 تنوير وإصلاح

المشي .. الى كربلاء

rahman khodairabasتنتشر ظاهرة المشي الى كربلاء بين الوسط الشيعي العراقي. وهي ظاهرة تستحق التأمل نتيجة لأنعكاساتها السلبة على اغلب الصُعد الأجتماعية  والأقتصادية والأمنية. كما انها تستحق التأمل للصمت الكبير من قبل منتقديها والمتحفظين على إنتشارها بقوة، سواء من رجال الدين او رجال السياسة. – وهم قليلون - فليس ثمة من يجرؤ على أن يقول الحقيقة لهذه العامة من الناس: (وفّروا هذه الجهود العبثية الكبيرة من أجل بناء بلدكم المخرب والمدمر).

وظاهرة المشي لم تكن معروفة الا بشكل محدود. فيأتي الناس من المدن المتاخمة الى كربلاء مشيا، بسبب قلة المواصلات وازدحام الطرق السالكة الى كربلاء، كما ان بعضهم يتجاوز ترف النقل للثواب، انطلاقا من ايمانه بأن الثواب على قدر المشقة. وحينما اصبح صدام رئيسا، مُنعت كل هذه المظاهر وما يرافقها من شعائر. وبعد ان سقط النظام. عادت هذه المظاهر الى واجهة المشهد الديني والأجتماعي بشكل عاصف، وكأننا اختزلنا كل خلافاتنا مع النظام الساقط، بأنه منعنا عن ممارسة هذه الطقوس !، لقد اصبح المشي الى كربلاء يرتقي الى درجة الواجب، مما جعل الملايين من الناس سواء في  المدن القريبة أوالبعيدة يحجون الى كربلاء مشيا. حتى اقفرت المدن، واغلقت المدارس، وتعطلت الدوائر الرسمية.

لاشك ان سلوك الحزن هذا يبتعد عن جوهر الفكرة التي تؤكد على ان الحسين قد قدم نفسه قربانا من اجل العدالة ورفض الظلم، ومن اجل القيم الأجتماعية والدينية، التي يجب ان تسمو . كما أن هذا السلوك ينأى عن فكرة المشيئة الألهية التي تُحتّم (كل من عليها  فان) ولذالك فان فكرة تأسيس الحزن الأبدي وخزنه وتجديده كل عام وجعله اساسا للحياة، ماهو الآ ابتعاد عن جوهر الدين الذي يدعو الى الوسطية في كل شيء. وما هو الآإنغمار في التعصب والأنزواء بعيدا عن نهر الأنسانية المزدان بوفرة روافده وتشعبها وثراء تلوّنها.

اصبح المشي عبئا على الجميع. واصبح ظاهرة حرجة تستحق المعالجة. واصبحت مسؤولية إجتماعية. لذالك فنحن نحتاج الجرأة من الجميع ان يتصدى لهذه الظاهرة بالنقد دون خوف اوخشية واعتقد ان مسؤلية ذالك تقع على المرجعية، التي يجب ان تتخلى عن صمتها، وتحاول ان تتدخل في افهام الناس عدم جدوى هذا الخيار للتعبير عن العقيدة. كما تكمن مسؤولية المرجعية بلجم المنبر الروزخوني الذي حوّل الفكرة الحسينية الى قصص واساطير ما انزل الله بها من سلطان. اما المسؤلية الأخرى فتقع على عاتق الحكومة واحزابها السياسية الحاكمة. فيجب ان تعي دورها في حراجة الموقف الذي يمر به الشعب العراقي. والذي يحتاج الى الصرامة في أداء المهام التي تعني المجتمع. وذالك في منع التغيب والتسيب في كل المؤسسات الحكومية، والمدارس والمرافق الأخرى للدولة. اضافة الى فرض عقوبات وغرامات على من يتغيب في مثل هذه المناسبات.

