محمود كعوش"إسرائيل" تطالب بحقوق مزعومة لليهود في دول عربية وتتنكر لحقوق الفلسطينيين!!

"إسرائيل" تطالب باستعادة هذه الحقوق المزعومة أو التعويض عنها!!

مستبقة الإعلان عن "صفقة العصر" الأمريكية المزعومة، "إسرائيل" تعيد إثارة مسألة "أملاك اليهود في دول عربية"!!

التقرير الذي نشرته "شركة الأخبار - القناة الإسرائيلية الثانية سابقاً"، في الخامس من كانون الثاني/يناير الجاري "عام 2019"، حول "ممتلكات وحقوق اليهود" المزعومة في دولتين عربيتين توطئة لنشر المزيد حولها في دول عربية أخرى، كان مثاراً للسخرية والاستهجان، أولاً، لأن هذا التقرير جاء اجتراراً مملاً لتقارير سابقة مماثلة، وثانياً، لأنه تضمن ادعاءات وأكاذيب ومغالطات لا صحة ولا وجود لها. فقد اعتادت "إسرائيل" على إلقاء فقاعات وبالونات إعلامية بين الحين والآخر، تدعي من خلالها عزمها على مطالبة الدول العربية بدفع تعويضات مالية، مقابل أملاك تركها فيها اليهود الذين هاجروا منها!!

فقد ذكرت تلك "الشركة" "الإسرائيلية" الحكومية، أنّ تل أبيب قدّرت، من خلال عمليّات سريّة، "الممتلكات اليهوديّة" في ليبيا وتونس بخمسين مليار دولار، وسط تقديرات بوصول "ممتلكات اليهود" في الدول العربية إلى 250 مليار دولار. وكشفت الشركة أن الإعلان عن المبلغ الكلي سيتم قريبًا، وأن حصر "ممتلكات اليهود" في الدولتين العربيتين جاء ضمن الاستعداد "الإسرائيلي" للإعلان عن خطّة السلام الأمريكيّة الموعودة التي اختيرت لها تسمية "صفقة القرن"، أو كما نسميها نحن "صفعة العصر"، مضيفة أن تونس وليبيا ليستا إلا دولتين من دول أخرى "تسع منها عربية هي ليبيا، تونس، مصر، العراق، سورية، المغرب، الجزائر، لبنان، اليمن، إضافة إلى دولة إقليمية هي إيران"، تجري إسرائيل" فيها عمليّات لحصر ممتلكات اليهود، من قبل شركة مراقبة حسابات دوليّة تعمل لصالح الحكومة الإسرائيليّة".

ووفقاً لما ذكرته "شركة الأخبار"، فإن "عملية حصر ممتلكات اليهود في الدول العربية بدأت قبل ثمانية عشر شهراً بشكل سريّ، وإن الأموال "لن تعاد إلى اليهود من أصول عربيّة، إنما ستوضع في صندوق دوليّ خاص لصالح "إسرائيل".

وكان "البرلمان الإسرائيلي - الكنيست" قد سنّ في العام 2010 قانونًا يلزم السلطات "الإسرائيليّة"، بتضمين كل مفاوضات سلام تجريها "إسرائيل"  مع الفلسطينيين والعرب بشكل عام موضوع "تعويض اليهود العرب عن ممتلكاتهم التي تركوها وراءهم قبل الهجرة" إلى فلسطين، لكن الفحص الشامل لتقدير هذه الممتلكات لم يبدأ إلا في فترة الثمانية عشر شهرًا المشار إليها سابقاً، على خلفيّة الإعلان المحتمل للصفقة - الصفعة الأمريكيّة المزعومة. وتدير وزيرة المساواة الاجتماعيّة، غيلا غملائيل، بالتعاون مع مجلس الأمن القومي "الإسرائيلي" ما أطلقت عليه تل أبيب تسمية "مشروع حصر ممتلكات اليهود العرب". 

وترجّح مراجع تاريخية، أن اليهود الذين "هاجروا" من الدول العربية إلى "إسرائيل" بين عاميّ 1948 و 1950، شكّلوا، في حينه، 42% من مجموع سكانها، وأنّ موجات الهجرة تلك شكّلت "لإسرائيل" المادة البشرية الخام اللازمة لإحلالها محل الفلسطينيين، الذين جرى تهجيرهم من قراهم ومدنهم، بعد أن نضبت ينابيع الهجرة الأوروبية. وشكّلت الهجرة من الدول العربية في تلك الفترة 47% من مجموع الهجرة اليهوديّة، وساهمت في مضاعفة عدد سكان "إسرائيل" اليهود، بعد أن زوّدتها بما يربو على نصف مليون مهاجر جديد. ونفّذت الحركة الصهيونيّة مئات عمليّات نقل اليهود العرب إلى فلسطين، مثل عملية "البساط السحري"، التي نقل بموجبها 50 ألف يهودي في 425 رحلة جوية من اليمن، و"بساط الريح"، التي نقل فيها 50 ألفًا، بينما نقل قرابة 113 ألف يهودي عراقي إلى "إسرائيل" بطائرات أمريكيّة في عمليّة أطلقت عليها تسمية "علي بابا".

من الضروري الإشارة إلى أن كل المعلومات والمعطيات التي أوردها تقرير "شركة الأخبار" والتقارير "الإسرائيلية" الأخرى الخاصة بهذا الشأن هي معلومات ومعطيات "إسرائيلية"، تقف وراءها جهتان رسميتان، الأولى، هي وزارة المساواة الاجتماعية، أو وزارة المواطنين القدامى، كممثلة عن الحكومة "الإسرائيلية"، والتي تعمل على تركيز المعلومات والمعطيات حول "أملاك اليهود" في الدول العربية وإيران، والثانية هي مؤسسة تدعى "بيت الشتات" العبرية، ويعمل فيها باحثون "إسرائيليون" فقط.

"مساواة الضحايا بالمجرمين"

سعي "إسرائيلي" دؤوب لمساواة حقوق الفلسطينيين بما  اصطلح على تسميته زوراً وبهتاناً "حقوق المهاجرين اليهود" في الدول العربية!!

لوحظ في السنوات الأخيرة تزايد اهتمام "إسرائيل" بمسألة المطالبة بما سمى زوراً وبهتاناً "حقوق المهاجرين اليهود". وترافق ذلك الاهتمام مع اقتراحات بإنهاء موضوع اللاجئين الفلسطينيين على قاعدة "مساواة الضحايا بالمجرمين"، وربط كل اتفاقية مستقبلية بشأن اللاجئين بمسألة الممتلكات المزعومة للمهاجرين اليهود. وعرفت السنوات الأخيرة الكثير من المؤتمرات والدراسات بهذا الخصوص، إلى جانب قيام "إسرائيل" بممارسة الضغوط المكثفة والمتلاحقة على الولايات المتحدة والدول الغربية لاتخاذ قرارات برلمانية تؤيد مسألة الاعتراف بما سمي "حقوق المهاجرين اليهود".

ووفقاً لما جاء في بحث نشرته مجلة "البيادر السياسي" المقدسية الورقية التي كانت تصدر في مدينة القدس المحتلة ولم تزل تصدر بنسختها الإلكترونية للأستاذ "تيسير أبلاسي"، فإن الكونغرس الأمريكي أصدر في نيسان/أبريل 2008، قراراً حمل الرقم 185، اعترف بموجبه بحقوق اليهود الذين تركوا الدول العربية. وأشار القرار إلى أن أي حل لمسألة اللاجئين الفلسطينيين يجب أن يكون مرتبطاً بتعويضات مشابهة لليهود الذين تركوا الدول العربية، وذلك كشرط لسلام عادل وشامل، حسب مفاهيم الكونغرس الأمريكي.

ورغم أن قرار الكونغرس لم يكن ملزماً، ولم يصدر عن هيئة دولية، إلا أنه أشرَّ إلى التوجهات الأمريكية التي تساوي بين الضحايا والمجرمين، وتطالب بتعويض المحتلين "الإسرائيليين"، إضافة إلا أنه، على عكس الحقائق التاريخية، ادعى أنه تم "طرد اليهود في الدول العربية بالقوة وسلبت ممتلكاتهم، وبالتالي لهؤلاء اليهود حقوق شرعية كلاجئين"، بينما لم يُشر الكونغرس الأمريكي في قراره إلى اللاجئين الفلسطينيين الذين تم طردهم بقوة السلاح وجميع أساليب الإرهاب والإجرام واغتصبت أراضيهم وانتهكت أعراضهم ومنعوا من العودة إلى قراهم ومدنهم. وأذكر أن حزب "شاس" الذي يمثل اليهود الشرقيين المتدينين كان قد توجه في حينه إلى البرلمان "الإسرائيلي - الكنيست" بطلب عدم التوقيع والمصادقة على اتفاقيات سلام مع الدول العربية دون تعويض اليهود الذين تركوا البلاد العربية. وقد حظي اقتراح حزب "شاس" بتأييد الكثيرين، إلا أن الحكومة "الإسرائيلية" برئاسة مناحيم بيغن لم تصر على وجود بند يتعلق بالتعويضات لليهود في اتفاقية السلام. ويبدو أن التوجهات "الإسرائيلية" الجديدة هي نتاج الآلة السياسية والمؤسساتية "الإسرائيلية" التي تسعى بشكل مستمر ومتواصل للتصدي لقضية اللاجئين الفلسطينيين، ومنع إمكانية حلها حسب القرارات الدولية، وكلما تطور الحديث بشأن قضية اللاجئين الفلسطينيين تثير "إسرائيل" موضوع اليهود المهاجرين من الدول العربية كسلاح للقضاء على الحق الفلسطيني، بالادعاء أن الحل يتوجب أن يقوم على التبادلية السكانية.

وعلى سبيل المثال لا الحصر، يدعي بنيامين نتنياهو أن "سياسة الطرد" التي تعرض لها اليهود في الدول العربية التي كانوا يقطنونها، تأتي كتبادل سكاني مع الفلسطينيين، ولا يعترف نتنياهو وزمرته بطرد اللاجئين الفلسطينيين بل بالادعاء الرسمي لحزب التكتل - ليكود وهو أن السكان الفلسطينيين "تركوا قراهم ومدنهم بمحض إرادتهم"، ومثل هذا التبادل، كما يراه الكثيرون من اليهود، جرى حسب اعتقادهم في مراحل تاريخية مختلفة خلال القرن العشرين.

ويتذرع نتنياهو في مزاعمه "بالمقايضة التاريخية المتوازية تقريباً بين أعداد الفلسطينيين الذين طردوا من بلدهم والأعداد التي جلبتها الحركة الصهيونية من يهود الدول العربية، وكذلك الأمر بالنسبة للأراضي والأملاك التي تخلى عنها اللاجئون الفلسطينيون"، حسب ادعاءات الحركة الصهيونية مقابل الأراضي التي تخلى عنها اليهود "الذين فروا من الدول العربية". وبناء على هذه المقارنة يقول نتنياهو أنه يتوجب على "إسرائيل" رفض تطبيق قرار العودة والتعويض الرقم 194، لكونها لم تسلب الشعب الفلسطيني أراضيه وحقوقه ولم تحوله إلى شعب من اللاجئين!!

ويشار إلى أنه في 4 تشرين أول/أكتوبر 1977، أي قبل مفاوضات كامب ديفيد، تم توقيع مذكرة تفاهم بين الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر ووزير الخارجية "الإسرائيلي" في حينه موشية ديان جاء فيها أنه "يتم حل مشكلة اللاجئين اليهود والعرب وفقا للقواعد التي يتم الاتفاق عليها"، وقد مورست ضغوط على الرئيس الأمريكي بهذا الصدد حيث عاد وأضاف، بعد مفاوضات كامب ديفيد، في مؤتمر صحفي عقده في السابع والعشرين من تشرين أول/أكتوبر 1977، أن للفلسطينيين حقوقاً، و"هناك أيضاً لاجئون يهود لهم نفس الحقوق".

وفي العام 1997 قرر حزبا العمل والليكود صياغة موقف مشترك من قضايا الحل النهائي مع الجانب الفلسطيني، وتم تشكيل لجنة مشتركة ضمت ممثلين عن تكتل الليكود "الليكود - تسوميت - غيشر" برئاسة ميخائل إيتان، وممثلين عن حزب العمل برئاسة الدكتور يوسي بيلين، وتوصلت اللجنة إلى ما سميّ في حينه "خطة اتفاق وطني حول مفاوضات الوضع الدائم مع الفلسطينيين". وتم التطرق في وثيقة بيلين - ايتان إلى قضية "اللاجئين اليهود"، وأنه ستتم المطالبة "بحقوق وتعويضات اليهود الشرقيين في إطار حل مشكلة اللاجئين الفلسطينيين". وتم التطرق ضمن بنود الوثيقة إلى إنشاء "منظمة دولية" يكون "لإسرائيل" دور فعّال فيها، بهدف تمويل التعويضات وتمويل مشاريع ما سمي "إعادة تأهيل اللاجئين الفلسطينيين" في أماكن إقامتهم، كذلك من خلال المنظمة الدولية المذكورة المطالبة "بحصول المهاجرين اليهود على تعويضات من الدول العربية".

وفي حزيران/يونيو عام 2000، صرح الرئيس بيل كلنتون أنه "تمت إثارة قضية اللاجئين اليهود، وأنه لا بد من إنشاء صندوق دولي لقضية اللاجئين، وأنه يتوجب أن يتم تعويض اللاجئين اليهود الذين اصبحوا لاجئين بسبب الحروب التي وقعت بعد ولادة إسرائيل". ومنذ تلك الفترة تحركت العديد من المؤسسات اليهودية بدعم رسمي لإبراز "مسألة اللاجئين اليهود" ضمن خطة عامة على المستوى الدولي بعد مؤتمر كامب ديفيد الثاني، ونشطت منظمات يهودية لهذا الغرض، و كان أهمها "JJAC"، مؤسسة العدالة لليهود من الدول العربية. وقد بدأ التحرك على المستوى الدولي في 11 تشرين أول/أكتوبر 2003، ونشرت صحيفة "نيويورك تايمز" مقالاً بعنوان "هل اليهود الذين فروا إلى إسرائيل من الدول العربية لاجئون أيضا؟" وكان ذلك إيذاناً ببدء حملة إعلامية عالمية بهذا الخصوص. وقد بدأت هذه المنظمات بالعمل على استصدار قرارات من هيئات دولية وطرحت مشاريع قوانين على مجلسي الشيوخ - الكونغرس والنواب الأمريكيين للحصول على اعتراف رسمي من الإدارة الأمريكية، ونجحت في الحصول على القرار رقم (185 HRES) الذي صدر في 27 نيسان/أبريل 2008، ووافقت عليه لجنة العلاقات الخارجية بعد عام من تقديمه تقريباً. وكان عضو مجلس الشيوخ جيرالد نادلر Jerrold Nadler الذي قدم المشروع قد صرح قائلاً "ببساطة لا اعتراف بحقوق اللاجئين الفلسطينيين دون الاعتراف بحقوق اللاجئين اليهود، الذين يفوقون عدد اللاجئين الفلسطينيين"!!

والقرار الحكومي "الإسرائيلي" 1263 منح في حينه الوزير رافي إيتان "حزب المتقاعدين" مسؤولية الاهتمام بقضية ما يسمى باللاجئين اليهود، والعمل على استعادة الممتلكات اليهودية المزعومة. وأشار الوزير إيتان في حينه أن في نيته العمل من أجل التوصل إلى قرار حكومي يقضي بأن أية مباحثات بشأن اللاجئين يجب أن تكون على قدم المساواة بين حقوق اليهود "اللاجئين" واللاجئين الفلسطينيين، وضمن ذلك برزت الادعاءات بأن "هنالك تفوقاً عددياً للاجئين اليهود" المزعومين، وأن عددهم "يفوق عدد اللاجئين الفلسطينيين، بحيث أن عدد الفلسطينيين اللاجئين هو 650000 تقريباً بينما اليهود عددهم 865000 تقريباً، وبناء على ذلك فالممتلكات اليهودية أكثر بكثير من ممتلكات الفلسطينيين، وبالتالي فاليهود يستحقون تعويضات اكبر". وليس ذلك فحسب إنما يتوجب تقديم المساعدات "لإسرائيل" لآنها قامت بحل "مشكلة اللاجئين اليهود واستيعابهم"، والأهم من ذلك ضرورة استصدار قرار دولي بهذا الصدد، وهو ما تعمل الحكومات "الإسرائيلية" جاهدة للحصول عليه، بحيث يتم الاعتراف دولياً باليهود الشرقيين كلاجئين والنفاذ للنصوص الدولية يعني منح "إسرائيل" حق عدم تنفيذ القرار 194 تحت ادعاء التبادلية وعدم قدرتها على استيعاب المزيد من السكان لمحدودية قدراتها بينما هناك مساحات واسعة من الأراضي في الدول العربية يمكن توطين الفلسطينيين فيها.

وفي ظل هذا الوضع تواصل الحكومات "الإسرائيلية" ضغوطها على الجانب الفلسطيني بادعاء ضرورة تعويض اليهود الشرقيين أو ربما بالمقابل تراجع الجانب الفلسطيني عن "حق العودة" وتصفية القضية ضمن إطار الدويلة الفلسطينية المقطعة الأوصال والمنزوعة السلاح والسيادة، هذا إن رضيت "إسرائيل" بذلك، وتصبح الدول العربية التي تركها السكان اليهود "بمحض إرادتهم" عرضة للضغوط الدولية لاستيعاب الفلسطينيين عوضاً عن دفع تعويضات لليهود الشرقيين، وستصبح لدى الحكومات "الإسرائيلية" تكتيكات جديدة للتلاعب بأوراق المفاوضات، والمطالبة باعتراف عربي وفلسطيني بيهودية الدولة يدخل ضمن هذه التكتيكات!!

استغلت "إسرائيل" الاحتلال الأمريكي - الغربي للعراق، لتدعي حقوقاً لليهود فيه!!

يوم تعرض الوطن العربي لزلزال سقوط بغداد بقبضة الاحتلال الأمريكي - الغربي الغاشم، رأى الخبراء والباحثون "الإسرائيليون" في ذلك الحدث الجلل نهاية لآخر العراقيل والعقبات التي كانت تعترض الغزو الدبلوماسي "الإسرائيلي" للعواصم العربية. فالنظام البعثي في العراق، بكل ما كان يمثله من توجه وطني وقومي، شكل على الدوام أحد أهم الموانع العربية الحقيقية والصادقة التي حالت باستمرار دون تطبيع وتنظيم التعاملات والعلاقات العربية - "الإسرائيلية" وفق المنظور الاستراتيجي للصهيونية العالمية في الوطن العربي.

في حينه التقت رؤية هؤلاء مع رؤية أقرانهم العرب، الذين أجمعوا بدورهم على أنه ما كان للرئيس الأمريكي جورج بوش الابن أن يغزو ويحتل العراق لو لم يتوفر التطابق بين أفكاره والأفكار التوراتية والتلمودية لرئيس الوزراء "الإسرائيلي" أثناء عهده آرئيل شارون، ولو لم يحصل التوافق بين المشروعين الأمريكي و"الإسرائيلي" الخاصين بالوطن العربي. وبمعنى آخر، فإن جورج بوش الابن يوم اتخذ قرار الغزو والاحتلال أراد من وراء ذلك تمكين الولايات المتحدة من تحقيق استراتيجيتها الاستعمارية الجديدة في شقها المتعلق بالوطن العربي وتحسين بيئة البقاء "لإسرائيل" والارتقاء بمكانتها الجيوستراتيجية فيه.

وعلى خلفية ذلك، حصل التغلغل "الإسرائيلي" داخل العراق في ظل حماية أمريكية، واتخذ أشكالاً ووجوهاً مختلفة تفاوتت بين الأنشطة الاقتصادية والتجسسية والاستخباراتية والتدريبية والاستشارية والدينية والدبلوماسية. وقد ساعدت التسهيلات التي قدمها "الشركاء" العراقيون الذين عادوا الى العراق فوق ظهور الدبابات الأمريكية على تنامي وتصاعد وتيرة ذلك التغلغل، بحيث مكنت "الإسرائيليين" من تنفيذ جزء كبير من مشروعهم داخل العراق في وقت أقصر مما توقعوا. فبعد أقل من شهرين على سقوط بغداد وتحديداً في شهر حزيران/يونيو 2003، تمكنت "إسرائيل" من إقامة سفارة لها دون الإعلان عن ذلك. وعمل في تلك السفارة التي احتلت أحد قصور "المنطقة الخضراء" أكثر من 750 دبلوماسياً وعنصر استخبارات ورجل أعمال كانوا يزاولون مهامهم بجنسيات أمريكية وأوروبية مختلفة. وكانت قوات الاحتلال الأمريكية تقوم على حراسة تلك السفارة والإشراف على أمن العاملين فيها.

ووفقاً لمعلومات سربتها الحكومة "الإسرائيلية"، فإن المقبور آرئيل شارون قد فكر بتسمية سفيره الأول لدى العراق بعد تشكيل حكومة إبراهيم الجعفري والمصادقة عليها من قبل الجمعية الوطنية العراقية. وقد وقع اختياره في حينه على وزير البنى التحتية في حكومته بنيامين بن أليعاز لتولي تلك المهمة. وبن اليعازر كما نعرف هو "إسرائيلي" من أصل عراقي، ولد في مدينة البصرة وهاجر الى "إسرائيل" في خمسينات القرن الماضي مع آلاف اليهود العراقيين. ووفقاً لذات المعلومات، فإن إقامة علاقات دبلوماسية بين العراق و"إسرائيل" كانت على وشك أن تتحقق، لأن الإدارة الامريكية قررت في حينه فرض تطبيع العلاقات فيما بين البلدين كشرط أساسي لدعم وحماية حكومة الجعفري، وذلك استناداً لقانون إدارة الدولة العراقية الذي أقره الحاكم المدني السابق بول بريمر ووقعه مجلس الحكم العراقي في 8 آذار 2004!!

ويوم تعمدت سلطة الاحتلال الأمريكية اسقاط تمثال الرئيس الأسير صدام حسين في إطار مسرحية هوليودية للدلالة على سقوط بغداد، نجحت تلك السلطة في لفت الأنظار عن عمليات النهب والسرقة والتخريب المنظمة التي طالت جميع البنى التحتية للدولة العراقية. وهي حين فعلت ذلك، قصدت التعتيم على ما كانت تقوم به مجموعات تابعة لجهاز "الموساد الإسرائيلي" من سرقة لتاريخ وثقافة وحضارة العراق. فعلى سبيل المثال لا الحصر، تمكنت إحدى تلك المجموعات بالتعاون مع رجال الاستخبارات الأمريكية "سي.آي.إيه" من السيطرة على أكبر مكتبة يهودية أثرية في العراق، كانت محفوظة في مبنى المخابرات العراقية ونقلتها بطائرة خاصة من مطار صدام حسين الى تل أبيب، وكانت المكتبة التي تضم تحفاً نادرة لا تقدر بثمن من كتب التوراة والتلمود والقبالة والزوهار المخطوطة على لفائف البردى وجلد الغزال يعود تاريخها الى أكثر من 2500 سنة، محفوظة في العراق منذ السبي البابلي لليهود. ومنذ ذلك اليوم وحتى تاريخ انسحاب قوات الاحتلال الأمريكية، عاث "الإسرائيليون" في العراق فساداً ما بعده فساد، من قتل واغتيال العلماء وأساتذة الجامعات ورجال الدين، الى تعذيب الأسرى والمعتقلين، وصولاً الى محاولة طمس المعالم التاريخية والثقافية والحضارية لكثير من الأماكن والمواقع العراقية، بما فيها مدينة بابل نفسها. وجرى كل ذلك تحت سمع وبصر قوات الاحتلال وبتسهيلات منها.

لذا لم يكن مفاجئاً ولا غريباً بمكان قيام "الإسرائيليين" بتطويع جميع الأدوات والوسائل المتاحة لهم من أجل تكريس تغلغلهم داخل العراق، بما في ذلك المطالبة بتفعيل قانون إدارة الدولة العراقية وبالأخص الفقرات المتعلقة بـ "حق اليهود العراقيين المهجرين في العودة الى العراق والمطالبة بأملاكهم الموجودة فيه". لما لا وقد سبق لهم أن استغلوا وجود بول بريمر في العراق كحاكم مدني معين من قبل الإدارة الأمريكية للحصول على جوازات سفر عراقية مكنتهم من التنقل فيما بينه وبين "إسرائيل" بيسر وسهولة. وبعد ذلك تمكنوا من الحصول على بطاقات مكنتهم من المشاركة في الانتخابات التي جرت في 30 كانون الثاني/يناير من عام 2005. وقد جرى كل ذلك على خلفية تلك الفقرات التي تم تفصيلها على مقاسات "إسرائيلية"، في اطار خطة لتحويل العراق الى قاعدة عسكرية أمريكية - "إسرائيلية" مشتركة في قلب الوطن العربي.

ولعل ما عبر عنه السلوك "الإسرائيلي" على هذا الصعيد، عكسه وقتها إعلان هيئة دعاوى الملكية العراقية التي تشكلت بموجب القانون المذكور عن أنها بصدد النظر الجدي في اعادة أملاك اليهود العراقيين الذين غادروا العراق في نهاية الأربعينات وبداية الخمسينات من القرن العشرين "الماضي" ضمن موجات الهجرة الى فلسطين التي تزامنت مع قيام دولة "إسرائيل" بموجب قرار دولي جائر، وهو ما عنى أن "الإسرائيليين" قد بدأوا بتفعيل القانون ووضعه موضع التنفيذ العملي. فقد تلقت الهيئة الدعوى الأولى بهذا الشأن من امرأة "إسرائيلية" من أصل عراقي تُدعى بان موريس بشارة، طالبت فيها باستعادة أرض في منطقة الكرادة الشرقية داخل بغداد، كانت قد باعتها بعد الولادة القيصرية "لإسرائيل".

وبالرغم من أن البت بدعوى بشارة بدا أمراً مستحيلاً بسبب التقادم الزمني وانتقال ملكية أرضها الى عدد من العراقيين بموجب عقود بيع قانونية ومبالغ مالية معلومة مما جعلها مخالفة لقوانين الملكية العراقية، إلا أن الهيئة وجدت نفسها مضطرة تحت ضغط "قانون بريمر" للنظر فيها، الأمر الذي كاد أن يهدد بفتح الباب على مصراعيه أمام 120 ألف يهودي عراقي يحملون الجنسية "الإسرائيلية" للمطالبة بأملاكهم السابقة في العراق. وفيما لو تحقق ذلك، لا قدر الله، ما كان مستبعداً أن يُعاد توطين هؤلاء فيه من جديد بدعوى استعادة أملاكهم!!

وفي الوقت الذي كانت "إسرائيل" تمعن في التغلغل داخل العراق المحتل الذي رغبت إدارة الاحتلال الأمريكية في جعله "نموذجاً يحتذى به في الوطن العربي" بذريعة "حقوق اليهود" فيه، تسابق أعوانها في الكونغرس لاستصدار قانون أنكر على الفلسطينيين حقوقهم في وطنهم. والأسوأ من ذلك أنها عملت على مصادرة ما أمكنها من الحقوق المتبقية لهم في أراضيهم التي احتلت عام 1967، تحت سمع وبصر العالم أجمع، بما في ذلك العرب حكاماً ومحكومين.

يهود عراقيون يجددون المطالبة بالتعويض عن "خسائرهم وأملاكهم"!!

هذا وتداعت أصوات اليهود العراقيين في الآونة الأخيرة، إلى مطالِبةً الحكومة العراقية و"إسرائيل" بتعويضهم عن خسائرهم وأملاكهم التي تركوها عند تأسيس دولة الاحتلال المزعومة. وفي بداية القرن العشرين، كان يهود العراق يشكّلون مجموعة ناشطة اقتصادياً وثراءً وعماداً للطبقة الوسطى، لكن معظمهم نزحوا بشكل جماعي بعد قيام "إسرائيل" عام 1948، بعدها أُقرّ قانون "إسقاط الجنسية" عمن غادروا من دون تنسيق مع الحكومة، كما صدر قانون آخر يقضي بتجميد أموال المغادرين.

وتدعم حكومة الاحتلال مطالبات اليهود بالعودة إلى أملاكهم، ووصف إميل كوهين، اليهودي العراقي الذي عاش أسلافه بمدينة البصرة، المطالبات بأنها مسألة سياسية لا أكثر.

وتعتبر عقارات اليهود في العراق من العقارات المتميزة بموقعها التجاري في بغداد ومختلف المحافظات العراقية، لكن أغلبها - وبحجة "الاستثمار"- استحوذ عليها مستثمرون تابعون لأحزاب متنفذة بالحكومة، بحسب ما كشفه مصدر في أمانة العاصمة.

وقال مصدر من "أمانة بغداد"، طالباً عدم الكشف عن هويته، لأسباب أمنية: "أغلب عقارات اليهود تقع بأماكن تجارية متميزة في بغداد؛ ما شجَّع الكثير من المستثمرين الذين يرتبطون بأحزاب متنفذة، على استئجار تلك العقارات من أمانة بغداد بأسعار رمزية"، مؤكداً أن "مدة استئجار تلك العقارات تجاوزت 20 عاماً".

وأضاف المصدر لـ"الخليج أونلاين": إن "من أبرز تلك العقارات منطقة التوراة الواقعة على ضفاف نهر دجلة، وتحتوي على بيوت وأسواق وخانات، ومراكز ثقافية ودينية، بعضها مختوم عمرانياً بنجمة داود، التي تدل على أنها تعود لعائلات يهودية".

كما أشار إلى أن "عدد أملاك اليهود (12.736) عقاراً، موزعة في عموم محافظات العراق، تم تمليك 2066 عقاراً لبعض الوزارات والدوائر ذات العلاقة".

ومن ضمن تلك العقارات والمنازل التي استأجرها أحد المستثمرين، منزل أول وزير مالية في الدولة العراقية، اليهودي حسقيل ساسون، والذي لم تعتبره "أمانة بغداد" ضمن المنازل التراثية، رغم أن عمره تجاوز قرناً كاملاً.

المراقد والمزارات التابعة للطائفة اليهودية في جنوبي العراق لم تَسلم هي الأخرى من التجاوزات؛ فقد استولت المليشيات على "مرقد النبي عُزير" في محافظة العمارة، و"مرقد نبي الله ذي الكِفل" بمحافظة بابل جنوبي بغداد، ليكونا تحت سيطرة الوقف الشيعي، والبعض الآخر تحول إلى مقرات خاصة بالمليشيات .

وفي السياق ذاته، أكد رئيس ديوان الوقف الشيعي السابق، صالح الحيدي، في تصريح صحفي، "عائدية مرقد نبي الله ذي الكِفل، الواقع بمحافظة بابل، إلى ديوان الوقف الشيعي".

ولقي هذا الموضوع تعليقات من سياسيين عراقيين، فقد أكد القيادي في تحالف "سائرون"، بزعامة مقتدى الصدر، رائد فهمي، في 24 أغسطس، دعمه كل مواطن عراقي انتُزعت جنسيته ظلماً، وضمن ذلك اليهود الراغبون في العودة إلى العراق.

وقال فهمي في تصريح صحفي: "من حيث المبدأ والقيم، نحن مع إعطاء الحقوق لأي مواطن عراقي، وضمن ذلك اليهود"، لكنه أضاف: إن "توقيت المطالبة بإعادة الجنسية العراقية لليهود الذين غادروا العراق غير مناسب".

وبيَّن أن "الظرف السياسي الحالي يجب أن يؤخذ بعين الاعتبار عندما تناقَش قضية كقضية اليهود، من أجل معرفة الأشخاص الذين يطالبون بحقوقهم وإعادة الجنسية لهم؛ لإبعاد أي ضرر عن النسيج العراقي".

ودعا فهمي إلى حوار مجتمعي حول هذا الموضوع، والتوصل إلى نتائج عقلانية بعيداً عن التشدد.

وقال الزعيم الشيعي مقتدى الصدر، في الثاني من يونيو الماضي، تعليقاً على مطلب عودة اليهود العراقيين: "إذا كان ولاؤهم للعراق فأهلاً بهم".

ويُذكر أن الطائفة اليهودية في العراق كانت تشكل نسبة أكثر من 2% من مجموع السكان العراقيين في عام 1947، وهذه النسبة انخفضت بشكل كبير جداً عام 1951 بعد هجرتهم إلى "إسرائيل".

معلومات "إسرائيلية" مغلوطة حول اضطهاد العرب لليهود بهدف إثارة الرأي العام

نشير إلى أن الحكومة "الإسرائيلية" أطلقت في الأول من كانون الأول/ديسمبر 2016، على لسان المتحدث باسمها "أوفير جندلمان"، بيانات مغلوطة حول عدد اليهود في الدول العربية قبل هجرتهم إلى فلسطين المحتلة لتتهم الدول العربية بمعاداة اليهود ومصادرة ممتلكاتهم دون مستندات أو وثائق رسمية تثبت صحة تلك المعلومات. وقال "جندلمان" في حينه أن "إسرائيل تستذكر في ذلك اليوم مصير أكثر من 850 ألف يهودي طردوا من الدول العربية وإيران خلال القرن العشرين". وادعى أن ذلك اليوم يمثل "ذكرى مأساة اليهود الذين أجبروا على ترك منازلهم والدول التي عاشوا فيها لمدة لا تقل عن ألف سنة، بسبب ديانتهم اليهودية فقط". كما ادعى أنه "تم حرمان الكثير من اليهود من أملاكهم، كما عانوا من العنف والاضطهاد"، مضيفاً أن "قضية نفي جميع الطوائف اليهودية عن الأراضي العربية تعتبر جزءا مهما لا يتجزأ من التاريخ اليهودي المعاصر"، مشيرا إلى أنه "عند إقامة إسرائيل كان يعيش في الدول العربية وإيران ما يزيد عن 850 ألف يهودي، وأن هناك أرقاما أخرى تشير إلى أن عدد اليهود يقترب من مليون نسمة"!!

وادعى "جندلمان" أن "حوالي 259 ألف يهودي هربوا من المغرب في منطقة شمال أفريقيا، و140 ألف يهودي من الجزائر، و100 ألف يهودي من تونس، و75 ألفا من مصر و38 ألفا من ليبيا، إضافة إلى نفي 135 ألف يهودي من العراق، و55 ألف يهودي من اليمن، و34 ألفا من تركيا، و20 ألفا من لبنان و18 ألفا من سورية، بينما أجبرت إيران 25 ألف يهودي على المغادرة". وادعى أن العراق شهد في شهر حزيران/يونيو عام 1941 اضطرابات سُميت بالفرهود "استهدفت الطائفة اليهودية التي عاشت فيه لمدة 2600 عام، خاصة في العاصمة بغداد. فالجنود والغوغاء اعتدوا على اليهود وقتلوا 179 بريئا وجرحوا أكثر من 2100، وأصبح 242 طفل يهودي أيتام. وزاد في الادعاء أنه في عام 1948 ورداً على قرار الأمم المتحدة 181، الخاص بتقسيم فلسطين، شرّع العراق قانوناً اعتبرت الصهيونية بموجبه جريمة. وأوغل "جندلمان" في القول أن "آلاف اليهود أبعدوا من وظائفهم الحكومية وقيّمت منازلهم بأقل من %80 من قيمة منازل جيرانهم العرب، وما بين 1948 و 1951 هاجر أكثر من 120 ألف يهودي من العراق "لإسرائيل" ليبدأوا حياة جديدة، وهكذا فقدوا هويتهم العراقية وبعد ذلك املاكهم.

أما عن مصر، فقد زعم "جندلمان" أنه "خلال أربعينات القرن الماضي ازداد حجم عدوانية المصريين ضد الطائفة اليهودية التي كان عددها تقريبا 80 ألف نسمة، وشرّعت مصر، على حد زعمه، قوانين قيّدت الإمكانيات لتشغيل اليهود، وأمرت الحكومة بأن تنحصر الأسهم بالشركات التي كانت مصرية خالصة، وبعد سحب الجنسية من اليهود فَقَدَ الكثير منهم أشغاله وأعماله". وقال إنه "خلال حرب عام 48 اُعتقل يهود كثيرون وتم إرسالهم إلى مخيمات خاصة بتهمة التعاون مع دولة عدوة، مدعيا قصف معبد يهودي ومنازل ومحلات وقُتل أو إصابة العديد من اليهود"، ومضيفاً أن "14 ألف يهودي هاجروا من مصر خلال تلك الفترة". وزاد في الادعاء قائلاً أنه "في الفترة بين 1948 و 1958 فرّ أكثر من 35 ألف يهودي من مصر. ولم يكن الاضطهاد المستمر السبب الوحيد لهذه الهجرة بل أيضا العواطف الصهيونية وإرادة اليهود للعيش في دولة إسرائيل الصغيرة".

