 تنوير وإصلاح

السيد جمال الدين الافغاني .. جيفارا الشرق / رافد علاء الخزاعي

rafed_alkozaiان ماجرى على الامة الاسلامية من انحطاط فكري وضعف في اواخر الدولة العثمانية وعلى الامة العربية بالخصوص من انتشار الامية والجوع والفقر والجهل والمرض والتسلط الاستعبادي

من قبل الحكام جعل الشعوب الاسلامية في سبات وسط الايمان بالقدر المتأصل من فكر وعاظ السلاطين الذين يبررون للحكام تسلطهم بفتاوي ابتداءت منذ تاسيس الدولة الاموية وتحويل الفتوى بيد الحاكم المسلط وتنويم الجماهير ان هذا هو قدرهم المحتوم وليس عليهم الا بالدعاء وان اعمالهم هي من سلطت عليهم الحاكم هذه الدوامت بقت في ضميرالكثيرين من ابناء الامة الاسلامية.ولكن لكل عصر يجب ان يظهر منور لهذه الامة يفتح امامها الافاق ويعيد لها الضياء لتتلمس الطريق.كانت الامة تعيش صراع قومي بأطر طائفية وكانت هذه المشكلة تحدد من بزوغ مفكر يوحد كل الامة بفكره لان هويته ستصطدم بطائفية مقيته وستجعل حول افكاره اسوار عديدة تمنع الجماهير من استلهامها.

من خظام هذه الاحداث بزغ السيد جمال الافغاني الذي وعى هذه الاشكالية  بفكره الثاقب من دراسة مستنبطة لواقع الامة المترامي والمتصارع  فكان شعاره الذي استنبطته من قراءة سيرته الغنية بالمواقف والتحديات (تمويه الاصل والهوية من اجل نشر الفكر) ولذلك نرى اختلف الكثير حول مكان ميلاده واصله )فاختلف المؤرخون والحكومات في الادعاء لانتساب السيد جمال الدين لهم فايران تدعي انه ولد في ايران في منطقة فالمرزا لطف الله خان  يقول ان السيد في قرية اسد باد في اصفهان ايران في عام 1254 هجرية,1838 م.اما الرواية الافغانية فتقول انه ولد سنة1939 م في اسد أبادفي أسد آباد(اسعد أباد ) إحدى القرى التابعة لولاية كنر(كنار) من أعمال كابل عاصمة الأفغان، ووالده السيد صفدر من سادات كنر الحسينية، ويرتقي نسبه إلى عمر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضى الله عنه .

كانت مخايل الذكاء، وقوة الفطرة، وتوقد القريحة تبدو عليه منذ صباه، فتعلم اللغة العربية، والأفغانيةو الفارسية, وتلقى علوم الدين، والتاريخ، والمنطق، والفلسفة، والرياضيات، فأستوفى حظه من هذه العلوم، على أيدي أساتذة من أهل تلك البلاد، على الطريقة المألوفة في الكتب الإسلامية المشهورة،  وقد زار النجف الاشرف مع والده وبقى فيها سنة كاملة يتتلمذ على خيرة شيوخها وعلمائها وأستكمل الغاية من دروسه وهو بعد في الثامنة عشرة من عمره، ثم سافر إلى الهند، وأقام بها سنة وبضعة أشهر يدرس العلوم الحديثة على الطريقة الأوروبية، فنضج فكره، وأتسعت مداركه. وكان بطبعه ميالاً إلى الرحلات، وأستطلاع أحوال الأمم والجماعات، فعرض له وهو في الهند أن يؤدي فريضة الحج، فأغتنم هذه الفرصة وقضى سنة ينتقل في البلاد، ويتعرف أحوالها، وعادات أهلها، حتى وافى مكة المكرمة في سنة 1857 م - 1273 هـ، وأدى الفريضة.

من خلال هذه السيرة نرى الافغاني خلال سفراته اطلع على احوال الامة وهو ذلك الشخص الفطن  فشخص الامراض التي تنخر بها  وعرف الحل هو التغيير ....الفكر التنويري...الثورة...على الواقع المزري وبداءت افكاره عمليا في التطبيق في افغانستان فكانت تموج في صراع بين  الامير شيرعلي خان الموالي لبريطانيا واخيه الاميرشير محمد خان الموالي لايران وروسيا  الذي جعا من السيد احد وزرائه ومستشاريه... وكان أول عمل له مرافقته إياه في حملة حربية جردها لفتح هراة، إحدى مدن الأفغان، وليس يخفى أن النشأة الحربية تعود صاحبها الشجاعة، وأقتحام المخاطر، ومن هنا تبدو صفة من الصفات العالية، التي أمتاز بها جمال الدين، وهي الشجاعة، فإن من يخوض غمار القتال في بدء حياته تألف نفسه الجرأة والإقدام، وخاصة إذا كان بفطرته شجاعاً.

