علي المرهجعلى الرغم من التداول السلبي لمفردة الإرهاب عالمياً، إلَا أنه يبقى مفهوماً إشكالياً، يُرفض وفق تطورات مدولالات اللفظ تاريخياً، إلَا أنه بشكله في منظومة الفكر الإسلامي من حيث النشأة لا دلالة سلبية كبيرة فيه، فالإرهاب هو لتخويف العدو ورده عن مقاصده ومراميه في القضاء على فكر منبعه لاهوتي مُقدس من أعداء خرجوا عن الملَة ومقتضيات الوجود المجتمعي الذي جاءت به الرسالة "الربانية" "توأعدوا لهم من رباط الخيل تُرهبون به عدوكم وعدو الله".

لم يخلو التاريخ الإنساني منذ بداية الخليقة إلى يومنا هذا من وجود أو حضور لما يُسميه (تيري إيجلتون) "الإرهاب المُقدس"، فقد ظهر جلياً في الحضارات الأسطورية القديمة أشكال من التعبير عن مفهوم "الإرهاب المُقدس"، ولك في نزوع كلكامش وبحثه عن عشبة الخلود مظهراً من مظاهر نرجسيته واعجابه المفرط بنفسه وبقوته وفرادته بالقياس لأنكيدو وسكان الوركاء، فكان يظن أن الوجود لا بد أن يصطفيه.

"فديناه بكبش عظيم" قربان فيه تشكيل وقناعة للقبول بـ "العُنف المقدس" بحق البشر، ولكن رحمة الله خففت من شكل العنف، فبدل من أن يكون عُنفاً القصد منه ذبح إنسان، صار "الكبش" أضحية نستسيغ ذبحها وتوزيع لحمها لأن فيه كسب لرضا إلهي "مُقدس".

تظهر الأضحية هنا أصلاً للدين كما يقول (رينيه جيرار) في كتابه "العُنف والمُقدس"

وفي أسطورة (عشتار وتموز) أو (إينانا وديموزي) ما يشي بنزاع بينهما فرض على أحدهما القضاء على الآخر، فكانت (عشتار) هي التي تمكنت من ايداع (تموز) في (العالم السفلي) بقصد اثبات قوتها وتفوقها على تموز. إنه "عُنف مُقدس"، فكلاهما إله، والإله في الأساطير يمكن أن ينتصر على إله آخر بحكم دهائه أو قوته.

عدم رضا (قابيل) عن (هابيل)، بعد أن تخاصما حول زواج "الشقيقة"، فقدما قُرباناً، فنزلت نار من السماء أكلت قُربان (هابيل)، وبعدها قتل (قابيل) أخوه (هابيل)، ولا أخوض في تفسير وتفاصيل القصة، ولكن بنائها الدرامي مرسوم على أساس تبيان الطبيعة البشرية لرفض الرأي الآخر، حتى وإن كان من أقرب المقربين، والتبرير هو الصراع على السلطة، وتصوير قتل الأخ لأخيه على أنه شكل من أشكال الطاعة!، ولذلك هو يدخل في مُسمى "الإرهاب المقدس".

في قتل الخضر للطفل ممارسة لنوع من أنواع "الأرهاب المقدس" لأنه خشيَ أن يُرهق أبويه "طُغياناً وزندقةً"!، لأنه رأي فرد (تقي) لا مبرر عقلاني لفعل القتل سوى وضعه بأنه نوع من أنواع "الإرهاب المقدس".

أسطور اليهود وإيمانهم بأنهم "شعب الله المختار" وأن الله اصطفاهم على بقية بني البشر، جعلتهم يمارسون الإرهاب بحق كل شعوب وأهل الديانات الأخرى تحت عنوان "الإرهاب المُقدس".

إن مفهوم "الإرهاب المُقدس" هو ذاته "العُنف المُقدس" مع اختلاف تاريخية لفظ "الإرهاب" بوصفه مقترناً بمدلوله القرآني، مع تاريخية لفظ "العنف" الذي هو أسبق تأصيلاً في الحضارات والديانات القديمة.

"عُنف السلطة" واحتكارها للعُنف، فيه ما يشي أن عُنفها مقبول وفي مقبولية عنفها مجتمعياً ودولياً ما يجعل هذا بمثابة "عُنف مُقدس".، فعنف السلطة وإرهابها ضد كل من تضعهم أو تصفهم بأنهم من الخارجين عن القانون يكون مقبولاً وينال استحسان الأغلبية وكأن مقبوليته تسير جنباً إلى جنب مع مقبوليتنا لوجود "العنف المُقدس" أو "الإرهاب المُقدس".

"الحرب المُقدسة" ماذا تعني؟ إنها نوع من أنواع الدفاع عن النفس والأرض والجنس والنوع تُبررها الشرائع السماوية والدولية، فكل من يحارب من أجل الدفاع عن وطنه وحدوده ضد خطر عدو فهو يمارس حقه في "القتل" للعدو، وقتل العدو للوطن أو للأمة أو للدين واجب أخلاقي وشرعي، تُمارسه الجماعة لرد العدوان كل بحسب أيديولوجيتها أو معتقدها.

رفض الماركسية للرأسمالية على الرغم من عدم انتماء أصحاب المذهبين لتبرير "الحرب الباردة" بينهما وفق مقولات "ثيولوجية" (لاهوتية) إلَا أنها بحكم طبيعة الصراع والرفض القطعي لأحدهما للآخر، ومحاولة كل قطب منها جمع أكبر عدد من المؤيدين، جعل من حربهما تبدو وكأنها حرب بين معسكرين: (دار الكفر) و (دار الإيمان) بحسب استخدام جماعة الأخوان المسلمين لهذين المفهومين، وكل مختلف مع معسكر يدعي "وصلاً بليلى" المعسكر المخالف أو "الآخر". إنها حرب بين مذهبين إنسانيين ولكنهما في طبيعة الصراع بينهما إنما يحملان مضمر التعبير أو "المسكوت عنه" بأن حرب أحدهما ضد الآخر إنما هي "حرب مُقدسة".

هي "دكتاتورية البروليتارية" المشروعة أو الحقة بعبارة ماركسية ضد "الهيمنة الامبرايالية" ورديفتها "الرأسمالية".

واقلب المعادلة، وقُلَ: إنها "الديمقراطية" و وعودة الفرد لذاته في بحثه الدائم والجاد عن "الحرية الفردية" للخلاص من سطوة "الأنظمة الكليانية" أو الشمولية، أو "الديكتاتورية" التي لا تقوض بنيانها سوى "الليبرالية".

 

ا. د. علي المرهج

 

سامح عسكر في حسابات بعض المتنورين يرون أنفسهم مجموعة واحدة بقدرات واحدة ، فلقد انتقدوا جميعا تراثهم الديني والاجتماعي ووقفوا على أسباب تخلف دولهم.. هنا ينتقل الذهن لمرحة أخرى وهي التفكير في اجتماع تلك القدرات في عمل واحد بمبدأ "قوة الاتحاد" ظانين منهم أن الاستنارة ستحدث بشكل سريع إذا تحقق هدفهم بالوحدة..

أرى أن هذه الرؤية يشوبها بعض القصور، وقد تحاورت عدة مرات بشأنها سواء في محاضراتي على أرض الواقع وفي اليوتيوب أو في المقالات، وموجز تلك الاعتراضات تتضمن مبدأ استحالة الوحدة على حُكم قيمي وهو "التنوير" فكلٍ منا يرى التنوير من زاويته الخاصة المحكومة بقدراته في العقل والمعلومة والنفس والجسم والمادة والإدارك، كلها عوامل تخلص افتراقنا لأحزاب ودول وشعوب مختلفة لا يمكن جمعهم تحت لواء واحد يسمى دولة الكون أو مجتمع الأرض مثلا، فلم يحدث ذلك من قبل وظني أنه لن يحدث في المستقبل ليس فقط للعقبات التي أشرنا إليها كعوامل افتراق ولكن لأن هذا المبدأ الوحدوي يتخيل حياة البشرية بدون شرور ويؤمن بأوهام تدفعه للاعتقاد بأن البشرية يمكنها أن تعيش حياتها بسلام دائما..

لقد انعكس ذلك على المستنيرين الذي أجملهم في أن الفرقة الطبيعية بينهم ليست في القدرات التي أشرنا إليها كالعقل والنفس والإدراك..إلخ، لكن أيضا في تطور الحالة التنويرية لكلٍ منهم، فهناك مجموعة نشأت في مجتمع مستنير وتشرّبت أفكاره وبالتالي لم تخض تجارب المتخلفين ونقدهم للمجتمعات، هؤلاء تقدموا في تنويرهم عن البقية بحيث هم يعيشون فعليا في زمن قادم مستقبلي لم ندركه بعد، ويؤثرون بالتبعية في الإعلام والصحافة والدول بحديث دائم عن المستقبل والخيال العلمي.

إنما هناك مجموعة أخرى لا زالت تكافح أجواء التخلف وتنقدها في محاولة منهم لتجاوز عقباته والانتقال لما بعد الاستنارة، وهؤلاء في رأيي لم يدركوا ما تفقهه المجموعة الأولى من تنوير بعد، وكلما تعرضوا لأحكام تلك المجموعة وقناعاتهم يُصدَموا في ما وصلت إليه من جرأة في الطرح وانسلاخ كلي من مجتمع البشرية الحديث الذي لا زالت أجواءه تنعم بمظاهرة تخلف واضحة في الجهل والحروب والأزمات ونشر قيم غير معرفية ولا منطقية قوامها المادة لا غير، وقد تأملت حديث زعيمة الديمقراطيين "نانسي بيلوسي" وهي تصف دعوة ترامب بسحب جنودهم من سوريا بأنها دعوة غير منطقية وغريبة في ظل دعوة نفس الرئيس لإرسال جنود إلى السعودية لحمايتها من إيران مقابل المال، وتتساءل بتعجب بمزيد من الدهشة كيف هذا القرار الذي يعرض جنودهم للخطر مقابل المال..!!

هنا الرئيس ترامب عند بيلوسي لا يفكر بعقلية المستقبل أو حقوق الإنسان أو مصالح أمريكا التي آمنت بها بيلوسي كزعيمة المعارضة الأمريكية، بل هو عندها يأتي من ماضٍ سحيق ما قبل التفكير المنطقي الأرسطي، أو بالأحرى ما قبل ظهور الفلسفة التحليلية وشمولية الأفكار التي كانت تسمح للبشرية بإجمال قناعاتها في أحكام نهائية دون تفصيل وتحليل علمي كما هو عليه العقل البشري الآن.

رأيي أن المجموعة التنويرية الثانية التي تخوض غمار النقد هي التي تقدم تضحيات وتقتحم أسوار وحواجز صعبة، فبرغم أن إدراكها لم يصل بعد لإدراك المجموعة الأولى إلا أنهم أقوى نفسا وأوسع من ناحية المعلومات التي يحتاجونها في ظل ذلك الصراع، ولو تأملنا التاريخ سنرى أن تلك المجموعة الثانية عندما وجدت في أوروبا عانت من ما يعاني منه تنويريي العرب والمسلمين حاليا، حتى بعد انقضاء جيلين أو ثلاثة يتطور ذلك التنوير الذي أسسوه ليصبح تنويرا منتميا للمجموعة الأولى بالضبط كما نصف شخصا ما أنه ولد وفي فمه "ملعقة من ذهب" كناية على وراثته للغنى والأموال والثراء الفاحش دون مجهود، مما يعني أن تنويريي المجموعة الأولى هم تطور طبيعي ونتاج عملي لتضحيات المجموعة الثانية من قبل، وبالتالي فكرة جمع المستنيرين على حزب واحد أو جماعة واحدة يجب أن تراعي ذلك الفارق عِوضا عن مراعاة أسباب الافتراق المذكورة في المقدمة.

ولأن التنويريين المناضلين والمكافحين هدفهم التغيير فيلزمهم تأثير وتواصل مع الجمهور، بالتالي ففكرة اجتماعهم في الغرف المغلقة أو الاكتفاء بحوارات النخبة لا يفيد ولا يقرب المسافات بينهم وبين الشخص العادي، بيد أنهم بحاجة ماسة للتواصل الشعبي لنشر الثقافة الجماهيرية والارتقاء بعقول الناس من نواحي النقد والأدب وخلافه، وهذا كان دور المسرح الشعبي في مخيلة اليسار إبان ظهورهم الأول وتبنيهم مبدأ الاستنارة الشعبية عن طريق الأدب، وقد لوحظ أن مفكري اليسار الذين انشغلوا بتلك الجزئية ظهروا كأدباء وشعراء وممثلين أنتجوا تنويرا شعبيا فرض حالة تقدمية في العالم أوائل القرن العشرين، وقد لاحظنا أن تلك الحالة التقدمية هي التي أنتجت بعد ذلك مستنيرين عرب كمحمد عبده والأفغاني من فئة رجال الدين، ثم طه حسين ونجيب محفوظ من فئة الأدباء، حتى في المذاهب الإسلامية شاع لأول مرة نقدا لأصولها على يد الشيخ "علي عبدالرازق" لينقض خلافة السنة، والشيخ "محمد حسين النائيني" لينقض إمامة الشيعة.

كانت الدول الإسلامية والعربية في تلك المرحلة لا تعتمد على نفسها في إقرار حالتها الثقافية، بل كانت متأثرة بقيم الاستعمار الفكرية التي تراعي الحالة التقدمية التي يعيشها العالم، وهذا سر من أسرار ضعف الأصوليين في تلك الحقبة، ولكن بعد التخلص من الاستعمار وسيادة روح ثورية على أسس قومية لم ينجح القوميون في سد الفراغ الثقافي الذي صنعته حكومات الاستعمار الليبرالية، فطأطأوا رؤوسهم أمام الأصوليين الذين انتشروا بدعوتهم منذ الستينات ، ولحفظ ماهية الاستعمار كعمل قبيح ترفضه الفطرة البشرية الحديثة أكتفي بالقول أن تقييم الاستعمار لا ينبغي فقط من حالته العسكرية والاقتصادية والسياسية التي ذقنا ويلاتها ودفعنا منها كشعوب شرق أوسطية ملايين الضحايا،ولكن ينبغي مناقشة حالته الثقافية التي أثرت على وعي وإداراك الشعوب إيجابا مما يلزمه الوقوف على الخلل بمناقشة واضحة إما تثبت ذلك أو تنفيه من حيث المبدأ، ثم تبحث في إمكانية استدعاء تلك الحالة الثقافية التقدمية مرة أخرى والاستفادة من تجارب وخبرات هذه الدول في بناء أنفسها.

ترجع أهمية الفصل بين المستنيريين من حيثية تطورهم الزمني هنا، في إمكانية الاستفادة من خبرات وتجارب الغرب وليس تقليدها كما يطالب بعض أنصاف المثقفين، فالحالة التنويرية الغربية أزعم أنها تعيش في معظمها إدراكا للمجموعة الأولى التي تطورت وأخذت حظها من الارتقاء، بالتالي فهي أقرب للمستقبل منا ..والواقع يشهد على ذلك أن كل جديد منذ 100 عام يأتي منهم، ونحن مهما تقدمنا وصنعنا لا ننتج ولا نكتشف مثلما يكتشفون مما يؤكد أنهم في طليعة الفكر التقدمي، هنا الاستفادة يجب أن تراعي ما قلته ببطلان دعوى الوحدة بين المستنيرين الآن، فالعمل القيمي الذي ينشده المستنيرون سيتوقف على أعتاب المادة والإنتاج والمستقبل الذي وصل إليه الأولون، ومنطقيا يستحيل الجمع بين ما وصل لأسرار المادة وبين الذين يزالون منشغلين بقضايا الميتافزيقيا ونقد التراث الديني وأفكار الجماعات من الناحية النظرية.

إن الحالة التنويرية الأولى أنتجت معتقدات "لاإكتراثية" نحو الأديان وبالتالي محاولة دفعها للوقوف خلف أو مع مستنيرين العرب هو جهل بالتطور التنويري اللاإكتراثي عند الغرب أصلا، فضلا عن تأثير هؤلاء اللاإكتراثيون فينا كشعوب شرق أوسطية وظهور تيار شبابي ونخبوي يفكر مثلهم بالضبط، وبحسبة بسيطة يمكن القول أن اللاإكترثية الغربية مع مبادئ وقيم البراجماتيين تجعل هدف البشرية الحالي هو "سهولة الحياه الاقتصادية دون متاعب" فقد اختفت صراعات الأحزاب والأيدلوجيات الآن من مجتمعات الغرب والتقدمية بشكل عام، وأصبحت الأولوية للاقتصاد مما أدى لما نشهده الآن من مظاهرات واحتجاجات في "السودان والأردن والعراق وليبيا وإيران وبيرو والمكسيك وبوتوريكو ومصر" دافعها الأساسي هو الاقتصاد والثورة على الفساد وطريقة توزيع الثروات.

أما نحن في الشرق الأوسط ما زلنا نعيش مخاض وآلام التخلص من سلبيات الماضي ونصفي حسابنا مع التاريخ العنصري والمذهبي للمسلمين بالذات، مما يجعل نشاط التنويريين في المجموعة الثانية مطلوبا بشدة لكونه الصخرة التي تتكسر عليها أحلام المتخلفين بالعودة والسيطرة، ورأيي أنه وبدلا من أن نطالب بوحدة المستنيرين الآن كما نعرفهم أن ندعم أي فكر تنويري من زاوية إنسانية تعددية، فنحترم كل الآراء التي تبحث عقليا في الموضوعات ونناقشها بموضوعية قدر الإمكان، سيساهم ذلك في الارتقاء والتحرر بشكل أسرع مما وصل إليه الأوربيون..خاصة إذا علمنا أن تنويريي أوروبا في السابق لم يحصلوا على حظوظنا اليوم في الاتصالات والبرمجيات المدهشة التي ساعدت في تسهيل التواصل بين المفكرين بشكل أيسر مما حصل عليه الأوروبيون.

ولنحفظ قاعدة التنوير الأولى التي وصل إليها السابقون أنه كل عقل ليس مؤهلا للتفكير بشكل صحيح، أو كما قال أفلاطون أن العلم ليس متاحا للعامة ولا يجب أن ينشغلوا به، وأن مطلب الثقافة الجماهيرية يجب أن يكون منصبا على نقد ورفض ظواهر التخلف التي عاشها الناس أصلا لا إشغالهم بحقائق زائفة لم يعيشوها ولا يعرفوها ولا تحوز على اهتمامهم بشكل مبدئي، وقد رأيت في مطالب بعض المستنيرين – كالدكتور مراد وهبة  - مطالب مجحفة وغير واقعية تتمثل بنشر الفلسفة بين الناس..وهذا غير ممكن، فالتفلسف في الأخير هو قدرات وإدراكات للخاصة يختلف عليها المثقفون ولا يدركها العوام كي يختلفوا فيها، مما يعني أن مطلب توحيد المفكرين هنا سيكون صدام مع المجتمع والشعب مثلما حصل في السابق مع رموز كهيباتيا وجاليليو وجوردانو برونو..وغيرهم

في الأخير: لا يوجد عاقل يرفض التنوير..حتى الكهنة والأصوليين يقولون نحن مع التنوير، ويجتهد كل منهم بطريقته، لكن الجهد الأول الذي يجب أن يُشغل المثقفين ليس النشاط التنويري فحسب ولكن وضع أسس وقواعد وغايات له لا يختلف عليها اثنان، أي هي تحوز على الرضا البدهي عند البشرية، وقد سبق قلت في أحد لقاءاتي التلفزيونية أن الأصوليين والمثقفين المسلمين – مثلا- يتفقون على ثلاثة أشياء هم "عدل الله الكلي – وعالمية الإسلام كدعوة أخلاق – وعدم عصمة غير الأنبياء مع تحديد كيفية العصمة" حتى في ظل هذا الاتفاق اختلفوا بشكل أصبح منهم إرهابيين ولادنيين بشكل متناقض، مما يعني أن الاتفاق على المبادئ ليس كافيا للوحدة بل مناقشة طرق كل فصيل وكل مجموعة وشخص لتصور تلك المبادئ، وهل يوجد في الحقيقة ما هو أعلى من مبدأ الاستنارة غير واضح ومكتوم لحسابات خاصة أم لا.

 

سامح عسكر

 

علي المرهجتعني (دوغمائية العقل) قبول الإنسان بتجميد عقله والاعتماد على إنسان آخر يُفكر عنه بالنيابة، وفق المثل القائل (ذبها بركَبة عالم واطلع منها سالم)، ومثل هكذا شخص يرتضي لنفسه أن يكون مُقاداً في كل أمور حياته، ولا يُعمل عقله لأنه سلمه بيد إنسان آخر يتبعه حذو النعل بالنعل كما يُقال ولا يحيد عن أوامره قيد أنملة، يعني كالأغنام التي تتبع الراعي تسير على خطاه وهديه، بل "أضل سبيلا"!. والعجيب الغريب انه مطمئن على أنه ماسك بلباب الحقيقة وسيجازيه الله الجنة الموعودة وغيره في الدرك الأسفل من النار!.

العقل الدوغمائي عقل وثوقي مُتعصب لا يرى من الحقيقة سوى ما يرغب برؤيته

وضع شريعتي وصفاً لل"العقل المُستقيل" بتعبير محمد عابد الجابري، على أنه يعيش في "قوقعة فكرية" بتعبير الوردي، أو يدور في فلك "الأسيجة الدوغمائية" كما يقول محمد أركون، وهذه تعابير ومفاهيم تعني غياب العقل وتماهييه مع الراكد السائد في الحياة الاجتماعية، أو ما سماه الوردي أيضاً "التنويم الاجتماعي" الذي يجعل الفرد أسيراً لعادات مُجتمعه، وإن كان كثيراً منها لا ينسجم وتحولات العصر، ولا حتى مع الفهم العقلاني للدين.

قسم شريعتي أنواع السجون هذه إلى عدة أنواع، أهمها:

1ـ سجن النفس أو الذات، من أصعب أنواع السجن حينما لا يستخدم الإنسان وعيه الذاتي ليتخلص من سجنه لنفسه واغترابه عن مُجتمعه، ابتعد عن المُشاركة في صُنع الحياة، حياته هو وحياة مجتمعه، ليعيش في وهم التصورات الحالمة كي يجعل من نفسه إنساناً مثالياً، تقترب روحه من التسامي ومن التماثل مع مفهوم "الإنسان الكامل" الذي رغبت بوجوده الديانات السماوية. وهذا مما يختلف به شريعتي عن الوردي، فلا وجود للإنسان الكامل وفق رؤية الوردي في العالم الواقعي، ولا يحتاج الإنسان للتسامي وأن يكون إنساناً مثالياً، بقدر ما يدعو الوردي الإنسان لوعي حركية المُجتمع ومُتغيراته الداخلية والتأثيرات الخارجية كي يستطيع العيش في دنيا الواقع المُتغير هذا، فالحياة تحتاج إلى إنسان من جنسها لا لإنسان يخلق مُجتمعات يوتوبية من فعل المُخيلة، فالحقائق نسبية ومُتغيرة عند بني البشر، لذلك نجد الوردي يهتم بفكر السفسطائية مؤكداً مقولة فيلسوفها الأكبر بروتورغوراس بأن "الإنسان مقياس الأشياء جميعا"، الأمر الذي يترتب عليه الاهتمام بالإنسان وعلاقته بالعالم والمجتمع بمعزل عن الجوانب الغيبية والثيولوجية، ومن ثم الاعتقاد بالحقيقة النسبية والمتغيرة من شخص الى شخص بحسب ما يدركه ذلك الشخص والإنسان مصدر الحقيقة وهذه متغيره بتغير مصالحة ورغباته وشهواته.

2ـ سجن الطبيعة: يشمل سجن الذات هذا سجن الطبيعة وهو أن يجعل الإنسان نفسه عبداً للطبيعة يسير وفق قوانينها، لا يُحاول أن يفك قيودها أو يتخلص من أسرها وهيمنتها عبر خضوعه لمتطلباتها عبر تماهيه مع الغريزة والإنغماس بملذاتها ونسيان ملذات الروح في الـتعقل والأمل.

3ـ سجن التاريخ، ويعني قبول الإنسان في الخضوع لحالة الذل والهوان التي رسمتها قوى الإستبداد والطغيان وسدنتها لسجن الذات داخل أطر اجتماعية مُغلقة أو "أسيجة دوغمائية"، توحي للفرد أنها السبيل الوحيد للخلاص، ألَا وهي سُبل لسجن التاريخ وفق منظور "المتفرنجين" وجعل الإنسان الشرقي رهين الإرادة الغربية، أو سجن التاريخ وفق منظور "المتأسلمين" وسدنة السلطان الذي صيَروا التاريخ، تاريخ تماهي وخضوع لسلطة "خليفة الله" "السلطان".

وكذلك يظهر سجن التاريخ في تقديسنا المستمر للماضي وكأن زمن الإبداع قد توقف عنده، فصرنا أسيرين له ولمقولاته كل حسب توجهه الأيديولوجي أو العقائدي، فاعتقدنا أن لا خلاص لنا من دون العودة له والاحتماء به وتركنا الحاضر وما ينبغي علينا القيام به لنكون فاعلين فيه ومؤثرين، ولم نستطع من جعل الزمنين (الماضي) و(الحاضر) في خدمة الزمن الآتي (المستقبل)، فالدول التي يرنوا أهلها صوب التقدم إنما يتخذون من معطيات الزمنين الماضي والحاضر كمخزون ثقافي وحضاري لخدمة المستقبل، لا العلكس، أي ننظر للمستقبل من خلال نظارة الماضي المجيد وركود الحاضر البليد.

يختلف سجن التاريخ عند شريعتي عن "حتمية التاريخ"، لأنه من المعتقدين بهذه الحتمية وبنهايته بالوصول للمثل الأعلى وتسامي الذات الإنسانية في إرتقائها عبر نزوعها الروحي الكامن في الذات الإنسانية للخلاص وإدراك سُبل النجاة عبر إدراك قيمة المعرفة الدينية.

4ـ سجن المُجتمع: وهو أن يكون الإنسان أسير قيم وتقاليد بالية لا تنسجم والمعرفة الدينية الحقة ولا مع المعرفة العقلانية. هذا النوع من البشر سماه "كارل مانهايم" بـ "المُقيد اجتماعياً" وهم الذين لا يخرجون عن "الأطر الفكرية" أو "الأسيجة الدوغمائية" التي رسمها لهم المجتمع الذي يعيشون فيه، حتى ظنوا بأن كل مُعتقد يُخالف مُعتقدات مُجتمعهم إنما هو مُعتقد باطل، وأصحابه لن يكونوا حتماً ممن أدركوا "سُفن النجاة".

ملاحظة: ما يتعلق برؤى شريعتي استقيناها من كتابيه:

- بناء الذات الثورية وهو الكتاب الذي فصل فيه وجهة نظره هذه، وهو مصدرنا الأساس في كتابة هذا المقال.

- النباهة والاستحمار وهو مرجع استعنا به.

- قراءات أخرى من تاريخ الفكر.

 

ا. د. علي المرهج

 

نبيل دبابشفي القرن الثاني عشر للميلاد، كتب ابن رشد كتابا سماه '' فصل المقال وتقرير ما بين الشريعة والحكمة من الاتصال ‘‘. تضمن الكتاب محاولة تبيان قيمة العقل، والتي – في نظره- لا تقل في الدرجة عن قيمة الشريعة في مقاربة مسائل المعرفة.. بل هي تعادلها. اختار ابن رشد مصطلح '' الحكمة '' وهو المصطلح الوارد في القرآن، بديلا عن مصطلح '' الفلسفة ‘‘. بسبب ما عرفه المفهوم الأخير – في زمنه - من نفور واستهجان لدى الأوساط الفقهية، وذلك بالرغم من انتشار هذا المفهوم واعتماده في الكثير من الرسائل والأعمال التي سبقته تاريخيا.

عربيا وبعد رحلة نابليون الى مصر1798م، لم يكن سؤال التنوير مطروحا لدى كتاب النهضة، بقدر ما انصب الاهتمام عندهم حول كيفيات ترجمة المنتوج الأوروبي والاستفادة منه في تصحيح المسار الاجتماعي والفكري الضعيف، الذي أنتجته سلطة الخلافة. لقد كانوا في حالة انبهار بعدما اكتشفوا أن شعوبا أخرى- لا تقاسمهم المعتقد- تصنع المفاهيم والقيم وتؤسس لجمهوريات جديدة. لقد تبين لهم - فجأة- أن العقل بمفرده في مقدوره أن يؤسس المستقبل انطلاقا من حسن الاستعمال. بتعبير أخر لم يكن لدى كتاب النهضة أدنى شك في الذات المؤسسة للمعنى وغاب عنهم مساءلتها.

ثم حدث أن علقت آمال كبيرة على الاختيارات الايديولوجية في صناعة مستقبل جديد، وكانت الرؤية الشمولية هي المنهج لسنوات طويلة.. قبل أن يصطدم العقل العربي مرة أخرى بالجدار ويكتشف هزل تلك الاختيارات وابتعادها الكبير عن حل المشاكل الفعلية.

التنوير مشروع ضخم ومتشعب، من المستحيل أن تتحمله الرؤية الايديولوجية أو تستطيع أن توفر له ما يحتاجه لارتباطها الشديد بالحاجة لا أكثر. ان أكبر عائقا على أي مشروع تنويري هو في اختزاله ضمن سياج الرؤية الايديولوجية. كونها تتأسس على يقين زائف وعلى الوهم والاقصاء بأنواعه الاكثر تقدما. التنوير قبل كل شيء هو في شرعية السؤال وبلا قيود، هاته الشرعية هي ما لا تقبله الايديولوجية السياسية أو الدينية.

التنوير هو في انتهاء الوصاية على الحرية والاختيار، وفي تفطن الناس الى ما يمتلكون من قدرات نفسية تؤهلهم على تبني ما يحبون من دون وسيط. يبدأَ التنوير عندما يقتنع الجميع، على اختلاف انتماءاتهم الاثنية واللغوية والفكرية أنهم لا يمتلكون كل الفضاء الاجتماعي بل هم ًأجزاء فيه لا أكثر. يبدأ التنوير عندما يعيد الجميع التفكير فيما ورثوه من أحكام وقيم، ظلت مترسبة في عقولهم من دون أدنى حلحلة. يبدأ التنوير عندما يقتنع الجميع بأنه لا يمتلك كل الحقيقة، بل حقيقته هو فقط.

 

اذا كان لوثر في القرن السادس عشر للميلاد قد أسهم في تقويض سلطة البابا على العقل والمعتقد، فإننا عربيا نحتاج الى ألف لوثر لأن حجم مشاكلنا الموروثة عن القرون الوسطى مضاعفة مرات.

يبدأ التنوير عربيا عندما نستطيع التخلص من ثقافة القطيع وتلك الحاجة الملحة الى راع أبله مستبد، يجب الاقتناع بالفردية والاختلاف والحق في الحياة وقدسيتها.. يبدأ التنوير عندما تقتنع الكثير من العقول أنها غير مطالبة في هذا العصر بإعادة انتاج نفس القيم التي أنتجها الناس في القرون الماضية، بل عليها أن تتفتح وبصدق على قيم عصرنا وتعمل على تبنيها بشجاعة كبيرة ودون تردد.