ومفرطاً في تقديم معلوماته المغلوطة حول اضطهاد اليهود العرب في دولهم، زعم أن 38 ألف يهودي أجبروا على الهجرة من مصر بين 1956 و1968، أي في فترة الزعيم الراحل جمال عبد الناصر، "لينجو من أشكال الظلم النظامي بما في ذلك المصادرة الحكومية للبيوت والمحلات والاعتقالات الاستبدادية".

أما بخصوص يهود اليمن فقد ادعى "جندلمان"، أنهم "واجهوا أسوأ اضطهاد لهم في عام 1947، حين قرر اليمنيون في مدينة عدن الإضراب لمدة 3 أيام احتجاجا على القرار الاممي 181 الخاص بتقسيم فلسطين، وقد اتخذ الاحتجاج طابعاً عنيفا أدى إلى ذبح أكثر من 80 يهودي واغتنام ما يزيد عن 100 محل يهودي واحتراق منازل ومدارس وكنس يهودية"، مضيفاً أن "ما شهده اليهود هناك كان من أعنف الاعتداءات التي شهدتها الطائفة اليهودية في العالم العربي". وزاد في القول أنه "كحل إبداعي للخروج من الظروف المأساوية التي عاش فيها اليهود اليمنيون قامت الحكومة "الإسرائيلية" بعملية خاصة بين عامي 1949 و 1950 نُفّذت عن طريق طائرات أمريكية وبريطانية حيث نُقلت الطائفة اليهودية من اليمن "لإسرائيل". ونتيجة لهذه العملية نجا اكثر من 47 ألف يهودي من الاضطهاد اليمنى وبدأوا حياتهم الجديدة في وطنهم إسرائيل".

وعاشت الطائفة اليهودية في ليبيا البالغ عددها 37 الف نسمة لمدة تزيد عن 2300 عام متمتعين بثقافة مزدهرة. وخلال الحرب العالمية الثانية بعث النظام الليبي أكثر من 2000 يهودي لمعسكرات اعتقال في الصحراء، مما أدى إلى موت المئات منهم. وبعد الحرب ونتيجة ازدياد العواطف القومية العربية فى ليبيا انطلقت اعتداءات عنيفة على اليهود المحليين حيث قُتل في مدينة طرابلس عام 1945 أكثر من 140 يهوديا كما قُتل 12 يهوديا آخر اثناء اضطرابات لا سامية في 1948 ودُمّر أكثر من 280 منزل. ويذكر أن نتيجة السياسة العدوانية للحكومة الليبية هاجر من ليبيا إلى "إسرائيل" تقريبا 31 ألف يهودي ما بين 1948 و1951.

وقال: إن اليهود استطاعوا الهجرة من الدول العربية لشغل مناصب مهمة في "إسرائيل" في الوزارات الحكومية كما في القطاعين العام والخاص ويكوّنوا جزءا لا يتجزأ من المجتمع "الإسرائيلي"، وآن الأوان أن يسمع العالم قصتهم!!

"مساواة اللاجئين اليهود باللاجئين الفلسطينيين" ادعاء باطل ومخالف لحق العودة

اعتبر الدكتور في القانوني حنا عيسى في رأي تحليلي نشرته وكالة الأنباء والمعلومات الفلسطينية "وفا"، أن مشروع القانون "الإسرائيلي" الذي "يساوي اللاجئين اليهود باللاجئين الفلسطينيين" هو ادعاء باطل ومخالف لحق العودة.

وكان "البرلمان الإسرائيلي - الكنيست" قد صادق في 11 تشرين الثاني/نوفمبر 2009، بالقراءة الأولى على قانون يكبل أي اتفاق سياسي محتمل مع أي جهة أو سلطة وحتى جماعة بربط إنصاف "اللاجئين اليهود القادمين من الدول العربية"، بعد قيام "إسرائيل" بواجباتها الخاصة بحقوق اللاجئين الفلسطينيين!!

وكتب د. عيسى تحليلا بهذا الخصوص، قال فيه: هذه لعبة عنصرية متطرفة من قبل حزب "شاس" الديني اليميني الذي تعود على إنكار حقوق اللاجئين الفلسطينيين التي كفلتها المواثيق والأعراف الدولية وقرارات الشرعية الدولية بالأخص القرار رقم 194 لسنة 1948، والذي على أساسه تم الاعتراف "بإسرائيل" كدولة وقبولها بعضوية الجمعية العامة لهيئة الأمم المتحدة إلى جانب القرار 181 لسنة 1947. إن الحجة التي يحاول حزب "شاس" والأحزاب اليمينية الأخرى تمريرها بأن "اليهود الذين غادروا الدول العربية بعد قيام إسرائيل هم لاجئون حسب القانون الدولي" لا تنطلي على أحد مطلقا، لأن اليهودي الذي غادر مصر أو العراق أو اليمن أو سورية أو العراق أو غيرهم من الدول العربية غادرها بمحض إرادته أو بتحريض من الحركة الصهيونية للقدوم إلى "إسرائيل" على اعتبار أن هذه الأرض، بحسب بعض الحاخامات والدعاوي التوراتية والتلمودية، هي "أرض الميعاد"، والتي من جانب آخر تنكرها بعض الجماعات الدينية اليهودية التي تحرم قدوم أي يهودي إلى فلسطين.

والأدهى من ذلك أن التقديرات "الإسرائيلية" تشير إلى أن عدد اليهود الذين "أجبروا على ترك بيوتهم وأراضيهم في الدول العربية  يقارب المليون ونصف المليون". وهذه الحجة لم تصمد أمام اليهود الشرقيين أنفسهم الذين قالوا بأنهم خدعوا من قبل بعض حركات الهجرة الصهيونية التي حرضتهم على الهجرة إلى "إسرائيل"، وأن حياتهم فيها مليئة بالتناقضات العنصرية والتمييزية، ويتمنون العودة إلى أماكن سكنهم.

أما بخصوص الفقرة الواردة في مشروع القانون الذي تقدم به عضو "الكنيست" نسيم راب من حزب "شاس" تلزم بأن يتم تعويض هؤلاء اليهود في اتفاق قادم يتضمن تعويض اللاجئين الفلسطينيين، مع أن هذه الفقرة تتناقض بشكل مطلق مع القاعدة القانونية الدولية التي تتحدث بوضوح عن حق العودة للفلسطينيين المكفولة بمواد الميثاق العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر في 10 كانون أول/ديسمبر 1948، إذ تنص الفقرة الثانية من المادة 13 على الآتي: لكل فرد حق مغادرة أي بلد، بما في ذلك بلده وفي العودة إلى بلده!!

وفي اليوم التالي لصدور الميثاق العالمي لحقوق الإنسان في 11 كانون أول/ديسمبر 1948 صدر القرار الشهير رقم 194 من الجمعية العامة للأمم المتحدة الذي قضى بحق اللاجئين الفلسطينيين في العودة والتعويض "وليس في العودة أو التعويض". وأصر المجتمع الدولي على تأكيد قرار 194 منذ عام 1948 أكثر من 135 مرة ولم تعارضه إلا "إسرائيل"، وحق العودة أيضا تابع من حرمة الملكية الخاصة التي لا تزول بالاحتلال أو بتغيير السيادة على البلاد.

وحق العودة لا يسقط بالتقادم، أي بمرور الزمن، مهما طالت المدة التي حرم فيها الفلسطينيون من العودة إلى ديارهم، لأنه حق غير قابل للتصرف. علما بأن المجتمع الدولي ممثلا بالجمعية العامة لهيئة الأمم المتحدة لم يتكلم مطلقا على أن هناك لاجئين يهود، بل على العكس من ذلك، أصدر على ضوء نكبة الشعب الفلسطيني سنة 1948 قراراً هاماً جداً للاجئين الفلسطينيين أكد فيه على التالي:

أولاً - اعتبر الفلسطينيين شعباً طرد من أرضه، وله الحق في العودة كشعب وليس كمجموعة أفراد متضررين من الحروب مثل حالات كثيرة.

ثانياً - وضع آلية متكاملة لعودة اللاجئين.

لهذه الأسباب وغيرها تعمل "إسرائيل" جاهدة لإلغاء قرار 194 واستبداله بقرار آخر وحل وكالة غوث اللاجئين الفلسطينيين "أونروا"، التي نتجت عنه، والتي تمثل الدليل القانوني والمادي لحقوق ألاجئين الفلسطينيين.

وثائقهم تُكذب ادعاءاتهم بشأن هجرة اليهود من الدول العربية

وفي هذا الصدد، لا بد من توضيح جملة من الحقائق أهمها: أنه لا يجوز مطلقاً مقارنة ما سُمي زوراً وبهتاناً "اللاجئين اليهود" باللاجئين الفلسطينيين. فاللاجئون اليهود لم يطردوا أو يهجروا بالقوة من الدول التي كانوا يعيشون فيها، ولم تقم الحكومات العربية وأجهزتها الأمنية بارتكاب المجازر والمذابح الجماعية بحقهم لدفعهم إلى الهجرة، كما فعلت العصابات الصهيونية في فلسطين، إذ ارتكبت أكثر من مئة مذبحة، كما يقول الباحث الفلسطيني د. سلمان أبو ستة، لدفع الشعب الفلسطيني إلى الهجرة قسراً، خوفاً من الموت الصهيوني الذي يلاحقه.

واستناداً لما سبق أن نشرته صحيفة "الدستور" الأردنية، فإن الوثائق "الإسرائيلية" كشفت النقاب عن وقوف القيادة الصهيونية في تل أبيب وراء التفجيرات التي حدثت في بغداد والقاهرة والإسكندرية لترويع اليهود ودفعهم للهجرة، وبالفعل فلقد القي القبض على بعض المجرمين الذين قاموا بزراعة هذه المتفجرات والألغام، كما تم الحكم بإعدام بعضهم.

وأضافت "الدستور" ما مفاده أن العقل الصهيوني المجرم الذي دبر ونفذ مجزرة دير ياسين والدوايمة واللد والرملة لترويع الشعب الفلسطيني ودفعه إلى الهجرة، هو الذي نشر الرعب والموت في أماكن سكن اليهود في القاهرة وبغداد لدفعهم للهجرة إلى فلسطين، لإقامة الكيان الصهيوني الغاصب.

ومن ناحية أخرى، فإن عملية تهجير ونقل الفلاشا "يهود الحبشة، إلى "إسرائيل"، والمعروفة بعملية "بساط سليمان"، تؤكد ما أشرنا إليه، وتؤكد أن العدو يوظف كل إمكاناته لتهجير اليهود ومن كل أنحاء العالم لرفد كيانه العنصري بالطاقة البشرية التي يحتاجها، ومن المعلوم أن "بساط سليمان" تمت برعاية وإشراف الإرهابي شارون، وبمساعدة مسؤولين أثيوبيين والرئيس السوداني الأسبق جعفر النميري.

ومن هنا لا يجوز مطلقاً مقارنة ما سُمي ملف "اللاجئين اليهود"، الذين هاجروا طوعاً إلى الكيان الصهيوني، طمعاً في "اللبن وشهد العسل" بملف اللاجئين الفلسطينيين، الذين طردوا بالقوة وبفعل المذابح والمجازر التي لاحقتهم حتى في المنافي، ويرفض العدو عودتهم إلى وطنهم وتنفيذ القرار الأممي رقم "194" في حين لا تمانع الدول العربية كافة، وخاصة التي خرج منها اليهود إلى فلسطين بعودتهم، وبالفعل فان بعضهم يزور تلك الأقطار في العلن والسر وبتشجيع من الحكومات القائمة فيها. وبالمختصر المفيد، لا وجود "للاجئين اليهود" إلى في مخيلات العدو الصهيوني في تل أبيب، ومحاولة  هذا العدو تسويق هذه الكذبة وفرضها على أجندة المفاوضات، لم تكن إلا لإجهاض محاولات تنفيذ حق العودة بموجب القرار 194، والذي ينص على العودة والتعويض معاً.

 

محمود كعوش

كاتب وباحث فلسطيني مقيم بالدنمارك

..............................................

المصادر

1- وكالة الأنباء والمعلومات الفلسطينية "وفا"

2- مقالات نشرتها سابقاً في العديد من وسائل الإعلام

3- مجلة "البيادر السياسي" المقدسية الورقية

4- صحيفة "الدستور" الأردنية

5- الخليج أون لاين

6- "شركة الأخبار" العبرية "الإسرائيلية"

 

 

حسن خليل حسن(انا على يقين بأن من سيكتبون التاريخ بعد مئة عام سيقولون ان النفط لم يحقق الثروة للعرب ألا التعجيل في هلاكهم)... أمين معلوف

لطالما وجدت البصرة شرور النفط قبل خيره منذ ان كان وراء استعمار العراق بدوافع اقتصادية، والى عهدٍ قريب عكزت الحروب على عوائد النفط في تمويل الترسانة العسكرية، وتشهد البصرة حالياً مشكلة كبرى تتمثل بالاستهلاك المائي الكارثي للشركات النفطية الاجنبية والصناعات الاستخراجية والتكريرية في البصرة، اذ أن العراق ثاني أكبر منتجي منظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك)، وهو يضخ معظم إنتاجه اليومي من حقول النفط في جنوب البلاد، وهي حقول (الرميلة الشمالية والجنوبية- غرب القرنة 1 و2- الزبير - مجنون - نهران عمر - - والسيبة- اللحيس- الطوبة – الصبا - الحلفاية) الشكل (1). وتحتل البصرة نسبة كبيرة من انتاج العراق النفطي، وقد ساهمت بنسبة 94% من مجموع صادرات النفط العراقي لشهر تشرين الثاني 2018.

وسوف نبين بلغة الارقام كارثية استهلاك الشركات النفطية على انهار البصرة، اذ تتطلب عمليات الحقن وتفتيت الصخور الرسوبية وتوليد الكهرباء والتقطير وضخ كميات كبيرة جداً من الماء، فأن انتاج برميل واحد من النفط يحتاج ما بين (3-5) برميل من الماء لكل برميل نفط واحد منتج (حسن، 2015) علماً ان سعة البرميل الواحد يساوي 159 لتر، مع الاخذ بنظر الاعتبار ان هنالك زيادة مستمرة في حجم انتاج النفط تتطلب زيادة الضخ  لرفع  مستويات الضغط في المكامن النفطية ولتجنب انحسار الضغوط عند محاولة انتاج كميات اضافية من النفط المُستخرج، الشكل (2)، لذا يتم مضاعفة كميات المياه التي يتم حقنها في الابار باستمرار  للحفاظ على المستويات الانتاجية المطلوبة، اذ يعتبر نظام دفع الماء أكثر الأنظمة  فعالية من  الناحية الإنتاجية في زيادة الضغط في المكمن والتي تعوض خمول الضغط في بعض المكامن نتيجة لفعالية الإزاحة للنفط بواسطة الماء المتقدم، اذ ان كمية المياه المتحركة مساوية إلى كمية السائل المنتج. والكميات المستهلكة في الصناعة النفطية في البصرة هي من مياه نهر الفرات في المديّنة ومياه شط العرب ومياه نهر الصلال (احد فروع نهر كرمة علي). 

609 حسن خليل 1

الشكل (1) كثافة وتركز حقول النفط الكبرى في محافظة البصرة.

وبهذا الصدد نشير الى زيادة كميات الحقن في مكمن الرميلة الذي يعتمد على مياه نهر كرمة علي وهو اكبر الحقول المنتجة للنفط في العراق، فقد ازدادت معدلات حقن المياه فيه الى أكثر من 720,000 برميل ماء يومياً في العامين 2016 و 2017، بالمقارنة مع شهر آيار من العام 2013، حيث كان معدل حقن الماء 60,000 برميل يومياً حيث كان معدل حقن الماء سابقاً 60,000 برميل يومياً ، وبهذا فأن ما يستهلكه هذا المكمن من المياه العذبة من محطة المعالجة على نهر كرمة علي (ومصدرها شط العرب) حسب الارقام المعلنة  يبلغ  457.920 متر مكعب يومياً  (167.140.800 متر مكعب سنوياً)، وهو يمثل بنسبة 14.5% من الحصة المائية الكلية لمحافظة البصرة من نهر دجلة. 

609 حسن خليل 2

الشكل (2) مخطط يوضح عمليات استخراج النفط الصخري.

 وهذا الرقم يخص حقل نفطي واحد وهو  ليس ثابتاً كما انه يزداد مع التوسعة المتوقعة في حجم الانتاج، وبهذا الخصوص فقد اشار الموقع الرسمي لهيئة تشغيل الرميلة، 2018 الى وجود توجه لتوسعة القدرة على استخدام ما يقارب 1.3 مليون برميل ماء يومياً لأغراض الحقن في هذا المكمن.

   وعند اجراء حسابات تخص جميع حقول النفط في محافظة البصرة وفق معدل انتاج النفط لشهر تشرين الثاني من العام 2018  البالغ  3.254.689 مليون برميل يومياً من حقولها (الموقع الرسمي لوزارة النفط، 2018).  وباعتماد معدل استهلاك الماء لإنتاج برميل واحد من النفط البالغ 3- 5 برميل ماء (وهو الكمية المستهلكة في الحقول النفطية في دول شبه الجزيرة العربية) يكون مجموع ما تستهلكه الصناعة النفطية في البصرة من المياه يومياً 2.069.982 متر مكعب يومياً اي  (755.543.377 متر مكعب  سنوياً) وهو ما يشكل نسبة (66 %) من مجموع الايراد المائي من لنهر دجلة الواصل الى  محافظة البصرة (لم يتم استثناء الكميات المستهلكة في الحقول النفطية التي تعتمد من نهر الفرات).

والمشكلة لا تتوقف عند استنزاف الشركات النفطية لثلثي الحصة المائية للبصرة فحسب،  بالرغم من انها من  اكبر التحديات التي تواجه الامن المائي في البصرة، بل هنالك مشكلة اخرى تتمثل بالمياه المصاحبة للنفط والمياه الناتجة عن تحلية مياه الحقن ومعالجتها كيميائياً وبيولوجياً، اذ ان انتاج برميل واحد من النفط يقابله 5 اضعاف كميته من المياه عالية التلوث، وان برميل واحد من المياه المالحة قد يلوث 97 برميلاً من مياه المسطحات المائية التي تنصرف اليها المياه الراجعة من عمليات المعالجة او المياه المحلاة، الشكل (3).

لذا من المهم الاسراع بالخطوات التالية:

1- تفعيل الدراسات الاستشارية في مجال استخدام بدائل المياه العذبة في حقن الابار النفطية ومن اهمها التقنيات الحديثة هي عملية حقن غاز ثاني اكسيد الكربون لرفع انتاجية المكامن النفطي او حقن المواد البوليميرية، واستخدام التقنيات الحرارية، بالإضافة الى استخدام طرق مزاج النفط مع بعض المذيبات البترولية لأغراض الحقن.

2- ضرورة اعتماد الشركات النفطية على المياه البحرية لأغراض الحقن او التوجه الى معالجة مياه المصب العام وشط البصرة وتحريم استخدام المياه العذبة في الصناعات الاستخراجية والتكريرية

3- من الضروري الاسراع بإبرام عقود جديدة معها على اساس استخدامها لمياه من مصادر غير انهار دجلة والفرات، واخذ ضمانات على تحملها جزء من مسؤولية نقص المياه وقيامها بتمويل مشاريع تنموية لتعويض الضرر البيئي الذي تحدثه من جراء استخراج النفط والغاز المصاحب والملوثات التي تطلقها الى البيئة المحيطة والتي تسببت بكوارث صحية اشارت اليها تقارير وابحاث اهتمت بتداعيات العمل الاستخراجي والتكريري في البصرة.

4- الزام الشركات النفطية بنصب محطات معالجة المياه المصاحبة والعادمة وان تتناسب تلك المحطات بحجم النشاط الاستخراجي في الحقل النفطي، وطبيعة التكوينات الارضية فيه.      

5- الاسراع بتشكيل فريق قانوني لمقاضاة الشركات النفطية التي تتسبب باستنزاف موارد الثروة المائية في اعمالها الاستخراجية والتكريرية في البصرة، اذ ان هذه الشركات، تستهلك نسب عالية جداً من المياه العذبة المتاحة لأغراض الحقن وتوليد الكهرباء والتقطير، كما ان اعمالها لا تخضع الى استراتيجية واضحة من حيث الاعتماد على المصادر غير التقليدية والتي يجب ان تعتمد بشكل كامل على تحلية مياه البحر ويكون لها دور في تزويد بعض مناطق البصرة بالمياه المحلاة التي تقوم بإنتاجها .

609 حسن خليل 3

الشكل (3) استنزاف الموارد المائية بسبب نشاط استخراج النفط

الدكتور حسن خليل حسن

...........................

المراجع:

1- حسن، جمال قاسم (2015) النفط والغاز الصخريين وأثرهما على أسواق النفط العالمية، صندوق النقد الدولي.  31 صفحة (www.amf.org.ae/ar/content).

2- الخولي، رشيد (2009) الاستخلاص المعزز للنفط بحقن المياه في الطبقة، عالم النفط والغاز/ https://sites.google.com/site/sypeteng/research/24

3- عبد الجبار، احمد (2014) أدلجة النفط: دور النفط في الصراعات المشرقية، مستقبل الشرق للدراسات والابحاث، .https://www.falsharq.com

4- الموقع الرسمي لوزارة النفط، 2018.

5- الوائلي، حوراء (2017) 15 مليون برميل ماء يوميا لاستخراج النفط الكويتي، صحيفة القبس الالكترونية، 18 مارس 207(https://alqabas.com/371406/).

6- صحيفة القبس الكويتية(2006)  حقن الآبار بغاز الكربون بدل الماء وتعاون كويتي – ياباني لتحسين النفط.

 

عزالدين عنايةيتميز الإنتاج المعرفي في الكليات الدينية في البلاد العربية بسمات جامعة، تتلخص بالأساس في تخطّيه شبه التام أوضاعه الاجتماعية والاستعاضة عنها بخطاب هائم مفارق، لا غاص في الأرض ولا تشبّث بالسماء. حتى خلّف ذلك المنهج اغترابا لافتا بين المشتغلين في الحقل الديني، تجلّى أحد أوجهه في تردّي الدراسات بشأن المسيحية.

ولا نزعم أن دراسة المسيحية مفتقدة أصلا في كلية الشريعة، بل إن الظاهر أن المنهج المتّبع عقيم لا يستجيب لمستلزمات الراهن. فلم يدرك العقل الإسلامي، في ثوبه المشيخي المتدثّر بفكر الردود وبالمنظور المستند إلى مقولات أهل الذمة، أنه ما عاد قادرا على استيعاب المسيحية الراهنة، لما طرأ عليها من تحولات.

فلا أدل على وَهَن القدرة الإسلامية في مناقشة المسيحية، وتردي الإدراك في تبين مساراتها، من اختراق الوافد الديني للحصون الداخلية للإسلام المغاربي، وتهديد موعظة المبشّر فتاوى الشيخ. ولولا تجريم ما يُسمى بالتبشير المسيحي، ومحاولة سدّ منافذ تسرّباته، وإن كان بأشكال تعيسة غوغائية، لبلغ السيل الزبى.

والجلي أن الوقائع ما كانت لتؤول إلى ما آلت إليه، لولا ضعف الفكر الإسلامي في اهتماماته بالآخر، حتى بات المفكّر يخشى المبشِّر. ففي بلاد المغرب الكبير، هناك غفلة تامة عن التعامل مع التراث المسيحي السابق، رغم أن المنطقة شهدت في سابق عهدها تطورات عميقة. كان أبرز تجلياتها الفلسفية واللاهوتية في أعمال القديس أوغسطين ابن ثاغست، سوق هراس الجزائرية اليوم. فلو بحثنا عن تراث المنطقة المغاربية المسيحي لما أسعفنا في فهمه والإلمام بحيثياته إلا إنتاج العقول الغربية، وبالخصوص العقول الكنسية. يعضد تلك الغفلة غياب عن متابعة حاضر المسيحية، سواء في وجهها الأوروبي المجاور أو الغربي بشكل أعم. فهناك نفيٌ من الذات المغاربية لتاريخها، وهناك تغييب غير مبرر لاهتمامها بالآخر الديني، تتحمل فيه الوزر أن يأتيها التحدّي من حيث لا تحتسب.

لقد استغل الفكر الكنسي الغربي ذلك الإهمال في الفكر المغاربي، حتى جلب إلى حضيرته جمع من الجزائريين والمغاربة والتونسيين، الذين باتوا يتبنون الطروحات الغربية في أن المنطقة رومانية كنسية، في سابق عهدها، وغربية الطباع والهوى في حاضرها. تطوّر الأمر في السنين الأخيرة حتى بات من يروّج للمسيحية الأوروبية بحماس مفرط، معتبرا الإسلام دخيلا وغازيا، والواقع أن تلك المقاربة يعوزها ربط الحلقة الإسلامية بسابقتها المسيحية بوعي تاريخي رصين. فعادة ما متح الناكصون من غبن نفسي وما ركنوا إلى وعي فكري في انتمائهم الجديد. وقد تجلت فطنة الكنسية الغربية أساسا في تعاملها مع اللغة الأمازيغية، إذ كانت أسبق في الإلحاح على مبشّريها لتعلّم اللهجات الأمازيغية من الزيتونة والقرويين. ليس الأمر نابعا من تثمين وتقدير لتراث المنطقة لدى الكنيسة ولكنها أدركت يُسر تحوّل الهامشي إلى حجر رأس الزاوية بعد أن نبذه البناؤون.

لقد شهد العالم تغيرات هائلة في الحقبة المعاصرة، وصار من العبث، في بلدان تدعي الحداثة وحقوق الإنسان وحرية الاعتقاد، الحديث عن صدّ "التبشير" و"التنصير" و"التمسيح"، بلغ حدّ إصدار قوانين تجرّم من يروّج لغير ما هو سائد بدعوى ثلم الوئام الديني. في الحقيقة ليست تلك الأساليب منطقية، وليست عقلية، وليست إسلامية أيضا. فهناك في البلاد المغاربية قابلية للتنصّر يغذّيها بؤس الفكر الديني الإسلامي واغترابه، وضعف التكوين الأكاديمي بشأن الآخر في الجامعات الدينية بالأساس، فضلا عن عدم التنبه للتحولات العالمية وما تتطلبه من أدوات مستحدثة. من هذا الضعف يتسرب الآخر الديني ليحاصر ويهدد ويتحدى العقل الخامل.

خلال الصائفة المنقضية التقيت، أثناء إقامتي في كل من تونس والجزائر، بباحثين في الحقل الديني. حسبتُ قبل اللقاء أن الدراسات المغتربة، التي استعاذ من مثلها سيد الخلق: "أعوذ بالله من علم لا ينفع" قد كسدت بضاعتها مع دخول الألفية الثالثة، فضلا عن الإحجام عن البحث فيها، بموجب الزلازل السياسية التي هزّت بلاد العرب وأمة الإسلام، التي يُفترض أنها نبّهت الغافل. ولكن حديثي وسؤالي بيّنا لي خلاف ذلك، فما فتئت سوق البحث في الغيبيات رائجة وبالباحثين فيها عامرة. فـ"هاجر" تعدّ "ماستر" حول إبليس، و"رقيّة" تبحث في الطمأنينة، و"عبدالباسط" يزعم فكّ ما أشكل على السابقين في مسألة "القضاء والقدر"... بالمقابل أستذكر طلابي الإيطاليين في الدراسات الشرقية، فأجدهم، باختيارهم لا بإيحاء مني أو من زملائي، يركزون في إعداد رسائلهم على ما هو معيش. "لاوْرا" تبحث في أثر العوامل الدينية في عدم ضمّ تركيا إلى المجموعة الأوروبية، و"فرانشيسكو" يتتبع برنامج "الشريعة والحياة" في قناة "الجزيرة" بالتحليل والرصد، و"كارلا" تتناول بالمقارنة سينما الثورة الجزائرية مع سينما الجزائر الفرنسية، أي سينما ما قبل الثورة. لعله لتلك الأسباب غنم الغرب دنياه وفرّطنا نحن في دنيانا وأخرانا.

 

د. عزالدين عناية

 

جواد بشارةمن الصعب الولوج إلى عمق تلافيف النصوص الأومية ولكن بعض العلماء بذل جهداً كبيراً لاستخلاص أفكار واضحة ومفيدة من خلال قراءة وتمحيص الرسائل الكثيرة  والمتنوعة للأوميين. من هؤلاء العالم الفرنسي جون بيير بتي فلقد كرس وقته سنة 1976 لقراءة الرسائل التي تسلمها سيسما من الأوميين سنة 1962 والتي اشتراها منه فاريول وأعطاها لجون بيير بتي قبل أن يتلقى هذا الأخير رسائله المرسلة إليه مباشرة من الأوميين. ومن تلك الرسائل استشف نظريته الكوسمولوجية الخاصة  التي أسماها جانوس وبتعبير ونص الأوميين كما ورد استحصل المعلومة التالية:" لا يوجد فقط كون واحد، وهو كوننا الذي تعرفونه، بل عدد لانهائي من الأزواج الكونية،  فالثنائية  موجودة أيضاً في التركيبة الكونية. الاختلاف بين العالمين هو أنه في كل واحد من الزوج الكوني هناك استناد على تراكيب ذرية أو نووية مختلفة تختلف عن التراكيب النووية  للآخر، والاختلاف هو في علامة  الشحنة الكهربائية، وهو الأمر الذي سماه البشر المادة والمادة المضادة. لذلك نؤكد لكم وجود كون توأم لكوننا المرئي ولكن:1 ـــ  في ذرات  الكون التوأم تكون الإلكترونات في النواة الذرية موجبة وليست سالبة كما في كوننا المرئي، وهي التي تسمونها ( البوزيترونات) وتبقيها في مداراتها حول النواة الذرية البروتونات المضادة ذات الشحنة الكهربائية المضادة أو المعاكسة. 2 ـــ لايمكن للكونين التوأمين أن يتصلا ببعضهما البعض لأنه اتصالهما يفنيهما معاً، وبالتالي لامعنى للتفكير بإمكانية إلتقاء بينهما وذلك لأنه لاتوجد بينهما علاقات مكانية وزمانية أو زمكانية، ولاتوجد بينهما أبعاد تفصل بينهما فلا معنى أن تفكروا بوجود سنوات ضوئية تفصل بينهما أو أن وجودهما متزامن أو متشابه زمنياً فلا زمن بينهما كالزمن الذي نعرفه. 3 ــ لدى الكونين التوأمين نفس الكتلة ونفس القطر  لتشكيل كروي ذو انحناء سلبي . 4  ــ  ويتمتع الكونان بــ " فرادة" خاصة متميزة الواحدة عن الأخرى. ما يعني أنه لايوجد نفس عدد المجرات  ولا نفس التركيبة المادية لدى كل منهما فلا وجود لأرض أخرى ولا لكوكب أومو توأم كما يمكن أن يتخيل البعض وهذه المعلومة ليست افتراضية بل حقيقية وسوف نقدم الدليل العلمي عليها لاحقاً . 5 ــ نشأ الزوج الكوني، كوننا المرئي وتوأمه، في نفس الوقت بعد الانفجار العظيم، إلا أن إتجاه سهمي الزمن لهما لا يسيران بنفس  الاتجاه فلكل واحد منهما اتجاه زمني مغاير، وبالتالي من الخطأ التفكير أنهما موجودان في نفس الزمن أو هناك نفس مفاهيم الــ " قبل " والــ " بعد " أو أن أحدهما موجود قبل أو بعد الآخر، يحق لنا القول فقط أنهما موجودان فحسب. ولا يحق لنا القول أنهما موجودان " الآن" أو قبل أو بعد، ولكن في سياق تطوري هما متوازيان  ومتكافئان وهذا ينطبق على كافة العدد اللانهائي من الأزواج الكونية التوائم الموجودة والمرصودة من قبلنا في التعدد الكوني pluricosmos .

ويمكننا أن نرى صورة تختلف عما رصده البشر عن جزء ضئيل من الكون المرئي وعمموا رؤيتهم ففي هذا الكون المرئي تتنقل المجرات كما لو كانت جزر تطوف في محيط كوني إلا أن هذا المحيط هو عبارة عن كرة بأبعاد متعددة multiple dimensions حيث يمكننا الحديث عن مسافات مابين المجرية  وغازات وسحب كونية تملأ الفضاءات مابين النجمية ومابين المجرية ولكن يصعب عليكم أنتم البشر تصور أو تخيل أو تكوين صورة عن التعدد الكوني لأن الأزواج الكونية ستبدو لكم كما لو إنها غاطسة في العدم فلا معنى أن تتخيلوا وجود مسافات أو أن المسافات معدومة فمثل هكذا تصور لن يكون سوى وهم وتخيل، هناك توازي وتداخل وتدافع وتسارع وانفجارات عظيمة لاتعد و لا تحصى وفي كل لحظة في الكون المطلق الذي يضم الأزواج الكونية التوائم. ولكن من المؤكد لنا ومثبت علمياً أن الكون التوأم لكوننا يمارس تأثيراً على كوننا حتى لو لم يرتبط الكوننان بأية علاقات زمكانية بينهما وبتحليلنا لهذا التأثير اكتشفنا كوننا التوأم."  هذا النص يثير الغرابة والفضول في آن واحد كيف لنا أن نتصور نحن البشر أن هناك اتجاه معكوس للزمن؟ وماهي طبيعة وماهية المكان ومفهوم الفضاء ؟

في رسائل أخرى مبعثرة يوجد شرح وتوضيح للصفحات الكونية feuillets d’univers كما لو أنها إنعكاس أحدهما للآخر في مرآة كونية هائلة ويطلق عليها النص الأومي الــ énantionomorphes أو الكون المرآة، ولكل كون وانعكاسه في المرآة الكونية زمنه الخاص به واتجاهه الخاص به والمعاكس لكل منهما . وهو الموضوع الذي عمل عليه العالم السوفياتي أندريه زاخاروف وحصل على جائزة نوبل  ولقد نشر بحثه كاملاً باللغة الفرنسية سنة 1984 وكان قد قدمه سنة 1967  لكن الظروف السياسية آنذاك حالت دون انتشاره في الغرب. وبقي مفهوم الأكوان التوأم  univers gémellaires محدودا ومحصوراً بين  قلة قليلة من العلماء لسنوات عديدة ما عدا بعض الاهتمام والفضول الذي أبداه بعض العلماء في الغرب لنتاج أنديه زاخاروف الحاصل على جائزة نوبل وذهولهم من أطروحته عن الأكوان المتوازية والأكوان التوائم بسهمي زمن متعاكسين وإشارته لغياب المادة المضادة التي تقف وراء تكون الكون التوأم  إلا أن زاخاروف نشر بحثه بإسمه ولم يذكر مصدر  معلوماته المختلف كلياً عما كان معروفاً وسائداً في الوسط العلمي الفيزيائي آنذاك بيد أن رسائل أخرى للأوميين كشفت أنهم أرسلوا له ولعدد مع العلماء السوفيت رسائل علمية وإن زاخاروف نشرها بإسمه دون أن يشير للأوميين ورسائلهم التي تضمنت هذه المعلومة الكونية المهمة. ولكن في خطابه عند تسلمه جائزة نوبل والذي قرأته بالنيابة عنه في ستوكهولم هيلينا بونير سنة 1975 قال زاخاروف:" قبل آلاف السنين كانت المجموعات البشرية محرومة  في سعيها للحصول على الكلأ  والغذاء ومع ذلك كان من المهم، ليس فقط الحصول على الغذاء بل والتفكير والتأمل على نحو ذكي وواعي وإقامة العلاقات بين المجموعات البشرية المنتشرة والموزعة في أرجاء الأرض لإقامة التعاون بينها، واليوم تواجه البشرية اختباراً مماثلاً يتمثل بوجود حضارات كونية عديدة منتشرة في الفضاء اللانهائي، وفي بعضها توجد مجتمعات عاقلة ومتطورة ومتقدمة، أكثر حكمة وأكثر تطوراً واتقاناً وأداءاً performantes plus منا. وأنا أؤيد الفرضية الكوسمولوجية القائلة  بأن تطور الكون يتكرر بأعداد لامتناهية وفق مقاييس وظروف وخصائص جوهرية معينة فهناك حضارات فضائية أخرى أكثر أداءاً وتطوراً من الناحية العلمية والتكنولوجية، وهي موجودة بعدد لانهائي في سجل التطور الكوني وعلى الصفحات السابقة أو اللاحقة لكتاب الكون" . وأشار زاخاروف إلى إمكانية وجود اتصالات بحضارات فضائية كونية لابشرية .

