 تنوير وإصلاح

إمكانيات العبور إلى الضفة الأخرى .. خطوات أولية نحو "التسامح ومنابع اللاتسامح، فرص التعايش بين الأديان والثقافات" لماجد الغرباوي (1) / حسين عجة

hussain_aghaالمنهج: يبدو أن الكاتب والمبدع ماجد الغرباوي ضمن حقل التفكير الديني والمجتمعي، قد كتبَ دراسته المعنونة: "التسامح ومنابع اللاتسامح .. فرص التعايش بين الأديان والثقافات"

كمقالة روحية مصاغة بدفعة واحدة، وبنفس لاهث في غالب الأحوال، لكنها متسائلةً في كل خطوة من خطواتها. تلك فضيلة، لا نسعى للتعليق عليها مؤقتاً، ذلك لأنها ميزة شخصية واضحة في سلوك الرجل، كما في رؤيته لإشكاليات وتشابكات الأمور المعتقدية، المفاهمية والسلوكية.

 لا يمكن القول بأن القارىء يجد نفسه حيال دراسة "إكاديمية"، بالمعنى الشائع للمفردة، إذ لا يعثر المرء فيها على فصول محددة، تُشبع، كما يُقال، "الموضوع" بعد تقسيمه ووضعه على طاولة التشريح الشهيرة؛ إدعاء يتجنبه الكاتب بإحتراس وإمانة، غير أننا نلتقي بعناوين فرعية تضيفُ، في كل مرة. وبالرغم من حركيتها السريعة، إضاءات عديدة ومتنوعة تخلو من أي إلتباس أو غموض قد يحيط بقطبي المشكلة أو مفهوميها المركزيين: "التسامح ومنابع اللاتسامح". إذ يجري تقليب هاتين المفردتين - السلوك والتعامل من جميع الجوانب تقريباً: الإشتقاقية، المعرفية، الإنثروبولجية، وبشكل خاص عبر شعاعها الوحيد: التفكير والسولك الديني، وفقاً للتعاليم الإسلامية، التي يراها المؤلف سراجاً وافياً، أو مصباحاً ينبغي علينا الإستضاءة بنوره، إذا ما كنا عازمين حقاً على الخروج من نفق الإحكام المسبقة: الجهل، العصبيات، التقاتل، الموت وتخريب حق الآخر، ليس في التعبير عن آرائه، معتقداته الذهنية والروحية والالتزام بسلوكه اليومي وحسب، بل وأيضاً تخريب آدميته وتشويهها. تلك نقطة أو مرتكز أخلاقي لا يتخلى عنه الغرباوي ولا يتسلم طريقاً آخر غيره. بيد أن الإصرار على التمتع بحس أخلاقي، نابع عن التعاليم الإسلامية والنص القرآني، لا يُنسي كاتبنا أهمية مكاشفة القارىء بالمنهج الذي علينا إتباعه والتأكد من صحة تحاليله ونتائجها.

هنا، يقترح المؤلف ويصرح بوضوح على أن المنهج الذي إختاره لدراسته هو المنهج: العلمي. لكن ما الذي تعنيه هذه المفردة التي غدت اليوم مُطلسمة نوعماً أو إلى حد كبير، في عصر تعددية العلوم والتكنولوحيا المنفلتة؟

 أول ملامح ذلك المنهج، التي نتبينها هنا، إنطلاقاً من عنوان الكتاب، هو: "التسامح ومنابع اللاتسامح: مقاربات تمهيدية".

من الجوهري، من وجهة نظرنا، التمسك بقوة، على صعيد المنهج، بتعبير "مقاربات تمهيدية". ذلك لأنها تمنحنا فرصة أو إمكانية الإبتعاد، منذ الخطوات الأولى، عن إدعاء الهيمنة على القضايا والمشكلات التي يسعى الباحث على فحصها وبالتالي تقدّيم مقتراحاته حيالها؛ تلك قاعدة عامة، إن كان ذلك في حقل التيولوجيا أو غيره. ومن ثم تفتح الباب واسعاً لا للحوار ومجادلة الطروحات الأساسية التي يقدمها الكاتب وحسب، بل وأيضاً التخلص من عقدة القبول والرفض المطلق العمياء.  نحن، إذاً، إزاء مسعى يهدف إلى التقرب من من فهم الإشكاليات المطروحة، وليس وضع حلولاً نهائية لها، أو حلول برانية، مكتفية بذاتها حيال ما تعالجه، فالمقاربة تتمتع تماماً بذات الوظيفة التي تقوم بها "الفرضيات" فيما يتعلق بالطرح الذي يخص فيه العالم موضوعه. لكن كيف فهم تلك "المقاربات التمهديدية"، حينما يرتبط التساؤل بالتحاليل الدينية؟