ففي نشأة الأفغاني الأولى، وفي الدور الأول من حياته، تستطيع أن تتعرف أخلاقه، والعناصر التي تكونت منها شخصيته، فقد نشأ كما رأيت من بيت مجيد، ازدان بالشرف وأعتز بالإمارة، والسيادة، والحكم، زمناً ما، وتربى في مهاد العز، في كنف أبيه ورعايته، فكان للوراثة والنشأة الأولى أثرهما فيما طبع عليه من عزة النفس، التي كانت من أخص صفاته، ولازمته طوال حياته، وكان للحرب التي خاضها أثرها أيضاً فيم أكتسبه من الأخلاق الحربية، فالوراثة والنشأة، والتربية، والمرحلة الأولى في الحياة العملية، ترسم لنا جانباً من شخصية جمال الدين الأفغاني.....

من هنا بدات قصة السيد جمال الدين الافغاني الذي يلبس العمة السوداء واخذ دوره عارفا ان بريطانيا هي العدو الاول للاسلام وهي من تثير المشاكل في تحضير لاحتلال البلاد الاسلامية بعد موت الرجل المريض الدولة العثمانية وهذه المرحلة كان لها أثرها في الإتجاه السياسي للسيد جمال الدين، فقد رأيت مابذلته السياسة الإنجليزية لتفريق الكلمة، ودس الدسائس في بلاد الأفغان، وإشعال نار الفتن الداخلية بها، وأصطناعها الأولياء من بين أمرائها، ولا مراء في أن هذه الأحداث قد كشفت للسيد جمال الدين عن مطامع الإنجليز، وأساليبهم في الدس والتفريق، وغرست في فؤاده روح العداء للسياسة البريطانية خاصة، والمطامع الاستعمارية الأوروبية عامة، وقد لازمه هذا الكره طوال حياته، وكان له مبدأ راسخاً يصدر عنه في أعماله وآرائه وحركاته السياسية.

 وانتهى النزاع في انتصار شير علي المولي لبريطانيا فاضافت هذه التجربة الاولى له دروس وعبر في يجب ان يستحضر الامة من اجل النصر وتنويرها للخطر الحقيقي الذي يداهمها ويبداء بحركته الاصلاحية. وبعد ان ترك له اكثر من طالب ومعجب سافر الى الهند منفيا بحجة الحج  ....وهنالك في الهند كانت شهرته قد سبقته إلى تلك الديار، لما عرف عنه من العلم والحكمة، وماناله من المنزلة العالية بين قومه، ولم يكن يخفى على الحكومة الإنجليزية عداءه لسياستها، ومايحدثه مجيئة إلى الهند من إثارة روح الهياج في النفوس، خاصة لأن الهند كانت لا تزال تضطرم بالفتن على الرغم من إخماد ثورة سنة 1857م، التي ساهم بها في رسائله الى علماء الهند المسلمين, فلما وصل إلى التخوم الهندية تلقته الحكومة بالحفاوة والإكرام، ولكنها لم تسمح له بطول الإقامة في بلادها، وجاء أهل العلم والفضل يهرعون إليه، يقتبسون من نور علمه وحكمته، ويستمعون إلى أحاديثه ومافيها من غذاء العقل والروح، والحث على الأنفة وعزة النفس، فنقمت الحكومة منه اتصاله بهم، ولم تأذن له بالاجتماع بالعلماء وغيرهم من مريديه وقصاده، إلا على عين من رجالها، فلم يقم هناك طويلاً، ثم أنزلته الحكومة إحدى سفنها فأقلته إلى السويس.

في مصر جاء مصر لأول مرة أوائل سنة 1870م - أواخر سنة 1286 هـ، ولم يكن يقصد طول الإقامة بها، لأنه إنما جاء ووجهته الحجاز، فلما سمع الناس بمقدمه حتى اتجهت إليه أنظار النابهين من أهل العلم، وتردد هو على الأزهر، واتصل به كثير من الطلبة، فآنسوا فيه روحاً تفيض معرفة وحكمة، فأقبلوا عليه يتلقون بعض العلوم الرياضية، والفلسفية، والكلامية، وقرأ لهم شرح "الأظهار" في البيت الذي نزل به بخان الخليلي، وأقام بمصر أربعين يوماً، ثم تحول عزمه عن الحجاز، وسافر إلى الأستانة. فخلال تلك الفترة كون مجموعة من الاصلاحيين من طلبته منهم محمد عبده وسامي البارودي واحمد عرابي ورفعة الطنطاوي وهم  من بدواء بثورة احمد عرابي الشهيرة.

