علي ثوينيالهيكل والنسيج العمراني للقدس: تشير المصادر التوراتية الى موقع الهيكل وتصف بإسهاب القدس القديمة، وجبل صهيون، وجبل الهيكل، وعين جيحون، ورابية أوفل، وجميعها متلازمة وناعتة لمكان الهيكل. ويقع كل ذلك على الطرف الجنوبي للتلال الجنوبية الشرقية من جبال القدس. وقبل القدس وعهد داود، قامت في نفس المكان حول العين مدينتا (مجدل ابيداس) و (يبوس) الكنعانيتان، والغرض منهما الحصول على الماء، الذي أشيد على تخومه الهيكل. وتؤكد (المزامير) أن الهيكل لا بد أن يزود بمياه النبع في حبكته التصميمية والوظيفية، لأن النبع يعد (ماء الخلاص)، ويوظف لأغراض العماد وتتويج الملوك.. الخ. فكان هنا على عين جيحون، واسم هذه العين جاء نعتا عن كيفية تدفق الماء منها. ووردت شهادة من (اريستيساس) و (تاسيتوس) بأن لهيكل القدس نبعاً لا ينضب، وصار بديهيا أن عين جيحون هي النبع الوحيد في القدس كما تؤكد الكتابات المقدسة. أما منطقة (الحرم الشريف) فأنها تقع على (جبل المريا)، ولا توجد به أية ينابيع سابقاً أم لاحقا (24).

ويجدر الإشارة الى أن موقع الحرم القدسي، كان خالياً في تلك الحقب، وهو أعلى تضاريسيا من موقع القدس القديمة، ولم يكن صالحاً لإقامة مدينة وأسواق ومعبد لانعدام ماءه. وكان الأجدى بإنشاء الهيكل في الموقع الاوطأ الأكثر خصبا وخضرة، والمتواشج مع خطة المدينة ونسيجها العمراني. وهو يقع إلى الجنوب الشرقي من موقع الحرم بما لا يقل عن 350م. ويؤكد ذلك الأمر (هيكاتيوس ابديرا) في زمن معاصر لعهد الإسكندر اليوناني، ويؤكد أن الهيكل كان في وسط المدينة. وجاء مثل هذا التأكيد: (في ديار الرب مقابل شعبه في وسطك يا أورشليم) (25). وفي وصف موقعه دلائل حيث ورد في الكـــتابات المقدســة أنه بنى على (أرض البيدر)، والبيدر لايكون على صخرة ناتئة أو سفح جبل مائل، والأجدى والأقرب للصواب أنه كان على أرص مسطحة. كل ذلك يوحى بان الهيكل وجبل صهيون والقدس القديمة كانت على المرتفعات الجنوبية الشرقية للقدس، وكانت هي موضع بناء الهيكل، وليس (جبل المريا).

وفي العهد الروماني، بنا الحاكم هيرودس، على ذلك الجبل قلعة في الشمال الغربي من القدس لتكون مقراً للفيلق الروماني العاشر، سميت (قلعة انطونيا). ولعدم وجود مصدر مائي فيها، بُني عام 37 م حوض تجمع فيها مياه الأمطار تكفي لحاجات الحامية. وقد صمدت هذه القلعة أمام الحروب الرومانية اليهودية، وأمام الزمان، وبقيت حتى أيامنا هذه وهي في حقيقتها منصة الحرم الشريف. وقد استعرض (يوسيفوس) وضع الهيكل في عز عظمته بأطواله وأبعاده وحجمه، وخلص إلى انه لو كان موضعه فوق الصخرة المعراجية لبدا كناطحة سحاب ذات أربعين طابقاً. أما لو وضع في موضعه الصحيح "جيحون واوفل والتلال الجنوبية الشرقية والقدس القديمة"، لاستقامت له أمور التطاول وبدا متجانسا بصريا.

وثمة أوصاف للموقع وردت في مدونات الحجاج المسيحيين الذين زاروا الموقع على امتداد الحقب، ولاسيما قبيل الفتح الإسلامي. ونجد من تلك المدونات ما ورد (عام 333م) كتبها (حاج بوردو) أنه رأى في القدس آثار هيكل قائم مع مبان متراصة، كان قد بناها اليهود حديثا في عهد قسطنطين. ويذكر التاريخ إنهم حاولوا إعادة بنائه لمرة أخرى في عهد جوليان (الحاجد) عام (363م)على التلال الجنوبية الشرقية للقدس، في موقعه الصحيح. وفي عهد جوستنيان (القرن السادس الميلادي). ثم نجد شهادة أخرى لـ (حاج بياسينزا)، عن (كنيسة الحكمة المقدسة)، التي بنتها القديسة هيلانة آم الملك قسطنطين ملكة بيزنطه في بواكيرالقرن الرابع الميلادي، في مقر الحـــرس الأمبراطورى (قلعه انطو نيا)السابق لبيلاطس على الصخرة المعراجية تحديدا (26).

وفي العصور الإسلامية كان الخليفة الراشد عمر (رض) قد رفض الصلاة في كنيسة القيامة عندما دخل القدس عام 636 م، تحاشيا لأن يؤموه المسلمين بعده، وهو ما يؤكد ممارسة نفس الخشية في موقع الأقصى والصخرة كونها لم تكن مأهولة ولا تحوي أي أثر ظاهر أو باطن لبناء سليمان، والتي أمر ببناء المسجد عليها. ونجد حادث فحواه أن قدم للخليفة الراشد عمر جماعة من يهود طبريا، وطلبوا إذنه في أن يحضروا للإقامة قرب خرائب هيكلهم (في الجنوب الشرقي لتلال القدس)، فإذن لـ72 عائلة، فحضروا ومكثوا، وأمسى ربعا تابعا لنسيج المدينة العمراني. وهنا نشير الى أن الأثاري "مازار" اكتشف مستوطنة كبيرة للأمويين جنوبي موقع الحرم الشريف (27).

وثمة معلومة أوردها المسعودي (346 ه‍ 957 م) جاء فيها: (وابتدأ سليمان ببنيان بيت المقدس، وهو المسجد الأقصى الذي بارك اللّه عزوجل حَوْلَه، فلما استتم بناءه بنى لنفسه بيتاً، وهو الموضع الذي يسمى في وقتنا هذا كنيسة القيأمة، وهي الكنيسة العظمى ببيت المقدس عند النصارى، ولهم كنائس غيرها معظمة ببيت المقدس، منها كنيسة صَهْيُون، وقد ذكرها داود عليه السلام، والكنيسة المعروفة بالجسمانية ويزعمون أن فيها قبر داود عليه السلام) (28). وهكذا نجد أن أخبار "الهيكل" لم يعد لها يقين قاطع في القرن العاشر الميلادي ونجد أن المسعودي يذكر موضع آخر بأن اليهود السامريين في وقته (332هـ) الذين مكث منهم نفر في الرملة وطبرية، أعتبروا أن مدينة نابلس هي (بيت المقدس) كونها مدينة النبي يعقوب (29) وفيها مرعاه ومعالمه. ويمكن رصد أن حركة التمصير الإسلامي مكثت أمينة على البنية الأساسية لمدينة القدس، ولم يحرف بها كثيرا، كما كان قد عوملت به كل المدن المفتوحة، والتي تحتفظ بأرث قديم، على مبدأ احترام (الثابت الثقافي) ولاسيما ما يخص العمارة للشعوب المفتوحة.                 

 بيد أننا نجد في أخبار عام 1033م، أن زلزالا كبير دمر الجدر واخرج عين جيحون خارج الأسوار وجعل البلد عرضة لغزوات قبائل عديدة. وبدءاً من ذلك العام، وحتى عام 1077م، دب الخراب في عين جيحون، وأصبحت آسنة، ولم تعد تجذب السكان لجوارها، ورحل اليهود المتبقين الى دمشق. لكن حدث بعد (22)سنه أن أحتل الصليبيون فلسطين، ومنعوا اليهود خلال الخمسين عام من دخول القدس، أي حتى منتصف القرن الثاني عشر.

وإبان تلك الحقبة حدثت المغالطة التاريخية وانطلت على اليهود، مثلما انطلت على كثير من المؤرخين الغربيين. حيث أطلق الصليبيون على الحرم الذي استعملوه كأصطبل ردحا، اسم (سولومونوس تمبلم Templum Salomonis)اللاتيني، أي معبد سليمان،. وتلقفتها الأفواه والأجيال، وأمست من أقانيم اليهود، كما الكثير منها التي لاتمت للحقيقة بصلة. وقد زار القدس تاجر يهودي عام 1165 م يدعي (بنيامين توديلا)، ودون في عرض رحلته ما كان يقال من أن مكان الهيكل هو الحرم، وأضاف انه سمع عن اكتشاف مقابر ملوك يهودا وقبر داود على التلال الجنوبية الغربية قبل وصوله بـ15عاماً (30).

بيد أن هذه الروايات وجدت معارضة واضحة من موسى بن ميمون فيلسوف الأندلس الذي تشرب بروح إسلامية، وأعلن (عام 1160 م) حينما زارها، بان هيكل القدس مازال خربا تماماً وخاليا، في حين كان الحرم الشريف عامر، بل أكثر مناطق البلد عمرانا. وشارك في هذا اليقين (الربي ديفيد كمحي)، الحجة اليهودي البارز، الذي ظهر عام (1235 م)، بعد موسى بن ميمون وأعلن : (إن الهيكل ما زال خربا ًوانه لم تقم أية ابنيه مسيحية أو إسلامية في الموقع الذي كانت تقوم عليه الهياكل). وهذا يؤكد أن لم يقم أي بناء مكان الهيكل في فترة ستمائة عام، أي فترة الحكم الإسلامي والصليبي على فلسطين. وظهرت الحقيقة ثانية بعد ستة قرون، اثر الدراسات القيمة التي قام بها الإنكليزي (و. برش)، بين أعوام (1875-1885)، حيث حسمت مقالاته حينئذ الجدل الدائر بشأن موضع القدس القديمة وجبل صهيون والهيكل، وأكد أن ذلك كله على التلال الجنوبية الشرقية.

ويقول بهذا الصدد جوناثان طاب رئيس قسم آثار الشرق الأدنى في المتحف البريطاني : (ان البقايا الأثرية التي تنسب عادة إلى سليمان، عبارة عن (مجموعة من البنايات الأثرية، بنايات عامة أو قصور في مجدّو، أبرزها أربع بوابات ضخمة مدعمة تتبعها أسوار محصنة للمدينة، عثر عليها في مجدّو وحازورة وجيزر. ولمجرد أن هذه الآثار حدّد لها تاريخ في القرن العاشر، اعتبرت كما لو كانت شاهداً على برنامج سليمان الواسع في البناء.. وعندما تمت أعمال الكشف في تل جزريل الذي قامت به جامعة تل أبيب والمدرسة البريطانية لعلم الآثار في القدس في تسعينات القرن العشرين، أخرج هذا الموقع الذي شيدته عائلة عمري خلال القرن التاسع عشر.. فخاراً مماثلاً للفخار الذي عثر عليه في المستويات السليمانية في مجدّو وحازورة.. مما أدى في السنوات الأخيرة، إلى إعادة فحص ما يسمى بالمعمار السليماني). ويقول توماس تومسون استاذ دراسات العهد القديم بجامعة كوبنهاغن الدنماركية، ان الاعتقاد الذي كان سائداً حتى القرن التاسع عشر، ذهب إلى اعتبار أن القصص التوراتية تمثل أحداثاً تاريخية حقيقية، ثم تغير الآن، بعدما أظهرت نتائج الاكتشافات الأثرية عدم وجود أي أدلة تؤيد ما جاء في هذه القصص من أحداث وتواريخ «فليس هناك دليل من الآثار على وجود مملكة إسرائيلية متحدة أيام شاؤول وداود وسليمان، كما لم ترد أية إشارة لهؤلاء الملوك في المصادر التاريخية». ويعتقد تومسون أن «قصص التوراة تضمنت أحداثاً تاريخية قديمة لشعوب وممالك أخرى في الشرق الأوسط، وجرى اقتباس تلك التواريخ لتكون جزءاً من تاريخ مملكة بني إسرائيل). بل انه يذهب إلى أن دولة يهودا التوراتية لم تظهر إلا منذ القرن الخامس قبل الميلاد، في زمن الحكم الفارسي، ولم يكن لهذه الدولة أية علاقة بدولة إسرائيل التي قامت حول السامرة قبل ذلك بأربعة قرون ودمرها الآشوريون عام 722 ق. م، ونقلوا سكانها إلى مناطق أخرى، وأحلوا أقواماً عربية مكانهم (31).

 ونذكر هنا ما يحاكي نفس الأحداث في تاريخ مصر أيام الملك أمنحتب الثالث والد اخناتون قبل ذلك بأربعة قرون. ويبدو أن كتبة الرواية التوراتية استعاروا بعض القصص المتعلقة بالإمبراطورية المصرية بين النيل والفرات "قبل عصر سليمان بخمسة قرون" ونسبوها إلى ملكهم، مثلما أقتبسوا الكثير من قصص الرافدين وضموها للتوراة، كما قصة الطوفان من ملحمة كلكامش و (أوتونابشتم) الذي يقابل نوح، وكذلك قصة موسى المحاكية لقصة سركون الأكدي.

وفي سياق المحاكاة مع الأصل المصري لقصة (النيل والفرات)، فقد سيطر أمنحتب الثالث على معظم أجزاء العالم المعروف في زمانه، وامتدت حدوده شمالاً عبر نهر الفرات، وجنوباً عند شلال النيل الرابع وسط السودان، رغم أنه لم يخض معركة حربية واحدة في حياته، لأن أجداده من ملوك الأسرة الثامنة عشر أسسوا تلك الامبراطورية. وعندما توفي تحتمس الرابع، والد أمنحتب الثالث، كانت الأمور قد استقرت للملك الصغير الذي تولى الحكم وهو لم يتجاوز الثانية عشرة من عمره، فلجأ إلى الديبلوماسية في علاقاته مع ملوك الامبراطورية. وعمد أمنحتب الثالث إلى الزواج من أميرات ممالك الامبراطورية وتبادل الهدايا مع الملوك مثلما هي قصة سليمان تماما. وأستخدم أمنحتب الثالث، الثراء والذهب الوارد من أفريقا في البناء والمعمار سواء في مصر أو في بلاد سورية وكنعان، حيث شيد المعابد والقصور والمدن المحصنة، وكان لوجود عدد كبير من أسرى الحروب في ذلك الزمان أثر فعال في ازدياد القوى العاملة التي استخدمت في أعمال قطع الحجارة والبناء.

 

د. علي ثويني

 

سارة طالب السهيلجاء خير البرية والمرسلين سيدنا محمد صل الله عليه وسلم ليتمم مكارم الاخلاق التي جاء بها الانبياء والرسل، فالاديان السماوية الثلاث كلها كما ركزت على الدعوة الى توحيد الخالق العظيم لكنها ركزت أيضا على مكارم الاخلاق لان الحياة لا تستقيم بدون قيم العدل والرحمة والتعاون ونشر السلام والعطف على المسكين والضعيف وغيرها.

والمعروف ان كل نبي ورسول قد بعث لقومه فقط، ماعدا سيد الخلق محمد بن عبد الله الذي أرسله الله رحمة للعالمين من انس وجن وشجر وحيوان وغيره، وهناك ما نعرفه من الرسل كما جاء ذكرهم في القرآن الكريم، وأنبياء ورسل  لم نعرف عنهم شيئا  كما ذكر الله تعالى في محكم كتابه بسورة النساء الآيات /163-164: (إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآَتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا . وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا).

فهذه الاديان السماوية التي جاء بها الانبياء والرسل بوحي من السماء، لكن هناك أديان أرضية منتشرة في الكرة الارضية يعتنقها الكثير من الاتباع والمريدين ولها قيمها الاخلاقية والانسانية الرفيعة كالأديان الهندية والصينية قائمة على تعاليم مؤسسيها، ولا تدعي اتباع الوحي المباشر، وترجع البوذية إلى سدارتا غوتاما، والجينية إلى مهافيرا، والسيحية إلى غورو ناناك، والكونفوشية إلى كونفوشياس، والطائية إلى لاو تْسي.

ولكن هناك أديان موغلة في القدم توحد الخالق دون ان تحسب على انها سماوية، مثل الزردشتية  التي يرى أتباعها ان مؤسسها صاحب وحي ونبي  بينما  يري فقهاء الدين الاسلامي والباحثين في علوم الاديان في بريطانيا انها مجوسية تعبد النار إلها، وهو ما يذهب  معظم فقهاء الاسلام مثل ابن الجوزي ومن ثم فهي باطلة، غير ان بعض العلماء يذهب للاعتقاد بأن مؤسس الزرداشتية نبي، كلشهرستاني، ومنهم من يري أن مؤسسها نبي مرسل ثم بمرور الزمن طرأت عليها تغييرات كمصطفى حلمي.

بينما يؤكد اتباع الديانة الزرادشتية انهم يعبدون الاها واحدا وانهم لا يعبدون النار وانما يتوجهون اليها باعتبارها رمزا تطهيريا كما يقبل المسلمون الحجر الاسود في مكة.

وما يثير دهشة المتأمل في الاديان يجد تشابها بين الزرادشتية والإسلام فيما يخص اقامة الصلاة خمسة مرات في اليوم، ومن حيث صيام شهر واحد في السنة ومن حيث ايضا وجود اسراء ومعراج. وهذا التشابه قد حير كثيرا من الباحثين المتخصصين، ولاشك ايضا انه يحيرني ويحير كل ذي عقل.

الوحدانية التثنوية

تعد الزّرادشتية كما تذكر المصادر التاريخية والباحثون المتخصصون، ديانة فارسية آرية قديمة، تنسب الى (سبيتاما زرادشت) وتقدس الحق والصدق، وتتركز على الاله الواحد المطلق، الذي يخلق إلهين، يختار أحدهما الخير والنور واسمه أهورامزدا ويختار الثاني الشرّ والظلام واسمه أهريمان.

 ولهذا تسمى هذه الديانة بالوحدانية الثنوية التي تعكس الصراع الازلي والدائم لإلهي الخير والشر حتي ينتصر إله الخير على إله الشر، ويختفي الشرّ من العالم بحسب التعاليم الزرادشتية.

اول دين توحيدي

كشف بحثٌ لمركز فيريل للدراسات في برلين بألمانيا حول مراجعة لتاريخ الأديان ومعلومات متاحف الآثار في ألمانيا، عام 2016 عن  ان “الزرادشتية هي أول ديانة توحيدية في العالم”. والتي نُسبت إلى مؤسسها زرادشت Zarathustra، وهو فيلسوف عاش في إيران وتنقل بين جنوب القوقاز وبلاد فارس والعراق، ناشراً تعاليمهُ التي مازال لها أتباع حتى الآن في إيران والعراق والهند والباكستان، وقد ظهرت ديانة التوحيد حوالي 1560 قبل الميلاد، أي قبل أكثر من 3500 عام، بسّط زرادشت التشاركية الإلهية الثنائية التي كانت سائدة قبلهُ: “سبتامينو” إله الخير، وأنكرامينو”: إله الشرّ، فجمعها بإله واحد هو “أهورا مزدا” أي الحكمة المُنيرة، لهذا كان النور أهم رموز دينه والتي ترمز له الشمس، وليس عبادتها أو عبادة النار كما يُشاع عن الزرادشتية، فهم يعتبرون النار والماء أدوات من طقوس الطهارة الروحية.

وتؤكد الدراسة ان  الديانات التوحيدية التي جاءت لاحقاً قد تأثرت الزرادشتية، وكان اليهود أولهم وقد تعلموها بعد سبي بابل، لكن بالمقابل؛ تأثرت الديانة الزرادشتية بالفلسفة الدينية البابلية والسومرية التي سبقتها.

الحكمة والنبوة

يعد زاردشت "فيلسوفا حكيما جمع بين حاجات الانسان للحياة وفق قواعد اخلاقية اصلاحية وأخرى  دينية اخروية، فمن لم يعتقد بنبوته، لا يختلف علي حكمته وفلسفته العميقة وهي فلسفة تنطلق من فكرة التوحيد الالهي رمزا للرحمة والخير وتتواصل في معترك الحياة بقيم اخلاقية وروحية رفيعة وهو يتجسد في الفضائل السبع التي يؤمن الزرادشتيون وهي الحكمة، العفة، الإخلاص، الكرم، الشجاعة، العمل والأمانة وتأتي من سبتامينو أو القوة المقدسة، وهي الإدراك أو الأنا العليا بمفهوم علم النفس.  بينما تأتي الرذائل السبع وهي: الخيانة، الجبن، البخل، الظلم، إزهاق الأرواح، النفاق، والخداع، وتأتي من أنكرة مينوا أو القوة الخبيثة، وهي عدم الإدراك، ويحتدم الصراع بين القوتين داخل كل إنسان، حتى تنتصر قوة الخير، فيصل إلى قمة الصفاء.

ولاغرابة ان نجد زرادشت يحظى باحترام فائق لدى الحضارات المختلفة، بل أن تعاليمه ـ كما يذهب الدراسون المختصون ـ قد اثرت علىز الديانات السماوية التي لحقت به ، فقد عرف زرادوشت في العالم القديم بوصفه رجل الحكمة والمعرفة، واعجب به الفلاسفة الإغريق ولا يزال بعض الفلاسفة والمفكرين يحترمونه كرجل حكيم  قدم خدمات معرفية واخلاقية للانسانية ، وقد استوحى أفرادٌ مختلفون مثل فولتير ونيتشه وفريدي ميركوري، من الديانة الزرادشتية.

وعرف زرادشت بالكرم ومحبة الاهل والبشرية والانشغال في نشاطات اخلاقية واجتماعية، كما عرف بإنعزاله الكثير عن عائلته وعن الناس للتأمل في الله والكون والحياة وفي معاناة الانسانية حتى تصفو روحه وتشرق نفسه.

قضى زرادشت حياته في نشر رسالته والعمل على تعليم شعبه التعاليم الأخلاقية بحسب الكتاب الموحى اليه من قبل أهورامازدا (آفيستا)، والذي نزل عليه بلغة بيّنة قريبة الى عامة الناس. ولم تنته حياته إلا وقد دخل في دينه الغالبية المطلقة من شعوب الامبراطورية الفارسية والشعوب المجاورة لها. ويُقال أنه مات قتيلاً في بيت من بيوت النار في(بلخ) حوالي سنة 583 ق. م، عن عمر ناهز السابعة والسبعين، عندما أغار عليه الطورانيون أعداء الفرس.

اعتقادات الزرادشتية

يَعتقد الزرادشتيون بوجود إله الخير هو “أهورا مزدا”، و هو إله النور، وبوجود مصدر للشر الدائم هو “أهرمان” أي القوى الخبيثة الشريرة “إله الظلام”.

تؤمن الزرادشتية بأن الله واحد، وهم يعبدونه وحده، وأهرمان ليس إله، لهذا لا يعبدونه، كما أشاع عنهم أعداؤهم، بل يتحاشونه لأنه مصدر للوساوس الشريرة. وحسب ترنيمات Avesta وهو الكتاب المقدس للزرادشتية: “أدركُ أنك أنتَ وحدَكَ الإله الواحد الأحد الأوحد، الخيّرُ القدوس الحق المنير العادل المُعطي الأكبر المُخلّص الحكيم…”.

الروح في الزرادشتية موجودة دائماً والجسد هو الفاني، هذه الروح تبقي  بعد الموت  في منطقة بين الجنة والنار بانتظار يوم الحساب، كما يؤمنون بالصراط المستقيم وميزان الأعمال.

الله الواحد له ملائكة ومساعدين وعددهم ستة اسمهم أميشا سبنتاس أي المخلدون المقدسون ، كما يؤمنون بوجود: الملائكة الحرّاس لكل رجل وامرأة وطفل، تحميهم وترشدهم إلى الخير وعمل الفضيلة، وهناك سبعة شياطين تدعى “ديو”، توسوس بارتكاب الآثام والمعاصي، وتحوم حول الإنسان.

أخذت الديانة الزرادشتية معتقداتها عن الحضارة السومرية ثم البابلية، وهو ما يظهر في لوح سومري في جزيرة المتاحف ببرلين Berliner Museumsinsel، ترجمة لقصة الأنوناكي وهي الكائنات الفضائية التي هبطت على الأرض من كوكب نبيرو، الزرادشتيون استبدلوا الاسم بالكوكب “بيرو” وهو بداية الصيام عندهم. ثم أخذوا الـ 400 ألف سنة التي استوطن فيها الأنوناكي على الأرض، فاعتبروا السنة بألف، وكل سنة بمثقال ذرّة.”. لتأتي في اللوح السومري ذكر وادي النمور وهو جنّة عدن، وقصّة آدم وحوّاء اللذين وضعا ماءهما في جرّتين وانتظرا تسعة أشهر… بعد الزرادشتين تأثّرت كافة الديانات، دون استثناء، بقصة السومريين كالطوفان والجنة والنار.

تجليات التوحيد في الغاثا

يتجلي التوحيد في أناشيد الغاثا لزرادشت، كما يبرز خلق الكون عبر هذه الاناشيد، حيث انه بعد ان يخلق أهورامزدا عالم الملائكة وعالم الشياطين، فإنه يخلق سبع سموات ويزيّنها بالشمس والقمر والكواكب والنجوم ويجعل من السماء السابعة عرشا له ويجعل غلافها درعا وسياجا للكون، ثم يخلق البحار والرياح الممطرة لكي لا تجف البحار، ثم يخلق الارض في كبد السماء، ثم النباتات والاشجار، فالحيوانات، فالانسان الاول(جيومرث).

والغاثا، هي مجموعة من الأغاني والترانيم التي تعتبر مركزية في الابستاق (أو الافيستا)، الكتاب المقدس في الزرادشتية، وتستمد نصوص الابستاق الباقية من نسخةٍ رئيسية واحدة دوّنت أثناء الإمبراطورية الساسانية (224-651 م).

من أناشيد الغاثا لزرادشت:

من هو منذ قديم الزمان؟....

من رسم المسار للشمس والقمر؟ ...

من أمسك الأرض ورفع السماء فلا تقع؟...

من أنبت الزرع وصنع المطر؟...

من خلق الأفكار الخيّرة؟....

من سخر الليل والصباح والظهيرة تذكرة للناس؟

من سخر البقر والانعام لرخاء الناس؟

من علم الناس الإحترام للوالدين؟...

من غير العقل الطيب،

ومن هو خالق كل شىء حسن وخيّر في الكون؟.

ويستريح أهورامزدا لمدة خمسة أيام بعد خلقه للكون ومن هنا يحتفل الزرادشتيين بهذه الايام الخمسة كل سنة ويسمونها (كهنبار) وهي في الحقيقة أيام زائدة في السنة الفارسية.

بين التشابه والاختلاف

ما تحمله الزرادشتية من قيم دينية واخلاقية، وتشابه في مواطن عديدة مع الدين الاسلامي اثار ويثير جدلا كبيرا بين المهتمين بالاديان والمثقفين بصفة عامة، وبينما يرى معظم فقهاء  المسلمين ان الزرادشتية ديانة شركية مجوسية تعبد النار، فان رجال الدين الزرادشتي ينفون ذلك مؤكدين ان دينهم توحيدي، فهم كما يقولون نحن نعبد إله واحد لا غير هو إله الخير أهورامازدا ونصلي له خمسة مرات يوميا لكننا نعبده من خلال توجهنا لهذه النار لأننا نعتقد أنها ترمز إلى النور الإلهي ومادمنا بحاجة إلى رمز في دنيانا فنحن نقدس هذه النار ونجتمع حولها ونعتبرها قبلة لنا.

وهناك من العلماء من يرى ان زرداشت  نبي بدين سماوي تم تحريفه، استنادا الى ان الاسكندر حرق كتب الزرادشتيين في القرن السابع الميلادي وتبقى فقط أربعة اجزاء يمثلهم كتاب " افستا " الكتاب المقدس للزرادشتين.

فهناك تشابه كبير في اسماء الله الحسنى الورادة بالزرادشتية والورادة بالاحاديث النبوية، كذلك فكرة المسيح الدجال و خروج المهدي المذكورة في الأحاديث النبوية تتشابه مع الزرادشتية غير ان معظم فقهاء المسلمين يذهبون الى انه دين وثني استنادا الى انه يشترط في توحيده على الايمان بنبوة زرادشت ولا نبي بعده، كما ان القرآن الكريم لم يذكر شيئا عن نبوة زرادشت، كما ان سيدنا محمد لم يذكر اي شئ عن زرادشت بوصفه نبيا، ويرجحون ان التشابه بين الزرادشتية والاسلام قد يكون مرجعها الى الاسرائيليات، مشيرين الى ان وجود بعض ما يوافق الإسلام في الزرادشتية، لا يدعم فكرة ان يكون صاحبها نبيا، فالاستناد الى نص الآية الكريمة (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ ) ودلالاتها على وجود رسل سابقين لا نعلمهم لا يلزم معه أن نفتح باب احتمال نبوة كل صاحب ديانة اشتملت معتقداته على شيء مما جاء به الإسلام.

فالزرادشتية لدى المسلمين ليسوا أهل كتاب، والجزية قد أخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم من المجوس، وهم عباد النار لا فرق بينهم وبين عبدة الأوثان، ولا يصح أنهم من أهل الكتاب، ولا كان لهم كتاب برأي علماء المسلمين .

ماذا بقي من الزرادشتية

مهما اختلف اصحاب الاديان بشان صحة المعتقد الديني لدى زرادشت، فلا أحد يستطيع انكار حقيقة انها تملك مقومات  بقائها كفلسفة اخلاقية عظيمة بما تتضمنه من تعاليم لنشر المحبة والرحمة والسلام  التسامح والتشجيع على العلم واستعمال العقل والمنطق والقناعة والتفكير بالحياة ومصير الانسان والجنة والنار.

وقد تقلص اتباع الزرداشتية في العالم، فلا يتجاوزن 300,000 الف تابع في العالم بحسب تقديرات الأمم المتحدة ومنهم 100,000 ألف تابع يعيشون في الهند و50,000 تابع في(كراتشي) باكستان و25,000 تابع في امريكا وكندا. والباقي يعيشون في جمهورية ايران الاسلامية، إذ بقي أقل من 100,000 تابع في عموم ايران. وتعترف الحكومة الاسلامية في ايران بديانتهم رسميّا ولهم عضو في البرلمان الايراني.

تعاني الزرادشتية اليوم من مشكلة تناقص عدد أتباعها لأنها لا تقبل الإهتداءات الجديدة ولا الزواجات المختلطة وعلى المُنتمي إليها أن يكون من الجنس الفارسي، فلكي تكون زردشتيا جيّدا فيجب أن تكون فارسيا جيدا، ولا يمكن ايضا الزواج من خارج الديانة بالنسبة للجنسين. وهو ما يجعلها تبدو وكأنها ديانة قوميّة  تفقد بريقها الروحي القديم.

 

سارة السهيل

 

علي ثوينيفلسطين والتاريخ: جدير بنا تصفح تاريخ بلاد فلسطين لتبيان من سكنها من الأقوام. فقد وجدت الحياة البشرية قبل أكثر من 600 ألف عام في جنوب بحيرة طبريا، وثمة مستوطنات (قروية) عند البحر الميت ولاسيما في أريحا (تل السلطان)، تعود لتسعة آلاف عام خلت، تحوي الكثير من سمات البناء والجدر السامقة المبنية من مداميك الحجر الغشيم. لكن أقدم ما يمكن تسميتهم من الأقوام هم الكنعانيين، ويعود أقدم ذكر لهم الى العام 3000 ق. م بما يعاصر سومر في العراق وبواكير الدولة القديمة في مصر. حدث ذلك بعدما شهد التاريخ القديم أكبر الهجرات من شبه الجزيرة العربية إلى فلسطين، وورد أسم هؤلاء في الوثائق المصرية والآمورية القديمة بصيغة "كيناهي" او "كيناهنا". واشتغل الكنعانيون بالصناعة والزراعة والتجارة وبنو مدنا عديدة مثل القدس، أريحا، عكا، عسقلان، وغزة (15). وقد تم اكتشاف الكثير من الآثار التي تدل عليهم، ومنها لقى من البرونز وأقمشة وعمائر كالأسوار والأنفاق. و(اليبوسيون) هم حمولة من كنعان، وهم من أسس وسكن القدس أول مرة، وشرعوا بحفر الأنفاق تحت جبالها للتزود بالماء أو السكن (16). ويرد في مدونات التاريخ أن جماعات بدوية أطلق الباحثون عليهم اسم (العبرانيين)، كانوا قد حلوا في فلسطين بين أعوام 1400-1200 ق. م. ويعتقد البعض أن أسمهم ورد من مصدر (عبر) بما يتعلق بقصة النبي موسى وعبوره البحر. أما (التوراة) فهي واردة من (الطور) وتعني الجبل، بما يتعلق بقصة طور سيناء (17).

وفي عام 1016-976 ق. م تولى النبي داوود الحكم وهنا تم إقامة أول هيكل لليهود والذي استكمله ابنه سليمان، والذي اهتم بالصناعة والتجارة. وفي عهده توسعت الدولة ومكثت 80 عاما، لكن حدث أن انقسمت لمملكتين "إسرائيل" و"يهودا" وذلك في عام 928 ق. م. ووردت إشارات مبهمة في التواريخ والتوراة الى مكان إنشاء دولتين (مشيختين أو إمارتين) عبرانيتين، إحداها في الشمال قد انتهت عام 732 ق. م، والأخرى في الجنوب، درست عام 586 ق. م، ولكن الباحثين اختلفوا في مكان قيامهما وفي حجمهما ونوعهما، وأن كانتا مثقفة وعمرانية، أم بدوية رعوية، والأهم هل كانتا في فلسطين أم خارجها، وذهب بعض الباحثين أنها كانت جنوب جزيرة العرب (عسير والسراة) كما في أطروحة الباحث كمال الصليبي (18)،.

ورحلت بعد ذلك الى فلسطين أقوام من بحر أيجه يدعون (الفلسطينيين) سحنتهم بيضاء، وتركزوا على الساحل، وهم من أسبغ تباعا أسمه على البلاد بعدما كانت تدعى (بلاد كنعان)، وربما كان " هيرودوتس "المؤرخ اليوناني هو أقدم من أورد أسم فلسطين في مدوناته (19). وكانت فلسطين بوتقة اختلطت بها أمشاج الأقوام والأعراق، وهجين البشر الواردين من أرومات شامية وحيثية وعراقية ومصرية. لكن يبدوا أن اللغة الكنعانية، وهي قريبة من الأكدية العراقية، قد فرضت سطوتها، وتداعت بعد حين أن تحل الآرامية الغربية محلها التي وحدت لغات الشام بالعراق، وكل تلك اللغات تمت الصلة لأصل وفصل وحيثيات مشتركة مع اللغة العربية. أما القدس فكانت تدعى (أور- شليم) (مدينة السلام)، ويبدو أن اسم (أور) ورد من السومرية أو الحضارة العبيدية التي سبقتها، فقد كانت أور وأوروك في جنوب الرافدين. (20). أما أسم (ايليا) التي وردت حتى في عهدة الخليفة عمر (رض)، فإنها ليست رومانية كما يعتقد البعض، وتمت لنفس الأصل الشرقي، حيث أن (أيل) هو الله الأكدي، كما في (باب-أيل) آو بابل، ومثلها الكثير من التسميات، و (يا) تستعمل للصفة وترد في الآرامية، واستعارتها جل اللغات وتجسدت في نهايات أسماء الدول، وبذلك فأيليا تعني (الإلهية) أو المقدسة (21).

وكانت فلسطين والشام دائما مكان تباري وحصة لمن غلب في خضم الصراع بين القوتين العراقية والمصرية، وحدث أن أجتاح مصر بحدود عام 1600 ق. م قوم أطلق عليهم (الهكسوس) وردوها من جنوب فلسطين أو سيناء ويذهب البعض أن قصة سيدنا يوسف (ع) حدثت إبانها، واحتلت اليونان وسيرت الدين والفكر بها (22). لكن وقعت فلسطين عام 732 ق. م تحت الحكم الآشوري وهنا انتهت مملكة إسرائيل تماما. وفي عام 586 ق. م سيطر البابليون بقيادة نبوخذ نصر على فلسطين وقام بسبي ونفي كل اليهود إلى بابل وتم تدمير الهيكل تماما، حتى أن المهجرين اليهود أستطابوا الحياة في بابل، فلم يعد منهم بعد 57 عام من الهجرة، إلا نفر قليل، ومكث الأغلبية في العراق، بعدما سمح لهم قورش الفارسي بالعودة بعد سقوط بابل 539 ق. م. وهنا تنقل التواريخ أن قورش الفارسي أعاد أجزاء من الهيكل.

وفي عام 333 ق. م احتل الاسكندر المقدوني القدس وخضعت له فلسطين. وبعد وفاته وتقسيم دولته، وقعت فلسطين تحت حكم السلوقيين والبطالمة، وتم تدمير الهيكل جزئيا أثناء حكم السلوقيين من جديد. وتأرجحت السيطرة على أورشليم في عهد خلفائه، وقام الملك السلوقي أنطيخوس الرابع حوالي عام 165 ق. م بتدمير الهيكل وأرغم اليهود على اعتناق الديانة الوثنية اليونانية بعدما علم بتآمرهم على حكمه، وكانت نتيجة ذلك أن اندلعت ثورة المكابيين ونجح اليهود في نيل الاستقلال بأورشليم تحت حكم الحاسمونيين من سنة 135 ق. م إلى سنة 76 ق. م.

ثم جاء دور الرومان ففي عام 63 ق. م احتل الرومان فلسطين في زمن طيطس Titos، بعد حرب (66- 70 م)، ، وأنتصر بها الرومان بقيادة (بومبي)، وسمح لليهود بشيء من الحكم الذاتي، ونصبوا عام 20 ق. م "هيرودوس الآدومي" ملكا على الجليل وبلاد يهوذا، وظل يحكمها باسم الرومان حتى السنة الرابعة الميلادية. وفرضوا على من بقى من اليهود مقيماً في القـدس (درهمين) (23). وقد حاول (هيرودوس) إعادة بناء هذا الهيكل بعد تظاهره باعتناق اليهودية تزلفاً، وشرع بذلك ولم يكمله. ويمكن أن يكون عمله هذا شكلياً مثلما كان تهوده. ويعتقد انه مازالت قسم من أعماله باقية مثال جزء من الدكة التي أقيمت عليها قبة الصخرة عام 692م. وقد أقام (هيرودوس) منصته بطول 480 م وعرض 300م على الحافة الضيقة للمدينة لتكون دكه اصطناعية مستوية لاقامة المبنى والساحة العمومية المحيطة بها، ولم يلتزم بأي أثر أقدم البتة.

وهنا يجدر الى أن عيسى المسيح (ع) دعى اليهود إليه فلم يستجيبوا، و امتهنوا الهيكل، فأنبهم، وكان هذا الخلاف سبب نقمتهم عليه التي أدت لإعدامه عام 29 م، ودمر الهيكل تدميراً تاماً. وفي عام 135 م حرق الإمبراطور الروماني "هدريان" مكان الهيكل وهنا اختفت آثاره تماما، وبالتالي لم يتبقى منه أثر، وطفق الرومان بفرض ضريبة تجمع لبناء معبد لعبادة كوكب جوبيتر (المشتري). كما قام "هدريان" بقتل وحبس الكثير من اليهود بعد محاولاتهم الفاشلة بالثورة، كما قام بتحويل القدس إلى مستعمرة رومانية ودعيت (إيليا). وهنا هاجر اليهود للخارج وتشتتوا ولم يكن لهم في فلسطين بعد ذلك دور يذكرحتى الأزمنة الحديثة، بل إن القدس ذاتها هجرت وأصبحت قرية صغيرة مهملة تابعة لقيسارية العاصمة الجديدة. وكان سكانها خليطاً مع السوريين الآراميين، وأقل من ذلك اليونان والرومان، وصارت أنقاضها مقلعاً للحجارة، وسجل (يوسيفوس) فجيعته لذلك. كما سجل شاهد عيان (اليعازر) ذلك بأن الهيكل (أصبح خراباً وأن مدينة القدس قد دمرت بكاملها ولم يبق منها إلا معسكر أولئك الذي دمروها... الخ). واستمر وجود الحامية في هذا المعسكر إلى عام 289 م، حيث انتقلت إلى ايلات. وهكذا انتهى الوجود اليهودي في القدس ومعظم فلسطين. وخلف الرومان بعدهم أوابد ومعالم شاخصة كالمدرجات، والطرق، وصهاريج المياه، ولم نجد أثر لما زعم بأنه الهيكل أو أثر يهودي كبير. وبعدما أعتنق الإمبراطور قسطنطين المسيحية (330 م) أعاد اسم أورشليم وقامت والدته هيلانه ببناء الكنائس فيها، غير أن اسم إيلياء ظل متداولا بين الناس إلى أن فتحها المسلمون وتسلمها الخليفة عمر بن الخطاب سنة 15 هـ/ 636م وأعطى أهلها الأمان.

 

د. علي ثويني

 

بكر السباتينهل انتحل البرت أينشتاين النظرية النسبية أم أنه صاحب الملكية الفكري لها!

ومن هم العلماء الذين شاركوه في بناء النظرية وبحثوا مع أينشتاين في كل تفاصيلها؟

أم أن أينشتاين السوبرمان صنعته الآلة الإعلامية الصهيونية؟

وهل يحق لخصومه تجريده من حقوقه في النظرية؟

وأسئلة أخرى

حدث ذلك بالأمس حينما انتهينا من دورة (المدرب الدولي) بإشراف الماستر ترينر هاله السالم، وقد تطرق أحد الزملاء المشاركين، الدكتور أكثم العواجين إلى أسطورة (أينشتاين الفاشل)، من خلال حديثه عن دور الإرادة والمثابرة والإيمان بالفكرة ودورها في تحويل العالم إلبرت أينشتاين من شخصية عرفت ببلادتها إلى عالم فذ قدم للبشرية أهم النظريات المتمثلة بالنسبية (العامة والخاصة).

ربما اختلفت معه قليلاً أثناء المناقشة، وكان ذلك جزءاً من سياق الدورة التي شارَكَتْ فيها نخبةٌ من الأساتذة الزملاء في مجالي التدريب والإدارة TOT، وكان الافتراق في الرأي يكمن في موضوع بلادة أينشتاين في صغره وهو ما اشتهر به منذ كان يعمل في محل لتصليح الدراجات، حيث تحولت إلى قصة تحفيزية لتوظيفها في برمجة الصغار لغوياً وعصبياً لبناء الطاقات الإيجابية في الإنسان وتعزيز طاقة التحدي نحو التغيير.. وهذا جيد بالنسبة للتحفيز الإيجابي؛ لكنه من جهة أخرى غير منصف لشخصية فذة كأينشتاين الذي اتهمه خصومه بانتحال النظرية النسبية فيما دافع عنه آخرون من باب أنه قدم عملاً جماعياً، بينما حولته الدعاية الصهيونية إلى سوبرمان.

وبالعودة إلى قصة عمله في محل للدراجات مملوكاً لجده من أبيه حيث خرجت أسطورة الطالب الفاشل من هناك دون إيراد التفاصيل عن عناصر هذه القصة التحفيزية؛ إلا أنني اتفقت والدكتورالعواجين أثناء المناقشة الموضوعية على أن أينشتاين في صغره كان يعاني من صعوبة في الحفظ لذلك كان يحصل على درجات متدنية وخاصة في مادة اللغة الألمانية.. أما في موضوع الفيزياء التقليدية التي كانت سائدة آنذاك فيبدو أن خيال أينشتاين العلمي المتفرد كان يتجاوز مفدرة مدرسي مادة الفيزياء على التخيل خارج إطار الأبعاد الإقليدية المكانية وقوانين نيوتن في السرعة والجاذبية.. حيث كان أينشتاين كما يبدو عليه الأمر، يتعبهم بأسئلته المدهشة، فيبدو بالنسبة لهم وكأنه يسخر منهم؛ الأمر الذي كان يؤدي إلى طرده من الدرس ونعته بالأبله البليد، ومن هنا نشأت أسورة التلميذ الغبي الذي تحول إلى عالم فذّ وخلاق.