ولقد ذهب الأوميون إلى أبعد من ذلك في الميتافيزياء عندما تحدثوا عن إمكانية أن يكون الشيء موجوداً وغير موجود في آن واحد أو أن يكون الشيء حقيقياً ومزيفاً في نفس الوقت ويؤكدون إمكانية أن تكون ظاهرة ما، ذات كينونة وجودية ومعدومة الكينونة تزامنياً وهذا التمييز الأنطولوجي يصعب إدراكه من قبل البشر في الحياة اليومية  لكنه كان مطروقاً  من قبل حكماء وفلاسفة بشر قدماء لا سيما النتاج الأفلاطوني، وكذلك في النصوص التأسيسية للفلسفة البوذية. ففي منطقنا  الثنوي binaire   البشري فإن الأشياء تنتمي، إما  لمجموعة أ من الأشياء الموجودة  والحقيقية الملموسة من ناحية المنطق، وإما للمجموعة ب من الأشياء غير الموجودة  أو المزيفة من ناحية المنطق أيضاً، وهذين المجموعتين منفصلتين عن بعضهما و لا يوجد بينهما أي عنصر مشترك و لا توجد أية إمكانية أخرى بديلة في نطاق منطقنا الزوجي أو الثنائي  البشري  وهو ما يدحضه الأوميون من خلال تجاربهم العلمية والمختبرية في مجال الميتافيزياء  حيث اكتشفوا منطقة رمادية ثالثة بين الموجود وغير الموجود،بين الحقيقي والمزيف، بين الواقعي والخيالي، الأمر الذي يراه البشر من خلال منطقهم بأنه متناقض  في حين أن هذا التناقض بالنسبة للأوميين ومنطقهم فاقد للمعنى ومن منطلق المنطق الرباعي التكافؤ tétravalente فإن هذا التمثل أو التعبير  يمثل ثلاث إمكانيات ممكنة : 1 ــ مجموع أو كل فارغ الذي هو ردب أو نهج مغلق من ناحية المنطق وهذا بدوره يضع نهاية للمفهوم الذي يستكشفه التفكير العقلي . 2 ــ  شكل من أشكال الوجود intriquée معقد أو كامن لكنه خاضع لــ  اللآحتمية من النوع الكمومي أو الكوانتي، على سبيل المثال،  فتلك الكيانات في حالتها المعقدة، أو بسلوكها اللاحتمي جزئياً، هي جزء من مجموع من العناصر المشتركة بــ أ و بــ ب من هنا يقال عنها أنها " موجودة" و " غير موجودة" في نفس الوقت مثل قطة شرودينغر الحية الميتة في نفس الوقت في التجربة الكمومية أو الكوانتية الشهيرة. ولكن بوسعها، على مدى زمني، أن تتجسد فعلياً في هذه الحالة أو، الموجودة أو اللاموجودة. 3 ــ والاحتمال الثالث هو وجود لافيزيائي يتحدد بعناصر لاتنتمي لا للمجموعة أ و لا للمجموعة ب وهذه الكيانات تقع خارج إطار أي تحقق وتدقيق فيزيائي لأنها ميتافيزيائية لأننا يمكننا أن نحسب و نقيس تأثيراتها التي تسمح لنا بأن نستنتج معلومات عن بعض الخواص أو الخصائص الخاصة بتلك الكينونات كالأفكار والمشاعر والتي هي جزء من المجموع الكلي للموجودات . لا يمكننا رؤيتها و لا وزنها  لكنها موجودة.

يتبع

 

د. جواد بشارة

 

حسين حسن العنزيكل مدرسة أجتماعية لابد لها من إبداء رأيها في أسباب علو المجتمعات وأنحطاطها. وتبين من كيفية ابداء رأيها في ذلك وجهة نظرها حول المجتمع وتجارب الماضي، وحركات التكامل والسقوط فيها. وقد ابانت الديانات الوضعية على هذا الأمر خصوصاً ضمن بيان القصص والقضايا التاريخية. فقد تعرض كتاب التوراة في الكثير من آياته لذلك منها " ولا يرضى الله عن التمييز والتحيز، سواء كنا نتحدث عن معيار للقياس أو نظام قانوني غير عادل". وفي كتاب الأنجيل وردت آيات عديدة تنص على ضرورة قيام العدل بين المجتمع وعدم التميز فيما بينهم منها " "الويل لكم أيّها الكتبة والفرّيسيّون المراؤون ... بعدما أهملتم أهمّ ما في الشّريعة: العدل والرّحمة والأمانة. فهذا ما كان يجب أن تعملوا به من دون أن تهملوا ذاك". كما مر ما يماثل هذا التعبير والنصيحة حول تطبيق العدل في آيات كتاب القرأن وأهمها " أن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعاً يستضعف طائفة منهم ويذبح أبناءهم ويستحي نساءهم انه كان من المفسدين".

في هذه الآيات والكثير منها التي وردت في كتب الديانات الوضعية تنص على عدم الأستعباد للآخرين، والقاء التفرقة بين الناس بانحاء التمييز فيما بين طوائفهم، والقاء العداوة بينهم، وعدم أحتقار طائفة خاصة من المواطنين، وقتل أنائهم وابقاء نسائهم من أجل استخدامهن. فمن الواضح أن جميع المظالم الأجتماعية تهدم أساس المجتمع وتفسده.

والظلم لا يختص باعتداء فرد أو جماعة على حقوق فرد أو جماعة آخرين، بل يشمل ظلم الفرد على نفسه، وظلم المجتمع على نفسه. فكل خروج عن الطريقة الأنسانية المستقيمة يعد ظلماً.  وأن الظلم في هذه الأديان جاء بمفهوم عام يشمل الظلم على الغير والأعمال المنافية للأخلاق. ويتين أن كثيراً من الأمور تعتبر في نظر هذه الكتب المقدسة ذات دور هام اساسي في المجتمع مع أن بعضها يعد في الأصلاح من شؤون البناء العلوي.

 

د. حسين حسن العنزي

حدد القدماء طباعًا أربعة لا بد أن تُشكل إحداها السمة الواضحة لأي شخصية إنسانية، وصنَّفوا على أساسها البشر، تأسيسًا على الاعتقاد بأنه مهما كانت درجة الفروق الفردية التي تجعل الإنسان متفردًا عن غيره من البشر، فللمكان الذي وُلد ونشأ فيه الشخص، وللوقت من العام الذي كان فيه ميلاده، تأثيرهما القوي على إعطاء طابع عام لشخصية من يشتركون في المولد تحت سقف نفس المكان أو الزمان. وتأملاتي اليوم خاصة بالزمان.

والطباع الأربعة التي أعنيها كغلاف للشخصيات الإنسانية هي: النار والتراب والهواء والماء؛ فالنار هي رمز الشغف والقوة، والتراب هو رمز الثبات والاستقرار، والهواء هو رمز الفكر والتأمل، والماء هو رمز العواطف والأحاسيس.

ولعل كثيرًا منا يعلم أن القدماء قد قسموا الطباع الأربعة على شهور السنة الميلادية، فكان نصيب كل طبع منها ثلاثة شهور يلتصق بها، أو فلنقل ثلاثة بروج، والطباع تتوزع عليها دائريًا؛ برج ناري بعده ترابي بعده هوائي بعده مائي، ثم تتكرر الدورة مرتين، والبروج الاثنا عشر هي كالآتي:

الحمل (ناري)- الثور (ترابي)- الجوزاء (هوائي)- السرطان (مائي)- الأسد (ناري)- العذراء (ترابي)- الميزان (هوائي)- العقرب (مائي)- القوس (ناري)- الجدي (ترابي)- الدلو (هوائي)- الحوت (مائي).

ولأن فصول السنة أيضًا أربعة، فقد رأوا لكل فصل بوجه عام طبع خاص به، فالربيع (ترابي)، والصيف (ناري)، والخريف (هوائي)، والشتاء (مائي).

ولو دققنا سنجد أن الربيع هو الفصل الذي تنبت فيه الأرض بالزرع بعد موات الشتاء؛ لذا كان عندهم استهلال العام، والدورة الفلكية الجديدة تبدأ بالحمل، أول أبراج الربيع؛ فالربيع هو رمز تراب الأرض والعطاء الآتي منها في شكل نبت ناشئ. والصيف هو فصل سخونة الجو، فهو ناري، والخريف هو الفصل الذي يتحرك فيه الهواء –وفقط الهواء دون الأتربة-، فهو هوائي الطبع، أما الشتاء والذي هو موسم الأمطار عندهم، فهو مائي.

وقد رأوا أيضًا في كل عام تمثيلًا لرحلة الإنسان في الحياة، التي تبدأ بالربيع، والذي يمثل الميلاد وبدء الحياة والطفولة اليانعة، التي تنمو شيئًا فشيئًا، ثم يأتي من بعده الصيف الناري، الذي يُعبر في حياة الإنسان عن الشباب، بكل ما فيه من قوة وشغف، ثم يحل الخريف، ويمثل لحظة الميلاد الثانية، فهو بدء الانعكاس إلى الجهة اليمنية من دائرة البروج وليس الشامية، وهو فصل الحكمة والأفكار والتأمل في منتصف العمر، وأخيرًا يأتي الشتاء معبرًا عن الشيخوخة، والتي يتدرج التعبير عنها من ثبات الرأي والمبادئ على ما تعلم الإنسان (الجدي)، ثم العناد (الدلو)، ثم حساسية الإنسان المفرطة (الحوت)، وربما كان يُمثل الشتاء –من منظور آخر- حياة الجنين في وسط مائي في رحم أمه قبل مولده.

فمن براءة الأطفال لدى مواليد الربيع، والذين يبقى تعلقهم طفولي بأمهاتهم مهما طال بهم العمر، إلى جنون الشباب والحماسة في الصيف، والتي تبدأ بعاطفية السرطان التي تشبه مشاعر المراهقين، قبل أن تلتهب الحماسة عند الأسد، لتخف حدتها بعد ذلك عندما يواجه الإنسان مهام العمل، والتي يعبر عنها العذراء، لينتقل الإنسان بعدها إلى حالة القوة والصلابة التي تكسبه إياها الأيام، كشجرة تقف وحدها يعصف بها الهواء في الخريف، ومهما تساقطت الأوراق تعبيرًا عن انفضاض الناس يبقى جذعها منتصبًا وتبقى قوية، ثم مرحلة فيض الحنان والمحبة الذين يغمرنا بهما كبار السن، حتى وإن كان يكسوها في درجاتها الأولى، صلابة من يريد أن يكسبنا المبادئ ويعلمنا (الجدي والدلو)، وليس فقط أن يكون محبًا عطوفًا، مع ضعف طاقته البدنية (الحوت).

ولقد كانت لي تأملات إضافية حول الطباع والفصول؛ حيث لاحظت أن كل فصل من فصول السنة تمثله ثلاثة بروج ذات ثلاثة طباع مختلفة، أحدها هو الطبع العام للفصل، بينما يختفي طبع واحد من كل فصل من فصول السنة.

بروج فصل الربيع (الترابي): الحمل (ناري)، والثور (ترابي)، والجوزاء (هوائي).

بروج فصل الصيف (الناري): السرطان (مائي)، والأسد (ناري)، والعذراء (ترابي).

بروج فصل الخريف (الهوائي): الميزان (هوائي)، والعقرب (مائي)، والقوس (ناري).

بروج فصل الشتاء (المائي): الجدي (ترابي)، والدلو (هوائي)، والحوت (مائي).

في الربيع نجد النار والتراب والهواء، ولا يوجد تمثيل للطبع المائي، وفي الصيف يختفي الطبع الهوائي، وفي الخريف يختفي الطبع الترابي، بينما في الشتاء يختفي الطبع الناري.

وهناك تقابل ملحوظ؛ فالصيف هو رمز النار، والتي تختفي تمامًا في الشتاء، حيث يحل الصقيع! وبينما الربيع يحمل رمزية التراب، نجد طبع التراب يختفي تمامًا من الخريف! تعبيرًا عن العقل والحكمة وليس التصاق الأقدام بالأرض.

وربما كان لهذا ارتباط أيضًا بقوة هذه الطباع، فأقوى الطباع هو النار، ثم التراب، ثم الماء، ثم الهواء؛ حيث الهواء أفكار وتأملات وليس قوة مادية؛ وبالتالي لا عجب أن يختفي الهواء رمز الفكر والتأمل من الصيف، الذي يرمز للشباب، ليكون الهواء بعدها –وعلى النقيض- رمزًا للخريف بأكمله، والذي يمثل المرحلة اللاحقة من العمر، أو النضج العقلي وليس الجسمي.

كذلك فإن النار التي تختفي من الشتاء هي أعلى درجات القوة، ومن الطبيعي أن تختفي الدرجة العالية من القوة المادية من الفصل الذي يمثل الشيخوخة، بعد أن كانت معبرة عن أبراج فصل الصيف (الشباب) بأكمله.

ودائمًا يكون البرج الذي يتفق طبعه مع الطبع العام للفصل الذي يوجد فيه، هو الأعلى في هذا الطبع من البرجين الآخرين الذين على شاكلته؛ فالأسد برج ناري الطبع مرتين؛ مرة لأن النارية طبعه الخاص، ومرة لأنها طبع فصل الصيف الذي يحل فيه، يليه الحمل في الدرجة الثانية من النارية، حيث يوجد في فصل ترابي، والتراب يلي النار من حيث قوة الطبع المادية، فالحمل ناري ترابي، وهو أكثر الأبراج النارية مادية، بينما القوس أقل أبراج المثلث الناري نارية، حيث هو آخر أبراج فصل الخريف، وتمتزج ناريته بهوائية الخريف، تعبيرًا عن تقدم الإنسان في العمر والعقل، فالقوس هو مزيج من قوة الجسد (النار) وقوة العقل والفكر (الهواء).

وكذلك الثور هو الأعلى ترابية من العذراء والجدي، لأنه البرج الترابي الذي يقع في الربيع، وهو الفصل الترابي، والحوت هو الأعلى مائية من السرطان والعقرب، لأنه برج مائي يقع في الشتاء، وهو الفصل المائي، والميزان هو الأشد هوائية من الجوزاء والدلو.

الأسد: ناري، والحمل: ناري ترابي، والقوس: ناري هوائي.

الثور: ترابي، والعذراء: ترابي ناري، والجدي: ترابي مائي.

الحوت: مائي، والسرطان: مائي ناري، والعقرب: مائي هوائي.

الميزان: هوائي، والجوزاء: هوائي ترابي، والدلو: هوائي مائي.

ولأني أعرف أن القدماء قد اعتبروا الميزان، بيت هبوط الشمس، فقد تأملت في ذلك، ولا أحسبه قد أتى من فراغ؛ فالميزان هو أول بروج الخريف، والشمس هي صاحبة النار، التي كانت لها الكلمة العليا في فصل الصيف! ولأنه الأعلى هوائية؛ كونه برج هوائي الطبع، يقع في فصل هوائي الطبع، فهذه هي الفرصة الوحيدة لانتصار الهواء (الفكر والتأمل والحكمة والعدالة) على النار (القوة المادية والتسلط)، لتنضبط كفتا الميزان!

كثيرًا ما لفتني أثناء تصفح أوراق التاريخ أن معارك تحققت فيها العدالة لصاحب الحق وليس صاحب القوة وقعت في زمن الميزان؛ نجاة سيدنا موسى من فرعون وغزوة بدر ومعركة حِطين وحرب السادس من أكتوبر 1973، على سبيل المثال، بينما يتجلى الاستئساد في أقوى صوره عندما يتزامن مع وقت الأسد، كارثتا هيروشيما وناجازاكي، على سبيل المثال!

أتمنى أن تكون رحلتي التأملية في طباع البشر وفصول السنة قد راقت لكم، كما أتعشم أن ينقشع الشتاء سريعًا، فقد اتحد هواؤه وماؤه وترابه علينا، وغابت النار! وكقوسية نارية أعاني الأمرّين!

 

د/منى زيتون

 

صالح الطائيمن مزايا العرب عن غيرهم من الأمم ان لغتهم مطواعة تتماهى مع رغباتهم وميولهم وشهواتهم وأمنياتهم، فتعطيهم معانٍ وأسماء جديدة يصيغونها على هواهم. من هنا نجدهم قد استنبطوا للأسد مئات الأسماء وللسيف مئات أخرى، ولجهاز المرأة التناسلي ألوفا ولممارسة الجنس نفسها أعداد لا تحصى، ولم يقفوا عند هذه الحدود بل تجاوزوها إلى استنباط معان أخرى قد يكون ما سنكتبه الآن من ضمنها!.

فمن يبحث في أبعاد أخرى خارج المألوف يكتشف أنهم لم يقفوا عند اشتقاقات اللغة، فقد حدا بهم خيالهم الجنسي الجامح إلى اختراع قصص في منتهى الغرابة، تكلمت عنها مجموعة من الكتب التاريخية، منها حديثهم عن خلق بعض الحيوانات، الذي لا يبتعد حديثهم عنه كثيرا عن عالم الجنس والشهوات، من ذلك قولهم: إن (الشِيب) وهو نوع من الفصيلة الكلبية، له أنياب طويلة وأسنان حادة، وقدرة على افتراس الكلاب والجمال والخراف وحتى الإنسان، هو مولود هجين، ولد نتيجة علاقات جنسية شاذة معقدة، مرت بعدة مراحل، حيث ادعوا أن الشيب وهو بزعمهم حيوان لا يتكاثر؛ مثلما هي البغال، إنما نتج من تزاوج (الذئب الذكر) مع (أنثى الضبع) (الأسروكون)، بسبب شبق أنثى الضبع التي إذا لم تجد ذكرا من جنسها يشفي غليلها تلجأ إلى الحيوانات الأخرى. فعندما تكون أنثى الضبع مستعدة طبيعيا للتزاوج، ولا تجد لها ضبعاً تعاشره، تذهب ـ حسب قولهم ـ إلى الذئاب، وتتيح لها أن تلقحها، ومن هذه العلاقة الشاذة ينتج الشيب. وهذا طبعا من الأمور المستحيلة، لأن عدد كروموسومات الضبع (الصبغة الجينية)  لا تتوافق مع عدد كروموسومات الذئب، على خلاف عدد كروموسومات الحصان والحمار اللذين هما من فصيلة واحدة.

والتهجين علميا، هو عملية التزاوج بين سلالتين مختلفتين، ولكنهما من الرتبة نفسها، كتهجين الحمار (الذكر)، بالحصان (الانثى)، ولا يمكن حدوث هذا في الرُتب المختلفة مثل: الإنسان والحيوان، حتى بالنسبة للقرود التي هي الأقرب رتبة إلى الإنسان، لأن عدد الكروموسومات بينها وبين الإنسان مختلف. فمع أن الإنسان لديه (46) كروموسوما تشبه كروموسومات الشمبانزي . إلا أن أعدادها مختلفة في كليهما، فضلا عن ذلك لدى الإنسان في نوية خلاياه الجسمية 23 زوجا من الكروموسومات، بينما تملك القرود العليا ومن ضمنها الشمبانزي 24 زوجا من الكروموسومات. أما الحيوانات الأبعد مثل الكلاب فيستحيل أن تنتج العلاقة كائنا حيا، فالكلب مثلا لديه (78) كروموسوما، وهذا لا يمكن أن يلتقي مع كروموسومات الإنسان.

أما الحيوانات الخرافية بشكل عام، فهي وليدة الفكر الإنساني الجامح الحالم، فالإنسان ميال ومغرم باختلاق الأساطير، ربما لأن ذلك يريه قوى أسطورية ممكن أن يستعين بها عند الحاجة، أو لأن الاشتغال بتلك الرؤى مُشوق ومُنشط لخياله، ومن هنا كان البشر يُصدقون ما يُختلق من دون بحث عن دليل حتى أن تلك المختلقات الأسطورية، كانت جزء من الميثولوجيا التاريخية، وركنا من أركان الاعتقاد الديني البدائي، بوجود ثور وحية وحصان وكلب لهم أجنحة تمكنهم من الطيران، أو بوجود حيوانات خرافية مثل الرخ والعنقاء والتنين لا شبيه لها في واقعهم، أو الدمج بين الواقع والخيال لاختلاق كائن خرافي مثل السنتور الذي تقول الأسطورة الإغريقية إنه كائن على شكل إنسان في نصف جسد علوي، وحصان في نصف جسده السفلي.

وكم هو غريب أن نجد أبعاد عالم الخرافة القديم تمتد على يد رجال مشهورين إلى حدود ثقافة العرب، وتتوغل فيها لتخلق لهم حكايات اعتباطية، على درجة من  التفاهة أنها حددت جانبا من أبعاد علوم أجدادنا، الذين كان همهم ما ورثوه من تراكم ديني، حيث حصروا العلوم بهذا الجانب، ونفوا أن تكون الأمور الأخرى علوما، من هنا تجد أن كلمة عالِم كانت تطلق على أكثرهم شهرة في تخصصه الديني، كأن يكون عالما في الحديث أو التفسير أو السيرة، وهكذا، أما غير هؤلاء فلا يُعد عالما!.

بسبب ذلك نجد أن من أراد منهم أن يتوسع في مباحثه أبعد من تلك الحدود التي فرضوها على أنفسهم، قد شط بعيدا عن العلم والعقل وسنن الحياة إلى درجة أن الأسطورة تقف عاجزة أمام ما اختلقه تفكيره، المشغول بأهم أمرين في الوجود: الدين والجنس! وهناك في تاريخنا الكثير من الأمثلة على ذلك، سأقصر كلامي على مثال واحد، هو:  أبو عبد الرحمن محمد بن عبيد الله بن عمرو بن معاوية بن عمرو بن عتبة بن أبي سفيان بن حرب الأموي مثلما أورده الذهبي في الجزء التاسع من  سير أعلام النبلاء، أو: أبو عبد الرحمن العتبي محمد بن عبيد الله بن عمرو بن معاوية بن عمرو بن عتبة بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس مثلما أورده المرزباني في معجم الشعراء. وقال عنه ابن خلكان في الجزء الرابع من  وفيات الأعيان: هو الشاعر البصري المشهور؛ كان أديبا فاضلا شاعرا مجيدا، وكان يروي الأخبار وأيام العرب. وله من التصانيف: كتاب الخيل، وكتاب أشعار الأعاريب، وأشعار النساء اللاتي أحببن ثم أبغضن، وكتاب الذبيح، وكتاب الأخلاق وغير ذلك. وهو شاعر، وشعره كثير وجيد، وهو من فحول الشعراء المحدثين، وإنه كان عالما بالحيوان، وله نظرية في خلق الحيوان!.

ووصفه الصفدي في الجزء الرابع من الوافي بالوفيات بأنه البصري الأخباري، كان راوية للحديث النبوي، وأحد الأدباء الفصحاء. وله تصانيف منها: كتاب الخيل، كتاب أشعار الأعارب، كتاب أشعار النساء اللاتي أحببن ثم أبغضن، كتاب الذبيح، كتاب الأخلاق، وغير.

ما يهمنا من ذلك كله هو قول ابن خلكان عن الرجل أنه كانت له نظرية في علوم خلق الحيوان، وهي نظرية تدعو إلى العجب، إذ روي عنه أنه كان يقول: الزرافة ـ بفتح الزاي وضمها ـ الحيوان المعروف، وهي متولدة بين ثلاثة حيوانات: الناقة الوحشية، والبقرة الوحشية، والضبعان، أما الضبعان فهو الذكر من الضباع!

أما كيفية تكون هذه الخلطة الهجينة الفريدة، فتمر بعدة مراحل، منها أنها تبدأ بعدما يقع الضبع الذكر بالرغم من صغر جسمه وقصر حجمه على الناقة الوحشية التي يقارب طولها المترين، والتي لا تأنس لأحد بسبب وحشيتها، أي يتصل بها جنسيا، ونتيجة ذلك، تلد الناقة ولدا مسخا يحمل بعضا من صفاتها وبعضا من صفات الضبع، ولكنه بالرغم من هجنته يملك قدرة التزاوج والتكاثر على خلاف جميع الحيوانات الهجينة الأخرى! ولذا نرى أنه إذا ما كان هذا المولود ذكرا، وقيض له أن يقع على بقرة وحشية، فإن هذه البقرة سوف تلد الزرافة، أي أن الزرافة هي نتيجة علاقة شاذة بين بقرة وحشية والحيوان الهجين المسخ الذي ولد من علاقة معقدة مر عليكم شرحها! وقال أولئك العلماء إن الزرافة سميت بهذا الاسم لهذا السبب بالذات لا لسبب غيره!، والظاهر أن هذا العالم النحرير، أراد أن يثبت للمحيطين به أن ثقافته أجنبية، بما يدل على سعة اطلاعه على خلاف جمودهم، أنه تكلم عن اسم الزرافة في الأقوام الأخرى مدعيا مثلما نقل ابن خلكان عنه أن العجم تسمي الزرافة: (أشتر كاو بلنك) وهذا الاسم مكون من ثلاث مفردات:

أشتر: الجمل

كاو: البقرة،

بلنك: الضبع.

وقد بحثت في قواميس اللغة الفارسية عن اسم الزرافة، فوجدتهم يقولون: زَرَافَة : (ح): به معناى (الزُّرَافَة) است

- ج زَرَّافَات: جاى روان شدن آب ، گروهى از مردم از ده تا بيست نفر .

والذي فهمته من هذا النص أنهم يسمون الزرافة بنفس ما تسمى به في اللغة العربية.

ثم بحثت لزيادة الاطمئنان في قواميس اللغة التركية، فوجدتهم يقولون:

زَرَافَةٌ ( ج ) زُرَافَي [عامة] zürafa,surnaba,elleri ayaklarındam uzun boynu çok uzun olan hayvan,insan gürühü,su çımkırdacak çımkırık,püskürgeç

زُرَافَةٌ [عامة] zürafa

زرافة [عامة] zurnapa (far,zol)

وهم يلفظون تسميتها مقاربة لتسميتها في اللغة العربية، ولا أعرف من أين استقى هذا العالم الجهبذ تلك المعلومات التي لا تقل غرابة عن حديثه عن حيوان الشيب الذي مر بمراحل أسطورية يستحق بموجبها أن يدخل كتاب غينس!.!

 

صالح الطائي

 

انور الموسويسأجعل من مفهوم المدنية في قبالة النصّ الديني بما هُو حُكم (حُكم دُولَة) وَلَيْس سلوك أخلاقي أو نُصوص تخص ألفرد فتلك لها مواضعها وتابعة حسب التصنيف إلى الحريات والسلوكيات ومن ضمنها السلوكيات المدنية، هنا الْكَلام يتركّز حوّل مَدَى اقتراب المفهوم للدولة المدنية من المفهوم الديني ومدى الأبتعاد عَنْه في حكم الدولة على نحو الحصر.مفهوم الدّولة المدنية هو صيانة الحريات والأهم من ذلك التعامل مع الحريات علَى أساس اللافوارق، وفقاً لصيغة وطنية، واعتماد مبدأ المواطَنة في صياغة الجنسية للفرد بينما نجد أن هُناك شَيْء شبيه بالارستقراطية ان لم تكن هي الأرستقراطية بعينها في الحُكم الديني إذ أنه ينظر علَى أساس الدّيانة اولاً، والولاء بشكل ثاني، والمحسوبية التّبعية بشكل من أشكاله وكل هذه الأشكال هي مقيدة بنص وَهَذَا النص مقدس لامناص من الاجتهاد به إلا ماندر او في بعض محاوره يتم ايقافه قسراً تَحْت اشتقاقات أصولية كلامية وهذه الاشتقاقات هي ايضاً محل جدل وخلاف، فكيف يمكن ان تَكُون أسس حُكم شمولية وهي اصلاً محل خلاف! مرّة اخرى..أتكلم حوّل السياق الديني بما هو (حُكم دُولَة) وليس بما هُو قيم وأخلاق ومضامين وسير وأحكام تكليفية، تلك هويّة أخرى خارج سياق المقال،  وهذه الهُوية محترمة تَحْت مظلّة الدّولة المدنية.

يبتعد النص الديني كثيراً في حُكمه للدولة عن موازنة الحريات وغض النظر عنها، ويبتعد عَن الإنسجام مَع محيطه الإجتماعي المختلف عنه، ومحيطه الإقليمي، لكون النصوص حاكمة، وحاكمية النصّ لانقاش فيها. والغريب بالأمر نفس الحاكمية هَذَه هي محل نزاع يؤدي للأقتتال فيما بينهم  عندما يتمّ تفسير النصوص فتكوّن منشأ قِتَال تحت حجّة التأويل في بعض حالاتها والقابلة منها للتأويل، لذلك يتعامل الحُكم الديني بتصنيفات يعتبرها الاهية ومفروضة في علاقاته مع الأفراد أو مَع الدّول فتجدها مرّة تتركز بأسم ألحق الالهي وإرادة الرَّب، واُخرى متمثّلة بالفتوى الإجبارية كمدرسة حسن البنا وسيد قطب،ومرّة متضمنة سِيَر وتقليد للمعصومين [علماً أن تلك السّير كَانت قريبة جداً مَن التّربية الأخلاقية والوعظ التّربوي والتوجُّه صعوداً نَحْو كمال الإنسان المعرفي والجمالي او بمايعُبر عنه ( قوس الصعود)  ولم يكن الحُكم فِيهَا شريك].كان مبدأ تأصيل "العدل بالحكم" أرفع مقاماً من تأصيل  "كرسي الحُكم".

الدّولة المدنية لم تكُن عَدُواً لأي مؤسسة دينيّة بقدر محاولة فصلها توظيف النصّ الديني في السّياسة،فذلك شأن وهذا شأن أخر، هنا نقطة الخِلاف أن لا يتم أستغلال الأحكام النصية المقدّسة [غير قابلة النِقاش، والقابلة للنقاش] في تحقيق مصالح ومكاسب سياسيّة شخصيّة، او لجهة علَى حِسَاب جهة أخرى،ولكزب على حساب ايدلوجية حزب ديني اخر ويتم ضمان الحريات والأفكار للجميع دُون حاكمية نَص يقترب من معتقد ويبتعد عَن معتقدات الآخرين، هذا التضارب سيشكل احتراب فكري في بادئ الأمر وبفعل إخضاع النصّ بالآلة السياسيّة والإمكانيات المتاحة من موارد الدّولة سيتحوّل إلى [حروب عقائدية] وتناحر أكثرية ضدّ أقلية أو أكثرية متحكمة ضدّ أكثرية غير حاكمة،وإفرازاته يطلق عليها اصطلاحاً في عصرنا الحاضر ( الطائفيّة، والعنف، وخطاب الكراهية،والتكفير).لهجة الدولة المدنية هِي لغة التعايش للجميع في أرض وَاحِدَة بغض النَّظر عَن تِلْك الإختلافات او النصوص ومدى الإيمان بها وبغض النَّظر عَن العرق واللون،وهذا بمجمله أوسع قبولاً مَن الفرض القسري للحكم الديني،وَهَذَا منشأ الخِلاف، مبدأ التوافق هو في ضمان الحريّة في المعتقَد والدين والفكر للجميع وهذا مالا يرفضه المجتمع لكن ترفضه السُلطة الدينيّة،كما أن مظلّة القانون المدني ليست مستوردة على نَحْو الفرض أو نُسخة طبق الأصل حتمية مَن أنظمة الدّول الأخرى التي تتمتّع بحَكَم مدني، بَل هي قوانين تتناسب مَع التوجّهات المجتمعية العرفية مِنْهَا والعقائدية وبما لا تختلف مَع القيّم السماويَّة والأخلاق النبيلة للتعاليم الدينيّة مَع المحافظة علَى جَمِيع تِلْك التوجّهات وعدم إقصاء الآخرين، فالقانون واحد علَى الجميع دُون المساس لابالعقيدة ولا بالحريات مع ضوابط عدم المساس عنفيا بالمختلف عَنك وعدم تعطيل المصالح العامَّة للمجتمع والمؤسسات،تضمن الدّولة المدنية تِلْك الحقوق والممارسة والحريّة لنشاط (المؤسسة الدينيّة) بكل أشكالها بينما تبتعد المؤسسة الدينيّة في ضمان تِلْك الحقوق للآخرين. نقطة للالتقاء للدولة المدنية مَع المفاهيم الدينيّة  هي (القيّم)  فكلاهما يتفق علَى أصل تِلْك القيّم واستحسانها وجمالها لكنّهم يفترقون عَن بَعْض في الطريقة الَتِي يُريدون أن يطبقوها وبالتقيدات الَتِي يضعها المشرّع المدني والمشرع الديني. ويفتقرون كثيراً بالحكم وطبيعة إدارته فالمدني لايرى داع من إقحام النصّ الديني واستخدامه شكلاً ومضمونًا باللعبة السياسية وأساليبها، والديني يُصر على إقحام ذَلِك النصّ  بتلك اللعبة، وتسخير أدواته بها. والمدني يرى ان لا داعي لَجَعَل المؤسسة الحكوميّة هي مؤسسة وحي، والديني الحاكم يصر ان يجعلها مؤسسة ولاءات وإيحاء.اذ كان الأمر كَذَلِك ولابد منه وبفعل المرونة المدنية يمكن لنا أن نجد حل وسطاً بين الأمرين بالقفز علَى الشرعيّة المدنية لكونها المسموح الوحيد بهذا القفز، أن نجد سُلطة ذات توجّه ديني مع الحفاظ علَى الحريات العامَّة والخاصة وَذات صبغة مدنيّة على طريقة غض النَّظر فحسب.

ولو اخذنا عينةً لتمثيل الحكم التأريخي لعلي ابن ابي طالب حسب وجهة نظر الشيعة الأمامية....

 اود الإشارة هنا على  أن عليّ أبن أبي طالِب لم يكن يحكم دُولَة (كرئيس أو زعيم دُولَة) بقدر ما كان راعٍ للمضامين والقيم وتأصيل مبدأ العدل بالحكم أكثر من تأصيل مبدأ الدين بالكرسي،وكَذَلِك الحُسَيْن في سيرته ومواقفه...الخ ومَن ثم لو قبِلنا فحكم المعصوم هو غَيْرُه حُكم رجل أليوم مهما كان مقامه وعدله وعلو شأنه فَهُو لن يَكُون نظيرا كالمعصوم بطبيعة الحال لذلك أختص الفقه الأمامي بتعطيل بَعْض الأحكام وجعلها من إختصاص المعصوم حصراً أو الولي الفقيه مبسوط اليد وهذا أمر فِيه من التفصيل مايطول شَرْحَه لكن بالنتيجة لايوجد من هو شِبه للمعصوم الآن حسب قاعدة العصمة الواجبة بالنص ولايوجد معصوم ظاهر للحكم،أما بما يَخُص ولاية الفقيه فذلك أمر هُو مَن الجدليات فكيف يُمكن ان يصبح من المسلّمات في الحُكم! كلّ تِلْك المضامين لجميع المدارِس الديني هي مضامين اجتهادية لو صح التعبير وليست فعلية خاضعة للتأويل أكثر مما هي خاضعة بفعل التنزيل السماوي، تمّ الاستفادة من النصوص المقدّسة في ترميم صياغاتها وعرضها كأنها أمر سماوي حتمي إجباري بذلك أستفاد اهل الحُكم في سد باب النِقاش في قبالة النصّ! بينما لا يوجد نَص مقدّس او حاكمية مفروضة في أدبيات الدّولة المدنية بل هي سياقات وضعيّة قابلة للتغيير والتعديل حسب الظروف والواقع الإجتماعي والتقاليد الذوقية العامَّة  بما تنسجم مع الجميع والمؤطرة تَحْت صياغة تدعّى (قانون). هنا تبدأ نقطة الأقتراب من النظريّة الدينيّة فالقانون يتناسب مَع التوجّهات النصية العامَّة والأخلاقية للأديان وبما لا يختلف معها إلا ضمن حُدُود الحفاظ علَى جَمِيع التوجّهات الدينيّة، والفكريّة، والشخصية. 

 

 انور الموسوي

 

حسن العاصيلا يمكن مقاربة إشكاليات فهم وتحليل علاقة الهوية بالتحديات المصيرية للأمم، دون تحديد أية هوية ثقافية قادرة على تجاوز هذا الانحدار الفكري والسياسي، والنكوص التاريخي والسقوط الشامل، ومن غير توضيح الاختلاط والإبهام الثقافي والمعرفي، وكيف تتمكن الثقافة من بناء أدواتها لتجاوز المأزق الراهن وإنهاء الانسداد.

في الخاصية الفلسطينية، تظهر الثقافة بمضامينها المتعددة والمتشابكة، بمقدمة جبهة المواجهة ضد المستعمر الغربي والصهيوني، الذي سعى -وما زال- إلى اجتثاث الشعب الفلسطيني من أرضه، وطمس هويته وتزييف تاريخه وتبديد ثقافته. لهذا خاضت الثقافة مواجهاتها بأسلحة الفكر والأدب والفن الذي كان المثقفين أبرز حوامل مكوناته.

التشتت هو سمة الحالة الفلسطينية بعد النكبة الكبرى، وهو ما لم يسهم في إنتاج فكري ثقافي معرفي تراكمي ضمن بيئة مترابطة موحدة.

