علي رسول الربيعياستجاب الإصلاحيون الإسلاميون لفكرة العلمانية التي طرحها الفكر السياسي الأوربي الحديث  ابان القرن التاسع عشر مباشرة أو مداورة. فلم يجد الأفغاني نفسه، في خضم تبريره لنمط من العلمانية في الاسلام، مستجيبا مباشرة لفكرة العلمانية ولكن من خلال دعوته لنظام سياسي برلماني (شورى) على نوذج برلمان الثورة الفرنسية  (المخزومي محمد  (1980): خاطرات جمال الدين الأفغاني، ط1، بيروت، دار الحقيقة، 120-123). فنمط العلمانية التي دعا اليها  الأفغاني لم تكن ضد الدين أو عزله عن الشأن العام، فقد شدد الأفغاني مثلا في رسالته " الرد على الدهريين"، بأن الدين هو  أساس المدنية والحضارة، وعليه فإن نقض الدين لا يعني شيئا سوى تقويض أسس المدنية وسلامة الاجتماع السياسي "إذ لا ريب في أن الدين مطلقا هو سلك النظام الاجتماعي، ولن يستحكم أساس للتمدن بدون الدين البتة". (عبده، الثائر  جمال الدين الأفغاني، القاهرة، دار الهلال (بدون تاريخ)، ص 119)  فكان الإفغاني، وعموم الإصلاحيين يريدون توسيع نطاق الشأن الدنيوي  وتضييق مجال الدين، أيً تقديم المصلحة الدنيوية على النص الديني عند تعارضهما.(العظمة، عزيز(1992): العلمانية من منظور مختلف، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، ص 166)

ومن وجهة النظر هذه  رأى محمد عبده أن أصداء الإسلام ماثلة في النظام السياسي العلماني الأوربي، فأنبرى يدافع عن الإسلام وأنه عرف علمانية أوربا نفسها، وأعترض على اضفاء الثيوقراطية على الإسلام (عبده، محمد، الأعمال الكاملة، 1980، ص 287 -288) فكان هاجس الحاق المدلولات العلمانية للإسلام بنظيرتها المطبقة في أوربا، وتغيب أي تماير بينهما هو الذي دعاه الى تصور تبني  القوانين الوضعية في مؤسسات الدولة في العالم الإسلامي ستكون هي الدواء الناجع لإستعادة حيوية الإسلام (عبده، 1980،  288)

وأذا كان عبده قد دشن الطريق لعلمانية إسلامية، فإن رشيد رضا، رغم الأطار العام لإصلاحيته التي مثلت نوعا من العودة الى نمط من السلفية، الا أنه في هذه المسألة وكأنه يكمل مسار العلمنة الذي بدا به أسلافه؛ فقد عَلْمَنَ الشريعة، ورأى العلمنة بوصفها سريانا للشرع المفهوم على أنه مقاصد عامة. (العظمة، عزيز، العلمانية من منظور مختلف، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 1992، ص 167) ؛ بالإضافة الى ذلك  يحاول، من جهة أخرى، البرهنة على أنْ السلطة الزمنية كانت قائمة على الإجماع  حتى في عصر الاسلام الأول، ومماثلة للسلطة الزمنية في اوربا " وإن مجالس النواب تحمل نفس مغزى جماعة أهل الحل والعقد في الإسلام المبكر، في زمن السلف الصالح  "،(رضا، محمد رشيد،  الخلافة أو الإمامة العظمى، القاهرة، مطبعة المنار، 1922، ص 59، 100) وأن أهل الحل والعقد بنظره ليسوا مرتبطين بنصوص دقيقة فبمقدورهم الأخذ بالأعتبار مصلحة المجتمع وتقدمه، وهذا يعني يعني سحب مفهوم المصلحة العامة وتكييف قرارات هؤلاء على الاوضاع الاجتماعية المختلفة، اي تبعا للزمان والمكان؛ ثم يضيف ليس الإجماع هو المسموح به فقط، وإنما هناك مجال واسع يتمثل في: استخدام الرأي، ومبدا الأستحسان بالقياس، وقدرة العقل على  إيجاد ماهو مطابق للمصلحة العامة. (رضا، تفســـير المنار، ج8، بيروت، دار المعرفة،1993، ص 169، 170، 858) 1993). وعليه  أرتأى ضمن هذا المنظور قيام التماثل وتكييف احكام الشريعة الإسلامية مع القوانين الوضعية.

أما خطاب عبد الرحمن الكواكبي فتناول مسألة الفصل بين الدين والدنيا من خلال الفصل بين الشريعة والسياسة. وهنا يكمن جانب اساسي من جوانب ما يمكننا تسميته بـ"العلمانية الاسلامية" لخطاب الاصلاحية الاسلاميًة. يميز الكواكبي بين " الدين و الحكم " قائلاُ " ان الدين شيء والحكم شيء آخر " وأن " الدين غير الحكم  ". انه يحدد بوضوح وظائف الهيئة الشوروية الاسلامية التي تنتخب الخليفة لمدة معلومة ومحددة، وأنها منحصرة في شؤون السياسة العامة الدينية فقط. (الكواكبي، عبد الرحمن، أم القرى، حلب، المطبعة العصرية (1959)، ص 106)، أن هذه السلسلة من خطابات الإصلاحيين المتمحورة حول الدفاع عن العلمانية في الإسلام  سوف تحض علي عبد الرازق على وضع القواعد السياسية للخلافة الإسلامية موضع  الشك.

Hourani, Albert (1983): Arabic Thought in the Liberal Age, Cambridge, Cambridge, 1983, p.192.

ما كان يرمي عبد الرازق اليه هو الدحض النظري لمبدأ الخلافة من أجل شرعنة النظام العلماني الذي مارسه مصطفى أتاتورك  في تركيا عمليًا أنذاك. وقد يذهب ذلك التعليل الى حد التفصيل والتعيين كأن يقال – مثلا – ان الإصلاحيين الإسلاميين ذهبوا الى التماس بعض الشرعية لفكرة الفصل بين الشريعة والسياسة (الدين والدولة) كما فعل ذلك محمد عبده في نقده السلطة الدينية  (عبده، 1980،285) واقراره بان النظام السياسي مدني في الاسلام، او الى توجيه النقد الى لاستبداد الديني بوصفه رديف الاستبداد السياسي، كما قام بذلك الكواكبي في كتابه  "طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد "  (العروي، عبد الله (2008) مفهوم الحرية، ط4:، بيروت، المركز الثقافي، العربي، 95) .

قامت الإصلاحيًة الإسلاميًة على افتراض امكانية الموازاة بين واقع الزمان العلماني، وبين الدين المعياري الذي قيل عنه إنه استبق الواقع في ضرب من " الميكيافيلية الموضوعية " التي  تسم مجمل مجالات الفكر الإصلاحي التي يقصر أستعمالها على إطار واحد معين ويجد فيها انعكاسا لمحاولة الربط بين زمانين مختلفين وواقعين مجتمعين في لحظتين تاريخيتين متميزتين . (العظمة، 1992، ص  160 – 161)

 على الرغم من أن الإصلاحيًة قامت بعلمنة  الحياة في السياق الإسلامي، اي اطلاق تسميته على ما ليس من تريخها ولا من مرجعيتها فكريا وثقافيا، وأدغمت الدنيا المرتضاة سياسيا والمحتمية فكريا بمرجعية إسلامية بقيت اسمية،  الا أنها ظلت فاعلة كدلالة ايديولوجية وتاريخية تشير الى انتقالية فكر الإصلاحيًة الإسلامية بين الثقافة الدينية والثقافة العلمانية. وهي تمثل في هذا تقدم فكري كبير على ما جاء قبلها، مثل أقتباس افكار من الفكر السياسي للحداثة  واستعمالها  اليبرالي واستخدامها بمضامين تقليدية كانت دارجة في المجتمع الإسلامي  المحكوم من قبل النظام السلطاني العثماني. (العظمة، 1992 ،ص164)

فالبحث في خطاب الإصلاحيين الإسلاميين يكشف بنية مشتركة منذ اللحظة الأولى التي تلقّى فيه المسلمون "مفهوم الدولة" الحديثة، ذلك أن المشكلة الجوهرية واحدة في هذا الخطاب، أعني "مفهوم الدولة"، كذلك  نجد أن اسلام  الإصلاحيين  يقترب من الدين المدني المعنى الذي دعا اليه روسو، فأطلقوا الى اقصى ما يمكن  أن  يحتمله خطابهم الإصلاحي  منظومتهم  الاصلاحية  من آلية تجمع  الديني  بالمصالح الدنيوية، انطلاقا من ان الاسلام يجمع " بين مصالح الدين والاخرة " .

 

الدّكتور عليّ رسول الرّبيعيّ

 

عبد الحسين صالح الطائيبرزت في العقود الأخيرة ظاهرة التعليم الأهلي، ولغرض إستيعاب هذه الظاهرة، لابد من معرفة بداياته عبر المراحل الزمنية المختلفة، والدوافع التي وقفت وراء تزايد أعداد هذه المؤسسات التعليمية، وهل مخرجاته تسهم في حل معضلات العراق السياسية والإجتماعية والإقتصادية.

كانت الكتاتيب الاسلوب التقليدي المتداول منذُ القدم، انتشرت حلقات العلماء لدراسة الفقه والعلوم الدينية في كل مراحل العهد الإسلامي، ونشأت بعض المدارس الفقهية والمراكز العلمية الثقافية الهامة التي أخذت الطابع الرسمي. وما يهمنا هو بدايات التعليم الأهلي في العراق، في الحقيقة هناك دراسات مميزة لمجموعة من الباحثين أمثال: عبدالرزاق الهلالي، إبراهيم خليل العلاف، وستار نوري العبودي، وغانم سعيد العبيدي، كل هذه الدراسات وغيرها من المقالات تناولت بدايات التعليم الأهلي بشكل موسع، بحيث لا يمكن تغطيتها في هذا المقال الذي يركز على أبرز المعطيات.

 حظي التعليم الحكومي والأهلي بالإهتمام بعد تعيين مدحت باشا والياً على العراق للفترة 1869 - 1872، ومنذُ ذلك التاريخ حتى الحرب العالمية الأولى، أصبحت المؤسسات التعليمية إما مشروعاً أهلياً خاصاً أو مشتركاً بين المؤسسات الدينية والأهلية. ومعظم المناهج والأساليب التعليمية تقليدية، لكنها أخذت في التطور التدريجي في العهد العثماني المتأخر بعد افتتاح المدارس الأجنبية والدعم الخارجي لها مادياً وفنياً وتقنياً. افتتحت العديد من المدارس لأبناء الجماعات الدينية غير المسلمة، على غرار المدارس التعليمية الإسلامية. استفادت هذه المدارس من الإمكانيات والوسائل الحديثة المتطورة في الدول الراعية لها، سواء كانت مدارس يهودية أو مسيحية، وبهذا يمكن إعتبار تلك المؤسسات التعليمية البداية الحقيقية للتعليم الحديث في العراق خلال العهد العثماني.

أسهمت تلك المؤسسات في رفع المستوى التعليمي، وخلق روح المنافسة لدى بعض الشخصيات الوطنية، فبادر سليمان فيضي إلى إفتتاح أول مدرسة عراقية أهلية في البصرة. ورغم كون السياسة العامة لسلطة الإحتلال البريطاني للعراق 1914 – 1920، لا تشجع إفتتاح المدارس، لاسيما من قبل الأهالي ذوي التوجهات الوطنية، إلا أنه تم إفتتاح المدارس الأهلية (التفيض، الحسينية، الهاشمية، المدرسة الأهلية في بغداد، التي تطورت لتصبح جمعية التفيض التي توسعت في العديد من المدن العراقية، والحسينية في كربلاء، والإسلامية الأهلية في الموصل)، فأصبح مجموع المدارس الأهلية الإسلامية في عموم العراق خلال سنوات الإحتلال (7) مدارس، بينما بلغ عدد المدارس الأهلية المسيحية للمدة ذاتها (25) مدرسة، ومدارس البنات المسيحية (19) مدرسة.

وخلال الفترة 1920 – 1932، افتتحت بعض المدارس الأهلية (المفيد في الكاظمية سنة 1920، والنجاة في الزبير، والغري في النجف سنة 1922). وبعد تأسيس الدولة العراقية سنة 1921، تصاعدت الدعوة إلى فتح المدارس الأهلية إلى جانب المدارس الرسمية بمباركة رسمية من مجلس النواب العراقي، وهذا الأمر دفع وزارة المعارف بأن تمارس دورها الرقابي وتصدر تعليماتها بتاريخ 21 تموز 1923، بخصوص الإشراف والرقابة والدعوة إلى الإلتزام بالضوابط الرسمية ومراعاة القوانين.

وبعد تحرر العراق من الوصاية الدولية في 1932، أصبح عضواً في عصبة الأُمم المتحدة، وبدأت مرحلة جديدة من التطور بمختلف المجالات، لاسيما التعليم الأهلي، حيث جاء في التقرير السنوي لوزارة المعارف لسنة 1936، عدد المدارس الأهلية والأجنبية بلغت (72) مدرسة بواقع (55) مدرسة للذكور و(17) مدرسة للإناث. وبعد تقلص التعليم الحكومي بسبب الظروف الإقتصادية خلال فترة الحرب العالمية الثانية، شجعت وزارة المعارف التعليم الأهلي، فأصبح ملاذاً للعوائل الثرية. وبعد سنة 1950، إرتفعت عائدات النفط، وتوسعت المدارس الأهلية والأجنبية لتخفف الضغط على المدارس الحكومية، حيث افتتحت (3) مدارس في بغداد (التوجيهية المختلطة، الفتاة الإبتدائية للبنات، ثانوية المعهد العلمي الأهلية المسائية)، وفي 1954، افتتحت روضة ومدرستان في كربلاء (الصادق الإبتدائية الأهلية والصدرية العلمية الدينية). وخلال الفترة 1955 – 1958، افتتحت (4) مدارس أهلية.

ومع إطلالة الحكم الجمهوري في 1958، حصلت نقلة حضارية في التعليم نتيجة الرعاية التي أبدتها الدولة، فحصل إقبالاً كبيراً على التعليم الحكومي، ورغم أن سياسة الدولة بالضد من التعليم الأهلي، ولكن نتيجة الضغط العالي على المدارس الحكومية، فتحت الأبواب للتعليم الأهلي وفق ضوابط قانونية جوهرها الإلتزام بمناهج وزارة المعارف، وبشرط أن تتساوى رواتب المعلمين مع أقرانهم في المدارس الحكومية، وإخضاع نظام المدارس الأهلية الوطنية والأجنبية لرقابة وزارة المعارف، وحسب إحصاء للمدارس الثانوية الأهلية سنة 1961، هناك (90) مدرسة ثانوية أهلية، و(6) مدارس ثانوية أجنبية، بنسبة (23%) من مجموع المدارس الثانوية في العراق. ورغم التراجع النسبي في افتتاح المدارس الأهلية، إلا أنه هناك رعاية وعناية واضحة من الوزارة للمؤسسات التعليمية الأهلية.

وأمتازت الفترة من 1968 – 2003،  بمتغيرات كبيرة، توسعت قاعدة التعليم في العقد الأول، وبعد أن دخل العراق في نفق الحروب والصراعات الإقليمية التي سببت الحصار الذي أنهك قدرات المواطن العراقي، وأدت إلى تدني المستوى التعليمي لأكثر من عقدين من الزمن. استبشر الناس خيراً بعد 2003، إلا أن الآمال سرعان ما تبخرت نتيجة الصراعات الطائفية وفقدان الخدمات والأمن، فشهد التعليم، العام والخاص، إخفاقاً كبيراً.

وبخصوص التعليم الأهلي العالي، يمكن إعتبار كلية دار المعلمين العالي أول مؤسسة للتعليم العالي سنة 1963، شبه أهلية أو قطاع مختلط  في العراق، تأسست (الكلية الجامعة) بمبادرة من نقابة المعلمين، وأُلغي اسم الكلية الجامعة سنة 1968، ليحل محله (الجامعة المستنصرية)، وفي سنة 1974، صدر القرار (102) بجعل الجامعة المستنصرية مؤسسة من مؤسسات التعليم العالي الرسمية. ولكن التعليم الأهلي العالي، لم يشهد إهتماماً كافياً  إلا في سنة 1988، حيث تأسست بعض الكليات الأهلية، وصدر قانون الجامعات والكليات الأهلية المرقم (13)، للتعاطي مع الكليات الأهلية التسعة: المنصور، التراث، الرافدين، بغداد للعلوم الإقتصادية، المأمون، المعارف في الأنبار، والحدباء في الموصل، وشط العرب في البصرة، واليرموك في ديالى.

واستمر الإنفتاح والتطور الجامعي الأهلي بشكل مميز في مطلع 2006، حيث أجازت وزارة التعليم العالي المؤسسات التعليمية الأهلية، إلا أن أداء هذه المؤسسات لم يرتقِ إلى المستوى المطلوب، أدائها مشابه لأداء الجامعات الحكومية المتعثر. وواقع الحال يؤكد بأن المعوقات وأسباب التدني كثيرة، وتحتاج إلى إجراءات علمية وعملية من أصحاب القرار، بضرورة إبعاد وزارتي التربية والتعليم العالي عن المحاصصة، وإبعاد المؤسسات التعليمية من الصراعات السياسية الطائفية، والمبادرة في وضع مناهج تربوية تعليمية تخدم التوجه الديمقراطي، وتربي الأجيال على إحترام القانون والمبادىء الأخلاقية، وقبول الآخر المختلف، وإصدار تشريعات تسهم في الحد من الفساد، ووضع الخطط اللازمة للقضاء على المظاهر السلبية، والإهتمام بجودة التعليم والبحث العلمي، وتحسين البنية التحتية ضمن المواصفات العالمية.

وأخيراً، يمكن القول بأن مخرجات بعض هذه المؤسسات ذات جودة عالية، وبكفاءة تضاهي أو تفوق مخرجات التعليم العام، والبعض الآخر تعمل على مبدأ الربح، وتهتم بالإستثمار أكثر من إهتمامها بالمنهاج العلمي الصحيح، وتفتقر إلى الرصانة العلمية، فأصبحت ملجأ للطلبة الذين يحصلوا على معدلات متدنية. وعلى الرغم من الإخفاقات الكثيرة، إلا إنها قامت بوظيفة الرديف المساعد للمدارس الحكومية الرسمية، واسهمت في تخريج العديد من الذين مارسوا دورهم التعليمي والوطني، وذلك لإرتباط عملية التعليم بالتطور الإجتماعي والسياسي والإقتصادي للمجتمع.

 

د. عبدالحسين صالح الطائي / أكاديمي عراقي مقيم في بريطانيا 

 

ان اول من جاء بهذا المبدأ هو الفيلسوف الايطالي "ميكافيلي" في القرن السادس عشر صاحب كتاب "الامير" ومنه اخذت الشخصية الميكافيلية تسميتها..

ان اصحاب هذه الشخصية بامكانهم ان يستخدموا اي شئ ويدوسوا على كل شئ في سبيل تحقيق مصالحهم الذاتية، فتكون الوسيلة حق مشروع –وان كانت غير مشروعة-لتبرير الغاية، فاصحاب هذه الشخصية يحاولون الوصول الى اهدافهم دون قيد اوشرط، لادين يحكمهم ولاعرف يقيدهم ولاقانون يردعهم، تحكمهم المصلحة الذاتية فقط، فيلجأ الى كل الطرق الممكنة وغير الممكنة للوصول الى هدفه غير آبه بما يسبب لغيره من ضرر، وتلك اعلى درجات الانانية والوصولية التي تستحوذ على المرء للوصول الى اهدافه، تارة بالترغيب واخرى بالترهيب ويكون التخويف السلاح الناجع للوصول الى ما يريد، ولايهمه ان كان المقابل قريب ام غريب المهم الحصول على مايريد..

ومن الجدير بالذكر هنالك حالات اباح الله بها للمرء القيام بها في حالات الاضطرار، فذلك يعتبرا مضطرا وبدون سبق اصرار قال تعالى"فمن اضطر غير باغ ولاعاد فلا ظلم عليه"..البقرة173هنا الامر مختلف لان الانسان قد تصادفه مواقف يجد فيها نفسه عاجزاوقد حدد الله تلك المواقف في كتابه العزيزوهي قاعدة "الضرورات تبيح المحظورات"

ان استخدام الوسائل المتاحة للوصول الى هدف نبيل تعتبر قيمة اخلاقية عالية كطلب المشورة اوالنصيحة للقيام بعمل ما عن طريق الشراكة اوالاستفادة من خبرةما لعمل الخير، لكن استخدام الوسائل والطرق غير المشروعة ثم شرعنتها تحت اي بند، كأن يسرق المرء مثلا مبررا ذلك باي تبرير، فالسرقة لايمكن تبريرها وشرعنتها لاي سبب كان، مادام المرء يستطيع ان يعمل بالطرق الشرعية للحصول على مايريدلان هذا الامر اذا مر مرور الكرام سيفتح الباب على مصراعيه للاتيان بماهو اسوء، والسلوك الملتوي غير الاخلاقي لاتبرير له على الاطلاق، لان المنظومة الاخلاقية لاتعتمد على المزاجية وهناك شروط وضوابط تحكمها، لذا فان هذا المبدأالذي يبرر لصاحبه القيام باعمال غير شرعية وبطرق غير شرعية للوصول الى الهدف، هو مبدأ باطل ولايمكن العمل به تحت اي ظرف.

 

مريم لطفي

 

 

 

فالح الحمرانيتتشرف النسخة العربية لموقع روسيا ـ العالم الإسلامي بإجراء مقابلة مع بطريرك مدرسة الحضارة، ورئيس معهد بيتيريم سوروكين ـ نيكولاي كوندراتييف، اكاديمي في الأكاديمية الروسية للعلوم الطبيعية البروفيسور يوري ياكوفيتس. ووجه رئيس تحرير موقعنا البروفيسور سهيل فرح له عدة أسئلة وأجاب عليها بكل سرور:

ـ  قبل كل شيء، ينبغي أن أُشير إلى أن البحث في نظرية الحضـارة بدأ في روسيا منذ اكثر من قرنين. ففي عام 1815 نشر اكاديمي أكاديمية الإمبراطورية الروسية للعلوم أندريه شتورخ في سانت ـ بطرسبورغ باللغة الفرنسية محاضرات "الاقتصاد السياسي" التي سُمي الجزء الثاني منها " نظرية الحضارات". وكان هذا أول كتاب في العالم عن نظرية الحضارات. والعالم الروسي نيكولاي دانيليفسكي وضع أسس نظرية الحضارات المحلية والعلاقات المتبادلة بينها. وواصل هذه الأبحاث العالم الروسي الأمريكي البارز بيتيريم سوروكين (الذي سنحتفل في عام 2019 بمرور 130 عاما على ميلاده) في كتابه الممتاز" النزعات الرئيسية لعصرنا (1964) رسم فيه آفاق تشكيل النظام الاجتماعي /الثقافي وانتقال مركز النشاط الإبداعي الحضاري من الغرب إلى الشرق. وقد تحققت تنبؤاته في القرن الواحد والعشرين. وحدد فلاديمير فيرنادسكي ونيكيتا موسييف آفاق تشكيل مجال الوعي البشري "النيوسفيري"* الفرع الجديد في العلوم الاجتماعية.

على أساس هذا التراث العلمي ، ظهرت خلال تسعينات القرن الماضي في روسيا مدرسة حضارية حديثة، ردا على تحديات اعمق أزمة تواجه الحضارة. وتحتل المدرسة الروسية الأن مكانة رائدة في العلم العالمي. وتم تشكيل فرع جديد للعلوم الاجتماعية [ علم الحضـارات].