ولكنه وأثناء المناقشة بشأن أينشتاين، فقد سقطت منّي عبارة وجدت أنني مسئول عنها وهي بأن النسبية لم تكن سترى النور لولا إسهامات مجموعة من العلماء الفاعلة فيها، وخاصة عالم الرياضيات العبقري غروسمان..

فلنطوي صفحة يوم أمس للدخول إلى عالم أينشتاين إبان صراعه مع الفيزياء التقليدية للتوصل إلى إجابات لأسئلة أتعبت رأسه من خلال تأملاته التي تجاوزت كل الحدود.

فمن منا لا يعرف العالم الألماني الأشهر البرت أينشتاين صاحب النظرية النسبية (العامة والخاصة) التي نشرها في أربع ورقات علمية.

والسؤال الذي يطرح نفسه في سياق هذا المقال فيما لو كان أينشتاين قد اشتغل على نظريته دون مساعدة فنية من أحد، أم أنه كان يعمل مع فريق من أصدقائه العلماء بعيداً عن مراكز البحث العلمي والجامعات، أم هل أنه انتحل نظرية النسبية ونسبها لنفسه!؟ وذلك في إطار إدارته للفكرة الفذة التي اصابت العالم بالدهشة وفتحت آفاقاً جديدة في عالم الفيزياء بما يعرف بفيزياء الكم.

كيف نحل هذا اللغز إذاً؟

بداية أود الإشارة إلى ما قاله كريستوفر جون بيركنيس في كتابيه

1- "البرت آينشتاين: المنتحل بلا حياء"

2- "ممهدات لآينشتاين في نظرية النسبية العامة"

حيث جاء فيهما ما يثبت بأن أينشتاين انتحل النظرية النسبية ونسبها لنفسه.

وقد جاء في مجلة "ميدويست بوك ريفيو" في ايلول سبتمبر 2002 عن هذين الكتابين، الذين وصفا "البرت آينشتاين بأنه: "المنتحل بلا حياء". وإن الكتابين أعلاه المثيرين للجدل قد تعززا بمصادر شديدة الدقة". وقال عنهما البروفسور امبرتو بارتوتشي في كانون الثاني يناير 2002: بأن "قراءة هذين الكتابين ينبغي ان يكون واجباً على جميع الناس المهتمين بتاريخ الفيزياء أو العلم".

من جهة أخرى هناك من أثبت حق أينشتاين بالنظرية النسبية من باب أنه صاحب إدارة الفكرة من خلال العمل الجماعي مع فريق من العلماء المقربين منه خارج إطار الهيئات العلمية المعترف بها آنذاك. وهو ما قد نستنتجه مما جاء في مقالة مشتركة ل (مايكل يانسِن ويورغن رين)، (نُشرت هذه المقالة على موقع مجلة Nature في سبتمبر 2015.. حيث تطرق فيه الكاتبان إلى الدور الخفي الذي قام فيه مجموعة من أصدقاء أينشتاين في رسم معالم النظرية النسبية العامة رياضياً من خلال بيانات ساهم فيها كل من المهندس مايكل بيسو وعالم الرياضيات مرسيل غروسمان وزوجة أينشتاين الأولى عالمة الفيزياء ميليفا ماريتش التي يعتقد بأنها صاحبة الفضل الأول على أينشتاين في نجاح مشروعه الأهم في الفيزياء.. بالإضافة إلى الفيزيائيّ الفنلنديّ الشابّ غونار نوردستروم المتخصص بالكهرومغناطيسية، وعالم الفيزياء فريدريك كوتلر الذي عمم صياغة (فون لو) للزمكان، وعالم الفلك إيرون فينلي فرويندليتش الذي كان أول من قال بأن الجاذبية تحني الضوء، كل ذلك حدث حتى العام 1915.

تعرّف آينشتاين إلى غروسمان وبيسّو في الكليّة البوليتقنيّة الفيدرالية السويسرية في زيورخ – والّتي سُمّيت لاحقًا بمؤسسة التكنولوجيا الفيدراليّة السويسريّة، حيث كان يدرس هناك ما بين عاميّ 1896 و1900 ليصبح معلّم فيزياء ورياضيات في إحدى المدارس. وقابل آينشتاين أيضاً زوجته المستقبليّة، زميلته ميليفا ماريتش. حيث تقول الحكاية إنّ آينشتاين عادة ما فوّت المحاضرات واعتمد على ملاحظات غروسمان للنجاح في الامتحانات.

ويحسب لغروسمان أن والده وهو عالم رياضيات أيضاً، ساعد آينشتاين، ليضمن وظيفة في مكتب براءات الاختراع في بِيرْن في 1902، حيث التحق به صديقهما المهندس بيسّو بعد عامين.

وكانت النقاشات الّتي دارت بين بيسّو وآينشتاين قد أكسبتْ الأوّل -أي بيسّو- “عبارة تقدير وعرفان بالجميل” من آينشتاين في ورقته الأشهر في 1905 التي تقدِّم للنظرية النسبية الخاصة كاشفاً من وراءها ذلك الدور المساند له في مشروعه الأهم.

نشر أينشتاين تلك الأوراق العلميّة سنة 1905 “وكانت سنة مشرقة بالنسبة إليه، وبناءً عليها أكمل أطروحته لنَيل درجة الدكتوراه في الفيزياء في جامعة زيورخ في تلك السنة أيضاً.

في 1907، حيث كان لا يزال في مكتب براءات الاختراع، بدأ آينشتاين بالتفكير في توسيع مفهوم مبدأ النسبية في الحركة المتناسقة لتشمل الحركة العشوائيّة من خلال نظرية جديدة في الجاذبية. متجاوزاً بذلك توقعات أبو الفيزياء التقليدية، نيوتن، وبشيء من التبصّر، كتب آينشتاين لصديقه كونراد هابِخت قائلاً إّنه يأمل من هذه النظرية الجديدة أن تفسّر التباين الحاصل بمقدار 43 ثانية قوسيّة في القرن الزمنيّ الواحد ما بين توقعات نيوتن والقراءات الواردة عن حركة عطارد في حضيضه الشمسيّ، أي أقرب نقطة يكون فيها للشمس. والثانية القوسيّة جزء من 60 جزءًا من الدقيقة القوسيّة والّتي تُشكل جزءًا من ستّين جزءًا من الدرجة الزاويّة للدائرة.

وكان عمله الإداري في مكتب براءات الاختراعات يستهلك وقته فلا يجد منه ما يكفي لبلورة رؤيته ناهيك عن عدم مقدرته الرياضية التي تتناسب مع حجم مشروعه الفكري العلمي الخلاق المتمثل بالنسبية التي كانت عبارة عن تصورات وملاحظات عامة. فماذا فعل ليتحرر من روتين العمل حتى يوفر الوقت الكافي للبحث في نظريته الجديدية، فما كان عليه إلا أن غادر عمله عام 1909، ليعمل أستاذاً في جامعة زيورخ أولًا، ثم بعد عامين في جامعة تشارلز في براغ. حيث أدرك آينشتاين وجوب إدراج الجاذبية ضمن بنية الزمكان، حيث إنّ أيّ جسيمٍ غير خاضع لأية قوة أخرى سوف يتبع المسار المتاح والأكثر استقامة عبر انحناءات الزمكان.

ثم عاد آينشتاين إلى زيورخ والتأم شمله مع غروسمان في الكليّة البوليتقنيّة الفيدرالية السويسرية عام 1912 حيث وحّد العالمان جهودهما المشتركة ليشكّلا نظرية مُكتملة الأطراف.

ورغم أن الرياضيّات المتعلّقة بالنظريّة النسبية كانت نظرية غاوس للأسطح المنحنية، والتي تعلّمها آينشتاين غالبًا من ملاحظات غروسمان إلا أن الأخير تم تغييب فضله كشأن بقية من قدم المساعدة أو شارك أينشتاين في نسبيته وذلك من قبل أنصار أينشتاين والعجلة الإعلامية الصهيونية المرافقة لهم بغية خلق السوبر مان اليهودي المتميز؛ هذا على الرغم من اعتراف أينشتاين الموثق بفضلهم.. ناهيك عن أن المتخصصين بالنظرية النسبية يقدرون دورهم البنائي فيها. وبناءً على حوارات الفريق الثنائي (أينشتاين- غاوس) الذي اشرنا إليها آنفاً فقد استنجد أينشتاين بصديقه عالم الرياضيات غروسمان لتحليل أفكاره رياضياُ حتى تتبلور فكرته في إطارها النظري، طالباً منه بإلحاح: “عليك أن تساعدني حتى لا أجنّ”.

لقد سجلت هذه التداعيات المتعلقة ببناء النظرية في“دفتر ملاحظات زيورخ” لآينشتاين، حيث أدّى تعاونهم إلى نشر ورقة بحثية مشتركة نشرتْ في حزيران 1913 عُرفت بورقة “الخطوط العريضة“. وكان التطور الرئيسيّ الذي طرأ بين نشر نظرية “الخطوط العريضة” تلك في 1913 و نظرية النسبية العامة في تشرين الثاني 1915 هو “معادلات المجال” التي تحدد كيف تحني المادةُ الزمكان في الكون الممتد، والذي أقيمت عليه مفاهيم جديدة وفرضيات ساهم فيها علماء آخرون مثل مبدأ "عدم اليقين". وما يجدر ذكره أن معادلات المجال النهائية تعدّ متغايرة بشكل عام، أي أنّها تحافظ على شكلها بغضّ النّظر عن نظام الإحداثيات الّذي يتم اختياره لتمثيلها. خاصّيّة التغاير هذه كانت محدودة للغاية في معادلات المجال في ورقة “الخطوط العريضة” على النّقيض من معادلات المجال الّتي نشرها آينشتاين لاحقاً.

وتجدر الإشارة إلى أن العديد من النظريات الجديدة التي طُرحتْ تُمثَّل فيها الجاذبية (مثلها مثل الكهرومغناطيسية) بمجالٍ في الزمكان المسطح بحسب النسبيّة الخاصّة.

وللعلم فإن إحدى النظريّات الواعدة كان قد أتى بها الفيزيائيّ الفنلنديّ الشابّ غونار نوردستروم، وأثناء محاضرة ألقاها آينشتاين في فيينا، قارن نظريته (الخطوط العريضة) التي ساعده فيها غروسمان، بنظرية نوردستروم، واشتغل على كِلتي النظريّتين ما بين أيار وأواخر آب 1913 ليقدّمهما ضمن نص محاضرته للنشر في مُتابعات لقاء فيينا عام 1913.

في صيف 1913، زار نوردستروم آينشتاين في زيورخ. وبعد مناقشات طويلة أقنعه آينشتاين بأن مصدر مجال الجاذبية في نظريتيهما يجب أن يُستخرَج من “مُوتّر الطاقة والزّخم" إذ كان يتم تمثيل الكثافة وتدفّق الطاقة والزخم بكمّيات منفصلة في نظريّات ما قبل النسبية، أمّا في النظرية النسبية فقد تمّ جمعها في كَمّية واحدة مع عشرة عناصر أخرى.

لذلك حققَ مُوتّر الطاقة والزّخم ظهوره الأول في 1907-1908 في تعديل صيغة النسبيّة الخاصة المتعلّق بنظرية الديناميكا الكهربائية لجيمس ماكسويل وهندرك لورنتز من قِبل هيرمان منكوفسكي. وبفترة قصيرة أصبح واضحًا أن مُوتّر الطاقة والزّخم يمكن أن يتعيّن لأنظمة فيزيائية أخرى غير المجالات الكهرومغناطيسية. أخذ الموتّر مركز الصدارة في ميكانيكا النسبية الجديدة المُقدَّمة في أول كتاب عن النسبية الخاصة، لِمؤلّفه ماكس فون لو، والذي نُشر سنة 1911. وفي 1912 حيث قام فريدريك كوتلر، الفيزيائي الفنلندي، بتعميم صياغة (فون لو) للزمكان المسطّح لتشمل الزمكان المنحني وفي أن الكون أحدب كما أوضح ستيفن هوكنغ أشد المغرمين بنسبية أينشتاين. وقد اعتمد آينشتاين وغروسمان على ذلك التعميم في تعديلهم على نظرية “الخطوط العريضة”، حتّى أنّ آينشتاين، أثناء محاضرة ألقاها في فيينا، طلب من كوتلر بأن يقف حتى يُعرّف الحاضرين بجهوده عرفاناً منه بالجميل.

وفي سياق الدور المغيب للعلماء المساندين لأينشتاين في نظريته النسبية (العامة والخاصة) يأتي دور المهندس الفذ بيسّو حيث لجأ إليه للتحقّق مِن قدرة نظريّة “الخطوط العريضة” على تفسير الثلاثة والأربعين ثانية قوسيّة المفقودة خلال حركة عطارد في حضيضه الشمسيّ. لسوء حظهما، وَجَدَا أنها تفسّر 18 ثانية قوسيّة فقط، أمّا نظرية نوردستروم، والتي تحقّق منها بيسّو في وقت لاحق، أعطت 7 ثوان قوسيّة في الاتجاه الخاطئ. هذه الحسابات مُسجّلة في “مخطوطة آينشتاين – بيسّو” للعام 1913.

وبناء على تحليل تاريخي لمخطوطات موجودة فقد ساهم بيسّو بشكل كبير في تلك الحسابات وطرح أسئلة مهمة فيما لو كانت معادلات المجال في “الخطوط العريضة” تمتلك حلًّا واضحًا يُحدّد بشكل متفرّد مجال جاذبية الشمس. وهو ما منح آينشتاين فكرة الحُجّة التي جعلته يتّسق مع “التغاير المُقيّد” لمعادلات “الخطوط العريضة”. وبدا له أنّ “برهان الثقب” يُظهر أن معادلات حقل التغاير لا تستطيع تحديد مجال الجاذبية بشكل متفرّد بصورة عامّة، وبالتالي فهي غير مقبولة.

وكان بيسّو قد حذّر آينشتاين بأنه في حالة تفسير قوى القصور الذاتي للدوران، كقوّة الطرد المركزيّ التي نشعر بها أثناء ركوبنا على أحصنة دّوارة على أنّها قوى جذبيّة فإن النظرية لم تجتز الاختبار خلافاً لما كان يعتقد به أينشتاين.

ولكن في محاضرته في فيينا، في أيلول من عام 1913، ختم آينشتاين مقارنته ما بين النظريّتين بطلبه تجربة يختبر فيها الموضوع لحسمه نهائياً.

وفي الحقيقة أن نظرية الخطوط العريضة تتوقع أنّ الجاذبية تثني الضوء، أما نظرية نوردستروم فلا تقول بهذا. إذْ سيتطلّب الأمر خمس سنوات أخرى لمعرفة ذلك.

إيرون فينلي فرويندليتش، فلكيّ شاب من برلين، كان آينشتاين على صلة به منذ أيامه في براغ، سافر إلى شبه جزيرة القرم من أجل كسوف شمس شهر آب عام 1914 ليحدّد إن كانت الجاذبية تثني الضوء، ولكن تمّ اعتقاله من قبل الروس إثر اندلاع الحرب العالمية الأولى. أخيرًا، في عام 1919، صادق الفلكي الإنجليزي آرثر إيدينغتون على توقعات آينشتاين حول ثني الضوء من خلال ملاحظة انحراف النجوم البعيدة المرئية بالقرب من حافة الشمس أثناء كسوف آخر، جاعلاً من آينشتاين شخصية شهيرة.

بعد محاضرة فيينا، تعاون آينشتاين مع فيزيائيّ شابّ آخر، إدريان فوكر، وهو أحد تلامذة لورنتز، لإعادة صياغة نظرية نوردستروم باستخدام الرياضيات نفسها التي استخدمها آينشتاين وغروسمان لإعادة صياغة نظرية “الخطوط العريضة”. أثبت آينشتاين وفوكر أنّ في كِلتا النظريّتين هنالك إمكانيّة لإدراج مجال الجاذبية في بُنية الزمكان المنحني. إن هذا العمل أعطى آينشتاين صورة أوضح لبُنية نظرية “الخطوط العريضة”، الأمر الّذي ساعده هو وغروسمان في نشر ورقة مشتركة ثانية حول النظرية. وفي الوقت الذي نُشرتْ به في أيار 1914 كان آينشتاين قد غادر إلى برلين.

مع نهاية 1914، زادتْ ثقة آينشتاين بشكل كافٍ ليكتب عرضًا مطوّلًا للنظريّة، ولكن في صيف 1915 بعد سلسلة محاضرات له في غوتنغن التي أثارت اهتمام الرياضيّ العظيم ديفيد هيلبرت، بدأتْ تساور آينشتاين شكوك جادة. إذ تبيّن له بأنّ نظريّة “الخطوط العريضة” لا تجعل الحركة الدورانيّة نسبيّة كما تنبأ المهندس بيسّو الذي كان محقاً.

أدرك آينشتاين سريعًا أن مشكلة نظريّة “الخطوط العريضة” تكمن في معادلات المجال الخاصّة بها.

ولشدة قلق أينشتاين من إمكانية تغلّب منافسه اللدود هيلبرت عليه، هرع لنشر معادلات جديدة سريعًا في بدايات تشرين الثاني من عام 1915، مُعدّلا عليها في الأسبوع الذي تبع ذلك، ومرة أخرى بعد أسبوعين، بورقتين لاحقتين قدمهما للأكاديمية البروسيّة. وقد لوحظ بأن معادلات المجال لدة أينشتاين غدت، بشكل عام، متغايرة أخيرًا.

وفي سياق العرفان بالجميل، فقد حصب ما يوثق مساهمات بعض العلماء في تفاصيل نسبيته، ففي ورقة تشرين الثاني الأولى، كتب آينشتاين أن النظرية كانت “النصر الحقيقي” لرياضيات كارل غاوس وبيرنارد ريمان. وذكر في هذه الورقة أنه وغروسمان الذي لازمه في كل مراحل بناء النظرية المتفردة حيث قاما بأخذ هذه المعادلات، واقترحا أنهما لو سمحا لنفسيهما أن يتّبعا الرياضيات وحدها دون الفيزياء لما قبلا معادلات ذات تغاير محدود من الأساس، أي أنه سيكون للرياضيات دورها التحليلي والبياني التوضيحي لفهم كيف تعمل الفيزياء.

.لقد عرف آينشتاين بفضل التعديلات على نظريّة “الخطوط العريضة” من خلال مراسلاته ما بين 1913-1915 الّتي توصل إليها بمساعدة غروسمان وبيسّو ونوردستروم وفوكر – كيفية حل المشاكل التي واجهته من خلال التفسيرات الفيزيائية لهذه المعادلات الّتي أحبطته في السابق. هذه الأسماء الكبيرة في عالمي الفيزياء والرياضيات التي شاركت بنسب متفاوتة في النظرية النسبية وهو ما لم يعجب أولئك الذي يبحثون عن السوبرمان اليوهودي خلافاً لما عرف عنه أينشتاين الذي كان يرد الفضل إلى أهله وهذا من شيم العلماء الكبار عبر التاريخ.. وعليه فأينشتاين لم ينكر فضل أولئك في إقناعه بذكر برهان الثقب في ورقتيه الثانية والرابعة وخاصة بيسّو وإيرنفِست بعد أسابيع قليلة من نشر الورقة الأخيرة، المنشورة في الخامس والعشرين من تشرين الثاني، حيث وجد آينشتاين ضالته للتخلّص من ذلك المأزق عن طريق إدراك أن الأحداث المتوافقة في المكان فقط تمتلك معانٍ فيزيائية وليس إحداثيّاتها. وللتذكير فإن المهندس بيسّو كان قد اقترح مخرجًا مشابهًا من ذلك المأزق قبل عامين من ذلك، ولقربه من تداعيات بناء النظرية النسبية فإنه من المؤكد قيامه بمناقشة هذا المَخْرَجْ مع أينشتاين الذي كان يلجأ إلى أصدقائه العلماء كلما وقع في أزمة مع مشروعه العلمي ليستعيده مجدداً بعد أن كان قد رفضه حينما عرض عليه أول مرة بفظاظة، وبالفعل استعان به أخيراً لينقذ نظريته. وبمساعدة هذا الفريق من العلماء المشارك في بناء نظريته ولو بنسب متفاوتة فقد عاد آينشتاين لدراسة حركة عطارد في حضيضه الشمسيّ من جديد. خلال ورقته الثالثة، مدخلاً المعلومات الفلكية التي توفرت لدى فرويندليتش من قبل، في إطار الشكل الذي اشتقّه لنظريته الجديدة، حيث توصّل آينشتاين لقيمة 43 ثانية قوسيّة/قرن زمنيّ، واستطاع بذلك أن يبيّن الاختلاف ما بين نظرية نيوتن والمشاهدات الرصديّة بشكل كامل.

بقي آينشتاين متحفّظاً على إبداء السبب في قدرته على القيام بالحسابات الرياضية بسرعة مدهشة دون أن يصرح في أتون صراعه مع الفيزياء التقليدية القائمة على معادلات نيوتن في عالم إقليدي الأبعاد، بأن الفضل يعود للفريق العلمي المساند له وخاصة صديقه الفذ، غروسمان، عالم الرياضيات الذي شاركه في بناء نظريته رياضياً. والمهندس بيسّو الذي ساهم ببعض التعديلات الطفيفة؛ ربما جاء ذلك من باب السرية في العمل بهذا المشروع الذي واجه من خلاله منافسين أشداء رغم أنه كان يرد الفضل لأصحابه من خلال تقديم الشكر لهم مذيلاً في نهايات أوراقه العلمية الأربع، دون أن يحدد حجم إسهاماتهم.

ما ذكر آنفاً سيأخنا بلا ريب إلى فكرة أن أينشتاين أنجز مشروع النسبية بمشاركة بعض العلماء الذين أحاطوا به منذ البداية، أي منذ العام 1902.

ولكن ما يثير الاستهجان هو اتهام إلبرت أينشتاين بانتحال النسبية ونسبها لنفسه.. دعونا نتبين الأمر من خلال ما قال خصومه المعاصرين له حول علاقته بالنسبية فيما لو كانت من صميم فكره أم تم انتحالها من قبله، ولنبدأ بهاري بيتمان الذي قال:

"ان ظهور مقال الدكتور سلبرشتاين عن "النسبية العامة بلا فرضية المساواة" شجعني على التشديد ثانية على وجهات نظري الخاصة حول الموضوع. حيث اجدني ملزماً بقول ذلك لأن عملي حول موضوع النسبية العامة كان نشر قبل عمل آينشتاين وكوتلره ويبدو انه أُغفل عنه من جانب الكتاب الحاليين".

أما ج. هـ. كسواني فقد قال:

"في واقع الحال، اذاً، لم يكن بوانكاريه اول من اعلن عن النظرية النسبية فحسب، بل انه اكتشف ايضاً في عمل لورنتس القوانين الرياضية اللازمة للنظرية. وهذا كله حصل قبل ظهور رسالة آينشتاين العلمية".

وقال جيمس ماكاي:

"ان تفسير آينشتاين تنكّر لا مثيل له للورنتس... وبالتالي ان نظرية آينشتاين ليست انكاراً او بديلاً لنظرية لورنتس. انها نسخة مطابقة لها وتنكّر لها... وأكد آينشتاين باستمرار ان نظرية لورنتس صحيحة، سوى انه يختلف معه في طريقة تفسيره. أليس واضحاً، بالتالي، ان نظرية آينشتاين، في هذه، كما هي الحال في حالات اخرى، هي مجرد تنكر لنظرية لورنتس، وهل ان الاختلاف الظاهري حول التفسير لا يعدو ان يكون اختلاف كلمات؟".

في المحصلة فإنّ صاحب النسبية سواء قيل بأنه انتحلها أو صاحب ملكيتها الفكرية المكتشف لها، أو صاحب النظرية التي تشارك فيها مع آخرين، فإننا لا ننكر فضله في إدارة الفكرة من أصلها التي أدت إلى ولادة النظرية النسبية (العامة والخاصة) بالتعاون مع بعض العلماء، بالإضافة إلى جلده وصبره وتمسكه بفكرته الخلاقة.

وخلافاً لعجلة الدعاية التي حولت أينشتاين إلى سوبرمان كونه يهودياً فإننا لا نرى من باب الإنصاف تجريد هذا العالم الفذ من حقوق ملكيته الفكرية لهذا المنجز العلمي الأهم في تاريخ العلوم مع ضرورة إيراد أسماء المشاركين في إنجازها في سياق تاريخ هذه النظرية الفذة. وللإنصاف أيضاً فإن أينشتاين لم يكن بالسوبرمان بنسخته الصهيونية، بل على العكس من ذلك إذْ تمتعت شخصيته بالساطة والتواضع. لا بل أنه رفض من قبل عرضاً صهيونياً بتنصيبه رئيساً للكيان الإسرائيلي مبرراً رفضه بأنه خلق ليكون عالماً بالفيزياء التي حقق من خلالها المعجزات بمساعدة بعض معاصريه، وجعل النظرة إلى العالم ببعديه المادي والروحي مختلفة.. حيث أضاف بمساعدة الفريق العلمي المساند بعداً رابعاً للأبعاد الإقليدية وهو الزمن بما بات يعرف اصطلاحاً ب(الزمكان).. وأدخلنا في غياهب اللايقين للبحث عن محددات الذرة وصولاً إلى السيطرة عليها من خلال علوم النانو ميتر التي ساهم في تطويرها العالم الفلسطيني البروفسور منير نايفة حيث يعود الفضل إليه في تحريك الذرة وعزلها والتحكم بها بمساعدة آخرين.. بالإضافة لما أنجزه العالم المصري الفذ البروفسور أحمد زويل في علوم الليزر واكتشافه للفيمتو ثانية (مليون مليار كوادرليون جزء من الثانية). فالمجهود العلمي الإنساني ليس ملكاً لأحد.. وهو جهد متراكم وإنجازاته لم تكن لولا تظافر العلماء المؤمنين بأهمية العلم بمعزل عن الدعايات السياسية التي أدت إلى تهميش قامات علمية عظيمة ممن أثروا بعلمهم الفيزياء.. وأسهموا في بناء نسبية إلبرت أينشتان الذي يعد بدون منازع أبو الفيزياء الحديثة.

 

بقلم بكر السباتين

 

 

عبد الرضا حمد جاسمنشر أ.د قاسم حسين صالح/ مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية /أمين عام تجمع عقول مقالة بتاريخ 26/04/2019 /المثقف /تحت عنوان: انتحار الشباب: [مهداة لمن يفكر ببناء اسيجة على جسور بغداد].

http://www.almothaqaf.com/a/qadaya2019/936413

أهمية المقالة في كونها تهم المجتمع العراقي وكاتبها متخصص بعلم النفس ومُهتم بالوضع السياسي العراقي. وجدت من المناسب مناقشة ما ورد فيها عن "الانتحار" حيث طُرحتْ حوله آراء وردود أفعال تصاعدت بعد طرح مجلس محافظة بغداد موضوع "تسييج" الجسور في بغداد.

ولكن قبل ذلك يجب ان اُسجل التالي: لا استبعد مثل هذا الطرح من قبل مجلس محافظة بغداد ولا استغرب من الردود على ذلك الطرح وبالذات على مواقع التواصل الاجتماعي والتي نقل لنا الأستاذ الدكتور قاسم حسين صالح بعض منها في نهاية مقالته هذه.

اعتقد انه ليس من الحكمة ان يقول مجلس محافظة بغداد بهذا السبب "الانتحار" كموجب لبناء تلك الأسيجة وامامه الكثير من الحجج المقبولة والتي سارت في بعض دول العالم المتقدمة وأبسطها "توفير الأمان والامن لحماية ارواح المواطنين".

هذه الأسيجة معمول بها في الكثير من البلدان المتقدمة، ففي فرنسا مثلاً عملوا ما يشبه ذلك وللسبب نفسه في (برج ايفل) و(خطوط المترو) ومعمول به في جسور كبرى في العالم والحجة المعلنة ليس "منع الانتحار" ولو انها السبب الحقيقي، لكنهم أعلنوا ان السبب هو توفير الامن والأمان والراحة لزوار "برج ايفل" وحماية مستقلي/مستخدمي مترو الانفاق. ورغم علمهم وأتصور ان مجلس محافظة بغداد يعلم ايضاً ان هذه الإجراءات لم تحد من عمليات الانتحار او تلغيها بشكل عام انما تمنعها او تعرقلها في مثل هذه الأماكن. وهنا لا ادافع عن المجلس وخطوته انما ادافع عن ضرورة اخذ الموضوع بما يستحق.

في العراق يمكن لمن يريد الانتحار ان يذهب حتى الى شارع المتنبي يوم اكتظاظه/الجمعة ومن هناك ينزل النهر...اتوقع ان هذا سيحصل في أيام ليست بعيدة " مع الأسف". اما في أماكن أخرى من العالم فمن يريد الانتحار يجد آلاف الأماكن والطرق لتنفيذ ما قرره، فأحد أعضاء البرلمان السابقين انتخر داخل كتدرائية "نوتردام "قبل سنوات اعتراضاً على قانون الزواج المثلي وانتحر أحد افراد الشرطة الفرنسية داخل مركز للشرطة بتاريخ 18/04/2019 واخر انتحر في باحة مبنى رئاسة الوزراء يوم 05/11/2018. فالاستخفاف بفكرة الأسيجة غير مقبول ولا ينم عن اهتمام بالموضوع... المُستخف يذهب خلف العامة في استهزائهم بهذه الفكرة.

الأن أحاول ان اناقش ما ورد من نقاط مهمة في مقالة  الأستاذ الدكتور قاسم حسين صالح ...حيث ورد التالي:

1- ورد: [من بين أكثر الموضوعات إثارة للدهشة،أن يقدم الإنسان على"نح" نفسه! فنحن نندهش من تلك القدرة الغريبة التي تمتلك الإنسان، فتولد لديه الإصرار على أن ينهي حياته بقتلها ! والأغرب ما في هذه القدرة لحظة تنفيذ هذا الإصرار. إنها - في اجتهادي - أفضع مأساة تراجيدية تمثّل فعلاً على مسرح الحياة البشرية، يكون فيها "البطل" هو القاتل والقتيل معاً!. ونتساءل: لماذا يقتل الإنسان نفسه؟ هل يكفي أن يفقد الإنسان الأمل في الحياة ليغادر هذه الحياة؟ وهل إذا حلّت به آلام "فرتر" أو "سيزيف " أو"روميو"أو "جوليت" فأنه لا خلاص له منها إلا بقتل النفس؟!] انتهى

*تعليق: الحقيقة استغرب ان تكون بداية المقالة بهذا الاندهاش والأستاذ الفاضل قاسم حسين صالح متخصص بعلم النفس ويعرف الأسباب، تلك التي يجب ان تجعله لا يندهش فالعارف بالأمر/الحال لا يندهش منه...يندهش من لم يقرأ رواية/قصة "آلام فرتر" ولم يَّطلع على مصائب سيزيف"..انا اندهش لهذا الاندهاش وأعتقد ان عمليات الانتحار ظاهرة عالمية ربما رافقت الانسان.وأكثر من يعرف بها وعنها هم المهتمون بعلم النفس وعلم الاجتماع والأستاذ الدكتور قاسم حسين صالح منهم. ربما يندهش من لم يسمع بها لا من يعرفها ويعرف أسبابها النفسية والاجتماعية.

أصبح الانتحارآفة أو وباء يقلق كل العالم وبالذات الدول المتطورة وهو يحصل على مدار الساعة في العالم وتتناقل اخباره ويدور في مراكز البحوث والدراسات داخل الجامعات والحكومات والبرلمانات والأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني وقد أيد اتساع دائرة وقوعه الدكتور قاسم حيث نقل ان:[هناك ما بين 800 ألف إلى مليون شخص ينتحرون كل عام، أي بمعدل شخص كل 40 ثانية، وفقا لمنظمة الصحة العالمية].

في فرنسا بلد النور والحرية و الضمان الاجتماعي وارتفاع معدل عمرالانسان، كل ساعة تقع عملية انتحار حتى وصل عدد من انتحروا أكثر من عدد ساعات السنة (8885 شخص في العام 2014 حسب المصدر الفرنسي لحالات الانتحار وهذا الرقم المسجل حسب شهادات الوفاة الرسمية و هناك ما لم يسجل انتحاراً وهذا رقم قليل بالنسبة لما حصل عام 1985) وهذا العدد يقترب من ثلاثة اضعاف عدد القتلى في حوادث السيارات وأشار تقرير وزارة الصحة الفرنسية 26/06/2018 ان هناك (21) رجل و (8) نساء يتوفون يومياً من اجمالي محاولات الانتحار البالغة (700) محاولة يومياً وهناك ارقام مفزعة عن عدد محاولات الانتحار كل عام في فرنسا وهي عامة شاملة لكل الاعمار من فوق 18 عام و لكل الشرائح حتى افراد الشرطة حيث كانت الحصيلة (68)شرطي عام 2018  أي شرطي واحد كل (4) أيام وفي الأشهر التي مضت من عام 2019 كانت الحصيلة (28) شرطي وان عدد من انتحر من المزارعين عام 2013 بلغ (200) مزارع.

2.ورد: [وحتى لو حسبنا الحياة على ما يرى أبن الرومي حين قال: (فلا تحسب الدنيا إذا ما سكنتها       قراراً فما دنياك غير طريق)

أو ليس من الأجدى أن نسير في هذا الطريق على مهل لا أن ننطلق إلى نهايته مثل رصاصة ؟!] انتهى

*تعليق: لا اعرف هل هذا البيت من الشعر يناسب الحالة التي هي أساس المقالة "انتحار الشباب". أفهم من هذا البيت ان فيه "لا إرادية عالية" والانتحار إرادي وانطلاق الرصاصة بفعل فاعل وانطلاق الانتحار بفعل فاعل ايضاً وربما نفس الفاعل...فالانتحار كما أتصور قرار.

* تحت عنوان فرعي هو: الانتحار .. قديماً وحديثاً كتب الدكتور قاسم حسين صالح التالي:

1- [يرتبط الانتحار بالموت، وللمجتمعات والمدنيات القديمة فلسفاتها في الموت. فالفيثاغورسية تؤمن بالتناسخ والخلود، حتى أن فيثاغورس نفسه ادعى في زمانه بأنه متجسد حينذاك للمرة الخامسة ! والبوذية تعتقد بان المثل الأسمى الذي يمكن أن يصبو أليه الفرد هو الوصول إلى حالة " النرفانا " أو " العدم العام " أي فناء الذات واتصالها بعالم الحقيقة. فالوجود شرّ على الإنسان.فيما ينظر البابليون إلى الموت على انه مخيف. ولم يبدو على السومريين والاكديين انهم فكروا بأن الموتى يحيون، بل يبقون موتى إلا الحكّام فهم الذين يعيشون حياة أخرى، ولذلك يدفن معهم مرافقوهم وزوجاتهم وحاشيتهم وحرسهم وعدتهم.] انتهى

*تعليق: لا اعتقد ان الانتحار مرتبط بالموت، لو كان مرتبط بالموت لكانت له قدسية و حرمة الموت، الموت كما اعتقد مرتبط بالحياة،الموت هو حضور الموت حيث الانسان والانتحار ذهاب الانسان الى الموت والفرق كبير رغم ان النتيجة كما يتصور البعض واحدة...الموت بالمفهوم العام "مكَدر او مكتوب/ وكلمن ويومه" والانتحار كما أفهم قرار او "بعض قرار" وحتى حضور الموت في الكثير من صوره"أسبابه" حاول الانسان التدخل فيه خيراً او شراً مؤخِراً له او مُقَدِمْ ... نجح في مواقع و مواقف و أخفق في غالبها...الموت يبقى عند العامة "مكتوب و مكَدر" و "كلمن بيومه" ولا تعرف لحظته اما الانتحار فهو تحديد اللحظة ربما بدقة عالية... السؤال :مًنْ يأخذ المُنْتَحِرْ الى لحظة الموت وهو كثيراً ما هرب من وخزة إبرة علاج او مرارة/مرورة دواء؟. الفرق بين الموت والانتحار كبير فلا يُستحسن ان يتم الخلط بينهما. هكذا أتصور!!!

2- كتب الأستاذ: [وقد حرّمت الأديان  قتل النفس، وإن تباينت في توكيد التحريم. فالمسيحية أصدرت قرارات بتحريم الانتحار عام (639م)، وقبلها وبعدها جاء في بعض موادها: " إن الانتحار جريمة وخطيئة "، فيما يعدّ الدين الإسلامي اشدّها توكيداً بتحريم قتل النفس، بآيات قرآنية صريحة بذلك: "ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيماً " سورة النساء (86).وعن جابر بن سمرة قال: اخبرني النبي (ص) برجل قتل نفسه فقال: "لا اصلّي عليه " (أخرجه أبو داود 81)، ما يعني أن المنتحر، من وجهة نظر الإسلام، جزاؤه النار ولا عذر له مهما كانت مبرراته]انتهى

*تعليق: هذه الآية رقم (29) من سورة النساء وليس (89) وهي كالتالي:" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ ۚ وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمً"(29)

لا اعتقد ان كل الأديان حرمت الانتحار و اقصد بالتحريم هو ورود نص محدد بالانتحار، لأنها لم تكن تعرف الانتحار أو انه لم يشكل ظاهرة كالربا و "الخمر" و الزنا، انما عَدَتْهُ بعد ذلك من المعاصي اما ربط الآية المذكورة فأعتقد وقوعها وقوع (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة " ( البقرة – (95 )وهي باتجاهات عدة فقد يُقْصَد ب"أنفسكم" احبتكم "...وهي مرتبطة بأكل الأموال بالباطل وهنا المعنى يتسع و يتجاوز "الانتحار"... أي لا تقتلوا أنفسكم/بعضكم/محبيكم على "في سبيل" المال الباطل.

3- ورد: [والمفارقة العراقية أن حالات الأنتحار تضاعفت في زمن حكم أحزاب الأسلام السياسي فيما يفترض حصول العكس!] انتهى

*تعليق: لا اعرف معنى: "المفارقة العراقية" شعرت وأنا اقرأ هذه العبارة ان الدكتور علي الوردي له الرحمة والذكر العطر لايزال هنا.

 وهنا اسأل الدكتور الفاضل: وفق أي إحصائية أطلقتم هذه "المفارقة العرقية" لطفاً؟ وهل عمليات الانتحار في السودان المسلم او في إيران الإسلامية او في رحاب الحرمين أقل مما في العراق؟

ورغم أن معدلات الانتحار بشكل عام منخفضة عربياً، تأتي بعض الدول العربية في مراكز متقدّمة من الدول المسجلة لأعلى حالات الانتحار في العالم، كالسودان التي تقارب نسبة الانتحار فيها نسبة قارّة آسيا كاملةً

https://annabaa.org/arabic/community/11979

الموضوع ليس دينياً فالإسلام حرم الزنا والزنا ينتشر بوجوده او عدم وجوده وحرم الربا وهو افة العصر حتى بين الحرمين هنا وهناك والخمر حدث ولا حرج والإسلام جعل حرمة لمال الفقير واليتيم والجاري في كل بلدان الإسلام عكس ذلك، الإسلام حرم السرقة وأكبر وأكثر السراق هم من حكموا ويحكموا بلاد المسلمين...عليه أتمنى الخروج من هذا الموضوع لأنه يحرف الباحث عن طريق حرير البحث وأنتم من الدارسين العارفين المتبحرين بمثل هذه الأمور. ثم اسأل: هل كانت عمليات الانتحار قبل 2003 أي قبل حكم الأحزاب الإسلامية اقل مما هي بعد 2003اي بعد حكم الأحزاب الاسلامية؟ ان كان الجواب بنعم، يفرض تقديم ارقام او على الأقل إشارات تُدْعِمُهْ.

* وتحت عنوان: الانتحار..عالميا و..عراقيا أورد الدكتور قاسم حسين صالح التالي:

أولاً. ورد: [هناك ما بين 800 ألف إلى مليون شخص ينتحرون كل عام، أي بمعدل شخص كل 40 ثانية، وفقا لمنظمة الصحة العالمية.

- يعدّ الإنتحارثاني أهم سبب للوفاة بين من تتراوح أعمارهم بين 15 و29 عاما على الصعيد العالمي عام 2015.- تستأثر البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل بنحو 78% من حالات الإنتحار في العالم- معدلات الإنتحارأعلى في الرجال عنه في النساء،بمقدارثلاث الرأربع مرات]انتهى

* تعليق: من النت اليكم التالي وفيه ستلاحظ عزيزي ان 78% هنا سترد 79%.ويعتبرالانتحارثاني اهم سبب للوفاة بين من تتراوح أعمارهم بين 15و29 عام.والانتحارعاشرالأسباب الرئيسية للوفاة في العالم،ويعتبرالانتحارثاني اهم سبب للوفاة بين من تتراوح أعمارهم بين 15و29 عام]

1- في العالم، يموت نحو 800 ألف شخص منتحراً كلّ عام، أي بمعدّل شخص كل 40 ثانية هذا ما تأكده أرقام منظمة الصحة العالمية التابعة لهيئة الأمم المتحدّة، التي تعتبر الانتحار أحد أهم الأسباب المؤدية إلى الوفاة في فئة الشباب بين 15 و29 سنة ورغم أن معدلات الانتحار بشكل عام منخفضة عربياً، تأتي بعض الدول العربية في مراكز متقدّمة من الدول المسجلة لأعلى حالات الانتحار في العالم، كالسودان التي تقارب نسبة الانتحار فيها نسبة قارّة آسيا كاملةً....] انتهى

https://annabaa.org/arabic/community/11979

2- يلقي ما يقارب800000شخص حتفه كل عام بسبب الانتحار. مقابل كل حالة انتحار هناك الكثير من الناس الذين يحاولون الانتحار كل عام يعتبر الانتحار ثاني اهم سبب للوفاة بين من تتراوح أعمارهم بين 15 و29 عام. تستأثر البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل بنسبة 79% من حالات الانتحار في العالم...] انتهى

https://www.who.int/ar/news-room/fact-sheets/detail/suicide

3- هناك ما بين 800.000 إلى مليون شخص تقريباً يموتون كل عام عن طريق الانتحار مما يجعله عاشر الأسباب الرئيسية للوفاة في العالم. المعدلات اعلى في الرجال عنه في النساء حيث الذكور أكثر عرضة لقتل أنفسهم بمقدار 3 ـ 4 مرات من الإناث...] انتهى

https://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%A7%D9%86%D8%AA%D8%AD%D8%A7%D8%B1

4- عن الأردن

https://www.sarayanews.com/article/430523

حول نسبة وأعداد المنتحرين في المملكة حسب إحصائيات مديرية الأمن العام بين أنها ما زالت بمعدلاتها الطبيعية ولم تصبح ظاهرة وأن العام الحالي سجل ٥٧ حالة مع ١٦٥ محاولة شروع في الانتحار مقارنة بـ ١٢٠ حالة في العام ٢٠١٦ منهم ٩١ ذكور و٢٩ إناث، وفي العام ٢٠١٥ سجلت ١١٣ حالة، عدد الذكور منهم ٧٥ والإناث ٣٨، إضافة الى ٣٨١ محاولة انتحار، أما في العام ٢٠١٤ فقد وقعت ١٠٠ حالة انتحار و ٤٨٦ محاولة...] انتهى

ملاحظة: يمكن التدقيق بين ما ورد في النقاط أعلاه وما أورده الأستاذ الكاتب للوقوف على الأرقام.

* ثانياً: ورد: [وفقا لمنظمة الصحة العالمية لقائمة الدول حسب نسب الانتحار، احتلت اليابان الترتيب التاسع (36%ذكور، 13%اناث لعام 2004). وسويسرا-افضل دول العالم لعام 2018، الترتيب 22(24%ذكور، 11%اناث لعام 2004). وجاءت الكويت بالترتيب (89)، سوريا(98)، مصر (100) ولم يرد اسم العراق(ويكيبديا)].

* تعليق: الأمورهنا مرتبكة، فعن اليابان يذكر الدكتور قاسم حسين صالح إحصاء منظمة الصحة العالمية لعام 2004 حيث حلت في المرتبة التاسعة أما عن سويسرا فيذكر إحصاء المنظمة لعام 2018 حيث احتلت المرتبة 22 كأفضل دولة في العالم...وعندما يأتي الى ذكر نسبة الرجال الى النساء بالنسبة لسويسرا يعود بنا الدكتورالفاضل الى عام 2004.