اننا لا نواجه الوصاية على الفكر والمعتقد فحسب، بل كذلك الوصاية على أبسط السلوكيات والتصرفات اليومية من لبس الحذاء الى شرب الماء .. اننا ننتمي الى مجتمعات يؤلمها رؤية الفردية ولا تتقبل الاختلاف اطلاقا، ينظر الى الجديد بحذر وخوف شديد. وغالبا ما يجرّم الافراد لأجل حقوقهم الطبيعية. اننا ننتمي الى مجتمعات لم تعلمها المؤسسات الوطنية في قطاع التعليم او حتى من خلال الاعلام الفرق بين الدين والتديّن الفرق بين الكتاب الديني المقدس والتشريع الديني المؤقت.

هل نحن في الطريق الصحيح نحو أنوار عربية ؟ لا، المسافة لا تزال بعيدة ولا شيء ينذر باقتراب الولوج الى تلك المرحلة.. كثيرة هي المجهودات الفكرية التي كتبت في هذا المجال وفكر أصحابها بصدق في مشروع عربي للأنوار، للأسف هي أعمال يقرأها الأقلية ولا حضور لها الا على الهامش في كل مجتمع.

قبل الحديث عن تجديد البنيات الاجتماعية والسياسية المهترئة ينبغي التفكير وبكثير من الصدق في تجديد العقول ومساءلة الذات وفسح المجال واسعا أمام الحرية، هي أولى الشروط التي من شائنها بناء مجتمع متنور. لقد جرب غيرنا الانغلاق عن العالم ورفض كل دخيل وعرف سلبيات مثل هذا الاختيار على الواقع الاجتماعي ، فلماذا الاصرار على تكرار أخطاء الآخرين.

لا يمكن أبدا أن تسير المجتمعات نحو الأمام وتتفادى الكثير من الأزمات الا في ظل بيئة تتوفر على قدر كبير من الحرية وتفسح المجال واسعا للمبادرات الفردية ولا تميتها باسم المحرم والمنبوذ. مشكلة المجتمعات التي ننتمي اليها أنها ترفض حتى مجرد التفكير في الاختلاف، ولا تقبل بالنجاح، بل ترى فيه تهديدا لكيانها. مجتمعات تفتقد الى الثقة في ذاتها، اعتادت انتظار الحلول الجاهزة ولا تؤمن بقدراتها على الخلق والابداع. مجتمعات تخاف من كل شيء، من الجديد من المحاولة من المغامرة من التميّز.

سيسأل البعض عن وضعية الدين في مجتمع الأنوار وفي ذهنه الصورة التي كونها لنفسه عن تجارب أوروبية بين القرن السابع عشر والقرن التاسع عشر للميلاد.. سيقول أننا سنفتقد الى الاخلاق وسيتمزق المجتمع وتتفكك الأسرة.. وهلم جرا من مفردات صارت مألوفة في أًبجديات خطاب الاسلام السياسي. مشكلتنا أننا نعطي للدين أكثر مما هو مطلوب ونجعل منه كل شيء الا أن يكون دينا. نجعل من الدين حلا اقتصاديا وبرنامجا سياسيا ومشروعا ثقافيا ورياضة جسدية وطريقة في الأكل والزّي .. نجعل منه كل شيء الا أن يكون عبادة خالصة.

من المؤكد أن التنوير لن يكون الا عبر مراحل، للأسف لا تزال الكثير من الأصوات النيرة تخوّن وتقصى وتضرب الرقابة على بيع كتبها.. كنا نعتقد أن محاكمة طه حسين أو علي عبد الرازق قد انتهت في القرن العشرين وانتهت الايديولوجية التي كانت تغذيها.. .و لكننا وبعد مضي كل ذلك الوقت، لا يزال ينظر بحذر كبير الى كتب رشيد ايلال، محمد المسيح، هالة وردي، كمال داود.. وغيرهم.

لا يمكن أن نبني المستقبل باليقين الزائف ولا أن نسير بثبات من دون ممارسة الشك وزعزعة كل اليقينيات بما فيها اليقينيات الدينية. يجب التخلص من ثقافة الغرور.. لسنا أفضل أمة أخرجت للناس ولن نكون كذلك الا بإعادة قراءة مشكلاتنا بكثير من الصدق..

نقدس لغة الفقيه حتى وان كانت تافهة ومن دون جدوى، ونطالب بها لحل ابسط المعضلات. وهو ما أسهم في تضخيمها اجتماعيا وسياسيا لأننا لا نؤمن بأنفسنا، وفي المقابل نستبعد خطاب الباحث النقدي لأنه يؤذي غرورنا ويقيننا ولا نتقبل منه الا ما يرضي الكسل والانغلاق لدينا. لا نريد أن نختبر ذواتنا خارج السياج الذي ورثناه جاهزا.

السؤال حق طبيعي، السؤال هو ما يحقق انسانيتنا ويؤكد وجودنا.. لقد تساءل المعتزلة – في الكوفة والبصرة - بداية من القرن الثامن للميلاد بكثير من الجرأة في مسائل قد تبدو لنا غريبة نحن أبناء هذا العصر.. لقد كانوا أكثر تنويرا منا، ولم يكن حينها أسلوب التكفير غائبا في تلك البيئة التي عرفت بحدة الاقتتال لأجل السلطة.. نسمع بآراء المعتزلة ونعجب لقراءتها ولا نسمع اليوم بمن كفروهم.. في بداية التسعينات من القرن الماضي، عندما كنت أستاذا للفلسفة واجهت الكثير من المتاعب والتعنيف بسبب اصراري على تدريس أراء المعتزلة لطلبة الطور الثانوي، ولم تكن الوزارة الوصية- يومها- توفر أدنى شروط الأمن، خصوصا وان الجزائر في تلك المرحلة كانت تعيش اصعب مراحل تاريخها المعاصر ..

ما هو السؤال؟ السؤال هو قلق يحررنا ويكشف خفايا الخطاب الجاهز الذي يحبه المؤدلج، السؤال هو الانسان فمن منا لا يؤمن بإنسانيته الكاملة. السؤال هو الأداة التي بها نتميَّز عن بعضنا البعض أو نتخاطب، نتفق أو نتخاصم ، نجتمع أو نفترق.. هو ما يجعل وجودنا يتحقق بالفعل. الأنوار هي الخروج من ظلمات القرون الماضية وخطابها المتجمد الذي لا يمكن أبدا تبيّئته.. الأنوار هي حقيقة الانسان الذي كان يعتبر رعية وغلاما ليصبح مواطنا كامل السيادة.

الأنوار هي الابداع والثورة على المألوف والكلاسيكي.. في الفن والفكر والقانون، هي الانقلاب على وضع لم يعد يطاق، وصار لا يمتلك الأجوبة.. هي انفجار كبير ينبع من وسط الصخر ليسقي الأرض العطشان.. هي عقل جديد، ورؤية مختلفة، وصناعة لظروف أكثر ملاءمة وقادرة على تقبل اختلافاتنا من دون ضرر..

ان عقل الأنوار لا ينتظر من السلطة أن توفر له ظروف الكتابة والابداع لينتج ما ينبغي انتاجه.. انه عقل يولد من المآسي وفي خضم الأزمات. يولد ليقول بأنه مختلف وجديد ومبدع وثوري. هل لدى النخبة المثقفة العربية ما يؤهلها لصناعة أنوار؟ نعم، يوجد الكثير من الأقلام والطاقات الممتازة. فقط هي تحتاج الى الايمان بذاتها والى الكثير من الشجاعة. يجب أن ننسى عقدة النموذج الجاهز، ولا نحاول السقوط في لغة التقليد، لأنها قد تعمينا عن رؤية واقعنا بشكل واضح.. نحن لسنا في فرنسا ولا في المانيا ولا حتى في امريكا.. اننا أبناء مجتمع يتوسط كل النماذج ، له خصوصياته الجغرافية، الثقافية والتاريخية.

تبدأ الأنوار عندما تتعلم نفوسنا حب الجمال، وتفكر في تعميم ذلك الحب ونشره. قبل أن نفكر في شكل الأنظمة السياسية والاقتصادية التي تخرجنا من المآزق الكثيرة الذي وقعنا فيها، علينا أن نفكر في خلق عقول جديدة متحررة من العقد والتابوهات المترسبة. الأنوار ثورة والثورة يؤسسها عقل جديد.

 

نبيـل دبابـش - كاتب من الجزائر

 

مجدي ابراهيمعندي أن الإصلاح "فكرة"، تسيطر فيها القوى الروحيّة على المادة. والإرهاب واقع دامي مشهود، تسيطر فيه القوى المادية على مطالب الأرواح والعقول؛ فكيف يقوم الإصلاح في زمن التسلط والقهر والإذلال والإرهاب؟!

إنها لمفارقة عجيبة تدعو إلى الأسف والتأمل معاً؛ فأمّا الأسف؛ فعلى الأوضاع المتردية في العالم العربي، فاقت الحصر وألزمت الناظرين إليها روح التشاؤم والقنوط.

وأما التأمل؛ ففي هذا "الإصلاح" الذي نتحدَّث عنه، وكأننا لأول مرة نسمع عن "الكلمة" شيئاَ ذا دلالة، فلا كأننا كنا منذ زمن بعيد معنيين بآثار الإصلاح في الفكر والواقع، ولا كأن المنهج الذي ينبغي أن نسير عليه كان أمامنا واضحاً وضوح الشمس في ضحاها خلال حركة التنوير العربية التي بدأت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر الميلادي برفاعة رافع الطهطاوي (1801 - 1873م) ومن خلال ما تلاه من رموز الفكر الإصلاحي امتداداً للقرن العشرين، هؤلاء الذين قدموا لأمتهم العربية أصوب الآراء وأدق القضايا وأشدّها خطراً على المستويين: الداخلي والخارجي.

فليس بالإمكان مطلقاً غَضّ النظر عنها ونحن نتكلم في الإصلاح ونتولّاه بالرعاية والاهتمام. وإذا أردنا أن نغض الطرف بعيداً عن آراء المفكرين والمصلحين وأهل الرأي ودعاة التهذيب وحاملي لواء التغيير في شتى مناحي الحياة: في الفكر، والثقافة، والاجتماع، والسياسة؛ فعلينا إذن أن نطلب من متخلفي الأمة ليقوموا بعمليات الإصلاح والتغيير، وننحي جانباً أولئك العقلاء المفكرين؛ لأن أقوالهم - فيما تبدو لنا - ترفٌ عقلي أو نظر فكرى؛ إنْ هى إلا تزجية للفراغ العاطل.. أو هكذا يتصوّر الأدعياء. إننا إذا ذكرنا الإصلاح ذكرنا معه محاربة الفساد؛ فلا تقوم الفكرة فيه من أساسها ناهضة قوية والمجتمع من حولك يأكل بعضه بعضاً، والفساد يلاحق أفراده ومؤسساته تماماً كما يلاحق الضمائر الخربة والعقول التلفانة، ولكن لا بدّ مما ليس منه بدٌ: لا بدّ من إصلاح يـتأسس على القيم العاملة النافعة؛ ليربط مسائل الدنيا بمسائل المصير.

فمن أسف أننا حين نتحدث عن الإصلاح، نتحدث عنه ونحن في عزلة عن أولئك الذين خبروه واستوعبوا دلالاته وحفيت أقلامهم في الدعوة إليه؛ ليتم تطبيق خطواته في مجالات الحياة بالجملة فضلاً عن التفصيل. ولن يقوم الإصلاح قياماً ذاتياً من تلقاء نفسه، ولا هو ينغرس فيما فسد من أرض الواقع غرساً عشوائياً بغير دراسة واعية، ولكنه على كافة مستوياته (الدينية، والفكرية، والثقافية، والسياسية، والاجتماعية، والاقتصادية، والحياتية على وجه الإجمال) يحتاج إلى مصلحين درسوا وتعبوا في البحث والدراسة والتخطيط المنظم حتى تمخضت أذهانهم عن وجوه الرأي المختلفة، وتشكلت لديهم رؤية فيما هم يقومون بمعرفته، فكانوا بذلك رموزاً في العمل الإصلاحي: محاوره ومجالاته. وماذا نقول فيما كان قدّمه جمال الدين الأفغاني (1839- 1897م)، وعبد الرحمن الكواكبي (ت 1902م)، في الربط بين الفكر والسياسة، وفي مجال الإصلاح السياسي على وجه الخصوص. وهل نرى غضاضة إذا نحن أخذنا اليوم على عاتقنا معرفة مجمل الآراء الإصلاحية التي قدمها الشيخ محمد عبده (1849- 1905م)، أو قاسم أمين (1863-1908م)، أو محمد إقبال (1873 - 1938م)، أو الشيخ مصطفي عبد الرازق (1885- 1947م)، أو أحمد أمين (1886 - 1954م)، أو المفكر المصلح الجزائري عبد الحميد بن باديس (1889 - 1940م)، أو الأستاذ المرحوم عباس محمود العقاد (1889 - 1964)، أو طه حسين (1889 - 1973م)، أو غيرهم من كبار المفكرين والمصلحين الذين يعلمون عن الإصلاح ومداخله الكثير والكثير ويدرؤون الفساد بالتفكير الدائم في قيم الثقافة والتعليم والحضارة والتقدم وممارسة الخُلق الرفيع؟!

فهؤلاء المصلحون هم في الواقع كانوا خيرة عقول الأمة، ولا زالت آراؤهم تنير لنا الطريق، فلا يطلب - مرة ثانية - من متخلفي الأمة أن يقوموا بعمليات الإصلاح والتغيير؛ فعلى الفئة المفكرة العاقلة أن تشرّع، وعلينا نحن أن ننظر فيما شرّعوه؛ لنرى ما يوافقنا منه فتأخذه تنفيذاً مقبولاً غير ساخطين. إنّ العقول التي عشقت هذا التراب المصري والعربي لهى هى العقول التي عرفت معنى الولاء للضمير فارتفعت به؛ ليكون رمزاً علوياً للإنسان أنيَّ كان؛ فإذا أنصلح ضميره، انصلحت تباعاً جميع قواه التي تميزه عن سائر الكائنات الحيّة. ولك فيما لو شئت أن تجرد من الإنسان عقله، وفكره، وضميره، وأخلاقه، وقيمه، أو تجرِّده من قدراته الروحيّة والفكرية والثقافية والمعنوية على وجه العموم؛ ثم تنظر إليه فماذا تراه يكون غير كونه حيواناً أو أشبه بالحيوان؟

لقد حفيت أقلام مفكرينا الكبار من أجل وضوح الرؤية حول عملية الإصلاح، الخاصة بالفرد قبل المجتمع، وكُتِبِتْ كتابات مستفيضة حول هذا الهمِّ الأيديولوجي والتطبيقي على السواء، كانت فكرتها الأساسية تدور حول التغيير والتحديث والتطوير والتجديد، وجميعها اصطلاحات تلف لف تغيير العقلية العربية وتدور في فلكها، ثم نقلها من مراحل الجمود على القديم والانغلاق عليه، إلى مراحل المشاركة في الانجازات العالمية، بل كانت هناك كتب متخصصة كاملة تناولت فكرة الإصلاح بمستوياته المختلفة وأقسامه المتباينة وأولوياته، فيمن ساهموا بوضوح الرؤية فيه؛ مثلما كتب "أحمد أمين" كتابه "زعماء الإصلاح في العصر الحديث"، ومثلما كتب الدكتور "زكي نجيب محمود" في "تحديث الثقافة العربية"، "وتجديد الفكر العربي"، وفيما كتبه "محمد إقبال" في "تجديد الفكر الديني"، وأستاذنا المرحوم الدكتور عاطف العراقي في "العقل والتنوير"، و"البحث عن المعقول في ثقافتنا العربية"؛ ناهيك عن فلاسفة المغرب في القديم والحديث والمعاصر، وفي مقدمتهم محمد عابد الجابري في "نحن والتراث"؛ "ونقد العقل العربي" بأجزائه الثلاثة؛ "والتراث والحداثة"؛ وغير هذه وتلك من المصنفات التي كان كُتابها مجددين مستنيرين، يدعون إلى الأفكار الإصلاحية الكبرى، ويهدفون إلى الإصلاح بكافة مستوياته. فهل استفادت الجهات المسئولة التي يعنيها الشعب جملة لا الفرد بصفة خاصة، بهذه الجهود المبدعة الخلاقة لإصلاح حال الأمة والتفتيش عن مقومات وحدتها، وصمودها أمام الحوادث العارضة والخطوب الواردة؟ وهل أعطت هذه الجهات المسئولة في أمتنا العربية قاطبة مساحةً حرة في أجهزتها الإعلامية لتعزيز تلك الأفكار الإصلاحية والجهود المستنيرة، ودعمها، وتشجيع قيم الاستنارة فيها، ومحاولة تطبيق الفكرة فيها؛ كيما تصل طارقاً بتليد؟!

بادي الرأي عندي: أن الإجابة قطعاً بالنفي، فالعكس هو الصحيح. هناك بعض الدول العربية شجعت الفكر المتطرف، ونمّت روح التعصب، واقتدرت بنفوذها المادي على تمويل الأفكار الرجعية، وفتحت الساحة العربية للسقوط في المستنقع الآسن والحمأة الوبيئة: الإرهاب، والتسّلط، ومحاربة الأفكار الإنسانية العامة التقدمية؛ الأمر الذي ساعد على حل روابط التضامن والاتحاد والاعتصام من الفرقة: تفككت خلالها العروة الوثقى، وفقدنا مع شيوع الإرهاب الدموي هُويتنا الحضارية لأننا استعضنا التخلف عِوض التقدّم والتقليد للأفكار العفنة الممجوجة بديلاً للفكرة الراقية، نستمد أصولها من عقولنا المفكرة لا عقول غيرنا نقلدها ونغرق في التقليد المنبوذ سنوات وراء سنوات!

وهنا تقوم "المفارقة" التي وصفناها في مطلع هذه السطور بأنها عجيبة، فهل تقام للإصلاح قائمة في زمن الإرهاب والتسلط والقهر والإذلال؟!

الإصلاح يحتاج إلى أجواء رحبة من الحرية المسئولة، ويتنفس هواءً نقياً في مؤسسات تعليمية حكيمة وعاقلة، منظمة ومنضبطة. الإصلاح تمليه ضرورة فكرية وروحيّة وعقلانية في المنهج والمسلك، تفرض التسامح مع الآخر المختلف بمقدار ما تفرض شيوع قيم المحبة والأخوة والوئام. وهذه الضرورة مفقودة أو تكاد؛ فكيف - والحال على ما ترى - يستقيم الإصلاح بغير القوة المهيأة لإعداد المنبت الصالح لغرس "الفكرة" في جو من التحرر عن العنف، وفلك قيود التسلط والإرهاب؟!

صحيح أننا لا زلنا نبكي على اللبن المسكوب: نبكي الهرج والمرج والفوضى والتخبط في أكثر دولنا العربية، ننعي الفُرقة والتمزق والتشتت والانقسام، نبكي التّخلف الذي يعتصر الأرواح عصراً في غير رحمة ليل نهار. ولكن مع هذا كله، علينا أن نتذكر هذا الشعار الذي يضمَّه مبدأنا: إنه إذا أرتفع صوت القذيفة تراجع صوت العقل، وإذا هاجت شهوة الانتقام خمدت إرادة الحياة وغارت استطاعة الإصلاح فيها، وإذا سادت لغة القتل والتخريب والاغتيالات الحمقاء تقلصت لغة الحكمة والمحبة والسلام.

على أن الأزمنة العسيرة في التاريخ البشري كله هى الأزمنة التي تجمع العجائب وغرائب المفارقات؛ فيُخَيَّل إليك أنك "تنفخ في قرب مخرومة" لا أنك تنادي العقول الحكيمة والضمائر الإنسانية المستقيمة، واليوم أعود إلى ما كنت كتبته منذ سنوات لكي ألاحظ تطور التهديد بالإرهاب واستخدام فكرة الإصلاح لتحقيق المأرب الاستعبادية، فقد كان شغل كافة المراقبين السياسيين في السنوات السابقة كيفية التعامل مع المشروع الأمريكي الصهيوني المفروض على الواقع العربي، والذي استهدف الإصلاح في الوطن العربي، فقبله مَنْ قبله ورفضه مَنْ رفضه، وخرجت علينا الصحف يومها بآراء تقول إنّ مشروع الشرق الأوسط الكبير مشروع فجائي طفر على السطح فيما يشبه القفزة غير المحسوبة، حتى عقدت حوله المؤتمرات، ولم تزل تعقد، وأخرها مؤتمر الإسكندرية المعقود في مارس 2004م، أسفر عن وثيقة بها أربع وستون توصية كان شارك في بحثها أكثر من 150 شخصية عربية.

وعندي أنه على الجملة هو "مشروع بلا شرعية" غايته الاستعمار والاستعباد، وتكبيل الحريات وانهيار قيم وحقوق الإنسان، وبخاصة الإنسان المسلم والمواطن العربي. ولئن كان تضمّن فروضاً ولوازم، غير أنه لم يطفو على السطح طفرة فجائية كانت خافية على أحد، ولكنه كان بالجملة محتمل الحدوث ومتوقع الأثر في ردود الفع،، وخصوصاً بعد الحرب الأمريكية على العراق منذ أن أطلقت في العالم شعارات مثل"النظام العالمي الجديد"، و"تغيير خريطة الشرق الأوسط" قبيل المفاوضات والمباحثات التي سبقت غزو العراق.

لقد أعلنت الإدارة الأمريكية يومها أن من أسباب الحرب على العراق كانت تلك الأسباب التي تتضمّن القضاء على الإرهاب ومحاربة فلولة في شتى بقاع الأرض؛ وإنه بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر (2001م)؛ أعلن الرئيس "بوش"، أن الولايات المتحدة الأمريكية في حالة حرب، وأن هذه الحرب لم تتوقف ما لم يقض على الإرهاب، لكنه استثنى ما تفعله إسرائيل من أعتى جبروت الإرهاب في العالم ضد الشعب الفلسطيني، نفس الشيء الآن يعلنه ترامب مع إيران، ثم كان من بين أسباب الحرب على العراق سبب معلن عن تغيير خريطة الشرق الأوسط الكبير، وإشاعة الديمقراطية في الشعوب العربية حكاماً ومحكومين، وتوثيق حقوق الإنسان وترسيخ قيمها وتحرير المرأة تحريراً فعلياً يمكنها من تفعيل دورها في المجتمعات العربية.

وقامت الحرب؛ ودخلت القوات الأمريكية العراق، في حين كانت إسرائيل تنفذ بأحطِ وأنذل أنواع الاغتيالات المجرمة "إرهاب الدولة" مع الفلسطينيين، ثم جاء دور تغير خريطة الشرق الأوسط الكبير؛ فإذا المشروع صدق لا كذب فيه ولا تهريج، تماماً كما كانت الحرب من قبل جداً لا هزل فيه ولا تكذيب: صدق من حيث إنه هدف استعماري بلون جديد، يطمع في تفكيك الوطن العربي وتقسيم العالم الإسلامي، ويستند على لوثة عنصرية صهيونية مؤسسة على سفك الدماء واستحلال حرمة الأراضي والمقدسات. لقد كان منطق إحادية القوة أو وحدويتها هو السائد في مفهوم العقلية الأمريكية والصهيونية على السواء: عقول لا تفكر سياسياً سوى في الاستعباد وامتصاص الدماء. إذا قال الأمريكيون: سنفعل كذا؛ فمما لا مناص منه أن نتوقع أن هذا الفعل لا بد واقع، وعلى المفعول فيه أن يستقبل خانعاً ذليلاً أوامر الفاعل بالضرورة، وما عليه سوى الاستسلام والطاعة العمياء؛ لأنه ضعيف لا يقوى على عواقب المقاومة والرفض.

ومما نشرته الأهرام يومها لنائب وزير الخارجية الأمريكية "ريتشارد ارميتاج"، حول مبادرة الشرق الأوسط الكبير أنه قال: قد تولد لكثيرين في العالم العربي انطباع أن هذه المبادرة أمر يتمُّ فرضه من أعلى إلى أسفل، وربما نكون قد بدأنا بداية خاطئة دون أن نضع في الاعتبار الثقافة المميزة والعوامل الوطنية، أو حقيقة التعامل مع (22 دولة) أو أكثر، لقد حاولنا تصحيح ذلك حيث ذهب زميلي "مارك جروسمان" إلى المنطقة، وقام بشيء من الصعب للغاية على الأمريكيين أن يقوموا به، وربما قام بأمر غير مسبوق".

إلى هنا؛ والكلام منطقي، فما هو الأمر غير المسبوق، والصعب على الأمريكيين القيام به؟ تجيء إجابة "رتشارد ارميتاج" ذروة في الاستخفاف بالديمقراطية إذا هى كانت تهم الشعوب العربية، والاستخفاف كذلك باحترام حقوق الإنسان العربي والمسلم.

يجيب: " إنه (أي مارك جروسمان) استمع للآخرين ثم عاد !".

يا سبحان الله! حتى الكلام المصرح به فيه مفارقات !!

ولم لا؟!

إرهاب بالقول يتبعه إرهاب بالفعل. أو إنْ شئت قلت: إرهاب بالفعل يؤيده إرهاب بالقول.. والنتيجة: أنْ لا إصلاح في زمن الإرهاب.

 

بقلم: د. مجدي إبراهيم

 

مجدي ابراهيمتحت كلمة "ثقافة" تتعدَّد الوجهات المعرفية، بمقدار ما تتعدد تحت هذه الكلمة الفضفاضة عقائد المثقفين، حتى لكأنك لم تعد تدري: إلى أي معنى تصيبه كلمة "الثقافة" حين تطلق على علاتها كلمة فضفاضة واسعة بغير قيود ولا حدود على بعض خلق الله. إنه لكثير جداً ما تروح فتجد بعضاً من أولئك المثقفين، أدعياء "العقل"، والمنطق، والتحليل، تغالبهم نفوسهم فيما يعتقدون ويرتأون ثم يزعمون؛ تغالبهم نفوسهم؛ إذْ تنتصر عليهم في اعتقاداتهم وفي تصوراتهم، وتغالبهم في مسالكهم وأحوالهم تماماً كما تغالبهم نفوسهم في قناعاتهم، فيكون مبعث هذه الغلبة غربة روحيّة ونفسية عنيفة، ونتيجتها (أي هذه الغلبة) دعوى عريضة لا يقوم عليها دليل!

وكل صاحب دعوى "غلبان"! تغالبه نفسه بدعواه، وتقهره تحت إلحاح الدعوى حتى ليمضي بها إلى درجة لم يكد يعرف فيها: ماذا عَسَاه يريد؟ وماذا عَسَاه يأخذ؟ وماذا عَسَاه يدع؟ إن دعواه العريضة لتحجُبه عن معرفة نفسه في مطالبها وحاجاتها بل في حقوقها وواجباتها؛ فلم يعد يدرك شيئاً من أوهامها، لكأنما الوهمُ كثيراً ما يأخذه بعيداً عن مداركه الواعية فيتصوَّر على الغفلة أن ما يعيه لهو الواقع المحقق فعلاً في كافة الحالات، غير أن الواقع الذي يعيشه، ناهيك عن واقع نفسه هو، بخلاف ما يدَّعيه.

ثمَّ إنه ليعترف بدعواه، وقد لا يبرئ نفسه مطلقاً من تهمة الدعوى، بل يماريها فيما ترى من مغبِّة الوقوع فيها صباح مساء. ربما كان صاحب الدعوى من المحقق، قصداً وفعلاً، يروم التغيير فيفر من واقعه إلى خيال يرتجي فيه محاولة التغيير، ولكن هذا الخيال لا يوجد إلا في نفسه، ولا يتصور إلا في أحلامه. بيد أنها أحلامُ منمقة وأوهامُ منظمة كأنها تمسُّ الواقع بصلة قريبة، يظل صاحبنا يكدح وراءها، إنشاءً وتعبيراً وطرحاً مقصوداً إلى أن يستفيق على الواقع الذي هو أشدُّ من الحجارة قسوة وصلابة.

ومن ها هنا؛ تأتي "المُغالبة": نشدانُ التغيير من جهة، وقلة الاستجابة الواقعية من جهة ثانية، وحياة النفس على التوتُّر والرَّبْكة الجوانيِّة فيما عساه يقع بين الجهتين، ثم مقاومة كل ما يحيطه في حياته لكل ما يريده هو، بما فيه نفسه التي بين جنبيه.

ولو أن هذا المثقف كان وجه نظره إلى خاصة نفسه قبل كل شيء لهان الخطب وخف البلاء، ولهوَّن - من ثمَّ - من قدر مغالبته؛ لأن تركيزه على أخطاء نفسه سيضيق عليه مقدار "المغالبة" التي يُعاني، وحجم المصارعة التي يتصارعُ فيها الباطن مع الظاهر، والخفيِّ المستتر مع المكشوف البادي، ولكن "المثقف" صاحب الرأي يستمد رأيه في الغالب من خياله المريض ونفسه الملوثة ومزاعمه الدَّعيَّة ثم يطرحه على الناس طرحاً مبالغاً فيه ليأخذوا به أخذاً حرفياً، كما لو كان قراراً يسنَّه حاكم مستبد على رعية أجراء.

المثقف، صاحب الرأي؛ لا يرى إلا نفسه فلا يقبل في باطنه نقداً لرأيه، ولا تفنيداً لدعواه لكأنما يستوحي مثل هذا الرأي استيحاءً من مناهل السماء. وحين يعزف عنه الناس يشعر بألم ما قبله وما بعده من ألم: يشعر بالغربة والتوهان، فيعتزل المجتمع؛ لأنه لا يرى سوى نفسه ولا يخاطب إلا أوهامه ولو أنه كان وجه نقده ابتداءً إلى حاله لعَرَفَ كيف يحتاج هو نفسه أكثر من غيره إلى إصلاح.

هذه أولى الأزمات النفسية - ولا أقول الروُحيِّة - التي تقابل بعض المثقفين وتطاردهم في حياتهم، فضلاً عن ملاحقتها لهم في حلِّهم وترحالهم: أعني الاغتراب عن الواقع مع قلة فهمه والإدِّعاء بإصلاحه؛ فلا هو -  أي المثقف -  أصلح واقعه ودنياه، ولا هو أنقطع لآخرته وعمل لها، وبين هاتين الغايتين يكون الاغتراب خاصَّة المثقف المخصوصة، ولم تكن غربته التي يستشعرها دوماً في غير انقطاع غربة من خارج بل هى غربة باطنة. إنها شعورٌ دائم لا يفارقه، وإحباط يلازمه نتيجة مرارة الغربة يحسها في أعماقه من غير أن يدري لها سبباً مباشراً معلوماً أو معقولاً.