ـ ما هي الإنجازات الرئيسية لهذه المدرسة العلمية؟

أولا: وضعت نهجا ثلاثي الأبعاد لمفهوم الحضارة: الوحدة والترابط بين مختلف الحضارات المحلية، التبدل الدوري للحضارات العالمية، ووحدة الحضارات المحلية والعالمية في الدورات التاريخية الكبرى لدينامية الحضارة العالمية. الكشف عن الدورة ـ الوراثية لنمط التطور الحضاري لمدة 10 آلاف سنة، منذ نشوء الحضارة التي نجمت عن الثورة الزراعية. والكشف عن مضمون الأزمات التي تنشب عند تبدل الحضارات العالمية وأجيال الحضارات المحلية.

وثانيا: كشف العلماء الروس عن جوهر الأزمة العالمية الحالية باعتبارها أزمة الحضارة التي نجمت عن تغيير دينامية الدورات طويلة الأمد، لدينامية الحضارات المحلية والعالمية. وتحل محل حضارة السوق ـ الرأسمالية الصناعية التي استمرت لمئتي عام، والتي تمر الآن في مرحلة الأفول والانقراض، حضارة مجال الوعي البشري" النيوسفيري " التكاملية . وتقف الصين في طليعة هذه العملية. إن الأجيال الأربع للحضارات المحلية التي امتدت على مدى 500 عام مع هيمنة الغرب، سوف تُستَبدل ب 5 أجيال ل 12 من الحضارات المحلية بقيادة الشرق. وتوضع الأسس لنظام عالمي لنظام عالمي مستدام متعدد الأقطاب قائم على أساس الحوار البناء والشراكة ذات المنفعة المتبادلة بين الحضارات وبين الدول، وتقود روسيا هذه العملية. ويرافق عصر الانتقال أزمة عميقة، وتفاقم حاد للخلافات والتناقضات، ومحاولات الغرب، وعلى رأسه الولايات المتحدة، الرامية للحفاظ على هيمنته، وفرضه على العالم نظام القطب الواحد، وعدم التوقف أمام استئناف الحرب الباردة في أسوء  أشكالها، ولا أمام الأعمال العدوانية بالالتفاف على منظمة الأمم المتحدة وتجاوزها. بيد أن هذه المحاولات محكوم عليها بالفشل. ويلعب دورا هاما في هذا، التفاعل البناء بين روسيا والصين والعالم الإسلامي.

وثالثا: إن قانون تبدل الأجيال، يحدد حتمية تشكل حضارة متكاملة ونظام مستقر متعدد الأقطاب. ومنذ عام 2020  سيحتل قادة الجيل الجديد المواقع الرئيسية في العالم. القادة الذين سيتبنون القرارات  الاستراتيجية وينفذوها في غضون 3 عقود. ومن المهم انهم يتقنون فهم قوانين دينامية الحضارة والحاجة إلى الحوار والشراكة بين الحضارات ردا على تحديات القرن الجديد. وتسير بهذا الاتجاه أنشطة معهد بيتيريم سوروكين ـ نيكولاي كوندراتيف الدولي، ونادي يالطا للحضارة، والجامعة المفتوحة للحوار بين الحضارات، التي نشرت عدد من الكتب باللغات الروسية والإنجليزية والعربية. ويلعب موقع " روسيا ـ العالم الإسلامي: رؤية جديدة" دورا فعالا في هذا المجال.

2- وتستند هذه التنبؤات على عدة عوامل.

أولا: كان الاتحاد السوفياتي في العشر سنوات التي أعقبت الحرب، واحد من رواد الثورة العلمية والتكنولوجية، وحصل على المركز الأول في استكشاف الفضاء وفي الاستخدام السلمي للطاقة الذرية، وحقق التكافؤ العسكري ـ الفني مع الغرب. وتطور اقتصاده بوتير أسرع، وتم الحفاظ على المدارس العلمية والتكنولوجية المتقدمة ومستوى التعليم العالي للسكان.

وثانيا: تمتلك روسيا احتياطات ضخمة من الموارد الطبيعية ولا تنفق الأموال على الواردات، وتتلقى حجم كبير من عوائد الصادرات، التي يمكن توجيهها إلى التطور العلمي والتكنلوجي.

ثالثا: بعد الأزمات الاقتصادية والتكنولوجية الطويلة في التسعينات، التي أفرزتها إصلاحات السوق النيوليبرالية، تبنت القيادة الروسية نهجا استراتيجيا يرمي إلى إحياء الاقتصاد على أساس قاعدة تكنولوجية. وحاولت الولايات المتحدة الأمريكية من خلال فرض العقوبات على روسيا "تمزيق" الاقتصاد الروسي، ولكنها حصلت على نتيجة معكوسة. فقد أصبحت روسيا اكثر تقدما من الناحية التكنولوجية وأكثر استقلالا من الناحية الاقتصادية، وأعلنت النهج لإحداث اختراق علمي وتكنولوجي. وقد تحققت نجاحات كبيرة بوجه خاص في إحياء وإعادة البناء التقني للمجمع الصناعي / العسكري، وعلى وجه الخصوص اثبت ذلك، بصورة مقنعة، العملية الروسية الناجحة في سوريا. وطور العلماء الروس استراتيجية الاختراق العلمي التكنلوجي الابتكاري، والتطوير المتقدم على أساس القبض على ناصية 6 أنماط تكنولوجية. ويشارك قادة الجيل الجيد بنشاط في هذه العملية. كل هذا يخلق  الثقة بان الخطة المرسومة في البحث العلمي "روسيا ـ 2050: استراتيجية الاختراق الابتكاري" لبوريس كوزيك  ويوري ياكوفيتس الذي أشرتم له، سوف تحصل على فرصة كاملة لتخرج إلى حيز الوجود ويتم تطبيقها.

وحددت المدرسة الروسية للحضارة، وبالاستناد إلى تنبؤات بيتيريم سوروكين وغيره من العلماء الروس والأجانب، الاتجاهات الأساسية لحضارة المستقبل للفترة حتى منتصف القرن الحادي والعشرين. وانعكس هذا في إعمالي العلمية " عند منابع  حضارة جديدة" (1993) و" تاريخ الحضارة" (1997,1995) و «The Past and the Future" of Civilizations" (2000) و" التحول الاقتصادي العالمي في القرن الحادي والعشرين" و" الحضارة: النظرية والتاريخ والحوار والمستقبل" التي ظهرت ب 6 أجزاء في (2009،2008،2006) من تأليف يوري ياكوفيتس وبوريس كوزيك، وفي تقارير نادي يالطا للحضارة "استراتيجية تشكل نظام عالمي مستقر ومتعدد الأقطاب على أساس شراكة الحضارات" (2017). وجرى في هذه الإعمال البرهنة على حتمية إن تتشكل بالبلدان الرائدة في منتصف القرن الحادي والعشرين حضارة تقوم على التكامل ومجال الوعي البشري" النيوسفيري ".  سماتها الرئيسية:

ـ إنسانية جديدة، متوجه نحو رفع مستوى ونوعية حياة السكان، في جميع أنحاء الكوكب الأرضي واجتثاث الجوع والفقر.

ـ  طريقة الطاقة البيئية للإنتاج والاستهلاك تضمن تطور متناغم للمجتمع والطبيعة والتغلب على أزمات البيئة وصيانة الموارد الطبيعية لصالح الأجيال القادمة والرد المناسب على  تغيرات المناخ السلبية.

ـ تشكيل نظام اقتصادي تكاملي  ذو توجه اجتماعي/ إيكولوجي وابتكاري يضمن وتائر ثابتة نسبيا للنمو الاقتصادي وسد الفجوة بين الثراء والفقر.

ـ إشاعة النظام الثقافي الاجتماعي التكاملي وإعلاء  قيمة العلم ورفع مستوى التعليم الأساسي والتفكير الابتكاري واستمرارية التعليم وإحياء الثقافة الرفيعة ومجال الوعي الإنساني الأخلاقي لتعزيز الأسس الأخلاقية للعائلة والمجتمع.

ـ اجتثاث الإرهاب والحروب، وتشكيل نظام عالمي متعدد الأقطاب على أساس الحوار وشراكة الدول وأجيال الحضارات الخمسة، يكون للأمم المتحدة فيه دور قيادي.

ـ من الواضح إن هذه السمات المميزة قد لا تنشأ فورا وتنتشر في جميع أنحاء العالم، لا تزال هناك مواجهة طويلة وعنيدة بين الحضارات الصاعدة والغاربة والدول الكبرى والقوى الاجتماعية/ السياسية التقدمية والرجعية لتحقيق هذه المبادئ المذكورة أعلاه  في البلدان الطليعية، ومن ثم اللاحقة بالركب، وفي النهاية في الدول المتأخرة. ومن الممكن ظهور على هذا الطريق، خطر صدام حضاري انتحاري يستخدم فيه وسائل الدمار الشامل الحديثة. بيد أن البشرية واجهت مرارا وتكرارا التهديدات والأخطار ووجدت الوسائل لمواجهة التحديات، دعونا نامل أن يتحقق هذا في هذه المرة أيضا. وسيساعد على ذلك تجسيد القانون، الذي برهنتُ عليه، الاستقطاب والشراكة الاجتماعية / مجال الوعي البشري والدول والشرائح الاجتماعية والأجيال في ظل أزمة عميقة،. أن الرد المناسب على التحديات الرهيبة التي  يواجها القرن الجديد، تكمن في وحدة العلماء التقدميين للجيل الجديد.

 

ترجمة: د. فالح الحمـراني

....................................

* النيوسفيري (مجال الوعي البشري): مجال التفاعل بين المجتمع والطبيعة، في حدود أن يصبح النشاط البشري المعقول هو العامل الحاسم للتنمية (عن الويكبيديا)

 

 

هل يعيش البشر اليوم أفضل مما كانوا وقت محمد أو يسوع؟ إذا كان الجواب بنعم فيمكن عندها أن نتساءل إن شئنا، لماذا؟ ظهر الكثير من البشر منذ محمد حتى اليوم، من منهم المسؤول عن وصولنا إلى هنا؟ ابن تيمية مثلا يسميه كثيرون بالمجدد والمحدث الخ لكن أيا من هؤلاء لن يقول أننا نركب اليوم السيارات والطائرات ونستخدم الثلاجات والمكيفات الكهربائية بسببه .. ماركس أيضا أراد تحرير الطبقة العاملة لكنه لم يفكر في منح الطبقة العاملة بيوتا وأدوية أفضل .. ومن جهة أخرى كان ماركس نفسه يقول أنه معجب بجوردانو برونو، طبعا دون أن يحاول أن يقلده أو أن يعيش هواجسه .. مقارنة أخرى ليست في صالح ماركس أن الملايين من البشر، أكثرهم كان من الطبقة العاملة نفسها التي تحدث طويلا عن تحريرها، قتلوا، ذبحوا، جوعوا، سجنوا باسمه وباسم أفكاره بينما لا نعرف عن إنسان ضرب أو سجن باسم أفكار جوردانو برونو .. في الواقع لم تكن قضية ماركس أن يحصل العمال على بيوت أو مدافئ أفضل ولا حياة أطول أو أن يركبوا سيارات أسرع من الحصان .. صحيح أنه لم يكن ليمانع ذلك لكن هذا لم يكن البتة في دائرة اهتمام الرجل .. كان ماركس يسعى لإعطاء العمال حكاما أفضل، جلادين أفضل، سجونا أفضل، قوانينا ومحاكما أفضل، رجال شرطة ومخابرات أفضل .. يمكن لتلامذة الرجل ومريديه أن يقولوا أن السيارات والطائرات والأدوية الحديثة هي مجرد تحصيل حاصل لوجود الحكام الجدد والسجون الجديدة رغم أن هذا سيبقى مجرد قول بحاجة لإثبات، زعم ينقصه الدليل .. في الحقيقة يمكن قول نفس الكلام مثلا عن محمد، باول، بوذا، بل حتى عن ابن تيمية، ربما عن أي إنسان .. لا يهتم الحكام بالكهرباء أو الطاقة النووية أو حياة مواطنيهم أو التقدم العلمي أو العلم أساسا إلا إذا كان لهذا علاقة خاصة "بالأمن الوطني"، أمنهم، أمن "بلادهم"، بكلمة: بجيوشهم .. روسيا الستالينية اخترعت أسلحة وسجونا أفضل بكثير من السيارات والمستشفيات المخصصة للعمال وعلاجهم .. داعش التي لا تعترف أساسا بالعلم وتعتبر أنه كله مختزل بين دفتي القرآن لا تتردد في تعلم استخدام أفضل التكنولوجيات العسكرية وهي لا تستخدم آيات القرآن في تدمير دبابات الأعداء بل صواريخ التاو المباركة على قولة موسى العمر (لا أعرف مصدر البركة التي حلت على هذه الصواريخ بالضبط، لست عالما لاهوتيا متخصصا بالبركة لكن صواريخ التاو المباركة لها نفس مواصفات صواريخ التاو الكافرة وغير المباركة بالتالي، يبدو أني لن أفهم هذه الروحانيات أبدا) .. بالنسبة للحكم السوفيتي كان سلاح التشيكا والجيش الأحمر أكثر أهمية من خبز العمال وعندما خرج هؤلاء للتظاهر في 1921 احتجاجا على نقص الخبز وجدوا في انتظارهم الرصاص الذي كان وفيرا على عكس الخبز .. يبقى كل هذا جزئيا أفضل ولو بدرجة ما من استخدام هتلر والأمريكان "للعلم" ضد المثليين جنسيا واليهود والزنوج واليابانيين وشهود يهوه الخ .. هنا نصل إلى مسؤولية أشخاص مثل جوردانو برونو هم أيضا عن اختراع المدافع والصواريخ إلى جانب السيارت والطائرات والعلاجات الحديثة الخ الخ .. بشكل من الأشكال فإن يدا الرجل ملوثتان بدماء من ماتوا ببنادق الجيش الأحمر والبريطاني والعراقي والأمريكي وداعش ومن قضوا في هيروشيما ومعسكرات الغاز والغولاغ .. صحيح أنه لا توجد سجون أو جيوش ترفع راية جوردانو برونو، لكن لا يمكن لجيوش وسجون اليوم أن تكون بهذا التطور لولا جوردنو برونو وأمثاله .. هذا لا يجعل برونو بنفس منزلة ماركس بالطبع وأعتقد أن هذا الكلام سيسعد رفاقي الماركسيين .. إن جوردانو برونو ليس مجرما عن قصد أو عن عمد .. لم يفكر الرجل كما فعل ماركس لا بالسلطة ولا بالثروة .. الرجل حل مشاكل ماركس التقنية لكنه لم يفعل ذلك خصيصا لكي يتمكن تلامذة ماركس من قتل أعدائهم بمن فيهم من البروليتاريا بالجملة .. هذا يطرح أسئلة "وجودية" أكثر عمقا عنا نحن معشر البشر .. نحن جنس هش، لا يقل هشاشة عن الذباب الذي يعيش فقط لساعات أو ايام ويموت لأسباب تافهة جدا كالبف باف ويوجد أساسا فقط لإزعاج بقية الكائنات .. نحن جنس شديد الهشاشة لدرجة أننا نموت منذ سنوات وحتى اليوم في كل مكان، نذبح، بالمعنى الحرفي للكلمة، ندهس، نفجر، باسم أفكار رجل عادي جدا مثل سيد قطب .. في الواقع وحدهم كتاب العبث والتشاؤم والهراء من يمكنهم أن يزعموا أنهم أبرياء بالكامل من دماء إخوتهم البشر .. إذا قرأت إميل سيوران فإنك لن تقتل أحدا إلا نفسك ولا يمكن أن يوجد سجن أو "مستشفى أمراض عقلية" يحمل اسم نجيب سرور مثلا، بالمقابل لا يمكن لهؤلاء الإدعاء بأي فضل على تقدم البشرية لأنهم لا يرون فارقا حقيقيا بين البشر الذين يركبون الجمال أو السيارات ولأنهم لا يرون سعادة البشر في ركوب الطائرات والسيارات الخ .. صحيح أنه وجد من تحدث أكثر عن "حقوق الإنسان"، لكن الحديث عن "الحرية"، "العدالة"، "الأوطان"، "عالم أفضل" لم يستبعد أبدا القمع، السجون، الشرطة، القضاة، مستشفيات الأمراض العقلية، القضبان، الأسوار المرتفعة، المشانق أو الخوازيق أو ما يشبهها .. عندما سألت المثقف التقدمي الليبرالي المعارض عن عدد الناس الذين يموتون كل يوم بسبب كتاباته وهل يشعر بأي ذنب، نظر إلي مستغربا، وبعد أن نجوت من غضبه بسبب المفاجأة التي حلت به عندما قارنت بينه وبين قاتل مشهور معترف به مثل بشار الأسد، نجحت أخيرا في تحويل استغرابه إلى ضحكة هستيرية نصف مصطنعة عندما قلت له أن كل سني أو شيعي يقتل اليوم هو برقبته .. أما الشيخ الذي قلت له نفس الكلام في مكان آخر فكان أكثر ظرفا .. ضحك طويلا، ثم قال : ألا تعتقد أنهم يستحقون الموت يا صديقي، أنت أيضا، أنا، نحصل فقط على ما نستحق .. ضحكت عندها أيضا، فقد أسعدني أن يدعوني صديقه

 

 

مازن كم الماز

 

تتكون هذه الشخصية من مقطعين هما سايكو وتعني النفس وباث وتعني المعتل..

وتعرف الشخصية السايكوباثية على انها حالة من الاضطرابات النفسية وتصنف على انها (شخصية معادية للمجتمع) وهي اكثر الشخصيات تعقيدا لصعوبة تمييز صاحبها،حيث ان المعتل بها له قدرة بارعة بالتمثيل واتقان دور العاقل كما ان له قدرة فائقة على التلاعب بمشاعر الاخرين وافكارهم والسيطرة عليهم ثم التلذذ فيما بعد بالحاق الاذى ايا كان هذا الاذى، ويكون كلامه معسول يعطي وعودا كثيرا لايفي بها،ففي لحظة قد يصعدك الى سابع سماء ثم بعدها ينزلك الى سابع ارض تبعا لمزاجيته.

وتعود ملامح هذه الشخصية الى مراحل الطفولة الاولى حيث يكون الطفل كذاب كثير الشجار يسعى الى الايقاع بالاطفال وايذاءهم وتزداد هذه السلوكيات مع تقدم العمر حتى يصبح الكذب عنده سلوكا اعتياديا ونمطا اعتاد عليه حتى وان لم يعد عليه بالنفع فهويكذب من اجل الكذب وينافق ويتسلق ويسرق الاشياء البسيطة والكبيرة ويعتبرها شطارة..

من يقابل هذا الشخص للوهلة الاولى ينبهر باسلوبه اللطيف وقدرته على استيعاب الاخرين وكياسته المفتعله وشهامته الظاهرية الخادعة حتى يخيل اليك انه فارس من فرسان القرون الوسطى ولكن سرعان ماتنصدم ويتبدد كل شئ عندما تعاشره وتكون معه على المحك ..

وتمتاز هذه الشخصية بالعدائية وحب النفس المطلق اذ ان صاحبها بامكانه ان يدوس على اي شئ في سبيل مصلحته  ولايهمه مصائب الاخرين ويستغل ذكاءه بالتحايل على الاخرين وقد يصل عداءه الى الاجرام دون ان يرف له رمش..

ويقول المستشار النفسي مايكل كونور"ان هذا الشخص يحتاج الاخرين بشدة ولكن ليس كما المعتاد بل يحتاج اليهم لاشباع رغبة في نفسه"

هذا الشخص غالبا مايكون مستغلا للمراة ابشع استغلال جسديا ونفسيا ويحيل حياتها الى حجيم مطبق لانه شخص اناني لايهمه سوى نفسه وملذاته وبما انه اناني فهو معدوم الضمير لايردعه دين او عرف ويكون ميله الوحيد غريزي غير ابه باي مشاعر اخرى،يحقق ماتصبو اليه نفسه،يرتكب الاخطاء دون ان يعتذر عنها او يرف له جفن،تصور مالذي يفعله هذا النوع من الازواج بزوجته التي لاتملك ادنى فكرة عن اعتلاله.

وترجع اسباب نشوء هذه الشخصية تبعا لعلماء النفس الى عامل الوراثة وهو انتقال الصفات الوراثية من الاباء الى الابناء،والبيئة التي تربى فيها وطريقة تربيته وهناك راي يرجح الى وجود خلل في الجهاز العصبي.

وحقيقة الامر ان الموضوع طويل وشائك وساكتفي بالاشارة الى اهم المحاور وقد اشرنا من قبل انها احد اعمدة الشخصية السادية والتي يسمونها علماء النفس الثالوث المظلم.

وقد وضع العالم كليسكي عدة خواص وسمات لهذه الشخصية:

- ذكاء متوسط او مرتفع مع جاذبية مصطنعة

- عدم الثبات

- عدم الصدق وعدم الاخلاص

- غياب الضمير والخجل

- سلوك مضاد للمجتمع

- تمركز مرضي حول الذات

- الفشل في اتباع اي خطة للحياة

- انخفاض عام في معظم الاستجابات الوجدانية

- سلوك نرجسي مع الانغماس في الشراب واحيانا بدونه

- غياب العلامات الغير دالة على التفكير العقلاني

ان مريض السايكو باث قابل للعلاج لكنه صعب للغاية كما ان اغلب المصابين يتصورون انهم اصحاء وغير محتاجين لاي علاج، لكن الحقيقة ان هذه الشخصية غير سوية على الاطلاق وعليك تجنبها والا وقعت بحبائلها وخصوصا اذاكان زوجا ..

***

مريم لطفي

 

إطروحتنا المركزية

أن العراق بالأساس لا يعاني من الشرخ المجتمعي بعوامل داخليّة مجتمعيّة أو ثقافيّة، بمعنى انه ليس مجتمعاً يعاني من صراعات عرقيّة أو مذهبيّة على المستوى الاجتماعي .

إلا أنّه يعاني من الصراعات السياسيّة على السلطة التي توظف الخلافات المجتمعيّة من أجل تبرير مطالباتها بإدارة البلد على أسس مناطقيّة، وقبليّة،ومذهبيّة، وجهويّة .

الأطروحة المضادة : التي نحاول نقدها وتبيان تهافتها:

أوّلاً : المشاريع التي تحاول إسقاط إطروحة جاهزة بمنهجها وآليّات اشتغال مغتربة عن الواقع العراقي .

الثاني: هناك من يريد تسويق الانقسام السياسي الداخل وكأنه أمر مجتمعي ومرد هذا التأويل هو تنوع الغايات والاستراتيجيّات .

1- فيما يخص شرذمة المجتمع وخلق تناحر داخلي يسوق التدخل الإقليمي من أجل التحكم بالشؤون الداخلية .

2- أو من أجل أضعاف الدولة العراقيّة ؛ نتيجةً للتجارب السابقة التي كانت الدولة قد خاضت غمارها ؛أومن يحكم بها، وقد اعتمد هؤلاء على إيديولوجيّات شموليّة خلقت حالة منبوذة منالتأزم والحروب الإقليمية .

3- أو هيمنة دوليّة من أجل مصادر الطاقة أو التوسع بطابعه الامبريالي .

4- السياسات السابقة التي وظفت الانقسامات الداخليّة من أجل خلق مشروعيّة سياسيّة على أساس مناطقي أو اثني أو قبلي .