* ثالثاً: تحت عنوان:الأنتحار .. عراقيا.. شواهد كتب الأستاذ قاسم حسين صالح التالي:

..........................

الى اللقاء في الجزء التالي و الذي سيبدأ بمناقشة الفقرة ثالثاً: الانتحار عراقياً شواهد.

عن الموت كنتُ قد نشرت مقالة بعنوان :الموت....الرابط

http://www.almothaqaf.com/ab/freepens-09/42428

 

عبد الرضا حمد جاسم

 

بكر السباتين"بوبجي – PUBG"، لعبة إلكترونية حديثة في الهواتف الذكية والكومبيوتر، أصبحت واسعة الانتشار في أنحاء العالم كافة، صنّعت هذه اللعبة شركة كورية لمايكروسوفت ويندوز على برمجة خاصة (ستيم) في ‏آذار 2017، ومنذ ذلك اليوم حتى الآن بيعت أكثر من 13 مليون نسخة منها، ‏ووصل عدد اللاعبين بها في الوقت نفسه إلى مليوني لاعب لتصبح أكثر الألعاب ‏رواجاً على ستيم.‏

"بوبجي – PUBG"، هي لعبة أكشن يصل عدد اللاعبين‎ ‎فيها في الجولة الواحدة إلى 100،‏ والهدف منها هو القتال أما الرابح فهو من يصمد حتى نهاية المعركة

ويمكن للاعبين أن يختاروا اللعب منفردين أو في فريق صغير يصل عدد أفراده إلى 4 ‏كحدٍ أقصى، وفي الحالتين الشخص الذي يبقى حياً حتى نهاية المعركة يكون هو ‏الرابح.‏ تُلعَب ‏PUBG‏ عبر الانترنت، الأمر الذي يجمع "محاربين" من كل أنهاء العالم في ‏الوقت نفسه، وتبدأ الجولة في سقوط اللاعبين من طائرة عبر مظلات ليحطّوا في ‏ساحة المعركة. ‏وتظهر المعالم والأسلحة وحتى الأشخاص بشكل يلامس الواقع، مما يساعد في نقل ‏اللاعب إلى عالمٍ آخر ليعيش في عزلة واقعية ومعركة افتراضية، هذا وتعطي اللعبة ‏معلومات مفصلة عن الأسلحة المتوافرة وأنواع الرصاص التي يمكن استعمالها.‏

وتتكون هذه اللعبة من عدة عناصر، أهمها:

أ- برنامج اللعبة بوبجي – PUBG".. تتوفر لعبة بوبجي لأجهزة ويندوز من خلال منصة Steam، كما تتوفر لجهاز مايكروسوفت Xbox One، بالإضافة إلى PlayStation 4، لكن اللعبة اكتسبت شعبيتها الكبيرة من توفرها مجانا لكل من أجهزة أندرويد وأجهزة iOS مجانا.

ب- المستخدم: وفقا للشركة المطورة للعبة، فإن عدد المستخدمين عبر الهواتف الذكية بلغ 20 مليون مستخدم نشط يومياً بحلول سبتمبر 2018، ويلعب أكثر ما يقرب من 1 مليون مستخدم لعبة بوبجي من خلال أجهزة ويندوز عبر منصة Steam، كما يزيد عدد مرات تحميل اللعبة من قبل مستخدمي أندرويد عبر متجر جوجل بلاي عن 100 مليون مرة.

كما سجلت لعبة بوبجي PUBG رقما قياسيا في عدد اللاعبين المتزامنين، أو اللذين يلعبون اللعبة في نفس الوقت، والذي بلغ 1.342.857 لاعب في 17 سبتمبر من العام الماضي 2017، لتتجاوز لعبة Dota 2.

ج- الجهات الرسمية وهي الجهات التي يمكنها التحكم قانونياً بمنع أو السماح لظهور هذه اللعبة عبر خدمات الهواتف النقالة التي توفرها شركات الهواتف وخدمات النت في الأردن مثل أمنية وزين

 

د- الموجهون التربويون والجهات المعنية بدراسة تأثير ظاهرة لعبة البوبجي على المجتمع ووضع التوصيات لمحاصرة أخطارها.. مثل:

- المشرفون التربويون في وزارة التربية والتعليم

- وزارة التربية والتعليم

- المبادرات التنموية والمنح المعنية بتطوير المجتمع

- مضار لعبة البوبجي على مستخدميها.

 ه- أصحاب محال ومراكز الألعاب ‏الإلكترونية يعتبروا هم المستفيد الأول من انتشار هذه اللعبة، واللافت أن هؤلاء لم ‏يترددوا في شراء الحواسيب الخاصة بهذه اللعبة وتوسيع أعمالهم لأن مردودها المادي ‏كبير جداً ولا يستهان به.‏

***

وبمكن أن نسأل أنفسنا.. لماذا هذا الإقبال على هذه اللعبة؟ هل ثمة ما يظهر من فوائد تعتمد عليها الدعايات التسويقية لهذا المنتج الخطير؟

في حقيقة الأمر هناك ما يمكن تسميته بالإيهام بالوفوائد، حيث تكمن خطورة هذه اللعبة الجاذبة في كونها توحي بالفائدة وتغري اللاعبين بممارستها دون حساب للوقت حتى تؤدي به إلى الإدمان الإلكتروني (المخدرات الرقمية).. وحجة مسوقي لعبة البوبجي ومناصريها تتجلى فيما يلي:

أ- تجمع بين الفردية والجماعية، فيمكنك أن تلعب وحيدا ضد 99 لاعبا آخر، بما في ذلك من تحدٍّ كبير، ويمكنك أن تنضم للاعبين آخرين لتكوّنوا فريقا من أربعة لاعبين على الأكثر، ويتواصل هؤلاء اللاعبون عن طريق "الميكرفون وسماعة الرأس" حيث يمكنهم الحديث صوتيا أثناء القتال، مما يعزز التواصل، خاصة بين الأصدقاء.

ب- تقدم تجارب وخبرات تشاركية لا نهاية لها عبر الإنترنت، خاصة ألعاب ما يُسمى بـ "تقمص الأدوار "وهي ألعاب يكون للاعب فيها "أفاتار" أو شخصية متجسدة في عالم خيالي، وعلى عكس الألعاب النمطية يتحكم ممارسو ألعاب "الأفاتار" بشكل كامل في المواصفات الفيزيائية لشخصياتهم الافتراضية، وكذلك في تطوره وسماته، وكلما خاض اللاعب مزيدا من المعارك تطورت وتقدمت شخصيته الافتراضية، وامتلك أدوات ومهارات أكثر، ناهيك عن كونها تساعد المستخدمين على العناد والتحدي وتقوي البديهة لديهم.

ويقول أحد اللاعبين مفسرا حبه لتلك الألعاب: "لقد صُممت هذه الألعاب خصيصا لجذب اللاعب إلى عالمها، فكلما نجحت في تخطي أحد المستويات فإنك تُكافَأ بالانتقال إلى المستوى الذي يليه، فهي لا تتوقف من تلقاء نفسها مطلقا، وإن أخذت استراحة فإنك إما ستتعرض لمعاناة في العودة لممارسة اللعبة لاحقا، وإما ستشعر بالوحشة لافتقادك الإثارة والمتعة التي تمنحك إياها ممارسة اللعبة"

أما عن خطورة لعبة البوبجي على مستخدميها فقد ظهرت دراسة قام بها العالم يانج كمبرلي بعنوان:

"التربية في عصر ثورة المعلومات استراتيجيات الحماية"

وتم نشرها على موقع Netaddiction.com حيث تم عرض العديد من الإحصاءات الحديثة عن إدمان الإنترنت عبر العالم.

ففي الولايات المتحدة يقوم الأبناء من سن 8-18 بقضاء ما يقرب من 44.5 ساعة على الإنترنت بصورة أسبوعية، وهناك انزعاج كبير من قبل أولياء الأمور بسبب الأوقات المطولة التي يقضيها الأبناء أمام الشاشة الصغيرة.

وفي دراسة أخرى Harris Interactive سنة 2007 والتي غطت العديد من الدول الأوروبية، أعرب 23% من الشباب أنهم يشعرون بأعراض الإدمان (31% من الذكور و13% من الإناث) من أصل عينة قوامها 1178 من الأطفال (سن 8- 18).

أما في اليابان فقد نشرت وزارة الصحة تقريراً به نتائج الاستبيان الذي وزع على 264 مدرسة أظهر أن تعداد المدمنين للإنترنت بالفعل وصل إلى 6% من الطلبة في المرحلة الابتدائية و9% في المرحلة الثانوية وهذا يعني أن هناك ما يقرب من 518.000 مدمن في اليابان.

أما هؤلاء الذين على حافة دخول دائرة الإدمان فيبلغ تعدادهم 800.000، كوريا الجنوبية ليست أحسن حالاً حيث أظهرت الاستطلاعات أن هناك ما يقرب من 160.000 طفل ما بين الخامسة والتاسعة مدمنون فعلاً للهاتف المحمول والحواسب اللوحية وبصورة خاصة لما يعرض عليهما من ألعاب إلكترونية.

أما عن الأسباب الكامنة وراء انقياد الجيل الجديد لهذه الوسائل كبديل للعلاقات الإنسانية الحقيقية والواقعية فقد أعرب المتخصصون عن اعتقادهم الشديد أن غياب الدور التربوي للوالدين بداخل الأسرة هو من أبرز العوامل لانسياق الشباب وراء العلاقات الافتراضية.

إذن يمكن اعتبار الإدمان على هذه اللعبة من المخدرات الرقمية Digital Drugs حالها حال المخدرات الطبيعية، فبالتأكيد لها العديد من الأخطار والسلبيات على الفرد المتعاطي، ويمكن إدراجها على النحو التالي:

1- يسبب الاستماع إلى ضجيج إطلاق الرصاص وصرخات الموت والتصايح المباشر بين اللاعبين للمخدرات الرقمية، حيث أن طنين هذا الضجيج يظل مصاحباً للاعب حتى بعد الانتهاء من اللعب، ويظل متواصلاً معها نفسياً.. وهذا يشعره برجفة وتشنجات بالجسم حتى يعاود اللعب من جديد.

2- تؤثر المخدرات الرقمية ومنها الإدمان الإلكتروني على الحالة النفسية والجسدية للمتعاطي، وتعمل على إبعاد وعزل المتعاطي عن الحياة الاجتماعية وقد تؤدي به للإصابة بالاكتئاب أو التوحد وصعوبة النوم.

3- انخفاض الطاقة الإنتاجية للفرد بسبب انعزاله عن الواقع الخارجي.

4- تؤدي إلى قلة التركيز لدى الطلاب في المدارس وبالتالي تزايد أعداد الراسبين بأعداد كبيرة وضعف ملحوظ في التحصيل العلمي.

5- الإصابة بالإدمان النفسي على مثل هذه الأصوات مما يدفع الفرد لاستنزاف نقوده للحصول عليها.

6- التكلفة الاقتصادية العالية التي قد تكلفها الاسرة نتيجة ادمان احد افرادها الالعاب الالكترونية.

7- اكتساب الطفل سلوكيات سلبية مثل العنف والعدوانية وأثبتت دراسات متخصصة ان معظم عنف المراهقين في الولايات المتحدة سببه الرئيسي ادمان الالعاب الالكترونية..

8: تأثيرات شديدة الخطورة على الصحة تتمثل فيما يلي:

-ألام أسفل الظهر

- ألام في الرقبة

- ضعف شديد في عضلات المثانة مع كسل شديد في العضلات واحساس دائم بالإمساك المزمن

- أضف الى ذلك شكوى دائمة من ألام العين وضعف النظر.

9- ضعف القدرة على إتمام المهام والأنشطة التي تتطلب العمل في فريق، ويرجع السبب في كثير من الأحيان إلى أنه أصبح شخصاً "متمحوراً حول ذاته وأفكاره ورغباته وأحلامه.. وبالتالي فقدان القدرة على حل المشكلات التي تطرأ من العلاقات الإنسانية مثل الاختلاف في الرأي، أو القدرة عن التعبير المتزن عن الآراء.. ويتحول إلى محاور مضطرب وعنيف.

10- يؤثر الإدمان على التوازن الانفعالي وينتابه احساس مستمر بتأنيب الضمير، والخوف من المجهول ومن الفشل، والميل للكذب واختلاق الأعذار ومن ثم الفشل في الالتزام بأي جدول أو خطة، ولو كانت من إعداده هو شخصياً، بسبب فقدانه للإحساس بالوقت.

***

ولكن ماذا عن مواقف: علم النفس- المجتمع- الجهات الرسمية من لعبة البوبجي؟

1- موقف علم النفس!‏

أ- أتت وجهة نظر علم النفس لتؤكد أن "لهذا النوع من الألعاب خطورة كبيرة ‏لأنها تجعل الإنسان يهرب من واقعه ليعيش في عالم آخر بعيداً من الحقيقة. فلا يدرك ‏دائماً الفرق بين العالم الحقيقي والعالم الافتراضي الذي تعرضه اللعبة، وفق ما شرحت ‏الاختصاصية في علم النفس العيادي ميريام أبو عون في حديث لـجريدة "النهار" اللبنانية.‏

وأكدت أبو عون أن لهذه اللعبة خطورة كبيرة على المراهق لأنها توهمه بأن أساليب ‏العنف هي الطريقة الوحيدة للدفاع عن النفس، مضيفةً "وكأن العنف هو الوسيلة ‏للوصول الى الهدف المنشود وإلغاء الآخر أمر طبيعي". وأوضحت أن ‏PUBG ‎‏ وما ‏يشابهها "تجعل الفرد يلجأ إلى العنف لحل نزاعاته، كأن الاذية أصبحت أمراً عادياً، ‏وتصبح بذلك ردات فعله عصبية كما يصبح منعزلاً اجتماعيًا ويتفاعل مع آلة ويعيش ‏في عالم خيالي"‏‎.‎

وشددت على أن هذه الألعاب تؤثر في مستوى الطلاب المدرسي كما يمكن أن تؤدي ‏إلى الادمان، وحذّرت من أن "استعمال السلاح في هذه اللعبة يشجع الفرد على ‏استعماله في الحياة الطبيعية".‏

ب- من جهتها أكدت دكتورة الطب النفسي الكويتية، هيا المطيري، لبي بي سي أن: "الفجوة بالعلاقة بين الأهل والأطفال، وأسلوب التربية الحديث هما سبب الوصول بسهولة إلى هذا النوع من الألعاب والإدمان عليها".

إنه نوع جديد من الإدمان يشبه إلى حد كبير الإدمان على التسوق والمقامرة والمخدرات. فهو يبدأ بالاهتمام وإذا أعطاه الشخص كثيرا من تفكيره ومن وقته فيصبح إدمانا.

2- موقف المجتمع والجهات الرسمية من لعبة البوبجي

أ- أوضح شاب لبناني عشرينيّ ولاعب ‏بوبجي‏ ناشط، في حديث لـ"النهار" بتاريخ 1-11-2017، انه ‏يمضي نحو 10 ساعات من يومه تقريباً، مقسمة على فترات، في اللعب. وقال: "ما ‏أشعر به تحديداً هو ارتفاع نسبة الأدرينالين في جسمي، أتحمس لا شعورياً وكأني ‏انتقلت فعلاً إلى ساحة المعركة وحياتي في خطر".‏

ب- في العراق وبتاريخ 22-4- 2019 أصدر مجلس محافظة الأنبار غربي العراق، قراراً منع بموجبه لعبة البوبجي الإلكترونية في الدوائر الحكومية، وأثناء الدوام الرسمي.

ج- وفي العراق مؤخراً دعا عدد من رجال الدين، المواطنين إلى تجنب الإدمان على اللعبة، في حال شكلت سبباً في تحويل ممارسيها إلى "عدوانيين"، في وقت أصدرت فيه لجنة الفتوى في السليمانية قراراً بتحريم اللعبة، إذا كانت سببا لإضاعة الوقت وخلق المشاكل وعرقلة العمل.

د- عممت مديرية الأمن العام بالإضافة لدائرة السير في الأردن بمنع استخدام أو تنزيل لعبة البوبجي من قبل كادر الأمن العام.. وحذرت المواطنين من استخدام هذه اللعبة الخطيرة لأنها تشجع على العنف والإدمان السلبي وتشكيل العصابات الإجرامية وقد تقود إلى استسهال القتل أثناء المشاجرات.

ه- أكد مركز الأزهر، أنه لخطورة الموقف، وانطلاقًا من دور مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية الرائد في إرشاد الناس إلى ما فيه خيرهم، وتحذيرهم مما فيه ضررهم، يحذر من خطورة هذه الألعاب ويهيب بالعلماء والدعاة والمعلمين بضرورة نشر الوعي العام بخطورة هذه الألعاب على الفرد والمجتمع، وتأكيدًا على حُرْمة هذا النوع من الألعاب، لخطورته على الفرد والمجتمع يجرم مركز الأزهر للفتوى هذا النوع من الألعاب ويهيب بأولياء الأمور وكل الفاعلين في المجتمع والجهات المختصة إلى منع هذا النوع من الألعاب.

وحتى لا نثير الياس من ظاهرة يمكن التعامل معها باقتدار لو أحسن الجميع النوايا بناءً على قناعات حقيقية.. إذن كيف تعالج ظاهرة الإدمان الإلكتروني "المخدرات الرقمية"

بالرغم من عدم وجود إجماع على أفضل طريقة لعلاج الإدمان على لعبة البيبجو، فإن بعض الدول أوردت بعض وسائل العلاج بحسب رؤية كل بلد للمشكلة واستفحالها، حيث يرى خبراء بأن اللعبة ليست تحت سيطرة أحد، فهي موجودة على متجر خاص بشركة جوجل وكذلك متجر آبل وليست لدى أحد السلطة لحجب الألعاب الموجودة على مثل هذه المتاجر.

وتعتبر كوريا التي أنتجت شركاتها لعبة البوبجي أول دول العالم التي اهتمت بمعالجة ظاهرة الإدمان الإلكتروني، حيث قامت بالعديد من البرامج لعلاج الإدمان الإلكتروني وكان من أبرزها "تجمعات المدمنين النشطة" وهي عبارة عن تجميع الشباب الذين تظهر عليهم أعراض الإدمان في نوادٍ أو تجمعات تتسم بالنشاط الغير إلكتروني من قبيل الرياضة وقضاء الوقت الممتع وسط الطبيعة أو من قبيل قراءة الكتب بصورة جماعية، وتعتبر فكرة "الجماعية هنا" في غاية الأهمية لأنها تعطي المدمن الشعور بأنه ليس وحده من يعاني الارتباط "شبه المرضي" بالتكنولوجيا والاعتماد عليها.

وقد أعرب القائمون على البرنامج عن ضرورة أن يفهم الأهل "النمط الذي ينتمي له ابنهم" لأن هناك نوعان:

معسكر الصيام عبارة عن "شفط السموم الإلكترونية" من شخصية المدمن عبر الامتناع التدريجي عن الإمساك بالشاشة، تبدأ رويداً لتصل إلى ساعتين بحد أقصى في اليوم

هناك من يعشق ويرتبط بالإنترنت لأنه يجد في فكرة "الشخص المجهول الهوية" ملاذاً له من عالم الواقع الذي يمثل له ضغوطاً مختلفة، وهناك من الأبناء من يمثل "العنف" والسلوك العنيف الدافع وراء حبهم وارتباطهم بالألعاب الإلكترونية لأنه يشبع لديهم مشاعر "الانتصار والقوة".

كلا النمطين يشتركان في فكرة أنهما أنواع من الهروب من واقع الحياة المعاش والانبهار بالواقع الافتراضي.

أما الفكرة أو الاستراتيجية الثانية فقد نصح بها القائمون على الأكاديمية الأميركية لعلماء النفس التربويين وتسمى الاستراتيجية بـ "معسكر الصيام" وهي عبارة عن "شفط السموم الإلكترونية" من شخصية المدمن عبر الامتناع التدريجي عن الإمساك بالشاشة، تبدأ رويداً لتصل إلى ساعتين بحد أقصى في اليوم. ولكن هذا الأمر يحتاج لكثير من الصبر والدعم العائلي والأسري.

هذا عن الدول غير العربية أما في عالمنا العربي فهناك عدد من المدارس التي بدأت في تنفيذ ما يسمى فاعلية "بعيداً عن الشاشة" والتي بدأتها مدرسة مستقلة قطرية في عام 2007 بالقيام بحملة لدعوة أولياء الأمور والطالبات لقضاء يوم محدد كامل بدون فتح أي من الشاشات (هاتف - تلفاز أو حاسب آلي) بهدف توطيد العلاقات الاجتماعية واستعادة الجو الأسري الدافئ. ويمكن أن يتم تنفيذ الفاعلية على مستوى الأسرة الممتدة أو الأسرة النووية (الصغيرة) ولا تحتاج إلا لبعض الابتكار في التفكير في بدائل مسلية ومرحة تجذب الأبناء.

وسنورد تالياً أفضل الإرشادات التي يمكنها المساعدة في معالجة المصابين بالإدمان الإلكتروني والحد من ظاهرة المخدرات الرقمية، وهي كما يلي:

1- الانخراط في معسكرات تدريب قاسية ذات صبغة عسكرية، كما في الصين، حيث يقوم جنود سابقون بمراقبة المدمنين على مثل هذه الألعاب من خلال عملية إعادة تأهيل قاسية يخضعون فيها لفحوصات نفسية وتدريبات بدنية مكثفة لفترات قد تصل لستة أشهر.

2- قضاء أسبوع في الصحراء مع الأسرة، كما في الولايات المتحدة، بعيداً عن كل أدوات التكنولوجيا.

3- الذهاب إلى المستشفى، كما في كوريا الجنوبية، حيث تتدخل الحكومة بقوة وتقوم بتمويل نحو مائة مستشفى لعلاج هذ الإدمان الذي تتعدى نسبته 90% ويعتبر مشكلة قومية.

4- متابعة الأبناء بصفة مستمرة وعلى مدار الساعة.

5- مراقبة تطبيقات الهاتف بالنسبة إلى الأبناء، وعدم ترك الهواتف بين أيديهم لفترات طويلة.

6- شغل أوقات فراغ الأبناء بما ينفعهم من تحصيل العلوم النافعة والأنشطة الرياضية المختلفة.

7- التأكيد على أهمية الوقت بالنسبة إلى الشباب من خلال برامج تدريبية تتبناها وزارة التربية والتعليم في بلادنا.

8- مشاركة الأبناء في جميع جوانب حياتهم مع توجيه النصح وتقديم القدوة الصالحة لهم.

9- تنمية مهارات الأبناء، وتوظيف هذه المهارات في ما ينفعهم والاستفادة من إبداعاتهم.

10- التشجيع الدائم للشباب على ما يقدّمونه من أعمال إيجابية ولو كانت بسيطة من وجهة نظر الآباء.

11- منح الأبناء مساحة لتحقيق الذات وتعزيز القدرات وكسب الثقة.

12- تدريب الأبناء على تحديد أهدافهم، واختيار الأفضل لرسم مستقبلهم، والحث على المشاركة الفاعلة والواقعية في محيط الأسرة والمجتمع.

13- تخير الرفقة الصالحة للأبناء ومتابعتهم في الدراسة من خلال التواصل المستمر مع المعلمين وإدارة المدرسة.

14- التنبيه على مخاطر استخدام الآلات الحادة التي يمكن أن تصيب الإنسان بأي ضرر جسدي، له وللآخرين، وصونه عن كل ما يؤذيه؛ وذلك لما روي عن فضالة بن عبيد رضي الله عنه قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِالْمُؤْمِنِ؟ مَنْ أَمِنَهُ النَّاسُ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ، وَالْمُسْلِمُ: مَنْ سَلِمَ النَّاسُ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالْمُجَاهِدُ: مَنْ جَاهَدَ نَفْسَهُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ، وَالْمُهَاجِرُ: مَنْ هَجَرَ الْخَطَايَا وَالذَّنُوبَ» رواه أحمد.

 وأخيراً

 ينبغي أن ندرك بأنه يناط على عاتق الأسرة الدور الرئيسي والأهم في مراقبة الأبناء وتنظيم استخدامهم للهواتف النقالة وأجهزة الحاسوب، لأن الوقاية دائما خير من العلاج.. راقب طفلك.. واقترب منه.. وكن صديقا محببا أليه.. حتى تنجح دائما في حمايته من كل أنواع الإدمان..

 

بقلم بكر السباتين

.........................

المراجع

1- أكاديمية حاسوب..

https://academy.hsoub.com/entrepreneurship/team/%D8%A3%D9%84%D8%B9%D8%A7%D8%A8-%D9%83%D8%B3%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%85%D9%88%D8%AF-%D9%83%D9%8A%D9%81-%D8%AA%D8%AA%D8%B9%D8%B1%D9%81-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D9%85%D9%83%D8%AA%D8%A8%D9%83-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%AF%D9%8A%D8%AF-r445/?fbclid=IwAR3t8oKoRAUFX3FSTsdBpbLqGyUhGVUUbqCENVmvalelFUCZPHyGyuaJzxk

2- كسر حاجز الجليد .. يويتيوب

https://www.youtube.com/watch?v=ooFfgieubN8&fbclid=IwAR38msv85d2et9X39I4ZsjYlEu8uoPXyACPgef-n34tZEs-DXOZJUZ5ZuG0

3- ألعاب تدريبية- عبدالله الغامدي

https://www.youtube.com/watch?v=wsdnkmPGxv8&fbclid=IwAR0rrWdcvu_8kDzsW5-_YQ0ku-bX5_GUNnZC1tIgtw5n1PwOpezgsxYuTmQ

4- المنتدى العربي لإدارة الموارد البشرية

https://hrdiscussion.com/hr90807.html?fbclid=IwAR3NkZ8rN1PyCldg8hsNvfsC_b1oUKfj7b7KmRVJ74DCQ-xBfcXy4PC0Xoo

5- رابطة الأكاديميين العرب

http://arabacademics.org/368-%D8%AE%D8%B1%D9%8A%D8%B7%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%AF%D9%88%D9%84%20%D8%A7%D9%84%D8%B2%D9%85%D9%86%D9%8A%20(Gantt%20Chart)%D9%84%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9%20%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%AD%D8%AB%20%D8%A8%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D8%AE%D8%AF%D8%A7%D9%85%20MicrosoftExcel.html?fbclid=IwAR0wcyKH--9TbgHW-ST0NqLIhIqhpiUyFlAK9ZE_YuDvNpFnlfv4Kcmmw-k

6-الإدارة والهندسة الصناعية.. ما هي خريطة الجدول الزمني أو خريطة جانت أو Gantt Chart؟

https://samehar.wordpress.com/2007/04/08/ab040507/?fbclid=IwAR0rrWdcvu_8kDzsW5-_YQ0ku-bX5_GUNnZC1tIgtw5n1PwOpezgsxYuTmQ

7- العربي الجديد.. الإدمان على الإنترنت.. إدمان الإنترنت... استراتيجيات الوقاية والعلاج https://www.alaraby.co.uk/supplementeducation/87c7645e-9647-497e-96b9-77a7f7d60a7c?fbclid=IwAR06sQjaUVw8vypFtsJL2kEVB9IXi-d9ZmGm3pK9XI2rnIIdkjG-UPEnmlU

8- نماذج أسئلة.. حنان خوج..

https://hkhouj.kau.edu.sa/Pages-%D8%A7%D8%B3%D8%A6%D9%84%D8%A9%D9%88%D8%A7%D8%AC%D9%88%D8%A8%D8%A9.aspx

9- المخدرات الرقمية

https://www.slideshare.net/alialghamdia/ss-42484488

10- ما هي لعبة البوبجي وكيف تلعب التقنية

https://tech-echo.com/2018/11/what-is-pupg-mobile-how-to-play-download/?fbclid=IwAR1lLZkMDt-wiVzwFszoGs-Zhvxd-65f2ZU2SulFjDiZW_AxUZ9d-fhFjgY

11- آفاق علمية وتربوية.. تعريف الاستبيان

http://al3loom.com/?p=1349&fbclid=IwAR2UVpNiVyLHbkBEuOW2Mp6goUY17MJrN7ALSfFe5EFtMjnzipjErIdS1es

12- Bbc عربي.. هل أنت مع إيقاف لعبة بوبجي

http://al3loom.com/?p=1349&fbclid=IwAR2UVpNiVyLHbkBEuOW2Mp6goUY17MJrN7ALSfFe5EFtMjnzipjErIdS1es

13- تحريم وتحذير و11 نصيحة من الأزهر بشأنها.. لعبة “PUBG” المثيرة للجدل

https://zahma.cairolive.com/%D8%AA%D8%AD%D8%B1%D9%8A%D9%85-%D9%88%D8%AA%D8%AD%D8%B0%D9%8A%D8%B1-%D9%8811-%D9%86%D8%B5%D9%8A%D8%AD%D8%A9-%D9%85%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B2%D9%87%D8%B1-%D8%A8%D8%B4%D8%A3%D9%86%D9%87%D8%A7/?fbclid=IwAR2aGR1Ukkstw-F6x-tN50kgl2HGqX-tJihXDz2pj05On6vQ599eior4dbA

 

***

طالب عبدالاميرفي كل مراحل التاريخ الانساني، التي تلت المرحلة البدائية، او بعد انتقال الانسان من الفطرة الى المدنية، لعبت منظمات المجتمع المدني دوراً أساسيا في نهضة الدول وتقدمها، وعبرت بها من بحر التخلف والايمان بالخرافات وغيرها الى مستويات عالية من التقدم والازدهار، ومازالت منظمات المجتمع المدني في اوروبا، تلعب دورها هذا حتى في الدول التي رسخت انظمتها الديمقراطية، وانتقلت بها الى مجتمع الرفاهية، كما هو الحال في السويد على سبيل المثال، إذ تبدلت وظائف هذه المنظمات، بما يتناسب وسياق التطور التاريخي، السياسي والإقتصادي في هذه البلدان، التي انتقلت من بنية سلطة كانت تقودها النخب، وتتحكم في مفاصلها وفق تقاليد موروثة تعتمد على الغيبيات والتقديس الى دول مدنية، ديمقراطية تعتمد اساساً على المجتمع المدني في تنفيذ وظائفها.

ولو عدنا الى نشأة الدول لوجدنا انها ارتبطت أساساً بوجود مجتمع، اذ لا يمكن الحديث عن بناء دولة، أي كان شكلها، دون أن تكون لها أرضية وركائز مجتمعية أساسية تستند عليها. وعبر التاريخ نشأ وتطور مفهوم الدولة، باعتبارها ظاهرة إجتماعية، انطلقت على أساس  التطور المجتمعي للإنسان، مذ أن تحرر من ارتباطه بالطبيعة، حيث كان يعتبر جزءاً منها، فأصبح يخضعها الى احتياجاته وتطوره الى كائن اجتماعي، تطلب منه ان يكون فرداً ضمن مجموعة نمت لتصبح مجتمعاً،  فبرزت الضرورة لتنظيم حياته اليومية، وإدارة فعالياته. فأُنشأت الدولة. لكن المجتمع كيان حي متطور، تتبلور صفاته من احتياجات الانسان وتطلعاته، وبالتالي مصالحه. وفي سياق التاريخ برزت أشكال جديدة للعلاقات والتناقضات وتعدد واختلاف المصالح أدت الى تشكل فئات طبقية وسياسية مختلفة، أفرزت خلال عملية الصراع فئات سيطرت على مفاصل تنظيم المجتمع، بل وعلى الفئات الأخرى، فاصبحت الدولة أداة لتنظيم عملية هيمنة القوى المسيطرة سياسيا وإقتصادياً ومن ثم اجتماعياً.

لكن وظيفة الدولة لاتتوقف عند هذه الصفة كأداة بيد الفئة، او الحزب او التحالف المهيمن في السلطة فحسب، فلكي تحافظ على ديمومة كيانها يتطلب منها تأمين وحدة التشكيل الاجتماعي وتماسكه والمحافظة على الشروط الاجتماعية للإنتاج، واعادة انتاجها دون معوقات.

اذاً فالأساس الذي تقف عليه الدولة هو المجتمع، وقد ظهرت نظريات عديدة حللت مفهوم الدولة من منطلقات مختلفة. وقد وردت في العصور التاريخية القديمة مفاهيم وفرضيات مختلفة للدولة، منها ما قدس صيرورتها، واعتبرها نتاجاً غيبياً الهي، اي ان البشر لا دخل لهم في خلقها، فيما طرحت أفكار أخرى تبلورت في نظرية ماسمي بالعقد الاجتماعي، الذي أسس له الفيلسوف الانجليزي توماس هوبس في القرن السابع  زمن ثم حملت افكار جون لوك وجان جاك روسو، وغيرهما من المفكرين، بأن الدولة اساسها المجتمع الذي يتيح لأفراده امكانية الاتفاق فيما بينهم لاختيار قيادة الدولة. فحسب هذا المفهوم، الدولة اتفاق ما بين مكونات المجتمع، فيما توصلت النظرية الماركسية الى ان العلاقات الاجتماعية المادية تشكل مصدراً من مصادر الدولة التي تسيطر فيها طبقة اقتصادياً على الطبقات الاخرى. فالدولة في هذا المفهوم، ليست حيادية، وهي تخلق لها مؤسسات ترتبط بها لإدامتها وحمايتها ولذلك وبالمقابل تنشأ ايضا مؤسسات اجتماعية نقيضة. وهذا الصراع  بين القوى، وبتأثير عوامل اخرى سيؤدي الى تخلخل الرابطة الداخلية لمؤسساتها، ومن هنا تتدخل الدولة في محاولة لاعادة الموازين، لسيطرة الفئة او الفئات المهيمنة. ولكن عدم القدرة على خلق التوازن، في ظروف تاريخية محددة يحول الدولة الى اداة استبدادية، قامعة.

يعلمنا التاريخ بأن مفهوم المجتمع، نشأ مدنياً، قبل تأسيس الدول وقد ارتبط به في سياق تطور المجتمع البشري، مفهوم جديد هو الدولة المدنية.. ويرجع الباحثون مفهوم المجتمع المدني الى الفسلفة اليونانية القديمة، حيث اشار الفيلسوف الاغريقي ارسطوطاليس الى ان صفة المجتمع المدني تترتبط بالحضارة المدنية، وربط ذلك بخضوع المجتمع الى القانون، والمجتمع في نظر ارسطو هو الدولة باعتبارها مجتمع سياسي تنظمه قوانين. كما يُرجّح نضوج مفهوم الدولة المدنية الى ماقام عليه شكل مؤسسات السلطة في الامبراطورية الرومانية، التي تحولت من التمييز بين السكان، اذ كانت عضوية مؤسسات الحكم ومجالسه التشريعية مقتصرة على "المواطن الروماني" دون "العبد"، حسب مصطلحات تلك الحقبة من التاريخ، الى منح هذا الحق للعبيد ايضا كونهم ايضاً مواطنين. ولم يأت ذلك هبة او منحة من الامبراطور الروماني، بل خضوعاً للثورات التي قام بها العبيد من اجل تثبيت حقوقهم في المساواة. فثمة علاقة جذرية في المصطلح بين المواطنة بمعناها اللاتيني Citizinship ومصطلح مدينة City. 

لكن تحولات الفكر البشري اللاحقة بلورت مفاهيم جديدة لمفهوم المجتمع، الذي ارتبط بالمدينة، بشكل أكبر خلال عصر التنوير في اوروبا، خلال القرن السادس عشر، ثم ادت التطورات اللاحقة الى بروز التباينات الطبقية بشكل اوضح، وقد افرزت الثورات، وبشكل خاص الفرنسية، بشعارها ذي الدلالات الشاملة التي جسدته في ثلاثة اهداف مترابطة وهي: "الحرية، الآخاء والمساواة" والتي تعني جميع اهالي (مواطني) المدينة، بغض النظر عن خلفياتهم الدينية والعرقية وغيرها، افكاراً جديدة لمفهوم الدولة باعتبارها سياق منطقي لتنظيم حكم الشعب، أي ان المجتمع هو الذي يشكل الدولة، بعد ان سادت افكار تقدس صيرورتها واعتبرتها فوق المجتمع مستمدة قوتها من الأديان، فتم فك الارتباط بين الدين والدولة. فنشأ على هذا الاساس مصطلح الدولة العلمانية. بمعنى علمنة المجتمع ومرتكزاته علمية، بما فيها النظر الى وجود الأديان وتعدديتها التاريخية، من منطلق التحليل العلمي.

غير انه وبالرغم من أن مفهوم العلمانية لم يكن وصفة عامة لكل البلدان التي جرى فيها التحول الى هذا الشكل من الدولة، بل إعتمد تطبيقها على سياقات تشكُّل  تلك الدول والظروف التاريخية التي نشأت خلالها، فتجربة بريطانيا تختلف عن فرنسا، وتجربة هاتين الدولتين اختلفت عن تجربة السويد، على سبيل المثال. لكن المبادئ العلمانية هي ذاتها. فهي تعني فك ارتباط الدين عن السلطة. هذا الانفصال لايعني الغاء، او محاربة الدولة للدين، بل هو العكس تماماً، فمن مبادئ الدولة العلمانية ضمان حرية المعتقد والتعددية والمساواة في الحقوق والواجبات لكل افراد المجتمع، المساواة بين الجنسين والتسامح. والتعددية، ولمختلف الاديان فالدولة لجميع افراد المجتمع ومؤسساته، بغض النظر عن معتقداتهم وخلفياتهم، فهي دولة لكل مواطنيها ومن خلال اجهزتها السياسية والقانونية توفر الحماية للجميع. أن ما يعنيه فصل الدين عن الدولة هو فصل الدين عن السياسة. هذا هو جوهر علمانية الدولة.. لكن هذا المفهوم الذي نجحت بفضله دول اوروبا وعديد من دول العالم وترسخ من خلاله مفهوم دولة القانون، تم  تصويره في الاعلام العربي، وبعض الكتابات العربية الحديثة، بدوافع تضليلية من دول ومؤسسات، بشكل لا يمت لمبادئه الاساسية بصلة، ونتجة لذلك اصيب هذا المفهوم بتصدع، في آراء الكثيرين معتبرينه نداً للدين، وهو ليس كذلك، بل أن العلمانية، وبعد صراع طويل استطاعت أن تحيَّد الكنيسة التي كانت تتحكم بوظائف السلطة، وجعلت منها مؤسسة روحية تخص أتباعها، وتمارس دورها المعنوي بحرية أسوة بمكونات الجتمع المدني، الذي ارتكز عليه لاحقاً ما نسميه اليوم بمفهوم الدولة المدنية.

وبالرغم من أن مصطلح الدولة المدنية لم يكن متداولاً حتى وقت قريب، لكن جذوره تكمن في مفهوم المجتمع المدني، الذي تطورت وظائفه عبر التاريخ. فخلال القرن الثالث عشر كان للكنيسة الكاثوليكية في اوروبا نفوذ واسع على الحياة السياسية والاجتماعية في عديد من دولها، وخلال تلك الفترة كانت مؤسسات المجتمع المدني حرة وغير مرتبطة في الدولة، أو بالفئة الدينية المهيمنة فيها. لكن بعد فك العلاقة بين الدولة والدين، باتت الدولة محملة بوظائف اخرى، واصبح المجتمع المدني قاعدتها الاساسية، حيث برز مفهوم الوفاق المجتمعي لإنشاء دولة المؤسسات والقوانين، وشاعت روح التسامح وتعزيز الثقة بين مكونات المجتمع. لكن في عصر النهضة جرى تحول في مفهوم المجتمع المدني الذي اتسم بالاستقلالية عن الدولة، واصبحت لمؤسات المجتمع المدني انشطة غير خاضعة للدولة، بل اعتبرت منطقة وسطى بين الاسرة والدولة، حسب هيغل. فيما اعتبر كارل ماركس المجتمع المدني مجالاً للاقتصاد، في علاقته مع البينية التحتية للمجتمع، ويمثل ركيزة  للدولة، من ناحية ونقيض لها من ناحية اخرى، كونه يشكل اطاراً للعلاقات الاجتماعية المادية للأفراد، وعاكساً للصراع الطبقي، في المجتمع . في حين يرى انطونيو غرامشي بأن المجتمع  المدني اسس لمواطنة متجانسة، و اصبح ملتقى لتنظيم معارضة مزدوجة، للدولة من جهة، وللرأسمالية من جهة أخرى.. لكنه اعتبر المجتمع المدني كجزء من البنى الفوقية للمجتمع، التي تعمل منظماته باتجاه الهيمنة عن طريق الثقافة والايديولوجيا بينما وظيفة اجهزة السلطة وادواتها الهيمنة والسيطرة.

برغم كل هذه المفاهيم فأن واحدة من اهم القضايا المتعلقة بموضوعة المجتمع المدني تلك التي تؤكد على انه يسهم في خلق مجتمع مؤسس على المشاركة، ونشر القيم، فالعلاقات الاجتماعية تشكل عاملا مهما في مجال الشراكة في الحياة السياسية وتعلم فن المناقشة والنقد وغيرها، وأيضا الادارة المحلية

من خلال ما تقدم نرى الارتباط وثيقاً بين المجتمع المدني والدولة المدنية التي ظهرت، كتطوير لعلمنة الدولة. لكن ماهي الدولة المدنية؟

تاريخياً، وكما اشرنا اعلاه، يلتصق تعريف الدولة المدنية، بدولة المواطنة، دولة المواطنين، المساواة في الحقوق والواجبات. وإن تعددت الرؤى في تعريف الدولة المدنية، نتيجة لسمات ووظائف المجتمع المدني، فثمة إجماع على المبادئ الأساسية لهذا الشكل من الدولة، وفي مقدمة هذه المبادئ، المواطنة: بمعنى أن الدولة لكل المواطنين، وهوية الشخص بإعتباره مواطن في الدولة، بغض النظر عن إنتماءاته الإثنية والدينية والمذهبية، وما الى ذلك. بمعنى آخر، أن الدولة تحتكم الى القانون وليس الى شرائع دينية، او قبلية او ماشابه. فالدولة المدنية لاتلغي او تعادي الدين، بل تتعامل معه كانتماء شخصي، بين الفرد وما يؤمن به، ومسألة روحية تخص الفرد، فيها حرية الانتماء او عدم الانتماء لدين معين. وتعريف المواطن في الاطار القانوني هو عضو في المجتمع الذي عليه حقوق وواجبات. وكل المواطنين سواسية أمام القانون دون تمييز.  

وفي هذا السياق يبرز دور منظمات المجتمع المدني في ضمان الحقوق الحريات وفي الرقابة على مؤسسات الدولة لمتابعة التزامها في تطبيق القوانين، والكشف عن التقصير في الأداء ومظاهر الخلل في الادارة والفساد. وبهذا تقدم مساعدة مزدوجة للمواطن وللدولة، التي يتطلب منها اشراك هذه المنظمات في بلورة المشاريع وسن القوانين. كما أن هذه المنظمات، التي تضم بين صفوفها اعضاء من مختلف الخلفيات، وبالاضافة الى اهدافها ونشاطاتها فيما يتعلق بتمثيل مصالح القطاع الذي تمثلة، كنقابات العمال والطلبة والمرأة والقطاع التعليمي، الكتاب والفنانين ومختلف الجمعيات المهنية، وغيرها الكثير في مجالات الدعم الاجتماعي، تشكل عنصراً أساسياً في بناء دولة مدنية ديمقراطية، تساهم في نشر الوعي بين الناس وتدفعهم الى المشاركة في انشطة المجتمع السياسية والاقتصادية والاجتماعية، بتقديم الرؤى والأفكار التي تخص تطور المجتمع، وتوحيد القوى الوطنية وتمتينها، وترسيخ قيم المواطنة واشاعة روح التسامح والتعاون. ولكي يتعزز دور منظمات المجتمع المدني في عملية التنمية والتطور الديمقراطي، يجب أن تسود ثقافة الحوار والشفافية في عملها وأنشطتها الديمقراطية.

المجتمع المدني والتجربة السويدية

 قد تكون السويد بلداً نموذجياً فيما يتعلق بتجربتها مع المجتمع المدني وفعاليته في الاسهام ببناء الدولة المدنية الديمقراطية. بالطبع ليس ثمة مجال للمقارنة بين هذا النموذج وبلدان أخرى، كبلدنا العراق، ولكن اعتقد أن المسار الذي نشأت وسارت عليه منظمات المجتمع المدني وتبدل وظائفها، نظراً لتطور بناء الدولة، تشكل عاملاً مشتركاً مع بلدان أخرى على هذا المستوى أو ذاك.