ولم يكن "أبو حيان التوحيدي" الذي عاش مغترباً في القرن العاشر الميلادي، ببعيد عن تجسيد الملامح الشاهدة على "غربة المثقف" في عبارات مؤثرة وأخاذة، وذلك حين قال في كتابه (الإشارات الإلهية؛ من تحقيق وتقديم عبد الرحمن بدوي؛ طبعة جامعة فؤاد الأول؛ القاهرة سنة 1950م) يصف حاله في عصره:" أما حالي فسيئة كيفما قلبتها؛ لأن الدنيا لم تؤاتني لأكون من الخائضين فيها؛ والآخرة لم تغلب عليّ فأكون من العاملين لها".  هذه أول أزمة نفسية يعانيها المثقف ولا أقول الروحية. فهو بين أملين لا عمل لهما؛ وبالتالي لا ثمرة لها.

ثم يخفق قلبه ويصرح ضميره فيقول في نفس المصدر "الإشارات الإلهية": " فإلى متى نعبد الصنم بعد الصنم، كأننا حُمُرُ أو نَعَمْ (أي أنعام)؟! إلى متى نقول بأفواهنا ما ليس في قلوبنا؟! إلى متى نَدَّعي  الصدق، والكذبُ شعارنا ودثارنا؟! إلى متى نستظل بشجرة تقلص عنَّا ظلُّها؟! إلى متى نبتلع السموم ونحن نظن أن الشفاء فيها؟!".

وبقليل من التأمل في نص التوحيدي؛ ندرك من أين يأتي الشعور بالاغتراب لدى المثقف، وقد بينه المؤلف حين وصف لنا حاله: التي لا هى إلى الدنيا تواتيه ليخوض فيها مع الخائضين، ولا هى إلى الآخرة تغلب عليه، فيكون لها من العاملين. وبعبارة أخرى؛ لكأنه يقول: نحن في عبادتنا عَبَدة أصنام وأوثان؛ نعبدُ الصنم بعد الصنم, كأننا بلا ضمائر ولا قلوب, بل حُمُرُ وأنعام! وتلك ثورة روحية باطنة في تصحيح العلاقة بين العبد والرب، ناهيك عن خلخة في نظام القيم، وازدواجية في المعايير الخُلقية: أن نقول بأفواهنا ما لا تحمله قلوبنا وندَّعي الصدق إدعاءً في حين يكون الكذب هو الشعار لنا وهو الدثار، ونستظل بظل الشجرة واهمين ونحن نعلم أن ظلها إلى زوال، ونبتلع السموم وفي الحق أن هلاكنا محققٌ فيها. حقاً .. إلى متى نبتلع السموم ونحن نظنُ أن الشفاء فيها؟! أو إلى متى نقول بأفواهنا ما لا تكنه قلوبنا؟! ألا يؤدي هذا حتماً إلى الشعور بالاغتراب؟!

أما الأزمة النفسية الأخرى - ولا أقول الروحيّة كذلك - التي يعانيها "المثقف"، والتي تقوده أيضاً إلى اغترابه عن الواقع، فهى تتمثل في إدعاء "العقل" والمنطق والبرهان، وإهمال القلب والشعور والوجدان؛ فالإفراط في النزعة العقلية الجافة وجعل الإنسان كله كتلة ماديّة صماء وركل الجانب الروحي فيه لهو شعور آخر بالاغتراب عن قيم العالم العلوي، وهذا الشعور في غاية القسوة والحيرة والضلال؛ لأنه شعور يمس مصدر الطمأنينة القلبية في الإنسان مسَّاً مباشراً.

وأني لأعني بالعقل هنا؛ العقل التجريبي، والعقل الاستدلالي المنطقي، العقل المادي، لا العقل مطلق العقل؛ إن المثقف المزعوم الذي يَدَّعي العقل والمعقول، وهو لا يعرف كيف يدير نفسه، لا ينتظر من المجتمع أن يؤهله لأن يتقدّم إليه بخطة فكرية وثقافية ينصلح عليها شئونه وأحواله ومرافقه الحيوية. ومَنْ فقدَ الشيءُ لا تتوقع منه أن يعطيه؛ فلا تستغرب - من ثمَّ - فشل النظم والتيارات الأرضية في إصلاح المملكة الإنسانية! واستغناء الناس بعد التجربة، لا قبلها، عن كل الأوهام الفكرية والأنظمة الأيديولوجية التي جاءت زاعمة - على مرض الخيال العاطل - أنها تقدِّم للمجتمع خطط إصلاح وميادين تعمير وتقدّم، ثم اعتبارها في المجمل ترفاً فكرياً وثقافة؛ مجرد ثقافة, ليس إلا.

هذا صحيح إلى حد ما؛ لأنه لا يمسّ حقيقة الإنسان ولا روحه ولا جوهره الباقي. نعم! قد يوفِّر له فيما لو طبق بعض شيء من الإصلاح المادي، لكنه مهما يكن لا يوفر له إصلاحاً روحياً ولا سعادة يخلص إليها ضميره من وطأة الثقالة والوخامة والإرث البغيض والميراث الغليظ.

مهما يكن من أمر النزوع المادي الذي تتبناه التجارب العلمية والمذاهب البرجماتية والذي هو نتيجة إيغال العقول في الدعوات المادية، ومهما يكن من أمر دعوتها الجافة بعيداً عن وعي الضمير الحر اليقظ؛ فهى لا تعطي الإنسان نوراً يمشـي به في الناس، بعد أن يكون قد عَرَفَ من خلاله نفسه وأضاء له الطريق الذي يسير عليه.

إن هذا النور لا يوجد في أنظمة الفكر وتيارات الثقافة النظرية؛ لأن هذه الأنظمة والتيارات قاصرة مهما بلغت من إدِّعاء الكمال عن تلبي في الإنسان نداء الروح ومطالب الضمير، ناقصة مهما طالبت المزيد من بلوغ التمام عن أن تعطي للإنسان "هداية النور" الذي يمشي به في الناس؛ لكونها لا تعبِّر عن الحقيقة المطلقة بل تعبر عن أهواء أصحابها، وفوق كونها كذلك، فهى لا تخاطب في الإنسان ضميره الحر الأبيِّ، بل تخاطب فيه عقله الجاف مفصولاً أو معزولاً عن شعوره، وتنسى غافلة قلبه وخوافيه. وقلب الإنسان هو كيانه، هو كينونته، هو روحه الباطنة وراء الشحم منه واللحم، هو كل شيء فيه، وإنمَّا الأنظمة الفكرية والعقلية تريد فقط أن تشطر الإنسان وتفصله عن قلبه، وعن روحه، وعن وعيه بكينونته وجوهره، لتجعله كتلة مادية صماء يتحرك بذرِّ كما تتحرك في يده لُعْبَة الإنسان الآلي.

قد تفلح تلك الأنظمة في اختراع هذا الإنسان الدُّمْية، لكنها لن تفلح أبداً في اختراع الروح الإلهي الخالد أو في شجبها عن الإنسان بما هو إنسان. والباحثون في تلك الأنظمة الفكرية والعقلية ممَّن جعلوا من عقولهم أصناماً يعبدونها من دون الله، وألغوا حقيقة الإنسان: قلبه وعقله، لم يفلحوا قط في غرس الطمأنينة في القلوب قدر ما غرسها "الإيمان". ومما لابد له للعقل المروَّض على معرفة الحقائق الكبرى - كيما لا يُصَابُ الإنسان بالغربة عن أصله - أن يحيلَ إلى العقيدة الملهمة حين يحيل في الوقت نفسه إلى الإيمان.

ولأستاذنا الراحل "عباس العقاد" - طيَّب الله ثراه - رأي وجيه كان ذكره في مقال عن "ماكس نوردو؛ منشور بجريدة البلاغ في 29 يناير سنة 1923م, ثم جُمع ضمن ما جمع من مقالات في كتاب "مطالعات في الكتب والحياة" من طبعة دار المعارف؛ القاهرة سنة 1987م؛ نثبته هنا في هذه المسألة: مسألة إحالة العقل إلى الإيمان إذْ يقول:" وصفوة القول أن البحثَ خليقٌ أن يجدينا ويسعفنا في الحيز الذي ندركه ونحسن أن نتأمله ونتقصاه. أما إذْ نعبره ونوغل بالأمل خلف رتاجه، فهناك فلتسعفنا العقيدة والإلهام، ولنثق أن العقول لم تجعل لنا أداة للضلالة والفوضى والاختباط، فإذا هى أختلط عليها الأمر ورانت عليها الفوضى، ولم تأوْ بنا إلى ظل من طمأنينة العقيدة الملهمة، فليس الذنب ذنب العقيدة ولكنه بلا ريب ذنب العقول (ص31).

لا شك نجحت رسالة الأنبياء في حين أخفقت أنظمة الفكر والثقافة ولازالت تقدم للإنسانية ما يشغلها من إخفاقات وسخافات، تبعدها عن حقيقتها، وتدخلها في شواغل وأزمات تؤخرها عن نهضتها الروحيّة ووعيها الأمين.

 

بقلم: د. مجدي إبراهيم

 

علي اسعد وطفة"أعني بالحكمة: النظر في الأشياء بما تقتضيه طبيعة البرهان" ابن رشد.

هل يمكن تحرير السُذج من الأوهام التي يبجلون؟ وهل هناك أشد عميا من ذاك الذي لا يريد أن يرى؟ يحاول أفلاطون  في "أسطورة الكهف" أن يحدد لنا طبيعة العلاقة بين عالمي النور والظلام. في هذه الأسطورة يحدثنا أفلاطون عن كهف مظلم فيه أسارى مثقلون بأصفادهم، مشدودون بأغلالهم، يستمتعون بالنظر إلى غور الكهف حيث ترتسم لهم ظلال وأشباح، تلقيها عليهم نار مشبوبة في الخارج، وهم يخالون ما يرونه على الجدار، من إسقاطات وخيالات وظلال وأشباح، حقائق كونية لا تقبل الشك أو الجدل. وحين يتاح لأحد الأسرى (وهو الفيلسوف المنوِّر) أن يتحرر من أغلاله وأن يكسر أصفاده ليخرج من بوابة الكهف، فيرى الشمس حقيقة مشرقة بضيائها وسحرها الكوني، يعود إلى الكهف ليساعد المخدرين بالأوهام على تحطيم أغلالهم وتبديد أوهامهم والخروج من عالم الظلام إلى عالم الحق والجمال والخير والنور، فيأبى المنوّمون ويرفضون الخروج لمواجهة الحقيقة ورؤية النور، مفضلين البقاء في ظلام الكهف، تحت سطوة أهوائهم وغرائزهم وأوهامهم، بعيداً عن العيش في الأنوار التي تفيض بها شمس الكون الساطعة.

فالتنوير إذن، كما ترمز إليه أسطورة أفلاطون، حالة ذهنية وقّادة، يدك فيها الإنسان جدران الأوهام، ويدمر عبرها أركان الوصاية على العقل بوصفه الجوهر الإنساني في الإنسان. إنها وفقاً لمنظور "كانط" الوضعية التي يخرج فيها الإنسان من دائرة الخرافات والأوهام، ليحطم كل أشكال العطالة الذهنية والجمود ومقاليد الوصاية على العقل. وفي هذا كله تأكيد لسيادة العقل وسلطانه حيث لا يكون سلطان فوق سلطانه؛ ولذا غالبا ما يقترن مفهوم العقل بمفهوم النور أو التنوير في الحضور والغياب، يقابله هذا الاقتران الكبير والجوهري بين الجهل والظلام. وضمن توجهات هذه المعادلة التنويرية، يكون حضور العقل حضوراً للتنوير وغيابه حضوراً للجهل والظلام. ومن الواضح تاريخياً في هذا السياق، أن حضور العقل والعقلانية كان في أصل كل حضارة وتقدم، حيث كان العقل، وما ينتجه من حكمة وعلم وبرهان، هو أداة الإنسان لفهم الكون والإفادة الرشيدة من الطبيعة؛ بما يحقق الغايات الإنسانية النبيلة. فالعقلانية هي التي منحت الإنسان القدرة على التحرر من غوائل الطبيعة والانتصار على كل أشكال الضعف والقصور لبناء حضارة الإنسانية والإنسان.

إنها حالة مأساوية في حقيقة الأمر عندما تأخذنا المؤشرات الإحصائية العالمية الموظفة عادة لقياس مدى تقدم الأمم وتحضرها، إلى استحضار الصورة المأساوية للتخلف الذي تعيشه أمتنا العربية في مختلف مستويات الحياة والوجود. فالمجتمعات العربية تصنف وفقاً لهذه المؤشرات، بين أكثر المجتمعات الإنسانية تخلفاً وجهلاً وعسكرةً وتسلطاً ودمويةً واستبداداً وغرقاً في مستنقعات الظلام. فالدول العربية تأتي دائما في أدنى سلم التحضر الإنساني من حيث التعليم والإبداع والبحث العلمي والتصنيع والديمقراطية وحقوق الإنسان!

إنها صورة صادمة حقاً، عندما نتأمل في مدى غياب العقل والنقد والتنوير والعقلانية عن العقلية العربية، وفي مستوى انحسار العلم وتراجع المعرفة العلمية والنظرة العقلانية إلى الوجود. وتكون هذه الصورة أكثر صدماً ومأساوية، عندما نتأمل في مستوى الانحدار الأخلاقي والقيمي، وفي مستويات انتشار الفساد والرشوة والتسلط والظلم والخرافة والأوهام والتعصب والتسلط والطائفية والحروب الدموية والانقسام، وغياب حقوق الإنسان، وتغييب حقوق المرأة والطفل، إنه عالم متخلف بنيوي التخلف بامتياز.

لقد أبلى المفكرون والباحثون العرب في الكشف عن عوامل هذا التخلف الأسطوري الذي تعيشه الأمة اليوم، وقد أجمعت غالبيتهم على أن غياب العقل وتغييبه كان من أبرز عوامل تخلف هذه الأمة، وأكثرها أهمية وخطورة. وقد بين كثير منهم أن تخلف هذه الأمة يتم تحت تأثير استبداد سياسي، يقوم على محاصرة العقل والعقلانية؛ بتغييب كل أشكال الحرية والديمقراطية، وإخضاع الأمة لحالة من الاستبداد الوجودي الشامل.

وفي مواجهة هذه الوضعية المتردية، حاول المفكرون والمصلحون العرب، منذ عصر النهضة حتى اليوم، اختراق جدار الظلام الحضاري للأمة، وتفجير أعتاب العتمة الوجودية التي لحقت بها. ومما يؤسف له أن المساعي التنويرية لهؤلاء المفكرين التنويريين لم تؤت أكلها، كما كان يتوخى أصحابها. ويعود هذا الإخفاق إلى نسق من العوامل الموضوعية والتاريخية التي حالت دون نهوض هذه الأمة وتحضرها، كما حالت دون استحضار الحالة التنويرية العامة في المجتمعات العربية، على غرار الحالة التي شهدتها أوروبا في القرن الثامن عشر، إذ بقي الفكر التنويري سجين النخب، ولم يتحول إلى حالة تنويرية جماهيرية فاعلة في العالم العربي.

وضمن هذه الوضعية خفتت أضواء التنوير، وتراجع تأثيره، وبقيت الساحة الثقافية غارقة في العتمة، لأن محاولات النهضة في العالم العربي أخفقت تحت تأثير الطابع النخبوي للتنوير، فلم تستطع هذه المحاولات أن تخترق حجب الظلام، وبقيت الجماهير العربية تحت سيطرة الغرائز والعواطف والميول البدائية المناوئة بطبيعتها لكل أشكال العقلانية والتنوير. وكانت القوى المناوئة الظلامية أكثر قدرة على تدمير منصات التنوير، وحجب أضوائه، ومحاصرة مريديه، وتجريدهم من القدرة على التأثير حضاريا في الحياة والمجتمع.

ومع الزمن، وبفعل هذه العزلة التنويرية، تكاثفت في المجتمع عقلية سحرية خرافية ظلامية تنتفض، إيمانا بكل أشكال الخرافة والأساطير، لتتحول إلى عقلية عمياء تتميز بخصائص الانصياع والاتِّباع والخضوع والقبول الصاغر لكل الإيحاءات التقليدية، التي تفرضها نصوص وتعاليم مفرغة تماما من جدواها، لا تسندها أدلة وبراهين مقبولة، لترسِّخ ثقافة جماهيرية استلابية، بنيوية التخلف، تعاند كل توجه منطقي عقلاني.

ومن المدهش أن هذه الموجات الاغترابية التسطيحية، استطاعت أن تجد طريقها إلى فئات الأكاديميين الضالعين في حمل الشهادات العلمية العالية. حتى إنك لَتُذْهل عندما تجد أن جوهر ثقافة الأكاديميين قد لا تختلف كثيراً عن ثقافة العامة، ولاسيما في مدى قبولها لمختلف أشكال وأنماط التفكير الخرافي الأسطوري النصي المنغلق على الأصول الذي فرض نفسه في عقولهم كمقدسات غير قابلة للنقد والنقض والتحليل. ويبقى هذا دليلاً على أن الإنتاج الثقافي التربوي ما زال يعمل بقوة على إنتاج أجيال مصممة على القبول الصاغر لشكليات النص، والتناغم مع مستويات عالية من الانصياع التلقائي المبرمج، وإضفاء الطابع القدسي على كل ما تعلموه من خرافات ونصوص وتعاليم وأوهام وأساطير.

في مواجهة هذا الواقع الفكري العربي المأزوم، الذي يجأر بكل دلالات التخلف ومؤشرات السقوط، ما زالت فئة واسعة من المثقفين تحمل شعلة التنوير والضياء، وفي قلب هذه العتمة الوجودية التي خيمت على صدر الأمة بدأت الشموع الثقافية المضيئة تتلألأ هنا وهناك، حيث انبرت طائفة كبيرة من المفكرين -من كل الاختصاصات والمشارب العلمية والفكرية - للعمل بصمت وصبر وإيمان وعمق وتُؤَدَةٍ من أجل تشكيل حزمة هائلة من الضوء قادرة على تبديد الظلام الذي تعيشه الأمة.

ومما لا شك فيه، أن الساحة الفكرية العربية تضم بين جناحيها عددا كبيرا من المفكرين التنويريين الراغبين في عملية البناء الحضاري للأمة، ولكن تفرقهم وتشرذمهم في الأنحاء كان وما زال يضعف مسيرتهم التنويرية، ويقلل من دورهم الحضاري الفاعل، وهم اليوم في أمسّ الحاجة إلى تشكيل حزمة ضوء كبيرة قادرة على ممارسة الدور الحضاري المنشود في مجالي النقد والتنوير.

وإذا كانت الحكمة القديمة تقول:" أن تُشعل شمعة خير لك من أن تلعن الظلام"، وهو قول جميل نبيل، فإننا نقول لقد آن الأوان لمثقفي هذه الأمة المتنورين ان يوقدوا شمعة تنوير مضيئة تعزز الإيمان الكبير بالدور الحضاري للثقافة في بناء حضارة العقل والإنسان. وأن يحدثوا صدمة تنوير قادرة على إيقاظ هذه الأمة من غفلتها التاريخية وأن تهزّ غفوتها فتنهض بها من سباتها الأبدي في دياجير الظلام إلى يقظة حضارية تنهض بالحياة والحضارة والإنسان. .

نعم، نحن بحاجة اليوم إلى صواعق التّنوير لتبديد ظلام التخلّف وكسر جموده وتحطيم تصلّبه، نعم نحن بحاجة إلى "بروموثيوس" مزلزل قادر على تحطيم أصنام التخلّف وحمل شعلة الحق والخير والعقل التي تصعق ظلامنا وتبدّد تخلفنا، وتعيد لنا إنسانيتنا المهدورة. نعم، نحن بحاجة إلى نخبة فكرية شابّة جديدة تحمل نور المحبة والسلام والعقلانية إلى أوطاننا المقهورة. بل كم نحتاج إلى عمالقة من المفكّرين الجدد القادرين على حمل الصّواعق التنويرية من أمثال الجاحظ والمتنبيّ والمعرّي والتّوحيدي وابن عربي وجلال الدين الرومي، وابن خلدون، وابن رشد...نحتاج إلى عقول متفجّرة بالحبّ والسلام والبحث عن الحقيقية أمثال غاليلو غاليلي وفولتير وغرامشي ونيوتن وبورديو وجاك لاكان... نحتاج إلى جيل من المفكرين الجدد الذين يملكون القدرة اللاّزمة على تغيير المصير، والانطلاق قدما نحو عالم النور والحياة.

 

علي أسعد وطفة – جامعة الكويت

 

فتحي الحبوبيبصرف النظر عن مفهوم المثقف البالغ الالتباس والتعقيد، والذي سنعرض إلى بعض مداليله الإشكالية، فانّه من المفترض أنّ الرسالة الأهم، التي على المثقف النقدي المتفاعل مع محيطه والفاعل فيه، المنحاز إلى الجماهير في غير ما مهادنة، ولا سكوت عن مظالم السلطة، إنّما هي الرسالة التي يحملها تجاه المجتمع الذي ينتمي إليه -لا بل تجاه كلّ المجتمعات إن بلغت طروحاته وأفكاره مرتبة العالمية- والتي لا تقتصر، على إنتاجه للأفكار ولصنوف الثقافة في تمظهراتها المختلفة ولا في محاولة بثّ الوعي المعرفي في النّاس وتحفيزهم على التفكير النقدي وتحريضهم على السعي إلى التغيير، بل تتجاوز ذلك إلى ما أهمّ، وهو قيادة تغيير الوضع القائم. ليس هذا فقط، بل من مهام المثقف النقدي الأساسيّة قبل وبعد ذلك مهمّة طرح حلول للتحدّيات التي يواجهها المجتمع في منعطفاته الصعبة ولحظاته التاريخية الحرجة التي قد تفضي إلى التحوّلات الكبرى، وتبلغ أحيانا، حدّ استهداف وجوده في حاضره وفي مستقبله أيضا، مثلما هو حال الوطن العربي اليوم الذي يعيش أعراض المخاض "القيصري" العسير للثورات العربية المنحرفة عن مسارها. لذلك فهو ينتظر من المثقف، بما هو ضمير الأمّة وعقلها وقائدها إلى التغيير وبما يمثّله من حقّ الإعتراض ومن قوّة إقتراح للبدائل، ينتظر منه بلورة رؤيته الإستشرافية- المستندة إلى علم المستقبل لا إلى التخمينات والتهويمات اليوتوبيّة- ثمّ طرح تصوّراته للنهوض من وضع التشضّي والتردّي لهذا الوطن العربي المكلوم، بهدف تحقيق التقدّم المأمول في اتجاه صناعة غد أفضل للأجيال القادمة. بهذا المعنى، الذي يتحفّظ عليه الماركسيون ويرون فيه نفخا مبالغا فيه في صورة المثقف، فيما هو منسجم مع أنساق وسياقات المقاربات الحداثية لأنطونيو غرامشي (المثقف العضوي) وما بعد الحداثية لميشال فوكو، ذات الصلة بتعريف المثقف، دورا ومفهوما، في السرديات الغربية. وهو منسجم كذلك مع ما جاء لاحقا في كتاب "المثقف والسلطة" للمفكر الفلسطيني إدوارد سعيد الذي أفاض في طيّاته في تفكيك مفهوم "خيانة المثقف" الذي إصطلحه جوليان بندا قبل ذلك بعقود طويلة، فانّه يظلّ من الصعب الإقرار بأنّ العرب، راهنا، لهم مثقّفون يستحقّون أن نخلع عليهم هذه الصفة المقترنة أساسا - منذ الارهاصات الأولى لمفهوم المثقف - إن في أوروبا الشرقية او في فرنسا فيما بعد- بالنزعة العقلانية النقدية الإحتجاجيّة وتحدّي السلطة ومعارضتها. بما يعني ضرورة لعب المثقف دورا توجيهيّا ونحريضيّا فاعلا ومؤثّرا في الحياة العامة، تعضدعه المواقف النبيلة والشجاعة ضدّ المظالم الاجتماعية والسياسية كما اشتغل على ذلك في فرنسا بالأمس" إميل زولا" في قضية "درايفوس" الشهيرة التي اتّهم فيها باطلا بالجوسسة لصالح ألمانيا (الخيانة العظمى)، وقد سبقه"فولتير" في مسعى مماثل في قضية "كولاس" الذي أتّهم على وجه الشبهة وأعدم على عجل على خلفية الصراع الكاثوليكي البروتستنتي (1). وهذا المسعى (الإعتراض الشجاع على السلطة والدفاع عن المظلومين) هو ذاته ما يشتغل عليه اليوم ( لا بل ومنذ عقود طويلة) في أمريكا أشهر المثقفين المعاصرين الأحياء، الفيلسوف وعالم اللسانيات نعوم نشومسكي (2)، المندّد دوما ودون هوادة بالسياسات الأمريكية الظالمة للشعوب الضعيفة، ولا سيما بمظلمة القرن العشرين، ألا وهي قضية الشعب الفلسطيني واغتصاب دولته ومباركة الولا يات المتّحدة لذلك في صلف وصفاقة لا حدود لهما.

قطعا، كان للعرب والمسلمين، في أحقاب سابقة، سبقت بقرون عديدة، الثورة الفرنسية التي أسفرت عن بروز مصطلح المثقف بمفهومه النقدي والنضالى، كتّاب ومفكّرون وفلاسفة وفقهاء سلاطين وعلماء دين صدرت عن القلّة القليلة منهم بعض المواقف الجريئة التي خلّدتهم وأبانت عن استقلالية مواقفهم لكنّها لم تكن، في الأغلب الأعمّ، في علاقة بقضايا الإنسان الأساسية، منخرطة على نحو ما في الرهان على بحث حلول لها، فيما لو استثنينا مواقف نادرة تهم الشأن العام، كموقف أحد أبرز الكُتّاب المسلمين غير العرب، ألا وهو عبد الله ابن المقفع. وهو الموقف الذي ضمّنه رؤيته في إصلاح الحكم والحاكم في ما وسمه ب"رسالة الصحابة". تلك الرسالة الشهيرة إلى الخليفة المنصور، التي لم تكتف بالإشارة إلى مساوئ النظام في علاقة بمن يحكم من ولاة وأمراء وحتّى الخليفة المنصور ذاته، وبمظاهر الفوضى والفساد وشقاء الرعية، بل طرحت الحلول الضرورية لتغيير الوضع نحو الأفضل، بما يجعل بن المقفع موضوعيّا أوّل مثقّف نقدي مسلم، فيما لو طبّقنا عليه بأثر رجعي مفهوم ومواصفات المثقّف كما أسلفنا تفصيلها. ما يعني تصنيفه خارج فئة المثقفين الذين إعتبرهم جوليان بندا خائنين- إشتقاقا من مصطلحه "خيانة المثقّف"- ووضعهم"خالد الحروب" في خانة «المثقف القطيع»، وبداهة، خارج قائمة من أسماهم بول نيزانPaul Nizan ب« كلاب الحراسة» من المطبّلين المدافعين عن خيارات السلطة. لذلك كان جزاء بن المقفع لا يختلف عن جزاء المهندس البيزنطي"سنمار"، وكانت نهايته شنيعة(2) ومأساوية إلى أبعد مدى، لا على صعيد الواقع فحسب بل وكذلك على صعيد ما فوق الواقع أي على الصعيد السرياليSurréalisme))، لا بل وعلى صعيد ما فوق توثّب االخيال والتخييل الروائي والتسريد. اللافت في ذات سياق والفترة، أنّ الامام مالك بن انس، وهو قامة سامقة في الفقه والحديث، كان مطيعا لهذا الخليفة العبّاسي، حتّى أنّه ألف كتابه "الموطّأ" الشهير استجابة لطلبه ووفق أهمّ المعايير التي رسمها له مسبقا. أستذكر ذلك بصرف النظر عن القيمة العلميّة لكتاب"الموطّأ" الذي يعدّ اليوم مرجعا لا غنى عنه، إن في الفقه أو في علم الحديث.

 لذلك، فأنا أزعم - بل أكاد أجزم- أنّ أغلب مواقف النخب الفكرية العربيّة الإسلاميّة في الحقب التاريخية البعيدة كانت تدير الظهر لقضايا عصرها ولا تسعى إلى التغيير والإصلاح الإجتماعي والسياسي أو تطرح حلولا لمشاكل المواطنين/ الرعايا، بل كانت تتعلّق بقضايا فكرية مثل (علاقة الفلسفة بالدين) أو مسائل دينية خلافية مثل (قضية خلق القرآن) و(قضيّة التشبيه والتجسيم) وهي، لعمري، لا تهمّ الرعيّة في شيء، ضرورة أنّها ( أيّ الرعيّة ) لم تكن ترداد المدارس -على قلّتها آنذاك- بالكثافة التي هي عليها اليوم، وذلك لتدنّي الوعي بأهمّية المعرفة والعلم. ليس هذا فقط، بل إن الرأي السائد عند قادة الفكر العربي والإسلامي، إلى زمن قريب، إنّما هو عدم تشريك العوام في الخوض في مثل هذه المسائل، من باب التحقير والإزدراء. وهو ما يستبطنه عنوان مستفزّ لأبي حامد الغزالي" ألّفه في الغرض ووسمه ب"إلجام العوام عن علم الكلام". بما يعني الدعوة إلى عدم دمقرطة المعرفة، والإقرار بوجود هوّة سحيقة بين النخبة والعوام، مؤدّاها انحسار جهود قادة الفكر، في البحث والتدريس والمناظرات العلمية والسجالات النقدية في الفضاءات المغلقة داخل أسوار الجامعات وفي بطون الكتب ليس أكثر. بما يجعلهم منكفئين على أنفسهم في ابراجهم العاجية خارج دائرة الفعل المؤثر في المجتمع.

 فحتّى فرقة المعتزلة رائدة العقلانيّة في الفكر الإسلامي، وإن نظرت إلى الإنسان باعتباره غاية الوجود وصاحب الإرادة والاختيار، فإنّها لم تواجه ما واجهته من حملات القتل والتعذيب، في عهد الخليفة المتوكّل، إلّا لرؤاها الفكريّة ولمتبنّياتها بتأسيس الدّين على العقل، واعتباره أقوى الأدلّة، ثمّ لمواقفها المخالفة لمواقف عموم المسلمين في قضيّة مرتكب الكبيرة وقضيّة خلق القرآن وليس لأنخراطها في الشان العام وتفاعلها مع قضايا المجتمع. لا بل وحتّى بن رشد، سليل الفكر المعتزلي هو الآخر، وهو من هو، أحد أعظم الفلاسفة العرب، إن لم يكن أعظمهم، لم ينل ما ناله من متاعب وتكفير ونفي جرّاء المؤامرات التي حيكت ضدّه وعصفت به، إلّا لانّه مشتغل « بالحكمة وعلوم الأوائل» أي بالفلسفة ولأنّه يرى أنّ الحكمة (الفلسفة) والشريعة (الدين) لا يتناقضان مثلما ذهب إلى ذلك ابو حامد الغزالي في “تهافت الفلاسفة”، ثمّ لانّ بعض شروح بن رشد لأرسطو أوّلت بانّها نالت من المقدّس كقوله «فقد ظهر أنّ الزهرة أحد الآلهة»

لقد إستدركت النخب العربية هذه النقيصة، في العصر الحديث، وتحديدا على مدى القرنين الماضيين، بفعل تاثّرها وانبهارها بالحضارة الغربيّة فبذلت جهودا غير قليلة في مجالي الإصلاح الديني والنهوض الاجتماعي بدءا برفاعة رافع الطهطاوي(1801-1873) في مصر وخير الدين باشا (1825-1889) في تونس وبطرس البستاني في لبنان، ثمّ مع محمّد عبده ورشيد رضا ومن سار على نهجهم. ولكن لضيق المجال سنعرض فقط إلى أكثرهم شهرة وتاثيرا، لأنّ مبحثنا في هذه الورقة إنّما هو المثقف النقدي وليس رواد النهضة العربية رغم دورهم المحوري في الإصلاح والتحديث .