إستراتيجيّة الإصلاح: "وصولاً إلى خلق قيم التسامح والإسلام" :

بعد تعرضنا إلى الإطروحة و الإطروحة المضادة نجد أنّ العنف الذي حدث هو نتيجة مباشرة لما يسمّى بـ (تسييس المجتمع) وخلق مجتمع،وانقسامهِ تبعاًللانقسام السياسي سواء بفعل سياسات الأنظمة الداخلية أم الإقليمية أو الدولية وما خلّفته من آثار مدمرة في الواقع المجتمعي العراقي على صعيد: (الصحة، والاقتصاد، والفساد الإداري، والبيئة والتربية والتعليم، والخطاب السياسي)، وما يصاحبه من توظيف الخلافات المجتمعيّة من أجل غايات سياسيّة بدعم إقليمي ودولي إعلامياً وسياسياً عبر التدخل المباشر أو المال السياسي .

الحلول المقترحة:

1- تجنب توظيف الصراعات المجتمعيّة (عقائديّة أو مناطقيّة )في المنافسات السياسية : على صعيد الخطاب السياسي، والإعلامي، والمظاهر المسلّحة التي تقوم بتصعيد حدّة الخلافات وتعمقها .

2- تأطير عمل المؤسسات التربويّة والمنابر الدينيّة والمؤسسات الاعلاميّة بميثاق شرف مقيّد بتشريعات تحول من دون توظيف الخلافات العقائديّة والمناطقيّة باستثارتها وتقوم بتصعيد الخلافات من أجل منافع سياسيّة واقتصاديّة ضيقة النطاق .

3- وضع سياسة تربويّة على مستوى العراق والإقليم تراعي المشتركات وتعمقها كأطر عمل تعمق التعايش السلمي، وتحض على التسامح مع جميع الأطراف المختلف معها دينياً أو مذهبياً أو مناطقياً، وتوظيف التجارب العالمية في هذا المجال بعيداً عن الاجتهادات غير المدروسة .

4- وضع معالجات إلى الإخفاقات التنمويّة على صعيد الخدمات بوضع مراقبة قانونيّة تحارب الفساد وتوصل آليّات الشفافيّة اعتماداً على المعايير الدولية من أجل كسب الخبرات وتجنب الإخفاقات والابتعاد عن السكوت عن مواطن الخلل، من أجل تعميق أخلاقيّات المسؤوليّة التي توصل أخلاق التعايش والانتفاع بالوطن والاعتزاز به .

5- وضع مشاريع إعادة التأهيل : لمن تعرّض إلى أزمات نفسيّة واقتصاديّة واجتماعيّة من أجل عودته سالماً معافى .

6- وضع خطط عاجلة لتأهيل التيّارات العنيفة تراعي محاربة الأفكار المتشددة وتفكيك الأوهام الطارئة، وهذا يتطلب خلق سياسة فعّالة إصلاحية على صعيد الثقافة والدين بإنتاج منظومة تعمل على تجديد الخطاب الديني والبحث عن المشتركات التي تعمق التعايش والتعددية (الثقافيّة والدينيّة والسياسيّة).

7- كل هذه الآليّات بحاجة إلى إجماع وطني سياسي وديني ومجتمعي يمكن الوصول من خلاله إلى وضع قواعد العيش المشترك وتأصيلها قانونياً، وخلق منظمات قانونيّة تكون حريصة على مراقبتها .

 

د. عامر عبد زيد الوائلي - جامعة الكوفة

 

محمد ممدوحتجلى الله سبحانه لخلقه فلم يغب عنهم قط، لم يغب عن أبصارهم حتى وإن كان (لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) (الأنعام103) ولم يغب عن أذهانهم حتى وإن كان (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) (الشورى11) ولم يغب عن قلوبهم قط، بل ما خلق الخلق إلا لأجل أن يسكن تلك القلوب " ما وسعتنى أرضى ولا سمائى ووسعنى قلب عبدى المؤمن " (1) .. المؤمن بأنه الواحد الأحد، بأنه القوى الأقوى، بأنه الكبير الأكبر، بأن أمر كل شئ إليه، وبين يديه، ويصير كل شئ إليه، بأمره وبحكمته وقدرته يكون أو لا يكون كل شئ، وأى شئ، ملوك الأرض إلى جبروت مملكته كذرة في فلاة، وقوة الأرض مجتمعة، بمظالمها وجبروتها وعنجهيتها إلى قوته سبحانه كذرة في فلاة، كلٌ خاضع له، قائم ٌ به، مدرك لوجوده سبحانه، لا يغيب العقل عن إدراك تلك الحقائق أبدًا ولا الوجدان، كلٌ آمن بالله الواحد الذى ليس له شبيه ولا يدرك كنهه مخلوق.

لم يغب الله عن كونه وجودًا وتأثيرًا فاعلاً، لم تغب قوته المغناطيسية عن التدخل لتغيير مسار الكون كلما اقتضت إرادته، كما لم يمهل المعربدين فسادًا وإفسادًا إلا لحكمته وإرادته، ليسير قانون الدفع إلى منتهاه (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا) (الحج40) ثم ليسجل سبحانه في كشوف غيبه وغياهب لوحه ما يكون من المخلوق الذى ارتضاه خليفة في أرضه، ليميز الخبيث من الطيب بقانون الدفع، ثم ليقيم الموازين القسط لديه يوم تخشع الأصوات له بقانون العدل، فكان سبحانه هو صاحب هذه الحكمة المطلقة التى يجود علينا الواقع كل يوم بقبسٍ من مآثرها، أو ومضة من نورها، كل ذلك مما يدركه العقل المستقيم الذى لا عوج له ولا هوى، ليستقيم في القلب والعقل معًا أن الله هو كل شئ، وصاحب كل شئ، ومدبر كل شئ، وموجود في أرضه وسماواته، يراه المبصرون، بل وحتى أولئك الذين لا يبصرون، يسمعه المنصتون، بل وحتى أولئك الذين لا يسمعون، يعقله العاقلون، بل وحتى أولئك الذين لا يعقلون، إن كلٌ إلا يسبح بحمده، ولكن لتسبيحهم لا يفقه الكثيرون.

نرى الله بجوارحنا لا بعقولنا فقط، بأبصارنا لا ببصيرتنا فقط، بأجسادنا لا بأرواحنا فقط، نعم، نراه رؤية حسية لا كشفية، مادية لا روحية، ولكن أكثر الرائون لا يعقلون، ولا يتدبرون، ولا يجيدون قراءة اللوحة، أو تدبر المشهد ..

في ذاك الزمان السحيق، يسبح الكون بحمد بارئه، تركع الملائكة وتسجد، تزغرد الطير في جوف السماء ما يمسكهن إلا الله، يخرج أحد أبناء آدم ثائرًا على الفطرة، يقاتل أخاه، يتوعده بشر مصير، ولكن أخيه يمتطى حسن الخلق، يستدعى ملائكية السماء، تلك التى تتحول إلى إنسانية عندما تختلط بالبشرية، يجيب في غير ضجر، وفى غير سخط (لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ) (المائدة28) .. يرى الله المشهد، يرى النفوس في جلاء شفافها، يعلم القلوب على ضياء صفحات مائها، ينظر إلى الآثم الذى تطوع له نفسه قتل الوجود في محراب قدسه الأقدس، في ذات الوقت الذى ينظر سبحانه إكبارًا وإجلالاً إلى ذاك القلب النقى الذى آثر الله على الدنيا، آثر منهج الوجود على كل عاقبة حتى ولو كانت القتل، يتطلع إلى المشهد، ولكنه لم يتدخل .. كان يمكنه أن يهدى الظالم ويصبغ قلبه بنور الإيمان، أو على الأقل ينصر الخير على الشر، أو يلهم آباهم الحكمة الكافية لحل النزاع، أو في الأخير ينزع من قلبيهما أسباب التنازع، ولكن حكمته أبت إلا أن يسير كل شئ وفق تقدير حكيم، وقضاء عزيز عليم، ليمدح موقف المظلوم ويظل مادحًا له إلى الأبد، ويتوعد الظالم ويظل وعيده إلى الأبد (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا) (المائدة32)

هنا رأيت الله، رأيته متجليًا بلا حجاب، لا مرية في سبحات قدسه الأطهر، يسكن الوجود، تخر السموات والأرض هدًا، يخشع الكون كله هيبة وجلالاً وإجلالاً .. الله يلقى على الأرض أول الدروس، الله عدل، حتى وإن لم يتدخل لنصرته، الله ضد الظلم حتى وإن لم يتدخل لقمعه .. الله حياة، حتى وإن ترك الثائرين عليها يحطمون وجودها .. الله ضد الموت، حتى وإن ترك سياطه تنهش في أرواح عياله.

هكذا رأيت الله، رأيت حنانًا ذا فيض لا انقطاع له، ورحمة لا حدّ لها، وشفقة لا نهاية لها .. رأيته في قانونه الأول، الله مع الحياة ضد القتل، الله مع العدل ضد الظلم، أما حال انتصار القتل على الحياة، وقفز الظلم فوق العدل، فهذا كله مما يرجئه سبحانه إلى يوم الحساب، ليحكم الكون قانون الدفع في الدنيا، وليحكم قانون العدل يوم الفصل (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ) (الأنبياء47)

ولم يستوعب الكثيرون الدرس، لا لأنهم لم يروا ما رأيت، ولا لأن الله لم يتجلى لهم، ولكن فقط لأنهم عموا وصموا عن دلائل الرؤية وعمق المشاهد، أو ربما حجبتهم كثافة المادة عن متابعة أثير الروح، فغاب الله عنهم، بقدر ما غابوا هم عنه. 

رأيت الله في مشهد جليل، عجز العقل أمامه، ولكن وجود شهوده مكثت في فؤد الفؤاد، وتربعت فى قُليب القلب ..

مكان مجهول، لا يعلمه أحد، حتى ولا الملائكة، يخرج منه صوت موجوع.. يبتهل إلى الله في خشوع .. ينادى وقد فقد الأمل من كل موجود سوى القادر الذى لا يحيط بقدرته علم ولا يحدها حدّ، يخرج الصوت متهدجًا من شدة الإعياء ( لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ) (الأنبياء87) .. لم يميز أحد هذا الصوت، ولا الملائكة، ولكن الله يميزه، فلا يشغله صوت عن صوت، ولا تختلط عليها الأصوات وإن كانت لامعدودة، نعم، إنه صوت يونس، إذ خرج مغاضبًا، فقط أعطيه درسًا أن كل شئ بيدى، فقط أعلمه أنى قادر على كل شئ، وأنا الآن أعلم مكانه، وأرى جزعه، وأرى نياط عروق الحوت الذى يحمله..

ويخشع الكون كله لهيبة الموقف، الملائكة تتضرّع، والحوت يتوجس خيفة، ينتظر ماذا سيكون من أمرٍ تال، ليقطع الله هذا السكون بأمره إلى الحوت أن يلفظ عبده يونس إلى اليم دون أن يمد إليه يدًا بالسوء..

هكذا تختلط الأرض بالسماء، تنسكب دمعات الأرض تحت عرش الرحمن، فوق السماوات السبع، هنا نرى الله بلا رتوش، نراه برحمته، بحكمته، بعدله، بقيوميته، وما يعلم جنود ربك إلا هو، ولكن أكثر العقلانيين لا يعقلون، ولا يعتبرون، ولا يفقهون.

ملايين المشاهد التى رأيت فيها الله كالشمس ليس دونها سحاب تحاصرنى، فليس الله بمجهول لكونه أو خلقه، وليس بخافى على سمائه أو أرضه، ليس سبحانه ببعيد، بل هو أقرب مما يدرك العقل (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) (البقرة186) .. ليس سبحانه بمجهول، بل إن آياته التى تكسو الكون والوجود أعظم من العدّ وأكبر من الحصر، وما يعقلها إلا العالمون.

أنظر إلى غياهب الشفق، أترنم سر الأسرار، كون بديع ورب أبدع ما خلق، أحسن كل شئ خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين، تطوف الذاكرة لتلتقط ذاك المشهد .. صوت موجوع يمزق حجب السماء، يقطع السنوات الضوئية متجهًا إلى العرش .. إلهى .. ولدى لا يعلم مكانه سواك .. وأنا متضرع إليك منقطع أملى من كل أحدٍ سواك .. أشكو بثى وحزنى إليك .. فأنت أكرم من يُسأل وأجدر من يجيب وأحق من يُدعى..

خرجت تلك الكلمات من قلب ممزق ألمّ به الشتات، إنه قلب نبى الله يعقوب .. يعتصر قلبه همًا وكمدًا وألمًا على فراق ولده.. ويوسف فى مصر لا يقل لوعةً عن لوعة أبيه فى أرض الشام، وتتدخل إرادة الله ليقدر اللقاء للكريمين، لقاء تخللته التدابير، تدخل القدر عبر مناسبات عدة خلال تلك السنوات، يهيئ الله الأسباب، يشق غياهب الأرض بحُجُب السماء، يفتش للناس بعضًا من أسراره، يضخ لهم الأمل عبر أنابيب اليأس، يسوق إليهم الفرج عبر قناطير الضيق .. هكذا بدا الله للعيان، ليراه الجميع، مبصرون وغير مبصرين، يتطلعون إلى المشاهد التى جمعت التناقضات كلها .. فراق ولقاء .. عمى وبصر .. ضيق وفرج .. عسر ويُسر .. سجن وملك .. فرح وحزن .. تجتمع تلك التناقضات كافة بتهيئة من الفاعل الرئيس لها، والمدبر الحكيم والأوحد لسُبحات قدسها .. بدا الله عبرها رحيمًا، حكيمًا عليمًا.. بدت رحمته من عمق المأساة .. وبدا عطاؤه من جوهر المنع، وبدا تدبيره من معين حكمته .. وبدا لطفه من خفى تدبيره .. ليُخرج لنا لوحة قدرية مبدعة لو اجتمع لها أهل الأرض والسماء على أن يصبغوها بتلك القدسية وبألوان الجلال والكمال تلك ما نالوا منها إلا شذرًا لا يُغنى ولا يُسمن من جوع، ولعادوا إلى أنفسهم ملتمسين كمال الجلال من ذى الجلال وحده.

ذات القدر من وضوح الرؤية، وذات القدر من البلاء أيضًا، وذات الدعوات الشاكيات نسمع نبر حزنها فى مكان آخر، وفى ظرفٍ آخر، حيث يمكث نبى الله أيوب طريحًا، طال عليه البلاء، قلّ حوله الأعوان .. دون أن يفت ذلك فى عضُد إيمانه، ودون أن يوقف ذلك عن التسبيح لسانه، ودون أن يسرى اليأس.. أدنى اليأس، إلى قلبه .. يخرج صوته منهكًا من قلة العافية وضآلة الجسد .. (وأيوب إذ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) (الأنبياء 83) .. وما كان للسماء أبدًا أن تتخلى عن الأرض، وما كان لله أبدًا أن يتخلى عمن دعاه، أو يغفل عمن ناجاه، ما كان له إلا العطاء بلا حدود .. فالله عطاء .. الله حياة .. الله وجود، الله رحمة .. (ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ) (ص42) هكذا عمق الرحمة فى خفى التدابير، الأمر أيسر مما يفكر فيه العقل، لأنه متعلق بإله مطلق القدرة، إله مطلق الأمر، مطلق التدبير، كل شئ يخضع له بذلة دون أن يعجزه شئ، وكل شئ ينكسر لإرادته دون أن يكبُر عليه شئ، وكل شئ يُذل لعظمته حبًا أو كرهًا دون أن يعانده شئ (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ) (فصلت11) .. طائعين لا مرغمين، وما كان لشئ أن يشذ عن أمر الله، وما كان لأحدٍ، أى أحد، وكل أحد، أن يمتنع عن قدر الله، أو ينجو من قضاء الله إلا بإرادة الله، ولكن حتى تلك الدروس البسيطة لا يعيها كثير من المتنطعين، وما يعلمها إلا المبصرون.. ما الفارق بين دعوة يعقوب (قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ) (يوسف86) ودعوة أيوب (أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ) (الأنبياء84) .. كلاهما دعوات خرجت من الاستعانة بالأرض للإستعانة بالسماء، كلاهما خرجا من قلبين موجوعين، كلاهما يستغيثان الله ربهما، الفارق الوحيد أن الحدث مختلف شكلاً دون المضمون .. أحدهما فقد ولده، والآخر فقد نفسه .. يا له من تشابه عجيب، اتحدت فيه الدعوات، وصعدت لله الدعوات، واتفقت فيه النهايات.

يعقوب يعود بصيرًا ويرتمى في حضن ولده يوسف ليمزق ما تركه الشتات من أسى ولوعة، وليكسر ما تيبس من حزن وكمد على بساط وجه اللقاء .. وأيوب يرتد لعافيته ليمزق الهواء بيديه، ويصعد بالدعوات الشاكرات .. والله من فوقهما يتبدى للمبصرين بآياته الباهرات، بقدرته المعجزة للعقول والأفهام، يتبدى برحماته وواسع فضله، بحكمته ورحيم إحسانه، بعدله وقسط ميزانه..

هكذا بدا الله، وهكذا يبدو نورًا يضئ للسالكين ..

إنه ذات النور الذى شق حجُبه صراخ ذاك الطفل الرضيع، في مكان لا نبض فيه ولا حياة .. لم تصعد منه دعوات، ولكن الله لديه علمٌ بحاله .. لديه العلم بالسر والعلانية، يضرب الصغير الأرض بقدميه يأسًا وعجزًا وضجرًا .. يُفجر الله له الماء من تحت قدمه، وكأنه يلقن إسماعيل الصغير درسًا في الصغر .. " إن ضربات بأسك وضجرك، لن يقابلها إلا رحمات منا وفرج " .. يا لها من رسالة موجزة .. رسالة تخاطب القلوب والعقول، لا يأس أبدًا من روح الله، لا يأس من تغيير الواقع أو تفريج الهموم أو وضع حدٍ للظلم، فقط مجرد صبر، فقط مجرد يقين في الله سبحانه، مجرد استسلام لأمره حتى ولو بلا دعاء، فالله يعلم ما في القلب وإن لم يتحدث اللسان، الله يعلم مكنونات الصدور حتى وإن أخفت الأعين أو خرست الألسنة..

كان الله باديًا لكل ذى عينين في ذاك المشهد، وكان أكثر بدوًا عندما بلغ هذا الصغير السعى مع أبيه، ويمضى أمر الله بالذبح .. يتوقف الكون كله لهيبة الموقف، تطير القلوب فزعًا، وتنخلع الأفئدة حزنًا وتطير الأرواح هلعًا .. الله الذى يحمى الحياة هو ذاته من يقضى عليها ؟! أيصدر أمرًا بالقتل من إلهٍ ضد القتل ؟ كيف يأمر الله بما لا يقبله ؟! إنها لمعضلة كبرى في الأفهام لا في القضاء، معضلة يتدخل الله بحلها في اللحظة الأخيرة، حيث كان النزع قاب قوسين أو أدنى (وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ) (الصافات107) .. ذبح من الغنم فداءً لذبح من الإنس، ليكون الإنسان سيدًا فوق كل شئ، حياته مقدمة على حياة كل شئ، بل إن الحيوات الأخرى ما كانت إلا لحياته، وما كانت إلا لفدائه، وما كانت إلا لبقائه ولوازم وجوده..

هكذا تقرأ المشهد .. نقرئه فى (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) ونقرئه في (قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى) (طه46) ونقرئه في (وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (آل عمران134) ونقرئه في (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا) (البقرة83) ونقرئه في (فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (9) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ (10) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (11)) (الضحى9-11) .. تلك بعضًا من المشاهد التى نرى فيها الله بوضوح، نراه بجلاله، وبتمام كماله، وبعظمة هيبته وعمق حكمته وروعة تدابيره .. نرى الله في كل لحظة، حركة أو سكون، فناء أو بقاء، منع أو عطاء، وأعظم ما في هذه التناقضات كافة، أنها جميعًا تؤكد حقيقة واحدة مؤداها : الله موجود.

نعم .. الله موجود، مطلع على كونه، أرضه وسمائه، يعلم خائنة الأعين وما أخفته الصدور .. الله موجود في كل كائنةٍ، تقف حكمته خلف قدره، وتقف رحمته خلف تدبيره .. وتقف عظمته خلف قضائه..

كان الله ولم يزل، كان في عالم الغيب بذات القدر الذى بدا في عالم الشهادة وبدا في عالم الشهادة بذات القدر الذى ستر به حُجبات غيبه، بدا في أرضه وسماواته، في خلقه وشئونه، في تدبيره وتصريفه، في كل كائنة يرتسم اسمه، وفى كل خافية تحتجب حكمته، وفى كل قدرٍ تتشكل عظمته .. ليس كمثله شئ، هذا حق، ولا تدركه الأبصار، هذا عين اليقين وحقه، ولكن تدركه القلوب والأفهام، تدركه الأفئدة والبصائر، تدركه العقول ويستوعبه أولوا النهى ..

رأيت الله ليس فقط في تدابيره وخفى ألطافه وبديع صنعه وعمق رحمته وواسع حكمته، فهذا مما يدركه كل أولى العقول والأبصار، ولكنى رأيت الله من زاوية أخرى، من موقف مغاير، رأيته سبحانه في عمق قلبى حاضرًا، رأيته في فؤادى مستويًا ومتربعًا، حدّثته طويلا ومرارًا، سمعت صوته بآذان روحى لا بآذان جسدى، وسمعت حكمته بمعين فؤادى، عاينت الأزل، وما بعد الأزل، شققت حجب الغيب، وما بعد الغيب، وما كان هناك شئ غير الذى يسكن كوننا، الله في غيبه هو الله في شهوده، هو الحياة، الوجود، الإنسانية، الرحمة، العطاء، اللطف، التدبير الخفى لصالح الإنسان دومًا، الله لا يخطئ، لا ينسى، لا يظلم (لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى) (طه52) (وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ) (الأنبياء47) الله عالم لا يعزب عن علمه شئ في الأرض ولا في السماء، مدبر لا يتفلت من حكمته شئ في الأرض ولا في السماء، رحيم لا تسع لرحمته الأرض ولا السماء، هكذا رأيت الله، وبذا عرفت الله، وهذا يقينى في الله، غيبه يوافق لدىّ شهوده، وشهوده يُصدّق لدىّ غيبه، ويتجلى سبحانه بذاته لمن يصطفى من خلقه، أولئك هم الأخيار، الذين تجردوا وتزودوا، فأخلصوا وخلصوا، فاختارهم الله ليبدو لهم، ومن أجمل من الله، وما أعظم مثوبة من رؤيته.  

 

د. محمد ممدوح

من حجرة مولانا الإمام الحسين بن على

غرة المحرم 1439هـ

.................

 1) المقاصد الحسنة فيما اشتُهر على الألسنة، حديث رقم 944

 

تعرف الساديّة على انها اضطراب نفسي سلوكي يقوم على ايذاء الطرف الاخر (الشريك) غالبا جسديا و معنويا للوصول الى المتعة..

وتنسب السادية الى ماركيز دي ساد الاديب الفرنسي المشهور الذي تميزت شخصياته بتعنيف الاخرين بدنيا ومعنويا..

ورغم ان الحديث عام لكن انتشار السادية يكون بصورة اكبر بين الذكور خصوصا في المجتمعات التي يسود فيها الطابع الذكوري.

ويجزم علماء النفس على ان هذه الشخصية تعتمد على ثلاثة اعمدة اساسية وهي (النرجسية) والتي تعني حب الذات والانانية (انا وفيما بعدي الطوفان)

(سايكوباثية) وتعني الغطرسة والتلاعب بالاخرين مع عدم الشعور بالتعاطف او الذنب اوالندم على الافعال الخاطئة ثم شرعنة ذلك تحت اي بند..

(ميكا فيلية) وهي العمل بمبدأ الغاية تبرر الوسيلة..

- وساقوم لاحقا بشرح كل حالة على حدة-هذه الصفات مجتمعة تكوّن الشخصية السادية، وساتناول هنا موضوع الزوج السادي..