لم تستخدم السويد مصطلح المجتمع المدني الا في السنوات الأخيرة، حيث أخذ مفهومه يتوطن في القاموس السياسي والاجتماعي في هذا البلد. الا أن جوهر المجتمع المدني تجسد، عبر تاريخ البلاد وتطور الدولة بما عرف بـ "الحركات الشعبية" التي شكلت تقليداً في المجتمع وقد ارتبط أسمها لاحقاً بالمنظمات الاجتماعية الطوعية، ومنظمات المساعدات الانسانية، التي لعبت دوراً، الى جانب الحركات الكلاسيكية، في تطور النظام السياسي والاجتماعي في البلاد.

في العام 2009 تبنت الحكومة السويدية رسمياً مفهوم المجتمع المدني بموجب الوثيقة البرلمانية رقم 10:55* لعام 2009، الذي اعتبرت الحكومة فيها ايضاً تاريخ المجتمع المدني يمثل، الى حد كبير، تاريخ السويد الديمقراطي.

لكن مهما كانت التسمية، فأن هذه المنظمات الطوعية لعبت دوراً كبيراً فيما وصلت اليه السويد اليوم، فيما حققته من انجازات هامة للمجتمع، في مجال الحقوق الديمقراطية، والمساواة، والمشاركة في صنع القرار وترسيخ مبدأ الشفافية، وكل هذا جاء نتيجة لنضال هذه الحركات الشعبية (منظمات المجتمع المدني). التي تأسست خلال الثامن عشر، وفي مقدمتها حركات العمال التي تأثرت بالحركات العمالية في انكلترا والولايات المتحدة، وعارضت سياسة ارباب العمل آنذاك، وحركات الكنائس الحرة التي ناضلت ضد احتكار السلطة من قبل الكنيسة. ثم برزت، خلال القرن التاسع عشر حركات أخرى مثل الحركة المضادة لتناول الكحول، وغيرها المنظمات الرياضية، ومن ثم الحركات التي تأسست لمناصرة البيئة، وكذلك حركات مناهضة للحروب، كالحرب الامريكية على فيتنام، والحركات المساندة لحركات التحرر الافريقية من الاستعمار، وحركات الدفاع عن حقوق المرأة. وكل هذه المنظمات لعبت دوراً كبيراً في بناء المجتمع، وقد تطورت لتشمل كافة القطاعات والمهن، كالتعليم والطبابة والهندسة والصحافة، وجميع المجالات دون استثناء، اذ أن المجتمع السويدي اليوم مؤسس على البناء الجمعوي، بمعنى على تكوين الجمعيات، حيث يحق لكل ثلاثة أشخاص تكوين جمعية.

يعرف القانون السويدي المجتمع المدني بأنه: "ميدان منفصل عن الدولة والسوق، وفيه الافراد والمجموعات البشرية يعملون سوية من اجل المصلحة  المشتركة". (البرلمان السويدي، الوثيقة رقم 10:55 2009). ويعتبر المجتمع السويدي من اكبر البلدان التي تقدم مساعدات خيرية. فحسب ارقام مكتب الاحصاء المركزي فأن نسبة الذين اشتركوا في عمل تطوعي بلغت في العام 2009حوالي 50 بالمائة، بينما سجلت الاحصائيات لعام 2011 نسبة 80 بالمائة من المجتمع على اقل تقدير، اعضاء في احدى الجمعيات الطوعية. 

 

طالب عبد الأمير

 

 

علي ثوينيتناقلت الاخبار منذ نهايات عام 2006 عن حفريات وتنفيق في جوف مدينة القدس، يمس أساسات المسجد الأقصى وقبة الصخرة، وينذر بخطر التقويض ويدق ناقوس كارثة، ويوقد أتون "حرب مقدسة"، تتعدى قيمة الأثر وعمارته، الى حيثيات قدسية وهوية المكان. وكانت الذريعة المعلنة عن محض أعمال "بحثية بريئة"، لكن الحقائق تشير الى مرام مبطنة لبعث رواسي هيكل دارس، عادة ما دغدغ شغاف قلوب فرق يهودية ومسيحية ولاسيما الأشكناز (الغربيون) والصهاينة ونصارى (الكنيسة الإنجيلية).

لقد وضع الحجر الأساس لبناء ما دعوه الهيكل الثالث أمام تلك البوابة من سور القدس العتيق، ووسموا به الخطوة الأولى في محاولة تلبيس الأسطورة والدعاوى "البحثية". والأمر يتعلق بتبرير حلول وتحقيق حلم سرمدي متكأ على القسم الغليظ الذي أطلقه (حسقيال) (1)، وهو أحد حكماء اليهود قبل أكثر من الفين وخمسمائة عام، حينما ترنم على جرف الفرات في بابل، ممني النفس بالعودة والتبرك بجبل صهيون. بيد أن هذا الحلم الأسطوري ألبس قبل قرن ونيف بمعطف الحقيقة الدامغة، وعد واقع لايقبل الدحض والمراجعة، والانكى في كل ذلك أقحم في عالم السياسة وكرس من أجله النفيس وأسست له دولة غرائبية لاهي أوربية ولاشرقية ولادينية أو علمانية ولا وطنية أو قومية، ومازالت بعد سبعين عام لاتستطيع كتابة دستور يعرفها. وهنا نشير إلى أن جبل صهيون يقع كذلك في جنوب الجزيرة العربية وفي اليمن، وليس في القدس، وهو اسم يمكن أن يتكرر بما يوحي لشكل (صهوة) المخروطي الشكل، والمعرّف بالواو والنون كما في اللغة الأكدية، وبعض لغات اليمن القديمة. وتشهد عليه طلب الملك سليمان عندما بعث بطلب الى حيرام ملك (صور) ليعينه على إقامة القصور والمعبد الذي يروم بناءه، كونه بعيد عنه، أو ماهي علاقة بلقيس اليمنية وإنتقالها لو لم تكن قريبة. وما تذكره التواريخ الإسرائيلية، ثم الغربية الإستشراقية التي تعود لقرنين أو أكثر قليلاً مضت أنه يقع على ربوة في أورشليم (مدينة السلام)، مثلما ظنوا قبلها أو غبانها بأن بغداد هي بابل، او أن منارة الملوية في سامراء هي برج بابل.. الخ.

كلمة (هيكل) كما أسلفنا تعني المعبد والمكان المقدس، وترد من مصدر سومري عراقي بصيغة (Eg-gal أيكال) (2)، ، وتعني "البيت الكبير". وقد استرسل الإصطلاح والمعنى عند الاكديين وأعاروها الى اللغات الآمورية والكنعانية الشقيقة حتى وصلت الآرامية والعبرية والعربية. والهيكل في حقيقته هو "مسكن الآلهة" كما هو حال أي كائن له مسكن وفي هذا المكان يتم الاتصال بين الآلهة والبشر ويمكن تأسيس علاقة خاصة فيما بينهم. وأول الهياكل الكنعانية في فلسطين هو ما وجد في أريحا ومجدو من مطلع الألف الثالثة قبل الميلاد. وكان هذا النموذج يتكون من غرفة واحدة لها باب على الجانب الطويل من البناء. وقد تطور هذا الشكل حتى منتصف الألف الثاني قبل الميلاد. ليصبح متكاملا كما هو في بيت شان (بيسان)، ويحتوي على المذبح الصخري والنصب المقدس والعمود المقدس (اشيراه) والقبوات (السرداب). ويضطلع المذبح بصفة الصدارة من ضمن تلك الوظائف المعمارية. وغرف القبوات كانت تستخدم خلوات وفضاءات تأمل، وتلقي للنبؤات. وكان يوجد عند المداخل أماكن للوضوء لغسل أرجل المتعبدين قبل ولوجهم الى المعبد. وقدس الأقداس هنا مكان مرتفع في مؤخرة المعبد يوضع عليه تمثال الآلهة على الأغلب (3). وفي سياق المعنى عينه فأن كلمة فرعون وجمعها فراعنه قد جاء محرفا لدى القدماء من الأصل الهيروغليفي المصري، ويعني قصر الملك، حيث كان يطلق عليه عبارة (الدار الكبرى) وبالهيروغليفية (بارعا أو فرعا Paraa) وتحول إلى "فرعون" (4). وهنا جدير أن نشير الى أن كلمة (فرعون) العربية بصفة الملك، لم تذكر في المدونات المصرية القديمة.

ويرد في سياق الأسطورة بأن هيكل سليمان الذي دمره الرومان عام 70 بعد الميلاد بعد الثورة المكابية، لن يبنى من الأرض، وإنما سيهبط مجسما من الجنة، أي سيأتي من السماء كامل ومجلل بالمجد، ومهيأ بكل التجهيزات اللازمة، من بنية وعمارة ومذبح (محراب Altar) وزخرف، وحتى من أثاث وأقمشة وزينة وثياب للكهنة وأدوات وذبائح تنحر على أعتابه، ومغسلة وأبخرة.. الخ (5). وهنا نشير الى أن اليهود كانوا متواجدون في فلسطين مثلما في اليمن وشمال أفريقيا والعراق، وأن الثورة المكابية لم تكن لشعب كانت لديه دوله، بل لتجمع بشري له دين خاص.

 وعد اليهود احتلالهم للقدس عام 1967 معجزة، ووعداً وكرماً وحق سماوي، يدعوهم ويحثهم الى استباق الأمور وعدم التريث حتى نزول الهيكل جاهزاً من السماء، وبرروه حاخاماتهم (حكمائهم) بما دعوه " أعمال يد الله" أي تنفيذ المشيئة الإلهية، وتفسيرهم للتعجل بالأمر، بأنه سعي إلى " توريط" الرب بالدفاع عن "شعبه المختار"، إذا أحتاج الأمر إلى تدخله، وهي فكرة مهدوية. وورد ذلك عند أحد غلاتهم المدعو (اريئيل) (6) شرح مكونات المعبد وأهميته لليهود، وبشر المؤمنين بأن (فريضة البناء ما زالت حية بين اليهود وهي واجب على كل جيل، وتنتظر من يطبقها). ولتجسيد الأمر أنشأت إسرائيل (معهد بناء الهيكل) عام 1986، الذي ضم أكثر من 20 باحثاً وعالماً في مختلف فروع المعرفة، ووضع المعماريون التفاصيل على ضوء الوصف المسهب والشروح الدينية الوارد في التوراة.

ونجد أن قصة سليمان وداود الذان بنيا الهيكل، وردا بصفة ملوك في (التوراة)، وليس بصفة أنبياء كما في القرآن الكريم، وأطلق على مكان سليمان بالعرش وكذلك الصرح، (فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ. وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ. قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (7)، وهنا نقف على القدسية التي يكتسيها سليمان من خلال معجزة استقدام بلقيس ملكة اليمن وإيمانها بين يديه، خلافا لما هو وارد في التوراة.

وأسم سليمان في العبرية يرد بصيغة (شلما) أو (شلومو)، و تحكي لنا قصتة أنه جلس (على كرسي داود أبيه وتثبت ملكه جداً.. وصاهر سليمان فرعون ملك مصر وأخذ بنت فرعون، وأتى بها إلى مدينة داود إلى أن أكمل بناء بيته وبيت الرب وسور أورشليم حواليها) (8). وهذا يدحض الاغراض السياسية التي اشاعتها إسرائيل عن هذا التاريخ وهذا المعلم الرمز الذي كثر اللغط بشأنه.

وتكرر ورود أسم النبي سليمان في القرآن الكريم 17 مرة، أهمها في سور ص، والأنبياء وسبا والنمل والبقرة، وورد أن الله وهبه خوارق وحكمة، كما في (وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ) (9) وكذلك في (وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ) (10)، أو (وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ) (11). وكذلك في (وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنْ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ. حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِي النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَاأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ) (12). ولدحض ما ورد في أساطير اليهود عن قدرة السحر لدى سليمان ورد في (وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ) (13).

واختلف الآثاريون حول الزمان والمكان اللذين عاش فيهما سليمان (بن داود)، فبينما تقول القصة التوراتية إنه عاش خلال النصف الأول من بداية القرن العاشر قبل الميلاد، و تبين أن الاستحكامات والبنايات التي نسبت إليه ترجع إلى تاريخ آخر. وبحث البعض عن تحديد عصر ملكة سبأ ليتفق مع عصر سليمان منذ ثلاثة آلاف سنة، ونفى آخرون وجود سليمان في تلك الفترة. و لم يذكر شيئاً عن الزمان الذي عاش فيه الملك سليمان في القرآن الكريم، ووردت في سور «الأنبياء» و«النمل» و«سبأ» و«ص»، ولا تفاصيل عن حجم مملكته أو مكانها. وبحسب ما جاء في التوراة، فإن سليمان كان (متسلطاً على جميع الممالك من النهر (الفرات) إلى أرض فلسطين وإلى تخوم مصر، حيث كانوا يقدمون الهدايا ويخدمون سليمان كل أيام حياته) (14).

 

د. علي ثويني

 

وبين جوانحنا نحملُ لهما المعنيين؛

قد يكون بعضٌ منا، مؤيداً، أو معارضاً، أو محتجاً؛ لكن هذه حقيقة لابد من إجلائها، لكي ننصف فئتين من المجتمع تحملان عنا وِزْرَ أمانيْن؛ أمان العقل، وأمان الجسم، وهل أولى من العقل والجسم أماناً؟

وقديما قيل: "العقلُ السليم في الجسمِ السليم"

ليس بالضرورة أن نتفق في تفسير هذه الحكمة الافلاطونية، كل منا يفسّرها حسب فهمه الخاص.

العقل هذا المخلوق الذي اختص به الله تعالى الإنسان دون غيره من مخلوقاته وهو لا مادي، بل قوة داخل الإنسان بها يدرك الحقائق، وبه يميز الصواب والخطأ والخير والشر، وفيه أبحاث كثيرة تتناول أنواعه، وهي لذوي الاختصاص في الفلسفة.

لو تتبعنا آيات القرآن الكريم نجدها محشوةً بكلمة يعقلون، وأفلا يعقلون، ويتفكرون، وأفلا يتفكرون، وتخاطب العقل وتوبّخ الذين لا يعقلون، ولا يتفكرون؛ وما أكثرها!

العقل؛ المخلوق الوحيد الذي حاوره الله واستنطقه بلغة الإشارة والكلام، و المسؤول عن كل أعمال وأحاسيس الإنسان ومشاعره الحسنة والسيئة، وليس القلب كما يعتقد بعضٌ منا. نقلاً عن الإمام الباقر عن الإمام علي (عليهما السلام) أنه قال: (لما خلق الله العقل استنطقه ثم قال له: أقبل فأقبلَ، ثم قال له أدبر فأدبرَ، ثم قال: وعزتي وجلالي ما خلقت خلقاً هو أحب الي منك، ولا أكملتك الاّ فيمن أحب، أما إني إياك آمر، وإياك أنهي، وإياك أُعاقب، وإياك أُثيب).

العقل أعز وأقرب محبوب عند الله جل وعلا، أوْكَل مهمةَ محاكاتِه وبنائه لفئتين منتقاة من الناس؛ وهما أيضا أحبّ خلقه اليه؛

الأولى: الأنبياء؛ وقد حملوا أمانة مخاطبة عقول الناس وهديها، وهم حملة رسالة السماء التي هي الإيمان بالله الواحد المطلق الخالق للكون، والإيمان بدينه وترك عبادة غيره من مخلوقاته. وهبهم الله جل وعلا علمه عن طريق وحيه، فحملوا رسالة الأمانة، وقد أرسلهم تبعا لمستوى تدرّج إدراك عقول الناس، التي يبدو انها لم تكن كما هي الآن. ولاقوا المزيد من الصعوبات والعوائق والآلام من الخَلق لصدّهم عن مهماتهم العظيمة ورسالاتهم السامية، وتحمّلوها بصبر وإخلاص لتثبيت رسالة السماء على الأرض. فآمن بهم بعضٌ وكفّرهم بعضٌ آخر، وهو ديدن الناس الذين هم أعداء المعرفة والحقيقة. اختص الله العقل بهذه الفئة ولم تكن قليلة، فقد قيل وفق ما نعرفه أنها بلغت بالعدد( 124) الف نبي.

الثانية: المعلمون حاملو العلم ومنفقوه، وهم أنبياء ورسل العلم والمعرفة، أيضا مهمتهم مخاطبة العقول، وبناؤها الذي هو ليس سهلا. عملية البناء صعبة جدا في كل عمل. يُبنى الأساس أولا، ثم الصعود بشكل تدريجي تسلسلي وبشكل حلقات واحدة متممة للأخرى. صناعة العقول من أشقّ المهام. بُناة العقول مهمّتهم تربية العقل وبنائه من نعومته الى بلوغه سن الرشد. ويكون العقل بعدها في أوج وقمة تألقّه، فهو مبدع نظري، ويعني يصوغ نظريات في مختلف العلوم والمعارف التي على أساسها تنطلق الإنجازات البشرية على امتداد الحياة، ومبدع عملي ينفّذ ويخترع ويكتشف ويطبق التجارب ويُجلي النتائج التي تعود بالفائدة على الحياة، يعني يشيدون بنىً عقلية للمجتمع في كل فروع العلم، وهي مهمة جسيمة وغير سهلة للغاية، لو فهمها المجتمع وتفهّمها. البشرية مهما بلغت منجزا مهما على كل صعيد؛ فالفضل يعود لهذه الطبقة من المجتمع. مايقع على عاتق المجتمع هو أن يقدّر ويعي أهمية هذه الطبقة فيوليها اهتماماً خاصاً ويرفع مقامَها.

الهيبةُ التي بدأتُ حديثي بها أعني هي ثقل مقام حامل العلم ومعلمه ومنفقه بإسراف. حين يُثقَل الرأس بالعلم والمعرفة تتشرّبه حتى الجوارح فيبدو على سيماءِ حامله ومنفقه نور العلم وسماحته، فتعلو الهيبة مُحيّاه ويحوطه التواضع والجلال، ويفرض الهيبة والإجلال بشكل عفوي دون اجبار على متلقي العلم والمعرفة منه، فيحمل لهم شعور الهيبة والقداسة بين جوانحه دونما تكلف، ويمكث الشعوران مكنونين بأمانة في نفسه، ونفوس من تربوا عليه على امتداد العمر.

نتمنى على كل من تلقى العلم على منفقيه أن يحمل الشعورين، وهما مهمان لحماية هذه الطبقة المجتمعية الخاصة، وضرورة حفظ هيبتها، واحترامها، وإجلالها، فمهمتها مقدسة؛ فالأمة التي تحفظ معلميها وعلماءها لم تخن تاريخها.

كثيرا ما صادفت هذه الطبقة على امتداد حياتي، وفي بعض الأحيان ألتقي بالصدفة أحداً، رجلا كان أو أمرأة، ولا أعرف عنه شيئا إن كان من أهل العلم أم لا، لكن هناك إشعاعا خاصا ينبثق منه يأخذ شكل سماحة المحيّا، وهيبة ثقيلة يفرضها عليّ، بشكل يجعلني أتهيّب قبل البوح بسؤاله عن نفسه، وقبل البوح أقول في نفسي: هو من أهل العلم، وحين أسأله يتبين لي صحّةُ ماخمّنتُ، ولا أعرف على وجه الدقة هل هذا الشعور يتخلل كل من صادف مثلي هؤلاء الناس أم لا؟ وهو تابع لإحساس كل واحد منا.

والقداسة التي أعنيها مستمدة من تعظيم أهل العلم ورفعة مكانتهم عند الله (يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات)، والعلم المعني هنا ليس العلم الديني فحسب الذي يفهمه على الدوام رجال الدين، فالقرآن ليس حكراً على أحد دون غيره. القرآن حاوي علوم الكون ولو بإشارات ورموز.

أوتوا العلم: كل من حمل علما نافعا ينفقُهُ بكل كرمِ عقل ويد، وسخاء نفس، وسماحة روح، فيه نفع للانسان، ويعود بالخير والصلاح على الحياة البشرية، فضلا عن أحاديث الرسول (ص) التي وردت بحق أهل العلم، وثنائه على حملة العلم ومعلميه بقوله:(إن الملائكة لتضع أجنحتَها رضا به، ويستغفر له من في السماء والأرض، حتى الحوت في البحر، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر النجوم ليلة البدر، وإن العلماء ورثة الأنبياء).

فطوبى لهم ونعم الحسب والمقام.

للإمام زين العابدين علي بن الحسين(عليهما السلام) قول جميل في أستاذ العلم: (حق أستاذك عليك التعظيم له، والتوقير لمجلسه، وحسن الاستماع اليه، والإقبال عليه، والاّ ترفع صوتك عليه، ولا تجيب أحداً يسأله عن شيء حتى يكون هو الذي يجيب، ولا تحدّث في مجلسه أحداً، وأن تدفع عنه إذا ذكره أحدٌ عندك بسوء وأن تظهر مناقبه، ولا تجالس عدوه، ولا تعادي وليه، فإذا فعلت ذلك شهدت لك ملائكة الله بأنك قصدته، وتعلمت علمه لله عزوجل لا للناس).

وقال بعض العلماء: من حق أستاذك عليك أن تتواضع له وتحبه حب الفناء، ولا تخرج عن رأيه وتوجيهه، وأن تشاوره فيما تقصده، وتتحرى رضاه فيما يعتمده، وتنظر اليه بعين الإجلال، وتعتقد فيه درجة الكمال، وأن تعرف حقه ولا تنسى له فضله، وتحضر الى درسه قبل أن يأتي، ولا تنتقل أثناء درسه، ولا تتقدم في السير عليه، وأن تدعو له مدة حياته، وترعى ذريته وأقاربه،، وأن تصبر على صحبته، وتجلس بين يديه بسكون وتواضع واحترام).

وقال أبو حفص الأندلسي واصفا العلم ومعلمه: لله در القلم ما أعجب شأنه!! يشربُ ظلمةً ويلفظ نورا، وقد يكون قلم الكاتب أمضى من سيف المحارب، وقد يكون سيفا ينفذ في المقاتل، وشفرة تطيح المفاصل).

ماكس فيبر عالم الاجتماع الألماني قال واصفاً حالة القداسة التي تتجلى في معلّم العلم، في محاضرة له بعنوان (العلم بوصفه حرفة): عمل العالم يجب أن يكون محاطا بنور ما. قد يكون هو نفس النور الذي يوجد في الانجيل).

الشعور الذي أحمله لرسل وأنبياء العلم والمعرفة ليس شعوراً شخصياً، بالتأكيد هو شعور جلّ، أو كلّ من تربوا على منفقي العلم والمعرفة، وأبنائي يحملون نفس المشاعر إزاء المربين الكبار، ومشاعرهم عميقة تكتنفها معاني الهيبة والإجلال والإحترام، أخذوا عني وعن أبيهم أدب إحترام وهيبة الأستاذ، ويحملونه في صدورهم ماداموا.

وأحمد الله الذي وهبني أبناء يحملون المهنتين بإخلاصٍ وجديةٍ وتفان.

انهيار أدب احترام المعلم في العراق الجديد

وإذا أصيبَ القومُ في أخلاقِهم فأقِم عليهم مأتماً وعويلا

ما يحزّ في النفس أن عراقَنا الجديد يبدو حتى احترامُ المعلم ساقطٌ فيه، حتى الأخلاق والسلوك اختل توازنُه بين جيل اليوم. سمعت عن كثيرين أن المعلم يتعرض للعنف الرمزي والجسدي إذا وبّخ التلميذ على سلوك أو تقصير ما. هذه المهمة يجب أن يتولاها الآباء والأمهات في تهذيبِ الأبناءِ وتعليمِهم أدبَ إحترامِ المعلم وإجلالِه، إذا لم يكن الخللُ نابعاً من المنزل نفسه.

المشكلة الكبرى في العراق هو غزو القرى للمدينة وأعرافها التي ما أنزل الله بها من سلطان. أهل القرى بأعرافِهم العشائرية يتعاملون مع الحياة المدنية، والمدرسة إحدى واجهاتها.

إذا أخطأت المدرسة مع إبنِهم أسرعوا بأعرافِهم يهددون ويعربدون فيها، و أولها التهديد بالعنف الجسدي.

حين تضعف الدولةُ تسطو العشائر على المدن، فالعشيرة هي التي تحكم، فتحدث الفوضى ويحتدم الصراع والتصادم بين البداوة والحضارة، فتغلب البداوة باعتبار النزول أسهل من الصعود، فالحضارة فيها صعود وتطور ورقي وحين تطغى عليها قيمُ البداوة - قيمُ الصحراء وهي ليست من الحضارة في شيء - تهبط الحضارةُ وتنزل، فتتريّف المدينة والشارع والمنزل، كما عبّر ابن خلدون في كتابه (مقدمة إبن خلدون، الجزء الثاني، الفصل السادس والعشرون) عن ذلك بقوله: (العرب (القبائل) إذا تغلبوا على أوطان أسرع اليها الخراب). وهذا سبب الخراب والتدمير الذي اجتاح مدن العراق، لأن القرى سطت على المدن فتريّفت المدن، ولم يبقَ شيءٌ من قيمِ الحضارة الاّ النادر.

التقيتُ بعضَ الكوادر التدريسية، وكم نفثوا أمامي من حسراتٍ على ما وصل الأدبُ الاجتماعي بين صفوف جيل اليوم، والمعلمُ لا يحظى بالاحترامِ والإجلال منهم. أحدهم قال لي: أنا أستخدم القوةَ والصرامةَ القديمة وليكن مايكن، وأردف: أن من اللازم أن تعود الصرامة لدى المعلم حتى ينتظم الشعور بالمسؤولية لدى الطلبة ويسترجع الأستاذ هيبته التي سقطت بينهم.

آخر قال لي: وبّخت طالباً لتقصيرِه عن أداءِ مهامِه المدرسية، فهرع أهلُه وعشيرتُه يهددون المعلمَ بالتصفية الجسدية. هذه الممارسات الهمجية يجب الوقوف بوجهها بقوة، والمسؤولية تقع في المقام الأول على عاتق الدولة، والدولة حين تسقط هيبتها يسقط كل شيء فيها.

كنا في مقطع الدراسة الإبتدائية والمتوسطة في بعض المرات، إذا إرتكبت طالبة خطأً، فإن عقوبةَ الضربِ بالعصا تنالُ كلَ الطالبات، وكان هذا الأسلوب في وقتها يسبب لنا ألماً نفسياً وجسدياً نحن اللائي لم نرتكبْ ذنباً، لكن يبدو هذا الأسلوب يحمل في طياتِه لكل الطالباتِ رسالةَ الإنضباط وتوخّي الحذر من إتيان بفعلٍ نظيرِ الذي أتت به الطالبة المخطئة، مع تحفّظي على الأسلوب. بالإمكان أن تُضرَب الطالبة أمام الصف حتى يلتزم الجميعُ الأدب.

نأمل ونتمنى على الأهالي تعليمَ وتلقينَ الأبناءِ أدبَ احترامِ المعلم، فهو حامل رسالة العلم، وهي رسالة مقدسة، لاتختلف عن رسالة الأنبياء، والمعلمون هم أنبياء المعرفة، ورسلها.

طبقة المعلمين في المجتمع يجب أن تُقدّرَ، وتُحترَمَ، وتُحفظَ حرمتُها، وهيبتُها، ومكانتُها. تربية الأبناء على أدبِ إحترام معلم العلم، ومنشئ العقول؛ تبدأ من المنزل، والمدارس عليها تربية التلاميذ على أدب احترامِ المعلمِ وتبجِيله، ورفعِ شعارٍ كبيرٍ على لافتات على جدرانِ الساحاتِ والصفوفِ مكتوب عليها هذان البيتان من الشعر ل(أحمد شوقي)؛ وهما شعار احترام المعلم:

قُمْ للمعلـــــــــــــمِ وفّهِ التبجيلا     كادَ المعلمُ أن يكونَ رسولا

أعلمتَ أشرفَ أو أجلَّ من الذي    يَبني ويُنشي أنفساً وعقولا

واهبو الحياة

عودة الى الجسم الذي يتولى مهمة أمانه فئة الأطباء، هذه الفئة الواهبة للحياة بعد الله جلّ وعلا، نُكبر ونُهيب ونُقدّس مهنتهم الإنسانية العظيمة التي تتولى حماية جسد الإنسان، وتسهر على راحته، وتصب عصارة قواها الجسدية، والعقلية، والعصبية، والمعنوية على المريض لأجل إبقائه حياً سالماً معافا.

وهل قول أبلغ من قول الله جل وعلا في محكم كتابه عن محيي النفوس البشرية إذ قال (ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا). هذا أبلغ تعبير عن معنى القداسة التي تحملها مهنة الطب.

القَسَم الذي يؤديه الأطباء بعد إتمامهم دراسة الطب وتخرجهم والمعروف بقَسَم (أبقراط) الطبي، والقسم المتداول هو قسم ديني مهما تلوّنت صوره حسب البلدان والأديان، والقسم بصورته أنقله لنتذكر ما يقوله الأطباء قبل مزاولة مهنة الطب الإنسانية؛ فما هو قسم "أبقراط"؟ وما نصه؟

 

قسم أبقراط Hippocratic Oath

"هو قسم أخلاقي تقليدي يقسمه الأطباء لممارسة الطب، ويعتقد كتبه أبقراط، أعظم أطباء عصره، أول مدون لكتب الطب، مخلص الطب من آثار الفلسفة وظلمات الطقوس السحرية، ومن أشهر الشخصيات على مر التاريخ في كل العصور وكل المجالات.

كان لأبقراط ولدان ثاسس وذواقن، وتلميذ فاضل جاد هو فولويس فعلم ابنه وتلميذه صناعة الطب مع الإفضاء اليهم بأسرارِها ودقائقِها، ولما رأى أن هذه الصناعة التي يكبرها ويجلها أوشكت أن تخرج منهم الى غيرهم وضع عهدا: استحلف فيه المتعلم لها: أن يكون ملازما للطهارة والفضيلة، وعرف فيه جميع ما يحتاج اليه طالب الطب.

نص القسم هو:

أقسم بالطبيب أبولو وأسكليبيوس وهيجيا وبانكيا وجميع الأرباب والربات وأشهدهم، بأني سوف أنفذ قدر قدرتي واجتهادي هذا القسم وهذا العهد. وأن أجـعل ذلك الذي علَّمني هذا الفن في منزلة أبويّ، وأن أعيش حياتي مشاركًا إياه، وإذا صار في حاجة إلى المال أن أعطيه نصيبًا من مالي، وأن أنظر بعين الاعتبار إلى ذريته تمامًا كنظرتي إلى إخواني، وأن أعلمهم هذا الفن -إذا رغبوا في تعلمه- دون مقابل، وأتعهد أن أعطي نصيبًا من التعاليم الأخلاقية والتعليمات الشفهية، وجميع أساليب التعليم الأخرى لأبنائي، ولأبناء الذي علَّمني، وللتلاميذ الذين قبلوا بالعهد وأخذوا على أنفسهم القسم طبقًا لقانون الطب، وليس لأي أحد آخر.

ولن أعطي عقارًا مميتًا لأي إنسان إذا سألني إياه، ولن أعطي اقتراحًا بهذا الشأن. وكذلك لن أعطي لامرأة دواءً مجهضًا. وسوف أحافظ على حياتي وفني بطهارتي وتقواي. ولن أستخدم الموسى حتى مع الذين يعانون من الحصوات داخل أجسامهم. وسوف أتراجع لمصلحة الرجال المشتغلين بهذا العمل. وأيا كانت البيوت التي قد أزورها، فإنني سأدخل لنفع المريض، على أن أظل بعيدًا عن جميع أعمال الظلم المتعمَّد، وجميع الإساءات وبخاصة العلاقات الجنسية سواء مع الإناث أو مع الذكور أحرارًا كانوا أو عبيدًا. وسوف أظل حريصًا على منع نفسي عن الكلام في الأمور المخجلة، التي قد أراها أو أسمعها أثناء فترة المعالجة وحتى بعيدًا عن المعالجة فيما يتعلق بحياة الناس، والتي لا يجوز لأحد أن ينشرها. فإذا ما وفيت بهذا القسم ولم أحِدْ عنه، يحق لي حينئذ أن أهنأ بالحياة وبالفن الذي شَرُفت بالاشتهار به بين جميع الناس في جميع الأوقات؛ وإذا ما خالفت القسم وأقسمت كاذبًا، فيجب أن يكون عكس هذا نصيبي و جزائي.

قسم أبقراط في الثقافتين العربية والإسلامية

"ترجم قسم أبقراط وكيّفه من اليونانية إلى العربية العالم العراقي السرياني حبيش بن الأعسم ـ ابن أخت الطبيب السرياني حنين بن إسحق وأحد تلاميذه ـ وأثبته ابن أبي أصيبعة في فصل خاص من كتابه "عيون الأنباء في طبقات الأطباء"، وقد دخل هذا القسم لاحقًا إلى اللاتينية ثم إلى اللغات الأوروبية الحية، ورجع إلى العرب في صيغته الإنجليزية أو الفرنسية، ليتم تكييفه من جديد في غالب البلدان العربية". (موقع ويكيبديا).

القَسَم الطبي حسب المؤتمر العالمي الأول للطب الإسلامي

"بسم الله الرحمن الرحيم. أقسم بالله العظيم أن أراقب الله في مهنتي. وأن أصون حياة الإنسان في كافة أدوارها، في كل الظروف والأحوال، باذلا ًوسعي في استنقاذها من الموت والمرض والألم والقلق، وأن أحفظ للناس كرامتهم، وأستر عوراتهم، وأكتم سرّهم. وأن أكون على الدوام من وسائل رحمة الله، باذلاً رعايتي الطبية للقريب والبعيد، الصالح والطالح، والصديق والعدو. وأن أثابر على طلب العلم، أسخِّره لنفع الإنسان لا لأذاه. وأن أوقر من علمني، وأعلّم من يصغرني، وأكون أخًا لكل زميل في المهنة الطبية في نطاق البر والتقوى. وأن تكون حياتي مصداق إيماني في سري وعلانيتي، نقيًا مما يشينني أمام الله ورسوله والمؤمنين. والله على ما أقول شهيد".(النص منقول من موقع "المعرفة" وموقع"ويكيبديا").

(ويضيف أبقراط الى هذا أن من واجب الطبيب أن يحتفظ بحسن مظهره الخارجي، وأن ينظف جسمه ويتأنق في ملبسه، ويجب عليه أن يكون هادئا على الدوام، وأن يكون سلوكه بحيث يبعث الثقة والاطمئنان في نفس المريض.

ويجب عليه:

أن يعنى بمراقبة نفسه، و...الا يقول الا ماهو ضروري..وإذا دخلت حجرة مريض فتذكر طريقة جلوسك، وكن متحفظا في كلامك، معتنيا بهندامك، صريحا حاسما في أقوالك، موجزا في حديثك هادئا، ولا تنس ما يجب أن تكون عليه أخلاقك وأنت الى فراش المريض، واضبط أعصابك، وازجر من يقلقك، وكن على استعداد لفعل ما يجب أن يفعل، وأوصيك الا تقسو على أهل المريض، وأن تراعى بعناية حال مريضك المالية، وعليك أن تقدم خدماتك من غير أجر، واذا لاحت لك فرصة أن تؤدي خدمة لإنسان غريب ضاقت به الحال فقدم له معونتك كاملة، ذلك أن حيث يوجد حب الناس يوجد أيضا حب الفن".

لقد مات أبقراط قبل ألفي عام، ولكن قسمه خالد يذكره كل طبيب ولو مرة واحدة على الأقل في حياته عندما ينتهي من دراسته، وانا لنرجو أن يظل هذا القسم العظيم عالقا بأذهان الأطباء، واذا كنا قد أتينا على ذكر هذا القسم فلكي يقف الناس جميعا على المثل العليا التي أرساها أبقراط في الطب والتي يجب على الطبيب تعهدها والتمسك بها). موقع المعرفة الألكتروني.

بنود القسم المقدس احتوت معايير أخلاقية مهمة ترتكز عليها مهنة الطب، نراها ونلمسها حين نحتك بعالم الطب والأطباء، وهو رافدها الأول. والرافد الثاني هو الحضن الأول الذي هو المنزل أو البيئة، وهو المنجم الأصل الذي تستقي منه النفس الإنسانية كل المعايير القيمية والأخلاقية والسلوكية، التي شكّلت البنى الأساسية لتشييدها، ولها دور فاعل فعال أيضا في حفظ العهد والأمانة الثقيلة والمسؤولية العظمى التي تتولاها، وطبيعي لكل من الناس وزن خاص لمعاييره حسب التنشئة التي تطبع عليها.

والقداسة التي تحملها مهنة الطب العظيمة، متجلية أولا بأداء القسم المقدس لأبقراط، وثانيا الطبيب يكون في حالة عبادة حين يكون بجنب المريض يطبّبه ويتفانى في الحرص على سلامته، والسهر على راحته. العبادة ليست فقط من صلى وصام وأدى الطقوس اليومية، بل كل من يقدم خدمة للناس ويكون سببا في راحتهم(الإيمان ما وقُرَ في القلب وصدّقه العمل) و (خير الناس من نفع الناس).

مع الأطباء لنكون منصفين

الهدوء الذي نراه على محيا الأطباء على العموم، هو هدوء وتواضع خاصان للعلم الذي اختزنوه عبر السنين، وأغلب الناس يُبدون آراءَ متباينة حول الأطباء. البعض يصفهم بالمتكبرين، أو المغرورين، أو ماشابه، وهي نظرات لا أتبنّاها ولا أؤيدها بأي حال ومهما كان حال الطبيب. من يمتلئ رأسه بالعلم ينحني ويصمت ويهدأ، وبدوره يُلقي علينا شعور الهيبة والإحترام والإجلال له. أما إذا بدا الغرور والكبر على بعض الأطباء فذاك سلوك شخصي يعكس حالة غير سليمة سببها الإعاقة النفسية والتربوية.

شعور الوجل والضعف حين ألج أي مشفى ينتابني، لكنه سرعان مايتبدد حين أرى الأطباء يؤدون مهامّهم بهمّة وجدّ وخلق كريم.

أغلب الأطباء الذين أزورهم، ولديّ خوف من الطبيب منذ صغري لكنه يتبدد رويدا حين أرى وألمس التواضع الجم الذي يتحلّوْن به، لدرجة حين ألج عيادة أي منهم يقوم احتراماً لي ويتحدّث معي بمنتهى الأدب بحيث يُنسيني حالتي، وحين أهم بمغادرة عيادته يقوم ويحييني والبعض ينحني، لدرجة أشعر بالخجل منه وأضطر حين الخروج اعود للخلف ووجهي قبالته احتراماً له.

قبل فترة كنت بصحبة ابني (علي) في عيادة أحد الأطباء، التواضع الذي بدا عليه الطبيب وهو يحدثنا بشكل تفصيلي، ويوضح كل شاردة وواردة، وحتى يستخدم اسلوباً ظريفاً، ويؤكد، ويعيد أن لا داعي للقلق؛ بدّد كل التوتر والخوف الذي كان يعتريني. حين هممنا بالخروج قام محييا، ومنحنيا، وودعنا بكل أدب واحترام.

قلت لإبني: هل رأيت التواضع الذي بدا عليه الدكتور؟ قال لي : يا إمي هو ثقل وهيبة العلم.

قد يتأخر موعد دخولي عيادته في وقت متأخر من الليل وألقاهُ متعباً، أحاول الإختصار معه، وهو محافظ على هدوئِه ويتكلم معي بالتفصيل بمنتهى الذوق والأدب، وأسلوبه هذا يحمّلني شعور الهيبة والإجلال ويحثني على الدعاء له ولأمثاله الكرماء العقول والقلوب والمشاعر.

ذات مرة سألتُ ابنتي تقى عن الأطباء المختصين بالعظام والعمود الفقري بالذات، لماذا على الدوام نرى على محياهم علامات الألم والتجهم المستبطن إرهاقاً واضحاً، ويصيبنا الإحباط؟

تجيبني: لأنهم على الدوام مشغولون بإجراء عمليات كسور العظام وماشابهها، وهي عمليات تطول مدتها الزمنية لذلك حين يأتون لعياداتهم نراهم مرهقين.

الحديث مع ابنتي تقى حول الطب وعالمه، هو حديث ممتع ومؤلم نخوضه معا. كلما نلتقي تحدثني الكثير عن عالمِها. بمجرد ولوجها عالم الطب تحديدا بعد الثلاث سنوات الأولى، صار تدينها عرفانياً، وصار لديها تواضع وخضوع خاصان، وفهمتُ آنذاك السبب وراء ذلك؛ وهو ان الطب يُدخل الإنسان في رحلة اكتشاف عظمة الخالق، ويُصاب عقله بصدمة قوية وهو يواجه عظمته جلّ وعلا في اكتشاف أدقّ الجزئيات في جسد الإنسان. حين تتناول موضوعيا طبيا تردد الآية (فتبارك الله أحسن الخالقين). كم تحدثني عن حوادث كثيرة للمرضى في المستشفيات. وتنفث حسراتها، وتستطرد؛ أن مشاعرها مستنزفة من المرضى، حيث الطبيب وظيفته ليست فقط علاج المريض، انما يغدق من مشاعره عليه، ويتألم مع المريض ويفرح لشفائه، ويحزن الطبيب، ويبكي بحرقة إذا توفى مريض بيديه، ويستبد به الحزن أياما.

ذات مرة كنت أتابع عملية فصل توءمين في إحدى مستشفيات العاصمة السعودية (الرياض)، على شاشة قناة الجزيرة المباشرة، وكانت عملية شاقة أرهقت الفريق الطبي المنهمك في عمله العظيم، كنت أقرأ على مدار الساعة إشادات وثناءات الناس المتدفقة على الأطباء في عملهم الذي يحمل كل معاني التفاني والإخلاص والجد والحرص الكبير على حياة الطفلين، العملية دامت لأكثر من (48) ساعة وطبعا في الأثناء تتم عملية استبدال الأطباء بسبب الإرهاق وعدم النوم الذي يتخلل العملية الكبرى، هذا العمل هو بحد ذاته عبادة في محراب خاص مقدس، لا أستطيع وصف حجم الفرح الذي تخلل قلبي، وقلوب الناس الذين أمطروا الفريق الطبي بسيل من الرسائل التي تشيد بهم، وبعملهم العظيم في إنقاذ حياة طفلين، وإطلاق سراح حريتهم للتمتع بالحياة واستنشاق هواء الحرية الذي هو أنقى هواء نستنشقه على امتداد حياتنا. كان بودي في ذلك اليوم وكان قبل عشر سنوات، أن لدي جهازا من شركة آبل لأوجه كلمات الشكر والثناء للفريق الطبي على عمله العملاق هذا، لحرارة قلبي التي كنت أتابع بها العملية الكبرى. وقد ورد عن الحديث الشريف ومع الأسف لا أستحضره في ذهني، ما معناه أن الشهيد ليس فقط من سقط في ساحة المعركة. بل هناك سبعة أنواع من الشهيد، من بينهم من يسهر على مريض بقصد سلامته وراحته ثم يوافيه الأجل فهو شهيد. ومن يمت وهو منهمك في خدمة الناس فهو شهيد.

نُحيّي واهبي العقل العلم والمعرفة،

نُحيّي واهبي الجسم الصحة والحياة.

(وإذا قلتم فاعدلوا)

 

بقلم: إنتزال الجبوري

 

حسن العاصيتبدو مهمة تفسير ومقاربة وتتبع ارتباط الفكر والفلسفة الغربية بالعنصرية، مهمة شاقة ومركبة. ذلك أن هذا الارتباط موغل في التاريخ، حتى قبل دعوات الإصلاح في القرون الوسطى، التي تسببت بقيام الحروب الدينية في أوروبا، ورسخت مفهوم التمييز العنصري كواحد من أشد الظواهر خطورة على البشرية، حيث كان الدافع الرئيسي خلف مجازر الإبادة التي ارتكبها البيض بحق السكان الأصليين في أمريكا، وما لحق الأفارقة من عذاب الاتجار بالرق. إن كثير من الحروب والمذابح والمآسي البشرية تمت كنتيجة للأفكار العنصرية التي نشأت في أوروبا ودعمتها الكنيسة. حتى التيار البروتستانتي الذي انتفض على فساد الكنيسة، والتيار الفلسفي التنويري والفكري الحداثي لاحقاً الذين نادوا بالمساواة والعدالة والإخاء، وضعوا التقسيمات العنصرية، وصنفوا البشر حسب اللون والعرق، ووضعوا الجنس الأبيض أفضلهم وأكثرهم رقياً. هذه الأفكار والنظريات الفلسفية أحدثت حروباً وخراباً ودماراً عانت منه البشرية كافة.

