 تنوير وإصلاح

محمد حسين فضل الله.. حين ألتقيته أول مرة / سليم الحسني

في شتاء 1981، كانت المرة الأولى التي أراه وجها ً لوجه، كان ذلك في دمشق في شقة اسكنها مع مجموعة من الدعاة، دخل وقت الظهيرة مع الأخ فؤاد الدوركي القيادي في حزب الدعوة،

فتحدث حديثاً موجزاً عن المحنة والهجرة ومعاناة العاملين، ثم راح يوجه لنا الكلام:

 

"أنتم الذين تصنعون التجربة، أما أنا فأكتب من وحي تجاربكم، أنتم تصنعون التاريخ، أما نحن فنكتب، ولو لا عملكم الميداني لما استطعنا أن نكتب".

 

كانت العبارات تخرج من قلبه صافية دافئة، يزيدها صوته الرخيم صفاءً ودفئاً، وتضفي عليها نظراته الهادئة جواً من الشعور الروحي يملأ المكان.

 

هذا هو السيد محمد حسين فضل الله، الذي عرفناه في أوائل السبعينات من خلال سلسلته (مفاهيم اسلامية عامة) وتواصلنا معه في كتابه الشهير (قضايانا على ضوء الإسلام) والذي كان مصدراً من مصادر الفكر الحركي في تلك الفترة، بل كان أهم كتاب حركي تشهده الساحة الإسلامية الشيعية، وقد تداوله الدعاة بشغف، يوصي أحدهم الآخر بقراءته، ولا أظن أن أحداً من حزب الدعوة لم يقرأ ذلك الكتاب، ويعيره لغيره أو يرشد الآخرين اليه.

 

هذا هو السيد فضل الله يجلس أمامنا متواضعاً في سلوكه وكلامه، ينفخ فينا روح الثقة، يريد أن يملأنا إصراراً على المواصلة، ويحملنا مسؤولية صناعة التجربة. وهو الذي كتب (خطوات على طريق الإسلام) الكتاب الذي كان يبحث عنه الدعاة في المكتبات، ليقتنوا أكثر من نسخة يتداولونها بينهم، وقد منعته السلطة البعثية، فكان يجري تداوله سراً، لأنه كان اضافة ثانية من رائد الفكر الحركي، وتأسيساً متيناً لمنهجية العمل الحركي.

 

جلس يستمع الى أسئلتنا، يجيب بطريقته الفريدة، يغرز المفهوم الحركي في العقل، ينطلق من القرآن والحديث، وكنا نلتقط كل كلمة يقولها، فالذي يتحدث هو تحديداً محمد حسين فضل الله الذي كتب (الإسلام ومنطق القوة) وفيه عرض الفكر الحركي المعتدل، والمنهج القرآني الداعي للإعتدال والتسامح وسط أجواء صاخبة يغلب عليها الانفعال والتشنج، فتحدى تيار الغضب ليقول كلمته المعتدلة، وتصدى لفورة الحماس ليقلل من غلوائها.

 

كان يستمع ويجيب، ثم يتطلع الى الوجوه بنظراته الأبوية التي تدعونا الى طرح المزيد من الأسئلة، ليجعل المناسبة حوارية بالدرجة الأولى وليست محاضرة من عالم ديني لأتباعه، كيف لا، وهو رجل الحوار الذي كتب (الحوار في القرآن الكريم) الكتاب الذي رغم كل إشتهاره وتعدد طبعاته يبقى غير مقروء قراءة تامة، لقد وضع فيه اسس الحوار ومرتكزاته ومنهجيته، وأراده أن يكون برنامج عمل لكل مسلم، والصفة الأولى للعاملين بعيداً عن منطق التكفير والعنف والإلغاء والتقاطع.

 

إنتهى اللقاء وهمّ بالمغادرة، يملأ المكان بالدعوات يتأمل الحاضرين واحداً واحداً، كأنه يرى في وجوههم سنوات شبابه، يوم شارك الجيل السابق في نشر الدعوة الإسلامية من النجف الأشرف الى الآفاق الواسعة، وكان قطباً من أقطاب الحزب، يحول توجهاته الى فكر حركي يخترق الظلام فيوقد فيه الشموع، ويراجع التجربة الفتية فيقدم لها النقد والعلاج.

 

ودعنا يشد على أيدينا، ونتحسس كفه الحانية التي كتب فيها قصائده للدعوة والدعاة، وبقيت قصيدته (كالأساليب القديمة) خالدة متجددة، ادرجتها إحدى النشرات الحزبية، كنموذج للأدب الرسالي الهادف.

 

في اللحظة التي صافحته قال له الأخ فؤاد الدوركي: إنه كاتب وله كتاب مطبوع في بيروت (نظرة على الاستراتيجية الإسرائيلية).

 

إبتسم بتفاؤل، راح يسألني عن الكتاب وفصوله، ووجه لي دعوة الى بيروت، وشجعني على الكتابة في مجلة المنطلق، وكانت في تلك الفترة أحدى المجلات الواسعة الإنتشار في الساحة الثقافية الاسلامية.

 

في أول عدد للمنطلق بعد هذا اللقاء، قرأت تعريفاً لكتابي على صفحاتها، ثم أرسل لي يؤكد دعوته للمجئ الى بيروت، لكن ضوابط العمل الحزبي كانت تفرض عليّ وجهة سفر أخرى، فقد غادرت دمشق بعد أيام الى طهران، وهناك وبدءً من  أواخرعام 1981 كانت لقاءاتي به يومية ولعدة ساعات، كلما جاء في زيارة الى إيران.

 

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها. (العدد: 1452 الجمعة 09/07/2010)

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

حفض الله الاخ سليم سليما معافى: اما بعد لايمتلك الانسان كل الحقيقة مهما اوتي من علم ودراية ومهمااعتقد فان للنفس بل وقل للهوى نعم انه الصدق نسبة وان قلت ولايخلو اخي السليم من هذه ولاكن جزاه الله خيرا فاني وجدت في ثنايا الكلام المنقول عنه وهو يروي قضية الانقسامات التي حدثت في (81) و(99) اوجز في الاول وتجنى عامدا عالما على من قال عنه انه كان شخصية فكرية للحزب وكاتب معضم نشراته وهو الذي كان يبذل مساعيه في توحيد صفوف الحزب ويخوض المفاوضات وعامدا يقول زوج من اشار اليه امى سبب الانقسام فموضوعه(فصل شهداء الطف) ايها الاخ العزيز والمؤتمر قد اكتملت كل مقدماته الفنية ووجهت الدعوة الى الكل فابى من كان السبب الا ان يفاجىء المتتبعين باعلان انعقاد مؤتمر لم ندعى له وللحديث بقية ودمتم سالمين

سامي عبد الامير ناصر السوداني/ابو مريم
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 1403 المصادف: 2010-07-09 03:45:20