فأمّا رفاعة الطهطاوي فقد طرح الإرهاصات الأولى للإصلاح ومنها فكرة الحريّة كسبيل للتقدم، واحترام خصوصيات الأقلّيات غير المسلمة. وهو الطرح الذي يتماهى بالتأكيد مع مفهوم الدولة المدنيّة الديمقراطيّة التي يشكل التعايش الآمن الناتج عن حريّة المعتقد أحد مرتكزاتها الأساسية وتمظهراتها في آن معا. وهو ينظر إلى الحكم باعتباره يرمي إلى سعادة الإنسان في الدنيا والآخرة في آن معا. وأن سعادته في الدنيا تقتضي، توفّر حضارة مدنية كالتي قامت في أوروبا الحديثة. لذلك نادى الطهطاوي، لتحديث المجتمع المصري، بضرورة التطوّر وإرساء الديمقراطية والحكم الدستورى وإشاعة التعليم للذكر والأنثى على حدّ السواء. وهي المفاهيم الفكرية الأساسيّة التي قامت عليها الدول الحديثة والمتقدّمة، والتي من بينها مبدأ المواطنة الذي وصفه بأنّه «المنافع العمومية التي تقوم على الحرية والإخاء والمساواة بين أبناء الوطن الواحد» وهو تماما ما ترجمه قبل ذلك، شعار الثورة الفرنسيّة الذي أصبح لاحقا شعار فرنسا، منذ الجمهوريّة الثالثة. وقد حاول الطهطاوي وضع بعض أفكاره موضع التنفيذ بإنجاز مشاريع ذات طابع علمي لعلّ من أهمّها إنشاؤه لمدارس في احتصاصات متعددة وبعث مطبعة ومجلّة ثقافيّة ومكاتب محو الأمية. إلّا أنّ قدر هذه المحاولة، كان العرقلة والإجهاض من قبل السلطة، فكان جزاؤه النفي. ولكنّه يظلّ، رغما عن ذلك مثقّفا نقديّا فيما لو وظّفنا المفهوم بمفعول رجعي.

وأمّا خير الدين باشا المعروف في المشرق بخيرالدين التونسي فيعتبر هو الآخر أحد أبرز أعلام النهضة والتنوير في تونس، بل هو أبرزهم تاريخيا ومن حيث المساهمة-نظريّا وعمليّا- في بناء نهضة تونس الحديثة تماما كما الطهطاوي, حيث أنّه لم يكتف ببثّ روح اليقظة والنهوض في الأمّة وشحذ عزائم الإصلاح عن طريق نشر الفكر فحسب، بل إنّه طبّقه على أرض الواقع, فأنشأ سنة 1875، باعتباره رجل سياسة ونفوذ، المدرسة الصادقيّة لتعليم الفنون والعلوم الحديثة وطوّر مناهج التعليم التقليدي في جامع الزيتونة وأنشأ المكتبة العبدلية.ونظّم مؤسسّات الدولة تنظيما حديثا، ضمن خطة شاملة للإصلاح شملت التعليم والزراعة ونظام الضرائب وأتاحت سنّ تشريعات تخدم الإصلاح والتطور. كما سعى لبعث مصنع بخاري للسفن وتطوير شبكة الطرقات. أمّا عصارة أفكاره التي وفّقت بين الفكر الليبرالي القائم على الحكم الدستوري والحريّة الاقتصاديّة وبين التقاليد الإسلاميّة، فقد توزّعت بين كتاب "دراسة الأسس التي قامت عليها المدنيّة الغربيّة وكتابه الخالد “أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك” الصادر 1868، وهي السنة ذاتها التي ظهر فيها الجزء الأوّل من كتاب “رأس المال” لكارل ماركس منظّر الفكر الشيوعي. وقد لمسناه فيه -كما الطهطاوي- متأثّرا بما شاهده في فرنسا من معالم نهضة حضاريّة وفكريّة واجتماعيّة وسياسيّة .فهو يؤكّد ضمن مقدّمة الكتاب، الذي دعا فيه معاصريه إلى الاستعارة من الغرب من أجل الارتقاء بالأمة، أنّ الحكم المطلق الشمولي لا يؤدّي إلّا إلى التخلّف المزمن. وأنّ لا خوف على المسلمين إن هم اقتدوا بالحضارة الأوروبية، وأن لا غضاضة في اعتماد النظم الأوروبيّة في المجالات السياسيّة والاجتماعيّة والاقتصادية؛ لأنّها لا تتعارض في جوهرها مع النظم الإسلاميّة، بل إنّها تتوافق معها بشكل يكاد يكون كلّيّا، وأنّ استلهامها ليس سوى تنفيذ لروح الشريعة الإسلامية ومقاصدها. وهو ما جعله ينادي بأن تؤسّس الدولة على دعامتي الحرية والعدل وتعدد مؤسسات الحكم ومشاركة “الرعايا”/المواطنين في إدارة شؤون الدولة، ملحّا على توفّر وعي الأمّة واستنارتها لتطالب بحقوقها ولتضمن مراقبة دواليب الحكم لتجنّب الاستبداد والانفراد بالحكم . يضاف إلى ذلك دعوته إلى العدل والمساواة بين المواطنين وإصلاح أنظمة الحكم، ومناداته بمقاومة الدكتاتوريّة. ليس هذا فقط، بل نادى (وفق تعبيره) بحرية “المطبعة” بما هي حرية للرأي والكتابة والنشر وركن أساسي في إرساء الديمقراطيّة.

ومثلما عرقلت محاولة طهطاوي فإنّ محاولة خير الدين باشا عوّقت من قبل المعارضين للإصلاح وخاصةّ منهم باي تونس /الملك الحاكم. لذلك قال بلهجة المنكسر: « لقد حاولت أن أسير بالأمور في طريق العدالة والنزاهة والإخلاص، فذهب كل مسعاي سدى(...)»

ورغم أنّ خير الدين باشا لم يحقّق مراده من الإصلاح إلّا أنّه ترك بصمته الإصلاحيّة الواضحة في المجتمع التونسي الذي أصبح في موقع المركز، على الأقل، من حيث المساواة في الحقوق بين المرأة والرجل ومن حيث انطلاق شرارة الثورة العربيّة الراهنة وتثبيت مسار ودعائم الحكم الديمقراطي في تونس رغم تعدّد المعوّقات الظرفيّة وكثرة الانفلاتات وتعدّد الأعداء المنربّصين بتونس وبثورتها من بين الأصدقاء والاشقّاء

وما يمكن الإشارة إليه في النهاية، هو أنّه رغم أنّه قد برز إلى السطح في العالم العربي فكر تنويري نقدي، إصلاحي وتحديثي، إلّا إنّه لم يمثّل حركة نقدية إصلاحية جذريّة كإفراز لمنظومة فكريّة متكاملة تحمل مشروعا واضح المعالم وتمثّل مرجعيّة صلبة كما حدث في أوروبّا خلال القرنين السابع والثامن عشر بفضل لفيف من فلاسفة التنوير الغربيين الذين اعتبروا مثقّفين -بمفعول رجعي- وقد جمعهم هاجس القطع مع النظم السائدة والدفع إلى صياغات لفكر ونظم سياسية جديدين. بينما ما جمع بين المفكرين المعاصرين العرب الإصلاحيين إنّما كان مجرّد تفاعل إيجابي مع الحضارة الغربيّة أو ردّة فعل على مشاريع التغريب، أكثر منها إبداع فكر إصلاحي ثوري لم يسبق إليه الآخرون، معضود بالانخراط في قضايا الشأن العام, تلك هي الإشكاليات االتي واجهت التفكير الاصلاحي العربي الذي اكتفى باسنجلاء الأسئلة والطروحات القديمة.التي طرحها الغرب فبل وأثناء نهضته.

ما نستخلصه في نهاية التحليل، هو إنّ العرب -عموما-لا يتوفّرون على مثقّفين نقديين وازنين، لأنّ وهجهم الثقافي باهت ولأنّ اهتماماتهم لا تلتفت إلى الشأن العام. ثمّ إن أغلبهم لا يخرج عن فلك السلطة فهو إمّا "مثقّف قطيع" أو "مثقّف خائن" أو مثقّف من فصيلة "كلا ب حراسة" السلطة. ومن بين إستتباعات ذلك إنّ الوضع العربي يزداد إستفحالا كلّ يوم، ولا يكاد يخرج العرب من مطبّة حتّى يقعون في مطبّة أكبر منها. وأنا أردّ ذلك لا إلى ضحالة وبؤس السياسيين وفشلهم المريع فحسب، بل وكذلك إلى غياب المثقف النقدي/العضوي، حتّى لا أقول ضحالة وبؤس وفشل "المثقف" العربي في إثبات الذات في الحياة العامة، خارج الجدران المغلقة والإطار الأكاديمي المحدود.

 

المهندس فتحي الحبّوبي

..........................

 (1) أنظر كتاب فولتير: traité sur la tolérance

 (2) أنظر مقالة الكاتب: نعوم تشومسكي: الإستثناء الجميل زمن الرداءة الأمريكيّة

 

 

عبد الجبار الرفاعيالتديّن الشعبي تديّنٌ عفويّ برئ، يتوارثه الناسُ جيلًا بعد جيل منذ عصر الرسالة. وهذا التديّنُ متصالحٌ مع طرائقِ عيشهم وطبيعةِ حياتهم، ولا يجدون تناشزًا فيه مع فنونِهم الشعبية وفلكلورِهم، ولا يشكّل عبئًا على علاقاتهم بمحيطهم، ولا يفرض عليهم سلوكًا متشدّدًا في علاقاتهم الاجتماعية بالمُختلِف في الدين أو المذهب أو الهوية أو الثقافة. لا تحضر في التديّن الشعبي التدقيقاتُ الفقهيةُ التفصيلية، وفتاوى الاحتياط بالجمع بين الحكم الترخيصي والأصلي، مثل الجمع بين القصر والتمام والصوم والقضاء في السفر. إنه تديّنٌ لا يعرف التشدّدَ والمبالغةَ في الاحتياط، يؤدي المتديّنُ فيه الصلاةَ والصومَ والفرائضَ المتفاعلةَ مع الثقافة المحلية. حدودُ التسامحِ، في هذا النمطِ من التديّن، ليست ضيقةً في التعامل مع المُختلِف في الدين والمعتقد والمذهب.

لكن التديّنَ الشعبيّ طالما وقع ضحيةً للجهل، وافترسته الخرافة، لأن الأميةَ والفقرَ والمرضَ لا تغادر مواطنَ الجماعاتِ الشعبية في القرى والأرياف والأحياء الفقيرة وأحزمة البؤس في المدن، وهذه العوامل تمثّل بيئةً خصبةً لظهور الخرافات والمعتقدات الغرائبية. وعلى الرغم من نفحاتِ الروح الرحيمة في هذا التديّن وحضورِ الأخلاقيات، لكن يلتبس أحيانًا في هذا التديّن ما هو أخلاقيّ بما هو شكليّ، ويصعب على الناس التمييزُ بين الدينيّ والدنيويّ والمقدّس وغيرِه، لذلك تتسع دائرةُ المقدّس باستمرار، لتستوعبَ غيرَ المقدّس وتدمجه في فضائها.

وتمثّل هذه الجماعاتُ بيئةً ملائمةً لولادةِ شكلٍ آخر من التديّن وتغلغلِه في مجالات حياتها المختلفة، وهو ما نعبّر عنه بـ "التديّن الشعبويّ"، والذي هو نمطُ تديّنٍ شكلي ذرائعيّ، يظهرُ في مختلفِ الأديان، لكنه ينشط كلّما تبلّد العقلُ أكثر، واشتدَّ تزييفُ الوعي، بعد أن يحدث انزياحٌ للتديّن عن مجاله، وترحيلٌ لوظيفتِه، فبدلًا من توظيف الدين في بناءِ الحياة الروحية، وإيقاظِ الضمير الأخلاقي، تصبح الشعائرُ المُفتعَلةُ، لأغراضٍ لا صلةَ لها بوظيفة الدين الروحية والأخلاقية، هي محورُ التديّن، ويحدث تطابقٌ بين مفهومِ التديّن ومصاديقِ هذا النوع من الشعائر المُفتعَلةُ، ويفتقدُ هذا التديّنُ الحسَّ الأخلاقي، وتنضبُ فيه الطاقةُ الروحية. وعادة ما يتحوّل التديّنُ الشعبوي إلى سلعةٍ يتداولها الأفرادُ لامتلاكِ رصيدٍ يُعلي من مكانةِ ودورِ الفرد في الجماعة، وترسّخ بواسطته المؤسّساتُ حضورَها المجتمعي، لذلك يدخل سوقَ مزايدات مبتذلة أحيانًا. التديّنُ بهذا النمط يعني أن الشخصَ الذي يبحث عن دورٍ ومكانةٍ في الجماعة لابدّ أن ينخرطَ في مهرجانات الشعائر، فكلّما كان حضورُه فيها أكثرَ صار أكثرَ تديّنًا، على وفق معايير السوق الدينية لهذا التديّنِ، واكتسب بذلك مكانةً استثنائيةً عند الجمهور، ووجاهةً اجتماعيةً مرموقة، ومقامًا دينيًا رفيعًا.

تبرعُ أكثرُ السلطات السياسية وبعضُ المؤسّسات الدينية في تكريسِ التديّن الشعبويّ، واستغلالِه لأغراضٍ على الضدِّ من وظيفة الدين الحقيقية، فيُتخَذُ التديّنُ وسيلةً للاستحواذ على السلطة والثروة. إنه ضربٌ من تنويم العقل وتفشي الجهل الذي يتخذ من الدين غطاء، لذلك تتشوّه فيه براءةُ الروح، ولا تتجلّى فيه عفويةُ وطهارةُ النمط الفطريّ للتديّن الشعبيّ. وعادةً لا يخلو التديّنُ الشعبويّ من افتعالٍ يتولاه دجالون يضلّلون الناسَ لغايات غيرِ سامية، يمتلكون وسائلَ بارعة في تجييشِ مشاعر الناس، وإذكاءِ انفعالاتهم النفسية، والإفراطِ في استغلالِ المقدّس لتغذيةِ هذه الانفعالات وتفجيرِها متى شاؤوا. يسرف من يضلّلون الناسَ لغايات غيرِ سامية في إنتاجِ شعائر لم ترد في النصوص الدينية المعروفة، ولم يعرفها الناس من قبل، ويوظفون لترويجها مختلفَ وسائل التأثير على الرأي العام، ويختلقون من أجل زجِّ الناس فيها شائعاتٍ تثير الرغبةَ والشغفَ للانخراط فيها، تتناغم وأذواقَ عامة الناس، وتوقد مشاعرَهم، وتثير حساسياتِهم النفسية، وتفجّر ذاكرتَهم الطائفيةَ الجريحة.

في هذا النمط من التديّن يلتبس مفهومُ المقدّس، فيجري تقديسُ غيرِ المقدّس، ويُنسى المقدّسُ. إنه تديّنٌ تفترسه الوثنيةُ والخرافة، وهو أشبه بالشعوذة منه بالتديّن. ويستهلك في هذا النمط من التديّن ما هو شكليّ كلَّ ما هو أخلاقي، وتنضب منابعُ إلهام الروح فيه. في هذا التديّن يزحف المقدّسُ على ما هو دنيويّ فتتقدّس أشياءُ وأيامُ وأماكنُ غيرُ مقدّسةٍ بمرور الزمان، وتتفشّى ظاهرةُ تقديس أشخاصٍ لا يمتلكون الحدَّ الأدنى من طهارةِ الروح وسلامةِ القلب وصحوةِ الضميرِ الأخلاقي. ويجهض هذا النوعُ من التديّن محاولاتِ إحياء الحياة الروحية، والتربيةَ على القيم الأصيلة، وبناءَ التفكير العقلاني. التديّنُ الشعبويّ يصيّر العقلَ رميمًا، ولا يضع المقدّسَ في حدوده إلّا العقلُ. إذا لم يضع العقلُ حدودًا للمقدّس يمسي كثيرٌ من الأشياء غيرِ المقدّسة أوثانًا، بل يمسي المقدّس وثنًا. وكلّما اتسع تقديسُ غير المقدّس انحطت مكانةُ الإنسان، وأُهدرت كرامتُه، وانطفأ ضميرُه الأخلاقي، وتشوهّت حياتُه الروحية، وتبلّدت حاستُه الجمالية، ودخلَ عقلُه حالةَ سبات.

وهناك نمطٌ آخر من التديّن وهو التديّن السياسي، ظهر منذ تأسيس الأخوان المسلمين سنة 1928، وتعزّز حضورُه لدى الجماعات الدينية التي نشأت بعد ذلك، وهو تديّنٌ مسكونٌ بالسياسة، لذلك يقترنُ بالسعي للاستحواذِ على الدولة والسلطة والثروة. وهو ضربٌ من التديّنِ استبدت الغايةُ السياسيةُ للدينِ في أدبياتِاته وثقافته وما تنشده أحلامُه، فحجبت المنخرطين فيه عن تبصّرِ أيّ أفق روحي وأخلاقي وجمالي للمعنى الديني خارجَ هذه الغاية. لذلك لا يعبأ هذا التديّن كثيرًا بالقيم والحياة الروحية، ويحرص على الشكل، ولا يهتمُّ بمضمونِ الشريعة ومقاصدِها.

لقد تفشّى هذا الشكلُ من التديّن لدى الجماعاتِ الدينيةِ في نصفِ القرن الأخير، بعد أن غادروا المرحلةَ السريّةَ في عهد الأنظمةِ القمعيةِ، وتخلّصوا من بطش الحكّام المستبدّين، وتفاقمَ بشكل مخيف بعد وصول هذه الجماعات للسلطة. وينكشف ما هو مُضمَرٌ في هذا التديّن لحظةَ تستحوذُ هذه الجماعاتُ على السلطة، إذ يفتقرُ تديّنُ بعض رجال السلطة من أتباعها إلى الأخلاق، ويتراجع حضورُ الحسِّ الدينيّ لدى أكثر من يحتل موقعًا في السلطة، بالشكل الذي يمنعه من تجاوز الحدود التي يسمح بها القانونُ والأخلاقُ والشريعةُ.

وبغيةَ الاحتفاظ برصيده الديني في الجماعة التي ينتمي إليها يحرص رجلُ السلطةِ على تبرير سلوكه ومواقفه من خلال اللجوء إلى الحيلِ الفقهية، وفتاوى "مجهول المالك"، وكلِّ ما يسوّغ له الاستحواذَ على المال العام، فيتخذها قناعًا يختفي سلوكُه اللامشروعُ خلفَه.

تحرص الجماعاتُ الدينيةُ في تربية أفرادها على التمسّك الحرفيّ بالأحكام الفقهية، لأنها لا ترى حدودًا للإسلام خارجَ المدونة الفقهية، وتشدّد في أدبياتها على ما يخصّ الفكر السياسي، والتكييفَ الفقهي للسياسة والإدارة والاقتصاد والمصارف والمؤسسات المتنوعة في الدولة.

وينتج عن اقترانِ التربية في هذا التديّن بالتخويف، حالاتُ حذرٍ وتوجّسٍ وسوءِ ظن بالآخر، لذلك تضمحلّ فيه منابعُ محبةِ الناس والعفو والغفران والرحمةِ في التعامل معهم، بل يتحول أحيانًا إلى بيئةٍ لنموّ نزعاتِ الكراهية.

حدودُ التسامحِ ضيقةٌ في هذا النمطِ من التديّن، فهو غالبًا لا يعرف حقَّ الإنسان في الخطأ، ولم يتكرّس في تقاليد التربية في هذا التديّن الحقُّ في الاختلاف، لذلك لا يستطيع أغلب الأشخاص الذين يتمسكون بهذا النوع من التديّن تحمّلَ أصحاب المعتقدات الأخرى، ويتعذّر على كثيرٍ منهم العملُ مع من يختلف معه في رؤيته للعالم، ويصعب عليهم قبولُ التفكير الذي لا يتطابق مع تفكيرهم، لذلك نجدهم عندما يتحدثون عن المُختلِف يسود لغتَهم تخويفٌ منه، وتحذيرٌ من دسائسه ومكائده ومؤمراته. يعيشُ الشبابُ المنخرطون في هذا التديّن حالةَ توجسٍ من المختلف، بنحوٍ يصابُ فيه بعضُهم بالشلل النفسي في إدارة علاقاته خارج جماعته. وأحيانًا تصلُ الحالةُ عند بعض أفراده إلى أن يتحولَ هجاءُ المُختلِف واتهامُه إلى مهنته الأبدية، بل ربما يشعرُ أن استمرارَ حضوره في العالَم يقترنُ بهجاءِ المُختلِف والانشغالِ به، من دون أن ينشغلَ هو بنفسِه وإصلاحِ أحواله. وتشيع بين أفراده كتاباتٌ تضع  المسلمَ في مواجهة أبدية مع العالم1 ، ونتيجةً لانتشارِ هذه الكتابات وتأثيرِها الشديد يولد موقفٌ عدائيّ من كلِّ ما ينتمي للغرب الحديث، ويمتدّ ليشمل مختلفَ العلوم والفنون والآداب وكلَّ ما يمثّل معارفَ الحداثة وقيمَها ومكاسبَها. ومن الطريف أن بعضَ أشدِّ الكتاب مناهضةً لقيم الحداثة ومعارفها يقيمون في الغرب، ويحملون جنسياتِه منذ سنوات طويلة، ويتشبّثون بكلِّ الحقوق والحريات التي منحتها لهم الحداثةُ السياسيةُ والأنظمةُ الديمقراطية في الدول الغربية.

في تقاليد هذا التديّن يعجزُ أكثرُ الأفراد عن بناء الذات، لأنهم يستهلكون كلَّ طاقتهم بمعارك أكثرُها مُفتعَلٌ مع المُختلِف، وتبعًا لذلك يعجزون عن بناءِ العقول والأرواح والضمائر والأوطان.

وهناك نمطٌ آخر للتديّن يتمحور حول الفتاوى الواردةِ في المدونة الفقهية، ويهتمُّ بتطبيق الفتاوى حرفيًا على كلِّ واقعة في الحياة الشخصية والاجتماعية، تُختزَل في هذا التديّن الشريعةُ بالفقه، ولا يكترثُ كثيرًا بتربية الروحِ، وترسيخ الضميرِ الأخلاقي، وتنميةِ الذوقِ الفنيّ، وإلهامِ الحسِّ الجمالي، مادام المتديّنُ مُلتزِمًا بتطبيق الفتوى على الواقعة الحياتية. نجد أحيانًا في هذا النمطِ من التديّن ما هو أخلاقي، لكن طالما صار هذا التديّنُ غطاءً للتديّن الشكلي.

لا يشدّدُ هذا التصنيفُ للتديّن على أن كلَّ نمطٍ من أنماطه المذكورة مستقلٌ بذاته ولا يلتبسُ بغيره، فالتديّن الشعبي يتداخل أحيانًا بما هو شعبوي، والتديّنُ الشعبوي أوضحُ مثال للتديّنِ الشكلي، وأحيانًا يكونُ التديّنُ السياسي مثالًا للتديّن الشكلي.

كما يشير تصنيفُنا لأنماط التديّن إلى أن الدينَ يتخذُ شكلَ المحيط المجتمعي الذي يحلُّ فيه، ويصطبغُ بنوع الشخصية البشرية وطبيعةِ العمران ومختلف الظروف التي يعيشها الناس. الدينُ مثلما يؤثّرُ في حياة الناس يتأثرُ بثقافاتِهم وتقاليدِهم وطرائقِ عيشهم. وهذا يعني أن حضورَ الدين بالشكل الذي يكون معه فاعلًا إيجابيًا في البناء والتنمية يتوقفُ على نمطِ تديّنٍ مُلهِمٍ للروح والضمير الأخلاقي والحسّ الجمالي، ويرتبطُ ذلك عضويًا بإعادةِ بناءِ أنظمة التربية والتعليم في ضوء مكاسب العلوم والمعارف الحديثة، والاهتمامِ بالقيم الكونية المشتركة بين البشر، وخلقِ وعي جديدٍ مواكبٍ للتحولات الكبرى في العالم.

 

د. عبدالجبار الرفاعي

................

مثل: " قادة الغرب يقولون دمروا الإسلام أبيدوا أهله" لجلال العالم، وعشرات العنوانات غيره. كان الدعاةُ السلفيون يوزعون هذا الكتيب بكثافة في مدارس الخليج والسعودية. وهو كتيب يعتمد إثارة الشباب واستفزاز غيرتهم الدينية، من خلال نقل معلومات تخويفية، كثير منها ليس دقيقًا ومضلل.

 

عبد الجبار الرفاعيأعني بالتديّنِ الشكلي ذلك النمطَ السطحي المجوّف من التديّن، المفرّغَ من نبضِ الحياة الروحية، ووهجِ الضمير الأخلاقي، الذي يضع معاييرَ ظاهريةً شكليةً تُقاس درجةُ التديّن بمدى الالتزام بها، بغضّ النظرِ عن بناءِ الكيان الداخلي للمتديّن. وكثيرًا ما ينتهي التديّنُ الشكليّ إلى تديّنٍ زائفٍ يمحق روحَ الدين، بعد أن تنطفيءَ فيه جذوةُ الإيمان، وتتهشم القيم، وتتحوّل المفاهيمُ المولّدةُ للطاقة الروحية إلى مفاهيم محنطة، وطالما تحوّل هذا التديّنُ إلى نوعٍ من الفلكلور المبتذل، لذلك كان سببًا أساسيًا لنفور الناس من الدين.

ويتداخل هذا التديّنُ مع بعض الأنماط الأخرى، فالتديّنُ الشعبويّ أظهرُ أمثلة التديّن الشكلي، ويظهر التديّنُ الشكلي أيضًا بوضوحٍ في بعض حالات التديّن السياسي. وقد انتهى النموذجُ الذي صنعه التديّنُ الشكلي الى المبالغةِ في التشديد على السلوك الظاهري للمتديّن، وأسرف كثيرًا بالاهتمام بالشعائر والاحتفالات الجماعية، وانشغلَ بشكلِ اللباس، ولغةِ الجسد، وتعبيراتِ الوجه، ونوعِ الحركة والمشي، ونبرةِ الصوت، ما دعا أكثرَ المتديّنين بهذا النمط من التديّن لصناعة جدارٍ سميك بين شخصيته الحقيقية المحتجبة في داخله، وبين ما يُظهره للخارج من سلوك، وأفضى ذلك إلى انشطار الشخصية إلى كيانين: خارجي لا يشبه الداخلي، وداخلي لا يشبه الخارجي. وربما حاول بعضُهم أن يظهر بملامح غامضة، بغيةَ إخفاءِ شخصيته الداخلية وحجبِها عن الأنظار. وربما أسرف بعضٌ آخر في التمثيل بغيةَ إخفاء أكثر ملامح شخصيته، حتى صار ذلك الشخصُ لفرط التمثيل بلا ملامح.

تعرّفتُ في حياتي على شباب أصبحوا متدينين بهذا النمط من التديّن، وعندما تديّنوا افتقدوا بالتدريج لكثيرٍ من وضوحِهم وبساطتِهم وعفويتِهم وتلقائيتِهم ومباشرتِهم في التعبير عن أنفسهم، بعد أن فرضتْ عليهم بيئةُ التديّن الشكلي محاكاتَها بكلّ ما يتفشى فيها من تمثيلٍ زائف.

وصار همُّ المتديّن المزمنُ إيصالَ رسالةٍ للجماعة التي ينتمي إليها تعلن تديّنَه المفتعَل وتقواه الصورية. لذلك تراه حتى لو مارس عبادةً في السرّ كنافلة الليل مثلًا، يحرص على إفشائها وترويجها في العلن. ولو تطوّع بعمل خيري، يسلك الطرقَ المختلفةَ للإعلانِ عن عمله، وإن كان ذلك الإعلانُ مذمومًا في بعض الموارد في الشريعة، لأن كلَّ ما ينشده المتديّنُ الشكلي من فعلِ الخير هو إبلاغُ الآخرين كي يشهدوا على أنه متديّن. ويرمي المتديّنُ من الإعلانِ لجماعته عن أنه متديّنٌ الى الفوزِ باعترافِ الجماعة وثقتِها. وهو رأسُ المال الرمزي المهم الذي يحرص على امتلاكه، كي يوظفه في تعزيزِ نفوذه الاجتماعي، وتسويقِ شخصيته للاستحواذ على مواقعَ ومكاسبَ يسعي إليها، في مجتمع يشيعُ فيه هذا اللونُ من التديّن، وتحكمه تقاليدُه ومفاهيمُه.

وأظن أن هذا الضربَ من التديّن نشأ في قصورِ الخلفاء والسلاطين في عالَم الإسلام، ثم تسرّب بالتدريج إلى مجالاتٍ أخرى في المجتمعات الإسلامية. ومن قبله وُلد وترعرع في دولةِ الكهنوت الكنسي في أوروبا العصور الوسطى.

وطالما تقمّص التديّنَ الشكلي التجّارُ ورجالُ الأعمال وكلُّ من يسوّق البضائعَ للناس، ووظّفه السياسيون ورجالُ الحكم في المجتمعات الدينية. ويتغوّل هذا التديّن عادةً في مجتمعات تعتمده معيارًا في التوثيقِ والتصديقِ في المعاشِ والمعادِ.

الخوفُ ليس مصدرًا للأخلاق

تقترن التربيةُ في التديّن الشكلي بالخوف؛ لذلك يشدّد هذا التديّن على قيمة العنف في الحياة الدنيا،كما يستحضر على الدوام صورَ العذاب الأخروي، والمشاهدَ التي تثير الهلعَ في الحياة الآخرة. ويسود اعتقادٌ لدى أكثر المتدينين بهذا النوع من التديّن أن الأخلاقَ لا تولد إلّا من الخوف، ولا يمكن بناءُ الفرد والمجتمع الصالح من دون خوف، وكأنهم لا يعلمون ان تأمينَ حقوق الإنسان وحرياته هو الضمانة الحقيقة لحماية الفرد والمجتمع من الأمراض الأخلاقية والنفسية.