وحيث تعتبر الأدبيات الثقافية العربية أن التوسع الاستعماري الغربي قد أدار ظهره للمبادئ التي رسخها العصر التنويري، كشف هذا فهماً صوفياً عاطفياً لدى العرب لحقائق تاريخية معقدة. فقد قام الفكر التنويري المعاصر، بتقديم تبريراً أيديولوجياً للحركات الاستعمارية التي تزامنت وتشابكت معه. وأحدث تحولاً هاماً في خطاب الهوية الأوروبية، يقوم على أساس استبدال الفوقية الروحية الدينية بالفوقية العرقية للإنسان الأبيض. وهكذا فإن فلاسفة التنوير كانوا من المؤمنين بالفوقية العنصرية والتراتبية بين الأعراق.

النظريات العنصرية التي تؤمن بتفوق الشعوب الأوروبية على دونها من الشعوب، وتطور العرق الأبيض على ما سواه، جعلت الغرب عموماً يعطي نفسه الحق في التحكم بمصير الشعوب والأمم الأخرى، ونهب مقدراتها لتعمير ونهضة بلدانهم. بلا شك حيث تكون العنصرية تغيب العدالة بين البشر، ويفتقد الناس حقوقهم، حيث تسود العلاقات على أساس مفاهيم الاستعلاء والغطرسة والفوقية، وهي أبرز الشرايين التي تغذي الاستبداد والقهر والإرهاب والتطرف والكراهية.

فلسفة العنصرية

الكراهية والعنصرية تعود أساساً إلى كونها موقفاً ذهنياً فكرياً قبل أن تتحول وتصبح سلوكاً اجتماعياً وفعلاً ومتشدداً. وتعود بعض البذور الثقافية التي أسست لفلسفة التمييز العنصري في الغرب، إلى كتابات ومواقف بعض الفلاسفة التنويريين الأوروبيين، الذين اعتقدوا أن الحياة مبنية على تعارض وتناحر الأجناس البشرية، أي صراع بين الأنواع المتحضرة ضد الأنواع المتخلفة. وتغاضوا عن حقيقة السيرورة التعددية للحضارة البشرية. قاموا ببناء رؤيتهم الفلسفية على قاعدة حتمية التخلف البنيوي لجميع الثقافات الأخرى غير الأوروبية، وتم تقسيم الناس إلى بشر واشباه بشر بحسب نظرية الانتخاب الطبيعي، مما وفّر البيئة لظهور النزعات العنصرية والأفكار اليمينية المتشددة لاحقاً في أوروبا، مثل النازية والفاشية والصهيونية، وأحدث فكراً قومياً شوفينياً، تسبب بقيام نزاعات إقليمية وأشعل حروباً عالمية.

الفيلسوف الألماني "إيمانويل كانت" رغم كونه أضاف للفكر الإنساني الكثير عبر نظرية المعرفة، إلا أنه واحداً من أهم المفكرين الذين دعوا إلى تصنيف الأجناس البشرية بحسب المعايير العرقية بشكل سافر. قام بتقسيم البشر على أساس اللون، واعتبر أن أصحاب البشرة البيضاء هم أكثر الأنواع البشرية ذكاءً وفاعلية ومقدرة على بناء الحضارات. ثم يأتي أصحاب اللون الأصفر في الدرجة الثانية، في الدرجة الثالثة يأتي أصحاب البشرة السوداء، ومن خلفهم بقية الأجناس الأخرى، وفي الأسفل الهنود الحمر الذين صنفهم "كانت" أسوأ الأجناس وأقلهم تطوراً وذكاءً.

فيما الفيلسوف والاقتصادي الأسكتلندي "ديفيد هيوم" أكد في كتاباته على أنه لا ينتابه أدنى شك في أن الزنوج وكافة أنواع البشر الأخرى، هم بالفطرة طبيعياً في منزلة أدنى من مستوى الإنسان الأبيض. حتى فكرة الفيلسوف الألماني "فريدريك نيتشه" حول فلسفة أخلاق القوة التي تعتمد إقصاء الضعفاء والمرضى، تأثر بها كثيراً الفيلسوف الألماني الشهير "مارتن هيدجر" الذي اعتبره النازيون أنه فيلسوفهم والكاهن الأكبر للفكر النازي. والتحق بهم البروفيسور الألماني وعالم الأنثروبولوجيا "يوجين فيشر" صاحب فكرة تعقيم البشر لبقاء الأفضل وإبادة الأدنى، وفكرة القتل الرحيم للمعاقين. وهو الذي أجرى تجارب عرقية لدعم فكرة أن الألمان أصحاب العرق الآري هم العرق الأسمى، وهذه التجارب مهدت الطريق لقدوم الفلسفة النازية وصعود أفكار هتلر العنصرية.

فيما صاحب كتاب "دراسة حول التفاوت بين أعراق البشر" المفكر الفرنسي المعاصر "آرثر دي كوبينو" يرى أن اختلاط الأعراق وتزاوجها هو السبب خلف انحطاط الحضارات وسقوطها، ويؤكد في كتابه أن القضية العرقية هي صانعة التاريخ، ويُظهر تعصبه للعرق الآري، حيث ذكر أن الآرية تنحدر حين تختلط بالفنون الزنجية. وهي الأفكار التي ألهمت هتلر لاحقاً وأصدر بسببها قانون التعقيم وتحديد النسل في العام 1933.

نقد الفلسفة العنصرية

كافة الفلاسفة الأوروبيين الحداثيين بدءًا من الألماني "رينيه ديكارت" في القرن السابع عشر، والفرنسي "جان جاك روسو" و "إيمانويل كانت" وصولاً إلى الألماني "كارل ماركس" في القرن التاسع عشر، مروراً بالفلاسفة الألماني "فريدريك نيتشه" والبريطانيون "جون ستيوارت ميل" و "توماس هوبز " و "جون لوك" كانوا يؤمنون بأن المجتمع السياسي الذي تمثله الدولة، قد نشأ من خلال عقد أبرمه الناس فيما بينهم، يسمى العقد الاجتماعي. وجميعهم ماديين ومثاليين تبنوا مناهج فلسفية بمقدمات عقلية، وضعت سمو الإنسان والعقل البشري في مركز تنظيراتها. رغم ذلك فقد تعرّض بعض المفكرين الغربيين للفلسفة الأوروبية ضمن سياقها التاريخي، وعلاقتها مع الآخر غير الأوروبي، بهدف إجراء مقاربات لمعرفة علاقة الفلسفة الأوروبية بتياراتها الأساسية، الليبرالية والعقلانية والتجريبية، بالعنصرية والكراهية.

في مضمار مدى تكيف بعض التيارات الفلسفية مع العنصرية، يؤكد المفكر والفيلسوف والأكاديمي الأمريكي في جامعة كاليفورنيا "ريتشارد بوبكين" أن التيار التجريبي الذي يرتكز على أن معارف البشر يتم اكتسابها من خلال التجارب الحسية، هو أكثر تلائماً مع الأفكار العنصرية، من التيار العقلاني الذي يعتبر أن الناس تكتسب معرفاها بأساليب مستقلة عن تجاربها الحسية. السبب برأيه يعود كون التيار التجريبي في مقاربته التجريبية الحسية يقوم برفض المكونات المشتركة والفطرية بين البشر، مما يخلق بيئة تجعل من الاختلافات بين الناس فروقات في إطارات عنصرية.

هذه الأفكار نقضها عدد من المفكرين وقلبوها رأساً على عقب، واعتبروا أن التيار العقلاني هو الاتجاه العنصري أكثر من التيار التجريبي. يذكر "جون رودجر سيرل" أستاذ الفلسفة بجامعة كاليفورنيا، وأحد أبرز الفلاسفة المعاصرين وأوسعهم تأثيرًا، أن الأمر يحتاج فقط خطوة واحدة للانتقال من نظرية الفيلسوف الألماني "رينيه ديكارت" حول العقل إلى نظرية الاستعلاء والعنصرية، في حين يحتاج أكثر من قرن من الزمان فيما لو قررنا الانتقال من نظرية الفيلسوف الأسكتلندي "ديفيد هيوم" حول المنهج التجريبي للعلوم الوضعية نحو العنصرية. ويضيف سيرل أن السبب يعود إلى أن الإنسان أو الأفكار أو الفلسفة إذا اعتقدت أن هناك مكونات فطرية ذهنياً لدى البشر، فإنهم يكونوا على مقربة خطوة واحدة من أن يصبحوا مستعدين للنقاش في وجود مكونات فطرية لدى أصحاب عرق ما، أفضل أو أسوأ من تلك الموجودة لدى أعراق أخرى.

المفكر والأكاديمي الأمريكي "جورج فريدريكسون" أستاذ التاريخ في جامعة ستانفورد، والرائد في علم دراسة الأيديولوجيات المقارنة للعرق والعنصرية، يؤكد في كتابه "العنصرية تاريخ مختصر" أن الفكر والسلوك العنصري باعتبارها ظاهرة حديثة نسبياً، قد تكون متشابكة بشكل مباشر مع أممية المقاييس الأخلاقية والعقلانية التي دعت لها معظم التيارات الفكرية الحديثة. وهو يفترض أن الفكر والفلسفة لو انطلقا من رؤية هرمية لا تفترض مسبقاً المساواة بين البشر فيما يرتبط بقضايا الأخلاق والعقل، لما كان هناك حاجة في الأساس للتمييز بين الناس بشكل عنصري. لكن بمجرد الافتراض أن البشر متساوون عقلياً وأخلاقياً فإن هناك ضرورة سوف تظهر لتقديم تفسير وتبرير عدم التساوي الموجود في الواقع، وهذا سوف يفتح الأبواب لكافة أنواع الأفكار والتحليل والتبرير والتفسير العنصري.

في جانب آخر فإن المفكر والأكاديمي الأمريكي الجنوب أفريقي "ديفيد ثيو غولدبيرغ" المتخصص بعلم الأنثروبولوجيا، يقول في كتابه "ثقافة عنصرية.. فلسفة وسياسات المعنى" أن العنصرية تكمن في روح وقلب التنوير والعقلانية. ويرى أن التمييز الفكري بين التيار التجريبي والتيار العقلاني فيما يرتبط بعلاقة التياران واستجابة كل منهما للعنصرية شيء لا معنى له. ويعتبر أن كافة هذه التيارات تدعم العنصرية، ولديها إمكانية سهلة للتكيف مع العنصرية. ويضيف فكرة لافتة تقول إن الليبرالية الحديثة التي نشأت وتشكلت بالتوازي والتداخل المتشابك مع العنصرية، تحمل في داخلها عنصرية مضمرة، خاصة فيما يتعلق بمحاولة الفكر الليبرالي تطبيع التمايز والفروقات التي يضيفه هذا الفكر على معاني العقلانية والأخلاق التي تميز الإنسان الأوروبي عن سواه من بقية البشر.

ماذا عن نظرية "العقد الاجتماعي" التي تعتبر واحدة من أهم نظريات الفلسفة السياسية الحديثة، والتي طورها ثلاثة فلاسفة، البريطانيان "توماس هوبز" و "جون لوك" والفرنسي "جان جاك روسو". إن المفكر والفيلسوف "تشارلز ويد ميلز" الأمريكي الجامايكي أستاذ الفلسفة في جامعة نيويورك، والمختص بعلم الأعراق والأجناس يقول عنها أنه على الرغم من سمتها العالمية، إلا أن النظرية قد صيغت بشكل ومحتوى عنصري. لأن العقد الاجتماعي كان اتفاقاً بين الرجال البيض، وأن مضمون العقد يتمحور بصورة رئيسية حول كيفية تهميش وإقصاء الآخرين غير البيض، وكيفية استغلالهم، لأنهم غير مؤهلين للمشاركة في هذا التعاقد، وهي قمة العنصرية العرقية.

عنصرية الفلسفة

كثير من الاتهامات يتم توجيهها إلى الفلسفة الغربية، منها خوفها من الآخر وصل حد الكراهية، وكونها تفتقد الخيال وسعة الأفق، وأنها تجاهلت الفلسفة في الشرق والصين والهند.

على سبيل المقاربة فإن النظرية "الكونفوشيوسية" خلت من الميتافيزيقيا مثل قضايا الخلق والآخرة، فهي كانت في الأساس مذهب فلسفي في الأخلاق وعلم الاجتماع والسياسة، ومع مرور الوقت تحولت إلى مذهب ديني. وهنا يمكن ملاحظة المفارقة بين الشرق والغرب، إذ تتحول الفلسفات في الشرق إلى أديان ومذاهب صوفية، بينما في الغرب تجري علمنة الفلسفة والثقافة وعلم الاجتماع والسياسة، حتى الدين تمت علمنته.

الفيلسوف الألماني "إيمانويل كانت" تعامل باحتقار ودونية مع الفيلسوف الصيني "كونفوشيوس" حيث أنكر ذات مرة وجود فلسفة في سائر بلاد المشرق، وقال أن "الكونفوشيوسية" لم تضيف أية تعاليم جديدة على العقيدة الأخلاقية المصممة في الأصل للملوك والأمراء الصينيين. بل ذهب إلى حد اعتباره أن أي من مفاهيم الفضيلة والأخلاق لم يدخل عقول الصينيين أبداً.

كثير من الفلاسفة الغربيين غير "كانت" يعتبرون أن الشرقيين عاجزون عن إنتاج الفلسفة. ويؤكدون أن أصل الفلسفة إغريقي تمت وراثتها من الفلاسفة اليونانيين القدماء. على اعتبار أن منشأ العلوم يحدد نوع الثقافة والفكر. لكن ألم يأخذ الأوروبيين علوم الجبر والفلك والطب والكيمياء عن العرب؟ إذن لماذا لا تسمى هذه العلوم باسمها العربي في الغرب؟

الفيلسوف الفرنسي "جاك دريدا" المثير للجدل والأب الروحي لنظرية "التفكيكية" التي تتحدى أسس الفكر الغربي، تصرف بوقاحة في إحدى المرات أثناء وجوده في الصين، حين أنكر وجود فلسفة في الصين، وأن ما هو موجود هي أفكار فقط، وقال إن الفلسفة لا توجد إلا في أوروبا، وأنها ترتبط بتاريخها ولغتها وبإرثها الإغريقي.

مصطلح "الهمجي النبيل" ورد اسماً لشخصية في مسرحية الكاتب الإنجليزي "جون درايدن" في القرن السابع عشر، وتمثل الشخصية السكان الأصليين لأمريكا. ويجسد مفهوم الهمجي النبيل أن البشر كانوا قبل الحضارة خيرون، قبل أن تلوثهم وتفسدهم تأثيرات الحضارة الغربية. المذهب الخيري اعتمدته البعثات التبشيرية اليسوعية في أمريكا وأفريقيا، لخلق مجتمعات خالية من الرذيلة. الهمجي النبيل إنسان بدائي لم يتلوث حضارياً، ولكنه يُمنع من المشاركة في ثقافة أعلى منه وأكثر تفوقاً. وهو مصطلح عنصري مقيت.

في فترة التنوير الغربية نشر الفيلسوف الفرنسي "جاك جان روسو" فكرة الهمجي النبيل في عقده الاجتماعي، فرد عليه مواطنه التنويري "فولتير" ساخراً أنه حين قرأ كتاب روسو عن نظرية العقد الاجتماعي شعر برغبة في السير على أربع قوائم، لكنه فقد هذه العادة منذ ستين عاماً.

مع ذلك هناك بعض الفلاسفة والمفكرين الغربيين يعترفون بوجود فلسفة في الشرق، لكنهم يضيفون بأنها ليست بمستوى ورقي الفلسفة الأوروبية. وأن كل شيء في الشرق يعتمد الانفعالية واللاعقلانية والمراهقة.  في القرن الثامن عشر اعتبر الفيلسوف الألماني "كريستيان وولف" أنه بالإمكان وجود نظام أخلاقي بصورة منفصلة عن الأديان، ودافع عن ثقافة الشرق، فقام المحافظون المسيحيون بالتصدي له وطرد من بروسيا.

والبعض من المؤرخين الغربيين قال إن أصل الفلسفة من الهند قبل أن تسافر للإغريق، لكن تيار "إيمانويل كانت" استبعد الشرق من قانون الفلسفة حين أعادوا كتابة تاريخها، وجعلوا منها فلسفة مثالية من الناحية النقدية كي تبدو في أفضل حال. وهكذا تم التوافق من قبل المثقفين الغربيين على قبول فكرة تفوق العرق الأبيض، وأنه لا يوجد جنس أخر قادر على إنتاج وبلورة فلسفة غيرهم.

"كانت" كان إنساناً عنصرياً حين رتّب الأعراق البشرية بشكل تفاضلي، من الأحسن الأرقى إلى الأسوأ الأدنى، وربط موضوع الأعراق والأجناس كقضية علمية، بالقدرة على التفكير. ومن مفاهيم وأقوال "كانت" المثيرة للجدل والتي لا تخلو من مضامين عنصرية، أنه يعتبر العرق الأبيض يمتلك جميع المواهب الفطرية. والهنود يمتلكون السكينة، يبدون كالحكماء لكنهم يميلون للانفعال والغضب. والصينيون أمة جامدة لا يعلمون عن الحاضر أكثر مما تعلموه في الماضي. والأفارقة شعوب حيوية لكنهم ثرثارون، يمكن تعليمهم لكن فقط كخدم. أما الهنود الحمر برأيه فإنهم قوم غير قابلين للتعلم، كسالى لا يمتلكون المشاعر ولا الخيال.

نظرية اليوجينيا

في العام 1869 قام عالم البيولوجيا البريطاني "فرانسيس غالتون" بوضع قواعد علم "اليوجينيا" المختص بتحسين الصفات الوراثية للعرق البشري، والتحكم في السلالة البشرية عبر مراقبة التفاوت العرقي للحد من تكاثر من لا يستحقون البقاء، مثل المعاقين والمتخلفين ذهنياً والسود. وكشف عن نزعته العنصرية البغيضة حين اعتبر أن البشر ليسوا سواسية. وتقوم النظرية على أساس أن التطور الصحيح للجنس البشري قد انحرف عن مساره الطبيعي، لأسباب تتعلق بنزعة الخير والإنسانية التي أبداها الأثرياء تجاه الفقراء غير الصالحين وتشجيعهم على الإنجاب، وهو ما أفسد آلية الانتخاب الطبيعي، لذلك لا بد من التدخل وإحداث انتخاب صناعي لإعادة الجنس البشري إلى مساره الطبيعي. وبعكس نظرية "تشارلز داروين" التي تعتبر أن الأصلح هو الذي يترك نسلاً أكثر، ترى نظرية اليوجينيا أن الأصلح هو المتميز في الذكاء والصحة والأخلاق.

هذه النظرية تسببت في تمرير قانون التعقيم في الولايات المتحدة عام 1927، وقادت النازية للقيام بحملات التعقيم القسري لغير الصالحين والموت الرحيم العام 1933 واستمرت للعام 1939. وألهمت هذه النظرية هتلر بأفكاره حول أهمية خوض الحروب للتخلص من البشر المتخلفين، لأن التقدم يعتمد على البقاء للسلالة الأفضل. ولذلك أمر بإخصاء حوالي نصف مليون من المرضى المزمنين ومن المعاقين والمعتوهين.

اللافت أن هذه النظرية الكريهة شكلت حالة في بداية القرن العشرين، انضم لها وتعاطف معها كثير من كبار المفكرين والمثقفين والعلماء والساسة والفلاسفة ورجال الدين والأعمال. أبرز هؤلاء الفيلسوف والمفكر البريطاني "برتراند راسل" الذي أصدر ما يزيد عن مئة كتاب وتوفي العام 1970. وكذلك الكاتب الإيرلندي "جورج برنارد شو"، والأديب الإنجليزي "هربرت جورج ويلز"، والكاتب الروائي الإنجليزي "الدوس هيكسلي"، ورئيس الوزراء البريطاني السابق "ونستون تشرشل"، والرئيس الأمريكي السابق "فرانكلين روزفلت"، والفيلسوف الألماني "فريدريك نيتشه" وسواهم. وشكلت اليوجينيا العباءة التي خرجت من تحتها كافة الحركات والجماعات والأفكار العنصرية اليمينية المتشددة في أوروبا.

على أثر انتهاء الحرب العالمية الثانية، تم الكشف عن كثير من الفظائع التي ارتكبت بسبب الأفكار اليوجينية، وتم اعتبارها نظرية عنصرية. لكن في العام 1988 أصدرت الصين قانوناً "يوجينياً" يحظر زواج المعاقين ذهنياً إلا بعد تعقيمهم حتى لا يتناسلوا. وظهرت هذه النظرية مرة أخرى في الولايات المتحدة العام 1993 عندما نشر المفكر الأمريكي "صامويل هنتغتون" مقالة في مجلة الخارجية الأمريكية التي كان يديرها بعنوان "صدام الحضارات، قبل أن يصدره في كتاب العام 1996. ورغم تعرض نظرية صدام الحضارات لانتقادات، إلا أنها تحولت إلى مرجعية مركزية في تحليل أحداث السياسة الدولية بعد هجوم الحادي عشر من سبتمبر/أيلول. وأصبحت عقيدة للمحافظين الجدد في الولايات المتحدة وأوروبا، الذين اعتبروا أن الحروب الأيديولوجية قد انتهت مع انهيار الشيوعية، وأن الحروب المقبلة هي حروب ثقافية حضارية. وبات العالم يسمع عن نظريات متطرفة في بداية الألفية الثالثة تؤكد حتمية الصدام بين الشرق والغرب، وبين الشمال الثري والجنوب الفقير، وتجرأ بعض المفكرين الغربيين على القول إن "اليوجينيا" هي الحل لضمان بقاء ونقاء العرق الأبيض.

عنصرية القومية العربية

في أواسط القرن التاسع عشر، تمت زراعة بذرة الأفكار القومية العربية في بلاد الشام، للتخلص من الهيمنة العثمانية والحفاظ على اللغة العربية، فتم تشكيل عدد من الجمعيات، كان أبرزها "الجمعية العلمية السوري" التي تأسست العام 1857. وظهرت النزعة القومية بقوة في تلك الجمعية، نلاحظ ذلك من خلال إحدى قصائد "إبراهيم اليازجي" التي ألقاها سراً في أحد الاجتماعات، يقول مطلعها: تنبهوا واستفيقوا أيها العرب...فقد طمى الخطب حتى غاصت الركب. وشكلت القومية حركة سياسية كبيرة، وانتشرت لاحقاً في العالم العربي، خاصة في بلاد الشام ومصر والعراق، ولم تتمكن من الوجود بقوة في أقاليم عربية أخرى مثل دول الخليج وبلدان المغرب العربي. وتأسست بأفكارها أحزاباً وتيارات شهيرة مثل البعث والناصرية، وقامت عليها دولاً، قبل أن تؤدي الإخفاقات الكبرى التي منيت بها القومية إلى خفوت فاعلية هذا التيار.

معظم الأحزاب والحركات الليبرالية في العالم العربي، استلهمت مبادئها من الأفكار الغربية الحداثية. فيما سعت الأحزاب القومية نحو تعزيز وتعميق الشعور والانتماء القومي لدي الجماهير العربية، جنوح بعضها نحو الإيغال في التمسك بالقومية تسبب في نشوء تيارات متشددة قومياً، وأسس لنشر ثقافة الكراهية تجاه الأقليات في المنطقة العربية.

معظم الدول العربية التي تسكنها أقليات عرقية أو دينية لم تتمكن من نسج علاقة صحية مع هذه الأقليات، ولم تنجح في إحداث مقاربات ومعالجات موضوعية لتقويم العلاقة، بل أن بعضها لم يسعى إلى ذلك أصلاً. وبعض الأنظمة العربية مارست أنواعاً من القهر والقمع بحق أبناء الأقليات القومية الأخرى. واحتكمت علاقة معظم هذه الأنظمة مع الأقليات على اعتبار أن أي اعتراف لهذه القوميات بحقوقها، والسماح لها بممارسة تلك الحقوق، سوف يؤدي في النهاية إلى الانفصال عن الدولة الأم. وهذا تعتبره الأنظمة تهديداً جدياً وخطيراً للوحدة الوطنية، إذن هو فعل الخيانة بعينها، الذي يستحق مرتكبها العقاب الشديد. بالرغم من كون هذه الدول وقادتها وثقافتها وهويتها كانوا خلال فترة خضوعهم للاستعمار هدفاً للاضطهاد والإلغاء والإدماج بالإكراه.

بعض القوميين العرب المتشددين ذهب إلى إنكار وجود الأقليات في العالم العربي، واعتبرهم من صنيعة الاستعمار، وأنهم في أفضل الأحوال "رواسب تاريخية، بل مستحاثات ينبغي أن تخضع من جديد لقانون التفتت والذوبان ثم الاندماج" بحسب ما

جاء في كتاب "الدولة القطرية والنظرية القومية" للمفكر السوري "جورج طرابيشي" الذي صدر العام 1982.

كان من الطبيعي أن تنفجر مشكلة الأقليات في الوطن العربي، كنتيجة مباشرة لتجاهل الفكر القومي العربي للواقع التعددي العرقي والإثني والديني للمجتمعات العربية، والذي من شأنه أن يكون مصدراً للثراء والتنوع الحضاري والثقافي، لو سلك التيار القومي العربي درباً مختلفة في علاقته مع الأقليات.

إن حقيقة ما يدعو للاستغراب ليس أصوات الأقليات في العالم العربي التي تطالب بحقوقها، بل المستهجن ألا يفعلوا ذلك في راهن عربي كارثي يندى له الجبين. فالهزائم القومية العربية في مختلف القطاعات. لا وجود لدولة القانون والمواطنة. لا نجاحات ولا إنجازات اجتماعياً وتعليمياً. إخفاق مفزع في مشاريع التنمية المستدامة. فشل مركب في القطاعات الاقتصادية. ثقافياً وفكرياً الصورة مرعبة وتربك العقل السليم. قومياً حالة من التفتت والتشرذم العربي رسخت الحالة القطرية. سياسياً تبعية كاملة للولايات المتحدة والغرب. فيما يتعلق بأحوال الأمة العربية ووحدة مصابها، فإن الخناق الصهيوني يشتد على العنق الفلسطيني بمساعدة بعض الأشقاء العرب.

وإن قرعت الأقليات باب الإنصاف، يثور القوميين العرب، وترتفع أصواتهم باتهام الأقليات العمالة لإسرائيل وللإمبريالية المعادية للعرب. ولم يتوقف هؤلاء القوميين مرة أمام السؤال البديهي الكبير: لماذا تشعر الأقليات بالغبن والظلم؟ وما الذي أوصل بعضهم المطالبة بالحكم الذاتي أو الانفصال؟ أليست هي مجمل السياسات القومية العربية غير الصائبة؟ الإجابة دون تردد هي نعم.

الشرق الغائب

في اليوم العالمي للفلسفة الذي تنظمه اليونسكو منذ العام 2005 في ثالث خميس بشهر نوفمبر/تشرين الثاني من كل عام تحضر الفلسفة الغربية، وتغيب "أم العلوم" بوجهها الشرقي، حيث لا تزال الفلسفة بعيدة عن شعوب العالم الأخرى في أذهان معظم الأوروبيين، حيث لا يمكن تصورها سوى بهويتها الغربية، ولا زال أغلب الفلاسفة والمفكرين الغربيين يؤكدون أن الفلسفة إغريقية الجوهر.

في راهن عربي منقسم غير منسجم، متشابك ومعقد المفاهيم، متخم بالصراعات والقتل والحروب، يبدو الحديث عن البحث العلمي الفكري والمقاربات الفلسفية النظرية، وإجراء قراءات نقدية للفكر الفلسفي الأوروبي الحديث، وكأنه ترفاً ثقافياً لا حاجة فكرية فلسفية مهمة. خاصة في بيئة ما زالت لا تعير الفلسفة أية اهتمام أو قيمة لا على المستوى الرسمي ولا الشعبي. كما أن موقف المثقفين العرب من الفلسفة الأوروبية منقسم وغير منسجم، بين من يعتبرها مقدسات نظّر لها ودافع بقوة عنها، والبعض اعتبر أنها شر وهاجمها وحذر منها. نحتاج في واقعنا إلى إجراء مقاربات وقراءات ونقد التراث الفكري لنا ولغيرنا، من خلال رفع القدسية عنه، ودراسته وتحليله ضمن سيرورته وسياقه التاريخي الإنساني.

إن مواجهة المحظور والتصدي للأفكار العنصرية لا يكون مثمراً إلا حين يتأسس على قيم وأفكار مغايرة عما يفترض مواجهته. بدون قبول الاختلاف وتقبل الآخرين، وبغير التمسك الحقيقي والفعلي بإحداث المساواة بين البشر في الكرامة والحريات العامة والحقوق الأساسية، لن يكون خطاب مواجهة العنصرية إلا خطاباً عنصرياً بحد ذاته.

 

حسن العاصي

كاتب وباحث فلسطيني مقيم في الدانمرك

 

عادةً ما يخرج الأديب عن السائد والمألوف اجتماعيا وهو ينتج لنا أدباً، وهذا مقدور له ومقدر عليه؛ ذلك أنه فنان وهذا يكسر العادي الرتمي ليعيد بناء العالم وفق رؤيته الخاصة، وهذا ما نلتمسه في الملفوظات السردية لروائيينا المعاصرين، وتجسد هذا التمرد في استنطاقهم المقموع والمسكوت عنه، وتجاوزه بمسافات كبيرة ولم يكن هذا من ديدن الرجل وحده، بل حتى المرأة أصبحت تسرد جسدها وتعريه على صحائفها لتعرضه على القارئ دون أي احترام لهذا الأخير!

على مدى العامين الماضيين وأنا أحث النظر وأعمل الفكر في النص الروائي العراقي ملاحقةً لثيمة معينة،لكن وأنا في خضم البحث استفزتني الايروتيكية المقززة التي طفح بها قسم كبير من النصوص، ولا سيما المنتجة منها ما بعد 2003، مثيرة في النفس تساؤلات عدة من أهمها : هل مراودتها تمثل محاولة لتفكيك النص المحرم؟ بمعنى آخر هل تمثل هذه الثيمة النافذة التي يلج من خلالها الكاتب الى المقموع والمسكوت عنه بفعل عوامل ضغط وسلطات قمع داخلية وخارجية أثرت تأثيراً فعالاً على بنية الوعي وعلى حركية الاحداث الروائية ومن ثم على صياغة البنية السردية وعلى فاعلية الخطاب الروائي في مرحلة متقدمة؟ أم أنها المَعبَر الشبِقُ المتمسح بالتحرر الذي يستفز القارئ ويستثير غرائزه ومن ثم جذبه الى شباك التذاكر؟ أم أنها مجرد أفراغ لمكبوتات السارد؟ ومن ثم فهي رواية أم مجرد سيرة ذاتية؟ ما موطن الجمال في هذه النصوص لو جردناها من المشاهد الجنسية؟

تعد الكتابة فعل التمرد الأول وممارسة الأنا، لهذا لا ينبغي أن يكون في الكتابة الابداعية أي تابوهات، ومن حق الكاتب أن يكتب ما يشاء . لكن هناك فرق شاسع بين الابتذال والفن، وموضوع الجنس مثل أي موضوع حيوي آخر لتجربة إنسانية يرغب المبدع بتوظيفه في أدبه،أو فنه ويرتفع به إلى مستوى الابداع الفني، لكن على أن لايكون غاية في حد ذاته، مثلما تناوله كثير من الكتاب اليوم لإثارة الحواس واستفزاز القارئ المكبوت والذي يعاني الافلاس العاطفي ؛ كتب (ايفان يونين) قصصا رائعة عن الحب بكل تنويعاته وأشكاله حتى أطلق النقاد على مجموعته القصصية (المماشي الظليلة) إسم "موسوعة الحب "، لكن لغته ظلت ناصعة وجميلة، يلمح ولا يصرح ويترك للقارئ التأويل والتفسير، والامثلة في ذلك كثيرة . أما تناول العلاقات الحميمة بين الجنسين بلغة مباشرة وهابطة تحول دون الارتقاء بالنص كي يكون خطاباً ثقافيا حضاريا .

ان الجسد الانثوي وطريقة عرضه أصبحا موظة متدولة بين الروائيين من كلا الجنسين، بعدما كان الروائي يوظف الجنس للتعبير عن أوضاع اجتماعية وسياسية واقتصادية أفرزته وأخرجته الى السطح . بات الجنس موضوعاً يحضر في الرواية لاشباع الرغبات وتحقيق النزوات. ولا قى بذلك مثل أي ظاهرة جديدة في المجتمع الترحيب من جهة بوصفه يعبر عن مكبوتات الفرد أو يساعد في معرفة الخلل في حياة الفرد ومساعدته على تخطي الأزمة ومنحه فسحة من الحرية بتصوير عالم خيالي يعوض النقص العاطفي، ومن ناحية أخرى جذب القراء بحثا عن الربح الوفير والشهرة السريعة وإرضاء الآخر.

 

م.م مسار غازي

 

عدنان عويدعلينا بداية أن نقر، بأن الأصولية ليست سمة خاصة بالفكر الديني الأصولي السلفي التكفيري وحده. الذي يرفض النسبية والحركة والتبدل والتطور، ودور العقل والإرادة الإنسانية في منح الإنسان القدرة على تحقيق مصيره ومصير الأجيال القادمة في هذا العالم الذي راحت تسوده شريعة الغاب، بل هو ينطبق أيضاً على الفكر الوضعي الذي يرفض الآخر، ويحارب المختلف، ويدعي بأنه وحده من يمتلك الحقيقة، وبالتالي هو لا يختلف من حيث الفكر والممارسة عن الأصولية المتدينة.

نقول: هناك فرق كبير لا محال بين المجرد والمشخص في وضعية الزمان والمكان بالنسبة للتاريخ البشري. فإذا كان المكان في تجريده عند الفكر الأصولي الديني هو تقديس وإجلال لمكان ما، تم فيه حدث ذو طابع ديني، حوله مع مرور الأيام إلى رمز امتد أو استطال تاريخيا في دلالاته، حتى أصبح له عند المؤمنين به مكانة مقدسة عالية الحضور، تدل على جلال الحدث وعظمته الذي تم في هذا المكان من جهة أولى، مثلما تحول هذا المكان إلى حافز يحمل في مضمونه قوة معنوية يَسْتَمِدُ منه الإنسان المؤمن به جبروته وعزيمته وأمله في مواجهة التحديات التي تفرضها الحياة عليه من جهة ثانية. وبالتالي يتحول هذا المكان الرمز أيضاً إلى وسيلة معنوية يعتقد أو يتوهم من يؤمن به، أنه  في رمزيته وجلاله وعظمته المعنوية قادر على تخليصه أو نجاته من معوقات مادية أو معنوية قد أحاقت به، أو حتى تحقيق أمنيات غير قادر على تحقيقها في الواقع من جهة ثالثة. وهذا ما يدفع المؤمن بهذا المكان أن يشد الرحال إليه مهما بعدت المسافات وطالت من أجل إرضاء ذاته وتقديم الطقس المقدس بحضرة هذا المكان الذي يشعره بانتمائه له.

من هنا جاء المكان معبراً عن دلالاته (الدينية)، في الكعبة مثلاً أو في بيت المقدس، أو النجف أو كربلاء، او حائط المبكى، أو في المعابد، و قبور الأولياء الصالحين. وغير ذلك من أماكن مقدسة بالنسبة لحياة الشعوب وتاريخها،.

من هذا المنطلق الرمزي والمعنوي والتجريدي، جاءت أيضاً قدسية المكان في العقائد الوضعية ولو بصورة أقل حدية وعمقاً لدى المنتمين لهذه العقيدة الوضعية وأمكنتها،  كتعبير عن حدث أصبح له أهميته وقيمته المعنوية في حياة الشعوب والجماعات تاريخياً، مثل معركة ما، أو شخصية ما، تجسدت قيمتها ودلالاتها، في نصب الشهداء أو القادة العظماء، أو ساحات التحرير أو أماكن معارك فاصلة في حياة أمة أو شعب أو دولة، مثل موقعي حطين، وميسلون  وغيرهما الكثير من الأماكن أو النصب التذكارية التي تدل على مكانتها المعنوية عند شعوب العالم.

بيد أن الفرق بين الموقفين الأصوليين (الديني والوضعي) من المكان، هو أن الفكر الديني الأصولي يوصل الفرد أو الجماعة في  في حالة الانتماء لهذا المكان إلى درجة التقديس المطلق، الذي لا يقبل المساومة والمراجعة والنقد، وبالتالي كثيراً ما حل المكان في نفسيات وعقول المريدين أو المؤمنين به إلى درجة ميثولوجيه (أسطورية)، وهنا تكمن المشكلة بالنسبة للمؤمن أو المريد، حيث يمنحه المكان حالة حيوية من (التواكل) وإيقاف لدور العقل والإرادة الإنسانية في سيرورة وصيرورة حياة الفرد والمجتمع.

على العموم نستطيع أن نضيف في هذا الاتجاه بأن موقف الدين أو العقيدة في صيغتها الأصولية الجمودية الوثوقية من المكان موقفاً أسطوريا، اختصر تاريخ المكان بالمقدس منه كونه مكان ارتبط بالعقيدة، وكل ما عداه هو مكان طبيعي لا يشكل شيئاً عند الحملة الاجتماعيين للفكر الأصولي الديني، لذلك لا نستغرب أن يكون هناك مكانان (دار كفر ودار إيمان). فالنجاة والقوة والعزيمة والأمل تنبع من المكان المقدس وما ينتمي لهذا المكان فقط.

أما بالنسبة للزمان وموقعه في حياة الشعوب عند الفكر الديني والوضعي، وأقصد بالوضعي هنا ما يعبر عن نشاط الإنسان الحر المنفلت من عقال الديني الأصولي الوثوقي فيما يتعلق بالزمان، فله أهميته وطرافته من جهة، مثلما له تحدياته من جهة ثانية.

إن زمن (تاريخ) الشعوب في قسم كبير منه بالنسبة للفكر الأصولي الديني، هو زمن ديني. بمعنى أن للدين أو العقيدة دوراً كبيراً في تمويل أحداثه الأخلاقية والاقتصادية والاجتماعية والسياسة والثقافية، فمعظم هذه الأنساق جرت وتحققت وقُيمت وفقاً لمنطلقات عقيدية (دينية)، منذ أن بدأ الإنسان يمارس نشاطه الحياتي من أجل الحصول على حاجاته المادية والمعنوية بكل تفاصيلها. وإن أي خروج عن فهم هذه المنطلقات العقيدية بصيغتها المشار إليها أعلاه، والمتحكمة في إنتاج وضبط وتقويم هذه الأنساق في المضمار الزمني، وخاصة بالنسبة للديانات السماوية بشكل عام، وللديانة الإسلامية بشكل خاص، هو شكل من أشكل الخروج أو الانحراف غير المرغوب فيه عن هذه المنطلقات العقيدية، ولا بد من إعادة تصيح هذه الانحرافات الفكرية وتقويمها بهذا الشكل أو ذاك، والعودة بها إلى مسارها العقيدي الديني الصحيح، وإلا ستظل هذه المسارات تمثل سلوكيات مشينة في حياة الفرد والمجتمع، التي حددت مسارها العقائد الدينية بشكل مطلق وثابت غير قابل للتعديل أو حتى المرجعة.

إذن إن أي تحدي لهذا الفهم العقيدي الديني لسيرورة الزمن في الفكر الديني الأصولي، الذي يأتي – أي التحدي - في الغالب من قبل القوى الاجتماعية التنويرية العقلانية، يشكل نتوءات غريبة أو شاذة على سطح التاريخ الإنساني، وتعتبرها القوى الاجتماعية الأصولية الوثوقية حالات تمرد من قبل العقل الإنساني ضد إرادة العقيدة الدينية صاحبة القرار الأول والأخير في تحديد مسيرة التاريخ، وبالتالي لا بد أن تواجه بقسوة، من قبل حماة العقيدة وقيمها ومُثِلِهَا، وقد تصل درجة العقاب على هذا التمرد إلى حالة من (التسونامي) القادر على تحطيم الأخضر واليابس في حياة المتمردين، إذا لم يعاد الاستقرار والتطابق بين مفهوم الزمن في  المسيرة التاريخية للشعوب، و بين العقيدة الدينية في صيغتها الوثوقية التي تعتبر الزمن هو الله.

من هنا نرى بأن الزمن عند من يُعبر عنه دينياً في صيغة وثوقية أصولية جامدة، سيظل زمناً مجردا ثابتاً ومطلقاً، ويفتقد بالضرورة إلى الفهم الموضعي العقلاني لسيرورته وصيرورته، وبالتالي تحولاته عبر التاريخ المشبع بنشاط الإنسان الحر والوعي. أي سيرورته وصيرورته العقلانيتان اللتان يقوم الإنسان التاريخي ذاته بتشكيلهما وبناء عمارتهما بكل مكوناتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية. فالتاريخ في الزمن الديني، هو تاريخ القدرة الإلهية التي حددت مسار هذا التاريخ البشري وتكوين عمارته بأمر إلهي مطلق: (إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكن).. وبالتالي ما خَلْقِ الإنسان كإنسان من جهة، أو كأفعال إنسانية من جهة ثانية، إلا تجليات لهذه القدرة الإلهية التي رسمت وحددت كل شيء بشكل مسبق. وعلى الرغم من أن هناك مساحة واسعة لمسألة قدرية الإنسان في الأديان أو العقائد ومنها العقيدة الإسلامية، إلا أن الموقف السلفي الجمودي الوثوقي، يحول دون السماح لها بالظهور وأخذ مكانها في التاريخ البشري، وإن وجد من يفسح في المجال لها بشيء من الظهور والتعبير عن قدرية الإنسان، فهو من باب الكسب كما تقول نظرية الكسب عند أبي حسن الأشعري. فالعقل والإرادة وجدا، أو أعطاهما الله للإنسان لتثبيت النص وليس للحكم عليه.

إن الزمن بتعبير آخر في هذا الاتجاه الأصولي الوثوقي التكفيري، هو زمن مجرد، وليس أكثر من (آنات) متقطعة تفتقد إلى السيرورة والصيرورة التاريخيين المشبعتين بنشاط الإنسان الإبداعي كما أشرنا أعلاه. فالإنسان هنا ليس أكثر من وسيلة أو آلة لا تتحرك أو تعمل إلا بسلطان، وكل من يقوم بطرح حلول وضعية لتغيير مسار هذه الحياة، إن كان عن طريق العلمانية أو الديمقراطية أو دولة المؤسسات أو القانون أو المواطنة، إنما هو يعمل على تحدي مسيرة وصيرورة التاريخ الإلهي. وبالتالي هو مبتدع، وقد تصل درجة إبداعه إلى الزندقة والكفر.

إن هذا الموقف الأصولي الوثوقي، قد نجده للأسف أيضاً عند قوى سياسية تدعي العلمانية فكراً، إلا أنها قوى أصولية بصيغة معاصرة في ممارستها بعد أن غلبتها شهوة السلطة، وراحت تتعامل مع الزمان برؤية أيديولوجية، أهم ما فيها هو اعتقادها بأن الزمن يقف عند رؤيتها ومنهجها هي فقط، وكل ما عداها هو انحراف وتشوية لسيرورة الزمان، وهذا ما وجدناه فكراً وممارسة عند الكثير من الأنظمة التي تبنت الفكر اليساري على مستوى الحزب والدولة. .