وفي الاستانه التف حوله مجوعة من الشباب , وتعلم اللغة التركية بسرعة هائلة واصبح خطيبا مفوها بها، فلقي من حكومة السلطان عبد العزيز حفاوة وإكراماً، إذ عرف له الصدر الأعظم عالى باشا مكانته، وكان هذا الصدر من ساسة الترك الأفذاذ، العارفين بأقدار الرجال، فأقبل على الأفغاني يحفه بالاحترام والرعاية، ونزل من الأمراء والوزراء والعلماء منزلة عالية، وتناقلوا الثناء عليه، ورغبت الحكومة أن تستفيد من علمه وفضله، فلم تمض ستة أشهر حتى جعلته عضواً في مجلس المعارف، فاضطلع بواجبه، وأشار بإصلاح مناهج التعليم، ولكن آراءه لم تلق تأييداً من زملائه، ولم يكن على وفاق مع شيخ الإسلام حسن فهمي أفندي، وفي رمضان سنة 1287 هـ - ديسمبر سنة 1870م، رغب إليه مدير دار الفنون أن يلقي فيها خطاباً للحث على الصناعات، فاعتذر باديء بدء بضعفه في اللغة التركية، فألح عليه، فأنشأ خطاباً طويلاً كتبه قبل إلقائه، وعرضه على نخبة من أصحاب المناصب العالية، فأقروه واستحسنوه.

وألقى الأفغاني خطابه بدار الفنون، في جمع حاشد من ذوي العلم والمكانة، فنال استحسانهم، لكن خلافًا حدث بينه وبين شيخ الإسلام، وأصدرت الأستانة أمرها إلى المترجم بالرحيل عن الأستانة بضعة أشهر، حتى تسكن الخواطر، ويهدأ الاضطراب، ثم يعود إليها إن شاء، ورغب إليه بعض مريديه أن يتحول إلى الديار المصرية، فعمل برأيهم وقصد إليها.وقد التف حوله  مدحت باشا الذي سيكون له شان كبير في اقرار الدستور العثماني فيما بعد.

ورجع لمصر فالتف حوله الكثير من الشباب العرب الذين سيكون لهم شأن في الثورات العربية مثل عبد القادر الجزائري وعبد الكريم الخطابي  وقد ساهم في اعداد ثلة من الخطباء وكتاب المقالات التنويرية للمساهمة في اعداد حركة الاصلاح الشامل.

 وقد دخل الماسونية  للغوص فيها واكتشاف اسرارها واساليبها لكي يساهم في ايجاد السلاح الفعال لاجتثاثها من العالم العربي والاسلامي لانه يعرف انها اداة لترسيخ الاحتلال والمهانة للامة .ونفي لباريس ولندن وامريكا وانشى صفيحة العروة الوثقى لتكون منار للثائرين والمصلحين .وقد ساهم مساهمة فعالة في ثورة التنباك الايراني والحد من سيطرة البريطانين على تجارته في ايران بالاستعانة لمرجعية الشيرازي في سامراء برسالة مطولة في عشرين صفحة كتبها له من البصرة وكانت اجابة المرجع الشيرازي مختصرة وبفتوى اسقطت السيطرة البريطانية (ان تدخين التنباك هو عمل كمحاربة الامام الغائب صاحب العصر والزمان) وقد اسقطت هذه الفتوى الاتفاقية  واقرار الدستور الايراني الاصلاحي.

من خلال مسيرة الافغاني التاريخية السريعة ان الافغاني  كان تمويه شخصيته (في تغييره ألقابه.. فهو الأفغاني، والحسيني، والكابلي، والاسطنبولي والأسد آبادي، ولم يقتصر التكيّف على ألقابه، بل كان زيّه هو الآخر يتبدل حسب ظروف وتقاليد المجتمع الذي يحل فيه، فمن العمائم السوداء والبيضاء، والخضراء إلى طربوش أزهري أو تركي، وعقال وكوفية حجازية).

جعلته مقبول فكريا من الجميع واستطاع بث افكاره بقوة والتأ ثير على الاخرين كما ساهمت رحلاته في البلاد الاسلامية من افغانستان وايران والنجف والهند ومصر والشام والاستانة ووروسيا ولندن وباريس والمانيا وامريكا  ومعرفته للغات المختلفة والفطنة والنباهة التي يمتاز بها جعله مؤثرا بافكاره في الاخرين مما ولد ثورات في افغانستان وايران والهند ومصر والجزائر والمغرب والحركة الدستورية العثمانية..

لقد حارب الافغاني الطروحات الساسية الغربية بقوة من  وحارب الشوعية بقوة وكفرها وحارب الدهريين والحركات المخدرة للاسلام والمشوه له مما  خلق له قاعدة فكرية من مريده منهم رشيد رضا  الذي نظر للتاسي الاحزاب الاسلامية والاسلام السياسي الذي استلهمت منه كل الاحزاب الساسية الاسلامية افكارها الاصلاحية.

ان السيد جمال الدين الافغاني ظلمه الكثيرون الذين لايعرفون قراءة التاريخ المشوه الذي يمس باصلاحيين الامة  ويجب علينا اعادة قراءةفكرة السيد جمال الدين بعيون جديدة لنستلهم عمق التحديات التي تعيشها الامة وصراعتها.

ايبقى شبابنا اليوم يستلهمون افكارهم من جيفارا ويجعلوه رمزهم وعندهم رمزا شامخا كالسيد جمال الدين الاسلامي نعم لانه اراد الوحدة بتمويه الاصل من اجل نشر الفكر.

الدكتور رافد علاء الخزاعي

  

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (العدد :1854 السبت 20/ 08 /2011)

 

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 1810 المصادف: 2011-08-20 04:07:43