الخوفُ ليس مصدرًا للأخلاق، فربما تجد من يخاف حدَّ الهلع لكنه ليس أخلاقيًا، وربما تجد من كان يبدو أخلاقيًا قبل امتلاكه السلطة والثروة، غير أنه لحظةَ يمتلكهما تنكشف شخصيتُه اللاأخلاقية. الخوفُ لا يصنع أخلاقًا، ولا يخلق إنسانًا أخلاقيًا، الخوفُ يغطي لاأخلاقيةَ بعض الناس، لذلك يُفتضح الوجهُ الحقيقي لهؤلاء عندما يتخلصون من الخوف، كما نرى بعضَ الناس ممن يبدو أخلاقيا في الظاهر حين يكون فقيرًا، غير أنه لو استغنى ينزعُ الغطاءَ الأخلاقي الزائف، وبعضَ الناس ممن يبدو أخلاقيًا إن كان ضعيفًا لا يمتلك سلطةً أو نفوذًا، لكنه لو امتلك أيَّ شكل للسلطة تنكشف شخصيتُه اللاأخلاقية فيستبدّ ويطغى.

يستفيق الضميرُ الأخلاقي بالتربيةِ الصالحة، وتأمينِ حقوق الإنسان وحرياته، والبناءِ السليم للمجتمع... بناءُ الأخلاق على الخوف لا يؤسّس أخلاقًا أصيلة، ولا يبني مجتمعًا أخلاقيًا، وكثيرًا ما ينتهي إلى ازدواجيةٍ ونفاقٍ سلوكي.

للأخلاقِ قيمةٌ بذاتها، ذلك أن الحَسَنَ حَسَنٌ بذاته، والقبيحَ قبيحٌ بذاته. ويستمدّ الفعلُ الأخلاقي قيمتَه من كونه فعلاً أخلاقياً لا غير، وذلك ما يجعل أثرَه يظهر مباشرةً على حياةِ وسلوكِ فاعله قبل غيره. جوهرُ الفعل الأخلاقي أنه واجبٌ لذاته بغضّ النظر عن نتائجه، فلو حاول شخصٌ إنقاذَ غريقٍ فإنه قام بفعل أخلاقي، سواء أفلح بذلك أم لم يفلح. للوجودِ ذاكرةٌ أخلاقيةٌ لا يُمحى فيها أثرُ أيّ فعل أخلاقي، لذلك يُعلِن الفعلُ الأخلاقي باستمرار عن نفسه ويتحدّث عن فاعله، ويفرض احترامَه على كلّ إنسان.

أساسُ الأخلاق أحكامُ العقل العملي. وهذا العقلُ هو الذي يحكم بقبحِ الكذب وحسنِ الصدق، وقبحِ الخيانة وحسنِ الأمانة، وقبحِ الظلم وحسنِ العدل. وهو المرجعيةُ في كلّ ما هو حسن أو قبيح، وفي ما نجده من قيم أخلاقية كلية في البنية العميقة للمجتمعات البشرية التي لم تتعرّف على الوحي الإلهي، فلو لم تكن هناك نواميسُ كونيةٌ للقيم والأخلاق، وكان كلُّ حُسن يحيل إلى ما يُحسّنه الوحي، وكلُّ قُبح يُحيل إلى ما يقبحّه الوحي، فسيفضي ذلك إلى تفريغِ الأخلاق من مضمونِها، وغيابِ أيِّ فعل أو سلوكٍ أخلاقي في المجتمعات البشرية التي لم تعرف الوحي. وعلى الرغم من أن تلك المجتمعات لم تعرف الأديانَ الابراهيمية، ولم تصل اليها تشريعاتُ الوحي، فإن تاريخَها يبرهن على أن هناك حضورٌ للكلمات والأفعال الأخلاقية في حياة وسلوك الفرد والجماعة، وأنها تدرك أن للكلمات والأفعال الأخلاقية الأصيلة بصمةً في ضمير العالم.

منابع التديّن الشكلي

يتغذّى التديّنُ الشكلي في مجتمعاتنا من العائلة والمدرسة والعشيرة والمجتمع والسلطة السياسية، كلُّ هذه المؤسّسات تتولى تدجينَ الطبيعة البشرية، وتعمل على تنميطها، فتبثّ الرعبَ ببراعةٍ في القلوب، وتسقي العقولَ والمخيلة أوهامًا خادعة، حتى تودعها في صندوقٍ مقفل. الخداعُ الذي يتغذّى منه المتديّنُ يتضخّمُ ليضفي على ذهنه قشرةً واهيةً، تشعره بتوهم معرفة كلِّ شئ، وأنه على صوابٍ دائمًا، ويترسّخ لديه توهمُ القوة والإنجاز، لذلك لا يجرؤ على أن يعبّرَ عن شعوره العميق بالعجز وعدم القدرة والضعف، خشيةَ الازدراء في مجتمعه، ولئلا يفقدَ تلك الهالةَ الزائفةَ التي تحملتها شخصيتُه وصدّقها.

ويتغذّى التديّنُ الشكلي أيضًا من الازدواجية ويغذّيها، إذ يعملُ هذا التديّنُ على تغذيةِ وترسيخِ الجذورِ العميقة لانشطار الشخص إلى كيانين، كيانٍ باطني يعبّر عنه كما هو في ذاته، وكيانٍ ظاهري يحاكي ما يحقّق له حضورًا ومكانةً مجتمعية، وهذا الكيان لا يعبّر عنه إلا بالشكل الذي يريده الناس، لذلك يفرض عليه ارتداءَ أقنعةٍ تختبئ خلفَها شخصيتُه الباطنية.

كذلك يتغذّي التديّنُ الشكلي من تقاليد التربية والتنشئة المجتمعية التقليدية ويغذّيها. وأكثرُ هذه التقاليد ليست واقعيةً، لأنها على الضدِّ من الطبيعة البشرية، وتتنكر لكثيرٍ من احتياجاتها الأساسية. فهي مثلًا لا تكشف مكامنَ الضعف الطبيعية للإنسان، ولا تكترث بهشاشةِ الكائن البشري وعجزِه الطبيعي، وتشدّد على الدوام على إضفاءِ قوّةٍ وهميةٍ على الأشخاص، والإعلاءِ منهم، ومن تفرّدِهم الاستثنائي بكلِّ شيء، وتفوّقِهم على كلِّ شخص سواهم. وتبدأ هذه الأساليبُ في مرحلة الطفولة، فمثلًا من أسوأ الأخطاء التربوية التي يرتكبها أكثرُ الآباء والأمهات في المجتمعات التقليدية، وعادةً ما يدفع الأطفالُ فاتورتَها مع تقدّم عمرهم، هي ترسيخُ قناعات زائفة عند الناشئة بأنهم أكبرُ من مرحلتهم العمرية، والعملُ على ترويضهم وتدجينهم باستمرار على أن سلوكَ جيلهم هو عبثٌ وطيشُ صبيةٍ غيرُ متزن، لا يليق بعقلهم ومكانتهم وشخصيتهم، ويجد ذلك تعبيرَه بوضوح في حرمانِهم من اللعب، ومنعِهم من العبث البرئ في طفولتهم مع أقرانهم، الذي يتكفّل ببناءِ مَلَكةِ التفكير، وانبثاقِ قدرات الإبداع والابتكار، وإيقاد فاعلية المخيّلة في أذهانهم.

ويتغذّى هذا التديّنُ من استبدادِ السلطة، والأنساقِ العشائرية الراسخة في مجتمعنا وما تشدّد عليه من روحِ الانقياد والإذعان، ويغذّيها. الاستبدادُ أخطرُ منابع التديّن الشكلي، فكلُّ استبدادٍ ينشد التطابقَ وإنتاجَ نسخٍ متماثلة للكائن البشري، ويعمل على محوِ الاختلاف، ومن ثمّ طمسِ الخصوصيات الذاتية للفرد، لأن الاستبدادَ لا يتمكن من إنجاز ما يرمي إليه إلّا بالعمل على محوِ الذات الفردية. على الرغم من أن كلَّ من يريد أن يكرّره الآخرُ لا يفهم الذاتَ البشرية وطبيعتَها المتفرّدة التي يتعذّر محوُها. الفرديةُ هي الهويةُ الوجودية للكائن البشري، فكلُّ كائنٍ بشري لا يتطابق كلّيًا إلّا مع ذاته. ولأن الذاتَ يتعذّر محوُها تمامًا، لذلك تفضي أساليبُ تربية الأنظمة المستبدّة إلى الإصابة بالازدواجية وتفشّي النفاقِ السلوكي، وعلى أثر ذلك تتعدّد أقنعةُ بعض البشر بعدد المواقفِ والحالاتِ التي يكون فيها، والأشخاصِ الذين يخاطبهم. ويلبث الشخصُ من هؤلاء كلَّ حياته منفيًا خارج ذاته،كلَّ مرة يعيش حياةً شخصيةً أخرى مُستعارَة، وكلُّ حياة بشخصية مستعارة نمطُ حياةٍ ينفي الحياة.

وأحيانًا يستفيقُ الشخصُ المدجّنُ على تقاليد التديّنِ الشكلي وينتفض ليعود إلى شخصيته الحقيقية، لأن الطبيعةَ البشرية ينهكها التزويرُ والتمثيلُ الزائف الذي يُكره عليه الإنسانُ في مختلف المواقف. الطبيعةُ البشريةُ صلبة جدًا، تقاوم بصمتٍ من يعبثُ بها، لذلك يرتدّ انتهاكُها على ذات الإنسانِ فيترسب على شكلِ عقدٍ نفسية.

نتائج التديّن الشكلي

يرادفُ التديّنَ الشكلي أحيانًا ازدواجيةٌ ونفاقٌ سلوكي، وادعاءاتٌ ومزاعم، وحيلٌ فقهية، وتوريةٌ، وإظهارُ الحياءِ والعفّة والتواضع المصطَنع، وكثرةُ الكلام في الدين والفقه، والجدلُ العقيم والثرثرةُ في قضايا دينية هامشية، والإلحاحُ في السؤال، وطلبُ فتوى الفقيه لكلِّ شيء يقوله أو يفعله المتديّن، وربما تتورم حالتُه فينتهي إلى مرضٍ نفسي واضطرابٍ ذهني وسلوكي.

المتديّنُ الذي ينخرطُ في هذا النمط من التديّن يهمّه التسويغُ الفقهي لفعلِه وقولِه، مهما كان أثرُه السلبي على حياتِه الروحية والأخلاقية، ومصيرِه الأخروي، وإن كان سلوكُهُ مضرًّا بمصالحِ الناس ومعاشِهم، فهو يحرص جدًّا على أن يعثرَ على فقيه، وما أكثر من يدّعي الفقاهةَ اليوم، يفتي له بجواز فعلِ أو قولِ ما يريده، وإن كان ذلك الفعلُ أو القول قبيحًا على وفق أحكامِ العقل العملي "الأخلاقي"، أو كان يهدم العمرانَ وعلى الضدّ من بناءِ الأوطان، أو كان ذلك الفعلُ أو القولُ يجرح الروحَ وينتهك الضميرَ الأخلاقي.

شاهدتُ وأشاهدُ باستمرار في حياتي، ويشاهد كثيرٌ ممن عاش في مجتمعات دينية، أفعالًا يومية على نمطِ هذا التديّن الشكلي في سلوك ومواقف أكثر من نتعامل معهم. لأن التديّنَ الشكلي أكثرُ أشكال التديّن شيوعًا في مجتمعاتنا، فهو يتحكّم في العلاقات الاجتماعية بين المتدينين، وتسود القيمُ الشكلية التي أنتجها حياتَهم، وهي التي تحدّد أنواعَ اهتماماتهم وأحكامهم.

وأحيانًا يتحولُ التديّنُ الشكلي إلى غطاءٍ لبعض الأمراض النفسية التي تتخذ من هذا النوع من التديّن قناعًا لها. ويمكن تشخيصُ سلوكيات مصابين بأمراض نفسية يتخذون من التديّن العنيف والمتشدّد والمتنطّع والمُغالي أقنعةً يتلفعون بها، وتظهر تعبيراتُ هذه الأمراض النفسية بأشكال متنوّعة، فنقرؤها أحيانًا في اللغةِ وأساليبِ التعبير، ونسمعها في الصوتِ الذي قد يتمثّل في نغمة تخدش السمع، أو نراها على شكلِ تعبيراتٍ في الوجه تثير القرف، أو حركاتٍ منفّرة في لغة الجسد، أو أنماطٍ عنيفةٍ في التعامل مع الآخر. فقد يكون الشخصُ مصابًا بوسواس قهري1 ، فتظهر لديه حالاتُ مبالغةٍ في الاحتياطات الفقهية في كلّ شيء، وإغراقٌ في تكرارٍ مملّ للغسل والوضوء، والصلاة، ومناسك الحج، وغيرِ ذلك من العبادات.

وربما يكون الشخصُ مصابًا بشيزوفرينيا حادّة فيظهر ذلك المرضُ في تديّنه، ويصير التديّنُ غطاءً لسلوكه العدواني. وربما يكون ساديّا فيتلذّذ بذبح البشر. وربما يكون مازوشيا فيتلذّذ بتعذيب جسده بممارسات تعنّف الجسد، وربما يتفجّر مخزونُ الكبت المتراكم لديه فيرتدّ بشكلٍ عنيف ضدّ جسده، كأولئك الذين يجرحون رؤوسَهم في ولائم دامية بذريعة أداء الشعائر. وربما يكون المتديّنُ مصابًا باكتئابٍ شديد، فتراهُ كمن يقيمُ في كابوسِ حزنٍ مزمن، وتنعكس بعضُ أعراض اكتئابه في عباداته، وفي مختلف أشكال سلوكه وأساليب تعامله مع الناس. وغير ذلك من الأمراض النفسية المختلفة التي تتخذُ من التديّن قناعًا تختفي خلفه.

وقد يتحول التديّن الشكلي إلى غطاءٍ لبعض الأمراض الأخلاقية، علمًا بأن هناك صلةً عضويةً بين بعض الأمراض النفسية والأخلاقية، لكن الأمراضَ الأخلاقيةَ أشدُّ فتكًا في المجتمع من الأمراض النفسية والجسدية، والعدوى فيها لا تختلف عن عدوى الأمراض الجسدية المعدية، وتشتدُّ هذه العدوى إنْ سقط بعضُ الشباب ضحايا في أحضان معلّم يغطّي تديّنُه الشكلي مرضَه الأخلاقي. أعرف شبابًا مهذبين أمسوا من ذوي العاهات الأخلاقية عندما تلمذوا على معلّمين مصابين بأمراض أخلاقية حادّة.

وتنحرف الطقوسُ في التديّن الشكلي عن مقاصدها الروحية والأخلاقية. حتى الصلاة قد تتحول أحياناً إلى غاية بذاتها، وربما تصيرُ الطقوسُ وثنًا. توثينُ الصلاة مثلاً يصاب به بعضُ المتدينين، وتظهر أعراضُه على شكل اضطرابٍ وضوضاءٍ وهوسٍ وقتَ الصلاة. وأحيانا يصبح الغرقُ في التديّن الطقوسي ضربًا من التعبير عن شغفٍ بسلطةٍ مُشتهاة. عندها يجري توظيفُ الطقس قناعًا لتكريسِ سطوة الشخص على من حوله، بمعنى أن مثلَ هؤلاء ينشدون سلطةً دنيوية، أكثر مما ينشدون إثراءَ حياة روحية وأخلاقية. لذلك يتعرض من يتعاملون معهم إلى ضربٍ من العنف الرمزي المنبعث من أجسادِ هؤلاء المهووسين بالطقوسِ، ولغتِهم، وأساليب تعاملهم مع الناس، فترى بعضَهم يعيشون حالةَ انفعالٍ وتوترٍ شديدين، ولا تخلو ممارستُهم الطقسَ من تكلّفٍ وتعبيراتٍ تشي بالشغف بسلطةٍ منشودة، وكأنهم لا يفتؤون عن تنبيه الآخَر بسطوتهم، اثر إشعاره بتفوّق مقامهم الروحي.

في التديّن الشكلي طالما عجزَ الإنسانُ عن البوح والاعتراف، لذلك نجد بعضَ الأشخاص يمارس مراوغةً مبتذلة في التعبير عمّا يريده، ويظهرُ العجزُ عن البوح والاعتراف في المذكرات الشخصية بوضوح، إذ قلّما نطالع في مذكرات من يكتب في مجتمعاتنا اعترافات، خلافًا للغربيين الذين نقرأ في مذكراتِهم الشخصية كثيرًا من البوح والحديث المكشوف. إنها اعترافاتٌ شجاعة تبوحُ بطبيعتهم البشرية التي تختزن ضعفَهم وهشاشتَهم وقلقَهم وعبثَهم وأخطاءَهم وتناقضاتهم.

لم يكن هذا الشكلُ من التديّن في يوم ما حلًا لمشكلة، بل كان وما زال، هو المشكلةُ في عالَم الإسلام، فمن الآثارِ الخطيرةِ للتديّن الشكلي أن لادينيةَ أكثرِ الشباب اليوم هي احتجاجٌ على هذا النمط من التديّن، إنها احتجاجٌ على نمطِ تديّنٍ يغيبُ فيه الضميرُ الأخلاقي، تديّنٍ يُفقِر الحياةَ الروحية، تديّنٍ يعجز عن تذوق جماليات الوجود، تديّنٍ ضد الفنون، تديّنٍ ضد الفرح، تديّنٍ حزين، تديّنٍ كأنه اكتئاب.

وأودُ الاشارةَ إلى أن هذا التصنيفِ الذي اقترحتُهُ للتديّنِ جاء محصلةَ خبرةٍ في الحياة الدينية، وعيشٍ داخل جماعات متدينة، وكنت اهتمّ منذ وقت مبكر برصد تمثلاتِ الدين وتعبيراتِه في سلوك الفرد والجماعة، وما ينبغي أن ينتجه من آثارٍ عمليةٍ، يفترضُ أن تجدَ تعبيرها الأخلاقي في سلوك المتديّن.

في هذا التصنيفِ لم أجد الحدودَ صارمةً بين كلِّ واحدٍ من هذه الأنماطِ والآخر، بل وجدتُ التديّنَ الشكلي مثلًا يتداخلُ مع تعبيراتِ التديّنِ الشعبوي، كما يتداخلُ مع شيءٍ من تعبيراتٍ لأنماطِ تديّنٍ أخرى. وقد تنبهت لذلك منذ أكثر من ثلاثين عامًا، كما أشرتُ لبعض هذه الأنماط منذ أكثر من عشر سنوات في بعض كتاباتي، وبعد ذلك كتبتُ مُخطّطًا أوليًا لهذا التصنيف في مقالةٍ نشرتها قبل ست سنوات، أدرجتُ فيها هذه الأنماطَ وشرحتُها بإيجازٍ شديد.

 

د. عبدالجبار الرفاعي

.....................

1- "الوسواس القهري أفكار أو إلحاحات وساوس متكررة لا يمكن السيطرة عليها. سلوكيات أو أفعال عقلية متكررة يشعر الفرد بأنه مجبر على أدائها". مجموعة مؤلفين. علم النفس المرضي. مكتبة الأنجلو المصرية، 2016، فصل 7 "الوسواس القهري والصدمة والاضطرابات المرتبطة بهما"، ترجمة: د. ملك جاسم الرشيد، ص 399. "الوسواس القهري اضطرابٌ نفسي يشعر فيه المصابُ أنّ فكرةً معيّنة تلازمه دائمًا، وتحتلّ جزءًا من الوعي والشعور لديه بشكلٍ قهري، أي أنّه لا يستطيع التخلّص أو الانفكاك منها، مثل الحاجة إلى تفقّد الأشياء بشكل مستمر، أو ممارسة عادات وطقوس بشكل متكرّر، أو أن تسيطر فكرةٌ ما على الذهن بشكل لا يمكن التفكيرُ بغيرها. كما يعرّف الوسواس القهري بأنّه فكرٌ متسلّط وسلوك جبري يظهر بتكرار لدى الفرد، ويلازمه ويستحوذ عليه ولا يستطيع مقاومته، رغم وعيه بغرابته وعدم فائدته؛ ويشعر بالقلق والتوتر إذا قاوم ما توسوس به نفسُه، ويشعر بإلحاح داخلي للقيام به". جيهان سيد بيومى القط. عمليات الممارسة في خدمة الفرد. حلوان - مصر: مكتبه دار السحاب، 2015، ص 179.

 

نبيل دبابشلقد كنا بالأمس ونحن طلبة جامعيون نميز بين نوعين من المثقفين، مثقف عضوي راديكالي بسبب انتماءه إلى النشاط النضالي الحزبي وتمسكه بأبجديات الممارسة السياسية المنصوص عليها في المنشورات الثورية – وفق تصنيف غرامشي-، وبين مثقف السلطة الذي اختار أن ينتسب إلى مشروع المؤسسة الحاكمة ليكون صوتها لدى الجماهير في مجال الكتابة وإنتاج المعنى وفق أجندة مناسباتية...لم يكن حينها التميّز بين المثقف السلطوي والمثقف الأصولي قائما بشكل واضح .بل هما – في الغالب – يحملان نفس الرؤية وينتجان نفس الخطاب بأسلوبين مختلفين.

غالبا ما كان مثقف السلطة هو من يحتكر إلى جانب الفضاءات العمومية ، قيم المواطنة والوفاء وشرعية الخطاب، في مقابل المثقف العضوي الذي لم يلق إلا التخوين والإقصاء بسبب عداءه لأيديولوجية الدولة الوطنية وأساليبها في معالجة الانشغالات الاجتماعية، بعد أن كان في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي هو من يمثل الخطاب الشرعي. نعم تغيرت الأحكام والمراتب بتغير موازين القوى.

سؤالنا اليوم، هل تغير الوضع كثيرا ؟

 وهل التصنيف السابق يصدق على واقعنا المعاصر بعد انتهاء عصر الإيديولوجيات وتراجع الأصوليات المختلفة، وبعد أن ساهمت الانتفاضات الشعبية بدءا من 2010م في زعزعة مصداقية الدولة الوطنية وما تركته من منظومة معرفية كبيرة لا تزال تتحكم في كتابة برامج التعليم والإعلام؟... اننا نظن بأن تلك الثنائية لم تعد تملك حظوظا كبيرة في تفسير الواقع في هذا الظرف التاريخي، وأن ذلك التصنيف لن يكون صادقا بما فيه الكفاية لو اخترنا الاعتماد عليه.

ربما نفضل– اليوم- تصنيفا أخر نظنه اقرب إلى الواقع. يتمثل في الفصل بين مثقف في التاريخ ومثقف خارج التاريخ، بين مثقف نقدي يعيش مشكلات زمانه المعرفية أو الاجتماعية بوعي ومشاركة، يسعى إلى الكشف عن الآليات الخفية التي تتحكم في إنتاج المعنى في واقعنا، وبين مثقف أصولي يرى في اسئلة الواقع المتغير اختبار لوجوده الراكد والحالم، ولا يرى في حركية التاريخ إلا ذبابة تريد أن توقظه من نعاسه الجميل...

صار عندنا اليوم مثقف نقدي يعمل على تفكيك مجموعة كبيرة من المعطيات الفكرية والاجتماعية في سبيل تقديم قراءة أكثر وضوحا، ومثقف يتقمص دور الداعية ليعتقد في نفسه المسؤول الأول عن الغنم الضالة، ولا يرى في الوجود الاجتماعي إلا أخطاء تنتظر منه الوصاية. إن الاختلاف هو بين من يبحث عن الحقيقة ولا يدعي أبدا بأنه قد أدركها وبين من يرى الشيطان في كل شيء وهو وحده من يمتلك خاتم سليمان لتطويع ذلك الجن المارد، ثم يقر – ضمنيا - بعجزه على المواجهة في غياب القاموس الجاهز الذي ورثه عن القرون الماضية.

ليس بالضرورة أن يمثل دور الداعية ذلك المتدين الكلاسيكي– دائما -، بل قد يكون من بين المثقفين المحسوبين على التيار التقدمي أو ضمن الذين لم يفهموا الديموقراطية إلا بعد تجويفها من معانيها التاريخية. المشكلة هي في اسلوب الرؤية وفي مسافة التموقع من الحقيقة. الدوغمائية والتعصب إلى الرأي وتعظيم الخطأ كلها معايير تتنافى والموقف النقدي.

يردد الكثير من الباحثين في – أيامنا - عبارة عودة الديني إلى الفضاء العام بعد غياب طويل، والمقصود هو عودة الخطاب الديني وانتشاره بين الفئات الاجتماعية. نحن لا نوافق على هذا التصور، ربما لقصوره الواضح في مقاربة الواقع. بل نقول بوجود مراحل عرفها الخطاب الديني وصورا متعددة تميز بها خلال التاريخ فليس هناك غياب أو حضور، بل كل ما في الأمر هو انتقال من حالة إلى أخرى ومن وضع إلى آخر.

هي نفسها الحالة التي تميز بها الخطاب النقدي، فهو يتغير بتغير موازين القوى. قد يكون هو الخطاب السائد في مرحلة من التاريخ، أو عكس ذلك هو الخطاب المضطهد. لقد عرفت بغداد وقرطبة لحظات تاريخية عظيمة تعالت فيها أصوات العقل والإبداع لتشكل نموذجا لا يزال يلقى الإعجاب إلى يومنا هذا، ونقلت الينا المدونات اخبار ما كان يحدث من لقاء ونقاش بين الطوائف والملل في بيئة اتسمت بتغليب لغة المنطق والعقل، لتأتي بعدها مراحل الردة وانتشار كبير لمجالس التفتيش وحلقات التكفير.

المثقف النقدي هو صاحب رسالة من نوع خاص، ليس من الضروري أن يستمر التعامل معها بمعايير المنفعة التي نستعملها مع السياسي او كل نشاط ذو طبيعة إجرائية...للمثقف أسئلته وهواجسه فليس من المعقول أن نرى فيه بائعا للحلول أو ننتظر منه الحضور في كل مناسبة...يجب أن يعاد ترتيب المقاييس. رسالة المثقف لم تعد النهي عن المنكر والأمر بالمعروف...اذ قد يسهم بقلمه في تقديم تصورات حول مشكل اجتماعي أو سياسي ولكنها ليست رسالته الوحيدة.

قبل أن يحدثك عن فوضى المجتمع وتناقضات النشاط السياسي ، فان المثقف النقدي يبدأ - اليوم - بالحديث عن فوضى التفكير والحدود المنهجية لبعض الأنساق المعرفية والتصورات. هو لن يحدثك عن الواجبات والأحكام بقدر ما يشد بيدك للتفكير سويا في سياق عقلي أنجع يتجاوز الاختزالية المتوارثة عن المعطيات الأيديولوجية. هو لا يرى في السلوكيات الممنوع والمحرم بل التعدد والاختلاف، ولا يفكر ضمن الجاهز كما يريد له الاصولي، بل هو من يعلن الثورة على الجاهز ويسعى الى تفكيك اصوله وكشف المسكوت عنه. ليس في نية المثقف النقدي تأسيس خطاب منتهي او التشريع لبرنامج حياة، بقدر ما يهدف الى تقديم صورة اوضح عن المجال المعرفي والسوسيولوجي بعدما يقوم بتنقيتها.

ان صورة الاب والنموذج الناجح الجاثمة في ذواتنا هي نقطة انطلاق المثقف النقدي، الذي سيجد نفسه بسببها امام تحد كبير. القبول بها يعني السقوط في التفاصيل، رفضها يعني الدخول في صراع مع المحيط، وهنا يكمن سر معاناته.

ان نكون مثقفين اليوم يعني ان تكون لنا مواقف وليس مهن نتعلمها لنسترزق منها. من المؤسف ان الكثير من المثقفين الاكاديميين اختاروا الابتعاد عن الكتابة النقدية لأجل الاهتمام بمقتضيات الدرس والمحاضرة اي الانغماس في التفاصيل، وهو ما يميز الكثير من الاقسام الجامعية في المنطقة العربية، ويؤهل نسبة معتبرة من المتخرجين الى تبني الخطاب الدوغمائي...اننا في امس الحاجة الى فئة طلائعية، تؤسس لفكر نقدي جديد وتؤمن بضرورة احداث القطيعة الفكرية مع المنهجية التقليدية. لا نعتقد ان المؤسسة الجامعية في منطقتنا العربية تتوفر على الامكانات الكافية لصنع هذا النوع من النخبة في الظرف الحالي.

اذا كان خطاب المثقف التقليدي يتميز بالثبات، معتمدا على منهجية السلف دون اي تحيّين منهجي لمعطياتها بما يتطلبه الراهن او لأن معطياتها تحكمها الضرورة التاريخية ولذا يصعب كثيرا الاحتفاظ بها كاملة. فان المثقف النقدي لن يكون إلا بإحداث القطيعة مع اجيال من التصورات، من خلال انتاج خطاب يكشف المسكوت عنه ولا يتوقف عند الاسس والاصول بسبب قداستها بل يسعى الى اعادة قراءتها وتبيان الخلل الذي اراد المؤرخ ان يخفيه عنا . وفي هاته الحالة لا بأس ان نشيد بجهود الدكتور محمد المسيح في كتابه الصادر سنة 2018 م '' مخطوطات القرآن. مدخل لدراسة المخطوطات القديمة '' وجهود الباحث المغربي رشيد ايلال '' صحيح البخاري نهاية اسطورة ''. لما لهاته البحوث من قيمة في كونها كانت السباقة الى اعادة قراءة ما اصطلح على تسميته بالأصول والثوابت.

و نحن نتعمد اختيار النموذج من بيئتنا حتى لا يقال اننا ننسخ افكار الغرب لندمر بها دار الاسلام ونزيل بها مجد المسلمين وعزهم. الاسئلة التي ورثناها كثيرة ويصعب تعدادها، ولكن المشكلة التي نواجهها هي في قلة الجرأة وضعف الادوات.

كثيرا ما يرتدي المثقف التقليدي ثوب المثقف الحداثي والنقدي ليخفي اهدافه الايديولوجية او احيانا العنصرية والاقصائية ، وهي ليست ميزة التقليدي – عندنا – فحسب بل موجودة وبكثرة في بلدان اوروبا ..و لا بأس ان نشير الى كتابات اودون لافونتان Odon lafontaine حول الرسول (ص)، او منشورات سامي الذيب... فبالرغم من ان هؤلاء الباحثين يّدعون الانتساب الى الرؤية العلمية والنقدية فهم لم يعيدوا سوى انتاج خطاب القرون الوسطى، الذي تميّز بتفضيل ثقافة المنتصر واعلاء شأنها.

آن الوقت لفتح قارات جديدة من الاسئلة يساهم المثقف العربي فيها لأجل اعادة الاعتبار لوجوده المهدد بالزوال على حد تعبير ادونيس، مهدد بالانقراض لأنه عجز عن المشاركة في صنع تاريخه الراهن والمساهمة في انتاج المعنى الذي غالبا ما يلجأ الى استيراده جاهزا من مجتمعات اخرى.