ملاك القول: يظل العلم والمعرفة بقوانين حركة الواقع وتطوره وتبدله، وبالعلاقة الجدلية بين الواقع والفكر، القائمة على إدراك ومعرفة بأن الإنسان خليفة على هذه الأرض، وأنه وحده من يمتلك حرية التصرف في شؤونه وتحقيق مصيره، هي المقومات الموضوعية القادرة على تحطيم كل الرؤى والمواقف والأيديولوجيات الفكرية الجمودية، وما يرتبط بها من ممارسات لا تاريخية ولا عقلانية في تعاملها مع فكرتي الزمان والمكان.

إن الموقف العقلاني من الزمان والمكان في الفكر الوضعي يقر بأنهما لم ولن يكونا في محط عالم التجريد والخيال والوهم والأسطورة، بل كانا ولم يزالا في محط المشخص الذي لحمته وسداه الإنسان بكل قوته وجبروته وعظمته ومغامراته وعشقه للحياة.. فالمقدس الحقيقي في هذا التشخيص الموضوعي العقلاني، هو فعل الإنسان ونشاطه وعقله وحرية إرادته، وأخيراً مسؤوليته اتجاه نفسه واتجاه الآخرين.

 

د. عدنان عويّد

كاتب وباحت من –ديرالزور- سورية

 

 

محمود محمد عليما زلت أؤمن بل ربما أكثر من أي وقت مضي، بأن الإرهاب ظاهرة قديمة قدم التاريخ، وهي تتطور في الأسلوب والأهداف طبقاً للمرحلة الزمنية أو طبيعة القائمين بها، وهي تخبو أحياناً نتيجة متغيرات محددة، ثم سرعان ما تتصاعد بأشكال وأساليب مختلفة؛ حيث يشكل الإرهاب مظهرا من مظاهر العنف التي عرفها المجتمع الدولي منذ أمد بعيد، وتطور مع تطور المجتمعات والعلاقات الاجتماعية المختلفة فزادت خطورته من حيث حجم العمليات الإرهابية وأعداد الضحايا وأتساع نطاق العمليات وظهور أشكال جديدة منه باستخدام وسائل وأدوات التطور العلمي والتكنولوجي .

لقد أصبح الإرهاب من الظواهر التي تقلق المجتمع الدولي نظراً لما اتسم به من تنوع وتباين أشكاله وأساليبه وأغراضه وكذا ضحاياه، بالإضافة إلي استفادة العناصر الإرهابية من مختلف أشكال وأدوات التقدم العلمي والتكنولوجيا الحديثة، مما أدي إلي تزايد أعداد الجماعات والانتماءات والأفكار المتطرفة، فضلاً عن التحول النوعي للفكر الإرهابي من خلال ظهور كيانات إرهابية تستهدف إسقاط دول وأنظمة بعينها (تنظيم داعش)، ويترتب علي ارتكاب الأعمال الإرهابية نتائج خطيرة حيث أصبحت تمس المجتمعات وتستهدف كياناتها وبنيانها الأساسي ويمتد تأثيرها إلي كافة النواحي الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، فضلاً عن اتساع نطاق تلك الأعمال لتتعدي الحدود الجغرافية للدول.

ورغم انتشار ظاهرة الإرهاب في مختلف المناطق علي مستوي العالم، إلا أن هناك ربطاً بين الإرهاب والحركات الإسلامية المتطرفة بصفة خاصة ارتكازاً علي أن نسبة كبيرة من محصلة الأعمال الإرهابية التي تشهدها البيئة الدولية تصدر عن تنظيمات وفصائل وجماعات تُنسب نفسها إلي الإسلام، وقد وجدت المنظمات والجماعات المتطرفة طريقها إلي مصر عبر شبه جزيرة سيناء في إطار المخططات الرامية لتقسيم المنطقة عبر تأجيج الصراعات الطائفية والايديولوجية والعرقية وبث الفتن والأكاذيب.

وهنا نتساءل : من زرع بزور الإرهاب في شبه جزيرة سيناء أو كما يطلق عليها أرض الفيروز؟ وكيف تطور فيها المشهد وصولاً حتي إعلان تنظيم داعش عن ولايته الخاصة في سيناء؟

وللإجابة علي ذلك نقول بأنه : في خمسينيات القرن الماضي لم تعرف سيناء التطرف الديني ؛ حيث طغت علي قبائلها النزعة الصوفية، تلك النزعة التي كان لها دوراً كبير، في حرب السويس 1956 ؛ حيث توطدت العلاقة بين الجيش المصري والمخابرات الحربية من ناحية،وبين صوفي سيناء من الفلسطينيين والمصريين علي حد سواء من ناحية أخري .

بيد أن الرياح أتت بما لا يشتهي السفن إذ وقعت شبه جزيرة سيناء كلها تحت طائلة الاحتلال الإسرائيلي، وذلك في الخامس من يونيو 1967، ولم تنسحب منها القوات الإسرائيلية إلا عام 1982 بموجب اتفاقية كامب ديفيد مع الاحتفاظ بشريط طابا الحدودي الذي تحرر بالكامل عام 1989 .

وخلال تلك الفترة استغلت الجماعة الإرهابية المتطرفة سيناء؛ حيث حولتها إلي منطلق لعملياتها مستغلة عزلتها وطبيعتها الجغرافية التي تضم من الجبال والكهوف ما يصعب السيطرة الأمنية عليها، كما استغلت الإهمال المائي الذي استمر بشدة بعد الانسحاب الإسرائيلي والحضور الأمني المحدود الذي فرضته جزئيا اتفاقية كامب ديفيد .

وقد ساعدهم علي ذلك تلك السياسة التي اتبعها الرئيس "محمد أنور السادات" بين عامي 1970، 1974 باحتضان الجماعات الدينية السياسية ودعمها في تعزيز وجودها؛ إذ منحهم "السادات" القدرة لتنظيم صفوفهم والتمدد؛ بهدف تقليص نفوذ الجماعات الاشتراكية اليسارية، وإثر إطلاقه صراح معظم السجناء الإسلاميين ؛ ومن بينهم سجناء الإخوان المسلمين بعد عام 1971، بدأت عدة مجموعات وخلايا من المقاتلين تنظم نفسها؛ ولا سيما الجماعات التي بدأت تعمل في سيناء، وذلك تحت مسميات متعددة مثل: حزب التحرير الإسلامي، وجماعة التكفير والهجرة، والناجون من النار،والجهاد، الجماعة الإسلامية ... الخ.

وكانت بداية الوجود الحقيقي للجماعات الدينية المسلحة في سيناء، كانت مع القيادي القسامي الإخواني "صلاح شحاته" والذي يلقب بأبو مصطفي الذي أسس في 1979 المسجد العباسي بالعريش في سيناء متأثرا بفكر الجماعة الإسلامية. أما الشخص الثاني المؤثر في تطور الجماعة وتمددها في سيناء كان تلميذ "صلاح شحاتة"، وهو القيادي الإخواني "عبد الرحمن الشوربجي"، الذي تحول فيما بعد إلي أبرز رموز الإخوان  المسلمين في العريش ونائب المدينة في برلمان مصر ما بعد ثورة يناير 2011.

وبحضور السنوات الأولي من ثمانينيات القرن المنصرم تحالفت الجماعة الإسلامية في مصر مع تنظيم الجهاد وأولي تجليات هذا التحالف كان في 1981، والذي أفرز اغتيال الرئيس السادات، خلال العرض العسكري الذي أقيم بمدينة نصر بالقاهرة في 6 أكتوبر 1981 احتفالاً بالانتصار الذي تحقق خلال حرب أكتوبر 1973، وقد نفذ عملية الاغتيال الملازم أول "خالد الإسلامبولي" الذي حكم عليه بالإعدام رمياً بالرصاص لاحقاً في أبريل 1982.

ومما زاد الأوضاع سوءً هو أنه عقب انسحاب إسرائيل من سيناء عام 1982 بدأ الرئيس "حسني مبارك" بسياسة تهميش للمنطقة، بحجة أن من أهلها من تواطئ مع الاحتلال الإسرائيلي الذي حاول استقطاب الكثير من أهل سيناء، وذلك من خلال تقديم بعض الخدمات الاجتماعية والسماح لهم بالعمل في إسرائيل . ولقد أدت نظرة الشك هذه إلي سلسلة من القرارات التي منعت السينويون من دخول الجيش والشرطة، وهو ما رماهم أكثر في أحضان الجماعات المتطرفة التي بدأت تتوفر لها كل العناصر باستغلال سكان تلك المنطقة، لا سيما وأن كل ذلك ترافق مع إهمال تنموي أعمق من باب سياسة العقاب نفسه، وما سهل عمل هذه الجماعات هو دخول الدعاية الإعلامية المكثفة للجماعات التكفيرية؛ خاصة في بداية التسعينات القرن الماضي، وهي الفترة التي برزت خلالها جماعة "الرايات السود"، وهي جماعة جهادية تتبني أفكار القاعدة، حيث بدأ نشاطها كحركة دعوية، ولكنها أعلنت عن وجودها العسكري بعد ثورة 25 يناير 2011 ليشهد عقد التسعينات (في القرن الماضي) مواجهات دامية في سيناء مع أجهزة الأمن حمل توقيعها العديد من الفصائل الإسلامية .

وفي عام 2000 خرج طبيب الأسنان المنتمي إلي قبيلة السواركة "خالد مساعد" الذي كان أحد خريجي جماعة الشبان المسلمين الإخوانية، حيث خرج من السجن وعاد إلي سيناء، ليؤسس "جماعة التوحيد والجهاد" التي تحمل أفكار تنظيم القاعدة.

وأما في عام 2005 فقد وقعت اعتداءات شرم الشيخ الشهيرة لتعلن حينها "جماعة التوحيد والجهاد" في أرض الكنانة المسؤولية عنها، وقُتل "خالد مساعد" في مواجهات مع الشرطة المصرية في أغسطس 2005، وفر كثيرا من أعضاء جماعته المفككة إلي رفح الفلسطينية، وذلك عقب التفجيرات الشهيرة في طابا ودهب وشرم الشيخ بين عامي 2004، 2006 ؛ حيث تلتها حملة اعتقالات شملت نحو أربعة آلاف وخمسمائة من أهالي سيناء.

بيد أنه في عام 2006 حاول أيمن الظواهري (زعيم تنظيم القاعدة خلفا لأسامة بن لادن) في إعادة لملمة ما تفكك من جماعة التوحيد والجهاد في سيناء، حيث أرسل "أبو جهاد المصري" الملقب بـ"خليل الحكايمة" العضو السابق للجماعة الإسلامية، ليعلن قيام ما يسمي بقاعدة الجهاد، وذلك في إصدار مرئي خاص قدمه الظواهري، وتحدث فيه الحكايمة، وهو التسجيل نفسه الذي أدان فيه الحكايمة اعتذار الجماعة الإسلامية عن مقتل السادات، لكن تجربة الحكايمة منيت بالفشل بسبب شدة الحملة الأمنية المصرية عليها .

وفي عام 2009 بدأت عودة الهاربين من أنصار الجهاد والتوحيد وغيرهم من المتشددين (وهم مخضرمون ومحملون بخبرات قتالية وأمنية متقدمة)، ومن هنا بدأ تكوين النواة الأولي لتنظيم مجلس شوري المجاهدين في أكناف بين المقدس، وبالتوازي مع نشأة الخلايا الأولي لجماعة أنصار بيت المقدس السينوية من بقايا التنظيم والجهاد.

ومع وصول الرئيس "محمد مرسي" للحكم ازدهرت حركة الجماعات الإرهابية في مصر عموما وفي سيناء علي الأخص؛ حيث تركزت معظم التنظيمات والبؤر الجهادية، وذلك بعدما تم الإفراج عن عددا من المسجونين علي ذمة قضايا متعلقة بالإرهاب والسماح للإرهابيين الآخرين بالعودة إلي مصر دون ملاحقتهم أمنيا، وعين "مرسي" السفير " محمد رفاعة الطهطاوي"، (وهو خال أيمن الظواهري) رئيساً لديوان رئيس الجمهورية، وكشف بعض الباحثين أن "مرسي" تدخل وأطلق صراح شقيق زعيم القاعدة الجهادي "محمد الظواهري"، الذي تم القبض عليه لا حقا في سيناء لتأسيسه مدارس شرعية وتعيينه قضاة شرعيين في سيناء . ومن أهم الدلالات هو إعلان مجلس شوري المجاهدين في أكناف بيت المقدس وجماعة انصار الجهاد في سيناء وتشكيل ما سمي بمجلس شوري المجاهدين في مصر، وذلك في الوقت نفسه الذي تولي فيه الرئيس "محمد مرسي" الحكم في يونيو 2012 كما تم قبيل تسلمه الحكم مبايعة أنصار جماعة الجهاد للظواهري ولتنظيم القاعدة بداية من العام 2012 . وللحديث بقية!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل- جامعة أسيوط

 

صائب خليلحكاية عقود التراخيص، كأية قصة تتحول إلى حكاية شعبية مروية، فتفقد ظلالها، وترسم مساحاتها بالأبيض والأسود، بالخير والشر، للتبسيط والتجميل. وقصة التراخيص تحولت معظم درجات الظل فيها الى الأسود. فالجانب المسيطر على الإعلام وعلى السياسة في البلد، قد قرر تغييرها إلى ما يناسبه، فشن عليها حرباً إعلامية لا تبقي ولا تذر، حتى ان من بنى أسسها ترك الدفاع عنها يائساً وانزوى.

قصة جولات التراخيص، مثل بقية قصصنا، تحت إعلام نصبه على البلد اعداؤه، وكلف بتحطيم وعي شعبه وإصابته بالضياع، قصة قدمت للناس مشوهة بكل طاقة الإعلام العلمية المتطورة على التشويه، ولم تكن العقول المتعبة غير المدربة على هذا النوع وهذا الحجم من المراوغات، قادرة أن تتعامل مع هذا الهجوم الإعلامي وان تجد طريقها بين دهاليز الأرقام والمصطلحات والتفاصيل واللعب المتعمد على الأوتار الحساسة، حتى لو “أرادت”، والمتعب قلما "يريد".

حكاية عقود التراخيص هي أيضا حكاية المؤامرة على النفط العراقي، وهي بالتالي حكاية التآمر على العراق. حكاية السعي نحو الخصخصة التي تريد ان تسرق كل شيء من الناس، بـ "عقود الشراكة"، وحكاية الصراع بين الشركات العالمية وكردستان من جهة ومن حاول ان يدافع عن ثروات الشعب من الجهة الأخرى، فحقق ما حقق، وفشل بما فشل.

هذه محاولة لإعادة الظلال إلى هذه الحكاية وانقاذها مما احاطها من سموم إعلامية قاتلة ومن أخطاء كثيرة، وأرجو ان تكون روايتي لها موضوعية قدر الإمكان.

لقد اعتمدت هنا على ما كتبه الأستاذ فؤاد الأمير بشكل كبير، في اكثر من كتاب، وما تحدثت به معه في اكثر من حديث حول الموضوع. فلهذا الرجل، فضل لا ولن ينسى في انارة الكثير من طرق الغابة المظلمة المليئة بالوحوش والفخاخ، والمسماة ملف النفط العراقي. وله ولعدد لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة من زملائه الذين لا يجب الانتقاص من دورهم، الفضل في ان ملف النفط مازال ملف صراع لم يستسلم، ومازالت المؤامرات التي تحاك في الظلام وفي لحظات الغفلة، مثل قانون شركة النفط الوطنية، تدار من قبل وحوش تلك الغابة، ومازالت المقاومة لم تسقط.

المؤامرة على النفط العراقي

بدأت المؤامرة على النفط العراقي قبل الاحتلال وبفترة طويلة، ثم أخذت شكلاً محددا حين بدأت وزارة الخارجية الأمريكية إعداد خططها المحددة لمستقبل العراق قبل عام على الاحتلال، فشكلت في نيسان 2002، 16 مجموعة عمل مختلفة، تحت عنوان: "مشروع مستقبل العراق Future of Iraq Project"،(1) بقيادة رايان كروكر Ryan Crocker (والذي أصبح فيما بعد سفير الولايات المتحدة في العراق). وكان من أهم مجاميع العمل تلك "مجموعة الطاقة والنفط "، وضمت عدد من "الخبراء" الأجانب والعراقيين في الخارج. وأوصت المجموعة بـ "انفتاح العراق على الشركات النفطية العالمية بأقرب فرصة ممكنة" وتشجيع الاستثمار الأجنبي في النفط وفق “عقود المشاركة بالإنتاج” وبصيغ مرنة!

ولنلاحظ هنا أن التأكيد على ذكر نوع العقود التي يجب توقيعها مسبقاً، وقبل حتى لمس الواقع النفطي العراقي على الأرض، أمر غريب ويفضح مدى التآمر على العراق. وهو يفضح من الجهة الأخرى خطورة ذلك النوع من العقود الذي يختاره من يتآمر على العراق كاختيار افضل.

فعقود “مشاركة الإنتاج” ليست مناسبة أبداً للحقول العراقية، إنما هي طريقة متبعة في العقود ذات المخاطرة العالية فقط، (وتسمى أيضاً "عقود مخاطرة") وليس الرقع الاستكشافية عالية الاحتمال، دع عنك الحقول المنتجة، كما هو الحال في العراق، وبضمنها حقول كردستان!

وتعطي هذه العقود حصصاً ظالمة للشركات على حساب البلد. وهي شكل غير مباشر لخصخصة النفط، حيث يصبح جزء من نفط البلاد ملكاً للشركة العاملة. وكمثال فأن حصة الشركات الأجنبية في عقود حكومة إقليم كردستان، تبلغ في ادنى العقود، 15% من الإنتاج.

"مشاركة الإنتاج" تعني إضافة إلى التحكم بالإمدادات النفطية، التحكم بدرجة أو بأخرى، بأسعار النفط وكمية ما يطرح منه في السوق، وإمكانية ممارسة الضغط على دول الأوبك لزيادة المطروح او تقليله، لتخفيض السعر أو رفعه. لقد كانت أميركا تسيطر دائما على السعودية وتوجهها بالطريقة التي تتماشى مع مخططاتها، كما يحدث هذه الأيام حيث اجبرتها على زيادة الضخ وانخفضت الأسعار بشكل كبير، وكل ذلك بصراحة وقحة لا يخفيها ترمب. وتسعى الولايات المتحدة بجد أن تضم العراق إلى السعودية في هذه المهمة المكلفة وغير المشرفة. ومازالت المؤامرة قائمة على قدم وساق وفي غاية النشاط، وتأخذ اليوم عنوان "شركة النفط الوطنية العراقية" والتي تم تمرير قانونها الغريب خلسة، في نهاية الفصل النيابي السابق، بعد تغيير القانون المقدم لمجلس النواب بشكل تام وجذري، وبدون علم خبراء النفط.

ولكي نفهم الحماس الأمريكي لعقود "مشاركة الإنتاج"، علينا ان نفهم تلك العقود ومقارنتها بعقود الخدمة.

عقود “مشاركة الإنتاج” وعقود “الخدمة”

إن سمحنا لأنفسنا بالكثير من التبسيط، تقسم العقود النفطية الحالية إلى نوعين، هما عقود الخدمة وعقود مشاركة الإنتاج. وعقود الخدمة هي عبارة عن استئجار الدولة لـ "خدمات" شركة نفطية تقوم بالعمليات النفطية لحساب الدولة، مقابل مبالغ متفق عليها. وهذه هي العقود الطبيعية المعتادة، والتي تتطلب من الدولة أن تتكلف بكل المصاريف وتتحمل الاحتمالات المختلفة (المخاطر)، إلا أنها تحفظ للدولة حرية التصرف بنفطها، وتحقق لها اعلى الأرباح عادة.

عقد مشاركة الإنتاج يحرم الدولة من كمية أكبر من عائد النفط، وإضافة إلى ذلك فهو يقيد حريتها في التصرف بنفطها. فجزء من هذا النفط، حسب العقد، يعود قانونيا إلى الشركة. ولذلك فأن الحكومة تضطر إلى التفاهم مع الشركة على كمية النفط المستخرج وكيفية التصرف به. بينما تكون الحكومة حرة في التصرف بنفطها في حالة عقود الخدمة. ولهذه الأسباب كلها فأن الحكومات الوطنية لا توقع أية عقود مشاركة مع الشركات، إلا إذا كانت مضطرة لها، ولم تكن تملك خياراً غيرها.

ويعود تاريخ هذه العقود إلى نهاية مرحلة "الامتيازات" الشديدة الظلم، وتم اختراعها كطريقة اكثر ارضاءاً للدول مع احتفاظ الشركات بحصة في النفط وقدرة على التأثير على السياسة النفطية للدولة. وفي تلك المرحلة كانت تلك الدول مضطرة لقبول مثل هذه العقود لأنها كانت لا تمتلك ابسط الاستثمارات اللازمة، ولا الخبرات الفنية اللازمة لبناء مؤسساتها النفطية المستقلة. وتركت هذه العقود مع تغير توازن القوة لصالح الحكومات، ولم تبق تستعمل إلا في حالات خاصة تضطر فيها الحكومة لقبول تلك العقود، أو تكون ذات علاقة مصالح مشبوهة مع الشركات، وعلى حساب شعبها، كما هو الحال في كردستان.

عقود مشاركة الإنتاج لا تمنح جزءاً من النفط في باطن الأرض للشركات، وإنما بعد استخراجه. وتستخدم هذه الحقيقة بين المدافعين عن تلك العقود لتبريرها. لكن الحقيقة الأولى هي ان النفط لن يباع إلا بعد استخراجه. والثانية هي أن الشركات تتصرف بالفعل كمالك لذلك النفط وهو تحت الأرض، حيث ان الشركات تستخدم مثل هذا "الحق" لتنشر أن "لديها" حجم مخزون معين، كلما ازداد كلما ارتفعت أسهمها في البورصة. ومن المتوقع ان تدافع الشركات بكل الوسائل عن ذلك "الحق" إذا ما تجرأت الحكومة وتصرفت بشكل ينتقص منه.

متى تكون الدولة مضطرة لعقود "مشاركة الإنتاج"؟ في حالة التنقيب في مساحات استكشافية جديدة، تكون هناك مخاطرة أن تفشل الشركة باكتشاف النفط، او ان يكون قليلا غير اقتصادي او لا يكفي لتسديد الكلفة. ولا تريد الحكومات عادة، تحمل مخاطرة دفع أموال ضخمة بدون ضمان. لذلك تتقدم الشركات المستعدة للمخاطرة بعرض للحكومة، تتحمل به المخاطرة في حالة الفشل، مقابل حصة من النفط المكتشف في حالة النجاح. فإن لم يكتشف أي نفط، فأن الدولة لا تخسر شيئا. ولكن إن اكتشف النفط، فستكون حصة الشركة منه أكبر، وأرباح الدولة منه أقل مما هي في "عقود الخدمة". فعقود المشاركة أمر مقبول في حالة وجود مخاطرة كبيرة بالفشل، أو العجز التام عن توفير الاستثمار الحكومي لاستخراجه، باعتبار أن النفط كان سيترك تحت الأرض لأن الحكومة لم تكن تريد المخاطرة بأموالها.

إذن، إن كان الحديث عن استغلال حقول منتجة او مناطق تم اكتشاف النفط فيها أو كانت هناك مؤشرات قوية بأن النفط موجود بصورة شبه مؤكدة، فأن الطبيعي هو أن تتعاقد الحكومة بشكل عقد "خدمة"، لأنه لا توجد هناك مخاطرة كبيرة، ولا مبرر لدفع مبالغ اكبر للشركات او خسارة سيادة الدولة على نفطها.

تبنى رئيس الوزراء الأول الذي اختارته سلطة الاحتلال، الدكتور إياد علاوي السياسة التي أوصى بها "مشروع مستقبل العراق" ونشرت في "الميدل إيست إيكونومكس سيرفي MEES"، وقام الأستاذ فؤاد الأمير بترجمتها ونشرها في "الغد" البغدادية في أيلول 2004 بعنوان "علاوي يضع الخطوط العامة للسياسة النفطية الجديدة"(2) والتي أكد فيها على “عقود مشاركة الإنتاج”.

ويقول الأمير: انتظرت أسبوعا لأتيح لعلاوي الرد وتكذيب ما جاء في المقالة إن أراد، فلما لم يفعل، قمت بالرد عليها.

كانت المؤامرة مخططة بالتفصيل إذن، إلا أن خبراء نفط عراقيون وأجانب، وصحفيون ناشطون، تصدوا لتلك المؤامرة بهمة، فأفلت العراق (ولم تفلت كردستان) من المرحلة الأولى من مؤامرة عقود المشاركة على نفطه، تمكنت بغداد من انقاذ نفطها من عقود "مشاركة الإنتاج".

بالنتيجة، فان جميع العقود التي ابرمتها بغداد مع الشركات، كانت "عقود خدمة" بينما العقود التي ابرمتها كردستان، كانت "عقود مشاركة انتاج".

ويحاجج المدافعون عن عقود الخدمة، بأن عقود المشاركة محرمة في الدستور العراقي الذي يؤكد أن النفط العراقي ملك لكل الشعب العراقي. ووجدت حكومة كردستان لذلك صعوبة كبيرة في شرعنة عقودها. وحاولت اقناع الشركات ان تسعى بأي شكل الى توقيع ولو عقد بسيط واحد مع بغداد، بشكل عقد مشاركة، لكي تتمكن من استخدامه ذريعة للضغط لشرعنة عقودها. إلا ان بغداد، التي استبدلت المسؤولين عن النفط بشخوص اقل اخلاصاً للبلد مثل عادل عبد المهدي وجبار لعيبي، وجدوا صعوبة كبيرة في تمرير عقد مشاركة صريح واحد، لأن فؤاد الأمير ورفاقه قد تمكنوا في هذه الأثناء من توعية الناس بخطورة تلك العقود. لقد فاتت الشركات فرصة تمرير تلك العقود حين كان أياد علاوي رئيساً للحكومة، ولم يكن احد يعي تلك المصطلحات. لكن المحاولات مازالت مستمرة ومازالت الخطورة كبيرة بوصول عبد المهدي الى رئاسة الحكومة.

الجولات

في جولة التراخيص الأولى، قامت وزارة النفط بدراسة الشركات، وقامت بترشيح (35) شركة مؤهلة لتقديم العروض لجولة التراخيص الأولى، فقدمت (22) منها عروضاً. وحين فتحت العروض في مناقصة عامة مفتوحة وشفافة لم تربح أية شركة أي عرض من العروض! لأنها جميعها قدمت أرقاماً للحوافز تتجاوز الرقم المحدد من الوزارة، إلا ائتلاف بريتيش بتروليوم وبتروجاينا الصينية الذي وافق لاحقاً، ورفض الشهرستاني الضغوط لزيادة مبلغ الحوافز، ثم عادت الشركات ووافقت على الرقم المقدم من الوزارة.

وسارت بقية الجولات بطريقها بشكل أو بآخر وانتهت آخرها (الرابعة) عام 2012. وبينما خصصت دورتي التراخيص الأولى والثانية لحقول نفطية عملاقة جداً وأخرى أصغر في وسط وجنوب العراق، كما خصصت الدورة الثالثة لتوقيع العقود الغازية. وقد اعتمدت جميع الدورات ما يسمى بـ "عقود الخدمة الفنية Technical Services Contracts TSC"، مقارنة بعقود المشاركة بالإنتاج التي كانت الشركات تطمح لها. وخصصت دورة التراخيص الرابعة لرقع استكشافية (وليست حقول مكتشفة ومثبتة)، ذات احتمالات كربوهيدراتية عالية، ومعظمها في الصحراء الغربية.

وقال وزير النفط في وقته، د. حسين الشهرستاني في أواخر 2007 متحدثاً عن عقود الجولة الأولى: "إن الوزارة تتبنى حالياً الاتفاق على عقود خدمية بصدد إبرامها مع شركات عالمية رصينة لتطوير الحقول النفطية بحيث تخضع إلى السيطرة الوطنية، وأن البرنامج والخطط الموضوعة في هذا الجانب من شأنها زيادة الإنتاج اليومي بواقع (500) ألف برميل كل ستة أشهر، وصولاً إلى مستوى إنتاج (4) ملايين برميل يومياً، صعوداً إلى ما يناسب احتياطي العراق من النفط بحيث يبلغ الإنتاج اليومي (6) ملايين برميل يومياً".

بدا على الجولة الأولى انها عبرت بالعراق مرحلة الخطر، واصبح بإمكانه أن يحصل على الدخل اللازم لمصروفاته وتطوير نفسه. وكان يمكن، ويجب، على العراق الاكتفاء بتلك الجولة من العقود، والاحتفاظ ببقية الحقول للتطوير الذاتي، أو إلى ان يتمكن العراق من ترتيب اموره بلا عجل، فما تقدمه الجولة الأولى أكثر من كاف لتمويل الموازنة، وليس هناك أي مبرر للعجلة في توقيع المزيد.

ويؤكد الأمير " أؤكد وعن قناعة تامة بأن جميع الإحالات كانت نظيفة ونزيهة ومن خلال منافسات مكشوفة واضحة، ولم يثر أحد كما لم أقرأ أو أسمع من أحد شكوكاً في نزاهتها. وهذا الأمر يبدو "غريباً" في جو العراق المتخم بالفساد!!، خصوصاً ونحن نتحدث عن حقول نفطية عملاقة، ومبالغ هائلة تقدر بعشرات المليارات من الدولارات في الاستثمارات، وتريليونات الدولارات للقيمة الفعلية للنفط والغاز."

لكن الدورة الثانية من العقود فاجأت الجميع باستهداف العراق لـ "انتاج" رقم غريب يتجاوز (12) مليون برميل/اليوم! وتعني هذه الزيادة ضمن ما تعنيه انخفاض كبير في عمر النفط العراقي.

ومن ناحية أخرى، فأنها تعني ضرورة اقتراض العراق أكثر من (150) مليار دولار، وبفوائد تزيد 5% على الفائدة المصرفية (نظام فوائد لايبر)، اي ما يزيد عن عشرة أضعاف الفائدة المصرفية في ذلك الوقت. نصف هذه المبالغ مخصص للمشاريع الخاصة برفع “الانتاج” إلى الحدود القصوى الجديدة التي يرى الخبير فؤاد الأمير " أن لا فائدة (..منها)، بل بالعكس كلها ضرر". وأنها "ستكون كارثة على العراق سواء من الناحية الاقتصادية أو السياسية." وهو ما يذكر بكتاب جون بيركنز الشهير: "اعترافات قاتل اقتصادي Confessions of Economic Hit Man" (3) والذي يشرح فيه اساليب السيطرة على الدول من خلال إغراقها بالديون في أمور لا تحتاج إليها.

(ملاحظة: لدي تحفظ شديد على تسمية استخراج النفط وبيعه، “انتاجاً”. فلو صح ذلك لكان يمكن لنا ان نسمي بيع ما نملكه من الجبن في الثلاجة، انتاجاً للجبن، لكن المشكلة ان الاسم مستخدم وشائع تماما، لذلك استعمله هنا واضعه بين اقواس اقتباس- صائب خليل).

بقيت عقود التراخيص سرية ولم يعرف محتواها بالكامل لفترة من الزمن. ومما زاد القلق من هذا التصرف هو ان الشركات التي تم التعامل معها كانت معروفة بقلة الشفافية في تعاملها. وقد تكون تلك السرية من شروط او طلبات تلك الشركات نفسها. لكن ما تم كشفه يبين أن في نصوص العقود مواداً تحدد طريقة تعامل الحكومة العراقية مع الشركات ومرجعية تحكيمها، وهو ما جعل صحيفة الغارديان البريطانية تنشر تقريراً قالت فيه أن شركة النفط البريطانية بريتيش بتروليوم BP قد أحكمت قبضتها على الاقتصاد العراقي عقب موافقة الحكومة العراقية على دفع تعويضات للشركة حتى في حال توقف إنتاج النفط في حقل الرميلة العراقي، وأن تعديلات جرت على العقود تجعلها تؤثر في القرارات السياسية التي تتخذها الحكومة العراقية فيما يتعلق بمنظمة أوبك.

وحوت العقود الجديدة، على نصوص (الفقرة 12) تلزم العراق باستمرار استخراج أقصى طاقة ممكنة من حقوله، وأنه إن أراد خفضها، أو فشل في توفير مستلزماتها، فعليه تعويض الفرق في أسرع وقت ممكن بزيادة لاحقة في استخراج النفط عن المقرر، وإلا فهو ملزم بدفع تعويضات عن كل ما "تخسره" الشركات من جراء ذلك النقص.

وقد تم بالفعل إعادة التفاوض مع الشركات لاحقاً، وخفض الحد الأعلى إلى 9 ملايين برميل في اليوم، وهو رقم كبير أيضاً، مقابل تنازلات عراقية تتمثل في زيادة طول مدة العقود وتنازل العراق عن بعض حصته في الشركات التي تنفذ عقود الخدمة (وليس النفط، فهو بأكمله ملك العراق).

نقطة الخلل الثانية في تلك العقود هي طول مدتها، والتي زادت بسبب محاولة العراق التراجع في قضية الحد الاقصى اعلاه. والفترة الطويلة للعقود تقلل من افضلية عقود الخدمة ومرونتها في قدرتها على استبدال من يقدم لها الخدمات بآخر أفضل أو أقل كلفة منه.

كذلك يشار الى ان تكاليف حفر بعض الآبار كان مبالغاً بها، أحيانا إلى أربع مرات بقدر أسعار الحفر لنفس العمق في دول الخليج. وقد تكون تفاصيل الحفر موجبة لذلك، من حيث طبيعة الأرض، لكنها تبقى نقطة تستحق التحقيق.

وعن موقف كردستان، نجد أنه في كل مراحل المؤامرة على نفط العراق، كانت حكومة الإقليم لا تكتفي ببذل كل جهدها لمساعدة الشركات لفرض "عقود مشاركة الإنتاج" على العراق، اسوة بما وقعته حكومة الإقليم، ومحاولة تقديم نسخ سيئة لـ "قانون النفط" يتيح او يجبر بغداد على قبول تلك العقود، وإنما كانت تعمل صراحة على إضعاف القرار المركزي قدر الإمكان، وتعتبره تهديداً لها. إضافة لذلك فقد كان موقف حكومة الإقليم من تقديم عروض باذخة وفاسدة للشركات إغراء لها في ترك تعاقدات بغداد، حيث ان بغداد كانت تشترط على الشركات المتعاملة معها الا توقع عقوداً غير شرعية مع كردستان، وإن لم تطبق ذلك بشكل حقيقي.

مناقشة العقود

في أواخر 2011 كتبت مهاجماً عقود التراخيص بمقالة عنوانها "هل تم تكليف العراق بتحطيم أوبك؟"(4)، أشرت فيها الى "الخلل الكبير" في سياسة العراق النفطية. فالمسؤولون لا يملكون خطة اقتصادية استراتيجية مقنعة، بل يكتفون بالمفاخرة ببلادة مثيرة للدهشة، بخطط لرفع "الإنتاج" بلا حدود، وكأنه هدف مقدس. وتشرح عناوين الصحف توجه الحكومة وترويج بلادتها، مثل: "بغداد تتطلع إلى منافسة الرياض في إنتاج النفط الخام."

كانت عقود جولات التراخيص توقع بسرعة جنونية تنافس سرعة توقيع هوارمي لعقود كردستان، قد وضعت أيضاً أهدافاً جنونية لما يسمى "انتاج" النفط، بتأثير الفقرة 12 سيئة الصيت التي اشرنا اليها.

رغم كل هذه الانتقادات، فإني في السنوات التالية ركزت على الدفاع عن عقود التراخيص بوجه الحملة الإعلامية في، وليس نقاط ضعفها، لأن هجوماً إعلامياً شرساً، شن على تلك العقود، تضمن أكاذيب ومغالطات لم تكن دائماً بريئة، وكان الهجوم الإعلامي ضمن حملة تستهدف كما بدا واضحاً، استبدال تلك العقود، باعتبارها عقود خدمة، بعقود "مشاركة الإنتاج" الأسوأ.

نلاحظ أن التضليل الإعلامي بشأن عقود التراخيص كان مركزاً بشكل خاص على بضعة نقاط، أهمها المبالغة في حساب كلفة البرميل الواحد في تلك العقود (إضافة الى نقاط أخرى سأقوم بإيرادها باختصار في نهاية المقالة). ورغم ان الكثير من الذين نشروا الأرقام الخاطئة حول كلفة “الإنتاج” تلك، كانوا من الأبرياء الذين تم اقناعهم بها خطأً، فان اصل الخطأ ليس بريئاً في تقديري.

لماذا هذه الحسابات الخاطئة؟ ما هو الهدف من المبالغة بكلفة استخراج برميل النفط وفق العقود، ومن يمكن ان يستفيد منه؟

الهدف في تقديري هو خداع المواطن بضرورة تبديل عقود التراخيص بعقود جديدة تحقق "ارباحاً أكبر". وبما ان سعر البرميل في سوق النفط ثابت في الحالتين، فالربح يعتمد على كلفة "الإنتاج". لذلك يجب ان نقوم بحساباتنا لتبدو تلك الكلفة اكبر من حقيقتها، فتبدو الأرباح ضئيلة في عقود التراخيص، وهذه المراوغة تتيح لنا ان نوقع عقوداً سيئة ونحن بأمان.

فلو فرضنا ان كلفة "انتاج" البرميل من النفط وفق عقود التراخيص يبلغ بالحساب الصحيح 6 دولار. فإذا تم استبدالها بعقود جديدة تكون فيها كلفة البرميل 15 دولاراً مثلا، فستكون فضيحة كبيرة لمن يريد توقيع العقود الجديدة. أما إن تم اقناع الناس قبل ذلك بأن كلفة "الإنتاج" لعقود التراخيص هي 20 دولاراً للبرميل الواحد، فسيبدو الـ 15 دولار أفضل، لأنه يوفر 5 دولارات للبرميل الواحد!

لذلك يتم التركيز في المراوغات الحسابية على حساب كلفة "انتاج" البرميل الواحد، ولنفس السبب يتوجب علينا أن نوجه اهتمامنا أولاً للطريقة الصحيحة لحساب تلك الكلفة، ثم نوضح كيف تمت المراوغة في حسابها. ودعونا نبدأ من البداية لكي تشمل الفائدة غير المتخصصين في النفط، وحتى غير المتابعين لملفه، فنبدأ بشرح مبسط للمفاهيم الأساسية لحساب الأرباح كما تطبق على الصناعة النفطية وتجارتها، وتوضيح بعض مفاهيمها مثل كلفة الإنتاج وكلفة رأس المال والكلفة التشغيلية والاندثار، فبدون معرفة هذه المصطلحات ولو بالحد الأدنى، لا يمكن للمواطن غير المتخصص او المتابع فهم ملف النفط.

فيكاد النفط يمثل كل الاقتصاد العراقي وبالتالي مصير البلاد. ولكثرة الأموال في هذا الحقل، فأن الدافع للخداع كبير جداً. ومن المهم أن يفهم المواطن الاعتيادي الأمر بشكل صحيح، خاصة وأنه يتعلق بمستقبله، وفي ظرف انعدمت فيه الثقة بشكل شبه تام.

أسس حساب التكاليف والأرباح في النفط

تحسب أرباح برميل النفط من السعر الذي يباع به البرميل، مطروحاً منه كلفة "انتاج" البرميل. وتحسب أرباح النفط الكلية بضرب أرباح البرميل الواحد بعدد البراميل "المنتجة". ونلاحظ أن سعر البرميل محدد في أية لحظة زمنية من قبل السوق. كما أن عدد البراميل أيضاً معروف في اية فترة من الفترات، لكن كيف نحسب كلفة البرميل الواحد من النفط؟ هذا ليس بنفس بساطة الرقمين السابقين. فعلينا ان نحسب ليس فقط ما يصرف على "انتاج" كل برميل من تكاليف أدوات ورواتب وغيرها، إنما أيضاً يجب ان تحسب التكاليف التي تمثل الاندثار في المنشآت، و"كلفة رأس المال" الخ.

فتقسم كلفة “الإنتاج” النفطي إلى جزئين، الجزء الأول هو ما يسمى “كلفة التشغيل”، وتشمل رواتب العمال والموظفين والوقود، وغيرها من الأمور المتغيرة التي تعتمد بشكل تقريبي على عدد البراميل “المنتجة”. أما الجزء الثاني فيمثل المال المستثمر (المندثر بشكل آلات ومنشآت)* (* حساب الاندثار معقد إذ يعتمد على عوامل مختلفة يصعب تقديرها، بعضها "متغير" له علاقة بالتشغيل وعدد براميل النفط "المنتجة"، وبعضه ثابت كما يعتمد على عوامل لا يمكن تقديرها مسبقا، مثل عمر المشروع، الخ) مضافاً إليه "كلفة رأس المال". فرأس المال (في النظام الرأسمالي) يتوقع مردوداً لا يقل عن حد معين لاستثماره. ويشمل الرأسمال الذي يجب حساب كلفته، ثمن المكائن والانابيب والأبنية وغيرها من الأشياء الثابتة. ففي نهاية المشروع، يجب ان يعيد النفط جميع ما صرف عليه من كلفة تشغيلية وما استثمر فيه من أموال، إضافة الى ما لا يقل عن الحد الأدنى من أرباح راس المال لو انه استعمل في مشروع آخر (كلفة رأس المال). وما يبقى من ثمن النفط بعد ذلك يمثل أرباح ذلك المشروع. ولكي نحسب ما يتحمله كل برميل من تلك المبالغ، علينا ان نقسم المبالغ على عدد البراميل التي تمكنا من "انتاجها".

بالنسبة لما يصرف من "كلفة تشغيلية" ليس الأمر صعباً لأنها تتناسب مع عدد البراميل المنتجة. يمكننا ان نقسم “الكلفة التشغيلية” لليوم الواحد على عدد البراميل المنتجة في اليوم الواحد. فإن كلفنا تشغيل حقل 50 الاف دولار في اليوم الواحد وكان “انتاجه” 100 ألف برميل في اليوم، فأن الكلفة التشغيلية للبرميل الواحد هي نصف دولار. أما حساب التكاليف الثابتة للبرميل الواحد، فهو أصعب واعقد. فالمبلغ الاستثماري، أي "رأس المال"، قد صرف في البداية ولمرة واحدة، ولا ندري كم ستستمر الانابيب والآلات بالعمل (الاندثار) إلا بشكل تقريبي. لذلك يتم تقدير الفترة التي يجب ان يسترد بها المبلغ بعشرين سنة مثلا. وتسمى هذه الفترة بفترة "الاندثار".

ولحساب الكلفة الثابتة لكل برميل، يجب أن نقسم "رأس المال" المستثمر (او المندثر) على عدد البراميل المنتجة المتوقعة خلال عشرين سنة (عمر المشروع)، محسوباً مع كلفة رأس المال. فإذا صرفنا على الحقل ما يعادل بكليته 8 مليار دولار من استكشاف وآلات حفر ومضخات وانابيب وغيرها وكلفة رأسمال، وكان المقدر له ان “ينتج” لنا ملياري برميل خلال عشرين سنة، فان الكلفة الثابتة للبرميل الواحد هي قسمة 8 على 2، وتساوي 4 دولارات.

وبجمعها مع النصف دولار الخاص بالكلفة التشغيلية، يكون لدينا الكلفة الكلية للبرميل الواحد = 4,5 (أربعة ونصف) دولار.

وطبيعي فأن هذه الكلفة تختلف من حقل لآخر، حسب عمق البئر وطبيعة أرضه وكمية تدفق النفط الخ. وبشكل عام كلما كانت الحقول أكبر وأقل عمقاً، كلما كانت الكلفة الكلية لبرميل النفط اقل. ويعتبر العراق من المناطق الأقل كلفة في استخراج النفط في العالم.

الحسابات الخاطئة والهجوم على جولات التراخيص

جاء في "دراسة" ألقيت في تركيا(5)، ما يلي: "وكحساب بسيط فإن العراق من المتوقع أن ينتج مليار برميل خلال عام 2015، بما يعادل 3,3 مليون برميل/اليوم، ستكلفه حوالي 20 مليار دولار –كلفة الشركات 18 ملياراً والجهد الوطني ملياران، أي ما معدله 20 دولاراً لكل برميل –فهل هذه كلف نفط العراق أم كلف نفوط بحر الشمال والصخر الزيتي الأميركي؟!".