ان ايقاع الالم بالطرف الاخر (الزوجة) هو شرط اساسي لاثارته وشعوره بالنشوة ولايقتصر ذلك على العلاقة الحميمة كما يتصور البعض بل يتعداها ليكون سلوكا روتينيا يوميا يمارسه ضد زوجته بينهما او امام الاخرين، بل انه يبالغ بهذا الامر اكثر امام الاخرين بسب زوجته وشتمها واستخدام الالفاظ النابية والتجمعات تغريه اكثر ليري مواهبه للاخرين ولايهمه ان كان هؤلاء الناس اقارب ام اغراب في مكان خاص كالبيت كأن يكونون مدعوون الى مناسبة او انهم يستضيفون احدا، او في مكان عام في شارع او مطعم او دائرة حكومية، غير آبه بمشاعرها او انها تمثل الجزء الاكبر من كرامته، هذه الافعال المريضة يعتبرها السادي بمثابة الحبل السري الذي يغذيه بديمومته، فالقسوة والترهيب والعنف والعدوانية وحب السيطرة وتقييد الحريات الى ابعد الحدود والتحكم بكل صغيرة وكبيرة يرافقها الوسوسة والتدخل باتفه الامورمع عدم الشعور بالذنب حيال هذه الافعال المريضه، هذه السمات الاساسية لهذه الشخصية ومن الصفات الاخرى:

1- الكآبة

2- العصبية

3- الانطواء

4- الفصام

5- جنون العظمة

وتعود جذور تكوين هذه الشخصية الى مراحل الطفولة، البيئة التي نشأ فيها، فمن الممكن جدا ان يكتسب الطفل ذلك من ابويه، تعرضه للتعنيف والقسوة الشديدة مما ولّد لديه رغبة الانتقام لنفسه من الاخرين ظنا منه ان ذلك يعيد اليه بعض الاعتبار، فتتبلد عنده المشاعر ويتعود على القسوة واللعن كجزء لايتجزء من شخصيته، ويعتبر الزوجة خصمه الذي لابد النيل منه باي طريقة..

ان المعاناة العظيمة التي تعانيها الزوجة ازاء هذه التصرفات المريضة الغير سوية بل المقرفة التي تتمخض عن معاناتها وخجلها من الاخرين ونفورها من هذاالزوج الذي لايفتأ عن اذلالها والتقليل من شأنها لينتهي الامر غالبا بالطلاق او الهروب او حتى الانتحار لاستحالة الحياة، اما اذا صبرت وتحملت كل هذا القرف فتكون بالتاكيد قد تخلت عن انسانيتها وكرامتها من اجل ان تستمر الحياة.

ان علاج هذه الحالة ليس امرا سهلا ابدا فلابد ان يعالج الشخص السادي عند اخصائي امراض نفسية وهذا الامر يتطلب وقتا طويلا نظرا لصعوبة علاج الموروث والمعتقدات والامراض النفسية وخصوصا اذا رفض العلاج واعتبر الاخرين هم المرضى وليس هو فتلك الطامة الكبرى.

 

مريم لطفي

 

هناك نظريات ومذاهب فلسفية غالت في تقديرها للانسان؛ فجعلت منه الها، بعد ان انكرت الاله الحق. وفي هذا السياق، تأتي الوجودية والتي هي اسلوب في التفلسف كما يرى بعض الباحثين، اكثر منها فلسفة؛ فهي ليست نمطا فلسفيا محدد الملامح كالمذهب العقلي والمذهب التجريبي؛ ولذلك نجد سارتر والوجوديين الفرنسييّن وهيدجر ملاحدة، بينما نجد سيرن كيركغورد مؤمناً .

الوجودية انطلقت من الانسان، على خلاف الفلسفات التي انطلقت من الطبيعة، وعالجت مشكلات نفسيّة، كالقلق والغثيان والخطيئة . وهذه مسائل لم تحظ باهتمام الفلاسفة . وهذا يدعونا الى ان نعود الى بداية بروز الفلسفة الوجوديّة بعد الحرب العالميّة الاولى، وماخلّفته هذه الحرب من ماسٍ وويلاتٍ ودمارٍ وخراب؛ لكي نقرأها في سياقاتها التأريخيّة .

ركزّت الفلسفة الوجودية على الانسان، واعتبرته هو الوجود الاصيل، وان وجوده سابق على ماهيته . وعبّرت عن الوجود الانساني (بالوجود لذاته) والموجودات الاخرى (بالوجود في ذاته) .

صاحبت الفلسفة الوجودية، موجة من التمرد، واسقاط كل شيء، وانكرت وجود الخالق، اذا عبّر سارتر عن الله تعالى بانه: (خرافة ضارّة) .

هذا انموذج من الفلسفات والرؤى التي بالغت في تقدير قيمة الكائن الانساني . وهناك نمط اخر وفلسفات اخرى ازرت بالانسان، وانزلته عن قدره ومقامه، وشيّات الانسان، اي: جعلته شيئا كسائر الاشياء.

من هذه المذاهب ماعرف (بالمذهب الفيزيائي في الفلسفة) او (النظرية الفيزيائية) وهي: (اطروحة فلسفيّة وجوديّة تقول بانّ: (كل شيء فيزيائي) وانه: (لايوجد شيء فوق او ماوراء المادة الفيزيائيّة او انّ كل شيءٍ تابع للمادة الفيزيائيّة). نقلا عن ويكيبيديا

هذا المذهب الفيزيائي يزري بالانسان وينزل من قدره ويشيّئه . هذا المذهب يختزل الوجود الانساني بالمادة، فيتعامل مع الانسان وكأنّه جهاز كوكمبيوتر معقد، والعقل الانساني يختزل الى مخ انساني تجري عليه القوانين البيولوجية، ولاشيء اكثر من ذلك .

في هذه النظرية الفيزيائية الالية، لاوجود لعقل وروح ونفس وارادة حرة ومشاعر، وانما الانسان عبارة عن جهاز كومبيوتر معقّد خضع لبرمجة شاملة .

ومن النظريات التي تحط من منزلة الانسان الذي كرمه الله تعالى: ولقد كرمنا بني ادم، نظرية دارون الذي ترجع اصلة الى حيوان وحيد الخليّة . ومن النظريات التي تحطّ من منزلة الانسان وتزدريه نظرية فرويد التي جعلت كل سلوكه محكوما لغريزة الجنس، فلادوافع سامية، ولاغايات نبيلة لسلوك الكائن الانساني . والنظرية السلوكية في علم النفس جعلت سلوك الانسان سلوكا عضويا بيولوجيا، فليس هناك ارادة حرة يقرر الانسان من خلالها مصيره . ونظرية كارل ماركس جعلت من الكائن الانساني اسيرا لوسائل الانتاج وعلاقات الملكية؛ فهي التي تقرر مصيره ووضعه الطبقي والاجتماعي والسياسي .

نظرية الاستخلاف القرانيّة

وتاتي نظرية الاستخلاف القرانيّة وسطا بين نظريات الغلو التي تجعل من الانسان الها لاقوة فوقه، ونظريات الازدراء بالانسان التي اختزلت الانسان الى شيء من الاشياء او خاضعا لغرائزه او اسيرا لقوى الانتاج ووسائله .

الانسان خليفة الله

الانسان في الرؤية القرانيّة كائن مكرّم، فقد اختاره الله ليكون خليفته في ارضه، يقول الله تعالى: (واذ قال ربك للملائكة انّي جاعلٌ في الارض خليفةً) . البقرة: الاية: 29.

ونظرية الاستخلاف القرانيّة تجعل من الانسان كائنا محوريا في الوجود، ولكنّها تبقي هذه الثنائية بين الرب والعبد، ولاتحل العبد محلّ الرب . ومجال خلافة الانسان في الارض، كما جاء في القران:

(وعد الله الذين امنوا وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الارض كما استخلف الذين من قبلهم) . النور: الاية:53 . واشترط في الخليفة العلم، فالله علّم ادم الاسماء كلها: (وعلم ادم الاسماء كلها). واذا اخل الخليفة بشروط الاستخلاف يستبدل وفق قانون الاستبدال:

(فان تولوا فقد ابلغتكم ما ارسلت به اليكم ويستخلف ربي قوما غيركم ولا تضرونه شيئا ان ربي على كل شيء حفيظ) . هود: الاية: 56 .

 

زعيم الخيرالله

 

ميثم الجنابيهناك بديهيتان وجوديتان وطبيعيتان تتعايشان وتتناقضان بقدر واحد. الأولى تقول، بان الشمس تشرق دوما من الشرق وأفولها في الغرب دوما! والثانية أن وجودهما متلازم بالضرورة. وحالما يجرى نقل هذه الحقيقة من ميدان الوجود الطبيعي إلى ميدان الوجود التاريخي للأمم، فإننا نقف أمام مفارقة حية وديناميكية ومتناقضة، لكنها تشكل في نهاية المطاف إحدى الصيغ الطبيعية أيضا للوحدة، بعدما تقطع أشواطها الضرورية للنمو والتكامل. فالنمو حراك وعراك. والتكامل أيضا. بعبارة أخرى، إن ظهور "الشرق" و"الغرب" لا يتطابق مع حالة شروق الشمس وغروبها، ولكنها تعكس ما يمكن دعوته بالخط البياني والتمثيلي لواقع يضغط بتأثيره على الوعي الثقافي للأمم بوصفه جزء من تقاليدها وتطورها وآفاقها، اي جزء من الحالة التي لازمت ظهور وتطور وتنوع فكرة الشرق والغرب. مع ما لازمها من تنوع في التفسير والتأويل والتأسيس المنطقي والأيديولوجي. لكنها تبقى جميعا في نهاية المطاف مجرد مظهر من مظاهر الصيرورة التاريخية لما ادعوه بظهور واستتباب المركزية الثقافية للأمم.

فمن الناحية الشكلية تتطابق صورة صعود الشمس من الشرق وغروبها في الغرب مع الصورة التاريخية لشروق المدنية والحضارة في الشرق وتكاملها الحديث في الغرب (اي غروبها أيضا، كما توصل إليه شبنجلر في كتابه "أفول أوربا"، بوصفها عملية طبيعية لنمو الثقافة وتصلبها في حضارة). أما من الناحية الفعلية، فان صعود الشرق والغرب هو مظهر من مظاهر الصيرورة التاريخية والكينونة الثقافية للأمم من جهة، وانعكاسها الأيديولوجي من جهة أخرى. وذلك لان فكرة الشرق والغرب من حيث مقوماتها الأيديولوجية هي مجرد تحويل الأبعاد الجغرافية في رؤية ثقافية، بينما الرؤية الثقافية لفكرة الشرق والغرب، هي مجرد انعكاس أيديولوجي للفكرة السياسية. وكلما يرتقي الوعي النظري إلى مصاف الرؤية الثقافية الكونية الخالصة، كما كان الحال بالنسبة للثقافة العربية الإسلامية الكلاسيكية، كلما يقترب أكثر من معايير الرؤية الإنسانية الخالصة، اي فكرة الإنسان والعقل والحيوان الناطق. ومن الممكن رؤية هذه الصيغة المتسامية والدقيقة في مختلف أنواع التصنيف التي وضعها علم الموسوعات الإسلامي في حدّه وتحديده لنماذج الأمم وإبداعها. كما يمكن رؤية حصيلتها النظرية المتسامية عند صاعد الأندلسي (419- 462 للهجرة= 1029- 1070 ميلادية) في كتابه (طبقات الأمم).

لكن الأمر يختلف حالما تصبح فكرة الشرق والغرب علاقة، ومن خلالها تتبلور مواقف وتأويلات سياسية وثقافية. لكن هذه الحالة المثيرة التي مازالت تفعل فعلها في الصراع الدولي المعاصر، هي أيضا طور من أطوار التطور الذاتي للأمم والتاريخ العالمي. كما أنها تعكس حالة الارتقاء الذاتي للمركزيات الثقافية في موقفها من النفس والآخرين. بعبارة أخرى، إن تحول فكرة الشرق والغرب إلى ثنائية متصارعة أو متعادية أو متناقضة أو عصية على الحل هي جزء من خصوصية الارتقاء الذاتي للفكرة الثقافية السياسية عند الأمم، كما أنها تعكس مستوى وحالة الوعي الذاتي للمركزيات الثقافية. ولا تخلو هذه العملية المتناقضة والمعقدة من عنف ودموية ونزوع لا عقلاني بأثر بقاء الغزيرة وفعلها في العقل الباطن للثقافة، اي ما لم تنتقل بصورة فعلية إلى مرحلة الرؤية الحقوقية الأخلاقية في تطورها التاريخي.

وعندما ننظر إلى مثال الحالة السورية والصراع حولها، فان من الصعب تجاهل الأثر الفعال والعميق للمركزية الثقافية في بلورة المواقف السياسية منها. الأمر الذي يشير إلى أن الأبعاد الثقافية للصراع هي جزء من تاريخ الدول والأمم والمصالح. فالصيغة العامة والظاهرية التي أخذت بالتبلور الواضح والجلي يقوم في صراع الشرق (الصيني – الروسي) والغرب (الاوروامريكي). ولا يكفي حدّ هذا الصراع بمعايير الرؤية الاقتصادية والمصالح العابرة فقط. وذلك لان هذه الأخيرة لها محدداتها أيضا في الأبعاد الثقافية الدفينة. فمن الناحية الشكلية لا خلاف جوهري كبير بين النظم الاقتصادية السائدة في الشرق والغرب، بمعنى إنهم جميعا يدعون ويعلنون ويمارسون اقتصاد السوق، اي الصيغة العامة لتنوع الاقتصاد الرأسمالي. بينما تختلف وتتناقض كتلة الشرق الرأسمالي مع الغرب الرأسمالي. وعندما نرجع هذه الكتلة إلى إطارها التاريخي الجغرافي الثقافي، فإننا نقف أمام اختلاف عميق في هيئة ومضمون المركزيات الثقافية الكبرى المتبلورة في كليهما على امتداد قرون من الزمن. وفي العصر الحديث تمظهرت المركزية الثقافية (الغربية) الأوربية ولاحقا الأمريكية، ثم الاوروامريكية الحديثة، بهيئة كولونيالية (سافرة ومقنعة)، بينما تمظهرت المركزيات الثقافية الكبرى (الروسية والصينية) بهيئة مراكز مضادة للكولونيالية بحيث نراها في تاريخ وأطوار روسيا البلشفية، وروسيا "الليبرالية"، وفي الصين الشيوعية و"اشتراكية الوجه الإنساني"، في موقفها من الغرب كما هو جلي في الحالة السورية.

بعبارة أخرى، لا يمكن فهم حقيقة الصراع بينهما وتفسيره بمعايير وقواعد الرؤية الجيوسياسية، والجيواقتصادية والجيوعسكرية. إذ أن فاعليتها موجودة حتى بين "القوى المتحالفة" في الشرق والغرب على السواء. إلا أن التكتل المستميت بينهما في الموقف من القضية السورية، يشير إلى فاعلية المركزية الثقافية بوصفها قوة جيوثقافية هائلة في الصراع الحالي بين الشرق والغرب. ذلك يعني أن جذور المنافسة والصراع ليست محددة بالاقتصاد والعسكرة، بل وبالأبعاد الثقافية التي تجعل من الصعب التقاءهما، ما لم يقفا كلاهما أمام "عرش الله ليحتكما"، كما عبر عنه ردوارد كبلنغ في قصيدته الشهيرة. وفيما لو جرى نقل هذه الفكرة من علياء الرؤية الشعرية والبيان إلى واقع التاريخ السياسي الفعلي، فإننا نرى فيها أيضا إشارة إلى أن الالتقاء بين الشرق والغرب مستحيل ما لم تصل المركزيات الثقافية الشرقية بمعاييرها الذاتية وتطورها التلقائي صوب تكامل الفعلي التام. فالوعي الشرقي مشبع بتاريخ عريق، والغربي أيضا. ولكل منهما مساره ومذاقه الخاص في تحسس وفهم قيم الخير والجمال، اي المكونات الجوهرية للوجود الإنساني. فهو المسار الواقعي الوحيد القادر على إيقاف الجميع عند حدودها، لكي يأخذ العقل العلمي والحقوقي والأخلاقي دوره الفعال في إدارة الصراع والتكامل على النطاق العالمي. ومن الممكن رؤية هذه الحالة المتناقضة والدرامية أيضا على مثال العولمة المعاصرة وانعكاسها في الصراع الدائر حول سوريا. حيث نرى بعض ملامح اللاعقلانية الفاقعة في وقوف الغرب (المتمدن والليبرالي) إلى جانب اشد السلفيات تحجرا وإرهابا!

كما نعثر في هذه العولمة على استعادة جديدة لنفسية وذهنية المركز والأطراف والكولونيالية الجديدة والأقطاب وتحللها في الوقت نفسه. بمعنى إننا نرى فيها ظهور وتبلور الحدود الذاتية للإمكانيات المرتبطة بصعود "الأقطاب" المتعددة، بوصفها مركزيات ثقافية أيضا. وإذا كان الغرب (الأمريكي) بالأخص قد بلور فكرة أيديولوجية عن صراع الحضارات، فإنها تعكس ليس فقط بعض نماذج الرؤية المستقبلية للصراع، بل وتتمثل تقاليد عريقة في مواجهة الشرق شكل عام والإسلامي بشكل خاص. وليس اعتباطا على سبيل المثال أن تتبلور التقاليد الفكرية والسياسية الروسية (وبالأخص ضمن تيارات السلافية والأوروآسيوية) ضمن سياق الموقف الثقافي المناهض للغرب الأوربي، كما هو جلي على سبيل المثال عند دانيليفسكي (1822-1885) في كتابه الشهير (روسيا وأوربا). بينما نرى الصين تدعو في الفترة الأخيرة لاستعادة "طريق حرير" جديد يحرر الشرق والغرب من نفسية وذهنية الهيمنة والاستحواذ. الأمر الذي يعكس طبيعة الصراع المرتبط بما ادعوه بصعود المركزيات الثقافية الكبرى. وهي مرحلة تتسم وسوف تبقى لفترة طويلة بقدر هائل من المشقة والتضحية، وذلك لأنها مرحلة انتقال تاريخية ثقافية وحضارية كبرى. والسبب يكمن في كونها مرحلة عالمية موحدة وليست محلية، كلية وليست جزئية. فإذا كانت المركزية الأوربية نتاج تاريخ متوحد نسبيا وديانة نصرانية وتقاليد كاثوليكية (عالمية) ثم رأسمالية وكولونيالية، فان مركزيات الشرق متعددة ومتنوعة (صينية، روسية، هندية، عربية = بوذي، أرثوذوكسي، إسلامي) لكنها تحتوي على احتمال التكامل في رؤية مستقبلية تضع حدا لتقاليد الهيمنة من خلال صنع توازن معقول.

إن الصعود الشرقي الحديث والمعاصر، بوصفه حالة تلقائية للتطور والتكامل الذاتي ليس صراعا بين الحضارات، بل استكمالا له ولكن بمعايير المستقبل. وذلك لأنه ينتج مركزيات ذاتية أو أقطاب حديثة تعمل من حيث آليتها وطاقتها على صنع التوازن الضروري من اجل صنع عالم موحد محكوم بفكرة العلم والحقوق والأخلاق.

وعندما نطبق هذه الرؤية العامة على الحالة السورية (والعربية عموما)، فإننا نقف أمام تقاليد ومراحل في المواجهة والصراع والتداخل تمثل حالات الانتقال من المواجهات التاريخية القديمة للإمبراطوريات إلى صراع مستمر ولكنه معجون بعقائد كونية (دينية وفلسفية). فقد كان وادي الرافدين (العراق والشام) بؤرة الثقافة الكونية القديمة ثم العربية الإسلامية ثم العربية الحديث (القومية). أنها بؤرة وادي الرافدين والهلال الخصيب والمشرق (الإسلامي) ثم المشرق العربي. ومن ثم فهي المنطقة الجوهرية في الفكرة العربية وتراكمها التاريخي. فإذا كانت شبه الجزيرة العربية، على سبيل المثال، هي مصدر الإمداد البشري وبوادر الفكرة الدينية (الإسلامية)، فإنها تحولت إلى فكرة كونية وثقافية بفضل العراق والشام. وذلك لأنها المنطقة التي تمثل جغرافيا التأسيس الثقافي للدولة والأمة العربية ومحل تراكم الأطوار التاريخية للحضارة الإسلامية. وليس مصادفة أن تكون هي أيضا المنطقة التي توحدت دوما بمعاركها الطاحنة. بمعنى أن الصراع بين العراق والشام هو صراع من اجل مركزية الدولة والأمة والحضارة (دمشق ثم بغداد، أو الأموية ثم العباسية). وقد كان ذلك مجرد غلاف سياسي لعملية تاريخية معقدة تتسم بطابع منظومي، تقوم في انتقال الثقافة من مرحلة البنية الدينية اللاهوتية السياسية إلى مرحلة الثقافة والحضارة الكونية. وضمن هذا السياق يمكن فهم السر القائم وراء تحول الشام إلى محل الصراع بين أوربا والمشرق (السامي) ثم العربي. على امتداد تاريخهما. إذ نقف أمام موجات رومانية ثم أوربية قروسطية ثم حروب صليبية ثم غزو كولونيالي. وفي مجراها كانت النتيجة واحدة وهي أن المشرق (العربي) كان على الدوام عصيا على الاستحواذ والمحاصرة. وكل من يقترب منه يحترق به أو فيه. وضمن هذه الرؤية يمكن تأمل مستقبل الصراع حول سوريا وقبلها فلسطين، بوصفها مظاهر لصراع ثقافي دفين وهائل لا ينتهي ما لم يتكامل العالم العربي بمعاييره الذاتية بوصفه قطبا عالميا جديدا كما كان من حيث الأصل والجذر والتاريخ.

فقد كان التاريخ العربي الحديث مجرد زمن لا قيمة له بالنسبة لتأصيل مقوماته الذاتية. وعلى الرغم من التضحيات الهائلة التي قدمها في مجرى قرنين الزمن، بعد أن خرج من فلك العثمانية الهلامي ودخوله فلك الكولونيالية الأوربية والأمريكية، إلا انه لم يستطع لحد الآن إرساء أسس مقوماته الذاتية، ومن ثم تطوره التلقائي وإبداع ما يناسبها من مرجعيات جامعة عن فكرة الدولة والنظام السياسي والاجتماعي والوطنية والقومية. ومن الممكن رؤية هذه الملامح الأولية في مجرى الصيرورة المعقدة والمتناقضة للثورة الحديثة (الربيع العربي). فقد أشركت الجميع في صراع عربي - عربي أيضا، اي صراع سوف ينتج بالضرورة رؤية ذاتية عن الواقع والمستقبل. ومن ثم إرساء أسس منظومة المرجعيات المتسامية. والاحتمال الأكبر لها يقوم في إرساء أسس مرجعية الإصلاح العقلاني الشامل بوصفه فكرة وفلسفة ومنهجا للبدائل. عند ذاك يمكن للعالم العربي أن يكون قوة فاعلة في المركزية الشرقية بوصفها قوة مستقبلية للتوازن والعقلانية والنزعة الإنسانية. حينذاك يتطابق المعنى الفعلي للحقيقة القائلة، بان الشمس تشرق دوما من الشرق وأفولها في الغرب، مع فكرة الدورة الحية للوجود الإنساني والتاريخ الكوني!