غاب المشروع الثقافي الشامل فلسطينيا، شأن غيابه عربياً، ولم تتمكن القوى السياسية الفلسطينية من التمييز بين الإنتاج المعرفي والإبداعي، وبين العمل السياسي والحزبي، فلم تتبلور حركة ثقافية منفصلة عن الواجهة السياسية، وبذلك فقدت الثقافة مهمتها في إحداث دافع لتقدم المجتمع، وخسر المثقف الفلسطيني دوره الموضوعي في خضم الأولويات السياسية. فتداخلت السياسة بالحزبية بالثقافة، وسقط المشروع السياسي في إيجاد مقاربات ثقافية، وأصبح بعض المثقفين رجال سياسة، فلم يربح أي منهما. خسرت السياسة فكر المثقف، وخسرت الثقافة محرضها الأبرز. وفقد المثقف مكانته وملامحه

بطبيعة الحال لم يعد -بظني- للمثقف الطليعي العضوي المشتبك الدور الطليعي والمؤثر، لقد انتهب مرحلة غسان كنفاني وناجي العلي وكمال ناصر وسواهم. وهذا ما ينطبق على النخب الثقافية العربية، والفلسطينية إلى حد ما، حيث تسَلَطَ السياسي الفلسطيني الحزبي على المشهد الثقافي، فالفصائل الفلسطينية استخدمت المثقف في السياق الأيديولوجي والخطاب الحزبي، ثم في فترة الكساد الثوري أصبح المثقف الفلسطيني سلعة فائضة عن الحاجة. تماماً كما تم تدجين وتطويع المثقف والمفكر العربي الذي همشته الأنظمة العربية وقوضت مكامن قوته.

حين تغيب الثقافة تحضر السياسة والانتماءات الحزبية، ويحضر التنافس والتناحر، وهذا ما فعلته الفصائل الفلسطينية. وفي انصراف المثقفين الحقيقيين يمتلئ الميدان بالمدّعين والجهلاء، وحين تختفي الشعارات والأهداف والمهام الكبرى ينشغل الفكر بنفسه وتنقسم الثقافة على ذاتها في معركة تتسبب بشقاء الجميع.

تلازم الثقافي والسياسي

يمكننا القول إن المشروع الثقافي الفلسطيني قد تلازم مع بدء المشروع الوطني التحرري الفلسطيني في ستينيات القرن العشرين. كان أشبه بشجرة قزحية تمتد أغصانها وتتشعب وتتلون، فتضمنت الثقافة الفلسطينية الأدبيات والأفكار القومية العربية البعثية والناصرية، والأفكار الليبرالية واليسارية، وكذلك أدبيات الموروث العربي الإسلامي والمسيحي. وخلال ستة عقود الماضية تأثرت الثقافة الفلسطينية بكافة العوامل التي حكمت المشروع الوطني السياسي، نهوضاً وركوداً ونكوصاً، فكان العامل السياسي عنصراً محدداً ومقرراً لفرض مناخات ثقافية تتسق مع طبيعة المرحلة، لذلك لا يمكن التحدث هنا عن مشروع ثقافي واحد.

إن المشروع الثقافي الفلسطيني الذي انطلق مع العمل الوطني التحرري الفلسطيني ضد العدو الصهيوني، وترافق مع إنشاء منظمة التحرير الفلسطينية، كان مشروعاً ثقافياً وطنياً شاملاً، تمكن من احتواء الكتاب والمفكرين والمثقفين والمبدعين والصحفيين والأدباء والسينمائيين والمسرحيين والتشكيليين والفنانين الفلسطينيين، وتأطيرهم باتحادات وهيئات ومراكز أبحاث ودراسات ونشر، رعت الثقافة والمثقفين، واجتهد الجميع في إطار المشروع الثقافي السياسي الوطني التحرري الأخلاقي العادل، بهدف تحقيق أحلام الشعب الفلسطيني في استعادة حقوقه في التحرير والعودة وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشريف. وفي هذا المشروع الثقافي الفلسطيني تلازم الثقافي والسياسي جنباً إلى جنب في وحدة جدلية تكاملية ميزّت الحالة الفلسطينية عن مثيلاتها عربياً.

بعد خروج قوات الثورة الفلسطينية من بيروت العام 1982 أصيب المشروع الثقافي الفلسطيني بانتكاسة، وبدأت مرحلة جديدة في المشروع الوطني الفلسطيني، حيث تم فيها إضعاف منظمة التحرير الفلسطينية ومؤسساتها بما في ذلك الاتحادات والهيئات الثقافية الجامعة. وفي بداية التسعينيات من القرن العشرين دخل المشروع الوطني السياسي الفلسطيني مرحلة جديدة عنوانها الأبرز اتفاقية أوسلو، وبدأت معها تتفكك روافع الثقافة الوطنية الفلسطينية وتتقوض أعمدتها التي ترتكز أساساً على الإنسان والأرض وقيم الحرية والاستقلال، وأصيب المشروع الثقافي الفلسطيني بخلل وعلل بنيوية وتم تهميشه وتحجيم دوره التاريخي، مما أدى إلى حالة بغيضة من التمزق والانقسام والضعف والتخندق بين المثقفين الفلسطينيين وبين السياسيين، وبينهم وبين أنفسهم من جهة أخرى.

ثقافة المرحلة

ولنا أن نتساءل ماذا بقي لنا من المشروع الثقافي الوطني الفلسطيني، بعد الانزياح والاخفاقات التي أصابت المشروع الوطني التحرري الفلسطيني خلال العقود الماضية؟

لقد ظهرت ثقافة أصولية إسلامية تستمد أفكارها من الماضي، وفشلت في مقارباتها التي أجرتها، لأن الماضي زمن قد ولى، ولا يمكن معالجة إشكاليات الحاضر والإجابة على أسئلته الكبيرة بأيديولوجية وأدوات اندثرت. ثقافة أصولية ملأت الفراغ الذي أحدثه تهميش مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية ومن ضمنها الهيئات والاتحادات الثقافية، وتراجع المشروع الوطني السياسي من جهة أخرى. إلى جانبها يوجد ثقافة ليبرالية خجولة منزوية ونخبوية. وثقافة ما بعد اتفاقيات أوسلو التي جنحت للسلم مع الصهاينة، وروجّت لثقافة السلام معلنة انتهاء ثقافة المقاومة العنيفة، وإن تبنت ثقافة المقاومة الشعبية بين حين وآخر، أو فرضت عليها من الشارع الفلسطيني، إلا أنها في مجملها ثقافة تراهن على قدرة المفاوض الفلسطيني، وليس على بندقيته ولا على حجره. وهناك ثقافة الانقسام والتفرد والتحكم والتسلط في بعض الأوساط السياسية والثقافية. أيضاً ظهور ثقافة العنف المجتمعي، اللفظي والجسدي والرمزي واللغوي. وجود ثقافة مُعولمة غريبة عن واقعنا تسعى لإعادة بناء خطاب ثقافي جديد.  وثقافة شعبية تستمد قوتها وحيويتها وتجددها من التصاقها بالناس أنفسهم وقدرتها على التعبير عن واقعهم ومعاناتهم وتطلعاتهم. ثقافة ترفض الاحتلال وتواجه طغيانه بأدواتها البسيطة. ثقافة فلسطينية تتعدد أوجهها ما بين المناطق التي تسيطر عليها السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية، ووجه ثقافي لقطاع غزة، وثقافة فلسطينية في مدينة القدس ومناطق الجليل الأعلى، التي تجاهد وتصارع ثقافة التهويد ومحاولات تفكيك هويتهم العربية من قبل إسرائيل. ثقافة فلسطينية في الشتات متنوعة ومتعددة ومتشابكة مع محيطها ومتأثرة بالثقافة الإنسانية.

 تحديات فلسطينية

تظهر التحديات التي تواجه الثقافة الفلسطينية جلية في ظل ظروف غير طبيعية تحيط بالمثقف وبمجمل الشعب الفلسطيني منذ قرن من الزمن. لعل أهم هذه التحديات الحفاظ على الهوية الفلسطينية العربية الوطنية للإنسان والأرض والمكان، وصيانة ملامح هذه الهوية في وجه المخطط الصهيوني الذي يرمي إلى تبديدها وتفتيتها وتغييرها وتهويدها. وكذلك تعزيز اللغة العربية وحمايتها، وتعميق الانتماء الوطني في مواجهة الولاءات الحزبية والدينية والمناطقية، وتوطيد أواصر التلاحم الاجتماعي بين أبناء شعبنا الفلسطيني، وإعلاء قيم التكاتف والتعاضد ونشر ثقافة التضامن، وكذلك الحرص على احترام الآخر وحقه في الاختلاف، وتحقيق مبدأ التنوع من أجل تحقيق تناغم وحدوي عبر الالتفاف حول القيم التراثية الوطنية الأصيلة باعتبارها قاسماً مشتركاً لكافة الفلسطينيين. ومن التحديات التي تواجهها الثقافة الفلسطينية أيضاً قدرتها على مواجهة المشكلات الناجمة عن التطرف والغلو بكافة أوجهه الدينية والاجتماعية والفكرية، والعنصرية والتمييز، ومعالجة القضايا التعليمية والتربوية. ودور المثقفين في بناء مشروع ثقافي فلسطيني. وكذلك دعم وترشيد دور وسائل الإعلام، ووسائل التواصل الاجتماعي في الحفاظ على الثقافة الوطنية الأصيلة من الذوبان. كما أن من أبرز التحديات وضع خطة للإنتاج الثقافي الفلسطيني المستدام، وهي قضية في غاية الأهمية لتطوير الثقافة وتنشيطها ورفع مستوى حيويتها وأدائها، بما يكفل قيامها بواجبها ومسؤولياتها وتحقيق الأهداف المناطة بها في مواجهة ومقاربة الإشكاليات التي ما زالت تعترض درب النهوض الفلسطيني. ولابد من الاهتمام بالعلاقات مع الآخرين، وتعزيز الحوار مع كافة شرائح المجتمع الفلسطيني، وكافة القوى والأحزاب والمجموعات، وكافة التيارات السياسية الفكرية والأيديولوجية والفلسفية، وتعزيز التواصل مع الثقافة العربية، والانفتاح على الثقافات العالمية وعدم الانكفاء والانغلاق، والعمل على استكشاف آفاق للتعاون المشترك مع مكونات ثقافة الآخر الإنسانية للاستفادة منها في بناء مشروعنا الوطني والنهضوي.

 مآلات ثقافية عربية

إن كانت الثقافة العربية والمثقفين العرب قد تعرضوا عبر عقود طويلة إلى تدجين وتطويع وتهميش من قبل الأنظمة السياسية التي استحوذت على كل شيء ووضعته في خدمة مصالحها وبطانتها. فإن الثقافة الفلسطينية أيضاً والمثقفين الفلسطينيين قد نالوا نصيبهم من هذه السياسات. وإن قدر لنا المقاربة سنجد أن الثقافة العربية ابتليت بعلل متعددة وعلق بها من الدرن ما يكفي لتشويه ملامحها، فتحولت من كونها ثقافة عربية إسلامية مسيحية قومية وحدوية يسهم فيها الأقليات من سكان المنطقة، إلى ثقافة قبلية عشائرية طائفية إثنية، متشددة تقوم على القطرية والحلقية والتعصب والتشدد والتطرف والعنصرية، ثقافة مبنية على الكراهية والإقصاء والاستحواذ والإنكار.

غاب التنوع الذي كان يثري الثقافة العربية، وأصبحت إما ثقافة استبدادية قمعية قهرية تمارسها معظم الأنظمة العربية ضد شعوبها. ثقافة تشجع الانفكاك من العنصر القومي العروبي الوحدوي، الابتعاد عن كل ما يجمعها مع عناصر الثقافة والهوية العربية، والانسحاب إلى الداخل نحو ثقافة قطرية ضيقة لكل بلد عربي لوحده. وإما ثقافة دينية متشددة ومتطرفة في مفاهيمها وخطابها وسلوكها، ثقافة تعتمد الإقصاء وعدم قبول الآخر، ثقافة سلفية مفتونة بالتاريخ ومنشغلة بالتراث، تحاول إحياء الماضي وهو رميم. وإما ثقافة انتقائية ومنفعية مصلحية لا مبادئ لدى أصحابها ولا قيم أخلاقية، يسعون خلف مصالحهم الشخصية الضيقة، ويلهثون لتحقيق العز والجاه أو المنصب أو الثروة، أو حتى كف شر السلطات السياسية والأمنية عنهم. ثقافة وصولية انتهازية التف حولها الزنادقة الجدد والمنافقين كما يلتف الذباب على قطعة حلوى. وانتشرت ثقافة القتل والحرق والتدمير وقطع الرقاب، وبناء مزيد من السجون، وفرض قوانين الطوارئ أو ما يشبهها. ثقافة عدم الانتماء والهروب من الأوطان. ظهور ثقافة الاستهلاك واجتياحها كافة مناحي الحياة، حيث غيرت المفاهيم لدى الإنسان العربي وبدّلت سلوكه واتجاهاته وثقافته العامة، وأصبحت الشعوب العربية عبيداً للأسواق والمكننة والتقنيات التكنولوجية.

 دور مفقود

في ضوء ما تشهده المنطقة العربية من انزلاق خطير، إننا نتساءل عن دور المثقفين والمفكرين العرب في قضايا أمتهم المصيرية، وفي المقدمة منها القضية الفلسطينية. وما الذي يعيق توحيد جهودهم في مختلف مواقعهم وبلدانهم، وجمع كلمتهم لتوحيد موقف الشارع العربي وتصحيح اتجاهه، وتحريض الوعي الجمعي للشعوب العربية لاتخاذ مواقف مبدئية جادة وواضحة وقطعية من أم القضايا العربية فلسطين.

المثقفون وحدهم القادرون على إحداث هذه الرابطة الواسعة التي ينخرط فيها كافة شرائح المجتمعات العربية كل بتخصصه واهتمامه، لمواجهة هذا السقوط السياسي والفكري والثقافي والوطني المريع، والتصدي لما يسمى صفقة القرن التي تعتبر الأسوأ والأخطر على القضية الفلسطينية بعد فشل مشروعي مدريد وأوسلو. هذا المشروع الأمريكي الجديد لتسوية الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، يشكل كارثة في ظل الوضع الفلسطيني الداخلي الذي يعاني الانقسام السياسي، ووضع عربي مفتت وإقليمي ودولي أكثر سوءًا. مما يستوجب التصدي له ولتداعياته وأبعاده السياسية والاقتصادية والأمنية.

وعلى سبيل الذكر لا الحصر، ألا يجدر بالمثقفين والمفكرين العرب الوقوف إلى جانب القدس العاصمة الأبدية لدولة فلسطين، ودعم هوية هذه المدينة العربية المقدسة، ومؤازرة المقدسيين والدفاع عن حقوقهم في مدينتهم التي ضمنتها القوانين الدولية، وحماية تراثها الحضاري والإنساني وصون مقدساتها، وتنظيم حملات تضامنية حقيقية وفعلية ومستدامة مع الثقافة الفلسطينية المهددة، والضغط ما أمكن على الأنظمة العربية لتقوم بالحد الأدنى من واجبها في إسناد صمود القدس وأهلها بوسائل وأدوات متاحة لهم؟.

في هذا السياق فإن إقدام دولة الكويت الشقيقة على إطلاق اسم مدينة القدس عاصمة أبدية لفلسطين على الدورة الثالثة والأربعون لمعرض الكويت للكتاب، يشكل نموذجاً يحتذى.

استهداف وجودي

أسهم المفكرون والمثقفون الفلسطينيون بصورة لافتة في النهضة الثقافية والتعليمية في معظم الدول العربية، وقدمت أسماء فلسطينية عديدة خدمات جليلة لتطوير المشهد الثقافي والعلمي والفكري العربي، وهم كانوا ولا زالوا بمثابة رسل محبة وتآخي مع الأشقاء العرب، ولا يمكن إنكار الأثر الثقافي والعلمي والأخلاقي الذي تركوه في الدول العربية، الذي يجب توظيفه لتعميق روح التضامن والتآزر والأخوة ووحدة المصير.

فلسطين التي تعتبر منجماً ثقافياً وطنياً عربياً وتراثاً أثرياً ودينياً وإنسانياً، تستحق من المثقفين العرب ومن سواهم كل الاهتمام والدعم والمساندة، لتعزيز صمودها وثبات شعبها في وجه عمليات الاغتيال الممنهجة التي يتعرض له على يد الاحتلال الإسرائيلي، وبواسطة وكلاءها في الولايات المتحدة، حيث لأول مرة تقيم القومية اليهودية الصهيونية في البيت الأبيض بواسطة زوج ابنة الرئيس الأمريكي "كوشنير". ولأول مرة تتبنى إدارة أمريكية البرنامج السياسي الصهيوني كاملاً دون اعتراض.

لقد استهدفت إسرائيل الثقافة الفلسطينية والمثقفين الفلسطينيين منذ إنشاءها، وسعت للتخلص منهم وتحييد دورهم وتغييبهم، ودفن الثقافة الفلسطينية وحصارها ومنع تواصلها مع محيطها العربي، وكتمها عن الساحة الدولية. لذلك كان المثقفين والمفكرين الفلسطينيين على رأس قائمة الاستهداف الإسرائيلي، لإدراك الاحتلال أن هؤلاء يشكلون بثقافتهم ودورهم خطراً كبيراً، فقامت الأيادي الصهيونية السوداء باغتيال الشهداء: غسان كنفاني، وائل زعيتر، كمال ناصر، عز الدين القلق، ماجد أبو شرار، عبد الوهاب كيالي، حنا مقبل، ناجي العلي، وسواهم من شهداء الكلمة والثقافة والفكر، ومحاولة اغتيال الكاتب بسام أبو شريف، والمفكر أنيس صائغ وغيرهم.

ضمير الأمة المنفصل

تستمر المؤامرات والمخططات الإسرائيلية الساعية للقضاء على الحضارة التاريخية العريقة العربية الفلسطينية فوق أرض فلسطين، واستبدالها بأخرى غريبة وتزييف التاريخ والجغرافيا. وهنا يتضح دور المثقفين الهام جداً بنشر وتعزيز ثقافة المقاومة الشعبية في كل مدينة وقرية فلسطينية، والتصدي لفكرة الوطن البديل، وتحشيد الطاقات والجهود الفلسطينية في داخل فلسطين وخارجها، واستعادة الوحدة الوطنية وانتخاب قيادة فلسطينية تمثل جميع الفلسطينيين. 

اللافت إن الشارع الفلسطيني والعربي كان وما زال أسرع من المثقفين العرب في إعلان مواقفهم من قضايا الساعة، وكان الناس يتقدمون المثقفين والمفكرين في النزول إلى الشوارع لإبداء تضامنهم مع القضية الفلسطينية في المحطات التي صادفتها.

إن المثقفين هم صوت وضمير الأمة وأداتها الاستراتيجية، هم المعبرون عن الهوية والتاريخ والذاكرة، هم المحرك الرئيسي للشعوب وأهم فاعل ومبادر في مختلف القضايا. المثقفين الفلسطينيين وعدد من المثقفين العرب انخرطوا مبكراً في العمل الوطني النضالي الفلسطيني، وكانت لهم بصمات واضحة ومؤثرة في تاريخ القضية، وتمكنوا من وضع فلسطين في المكانة المرموقة التي تستحقها على الخارطة السياسية والثقافية العربية والعالمية.

على كاهل المثقفين العرب مهام أخرى منها مسؤولية المساهمة مع المثقفين والأدباء والمفكرين الفلسطينيين في فضح وتعرية الرواية الصهيونية التاريخية المزيفة، التي توظف منظومة إعلامية ضخمة وتساندها وسائل إعلام أمريكية وغربية، بهدف طمس الرواية الفلسطينية لأصحاب الأرض الحقيقيين، وتزوير تاريخهم وفبركة وقائع غير موجودة إلا في أذهان وأحلام الصهاينة، وبث الأكاذيب والادعاءات الباطلة، والتشكيك بالهوية العربية الفلسطينية للأماكن التاريخية والأثرية والدينية.

ومنها أيضاً ترجمة الأعمال الأدبية الفلسطينية إلى لغات عالمية متعددة، خاصة تلك التي تظهر حق الفلسطيني بأرضه، والتي تستند إلى وقائع تاريخية مثبتة، لمخاطبة الرأي العام العالمي والغربي، وتوضيح الحقائق وكشف الادعاءات الإسرائيلية بما لا يملكون، وحتى لا نظل كمن يحدث نفسه.

القوة الخشنة

الثقافة واحدة من أهم الأدوات المؤثرة للحفاظ على وجودنا ومقاومة الاحتلال الصهيوني الذي يسعى لتذويب الهوية الوطنية الفلسطينية والانتقال إلى مرحلة إنهائها.

فإن كانت ثقافة أي شعب تشكل عنصراً هاماً من هويته، فإن للثقافة الفلسطينية المحاصرة، شأنها شأن فلسطين ذاتها المحاصرة من الكيان الصهيوني ومن العرب، دوراً مضاعفاً في الحفاظ على الهوية الوطنية الفلسطينية من جهة، والحفاظ على مستوى إدراك الشعوب العربية بالقضية الفلسطينية وعدالتها والتفافهم حولها.

وللثقافة قدرة هامة على المقاومة التي نؤكد أن استمراها تواصلها وتعزيزها ضرورة قصوى تفرضها السياسات العدوانية العنصرية الإقصائية التي يتبعها العدو الصهيوني، الذي يهدد وجود الإنسان الفلسطيني فوق أرضه وثقافته وتاريخه وإرثه، ويحاصر كل شيء فوق الأرض في محاولة لاستحداث واقع جديد بقوة البطش والقتل والتاريخ المزيف. ويجهد هذا العدو إلى تحويل صراعه الوجودي والسياسي والوطني مع الشعب الفلسطيني إلى عناوين إنسانية هنا وهناك، بهدف تحجيم وتقزيم القضية الفلسطينية ثم شطبها، مما يستدعي استنفار الطاقات الكامنة في الشعب الفلسطيني وأمته العربية لمواجهة هذه المرحلة الخطيرة للغاية، وهنا تبرز الثقافة كأهم رافع لاستنهاض مقدرات الأمة.

من يطلع على الظروف البائسة التي يعيشه في كنفها الإنسان الفلسطيني الصابر والمحاصر والثابت في الأراضي الفلسطينية المحتلة، يدرك طبيعة مشقة الحياة والتوجع الذي يكابده الفلسطيني فوق أرضه وفي وطنه نتيجة الاحتلال. لذلك فإن الثقافة باعتبارها قوة ناعمة تتحول إلى قوة خشنة في النموذج الفلسطيني، وتصبح قوة ترعب العدو فلا بد من تحويلها إلى فعل مقاوم. ونشر وتطوير أدوات ثقافة المقاومة، والمقاومة الثقافية أيضاً للتصدي لثقافة الهيمنة والاحتلال. إن المقاومة الثقافية التي نشدد عليها هنا لدعم صمود الشعب الفلسطيني، واستمرارها وتواصلها، وعدم الانصياع للضغوط الصهيونية والغربية، هي ضرورة وطنية وواجباً قومياً وليست ترفاً ثقافياً كما يتصورها البعض، وليست نضالاً نخبوياً ناعماً.

أمام مفترق

في الظروف الراهنة بالغة التعقيد على قضيتنا الوطنية، علينا أن نسعى نحو ثقافة ترتقي بالإنسان الفلسطيني أينما تواجد. ثقافة قادرة على التصالح مع ذاتها ومع ماضيها وحاضرها ومع الآخر، وتتضمن إمكانية بناء مستقبلها. نحتاج إلى ثقافة واعية ومتجذرة تدرك مصالح وأهداف شعبنا الوطنية والسياسية. ثقافة تمتلك المقدرة على مواكبة التطورات التكنولوجية والثورة العلمية والمعرفية والمعلوماتية. الثقافة التي تراعي التعددية والتنافس لتحقيق الريادة والأهداف الوطنية والتنموية. فالثقافة الفلسطينية اليوم أمام مفترق حقيقي ومثقلة بإشكاليات حقيقية وموضوعية متعددة وشائكة، وتحتاج إلى التجدد لتكون قادرة على التواصل مع كافة المتغيرات التاريخية. يجب التوقف عن النظر إلى الثقافة على أنها فعلاً تجميلياً، أو عمراناً سياحياً، بل علينا أن ندرك أن الثقافة هي المحرك الحقيقي لكافة الأحداث السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية، وهي الحامي والحامل الأبرز للحقوق الثابتة والأهداف الوطنية الفلسطينية.

 

حسن العاصي

كاتب وباحث فلسطيني مقيم في الدانمرك

 

مصطفى غلمانهل حقيقة أن القيم تتعارض وتتقاطع في خضم الشكوك التي غدت مآلا لأسئلة الحداثة وانبلاج فروقاتها في استتباب قيم المساواة والعدالة الاجتماعيين؟

فرانسوا دوبيه حاول تفكيك نظرية اللامساواة في عقيدة السلطة الاستبدادية، خلال تحليله للظواهر الاجتماعية التي أنتجتها المدرسة المعطوبة. فخلال قراءته المنتقدة للبرامج المؤسساتية وممارساتها البعيدة عن السلوك الديمقراطي ومنجز الحداثة المزعومة، لا يرى دوبيه أي حرج في وصف الأخيرة بكونها معطوبة ومتأخرة حيث " الغرس البطيء طويل الباع من الحداثة ضمن سيرورة العقلنة واللارضاء الاجتماعي وتعدد مشارب الحياة الاجتماعية وممثليها" ـ 1ـ  كما أن تقزيم أزمات المجتمع من شأنه أن يؤخر فهومنا المتواطئة لأسلوب ممارسة النقد الذاتي وهو ما صار يختزل صراحة في مهمة الرقيب الاجتماعي.

فرانسوا دوبيه يخرج باستنتاج دراماتيكي صادم، وهو أن المؤسسات الرسمية للدولة سرعان ما استعرت تحت وابل مشكلات انخلاق أنواع أخرى من السياسات الموازية لمثيلاتها الرسمية، وهوما يسلم نظريا كونها لم تخرج سليمة من سنوات السوسيولوجيا النقدية.

وعلى الرغم من أن دوبيه ينشغل كثيرا بسياسات النظم التربوية ومبادئ اللامساواة، التي يعتبرها العمود الفقري لأفول العمل المؤسسي في مجال التربية، فإن نظريته في استجلاء عناصر اللامساواة خلال تشريحه لبنية المجتمع الحديث، يجعلنا نتأكد من اختزالية مفهوم المساواة وحدودها النقدية وأبعادها السوسيولوجية. ولا أدل على ذلك تقسيمه النوعي للمساواة داخل ثلاثة أصناف من المجتمعات: المساواة الديمقراطية واللامساواة الرأسمالية والاندماج في المجتمع الصناعي.

وهي وحدة تزيح اللثام عن تصورات الأفراد للمجتمع المتناقض الرافض للقيم المنسلخة عن الثقافة الوطنية والسيادة الوطنية، بما يخالف المصائر الكبرى للديمقراطية المنسوخة على أنقاض مساواة شكلانية، وكذا تزييف قيم المنافسة والامتثال للقانون في الحالات الاقتصادية الرأسمالية، مع ما يبدر من اختلال وتآكل في علاقات المجتمع المتحول عندما تغلب فكرة القوة على مبدئية النظام والعدالة!

إن اللامساواة أو ما يزكي خلل إعدام الفرص المتساوية في المجتمع المغلق هو إعادة إنتاج وتكريس السائد وشرعنة التسلق والتمايز الاجتماعي، بكل أبعاده السيكولوجية والاقتصادية. كما أن النظرة الوظيفية للا مساواة الرسمية التي تتبعها الدولة تجاه النظام الاجتماعي والثقافة المجتمعية لا تسهم سوى في إذكاء الطبقية والتفرقة واللاعدالة، تلك التي تنهي صفة الانتماء للوطن وتنحل من كل الالتزامات الخاص بالحقوق والواجبات، حتى ما يرتبط بموثق الهوية والبيعة والتربة المقدسة.

لا غرو أن الاقتراب من السلطة البيروقراطية، القوة المستمدة من روح التمكن والاستئثار والإجبار يلغي ـ تحت كل الحجاج الاعتبارية حسب اللساني أوزولد ديكرو ـ ذلك الاشتغال المنطقي للعلاقة بين التعدد الصوتي والظاهرة الخطابية.

وحتى يتمكن مجتمع السلطة من تحقيق النفير الحجاجي وتشميل آليات فرض القوة القسرية أو العنفية، فإنه يوائم عناصر تنظيم الكيان أو البنيان المنبثق عن النظام الاجتماعي مع ما يعتبره خليل أحمد خليل ب" المحاذي لصميم بروز الدولة كغطاء خارج أنساق السلط الموازية" ـ 2 ـ ، بما فيها تلك التي تنظم تدابير وركائز إدارة وتأطير التجمعات البشرية، وما يتعلق بقيم العدالة والمساواة والحرية.

إنها نفس العلاقة التي تجمع السلطة السياسية بالقرابة، بين كل ما هو ديني عقائدي أو سحري أسطوري. ذلك المزيج المتحول الناظم بين رموز السلطة والمقدس، والذي رسمه " زمن انبثاق الملك عن السحر والدين والأسطورة التي تؤكد تبعية البشر المزدوجة للآلهة والملوك" ـ 3 ـ

فالعلاقة إياها تنبني في الجوهر على تأصيل قيمة اللامساواة واللاعدالة في نسيج تلك القرابة المونوبولية التي تفتك بشرعية سلطة الحق الإلهي، وبتمثيل القيم النهائية التي تحملها السلطة السياسية نفسها.

فلا غرو إذن أن تبقى القوة الرمزية لسلطة السلطان قائمة وسائرة على تغلغل الفوارق الغاصبة لنظام العدل والمساواة، وسيرورتها في وجدان سلطة العقاب والولاية الروحية. وهي قوة تبرز على أنقاض تمكين المجتمع الديمقراطي الناشئ من التحول التدريجي من مجتمع يؤمن بالثقافة الانفعالية إلى مجتمع يتجلى في عمق الثقافة التفاعلية. مجتمع يتأثر بمنظومة القيم العولمية الجديدة، التي تتنازع فيها شروط التمكين لسلطة ترهن الناس عبر رموزها الثابتة وشروط دوامها واستمرارها.

 

د. مصــطفى غَــلْمَـان

..............................

1ـ الأصول الاجتماعية والتوجهات المدرسية : اللامساواة في تكافؤ الفرص أمام التعلم عبر التحقيقات الميدانية ـ دومينيك غ وإريك موران ـ 1995 ـ ص 58

2 ـ سوسيولوجيا الجمهور السياسي / فكر دراسات ـ د. خليل أحمد خليل ـ المؤسسة العربية للدراسات والنشر لبنان ط 1 ـ 2005 ، ص 75 بتصرف

3 ـ الأنثروبولوجيا السياسية ـ جورج بالاندييه ، ترجمة جورج أبي صالح ـ المركز القومي للإنماء بيروت ط1 ، ص : 83

 

عزالدين عنايةمرّت الذكرى الخمسون لانعقاد مجمع الفاتيكان الثّاني (1962-1965)، الذي تقدّر الكنيسة الكاثوليكية أنها تصالحت بمقتضاه مع العصر. تعلّقت فقرات من مداولات المجمع بالمسلمين، وقد سال حبر كثير بشأنها. وكانت الإشارة الأولى "... بيد أن تدبير الخلاص يشمل أولئك الذين يؤمنون بالخالق أيضا، وأوّلهم المسلمون الذين يعلنون أنهم على إيمان إبراهيم، ويعبدون معنا الله الواحد، الرّحمن الرّحيم، الذي يحكم بين النّاس في اليوم الآخر" قد وردت ضمن المتن المجمعي "لومن جنتيوم"، أي "نور الأمم"، وأُقرّت في نوفمبر من العام 1964 بموافقة 2151 من رجال الدين واعتراض خمسة أعضاء؛ ووردت الإشارة الثانية في فصل "نوسترا آيتات" أي "علاقة الكنيسة بالأديان غير المسيحية"، وقد أقِرّت في أكتوبر من العام 1965 بموافقة 1763 واعتراض 242 من رجال الدين، بعد أن انتهت إلى صيغة: "تنظر الكنيسة بتقدير إلى المسلمين أيضا، الذين يعبدون الله الواحد، الحيّ القيّوم، الرّحمن القدير بارئ السّماء والأرض، ومكلّم النّاس. ويسعون بقصارى ما أوتوا لمراعاة أحكام الله، وإن خفيت مقاصده، كما سلّم له إبراهيم الذي يفخر الدّين الإسلامي بالانتساب إليه. وإن كانوا لا يقرّون بيسوع إلهاً فإنهم يجلّونه نبيّاً، ويكرمون أمّه العذراء مريم، مبتهلين إليها أحيانا بإيمان. فضلا عن ترقّبهم يوم الدّين، الذي يجازي فيه الله جميع النّاس حين يبعثون. من أجل هذا يقدرون الحياة الأبدية، ويعبدون الله بأداء الصّلاة والصّدقة والصّوم. ولئن نشبت عبر الزّمن كثير من المنازعات والعداوات بين المسيحيين والمسلمين، فإن المجْمَع يحرّضهم سويا على التغاضي عن ذلك، والعمل بإخلاص وصدق لغرض التّفاهم، وأن يحموا ويعزّزوا معا العدالة الاجتماعية، والقيم الرّوحية، والسّلام والحرّية، من أجل جميع النّاس".

عدَّ كثيرون تعاليم المجمع ثورة بالداخل وتحولا فارقا في التعامل مع الخارج. وفي ما يتعلق بالمسلمين سننظر في المسألة وفق ثلاثة مستويات متباينة: على مستوى تواجد الأرضية المشتركة من انتفائها، وعلى مستوى العلاقة المباشرة بين الدينين في بلاد الإسلام، وبما يقابل ذلك في الفضاء الاجتماعي التابع للكنيسة. ولكن قبل الخوض في مظاهر الحراك والثبات، يجدر بنا وضع الأمور في نصابها والتنبه إلى الإطار التاريخي الذي احتضن أعمال المجمع. فعشرية الستينيات من القرن الماضي هي عشرية مضطربة، لم تبق الكنيسة في منأى من تأثيراتها. حيث مثّلت الشيوعية الخصم الاستراتيجي الأكبر لها، بما اقتضى سلوك مسلك مستجَدّ، يُخرِج الكنيسة من الصراع الثنائي معها إلى تجنيد رفقاء في تلك المعركة. ومن هذا الباب، ما عبّرَ التحول في العلاقة بالإسلام عن نضج في فلسفة الحوار، أو يقين بوحدة تراث مشترك، أو إقرار بأرضية إيمانية موحَّدة، وإنما جاء بدافع كسب حليف استراتيجي جنب الكنيسة في معركة تخشى عواقبها.

- أولا على مستوى تواجد الأرضية المشتركة من انتفائها، وبناء على روح تعاليم المجمع المشار إليه، يُفترض أن تسود رابطة جامعة بين المسيحية والإسلام قوامها الملة الإبراهيمية، تشمل الذين هادوا أيضا، بيد أن مفهوم الملة الإبراهيمية الغربي، الذي أتى في صيغة "التراث اليهودي المسيحي المشترك" قصرا، شمل اليهودية والمسيحية لا غير. فاليهود هم "الإخوة الكبار"، على حد العبارة الكنسية، بعد أن أُسقِط عنهم نعت "قتلة الإله"، في حين المسلمون هم الآخرون من "الديانات غير المسيحية"، وبما أنهم من خارج "التراث اليهودي المسيحي المشترك"، فهم من "التعبيرات الثقافية والدينية" النائية.

وإن كانت تعاليم المجمع في غاية من الجرأة والشجاعة فقد أتت الترجمة اللاحقة مخيبة للآمال، بالإيغال في استبعاد المسلمين واستيعاب اليهود. وهو ما دفع لانتقاد مفهوم "التراث اليهودي المسيحي"، بصفته إقصائيا للمسلمين، ولا يترجم بحق واقع العلاقة. يقول الأمريكي ريتشارد بوليي أستاذ التاريخ الإسلامي في مؤلفه: "الحضارة الإسلامية المسيحية"، الصادر في روما 2005: "من له دراية، ولو متواضعة، بتاريخ العلاقات اليهودية المسيحية طوال الألفيتين الأخيرتين، يدرك بيسر الطابع الهزلي لمفهوم يجمع بين تقليدين دينيين، نشبت بينهما خلافات شائكة طيلة مراحل عدة". ويتطور الانتقاد مع الكاتب اليهودي يعقوب نوزنر في مؤلفه: "اليهود والمسيحيون.. أسطورة التراث المشترك"، الصادر في ميلانو سنة 2009، إلى ما يسفه ذلك الترابط بين اليهودية والمسيحية، قائلا: "ينبغي إدراك الديانتين كمنظومتين مستقلتين كليا، وبالتالي لا يجوز الحديث عن تولّد المسيحية من رحم اليهودية، لأن كلتا المنظومتين، في مستوى المرحلة التكوينية (القرن الثاني-القرن الرابع)، كانتا مأهولتين بلفيف من البشر مختلفين وتتحدثان عن معتقدات متباينة، ويتوجّه كل منهما إلى رهط مغاير. فالطروحات التراثية التي تعتبر اليهود والمسيحيين "أقارب" من جانب ديني هي بمثابة أسطورة، لأن كليهما يقرأ العهد القديم، لكن لكل قراءته وتأويله وخلفيته.

