذلك وضعوا صورة للإسلام بأنه دموي، ويرسم حدوده بالدم مع الشعوب والحضارات الاخرى.

ثالثاً- الحرية والديمقراطية التي تعيشها الشعوب الغربية تقابلها الشعوب التي ترفض التغريب والتحديث، ويحرمون كل اشكال التقدم والحضارة، وفيهم متشددون هم من يسيطرون على توحيدهم ويصنعون لهم احكامهم وعقائدهم.

رابعاً- إنّ العدو الذي يهدد امريكا لآن، هو نفسه من واجهة الغرب المسيحي في الحروب الصليبية وقتل وشرد ابناء الديانات الاخرى من موطنهم الاصلي، لذلك كان لابد من اعادة الكَرة مرة اخرى وبنفس التسمية (حرب صليبية)، فصورة المسلم اصبحت في امريكا تأخذ طبيعتها من واقعة صورة المسلم في حقبة الحروب الصليبية بكل صفاتها ونعوتها.

خامساً – إنّ على المسلم أنّ يتخلى عن الصور التي يريد أنّ يكون عليها من الاعتدال والمعايشة الحسنة مع الآخر، لأن ذلك يمثل ركود للأمة الاسلامية، وعليه أنّ يقبل بالصورة المركزة والثابت الاوصاف في الذهنية الغربية حتى يستحق التحديث والاندماج في فلسفة نهاية التاريخ والانسان الاخير.

سادساً- على مر التاريخ اصبح السيطرة للسيد الذي يحدد على وفق انسانيته الكاملة شكل وحياة العبد الخاضع، وعلى شاكلة هذه الصورة بنيت مسيرة التاريخ، الذي كان فيه الاسلام واقع في خانة العبيد، والغربي يقع في خانة السيد ذو الانسانية الكاملة، والذي يرسم صورة العبد ذو الانسانية الناقصة على وفق الحضارة العالمية الجديدة.

سابعاً- صورة الاسلام التي يرغبون بضمها الى نهاية التاريخ لابد أنّ تكون على وفق الصورة المتشددة حتى تكون جرافة ثقافية تقضي على كل الركود لتمهد الطريق الى الحضارة العالمية الجديدة، حضارة (السيد) المتفوق والانسان الاخير .

 

الاستاذ الدكتور محمد كريم الساعدي