تعني المقاربات، بمعناها الواسع، التمتع بحاسة خاصة ومتميزة ازاء العوائق، المطبات، الإفخاخ، طبقات الإحكام المسبقة، والتي تراكمت عبر قرون عديدة من الجهل التام بالنصوص والواقع، وكذلك في أزمنة المعرفة السطحية. بالإضافة إلى ذلك، لا يكفي، كما يوصينا الكاتب بإلحاح على ذلك، قول المرء إلتزامه بالمنهج العلمي، كسبيل لتقليب المشكلات المتداخلة بقوة فيما بينها، لكي يتمَ التميّيز بين خاصية أو طبيعة كل واحدة منها. فلو تركنا أنفسنا تنساق نحو وهم كهذا، سوف لن يكون هناك ما يمنع المنهج نفسه من التحول إلى نوع من العقيدة الوضعانية الثابتة، التي ستقتل، حتماً، ثمار فرضياته الأولى، ويالتالي سيضيع ويتلاشى تلقائياً المنهج نفسه، إذا ما تم تطبيقه من الخارج، كآلة أو واسطة لا علاقة لها ولا تنتمي للمشاكل التي يُراد معالجتها (الإستخدام الإدواتي للفكر). لهذا لا يكف المؤلف عن القول بأن استخدامات المنهج العلمي، ومهما كانت آثارها ونتائجها الملحوظة ستظل دون أية فائدة تقريباً، إذا لم تستند وترتكز على بعد آخر، قد يبدو من الوهلة الأولى لا علاقة له لا بالعلم ولا بالدين أيضاً. فمغبة فهم تلك المقولة قد يقود المرء نحو الفهم الخاطىء على أنها مقولة بسيكولوجية. أو مجرد إلحاق إنثروبولوجي لقيم إيمانية وفقهية قد تجذرت عبر تجربة لا تاريخ لها من عمر الإنسانية؛ يتمثل ذلك البعد بما يطلق عليه الغرباوي صراحة اسم العودة "الجذرية" إلى "الذات".

 tasamoh2

العودة إلى الذات

نفهم، إذاً، بأن الدوافع التي ترتكز عليها برامج ومشاريع الإصلاح السلوكي للإفراد والجماعات، التي يتكرس كتاب "التسامح واللاتسامح.." على معالجتها لا تقتصر على إطلاق دعوات مثالية خيرة ووعظية، تكتفي بدعوة الجماعة الدينية أو حتى عموم البشر إلى الإسترشاد بمنافع السلوك الخير، المفهوم بعجالة على أنه منفصل عن الدوافع اللاخيرية أو الشريرية، أو الإعتماد فقط على فضائل عامة وإن كانت فضائل العقل نفسه.