- ثانيا وعلى مستوى العلاقة المباشرة في بلاد الإسلام، فكما هو معروف حرصت الكنيسة الكاثوليكية في أعقاب المجمع، على التقرّب من المسلمين، دون تنقية ماضيها مما شابه من شوائب. وكانت أبرز محطات التقارب زيارات الحبر الراحل كارول ووجتيلا إلى تركيا 1979، وإلى المغرب 1985، وإلى سوريا 2001، وما تخلل تلك الزيارات من لقاءات وأنشطة مشتركة، عوّلت الكنيسة فيها على الحوار مع الإسلام الرسمي ومع الإسلام المروَّض. فاقتربت من الأزهر، ومن الزيتونة، ومن وزارات الشؤون الدينية، وتبنت المواقف السلطوية نفسها من الإسلام السياسي. ولذلك بعد أن قامت الثورات العربية، وجدت حوارها مع الآفلين وكأنه قد ذهب أدراج الرياح، فطفقت ترمم ما اعتراه من خور.

كانت الكنيسة في تلك المساعي هي من تصنع فلسفة الحوار وتحدّد مساراتها، بعد تفريغها من مضامين الحوار العقدي ومناداتها بالحوار الاجتماعي. حتى ضمنت صَمْت المسلمين عن انتقادهم المعهود "للتثليث" و"التجسد" و"التأليه"، وغيرها من القضايا الشائكة؛ رغم أنها تابعت الحديث عن "راديكالية" الإسلام، وعن انغلاقه العقدي، وحؤوله دون تحول أتباعه إلى الأديان الأخرى. والحقيقة أن المسلمين في الغرب، وهم بالملايين، لم يشهدوا موجة نكوص عن دينهم، بل راعهم تحول جموع نحو دينهم ضمّ الألوف، خصوصا في حاضنة الكاثوليكية. كان عالم الاجتماع الإيطالي ستيفانو أليافي أبرز من رصد تلك الظاهرة في كتابه: "المسلمون الجدد: المهتدون إلى الإسلام" (روما 1999).

وأما الحوار الاجتماعي الذي تحمّست له الكنيسة ودعت إليه، فقد كان مدفوعا بإيجاد موضع قدم للكنيسة الغربية في ديار الإسلام، بعد أن خرجت آثمة ومذنبة مع الآلة الاستعمارية. وفي ظل الضجيج الحواري الذي ساد طيلة الحقبة الماضية، غُيّب جوهر الحوار الحقيقي المتلخص في ألا سبيل لحصول حوار اجتماعي بدون اعتراف تاريخي، يعقبه اعتذار رسمي عما أتاه كرادلة الاستعمار، أمثال شارل لافيجري (1825-1892م) وصحبه من "آباء بيض" و"أخوات بيضاوات"، طيلة الحقبة الاستعمارية؛ ومجزرة جامع كتشاوة في الجزائر (1932)، التي حصدت أرواح ألوف ممن اعتصموا بالجامع، احتجاجا على تحويله إلى كنيسة، في ظل ترحيب من البابا غريغور السادس عشر، ما زالت صارخة.

- ثالثا وأخيرا، على مستوى العلاقة المباشرة في الفضاء الاجتماعي التابع للكنيسة، فقد تحمست الكنيسة عقب مجمع الفاتيكان الثاني، إلى محاوَرة الإسلام في دياره لكنها أضمرت رفضه على أرضها. ذلك أن الفضاء الديني في أوروبا، وفق تقديرات ما يعرف بسوسيولوجي السوق الدينية الأمريكان، ليس فضاء حرّا. فهو خاضع للاحتكار والوصاية والتوجيه من قبل متعهّد قويّ يوجه أنشطته وفق مشيئته، يتساوى فيه البروتستانت في شمال القارة مع الكاثوليك في جنوبها. ذلك ما رصدته أبحاث دارن شركات، ورودناي ستارك، ولورانس إياناكوني، وكريستوفر إليسون، وآخرين. فلو أخذنا الفضاء الإيطالي الذي يخضع لاحتكار مستثمِر وحيد، ألا وهو الكنيسة الكاثوليكية، نرى المسلمين، رغم أنهم الدين الثاني (زهاء المليونين) ما زالوا ملغيين من خارطة الاعتراف. فحين عُرِض برنامج المصادقة على القانون العام بشأن الحرية الدينية، اعترضت الكنيسة الكاثوليكية بقوة أمام مجلس النواب الإيطالي في مناسبتين: 9 جانفي و 19 جويلية من العام 2007، على لسان المونسنيور جوسيبي بيتوري، رئيس المؤتمر الأسقفي الإيطالي حينها. ما ترتب عنه حرمان المسلمين من عائدات "ثمانية بالألف" ومن كثير من الحقوق، لعل أبرزها احتكار الكنيسة "ساعة الدين" في المدرسة، وعدم القبول بتحويلها إلى "ساعة أديان". بما يبرز أن علاقة الكنيسة بالإسلام ما فتئت علاقة عُصابية رغم دعوات النسيان التي حضّ عليها المجمع.

وتبعا لتلك الأوضاع ليس الإسلام المهاجر في حماية الكنيسة بل هو في حماية العلمانية. لذلك نجد الملاحدة والعلمانيين والغنوصيين أقربهم مودّة إلى المسلمين من رجال الدين. فلا يستعين الإسلام المهاجر بالكنيسة، التي يفترض أنها رفيقة في الإيمان، بل يستجير بالعلمانية طلبا لعبادة الواحد الأحد.

ربما تعود حالة الفتور في الحوار الإسلامي الكاثوليكي، في أحد جوانبها، إلى غياب المراجعة والنقد لما ساد في سالف الحوارات، فضلا عن هيمنة الخطاب التصالحي على حساب المعرفي والعلمي.

 

عزالدين عناية – استاذ تونسي / روما

 

نبيل عودة(وقصة ساخرة: خبر عاجل من الوكالات الاستعمارية)

تمهيد: ما زلت أعيش وقائع وانطباعات مختلفة من فترة دراستي في الاتحاد السوفييتي، في معهد العلوم الاجتماعية (او المدرسة الحزبية كما كانت تعرف) بين 1968 - 1970، لا انفي انها كانت فترة من أجمل فترات حياتي وأكثرها إثراء فكريا ومعرفيا بمختلف المواضيع ذات الأهمية لبناء شخصية الانسان ومعارفه بمجمل مجالات الحياة، لكني أكون خائنا لفكري وانسانيتي اذا تجاهلت السلبيات أيضا، التي كنا نبررها بضرورة النضال ضد الاستعمار. واسقاط البرجوازية الشجعة التي تستغل العمال وتملقهم، الخ.

السقوط السريع للنظام الاشتراكي، حلمنا الإنساني الذي قدمنا له أجمل سنوات العمر.. تركني انا شخصيا بذهول، لكن ذهولي لم يطل، عدت اراجع النظرية الشيوعية وبعض كتابات ماركس وإنجلز ولينين وبعض مقالات ستالين، وواقع ما شاهدته وعايشته خلال السنتين، لأصل لاستنتاج اولي ان النظام السوفييتي كان ستالينيا بجوهره يفتقد لأي مساحة ديموقراطية، وطرحت على نفسي أسئلة عديدة: هل انهيار الاتحاد السوفييتي هو انهيار للستالينية؟ هل كانت الستالينية (وريثة لينين) تشويها لفكر ماركس؟ هل هو الفكر الذي قبر ماركس وشوه نظريته وحولها الى قوالب ثابتة أشبه بالنصوص الدينية؟ ام كان قريبا لنهج ماركس ونظريته بخصوص الثورة البروليتارية والقضاء على البرجوازية (تصفيتها)او بكلمات أخرى ان التاريخ هو تاريخ صراع الطبقات بحيث تقضي طبقة على طبقة أخرى او تقضي الطبقتان على بعضهما البعض،أي ان العنف الدموي ملازم لأي تطور وتغيير، حسب الفكرة الجوهرية للبيان الشيوعي؟ هل كانت الماركسية نظرية لتغيير حقيقي للواقع الاجتماعي ام نظرية لتبرير نهج متطرف لا يختلف عن الفناتية الدينية (التعصب الديني الأعمى) او غيرها من النظريات المتطرفة مثل النازية والفاشية؟ وهل صحيح القول ان أساليب ستالين ناقضت الطرح الماركسي الذي جاء في البيان الشيوعي، ام هو استمرار له للقضاء ب "العنف الثوري" على الرأسمالية والاستغلال؟ أي خوض حرب أهلية مدمرة للمجتمع والانسان (هل يوجد تفسير آخر؟). لماذا نشر النظام الفساد، فكانت أي شكوى على مواطن، حتى لو كانت غير صحيحة، تقوده الى المنفي او المقصلة؟ والكثيرين قدموا تحت الضغط والخوف، شكاوى ضد زملاء لهم لينقذوا أنفسهم. وهناك وثائق وتسجيلات، بل وروايات مختلفة عن هذا الواقع المؤلم واللاأخلاقي!!

ماركس طرح في فلسفته رؤية تقول: "لقد اكتفى الفلاسفة بفهم وتفسير العالم، أما الهدف فهو تغييره".. هل كان يريد تغييره بالعنف بأساليب التنظيمات المتطرفة حسب النهج الذي اعتمده ستالين أيضا بعد القضاء على الأعداء البيض في الداخل؟ او ربما يصح القول ان فلسفة ماركس كانت تبريرية لفرض نظام ديكتاتوري بالغ القسوة والعنف والتدمير بدون حدود؟!لماذا لم يختار المنافسة الانتخابية مثلا كطري للوصول الى السلطة؟ الا تشكل طبقة العمال وسائر الفقراء من فلاحين، وحتى جماعات المثقفين الانسانيين أمثال ماركس وانجلز ومختلف الفلاسفة والمنظرين الانسانيين، القوة الاجتماعية الأكبر القادرة على الحسم بدون عنف دموي؟

رأيت بشكل مغاير أيضا ان الماركسية لم تقع بعيدا عن الفكر المتطرف في طروحاته، الذي ميز أيضا النازية والفاشية والتطرف الديني المسيحي الأوروبي، في مبالغته بفهم طريق التغيير الاجتماعي، برؤية ان التغيير هو القضاء التام على كل طرح مغاير وبكل القوة والعنف، وخاصة (بالنسبة للماركسية) في الطرح الطبقي، الذي عرف بالمادية التاريخية، والتي ادعت ان التاريخ يسير في مسار محدد ونهائي لا مفر منه، يقود الى الصدام والقضاء على الطبقة البرجوازية ونظامها الرأسمالي وبناء النظام الاشتراكي، رغم ان فكرة الدولة الاشتراكية وشكلها  وأسلوب تنظيمها لم يحصل على اهتمام آباء الماركسية، الا بتلميحات لم تقدم رؤية متكاملة.  وظل مفهوم الدولة الاشتراكية مبهما، حتى لينين أيضا بعد الثورة البلشفية لم يطرح رؤية جديدة، لشكل بناء الدولة الاشتراكية ونظامها، رأى بالدولة جهازا لقمع البرجوازية العالمية، وماذا مع النظام الاجتماعي الجديد؟ وماذا مع أسلوب إدارة الاقتصاد الجديد؟ ثبت مثلا الفشل العظيم في النظام الزراعي، والفشل العظيم في المنافسة الصناعية رغم ان ما أنجزه الاتحاد السوفييتي كان قوة اقتصادية لا يستهان بها، لكنها ليست بنفس ما كان يحدث من نهضة مماثلة بالغرب، وبوضوح أوسع لم يكن الاقتصاد السوفييتي قادرا اقتصاديا على اللحاق بالتطور الرأسمالي للمجتمع البرجوازي في جميع مجالات الحياة، واهمها الرفاه الاجتماعي، الديموقراطية، مستوى الحياة للمجتمع السوفييتي، الضمانات الاجتماعية، الحريات المختلفة، حق التفكير والاختلاف ومختلف الحريات الشخصية حتى البسيطة منها بما فيها حرية الصحافة والنقد ، الذي يشكل أداة للرقابة والمحافظة على طهارة السلطة.. ما نتج هو نظام قمعي رهيب، لدرجة ان المواطنين اضطروا للفساد على معارف لهم بالكذب، حتى لا يقعوا ضحية عنف الدولة ومعتقلاتها الرهيبة والتعذيب حتى الموت. ليت النظام الروسي الحالي يكشف ارشيفات تلك الفترة. الثورة البلشفية تبنت أسلوب تنظيم الدولة الرأسمالية بكامله وبسلبياته الكبيرة وبيروقراطيته، لبناء النظام المناقض لها، الذي يتعلق بالصراع بين البروليتاريا والطبقة البرجوازية، وان الثورة تعني القضاء والتصفية للطبقة الرأسمالية وحلفائها من الاقطاعيين، من اجل بناء النظام الجديد، لكن هذا الأمر لم تثبت صحته، مع التطورات اللاحقة في الاقتصاد والمجتمع والفكر الفلسفي.  سأعود لهذا الموضوع الشائك فيما بعد بدراسة خاصة..   ذلك لا ينفي ان النظام السوفييتي، حتى بعد التحرر النسبي الكبير من الجمود العقائدي والنهج الستاليني، واصل فرض الجمود العقائدي على تطوير النظرية الماركسية والتخلص من الطابع المغلق لبعض الطروحات التي تجاوزها التطور التاريخي.

الخطأ الأكبر عدم تطوير التطبيق الاشتراكي الذي عانى من تخلف في الإنتاج بالمقارنة مع النظام الرأسمالي، لدرجة ان جاس هول، قائد الحزب الشيوعي الأمريكي قال في وقته ان كمية الإنتاج السوفييتي توازي الإنتاج في إيطاليا حين يكون العمال بإضراب تباطوء في العمل.. اثناء وجودي في موسكو(1968 - 1970) زرت مصنع الجرارات حيث يعمل كما قيل لنا خمسة الاف عامل، لم اشهد حركة انتاج كما افهم الإنتاج ، بل اعداد كبيرة من العمال على انتاج كل قطعة، الأكثرية عمليا لا ضرورة لها لو كان المصنع بإدارة رأسمالية – او ادارة مهنية ربحية سليمة. ولا اتحدث عن استغلال مهين، بل عن عمل طبيعي بدون ضغط، لأن الضغط يخرب ويعطل ولا يسرع الانتاج.  وانا كخبير في الصناعات المعدنية (سنتين دراسة لهندسة الميكانيكيات قبل سفري للجامعة الحزبية، وقبلها كنت مديرا للعمل في الصناعة المعدنية وفيما بعد مديرا للإنتاج، ثم مدير مصنع) وواضح ان السباق الاقتصادي مع النظام الرأسمالي لم يكن لصالح النظام الاشتراكي. بمعنى ان انتاج طن في النظام الاشتراكي، يقابله انتاج 5 طن في النظام الرأسمالي، بنفس عدد العمال. مثلا حين كان مستوى حصة الفرد السوفييتي من الناتج القومي الإجمالي بحدود ال  10 الف دولار بالسنة. كانت الأنظمة الرأسمالية في أوروبا على أبواب ال 40 –50 الف دولار للفرد الواحد في الناتج القومي الإجمالي السنوي، والولايات المتحدة بمستوى دخل اكبر. رغم ان كوسيجين، رئيس الحكومة السوفييتي آنذاك اعد خطة اقتصادية متكاملة، لإحداث نقلة جوهرية في الصناعة والزراعة، للأسف لم يطبق منها الا اقل من القليل، خوفا من اتهام الغرب للنظام السوفييتي بالعودة لأسلوب انتاج رأسمالي. مثلا طبقت الخطة الزراعية للتجريب في هنغاريا، ضمن خوف ان يحدث انهيار في الإنتاج الزراعي اذا نفذت خطة كوسيجين، وعليه سيكون السوفييت بالمرصاد لإنقاذ هنغاريا. حسب الخطة، جرى تفكيك القرى التعاونية والحكومية في هنغاريا وتخصيص قطع ارض للمزارعين للعمل المستقل، اي ليس زراعة جماعية، فقط أدوات العمل جماعية، والعمل نفسه فردي لكل مزارع بحصته من الأرض. مما نشط الزراعة والإنتاج وجعل هنغاريا تحدث قفزة زراعية مثيرة للغاية وفرت الخضار واللحوم بكميات كبيرة جدا، فاقت الأسلوب السابق بنسب كبيرة جدا لم تكن متوقعة. لكن المكتب السياسي السوفييتي واصل الإصرار على عدم تطبيق نفس الخطة في الاتحاد السوفييتي.. أي حافظ على الكولوخوزات (المزارع الجماعية) والسوفوخوزات (المزارع الحكومية)، والتي كان انتاجها لا يصل لربع انتاج الأسلوب الذي طبق في هنغاريا. للأسف المعطيات الرسمية فقدتها او انها تائهة بين اوراقي. لكني كنت شاهدا على أسلوب العمل في كولوخوز في جمهورية أذربيجان، وأقول ان العمل لم يكن بحماس ومسؤولية شخصية. كانت الثرثرة أكثر من العمل الزراعي. يعملون ببطء شديد، لا يقلقهم وضع المزروعات او القطيع، توجد أوامر ولوائح تنفذ. المهم يقضون ساعات عملهم كمصدر دخلهم الثابت، ويعودون لمنازلهم للتفرغ لحدائقهم الصغيرة الخاصة. اجراء أي مقارنة بسيطة بين كمية المنتوج في قطعة الأرض خاصتهم، وكمية المنتوج بالأرض الجماعية، يبين فرقا نسبيا كبيرا للغاية وهو ما انتبه كوسيجين ومستشارية له وحثهم لتخطيط أسلوب زراعي جديد. لكن لم يطبق في الاتحاد السوفييتي رغم نجاحه الكبير للغاية بتجربته في هنغاريا. وفي الصناعة الوضع لم يكن أفضل، بل أكثر سوءا. 

لاحظت الكثير من ردود الفعل الساخرة للمواطنين السوفييت، حول تفاصيل كثيرة لا يتجرأ المواطن ان يطرحها بجدية مباشرة ووضوح، بل بأسلوب ضاحك يشمل فيه شتيمة او أكثر للغرب الاستعماري والرأسمالية الجشعة، ليبدو مدافعا عن نظامه. وكانت ظاهرة مستهجنة وهي انضمام الملايين من الأعضاء الجدد للحزب الشيوعي باستمرار، لدرجة يبدو ان المواطنين السوفييت أصبحوا كلهم أعضاء في الحزب الشيوعي او الشبيبة الشيوعية للشباب. الأمر الذي كان فخرا للنظام (ولسائر الأنظمة الاشتراكية التي انهارت مثل أبراج من القش) طبعا تبين ان الانضمام لصفوف الأحزاب الشيوعية بالأنظمة الاشتراكية له دوافع غير فكرية وغير شيوعية، فما ان انهار النظام، وإذا الاحزاب تتقلص الى بضع الاف، او مئات قليلة من الأعضاء.

اين اختفت الملايين؟ وأين اختفى الجيش الأحمر، العقائدي الشيوعي؟

 كان استاذي لموضوع الاقتصاد السياسي قد نبهني، بعد ان لاحظ اني "طويل اللسان"، بان للحيطان آذان، وكان قد انقذني من ورطة كدت بسببها ان اطرد من المدرسة الحزبية (ذكرتها في يوميات سابقة عن زيارة لأذربيجان) وأعاد الى إسرائيل وليس الى الغولاغ السيبيري، ذلك الغولاغ (المنفي السيبيري) كان للمعارضين السوفييت، الأصح لكل من يجرؤ على الانتقاد المباشر لأي ظاهرة سلبية، وهناك قصص مذهلة عن الغولاغ ورواية توثيقية للكاتب سولجينيتسين الذي عانى من النفي في الغولاغ لسنوات طويلة بسبب انتقاده لبعض السلبيات في المجتمع السوفييتي، وانصح بقراءة رواية "ولد 44" (وجدتها بالعبرية بعنوان "ילד-44") التي تكشف واقعا مخيفا ومذهلا، لأسلوب إدارة المجتمع عبر الشبكات الأمنية الاستبدادية الفاقدة لأي منطق، أشبه بروبوتات معبأة وتنفذ قمعا رهيبا لا يليق بأنظمة القرون الوسطى. كان ذلك بلا شك وراء هذا الانهيار السريع للتجربة الاشتراكية، أقول ذلك بأسف وألم على ضياع اهم حلم انساني للبشرية. 

 دعاني أستاذ الاقتصاد السياسي للقاء في حديقة غوركي الرائعة، حيث تناولنا طعام الغذاء في مطعم ليس بعيدا، وشربنا بضع كؤوس من الفودكا، طبعا بلا حديث حول المواضيع الملحة، لأن للحيطان وربما للطاولة التي نتناول عليها طعامنا توجد آذان أيضا. بعد ان خرجنا من المطعم، كما حدث مرات عديدة حدثني بتفاصيل لم اتوقعها، عن واقع المجتمع السوفييتي آنذاك، خاصة في الأرياف والجمهوريات السوفييتية الشرقية. بعض أحاديثه صغتها في سلسلة "يوميات نصراوي"، وبعضها بأسلوب قصصي ساخر، هذه احداها.

...........................

 

خبر عاجل من الوكالات الاستعمارية

نبيل عودة

كانت أخبار الصحافة السوفيتية في اغلب الأحيان متخلفة، يتأخر نشر الأخبار بسبب الرقابة القوية على الصحافة وأحيانا لا يخلو النشر من تزييف للحقائق. أصبح لدي المواطن السوفييتي شكا كبيرا بكل المعطيات الرسمية التي تنشر. صحافة الاتحاد السوفييتي (حين كان في قمة مجده) لها صوت واحد ولون واحد، مجندة تثير امتعاض القارئ السوفييتي وسخريته. هذا ساهم في وقته بخلق الطرائف التي تسخر من واقع الصحافة، ومن العديد من القضايا السياسية والاجتماعية، أحيانا بالخلط بين النقد والسخرية والتمجيد للنظام، ويجب ان يكون المستمع على دراية كبيرة ليميز ان التمجيد المبالغ فيه للنظام، هو اشد مرارة من النقد المباشر.. من أجمل تلك الطرائف التي حدثني بها أستاذ الاقتصاد السياسي ونحن نسير في الشارع، وكان الشارع أفضل مكان للحديث الصريح بيننا. طبعا صغت النص باسلوبي وبما يتفق الى حد بعيد مع أسلوب الدراما القصصية.

 والحكاية: دعي المكتب السياسي للحزب الشيوعي السوفييتي لاجتماع طارئ لبحث موضوع يسبب قلقا بالغا جدا للدولة السوفييتية لأن الاعلام الغربي وخاصة راديوهات "البي بي سي" و"صوت أمريكا" وسائر المستعمرين، الى جانب وكالات الأخبار الأجنبية، تنشر عن الأحداث السوفييتية قبل ان تُقر صيغتها ونشرها بواسطة دوائر الإعلام الحزبية الرسمية. الرفيق بريجينيف وكان الأمين العام للحزب الشيوعي ورئيس الدولة، عمليا سكرتير عام الحزب الشيوعي السوفييتي هو اعلى سلطة في النظام السوفييتي كما هو في سائر الأنظمة والأحزاب الشيوعية. يمكن القول" آية الله الرفيق بريجينيف".

 دعا الرفيق بريجينيف إلى اجتماع طارئ للمكتب السياسي للحزب الشيوعي أعلن فيه ان "لديه شك كبير بأن أحد أعضاء المكتب السياسي يتجسس لحساب وكالات الأنباء الاستعمارية وينقل لهم أخبارنا قبل ان تنشرها صحافتنا، فتطالعنا اذاعات الاستعمار البي بي سي وصوت أمريكا ومن لف لفهم بأخبارنا قبل ان تنشرها صحافتنا وطبعا تنشر بشكل مشوه وتحريضي".

قال: علينا كشف الجاسوس يا رفاق، خوفا من ان يسرب اخبارنا الأمنية او خططنا السياسية حتى لا نواجه ازمة في علاقاتنا السياسية خاصة مع الأصدقاء.

ساد الاجتماع صمت شامل. قال: لن نغادر الاجتماع قبل ان نكتشف من هو!!

حاول بعض الرفاق التلميح بأن الجاسوس يمكن ان يكون من صفوف هيئات حزبية أدنى درجة؟ اذ لا يمكن للهيئة العليا للحزب الشيوعي ان تضم جاسوسا للغرب.

 رفض بريجينيف الأمر مصرا ان الكشف يجب ان يبدأ من الرأس نزولا الى اسفل وليس بالعكس.

 سوسولوف (فيلسوف الحزب كما كان يعرف) شعر بأن مثانته لم تعد تتحمل الضغط. طلب الإذن للخروج إلى الحمام. فورا اتهموه ان هناك حدث جديد ستذهب يا سوسولوف لتبليغ وكالات الأخبار الغربية الاستعمارية به. فتشوا الحمامات. لم يجدوا وسيلة اتصال بالامبريالية، عملها سوسولوف ببنطاله. عجوز آخر من قادة الحزب شعر أيضا ان الوضع بات حرجا، لم يجرؤ على طلب الإذن.. أفلتها ببنطاله "حبة حبة"، هكذا مضى الوقت والرفاق "العواجيز" أعضاء المكتب السياسي يرطبون بناطيلهم... خوفا من اتهامهم بالعلاقة مع الإعلام الامبريالي!!

الرفيق بريجينيف شعر ان المسالة لدية أيضا أصبحت غير محمولة، بل حرجة جدا وليس من اللائق للأمين العام للحزب الشيوعي السوفييتي العظيم ان يعملها في بنطاله. الويل للاتحاد السوفييتي اذا انتشر خبرا مفاده ان قائده رطب بنطاله. قال لهم: لننهي الاجتماع، يبدو ان الجاسوس ليس من المكتب السياسي. سنفحص المستويات الأدنى.

رد سوسولوف بغضب: هل ستذهب لإبلاغ الغرب عن آخر أخبارنا؟ قدم استقالتك او نصوت على اقالتك ؟!

طبعا الأكثرية مع سوسولوف بسبب البنطلونات التي رطبتها مثاناتهم.

 بريجينيف حاول ان يقنعهم ان الجاسوس قد يكون حقا من هيئة أدنى. وكان يتلوى بسبب ضغط البول في مثانته!!

أصروا: أبدا يجب ان ننتظر..!!

الضيق وصل أقصاه لدى الرفيق بريجينيف.. فجأة حضرت مساعدته الليلية تحمل له وعاء لتفريغ البول.

سألها باستغراب، كيف عرفت اني بحاجة للتبويل؟!

ردت المساعدة: أيها الرفيق بريجينيف قبل قليل سمعت خبرا عاجلا من "البي بي سي" يقول ان "الرفيق بريجينيف في اجتماع مغلق وانه بحاجة ماسة ليبول!!"

 

نبيل عودة

 

جواد بشارةميتافيزياء الأوميين علم من أصعب العلوم  وأعقدها، وهو غير الميتافيزيقيا البشرية ذات المضامين الدينية الثيولوجية . فتعريف هذه الأخيرة عند البشر هو "مابعد الطبيعة"  بينما عند الأوميين فإن مفهوم " الميتافيزياء" يعني "ما فوق الفيزياء" أو الفيزياء التي لم تخضع بعد للاختبار التجريبي والمختبري لكنها علم من العلوم التي تدرس في الجامعات عندهم. ويمكننا أن نقرب الفكرة  ونعتبر، على سبيل المثال" إن نظرية " الأوتار الفائقة" نوعاً من أنواع الميتافيزياء البشرية. علم الكونيات البشرية مؤطر بين النسبية العامة لآينشتين وفيزياء الكموم أو الكوانتوم، بين اللامتناهي في الكبر واللامتناهي في الصغر. بين الميكروسكوبيك والماكروسكوبيك، ولكن كيف يمكننا أن نتحدث عن طبيعة تحتمجهرية أو ما دون الذرية للفضاء أو المكان أو للزمكان؟ ولكن هناك دائماً حدود للمادة تحدد بـ " طول بلانك" و" زمن بلانك" اللذان يعتبران أصغر وحدات قياسية للمادة التي يعرفها البشر. فهناك في الكون المرئي جسيمات عديمة الحجم في حين أن للأوتار، وهي أصغر الوحدات النظرية الافتراضية في فيزياء الجسيمات، أحجاماً متنوعة وهناك جسيمات بدون كتل وجسيمات ذوات كتل، وهناك جسيمات " رسل" أو حاملة للكتلة كالبوزونات الخ... فما أن نصل إلى مقياس أو إطار أدنى من " بلانك" مكانياً وزمانياً، حتى تتوقف قوانين الفيزياء ولن تعد صالحة أو قابلة للتطبيق، وهذا هو مجال الميتافيزياء. بعبارة أخرى يصل مفهوم المكان والزمن أو الزمكان في اللامتناهي في الصغر وبحدة إلى نهاية مادية معلومة هي " أبعاد بلانك" فلا يوجد شيء أصغر وأقصر من مكان وزمن بلانك أو ما هو أكبر من كتلة بلانك في الفيزياء العادية . بعض العلماء اقترح، في إطار" الميتافيزياء" البشرية إحتمال ألا يفقد المكان والزمن معنيهما في المستويات دون المجهرية أو دون الذرية وبالذات فيما يتعدى أبعاد " بلانك" الزمكانية بل يتحولان إلى مفاهيم مجردة أكثر جوهرية عندها لن يكون محظوراً التفكير بإمكانية " ولو من الناحية النظرية "، بإمكانية الولوج إلى ما هو أصغر مكانياً وأقل زمانياً من حدود " بلانك " القصوى كل ما في الأمر ينطوي ذلك على سعي العلماء للتعرف على " المفاهيم" الأكثر جوهرية التي " يتحول إليها الفضاء أو المكان والزمن عند الحدود التي تتجاوز إطار أو مستويات "بلانك" . وتعميق المعرفة في فهم وإدراك واستيعاب التركيبة الكمومية أو الكوانتية للمادة والقوى الأخرى الجوهرية ما عدا الجاذبية أو الثقالة، أي ما يتجاوز " النموج المعياري لفيزياء الجسيمات الأولية. وينتظر العلماء بشغف اكتشاف جسيمات ومكونات أصغر من الكواركات، بل وأصغر حتى من الأوتار واكتشاف الجسيم الأولي الحامل للجاذبية وهو " الغرافيتون". والحال أن الميتافيزياء تبحث في :" لماذا تحمل الجسيمات الأولية، المكتشفة والخفية التي لم تكتشف بعد، تلك الخواص أو الخصائص والسمات التي تسمح بحصول التفاعلات  والعمليات النووية ومادون النووية مما سمح بتشكل الكواكب والنجوم والمجرات والحياة؟.

ويدرس علماء  نظرية الأوتار الفائقة، بطريقة الميتافيزياء، نمط وتغير وتنوع الاهتزازات والفتلات أو الدورانات الذاتية المغزلية الــ  spin والذبذبات التي تقوم بها الأوتار لخلق جسيمات أولية في حين أنهم لم يروها أو يلموسها  وإنما فقط من خلال الحسابات والمعادلات الرياضياتية. ويأمل علماء نظرية الأوتار الفائقة أن تصل نظريتهم إلى أبعد من الخطوط العريضة لخواص الكون المرئي وتفسرها بالتفصيل واكتشاف الأبعاد المكانية الأخرى العشرة زائد بعد الزمان لتصبح أحد عشر بعداً وهم لايعرفون منها سوى ثلاثة أبعاد مكانية في الفيزياء العادية وهي الطول والعرض والارتفاع إلى جانب البعد الرابع الزمن، وهذه هي الميتافيزياء بعينها.

 

إن ميتافيزياء الأوميين تتعامل مع علوم أخرى متعددة غير الفيزياء  وعلم الكون، مثلما هو حال الميتافيزيقيا البشرية التي قادت إلى صراع بين العلم والدين، وإن الأديان تستند إلى خاصية الإيمان والاعتقاد وتصديق النصوص المنزلة حتى لو تضمنت تناقضات أو معلومات منافية للعقل والعلم وقوانين الطبيعة لا لشيء إلا لأنهم يعتقدون أن مصدرها رباني إلهي، في حين تقوم العلوم التجريبية بعرض الأدلة العلمية والبراهين المختبرية لذلك لا يرتاح رجال الدين والمؤسسات الدينية التقليدية عندما يطالبون بتقديم الأدلة والبراهين على صحة ما جاء في نصوصهم المقدسة، فعندما اعترض  عليهم جيوردانو برونو أحرقوه حياً لأنه تجرأ على تحدي الكنيسة الكاثوليكية ومحاكم التفتيش. فللعلم  مجال هو مجال المعرفة القابل للطعن والمراجعة  وللدين مجال هو الإيمان والاعتقاد بلا نقاش. من هنا أبعدت الميتافيزيقيا عن حقول ومجالات وأطر البحث العلمي لأن الميتافيزيقيا البشرية تتضمن كل شيء غث وسمين من معجزات وأرواح وأشباح وارتفاعات في الهواء والسير على الماء وخرق قوانين الطبيعة والتخاطر والطاولات الدائرية لاستحضار الأرواح والآلهة  والله  والشياطين والجحيم والفردوس ويوم القيامة والعقاب والثواب، وبالتالي بات مفهوماً أن العلم العقلاني  والمادي لا يمكن أن يلوث يديه بمثل هذه الخرافات والخزعبلات. ولكن الرفض المطلق لكل هذا العالم الغريب ليس موقفاً علمياً . ولنبدأ من تعريف البشر للميتافيزيقيا التي هي " كل ما هو " ما وراء الفيزياء أو ما بعد الطبيعة au-delà du physique والحال إن العلم لا يدرس إلا ماهو مرئي مرصود وملموس وقابل للقياس والحساب، أي كل ما هو فيزيائي. الأمر يختلف عند الأوميين بما لديهم من أجهزة وتقنيات متطورة جداً وعلم متقدم أقدم منا بخمسة مليون سنة، سمحت لهم في سبر أغوار  عوالم تقع في نطاق الميتافيزيقيا عند البشر لكنها تقع في نطاق الميتافيزياء عندهم، أي هي علم من العلوم.  فليس كل ما هو ليس بمادي غير موجود بالضرورة بل يجب أن يخضع لبحث وتقصي واستكشاف معمق كمجال النفس والروح والوعي واللاوعي والذكاء وآلية التفاعلات  الدماغية ومفاهيم كالقدر والجبر وحرية الاختيار libre arbitre الخ.. فالإنسان، بكل مكوناته، هو آلة معقدة جداً ومتقنة الصنع و لايمكن تجاهل هذه الحقيقة، إلا أن البشر ينفقون بسخاء في مجال الأبحاث والتجارب لصنع أسلحة فتاكة ومدمرة ولا ينفقون أي شيء لدراسة الروح البشرية علمياً.

لقد اكتشف الأوميون أن الكون المرئي مكون من عدة مكونات منها المادة والطاقة، المرئية منها والسوداء أو المظلمة ومن المادة المضادة ومن مادة أخرى يجهلها البشر ويسمونها الروح أو النفس. فهناك روح جمعية منتشرة في كافة أرجاء الكون المرئي ومكونة من جسيمات أولية " روحية" غير مرئية تتمتع بمزايا خاصة، وكل جسيم منها يتفاعل مع الغلاف المادي لأي جسد أو كائن حي، وهي لاتموت كما تموت المادة بل ترجع للاندماج بالروح الكلية أو الجمعية عندما يموت الجسد المادي . وبالتالي  أخرج الأوميون  مفهوم الروح من دهاليز الدين والثيولوجيا الغيبية وأدخلوه في رحاب العلم والتجارب العلمية وعالم المعرفة. 

 فليس كل ما يتعدى الفيزياء هو بالضرورة يتعدى العلم. لقد تمكن الأوميون من إجراء المصالحة بين الفيزياء والميتافيزياء وتغلغلوا علمياً داخل المناطق الممنوعة وعثروا مختبرياً على عدد من الكيانات الميتافيزيائية  كجسيمات الروح الجمعية، ما أتاح لهم تحديد وظيفة ودور الإنسان في الكون المرئي،  والمقصود هنا الإنسان في كل مكان في الكون المرئي وليس فقط على الأرض، فهناك أكثر من 20 مليار كوكب مأهول قابل للسكن ولنشوء الحياة فوقه بدرجات متفاوتة من التطور في مجرتنا درب التبانة وحدها حسب آخر إحصاءات وتقديرات العلماء في نهاية عام 2016، وهناك بالتأكيد مليارات المليارات من الكواكب في باقي المجرات في الكون المرئي، فالعلم صار يتقبل ويؤمن بفكرة وجود حياة خارج الأرض في الفضاء الخارجي وتجرى التجارب والمحاولات حثيثاً للعثور على آثر لحياة ما سواء في نظامنا الشمسي أم خارجه على كواكب أخرى.