مشكلة المثقف في المنطقة العربية واحدة، الانتظار المستمر ان توفر له السلطة كل ما يحتاجه وتهيئ له المناخ والامكانات. وكأنه لا يعلم لأي سلطة ينتمي؟...لا نريد السقوط في ابجديات خطاب الاسلام السياسي بتعداد مواصفات الزامية يتحلى بها المثقف النقدي، كأن نبدأ بجرد الخصال اللائقة والمباحة وتجنب المشبوهة او المكروهة. ولكننا نسعى – بكل بساطة – الى تقريب صورة النموذج الحي بوضعه بين هلالين.

فشلت الكثير من موجات الانتفاضة الشعبية في المنطقة العربية بسبب غياب المثقف النقدي الذي يعطيها معنى، ويخرجها من سياج العاطفة والحاجة لتصبح مشروع مجتمع جديد...ربما لان الظرف التاريخي وتسلسل الاحداث لم يوفر الوقت او الفرص التي قد يحتاجها المثقف لإبداء رأيه بكل حرية، ورغم ذلك نعتقد انه لا يزال في وسعه ان يقدم الكثير .هذا هو عصرنا ولا خيار امامنا ان اردنا ان نعيشه برؤوس عالية وبحضور حقيقي،علينا ان نمارس وجودنا ثقافيا هو اهم ما نحتاج اليه.

هل يمتلك المثقف العربي مشروع معرفي بمعزل عن الخطاب الايديولوجي المتداول منذ خمسينيات القرن الماضي او قبلها بقليل ؟ لا اعتقد ذلك ولا نتفق مع الدكتور على حرب عندما ذهب الى القول باننا نساهم في صنع الحداثة من خلال مناقشة قضاياها عربيا. اظنه فرق كبير بين أن تترجم مفاهيم كبيرة َأنتجها عقل غريب وبين أن نكون السباقين الى توليدها من رحم بيئتنا.

ذلك هو ما يجعل من المثقف نقديا. أن يمتلك مشروعا لمجتمع ومشروعا للعقل.

 

نبيَــــل دبابـــــش.

 كاتب من الجزائر

 

محمود محمد عليقليلون أولئك الرجال الذين يعيشون وفق ما يكتبون، ويظهرون ما يضمرون، ويعملون بما يؤمنون، ولا ريب في أن ماجد الغرباوي، والذي لم أعرفه شخصياً إلا من خلال عدة أسابيع فقط، حين طلبت من أخي الدكتور مجدي إبراهيم (أستاذ الفلسفة بجامعة العريش) أن يتوسط لي عنده بالنشر في صحيفة المثقف، وبدأت علاقتي به من خلال الماسينجر، حيث أهديته أول نسخة الكترونية من كتابي " حروب الجيل الثالث ونظرية تفتيت الوطن العربي"، ومنذ ذلك الوقت بدأت أتابعه عن كثب من خلال ما كتبه أو ما كُتب عنه، وسعدت كثيراً بالتكريم الذي حظي به في يوم الأحد الماضي من قبل منتدى الجامعيين وجمعية الاكاديميين بأستراليا.

وماجد الغرباوي من خلال قراءاتي له في تلك الفترة الوجيزة اكتشفت أنه مفكر جدير، إذ يُعدّ أحد القامات الفكرية العراقية - العربية التي آلت على نفسها الجمع بين النظرة العقلية الغربية والتراث الإسلامي في معالجة القضايا الفكرية، وهي تلك النظرة التي كشفت له عن العديد من الأفكار المهجورة في الفكر الإسلامي، وفي علاقة الإسلام بالآخر والقضايا الفكرية الآنية، ويحسب له أنه موسوعي الثقافة مستنير الفكر، فهو الذي كتب عن نقد الفكر الديني، والتسامح، والعنف، والحركات الاسلامية، والمرأة، والاصلاح والتجديد، وهو متخصص في علوم الشريعة والعلوم الإسلامية.

علاوة علي أنه متعدد المواهب فهو كاتب، وشاعر، وباحث دؤوب؛ حيث يسعي من خلال مشروعه في تجديد العقل الديني إلى ترشيد الوعي عبر تحرير الخطاب الديني من سطوة التراث وتداعيات العقل التقليدي، وذلك من خلال قراءة متجددة للنص الديني تقوم على النقد والمراجعة المستمرة، من أجل فهم متجدد للدين، كشرط أساس لأي نهوض حضاري، يساهم في ترسيخ قيم الحرية والتسامح والعدالة، في إطار مجتمع مدني خالٍ من العنف والتنابذ والاحتراب.

وقد بلغت إنجازاته العديدة في ميادين البحث والعقل والتنوير حوالي أكثر من ٢٥ عملاً ومؤلفاً، إضافة إلى عدد كبير من الدراسات والبحوث والمقالات التي نشرها في الصحف والمجلات والمواقع الالكترونية المختلفة المتعددة، فمن أعماله علي سبيل المثال لا الحصر : إشكاليات التجديد (3 طبعات)، 2000م،2001م و2017م، فرص التعايش بين الأديان والثقافات (طبعتان)، 2006م و2008م، تحديات العنف، 2009م، الضد النوعي للاستبداد .. استفهامات حول جدوى المشروع السياسي الديني، 2010م.، الحركات الإسلامية.. قراءة نقدية في تجليات الوعي، 2015م، جدلية السياسة والوعي.. قراءة في تداعيات السلطة والحكم في العراق، 2016م، الشيخ المفيد وعلوم الحديث، 1992م، ترجمة كتاب الدين والفكر في شراك الاستبداد، 2001م.، تحقيق كتاب نهاية الدراية في علوم الحديث.. وهلم جرا.  وقد نال الاستاذ ماجد الغرباوي عدداً من الجوائز التقديرية عن أعماله الفكرية والعلمية البحثية.

وتتميز كتاباته بالوسطية والعقلانية، وتكشف عن تعمق كبير في العلوم الإنسانية والعلوم الشرعية، ويتميز أسلوبه بالوضوح والمنطقية؛ ولقد شهد له كل من كتب عنه من الباحثين بالدقة، والأمانة العلمية، والثقافة الواسعة ..إلي جانب ما يتمتع به من خلق رفيع، وتمسك بتعاليم الدين الحنيف . ولا غرو في ذلك فهو يمثل منظومة حافلة بالعطاء العلمي الجاد، والشموخ الإنساني المتميز، باحثا ومنقبا، محققا ومدققا، مخلفا وراءه ثروة هائلة من الكتب العلمية، والبحوث الاكاديمية الرصينة، وطائفة كبيرة من المريدين والاتباع الذين أعطاهم خلاصة فكره وعلمه.

ولقد أعجبني وصف الأستاذ "شاكر فريد حسن" في مقاله له بعنوان " ماجد الغرباوي المثقف التنويري والمفكر المضيء"، عندما قال :" ماجد الغرباوي: مثقف تنويري ومفكر مضيء"، (فهو يمثل) نخلة عراقية باسقة وشامخة في الفكر العربي الإسلامي، عانق نور الحياة في مدينة قلعة سكر، النائمة على نهر الغراف، وتتوشح بجمال طبيعتها وانسياب نهرها. نشأ بين أزقتها وحواريها، وتعلم الابتدائية في مدارسها، ثم انتقل وهو صغير السن مع أفراد أسرته إلى العاصمة العراقية بغداد، وفيها أكمل دراسته في إعدادية الكاظمية ثم الثانوية، لكنه تعرض للسجن مع ثلة من رفاقه، وبعدها واصل دراسته خارج حدود وطنه بموضوع الشريعة والعلوم الإسلامية، واستقر به الحال والمطاف في سيدني بأستراليا .

كما وصفه أيضاً بأنه يمثل رمز ونجم فكري وثقافي نقدي لامع يتجدد كل يوم في فضاءات العلم والثقافة والسياسة والمعرفة، ويقف ضمن طليعة المفكرين والمثقفين العرب المستنيرين، والنقديين المشتغلين على نقد الفكر الديني، والحركات الإسلامية، ومسائل النهضة، والإصلاح، والتجديد، والمعاصرة، والتنوير، والعنف، والتسامح بين الأديان والعقائد والمذاهب، وقضية المرأة ومسألة تحررها المرتبطة بتحرر المجتمع كله .

وإذا ما انتقلنا للحديث عن مشروعه في تجديد العقل الديني نجد أنه أعاد كتابة العلوم الدينية في صيغة عصرية، كما أعاد أيضا تأويل موقف الشريعة من قضايا المرأة، خاصة فيما يتعلق بحقها في تولي القضاء والفتوى والشهادة، والمساواة بينها وبين الرجل في الحقوق السياسية والمدنية؛ علاوة علي أنه صاحب رأي معلن بجرأة ووضوح في قضايا الدولة والمجتمع المدني وحرية الرأي والديمقراطية ومواجهة الفساد والتطرف، خاصة في كتابيه الحركات الإسلامية.. قراءة نقدية في تجليات الوعي، وجدلية السياسة والوعي.. قراءة في تداعيات السلطة والحكم في العراق. ويؤسس فلسفيا للتسامح في كتابه" التسامح ومنابع اللا تسامح .. فرص التعايش بين الأديان والثقافات".

ولما كان مقالي يدور حول جهود ماجد الغرباوي في تجديد العقل الديني، فلا أملك إلا أن أقول عنه من خلال ما قرأته في كتاباته ؛ وبالأخص كتابيه " إشكاليات التجديد"، و" تحديات العنف"، بأنه أحد أبرز المفكرين في الفترة الحالية الذين جمعوا علوم الدين من ناحية، والفلسفة من ناحية أخرى، وتقديمه المعلومة بلغة عصرية مفهومة عبر رحلة طويلة من الفقه إلي الفلسفة، حتى تؤدى إلي تكوين خطاب ديني جديد، رافضًا تجديد الخطاب الديني القديم.

لا شك في أن كتابا " إشكاليات التجديد"، و" تحديات العنف" لماجد الغرباوي يبرزان لنا كيف قدم الرجل مشروعًا جديدًا لتجديد الفكر الديني مرتكزًا علي العقلانية النقدية، حيث يري ضرورة تطوير علوم الدين، وليس إحياء علوم الدين القديمة، نظرًا لتجمدها الذي يحوِّل القرآن من نص ديناميكي يواكب الحياة المتجددة إلي نص إستاتيكي يواكب زمنًا مضي وانتهي، ويُؤسس الغرباوي لتفسير جديد ينتقل من الوعظ والإدهاش والتخويف إلي تفسير من أجل التعقل والتفكير؛ حيث وجدناه يدعو إلي تكوين خطاب ديني جديد في كتابه " إشكاليات التجديد "، وافتتح مشروعه بالتأكيد علي أن الإسلام الذي نعيشه اليوم خارج التاريخ ومنفصل عن واقع حركة التقدم، ومن ثم بات من الضروري العودة إلي "الإسلام المنسي"، ولذلك رأي الغرباوي تكوين خطاب ديني جديد وليس تجديد الخطاب الديني القديم، بإقامة بناء جديد بمفاهيم جديدة ولغة جديدة ومفردات جديدة وتهجينها بلغة ومفردات العلوم الاجتماعية والإنسانية وفق متغيرات العصر وطبيعة التحديات التي تواجه الأمة، ونشر ممارسة مفاهيم التنوع والتعددية وقبول الآخر.

هذا بالإضافة إلي النظرة الشاملة لماجد الغرباوي من أجل الدخول بالأمة "إلي عصر ديني جديد"، يدعو فيها إلى العودة إلى أصول الفكر الإسلامي، من قرآن كريم وسنة نبوية صحيحة، ويدعو إلى التفاعل العقلاني لهذه الأصول مع الواقع.

وثمة نقطة أخري جديرة بالإشارة وهي أن الاستاذ ماجد الغرباوي من خلال بقية كتبة الأخري اكتشفت أنه كان يسعي جاهدا من خلال مشروعه الفكري في تجديد "العقل الديني" علي مجموعة من المهام العاجلة التي شكلت رؤيته نحو عصر ديني جديد، مثل تفكيك الخطاب الدينى، وتفكيك العقل المغلق، ونقد العقل النقلي، وفك جمود الفكر الدينى المتصلب ؛ حيث أوضح لنا في فقرات كثيرة من كتاباته إلي أن ما نعيشه في العالمين العربي والإسلامي من انتشار ظاهرة الإرهاب والطائفية التي مزقت الكثير من مجتمعاتنا العربية، مرجعه إلي الفكر المتعصب الذي يرفض الآخر، ويتعصب لوجهة نظر سياسية توظف الدين لتحقيق غايات سياسية.

ولهذا سعي ماجد الغرباوي إلي تجاوز "عصر الجمود الديني" الذي طال أكثر من اللازم في تاريخ الأمة العربية من أجل تأسيس عصر ديني جديد، وتكوين خطاب ديني من نوع مختلف، ويرفض الغرباوي تجديد الخطاب الديني التقليدي، فهو يري أنه عملية أشبه ما تكون بترميم بناء قديم، والأجدى هو إقامة بناء جديد بمفاهيم جديدة وبمفردات جديدة، وتفكيك كل التأويلات المغرضة.

والاستاذ ماجد الغرباوي في مشروعه لتجديد العقل الديني أكد علي ضرورة تفكيك الفكر المتطرف، وهذا التفكيك يحتاج لخطاب ديني جديد وعلوم جديدة لمواكبة المناهج العلمية»، مشيراً إلى أهمية التمييز بين المقدس والبشري، ولفت إلى جهود السلف والعلماء من أهل الفقه والتشريع، موضحاً أنها جهود بشرية قابلة للصواب والخطأ.

وأوضح الغرباوي أن الفقهاء المسلمين أكدوا على فكرة الموائمة والنسبية وملائمة العصر والمكان والزمان، مؤكداً أن العمل البشري لا يمكن اعتباره مرجعية مقدسة كالقرآن والسنة، وأن من أساسيات الخطاب الديني الجديد تعددية الصواب، وأن الخطاب الديني الجديد يجب أن يقوم على العقلانية النقدية والتفكير النقدي بما يلاءم ظروف العصر»، مشيرًا إلى أن «مقياس الحقيقة وفق التفكير الديني الجديد، الصواب هو ما ينتج في الواقع؛ بمعني أن الحق ليس حق في ذاته ولكن الحق بالنتائج المترتبة عليه في أرض الواقع الخارجي».

وشدد الغرباوي على ضرورة توجيه النقد الشامل لكل التيارات أحادية النظر، سواء كانت إرهابية أو غير إرهابية، وأن ذلك لن يحدث دون تفكيك العقل الديني التقليدي وتحليله للتمييز بين المقدس والبشري في الإسلام.

وأخيرا أكد الغرباوي أن تجديد العقل الديني، مشكلته ليست في الإسلام، بل في عقول المسلمين وحالة الجمود الفقهي والفكري التي يعيشون فيها منذ أكثر من سبعة قرون؛ لذلك يقترح الرجل «روشتة» لتأسيس خطاب ديني جديد منها الهدف منه: تفكيك الخطاب الديني الحالي، وتفكيك العقل المغلق، ونقد العقل النقلي، وفك جمود الفكر الإنساني الديني المتصلب والمتقنع بأقنعة دينية.

وفي نهاية مقالي لا أملك إلا أن أقول : تحية خالصة لماجد الغرباوي لابن أرض الرافدين، وحفيد هارون الرشيد، الذي كان وما يزال رمزاً من رموز المعرفة الموسوعية الفريدة، وواحداً من أصحاب الرؤية الفكرية والثقافية الشاملة.. بارك الله فى ماجد الغرباوي، وأفاد تلاميذه وقراءه بعلمه ووطنيته، بفكره وموضوعيته، بنقائه وطبيعته.

 

د. محمود محمد علي

أستاذ الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

 

هذا أسوأ تزييف نعيشه .. نحن لم نعرف شيئا اسمه حداثة بالمعنى الحقيقي .. لم تكن "الحداثة" بالنسبة لنا سوى وسيلة لا غاية، وسيلة "للحاق" بالغرب، كي نصبح أقوى عسكريا وسياسيا وأحيانا اقتصاديا، لننافس الغرب أو نتحرر منه في أضعف الأحوال، بهذا المعنى لم نعرف بالفعل أية حداثة فكرية أو اجتماعية .. يكفي نظرة واحدة لنكتشف من هم حداثيونا؟ جنرالات، عسكر، وزراء، أبناء الطبقة الأرستقراطية والإقطاعية والبيروقراطية والإكليروس الديني، الذين سافروا إلى الخارج بغرض التعلم للإعداد لتولي مناصب آبائهم .. لم تكن حداثتنا نتاج صراع بين الفكر الباحث عن الحرية والجسد الباحث عن الإشباع مع قيود المؤسسات القائمة ولا نتاج النضال ضد الحكم المطلق والسلطة المطلقة للدين بالعكس كان ملوكنا ورجال ديننا هم أوائل الحداثيين، ولم تكن حداثتنا موجهة ضد هذه المؤسسات القمعية (العسكرية، الدينية) بل كانت موجهة أساسا ضد الآخر، الغرب الأقوى المستعمر، المختلف، الآخر الذي لا يكتفي بعدم اعتناق ما آمن به أجدادنا بل يجرؤ على انتقاد مقدساتنا ومقدسات أجدادنا والذي تناقض علومه كل ما نؤمن به وما آمن به أجدادنا .. حداثتنا هي مجرد خطوة تقنية لا أكثر لهذا لم ير حداثيونا أية حاجة لنقد أفكارنا الماضوية التي أصروا على منحها عصمة لم تتمتع بها حتى عندما وضعها أجدادنا أو حكامهم وساداتهم .. بالعكس كانت هذه الأفكار والأساطير هي شغلنا الشاغل .. أثبت بعضنا أنه لا يوجد تناقض حقيقي بين أساطير أجدادنا وبين الحداثة أما البعض الآخر فقد اكتشف في النصوص التي آمن بها أجدادنا كل ما أنتجته الحداثة.. لا يوجد فارق حقيقي بين تياراتنا السياسية والفكرية، جميعنا حداثيون بالمعنى التقني وماضويون بالمعنى الفكري والاجتماعي والسياسي، لا فرق هنا بين يمين ويسار .. وهذا ما يتضح اليوم فيما نقدمه للعالم .. ما نفترض أننا نقدمه للعالم الحداثي أو ما بعد الحداثي .. دعونا نقارن ما نقترحه على العالم اليوم مع ما قدمته البرجوازية عندما أرادت إغراء الفلاحين والبروليتاريين الأوائل للثورة على الملوك والكنيسة، وعدتهم بالحرية التي سمتها ديمقراطية وبالتقدم والرخاء الذي سيأتي بهما العلم المتحرر من الخرافة .. وعندما أراد ماركس وبعض المثقفين إغراء العمال للثورة وعدوهم بالعدالة المفقودة وبالمزيد من الرخاء وحتى ببعض الحرية في وقت لاحق .. ماذا نقدمه نحن اليوم لهذا العالم؟ من حسن البنا حتى ادوار سعيد : الحجاب، وعد بجنة بعد الموت ووفرة ورخاء سحريين سنبلغها بأداء الصلوات الخمس والاعتقاد بشخصيات اسطورية عاشت قبل مئات السنين وبرجم الزناة ورمي المثليين جنسيا الخ .. المصيبة هو أن هذه بالنسبة للغرب بضاعة قديمة، مارسها الغرب من قبل ونحن هنا نطالبه فقط بالعودة إلى ماضيه الذي فعل المستحيل للتخلص منه .. أما حداثاتنا "الأكثر جدية" و"جذرية" التي مارسها جلادون مثل أتاتورك وشاه إيران "المقبور" فلم تكن هي الأخرى شيئا جديدا أو حديثا في تاريخنا ومجتمعاتنا، كانت أشبه باستيلاء أتباع دين جديد على المنطقة وفرضه بالقوة، بالترهيب والترغيب على البشر تماما كما جرى في كل تغيير جذري طرأ على العقيدة السائدة في المنطقة، مع كل دين جديد جاء واستوطن بلادنا وعقولنا .. لم يكتشف أحد الإنسان بعد في الشرق .. لا نوجد ككائنات قائمة بذاتها، مستقلة، قادرة على التفكير بذاتها ولذاتها، نحن مجرد أعداد لا حصر لها ولا قيمة لها مكررة من نفس الشيء .. نكرر نفس الشيء، نؤمن بنفس الشيء، فنحن نؤمن لا نفكر، بالأحرى نجتر ما يلقى إلينا من أفكار، ما نلقنه من أفكار، وإذا لم تكن كلمات نبي آت من ماض سحيق أو قائد ملهم نعامله كإله أو نصف إله فإنه كلام فيلسوف ما نحتمي به كي نتفلسف ونفكر في الهوامش، خلافا لصرخة أرسطو بضرورة تجاوز معلمينا ودعوة ديكارت للشك ونداء نيتشه لتحطيم الأصنام .. نحن في الواقع متخلفون جدا عن المستوى الفكري والعقلي لمن نزعم أنهم أجدادنا .. لا يوجد اليوم من يشبه المعتزلة ناهيك عن المعري أو ابن الراوندي والرازي وابن سينا ... حتى "أكثرنا ثورية" و"حرية" يجد نفسه مضطرا ليختبأ خلف تصنيفات وأفكار مسبقة، محددة ونهائية وناجزة مطلقة أو نصف مطلقة، يخشى من أن يفكر أو أن يمارس الحياة دون الاستناد إلى إيديولوجيا سائدة ... أحد أفظع النكت الرائجة اليوم هو أحاديثنا الشائعة عن ما بعد الحداثة وعالم ما بعد الحداثة عندما ننصب أنفسنا حتى أكثرنا "رجعية" وهوسا بكل الخرافات الماضوية قضاة باسم الحداثة، كأننا ننتمي للحداثة أو كأننا قبلنا بها أو مارسناها أصلا .. كلمة أخيرة عن الهستيريا الأخلاقية التي تجتاح مجتمعاتنا عن أن انتشار "الفجور" و"التهتك" بالمعنى "الأخلاقي " السلبي هو ظاهرة جديدة علينا ونتاج لحداثتنا المزعومة ... إن تهتك وفجور الطبقة الحاكمة قديم جدا ويعود إلى بدايات ظهورها في صدر الإسلام وتهتك الطبقة المثقفة هو الآخر قديم وقد عاش الاثنان في عالمهما الخاص الزاخر بالجواري والغلمان والخمر والأغاني الماجنة جنبا إلى جنب مع أغلبية مغرقة في المحافظة وسلطة مطلقة للمؤسسة الدينية على العقل الجمعي .. المتوكل الذي يكال له المديح من أكثر رجال الدين تشددا "لإطفائه فتنة خلق القرآن" كان مدمنا للخمر ولاهثا وراء ما يسميه رجال الدين أنفسهم بالشهوات والملذات .. نحن نشبه المتوكل، حداثيون عندما يتعلق الأمر بالجيوش وأسلحة القتل والدمار الشامل، ماضويون عندما يتعلق الأمر بحرية التفكير، نبيح كل شيء ما دام لا يخدش الحياء العام، ولا شيء يخدش الحياء العام عندنا مثل القول بخلق القرآن أو القول بما لم يقل به أجدادنا أو التصرف والتفكير وكأننا بشر نملك عقولا أو يمكننا أن نمارس الحياة بحرية 

 

مازن كم الماز

 

726 خان النخيلة 1انطلقت على مدى يومين 2-3 \ اذار الجاري في محافظة كربلاء فعاليات النسخة الثالثة من مهرجان خان النخيلة الثقافي بحضور كبير من مثقفي العراق وتمثيل حكومي واسع، فقد حملت الدورة الثالثة من المهرجان اسم الروائي المغدور علاء مشذوب اذ استذكر المهرجان الفقيد بعرض نتاجاته الادبية في جناح خاص ,,وقال  وزير الثقافة والسياحة والاثار عبد الامير الحمداني خلال كلمة القاها في حفل الافتتاح “الوزارة عازمة على توفير البيئة الحقيقية للثقافة والمثقفين واعطاء هذه الشريحة الاجتماعية كل مستحقاتها لدورها في بناء البلاد اجتماعيا وثقافيا ومواجهة الافكار الهدامة التي تريد ان تنال من وحدتنا ووطننا ,,مبينا أن “من خطط الوزارة المستقبلية العمل على إحياء السياحة في البلاد ومواجهة وتذليل كل العقبات التي تعترضها ومن حق العراقي ان يفتخر بين الامم بما يمتلكه من ارث ثقافي وتاريخي وان الوزارة عازمة على إحياء كل المعالم الثقافية والادبية والاثارية في العراق

726 خان النخيلة 2

واوضح رئيس اللجنة المنظمة لمهرجان النخيلة الثقافي الدكتور حميد الهلالي ان النسخة الثالثة من المهرجان تتضمن مايقارب 45 فعالية مختلفة تمثلت بالتشكيل والخط والزخرفة والنحت والكولاج والرسم والحرف اليدوية وعروضا مسرحية وبانتومايم وكروباتيك ولوحات فلكلورية يقدمها ادباء وفنانون وشعراء من جميع المحافظات العراقية (كركوك والانبار وميسان والبصرةاوبابل وغيرها من المحافظات --مؤكدا ان الرصاصة لا تقتل الثقافة وكل الدماء العظيمة التي هدرت ستنبت وردا وتزهر كتبا وشعرا هذه هي الرسالة من تسمية النسخة الثالثة من المهرجان باسم المرحوم علاء مشذوب وشعب العراق شعب حي لن يموت، "خسرنا كاتب لكن الرسالة مستمرة لتقديم ثقافة وفن وشعرا بما يليق بالعراق

وقال الدكتور محمد حمود مدير الاعلام بمحافظة الانبار والمشارك في المهرجان \\ شاركت محافظة الانبار بوفد رفيع يتقدمهم السيد ممثل السيد محافظ الانبار السيد ضاري العرسان والوفد المرافق له - حضرنا حفل افتتاح بدء فعاليات مهرجان النخيلة الثقافي الثالث في محافظة كربلاء والذي يستمر ليومين بمشاركة ثقافية وأدبية تمثل المحافظة من فنانين وشعراء ومتحف الشهيد التراثي

 

كتب نهاد الحديثي

 

663 امين الخولي 1خلافاً لما يتردّد على الدوام في بعض الكتابات، من أن المؤسّساتِ الدينيةِ التقليديةِ عالقةٌ في التاريخ، ولا يمكنها أن تتلمس دروبَ التواصل مع العصر، فإن محاولاتِ تجديد جادّة في عالم الإسلام انطلقتْ من الحواضر والحوزات المتخصّصة في تدريس المعارف الإسلامية، واحتضنتها وانخرطتْ في سجالاتها ونقاشاتها ومعاركها.

ففي مصر احتضن الأزهرُ الشيخَ رفاعة رافع الطهطاوي، والشيخَ محمد عبده، والشيخَ مصطفى عبدالرازق، والشيخَ علي عبدالرازق، والشيخَ محمد عبدالله درّاز، والشيخ خالد محمد خالد، وغيرهم... وفي تونس احتضنت الزيتونةُ الشيخ عبد العزيز الثعالبي، والشيخَ الطاهر الحداد، والشيخَ محمد الطاهر بن عاشور، وولدَه الشيخَ محمد الفاضل بن عاشور، وغيرهم... وفي النجف احتضنت الحوزةُ السيدَ محسنَ الأمين، والسيدَ هبةَ الدين الشهرستاني، والشيخَ محمد جواد البلاغي، والشيخَ محمد رضا المظفر، والسيدَ محمد تقي الحكيم، والسيدَ محمد باقر الصدر، والشيخَ محمد مهدي شمس الدين، والسيدَ محمد حسين فضل الله، وغيرهم... وكان غيرُ واحد من هؤلاء الأعلام عنواناً للضجّة في عصره، بعد طرحه لآراء وأسئلة غير مكرّرة، تتجاوز ما هو مألوف. وكانوا يختلفون في كيفيةِ ونوعِ الأسئلة التي يطرحونها ومدياتِها وعمقِها، وفي بيانِ آرائهم تبعاً للاختلاف في مواهبِهم وسياقاتِ تكوينهم التراثي والحديث.

يتفق هؤلاء في خروجِهم على خطاب تبجيل وتمجيد كل شيء في التراث، وفي سعيهم لاستيعاب شيء من عناصره استيعاباً نقدياً، والجرأةِ في نقد بعض المقولات والآراء في التراث، وعملهم على البحث عن آفاق لقراءةِ النصّ وتفسيرِه في سياق الواقع ومعطياته واستفهاماته، ومحاولتِهم الكشف عن شيء مما هو نسبي وتاريخي في ميراث المتكلمين والفقهاء.

غير أن معظمَ هذه المحاولات على الرغم من جرأتها وأهميتها، لم تغادر المناهجَ التقليديةَ الموروثة، إذ كان أصحابُها ينطلقون من مناهج ومفاهيم وأدوات التراث نفسه في فهمه ونقده، وقلّما حاول بعضُهم توظيفَ مناهج ومفاهيم وأدوات جديدة من الفلسفة وعلوم الإنسان والمجتمع الحديثة في فهم الدين ونقد التراث. لذلك لم تتبصّر هذه المحاولاتُ الأنساقَ المضمرةَ في التراث، وما هو مستترٌ من نظم انتاج المعنى الكامنة فيه، وكيف تسهم طبقاته التحتية في توليد المعنى وتكراره عبر العصور المختلفة، ولم تُنقّب في البنية العميقة للتراث عن كلّ ما يعمل على إعادة إنتاج الآراء والمفاهيم والأسئلة ذاتها. لذلك لبثت هذه المحاولاتُ في مدارات التطلعات والطموحات والأحلام، ولم تبتعد كثيراً عن إثارة بعض التأويلات والتفسيرات والشروح الجزئية للنصوص، التي تسعى لاستخلاص آراء وفتاوى لوقائع جزئية تنفتح على ما يفرضه الواقعُ على المسلم.

663 امين الخولي 2

الشيخ أمين الخولي

ولد الشيخ أمين الخولي في 1 مايو 1895 بمحافظة المنوفية بمصر، وتوفي في 9 مارس 1966. حفظ القرآن وهو في العاشرة من عمره. وتخرج من مدرسة القضاء الشرعي. أصبح مدرساً في مدرسة القضاء الشرعي في 10 مايو عام 1920. في 1923، عيّن إماماً للسفارة المصرية في روما، ثم نقل إلى مفوضية مصر في برلين عام 1926. عاد عام 1927إلى وظيفته في القضاء الشرعي. انتقل إلى قسم اللغة العربية بكلية الآداب 1928. وأسس جماعة الأمناء عام 1944، ومجلة الأدب عام 1956. وأصبح عضواً في مجمع اللغة العربية بالقاهرة عام 1966. وكتب الخولي مقالات متنوعة في الصحف والمجلات، وألفَ مجموعة من الأعمال، من أهمها: "من هدي القرآن في أموالهم: مثالية لا مذهبية "، و "فن القول"، و"الجندية والسلم: واقع ومثال"، و"دراسات إسلامية"، و"مناهج تجديد في النحو والبلاغة والتفسير والأدب"، و"المجددون في الإسلام"، و"كتاب الخير: دراسة موسعة للفلسفة الادبية مطبقة على الحياة الشرقية والتفكير الاسلامى".

