 تنوير وإصلاح

العلامة العسكري.. رائد التغيير / سليم الحسني

رغم أصوله الإيرانية، إلا أن العلامة السيد مرتضى العسكري رحمه الله مربتط بالعراق إرتباطاً وثيقاً، فهو عندما يتحدث يقول (نحن العراقيين)، وعندما يتحدث عن إيران يقول (هؤلاء الإيرانيون)،

هذا الشعور العميق الذي إستقر في داخله جعله يكرس حياته من أجل العراق والعراقيين.

 

منذ بدايات شبابه كان العسكري يحمل وعياً تغييراً، فكان يرصد الظواهر السلبية في المجتمع، من أجل أن يعالجها. وقد ظلت هذه الصفة تلازمه طوال حياته، فكل مشروع من مشاريعه، إنما يؤسسه في ضوء ما يرصده من خلل في الواقع، فيسعى الى علاجه عبر مشروع أو أكثر.

 

في الثلاثينات من القرن الماضي، وكما ذكر لي أنه كان يتجول على المواكب والحسينيات في الأيام العشرة الأولى من شهر محرم، وقد أحصى 17 مجلساً من المجالس الحسينية في الكاظمية ليس لديها خطيب ديني، كان الناس يحضرون تلك المجالس للمشاركة في مراسم اللطم فقط، ولم يكن يدور في إذهان القائمين على تلك المجالس أن يستدعوا خطيباً يلقي محاضرة أو مجلساً وعظياً على الناس.

 

وقضى ليلة العاشر من محرم في حسينية السادة الحيدرية في الكاظمية، فكان يراقب مراسم عاشوراء، وكيف يقضي الناس تلك الليلة، فلاحظ أن الحضور كانوا يتبادلون الأحاديث العامة بينهم، بانتظار أن يطلع الفجر ليبدأوا مواكب التطبير.

 

يقول العسكري لقد أصبت بالاحباط حين رأيت أن المؤذن قد رفع الآذان، ولم يقم لصلاة الصبح سوى ثلاثة أشخاص، وطلعت الشمس على الحضور دون أن يزداد عدد المصلين على الثلاثة.

 

وقد أثر فيه هذا المشهد كثيراً، كيف يمكن لناس يسهرون ليلهم من أجل إحياء ذكرى استشهاد الإمام الحسين عليه السلام، دون أن يلتزموا بالصلاة.

 

لم ينس العسكري هذا المشهد، وراح يفكر في أسباب هذا الإبتعاد عن أحكام الدين، ويدرس أسباب التخلف السائد في المجتمع العراقي.

 

خلال دراسته للواقع العراقي توصل العسكري الى أن المجتمع العراقي يعاني من تخلف في مجال الفكر الإسلامي الصحيح، كما ان الساحة خاضعة لنشاط الأحزاب السياسية والمدارس الحكومية، ولاحظ أن هناك نزعة سياسية وفكرية بدأت تظهر في الساحة وهي محاولة نشر الفكر الإلحادي والعداء للإسلام.

 

وفي ضوء هذه النتيجة قرر أن يعمل على معالجة التخلف وإحداث تغيير في المجتمع من خلال ثلاثة مشاريع مترابطة، يدعم أحدهما الآخر.

 ـ  تصحيح الأفكار والمفاهيم الدخيلة على الإسلام.

 ـ رفع المستوى التعليمي وفق منهج إسلامي.

 ـ التحرك سياسياً عبر تشكيل حزب إسلامي.

 في أجواء يحكمها الركود عاشها العراق في تلك الفترة، كانت تبدو هذه المشاريع خيالية، ولم يكن بمقدور فرد أن ينهض بها بمفرده، لكنها بالنسبة لشخص مثل العسكري أمر ممكن، فالعلامة مرتضى العسكري رحمه الله، يتمتع بهمة يندر توفرها عند الآخرين، وحين يقتنع بمشروع، يصر على إنجاحه حتى لو طوَحه الفشل مرات ومرات.

 

لقد وصلت الى هذا التقييم عن العسكري عندما كان يحدثني عن تجاربه، وعندما كنت أرى حركته وقد تجاوز الثامنة والثمانين من العمر، كان يفكر ويعمل على مشاريع فكرية جديدة، وكأنه في ريعان الشباب.

 

لا المرض ولا الشيخوخة ولا كثرة الأعمال والمشاكل تعيق همته، فما يريد أن ينجزه لا بد أن ينجزه، وما يقتنع بأنه نظري لا بد أن يحوله الى واقع عملي، والفاصلة بين النظرية والتطبيق عنده تكاد تكون معدومة.

 

ويعود السرَ في نجاحاته وفي إصراره على تنفيذ ما يؤمن به، انه يصرف وقتاً طويلاً في التفكير والدراسة والتخطيط، قبل أن يضع قدمه على طريق العمل، فإن وضعها، فلا يمكن له بعد ذلك أن يتركها واقفة، ويستحيل عليه أن يرجع بها الوراء، الخطوة الأولى تعني عنده بداية مسيرة، يتحدى بها أي عقبة، يصر على المضي، حتى لو كان الموت في النهاية، بل أنه خطط لمشاريع في المجال السياسي، كان الموت محطة فيها.

 

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها. (العدد: 1451 الخميس 08/07/2010)

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 1402 المصادف: 2010-07-08 14:33:26