يتبع

 

د. جواد بشارة

 

 

فراس زوينمنذ فترة ليست بالقصيرة والعراق يعاني من خلل في هيكليته الاقتصادية وبصورة تعكس مدى ابتعاد البلاد عن النهج التنموي الذي يضمن البناء الاقتصادي السليم، بالإضافة الى بروز العديد من المشاكل الاقتصادية والاجتماعية مثل ارتفاع نسب البطالة والتضخم وارتفاع مستويات الفقر، بالإضافة الى الكثير من المشاكل التي خلفها هذا الخلل الهيكلي، والذي يمكن ارجاعه الى عوامل عديدة لعل أهمها هيمنة القطاع العام على العملية الاقتصادية والتنموية خلال العقود السابقة واهمالها القطاع الخاص، بصورة أدت في النهاية الى ضمور النشاطات الاقتصادية الخاصة وانعدام هويتها، وتحولها بالتدريج الى تابع صغير للقطاع العام .

ان هيمنة احدى القطاعين سواء العام او الخاص في مجال التأثير على النشاط الاقتصادي هي مشكلة ذات طابع دولي عام ولا تختص ببلد دون اخر، فنجد ان هناك بعض الدول فشلت في تدخلاتها الحكومية في النشاط الاقتصادي عن طريق القطاع العام مثل العراق في سبعينات وثمانينات القرن الماضي وغيرها العديد من الدوال ذات النهج الاشتراكي، وفي أحيان أخرى نجد ان دول أخرى تفشل في تطبيق الية السوق الحر عبر القطاع الخاص فقط في أدارة النشاط الاقتصادي كما هو حال الكثير من الدول الرأسمالية في الفترة التي سبقت الكساد المالي الكبير عام 1929 والذي أدت في النهاية الى التأسيس لفكرة ضرورة التدخل المباشر للدولة في بعض النواحي الاقتصادية ذات الطابع العام .

ان المسار الاقتصادي للعراق لما قبل عام 2003  يؤشر الى ضعف القطاع الخاص وعجزه عن الاسهام بشكل فاعل في دعم العملية التنموية وخلق حالة من التوازن الاقتصادي فيما بينه وبين القطاع العام، ويعود ذلك لأسباب عديدة يعود قسم منها الى طبيعة الفكر الاشتراكية للنظام السياسي الذي كان سائداً لفترة طويلة، بالإضافة الى مجموعة قوانين وتشريعات التأميم التي قيدت القطاع الخاص وكبلته ومنعته من القيام بدوره التنموي، فبالرغم من تفاوت واختلاف نسب التدخل الحكومي بحسب المرحلة الزمنية التي مر بها ابتداء من منتصف القرن العشرين الا ان الهدف المعلن دائماً ما كان تحفيز الاقتصاد الوطني في حدود فلسفة الملكية العامة لعوامل الإنتاج، والذي يضمن سيطرة وتوجيه الدولة للمسيرة التنموية للبلاد، ولكن المفارقة ان النتائج كانت بعيدة عن هذا الطموح في كثير من الأحيان، فقد اودى الدعم المطلق للقطاع العام  واضعاف القطاع الخاص الى العديد من النتائج السلبية التي اخذت البلاد بعيداً عن سكة التنمية الاقتصادية والاجتماعية المنشودة، حيث تسبب هذا الإهمال الى قتل روح التنافس في الإنتاج بين القطاعين وتهميش الربحية والعائد الحقيقي للعديد من المشاريع الحكومية تحت ذريعة تحقيق المنفعة العامة لينتهي الحال بالقطاع العام الى مستويات عالية من الترهل الوظيفي وتشوهات عديدة في نظام الإنتاج وارتفاع التكاليف الاقتصادية مما أدى الى انخفاض حجم العائد المتحقق على رؤوس الأموال المستثمرة في منشآت القطاع العام، وقد تكرر هذا المشهد في معظم القطاع العام مثل القطاع الصناعي والزراعي والتحويلي والمالي والمصرفي والتجارة الخارجية، ومما زاد في ضعف القطاع الخاص سيطرة الدولة على كل الواردات النفطية من خلال عملية التأمين حيث اودى ذلك الى استغناء الدولة عن الواردات التي يدرها هذا القطاع بسبب ضخامة إيرادات القطاع النفطي، والشعور المتنامي عند الدولة لفترة طويلة بعدم وجود فائدة من دعم وتطوير القطاع الخاص مع ما يمكن ان يشكله من حافز ودافع لرفض او على الأقل مناقشة ومجادلة القرارات الحكومية والتي كانت متوجهة نحو التفرد والمركزية في عقودها السابقة .

لقد حمل التغير في 2003 العديد من الافكار الجديدة في المنهج الاقتصادي (ولو من حيث والنظرية)، حيث تعالت اصوات العديد من الخبراء والباحثين والمهتمين بالشأن الاقتصادي والتنموي العراقي بضرورة اشراك القطاع الخاص في العملية التنموية وإعادة التوازن الى الهيكلية الاقتصادية للبلاد، وخصوصاً بعد ضعف دور القطاع العام من جهة، والإخفاقات المتتالية للنهج الريعي في إدارة الملف الاقتصادي الذي اعتمدته الحكومات المتعاقبة من جهة أخرى، مع وجود عامل مهم وجوهري يتمثل بتواضع خبرة وكفاءة متخذي القرار السياسي والاقتصادي والذين تعاقبوا على إدارة البلاد في سنواته الاخيرة، بالإضافة الى الانقسامات المجتمعية وما تبعها من نتائج سلبية على المستوى الأمني للبلاد، بل ان الأمور زادة تعقيداً في ضل الفساد المالي والإداري الذي استشرى داخل أروقة دوائر الدولة وادى الى هدر المال العام دون تحقيق أي نتائج فعلية على الواقع المعاشي، فلم يكفي قرابة تريليون (الف مليار) دولار انفقه العراق خلال موازناته منذ عام 2004 ولغاية الان في بناء واقع اجتماعي واقتصادي وامني يبشر بخير ، بل العكس هو الصحيح فلايزال العراق يتخبط في مكانه غارق في بحر من الازمات الاقتصادية والسياسية بل وحتى الاجتماعية المتتالية دون ان يرى ضوء النجاة في نهاية النفق المرعب الذي يعيشه.

لقد أدت هذه العوامل مجتمعة وغيرها من العوامل الى ضعف الموارد الحكومية وعجزها عن القيام بالعملية التنموية بمفردها، لذا فان الحاجة توجب علينا الاعتماد على القطاع الخاص كداعم رئيسي للاقتصاد المحلي يمكن من خلاله تجاوز السلبيات السابقة، حيث يركز القطاع العام كل اهتماماته على بناء الصناعات الاستراتيجية التي تحقق النفع العام بعيدا عن الأهداف الربحية، تارك باقي المشاريع التنموية الى القطاع الخاص الذي سيدخل بصفته شريك للقطاع العام وبعقد يتم الاتفاق على شكله وصيغته للقيام وتنفيذ باقي المشاريع الاستراتيجية، بالإضافة الى الاستفادة من خبرة القطاع الخاص في تنفيذ وإنجاز المشاريع الحكومية التي غالباً ما تكون خاسرة وسلبية او غير ذي جدوى.

بالرغم من أهمية القطاع الخاص في قيادة العملية التنموية في العراق الا ان هذا لا يعني تهميش القطاع العام، بل ان الواقع الاقتصادي والاجتماعي الحالي يتطلب إعطاءه فرصة اكبر للنهوض بالعملية التنموية والبنائية للبلاد من خلال الشراكة بين القطاعين، ويكون ذلك من خلال تحقيق النقاط التالية :-

- إنشاء هيئة مستقلة مرتبطة بمجلس الوزراء مهمتها التنسيق مع الجانب الحكومي لأجل التنسيق مع القطاع الخاص بما يفضي إلى ضمان إقامة ونجاح الشراكة مع القطاع العام .

- اعادة رسم السياسة التجارية الحكومية بما يخدم الصناعة الوطنية مع ضبط عملية الاستيراد ووضع حد لسياسة الإغراق السلعي والباب المفتوح للمنتج الأجنبي.

- العمل على بناء بيئة استثمارية صـالحة ومشـجعة وجاذبـة لرؤوس الأموال من خلال إعادة صياغة النـواحي القانونيـة والتشـريعية والتمويلية بما يخدم هذا التوجه.

- العمل على تطوير النظام المصرفي وخلق بيئة مالية تعمل على تسهيل عمليـة التمويل والإقراض، مع السرعة في انجاز وتقديم المزيد من الخـدمات المصرفية .

-  التأكيد على وضع برنامج جذب الكفاءات العلمية المهـاجرة ورؤوس الأمـوال، ودعم مشاركتها لتقديم عطاءاتها وخبراتها فـي البنـاء والتطـوير.

- وضع حد للفساد المالي والإداري في أجهزة الدولة وتسهيل عمل مؤسسات القطاع الخاص بإصدار قوانين جديدة وإزالة التعقيدات الروتينية وتحسين فرص القطاع الخاص في الحصول على تمويل ودعم من قبل الدولة .

- العمل على بناء ثقافة عامة تؤمن بأهمية القطاع الخاص ودوره في العملية التنموية من خلال التركيز على المدارس والمعاهد والكليات في بيان أهمية العمل الخاص ومنافستها للوظيفة الحكومية في بناء مستقبل للشباب.

 

فراس زوين

 

بكر السباتينعلم "البرمجة اللغوية والعصبية" شهد مؤخراً نمواً تفاعلياً بين فئات المجتمع ومؤسساته، ولاقى اهتماماً لافتاً من مؤسسات المجتمع المدني ومراكز البحث العلمي والمراكز الثقافية التي ما فتئت تعقد الدورات والورشات التدريبية بغية النهوض بالطاقات الشبابية وتطوير الموارد البشرية في المؤسسات لتعزيز خطط التنمية المستدامة ورفدها بالكفاءات.

ولكن هذا العلم يبدو من خلال الجهات المعنية به سلاحاً ذو حدين.. فمقابل دوره الإيجابي في تنمية الإنسان وتحفيز طاقاته إيجابياُ، كانت هناك جهات استخبارية عالمية ومنظمات مشبوهة باستغلال هذا العلم لمصادرة العقول وتوجيهها نحو أهداف أخرى.

وهذه الدراسة المختصرة تبين للقارئ أسرار هذا العلم ما له وما عليه.

فما هو علم البرمجة اللغوية والعصبية؟

* البرمجة اللغوية والعصبية

البرمجة العصبية اللغوية تعني علم هندسة النفس الإنسانية، أو علم هندسة النجاح.

ويمكن تعريفها على أنها علم يكشف لنا عالم الانسان الداخلي وطاقاته الكامنة ويمدنا بأدوات ومهارات نستطيع بها التعرف على شخصية الانسان وطريقة تفكيره وسلوكه وادائه وقيمه، والعوائق التي تقف في طريق ابداعه وتفوقه.

ولأن علم البرمجة العصبية اللغوية NLP يوفر لنا التقنيات والأدوات والطرق التي تساعد على إحداث التغيير الإيجابي المطلوب في تفكير الانسان وسلوكه وشعوره، وتعزز قدرته على تحقيق أهدافه دون تراجع يذكر في خطوات التنفيذ وبإصرار على النجاح، كل ذلك وفق قوانين تجريبية يمكن أن تختبر وتقاس؛ فإن هذا العلم امتد إلى كل شأن يتعلق بالنشاط الإنساني كالتربية والتعلــيم والصحة النفسية والجسدية والرياضة والألعاب والتجارة والأعمـــال والدعاية والإعلان والمهارات والتدريس والتدريب والفـــنون والتمثيل والجوانب الشخصية والأسرية والعاطفية والاتصال والتأثير على الآخرين.

وتجدر الإشارة إلى أن تحقيق هذا التغيير يحدث في أهم عناصر عملية التفكير (العقل والدماغ والذهن) وهو العقل الباطن الذي يشكل مع العقل الظاهر ما يصطلح عليه بالعقل الكلي، فمن خلال العقل الباطن يتم تطويع العنصر الثاني المتمثل بالدماغ والذي بدوره يقوم بإرسال الأوامر إلى العضو المعني في الجسم استجابة لتفاعل عنصر الذهن (الحواس الخمس) مع المؤثرات المختلفة الموجودة في المحيط الملموس، إضافة لتلك الرسائل الناجمة عمّا يرسله العقل الباطن إلى الدماغ والناجمة عن تكرار الرغبة الإيجابية في التغيير، التي يوجهها الإنسان إلى العقل الباطن فيصدقها، ويتعامل معها كرسائل حسية يستجيب لها الدماغ، وهنا تتم عملية البرمجة العصبية بنجاح. وهذا يعني أن الإنسان يهيئ نفسه للتطور واكتساب معرفة جديدة والتدرب على ما يستجد عليه من معرفة وخاصة في المبادرات والعمل.

* البرمجة العصبية والعقل الباطن

لدى العقل الكلي مهمتان، تتجلى الأولى بالعقل الظاهر (الواعي) الذي يفكر بحرية ويكوّن أفكاراً جديدة وبأنه المسئول عن المنطق والحساب، ويعمل بسرعة 40 بت بالثانية، والبت هي أصغر وحدة قياس للمعلومات الرقمية في الحاسوب والاتصالات.

أما العقل الباطن فهو مجموعة من العناصر التي تتألف منها الشخصية، وقلنا بأنه يحتوي على المحركات والمحفزات الداخلية للسلوك أو أنه مقر الطاقة الغريزية النفسية والجنسية، إضافة إلى الخبرات والتجارب السابقة في جميع مراحل أعمارنا، ويمثل أيضاً مركز العواطف والانفعالات ومخزن الذاكرة، ويعتبر أيضاً الجزء الأرشيفي للعقل حيث يحفظ المعلومات القديمة منذ كان الإنسان طفلاً حتى تلك التي يعتبرها العقل الظاهر عابرة وغير نافعة.

فالعقل الباطن يتبرمج آلياً وتلقائياً، بناءً على ردود الأفعال السلوكية المخزنة مسبقاً، ويعمل بدون علم أو سيطرة العقل الظاهر بطاقة عالية ومؤثرة. فمن بين 96% إلى 98% من القرارات يقررها العقل الباطن دون إرادة الإنسان؛ لذلك يمكن أن نفهم لماذا لا نستطيع الامتناع عن ممارسة ما نحبه حتى لو تضارب الأمر مع مصالحنا أحياناً، لذلك فالعقل الباطن هو الأقوى والأسرع بكثير من العقل الواعي، فهو الذي يشكل وينظم طريقة حياتنا. فتَعَلُّمْ قيادة الحاسوب على سبيل المثال، وخاصة الطباعة بداية الأمر يلزمها التركيز التام لأنها عملياً تكون في عهدة العقل الظاهر، ولكن بعد مدة من التدريب تصبح القيادة عادة يتحكم بها العقل الباطن فيصير بوسع المستخدم الطباعة أحياناً بمهارة فائقة دون النظر إلى مفاتيح الأحرف، كذلك الحال بالنسبة للمحاسب الذي يطبع قوائم الحسابات دون النظر إلى الآلة الحاسبة بمهارة مذهلة، وهو الحال نفسه بالنسبة لقائد المركبة الذي سيتمكن بعد الخبرة الطويلة من التحدث إلى جاره أو استعمال الهاتف أثناء القيادة لأن القيادة بعد التمرين وفي حالات التعب والسرحان تكون في عهدة العقل الباطن الآمنة، وهذا يحدث كثيراً، وكانت تثير لدينا الأسئلة المبهمة التي لا نجد لها تفسيرا منطقياً. وعلاوة على ذلك يمكننا فهم السر الذي يجعل المشرفين على الموت من الكبار يعيشون في الماضي السحيق ويقومون بنبش الذاكرة العميقة في العقل الباطن؛ هذا بالطبع لأن أحد عناصر التفكير المتمثل بالدماغ يكون معطوباً وبما أنه مرتبط من خلال الجهاز العصبي بمكونات الذهن الحسية، فمن البديهي أن يتعطل العقل الظاهر المرتبط بالواقع المنطقي المحسوس؛ لهذا يسيطر العقل الباطن كلياً على أولئك المشرفين على الموت، فيعيشون الماضي بتفاصيله وكأنه واقع محسوس.

من هنا يمكن برمجة العقل الباطن بالتكرار كأحد أهم قوانين البرمجة العصبية اللغوية، فبرمجته لا تحتاج للمنطق أو التفكير أو التركيز، خلافاً لما يحتاجه العقل الظاهر لحل مسألة رياضيات على سبيل المثال. وهذا هو باب التغيير السلوكي للإنسان وبالطبع فإن وسيلتي التكرار والإيمان تعتبران الأكثر فاعلية في التأثير على سلوكيات العقل الباطن. وأعني هنا تكرار الرسائل التحفيزية التي ستقلب حياة الإنسان رأساً على عقب،

وكذلك من خلال الإيمان والدعاء والصلاة حيث ثبت للعلماء بأن ممارسة الشعائر الدينية تؤثر على المنطقة المستثارة في الدماغ، وهي منطقة الفص الصدغي ويُعَرَّفُ بأنه” قسم من القشرة الدماغية التي توجد أسفل الشق الوحشي في نصفي الكرة المخية في دماغ الثدييات وتقع عليه مسؤولية أساسية في استيعاب السمع و اللغة” وهي المنطقة المسؤولة أيضاً عن العواطف وتخزين المعاني الجديدة، وبذلك أثبتت قدرة الصلاة والإيمان في كل الأديان على اختراق العقل الباطن اللاواعي وإعادة برمجته بمشاعر جديدة؛ لتعيد تشكيل نمط حياة جديدة للإنسان.

ومن خلال التكرار في طرح الاسئلة التحفيزية المستهدفة، يمكن التأثير على الإنسان بالخديعة لقلب الحقائق وتغيير محددات الأشياء التي تؤمن بها أو تفرض عليك. ومن أشد الأمثلة وطأة هو ما يمارسه الإعلام المضلل أو الأجهزة الاستخبارية فيما يعرف بغسيل الدماغ، والأمثلة على ذلك كثيرة.

* إيجابيات البرمجة اللغوية والعصبية

ينبغي أن ندرك بأن البرمجة اللغوية والعصبية سلاح ذو حدين. فبينما ينشغل المدربون في توظيف حسنات هذا العلم لصالح بناء الإنسان المبادر الفاعل، فإن الأجهزة الأمنية والاستخباراتية المتصارعة، وقادة الأيدولوجيات المتنافسة، فإنها جميعاً تقوم باستغلال هذا العلم لصالح أجنداتها من أجل صناعة الإنسان التابع والمُسْتَلَبْ في إطار سياسة القطيع.

ولنبدأ أولاً بالإيجابيات.

من أهم فوائد البرمجة اللغوية العصبية ما يلي:

- تطوير الشخصية:

ويتم ذلك من خلال زيادة الثقة بالنفس للقيام بالمهام المنوطة بالإنسان، وإتقان حسن الاتصال مع ذاته أولاً ومن ثم الاتصال التفاعلي الناجح مع الآخرين، وهذا يعزز من الطاقة الإيجابية لديه، لا بل ويساعد على إزالة الخوف والمشاعر المؤلمة، ويخفف الألم الذي يؤدي بدوره إلى التراجع والإحباط، والتعزيز من طاقة الإنسان السلبية.

- تطوير الأداء:

 ويتم ذلك بواسطة تنمية الحوافز للعمل والإنتاج، وتطوير التفكير الإبداعي، أيضاً تحسين قدرة الإنسان على الخطابة والتعبير الناجح عن الأفكار الخاصة والعامة، كذلك رفع مستوى الأداء الرياضي والفني والمهني،

ومن ثمَّ معرفة استراتيجية نجاح وتفوّق ونبوغ الآخرين كي يطبقها الإنسان على نفسه.

- التربية والتعليم والتدريب:

والتي تساعد على سرعة التعلم والتذكر، وتشويق الطلاب للدراسة، كذلك رفع مستوى الأداء للأساتذة والمعلمين.

- الإدارة والتجارة والأعمال:

تساعد على تعلم مهارات التفاوض والبيع والتسويق، أيضاً تحفيز الموظفين، وتحديد الأهداف، ثم التخطيط الاستراتيجي.

-الاهتمام الإيجابي بالقضايا العادلة واعتماد المحددات السليمة من أجل تحديد البوصلة التي تأخذ الإنسان إلى الاتجاه الصحيح ومقاومة الإشاعات في كافة القضايا الفكرية والثقافية والسياسية والحقوقية مثل القضية الفلسطينية على سبيل المثال.

وما دام العقل الباطن هو المنطقة التي تتم فيها عملية التغيير من خلال صناعة الأسئلة المبرمجة فلا بد من العودة إليه لتوضيح آلية البرمجة العصبية اللغوية.

 

* سلبيات البرمجة اللغوية والعصبية ما بين التحفيز وسياسة القطيع

أولاً: - التحفيز

العقل الباطن لا يفرق بين الحقيقة والخيال، ورغم قوته المذهلة إلا أن عقلك الباطن لا يميز بين الحقيقة والخيال ومن هنا يمكن إيهامه بأن الخيال حقيقة تعيشها من خلال التكرار بمعلومات قد تفيدك في التخطيط لتحقيق أحلامك وطموحاتك على ألّا تكون مستحيلة وفق إمكانياتك. ودليل ذلك أنه حينما تحلم بكابوس وهمي، يتصبب العرق من جبينك لا إرادياً، والسبب أن المُتَخَيَّلْ يخدع عقلك الباطن ويثير ردة فعل لدى دماغك ليتعامل مع الموقف كأنه استثارة محسوسة، فتتناسب استثارة الذهن الحسي طردياً مع أبعاد الصورة المتكونة في الحلم، وتكون تلك لاستجابة كما يحدث إزاء مشاعر الخوف التي تداهمك في المواقف الواقعية المحسوسة، بما يرافق ذلك من تعرق شديد، وزيادة في نبضات القلب، وسرعة التنفس، والرغبة بالتبول اللاإرادي أحياناً، مثلما يحدث في مواقف الرعب الحقيقية.

“وقد أجريت إحدى التجارب الشهيرة على أحد رياضيي التزلج، حيث ثبتت على صدره مجسات موصولة بجهاز لقياس الترددات والنبضات في جسم الإنسان، وطلب منه وهو مستلقٍ على ظهره تخيل نفسه وهو يمارس رياضة التزلج على الجليد، فإذ بمؤشر القياس يسجل بياناته وكأن عملية التزلج حقيقية”. فالعقل الظاهر هو الذي يوضح واقعك ويحدد ملامح شخصية الإنسان الحقيقية.

ففي تجربة حبوب الوهم المسماة بلاكيبو placepo أعطي أحد المرضى النفسيين هذه الحبة على اعتبار أنها علاج حقيقي فيما أعطي الآخر حبة دواء حقيقية فشفي المريضان. وهذا يفسر السبب من وراء العلاج الوهمي الذي يقدمه الدجالين للمرضى فتحقق نتائج حقيقية. إنه إيهام العقل بأن الخيال حقيقة، وهو أيضاً يمثل مدخلاً لاختراق عقل الإنسان واستغلاله من قبل النصابين.

وعليه فإن الوسواس المرضي مرده إيحاء الإنسان لعقله الباطن بأنه مريض، رغم سلامة بدنه فيصاب بأعراض المرض كردة فعل غير منطقية يقوم بها العقل الباطن إيماناً منه بأن ما توهم به المصاب بالوسواس حقيقة. فمن هنا يمكن لتعليقات الآخرين السلبية أن تتسلل إلى عقلك الباطن فتهتز ثقتك بنفسك من خلال استجابة العقل الباطن لها. لذلك لا يجب الاكتراث بتعليقات الآخرين في إطار الحراسة المحكمة لعقلك الباطن فتعزز ثقتك بنفسك.

ففي دراسة هي الأولى من نوعها، أثبت العلماء في معهد ماكس بلانك لعلوم الدماغ أن قراراتنا تصنع في عقلنا الباطن (اللاواعي) قبل ثوان من إدراكنا لها في عقلنا الظاهر (الواعي). فقد أعطي المشاركون في هذه الدراسة الخيار التام في استخدام اليد اليمنى أو اليسرى للضغط على زر أمامهم، وكان على الخاضعين للاختبار أن يُشعروا الباحثين في الثانية الزمنية التي قرروا فيها أيَّ يدِ سيستخدمون. وبمساعدة أشعة الرنين المغناطيسية الوظيفية، استطاع الباحثون أن يحدّدوا وبكل دقة أيَّ يدٍّ سيستخدم كلُّ مشارك قبل سبع ثوانٍ من قيام العقل الظاهر(الواعي) للمشارك، باختيار اليد التي ستضغط على الزر. وبناءً على الكثير من التجارب توصل عالم الأحياء البيولوجية في جامعة ستانفورد، سور بروس لببتون إلى أن” عمل العقل اللاواعي أشبه ما يكون بكمبيوتر عظيم محمل ببنك معلومات، من التصرفات والسلوكيات المبرمجة، والتي تم اكتساب معظمها في السنوات الأولى من حياته”، ويتحدث لبتون عن عقلين منفصلين، العقل الظاهر(الواعي) والباطن (اللاواعي)، وهو ما يتوافق مع آراء زملائه من العلماء في مجال علم النفس وخاصة الذين اهتموا بالبرمجة العصبية اللغوية.

ثانياً:- الاستلاب

يمكن للأجهزة الأمنية من خلال مبدأ التكرار أن تقنعك بسياسة حكومة ما يستحوذ عليها الفاسدون لتمرير برامجها المشبوهة، لا بل بوسعها تحويل صورة الفاسد في نظرك إلى بطل قومي حتى لو شهد عليه التاريخ بأنه جزار قاتل، لا بل يمكن لهذا الإعلام المضلل والمسيس أن يعزز موقف السياسيين المجير في أي مكان في العالم، باستبدال عدوك التقليدي الذي يحتل أرضك بتحسين صورته من خلال تزويد عقلك الباطن بعبارات الإطراء للعدو خلافاً لحقيقته واستبداله بعدو جديد ليصبع العدو التقليدي مقبولاً لديك خارج إرادتك، هذا ما يحدث في تداعيات التعامل الدولي مع القضية الفلسطينية على سبيل المثال. وفي نموذجه السلبي، كلنا يعلم كيف تحول المحتل الإسرائيلي لفلسطين إلى صديق لبعض أعداء الأمس من العرب. أما في نموذجه الإيجابي، فقد تقبل الجنوب أفريقيين البيض عدو الأمس وصاحب الحق نلسون مانديللا ليكون رئيساً لجنوب أفريقيا، وربما يحصل ذات الأمر في تداعيات الكثير من القضايا الأخرى التي شوهتها السياسة أو أعادت ترتيبها توطئة لفرض الحلول بأشكالها في أرجاء المعمورة، من خلال مبدأ التكرار الذي تقوم عليه السياسات الإعلامية المأجورة، وهذا قد يحدث أيضاً حتى على صعيد العلاقات الشخصية بين الناس.. فيتم التطبيع مع العدو خلافاً للوثائق التي تدينه والقائمة على المنطق.. لا بل أن تخزين عشرات الآلاف من صور القتلة عبر الأفلام السينمائية والعاهرات في الأفلام الإباحية سيكون لها دور مخيف في التحكم بسلوكيات الأطفال عند الكبر. فمناظر القتل التي تخزن في العقل الباطن تحول الإنسان من مهتم جاد إلى شخص سلبي ولا يبالي؛ لذلك من السهل عليه أن يتابع أخبار القتل ببلادة لأن العقل الباطن تعّود عليها من خلال الرسائل السلبية التي يستقبلها العقل الباطن من المبرمج الذاتي، ويصدقها بعد أن تكرر عليه من قبل الإنسان وبدافع غريزيٍّ في أحيان كثيرة. حتى الاستماع إلى الأغاني الهابطة والتي تبث الروح السلبية ستلتقطها ذاكرة العقل الباطن العميقة فتحولها إلى معطيات سلبية، لذلك تجد الكثير من الأفلام وخاصة الرسوم المتحركة الموجهة للأطفال تحتوي على رموز شيطانية وماسونية مكررة، ليلتقطها بالتالي العقل الباطن فيعتاد عليها ويصدقها إلى درجة الإيمان. ويقال إن الجنين وهو في بطن أمه وفي الأشهر الأخيرة يستطيع تخزين ما يسمع من كلمات مبهمة في عقله الباطن في الوقت الذي يكون عقله الظاهر غير مكتمل لارتباطه بالذهن الحسي والدماغ اللذين يكونان في طور النمو. فما بالك بالطفل في كل مراحل نموه!

والعقل الباطن أيضاً كما ذكرنا في سياق هذا البحث يُعَدُّ الأقوى والأسرع من العقل الظاهر فهو نتاج تجاربنا الحياتية السابقة ويمثل الذاكرة العميقة التي تحتوي على المواقف والمعتقدات والأخلاق والعاطفة والعادات والتقاليد والطباع. فالإنسان هو الذي كوّنه؛ ليخضع أخيراً لسيطرته أو لسيطرة من يغديه بمعطيات الخضوع لسلطة الآخر، من خلال إعادة البرمجة من قبل الآخر بما يعرف بمسح الدماغ الذي يمارسه الآخر المتمثل بالمذاهب المتنافسة أو السلطات القاهرة لإرادة الإنسان كأجهزة الاستخبارات في العالم. ومن هنا يتم أيضاً اختطاف العقل من قبل المتطرفين والغزاة. وهو المدخل لصناعة المأجورين والخونة لذلك على الإنسان أن يَحْرُسَ عقله الباطن من المؤثرات السلبية التي تتحكم بها الغرائز فتحدث خللاً في برمجته العصبية اللغوية، وبالتالي تحويله إلى مجرم أو مدمن أو محبط يعيش على هامش النجاح.

* اقتحام العقل والسيطرة علية (تقنيات حديثة)

- جهازا الهولوغرام و النيوروفون

جسم الإنسان عبارة عن حقل كهرومغناطيسي متصل بالعقل الممتد (الطاقة الكونية) زمن هنا يمكن فهم ما يعرف بالتخاطر أيضاً تأثير الأبراج على سلوكيات المواليد بحسب تركيز الطاقة الذي يختلف من برج سماوي وآخر.. والسؤال هنا هل وصل الإنسان إلى اختراع أجهزة تستطيع استغلال أن جسم الإنسان عبارة عن حقل كهرومغناطيسية يتأثر بالطاقة الكونية ويؤثر على طاقة دلتا النشطة في دماغ الإنسان ومدى تأثيرها على السلوك الإنساني المرتبط بالطاقات الكامنة في العقل الباطن؟

بالطبع يوجد هناك جهازا الهولوغرام و النيوروفون، ولنبدأ كي نوضح خصائص هذين الجهازين بالبحث في التجارب التي أجريت عليهما.

تجربة الهولوغرام والنيوروفون (العقل الباطن الجمعي)

فالهولوغرام عبارة عن جهاز يبث موجات ضوئية لِتُكَوّنَ صوراً خيالية في الفراغ دون وجود عاكسات، فتنتشر في الفضاء وفق مسافة محددة. والخطير في الأمر هو ما يرافق الصور المتحركة ذات الأبعاد الثلاثية من بث صوتي خفي منخفض الموجات يتضمن عبارات توجيهية، ولنفترض أن الصورة كانت لإله افتراضي! وذلك عن طريق جهاز النيوروفون الذي يرسل موجات لاسلكية تخترق الهالة الكهرومغناطيسية المحيطة بالإنسان عن غير طريق القنوات السمعية في الأذن، متجاوزة في تسللها العصب السمعي، فتدخل هذه الموجات مسامات جسم الإنسان لتتحول إلى نبضات كهربائية، فتنتقل إلى الدماغ والذي بدوره يستقبل الإشارة كما لو كان اتصالاً سمعياً، فيعمد إلى إصدار أوامره للعقل الباطن على شكل موجات دلتا بالمستوى المناسب كي تحدث حالة من الاسترخاء، فتتجاوب طاقة الإيمان مع ذلك، ويصدق العقل الباطن ما تقوله الشخصية التي تكونها تكنلوجيا الهولوغرام في الفراغ، وبالتالي سيستجيب العقل الظاهر للأوامر، وتدخل العملية (المخادعة) برمتها حيز المنطق، حتى أنه ينبري للدفاع عنها، لا بل وتدخلَ قناعاتِهِ، وهذا يعني أن الرسائل المبثوثة ستتحول إلى حقائق كأنها مُسَلَّماتٌ لا يجوز البحث في تفاصيلها، لتؤثر بالتالي في سلوك الإنسان المتلقي. فما بالك وإن هذه الرسائل تكون مبثوثة عبر جهاز النيوروفون ومرافقة للصور الهولوغرامية المتحركة في الفراغ، لتترسب آخر المطاف في الذاكرة العميقة الموجودة في العقل الباطن لدى المتلقي مع بيانات العقل الظاهر الدفاعية عنها، وتُسْتَحْضَرْ بالتالي من الذاكرة العميقة حين اللزوم كقناعات راسخة وحقائق بديهية.

اليابانيون نجحوا إلى حدي كبير في هذه التجارب، وفي مصر لم تكن التجربة دقيقة حينما أظهرت صورة السيدة العذراء فوق إحدى الكنائس القبطية. بالإضافة إلى تلك التي ظهرت في سماء بعض البلدان الإفريقية، أو الصور الوهمية الأخرى التي ظهرت فوق قبة الصخرة في القدس لإيهام الفلسطينيين برؤية الصهاينة فيما يتعلق بهيكلهم المزعوم. لكن هذه التكنلوجيا التي ما لبثت في طور التجريب، قد استخدمت من قبل بعض التنظيمات السرية وعلى رأسها الماسونية التي يتبوأ قيادتها رؤساء بعض الدول الكبرى مثل أمريكا بغية تشويه تاريخ الحضارات القديمة ومنها الحضارة الفرعونية، وربطها بالغزو الفضائي من أجل إيهام العالم بعدم الأمان، مما يدعوهم لطلب النجدة من السوبرمان الأمريكي حين اللزوم. هذا ممكن حدوثه لو تتبعت تفاصيل هذا المشروع الرامي وفق بيانات إعلاناته إلى اختطاف العقل البشري وتطويعه من خلال تطبيقات مبدأ الإيهام السمعية والبصرية.. والقبول بعروض الحماية من قبل أصحاب تكنلوجيا الإيهام لو جاز التعبير. إنه شكل جديد من استعمار الأقوياء للعقل الباطن الجمعي لدى الضعفاء.. والغاية بالطبع لا تخرج عن نطاق المصالح الأيدلوجية والاقتصادية.. ففي الوقت الذي أصبح فيه العالم قرية صغيرة، فقد أصبح الإنسان فيه مستهدفاً ليتحول إلى إنسان آليٍّ مسيّر لا مخيّر، وسوف يتساوى مستقبلاً مع الريبوتات المتطورة بعد أن تضاف إلى برامجها الذاتية القدرة على الاستجابة وفق المشاعر البشرية المبرمجة، من خلال إنتاج أجيال مستحدثة من العقول الآلية الذكية ذات المشاعر المبرمجة على الطبيعة البشرية، ومؤشرات ما يحدث في المختبرات بهذا الشأن تَعِدُ بإمكانية حصول ذلك.

 

- البرمجة العصبية اللغوية وانتظار المنقذ الخارق

عليك أن تطرح السؤال التالي على عقلك الباطن من منطلق أنك قوي فلا تنتظر السوبرمان كي ينقذك بل اصنع مصيرك بيديك، فمقومات ذلك موجودة فيك.

وكانت من الأخطاء التي رسختها ثقافة انتظار الأبطال لتحقيق أهدافنا وحمايتنا قد امتلأت بها مناهج التربية والتعليم، وهي تدرسنا سير الأبطال العظماء كالناصر صلاح الدين الأيوبي الذي حرر القدس عام 1187م، ووحد الأمة الإسلامية لتنهض من جديد، وكان الأولى بتلك المناهج أن تمكّنَ صفات هذه الشخصية التاريخية لتبرمج عقول التلاميذ الصغار الباطنية كي تشع فيهم طاقة إيجابية لتحرير ذواتهم من التردد والخوف، فلا يمكثون خائفين بانتظار المنقذ الخارق لهم، وهكذا الأمر بالنسبة لشخصية أخرى كمحمد الفاتح، الذي فتح القسطنطينية بعد أن استعد لذلك بطريقة مدهشة، وكان من المفترض أن تذهب غاية سرد هذه القصة باتجاه الصغار لترسخ في عقولهم الباطنية مبدأ الاستعداد قبل مواجهة الأزمات، لا أن تأخذهم إلى مواقف الأزمات والصراخ مستسلمين بأعلى الصوت ”وامعتصماه!” حتى يأتينا الرجال الخارقون بالحلول.