ومع أن الشيخَ أمين الخولي لم يدرس في الأزهر، بل تعلّم في مدرسة القضاء الشرعي، لكنه درَّس فيه. وكانت محاضراتُه أولَ ما يُدرَّس من الفلسفة رسميًّا في العهد الجديد للأزهر، فهو بعد عودته من ألمانيا عام ١٩٢٧، انتُدب للتدريس في الأزهر، فألقى محاضراتٍ على طلاب كلية أصول الدين في التاريخ العام لفلسفة الأخلاق، أو كما أسماها هو "الفلسفة الأدبية"[1]. كما اهتم بتجديد البلاغةِ وأساليبِ البيان العربي، ودعا إلى تحريرها من حمولة الفلسفة والمنطق الصوري، واصطلح عليها "فن القول"، وكان هاجسُه ربطُ أساليب البيان والتعبير بالحياة، وتكريسُ الذوق الفني، والانفتاحَ على مكاسب العلوم والمعارف الحديثة. فكشف عن الأبعاد النفسية للبلاغة. ودشّن أفقاً آخر في بيان أساليب تفسير النصوص، وما يشوبها من ملابسات الذات والزمان والمكان والبيئة.

وكان الشيخُ الخولي أولَ رجلِ دينٍ مسلم حاول العبورَ من المناهج والمفاهيم والأدوات التراثية في فهم الدين ونصوصه، إلى استعمال مناهج ومفاهيم وأدوات جديدة، وتوظيفها في بناءِ فهمٍ بديل ونقدِ الفهم القديم. وتميز بخبرة رصينة، وشجاعة كبيرة في توظيفها.

التكوينُ الديني للشيخ أمين الخولي تقليدي، إلا أنه استطاع أن يتقن اللغات: الإيطالية، والألمانية، والفرنسية، عندما اتيحت له فرصة الإقامة ففي بعض البلدان الأوروبية، عندما "صدرَ المرسوم الملكى فى 7 نوفمبر 1923 بتعيين أئمة للسفارات الأربع المصرية فى: لندن، وباريس، وواشنطن، وروما، وكانت الأخيرة هى مكان عمل أمين الخولى فأبحر إليها من الإسكندرية، وبقى فى إيطاليا عامين، وأجاد الإيطالية، وشرع يطلع على الحياة الدينية والثقافية وجهود المستشرقين فى أوروبا، كما عمل فى مفوضية مصر فى برلين عام 1926، وتعلم اللغة الألمانية، ولما ألغيت وظيفة الأئمة من السفارات والمفوضيات المصرية عام 1927 عاد إلى مصر، واستأنف عمله فى مدرسة القضاء الشرعى ثم فى كلية الآداب بالجامعة المصرية مدرساً، ثم أستاذا مساعدا ثم أستاذا لكرسى الأدب فى عام 1943"[2].

اكتشف مدة اقامته في ايطاليا الأساليبَ الجديدةَ في التربية والتعليم في أوروبا، وتعرّف عن قرب على نمط التعليم الديني في الفاتيكان، الذي جعله يدرك ضرورةَ إصلاح نظام التعليم الديني القديم في الأزهر، كما أشار هو إلى ذلك بقوله: "قصدت إلى دراسة الخطط والأساليب التي تتبع في الدراسات اللاهوتية، كما نظرت فيما حولي من الدولة الدينية – الفاتيكان – القائمة في عاصمة الدولة المدنية – ايطاليا – وخلال تتبع لهذه الدراسة اللاهوتية في أقطار أوروبا عشت فيها بعد ذلك، كألمانيا، أو أقطار زرتها مجرد زيارة، وعمدت بعد الدراسة والتفكير للكتابة عن قضية الأزهر واصلاحه"[3]، فكتب بيانَه لتحديث الأزهر، الموسوم بـ"رسالة الأزهر في القرن العشرين". ونشر الأزهرُ عام ١٩٣٦ هذه الرسالة، ثم تكرّرت طبعاتُها لاحقاً، بعد أن نفدت الطبعةُ الأولى سريعاً[4]. وفي أوائل الخمسينيات من القرن الماضي عاد الخولي مرةً أخرى يدعو لإصلاحِ الأزهر وتحديثِ نظامه التعليمي، فنشر سلسلةَ مقالاتٍ في جريدة "المصري"، "وقد أفردت جريدة المصري حينذاك مساحة لأمين الخولى على مدى ثلاثة أشهر، يشرح فيها رؤيته حول رسالة الأزهر الاجتماعية، ويبين العلاقة بين الدين والحياة، وإصلاح الدين نفسه بالحياة هو ما كان يتطلع إليه الخولى، الذى رأى أن يكون مادة للتجديد الروحى والسمو الخلقى، ويكون أداة فعالة فى الإصلاح الاجتماعى"[5]. غير أن الأزهرَ لم يصمت هذه المرّة كما صمت في المرة الأولى، فأصدرت جبهةُ علماء الأزهر بياناً ورد فيه: "اعتاد الأزهر الشريف أن يسمع من حين لآخر أفراداً يحاولون أن ينالوا منه ومن رجاله، وكأنما خولت لهم أنفسهم أن تعلقهم بهذا الجبل الأشم يلقي في روع الناس أن لهم شأناً، أو عندهم رأياً، أو فيهم غيرة على حق، أو غضباً للدين، أو حرصاً على صالح عام، ولكن هيهات، فهم كناطح صخرة يوماً ليوهنها"[6]. إلا أن الشيخَ الخولي وجّه لهم نقداً صريحاً ذكر فيه: "ان قصدهم النفسي من هذا التوجيه ليس بارئاً، ولا خالصاً، من الغايات المدخولة، فسبيلهم إلى هذا التوجيه والبيان سبيل غير صادق، وتناولهم له غير مستقيم،كما أن سيادة روح التحكم في فضل الله ونعمه، والاستبداد بدين الله وهدايته واضح، فإذا أفتوا فقولهم هو رأي الاسلام، وإذا حكموا فحكمهم هو حكم الله، وإذا خالف عليهم إنسان فهو يحارب الله"[7]. لكن الأزهرَ لم يتوقف عن مساجلته، فردّوا على نقده ببيان أيضاً، غير أنه لم يتراجع عن دعوته لإصلاح الأزهر[8].

وتنبه الشيخ الخولي إلى ضرورة تبني نمطَ "تدين إنسانى القلب، نبيل العاطفة، يؤدى إلى التعاون البشرى، ولا يعوق الإخاء الإنسانى. تدينٌ لا يعرفُ تلك السلطة الغاشمة التى ترهب العقل الطليق، وتفت فى العزم الوثيق، وتفسد الذوق الرقيق، وتتحكم بجبروت لاهوتى فى الحياة الدنيا، وتسد الطريق إلى الآخرة. تدينٌ لا يخلقُ تلك الطبقة التى تحتكر الدين، وتسد المسالك إلى الله، ولا يعترف بتلك الطبقة التي خلقتها الظروف، لأنه لا رياسة فى الإسلام، وكلهم قريب إلى الله سبحانه وتعالى"[9].

ولبث الشيخ الخولي كل حياته وفياً لتجديد التفكير الديني، الذي يعتقد انه يقوم على تفاعل وتبادل الدين مع مختلف العلوم والمعارف البشرية وتوظيفها في فهمه وتفسير نصوصه. كما يلخص لنا الخولي ذلك بقوله: "ان الدين فى هذه الحياة لا مفر له من التفاعل والتبادل مع ما سواه من فهم وتنظيم لتلك الحياة، وأنه لن يُكتب لهذا الدين البقاء إلا على قدر ما فيه من قدرة على هذه المسايرة والمفاعلة والاستفادة، والانتفاع بما سواه من التفسيرات والتدبيرات الأخرى"[10].

 

د. عبدالجبار الرفاعي

.................................

[1] الخولي، د. يمنى طريف. أمين الخولي والأبعاد الفلسفية للتجديد. القاهرة: مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، 2012،  ص 28 – 29.

[2] بدر، د. عزة. "أمين الخولى وتجديد الفكر الدينى". روز اليوسف، 25 مايو 2017.

[3] سعفان، كامل. أمين الخولي. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1983، ص 65.

[4] طبعت هذه الرسالة ثانية عام 1961، ونشرتها دار الهنا في القاهرة.

[5] بدر، د. عزة. "أمين الخولى وتجديد الفكر الدينى". روز اليوسف، 25 مايو 2017.

[6] سعفان، كامل. أمين الخولي. ص 146.

[7] المصدر السابق. ص 146-147.

[8] المصدر السابق. ص 147.

[9] بدر، د. عزة. "أمين الخولى وتجديد الفكر الدينى". روز اليوسف، 25 مايو 2017.

[10] المصدر السابق.

 

 

قاسم جمعةليس من الهين تفسير العلاقة بين المثقف والاعلامي والفيلسوف، لأننا نعيش زمن الحرفية الثقافية في الوسط الإعلامي، اذ بات الامر يناط بما يملكه هذا الكاتب او غيره، من إمكانات فبامكانهم التناوب وتغيير الأماكن..ان عصرنا عصر الاعلام الذي أخذ ينافس فيه، الصحفي، الناشر والسياسي. فضلا عن المثقف، كما نبه الى ذلك دوبريه عندما قال ان السلطة الفكرية انتقلت من الجامعة الى الاعلام.

وربما يصدق القول ان الفلسفة حملت نعشها، الاكاذيب، الى عرين الصحافة لكي تنبض من جديد وتنهل من نبع الشارع وحيويته. وهو امر تشتغل عليه منذ الامس جملة من الكتاب والمفكرين، الا اننا نطمح في زمن ما بعد الخراب الذي شخصه مدني صالح للفلسفة. ان يتم ذلك

لقد تقمص فوكو. دور الصحفي الايطالي ليؤيد ثورة ايران نهاية سبيعينيات القرن ٢٠. ومن قبله سارتر كان طموحا في الازمنة الحديثة ١٩٤٥، للأدب الملتزم وأندريه جيد ومالرو ومونييه ..

وكان لكلود لوفار وكاسترياديس دور في انتفاظة المجر عام ١٩٥٦ بعد ما تأسست ب ١٩٤٩. فهل يمكن للكاتب ان يوجد بمعزل عن الصحيفة وهل يتحقق وجوده بعيدا عن سطوتها الإعلامية والية انتشارها ؟

اننا لا ننسى غرامشي ودوره في الصحافة الإيطالية كمثقف ماركسي لم يرق له تصنيف المثقف السائد على اعتبار انها مهنة محصورة بالنخبة والعمل الذهني، فالمهم لديه وظيفة ومكانة الانسان في الوسط المجتمعي، فالمكانة والوظيفة .كانت معياره في نقد نخبوية وتقليدية المثقف وعضويته داخل مجتمعه الثقافي، ومن هنا نفهم مقولته انني أوسع كثيرا مفهوم المثقف ولا احده بالمفهوم الدارج الذي لايقيم وزنا الا لكبار المثقفين .

ربما صدق احد الكتاب ( جيرار ليكلرك) مؤلف. سوسيولوجيا المثقفين عندما كتب ان المثقف بحاجة للصحيفة او حسب ما ننقل عنه لا وجود لمثقف كبير دون صحيفته،، (ص٨٦) .

لكن الاخيرة ماذا تعني سوى مجموعة من أقلام سطرها كتاب عدة، .

عليه يبدو إنهما لا ينفصلان ولا يرتفعان اذا استخمنا لغة المنطق التقليدي..

مارس انجلز وماركس عمل الصحافة حتى طوردوا واصدرت بحقهم احكام بالنفي والاعتقال والمنع.ان اول من استخدم الاستبيانات في تاريخ الفلسفة هو كارل ماركس كما يرى بوتومور .واما انجلز فقد قهرت برجوازيته حياة مدينة الصناعة الانكليزية مانشيستر. لاسيما عندما اطلع على احوال المدينة القديمة وهاله منظر الطبقات المسحوقة .وهو الامر الذي دشنه في كتاب حالة الطبقة العاملة في إنكلترا والامر المثير تزامن المكان للأثرياء مع الفقراء. بعبارة ادق تستطيع ان تلمس ذلك التجاور بين الطبقتين، بل ان الحد الفاصل بينهما شارع وهمي صنعته الاقدار وهو ما أخذ معنى كولونيالي مقيت عند (فرانز فانون) عندما أخذ يبين لنا الفرق في معذبو الارض بين مدن وملابس وأزياء الغربي الأبيض عن مثيلاتها عن الزنجي ...

ليس عيبا ان تُمارس الفلسفة الاستقصاء الصحفي او ان تطارد المعلومة كالصحافة. ويمكن القول ان دورها لابد ان يكون ملاحقة الوجع والالم والخوف والأسطورة المنتشية في أركان المدن الفقيرة والغنية على حد سواء .

لقد انتهى عصر المثقف المنعزل في صومعته وأخذت تغريه وسائط الاتصال الجماعي فهو يكتب والقارئ يلاحقه. كقارئ له مكانة ملهمة فهم من يقرر البقاء لصنف او فئة الكتاب عليه اضحى الكاتب رهن القارى ويمكن ان نشبه ذلك بالعلاقة التي تغيرت بين العالم والطبيعة فلم تعد الاخيرة ساكتة بل العلم الحديث أخذ. يصغي الى حوارها مع العالم كما نفهم من نص هايزنبرك

لا امتلك شيئا من تلك الوسائط لكوني ما زلت احلم بمكانة المثقف في التغيير عن بعد والزمن رهن تلك التحولات .ربما يأتي زمان لا مكان للمثقف او للفيلسوف سوى بمتاحف مركونة مع اخر عظام لحيوان انقرض في زمن السوشيال ميديا المرعبة وثقافة الصوت والصورة، وتختفي على اثرها نخبوية استاذ الجامعة وصورة الأديب العالمي لأننا نعيش في زمن المثقف النجم والمصنوع اعلاميا!

وربما ستغادرنا الصحف والكتب المنشورة.والفيلسوف والمثقف سيغادر كل منهما ساحة المكتوب لكي يردد نشيد الميديا الجماهيري وستحال الصورة الى صنم يعبد في زمن ثقافة النخب الشعبية والمسموع المرئي

 

د. قاسم جمعة

 

مصطفى انصاليهناك صوتان نسمعهما داخل كل انسان: الأول يقول: هذا ما أريد فعله والآخر يقول: هذا ما عليّ فعله .. ‏الأول صوت الحرية، صوتي أنا والذي بدونه لن أكون أنا، والآخر صوت النحن، صوت الأمن والأمان والاحتماء بدفئ الجماعة... تلبية نداء صوت الحرية يجعل الانسان من جهة أولى فخورا بنفسه كونه يشعر داخليا بأنه غير خاضع لأي قوى خارجية وأنه حر في التعبير عن أفكاره ومشاعره دون وصاية النحن، الشيء الذي يضمن له بشكل تلقائي وآلي تفرده واختلافه الطبيعي ويمنحه هوية خاصة به تجعله هو هو، متطابقا مع ذاته ومتمايزا عن الآخرين، فالحرية في النهاية ليست سوى حقي وحقك في الاختلاف ...لكن ومن جهة ثانية كلما ازداد شعور الانسان بحريته إلا وأصبح أكثر خوفا ووحدة، خوفا من سلطة الجماعة التي تنبذ الاختلاف (ما يخرج من الجماعة غير الشيطان) وتعتبر كل مختلف عنها عدوا ينبغي التخلص منه كونه يقلق راحة وأمن الجماعة وبالتالي يجد المختلف نفسه أمام حتمية الإصغاء لنداء صوت النحن تلبية لغريزة البقاء، فلكي يحيا الانسان يختار في الكثير من الأحيان وبدرجات متفاوتة التضحية بحريته/فردانيته لكي ينعم بأمنه عبر التطابق مع الآخرين، مثله في ذلك كمثل الحرباء التي تلون جسمها طلبا للحماية والأمن. إنها تبدوا مماثلة لمحيطها لدرجة يصعب معها تمييزها عن باقي الأشياء، فكذلك الشخص الذي يتنازل عن حريته مفضلا أن يصبح آلة متطابقة مع ملايين الآخرين من الآلات الصماء المحيطة به طلبا للشعور بالأمن وهروبا من وحدة وقلق الاختلاف.انحناءه للظلم لايعني عدم إرادة الحرية، بل الخوف من دفع ثمنها.

هناك تداخل إذن بين مفهومي الحرية والأمن بشكل لا يمكن تصور أحدهما بمعزل عن الآخر. تداخل تزكيه أيضا قصة بداية الخلق في الديانات التوحيدية حيث تقيم هذي القصة توحيدا بين بداية التاريخ وفعل الاختيار، لقد عاش آدم وحواء في حديقة عدن يعيشان في تناغم تام وينعمان بالسلم والأمن، لكن محنتهما ستبدأ عندما منحهما الرب حق الاختيار بين التقيد بأمره وعصيانه .(وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَٰذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ ۖ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ۖ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ...سورة البقرة الأية 34/35). إن التصرف ضد إرادة الرب هو أول اختيار تجسدت من خلاله حرية الفعل الانساني والقصة نفسها تؤكد على المعاناة المترتبة عن هذا الفعل (فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ ۚ وَعَصَىٰ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ ... طه الأية 121) لقد وجد آدم ومعه حواء نفسيهما عاريين، خجولين. يشعران بالحرية لكنهما عاجزين وخائفين، كانا متحدين ومتطابقين مع الله ومع الطبيعة وفي اتحادهما أكلا رغدا حيث شاءا، أما الآن فعليهما تحمل مسؤولية اختيارهما، لقد اختارا الحرية وثمن الحرية دوما، على الأقل كما علمونا هو الأمن.

أتذكر وأنا طالب بالجامعة أننا كنا بصدد مناقشة موقف الفيلسوف الهولندي اسبينوزا ورأيه حول حرية الفعل الانساني حيث بادرنا أحد الطلبة بتقديم مثال قصد من خلاله توضيح أهمية الحرية في حياة الانسان حيث قال:" لا تتعجب من عصفور يهرب وانت تقترب منه وفي يدك طعام له فالطيور عكس بعض البشر تؤمن بأن الحرية أغلى من الخبز".  فكرت في مثاله فوجدته صالحا للدفاع عن الأمن أكثر من دفاعه عن الحرية فطرحت عليه سؤالا: ما الدافع في نظرك من هروب الطائر ! هل دفاعا عن حريته أم حفاظا على أمنه؟ وإذا افترضنا أنه دفاع عن أمنه فهل يصح من انسان أن يفعل ما فعله الطير ! هل يجوز للإنسان أن يضحي بحريته من أجل أمنه؟ رد طالب آخر: ما فائدة أمن تنقصه الحرية، أن أموت جوعا وأنا حر خير من أن أعيش عبدا وأنا آمن ... ازدادت حدة النقاش وفتحت علامات الاستفهام وبدأ كل منا يناظر حول موقفه حتى استوقفنا طالب آخر لم تكن تبدوا عليه ملامح الاهتمام بما كنا بصدد الخوض فيه حيث قال: أعتقد بأنه لا ينبغي المفاضلة بين مفهومي الحرية والأمن بل ينبغي النظر إليهما في تكاملهما فالحرية تنبت الأمن والأمن يحمي الحرية وفي ضياع أحدهما ضياع للآخر. مستدلا بعد ذلك بقولة لم تفارق ذهني أبدا وصاحبها  هو أحد أبرز مؤسسي الولايات المتحدة الامريكية (بنجامين فرانكلين): "من يضحي بالحرية من أجل الأمن لا يستحق أيا منهما".

إما الحرية و إما الأمان؟ أبدا ! الإثنان معا و إلا فلا. عنوان اخترته كي أعبر من خلاله أننا نرفض أصلا أن نضع أنفسنا أمام هذا الاختيار، انه اختيار باطل. وما بني على باطل فهو باطل . نحتاج للأمن لأنه ليس ثمة أي مجال للصناعة... للفنون، للآداب،للإبداع، للمجتمع في غياب الأمن... نحتاجه كي نتخلص من  الخوف المستمر، نحتاجه لتهذيب بعض الشر الذي تقتضيه طبيعة الانسان الأنانية... كي نأمن الوحش الموجود في دواخلنا، نحتاجه أساسا كي نضمن بقاءنا ... وبنفس القدر أيضا نحتاج الحرية لأنها خير يمكننا من التمتع بسائر الخيرات. تحققها داخل المجتمع يضمن تحقق الباقي، إنها سر تفوقنا وازدهارنا، حصنوها إذن بالتعليم فهو قادر على  حمايتها  أفضل من جيشٍ مرابط. لا تسرقوا منا حريتنا باسم الدفاع عن الأمن فهما بلغة أبن رشد: أخوان من الرضاعة . مصدرهما واحد هو الطبيعة وغايتهما واحدة هي الانسان .

المشكل يقع  عندما يتعرّض بلد ما لقمع طويل، تنشأ أجيال من الناس لا تحتاج إلى الحرية وتتواءم مع الاستبداد، ويظهر فيه ما يمكن أن نسميه المواطن المستقر. بلغة إتيان دي لابويسيه صاحب " مقال في العبودية المختارة" مواطن يصير مع مرور الوقت ضعيفا غير قادر على التفكير، وبما أن ضعفه هو دافعه الرئيس للخضوع فإن هذا المواطن يستحيل مع مرور الوقت إلى شخص مسحور بنقيضه، إن حبه وإعجابه واستعداده للخضوع وتضحيته بحريته يكون دوما مدفوعا بالقوة، سواء أكانت قوة شخص او مؤسسة (إله، حاكم،قوانين،زوج...) . القوة تأسره لا لقيم تتصف بها هذه القوة بل لمجرد أنها قوة . سعادته القصوى تكمن في خضوعه التام لتلك القوة التي تمسي بالنسبة له قوة مقدسة لا يمكن المساس بها أو ممارسة فعل الحرية عليها فعندما تخشى الشعوب حكامها يولد الطغيان، وعندما يخشى الحكام الشعوب تولد الحرية. فلنبدأ إذن بتحرير الحرية وهي ستتكفل بالباقي.

 

مصطفى انصالي: أستاذ مادة الفلسفة

 

هل يقف العالم الاسلامي اليوم على عتبة حركة إصلاحية كبرى تبدأ بالفكر ويكون لها امتداداتها في السياسة والمجتمع والمعرفة الدينية؟

ما يعطي هذا التساؤل مشروعيته هو ان الظروف التي يمر فيها العالم الإسلامي اليوم على شتي الأصعدة شبيهة بتلك التي كانت سائدة في أوروبا مباشرة قبل حركة الإعتراض اللوثرية التي أعطت زخماً كبيرا - جلّه غير مقصود - للحداثة العقلانية والتي توّجت فلسفيا في القرن الثامن عشر بعصر الأنوار .

تتلخص هذه الظروف بالأمورالتالية:

1- إحتكار تفسير النص الديني من قبل شريحة من المجتمع وما يستتبع ذلك من إمتيازات معرفية ومعنوية و... وَمِمَّا يتعلق بهذا الأمر شيوع الإنطباع لدى عموم المسلمين أن النص القرآني لا يمكن ان يُقارب إلاّ عبر وسيط يمتلك المعرفة والقداسة مع أن النص التأسيسي في الإسلام واضح في دعوته الى التفكر والتعقل والتدبر لكل شرائح المجتمع، بل للبشرية جمعاء.

2- إدعاء امتلاك الحقيقة كاملة لدى كل فرقة من فرق المسلمين، خصوصاً الفرقتين الأساسيتين، وما يؤدي اليه ذلك من تفسيق وتضليل وتكفير وسفك دماء.

3- الأوضاع المزرية في العالم الإسلامي على شتى الأصعدة، خصوصاً السياسية والأمنية والمعيشية، حيث ترزح بلدان العالم الإسلامي في أسفل السلّم وفقاً لكل مؤشرات التنمية رغم امتلاكها لموارد وثروات هائلة.

4- تفشّي الخطاب الديني الممعن في الغيبيات والأسطرة في عصر أدّى فية النفوذ الثقافي للحضارة الغربية إلى احياء التيار العقلاني في العالم أجمع وعدم قبول الأمور لدي كثير من الناس دون حجة منطقية أو إثبات علمي.

الأوضاع المذكورة أعلاه بشكل مقتضب تؤدي بالطبقات المستنيرة والمتدينة في اّن معا في العالم الإسلامي إلى رفض الوصاية على الفكر وإعطاء نفسها حق مقاربة النص الديني مستفيدة من الفتوحات المعرفية في مجال العلوم الانسانية والذي يشكل منهجي تحليل الخطاب والهرمنوطيقيا جزءً أساسيا منها، والتي تهدف أساساً الى دراسة أنظمة المعنى الحاكمة على الفكر والتي أدّت الى مفاهيم خاطئة في مجال السلطة السياسية، وحرية الضمير والنظرة الى المرأة. غنّي عن القول ان أنظمة المعنى تلك خاضعة لمسلّمات المجتمع القبلي والأبوي واللذان اذا تمّ التفكيك بينهما وبين النص الديني ينفتح هذا النص على التساؤلات والإشكاليات الحديثة، الأمر الذي من شأنه ان يفتح الباب لدخول المسلمين في العصر.

هذه الشرائح المستنيرة في العالم الإسلامي، بالإضافة الى ملايين المسلمين المقيمين في الغرب، يَرَوْن ان تجربة الحداثة الغربية التي تُوّجت بفصل الدين السياسية أدّت الى النتائج المهمة التالية:

1- إن الإدارة العقلانية للمجتمع وما يستصحب ذلك من شفافية ومساءلة ووجود احزاب المعارضة وحكم القانون وإستقلالية القضاء وسطوة الإعلام ... هذه الأمور مجتمعة، أدّت الي وجود تجربة سياسية سليمة الى حد كبير حيث منسوب الفساد والرّشوة والمحسوبيات قليل، وليس هذا فحسب بل ان السياسيين الذين يستغّلون مناصبهم لأمور شخصية او يتقبلون الرشى يحاكمون كغيرهم ويدخلون السجن اذا ما ثبتت التهم ضدهم. ويحق للغرب ان يفتخر بهذه التجربة. والعكس عندنا هو الصحيح.

٢- فصل الدين عن السياسة أدّى ايضا إلى تحقيق الوئام الاجتماعي في الغرب بحيث لا يكفّر الكاثوليكي البروتستانتي ولا العكس، ولا البوذي الهندوسي ولا المتديّن الملحد... الخ. وليس هذا فحسب بل إن القانون يضمن لكلّ منهم حرية ممارسة شعائرهم الدينية. ٣- عدم وجود ايديولوجيا دينية حاكمة في الدول الغربية أدّى إلى ارتفاع مستوى الصدق في المجتمعات الغربية بحيث لا يشعر الانسان انه بحاجة الى ان يراءي او يتزلف او يغالي في دينه لقاء منافع معنوية او مادية فهو حرّ في ان يكون مُتديّنا او خلاف ذلك ولا تترتب على تدينه او عدمه اية منافع معنوية او مادية . اذا أضفنا الى ذلك حالة الرخاء النسبي التي تعيشها المجتمعات الغربية، فالوظائف متوفرة بشكل مقبول، والذي لايجد فرصة عمل يتكفل به نظام الضمان الاجتماعي الذي يؤمن له الاحتياجات الاساسية لمعاشه، وهذا ما يُشعرالانسان باستقلاليته وكرامته فمعيشته وقوت أطفاله ليسا مرتبطان بالتصفيق لذلك الزعيم او إكالة المديح لذلك النافذ او تضخيم شخصية ذلك الثري وهذا ما يشجّع على حريّة الضمير وقول الحق بحيث نجد ان مستوى الصدق في المجتمعات الغربية أعلى بكثير ليس فقط من نظيره في المجتمعات العربية والإسلامية بل في مجتمعات المتدينين أيضاً.

هذه الأمور المذكورة أعلاه لا تنفي حقيقة ان الغرب في تعاطيه مع الشعوب الأخرى في اغلب الاحيانٍ ظالم ومتغطرس واستئصالي أيضاً. الحديث أعلاه هو عن التجربة داخل المجتمعات الغربية. وينبغي التفريق بين هذين الجانبين من أجل التوصل لفهم صحيح للحضارة الغربيه.

وَمِمَّا يزيد الأمور تعقيدا في مسألة علاقة الإسلام بالحداثة أننا لا زلنا لا نملك تصورا واضحا عن كيفية التعاطي مع التساؤلات الرئيسية للحداثة بالرغم من مرور قرنين من الزمن على إشتغال مصلحين ومفكرين كبارعلى هذاالموضوع.

تتلخّص إشكاليات الحداثة الاساسية عبر التساؤلات التالية: 

1- هل العقل مستقل أم أنه خاضع للوحي؟ ويتفرّع عن هذا السؤال إمكانية خوض المغامرة الفكرية الحرّة في العالم الإسلامي دون الإنطلاق من مسلّمات فكرية وعقدية وإسلاس الزمام للعقل المؤطّر باءطار العلم.

2- هل يمكن تحقيق النموذج الحداثي في الحكم (الديمقراطية) دون المرور بمرحلة العلمنة الثقافية؟

3- ما هو التصوُّر الإسلامي الصحيح لمفهومي الذاتية والرشد اللذان يمثلان الركيزتين الإساسيتين لمشروع الحداثة (الذاتية هنا تعني نمو الذات العاقلة-، المستقلّة، الناقدة، الفاعلة في المجتمع، المهتمة بحقوقها اكثر من اهتمامها بواجباتها، والرشد يعني عدم إعطاء الآخرين حق التفكير بالنيابة عن نفسك - وهذا المفهوم الأخير اعتبره الفيلسوف إيمانويل كانت أهم مبادئ فلسفة الانوار)؟

ويتلخّص الإلتباس في التعاطي مع موضوع علاقة الإسلام بالحداثة في العالم الإسلامي اليوم حسب اطلاعي بالامور التالية:

الخلل في فهم بعض المكوّنات الرئيسية لظاهرة الحداثة وما يحدثه ذلك من تشوّش بإدراك علاقة هذه الظاهرة بالإسلام (طه عبدالرحمن)، أو إسقاط المشاريع الأيدلوجية على واقع المسلمين او بعض نتاجهم الفكري في فترات زمنية معيّنة من أجل إثبات تناغم مزعوم بين الإسلام ونزعة الأنسنة او بين الاسلام والعقل السيادي المستقل (محمد أركون ومحمد عابد الجابري)، أو الوقوع تدريجيا في فخ العلمنة الثقافية (عبد الكريم سروش ومصطفى مالكيان) .