 لماذا؟ ذلك، لأن المؤلف يعرف بأن مسألة العودة إلى الذات هي بمثابة عملية تنقيب عسيرة، تكاد تكون موجعة، مع أنها غير مستيحلة. لكن ليس بمقدور كل واحد منا، إذا ما بقي فقط على مصاف نواياه الطيبة وكسله العقلي القيام بها. من هنا نلتمس حساسية الغرباوي وحرصه على إزالة أي لبس من حول "التسامح واللاتسامح" ذاتيهما، فهما، كما يؤكد على ذلك، ليسا محض مقولتين، ولا حتى مفهومين فلسفيين أو لاهوتيّين. كذلك لا يمثل "التسامح" و"اللاتسامح" عنده قيمتين يمكن دسهما أو وضعهما ضمن قائمة القيم الشائعة والمتبادلة. بل طرائق عيش وتعامل مع النفس والآخر. أن دعوة "العودة إلى الذات"، ووفاءً منها لمنهجها العلمي الذي اختارته بحرية، والذي ليس بمقدوره جلب أية ثمار ما لم يضعُ في صميمه بعد ثان قد يشكل عبأ آخر عليه. يتمثل ذلك البعد بمقولة "العودة"، التي ينبغي عليها، بدورها، إقتفاء طريق المصارحة الحقيقية، الرغبة والعزم الجادين في الوصول إلى بناء ثقافة، فكر وحضارة لا تنبني على مرض عضال من الأوهام الفردية عن تملك الحقيقة، ومن ثم النظر إلى الآخر ببغضاء تقصيه عن ميدان الحوار العام باعتباره ما يناقض المعتقد الذي يتشبث فيه كل واحد منا وكأنه ملكيته الخاصة. هنا، يضع الغرباوي أو يقترح علينا، حتى قبل أن نتساءل ما هي آليات العودة إلى تلك الذات، أو كيف، معايير إيجابية أربعة؛  تقتضي  إشكالية العودة ما يلي :

1-"مراجعتها ونقدها، والوقوف على مواطن الخلل فيها لتقويمها ومعالجتها".

2-"الإرتكاز إلى قيم جديدة تستبعد الكراهية والحقد، وتتفتح على الإنسانية والدين".

3-"ينبغي البحث عن الدوافع الحقيقة وراء ثقافة الموت والإستهانة بالحياة وتكفير المجتمع".

4-"تقصي المفاهيم المسؤولة عن صياغة البنى الفكرية والمعرفية لعدوانية المرء تجاه الآخر، أياً كان الآخر داخلياً أم خارجياً، دينياً أم سياسياً".

لهذه المعايير الأربعة الإيجابية التي تضبط عملية "العودة إلى الذات" يضيف المؤلف معياراً سلبياً آخر، يحذرنا منه :

5-"لنفهم أيضاً كيف يستمرىء الإنسان القتل والإحتراب ويرفض السلم والوئام".

 

فعل أو حركة العودة إلى الذات ليست بالأمر الهين، إذاً، كما يتخيل بعضنا. ذلك لأن التغافل عن واحدة من شروطها الخمسة، الموضوعة أمام أعيننا بحدة، سيقود، حتماً، إلى أخراج إشكالية "التسامح واللاتسامح" من تشكلها التاريخي، هنا يستشهد المؤلف بمقولة لفولتير، سنحاول معالجتها فيما بعد؛ وبالتالي يفرغها من روحيتها الحية ودينامكيتها المتأصلة في السلوك العام للأفراد والمجتمعات، والمغيبة بحكم الجهالة، التجهيل، وحتى رخاوة المصطلح ذاته.

ما هو، إذاً، ذلك التسامح الذي يصر عليه الغرباوي ويطالبنا، بمنشادة أقل ما يقال عنها قلبية، في زمن التواطئات العظمى، المبايعات المفضوحة، والتنازلات المُخيبة، بل الإجرامية حتى؟ يحدثنا الكاتب، مرة أخرى، أو يذكرنا بالأحرى بالضرورة القصوى على فهم ما نحن بصدد قوله والتبشير له، ليس كتوصيات ونصائح عابرة، بل ما يشبه القياسات الحاسمة، الدقيقة، والموزونة بحرص لا تميل فيه كفتي القبان نحو جهة واحدة :

"التسامح ليس مجرد مفهوم يُراد استنباته ضمن النسق القيمي للمجتمع، وإنما هو نسق ثقافي وفكري وعقيدي مغاير، له آليته في العمل، واسلوبه في التأثير، ومنهجه في التفكير، وطريقته في الإشتغال".

 

حسين عجة

كاتب واديب – فرنسا

 

..................................

كتاب: التسامح ومنابع اللاتسامح .. فرص التعايش بين الاديان والثقافات للكاتب والباحث ماجد الغرباوي. وقد صدر الكتاب بطبعتين: الاولى: عن مركز دراسات فلسفة الدين، والثانية عن معهد الحضارية.

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (العدد: 1744 الاحد 01/05 /2011)

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 1699 المصادف: 2011-05-01 03:40:22