ولعل أكثر من ساهم في تحبيط عزائم الصغار من خلال انتظار البطل الخارق المنقذ هو الإعلام العربي، من خلال نشر تلك المجلات التي كانت تحتوي على القصص المصورة الشهيرة في بداية النصف الثاني من القرن العشرين، مثل السوبرمان والرجل الوطواط ، إضافة لأفلام الرسوم المتحركة كسلسلة أفلام ميكي ماوس، حيث لا تحفيز فيها على بناء القوة الداخلية للإنسان، وكانت ترسخ في أعماق عقول الصغار الباطنية حالة الخوف وفوبيا المواجهة، وفي أن المنقذ يجب أن يكون كائناً خارقاً من أنصاف الآلهة مثل السوبرمان وميكي ماوس، وكانوا عادة ما أن يظهروا على الشاشة في موقف بطولي خارق؛ حتى يصفق لهم الأطفال لتترسخ تلك الشخصيات في عقولهم كواقع يلازم شخصية هذا المتلقي الصغير حتى يشب على صفات الخوف و”السير جنب الحيط” كما يقول المثل الشعبي الذي يترجمه كثيرون في أفعالهم.

إن ما نحتاجه لمساعدة أطفالنا في برمجة ذواتهم عصبياً والتطوير لشخصياتهم هو التفاعل مع الشخصية التاريخية أو حتى الدرامية، لتلهمهم بصفاتها وخواصها لا أن تقدم لهم النصائح التوجيهية، التفاعل مع الشخصية يدخلها بكل أبعادها في عقولهم الذاتية كي تتمثل لهم في الأسئلة التحفيزية التي يوجهونها للعقل الباطن المستحوذ على الطاقات الكامنة، من أجل تفجيرها فيهم.. فلا يحبطهم العقل الواقعي المنطقي الظاهر قائلاً بأن هذا مستحيل، بل يتكاتف بدوره مع العقل الباطن لتطوير الاستعدادات التي تحقق رغبات أطفالنا ليكونوا شيئاً جديداً قادراً على المواجهة، وهذا ولو كان أصعب علينا بعض الشيء ينطبق على الكبار أيضاً. وللتذكير فإن الثقافة الدينية ربما كانت الأكثر نجاحاً في تعزيز قوة الإنسان الداخلية وتفجير طاقاتها من خلال الاقتداء بالأنبياء الذين خرجوا من بين الناس ووقفوا إلى جانب الضعفاء وحفزوهم على إعادة بناء ذواتهم مستنهضين فيهم طاقة الإيمان والتحدي. ولنا قدوة في ذلك بالنبي محمد(ص) الذي بدأ بنشر رسالته السماوية وحيداً، فحرر طاقة الإيمان في أعماق الفقراء والعبيد حتى خلق منهم قادة صنعوا التاريخ باقتدار. وكذلك الحال بالنسبة للتأثر بالشخصيات التي صنعت التغيير في شعوبها، من خلال بث الطاقة الإيجابية القائمة على تغيير الذات للأفضل، كما فعل الزعيم الهندي الأشهر غاندي من خلال الثورة التي بدأ فيها وحيداً، مستنهضاَ الجماهير الهندية لتحرير الهند من الاستعمار الإنجليزي.

 وفي الحقيقة أن ما قام به هؤلاء العظماء ما هي إلا برمجة عصبية لغوية جماعية لشعوبهم.

- فيلم “الديك في العشة” بطولة أحمد مكي

ما زلنا في موضوع الشخصية الخارقة المنقذة والبرمجة اللغوية والعصبية، إذْ وجدت أن أزيد من الصورة جلاءً من خلال التطرق إلى أحد الأفلام العربية الموجهة للأطفال، وهنا لا أريد تقييم الفلم فنياً وفكرياً؛ بل ابتغي استخلاص ما لفت انتباه ابنة أحد أصدقائي، حينما تفاخر أمامي بأن ابنته تتمتع بقدرة مدهشة على مشاهدة الأفلام السينمائية، وتلخيص أحداثها. ولما سألت الصغيرة عمّا استفادته من قصة الفلم! قالت بأنها لا تريد أن تنتظر الديك المدعو حبش لإنقاذنا بل ستتغلب بنفسها على الضباع. قالت ذلك وهي تحرك يديها وكأنها جزءٌ من الحكاية البسيطة والجميلة للفلم.

وبعد ذلك الموقف بحثت عن الفلم في موقع يوتيوب، وشاهدته فلمست ذلك المغزى العميق من الحكاية الذي فهمته ابنة الحادية عشرة.

وتدور أحداث القصة في مزرعة كان يعيش فيها الأرنب وزوجته وكلب عجوز وفرخة يافعة، ويستولي البلطجية من الضباع على قوتهم اليومي، بينما الضعفاء من سكان المزرعة لا يستطيعون المقاومة فالكل كان يحدوه الأمل البعيد بأن يأتي البطل المغوار المخلص المتمثل بالديك (قام بدوره الفنان أحمد مكي)، حيث كانوا يحلمون بديك قوي ينتصر على الطغاة اللصوص وهم دائماً مستسلمون، ولهذا لم يكن لديهم سوى أن يصدقوا تلك الكذبة التي صنعها لهم الكلب )أدى دوره الفنان لطفي لبيب (عندما رأى الديك يقف على باب المزرعة. ولكن تكتشف الفرخة (قامت بدورها الفنانة إيمي سمير غانم) أن الديك القادم من الغربة مجرد نصاب كانت له صحيفة سوابق جنائية سوداء، وهو مسجل خطر ولا علاقة له بالشهامة والرجولة التي يتظاهر بها، وهكذا نراه في البداية متراجعاً ذليلاً أمام سطوة الضباع، ولكن عندما يقرر ساكنو المزرعة الاتحاد يداً واحدة، يمتلكون حينذاك القوة التي تؤهلهم للتخلص ممّا يعشش في أعماقهم من صفات الخوف، التردد، الجبن، وبالتالي التغلب على الضباع ودحرها. ويشاركهم الديك في تلك المعركة المصيرية!! لتتحقق معجزة التغيير في أعماقهم أولاً، كأهم خطوة في البرمجة اللغوية العصبية.

الخاتمة

القلم والمحبرة

فبدون المحبرة المليئة بالحبر لا يصبح للقلم معنى، وبدون التغيير والعمل على برمجة ذواتنا لا يصبح للطموح أي معنى ما دامت تعترضها الإحباطات الكامنة فينا قبل أن تنتشر كالأشواك في دروب حياتنا.

أذكر ونحن صغار كيف أن تشجيع الكبار لنا كان يحررنا من اليأس ويبذر في عقولنا الباطنة فكرة أننا أقوياء وناجحون وأصحاب إرادة، ولعل ذلك كان بالنسبة لنا المصدر الرئيس في ثقتنا بأنفسنا حتى ونحن كبار. وكأن السؤال الذي بات يستنهض كل واحد فينا والموجه بالتكرار إلى العقل الباطن، هو:

“أنني ذلك المتفوق في كذا، فلا بد وأنني متفوق أيضاً في كافة المجالات” والمردود النفسي سيكون هو التحفيز على تجاوز المشاكل والتمتع بروح المبادرة والنجاح.

 

بقلم بكر السباتين

..................................

* محاضرة ألقاها الباحث بكر السباتين في نادي صاحبات الكتاب يوم السبت 12 يناير 2019 - عمان -شميساني

* اعتماداً على كتاب:" تعدد المفاهيم في عقل الإنسان.. البرمجة اللغوية والعصبية" لبكر السباتين.. 2016.. دار نور نشر.. ألمانيا.. يطلب من موقع أوزون.

 

مجدي ابراهيممن تاريخ الثقافة العربية والغربية يتبيَّن أن الثقافة وحرية العقل والتفكير، مطلبٌ إنساني رفيع يطلب لذاته لا لغرض من أغراض التظاهر والإدعاء؛ فالذين يتثقفون يزدادون حياة جديدة فوق حيواتهم ويرتفعون بهذه الحياة كلما ارتفعوا في موازين الإحساس والشعور، يزدادُ نصيبهم من هذا الميزان الخلاق؛ وأعني به ميزان الثقافة والوعي والإدراك، ذلك الميزان الذي لا يُعلى عليه ميزان في تقييم الإنسان ولو داهمته ألوان المشكلات. وهذا ما يجعلنا نحلل بعض الجوانب الثقافية المتعددة التي جالت فيها الخواطر والعقول النابهة فأدركت منها ما ينبغي أن يُدرك على كل مثقف واعد له نصيب من الوعي والتفكير. وليست الجوانب الثقافية المتعددة إلا قدرة خاصة في العقل بصفة عامة والعقل العربي على التخصيص؛ فقد كان القدماء من المفكرين العرب وغير العرب سواء، يمتازون بالثقافة الشمولية الواسعة بحيث لا تقف عند حدود التخصص بل تتعداه إلى مجالات أوسع، وربما أنطبق هذا القول على العقل الفلسفي في الإسلام الذي اختص بالشمول والحيطة والاتساع في ميادين النظر والآداب، واشتملت بحوثه على علوم الفقه والكلام وقواعد اللغة، والتاريخ، والطب، والأدب، والفلسفة، والفلك، والرياضيات، والعلوم البحتة، وتقويم البلدان إلى كثير مما لو تعقبناه لطال بنا المقام، وإلى كثير من المصنفات العلمية والأدبية الدقيقة التي من شأنها أن تقيم الدليل على ارتقاء عقلية الباحث العربي خاصة.

وإنه لمن نافلة القول؛ أن نذكر أن تاريخ الفكر العربي حافل بالأعلام والمفكرين الذين تميزوا بالجوانب المتعددة بالقدر الذي تميزوا فيه بحياة خصبة فى كل جانب من جوانبها المتعددة منهم : الفارابي وابن سينا في المشرق العربي، وابن باجة وابن طفيل وابن رشد في المغرب العربي ومفكرين كُثُر غيرهم كالفخر الرازي، وأبي البركات البغدادي، والجاحظ، والتوحيدي، وأبي العلاء المعرى، ممن حملوا على عاتقهم تبعة الوعي بالتراث الإسلامي العربي وحضارة الأمة التي يعبر عنها.

وفي العالم الغربي بدءً من الفلسفة اليونانية كان سقراط وأفلاطون وأرسطو ممن تتسم ثقافتهم بالشمول والاتساع لا يغفله باحث يقرأ كتاباً واحداً عن الفلسفة الإغريقية. وجاءت العصور الوسطي، فإذا بالقديس "توما الأكويني" يمثل ثقافة مُلآنة بعمق الفكرة وبعد النظر وصلابة البنيان. ومن أخصب المفكرين الغرب تحليلاً للثقافة وتشريحاً لقيمها ومزجاً لأصولها وتوصيلها لمجموع المثقفين ذالكم هو المفكر خالد الذكر " شكسبير"؛ أديب متعدد الزوايا تتلاقى في كتاباته فلسفة النظر مع حكمة الحياة، يحلل السلوك البشري، ويشرِّح الدوافع الإنسانية تحليلاً وتشريحاً يدلان على عقلية حادة الذكاء لم تتوافر لأحد قط إلا لمن جرى على مجراه بمثل هذه الطاقة الواعية.

وليس أدَلُّ على الثقافة الموسوعية في عصور النهضة من ذلك العبقري الفنان "ليورنادو دافنشي"، لم يترك مجالاً من المجالات إلا ونبغ فيه نبوغ المتخصص، كان طبيباً وموسيقياً، وفناناً، ورساماً، وفيلسوفاً، وأديباً، ومهندساً، ونبغ في ذلك كله بغير استثناء، والباحثون في نظرية الإبداع الفني لم يستشهدوا بأحدٍ قدر ما تمثل لهم هذا العبقري الفنان؛ فإذا هو مثال الدهشة لهم في مثل هذا الشمول الثقافي الفريد.

قَصَدْنَا من هذه الإلمامة الموجزة : كيف تمثلت الثقافة للعقل البشري، فكانت شاملة لا تعرف التخصص من جهة إلا أدركها الشمول من جهة أخرى. ويبدو في المسألة إشكال لا يزول وبخاصة إذا كان العصر عصر المتخصصين في فروع العلم وجزيئات  المعرفة : إشكالٌ بين التخصص والشمول، وإشكالٌ بين الثقافة الموسوعية والثقافة الدقيقة.

لكن هذا الإشكال يتهافت تماماً إذا نظرنا إلى تاريخ الثقافات في الحضارات المختلفة، ووجدنا أن أناساً من عمالقة الفكر والثقافة لم يتخصصوا إلا حين تثقفوا ثقافة موسوعية كانت لهم ولم تزل بمثابة القاعدة العريضة أو "الخميرة الفكرية" أعانتهم على التأمل والنظر البعيد تجاه مشكلات البحث في موضوعات التخصص التي يبحثونها وهم يواجهون بها دقائق العلوم. نبغ ابن سينا في الطب والفلسفة فأعانته قاعدته العريضة من الثقافة الموسوعية وإلمامه الشديد بالحكمة اليونانية مما كان حصله في السابق من علوم الأوائل، ومما كان هضم واستوعب تراث السابقين من القدماء. كانت هنالك مصادر شكلت خميرته الفكرية، وكونت بفضل تحصيله ودأبه على المعرفة عقليته ومنهجيته المتميزة.

ونبغ ابن رشد في مجال الإلهيات والفلسفة الأولى فوق نبوغه في الطب والفقه والشروحات الأرسطية التي تضمنت آراءً له خاصة؛ فكانت المباحث الفرعية تراثاً هائلاً يهديه إلى سُبُل الرشاد في هذا الميدان أو ذاك؛ إنه "ابن فرحون" هو الذي كان يقول في "الديباج المذهب": " مال ابن رشد إلى علوم الأوائل وكانت له فيها الإمامة دون أهل عصره، وكان يفزع إلى فتياه في الطب كما يفزع إلى فتياه في الفقه مع الحظ الوافر في الإعراب والآداب والحكمة". وقد كشفت كتابات أستاذنا المرحوم الدكتور "عاطف العراقي" منذ أكثر من أربعين عاماً، بمنهجية علمية دقيقة كانت المحاولة الأولى من نوعها في تطبيق فلسفة المذاهب، وأهمها في هذا الصدد كتابه "النزعة العقلية في فلسفة ابن رشد"، عن هذا الاتجاه الموسوعي للثقافة الرشدية مندرجاً تحت ما أسماه بــ "المنزع العقلي"، فعلى الرغم من الشروح المستفيضة التي قدمها ابن رشد لمعلم اليونان الأول أرسطو، غير أنه تميز فيما شرح وعلق برأي ورؤية واتجاه فلسفي متفرد يمثل نسقه الفكري في عديد هذه الشروح بالإضافة إلى كثير من الكتب والمصنفات الخاصة به، والتي من خلالها يتضح مذهب ابن رشد العقلاني المتميز في الفلسفة العقلية؛ ككتاب " تلخيص ما بعد الطبيعة" الذي استقل فيه بالرأي عن أرسطو، فأختلف معه حول طبيعة المعاني الكلية التي يستنبطها العقل البشري من المدركات الحسية ويجردها تجريداً ثم يفرضها على الأشياء فرضاً من جديد. وكتب ابن رشد في الفقه "بداية المجتهد ونهاية المقتصد" عنواناً دالاً على تمكنه من التراث الديني الفقهي. ولم تظهر محاولاته في التوفيق بين الدين والفلسفة - بغض النظر عن نجاحها أو فشلها - إلا لتؤكد على عمق الثقافة الإسلامية والموسوعية وعلى شمول العقل الفلسفي العربي ممثلاً في هذا الفيلسوف العملاق.

*     *     *

علام يدلنا ذلك؟

إنما يدلنا على أن الشمول والتنوع في المذاهب والمواهب كان سمة من سمات العمالقة في الزمن القديم، وأصبح التخصص في هذا العصر المخبول سمة الأقزام والمتطفلين وبخاصة في مجال العلوم النظرية. لو اعتبر الباحثون بتقسيم الفارابي للعلوم الفلسفية إلى قسم يتصل بالفلسفة التي أطلق عليها "نظرية"، وهى ثلاثة من الأدنى إلى الأرقى : الطبيعيات ثم الرياضيات ثم الإلهيات أو الميتافيزيقا. أما الفلسفة التي سمّاها "بالعملية" فهى الأخلاق وتخص (الفرد)، والسياسة وتخص (المجتمع). أقول؛ لو اعتبر الباحثون بهذا التقسيم لعرفوا أن دراسة الفلسفة على هذا النحو ثقافة لا بدمنها، وأن التخصص فيها لا يلغي الشمول، لذلك كانت الفلسفة بحق هى أم العلوم؛ لأنها كانت القاعدة التأسيسية التي تبني المثقف في ضوء هذا التقسيم وتشكل من ثمَّ عقليته.

كان السياسي أدبياً، وكان الأديب سياسياً وفيلسوفاً وشاعراً ولغوياً ومؤرخاً ومطلعاً على الآراء والأفكار البشرية في عيونها الأصيلة ومصادرها الأم. كان المزاج العصبي في المقروء والمكتوب موزَّعاً بين فروع المعرفة، فإذا الكاتب حين يكتب، ينقلك إلى روضة بهية ممتعة من رياض المعرفة تتنقل فيها كما تشاء ولا تسأم ولا تمل؛ لأن مزاجه العصبي منوع المواهب؛ كاتب هو بالطبع والعادة ومصقول بالخبرة والاكتساب، يؤدي رسالته بإخلاص من عالم الفكر أو من عالم الطبع دون أن ينتظر من يأتي ليقول له : عَرَفْتَ شيئاً وغابت عنك أشياء، وهكذا يقرر شيوخ الأدب في الأزمنة القديمة.

بالله عليك خَبّرني : أين كتّاب هذا الزمان وأدباؤه من تلك المعاني؟ أتراهم يقفون على معنى واحد من هذه المعاني يتمثلونه ويهضمونه فيسري إلينا في ذوق جديد وبأنفاس جديدة؟ لا والله لا يفعلون!

كان كتَّاب الأجيال الماضية ذوى عقائد فكرية وأدبية يكتبون بضمائرهم وعقولهم، ما ظنكم بجيل كان من رواده محمد عبده، وسعد زغلول، وقاسم أمين، وتوفيق البكري، وأحمد تيمور، ومحمود تيمور، وإبراهيم المويلحي، ومحمود سامي البارودي، وعبد الله فكرى، وعلي يوسف، وعبد العزيز جاويش، ومصطفي كامل، ومصطفى لطفي المنفلوطي، ورشيد رضا، ويعقوب صروف، وجرجي زيدان، وفرح أفندي أنطون، وشبلي شميل، وسلامه موسى، وأحمد لطفي السيد. وما ظنكم بجيل خلف تلاميذ أمثال : مصطفي عبد الرازق، وعلي عبد الرازق، ومحمد فريد وجدي، وطه حسين، وعباس العقاد، وإبراهيم المازني، وزكي مبارك، وأحمد أمين، وزكي نجيب محمود، وعثمان أمين، وتوفيق الطويل، وأحمد فؤاد الأهواني، وغيرهم وغيرهم مِمَّن جمعوا بين الثقافة العريضة والمتخصصة، ومِمَّن وهبوا أرواحهم لأخلاق القلم ومطالب الضمير.

وللقلم أخلاق، وأخلاق القلم من أخلاق الكاتب تنبعث، ومطالب الضمير الحي تكشف عنها تعبيرات الكاتب ومفرداته. ومن أجل ذلك يُراعى في حملة الأقلام الجادة من منتجي الثقافة في عصرنا أن يصدقوا على الدوام، فإن لم يكن هذا الصدق مع أنفسهم، فعلى أقل تقدير يكون مع القراء؛ فمن الرأفة بجمهور القراء في بلادنا أن نكون معهم صادقين، وقراء الصحف على وجه الخصوص قلَّ أن تجد فيهم من يكذب كل ما تقع عليه عينيه بل فيهم من يصدّق كل ما يقرأ ، ولا قدرة لديهم ولا وقت لنقد ما يقرئون؛ فلو كان الناس جميعاً قادرين على نقد ما يقرئون لهان الخطر وخف البلاء، وإنما الناس في بلادنا لا يزالون أميين وخصوصاً أمية المثقفين، تلك الأمية التي يمليها "التخصص" في فرع واحد ضيق من فروع المعرفة ويقتصر عليه ولا يتجاوزه " المتخصص" بحال؛ أمية يفرضها التخصص فيجئ صاحبه لا يعرف إذا هو عرف غير ما تخصص فيه ضارباً عرض الحوائط أجمعين كل تخصص سواه، وهو من بعدٌ، زاعم لك أنه من أفذاذ المثقفين.

أقول هذا بمناسبة الكتابة المتخصصة والكتابة الشاملة؛ فإن تكن الثقافة الموسوعية هى بداية التخصص الدقيق، فإن التدريب على الكتابة الشاملة هو بداية الدخول في عالم الكتابة للتخصص الدقيق. وما ينطبق على الكتابة ينطبق بالقدر نفسه ويزيد على الثقافة المتخصصة والثقافة الشاملة.

يمكن القول بأن الثقافة الموسوعية - من أجل هذا - بداية للتخصص الدقيق، وحين يتخصص أهل هذا الزمان في مجال كمجال الأدب مثلاً لم يكن يسيغهم أن يتناولوا فرعاً واحداً وكفى، ولكنهم يلمُون وينبغي عليهم أن يلموا، بقواعد الآداب العالمية وتواريخها وأصولها ومعطياتها النظرية، ويطلعون على ما حَدَثَ فيها من علاقات متشابكة وأواصر مرتبطة بينها وبين فروع المعرفة الأخرى؛ وبما أن الأدب ليس شعراً ولا نثراً ولا هو بكلمات تلفظ ولا بجمل ترص، فقد جاز أن يكون أقساماً تكاد تكون شاملة لفروع المعرفة الإنسانية بما تتضمنه من خصائص تاريخية ونفسية ووجدانية واجتماعية تتصل بالعصر وبالبيئية التي تفرزها، وبالمحيط الثقافي الذي تنشأ فيه. وعليه؛ فالذي يشتغل بدراسة الأدب مثلاً، يشتغل به وهو عالم بمصادره وفروعه، وعالم بعلاقاته مع العلوم الأخرى، وعالم بما يحتويه من آداب قصصية ومقارنات ونقد وشعر ونثر وبلاغة ومسرح، وتراجم ذاتية إلى غير ذلك أو نحوه من فنون الآداب التي وعتها ذاكرة الزمان، ونتاج الوجدان، وبيان الألسنة على مرِّ التاريخ.

ولا بد من التطور فإنه فضيلة إنسانية عجيبة، لا يغفلها مجهود العقل البشري كلما عرف قوانين التحصيل والإبداع وأدرك مفهوم التفرد في النزعات الإنسانية، وبما أنه عقل قادر على تحصيل المعرفة وإبداعها وإنتاجها والتفرد فيها، فهو لا يهمل الثقافة الخالدة بل منها ينطلق، ويضيف عليها جديداً بحكم دلالة التطور العقلي الواعي، وبحكم البصمة الخاصة بالحقب الزمنية التي يفهم منها خصائص التوليد والإبداع.

أما الذي يدعي الإبداع من غير ثقافة موسوعية شاملة، ويدعي التفوق في التخصص الدقيق دون إلمام بالقواعد العامة وإحاطة بأصوله وجذوره، فلا مكان له - فيما يقول المفكر الأمريكي "وِل ديورانت" في قصة الحضارة - إلا في مستشفي الأمراض العقلية؛ لا لشيء إلا لأنه أنطلق من فراغ، وبدأ من لاشيء، وهانت عليه ملكاته الذهنية والعقلية يبخسها تمام النمو والإنضاج. ومن ها هنا تختلف العقول وتتباين الأمزجة وتتفاوت قدرات الهضم والاستيعاب؛ فالعقول كالنساء : فيها الأصيل الولود، وفيها العقيم الذي لا يلد مهما أستقبل من أسباب الحياة. والفرق بين التخصص والشمول في الثقافة هو فرق من الدرجة الأولى بين العقول الأصيلة والعقول التي لا أصالة لها؛ فليس التخصص في الثقافة بمانع للعقل عن الحيطة والشمول، وليست شمولية الثقافة بحاجبة للعقل عن الدقة والتخصيص؛ إنما العقل الأصيل الولود له قدرة غريبة وفريدة على استقبال أسباب الحياة الفكرية والثقافية من هضم واستيعاب؛ تماماً كالمرأة التي تستقبل أسباب الحياة في جوفها فلا يدور عليها حول السنة إلا وهى منجبة تظهر من غرسها جديداً في سنن الحياة. وكذلك العقول البشرية كالنساء : ما لم تستقبل أسباب الحياة الثقافية لا تبدع جديداً يُعترف به بين جادة المثقفين. والعقول العقيمة كالمرأة العقيم : تستقبل ليل نهار من أسباب الحياة في جوفها، ولا تنبت غرساً، ويدور عليها ما يدور من السنين والدهور وهى عقيم. وكذلك العقول التي تدعي الثقافة تستقبل ولا تبدع، تقرأ كثيراً ولا تبدع شيئاً، لكأنها ما قرأت، ولا استمكنت القراءة منها في بؤرة الشعور، ولا استفادت بالطبع مما قرأت؛ فلئن هى أبدعت فإبداع هو كالحمل الكاذب، لا وجود له في سُنن الحياة : إبداع لا يفيد، هذا إنْ جاز أن نطلق عليه اسم إبداع.

رأيتني أقرر لك أن العقول نوعان : عقل يستقبل ثم يرسل. وعقل يستقبل ولا يتعدى حدود الاستقبال بحال؛ فالعقول تتأثر بالأفكار والمذاهب ومختلف الآراء والاتجاهات، منها الذي يستقبل ويرسل فيبدع من عالم الاستقبال ثم من ذاته، ومنها ما يتوقف عند حدود الاستقبال، وليس يجد في ذاته قدرة على الإبداع والتفرد والاستقلال لأنه لم يقدر على بلوغ غاية من غايات البحث الدقيق أو التحرر من قيود الأفكار السوابق التي تكبله فلا تُبقي له ذاتية يضيفها في عالم الإبداع.

ومن الناس من يجعلون عقولهم عقيمة بتعطيلها عن الثقافة والنظر الحر وحرمانها من نور الحياة؛ فإذا تخصصوا في فرع من فروع العلم يمنعهم ضيق العقل وفقر الأفق عن الانطلاق الرحب من التخصص إلى الشمول، ومن الدقة - إنْ جاز وصف تخصصهم بالدقة - إلى البحث في المصادر والجذور، وعلاقة ذلك كله بقوانين الحياة والمجتمع.

إنّ ما يفيد الإنسان ويقوي ملكاته الذوقية والتحليلية والنقدية هو تلك العلاقة القائمة سلفاً بين فروع العلم المختلفة، وهو تلك الانطلاقة الرحبة تعتمد في المقام الأول على الثقافة الموسوعية بالإضافة إلى اعتمادها على ثقافة التخصص الدقيق ثم تفريع هذا التخصص الدقيق؛ ليكون متجهاً إلى الوحدة والتعميم، شاملاً عاماً بما فيه الكفاية؛ وفوق الكفاية.

أما بعد؛ فإن التخصص مزيّة العلم ومعقل أبحاثه وتجاريبه، وأن التنوع مزية العقل البشري، وأن الشمول مزية الثقافة العقلية الحرة التي تكرع من ينبوع الشعور المتدفق بفنون الحياة الخصبة فلا مناص من تحصليها لكل طالب للحياة الرفيعة وذائق للأدب الرفيع، وباحث عن الثقافة الحقة والتفكير السليم.

 

بقلم: د. مجدي إبراهيم

 

علي المرهجربما تكون مهنة الصيد هواية حالها كحال الكتاب، فكم من الصيَادين من الذين يعشقون مهنة الصيَد هم هواة، وكذا الحال مع الكتابة، فكم من الكُتَاب هم يعشقون الكتابة بوصفها هواية ويهيمون بالقراءة لأنه في منظورهم "غواية".

كما تتطلب هواية الصيَد اتقانها بوصفها حرفة، فكذلك تتطلب هواية الكتابة اتقانها كحرفة، ومن مُستلزمات حرفة الكتابة "غواية القراءة"، فالصيَاد الهاوي لا يختلف كثيراً عن الصيَاد المُحترف من حيث الحاجة لمعرفة طُرق لصيَد وعُدته، فلا يعني أنك هاو للصيَد أن تجلس على ضفة النهر تُجيد رمي السنَارة ومسك الخيط وحركة نهر مدينتك وأسراره، إنما عليك أن تعرف أنواع الخيوط التي تصلح للصيد وحركة الأنهار ومواسم الصيد ونوع الأسماك التي تروم صيَدها وأماكن توفرها ونوع الطُعم الذي ترميه في هذا النهر أو ذاك، بل ونوع الشباك التي تصلح في هذا النهر أو البحيرة.

كل حركة عند الصيَاد مدروسة، وبعد الصيَد يحتاج الصيَاد لمعرفة كيفية حفظ الأسماك، فلكل نوع طريقة بالحفظ، وإن كُنت من الذين يبحرون في البحار بحثاً عن اللؤلؤ والمرجان والنادر من الأسماك في أعماق الأنهار والبحار، فإنك ستحتاج لدراية لا هواية ولموهبة وحرص على تعلم دروب الصيَد بمهارة لا مكان فيها للغواية، بل هو بحر أمواجه مُتلاطمة لا تحتاج فيه لاتقان مهارة الصيَد فقط، بقدر ما تحتاج إليه من تمكن وسبَر غور في معرفة أحوال الأنهار والبحار وحركة الريح وتوقيتات تلاطم الأمواج، والسيَر في البحار وأنت عارف بخريطة النجوم في السماء حين تفقد البوصلة.

لستُ صيَاداً ولا أتقن الصيَد لا هواية ولا غواية ولا دراية، ولكنني أعرف نظرياً ما يحتاجه الصيَاد من عُدَة إن كان هاو أو مُحترف. وأجد أن العلاقة وثيقة بين الكاتب والصيَاد من حيث حيث الهواية أو الغواية، وحتى الدراية.

فلك أن تكون كاتباً هاوياً حينما ترغب أن تكون كما الصيَاد الهاوي يجلس على الجرف، يعرف كيف يختار الخيط والسنَارة ونوع الطعم الذي يرميه لأسماك نهر في قريته أو مدينته، ليصطاد سمكة (بنَية) أو (زورَية) أو (جرَية) وفي أحسن الأحوال (كطان) وتلك غاية ما يبتغيه الصيَاد الهاوي. والحال ينطبق على الكاتب الهاوي يكتب في (الفيس بوك) أو (الصحف) أو(المجلات الثقافية) وبعضهم في (المجلات الأكاديمية)، وأنا منهم، ليكسب كثيراً أو بعضاً من قُرَائه لأنهم عبَروا له عن اعجابهم بما كتب عبر وسائل التواصل الاجتماعي أو عبر المُراسلات، أو حين اللقاءات بأن ما يكتبه مُفيد، وهو حتماً كذلك، ولكن الكاتب المُحترف كما الصيَاد المُحترف غير مشغول بعوالم التعبير عن قيمة ما يكتب عبر وسائل التواصل الاجتماعي أو أو عبر المُشافهة ولا ينتظر مدحاً مُباشراً لما يكتب سواء أ كان ما يكتبه سرداً أو شعراً أو رؤية فلسفية أو فكرية، وإن كان من طبيعة البشر الرغبة بالحصول على "قيمة فورية" ـ بعبارة وليم جيمس فيلسوف البراجماتية ـ لمُنتجه الإبداعي، وقد يُرضي بعضاً من غروره في ضوء تطور وسائل التعبير عن الاعجاب في العالم الافتراضي، ولكنها ليست هي الأصل فيما ينشد ويرنو إليه.

الكاتب المُحترف كما الصيَاد المُحترف لا يُفرحه كثيراً إن اصطاد سمكة كبيرة كأن تكون "كطان" لأنه يبحث عما هو أكبر، عن سمك (الاستاكوزا) أو (التونة) أو عن (اللؤلؤ) و(المرجان).

تتوافر في الكاتب المُحترف سمات أهمها: الموهبة، ومحبته لمجال الكتابة الذي يرغب به، وسعيه لتطوير مهارته في الكتابة التي لن تكون لها قيمة حقيقية من دون صقلها بالقراءة ليست بوصفها "غواية" فقط كما يقول علي حسين، بل بوصفها مهمة من مهمات استكمال موهبته بوصفه يعشق مجال ما ويرغب بالكتابة به ولا تُستكمل هذه الموهبة إلَا بتطويرها والعمل على تنميتها عبر القراءة القصدية التي لا تنفي الشغف أو "الغواية" لأنها من المستلزمات الأساسية لتنمية الموهبة. فالكاتب المُحترف كما الصيَاد المُحترف يعرف أمزجة الأسماك والبحار ويعرف أوان قطف المحَار.

في الكتابة السردية والشعرية تحتاج للخيال وسعة أفق التوقع، أما الكتابة الفلسفية فأنك ستحتاج للخيال وسعة أفق التوقع كذلك ولكنك ستحتاج لعدَة مفاهيمية ومعرفية تقتضيها طبيعة الاختصاص، ولن تكون كاتباً ناجحاً فقط لأنك تهوى التفلسف أو التفكر في قضايا الوجود والمعرفة والإنسان، فلكل من هذه المجالات وفق تعدد المدارس الفكرية والفلسفية أن تمنح عقلك وروحك تأنياً في تحمل القراءة لفك مغاليق المفاهيم في هذه العلوم.

الكاتب المُحترف هو كما الصيَاد يصنع أسلوبه من مفردات اللغة المُتبعثرة، يصيغ عبارته ويسبكها بوصفه سارداً أو شاعراً أو باحثاً. فالصيَاد يبحر في أمواج البحور والمُحياطات أيام وليال ويتأمل في تحولات مزاج البحور ويتأنى ولربما بعد طول صبر وإناة يحصل على مرامه، ولكنه حينما لا يحصل يحسب أن في سعيه تعديل وإعادة ترتيب لخططه في الصيَد.

أما المنهجية عند الكاتب فهي طريقة يُجيد بها صياغة العبارة ويُتقن بها اختيار العينة، وهي ليست دستوراً ولا قرآناً لا يأتيه الباطل من أمامه أو خلفه، ولا تظنن أن المنهجية قيد كما النصوص المُقدسة. أو كما يُقال "لا اجتهاد في معرض ورود النص" إنما المنهجية خط سير نختطه نحن الكُتَاب أو الباحثون كي يكون سبيلاً لنا لبناء وعي معرفي أفضل، وإن كان في المنهجية تحديد أو تقييد للإبداع في بعض من مفاصلها، فعليك سيدي الكاتب مُغادرتها ولا تظنن أنك من الآثمين.

في الكتابة الأكاديمية والتي هي كتابة قصدية ليس المرام منها الامتاع والاقتراب من مكامن الجمال والابداع الفني سيكون البحث قصدياً في العلوم المخبرية غايته الوصول للحقيقة. فلربما نجد أن في الالتزام بمنهجية البحث المعهودة في هكذا نوع من الكتابة طريق خلاص للوصول لنتائج علمية أفضل، وإن كان في بعض من البحوث التجريبية مصادفة و(محاولة وخطأ) قد أوجدت لنا أبهى النظريات العلمية.

أما في الكتابة الاحترافية في مجالات الإبداع والعلوم الإنسانية، فإن الغاية ليست الوصول للحقيقة إنما هي في فتح أفق التعبير الجمالي والبحث عن طُرق أخرى للكشف عن تعددية المعنى لهذه الحقيقة. فهي إذن كتابة ترنو للتنوع والاختلاف وكلاهما مُتأصل فيها، ولا مسعى عند من يفقهون قيمة التعددية في المعرفة للسعي للاتفاق كما هو الحال في العلم التجريبي.

الكتابة في المجالات الإبداعية والعلوم الإنسانية كتابة يغلب عليها الطابع الذاتي، ولكنه طابع قيمي القصد منه تحقيق الذات لا من أجل اقصاء الآخر لأن الآخر هو ذات مُناظرة، وبالتالي فتددية الكتابة وتعددية حضور الذات بوصفها أنا مُتفردة مُقبلة على الآخر بتنوعه هي غاية الكاتب في مجالات فيض المعرفة الإنسانية المُبحر في عُمقها ليستخرج لنا بعضاً من لؤلؤها ومرجانها الراكس في تجاويف المُحيطات والبحار.

تأتي النبوة عبر الوحي، فيجد النبي نفسه كاتباً (مُختاراً) من دون كدَ وتعب سوى الإيمان واستحسان الفعل الإلهي والانصياع له وتنفيذه والعمل بموجبه ورضا الذات الإلهية عنه بوصفه (المُختار)، وتأتي الإمامة عبر الوصية أو عبر "النص والتعيين الإلهي" وكلاهما يمر بمخاضات عسيرة ولكنها محفوظة بقدرة الباري سبحانه وتعالى فهو الحافظ وهو المُعين.