***

ميثم الجنابي

 

بلغني سؤال عن فحوى المثل الشعبي المغاربي القائل: "إلى درتها فالرجل ترجاها... ويلى درتيها فالمرأة لا تنساها". فكانت اجابتي:

هذا المثل الشائع، والذي يتردد استعماله كثيرا على لسان النساء كلما كن في صراع (خصومة مثلا) مع طرف آخر سواء كان هذا الطرف من بنات جنسهن، أو الجنس الاخر (الرجل)؛ وذلك دلالة وتعبيرا عن مكرهن وشُسع حيلتهن. أراه فهما مغلوطا وسطحيا، ولا يخدم صالح المرأة من جوانب عددية، بقدر ما يُسيء إليها، ويدخلها دوامة تجعلها محل توجس وخوف خاصة من لدن الرجل. بمعنى أوضح، المرأة تسوّق بجهل عن نفسها صفة غير سوية، صفة تضعها في خانة "الحيّة" التي لا يجب أن تأمنها عن نفسك. حبذا اليوم أن نقطع تلك الصلات مع مجموعة من الأمثال المسيئة للمرأة، وأن نتجاوزها حتى تنصلح الرؤية حول مفهوم المرأة المغاربية، بعيدا عن رؤى الشر والكيد والمكر التي طبعتها الثقافة عنها. والتجاوز هنا، رهين بأن نصنف تلك الأمثال على أنها أقاويل انسان يجهل الكثير عن المرأة، إنسان رماها فالتقطتها الذاكرة الشعبية المغاربية بجهل دون أن تعي مساوئها. إذن فهي ليست بقرآن حتى يتعلل بها من يريد التفاخر، فهي ليست لهذا القصد الساذج والسطحي الضحل، الذي لا ينم عن معرفة عميقة بسوسيولوجية الثقافة الشفاهية الشعبية المغاربية.

فالمرأة والمكر من خلال المثل الشعبي المغاربي: "إلى درتها فالرجل ترجاها... ويلى درتيها فالمرأة لا تنساها " وغيره من الأمثال المشابهة، ما هو إلا تلك الشجرة التي تخفي الغابة إن صح التعبير، بمعنى أن العقول المغاربية التي تتداول مثل هذه التصورات المقولبة بجماليات التركيب الجرسي للغة، ولغة اليقين، ولغة الأجداد الذين لا يخطئون في أحكامهم.. هي تحامل كبير على العقل المغاربي وعلى المنطق، إنه نوع من الجمود في يد من قال في لحظة تفكه في لحظة غضب وضعف...إلخ. وبالتالي، فهذا التقوقع المثالي في تراكيب مثلية على انها قوانين الهية يُعد من الجمود إن لم أقل من الغباء أن نعاود جر نفس الكلمات والصيغ في سياق غير سياق الألفية الثالثة، بدعوى المحافظة على أمر ينغص اللحمة بين ثنائية الرجل والمرأة كقطبين مركزيين داخل المجتمع.

 

أكثيري بوجمعة أنس

باحث وكاتب في مجال الفنون البصرية - المغربي

 

عبد الجبار الرفاعيالكلُّ يعرف أن نموذجَ الدولة الحديثة بُني على الفكرِ السياسي ونظرياتِ الدولةِ التي صاغها المفكرون في عصرَي النهضةِ والأنوار. ودولةُ الغرب الحديثة هي الدولةُ التي ما زلنا نتمناها، ويلوذُ بها الهاربون من جورِ حكوماتِنا وعسفِها، منذ أن حدّثنا عنها رجلُ الدين الأزهري رفاعة رافع الطهطاوي "1801 – 1873"، الذي انبهر بنظامِ الحكمِ والتربيةِ والتعليمِ والثقافةِ والفنونِ والآدابِ في فرنسا، واهتمّ بالتأليفِ والترجمةِ لنقلِ ما تعلّمه وعاشه بباريس بعد عودته لوطنِه مصر، ويمكن الاطلاعُ على شيء من تجربته وانطباعاته في كتابِه الأثير: "تخليص الإبريز في تلخيص باريز".

ما زلنا حتى اليوم نحاولُ اقتباسَ أشكالِ دساتير دولةِ الغرب الحديثة وتعدّديّتِها السياسية وتداولِها السلمي للسلطة ومشاركتها الشعبية وانتخاباتِها، وعملها على الفصلِ بين السلطات، وتفكيكِ تمركزها بيد شخص واحد، وقدرتِها على تحريرِ المجتمع من تغوّلِ السلطةِ وطغيانِها، وحمايتها لأموالِ الشعب وثرواتِه من لصوصيةِ رجالِ السلطة.

لم تتأسّس دولةُ الغرب الحديثة إلّا على القانونِ الذي صنعه الإنسان، والقيم التي تتناغم مع روح هذا القانون، وتركّزت استراتيجياتُها وبرامجُها في التربيةِ والتعليمِ والثقافةِ والإعلامِ على بناءِ شخصيةِ المواطنِ الذي يحترمُ القانون، ويكون مسؤولًا حيالَ المجتمع والدولة، ويكفل له القانونُ حرياتِه وحقوقَه بوصفه إنسانًا. ولذلك نجحتْ بإدارةِ التعدّد وتدبيرِ التنوع، وحسمِ أكثر النزاعات بشكل سلمي.

ولما كان بناءُ الدولة الحديثة لا ينجزه إلّا القانون والقيم المتناغمة معه، يصبحّ الرهانُ في بناء دولتِنا على أساسِ حياةٍ روحية خاوية أو ضميرٍ أخلاقيّ هشّ، هو رهانٌ على أمرٍ لم يتحقّق بعد، ولن يولد غدًا في فضاءِ تديّن شكلي، لم ينجز هذا التديّنُ وعودَه في بناءِ حياةٍ دينية سليمة، بعد أن فشلَ في تربية الروح وإيقاظِ جذوة الضمير الأخلاقي.

الدولةُ الحديثةُ تُبنى على القانونِ الحديثِ والقيم المتناغمة معه، والصرامةِ العادلةِ في تطبيقه، أما التدينُ والتقوى فيمكن أن يساعدا في تطبيقِ القانون، بل لو انتفى التدينُ والتقوى لتمكنَ الإنسانُ من بناءِ هذه الدولةِ، ما دام هناك قانونٌ حديثٌ وقيمٌ متناغمةٌ معه، وعدالةٌ في تطبيقه على الكلِّ بالمساواةِ، كما نجد نموذجَ هذه الدولة اليوم ماثلًا في العديد من البلدان، فقد تأسّست الدولةُ الحديثةُ على أساسِ القانون ببلدانٍ مختلفة في أوروبا وكندا واستراليا والولايات المتحدة.

رهانُنا على بناء الإنسان الروحي والأخلاقي الداخلي، الذي تتعهده جماعاتٌ دينيةٌ ومعاهدُ تعليم ديني ومدارسُ ومدوناتٌ كلاميةٌ وفقهية، لا يبني دولةً حديثة. لم تترقب المجتمعاتُ الأخرى جهودَ الكنائس والأديرة والمعابد والمدارس والجماعات الدينية ومدوّنات الدين واللاهوت لتبني لها دولَها. الدولةُ التي أسّسها الكهنوتُ الكنسي في العصور الوسطى استعبدت الإنسان، وتحكّمت بكل شيء في حياته، فلم تترقب المجتمعاتُ من الكنيسة بناءَ دولة حديثة، ولم تنشغل ببناء الإنسان الداخلي أولًا، ليبني بعد ذلك هذا الإنسانُ الدولة، بل انشغلت بتأسيس دولةٍ على أساس فكرٍ سياسي جديد، ولوائح للحريات والحقوق وضعها فلاسفةٌ ومفكرون ومشرّعون.

أدركت هذه المجتمعاتُ ديناميكيةَ التغيير الاجتماعي العميقة، وكيف أنها جدليةٌ تفاعليةٌ بين الخارج والداخل، فبناءُ دولةٍ متينة في الخارج من شأنه أن يعملَ على بناء الإنسان من الداخل، وبناءُ الإنسان في الداخل من شأنه أن يعزّز قدراتِ مؤسّساتِ وأجهزةِ الدولة وفاعليتِها.

إن بناءَ الدولة الحديثة على أساس القانون لم يكن على الضدِّ من نظامِ القيمِ والثقافة العامة في المجتمع، بل كانت القيمُ على الدوام متناغمةً مع القانون المطبق فيها والثقافة العامة للمجتمع، بنحو صارت القيمُ في حياة المجتمع تتحدّث لغةَ القانون، والقانونُ يتحدث لغةَ القيم، وكلاهما يتحدثان لغة ثقافة المجتمع، وكأن الكلَّ ألحانُ سيمفونية واحدة.

التناغمُ بين نظام القيم والقانون والثقافة العامة في الدولة الحديثة يعودُ إلى أنها كلها تنبثق من رؤيةٍ واحدة للعالم، وتنتمي إلى فضاء العقل الحديث ومكتسباته، لذلك لا نرى تناشزًا بين سلوك المواطن وبين القانون والقيم المتناغمة معه والثقافة العامة. المواطنُ في هذه الدولة قلّما يكذبُ أو يلجأ للتمويهِ والخداعِ والنفاق في سلوكِه ومواقفِه المختلفة، وقلّما يلجأ للمراوغة والتسويف والإهمال والكسل في أداء وظيفته، سواءٌ أكان يعملُ في وظيفة حكومية أم غير حكومية، للتناغم بين نظام القيم والقانون والثقافة العامة، ولأن نظامَ الحقوق والحريات يُمنَح للإنسان بوصفه إنسانًا، ويضمنُ له حرياتِه وحقوقَه مهما كان لونُه أو جنسُه أو معتقدُه، فلا يجد المواطنُ عندئذٍ حاجةً للكذب، أو السلوك غير المسؤول الذي يعمل على تصدّع بنية المجتمع والدولة. أما ما يُلاحَظ على سلوك بعض المهاجرين الجدد لهذه الدول، ممن يتورطون في ممارسات لا أخلاقية أحيانًا مثل الكذب والتمويه والخداع والسرقة، فيعود إلى التناشز الذي يحدث بين نظام القيم وثقافة المهاجر التي تبتني على رؤيته للعالَم، واختلافها عن نظام القيم والقانون السائد في البلاد التي هاجر حديثًا اليها.

إن التناغمَ بين نظام القيم والقانون والثقافة العامة يشكّلُ أرضية صلبة لبناء أية مؤسّسة في الحياة. فلو لم يتناغم نظامُ القيم مع القانونِ والثقافة العامة أو حدث بينها فصامٌ، سيؤدّي ذلك إلى حدوث اختلالاتٍ عميقة، وتهشّم بنية هذه المؤسّسة وتبدّدها.

وتحضرُ الثقةُ كقيمة عليا في الدولِ المتقدّمةِ. والمعروف أن رأسَ المال الاجتماعي يتراكم برصيد الثقة، لذلك نجد تطوّرَ الدول يقاسُ بمدى بناء الثقة وتجذّرها بوصفها قيمةً مجتمعيةً محوريةً في حياة مواطنيها. ففي الدول المتقدّمة ترتفعُ بدرجات قياسية معدلاتُ: الصدقِ، والأمانة، والإخلاص، والنزاهة، وتقدير قيمة الوقت، والمثابرة على العمل، والتعامل مع المواطن بوصفه مواطنًا وكفى، من دون النظر لمعتقده أو إثنيته أو عشيرته أو طبقته، وذلك ما يدعو أكثرَ الناس الذين يتعاملون مع المؤسّسات الحكومية وغيرِها للشعور بالرضا وعدم المظلومية. ويتناسب معدلُ النمو في كلّ دولة مع قوة حضور هذه القيم في المجتمع، ويتراجع تبعًا لهشاشة حضورها. وتوفِّرُ الثقةُ وهذه القيمُ بمجموعها حاضنةً حيوية لانسجام المجتمع مع القانون، وتظهرُ فاعليتُها بوضوح في تطبيقِه وتنفيذِه بأقل كلفة، وتخفّضُ بدرجة كبيرة حالةَ التناشز بين المجتمع والدولة.

هناك فصامٌ بين نُظمِ الدولة الحديثة التي نطمح إلى أن نبنيها ونظامِ القيم المشتق من ثقافتنا وتقاليدنا العشائرية والتديّن الشكلي في مجتمعنا. لذلك يتكرّر باستمرار إخفاقُ محاولاتنا لبناء هذه الدولة، منذ خلاص بلادنا من الاستعمار المباشر حتى اليوم، ففي كلّ مرة نبدأ ببناء دولتنا الحديثة ننتهي إلى انتكاسات مريعة، نرتدّ معها إلى حيث بدأنا، ونعودُ لموقعنا الذي كنا فيه، وكأننا ندور في مدارات مغلقة. لقد عجزنا عن توطين الدولة الحديثة في بلادنا، إثر عجزنا عن إعادة بناء نظام القيم في ثقافتنا بما يتواءم ونُظم هذه الدولة، فانهارت تجربةُ بناء الدولة بعد كلّ محاولة جديدة، وعُدنا حيث كنا إلى نظامِ قيمِ بداوتنا وقبائلنا وتديّننا الشكلي الذي هو على الضدّ من الدولة الحديثة.

وبغية إعادة بناء نظام القيم في ثقافتنا بما يتواءم ونُظم الدولة الحديثة من الضروري استئنافُ قراءةِ النصّ الديني في سياق مناهجَ التأويلِ والمعارفِ الجديدة، ومتطلباتِ مجتمعات عالَم الإسلامِ اليوم. هذه القراءة يفرضها إنتاجُ تناغمٍ بين نظام القيم والقانون والثقافة الذي نحن بحاجة ماسّة إليه لإنجازِ دولتنا الحديثة، وإعادة بناء مجتمعنا في ضوء الأفق التاريخي لعصرنا.

من الضروري أن تتبصّرَ القراءةُ الجديدةُ مقاصدَ النصّ، وتكتشفَ دلالاتِه العميقة، كي يضيءَ معناهُ حياتَنا، فننتقل مع هذا المعنى من أفقٍ ماضٍ الى أفقٍ راهن. معنى تحضر فيه الدلالاتُ الروحيّة والأخلاقيّة والجماليّة المحوريّة لبناء حياتِنا ومجتمعاتِنا، ويحرّرنا من الدلالاتِ التي أسقطتها حاجاتٌ وأحلامٌ ورغباتٌ مكبوتةٌ لجماعاتٍ منفيّةٍ في تاريخِ الإسلام، تلك الدلالاتُ الغريبة عن روح النصِّ ومراميه، والتي أخفقتْ حتى اليوم في تشييد نظامِ قيمٍ يعمل على تربيةِ الروح وبعثِ الضميرِ الأخلاقي لدى معظم من يأتمنه الشعبُ على بناءِ الأوطان وعمارةِ البلدان.

 

د. عبدالجبار الرفاعي

 

محمد كريم الساعديمن منا لا يريد أن يكون مكان عمله متميز في تقديم الأفضل على مستوى ما أريد من هذه المؤسسة، أو المصنع، أو الدائرة، أو المديرية، أو الوزارة .. سادتي الأفاضل في كل مكان ما زال الوطن بعيد عن النهضة الحقيقية والتقدم الواعي والحركة التصحيحية التي يجب أن نفكر كيف نحييها .. هل الوطن محتاج الى كفاءات؟، أم الوطن محتاج الى خبرات؟، أم الوطن محتاج الى ما هو أكبر من هذه التفاصيل الجزئية التي قد تتوفر، لكن لا توظف بطريقة ناجحة في أي من مؤسساتنا في دولتنا الحديثة؟.

على مستوى النقد نجد العديد من الاشخاص وظيفته الوحيدة فقط النقد دون أيجاد بدائل أو وضع حاول ومقترحات سليمة ويقدمها في المكان السليم، أو يضع يده على الاخفاقات المستمرة في المكان المحدد حتى تصبح العملية أكثر فعالية في مجال النقد البناء القائم على اظهار ما هو خطأ في أي مكان يعتقد في الخطأ موجود .

لكننا لابد أن نحدد ما هو المطلوب في الوقت الراهن للنهوض بالوطن ومؤسساته؟، وما هي اليات النهوض في هذا البلد الذي يفيض خيرات ولا نجد من يوظفها بطريقة سليمة، فهنا أقول لا توظف بطريقة سليمة يعني أن الواقع خير دليل على تراجع البلد في أغلب المستويات، وهناك أكثر من صورة مرعبة لهذا التراجع , ومنها :

أولاً:- على مستوى الواقع الصحي تشترك العديد من الوزارات في هذا القطاع المهم ومنها : الصحة والبيئة والمالية وتعليم العالي والتخطيط وغيرها من الوزارات المؤسسات والمراكز، ولكن ما نشاهده اليوم من نقص حاد في مؤسساتنا الطبية على مستوى الأيدي العاملة من أطباء وممرضين ومخدرين وصيادلة. فهل التعليم العالي لم تخرج أطباء وممرضين؟، أم الصحة لم توفر ما يكفي من الدورات والخبرات اللازمة لهم؟، أم وزارة التخطيط لم ترصد اماكن الخلل لوضع خطط واضحة للمعالجة . واذا كانت هذه الوزارات عملت على توفير كل ذلك، فلماذا ابسط الحالات الوبائية نلجأ الى دول الجوار من أجل تحديدها؟ وأين مراكزنا البحثية في الوزارات كالبيئة والتعليم وغيرها؟. ولماذا مرضنا وعملتنا الصعبة تذهب الى دول أخرى مثل لبنان والاردن وسوريا والهند وايران وتركيا من أجل العلاج؟ وأسئلة أخرى في هذا المجال وغيره.

ثانياً:- على مستوى الواقع الغذائي العراقي الذي تشترك فيه وزارات عدة منها الزراعة والمالية والبيئة والتعليم والتخطيط والصناعة وغيرها، إذ لدينا أكثر من عشرين كلية زراعة وطب بيطري، لكن ابسط انواع الاغذية نستوردها من دول الجوار ابتداءً من الطماطم وأنتهاءً بكل انواع اللحوم والاجبان وغيرها، هل هذه العملة الصعبة التي تذهب الى دول الجوار اليس الوطن وأبناءه أحق بها من غيرهم كي توظف لتطوير الواقع الزراعي ومؤسساتنا الزراعية والبحثية في هذا المجال ونحن أرض السواد كما يقال سابقاُ.

ثالثاً:- على المستوى التعليمي في وزارتي التعليم العالي والتربية، ما أكثر الكليات والجامعات والمدارس وما أكثر من تخرج منهم، ولكن لم يوظف، وقبلها لم يتعلم بطريقة جيدة، لذلك أن اغلب مؤسساتنا التعليمية خارج التصنيف الدولي، وأغلب مؤسساتنا البحثية بعيدة عن المجتمع، بل وأغلبها بحاجة الى اعادة تأهيل من حيث المباني والمراكز البحثية وغيرها . بل التساؤل المهم كم هي عدد القضايا والمشاكل التي تخص المجتمع قد حلت من قبل مؤسساتنا البحثية، وكذلك على مستوى التعليم الابتدائي والثانوي، والمناهج البعيدة عن مستويات التعلم لدى التلاميذ والطلبة، فمن يضع هذه المناهج بأخطائها، لم لا يفكر في كيفية توفير الطرائق الملائمة لتدريسها وأبعاد العائلة العراقية من اعباء الدروس الخصوصية التي أصبحت تدار بالعلن امام انظار وزارة التربية وغيرها، والسؤال المهم هنا هل توجد علاقة بين الدروس الخصوصية وتصعيب المناهج المبهمة أصلا في هذه الوزارة ومن المسؤول عن هذه العلاقة التي أصبحت واضحة للعلن يا سادة .

أن هذه العينة من مشكلات الوطن ومحنته الحالية هي ليست النهائية، بل هي جزء بسيط من مشكلات أخرى، مثل مشكلات العشوائيات وأزمات السكن والأمن والمخدرات وتجاوز على ممتلكات الدولة ومؤسساتها ابتداءً من ارصفة الشوارع وأنتهاءً بالمباني الحكومية وغيرها التي يعلمها اصحاب الشأن .

لكن ما هو الحل لهذه القضايا وغيرها في هذه المرحلة حتى لا يضيع الوطن، يجب أن نضع ايدينا على الجرح، فالكل مسؤول ليس فقط الحكومات، حتى المواطن الذي في اغلب الاحيان تبرع بحقوقه وسكت ولم يقم بواجبه تجاه وطنه .

علينا يا سادة الآتي وهي أفكار عامة ليست بحلول نهائية، فالحلول النهائية بحاجة الى تطبيقات عملية على ارض الواقع، لذلك يجب ان نضع افكاراً عامة في هذا الاطار وهي :

أولاً: المواطن هو أهم ثروة للوطن وهو الاعلى مكانة فيها، فكل شيء يشرع لخدمته، فالدين لخدمة الأنسان والقانون لخدمة الانسان، والدولة لخدمة الانسان، ولا يحق لأحد كان أو سلطة كان، ان يتجاوز هذا الحد .

ثانياً: أن نحدد القطاعات المهمة التي تضمن لنا الاكتفاء الذاتي وأن نعمل عليها ومنها الزراعة والصناعة والقطاع النفطي وغيرها من المؤسسات الداخلة في هذا المجال التي تضمن لنا ثرواتنا وكيفية توزيعها بشكل عادل على أفراد المجتمع .

ثالثاً: أن نعيد سلطة الدولة على كافة المؤسسات ولا استثناء لمؤسسة من سلطة الدولة، على أن نوضح ماهية هذه السلطة التي هي فوق الجميع بقوانينها ولا لأحد استثناء في ذلك، مهما كان موقعه ودرجته في هذه الدولة .

رابعاً: ان لا نجزأ الوطن ولا نجعل لبعض مؤسساته الدينية والاجتماعية والعشائرية سلطات داخلية تتعارض مع هذه السلطة، بل القانون هو لخدمة الكل والدولة هي للكل وليس للجزء ممن وضع له امتيازات خاصة، حتى نحقق دولة للفقراء فيها حصة وللأغنياء فيها حصة ايضاً، والمفاضلة هنا هو للهوية وليس للدين أو القومية أو غيرها من المناطقية.

خامساً: أن نبتعد عن التفكير بما هو غير مجدي في هذه الفترة، ونضع خطط قصيرة المدى لكل مفصل من مفاصل الدولة من أجل التصحيح، مثلاً أن نجعل من محافظاتنا منتجه بحسب ما تمتلكه كل محافظة من ثروة، مثلا البصرة صاحبة القطاع النفطي يجب ان يتطور هذا القطاع لصالح المحافظة والعراق وليس لصالح الكل مقابل ابعاد الجزء من حقوقه . أو محافظة ميسان تطوير الواقع الزراع بما يتلاءم مع المساحات الزراعية فيها، أو ديالى وما تمتلكه من ثروات وغيرها من المحافظات ولا ننسى الثروات الاخرى التي هي اقل درجة في هذه المحافظات، ومثال أخر مثلا أن نجعل جامعاتنا تخصصية أي أن تكون هناك جامعات طبية ,اخرى هندسية ,اخرى تربوية إنسانية ,اخرى مختصة في مجال القانون والسياسة والشريعة ,ان نعيد توزيع الكوادر التدريسية في هذا المجال على كافة مؤسسات التعليم، مع وضع استراتيجية لاستقلالية هذه المؤسسات عن كل ما هو خارج سياق التسطيح في المعرفة واختيارات الافضل كما في النظم العالمية .

سادساً: كل الطوائف والاديان والاعراق لها الحق في هذا الوطن، ولكن للوطن حق في هذه الاديان والاعراق، أي الكل يذوب لصالح الوطن، ولكنها تعيش بكرامة وحرية فيه، ومن يثبت انتمائه لغير والوطن لا يكون جزءً منه ولا منتمي اليه مهما يكن دينه وطائفته.

سابعاً: لا أحد يبني ثروة على حساب الوطن، والكل يخضع لقانون الوطن والمواطنة، فرئيس الجمهورية أو رئيس الوزراء والوزراء والنواب وغيرهم لابد ان يكوموا قدوة في النزاهة والتحضر والانسانية، وأن يلتزم بأبسط قواعد السلوك الوظيفي، بل يجب أن يحترم ابسط قواعد المرور ولا يتجاوز على الناس بسلطته عليهم، فالسلطة لم تخوله بالتعالي والتكبر والسرقة من أموال الشعب، بل يضع كل شيء في خدمة المواطن وليس العكس .