رد الأستاذ فؤاد الأمير في كتاب " النفط الصخري و أسعار النفط  و الموازنة العراقية العامة " متسائلاً: إن كانت كلفة انتاج برميل النفط 20 دولاراً وسعر بيعه اقل من 40 دولاراً، كما كان الحال عام 2015، فيجب ان تمثل تخصيصات وزارة النفط اكثر من 50% من ميزانية الدولة، فهل هي كذلك؟ لا!.

كم هي كلفة البرميل الواحد إذن؟ يقول فؤاد الأمير: "هناك حسابات كلفة للاستخراج في وزارة النفط، تصل بمعدلها حوالي إلى (6–8) دولارات للبرميل (بضمنها "الحافز") ... وقد تصل إلى (9) دولارات للبرميل في الحقول الصغيرة، والتي لا تمثل أكثر من (5%) من الإنتاج، وتنخفض إلى (5) دولارات للبرميل في بعض الحقول الكبيرة."

وبما ان انتاج الحقول الكبيرة هو الأكثر، فأن معدل كلفة الاستخراج سيكون قريبا من الـ 5 دولار للبرميل الواحد، وقد تكون 6 دولار او أكثر قليلا،(6) وليس 20 أو 22 دولارا، بالتأكيد!

وشرح الأمير: "إن الغالبية العظمى من الدفوعات... هي استثمارات لمعدات وإنشاءات وحفر آبار وأعمال مدنية ونصب معدات ومد أنابيب وفتح طرق حقلية وشراء ونصب خزانات ومضخات ضخمة وغيرها". وتبقى هذه المعدات تستخدم لسنوات عديدة قبل ان تستهلك. ولحساب (مبسط لـ) تأثير هذه المدفوعات على كلفة البرميل الواحد، يجب تقسيم مبالغها على عدد البراميل المستخرجة خلال سنوات استهلاكها. وطبيعي ان لكل نوع منها "عمراً" مختلفاً، يتراوح بين (5–20) سنة وكمعدل يجب تقسيم مبلغها على ذلك العمر. ويذهب الأستاذ حمزة الجواهري ابعد من ذلك فيقدر عمرها الافتراضي ب “30 أو 40 سنة وربما 50 سنة من بدء التشغيل، ...(و) حتى آخر قطرة نفط في الحقل."

كيف إذن وصل البعض إلى حساب كلفة أكثر من عشرين دولاراً للبرميل؟ ما فعله هؤلاء هو انهم قسموا التكاليف الثابتة الاستثمارية، على عدد البراميل التي “تم استخراجها بالفعل” خلال “السنوات الماضية”، وليس على طول حياة المشروع أو المعدات! لقد حسبوها هكذا: دفعنا كذا مليار دولار، واستخرجنا كذا مليار برميل خلال الفترة الماضية. إذن نحسب كلفة البرميل بقسمة الكلفة الكلية على عدد البراميل الكلية التي استخرجناها. وقد يبدو هذا منطقياً جداً، لكنه خاطئٌ تماماً. لأننا لم ندفع ما دفعناه من أموال من اجل براميل النفط التي استخرجناها بالفعل فقط، بل أيضا دفعنا كلفة بنية تحتية مازالت صالحة للاستخدام لسنوات طويلة. والحساب الصحيح يفترض تقسيم تلك الكلفة على ما سيتم استخراجه من براميل في المستقبل ايضاً، فبذلك نحصل على الكلفة الحقيقية للبرميل، وهي اقل بالتأكيد مما يحسب في الحالة الأولى الخطأ.

ان موضوع الاندثار موضوع معروف اقتصادياً ولا يمكن لشخص يريد ان يحسب كلفة انتاج شيء ان يكون جاهلا به. كما ان هناك جداول اندثارات لكل المواد المختلفة في الصناعة، فكيف يمكن تجاهل كل ذلك دون اثارة علامات استفهام على من يفعل؟

لم يكن هذا هو التلاعب الوحيد بالأرقام، فمن الأرقام الخاطئة الأخرى التي اشاعها بعض "متابعي النفط" المحسوبين على خندق الشركات، هي الادعاء بأن العراق "خسر" بسبب سوء التدبير، من ثروة النفط للفترة من 2011 إلى 2014، ما قيمته 14 مليار دولار (وذهب البعض الى اكثر من ذلك بكثير). وكان من المروجين لهذه الدعاية الكاذبة رئيس لجنة الطاقة البرلمانية السابق عدنان الجنابي وكذلك عادل عبد المهدي (قبل ان يتراجع متحججاً بسوء فهم كلامه) – وهما من عرابي مشروع شركة النفط الوطنية الحالي المشبوه. وهذه المراوغة تم حسابها بالشكل التالي: كانت الخطة الأصلية للاستخراج تهدف إلى الوصول إلى 9 مليون برميل في اليوم الواحد، ثم 12 مليون. لكن هذا السقف لم يتحقق. ما تحقق هو بحدود الـ 3 ملايين فقط. فيقوم من يحسب "الخسارة" بحساب الفرق بين عدد البراميل المخططة وتلك المتحققة لتلك الفترة، ويضرب هذا الفرق بقيمة برميل النفط حينها، ليحصل على ارقام "خسائر العراق"!

ما المشكلة في هذا الحساب الذي يبدو منطقياً ايضاً؟ هناك ثلاث مغالطات وليس واحدة في الحقيقة.

المغالطة الأولى هي أن العراق، حتى لو استخرج 9 ملايين او 12 مليون برميل في اليوم الواحد لما كان بإمكانه ان يسوقها دون ان يحطم الأوبك وحصصها، وكان سيكون لهذا أثر مدمر على مردودات النفط للدول المصدرة كلها مستقبلا حتى إن زادت مردودات الحاضر.

والمغالطة الثانية في هذا الحساب هي انه إن تم تسويق هذه الزيادات، فسوف تتسبب في انخفاض فوري كبير في سعر البرميل، بسبب امتلاء السوق النفطية وفيضانها عن الحاجة أصلا.

فلحساب الفارق أو ما يسمى "خسارة العراق" لعدم استخراجه وتصديره تلك الكمية من النفط، يتوجب علينا استعمال السعر المنخفض المتوقع لبرميل النفط في حالة اغراق السوق بهذه الزيادة، وليس السعر القديم للنفط قبل الإغراق. وهكذا فالزيادة في المردود لا يصح ان تحسب بهذا الشكل ولن تكون ابداً بهذا الحجم. بل قد لا تكون هناك اية زيادة في المردود إن انخفضت الأسعار كثيراً، بل ليس مستحيلا ان الانخفاض في السعر قد يكون تأثيره أكبر من تأثير زيادة الاستخراج، فيكون المردود أقل مما قبل الزيادة! وقد حدثت هذه الحالة الغريبة للسعودية في الماضي بالفعل، حيث كانت تسخر نفطها لتحطيم الدول لحساب الولايات المتحدة حتى لو كانت على حساب مواردها!

ففي دراسة للدكتور اياد القحطاني (7) من جامعة كولورادو لكمية تصدير النفط السعودي لعام 2004، تبين أن زيادة استخراج النفط بنسبة 2.5% تسببت في انخفاض في اسعاره بنسبة 3.8%، اي أن الكمية الاكبر من النفط، كان لها عائد أقل!

يمكننا ان نأخذ مثالا من الحاضر. فبفضل خنوع السعودية لأوامر ترامب وزيادة "انتاجها" من النفط قليلا إلى 12 مليون برميل في اليوم، انخفض السعر العالمي لنفط برنت من 84 دولار للبرميل إلى 61..! وهي نسبة أعلى بكثير من نسبة ما رفعت به السعودية "انتاجها"، أي انها هي ذاتها خسرت، وصارت تبيع الكمية الأكبر بسعر أقل! فكيف إذا ارتفع "انتاج" نفط العراق من 3 ملايين إلى 12 مليون؟

هذه الحقائق التي يحفظها كل من يعرف شيئا عن سوق النفط عن ظهر قلب، ليست ضمن اهتمامات من كان مكلفاً بتشويه سمعة عقود التراخيص مثل عدنان الجنابي وعادل عبد المهدي.

واخيراً المغالطة الثالثة في حسابات هذه "الخسائر"، هي أننا في الحقيقة لم "نخسر" تلك المبالغ! فكل ما حدث اننا لم نستخرج نفطنا ونبيعه بشكل جنوني كما تفعل المملكة العربية السعودية مثلا. وما زال النفط موجودا داخل الأرض، فلماذا يحتسب ثمنه كخسارة وكأن بقاءه في باطن الأرض للأجيال المقبلة، ليس له اية قيمة؟

المشكلة الحقيقية في عقود التراخيص: التبذير غير المبرر في طموحات الاستخراج!

قلنا في بداية هذه المقالة ان الحكومة، ربما بسبب الضغوط السياسية والفنية في ظروف الاحتلال“ لم تقدم خطة اقتصادية إستراتيجية مقنعة” لاستغلال ثروة العراق النفطية. وأنها بدلا من ذلك رضخت لدوافع مختلفة دفعت بها الى تبني طموح غير عقلاني لما يسمى "إنتاج النفط". وبدلا من اللجوء الى خطة عقلانية فأن العراق دفع إلى منافسة السعودية في هذا الجنون.

لكن الحقيقة هي أن جنون تلك الخطة أكبر من الجنون السعودي في "الإنتاج". فعدا الحقائق التي تبين الفارق بين العراق والسعودية التي وصلت إلى هذه المرحلة بعد 70 عاماً، من التطوير الذي شمل البنية التحتية وبناء المصافي وشراء الناقلات لتصل إلى ما وصلت اليه في "انتاجها" وهو ما لم يتح للعراق ولا حتى جزئياً، فإننا نتساءل: ما الذي كسبته السعودية من هذا "الإنتاج" البالغ لكي يقتدى بتلك السياسة؟ وأين ذهبت أموال تلك الثروات الهائلة التي تم ضخها؟  لقد ذهبت لدعم بنوك أميركا وإنكلترا في أزماتها، وشراء ترسانة هائلة من الأسلحة لهدف غير واضح، إضافة إلى تمويل مشاريع اسقاط الدول والحكومات والإرهاب بتوجيه امريكي، فلماذا يريد العراق السير في طريق هذه نتائجه؟

نبه الأستاذ فؤاد الأمير الى أن "الحكومة المركزية صارت مثل كردستان، "تركض" لتوقيع العقود النفطية والغازية. حيث أن عدد العقود التي وقعتها الحكومة المركزية قد بلغت (15) عقدا خلال أقل من عامين (في دورات التراخيص الثلاث الأولى)(8)

وبدا واضحاً ان وزارة النفط تشعر أن هناك تآمراً على النفط العراقي، وانها كانت تسعى الى المسارعة بتوقيع العقود خشية الوصول الى وضع اصعب، يتيح للشركات الامريكية استغلاله لتوقيع عقود (مشاركة) سيئة كما في كردستان.

لكن هذا لا يمنع الضرر. فقد شرح الأستاذ منير الجلبي في مقالته "النفط العراقي: ما المخفي داخل عقود دورات التراخيص الأولى والثانية" أضرار المادة (12) التي تخص الزام العراق بـ "الإنتاج" الأقصى، وكذلك عن المادة (37)، والتي تعطي "غرفة التجارة العالمية"، التحكيم القطعي وأن يكون مقر التحكيم باريس. ويبدو أن هذه المادة الأخيرة ما كان بالإمكان تجنبها في ظروف العالم الحالية، وحيث ان الشركات لا تثق بالتحكيم الوطني للبلد.

ويشرح الأستاذ فؤاد الأمير في دراسته “نظرة في دورات التراخيص النفطية والغازية” ونشرها في كتاب "الجديد في القضية النفطية العراقية"، أن تلك المادة في العقود، تفقد العراق بعض حريته في تحديد كمية انتاجه وتوزيعها بين الآبار والحقول كما يرى في صالحه، وفي هذا بعض المساس بالسيادة، إضافة الى تكاليفها المالية الباهظة.

فالعراق لن يمكن ابداً ان يحصل من أوبك على السماح بهذا الحجم من "الإنتاج". لقد كانت حصة أوبك من النفط الخام في 2010 (29,3) مليون برميل/اليوم، ولديها فائض مقداره ما بين (6-7) مب/ي. وبسبب حساسية سوق النفط فأن أية زيادة إضافية قد تسبب انهيارا في الاسعار. حتى عام 2020 ستزداد حصة أوبك بمقدار 3,9 مب/ي عن 2010. ولو أعطيت كلها للعراق، (وهو أمر مستبعد) لأصبحت حصته حينها (6,2) مب/ي، وهو رقم بعيد عن خطته للوصول إلى (13,5).

الحل الثاني لدى العراق، هو الخروج من أوبك (والذي قد ينتج عنه تفكيكها أو حلها بالكامل)، وهو ما تسعى إليه الدول الصناعية الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة وتعمل جاهدة على تنفيذه. فقد كانت تحطيم الأوبك دائماً هدفاً سعت الولايات المتحدة إلى تحقيقه منذ زمن، وكان آخر ما كشف عنه، ما نشره "كريك بالاست Greg Palast" من (323) صفحة من الوثائق السرية عام 2005  حول مقترح للمحافظين الجدد للرئيس بوش الابن لدفع العراق لتتجاوز حصته في أوبك كثيرا، بأمل الوصول إلى انهيار الأسعار وتفكيك أوبك من خلال العراق الذي كان من مؤسسيها! (فؤاد الأمير).

هذا الخيار خيار خاسر، سياسياً ومادياً اذن، لأنه سيؤدي في النهاية الى انهيار الأسعار وخسارة الكثير. فلا يبقى إلا أن يقبل العراق بدفع "حوافز الشركات" عن البراميل التي لم تنتج. وقد حسب فؤاد الأمير ان العراق لو اكتفى بـ "انتاج" 6 مب\يوم بدلا من الـ 12 القصوى، فأن مقدار ما سيدفعه سيكون 1,71 مليار دولار في العام للشركات (بفرض ان الشركات لن تطالب بغير الحوافز). والآن وقد خفض العراق السقف الأقصى الى 9 مب\ اليوم، (مقابل تمديد أطوال العقود و تخفيض حصة الجانب العراقي من تجمع الشركات من 25% إلى 10%) يمكننا ان نقدر الحد الأقصى لما قد يدفعه العراق بنفس النسبة، بأنه بحدود 850 مليون دولار في العام.

الحل؟ يرى الأمير: " التفاوض مع الشركات لإلغاء أو تعديل هذه المادة بالصورة التي تخدم العراق، ويمكن العمل بها. ويفضل أن يتم ذلك من الآن، إذ أن هذا التخفيض يعني أيضاً تقليل الاستثمارات الأولية (إذ سنقلص الإنتاج)"، وبالتالي فهو يخفف ضغط القروض على البلاد. وكتب "إن إعادة النظر بهذه الفقرة ليس أمراً مستحيلاً، حيث أن هناك مجال للمناورة والمساومة في فقرات أخرى من العقود، كمسألة هامش الربح وغيرها."

اعتراضات شائعة على عقود التراخيص واجوبتها

وردت الكثير من الاعتراضات المنطقية وغير المنطقية على عقود التراخيص في مقالات ومقابلات تلفزيونية ودراسات اقتصادية مختلفة (9).  وقد ناقشنا اهم تلك الاعتراضات، ونكمل القائمة بالاعتراضات التالية والرد عليها.

1- ندفع في عقود الخدمة أرباحاً ثابتة للشركات حتى لو انخفضت أسعار النفط، فكيف تكون في صالحنا؟

هذا صحيح، لكن هذه طبيعة عقود الخدمة. الدولة تحصل على كل أرباح زيادة الأسعار، وتتحمل خسائر انخفاض الأسعار من الجهة الأخرى. ولكن جب ان تنخفض الأسعار بشكل شديد جداً قبل ان يتساوى ما يمنحه عقد المشاركة مع عقد الخدمة.

مادامت أسعار النفط عالية، فأن عقود الخدمة هي التي تعطي الدولة حصة اكبر مما تعطيها إياها عقود الشراكة. وكلما انخفض سعر النفط، كلما اقتربت النتائج المالية لعقود الخدمة مع عقود المشاركة، أي أن الفرق بين ما تربحه الدولة بين نوعي العقود سيكون أقل، وسيقترب النوعان من بعضهما. لكن الانخفاض يجب ان يكون شديداً قبل ان يتساوى النوعان من العقود. وصحيح أنه اذا هبطت الأسعار اكثر، فستكون عقود الشراكة أجدى للدولة من ناحية المردود المالي. لكن في أي سعر للنفط يكون هذا؟

لقد حسب الأستاذ أحمد موسى جياد ذلك فوصل إلى أن عقود الخدمة أجدى ماليا للدولة إلى ان ينخفض النفط تحت 10 دولار للبرميل الواحد! فما دامت أسعار النفط لم تهبط هذا الهبوط الشديد، فأن عقود الخدمة التي وقعتها بغداد، اكثر مردوداً من عقود المشاركة التي وقعتها كردستان.

إضافة إلى ذلك فهناك السلطة السيادية على النفط، وهي مهمة جداً، وهي افضل دائما وبكثير في عقود الخدمة، حيث لا تستطيع الشركات ان تفرض رأيها إلا في حالات خاصة جدا وبطرق الاحتيال والرشاوي. لذلك فأن عقود الخدمة هي الأنسب في الغالبية الساحقة من الحالات.

2- هناك تكاليف إضافية مثل تكاليف حماية خبراء الشركات وموظفيها! وهناك رواتب خبراء الشركات وموظفيها، بعضها يبلغ 60000 دولار شهريا لصغار المدراء، وأنه "لا يحق لاحد الاستفهام من الشركة المتعاقدة عن أرقامها الخيالية"

من الطبيعي ان تتكفل الحكومة بالحماية وتكاليفها في مثل هذه العقود. وهذا أفضل من ترك الأمر للشركات، لتحسبها بنفسها وتتصرف بها، وتأتي بمن تشاء للحماية مثل "بلاك ووتر" وأمثالها من العصابات إلى العراق. أما تكاليف ورواتب الموظفين فهي ليست جزء من العقود. التكاليف تحدد من خلال تقديم الشركة 3 عروض تختار الحكومة الأنسب منها، وتستطيع الحكومة الضغط وتقديم بدائل بنفسها إن كان هناك ارادة. أما ان لم يكن هناك إرادة فالعقود لا تستطيع حل المشكلة، مهما كانت نصوصها مناسبة.

3- لا يوجد نص يحدد استخدام الكوادر العراقية في العقود

في الحقيقة هناك نص يقول (ان الشركات المتعاقدة، تقوم بتشغيل الكوادر العراقية، قدر الإمكان)

وعبارة "بقدر الإمكان" تتيح لفريق الحكومة اجبار الشركة على تشغيل الكوادر العراقية المتوفرة وتستطيع محاججتها بها متى توفرت تلك العناصر.

4- في العقود نص يقول: لا تسري القوانين الجديدة بما فيها الضريبة على الشركات الاجنبية العاملة في البلد.

هذا شيء طبيعي، فليس من المعقول أن تسري قوانين ضريبية جديدة على الشركات بعد توقيع العقد. فلا تستطيع ان توقع عقدا مع شركة وتبلغها بأن الضريبة ستكون 30% على أرباحها، على سبيل المثال، ثم تغير نسبة الضريبة وتجعلها 50% بعد توقيع العقد.

5 - لا يتم التحكيم على الخلافات بالمحاكم الوطنية بل في المحاكم الدولية ومنها محكمة غرفة التجارة الدولية في باريس.

هذا صحيح وهو في غير صالح الدولة المضيفة لكن للأسف لا مفر من ذلك، وهو من مكاسب الضغط الرأسمالي الذي تم تثبيته في قوانين التجارة العالمية لإعطاء الشركات الأفضلية على الحكومات.

6 - في عقود الخدمة تتحكم الشركات النفطية بالتكاليف والتكنولوجيا

في عقود الخدمة عقود تأتي الشركات بخبراتها التكنولوجية لخدمة العقد، وتقدم قائمة بتكاليف تلك التكنولوجيا. لكن هذا لا يعني أن الدولة المضيفة ليس لها رأي في ذلك، بل يمكنها ان تجادل وتفاوض على كل من التكنولوجيا وكلفتها في كل مراحل تنفيذ العقد، وتسعى إن استطاعت ان تبين ان التكنولوجيا غير مناسبة او ان تكاليفها مبالغ بها وتشتكي إن اضطرت إلى المحكمة التي قد لا تستطيع ان تقف بجانب الشركة دائماً. ويعتمد هذا طبعا على قدرة الدولة وكادرها من ناحية المعرفة التكنولوجية والمتابعة، ومن ناحية النزاهة والإرادة السياسية.

7- طول فترات العقود غير المعتاد، تفرغ عقود الخدمة من استقلاليتها.

صحيح الى حد ما. المفروض بعقود الخدمة انها تضع على الشركات خدمات محددة تنفذها وتترك المكان، أما ان يكون العقد طويلا جدا ليغطي عمر البئر مثلا، فهو يسلط ضغطا على حرية التصرف الحكومي والقدرة على المناورة للخيارات الجديدة الأنسب وربما الأقل كلفة، وإن لم يكن يسلط ضغطا فيما يتعلق بالسياسة النفطية.

8- إن كانت عقود التراخيص جيدة، فلماذا كلفة "انتاج" البرميل فيها اكبر بكثير من تلك التي قبل الاحتلال؟

يجب ان نذكر بداية، أنه في الفترة التي سبقت الاحتلال الأمريكي في 2003، كانت التخصيصات لتطوير القطاع النفطي قد توقفت من زمن طويل، لذلك لم تكن هناك "كلف استثمار" ثابتة، وكانت "الكلفة التشغيلية" وحدها، هي الكلفة الكلية. ولهذا كانت كلفة إنتاج برميل النفط العراقي واطئة جدا وتبلغ (1,6–2) دولاراً. (فؤاد الأمير) ولكن بعد عام 2003 والعمل على زيادة “الإنتاج”، تم إدخال استثمارات كبيرة جديدة، لذا توجب إضافة مبالغ اندثاراتها و "كلفة رأس المال" إلى الكلف التشغيلية، من اجل حساب الكلفة النهائية لاستخراج برميل النفط"(2) وهو ما زاد كلفة انتاج البرميل الواحد، ولا علاقة لذلك بسوء عقود التراخيص.

خاتمة:

تحدثنا في الجزء الأول عن تاريخ التآمر عن النفط العراقي بشكل خاص بعد الاحتلال الأمريكي، والدور الخطير الذي مارسه ساسة كردستان فيه.

وفي الجزء الثاني بينا بشكل مبسط الفروق الأساسية بين عقود مشاركة الإنتاج وعقود الخدمة، ولماذا تفضل الشركات الأولى وتفضل الدول الثانية، ولا يتم اللجوء إلى الأولى إلا في حالات التنقيب في أماكن تتحمل مخاطرة كبيرة لعدم وجود النفط فيها. ولذا تجد رئيس الحكومة المنصب بشكل غير دستوري، عادل عبد المهدي – او الهادي، يؤكد حين كان وزيرا للنفط عزمه على توقيع عقود مشاركة في الإنتاج للمناطق غير المستكشفة باعتبار ان فيها مخاطرة عالية.

والحقيقة انها كذبة كبيرة. فأولا ليس العراق بحاجة إلى اية عقود إضافية، فهو اضطر الى دفع المبالغ للشركات من أجل تغيير العقود لخفض الحد الأقصى للاستخراج لأنه لا يملك البنية التحتية لاستيعابها أولا، ولأن سوق النفط مشبعة بشكل لا يتيح المزيد من التصدير دون تحطيم الأسعار.

ويذكرنا تصريح عبد المهدي المذكور بالاحتيال الذي مارسه اشتي هورامي بوضع حقول منتجة في قائمة "الرقع الاستكشافية" من اجل ان يتمكن من إعطائها للشركات بعقود مشاركة انتاج! ولذلك لا يمكننا ان نصنف مقولة عبد المهدي إلا ضمن استمرار تآمر الشركات على النفط العراقي وسعيها لفرض عقود مشاركة الإنتاج بأي شكل كان.

خصصت الجزء الثالث للحديث عن عقود التراخيص وبعض الأحداث المرتبطة بها والضرورية لتوضيح الصورة لدى المواطن. وفي الجزء الرابع قدمنا مناقشة سريعة لبعض تفاصيل تلك العقود. وعدت في الجزء الخامس لإعطاء فكرة عن طريقة حساب كلفة برميل النفط، وهو موضوع أساسي تمت ممارسة الاحتيال كثيرا في حساباته، للهجوم على التراخيص. هذا الهجوم الإعلامي نوضح تفاصيله الأساسية في الجزء السادس.

وبعد تحديد نقاط الخلل الحقيقية التي لا تنكر في عقود التراخيص، في الجزء السابع، وأهمها تحديد سقف انتاج عال جداً، وكلفة ذلك على العراق، نعود للرد على اهم نقاط الحملة الإعلامية التي هاجمت العقود في الجزء التالي، أي الثامن، واخيراً ها نحن نلملم ما سبق طرحه في هذه الخاتمة.

المؤامرة لتحويل عقود التراخيص الى عقود مشاركة انتاج او أي شكل اخر، مازالت مستمرة وشرسة، وقد بدأت قبل الاحتلال ونشطت في أول حكومة عينها الاحتلال متمثلة بالدكتور اياد علاوي، ولم تتوقف يوماً، بل تأخذ اشكالا مختلفة آخرها كان قانون "شركة النفط الوطنية" الذي مرر خلسة. ومن الجدير بالذكر ان الدكتور اياد علاوي تحدث في مقاله المذكور أعلاه(3) عن ضرورة انشاء "شركة نفط وطنية" وخصخصتها! وطبيعي ان د. علاوي لا يعرف من النفط أكثر مما يعرفه عادل عبد المهدي: صفر! لكن المهمة التي كلفا بها لا تتطلب اكثر من تمشية سياسة معدة لهما مسبقا، ووضع التواقيع عليها.

ولكي نفهم حجم المؤامرة، نذكر ان الشهرستاني اخبر فؤاد الأمير بأن أحد خبراء النفط العراقيين المعروفين، تجرأ ان يقترح عليه إعطاء نفط كركوك والرميلة بشكل "عقود مشاركة"، وهي حقول منتجة!! وهذا وامثاله نبه الشهرستاني الى الخطر الذي يتعرض له النفط مستقبلا، وهو ما قال انه جعله يستعجل توقيع العقود لكل الحقول والرقع الاستكشافية، لكي يفوت الفرصة على من يريد ما هو أسوأ.

إن عقود التراخيص، رغم كل ما عليها من سلبيات تم ذكرها، كانت في تقديري "مقبولة"، خاصة ان اخذنا ينظر الاعتبار حجم الفساد المهول وسيطرته على البلاد وعلى الحكومة، وعودة الجيوش الامريكية ودور السفارة العملاقة بكل مؤسساتها المجهولة، في تحديد الحكومات وسياساتها. ولعل المؤشر الأهم على ذلك هو انسحاب العديد من الشركات من العقود التي حصلت عليها مثل أكسون موبايل وشيل وشيفرون، وهو ما يدل على ان ارباحها كانت على الحافة واقل من طموحاتها كثيرا، أي انها كانت مناسبة للعراق. لقد صمد النفط بفضل من دافع عنه، لكن المعركة دائرة، والسنوات القليلة القادمة ستكون بلا شك حاسمة في ملف النفط العراقي، وبالتالي مصير الشعب العراقي ككل.

 

صائب خليل

..................................

ينشر المقال بشكل حلقات: (الحلقات التي لا تتوفر روابط لها، يمكن ايجادها بواسطة كوكل، إن كان قد تم نشرها)

(*) صائب خليل - حكاية عقود التراخيص في حلقات – 1 الحكاية والمؤامرة على النفط

https://www.facebook.com/saiebkhalil/posts/2315219915201731

(**) صائب خليل حكاية عقود التراخيص – 2 عقود “مشاركة الإنتاج” وعقود “الخدمة”

https://www.facebook.com/saiebkhalil/posts/2317057748351281

(***) حكاية عقود التراخيص – 3 جولات التراخيص كما حدثت

https://www.facebook.com/saiebkhalil/posts/2319067224817000

(****) حكاية عقود التراخيص – 4 مناقشة العقود

 https://www.facebook.com/saiebkhalil/posts/2321985824525140

(*****) حكاية عقود التراخيص – 5- أساس مبسط لحساب كلفة البرميل

(******) حكاية عقود التراخيص – 6 الحسابات الخاطئة والهجوم على جولات التراخيص

(*******) حكاية عقود التراخيص – 7- مشكلة عقود التراخيص: التبذير في طموحات الاستخراج!

(********) حكاية عقود التراخيص – 8 اعتراضات شائعة على عقود التراخيص واجوبتها

(********) حكاية عقود التراخيص – 9 خاتمة

(1)  Future of Iraq Project - SourceWatch

 ttps://www.sourcewatch.org/index.php/Future_of_Iraq_Project

(2) “علاوي يضع الخطوط العامة للسياسة النفطية الجديدة”

ترجم المقال ونشر في صحيفة الغد (منبر اليسار الديمقراطي) العراقية في 22/11/2004، ونشر الأستاذ فؤاد الأمير مقالة لمناقشة هذه السياسة في العدد الصادر في 9/1/2005. وكلا المقالين موجودين في كتاب: «مقالات سياسية اقتصادية في عراق ما بعد الاحتلال». فؤاد قاسم الأمير، نيسان 2005، دار الغد.

(3) John Perkins - Confessions of an Economic Hit Man - Part I

http://www.youtube.com/watch?v=yTbdnNgqfs8

(4) "هل تم تكليف العراق بتحطيم أوبك؟"

المقالة في صحيفة "الأخبار" اللبنانية،

(5) - "دور الشركات النفطية العالمية في تنمية القطاع النفطي الإستراتيجي–تقييم وتحليل" د. فالح حسن الخياط، محاضرة في "الندوة الصناعية للمندى العراقي للنخب والكفاءات"، 21–22/5/2015 في إستنبول/تركبا.

(6) وضع ديوان الرقابة المالية التقدير بين 9 إلى 10 دولارات

(7) دراسة الدكتور اياد القحطاني حول تأثير زيادة ضخ النفط في السوق على اسعاره

http://www.iaee.org/en/students/best_papers/Al-Qahtani.pdf

(8) كتاب الأستاذ فؤاد الأمير "نظرة في دورات التراخيص النفطية والغازية".

http://www.albadeeliraq.com/article16756.html

(9) د. نبيل جعفر عبد الرضا: التراخيص النفطية—قيود جديدة على الاقتصاد العراقي

goo.gl/aaz1ZZ

(10) لاحظ حمزة الجواهري ان معظم الكلفة التشغيلية هي مبالغ سوق يعاد تدويرها في الاقتصاد العراقي، مثل رواتب الموظفين.

 

قاسم حسين صالحمهداة لمن يفكر ببناء اسيجة على جسور بغداد

من بين أكثر الموضوعات إثارة للدهشة، أن يقدم الإنسان على "نحر" نفسه! فنحن نندهش من تلك القدرة الغريبة التي تمتلك الإنسان، فتولد لديه الإصرار على أن ينهي حياته بقتلها !. والأغرب ما في هذه القدرة لحظة تنفيذ هذا الإصرار. إنها - في اجتهادي - أفضع مأساة تراجيدية تمثّل فعلاً على مسرح الحياة البشرية، يكون فيها "البطل" هو القاتل والقتيل معاً!. ونتساءل: لماذا يقتل الإنسان نفسه؟ هل يكفي أن يفقد الإنسان الأمل في الحياة ليغادر هذه الحياة؟ وهل إذا حلّت به آلام "فرتر" أو "سيزيف " أو "روميو" أو "جوليت" فأنه لا خلاص له منها إلا بقتل النفس؟!

وحتى لو حسبنا الحياة على ما يرى أبن الرومي حين قال:

(فلا تحسب الدنيا إذا ما سكنتها       قراراً فما دنياك غير طريق)

أو ليس من الأجدى أن نسير في هذا الطريق على مهل لا أن ننطلق إلى نهايته مثل رصاصة ؟!

الانتحار .. قديماً وحديثاً:

يرتبط الانتحار بالموت، وللمجتمعات والمدنيات القديمة فلسفاتها في الموت. فالفيثاغورسية تؤمن بالتناسخ والخلود،  حتى أن فيثاغورس نفسه ادعى في زمانه بأنه متجسد حينذاك للمرة الخامسة ! والبوذية تعتقد بان المثل الأسمى الذي يمكن أن يصبو أليه الفرد هو الوصول إلى حالة " النرفانا " أو " العدم العام " أي فناء الذات واتصالها بعالم الحقيقة. فالوجود شرّ على الإنسان.فيما ينظر البابليون إلى الموت على انه مخيف. ولم يبدو على السومريين والاكديين انهم فكروا بأن الموتى يحيون، بل يبقون موتى إلا الحكّام فهم الذين يعيشون حياة أخرى، ولذلك يدفن معهم مرافقوهم وزوجاتهم وحاشيتهم وحرسهم وعدتهم.

وقد حرّمت الأديان  قتل النفس، وإن تباينت في توكيد التحريم. فالمسيحية أصدرت قرارات بتحريم الانتحار عام (639م)، وقبلها وبعدها جاء في بعض موادها : " إن الانتحار جريمة وخطيئة "، فيما يعدّ الدين الإسلامي اشدّها توكيداً بتحريم قتل النفس، بآيات قرآنية صريحة بذلك : " ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيماً " سورة النساء (86).وعن جابر بن سمرة قال: اخبرني النبي (ص) برجل قتل نفسه فقال: " لا اصلّي عليه " (أخرجه أبو داود 81)، ما يعني أن المنتحر، من وجهة نظر الإسلام، جزاؤه النار ولا عذر له مهما كانت مبرراته. والمفارقة العراقية أن حالات الأنتحار تضاعفت في زمن حكم أحزاب الأسلام السياسي فيما يفترض حصول العكس!

وسيكولوجيا، هنالك اربعة منظورات تختلف في تشخيص أسباب الانتحارهي:التحليل النفسي، السلوكي، الأجتماعي الحضاري، والوجودي، وفلسفات حديثة (الوجودية بشكل خاص) ناقشت مسائل أساسية في معنى الوجود والحرية والالتزام والحياة والموت في الوقت المناسب!..لا مجال لذكرها.

الانتحار..عالميا و..عراقيا:

- هناك ما بين 800 ألف إلى مليون شخص ينتحرون كل عام، أي بمعدل شخص كل 40 ثانية، وفقا لمنظمة الصحة العالمية.

- يعدّ الإنتحار ثاني أهم سبب للوفاة بين من تتراوح أعمارهم بين 15 و29 عاما على الصعيد العالمي عام 2015.

- تستأثر البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل بنحو 78% من حالات الإنتحار في العالم.

- معدلات الإنتحار أعلى في الرجال عنه في النساء،  بمقدار ثلاث الر أربع مرات.

- وفقا لمنظمة الصحة العالمية لقائمة الدول حسب نسب الانتحار، احتلت اليابان الترتيب التاسع (36%ذكور، 13%اناث لعام 2004).وسويسرا- افضل دول العالم لعام 2018، الترتيب 22(24%ذكور، 11%اناث لعام 2004).وجاءت الكويت بالترتيب (89)، سوريا(98)، مصر (100) ولم يرد اسم العراق(ويكيبديا).

الأنتحار .. عراقيا.. شواهد:

- شهد المجتمع العراقي ارتفاعاً بنسب الانتحار، خصوصاً بين الشباب والمراهقين (الحياة،  كانون الثاني 2016)

- حصلت وزارة حقوق الإنسان على معلومات مؤكدة بزيادة حالات الانتحار بمحافظة كربلاء غالبيتها من الشباب والفتيات، وسجّل أحد الباحثين في دراسة  لمدة 11 شهراً أكثر من 120 حالة انتحار أو محاولة انتحار، (الناطق باسم وزارة حقوق الانسان ).

- كشفت قيادة شرطة محافظة ذي قار أن حصيلة حالات الانتحار المسجلة لدى الشرطة منذ مطلع العام 2013 ولنهاية آيار بلغت 17 حالة لأشخاص لا تزيد أعمارهم عن  25 سنة (السومرية نيوز، ايار 2013)

- نشرت مفوضية حقوق الإنسان العراقية في مارس/آذار 2014،  إحصائية، كشفت عن تصدر المحافظات الجنوبية النسب الأعلى في الانتحار، في مقدمتها ذي قار بـ(199) حالة في2013 (القدس العربي).وفي تصريح أحدث للقضاء العراقي:تصدرت بغداد وكربلاء وذي قار حالات الانتحار للعام(2016) بواقع 22، 23، 38 حالة على التوالي(الحرة عراق، 5/7/2017).

- اثارتزايد حالات الانتحار بين الشباب والفتيات بمحافظة ذي قار المزيد من القلق بين الأوساط الشعبية، داعين الجهات المعنية التدخل لمعالجة أسباب ودوافع الانتحار والحد من هذه الظاهرة الآخذة بالتزايد) المدى ).

- حالة من القلق والخوف تشوب الشارع الشعبي البصري بعد تزايد حالات الإنتحار في المحافظة ووصولها درجات مقلقة تقترب من الظاهرة(غوغل).

- اعلنت مفوضية حقوق الانسان ان عدد حالات الانتحار في الربع الاول من عام 2019 بلغ 132 حالة ( RT).

دوافع الأنتحار

في قراءتنا للادبيات والتحقيقات الصحفية، تتلخص اسبابه بثلاثة:

- البطالة في قطاع الشباب،

- تردي الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية،

- عادات وتقاليد اجتماعية متخلفة.

تلك هي الاسباب التقليدية للانتحار، والذي حصل بعد التغيير، تزايد شدة وحدة الاسباب التقليدية هذه، اذ اشارت التقارير الى ان نسبة البطالة بمحافظة ذي قار بلغت (34%)، فيما تعدى عدد من هم دون مستوى خط الفقر سبعة ملايين عراقي، وزاد عليها ظهور أسباب عراقية جديدةّ! للأنتحار نوجزها بالآتي:

- توالي الخيبات. صبر العراقي خمس سنوات بعد (2003) ثم خمسا، ثم خمسا..ولأن للصبر حدود، وقدرة على التحمل، فان البعض من الذين نفد صبرهم عمد الى الانتحار بوصفه الحل الأخير لمشكلته.

- الشعور بالحيف والندم.تجري لدى بعض الشباب مقارنة بين شخصه وقدراته وقيمه وبين آخرين يحتلون مناصب بمؤسسات الدولة يقلّون عنه خبرة وكفاءة وقيما، مصحوبا بشعور الندم على اضاعة الفرصة..فيعاقب نفسه بقتلها.

- الاكتئاب واليأس والوصول الى حالة العجز. حين يجد الفرد أن الواقع لا يقدم له حلّا لمشكلته، ويصل مرحلة اليأس والعجز، فانه يلجأ لانهاء حياته.وهنالك اكثر من حادثة بينها انتحار ست نساء في النجف قبل سبعة أعوام جاءت بسبب وضع اطفالهن الصعب، ولأنهن لم يستطعن اعالتهم فإنهن اخترن الانتحار بشكل جماعي.

- فشل السلطة واستفرادها بالثروة. تعرّف السياسة بأنها فن ادارة شؤون الناس، وما حصل في العراق ان الطبقة السياسية عزلت نفسها مكانيا ونفسيا في عشرة كيلومتر مربع لتعيش حياة مرفهة وتركت الناس يعيشون حياة الجحيم، ولم تستجب لمطالبهم وتظاهراتهم من شباط (2011) والى الآن.

- اشاعة الأحباط.يعمد الأعلام ووسائل الاتصال الاجتماعي الى اشاعة الاحباط، بمواصلة العدّ التنازلي للأمل، لاسيما في تغريدات عبر الفيسبوك من قبيل:

- شعب سلبي رافض لكل فعل باتجاه خلاصه.

- تغيير الحال بالعراق..حلم ابليس بالجنة.

- مع ان اغلب الفاسدين يعترفون بانهم سرقوا الشعب..فانه سيعيد انتخابهم.

وبتزامن هذه الأفكار (القاتلة) مع مشاهد القتل اليومي والفواجع، فان الانتحار يكون نهاية محسومة لدى من تصل لديه الحال..درجة الصفر.

وهنالك أسباب أخرى لا نريد الأستطراد بها.

جمهور الفيسبوك

كنت استطلعت رأيهم عبر هذه الأصبوحة:

(مجلس محافظة بغداد يأمر ببناء أسيجة للجسور لمنع الشباب من الانتحار.بم تصف من "أبدع هذا الأبتكار"، ومن أوصل الشباب لهذا القرار- 22 نيسان 2019).

بلغ عدد من اطلع على هذا المنشور (3765) وعدد التعليقات(102) معظمها تسخر من هذا الأجراء بالطريقة العراقية!، اخترنا ما يمثل رأي أكاديميين ومثقفين:

- عندما يوكل الأمر لغير أهله فلا تعجب من القرارات.ومع ان هذا القرار في العاصمة وهي تضم آلاف من اصحاب الأختصاص، فكان يفترض بمجلس المحافظة التشاور معهم لأيجاد حلول جذرية وليست ترقيعية(د.آسو)

- هذا هو ما يسمى بذر الرماد في العيون، ويذكرني بمقولة لعادل امام:اذا تبرعت للفقراء قالوا عنك انسان خير ومؤمن، ولكن اذا سألت عن سبب الفقر قالوا عنك كافر وشيوعي (عبد العزيز ججو-السويد).

- الاهتمام بالقشور نتيجة منطقية للسطحية وانعدام الكفاءة وعدم الاستعانة بالمختصين (باسل الخطيب).

- هذا هو الغباء بعينه.فبدلا من معالجة المشكلة التي اوصلت الشباب لهذا الحال،  يريدون تكبيل بغداد بقيود أخرى (قحطان جاسم جواد).

- لا تحولوا جسورنا الى اقفاص.اجراؤكم هذا لن يقلل من حالات الأنتحار(ناشطون)

- كل منتحر يقفز من الجسر يريد ايصال رسالة احتجاج لسلطة الفساد الحاكمة على ظلمها وتحطيم مستقبل شبابنا وانهيار معظم المعايير الأخلاقية التي يقوم عليها المجتمع السليم (علاء الخزرجي)

- طبعا  ابتكار جديد ويستحقون عليه براءة اختراع لأنه  تفنن جديد بعقود سترسي على المتعهدين والمقاولين التابعين لأحزابهم (طاهر البطوطي).

- لقد اكتشف رئيس مجلس محافظة بغداد سرّا خطيرا لم تعرفه الانسانيه على مر العصور حين توصل الى ان طريقة الانتحار تتم بواسطة الجسور ووجد العلاج المناسب. شكرا مجلس محافظة بغداد على هذا الانجاز العظيم (فؤاد بندر).

- شرّ البلية ما يضحك!(غسان الرشيد)

نكتفي بذلك ..ونختتم بتوجيه اقتراح الى الحكومة العراقية والبرلمان ومجلس محافظة بغداد نلخصه بالآتي:

توحيد جهود المؤسسات المعنية بالصحة النفسية، والجمعية العراقية للبحوث والدراسات الطبية في البصرة، وجمعية الأطباء النفسيين العراقيين، والجمعية النفسية العراقية، بوضع خطة علمية تستهدف الحد من ظاهرة الانتحار في العراق.ودعوة اقسام علم النفس والارشاد التربوي والنفسي وعلم الاجتماع في الجامعات العراقية الى التنسيق فيما بينها للتعامل مع ظاهرة الانتحار في الاوساط الجامعية بشكل خاص.وعقد ندوة تدعو الكتّاب والمثقفين ووسائل الأعلام الى التوقف عن اشاعة ثقافة التيئيس، ونشر الثقافة التي تشيع التفاؤل والتعلّق بالحياة، وتقديم برامج تخصصية تستهدف حل المشكلات برؤية سيكولوجية وكيفية التعامل مع الضغوط النفسية على غرار البرنامج الدرامي (حذار من اليأس) الذي كنّا نقدمه من اذاعة بغداد على مدى سبع عشرة سنة وما يزال العراقيون يتذكرونه.

مع وافر التقدير والأحترام لمن يستمع النصيحة ويأخذ بها.