لاشك ان الكثير من الناس يمارسون هذا الطقس (البيادة)  وهي كلمة ذات اصول فرنسية، ومن المعتقد انها - اي الكلمة -  قد وصلت الينا عن طريق الأتراك . قلت ان عامة الناس  تمارس المشي كشعيرة تعبر عن الولاء المشحون بالتعب والجهد . ولكن الأكثرية تعتقد ان المشي وقطع المسافات، وما يكابدونه  سيساهم وبقوة في معالجة مشاكلهم. فمنهم من يجعله وسيلة للشفاء من امراض مستعصية، مستفيدا مما يُشاع من قصص غريبة عن الشفاء، يحكيها هؤلاء ويزيدون عليها، حتى يصبح المشي الى كربلاء مجترحا للمعجزات. وهذا يدل على عقم في الثقافة العامة، وبؤس في الخدمات الصحية لبلد غني /فقير كالعراق. فالجميع يذهبون للحصول على (المراد). فالكل يتوكل ويتمنى -الحصول على النجاح او الزواج اوزيادة المال او منع الحسد او مايتعلق بالأنجاب....الخ - بغض النظر عن نوع الطالب سواء اكان رجلا ام إمرأة. ولاشك ان كل هذه المطالب والأمنيات ذات منحى دنيوي، لاعلاقة لها بالعقيدة. ويستطيع الأنسان تحقيقها بوسائل بشرية بحتة، لها علاقة بالعمل والمثابرة. لقد استنفرت قوات من الجيش والشرطة لحماية الزائرين، ومع تلك الجهود، المالية منها واللوجستية فإن الأرهاب لم يتوقف في الفتك بالضحايا.كما ان الأموال التي صرفت لأعالة المشاة قادرة على حل ازمات الفقر والفاقة وبناء المستشفيات والمدارس .إنّ بناء مدرسة جيدة وضمن مواصفات عالمية، تحتضن التلاميذ وتنمي فيهم نعمة المعرفة، لهي احب الى ابي عبد الله الحسين من فكرة المشي.. إنّ بناء مستشفى في مدينة المشاة تطبب المرضى والمحتاجين لهي احب الى سيد الشهداء من شعائر المشي. لقد اوردت المقارنة بين المشي والبناء. لأن شعيرة المشي تتطلب نفقات كبيرة، ومن هذه النفقات : 1 - توفير الحماية الأمنية من الجيش والشرطة والتي تسبب ارهاقا للنفقات الحكومية والتي تغطى من المال العام، وما يرافقه من فساد وابتزاز وسرقة 2- توفير الغذاء والدواء للزائرين لفترة قد تتجاوز على الشهر  أحيانا وهذه المصاريف يمكن ان توزع على فقراء الوطن ومحتاجيه، هؤلاء الذين يملؤون الشوارع في البطالة والأستجداء والعوز. 3- الشلل الذي يرافق الزيارة لدوائر الدولة ومؤسساتها الخدمية. فالموظفون الذين يتقاضون رواتبهم، هم في حالة غياب حقيقي او غياب صوري، اي انهم يؤجلون اعمالهم ومعاملات المواطنين 4- الحركة الأقتصادية في عموم المدن تكون شبه متوقفة اوشبه مشلولة.

ان الشعوب الأخرى تقدس العمل ولن تعيش بسواه. فتصور ماهو مصيرنا لو لم يكن لدينا هذا النفط ؟؟ نحن مجتمع مستهلك وغير منتج. لقد خرجنا من مخاض عسير، فتصور في ثلاثة عقود شهدنا ثلاثة حروب عاتية، اشترك كل العالم في ضربنا وتدميرنا، ثم شهدنا اسوء حصار في تاريخ الشعوب، وتعرضنا لغزو رهيب دمر ما تبقى لدينا، ثم تعرضنا وما نزال لحرب الأخوة / ألأعداء، القتل والذبح على الهوية والأسم والمذهب.. ألم يحن الوقت أن نفكر او نتفكر، ان نتذكر ان الوطن بحاجة الى البناء، وان نؤمن بأن الدين لله والوطن للجميع، وان نتعقل في ممارسة طقوسنا.

رحمن خضير عباس

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (16)

This comment was minimized by the moderator on the site

المشي رياضة روحية و بدنية. السعي بين الصفا و المروة من طقوس المشي السنوية أيضا.
كما أن الجهد بلا إضرار يتحول لنوع من التطهير. و القوة النفسية و الإرادة في اعبادات و الطاعة باختيارك يساعد على الشفاء من الكرب المستعصي.و شكرا.

صالح الرزوق
This comment was minimized by the moderator on the site

يتصدى الكاتب الوطني الغيور رحمن خضير عباس لظاهرة اجتماعية مسكوت عنها دينيا وسياسيا واجتماعيا بعد ان خرجت عن معناها العاطفي في محبة آل البيت واصبحت من الظواهر التي لايمكن السكوت عنها لما تجلبه من اضرار على الوطن والشعب العراقي قد بينها الكاتب في مقالته النفيسة.ان الدلالة العميقة للمقالة تكشف مدى تحريف الثورة الحسينية عن معناها الجوهري من قبل شراحها واستغلالها من قبل تجار الدين والسياسة لتلبية مصالحهم الشخصية. إن محبي الحسين إن صدقوا في محبتهم ينبغي أن يقتدوا بسيرته ويثوروا مثله على حكامهم الفاسدين حتى الموت.هذا هو منهج الحسين الذي يجب ان يسير عليه محبوه.الحسين ينادي محبيه لإصلاح فساد الواقع لا ان يسيروا اليه على الأقدام وهم خاضعون لظالميهم ومستغليهم وساكتون عن طغيانهم.أحيي الأستاذ رحمن خضير عباس على وعيه الوطني العميق واحيي فيه غيرته الوطنيه على بلده وشعبه وكثر الله امثاله من الوعاة البناة الوطنيين .وماهذا بجديد عليه فهو السباق دائما الى المكرمات الوطنية وابن العراق البار