هذه أفكار قد نحلم بها، أو نفكر بها بصوت منخفض، أو عال، لكن لابد أن نقولها علناً حتى نستطيع أن نسهم بقول كلمة لصالح الوطن في واقعنا المرير الذي أصبح فيه الوطن هو أخر همنا والمصالح الخاصة هي أول شغلنا الشاغل يا سادة.

 

أ.د محمد كريم الساعدي

 

محمد ممدوحأحيانًا غير قليلة أجد نفسى تساءلنى، من أنا؟ .. أمسك بزمام عقلى، أسير به في ملكوت الله الذى لا أول له ولا آخر، تتراءى أمام عينى ممالك وصحراوات لا تقطع العين إلا وميضًا من فسحاتها، وأمتارًا من أميالها . ينقلب إلىّ البصر خاسئًا وهو حسير، تتضائل نفسى رويدًا رويدًا، أعود إلى جزعى الذى لا يفتر عن طرح الأسئلة، بعد أن يطمئن قلبى إلى أننى لا شئ.

لا شئ في ملكوت لا تستطيع العيون معاينته، ولا العلوم اكتشافه، ولا التكنولوجيا إدراكه .. ليعود كل ذلك مؤكدًا في النهاية ذلة الإنسان الأبدية، جهالته السرمدية .. ليذعن عن يقين (وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا) (الإسراء85) .

أدرك الإنسان قليلاً .. ولكنه استبد كثيرًا .. طغى طغيانًا عظيمًا .. ظن نفسه صاحب قدرة ففوجئ بضعفه وعجزه .. ظن نفسه صاحب علم، ففؤجئ بجهل يتبعه جهالة .. ظن نفسه صاحب قوة فوجد ذاته في هوٍ سحيق وضعف شديد.

فوق السماء مدبر، هو في السماء وفى الأرض، وهو معكم أينما كنتم .. يعلم خائنة الأعين وخطرات الأنفس وما أخفت الصدور .. حتمًا هو على كل شئ قدير .. قطعًا هو قريب مجيب.

يقطع قلبى الحجب إذ لا حجب .. تسير روحى فوق سطح الغيب حيث لا غيب .. أقف عاجزًا، متضائلاً .. مرتجفًا .. تهفو نفسى وتتطلع روحى إلى إجابات لأسئلة حائرة .. أسئلة كثيرًا ما بعثت فى قلبى الجزع والهلع .. كثيرًا ما جعلتنى عاجزًا عن كل فعل وعن كل إجابة، فلعل الله أن يلهم قلبى السكينة، لعله سبحانه يرحمه برحمته التى وسعت كل شئ.

صور الأبرياء تحاصرنى .. بالقدر ذاته الذى تحاصرنى مشاهد ذبح الإنسانية .. ازدواج المعايير .. الكيل بمائة مكيال.. فتية احتجزوا في كهف في جزيرة تايلاند .. يهتز العالم كله لهم .. وهذا حق لا مرية فيه.

لكن ذات الحق توقف عند أولئك الفتية الذين قتلوا بالبراميل المتفجرة فوق الأراضى السورية .. وبالجوع وفقر الدم فوق الأراضى اليمنية والصومالية .. ما الاختلاف بين المشهدين حتى تتغير ردود الأفعال عليهم !! لا خلاف .. هؤلاء أطفال وأولئك أطفال . . بل قد تكون المقارنة لصالح أطفال العروبة البائسين .. فهم الذين يُساقون عمدًا إلى المنايا، هم الذين يُقتلون بالعمد من قبل أنظمة فاشية واستبدادية، لكن فتية الكهف دخلوه بالخطأ .. لم يُقصد إلى قتلهم، بل سعى العالم إلى إنقاذهم .. تعاطفوا معهم أكثر من الطبيعى .. ثم يتم إنقاذهم في النهاية .. أما أطفال الدول العربية التى تعرضت للفتنة والمحنة فيتم قتلهم كل يوم .. تُهدم البيوت فوق رءوسهم .. يموتون فوق الأرض وتحت الأرض وفى عمق البحر .. رفاتهم لا تزال شاهدة عليهم .. ألعابهم وأحذيتهم وملابسهم القديمة لا تزال تنطق بأسمائهم .. هكذا انقلبت الإنسانية، هكذا تبدلت الألسنة وتغيرت العقول والأفهام واستبد المنطق معلنًا انتحاره في واقع بائس اتسم بالمحسوبية حتى في المشاعر .. حتى في أبسط الحقوق الآدمية.. حق الحياة.

إلهى .. ألم تكن تسمع وترى؟! ألم تكن شاهدًا على الغلام الذى قذفه اليم بأمرك إلى الشاطئ بدنًا خاويًا من كل حياة؟!

 ألم تكن شاهدًا على الأطفال الذين أسلموا الأرواح تحت الأنقاض .. وإخوانهم الذين فاضت أرواحهم من بأس الجوع وقسوة المرض؟!

ألم تكن سبحانك شاهدًا على الظالمين وهم يحبسون الأبرياء، يستحيون نسائهم، ويذبحون أبنائهم، ويسومونهم سوء العذاب؟!

يقينى أنك تسمع وترى !! يقينى أن قدرتك لا يتخيلها عقل ولا يسعها منطق ولا ترد بذهن ولا يطلع عليها فكر .. فقدرتك أكبر، وقوتك أكبر، وأنت على كل شئ قدير..

أسرار كونك لا يحيط أحد بها علمًا .. لا يطلع عليها كائنُ من كان ... أسرار شملت عظمة العناية وروعة التدبير وعمق الحكمة .. ولكن (وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ) (العنكبوت43).

أنظر إلى الدركات التى ولجتها الإنسانية .. ينفطر قلبى حزنًا وهمًا وكمدًا .. أتضرع إلى الله بقبض روحى .. ثم يخرج علينا الكذبة ليقولوا لى، إن تمنى الموت حرام؟!!

انقلبت المعايير .. سار الفقهاء يواجهون من يطلب الموت حزنًا وغمًا وبأسًا من واقع امتلأ بالدماء وبهتك عرض الإنسانية .. في حين لا يتجرئون على نقد حاكم ظالم أو يطالبون بإخراج المسجونين ظلمًا بسبب الرأى الفكر؟!

ساروا يتحدثون عن مشروعية تقصير الجلباب ولا يعيرون مشروعية العدل أدنى اهتمام..

يتحدثون عن وجوب إطلاق اللحية ولا يعيرون وجوب الحرية والأمن للناس أدنى مشروعية للوجود !!

قلب الفقهاء الدين .. سار دين السلطان لا دين الله .. دين الأمراء لا دين الله .. دين الأرض لا دين السماء !! فما يراه الأمراء والحكام دينًا فهو الدين، وما يرونه مخالفًا للدين فهو العدو الرجيم حتى لو كان من أسس الدين الرئيسة ودعائمه القويمة..

إنهم متمذهبون بمذهب السلطان، هم متدينون بتدين السلطان، ساروا يتقربون إليه زلفى وتملقًا ونفاقًا، وسار الدين عندهم سجنًا كبيرًا للشعوب.. سار الدين باحثًا عن نزوات الحكام والأمراء والسلاطين حتى لو دُفع في سبيلها حياة الشعوب .. وأمن الشعوب .. وزاد الشعوب.

لعنة الله على تلك الحياة .. لعنة الله تحف المباركين لهذا الإفتئات على الدين، المنقلبين على ثوابته والمتاجرين بمقاصده !!

تُقتل الإنسانية باسم الإنسانية .. يُغتال الإسلام باسم الإسلام. يُسرق الله باسم الله، تُسلب القيم باسم القيم..انقلاب عام يسرى في الوجود بأسره، انقلاب في كل شئ، فلا الله هو الله، ولا الدين هو الدين، ولا القيم هى القيم، ولا الإنسان هو الإنسان.. صار الله مجرد مقنن لشهوات الحكام !! وصار الإنسان مجرد دُمية في أيدى المستبدين .. وصارت القيم مجرد رأى لدى السادة، وصار الدين مجرد أهواء للمتسلطين.

والله حتمًا يرى هذا الإنقلاب العام .. يعلم أهدافه .. يرى خططه ومخططيها .. يرى حتمًا ويسمع بمثل ما طمئن موسى من قبل وأخيه هارون (قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى) (طه46) .. ولكنه سبحانه يملى ويمهل، فإذا عجز البشر عن إنقاذ سفينة الإنسانية تدخل هو لإغراق سفينة الظالمين، ليحقق موعوده منذ الأزل (ونريد أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (5) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ) (القصص5-6)

ليطمئن المستضعفون .. المنكسرون .. المخلصون .. فالأيام دول، وحكمة الله سارية غير بادية، متحققة في قلب الغيب وعمق الشهود، فلا يأس ولا قنوط، حتى لو امتلأت الأرض بالدماء، حتى لو غاصت الأقدام في وحل البشر .. هنا يعود إلى النفس شيئًا من طمأنينتها، هدوئها الحذر .. ثباتها رغم مراجل الغضب التى تُضرم النار بداخلها!!

وماذا عن رؤساء الغرب الذين يحكمون بالعدل، ورؤساء المسلمين الذين لا يعرفون غير الهوى والجور في الحكم، رؤساء الغرب الذين يصلون بالديموقراطية ورأى الشعب، ورؤساء الإسلام الذين يصلون بالسطو المسلح على الحكم !! .. رؤساء الغرب الذين يتبرعون بأملاكهم وسياراتهم ومواكب التشريفة لخزينة الدولة .. ورؤساء المسلمين الذين يمصون دماء الشعوب !!

أية مفارقة تلك؟! الغربى الذى يُشرك بالله يقيم جوهر الإسلام، يتبع سيرة الخلفاء الراشدين، والمسلم الذى يَّدعى التوحيد ينقض عرى الدين .. الغربى يتبع مقولة أبى بكر " وليت عليكم ولست بخيركم، ألا وإن القوى فيكم ضعيف عندى وإن الضعيف فيكم قوى عندى " .. والقائد المسلم يقيم قانون فرعون (مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ) (غافر29) .. هكذا يمضى الإنقلاب لدى المسلمين إلى نهايته .. انقلاب في الآيات .. في القرآن ذاته .. في الشرائع .. بل طال حتى الفطرة السليمة.

إن المقارنة تلقى في القلب غُصة لا سبيل إلى علاجها .. لقد أخذ عمر بن الخطاب إبل ولده عبد الله وضمها إلى بيت المال العام للمسلمين لأنها رعت مع إبل الصدقة .. أخذها عنوة دفعًا للشبهة .. ثم يشاء الله أن تأتى رئيسه كرواتيا في العام 2018م، امرأة بمليون رجل .. تبيع سيارات الرئاسة والطائرة الرئاسية وترد أموالهم إلى الخزينة العامة للدولة، وتبنى نهضة علمية حقيقية في بلدها .. أليس صنيعها هذا هو ذات ما صنعه عمر من قبل .. رئيسه دولة في العصر الحديث تسافر إلى دول العالم بطائرة ركاب، تحجز مقعدها ضمن الركاب لتوفر في نفقات بلادها... أية وطنية تلك !! أى إيمان هذا !!

إنه إيمان .. " حكمت فعدلت فأمنت فنمت يا عمر " ..

حتى لو خرجت تلك المبادئ من قوم غير مؤمنين، إلا أنهم يحيون هذا الدين بقصدٍ أو بدون قصد .. ويكأنهم يلومون على المسلمين تخلفهم عن هذه المبادئ، ويكأنهم يوقظون المسلمين من تخلفهم عن هذه المبادئ، ويكأنهم يوقظون المسلمين من غفلتهم التى طالت، وغفوتهم التى ضحك من جهلها العالم .. من قبيل ولاية المرأة لا تجوز !! ولعن الله قومًا ولوا أمرهم امرأة !! وغير هذه السذاجات المضحكات..

لقد تعلمنا من هذا الدين أن الأمير أمير للشعب لا عليه، يحنو على الشعب، لا يقسو عليه بالسياط أو الضرب؟! الحاكم حاكم للشعب .. ليحمى ضعيفه من قويه لا ليعين قويه على ضعيفه .. ليرقب الأغنياء والفاسدين لا ليشاركهم فسادهم ولعينهم .. تعلمنا من هذا الدين أن المال أمانة، وأن صاحبه مسئول عنه أمام الله، من أين اكتسبه وفيم أنفقه؟! تعلمنا من الغرب غير المؤمن تلك الأمانة أيضًا، فلديهم قانون للمحاسبة، ولديهم موضوعية فى الحكم .. ولديهم حرية الرأى والشورى تلك التعاليم التى هى لدينا لم تجاوز حبرًا على ورق .. لم تترك الكتب لتخرج إلى حيز التنفيذ أبدًا .. فصرنا في ذيل القافلة .. في أذل الأمم..

تحاصرنى هذه المشاهد كلها .. تقض علىَّ مضجعى .. الدماء التى لا تسيل في مكان في العالم إلا على أرض الموحدين ومن أبنائهم .. يقتلون بعضهم بعضًا .. يحقد بعضهم على بعض .. لا توجد محسوبية أو أهواء فى العالم إلا لديهم وحدهم .. فالمحسوبية في كل شئ، قانون أحب وأكره يفصل في الأحكام كافة .. فلا موضوعية، ولا تجرد، ولا عدالة في الحكم.

أتوجه إلى السماء ضراعةً ..أشكو إليها بثى وحزنى، فقد عهدتها رحيمة . حانية .. ودودة .. وجدتها تنصت إلى المظلومين أكثر مما ينصت قُضاة الأرض .. ترحم البوساء والمعوزين بخفى أقدارها ونسائم ألطافها أكثر مما تجود عليهم الأرض بمنها وعطفها.. أسائل قيوم السماوات والأرض أسئلة البعث على الحيرة والألم .. لماذا ترى سبحانك المظلوم ولا تتدخل لنصرته؟! لماذا تركت المرجفين والكذبة يجلدون عبدك التقى أحمد بن حنبل؟ أكان يعز عليك وأنت القدير إنقاذه !! لماذا تركتهم يسجنون الأبرياء ويحبسون الأولياء؟! لا أظن أن تركك سبحانك لهم كان خيارًا لهم لا لك أنت، إرادتهم لا إرادتك أنت .. ولكنى قد ألتمس رحمتك من قهر الجميع بالموت، في وضع الموازين القسط ليوم القيامة، في تعويض كل مظلوم عن مظلمته، في إعطاء الصابرين أجرهم (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ) (الزمر10)

أتفهم ذلك جيًداً، بالقدر ذاته الذى أفهم منه قدرة إلهية لا محدودة انطوت عليها أسرار مجهولة .. وما يحيط بعلمه سبحانه من أحدٍ، ولا يعزب عن علمه شئ، ولا يبعُد عن إحاطته سبحانه مثقال ذرةٍ في السماوات ولا في الأرض، إنه بكل شئ عليم، محيط .. وعلى كل شئ قدير.

 

د. محمد ممدوح

 

فالح الحمرانيكثير من الشخصيات المؤثرة ومن بينها يوسف ستالين (1878ـ1953) لم تجد مكانها الواضح في التاريخ، وظلت معالمها اسرارا خفية تتلون بتقلبات الانظمة السياسية والاجتماعية، فمرة نجدها، بعد رحيلها، تُصعد الى الذروة وحتى التقديس، واحيانا تُنبش من قبورها لترمى في المزابل والمستقنعات، وهذا ايضا يتعلق بستالين، الذي رُفع رفات جثمانه الراقد الى جانب لينين المحنط، ووضع رماده في علبة صغيرة في جدران الكرملين. حتى ان شاعرنا الكبير محمد مهدي الجواهري قال فيه" اقسمت باسم عظيم كرمت ...باسمه أن لاتهان العظماء... ياستالين وما أعظمها... في التهجي أحرفا تأبى الهجاء".

ومنذ ان سلط الزعيم السوفياتي الاسبق نيكتا خروشوف الضوء على ممارسات نظام ستالين، في تقريره الشهير امام مؤتمر الحزب الشيوعي السوفياتي في فبراير/ شباط 1956، مازالت شخصية ستالين مثار جدل في المجتمع الروسي المعاصر، وليس وحده، ولم تخفت وتائر السجال. وهناك اسئلة تنطرح ايضا بمدى علاقة ممارسات ستالين بالفكر الماركسي، وهل تحرك في هذه الحالة كماركسي/ لينيني كما كان يحب تسمية نفسه، ام كرجل سلطة اراد ان ينفرد بها عن طريق تصفية المعارضين الفعليين والمحتملين، او كرجل دولة سعى لإستعادة هيبة روسيا الامبراطورية بمسميات عصرية، مفرغة من الايديولوجية الماركسية اللينينية.

ويرى القارئ اليوم في رفوف مخازن بيع الكتب بموسكو المؤلفات الانيقة، التي تتناول شخصية ستالين الإشكالية تاريخيا، من مختلف الجوانب وتنقب عن ادواره وفي برامجه الاقتصادية واسباب وفاته ودوره في الحرب العالمية الثانية والانتصار على النازية... وعلاوة على ذلك هناك دعوة لإستعادة مدينة "فولغا غراد" اسمها السابق الذي نالته بعد الحرب العالمية الثانية "ستالين غراد" ودعوات لوضع التماثيل ولوائح تذكارية له في بعض الاماكن العامة، وبالمقابل ثمة ايضا حملة مضادة شرسة مناهضة تحذر من تداعيات مدح ستالين اوتمجيده باي شكل من الاشكال او استحضار "روحه"، وتنشر الكثير من الاصدارات عن المعتقلات والسجون التي فتحت ابوابها في عهد ستالين وزج الملايين من الابرياء، لها، وعن ممارسة اجهزة الأمن التعسفية وإعدام الالوف من البسطاء والمشاهير على أساس تهم باطلة.

هذان الموقفان يتواجهان اليوم بحدة. ولم يخفت النقاش حول ستالين حتى خارج روسيا بما في ذلك بين المثقفين العرب، البعض يتعامل معه كزعيم تاريخي قاد الطبقة العاملة العالمية نحو بناء الاشتراكية ولو في بلد واحد، واشاد اول دولة اشراكية وواجهة المانيا الفاشية وحرر شعوب ودول اوروبا بل والعالم من الاحتلال الالماني وقضي على نظام هتلر الفاشستي، والاخر يرى فيه طاغية مستبد أقام حكم مطلق وحرف الفكر الماركسي وابعد الحزب عن الجماهير ليكون الناطق الوحيد باسمها من دون مشروعية، واراد ان يبني الجنة على رؤوس البشر او كما يقول لينين " قيادة الناس للجنة بالعصا". خلاصة: هناك معسكر يريد اعادة الإعتبار لستالين كصاحب دور التاريخي ايجابي، واخر يسعى لمحوه من التاريخ وتجنب احياء اساليبه في الحكم والقيادة، بما ذلك لكونها لا تنسجم والفكر الماركس / اللينيني.

ضمن هذا السياق كرس السياسي المخضرم ورجل الدولة المستعرب الراحل يفجيني بريماكوف في كتابه " روسيا : الآمال والهواجس" الصادر في2015 بموسكو فصلا بعنوان " في ان واحد "مع" " وضد" ستالين". ان عودة بريماكوف حينها لموضوعة ستالين التي بدت وكأنها خارجة عن مادة الكتاب العامة، جاءت كما يبدو بمثابة ناقوس خطر من الولع بشخصيته او التطرف بتقيمها سلبا، في وقت تقف فيه روسيا على مفترق طرق تاريخية، كما انه يحذر من ان تلقي الممارسات الستالينية بضلالها على الانجزات العظمى التي قام بها الشعب السوفياتي.

ويرى بريماكوف:أن هناك مواجهة واسعة بشأن ستالين، وتكمن في "هل علينا ان نمحو من تاريخنا 70 عام المرحلة السوفياتية، او ننوع الموقف من ما عايشته البلد في هذه الحقبة". او بعبارة اخرى "هل تستطيع جرائم النظام الستاليني التي فضحها المجتمع وأدانها ان تشطب على النجاحات التي حققها الاتحاد السوفياتي في الكثير من المجالات :الاجتماعية والثقافية والقدرة على تعبئة كافة الموارد لتحقيق اختراقات في المجالات العملية ـ التكنولوجية." وحسب بريماكوف " ان ستالين يتحمل فعلا بصورة مباشرة مسؤولية الجرائم، وخاصة في الثلاثينيات، التي اودت بحياة ملايين الناس الابرياء، وبعد وفاة لينين قلص "السياسية الاقتصادية الجديدة"، وادى هذا الى خيبة شريحة اجتماعية بالكامل ـ الفلاحين، وتهجير شعوب وناس من مختلف القوميات الى كازاخستان خلال الحرب الوطنية العظمى."

وفي معرض بحثه عن الأسباب التي أدت الى ارتكاب كافة هذه الجرائم يرى بريماكوف انها كانت في اطار خطة ستالين الواعية لإزالة كافة الشخصيات التي قد تعترض طريق صعوده للسلطة والانفراد بها. ويضيف :"ان من السذاجة تفسير كل أعمال الشر التي بلغت ذروتها في النصف الثاني من الثلاثينيات "ببرانوية"ووساوس ستالين". ويرى ان ممارساته،رغم كونه يبالغ شكوكه بالاخرين، "لم تكن ارتجاليية وانما متفقة مع منطقه الشرير". وانه لم يكن مقتنعا بتحضير قيادات الجيش الاحمر، الذين قام يتصفيتهم، مؤامرة عليه لعزله من منصب سكرتير عام الحزب، ويستبعد بريماكوف ايضا ان يكون ستالين قد قام ضمن هذه القضية بتصفية المارشال اللامع وصاحب الماثر في الحرب الاهلية، والحزبي العريق ميخائيل توخاتشيفسكي وفريقه، بسبب الشكوك التي ركبته، واضاف "ان نهج التصفيات في الجيش الاحمر لأية معارضة الذي اختطه القائد، اصبح بالنسبة لستالين المهمة الاولى."وان " اظهار ثبات موقع ستالين في الجيش الأحمر كانت سببا في تعين المارشال "فاسيلي بليوخر" رئيسا للمحكمة العسكرية بقضية توخاتشيفسكي وانصاره.وحسب ما يقول بريماكوف: ان " فاسيلي بليوخر" (1890 ـ 1938) لم يكن رجل قوميسار الشعب (وزير ال دفاع) كليمينت فوراشيلوف (1881ـ 1969) ولا حليف "مارشال الخيالة" سيميون بوديوني(1883ـ 1973)، لذلك تم بعد اجراء المحاكمة اعتقاله ومن ثم تصفيته بالتعذيب.

خلفيات تاريخية

ويلفت بريماكوف ايضا الى ان ستالين لم يحصر تصفيات المخالفين لأراءه في اطار الجيش وحسب. حيث سادت التطهيرات كافة انحاء البلاد. "وأَنزلت الضربة الأولى بنشطاء الحزب". منوها بوجود أساس للحديث عن "ان جزء من الذين طالهم التنكيل كانوا من المتمسكين بوجهات نظر تروتسكي". معربا عن القناعة لو "ان ستالين تمكن في العشرينيات من جر الحزب باكمله خلفه، لما اصبحت تصفية تروتسكي في الخارج بديلا عن نفيه." وقال ان "ستالين كان حينها يخشى استعمال الإجراءات القصوى إزاء تروتسكي وأنصاره. "والان انتقم". واسترسل بريماكوف بالقول" بدل الصراع الايديولوجي مع الخصوم، اعتمد النهج الذي اختطه ستالين على إسلوب التصفية الجسدية لكل من لا يتفق معه". وقال "ليس سرا ان نيكيتا خروشوف (1986ـ 1894) ولازار كاجانوفيتش (1893ـ 1991) وفيتشسلاف مولوتوف (1890 ـ 1986) دفعوا ستالين نحو ذلك، ساعين للظهور بمظهر الناس المخلصين له الذين يؤتمن بهم". واضاف" ان ايادهم ملطخة بالدماء".