 

أ. د. قاسم حسين صالح

مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية

أمين عام تجمع عقول

 

زهير الخويلدي"لمن يريد أن يتخذ هذا الفن صنعة، يصل بها إلى معاشه ويستعين بها على قوته وقوت عياله، هذا واستوفيت القول فيه بحسب الغرض المقصود وكفيتك الاستمداد بآراء أهل الغباوة من أهل البراري"1

يتعرض قطاع الفلاحة عندنا إلى تهديدات حقيقية بسبب المخاطر الناجمة عن توقيع اتفاقيات شراكة وتبادل حر مع الدول الاستعمارية مثل اتفاقية الأليكا وتخلي الدولة عن دورها العادي في تنمية القطاع وعصرنته.

في هذا السياق يمكن التأكيد على علاقة التجذر بين الفلاح والأرض في المخيال الشعبي للذاكرة الوطنية وعلى المهام الإستراتيجية التي قامت بها أنماط الإنتاج الزراعية في تحقيق الأمن الغذائي وفي تصديها الوقائي من للمجاعات أثناء الكوارث والأزمات البيئية ويمكن الإشارة إلى المساهمة الفكرية التي قدمتها بلادنا إلى الحضارة الإنسانية منذ القرطاجنيين مع ماغون في تأسيس علم الفلاحة إلى ابن العوام الاشبيلي.

عاش عالم الفلاحة الأندلسي أبو زكريا يحي ابن العوام في القرن 12 ميلادي الموافق للقرن السادس هجري في اشبيلية قبل سقوطها في يد ملك القشتاليين فراندو الثالث سنة1248 بعد حصار دام ثلاثة أشهر، وإذا كان تاريخ ولادة الاشبيلي غير معروفة بالتدقيق فإنه قد توفي بالتحديد سنة 580 حسب المؤرخ الزركلي وكان قد تتلمذ على يد ابن البصال الطليطلي وابن الحجاج الاشبيلي والطنغري الغرناطي ولقد اطلع على المصادر الإغريقية واللاتينية والمشرقية في كل ما كتبه العرب والمسلمين في اختصاصه.

لقد تم نفض الغبار عن كتاب الفلاحة عام 1802 بعد ترجمة النص العربي من طرف الراهب الاسباني خوسي أنطونيو بانكيري وأصدرته الأكاديمية الملكية الاسبانية للتاريخ وعرضته المكتبة الوطنية بمدريد.

يتكون كتاب الفلاحة من بابين: الأول يضم 16 فصلا حول الفلاحة بصفة عامة والنباتات وزراعة الأرض بصفة خاصة، في حين يحتوي السفر الثاني على 14 فصلا حول تربية الحيوانات والاستفادة منها ، ويشير في التقديم إلى منزلة الفلاحة في الحياة الإنسانية وفوائدها الكثيرة ويدعم رأيه بالمأثور من الدين والحكمة.

يتناول الكتاب بالدرس والتحليل مواضيع والحراثة وطرق تسميد الأرض وأنواع السماد والغراسة وأنواع التربية والمياه والري والعوامل المؤثرة في الزراعة والنبات والأشجار المزروعات الفصلية والتركيب والنباتات التزينية التي تزرع في الحدائق والبساتين والعناية بالحيوان وتربية الماشية والمناخ والمحيط.

 لقد راهن ابن العوام على عدة اعتبارات أساسية:

- تخليص موضوع الفلاحة من ميدان الطب والتداوي بالأعشاب وسعى إلى تأسيس علم خاص بها.

- لم يرض بالاكتفاء بالجانب المعرفي والبقاء في مستوى النظر بل وضع المعرفة موضع التطبيق.

- وصف التجارب الخاصة وعلاقته المباشرة بالأرض وعمله الميداني بالزراعة وتربية الحيوانات.

لقد قدم ابن العوام تفسيرا وافيا عن كيفية تنظيم زراعة النباتات في المكان وفق الطول والأهمية واخضرار أوراق الأشجار وزمن قطف الثمار وحساسيتها تجاه قوة الرياح عند هطول الأمطار وحدوث العواصف.

لقد استجاب عرضه في هذا الكتاب للتنظيم التقليدي للحدائق والبساتين وفق مربعات ومستطيلات وحرص على أن تكون الزوايا حادة وأعطى أهمية كبيرة للتنظيم المنهجي والتدرج الوظيفي لاستعمال خنادق الري.

كما يحلل الكتاب تنوع التربة الموجودة ويفرق بين التربة السوداء والتربة الحمراء وبين التربة الحجرية والتربة الطينية والتربة الرملية ويبحث في الطرق التي تساعد على تقوية النوعية والزيادة في الخصوبة وتحدث عن طرق إعداد الأرض وحرثها وتقليبها وتهويتها قبل زرعها وأشكال التسميد والتنقية والحصاد.

لقد خصص الاشبيلي بعض الفصول من كتاب الفلاحة لفن التقليم والقص والأمراض التي تصيب النباتات والأشجار وقدم فيها الطرق المساعدة على المحافظة على الغلال والفنون التي تسمح بتلوينها وتعطيرها واعتنى كذلك بالنباتات التي يتم استعمالها في الصباغة والحياكة والنسيج وترطيب الجلود وصنع الأحذية. لقد مثل كتاب علم الفلاحة عند ابن العوام الاشبيلي الخطوات الواثقة والحاسمة نحو قيام الهندسة الزراعية التي تغذت من كتب الأول في مجال النبات والتربة والحيوان والملاحظات التجريبية للرحالة عن الحدائق.

كما يتنزل هذا العلم ضمن استفادة العرب والمسلمين من انتشارهم في حوض البحر الأبيض المتوسط ومخالطتهم لعدد كبير من الشعوب والمجتمعات المغايرة لهم في إفريقيا وآسيا وتأسيسهم علم الصيدلة وعلم العقاقير pharmacologie وعلم النبات botaniqueوبحثهم عن المعادن والأسمدة الكيميائية.

لقد تأثر ابن العوام بكل علماء النبات والفلاحة والأرض الذين اشتهروا عند الإغريق والرومان والفرس وخاصة ترجمة نيكولا الدمشقي في القرن الأول الميلادي لكتاب أرسطو المعنون مقالة في النباتات traité des plantes والذي تضمن معالجة لفيزيولوجيا النباتات وأيضا كتاب تيوفراست المعنون: أسباب النباتات les causes des plantes الذي عاش بين 371 و288 قبل الميلاد وكتاب ديوسكوريد المادة الطبية la matière médicale الذي عاش في القرن الأول ميلادي والمؤلف الموسوعي الذي ترجمه العرب من السريالية ويعود للإغريق في نهاية القرن الثامن والمعنون agriculture nabatéenne الزراعة النبطية ، ولقد ذكر ابن العوام 585 نوعا بالاعتماد على القصص التي رواها الرحالة أثناء زيارتهم لبلاد فارس والهند وخاصة ابن بطوطة والخوارزمي والبيروني ومعرفتهم بالعالم النباتي. كما ميز الاشبيلي بين الفلاحة والزراعة وطب النباتات واهتم بخمسة وخمسين نوعا من الأشجار المثمرة وركز بالخصوص على أشجار الزيتون والعنب والرمان والنخيل وما توفره من التمور مفيدة للصحة. لقد ترجم الكتاب إلى الأسبانية سنة 1801وتم نقله إلى الفرنسية سنة 1864 وننتظر تحقيقه في العربية2. فمتى نتعلم التمسك بالأرض ونمنح قيمة مضافة للفلاحة ونأخذ العبرة من ضياع الأندلس وخسارة اشبيليا؟

 

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

......................

المصدر:

1-Le livre de l’agriculture d’ibn-al-awam, traduit de l’arabe par J-J clement- Mullet, librairie A. France Albert L, herold, Successeur, Paris, 1864.

2-. L’agronomie arabo -andalouse, in, revue le point, avril -mai, 2019,p26.

 

صادق السامرائيالآليات السلوكية وأبجديات ما فينا:

 أولا: تذكر المتصوَّر من الذكرى

هذه الذكرى تتميز بالوضوح الصارخ في ذهنيتنا "...لم يعف رسمها"، إضافة إلى ما نمليه من وحي خيالنا وتصورنا على الذكرى المُستنهضة من أعماق الزمن الفائت.

وبهذا تتحول الأشياء إلى غير طبيعتها مدججة بقوة الخيال والتصور والخداعية

 "ترى بَعر الأرام في عرصاتها   وقيعانها كأنه حب فلفل"

 فيتحول بعر الأرام إلى حب فلفل.

وهذا تطرف في التصوير والتخيل والإنطلاق إلى رحاب بعيدة تماما عن الواقع المعاش.

"كأني غداة البين"

 يقول معبرا عن قدرة عيش لحظة الذكرى ووعي الحدث الذي يتذكره وفقا لما يراه ويتصوره. وبسبب هذا التذكر الحي الناشط الفعّال يوشك من الحزن أن يهلك ولا يتلطف على نفسه، بل يقسو عليها بأشد ما يمكنه من القسوة والجلد.

إن الشفاء من هذه الذكرى المتفجرة المشحونة بالعواطف والتصورات والخيالات والفنتازيا، يكاد يكون مستحيلا برغم وعي العقل والمنطق لعدم مصداقية الفعل والتفاعل معه.

 "وإن شفائي عبرة مهراقة .."

ومع ذلك فهو يعاتب نفسه ويناقض عقله الذي يقول:

" فهل عند رسم دارس من معول"

 أي أنه يقر بوجود العقل ورأيه وسببيته وتعليله، لكنه لا يتبع إقرار العقل وإنما مراد العاطفة والتوهم والتصور، المبني على ما يجيش في نفسه من رغبات مكبوتة.

ثانيا: الهروب من الواقع

وهذا نتاج الواقع الغير ممكن تغيره،  الواقع "التابو".

فلم يفكر الشخص بتغيير واقعه وكان يهرب منه إلى الخيال البعيد.

إن روح التغيير تكاد تكون مرفوضة ومن بنات المستحيلات.

فالواقع الأرضي لا يمكن تغييره بالجد والإجتهاد، وإنما السماء هي التي تغيره إن أمطرت أو أنكرت على الواقع شيئا من الماء.

فما كان الواقع مرهون بإرادة الشخص ولكنه مرهون بقوة المطر.

ولهذا لجأ الشخص إلى الأصنام وإلى الآلهة لكي يتوهم من خلالها بأنه سيفعل شيئا في واقعه. وتحوّلت قوة الآلهة إلى تعبيرات خيالية بعيدة عن الواقع المعاش،  أي أنها إكتسبت القدرة على إخراج الشخص من أزمة واقعه إلى حرية الخيال، والتحليق الرومانتيكي في فضاءات اليقظة الحالمة.

ثالثا: الركض وراء السراب والخوف من تحقيق الهدف

"كدأبك أم الحويرث قبلها  وجارتها أم الرباب بمأسل"

هنا تنكشف آلية في التفكير تشير إلى اللجوء إلى ما لا يمكن تحقيقه والحصول عليه والإبتعاد عن الذي يمكن تحقيقه.

ومن هنا فانه لا يريد فعل شيئ، بل يوهم الآخرين بأنه قادر على أن يفعل، لكنه لا يحقق ما يريد بسبب هذه وهذا من العثرات والموانع والمؤامرات وغيرها من المعوقات.

فيخرج من مفردات الممكن إلى مفردات المستحيل، فيبدأ بوصف الحالة على أنها شيئ لا يمكن للبشر أن يكون عليه.

وهذا المراد الصعب الذي يحلم بتحقيقه سيدفعه إلى البكاء الشديد والندب،  لأن ما يجيده في حقيقة الأمر، هو البكاء على الأطلال والندب وقد أقر في بداية المعلقة بذلك.

رابعا: الجنوح إلى الغرائبية والأسطورية

"ويوم عقرت للعذارى مطيتي"

تتكشف هنا إندفاعات العقل نحو الغرائبية، والتعبير عن سلوكيات غير مألوفة، لكي تمنح القائم بها خصوصية وتفردا لا يساويه فيه أحد.

ومن بعدها تطل علينا روح المغامرة في الشخصية ، وآليات تبرير المغامرة وتلوينها بقوة الخيال، وكأن الشخص ينتصر على واقعه بتجاهله والعيش في واقع لا يرتبط به تماما.

أي أن الإنقطاع عن الواقع القائم هو السمة البارزة في تحديد معالم الشخصية في هذا القول.

خامسا: إستلطاف دور الضحية

أفاطم مهلا بعض هذا التدلل    وإن كنت قد أزمعت صرمي فأجملي"

 وفيما بعده من أبيات،  يتحقق إقرار بإستلطاف دور الضحية في الشخصية،  فهو بعد المغامرة وتلوينها بكل تلك الصور الخيالية أو السرابية، تلذذ بدور الضحية وكأنه كان يطمح من مغامرته أن يكون ضحية.

ويأخذ بتسويغ هذا الدور وإيجاد المبررات التي يقنع بها نفسه.

وهذه الضحية تبحث عن اللذة،  أي أنها تقرن الألم باللذة، وهي تمضي إلى دور الضحية بمحض إختيارها وإصرارها وتعاني فيه، لكنها تتلذذ بإضطهاد جلادها لها أيضا، وهنا تبرز الجوانب الماسوشيستية في الشخصية،  فهذا الإيلام الذاتي من أجل اللذة يصل إلى حد مواجهة الموت.

ليس لكي يموت بل لكي يضع نفسه في أشد حالات الخطر، التي ستأتي بمردود إيجابي على مقدار اللذة التي سيحققها في لقائه مع مَن يريد أو تحقيق هدف ما.

أي أن تحقيق الهدف هنا يكون مقرونا بالألم والعناء والشقاء الإمتهان، حتى ليفقد الهدف قيمته بعد أن يتم الوصول إليه وتبرد نيران الإندفاع نحوه، ويتحول إلى عالم الكآبة والإنكسار والتوجع والبكاء من جديد، وكأنه يدور في حلقة مفرغة من الأوجاع المستحيلة الانقشاع.

وبعدها تبدأ تباريح الخيال والتحليق في سرابيات التصورات ونزع الأوصاف على الهدف، ويتم تحقيق الرغبة في الحلم اليقظوي، وليس في الواقع المرير القائم من حولنا.

أي أن حلم اليقظة قوي ومؤثر في التفكير، وأحد المكونات الأساسية لإرضاء الرغبات اللاشعورية، والحاجات النفسية المدوية في العمق البشري.

سادسا: الإنقلاب على الهدف ومعاداته

وهكذا يتحول الهدف إلى خصم لأنه قد أغدق عليه كل هذه الخيالات، فأوجعه بالخيبات وحوله إلى حالة بائسة متألمة متوجعة في بحر الحسرات.

إنه لا يريد أن يرى ما يريد عندما يفتح عينيه بل حينما يغمضهما.

وهذا اليأس والقهر والشلل يتأكد عندما ينتقل إلى وصف حالة الليل، التي ما عاد قادرا على إحتمالها وصار إحساسه بالزمن مشوها لشدة الرغبة وكثرة موانعها وصاداتها.

وليل كموج البحر أرخى سدوله               علي بأنواع الهموم ليبتلي

فقلت له لما تمطى بصبحه                    وأردف إعجازا وناء بكلكل

ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي          بصبح وما الاصباح منك بأمثل

فيا لك من ليل كأن نجومه                    بكل مغار الفتل شدت بيذبل

كأن الثريا علقت في مصامها               بأمراس كتان إلى صم جندل

وفي هذه الأبيات تتجلى بوضوح محنة الشخصية،  إنها صنعت موقفا وركنت إليه بسبب مغامرتها وعدم تدبرها، وإهمالها لعقلها رغم وعيها لقيمته وسماعها لصوته، لكنها لا ترعوي، فاستهانت بالعقل و‘ندفعت نحو الوهم بكل تداعياته، ونحو الفنتازيا بكل أشكالها، حتى وصلت إلى حوض المحنة والعناء.

وهذا وصف دقيق لذروة التراجيديا في شخصيتنا فردية أم جماعية ، فالوصف ينطبق على حياتنا في الزمن المعاصر، وعلى مدى القرن العشرين وسنمضي هكذا في القرن الحادي والعشرين.

سابعا: الشعور بالذنب والنرجسية

بعد هذا العناء والمحنة التي لا يمكن الخروج منها من غير تضحية وألم،  وبرغم ما تكلفه من أوجاع أراد خروجا أو فكّر بمخرج من عظيم مأساته وخزين أساه،  فوجد نفسه موحشا في واد تعوي فيه الذئاب ويأخذ بمقارنة نفسه بها،  وكأنه يلوم نفسه على ما فعله وحرثه وأنجزه لأنه لم يورثه إلا الشقاء والهزال.

كلانا إذا ما نال شيئا أفاته            ومن يحترث حرثي وحرثك يهزل

الذئب هنا رمز القوة والهجومية. فهو لا يتنازل عن كبريائه وسيادته وأنفته برغم ما ألم به من وعثاء العناء والقهر.

وكأنه يدخل في عالم آخر من السرابية والوهم ليبدأ بمدح نفسه وتجاوز واقعه الذي عاشه وتكلف منه ما تكلف.

إنه يرغب بوصف نفسه بما ليس فيها ويطرب للمديح ويعشقه عشقا مريضا حد الموت، وهذا جزء من فقدان الشعور بدور الفرد في الحياة وقيمة ما يقوم به.

فيتحول إلى فرد فاقد الشعور بالقيمة ويريد من الآخرين أن يسقونه كؤوس الإطراء والمديح، لكي تتأكد فرديته وتتحقق نرجسيته وقوته.

هكذا يعود شاعرنا إلى نفسه مداحا لها ومعبرا عن عطشه لهذه الحاجة العربية الغريبة.

وقد أغتدي والطير في وكناتها          بمنجرد قيد الأوابد هيكل

ثامنا: الندب والتفتت أمام صخرة الواقع

وتنتقل الشخصية إلى وصف عدتها وهو الحصان أو الفرس، وراحت تتعامل مع الواقع الذي تعيشه، وهي تلونه ببعض الخيال المرتبط به، وكأن الشخصية عادت إلى الأرض بعد أن طفح بها الخيال، وتغربت عن كيانها وتمادت في طيشها وعنائها لتعود إلى واقع واضح، فيه حصان يُسرج وصيد يُطارد وحاجات بشرية يومية لا بد من إرضائها، بعيدا عن أوهام الخيال وتجليات السراب.

عاد إلى الواقع الذي جزعه وحاول التخلص منه بالخيال والكثير من حلم اليقظة والشرود، هذا الواقع هو عبارة عن صراع عنيف بين الأرض القاحلة ومطاردة الصيد وأكل لحمه، والعناية بالفرس والتعامل معها كل يوم، وهذه حياة صعبة ومكلفة ولا يمكنه أن يشفى منها إلا بالخيال، وما فكر يوما بالتفاعل الخلاق من أجل تغييرها وتحويلها إلى وجود آخر مفيد للمجتمع الذي هو فيه.

- الخاتمة

إن أبيات المعلقة تكشف لنا عن آليات فعالة في تفكيرنا مفادها أن الفرد منا لا يواجه واقعه، ولا يبتكر الوسائل الكفيلة بتغييره، وإنما ينأى عنه ويخرج منه إلى آليات الخيال والحلم.

فلا يخطر على باله بأنه قادر على مواجهة وتغيير الواقع الذي هو فيه.

ومن هنا تجد أن الفرد منا يتجاوز واقعه ويجنح إلى الخيال البعيد، وكأنه مصاب بحالة شلل ومقعد، يريد من الآخر والقدر أن يغير الواقع الذي هو فيه، وهذا يحقق الإتكالية والقدرية والإنجماد.

إن وعي ملامح شخصيتنا وفهم الآليات التي تدفعنا للتفاعل مع بعضنا وواقعنا والآخر من حولنا يساهم في رسم طريقنا في الزمن المعاصر

وعندما جاء محمد(ص) برسالته وواجه الواقع القائم وأقر مؤمنا بتغييره. لاقى صعوبات جمة أخذت منه أكثر من ثلاثة عشر سنة، لكي يحول أنظارنا من الخيال وتجاهل المحيط الذي نحن فيه إلى الوقوف إزاءه ونقده ومراجعته وتغييره.

إن هذا الميل في الشخصية نحو تجاوز مفردات الواقع والسعي إلى نسيانها، وركنها في معزل عن فعل الإرادة والعقل، لا زال فاعلا في حياتنا اليومية المعاصرة.

فالموقف الإقصائي للواقع المعاش وعزله في صناديق اللاوعي لازال من الآليات الفعالة والمؤثرة، والتي ترسم خارطة حياتنا السياسية والإجتماعية عموما.

فعلاقتنا بالواقع الذي نعيشه علاقة إنقطاع وتثاقل وتوجع وضجر وتبرم.

فنحن لا ننفتح على محيطنا بإيجابية وإبداعية وإرادة واضحة التعبير وإيمان بالحياة الأفضل،  بل ندور في ذات الدوامة،  بين مطر وجفاف وصيد وغزو،  فما عرفنا التفاعل الإبداعي مع محيطنا.

وما تشكلت عندنا مكونات الجوهر الوطني، والإحساس بالإنتماء إلى الأرض التي نسميها وطن. فلم نفكر آنذاك في العمارة والإستقرار لغياب تلك القيمة، مما أضعف الإحساس بالوطنية فأثر في شخصيتنا وله نتائجه السلبية التي نحصدها، وهذا ربما يفسر بعض الإندفاعات التخريبية لدينا تحت آلية أنا أصون ملكي وأدمر ملك الآخرين.

 وهذا واضح في شخصية إمرؤ القيس،  فهو الملك الأمير والشاعر الذي يريد أن يدخل التأريخ بشعره ومغامراته ومواقفه الصعبة، التي تنتهي إلى تراجيديا الدمار والخراب حتى قضت به إلى الموت بلباس من الذهب معفرا بالسم.

إن المعلقة تشير إلى مفردات واضحة في شخصيتنا تجسدها شخصية هذا الشاعر الأمير، الذي هو سيد قومه ووارث أجداده والثائر لأبيه، وكأنه يريد أن يقول بأن ما نقوم به ما هو إلا نشاطات ترويحية أو تنفيسية لأحلام وتطلعات محبَطة، ومتكدسة في صدورنا لا نستطيع الإرتقاء إلى تنفيذها، فعلينا أن نسكر بلذة الإمساك بها في خيالنا وسلوكنا الخداع.

هذه رحلة مقتضبة في معلقة إمرؤ القيس، أرجو أن أكون قد وفقت من خلالها بمساهمة متواضعة لفهم آليات شخصيتنا، التي تتسبب في تحقيق سلوكنا الفردي والجماعي.

 

د. صادق السامرائي

 

الافكار تقوم وَتُؤَسَسُ على مفاهيمَ، وكذلك العلوم مُؤسَسَةٌ على مفاهيمَ ومُصطَلَحاتٍ، لابُدَّ من تفكيكِها وفهمِها، للولوج الى عوالمها، ومعرفة تفاصيلها.

في البداية كان في ذهني ان يكونَ عنوانُ المقال (المَفاهيمُ بينَ التَبيِئةِ والاستنساخ)، ولكنني عندما راجعتُ هذا المفهوم، وجدت ان الدكتور (محمد عابد الجابري) استخدمه في مقاربته لمفهوم الاصلاح، ولعلّهُ هو اولُّ من استخدمَ هذا المُصطلح، والاّ فانّي كنت افضّلُ مصطَلَحَ (التبيئة)؛ لانّهُ يتناسبُ مع مصطلح الاستنساخ؛ لان كليهما مصطلحان بيولوجيان؛ ولهذا عَدَلتُ عنهُ .

مفهوم التوطين

المقصودُ بالتوطين هو: أَنَّ الافكارَ تنتمي الى وَطَنٍ، ونَبَتَت في بيئةٍ معينةٍ، وَنَشَأت في سياقات وشروط ثقافيّةٍ واجتماعيّةٍ خاصّةٍ، ولها مرجعيّةٌ فكريّةٌ خاصّةٌ .اذا نقلناها الى وطنٍ اخر، وبيئةٍ اخرى قد لاتؤتي ثمارها كما كانت في بيئتها الاولى، وقد تكون عائقا للنهوض في البيئة الجديدة، والوطنِ الجديد. فلا بدَّ ان نستنبَ هذهِ الافكارَ مع الوطنِ الجديدِ ونُخضِعَها للمرجعيةِ الجديدةِ، والظروفِ والسياقاتِ والشروطِ الثقافيّةِ والاجتماعيةِ الجديدةِ .

مفهومُ الاستنساخ

مفهومُ الاستنساخِ يعني نقلَ الفكرة من وطنها الاصلي، وبيئتِها التي تشكلت وتَكَوَنت فيها مع مرجعيتها وجذورها واصولها الفكرية، دون النظر الى السياقات والشروط والمرجعية الجديدة . والاستنساخ ايجاد نسخ جديدة متماثلة مع المنشأ الاصلي، كاستنساخ النعجة (دولي) .

نحن بحاجة الى توطين المفهوم، وتبيئتهِ، ودراسة تأريخهِ وتكييفه مع مرجعيتنا الثقافية فمفهوم الديمقراطيّة، تتبناهُ معظم دولُ العالم، ولكنها تخضعهُ للتوطين، بما يتوافق مع شروطها ومرجعيتها؛ حتى يكون هذا المفهوم مقبولاً في الوطنِ الجديد.

التجربةُ الاسلاميّةُ في ايران تبنت الانتخابات، والاستفتاء على الدستور، وهي اليات ديمقراطية، ولكنّها كيفتها مع مرجعيتها الاسلاميّة، واصحبت ممارسةً اسلاميّةً، لايراها المواطنُ الايرانيُّ شيئاً لاينسجم مع ثقافته.

هناك من دعا في عالمنا العربيِّ الى استنساخ المفاهيم، كطه حسين، وسلاّمة موسى، وغيرهم .... وهناك من دعا الى العلمانيّة، دون النظر الى سياقاتها وظروفها التي تشكَّلَت فيها .

مُصطَلَحُ (الدولة الحضارية)، مصطَلَحٌ يقبلُ التوطينَ، والاستنبات في اوطاننا وتكييفه مع مرجعياتنا الفكرية.. ولايمكن استنساخه من دول حضاريّةٍ اخرى تختلفُ عنا في ظروفها النفسية والاجتماعيّة والثقافية ومرجعيتها الثقافية . نعم، يمكن الاستفادةُ من تجارب الاخرين، والانفتاح على كل الافكار والتجارب البشريّة .

والخلاصة: يمكن نقل المفاهيم من بيئاتها الخاصّة واوطانها وتجريدها من مرجعياتها الثقافيّة والفكريّة، وتكييفها مع شروطنا النفسيّة والثقافيّة ومرجعيتنا الفكرية؛ حتى لايكون الفكر المُستَنبَتُ نبتاً غريباً .

 

زعيم الخيرالله

 

عبد الحسين شعبانفي ظلّ حيرة وذهول عالميين بعد تفجير مسجدين في جنوب نيوزيلاندا وبعد العمليات الإرهابية التي استهدفت كنائس في سريلانكا مؤخراً، تطرح مجدداً مسألتين في غاية الأهمية والإلحاح على بداهتهما، الأولى - أن الإرهاب لا وطن له ولا دين ولا قومية ولا لغة ولا منطقة جغرافية ولا يمكن مجابهته بالوسائل العسكرية والأمنية لوحدها. والثانية- الحاجة إلى التربية على السلام واللّاعنف، وبقدر ما يشمل الأمر المجتمعات فإنه يشمل الأفراد أيضاً، فالتطرّف وهو وليد التعصّب إذا ما انتقل من التفكير إلى التدبير وأصبح سلوكاً سيتحوّل إلى عنف، والعنف حين يضرب عشوائياً ويستهدف خلق الرعب  والفزع في المجتمع يستهدف إضعاف ثقة الناس بالدولة والقانون، وعندها يصير إرهاباً ممتداً على مساحة جغرافية واسعة من العالم.

وعلى الرغم من الجهود المبذولة لتعزيز التزام الدول والمجتمعات بنشر ثقافة السلام ورفع الوعي بأهمية اللّاعنف، إلّا أن ما قامت به الدول والمجتمعات  والمنظمات المعنية على اختلافها ليس بالمستوى المطلوب، حيث تفشّت ظواهر العنف والإرهاب في جميع المجتمعات، وكانت الهجمات الإرهابية التي وقعت في الولايات المتحدة في 11 سبتمبر (أيلول) 2001 محطة أساسية وغير مسبوقة للوقوف عند الخلل الذي تلمّسه المجتمع الدولي إزاء نقص الوعي بأهمية وضرورة التربية على قيم السلام واللّاعنف، وكان ما أعقب ذلك من أعمال إرهابية اتخذ أشكالاً مختلفة ووسائل متنوّعة ، شملت العالم أجمع بما يلقي مسؤولية كبرى على الدول والمنظمات الدولية، ولاسيّما الأمم المتحدة لتعميم ثقافة السلام واللّاعنف، وتعزيز مستلزمات تعميق الوعي بأهميتها من خلال وسائل  تربوية وتعليمية حديثة ومتطورة تسهم في تعزيز القيم الإنسانية .

ويتطلب ذلك وجود استراتيجية ذات بعد إنساني في تعزيز الجهود الرامية للتربية على السلام واللّاعنف، ولاسيّما حين تكون الأدوات المعرفية مقترنة بالأبعاد الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، الأمر الذي تحتاج إلى ربط التعليم بعملية التنمية المستدامة، والتربية بقيم التسامح والسلام واحترام حقوق الإنسان، وذلك بتنقية المناهج الدراسية ورفع كل ما يتعارض مع هذه القيم وإيلاء الاحتياجات الضرورية للمجتمعات من أجل مواجهة التحدّيات، خصوصاً بتدريب المعلمين وتأهيلهم  في إطار مناهج جديدة تستجيب لروح العصر وتنبذ كل ما له علاقة بالكراهية والعنصرية والعداء للآخر الذي هو بشر لا أكثر ولا أقل مثل غيره له الحقوق وعليه الواجبات ذاتها.

ولا بدّ لعملية التربية على السلام واللّاعنف من تعزيز المعارف والمهارات وتعميق القيم والمثل الإنسانية لإحداث تغييرات في سلوك الأطفال والشباب وأسرهم وعموم الناس لمنع حدوث الصدام والعنف والسعي لحل الخلافات بالوسائل السلمية، سواء على صعيد الأفراد أم الجماعات أم الحكومات والدول.

وقد انشغلت اليونسكو بالعديد من الأنشطة الرامية إلى تعزيز ثقافة السلام واللّاعنف، وذلك بمعالجة قضايا العنف المدرسي وإدماج حقوق الإنسان والتربية على السلام في البرامج الوطنية وسعت لبناء القدرات والتعليم في حالات الطوارئ، إضافة إلى إعادة البناء في المناطق التي تعرّضت للحروب والنزاعات.

ولعلّ من مستلزمات التربية على السلام وتعزيز ثقافة اللّاعنف الاهتمام بالمتلقين والمتعلمين وبالمحتوى والوسائل والبيئة التعليمية، إضافة إلى اختبار النتائج والعمل في ضوئها، وبخصوص بيئة التعليم فإن الرياضة والفنون والآداب وتنمية المواهب تلعب دورها في ترسيخ ثقافة المشترك الإنساني والتواصل مع الآخر.

وكانت قد تأسست جامعة دولية للسلام وأعدت برامج تتعلّق بالقانون الدولي وتسوية النزاعات ودراسات السلام الدولي وثقافة السلام والأمن الإنساني والثقافي والفكري والبيئي والغذائي والصحي وغير ذلك، وتزداد الحاجة اليوم أكثر من أي وقت مضى للاستثمار في التربية على السلام واللّاعنف، وذلك بتعزيز الطرق التقليدية في تسوية النزاعات وفتح قنوات جديدة للتفاهم من خلال الفنون والآداب بمختلف أشكالها، وتعزيز الحوار سواء على الصعيد المحلي أم على الصعيد الدولي بما فيه ما أقرّته الأمم المتحدة تحت عنوان : الحوار والمصالحة، خصوصاً بالإقرار بالتنوّع والتعددية والحق في الاختلاف.

وعلى الرغم من معاناة العالم العربي من التعصّب والتطرّف والعنف والإرهاب، فثمة وجه  ثقافي للمقاومة باللّاعنف وهو تعزيز ثقافة السلام والتسامح، حيث تم إنشاء جامعة للّاعنف  وحقوق الإنسان، العام 2009 في لبنان، في إطار العقد الدولي لثقافة السلام واللّاعنف  (2001-2010)، وهو الذي ورد في  قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 53/243  في 10 نوفمبر (تشرين الثاني) لعام 1998 بمبادرة من اليونسكو التي ستحتفل بالذكرى الـ 20 لهذه المناسبة المهمة، وكان من برامجها واختصاصاتها التربية على اللّاعنف وفلسفة اللّاعنف وثقافة اللّاعنف ومسرح اللّاعنف، واللّاعنف وحقوق الإنسان واللّاعنف والقانون الدولي الإنساني والأديان واللّاعنف والإعلام واللّاعنف وحلّ الخلافات باللّاعنف.

ولأن منطقتنا الأكثر ضرراً من العنف والأكثر تأثراً به، خصوصاً وهي تعاني من احتلال وحروب ونزاعات طائفية وإثنية واحترابات محلية، كما يحصل في اليمن وسوريا وليبيا  والعراق، ناهيك عن فلسطين المحتلة إضافة إلى تداخلات إقليمية ودولية، فإنها ينبغي أن تكون الأكثر انشغالاً بفكرة اللّاعنف حيث تحتاج منطقتنا إلى الوقاية مثلما تحتاج إلى الحماية وأخيراً إلى معالجة تركة الحروب والنزاعات، بحيث تولى التربية والتعليم الأهمية التي تستحقها .

 

عبد الحسين شعبان - باحث و مفكرعربي

 

محمد ممدوحسمعته ذات مرة يقف على منبر رسول الله (ص) يتحدث عن فضل الإنفاق، ثم علا صوته، استدرر دمعاته، أخذ يطيح بيديه كلتيهما يُمنة ويُسرة "هذا بيت الله.. وبيوت الله فى الأرض المساجد ولابد من عمل مئذنة تليق ببيت الله وإعادة تجديد المسجد".. تركته خلفى وانصرفت، يممت وجهى شطر منبر آخر، وجدت فيه قرينه يصدح ويصرخ.. "أطع ولى الأمر كما قال رسول الله (ص) وإن أخذ مالك وجلد ظهرك فطاعته من طاعة الله!!"

هكذا سمعت، وهكذا عاينت، فضلاً عن مئات الترهات التى أسمعها، ومئات الصور من الكذب والخداع والملق، فواحد لا يتحدث إلا مراءاة للناس، طلبًا للسمعة والشهرة.. وآخر لا يقرأ القرآن إلا طلبًا للمجد والعالمية !! وآخر يتخذ ما ينفق مغرمًا ويتربص بالصالحين الدوائر، وآخر يتاجر باسم الله، يتحدث باسم السلطان مزيفًا اسم الله.. يفتى عن السلطان فى صورة الإفتاء عن الله.. مئات المشاهد التى خلا الله منها تمامًا، ولكنه أُقحم عليها إقحامًا، إما جهلاً وإما ملقًا.

فالذين رأوا فى تشييد المساجد والتفاخر بالمآذن والقُبب قربة إلى الله جهلوا مرادات الله، لم يعلموا أدنى الحقائق عن الله، فضلوا الطريق إليه سبحانه جهلاً.. والذين يرون طاعته سبحانه فى طاعة ولى الأمر وإن أخذ المال وجلد الظهر ملقة منافقين يبيعون آخرتهم بعرضٍ قليل من دنيا بائسة.. والذين كذبوا وخالفت أفعالهم أقوالهم جهلاء أعمت الماديات أبصارهم وغشى حب الدنيا بصائرهم فلا أدركوا هذا ولا تلك.

الله ليس فى هذه الصور القميئة.. الكاذبة.. المدَّلسَّة..

أرشدتنى كتب الفقة والسيرة والوعظ جميعها إلى أن الله يسكن الحرم.. ذهبت إلى هناك، وجدت أميرًا يطوف حول الكعبة حوله حراس لا عدد لهم.. لم يذهب متواضعًا إلى بيت الله، وإنما أخذ الدنيا معه.. وجدت الحرم قد استجاب الله دعاء الخليل له فهفت إليه الأفئدة واطمأنت إليه القلوب، يطوف حول البيت الأمراء والرؤساء والأثرياء.. ويقف أمام عتبات البيت الفقراء والبؤساء.. داخل الحرم تطوف أجساد بلا قلوب.. وخارج الحرم تستجدى اللقمة قلوب بلا أجساد !! الله ليس هنا إذن.. لا يقطن الحرم.. فالذين قصروا ثروات بيت الله عليهم وتركوا فقراء المسلمين بلا مأوى ولا دواء هم حتمًا لا يعملون لصالح الله أبدًا، ولا لصالح الدين.. والذين ينفقون ويبذخون على شهواتهم وأهوائهم ولاعيبهم وفنانيهم هم حتمًا لا يفعلون ذلك لصالح الله ولا لصالح الدين.. إنما يفعلون لصالح الأهواء والشيطان.. لصالح الجسد وشهواته وأهوائه.. الله إذن ليس هنا.

والذين أنفقوا أموالهم على المساجد، تشييدها وبنائها بغير ضرورة ولا حاجة، هم أيضًا ضلوا الطريق، فالله ليس هنا..

الله ليس لدى الأمراء والزعماء والرؤساء كما يزعم الملقة.. ليس فى الحرم الذى يحتكر ثرواته وخيراته آل بعينهم.. ليس فى المساجد التى تُشيد فيها المآذن بثروات طائلة أو تُطلى طلاءًا فاخرًا.. أو يكثُر بناؤها على غير حاجة..

أين الله إذن؟!

سرت فى الشوارع.. فى الطرقات.. فى المدن.. فى المزارع، أبحث عن الله.. أخذت أقلب الكتب لعلى أهتدى إلى خيط.. بحثت فى كل مكان، فلم أجد الله فى كل مكانٍ أُرشدت إليه، أو دُللت عليه.

إلهى.. ما أعظمك.. علمت من أنبيائك كلهم أنك تملأ كل شئ، أنت داخل البيوت، وداخل الأرض، وداخل السماء، وداخل الهواء.. أنت فى كل مكانٍ حيثما وليت وجهى، ولكن هل أجدك فى الحرم وقد امتلأ بالطبقية التى تبغضها أنت!! هل أجدك فوق المآذن التى أقيمت رياءًا وبغيًا دون أن يعلم المشيدون مراداتك ؟! هل أجدك فى دموع الكاذبين الذين يتاجرون باسمك، يهاجرون بظاهر اسمك ويخفون دنيا يصيبونها أو امرأة ينكحونها !! أين أجدك يا الله..

خرجت من الحرم بدون الله.. خرجت من بيوت الله دون أن أجد الله.. أو ليس صاحب كل بيتٍ عاكف فيه ؟! فلماذا لم أجد الله فى المساجد، لعل علةً أصابت عينى أو ربما قلبى فحجبت الرؤية عنى !!

ولكن الشوق يستبد بى، لم أيأس بعد، استكملت المسير بحثًا عن الله، هدانى إلى أول الطريق سيدى الجنيد " ابحث عن الله فى قلبك".. تذكرت حينها قول النبى الكريم (ص) " استفت قلبك " مع فارق المناسبة ولكن المعنى بالتقريب متشابه إلى حدٍ بعيد.. الله إذن فى القلب.. هو إذن سر بكاء أهل العلم الذين ذكرهم القرآن (وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا) (الإسراء109).. إنه السر الذى فهمه السادة بحق من قبل، الجنيد البغدادى.. القشيرى.. الخواص.. جمع غفير من السادة الذين استدلوا على طريق الله، فتركوا الناس كلهم ورائهم وساروا يلتمسون إلى ذاته وسبحات وجهه الطريق.. فهو الله الذى يقطن تحت الجُبة فى قول سيدى الحلاج، وهو الله الذى يُضئ للقلوب الطريق فيقذف فيها النور فى قوله ذاته سبحانه (وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ) (النور40)..

اهتدينا الآن إذن إلى مكان الله.. مكان غير متحيز ولا مشبه ولا مجسَّم ولا أى صفة معيارية مادية.. ولكنه سبحانه موجود وجودًا يليق بالجلال الذى نرى آثاره ولا نراه.. نُعاين نتائجه ولا نعاينه، فالجسد الآن غير مهيئ ولا مزود بقدرات خاصة تتحمل نوره سبحانه، فإذا كان الجبل قد اندك، وموسى وهو من أولى العزم خرَ صعقًا من اندكاك الجبل إثر نور الله فكيف بنا؟!

الموضوع ذو إشكالات ومعضلات عميقة إذن !! ولكننا بالتقريب أدركنا شيئًا من الطمأنينة إذ عاينا الله فى قلوبنا .

الآن أدركت حين البكاء بحرارة على أى اقتراف فى حق الإنسانية.. أدركت أن الله هو الذى يحرك القلوب.. أدركت سر البكاء حين المناجاة، حين الخلو بوجه الله.. " لله عبادٌ اختارهم خدامًا.. قومٌ إذا جنَّ الليل عليهم، قاموا هنالك سجدًا وقيامًا ".. الآن أدركت سر البكاء، وسر قبض القلب، وسر معاناته وسر أنسه وفرحته وسعادته التى لا تُقدر بكنوز الأرض ومن فيها حين لحظة الإتصال، فما أعظمها من لحظة، وما أعظمه من شهود.

ولأن الله يسكن القلوب، فالقب يرشدنى إلى أن أجد الله عند رأس المسكين الذى يقلب فى القمامة ليستخرج لقمة يطعمها.. نعم الله هناك.. الله عند المريض الذى لا يجد دوائه.. عند البائس الفقير الذى يدفعه الناس بالأبواب.. عند الثكلى التى لا تجد من يأوى صغارها..عند الكهف الذى يتعبد فيه من ترك الناس لدنياهم وخلا هو بربه.. الله فى كل هذه الأماكن، وليس أبدًا فى الحرم أو فوق المئذنة.. لعل هذا هو المعنى الذى فطن إليه سيدى عبد الله بن المبارك قبل، كان ذاهبًا إلى الحج، فوجد أمًا لأيتام تنقب فى القمامة لتطعم صغارها، فأعطاها مال الحج ورجع ولم يحج... فكان من أمره عجبًا.

وكلٌ الله له ملكًا على صورته يحج عنه.. وكتب له أجر سبعين حجة..

هنا الله يا سادة.. عند هذه المرأة وعند أترابها وليس عند البيت الحرام..

الله هنا، فى قوله سبحانه فى حديثه القدسى : " عبدى استطعمتك فلم تطعمنى قال وكيف أطعمك يا رب وأنت رب العالمين قال استطعمك عبدى فلان فلم تطعمه أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندى.. استسقيتك فلم تسقنى.. قال وكيف أسقيك يا رب وأنت رب العالمين، قال استسقاك عبدى فلان فلم تسقه أما علمت أنك لو سقيته لوجدت ذلك عندى.. مرضت فلم تعدنى، قال وكيف أعودك يا رب وأنت رب العالمين، قال مرض عبدى فلان فلم تعُده أما علمت أنك لو عُدته لوجدتنى عنده ".. الله عند المريض، عند المتألم.. عند المظلوم.. يريد أن يرى إحسان عبيده، رقة قلوبهم.. هنا يسكن الله.. هنا نجد الله، وليس الله فى قصور الأمراء والسلاطين وأرباب النعم، فليست لهم خالصة من دون الناس، وليست أعطياتهم على قربة لهم من الله، فقد تكون استدراج من حيث لا يعلمون (وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ) (القلم45) (سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ) (الأنفال81).

لقد فهم السادة الصوفية هذه المعانى فتركوا الدنيا ورائهم ولاذوا بخلواتهم بحثًا عن ربهم.. اقتصروا الطريق على أنفسهم فلم يضلوا إليه السبيل سبحانه، وإنما استدلوا عليه من أقرب باب ومن أقصر السُبُل، فوصلوا فى حين ضللنا نحن الطريق، وكذب المنمقون اسم الله ولو بكت عيونهم.. وكذب الخراصون الذين يتاجرون باسم الله وباسم الدين ولو ارتدوا مسوح الرهبان، وصدق القلب وحده حين استدل على الله.. وصدق الفؤاد حين عاين الجلال والكمال.

 

د. محمد ممدوح