في الكتابة الإبداعية يحف بك الشيطان، وفي كل قول لا تبتغي فيه مرضاة الله كما يرى الفقهاء والمُفسرون إنما أنت تختط طريقاً مُستقيماً لك للنار هو أقرب ك من حبل الوريد، فأي عذابات تُحيط بك أيها (الكاتب الصيَاد)، فلربما يكون في صيَدك = (كتابتك) قد خالفت الرؤية الفقهية والتفسيرية للنص المُقدس، وقد تكون تروم أعمال عقلك الذي أتاح له النص القُدسي التصرف به؟!!.

لا تفرح كثيراً لأنك صيًادٌ ماهر سواء أكنت صيَاداً للأسماك أو للأفكار، فكم من صيَاد حاربه بني قومه من الصيَادين، وكم من مُفكر حاربه بني قومه من المفكرين.

إن من يصطاد فكرة ثمينة كمن يصطاد حورية، سيجد أغلب أصحابه له حاسدين إن لم يكونوا له مُبغضين.

إن كُنت لا تبحث عن مُبغضين ولا أقول أعداء فلا تجتهد في الصيد كثيراً، ففي صيدك وإن أطعمتهم بكرم منك وسيقبلون إطعامك لهم لأنهم لا يُجيدون الصيد، ولكنهم بعد شبع سيتمتعوا بأكل لحمك ميتاً وتلك غيبة، أو (تحلية) بعد التغدية (الغداء) وهي من فاكهة الحديث عند العراقيين وأنا منهم...

فأن أكون صيَاداً في الكتابة بعد غواية القراءة فتلك سمة أتمنى أن أوسم بها. وأن أجتهد في صيد الأفكار وهُناك من الأصحاب من يفهمني أو يغار، فتلك من داوعي المحبة عندي لهم، ولربما عندهم تعبير في ظاهر القول عن محبة، ولكن في خبايا التعبير أسرار.

 

ا. د. علي المرهج

       

هناك وجه للغرابة يثير الغيثان عند التمعن فيه، ألا وهو وجه فن النفاق الاجتماعي، هناك من يرده لنكوص الوعي المجتمعي بفعل الانتكاسة في بناء الشخصية المتحضرة على جميع درجات سلم التنشئة الاجتماعية، لكن يتعاظم القلق الذي تعيشه المجتمعات العربية بشكل ملحوظ عن سائر المجتمعات الأخرى، ليس لكون خصوصيتها هي اللااستقرار عبر التاريخ، وإنما كونها مجتمعات تتقن فنون التسقيط والترهيب والتحبيط والتسفيه، وبالتالي الفشل –هذه الفكرة التي قبل أيام تطرق لأحد أبعادها الدكتور سليم الحسيني في أحد مقالاته حول العراق- حيث وجدت نفسي وأنا أطالع تسلسل أفكار المقال، أنه الحديث عربي بإمتياز وليس عراقي خاص، لعله لأن العراق خاص عربيا ومؤثر بقوة، بيد أن سؤال حل معادلة الفشل يلح ويزداد حضورا على جل الجبهات-لأن الأزمة في عمقها فسيلة حرب ودمار إذا ما تركت للزمن يقلبها بين أحضانه- إنها مأزق السجين التي ابتكرها ألبرت ويليام تيكر عالم الرياضيات الأمريكي من أصول كندية (1905-1995)  في شكل قصة واقتبسها من نموذج التعاون والصراع الخاص بميغيل فلود وميلفن دريشر اللذين قاما بعملية المأزق لأول مرة سنة 1950 في مشروع لمنظمة راند (للبحث والتنمية)المعروفة، ولعلها لعبة ذكاء تعكس إستراتيجية إدارة الصراعات في الحياة بشتى مجالاتها، هذا المأزق ينعكس كثيرا في الاقتصاد لكن إهتمام به سيتعلق أكثر بالبيولوجيا الاجتماعية في البعد الاقتصادي للتعاون الاجتماعي وإدارة صراع الإرادات، كون الاقتصاد معامل أساسي في شتى التغييرات والانتقالات وما هنالك من تحولات دقيقة وعميقة في حياة الناس، وذات المأزق مصدره نفساني-اجتماعي ذو بعد نفعي-استراتيجي حيث الرغيات الفردانية أو الأحادية تتصادم مع الرغبات الجمعية أو المجتمعية، عدم إدراك هذا المأزق يعتبر أس الفشل في تشخيص عمق أزماتنا الحضارية ومشكلاتنا  الثقافية..

فالتناقض الذي تعيشه مجتمعاتنا مرده الأول والأخير إلى غياب الوعي بالمسؤولية الاجتماعية لدى الفرد العربي في جل تفاعلاته وإنفعالاته، ويمكن التعبير عنها أيضا عدم قدرة السلطات في بسط نظام ضبط اجتماعي واقعي من شأنه تفعيل الوعي الجمعي أو الضمير الاجتماعي، استراتيجية مأزق السجين من وجهة النظر السوسيولوجيا المعاصرة تهدف إلى استفزاز اللاوعي الفردي واختبار الضمير الأخلاقي للفرد لتحقيق العدالة الاجتماعية، ومواجهة تفشي الإجرام خصوصا ذلك المبطن وما أكثر المجرمين في واقعنا الثقافي العام، من التاريخ فالفكر مرورا بالإعلام وصولا للإقتصاد والسياسة والدين، لذلك  فهم هذه الاستراتيجية بنباهة يجعلنا نتبين مدى التخلف الاجتماعي العام الذي يعيشه إنساننا العربي والمسلم في راهن أوطاننا، ومن جهة أخرى الضمور الفظيع لجامعاتنا بلحاظ مدى واقعية وجدوائية وتطور العلوم الإنسانية والاجتماعية، وإعلامنا ومجالس شعوبنا وخطابات بعض رواد السياسة والدين والثقافة، هناك ترف فكري وتبجح ثقافي لا غير، حيث نسب الفقر والأمراض النفسية المزمنة والانحرافات والجرائم الاجتماعية والتسرب والفشل المدرسي، البطالة وقضايا الأحداث والطلاق والشذوذ وما هنالك من فشل في الخدمات الصحية والتربوية والأكاديمية والثقافية والفنية، ناهيك عن الفساد الإداري والضمور القانوني والعدلي، كل هذه المصفوفة تعكس بكل بساطة هشاشة الشخصية العربية المرتهنة للغير، حيث أخبار الساعة لا تخلو من  شواهد الفشل عربيا وإسلاميا على جميع الصعد، في قبال ما تؤشر له الدراسات المستقبلية من تحديات ورهانات قادمة للإنسانية عامة ولمنطقة العرب والمسلمين خاصة، هناك خطر قادم وبعض مؤشراته واضحة لكل إنسان عربي حامل للهم الحضاري الإنساني، حيث التشخيص مهم جدا بل لعله الأهم والأساس بالتوازي مع بناء المنهج لكن الأجدر بهذا كله هو المثقف الحر في تحديد مركز ثقل الأزمة الحضارية، للبدء في استدراك التأخر الحضاري واختلال النظم الاجتماعي، حيث أن الإشكاليات والمشكلات الخاصة بالأزمات يجيب عنها المثقف-المؤسسة  لأنها تمثلات لمشكلة الثقافة العربية والإسلامية التي ركبتها التحولات التاريخية –النفسية والاجتماعية- إلى أن أصبحت واقعا قائما بذاته !!

علاج مشكلة الثقافة لايبدأ بالتمظهرات الاجتماعية العامة وإنما يؤسس له منهج نقدي معمق يحفر في صخور تاريخ الواقع ومقدساته الموهومة، يعني تفعيل ثقافة السؤال التي من شأنها صناعة مبادئ وقيم الاجتماع الحضاري الجديد، وبقدر ما تتطور ثقافة السؤال وتنتشر وفق مناهج العلم والمعرفة والمساواة والعدالة والتعارف، تتبلور استراتيجية مأزق السجين ويتلاشى مأزق الفشل، لأن أصل استفحال الفشل هو غياب الوعي بأهمية ثقافة السؤال في أي تطور حضاري وأي منجز إنساني، وثقافة السؤال مرتكزاتها بديهية لا تحتاج إلى كثير عناء لأنها ببساطة هي روح الثقافة الحية الناجحة، تستمد وجودها وحيويتها من معاملات التفكير النقدي البناء والموضوعية العلمية والانفتاح المعرفي والتفاعل الثقافي والتعارف الإنساني، لا تتخندق ضمن الأطر الأيديولوجية أو الرهانات المركزية، هي التجديد الثقافي العام والمستمر لأنظمة الاجتماع العربي والإسلامي العامة...

إدراك ثقافة السؤال يعتبر مدخلا أساسيا في مطلب التجديد الثقافي للواقع العربي والاسلامي، هذه الثقافة ضمورها وتغييبها –بدرجة ما- هو ما كرس المشكل الثقافي للعرب والمسلمين عبر التاريخ، وسمح لثقافة الممنوع والمحظور والحرام وعدم المشروعية للسيطرة مما مهد الطريق أمام توسع ظواهر التسقيط والتكفير والتضليل والتفسيق والتسفيه، وبالتالي الجمود والتقليد والاتباع الأعمى وتفشي الصدأ في الاجتماع العام والواقع ككل، ثقافة السؤال تنفض الغبار عن ضروريات النهضة ومحركات  الثقافة الحضارية، لأن حقوق الحريات والمسؤوليات أساسها سؤال قيمي متعلق بكل فرد عربي ومسلم يؤمن بالعدالة الاجتماعية، هذه العدالة التي لا تتحقق بدون سؤال الضمير (الفردي/الجمعي)، فالتجديد يفشل كلما كان السؤال محتشم أو مداهن أو منافق، والفشل أرضه الخصبة هي تجريم ثقافة السؤال؟ !

مما تقدم لا يمكننا تجاوز أزمة الفشل المنتشرة في منظومتنا الثقافية العامة سوى عبر تمهيد وتعبيد الطريق أمام ثقافة السؤال الأمثل  عبر اقتحام المعابد التاريخية الموهومة التي صنعت إنسانا عربيا يتاجر بالعروبة ومسلما  يذبح ويٌذبح باسم الإسلام بهتانا وزورا، وعبر ابتكار المناهج العلمية القادرة على تبيان صحة ومصداقية الثقافة الحضارية في تاريخنا الثقافي العام، هناك تراث لابد أن يغربل وتقاليد لابد أن تناقش، هناك أسئلة مطمورة لابد أن تستخرج للعلن، كي يجاب عنها لأن البعض من بني جلدتنا ومن غيرنا لا يريد لعقولنا أن  تكتشف تلك الأسئلة  لتتفكر فيها وتجيب عنها، هناك مصالح ومآرب لا تضبطها استراتيجية مأزق السجين، سوى عبر مسهل ثقافة السؤال المعطل لدينامية الفشل في واقعنا العربي...

 

بقلم: عبد الحميد محسن - باحث من الجزائر

.....................

1- نقصد بالمثقف المؤسسة: مراكز الدراسات المستقلة والتي ينتمي إليها عدة مفكرين وباحثين مختصين في عدة مجالات بحثية، هكذا مؤسسات بحثية من شأنها تفعيل الرأي العام الثقافي العربي بأهمية الاشتغال المعرفي والثقافي والعلمي ضمن فريق بحثي متنوع لتحصيل نتائج خلاقة للوعي وفعالة في إنتاج قراءات دقيقة وتشخيص الظواهر والأزمات ودراستها من عدة محاور، كما توفر قواعد فكرية ومنهجية لبناء استراتيجيات مهمة ومصيرية بالنسبة للواقع العربي العام..

أو ما عبر عنه المفكر الجزائري المرحوم مالك بن نبي في أحد مؤلفاته بميلاد المجتمع الجديد

 

محمد العباسيرب كلمة تقال في غير مكانها فتكون سبباً في نشوب حروب طاحنة ومصائب وويلات خلافات بين الأمم.. وقد قيل فيما مضى "لسانك حصانك.. إن صنته صانك".. ويبقى السؤال عن سر هذه الكلمة التي تسمى "كلمة".. وربما نتفق على أن أقوى كلمة على الإطلاق هي كلمة "كن" التي خلق بها الله "آدم" ومنه خلق البشرية جمعاء.. ويسمى "عيسى ابن مريم" عليه السلام بـ "كلمة الله" كما هو مذكور في الإنجيل والقرآن: "إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ" (النساء 171).

لكن لنتمعن هذه الكلمة بفلسفة لغوية وننظر إلى مدلولاتها وما تنطوي عليه من معاني واستخدامات ومكنونات.. فيقال عن الرجل الحق أن كلمته لا تنزل الأرض.. وأنه صاحب كلمة.. أي أن رجولته ومصداقيته مرتبطة بالكلمة التي يتقولها.. إذا وعد أوفى وإذا هدد نفذ تهديده وإذا عاهد لم يخلف وإذا شهد كانت شهادته لا ريب فيها.. وفي المقابل يقال في ذم الرجولة أن فلاناً لا كلمة له.. أي لا اعتماد عليه في قول أو فعل.. فقد كان بين الأوائل الخيرين معاهدات وتجارات كلها تتم بكلمة.. وتكون تلك الكلمة نافذة لا تحتاج إلى اتفاقيات مكتوبة ولا شهود ولا عقود مختومة ومبصومة.. بل تكون الكلمة هي التي تفصل بين المتعاقدين.. وهي كلمة شرف واتفاق بين الرجال.

ويقال عن المرأة أن كلمة تبكيها.. وكلمة ترضيها.. وبكلمة تتم الزيجات.. وبكلمة يتم الطلاق.. ونقول عن الشخص الضعيف الشخصية أن " كلمة توديه وكلمة تجيبه".. فما هذا المفهوم الذي نختصر تعريفه في كلمة "الكلمة"؟  ما هي؟.. كيف تكون وتتكون؟.. يبدو لنا أن سر الكلمة عميق ويزداد عمقه كلما كانت ذات الكلمة الواحدة لها مدلولات متعددة، رغم أن كل كلمة في حد ذاتها تتكون من مجموعة من الأحرف أو بالأحرى من الأصوات.. يتم شبكها وتركيبها معاً في بوتقة معينة لتخرج لنا بشكل مقصود وبنغمة منتقاة لتعطينا مدلولاً ما، يعني بها المتحدث شيئاً معيناً ليس سواه.. لكن أحياناً تكون الكلمة مبهمة وغريبة وقد تحمل في طياتها معانٍ عدة تختلف حسب نطقها ونبرتها ونغمتها وما قبلها وبعدها من كلمات أو أصوات أو حتى إيحاءات جسدية.

الكلمة في أساسها هي تلك المنطوقة، وليست مجرد إيحاءات أو حركات عشوائية.. وهي المصدر الأول لتكوّن اللغات وكافة أدوات التواصل بين البشر.. وربما باتت لغة الإشارة بين الصم والبكم تعتمد على حركات تعكس الكلمات التي يعجز أصحابها بسبب الإعاقة من إصدار الأصوات المناسبة أو سماعها.  وفي هكذا حالات تكون الكلمات غير منطوقة.. لكنها تبقى لغة في حد ذاتها وأداة تواصل بذات الفعالية.. وقد تكون الكلمة مكتوبة أو منقوشة أو محفورة أو مطبوعة، وتحتفظ بذات الخاصية للكلمة المنطوقة بكل ما تنطوي عليها من معاني.. لذا ترك تاريخ القدماء لنا كلمات ونقوش خالدة عبر العصور.. وربما نجد كلمة منقوشة على جذع شجرة تعكس لحظة رومانسية ترك لنا أثرها عاشق ولهان.  وقد تكون الكلمة مرسومة بشكل فني زخرفي أو كلوحة فنية كما هو الحال عند الخطاطين والرسامين.. وقد ينقشها شخص ما على رمال شاطئ ويأتي المد ليمسحها عن الوجود للأبد.

ولا بد للكلمة أن تتكون من تلك الحروف أو الأصوات التي في شكلها وطريقة شبكها تعكس قيمة معنوية متفق عليها بين أصحاب لغة ما ومجتمع ما.. ولن تكون مجموعة الأصوات المنطوقة أو المكتوبة ذات قيمة إن لم تعني شيئاً لشخص ما.. لذا قد يتفق البعض على التواصل بلغة خاصة فيما بينهم كما هو الحال مع عمليات التجسس أو في حال الشفرات الخاصة المستخدمة بين الجنود والقيادات العسكرية للحفاظ على سرية التعليمات والمعلومات.. وهكذا كنا في فترات من سنوات المراهقة نتفق بين الأصحاب على كلمات وأصوات للتواصل فيما بيننا للحفاظ على سرية وخصوصية بعض الأحاديث.. لذا طالما كان للأصوات المنطوقة أو الحروف المكتوبة معني ولو بين شخصين فقط، يمكن اعتبارها لغة، وإن كانت استخداماتها محدودة.

وإن نطق شخص بأصوات لم يعي أحد (من البشر) لها معنى فهي لا تكون كلمة ولا لغة.. بل هي مجرد أصوات عشوائية.. كما الطفل الرضيع حين يصدر أصواتاً نحاول أن نفسرها ونجد لها معنى.. قد تكون محاولات في مسار اكتساب الطفل للتعبير ولكن تخونهم القدرة اللغوية التي لم تنمو بعد.. لكنها لن تكتسب الحق في تسميتها بالكلمات حتى نربط تلك الأصوات بمعاني معينة.. وكذلك قد يجادل البعض في الأصوات التي ترددها بعض الطيور المقلدة مثل الببغاوات مثلاً.. فهل هذه الطيور تردد كلمات مقصودة أم أنها مجرد أصوات؟  وهل يمكننا أن نعتبر الأصوات المكررة والذبذبات والنعيق والنهيق والصهيل والعويل والصفير والعواء عند الحيوانات والطيور هي كلمات ولغات بين الكائنات الأخرى، ولم نعي أسرارها بعد؟

و أحياناً قد نلجأ للتعبير عن حالة معينة بخلق "كلمة" جديدة بشكل عفوي حين يعجز اللسان أو الذهن من إيجاد التعبير الصحيح لموقف معين بالسرعة المطلوبة.. وإذا فهم البعض تلك الأصوات في حينها وأدت المعنى المطلوب منها، يمكن اعتبارها "كلمة" لحظية، فتكون عندها "كلمة" وينتهي دورها باستنفاد غرضها وينتهي مفعولها ولن تعود بعد ذلك كلمة معترف بها.  أما في الحالات الاعتيادية، فلكل كلمة متفق عليها أصل وجذر لغوي تنشأ منه الكلمة، ويمكن خلق كلمات عديدة من كل جذر.. وعادة قد يكون جذر الكلمات ثنائياً أو ثلاثياً وفي أحيان رباعياً.. وفي اللغة العربية يكون الجذر الثلاثي هو الأكثر شيوعاً على الإطلاق.

ففي في اللغة العربية مثلاً نأخذ الجذر (ق ت ل) ومنه نشتق ونستخرج كلمات حسب التشكيل وإضافة حروف وأصوات ونغمات لخلق كلمات تدل على الفعل والفاعل والمفعول به والصفة والمذكر والمؤنث والفرد والجمع والحاضر والماضي، وهكذا، مثل: قَتَلَ، قَتَلت، قُتِلت ، قُتِل، قاتَل، قاتِل، يقتل، قتيل، مقتول، قِتال، مقاتِل، تَقاتل، مقاتَلة، اقتتال، قتلوا، قاتلوا، وكلمة جامعة مثل سيتقاتلون، والأمثلة لا تنتهي.. ولو أردنا ترجمة كلمة مثل "سيتقاتلون" إلى اللغة الإنجليزية فلا بد لنا من كتابتها في جملة طويلة، تحتوي على فعل وفاعل (جمع) ومفعول بهم ودليل قيام الفعل في صيغة المستقبل!  وأحياناً نستخدم كلمات مستعارة من لغات أخرى ولا يكون عندنا في العربية حروف تدل على بعض أصواتها، فنضيف على حروفنا القريبة منها نقاط.. فنضع ثلاث نقاط على حروف مثل (ج) و(ز) و(ف).. أو نضيف حرف (ي) قبل الـ (ش) لتصبح (تشـ) لننطقه (ch-) أو خطاً فوق الـ (ك) لننطقه (g-).

يقول الأستاذ "سعيد سليمان" على موقع (أسارير مصرية): "اللغة بمفهومها العام تتركب من حروف تتكون منها أصول الكلمات ومعظم لغات العالم تتكون من جذور الكلمة ومقاطع لغوية أخرى ذوات دلالات محددة تضاف إلى تلك الجذور فتتكون منها المشتقات من جذر الكلمة.  ونحن في العربية لا نقول جذر الكلمة ولكننا نقول مادة الكلمة.  فكلمة ’اختبار‘ مادتها (خبر)، وكلمة ’توراة‘ مادتها (وري)، وكلمة ’إسماعيل‘ مادتها (سمع).  ونحن أيضاً لدينا بدلاً من المقاطع ما يعرف باسم الزيادة وهي أيضاً تتكون منها مقاطع تراكيب المشتقات؛ وهي حروف قليلة العدد عظيمة الأثر".

ولو عدنا لمصطلح "كلمة"، فنجد أن هذه الكلمة قد تعني خطاباَ حين يقول خطيب ما "سألقي عليكم كلمة".. فيلقي علينا محاضرة لها أول ولا يبدو لها آخِر.. ويقال هو "صاحب الكلمة"، فيكون الشخص المقصود هو صاحب الرأي والقرار الفاصل.. ويقال كلمة أخيرة وكلمة بريئة وكلمة جارحة وكلمة قوية وكلمة شرف وكلمة سر والكلمة العليا وكلمة مسموعة وكلمة جامعة وجوامع الكلم.. ويقال كلمة في مكانها وكلمة نهائية وكلمة لها ألف معنى وكلمة مبهمة وكلمة خادشة وكلمة نافذة .. وأيضاً يقال يتلاعب بالكلمات وانتظرنا منه كلمة وأعطيناه الكلمة الأخيرة والكلمة الطيبة صدقة.. بل قد يقول شخص "لدي كلام كثير لكنني عاجز عن إيجاد الكلمات".. ويبقى خير الكلام ما قلّ ودلّ.. وتبقى كلمة "كلمة" غنية بالمعاني الشيقة والاستخدامات المشتقة من جذرها الثلاثي (ك ل م).

وخير الكلام والكلمات هو كلام الله.. وفي القرآن الكريم كلمات كثيرة لا جذور لها، مثل أسماء بعض الأنبياء والملائكة والأماكن.. وتبدأ بعض السور في القرآن بحروف تبدو بدون نظام ظاهر في إطار علمنا الدنيوي.. وقد بقي معنى هذه الحروف مجهولاً منذ نزول القرآن الكريم.. فهي في اعتقاد البعض صفات لله، وفي اعتقاد البعض الآخر "لغة يوم الحساب أو الجنة".. لكن الذي لا شك فيه هو أنها اقترنت منذ نزول القرآن بالرموز وأنها تتضمن رسالة ربانية.. ويبقى معرفة معنى هذه الرموز وفك أسرارها يناسب عند المسلمين انتظاراً له علاقة، في آخر الزمان.. والغريب المعجز أن هذه الحروف مكتوبة في شكل كلمات.. والعلم عند الله.

 

د. محمد العباسي - أكاديمي بحريني

 

جواد بشارةبعد أن اصدر سيسما كتابه الذي حمل عنوان "أومو كوكب آخر مأهول" خفت اهتمامه بموضوع الاتصال بالأوميين وطريقتهم الغريبة باختيارهم أسلوب الرسائل المجهولة المصدر فهو يفضل الاتصال المباشر، عندها دخل المشهد رجل أعمال إسباني ثري جداً يدعى رافائيل فاريول Rafael Farriols الذي اشترى جميع الرسائل الأصلية من سيسما وأصبح هو الشخصية المحورية لاتصالات الأوميين بالبشر. تضمن كتاب سيسما معلومات أولية لكنها مهمة ومثيرة عن كوكب أومو فالجاذبية فيه تصل إلى 11.9 g بدلاً من 9.81g ما يعني أن الأوميين يشعرون بأنهم أخف بنسبة 20% عندما تطأ أقدامهم أرض كوكبنا وهذا يتوافق مع كتلة الكوكب وقطره الذي يقارب 7000 كلم بدلاً من 6400 الذي هو قطر الأرض. أما محور دوران كوكب أومو فهو يميل بزاوية 19 درجة بدلاً من 23 على الأرض مما يوفر خاصية الفصول التي نشاهدها على الأرض. عدد ساعات اليوم في أومو 32 ساعة بدلاً من 24 ساعة على الأرض. ولايوجد لدى كوكب أومو قمر ولياليه حالكة وغارقة في الظلام ويدور حول نجم درجة حرارته أقل من درجة حرارة شمسنا 4500 درجة بدلاً من 6000 وهي شمس متوسطة كشمسنا في المجرة وكوكب أومو اقرب إلى شمسه من قرب الأرض إلى شمسها ومع ذلك فإن غلافه الجوي يقارب في مكوناته غلافنا الجوي ودرجات الحرارة فيه تتقارب مع درجات الحرارة السائدة على كوكب الأرض، وربما ابرد قليلاً. ويؤكد الأوميون أن الحياة تتشكل عادة حول نجوم أكثر برودة من شمسنا ولا يوجد على كوكب أومو سوى قارة واحدة، ما يعني عدم تعرضه لهزات ناجمة عن تصادم القارات، وفيه شعب واحد ولغة واحدة وبالتالي هناك حياة منظمة جداً على الكوكب. كما أن عدد الكائنات الحية فيه أقل بكثير عما يوجد على كوكب الأرض، تضاريس الطبيعة فيه تشبه تضاريس إيرلنده فلا وجود لجبال شاهقة . نشوء وتطور الحياة على كوكب أومو تم وفق نفس السياق التطوري الذي حدث في كوكب الأرض مع فارق الزمن الذي وفر لهم تفوقاً علمياً وتكنولوجياً هائلاً ، ومع ذلك فإن ما حققه البشر اليوم من تطور علمي وتكنولوجي يكفي لتدمير البشرية لنفسها من خلال الحروب والنزاعات والأسلحة الفتاكة وأسلحة التدمير الشامل النووية والجرثومية والكيميائية فالأجهزة والمعدات والتكنولوجيا التي بحوزتهم تمكن من قهر الأمراض بكافة أنواعها ولكن يمكن استخدامها كأسلحة مدمرة لو وقعت بين أيدي متخلفة أو خطيرة ومعتوهة مثل العديد من الحكام على الكرة الأرضية. الهيكلية الاجتماعية في كوكب أومو خاصة وشمولية تقريباً فالفرد يذوب في الجماعة، والأولوية للمجتمع ومصلحته العليا وليس للفرد ولقد نجم ذلك بعد تجارب مريرة وتضحيات جسام ودماء وضحايا وقرون عديدة من الاضطرابات والدكتاتورية الدموية في ما يسمونه فترة حكم السياسة والسياسيين المحترفين. ثم أعقب ذلك فترة حكم العلم والعلماء. ولقد تمكنت شابة طاغية إبان عهد الحكم الشمولي، من إقناع سكان أومو بأنها العقل المحرك والدماغ الفاعل لأومو ومنحت لنفسها حق الحياة والموت على مجمل الشعب الأومي وطبقت ذلك بقسوة ودموية وبطش منقطع النظير بواسطة بوليس سياسي أطر المجتمع برمته وتحكم به على غرار التجربة والظاهرة النازية وهتلز الذي عبأ أغلب الشعب الألماني خلف أطروحاته. وبالتوازي تقدمت المعرفة والعلوم والتكنولوجيا وكرس العلماء جهدهم في الأبحاث والدراسات والاكتشافات والتجارب وكانوا يشكلون طبقة متميزة ومترفة ذات حظوة منفصلة عن باقي فئات المجتمع وطبقاته لكنهم كانوا عبيد العلم فإذا لم ينتجوا ما يكفي من النتائج المطلوبة يعدمون وكانت التجارب تجرى على السكان على نحو علني كما لو إنهم فئران مختبرات على غرار ما كان يخطط له النظام النازي على الأرض. ومن ثم تعرضت الرئيسة الدكتاتورة إلى عملية اغتيال نفذتها خادمتها المقربة بعبوة ناسفة عند ذلك توجه الشعب في حملة غضب ضد المختبرات العلمية والمكتبات وأحرقوها حيث أتلفوا الكثير من النتائج العلمية الباهرة التي توصل إليها العلماء الأوميون في مجال العلوم الصلبة والجوهرية المحضة. وبعدها توجه الجهد نحو العلوم الإنسانية وعلم النفس وعلم الاجتماع بحثاً عن طرق تمنع عودة الدكتاتورية الدامية ولقد استغرق ذلك التحول عدة أجيال لتغيير البنى السيكولوجية لدى الناس وركزوا على فئة الأطفال. يفصل الأطفال عن عوائلهم في عمر الثالثة عشر ويضعون في مراكز تربوية خاصة ومتخصصة توفر لهم أسس التعليم والتربية اللازمة للتخلص من النزعات الفردية والأنانية وبإمكان الأهل متابعة تطور وتربية أبنائهم عن بعد من خلال وسائل اتصال تكنولوجية متطورة . وهذا لا يعني أن نموذجهم المجتمعي ناجح وصالح وقابل للتطبيق في كل المجتمعات وفي جميع الكواكب التي زاروها لكنهم أبدوا إعجابهم وانبهارهم بما لدى البشر على الأرض من فنون متطورة كالموسيقى والغناء والفنون التشكيلية . تتم إدارة نموذجهم المجتمعي عن طريق تكنولوجيا رقمية وحاسوبية متقدمة جداً وشبكة عنكبوتية متطورة تغطي الكوكب برمته كما جاء في رسائلهم سنة 1966 قبل ظهور الانترنت على الأرض بعقود طويلة. التكاثر الديموغرافي موجود تحت السيطرة التامة للدولة والولادات مبرمجة محددة بعدد معين، بحيث لا يتجاوز عدد سكان أومو المليارين نسمة. وكذلك وسائل الإنتاج الأخرى وضعت تحت السيطرة . الدولة تؤمن كافة الاحتياجات وبكميات كافية والكل يعمل حسب اختصاصه وكفاءته وقدرته وطاقته الإنتاجية على غرار مملكة النمل، فلكل دوره وواجبه. وهذا النمط من النظام والحياة الاجتماعية لا يطاق بالنسبة للبشر كما لاحظوا من خلال زياراتهم المتكررة. فلا توجد استقلالية وحرية اختيار وهو الموضوع الذي كرس الأوميون له رسالتهم الأخيرة التي وصلت سنة 2018 . فكل شيء مبرمج فلا يمكن لأحد أن يتصرف خارج مراقبة الكومبيوتر المركزي العملاق الذي يرقب ويسجل تحركات كل شخص. الآلة لا تقرر لكنها تدير الحركة والنشاط ولاشيء يفلت من عينها ورقابتها. وبوسعها تقدير قابلية وموهبة كل فرد من الولادة إلى البلوغ حيث يوفر له المجتمع كل ما يحتاجه لتطوير قابلياته ورغباته وهواياته وميوله بغية تمكينه من أن ينتج ما ينتظره منه المجتمع، ولا وجود للملكية الشخصية ومع ذلك هناك ضمانة في توفير العدالة الاجتماعية والمساواة والسيطرة على الثروة وتوزيعها العادل وتوفير الأمان والاستقرار.

كان العلماء الأوميين يعرفون أنهم سوف يواجهون مجتمعات بشرية متنوعة ومختلفة ومتناقضة وأنظمة متنافسة ومتحاربة ومتخاصمة وبالتالي فإن وجودهم محفوف بالمخاطر، لأنهم بعيدون عن كوكبهم وفي حالة تعرضهم للخطر لا يمكنهم تلقي النجدة الفورية من كوكبهم بالرغم من تزويدهم بتكنولوجيا متطورة تتفوق على تكنولوجيا البشر بكثير، لكنهم يخشون من ردود أفعالنا غير المتوقعة، لذلك كانوا يقدمون أنفسهم على أنهم علماء أو أطباء سكندانفيين أو سويديين عندما تفرض عليهم الظروف أن يتواجدوا وجهاً لوجه مع السكان في الأماكن والمدن التي يعيشون فيها، لأنهم يشبهون سكان شمال أوروبا فيزيائياً وجسدياً، في حالة تعاطيهم مع البشر في أوضاع معينة قسرية لا مفر منها، ولقد اختاروا وسيلة الاتصال غير المباشرة معنا عبر البريد في سنوات الخمسينات والستينات. ما يلي أسماء أعضاء أول بعثة من ألأوميين :

1-  OEOEE 95 وهو إبن OEOEE 91  وهو رئيس البعثة ويبلغ من العمر 31 سنة

2-  UURIO 79 إبن IYIA 5 وعمره 18 سنة ومتخصص بعلم النفس البشري

3-  INNOO 33 وهي بنت INNOO 29 عالمة في فيزياء المادة وعمرها 18 سنة

4-  ODDIOA 1 وهو إبن ISAAO 132 وعمره 78 سنة خبير اتصالات

5-  ADAA 66 وهو إبن ADAA 65 وعمره 22 سنة توفي على الأرض إثر حادث ولم يسترجع الأوميون جثته بل دفن في مكان سري

6-  UORII 19 وهي بنت OBAA 7 وعمرها 32 سنة متخصصة في الباثولوجي ونظام الهضم والتغذية

تم اختيار هؤلاء بدقة متناهية فهم الأقرب فزيولوجياً للبشر وممن احتفظ بقابلية التحدث واستخدام الأصوات والتعبير عن أنفسهم كلامياً وشفوياً كما إنهم متخصصون بالحضارة البشرية علماً أن بعثتهم كانت عبارة عن مغامرة محفوفة بالمخاطر . إن جنس الأوميين هو من الهومو سابيين Homo Sapiens أي الإنسان العاقل الذكي والمفكر . ولقد شرحت لنا بعض الرسائل أنه فيما يتعدى الطفرات التطورية العشوائية والانتخاب أو الإنتقاء الطبيعي ، لعبت عوامل وقوانين النشوء الحيوي الـ بيوجينيك biogénétiques الكونية الأخرى في تطور النوع الأومي . إن هذه القوانين تقود جزءاً من المحيط الحيوي biosphère نحو شكل من أشكال الكائنات من ذوات القدمين مثل البشر على الأرض ومن ذوات الدماغ encéphale المتطور وهو النوع الطاغي والمنتشر في الكون المرئي لكن ذلك لا يمنع من وجود أجناس وأنواع حية تختلف عن جنس البشر تعيش في الكون وقد تمتلك أدمغة متطورة جداً وتكنولوجيا عالية ولكن ينبغي الأخذ بالاعتبار هذا السياق في استقامة التطور orthogénèse وهذه الاستقامة التطورية لدى الأوميين ترتبط بالعنصر الفائق super-organisme والذي يطلق عليه بلغتهم BUAWE BIAE الذي سنتطرق إليه لاحقاً وبالتفصيل. الاتصالات والتخاطب بين الأوميين يتم عن طريق التخاطر télépathie لكن ذلك لا يعني أنهم قادرون على قراءة الأفكار وهي وسيلة يتدربون عليها منذ سن المراهقة لتحل محل الاتصالات الكلامية الصوتية بشرط أن يوجد بين المتصلين صلات وروابط نفسية ومشاعر متبادلة . وشعب الأوميين أقدم من البشر على الأرض ويعود تاريخ أنسنتهم إلى أكثر من 9 مليون سنة بينما يعود تاريخ أنسنة الجنس البشري إلى 4 مليون سنة أي هناك فارق 5 مليون سنة من التطور البيولوجي بيننا وبينهم. مما يمنحهم أدوات وخصائص عصبية – دماغية داخل القحف neuro-encéphaliques متفوقة علينا بكثير. فمعيار التطور لدينا يرتبط بالقدرة على استخدام الأدوات وشكل القحف الدماغي وحجم الدماغ والسير على قدمين والأسنان الخ.. في حين أن عامل التطور لديهم مرتبط بإقامة الصلة بالعنصر الفائق الذي اكتشفه العلم عندهم . لايوجد لديهم نظام مصرفي ونقود وديون فتبادل الحاجات يتم تحت سيطرة الكومبيوتر العملاق المركزي وشبكة الكومبيوترات الفرعية المرتبطة به والمتواجدة في كل مكان بحيث تعتبر شبكة الانترنت العنكبوتية متخلفة جداً بالمقارنة بهم. فالمنتجات والبضائع تنتج وتوفر بكميات تزيد على الحاجة وتوزع بطريقة عادلة وبالتساوي حسب الحاجة ولا وجود للملكية الشخصية لذلك لا يمكن تطبيق نظامهم المجتمعي على الأرض . هناك توازن بين الازدهار الشخصي والخدمة المقدمة للمجتمع فلايمكن للفرد أن يتطور ويزدهر ويتألق إلا في وسط مجتمعي سليم وشبكة اجتماعية سوية فالهيكيلية كلها مبنية على نوع من التوازن المثالي المتقن بين الحاجة الفردية والحاجة المجتمعية.

يتبع

 

د. جواد بشارة