يتلخّص المشروع الفكري لطه عبد الرحمن بفهم للعلاقة بين الحداثة الغربية والإسلام مفاده أن روح الحداثة تتفق مع الدين الاسلامي في حين أن تطبيقاتها (في الغرب اساسآ) تختلف معه. والسؤال الأساسي الذي يمكن أو يُوجّه الى هذه الأطروحة هو التالي: كيف يمكن لروح الحداثة ان تتفق مع الإسلام في حين ان هذه الروح مرادفة للإتجاه الإنسانوي الذي أراد ان يُحلّ الانسان مكان الله وان يستمد المعرفة بشكل حصري من عقل الإنسان ويستمد المعاير القيمية حصرياً من عقل الانسان أيضا؟ وأما الجابري وأركون فقد حاولا البرهنة على ان التجربة العربية - الإسلامية في ما مضى اختزنت مبادئ الحضارة الحديثة الأول عبر الإيحاء بأن إبن رشد هو الذي أرسى دعائم العقلانية السيادية، أو القائمة بذاتها، والتي استفادت منها أوروبا لاحقا لدى تأسيسها للحداثة، والثاني عبر التركيز على تيار فكري انتشر في التاريخ العربي في القرنين الحادي عشر والثاني عشر الميلاديين وهمّش لاحقاً، سادت فيه نزعة الأنسنة التي تعتبر روح الحضارة الحديثة . ولكن الدراسات الجادّة في هذا المجال تظهر أن الإتجاه العقلانى لدى ابن رشد لم يكن منفصلاً عن الوحي ولا مؤسساً للقطيعة معه أو الاستقلالية عنه بل كان يهدف إلى إيجاد نوع من التناغم معه وأن نزعة الأنسنة تلك كانت تتفاعل ضمن منهج فكري مؤطر بإطار النظام العقدي الإسلامي والتي لم تهدف إلى جعل الانسان مركز الكون ومصدر المعرفة والقيم. والخطير في مشروع أركون انه لم يكن مقتصرا على محاولة تحطيم السياجات الدوغمائية التي احاطت بالنص المقدّس من أجل التوصّل إلى مقاربة اكثر راهنية له بل أراد التشكيك بهذا النص بالذات خصوصا عبر الغمز في ما شاب عملية تحوّل هذا النص من نص شفاهي الى نص مدوّن وذلك ما عبّر عنه مواربة ب" اللامفكر فيه" أو " ما لا يمكن التفكير فيه ". أما عبد الكريم سروش فقد طرح نظرية معقولة لتحريك الفكر الإسلامي اسماها " قبض وبسط المعرفة الدينية" ومفادها أن أيّ نص، بما في ذلك النصّ الديني، لا يمكن أن يقارب إلاّ من خلال المعارف والتصورات والمفاهيم القبلية المتاحة بنِسَب متفاوتة في كل عصر وهذه تشكل بمجموعها النظارات التي ينظرمن خلالها إلى النص .وبما ان معارف العصر متغيّرة ومتطورة وتخضع لقبض وبسط فأن ذلك يلقي بظلاله على فهم هذا النص. وغنيٌ عن القول أن هذه المعرفة بشرية ونسبية، فلا توجد قراءة للنص يمكن ان نعتبرها صحيحة أو منزهة عن الخطأ، وهذا ما يفتح الباب أمام مشروعية التعددية في فهم النص الديني ويؤدي إلى إثراء الفهم وانفتاح النص على الإشكاليات الحديثة . وعندما حاول سروش ان يطبق هذه النظرية على موضوع السلطة السياسية اجترح مفهوم " الحكومة الدينية الديمقراطية" الذي ادعّى من خلاله أن الحكومة تتألف من ثلاثة أقسام : القيم الأخلاقية والإدارة العلمية للمجتمع والفصل بين السلطات، فأذا استلهمنا القسم الاول من التراث الإسلامي واستعرنا القسمين الآخرين من الحضارة الغربية يمكن ان نؤسس حكومة ديمقراطية دينية ونوجد توافقا بين الإسلام والحداثة . وغني عن القول ان التنظير أعلاه غاية في التبسيط . ولعل سروش فطن إلى هذا الأمر لاحقا فتوجّه إلى نوع من العلمانية الشاملة بطرح مفاده ان القبض والبسط لا يصيب الفهم الديني فقط بل إنه يمسّ الدين ذاته وذلك عبر كتابه (بسط التجربة النبوية) الذي ادّعى فيه ان حقيقة الوحي هي من الله ولكن اخراج الوحي لفظاً وأحكاما هو من مختصات النبي (ص)، فكأن الوحي ينزل معانٍ ومفاهيم كليّة على قلب النبي ويتفاعل هذا المضمون مع وجدانه ثم يخرجه النبي كلاماً واحكاما . وفِي عملية التفاعل والإخراج هذه يخضع النص القرآني لكل العوامل والمؤثرات التي تعتمل في وجدان النبي كبشر من انقباض نفسي أو انشراح أو حزنٍ أو سرور أو همّة أو فتور. وهذا ما دعى المؤسسة الدينية لمخالفته وانتهى به الأمر ان اختار السكنى خارج وطنه. ولقد أدّت المسيرة الفكرية لمصطفى مالكيان الى الوقوع تدريجيا في نفس الاشكالية وذلك بما انتهى اليه من نتائج من ان وعود الدين ومنافعه يجب ان تتحقق في هذه الحياة ومدعياته أيضاً يجب ان يبرهن عليها في هذه الحياة أيضا لا ان ينتظر الناس ليوم القيامة من اجل اكتشاف حقانية الدين من عدمها وفِي المحصّلة انه تبنّى منهجا ما بعد حداثوي يقر بنسبية الحقيقة والعلاقة الهلامية بين الفكر والواقع وهذا ما يطول المجال في تفصيله. ولكن بالرغم من كل ما تقدّم وبالرغم من وجود اتجاهات مختلفة للإجابة على تحدّي الحداثة في العالم الإسلامي والتي قد يناقض بعضها بعضاً احيانا نظراً للتنوع الهائل في هذه الاستجابات فأنه يمكن رصد الظواهر التالية التي سوف يكون لها تأثير مهم على بزوغ حركة إصلاحية كبرى في العالم الإسلامي يكون لها امتدادات في شتى الميادين، وتتلخص في الأمور التالية:

١) نشؤ كُتل مثقفة وواعية على امتداد العالم الاسلامي تتحلّى بالتدين والحس النقدي في آن معا والمنشغلة بطرح الأسئلة الجريئة فيما يتعلق بالمعرفة الدينية وسيادة الانسان على ضميره وخياراته الحياتية والسياسية مما يؤدي في نهاية المطاف إلى بلورة مفهوم سيادة الأمة على نفسها . هذه الكتل منهمكة أيضاً في تطوير قدراتها والمشاركة الفعالة في شتي ميادين الحياة الحديثة وهذا ما يمثل تنمية نوعية للذاتية التي تؤدي في أغلب الأحيان إلى تبيئة مبدأ الرشد . 2) التجسير التدريجي بين مجالي العلوم الانسانية والمعارف الدينية فهذه العلوم، بشتى فروعها، بدأت تطرق إبواب الحوزات العلمية والمعاهد الدينية. وَمِمَّا يعزّز عملية التفاعل هذه وجود آلاف المتخصصين في العلوم الانسانية في العالم الإسلامي الذين يطرحون الأسئلة والإشكاليات الحديثة على النص الديني ويستنطقونه في راهن القضايا التي يعيشها المسلمون ووجود أيضا ثلة من كبار علماء الحوزة الدينية المتخصصون في أمهات المعارف الإسلامية والمنكبون بجدية على قراءة واستيعاب النتاج الفكري والفلسفي الحديث .

٣) سطوة الحضارة الغربية في شتىى الميادين، الأمر الذي أشير اليه سابقا، وما تعنيه هذه الظاهرة من سيادة المنهج العقلاني إذ ان من أهم تعريفات الحداثة " تفشّي العقلانية في شتى مجالات الحياة وإعتبار العقل مصدر المعرفة ومعيارالقيم" . هذا الانتشار للعقلانية على نحو واسع يطرح على المسلم الواعي أسئلة صعبة تتعلق بالموروث الديني وإلى الإلتفات إلى نسبيته والظروف السياسية والاجتماعية التي نشأ فيها، وهي ظروف محض بشرية، وإذا كانت المواجهة مع الحداثة تؤدي إلى نتيجة " كل ما هو صلب يتبخرّ في الهواء " فأن هذه العملية تطال التراث الديني ولا تطال الدين نفسه، وقد بدأت فعلياً عملية تفكيك الموروث لكي يصل الانسان الى الدين ويتعاطى معه بشكل خلاَّق، يتجاوب فيه مع الإشكاليات الراهنة وليكون له دوره اللائق في حياة الانسان. فهل تشهد العقود القليلة المقبلة انبثاق وعي جديد يؤسس لحركة إصلاحية شاملة في العالم الإسلامي ؟

 

د. عماد بزي

 

جعفر نجم نصرإن أهل البيت يمثلون كما هو معروف امتداداً لسيرة النبي الأخلاقية وبكل تجلياتها أذ يعدون ورثته الحقيقيين الى حد كبير، وهم بهذا المعنى ورثة القرآن ومضامينه المتعددة، التي على رأسها الاخلاق، وذلك لأن النبي كان يمثل (خُلق القران) كما أشارت لذلك السيدة عائشة وهم بذلك النحو كانوا مطالبين بقبول الآخر المغاير دينياً وثقافياً والتعامل معه بنحو أنساني لايحده حد او يمنعه مانع، وذلك تمثلاً منهم للقران وآياته التي تحث على الانفتاح والتواصل مع الآخر المختلف دينياً، أذ بحسب قول عبد الكريم سروش: أن أول من غرس بدور التعددية هو الله تعالى الذي أرسل رسلاً وانبياء مختلفين وتجلى لكل واحد منهم بمظهر خاص وبعث كل واحد منهم الى مجتمع خاص ورسم تفسيراً للحقيقة المطلقة في ذهن كل واحد منهم يختلف عن الاخر(2).

ونلاحظ من نماذج هذه الايات القرانية الاشارة الواضحة للتعددية الدينية وصيغ التعامل مع الآخر المغاير :

- {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ} (118، سورة هود) (الاختلاف سنة كونية وجودية بأمر الله تعالى).

- {إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} (17- سورة الحج).

اهل الكتاب وردَ هنا ذكرهم بسياق واحد ولحق بهم المشركون).

{وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ} (5- سورة المائدة).

(هنالك مأذونية قرانية واضحة بتناول أطعمة اهل الكتاب –فالتواصل مباح بالعموم).

{وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ }(52- سورة الانعام).

(ان درجات الايمان متفاوتة، ولكن لابد من قبول الآخر وعدم محاسبته على مايظهر من رؤية دينية خاصة بهِ).

وعليه فمن المتيقن ان أهل البيت كانوا على دراية تامة بهذه الآيات ودلالاتها، وعمقها الانساني الذي يتمثل في التعددية الدينية والانفتاح غير المشروط على الاخر ايا كانت عقيدته او موجهاته الثقافية؛؟ ولكن ما وردَ من مرويات في المدونات الشيعية يشي بخلاف ذلك (كما سنبين لاحقاً)، وهكذا يعني أزاء عدة أشكاليات وهي:

أولا: ان الائمة اجتهدوا مقابل النصوص القرآنية، وجاءوا برؤية مغايرة كلياً، وهذا ما ننفي وقوعه او حدوثه بالمطلق، وبدليل المقدمة الجوهرية من كونهم ورثة اخلاقيات النبي وبوصفهم كذلك حملة القران ومؤلوه بنحو لايتعارض وسيرة النبي الاخلاقية تلك .

ثانيا: ان الائمة اعتمدوا على منطق أسباب النزول، ومن ثم فهم ربطوا الايات بسياقاتها الاجتماعية والثقافية أنذاك، التي أفرزت أطاراً للتعددية الدينية، وهم غير مسؤولين عن أسباب النزول في عصرهم الذي عاشوا فيه، وهذا الامر يمكن الرد عليه من قبيل ان الثوابت الاخلاقية في التواصل الانساني الذي بينه القران لايخضع للضرورات الحياتية وتقلباتها، لان هذا الأمر يرتبط بأحكام تشريعية اخرى من قبل (الرق، او ملك اليمين، او الجهاد...او حقوق المرأة ...الخ)والتي فرضت على النص تأويلاً عصرياً مغاير أو مختلفا، ولكن الثوابت الاخلاقية المعاملاتية هي اخلاق كونية لاشأن لها بالأمور المحلية التي كانت تجري في المدينة المنورة وشروطها الحياتية الخاصة أنذاك.

ثالثا: ان هذه المدونات الشيعية ضمت في متونها مرويات مزيفة لا أصل لها، وقد وضعها الوضاعون، وأسهم في تثبيتها بنحو خاص المغالون الذين أمنوا أيماناً مفرطاً بنظرية الامامة الآلهية والاصطفاء الالهي لآهل البيت مما جعلهم يندفعون في تكفير الآخر أيا كان ونبذه مادام هو لايؤمن بإمامة اهل البيت المطلقة وصنع مذهبٍ دينيٍ او اتجاه فلسفي او فكري مغاير .

اننا نرى في الاشكالية الثالثة منطلقاً جوهرياً لفهم المرويات والاجتهادات الفقهية التي تأسست عليها، والتي كلها تذهب بالعموم نحو عمل القطيعة بين اهل البيت والمغايرين دينياً وثقافياً واجتماعياً.

لقد واجه كافة الائمة هولاء الغلاة الذين نشطوا من زمن مبكر عقب واقعة الطف بحسب تحقيقاتنا، ورد عليهم الامام محمد الباقر وجعفر الصادق، واستمر الرد عليهم الى زمن الامام حسن العسكري، ولقد نقل عن الامام الصادق مواقف كثيرة ازائهم منها على سبيل المثال :وقال مرزام :قال لي ابو عبد الله :قل للغالية توبوا الى الله فانكم فساق مشركون، وقال ابو بصير: قال لي ابو عبد الله ياأبا محمد ابرأ ممن يزعم أناّ أرباب، قلت: برئ منه. قال الصادق: ابرأ ممن يزعم انّا انبياء. قلت: بريء منه، وعن ابي بصير قال: قلت لأبي عبدالله: انهم (اي الخطابية وهي فرقه مغالية) يقولون: انك تعلم قطر المطر وعدد النجوم وورق الشجر ووزن مافي البحر، وعدد ما في التراب، فرفع الامام الصادق يده وقال: سبحان الله، سبحان الله، والله ما يعلم هذا الا الله(3)،

ولهذا فقد اسهم اصحاب الغلو في المذهب الشيعي، والذين تسللوا بمروياتهم الموضوعة والمزيفة الى المدونات الشيعية(4) من احداث القطيعة مع الاخر المغاير لمذهب اهل البيت، وصنعوا للشيعة الصور النمطية الاتية:

انهم الفرقة الناجية الوحيدة، وغيرهم في جهنم وحتى لو كانوا مسلمين!؟.

ان الاتجاهات الفكرية- والفلسفية انذاك (المعتزلة اخوان الصفا/ التصوف/ ...الخ) على ضلال، وان الأولى التمسك بأراء اهل البيت فحسب، وأستمر هذا الامر الى يومنا هذا.

ضرورة القطيعة الاجتماعية التامة مع الاخر المغاير دينياً وثقافياً، واعتماد مبدأ التقية ان كان ذلك الاخر قوياً لاجل التواصل معه للضرورات القصوى.

ولعل تجسيدات ذلك تمثلت بالامور الاتية (على سبيل المثال لاللحصر):

اولاً: يجعلون من اهل البيت دعاة للقتل والتصفية الجسدية، فلقد ورد الاتي: (عن داوود بن فرقد قال: قلت لأبي عبد الله (الصادق): ماتقول في قتل الناصب؟ قال حلال الدم لكني اتقي عليك، فأن قدرت ان تقلب عليه حائطاً او تغرقهُ في ماء لكيلا يشهد به عليك فأفعل. قلت:فما ترى في ماله؟ قال: توهّ ماقدرت عليه (5).

وهذا يعارض القرأن بطبيعة الحال جمله وتفصيلا للنظر لهذه الاية الكريمة:

{ وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ} (6- سورة التوبة). الا نلاحظ تناقضاً واضحاً بين أخلاقيات القرأن ونهجه، وبين هذه المرويات البغيضه؟ ثم الم يرد عن اهل البيت قولهم (كل مايرد عنا أعرضوه على القرأن، فأن تماثلا فأقبلوه وان تعارضا، فأضربوا بما يردعنا عرض الحائط)، او بحسب قول الصادق: (مالم يوافق من الحديث القرأن فهو زخرف)(6)

ثانياً: يجعلون من الايمان بإمامة أهل البيت معياراً لصحة الايمان والاسلام، وهذا ما اشار اليه الكثير من الفقهاء، وناقشه بعض الاكاديمين، فهي: لدى الامام الغزالي والكثير من الاشاعرة من الامور الفقهية، الا ان بعض فقهاء الشيعة امثال علي بن الحسين الكركي (م940)، يعدها من اصول العقائد قائلاً: "يجب على كل مكلف حر وعبد ذكر وانثى ان يعرف الاصول الخمسة التي هي أركان الايمان، وهي: التوحيد، والعدل، والنبوة، والامامة، والمعاد بالدليل لابالتقليد. ومن جهل شيئاً من ذلك لم ينتظم سلك المؤمنين، وأستحق العقاب الدائم مع الكافرين" واضح ان مؤدى قوله تكفير من انكر الامامية (7).

وهذا إشكالية كبرى لاترتبط بخطورة هذا القول، بل بخطورة ضم الامامة مع العقائد وهي أمر ثانوي أمام التوحيد، والنبوة، والمعاد، والعدل، ولعل الخطورة الأشد هو أن توضع او تكتب اطاريح شيعية لاتناقش هذه الاراء، بل توردها كمعيار اساسي من معايير فقه التفكير، والآولى ان تكتب اطاريح حول فقه التعددية الدينية او فقه قبول الاخر، اذ كيف تكتب اطروحة في ذروة عصر التكفير للدفاع عن المعايير(ضمناً) التي تجوز التكفير الا يدل ذلك على توجه اكاديمي غير صائب وليس معتمداً للنهج العلمي ابداً، على الرغم من ذكره للاراء المتعارضة في كل المذاهب وداخل المذهب الواحد ذاته الاان ذلك لايبرر صياغة (شرعّنه اكاديمية) للتفكير ابداً(8).

ثالثاً: شرعنوا رفض الاخذ من المذاهب الاسلامية، بحجة أنهم مخالفين لأهل البيت مما عطل الاجتهاد داخل اروقة المذهب الشيعي لفترة طويلة، ولهذا وجدناهم يهاجمون الفقيه ابن الجنيد الاسكافي (378ت) وهو فقيه شيعي، لانه اخذ بالقياس وفتح باب استنباط الفروع، معتمداً على طريقة فقهاء السنة، اذ رد الشريف المرتضى وقبله استاذه الشيخ المفيد عليه رداً قاسياً؟(9)

وهذا ان دل على شيء فأنما يدل على ان المغالين ومن سايرهم او اعتقد بأرائهم، قد حرم المذهب الشيعي من ارث ديني، فقهي كبير والذي تمثل بجهود الائمه الاربعة الاساسين (المذهب السني) بل وانه أسهم كذلك في عدم الاستفادة من سائر الحركات الدينية والفلسفية التي كانت تسود انذاك في حياة الائمة وبعدهم، هذه الاسس المختلفة (آنفة الذكر) أسهمت في جعل الشيعة طائفة مختلفة الى حد كبير، وان تظاهرات بالانفتاح على الاخر اما تقيةً مرةً وأما تصنعاً مصلحياً لامصدقية فيه تارة اخرى.

ونحن نصل الى الخاتمة فنقول: أيعقل لمن ورث أخلاقيات القرأن وتربى في ظلالها يرى بنفسه الاصطفاء الالهي فحسب ولغيره الخسران المبين؟

 

د. جعفر نجم نصر

استاذ أنثروبولوجيا الدين وعلم اجتماع الدين في الجامعة المستنصرية / العراق .

 .............................

المصادر والهوامش

(2) عبد الكريم سروش، الصراطات المستقيمة / قراءة جديدة لنظرية التعددية الدينية، ت:احمد القبانجي، الانتشار العربي، بيروت ط، 2009، ص203.

(3) أسد حيدر، الامام الصادق والمذاهب الاربعة، المجلد(ج)، دار التعارف للمطبوعات، بيروت، 2001، ص358.

(4) لتفاصيل اكثر يراجع :د.حسين المدرسي الطباطبائي، تطور المباني الفكرية للتشيع في القرون الثلاثة الاولى، دار الهادي، بيروت، ط1، 2008.

(5) محمد بن علي بن الحسين الصدوق، علل الشرائع، تقديم: محمد صادق بحر العلوم، النجف، دار البلاغة، بيروت، ص601.

(6) محمد بن يعقوب الكليني، اصول الكافي، المجلد الاول، دار التعارف للمطبوعات، بيروت، 1998، ص69.

 7)) اسعد عبد الرزاق، فقه التكفير، دراسة في المعايير الدينية لأطلاق حكم التكفير على الانسان، دار سطور، بغداد، ط1، 2018، ص122.

(8) مدار الكلام نحو الكتاب انف الذكر الذي هو بالاصل اطروحة دكتوراه في جامعة الكوفة.

(9) ينظر: د.فؤاد ابراهيم، الفقيه والدوله، دار المرتضى، بيروت، 2012، ص20-22.

 

مفتتح: ماذا يمكن أن يعني بالنسبة إلينا أن يكون "المثقف" بلا "أثر" في الواقع؟

ليس هذا السؤال مبهما إلا بقدر ما اعتدنا المرادفة بين "المثقف" و"المتعالم"، والحال أن هناك فرقا شاسعا وخطيرا يفصل بين ما هو "ثقافي" وما هو "فوضوي، عشوائي، إعتباطي"،لأن الثقافة هي مركز ثقل الاجتماع العام وأهميتها تكمن في كونها مطلبا حيويا دائما يفيدنا في التحرر من تراكم تاريخي للرهاب في ذواتنا الفردية والجمعية، كون أنفسنا مرهقة من أسئلة التاريخ والواقع والمصير والمستقبل، تلك الأسئلة التي تبحث عن إجابات وافية متطورة ودقيقة وحركية في الواقع لا تراوغ الإنسان العربي والمسلم لتبقى الفوضى..!!

لايزال حال واقعنا على ما هو عليه، تارة ترتفع وتيرة فوضى الطوائف وأخرى تلتهب نيران الشؤم والحقد والسب والتكفير في بيادر السياسة ومنابر الدين والاعلام، لايزال العقل لاجئ في سراديب الكتب والحوارات المحتشمة والأروقة المهمومة من آهات الشعوب وسكر الحكام ونفاق المتعالمين وفتنة المارقين عن العصر والانسانية والدين...

الواقع العربي وتجربة التنوير الغربي:

هذا حال العرب في القرن الواحد والعشرين، عصر الوجهة نحو ما بعد الحداثة الانسانية... فمن المفارقات العجيبة أن تجد بهذا الحيز الجغرافي المسمى بالوطن العربي، كل ما يمثل أحد محددات معادلة الحضارة كما تحدث عنها المفكر الراحل الاستاذ مالك بن نبي –رحمه الله-، كما أن تاريخ المنطقة يحاكي ملتقى الحضارات وموطن الاديان السماوية وعنوان ميلاد  مقولات القانون الانساني الأول، بالإضافة لاستيعاب المنطقة من طنجة إلى مسقط ديموغرافيا شبابية لو ملكتها أمة لفتحت العالم برمته ولقادت الامم إلى الصلاح الحضاري والرقي الثقافي، لكن رغم كل هذا لا تزال هذه الأمة تبوء بإثمها وتتقاسم الأعذار وتتقاذف التهم وتتساوم على ذمم بعضها البعض وتتاجر بضميرها لتأكل لحمها حيا وهو مكروه عندها...

من هذا الواقع المحتدم، تتردد عدة أسئلة وإشكالات ورؤى ومطارحات بين المفكرين والمثقفين حول: من أين يبدأ الخلاص؟

هنا تتصارع النظريات وترتفع مستويات البورصات الطائفية وتتزاحم الأجندات الخارجية، كل ذلك من اجل تكريس وتجريب البرامج على الشعوب واستنزاف الطاقات البشرية والطبيعية ومحاولة احتواء خيارات الاستقلال الحقيقي لهذه الشعوب، وبالتالي حتى تداول مشروع الخلاص لدى النخبة، لا يزال يتراوح ضمن حالة ثقافية مناهجها فوضوية ومنطقها مستبد وأدبها متعالي على الجماهير، هناك محنة مبدأ وغربة قيم وانقلاب أخلاقي في عمق الفاعل الثقافي !!

في هذا السياق أعود بالذاكرة إلى عصر الانوار الاروبي حيث كان الفيلسوف الالماني يتواصل بالفيلسوف الانجليزي والفرنسي، للاجتهاد في تحقيق انعتاق حقيقي من أسر الفكر الكهنوتي الأسطوري الإقطاعي المسيطر آنذاك، والذي يتوسل بفلسفة الغفران لاشباع حاجات تفاعلية مع واقع مر، دون الوصول لأسس منهجية في تجاوز المأزق الحقيقي والمركزي في العطل التغييري والاصلاحي وابتكار المسهل للانعطاف الاستراتيجي...

وبعد مخاض عسير وتضحيات جسام استطاعت الفلسفة الغربية الاوروبية الحديثة الولوج بأروبا في منظومة ثقافية جديدة، طورت الديمقراطية من الكلاسيكية والأثينية الهلامية إلى الديمقراطية الواقعية الاجتماعية، ثم وصلت لغاية الديمقراطية الليبيرالية الراهنة التي تعتبر ناشئة بالولايات المتحدة الاميركية مع ميلاد الفلسفة البرجماتية، وعبر كل الانتقالات التي عرفتها الساحة الثقافية الاوروبية تبلورت المشاريع النهضوية ابتداءا بأساسيات بناء الاستقرار السياسي والاجتماعي، من خلال نظرية العقد الاجتماعي لجون جاك روسو وتأثيرات كتابات الخلوص العقلي لهيغل وتسامح جون لوك والفلسفة النقدية لكانط وغيرهم كفرنسيس بيكون من قبل دون إغفال فلسفة مارتن لوثر، حيث تبلورت ثقافة الحوار العلمي والثقافي والنقد الموضوعي البناء، لتثير دفائن العقل الاوروبي  حتى يرتب البيت الثقافي الاوروبي ويرسم فلسفة سياسية ومنطق اجتماعي ونظام اقتصادي، مثلث قائم على اشتغال ثقافي منفتح على الهم الجماهيري ومستلهم للمسؤولية النقدية والدور الاصلاحي التاريخي، هذه التجربة الاممية القريبة من مجالنا العربي والاسلامي زمكانيا والمؤثرة في وعينا الثقافي عصريا، على الرغم من كل المؤاخذات التي انطلقت من عمق التداول الثقافي النقدي فيها، على طول زمن تطور الاجتماع الاوروبي العام...

إلا أن الاطلالة الخاطفة عليها – التجربة التنويرية الغربية- توحي بشكل لافت إلى تقارب كبير في بعض الزوايا والوقائع والجوانب النفسية والاجتماعية الاولى التي تشابه المجتمع الأوروبي فيها مع مجتمعنا العربي، كما تختلف أيضا في عدة معطيات وحقائق وتميزات ذاتية خاصة بالهويات الثقافية والتراكمات التاريخية والخصائص الاجتماعية ناهيك عن التدافع التاريخي بين العرب والروم، لكن كما يقال بالمثل: ما لا يقبل بعضه لا يترك كله، فالموضوعية في فقه سنن الحياة مركزية في المنهج والحركة والتطلع، خصوصا أمام التحديات المتزايدة والضاغطة على العمق النفسي الاجتماعي للأمة في جل الصعد والمستويات...لذلك الجواب عن الاشكال السابق محله من الاعراب هو المثقف الواقعي... !؟

المثقف: من فعل الثقافة إلى قوة الواقع

المثقف الواقعي هو الانسان المفكر المنفتح على المعرفة ومجتمعها والمخاطب للجمهور والمتطلع للواجب والمتحرك في عمق الواقع والملاحق للنكسات والمنظف للوعي من أغبرة التخلف والاستغراق في الماضي والتحسر على الأطلال، إنه ببساطة هو الفرد الذي يعطي للمجتمع من عقله وقلبه وقوته، هو ذلك الانسان الذي يطلق الفكرة بين الجماهير بكل ادواتها الفنية والجمالية ويتابع وظيفتها بكل رزانة وحكمة لتصبغ أفراد الجمهور بوعي جديد ورؤية خلاقة تحاكي العقل الجمعي بفلسفة الواجب والممكن المبسطة والقابلة للتوظيف في عمق الواقع...

المثقف الواقعي هو ذلك الرمز المتواضع للجمهور بنباهته والملقن لبطولته بلا عجب أو زهو جنوني والمتصدي للتخلف بحزم والمراقب لفرص التنمية والتطور والباحث عن مواطن الخلل بجد واجتهاد، يزن نفسه عند كل خطوة ويقدر الأمور بروية ولا يحتقر العامة، حركيته واقعية في الاجتماع العام  تتمثل في حركة الطبيب والمهندس والمعلم والحرفي والموظف والتاجر والإعلامي والفنان وعالم الدين المجدد في حياة الناس، هو كل الناس المؤمنة بالتجديد والتي تتنفس المعرفة والأخلاق كما تتنفس الهواء وتعيش الحرية في عمق مسؤولية العمل واتقانه...

إنه عنوان المنعطف الحضاري المرتجى وغاية آمال الشعوب المقهورة والامم العليلة بأمراض فقر الدم الثقافي والايدز السياسي والغبن الاقتصادي والعوز الاجتماعي، ببساطة إن مثل المثقف الواقعي كمثل الرجل الذي جاء من أقصى المدينة يسعى قال يا قوم اتبعوا المرسلين...

لا ريب أن بين واقع الثقافة وثقافة الواقعية حضور جوهري وجلي في صياغة المفهوم وصيانة المصداق للمثقف الواقعي، هذه السطور ما جاءت لتوزع التهم أو تجتر الهموم أو تحاسب نخب المثقفين والمفكرين والفقهاء، لأن الله تعالى أوضح قضية الانسان بكل صفاء وصدق: ﴿بَلِ ٱلإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَة﴾، كل في موقعه مسؤول، غاية ما في الأمر مشروع المثقف الواقعي هو عين البصيرة الثقافية للأمة بخصوص نفسها الحضارية والرسالية في عمق تهافت الحضارات...و على حد قول فولتير لبطل قصته: اقفز هنا...هنا الوردة... !!

محل المثقف من الإعراب في جملة العرب والغرب ليس النقطة الفارقة في الغرب وإنما نقطة الوجود الحضاري لإنسان على نفسه (الذات والمجتمع) بصيرة، يسعى من خلال واقعيته الثقافية ليحرك ثقافة الإصلاح والتجديد والنهوض في عمق الواقع لينتج وعيا شاملا وإدراكا استراتيجيا لتثبيت أساسات التنوير والمستقبل في الحاضر...

 

بقلم: أ.عبد الحميد محسن – باحث جزائري