وفي رصد خلفيات الاحداث يلفت بريماكوف الى ظهور في هذه المرحلة بالواجهة وزير الداخلية نيكولاي يجوف (1895 ـ 1940) ذو الميول السادية، بمثابة الرجل الثاني في قيادة البلد.والسماح بالتعذيب، "بالطبع بمعرفة ستالين، صب في دعم ممارساته"، وادى هذا الى تصعيد وتائر آلية التنكيل، "حيث انتشرت ممارسة ارغام المواطنيين على رفع تقارير بوشايات ملفقة على زملائهم واقاربهم، وغالبا على الناس الذين لا يعرفونهم تماما، في محاولة لخلاصهم من التعذيب الجسدي. وبلغت اعمال التنكيل حدود غير مسبوقة." كما يلاحظ أن: "ممارسات التنكيل، التي مورست بعهد ستالين، طالت الشيوعيين الأجانب ايضا. وجرى بتهمة التروتسكية والعداء للبلفشية، اعتقال زعماء احزاب شيوعية منضمة للكومنترن وتم تعذيبهم جسديا :بما في ذلك زعماء الحزب الشيوعي الألماني واليوغسلافي بما في ذلك "فلاديمير تشوبيتش"(1891ـ1938) زعيم الحزب الشيوعي اليوغسلافي في 1920 وممثل الحزب الشيوعي اليوغسلافي في الكومنترن وشارك في 1937ـ 38 في الحرب الاهلية في اسبانيا حيث قاد الكتيبة الاممية 15 والبولوني ومؤسس الحزب الشيوعي اليوناني والهنغاري والروماني والفنلندي ودول البلطيق وغيرهم. كما جرى اعتقال "بيلا كون" الشيوعي المجري والثوري البلشفي الذي قاد الجمهورية المجرية السوفيتية سنة 1919 ومن ثم اعدامه رميا بالرصاص. وتحولت اقامتهم بالاتحاد السوفياتي الى اعتقال واذلال. ومن زاوية تاريخية ليس بمقدور احد ان يصفح عن ستالين ويسامحه على ممارسات التنكيل بهم."

وقال: هذا جانب من القضية. "والجانب الاخر هو حل الكومنترن في مايو عام 1943 الذي يندرج ايضا في لائحة جرائم ستالين". "ان حل الكومنترن، الذي جاء طبعا بأمر من موسكو، تم حينما كان الاتحاد السوفياتي بحاجة ماسة لرص صفوف قوى التكتل المعادي للهتلرية الذي ضم الاتحاد السوفياتي وامريكا وبريطانيا وغيرها. وما عرقل هذه العملية هو خشية عدد من زعماء الغرب من تغلغل مجسات الكومنترن وكالسابق، في الدول المتحالفة الان مع الاتحاد السوفياتي ضد للهتلرية، وهدفه (الكومنترن) الإستراتيجي اطاحة الانظمة البرجوازية."

ويرى بريماكوف : ان اعادة الاعتبار وتبرئة ساحة الكثير من الذين طالهم التنكيل والقتل، لا يمكن ان تخفي وقائع " الغولاغ" (معسكرات الاعتقالات الجماعية). وهنا يستدرك بالقول "بيد ان النظر الى كامل مرحلة السبعين عاما من حياة بلادنا، عبر شبكة الجرائم والاخطاء، هو موقف استهانة تجاه الشعب السوفياتي، الذي على هذه الشاكله يجري الشطب عليه من التاريخ، وتصويره كدهماء من البشر المشغولين فقط بمدح ستالين وتمجيده.

ويتناول بريماكوف ايضا مرحلة الحرب العالمية الثانية، ويدحض التفسير الرسمي بان الهزيمة التي منى بها الاتحاد السوفياتي في مرحلتها الاولى كانت بسبب ان هجوم القوات الهتلرية كان مفاجئا وغادرا. وبعد عرض مفصل يصل بريماكوف الى راي مفاده ان الهزيمة في المرحلة من الاولى من الحرب وتغلغل العدو بسرعة الى اعماق الاتحاد السوفياتي لم تكن فقط بالهجوم المفاجئ لجيش هتلر ولا بسبب نقص في شجاعة الجيش الاحمر وانما الى توازن القوى العسكرية للاتحاد السوفياتي والمانيا وكذلك من اسباب اخرى الى انه كان حصيلة اعمال التنكيل في الثلاثنيات التي ابعدت من الجيش الجزء الاعظم من القيادات العسكرية وان الاخطاء التي ارتكبتها العسكرية التي حلت محل القيادة التي طالها التنكيل كان لها دورا في هزيمة الجيش الاحمر في بداية الحرب. ويشير ايضا الى الحزم الذي ابداه ستالين في وقف تراجع الجيش الاحمر امام قوى العدو بعد الانتصارات التي حققها في شتاء 1941 في ضواحي موسكو وضروة اتخاذ الاجراءات اللازمة لاحداث انعطاف الوضع الذي تحقق في نهاية المطف.

 

د. فالح الحمراني

 

 

 

زهير الخويلدي"يتكون المجتمع من متكافئين أي من كائنات تمتلك هوية أولى ومنيعة تحت أشكال اللاّمساواة الواقعية التي تفرقهم"[1]

لقد تم السكوت عن نظريات التعاون والانسجام في ظل صعود النظريات النيوليبرالية التي شجعت على الفردانية والانعزالية والتملك الذاتي والاستحواذ ضمن دولة الرفاهية وبعد تراجع الأدوار التضامنية التي كانت تؤديها النظريات الاشتراكية ضمن دولة الرعاية والمجتمع التكافلي الذي تسنده مؤسسات الحماية[2].

كيف يمكن بناء نظرية حقوقية تعتمد على مفاهيم التآزر والتأمين من أجل حماية المجتمع من التصدع؟

لقد طرحت نظرية المؤازرة نفسها كخيار اجتماعي ثالث ما بعد اللّبيرالية والاشتراكية يحمل جملة من الآداب الإيتيقية والنماذج الاقتصادية ونموذج مجتمعي تآزري ويقترح حلولا سياسية للانسداد التاريخي تجمع بين النجاعة الحاصلة في الثورة الرقمية والمعاملات الإنسانية التي تلتزم بها  العدالة الاجتماعية.

لقد كانت النظرية التضامنية مقتصرة على تقديم المساعدة للشرائح المعوزة وإنقاذ الطبقة العاملة من الحاجة وتحسين الظروف المادية التي تعيش ضمنها الطبقات الشعبية وتقوية منسوب التدخلات لفائدتها، لكنها تحولت في اللحظة الراهنة إلى رئتين يتنفس بهما الاجتماع البشري للانتقال من وضع مأزوم يتصف بالتفاوت والاستغلال والفساد والعنف إلى وضع سوي يتميز بالتقارب والتلاقي والتصالح والسلم والتوادد.

في الواقع يحتاج المرء في عصر العولمة المتوحشة وفترات الانتقال السياسي حيث يسود الاضطراب واللاّيقين إلى تأمين نفسه وممتلكاته ضد مخاطر الحروب والنزاعات وضمان بقائه واستحقاق وجوده عن طريق تمتين العلاقات مع الناس وحسن الجوار والاندراج في المؤسسات التعاونية وتقوية العمق الإنساني المشترك وزرع التعاطف وغرس المحبة وحرث الصداقة وتخصيب التكافل وإعادة بناء الثقة مع العالم.

لم تولد نظرية في التآزر إلا في مناخ عام يشجع على التواصل والتبادل ويربط التنشئة الاجتماعية بالتربية على المواطنة الفاعلة التي ترفض أشكال الانطواء والانعزال والسلبية وتقبل على المشاركة والمساهمة في المجهود التضامني عن طريق العمل الخيري والفعل التطوعي والتبرعات والحراك المجاني والنافع.

لا يمكن للسياسة المواطنية أن تستعيد الأخلاق السامية والقيم النبيلة إلا بنكران الذات والتضحية من أجل الصالح العام وفداء الوطن وجعل إعطاء الحق هو منبع اكتساب القوة وربط ممارسة السلطة بالمحاسبة، ولا تستكمل الجمهورية استحقاقات الثورة إلا بإتباع اقتصاد الالتزامات الاجتماعية وتحقيق مطالب الشعب والقيام بالواجب مع المناضلين وعائلات الشهداء وأسر الضحايا من تنكيل وغطرسة المستبدين والفاسدين.

يتنزل مفهوم التآزر ضمن البرنامج السياسي للمصلحين الاجتماعيين الذين يسعوا إلى استكمال الثورة عبر تأسيس مشروع مجتمعي سيادي وتنظيم تعاوني متجانس يكفل كل مستحق ويساعد كل طالب علم أو شغل.

تقوم سياسة التآزر على الاعتراف بالقيمة الإجرائية للإخاء والمودة والمحبة إلى جانب الحرية والمساواة وبالتالي لا معنى لقيم التآخي والتحابب والتوادد دون تتساوي في الحريات والحقوق ودون تبادل وتشارك للمنافع والخيرات ودون المساعدة عند الحاجة والوقوف مع الصديق عند الضيق ومناصرة الجار المحتار.

لا يتعلق الأمر بالصدقة والإحسان والتبرعات التي يقوم بها الأفراد والمؤسسات الخيرية بل يتنزل ضمن المساعدة على بناء الوطن والمشاركة في تعزيز مناعة المجتمع ضد الاحتياج والفقر وتدعيم الأمن الأهلي وينبع من احترام حقوق الآخرين وتقدير مجهوداتهم واعتراف بمساهماتهم والتزام بالواجب والمسؤولية.

بيد أن التفكير السياسي الراهن احتاج لانتفاضة إيتيقية لكي يعمل على تحويل طريقة طرح مشكل التضامن بحيث يضمن الحرية والكرامة ويبرز صورة ناصعة للتآزر والتكاتف ودور للتأمين في العدالة والمساواة.

يساهم مبدأ المؤازرة في الصراع ضد الشر الاجتماعي والمعركة ضد الكراهية والإقصاء والتمييز ويرفع من منسوب فعل الخير وإيتاء ذوي القربى ومساعدة المساكين والمحتاجين ويدعم الصحة الخُلُقية للمجتمع ويندرج ضمن مصطلح الدفاع الذاتي الذي تتسلح به الأفراد والمجموعات في سبيل تقوية المناعة الداخلية.

ليس التعاون مجرد سلوك نبيل يقوم به الفرد تجاه غيره وإنما عنوان انتماء إلى المجموعة البشرية ومدخل لتأسيس علاقة تواصلية مع الناس وتعاقدية مع المؤسسات تضمن التبادل على مستوى الحقوق والواجبات وطريقة علاجية للتخلص من العقد ومقاومة الشرور والتصدي للآفات الاجتماعية مثل الاحتكار والنهب.

الهام في التآزر ليس صياغة نظام من الواجبات تجاه الإنسانية وانما تشييد أنطولوجيا الكائن الاجتماعي التي ترتكز على جملة من الدعائم مثل البر والتناصح بالحق عند الإقرار والتواصي بالصبر عند الشدائد.

تساعد المؤازرة على إعادة توزيع الثروات بما يقلل من الفوارق بين الأغنياء والفقراء وبما يجعل الفقراء يكفون عن نقمتهم عن مالكي وسائل الإنتاج وما يدفع الأغنياء إلى المعايشة الوجدانية مع الشرائح الشعبية.

لقد برز نظام التأمين في الحقبة مابعد الصناعية على أنه طريقة قانونية في التعويض عن الخسائر وضمان موارد الانتاج ومسالك التوزيع وابعاد المخاطر عن الممتلكات وتحقيق الاستقرار النسبي والأمان النفسي.

لقد اظهر التأمين كفاءة عالية في دفع الناس الى التقليل من النفقات والتكاليف والخسائر والرفع من الأرباح والمدخرات وجعل الحياة السياسية رهينة عند صناديق الضمان والتنظيم الإداري قلب النظام الاجتماعي. لكن كيف تحولت فكرة التأمين من شعور جمهوري بالتضامن الاجتماعي إلى مشروع اقتصادي في التآزر السياسي؟ وهل تنقذ الايتيقا التعاونية من الفساد الذي تسببت فيه السياسة التخاصمية والاقتصاد التزاحمي؟

 

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

.......................

المصادر والمراجع:

Bouglé Célistin, 1870-1941, le solidarisme, édition V.Giard et E. Brière, Paris, 1907.

Bourgeois Léon,1851-1925 , la Politique de la prévoyance sociale, la doctrine et la méthode,1, l’action,2, édition bibliothèque Charpentier,  Paris, 1914.

Bourgeois Léon, solidarité, édition Armand Colin Paris, 1896.

Chevalier J, la solidarité : un sentiment républicain ?, édition PUF, Paris, 1991.

Durant Paul, la politique contemporaine de la sécurité sociale, édition Dalloz, Paris, 1953.

Ewald François, l’état providence, édition Grasset, Paris, 1986.

Gide Charles, l’idée de solidarité en tant que programme économique, édition V.Giard et E. Brière, Paris, 1893.

Gide Charles, la solidarité économique, Essai d’une philosophie de la solidarité, Paris, 1902.

Netter Francis, la sécurité sociale et ses principes, édition Sirey, Paris, 1959.

 

 

عبد الحسين شعبانإذا نصّ الدستور التونسي الصادر بعد الثورة (2014) في ديباجته، وفي الفصل الثاني، منه على «مدنيّة الدولة»، فإن مثل هذه النصوص فتحت الشهية لنقاش وجدل واسعين، ليس في تونس فحسب، بل في العالمين العربي والإسلامي. وكان مثل هذا الجدل والنقاش قد أثيرا واحتدما خلال العقدين ونيّف الماضيين، بحثاً عن جواب مقنع وتوافقي بين تيارين متصارعين لدرجة القطيعة أحياناً، وهما التيار الديني، والتيار العلماني، فما المقصود بالدولة المدنية، وكيف ينظر إليها الفرقاء، ولاسيّما الذين يريدون الإبحار كل إلى ضفته؟

المتشددون من التيارين يثيرون اعتراضات بشأن «هوية» الدولة، فأنصار الفريقين، بغض النظر عن اختلافاتهم، وتمايزاتهم، يبحث كل منهم عن «مرجعية» تطمئنه، الأمر الذي يحتاج إلى صيغة مناسبة، وابتداع إجابة مشتركة تجمع التيارات المتناقضة في إطارها، وتضع مسافة واحدة من الجميع، وليس ذلك سوى «الدولة المدنية».

إن إصرار التيار الإسلامي، بمدارسه المختلفة، على مرجعية الشريعة قاد أحياناً إلى انعزالية، خصوصاً بوضعها مبادئ الدولة في تعارض كامل مع فكرة الحداثة، والحرية، والعقلانية، والديمقراطية، ولعلّ أحد نماذجه المشوّهة والمزورة هو تنظيم « داعش»، وأخواته، ويقابل هذا التيار تيار علماني يرفض أي نص يسترشد بالمرجعية الإسلامية كمصدر من مصادر الدستور والقانون، حتى وإنْ تمت استجابتها لروح العصر، ويدعو البعض من أنصار هذا التيار إلى قطع الصلة مع الماضي، أو إحداث القطيعة الأبستمولوجية مع التراث، متجاوزاً على الخصوصية الثقافية لأنها تعيق تحقيق الحقوق والحريات بمرجعياتها الكونية ذات الشمولية والمعروفة باسم «الشرعة الدولية لحقوق الإنسان».

وبين هذا وذاك، كان لا بدّ من ابتداع إجابة عربية على قاعدة الاحترام المتبادل، وجاءت هذه المرّة من تونس بعد نجاح الثورة التي أطلق عليها ثورة الياسمين العام 2011 لتؤكد إمكانية الإبداع الفكري والحقوقي، وتقديم حلول ذاتية ومتميّزة لمشكلات كبرى مطروحة، مع الأخذ في الاعتبار ما وصل إليه الفكر الدستوري القانوني، والعقل الحقوقي الدولي.

وكان الدستور التونسي نصّ في ديباجته على الدولة المدنية، وأكد ذلك في الفصل الثاني: «تونس دولة مدنية تقوم على المواطنة وإرادة الشعب وعلويّة القوانين»، وقد أعطى تميّزاً لهذا الفصل الذي يعتبر «جامداً» على بقية فصول الدستور، بحيث لا يمكن تعديله، لأنه يمثّل جوهر فكرة الدستور، وقواعده الأساسية التي قام عليها.

وبمناسبة الذكرى الثامنة للثورة السلمية - المدنية، فقد انعقدت حلقات أكاديمية حول الفكرة، وواقعها، وآفاقها المستقبلية، نظرياً وعملياً، شارك فيها مفكرون، وباحثون، وأكاديميون، ونشطاء من مختلف التيارات الفكرية التونسية والعربية، وحظيت بدعم من مؤسسة «هانز زايدل» الألمانية، وقام بتنظيم الفعالية «المعهد العربي للديمقراطية»، بالتعاون مع «الجامعة الخضراء»، و»المركز المغاربي للبحوث والدراسات».

جدير بالذكر أن تجربة الانتقال الديمقراطي التونسية، وإن واجهت تحدّيات كبرى، لكنها قياساً بالتجارب العربية الأخرى، مرّت بسلاسة زادها فاعلية الحوار المجتمعي، والتوافق السياسي بين الفرقاء، حيث ظلّت تونس دولة قائمة ومستمرة تحمل ملامح مدنية، جرى تثبيت أسسها في الدستور الجديد بديلاً عن النظام الاستبدادي، والدولة الدينية، أو العسكرية، أو الأمنية، وقد استتبعت ذلك تطبيقات وخطوات عدة في مؤسسات الدولة عبر قوانين، وتشريعات، وأنظمة، ما زالت تثير جدلاً واسعاً ومستمراً، وهو ما حصل بشأن الموقف من حقوق المرأة، ومساواتها مع الرجل في جميع الميادين. ولعلّ فكرة الدولة المدنية في تونس هي منزلة بين المنزلتين ، فلا هي دولة دينية، ولا هي دولة علمانية، الأمر الذي جعل التجربة محطّ اهتمام، ونقاش، وتنوير، ووسطية، لاسيّما بمحاولة امتصاص حساسيّة الأطراف المختلفة تاريخياً، عبر حوار ساهم فيه المجتمع المدني بدور كبير.

وإذا كانت ثمة عقبات تعانيها الدولة المدنية في المنطقة العربية، فالأمر ليس استثناءً عربياً، فحتى الدول الديمقراطية العريقة تعاني تحدّيات هي الأخرى، وما حصل في فرنسا من حراك قام به أصحاب «السترات الصفراء» يطرح أسئلة في غاية الأهمية حول «أزمة الديمقراطية»، وما بعدها، ومستقبلها، ارتباطاً «بالانتخابات»، ونتائجها، والدعوة المتسعة اليوم لتوسيع دوائر الحكم المحلي، واختصاصاته، وصلاحياته، ومباشرة اختيار ممثلين للإدارات والبلديات قريبين من جمهورهم، ويحظون بدور تنفيذي أكبر.

ولعلّ الحوار حول طبيعة الدولة وهويّتها هو جزء من الصراع الأيديولوجي العالمي، وإن كان جزءآه العربي والإسلامي أشد حدّة في ظلّ عوامل إحباط ونكوص عدة من جانب قوى مختلفة، ومتناحرة، بعضها يريد شدّها إلى الخلف، حيث أنظمة الاستبداد، وبعضها يريد جذبها إلى شاطئه الخاص، سواء كان إسلامياً أو علمانياً، فضلاً عن محاولات هيمنة واستتباع خارجية غربية قديمة، وجديدة.

وبتقديري، فقد وصلت الحلول الواحدية والإطلاقية، تلك التي تريد احتكار الحقيقة وتزعم أفضلياتها على الآخر، إلى طريق مسدود، وآن الأوان للتخلّي عن منطق المغالبة، والعودة إلى منطق المواصلة على أرضية مشتركة، بعيداً عن التناحر والتقاتل، بل بالتفاعل والتواصل.

 

عبد الحسين شعبان

 

حاتم حميد محسنفي كلمة له، ذكر القائد اليوناني Themistocles (523-458 قبل الميلاد) "انا لا استطيع الخداع، لكني استطيع بناء دولة عظيمة من مدينة صغيرة". كيف نستطيع بناء مجتمع جميل افضل من الدولة العظيمة؟

عندما يستمع احد لعبارة "المجتمع الجميل" فهو ربما يتذكر صورا لمدينة ذات تصميم رائع، او اناسا متعلمين جيدا مرتدين ملابس انيقة، او مكان فيه ناس جذابون يفتخرون بمنزلتهم الاجتماعية الرفيعة. هذه ليست رؤية الفيلسوف الآلماني الرومانسي فردريك شيلر (1759-1805). المجتمع الجميل لدى شيلر هو الذي تكون فيه الانسانية قد تقدمت من الحالة التي يتحفز بها الناس بحاجاتهم الطبيعية (التي يسميها الرغبة الحسية sensuous will) الى حالة أعلى يكون فيها الحافز الاساسي للناس هو الرغبة الاخلاقية (moral will) وحيث يتصرف المواطنون باسلوب متناغم وموحّد بعيدا عن الميول الطبيعية. وبعبارة اكثر تحديدا، الناس في المجتمع الجميل لم يعودوا منهمكين بالصراع بين الرغبة الحسية والرغبة الاخلاقية. غياب الصراع يجعلهم بعيدين عن الناس في المجتمعات الاخرى لأنهم الآن يمتلكون ما يصفه شيلر بـ "المجتمع الجميل"، وهم قادرون على تطوير ارواح جميلة في إنكشافهم للأعمال الفنية العظيمة، وذلك لأن الفن العظيم يجعلهم متحررين من رغباتهم الحسية ويمكّنهم من تجسيد الرغبة الاخلاقية والعقلانية.

إعادة الخلق الفني للشخصية

هذه كانت تجسد فكرة جديدة عن وظيفة الفن. عمانوئيل كانط (السابق لشيلر) (1724-1804) وصف الفن بطريقة مختلفة كثيرا، مجادلا بان العمل الجميل ينتج المتعة لدى المراقب الكسول. كانط جادل بان الاعمال الفنية العظيمة تحفز موضوعيا هذا الشعور الممتع. بمعنى، لكي نرى الشيء جميلا ليس فقط نعطيه ميولنا الشخصية، وانما، ما نشعر به من متعة فيه هو شيء ما يمارسه اي شخص لو تعامل مع العمل الفني بالاسلوب الصحيح.

لو اتفقنا مع كانط في اننا نرى الفن اساسا كمصدر للمتعة، سنحتاج للسؤال "ما هو الشيء الخاص في ذلك؟ كيف نميز الفن عن كرة القدم، الكركيت، مشاهدة الطيور او تناول طعام جيد؟ لماذا يختلف الفن عن المحاولات الممتعة الاخرى؟ وبعبارة اوضح، لماذا يجب الاهتمام بالفن؟".

جواب شيلر هو ان الانكشاف المستمر للفن له تأثير كبير على الفرد. انه يؤدي الى خلق توازن بين اثنين من دوافعنا الرئيسية – بين رغبتنا الحسية ورغبتنا للتفكير كما يتجسد في الرغبة الاخلاقية. كل منْ كان قادرا على تحقيق هذا التوازن المتناغم سيكون فردا جميلا. الفرد الجميل طور مقدرة للتصرف اخلاقيا ومقدرة اخرى للتمتع بالمتع التي يقدّمها العالم. هذا التوازن الداخلي يجعله حرا لأنه لم يخضع لا للصراع ولا للاحترام الاخلاقي الصارم. طبقا لشيلر، الفرد الذي يحقق هذا التوازن هو انسان كامل. لذا فان شيلر انتقل بعيدا عن تفسير كانط التجريبي للفن الى التفسير الوظيفي، رغم انه اختار وظيفة لا ترتبط عادة بالفن. وخلافا لكانط، في كتابه (نقد الحكم، 1790) الذي ركز على جمال الاشياء الطبيعية، كان شيلر اكثر اهتماما في الجمال الداخلي لروح الانسان.

عرض شيلر هذا الانكشاف للفن في عمله الفلسفي الهام (رسائل حول التعليم الجمالي للانسان، 1794)، والذي هو جزء من نظرية سياسية متطورة. في كل فرد هناك نسبة بين الرغبة الحسية الى الرغبة الاخلاقية/العقلانية، وانه من الضرر ان تسيطر اي من الرغبتين على الروح. غير ان، الحكومات يبدو انها تسمح بترسيخ عدم التوازن. يرى شيلر ان معظم المجتمعات لاتمتلك حرية سياسية واقتصادية حقيقية، وهذا الغياب للحرية الحقيقية يمنع الناس من تطوير الرغبة الاخلاقية/العقلانية. الانظمة السياسية تشجع مباشرة او بشكل غير مباشر مواطنيها ليعيشوا اسلوبا حسيا مفرطا لدرجة يفسد نموهم الاخلاقي. الانكشاف للتجربة الجمالية يخلق ذلك التوازن. الانكشاف للفن يخلق الفرد الجيد لأنه من خلال تجربتنا الفنية نكون في حماية من ضغوطات المجتمع. عندما ننظر الى لوحة او نستمع الى موسيقا مثلا، سندخل مع العالم في فترة من الانشغال غير التطبيقي، وبهذه الطريقة نستطيع تحسين التوازن في شخصيتنا.

آرثر شوبنهاور (1788-1860) كرّس هذه الرؤية، مجادلا بان التجربة الجمالية هي احدى الطرق التي نستطيع فيها تحقيق راحة او انقطاع عن حقائق الوجود الصارمة. في كل يوم نحن نكافح ونتنافس، نشعر بخسارة ويجب ان نعيش بعدم قناعة. شوبنهاور اعتقد اننا عندما نقرأ قصيدة او نتأمل لوحة جميلة فنحن نمارس توقفا عن الصراع المستمر المسيطر على حياتنا.

لماذا تنجح الاعمال الفنية في رسالتها؟

يؤكد شيلر اننا لسنا مجرد اشياء فيزيقية ولا حيوانات هدفها الرئيسي البقاء وانما نحن كائنات واعية ذاتيا نصف انفسنا من خلال تجاربنا، ونحن نستطيع التعبير عن الوعي الذاتي فقط عبر انجاز بعض التوازن بين العدد الهائل من التجارب المختلفة التي بها نواجه بيئاتنا. ككائنات بشرية نحن نعمل عبر تبنّي المُثل التي تركز بمقدار ما على دوافع الحس او على دوافع العقل. تعبيرات مختلف المُثل قد تتعارض مع بعضها. بعض المُثل قد تتطلب تطبيقية مجردة، بينما اخرى تتطلب التأمل. نحن قادرون على انجاز احساس جيد بالذات فقط عبر الحصول على احساس بالانسجام. وكما يذكر شيلر، نحن نهدف الى "جلب الانسجام لمختلف التجليات ونؤكد على شخصيتنا وسط جميع التغيرات في ظروفنا". الكائن البشري له قدرة متميزة للتصور والنظر: نحن ننظر الى العالم حولنا ونتأمل كيف نجلب اشياء جديدة الى الوجود. الفن يشجع تلك القدرة : الشاعر ينجزها مستعملا الكلمات، المخرج من خلال الفيلم، النحات عبر جلب الشخصيات الى الحياة من الحجر. هذه المقدرة في التصور التي جرى تسهيلها بواسطة الفن هي مفيدة للمجتمع. من خلال الفن، يعبّر الفنان بطرق افضل عن امكانية وجود الانسانية. التفكير في الفن يقود الى نقاش داخلي من خلاله نعيد فحص مجتمعنا وقيمه. بعد مشاهدة مسرحية ارثر ميلر The Crucible نحن مجبرون على اعادة النظر بالطريقة التي نخصص بها اناسا للادوار. عندما نقرأ شعر ولفرد اوين نتعاطف مع الجنود وضحايا الحرب. موسيقى بوب مارلي تشجعنا على صرف النظر عن اختلافاتنا . خلال التجربة الفنية نحن قادرون على استعمال قدرتنا التصورية العميقة. تجربة العمل الفني خاصة الدراما والقصة تبعث الحياة بفكرة ان الناس الاخرين هم واقعيون بمقدار ما نحن، وبهذا نحن قادرون على تشخيص افضل مع الافراد الاخرين. اعمال الفن تمكّننا من ان نرى العالم من منظور الاخرين.العالم لم يعد يدور حولنا: نحن نستطيع ابقاء التوازن بين تحقيق اهدافنا والإقرار بالصراع مع الاخرين من جهة والمساهمة في المجتمع من جهة اخرى.

بما انه لا يوجد دافع انساني اساسي – لا حسي ولا عقلي- يسيطر على الفرد الجميل، فهو سيكون مقرر ذاتيا. هو يستطيع ان يقرر متى يكافح مثلا لأجل الثروة، ومتى يكون فاضلا. هو الفن الذي يمكّن كل شخص من تحقيق هذه السيطرة. خلال الخبرة الجمالية نحن نغير استجابتنا للاشياء في العالم. ولذلك، انها مهمة الفنان ليعرض افكارا محسنة باسلوب جاذب للوعي الحسي الذي بدوره يجب ان يطور حساسية لما يوضع امامه. عندما نقرأ رواية او قصيدة جيدة، او عندما ننظر جيدا بلوحة جميلة او عمل نحتي، فهو ربما يفتح عيوننا على مُثل اجتماعية ايجابية جديدة سوف نعترف بها ونستبطنها.

هدف شيلر في تشجيع الانكشاف للفن كان دائما الحالة الجمالية التي تقود الى تكوين المجتمع الجميل. المجتمع الجميل هو مكان يتحرك فيه الناس بفعل الحب، الفضيلة، التسامح، الشرف والرقة. هو يقول "الحالة الجمالية تجعل المجتمع ممكنا لآنها تشبع الرغبة من خلال طبيعة الفرد". من خلال الانكشاف للفن، لم يعد الافراد فقط معتبرين ذاتيا، هم يصبحون قادرين على استبطان حقائق الناس الاخرين.شيلر ايضا اعتقد اننا يجب ان نحقق الحالة الجمالية قبل ان ننجز الحالة الاخلاقية. انها القفزة الخيالية في الحالة الجمالية التي سمحت لنا بالوصول الى حرية الحالة الاخلاقية. الناس احرار في الحالة الاخلاقية لأن رغباتهم لم تخضع لسيطرة الحس ولا للحسابات الجافة. المجتمع باكمله لدى هؤلاء الناس سيكافح لأجل التحسين الاجتماعي.

اذا كان شيلر صائبا في اهدافه وفي الوسائل اليها، عندئذ فان الطريق الى الامام سيكون واضحا. لتحقيق المجتمع الجميل نحتاج للاعتراف باهمية خبرتنا الجمالية. نحن يجب ان لا ننهمك فقط بالقضايا الاقتصادية والسياسية للحياة اليومية. بدلا من ذلك، يجب ان نحقق التوازن بين رغباتنا الموجهة للنجاح في الشؤون اليومية ورغباتنا في الانشغال بأعمال الفن التي تمكّننا من تطوير ارواح جميلة.

 

حاتم حميد محسن

 

بعد ان تناولنا في المبحث السابق الظروف التي تطور فيها الفكر التكفيري وكيف اصل الياته في التاصيل الى مفهوم التوحش، نجد من الظرورة بمكان ان نقف عند احد تمظهرات هذا الخطاب في التوحش اعلاميا عبر زرع الرعب وهو يستند الى عمق تاريخي كبير موجود في المدونات التاريخية التي استثمرها كراسمال رمزي في تحقيق الغالية المتمثلة بنشر الرعب في صفوف الاخر عبر العنف الضاري الذي اعتمد ماكنته الاعلامية من اجل نشر هذا الخطاب من اجل تحقيق غاية عسكرية ارهابية تعتمد العنف، و العنف اصطلاحا يشتمل على الخشونة في المحاورة على استعمال السلاح والبطش والاضطهاد وهو عكس المسالمة. ومثالية ما يمارسه البعض (إنسان، دولة، سلطة، جهة، حزب، حركة) مما يعني أن العنف يضعنا أزاء مقاربات متنوعة وكل مقاربة تعكس إدراكا معينا وأسلوبا في التشخيص والاقتراح ([1])

فهذا العنف يتجلى اليوم عبر العالم الرقمي الافتراضي الذي تجاوز عائق المكان – والمكان اللذين يعوقان الاقتراب بين الناس جغرافيا. فأصبح هذا الفضاء الرقمي مجالا رحبًا من أجل صناعة التواصل، فضلاً عن صناعة التوحش ومن ثمّ إدارته بفعل الاستثمار الإرهابي للخطاب الرقمي، فإن المتابع للأعمال الإعلامية المعادية التي يتبعها داعش يجد أنها أعمال تعتمد وسائل احترافية تتوسّل بمنطق العنف المفرط من أجل تحقيق غايات سياسية، وهو جزء من الفضاء والبيئة الرائجة بمرجعياتها ورموزها وتعاليمها أو بخطاباتها وأحكامها وفتاواها. (صحيح أن الإرهاب كعمل عسكري إنما يخطط له في السر وتحت الأرض ولكنه يشكل الوجه الآخر لثقافة تسهم في إنتاجه سمتها أنها متحجرة، أحادية، عدوانية، استبدادية كما تجري ممارستها تحت سمعنا وبصرنا، وكما تعمم نماذجها في الجوامع والمدارس أو عبر الشاشات والقنوات )([2]) فهذا الإرهاب بكل عنفه هو وليد البيئة التي تُسهم في إفراز الكثير من الخطابات المماثلة له، وسوف تستمر بهذا مستقبلا. فهذه الخطابات الأصولية تشن حربها ليس على الجسد وطاقاته الحيوية وحدها، أو السلوك وحركيته ومرونته وصولا إلى مطاردة النوايا، ومرجعية الإنسان لا تكون في ذاته بل في نظم التحريم المتفاقمة التي لا تترك خارجها سوى أشباح الحاجات([3])

فالإعلام وليد تلك الممارسة بكل ثِقَله الثقافي والشرعي وكل بُعده التقني الذي يتيحه الفضاء الرقمي اليوم، ومن ثمَّ نستطيع تصنيف هذا النوع من الإعلام بوصفه يمثل شكلاً متطورًا من أشكال الحرب الإعلامية، التي تعتمد الحرب النفسية في تسويق رسالتها، التي تجد كل الوسائل مباحة من أجل تحقيق غايات التنظيم في إشاعة التوحش في البلدان المستهدفة وإدارته، سواء اعتمدت الإعلام المرئي أم المطبوع من أجل تحقيق أكبر قدر من الإبلاغ عن مضامين رسالتها الإعلامية المشبعة بالعنف المفرط. الذي يتخذه وسيلة من أجل تحول خطابه الطوباوي إلى حقيقة وإعادة إنتاج الزمن المقدس: زمن البدايات، زمن الكمال، والعمل على إزالة الدنس والكفر والاستبداد والكفر عبر العنف الجهادي الذي يفترض خطابًا تضحويًا عنيفًا يقوم على إراقة الدم للذات، ومحق الخصوم وإزالتهم من الوجود، كل هذه البؤرة الآيديولوجية هي حمولة الخطاب الذي يعتمد العنف والشراسة من أجل تحويل اليوتوبيا إلى حقيقة عبر إراقة الدماء، عبر علاقة استقطاب بين خيرية الذات وشيطنة الآخر الخصم من أجل إباحة هدر دمه([4])

ومن أجل تحقيق هذا يأتي دور الإعلام بوصفه جزءًا من الحرب التي يخوضها التنظيم بل هي جزء حيوي في استثمارها في اعتماد التضليل والمخادعة من أجل تحقيق أهدافه العسكرية بالتغلب أو التعويض عن انتكاساته، فقد استثمر هذا التنظيم العالمي وسائل الاتصال الإعلامية بأشكالها المتنوعة من علاقة التواصل الاجتماعي في نشر آيديولوجيته، وتجنيد أكبر عدد من الشبّان حول العالم، ومواكبة واستعمال أكثر الوسائل تطوراً وتقنية بشكل ملاحظ ومن ثمّ توظيفها لمصلحة إعلام التنظيم وأنصاره ومؤيديه الذين يأخذون أشكالاً متنوعة من الداخل والخارج ممن يناصرونه أو ممّن يُهوِّلون من مقدرته الجهنمية عبر تحليلاتهم ذات الارتباطات المتخفية، لكن كل هذه الأوساط على اختلافها تبين: " أنّ التنظيم مدرك تماماً الدور الذي تلعبه وسائل التواصل الاجتماعية في جعل تنظيمها عابراً للحدود وصناعة شعبية افتراضية تفوق الواقع، فهو ما إن يطأ أرضاً حتى يبادر بشكل منظم وسريع في تغذية المواقع بأخباره صوتاً وصورة"

فهذه التحليلات تكشف عن أنّ التنظيم وأنصاره يستثمرون الخطاب الرقمي الإعلامي بشكل فاعل عبر إعادة الترويج للحرب النفسية من أشكال وأساليب متنوعة؛ من أجل تحقيق غاياته، ومنها: زرع الشعور بالخوف في قلوب المتلقي عبر بث الرعب في الرأي العام من أجل تعظيم شأنه، والثاني الوصول إلى تجنيد مقاتلين، ومن أجل كسب عقول أكثر عدد من الناس، وصولاً إلى استمالة المتعاطفين، والمؤيدين، ويكون الهدف من التواصل معهم، استثمارهم والحصول على دعمهم ومساندتهم. والثالث يدخل ضمن إدارة التوحش المتمثل بخصوم التنظيم من الدول ومؤسساتها بهدف زعزعة أمنها. وهو يستثمر المناطق والدول التي تعيش حالة انقسام يحاول استثمارها من أجل إيصالها إلى حالة التوحش لهذا (مقلق جداً إطالة أمد الصراع السياسي في المنطقة، ما يصب لمصلحة داعش، فكل يوم يمر في ظل انسداد الأفق المستقبلي للخروج من هذا الصراع، فهو يستثمره في استغلال الناشئة وتوريطهم من خلال ذلك الترويج والضخ الإعلامي الهائل والمتزايد على " الإنترنت" كتابة وصوتاً وصورة)([5]) ورابعا يهدف نشر هكذا صور عنيفة من " داعش" إلى احتمالين، إما أن تكون هذه الفيديوهات حقيقية وعندئذ سيكون هدفها الأول هو بث الرعب الشديد على كل المستويات الشعبية والرسمية عند الغرب، مشيراً إلى أن الشعوب الغربية عندما ترى هذه البشاعة في القتل بالذبح المصور تقوم بممارسة الضغط على الحكومات؛ لعدم توريط جيوشها في أتون معارك لا يعلم نتائجها إلا الله.([6])

وتشير التقارير الإعلامية إلى أن حالة استقطاب مع التنظيم زادت بعد نشر وسائل الإعلام لمقاطع الذبح للضحايا فيما تأخذ النقطة الأولى جانبًا آخر يجعل من تلك الرسالة متقبلة لدى المحطات الغربية والمحطات المتعاطفة معها التي تعتمد رسالة خلق التشويق لدى جمهورها المولع بالمفارقات. وغاية المحطة استثمار تلك الرغبات من أجل زيادة المتابعين لها. نتيجة أن المشاهد العنيفة تصوّر وحشية من يقوم بالذبح، التي تدل على فقدان أي درجة من الإنسانية. فإشاعة تلك المشاهد تُحدث آثاراً نفسية عالية، وبها نجد أن تلك الوسائل الإعلامية العالمية تفضّل تحقيق زيادة في نسبة المشاهدة بدل العمل على مجابهة تلك الرسالة الإعلامية المعادية والعنيفة التي تُسهم بتسويق خطابها الإعلامي للآخر، فبدل أن تنتشر دعاية إعلاميّة مقابلة ومجابهة لدعاية "داعش"، أسهم الإعلام في نشر دعاية التنظيم. وتسهم باستهلاك تلك الرسائل المشبعة بالعنف والكراهية، وتجعل من الجمهور يتلقى تلك الوسائل النفسية من الدعاية النفسية الزاحفة وتخلق اضطرابًا نفسيًّا لدى الجمهور. وبهذا تحقق الهدف من زرع حالة توحش واليات إدارته في صفوف الدول التي تتخذ منها داعش محورًا معاديًا سوف نقف عندها بوصفها تجلي من تجليات إدارة التوحش التي تتجلى من خلال المقاطع التي تحدث الصدمة والترويع من خلال الأساليب اللاإنسانية في التخلص من الخصوم، التي تحولت إلى وسائل في الحرب النفسية التي تظهر في وسائل تلك الجماعة أو وسائل الإعلام العالمية، حيث إنها تحقق من خلال تلك المقاطع متابعات واسعة. فإن تلك الوسائل تبدو من خلال ما سبق مقصودة بوظائف مزدوجة بالإضافة إلى الوظيفة النفسية، فإن أتباع تلك الأفعال تسهم في تسويق الرسائل عبر وسائل الإعلام العالمية، لهذا نجد الحركة تتفنن في طريقة القتل، ما يجعل المادة مغرية.

لكن تلك الوسائل لها غايات أخرى منها التعويض عن غياب الإنجازات العسكرية مما يجعل التهويل وآليات الخداع النفسي والإعلامي من أجل الكسب الإعلامي للتنظيم الذي يعوض غياب الإنجازات العسكرية أو الاستراتيجية؛ لكن على الرغم من كل هذا، نجد أنّ ذلك السلوك العنيف الذي يتجلى في خطاب داعش ومن ثمّ يترجم علاقتها مع الآخر المختلف فإنه بالضرورة يمثل موقفًا نفسيًّا (ومن جانبه أكد إيان روبرتسون·: "أن هناك عدة عوامل يمكننا أن نتعرف من خلالها على التفسير النفسي لما تقوم به داعش، مشيراً إلى أن هذه العوامل تتركز في الوحشية، رأيهم في الجماعات المخالفة لفكرهم، والثأر، وقادة الجماعات. وأوضح في تفسيره لعامل الوحشية، أن الوحشية تستدعي الوحشية، فثلاثية القسوة والعدوانية وانعدام التعاطف تُعدّ ردود فعل مشتركة من قِبَل الناس الذي عُوملوا بشكل قاسٍ. وأضاف: "كما أن الجماعات الدينية تؤيد وتدعم درجة من العدوان تجاه الجماعات المخالفة التي كانت غائبة في جماعات غير محددة دينياً، كما نشاهد بشكل مأساوي في الشرق الأوسط)([7]) نعم هي سياسة متجذرة في الشرق تقوم (على المحو تمارس نشاطها في ذاكرتنا الثقافية؛ لكن ليس، وفقا لقوانين التطور الثقافي الطبيعية، حيث ينبثق الجديد من القديم ويتجاوزه تجاوزا جدليا، بل يتم ذلك بفعل تدخل سلطة ذات طابع آيدلوجي تحاول محو السابق بوصفه نقيضها، وإثبات ذاتها بوصفها بديلا )([8]) وهذا ما تفعله داعش ويتم ترجمته إعلاميا فهي سياسة جوهرها المحو والإقصاء العنيف من أجل خلق بديل تحتكر تمثيله، وهي وليدة الخطاب التكفيري بامتياز. وقد تجلى في القاعدة من قبل، مستثمرةً ممكنات الخطاب الرقمي المعولم ضمن أشكال جديدة من الحرب القائمة على إدارة التوحش المعتمدة آليتين: الاستنزاف والمناورة التي تعتمد على المباغتة والمعاجلة مدعومة بحواضن إثنية وإعلام دعائي يعتمد الحرب النفسية .

موقف وسائل الإعلام من سلوك داعش الإعلامي: اليوم قد أخذت وسائل الإعلام تنتبه إلى الأساليب الإعلامية وآليات الاختراق والتهويل والعنف المفرط، جعلها تعمل على القيام بخطوات نقدية :

من أجل مراعاة أخلاقيات المهنة التي تفترض المصداقية والحيلولة دون نجاح غايات التنظيم من رسائله التي تحث على العنف والحرب النفسية عبر إشاعة الكراهية وتجنيد أنصار ممن يعانون من الاغتراب الثقافي والحضاري والاجتماعي يحول دون جعلهم منتمين، بالإضافة إلى التنظيمات العالمية الداعمة التي تجد في تلك الوسائل ترويجًا لخطابها الكوني القائم على العنف سواء كانت الأصولية الإسلامية أو المسيحية أو اليهودية التي تعمل على استثمار تلك الدعاية من أجل الترويج إلى مصالحها, التي تدخل ضمن مفهوم الصراع الحضاري بين الإسلام والغرب .

الى جانب هذا المعيار الأخلاقي بكل حمولته القيمية. ثمّة عامل آخر أسهم في تجاهل الرسائل التي تبثها داعش من قبل الإعلام العالمي في أنّه يتعلق بمراعاة البعد الإنساني المتمثل بمراعاة مشاعر الضحية وأهله.

ومما لاشكّ فيه أن أهمّ معيار يجب توفره هو محاولة إزالة الخلافات الوطنية التي تخلق الأفق لإدارة التوحش وتزعزع الاستقرار وتمحو التعايش .

أما الأمر الثاني فهو توفر الخطاب الإعلامي الذي يمتلك رؤية وطنية وافق تقني وفكري قابل لتفكيك الخطاب المعادي وإعادة إنتاج خطاب بديل متسامح تعددي .

والعمل على إنجاز خطاب إصلاحي إسلامي يقوم على الانفتاح على قيم المعاصر ويعيد صهر الآفاق بين أصالة الماضي وتحولات المعاصرة وما تفترضه من ذهنية علمية منفتحة .

 

 د. عامر عبد زيد الوائلي

.............................

[1]- انظر : ماجد الغرباوي، تحديات العنف، دار العارف ط1، بيروت، 2009، ص43.

[2]- علي حرب، أزمنة الحداثة الفائقة الإصلاح –الإرهاب – الشراسة، المركز العربي، ط2، بيروت 2008، ص88.

[3]مصطفى حجازي، الإنسان المهدور، المركز العربي، ط1، بيروت، 2005، ص25.

[4]انظر: فرهاد خسرو خاقان، شهداء الله الجدد في سوسيولوجيا العمليات الانتحارية، ترجمة جهيدة لاوند، معهد الدراسات الاستراتيجية –المدى، ط1، بغداد، 2007، ص185.

[5]- http://www.alhayat.com/Opinion/Hassen-Bin-Salam.

[6]-أمل الصيفي - أحمد هنداوي، داعش" وجز الرقاب.. صناعة مخابرات أم ترويع للخصوم؟!http://moheet.com/2014/11/01/2164175/

- أستاذ علم النفس في كلية الثالوث Trinityفيدبلين، ومدير مؤسس سابق لمؤسسة علم الأعصاب، في دراسة قام بنشرها تحمل عنوان “التفسير النفسي لوحشية داعش.

[7]- أمل الصيفي، أحمد هنداوي، المرجع السابق .

[8]- نصر حامد أبو زيد، الخطاب والتأويل، المركز الثقافي العربي، ط1، بيروت، 200، ص137.