عبدالإله الياسري
This comment was minimized by the moderator on the site

اتفق مع الأخ صالح على ان الجهد بلا إضرار يتحول الى نوع من التطهير . ولكن المشي الذي أشرت اليه فيه اضرار اجتماعية واقتصادية ودينية , ازعم بأن المقالة تعرضت لها .تطهير المجتمع من آفات الفاقة على كل الأصعدة هو المراد الحقيقي . التطهير يكمن في ان نبحث عما يطهر ذواتنا , ذالك التطهير الذي سعت الثورة الحسينية اليه .. تقبل تحياتي

رحمن خضير عباس
This comment was minimized by the moderator on the site

الأخ الشاعر عبد الأله الياسري .ملاحظاتك هي إغناء للمقالة واكمال لها . اشكر لك هذه الغيرة العالية التي ترمي الى تحقيق جوهر الثورة الحسينية على الظلم والفساد .

رحمن خضير عباس
This comment was minimized by the moderator on the site

كتابة ونثد متأخر لا يقدم ولا يؤخر على هذه المسيرة مثل هذه الصيحات تنطلق من آن لآن بدعاوى وإفتراضات غير صحيحة غالبا ثم ما دخل الفقراء والمعوزين هنا إن مائدة الحسين متاحة للجميع ويساهم بها كل الناس حتى الفقراء فمتى نكف عن العزف على هذه الإسطوانة القديمة
طبعا سيحجب التعليق

رسمية محيبس
This comment was minimized by the moderator on the site

الشاعرة المبدعة رسمية محيبس ..تحياتي . لم يحجب التعليق كما توهمت . ولكنني تمنيت ان توضحي خطل هذه الأفتراضات , ام أن اي شيء خارج ما إلفناه وورثناه وتعودنا عليه منذ طفولتنا هو الصح , وغيره هو الخطأ ؟ اتفق معك على ان المائدة الحسينية متاحة للجميع . ولكنني تمنيت ان تكون متاحة فقط للمحتاجين , ليس على شكل تمن وقيمة توزع ايام المناسبات فقط , وانما على هيئة رواتب شهرية للمقهورين والذين لايتقضون دينارا واحدا من بلد النفط . تمنيت ان تتحول هذه الموائد الى مستشفيات تحتضن مرضانا الذين يذهب الموسرون منهم الى الهند والسند لغرض الحصول على الشفاء .تنميت ان تتحول موائد المناسبات الى مدارس ورياض أطفال .. عندذاك سيكف البعض عن العزف على اسطواناتهم القديمة .

رحمن خضير عباس
This comment was minimized by the moderator on the site

الاستاذ الفاضل رحمن خضير عباس السلام عليكم ...كلماتك كلها صحيحة وتنم عن حرص على الوطن وليست بعيدة عن الدين الحق ان لم نقل انها تلامس الجوهر الحقيقي .ولكن نقول ان النفخ في البالون الذي اريد له ان يكون ويبقى مثقوبا لا ينفع فالمستفيدون من هذا الخراب هم من تناديهم .وكما قال الشاعر ((اسمعت لو ناديت حيا...ولكن لاحياة لمن تنادي))والحياة هنا حياة الضمائروالقلوب وليست حياة البها.م.......عذرا للقراء وليس للمعنيين ...

عبد الله حازم
This comment was minimized by the moderator on the site

الأستاذ الفاضل عبد الله حازم . اشكرك على حرصك على الحقيقة .

رحمن خضير عباس
This comment was minimized by the moderator on the site

الاستاذ رحمن خضير عباس
السلام عليكم
ما المانع من الزيارة ومقارنتك بالنظام السابق الذي منعنا من شم الهواء بالاعدامات ووو ولماذا السكوت في زمن حكم صدام ببذخ الاموال الطائلة لقيام الاحتفالات مثل اعياد الميلاد والذي لايعرف مولده لاني على يقين انه من مواليد واحد سبعة اما الرجوع الى الموضوع الاساسي انها طقوس ما يفعله اخواننا الشيعة من العراقيين بقومياتهم الثلاثة لا ضرر من ذالك وكما نعلم جميعا ما كان يقوم به غاندي في طقوسه اثناء مشاركته مع ابناء شعبه وارجوا ان تعلم انني من المذهب السني ولكنني
اتعاطف مع اخواني الشيعة في السراء والضراء لا سامح الله

عدنان جبار الشواني كركوك العراق
This comment was minimized by the moderator on the site

الأستاذ عدنان المحترم ..لو دققت في مقالتي بشكل دقيق لوجدت ان نقدي ليس للزيارة لأنها طقس ديني يتمتع بعمق الورع الديني , كما تتميز بمظهر متحضر يتناسب وقدسية الأمام الحسين ع . انا ضد فكرة المشي والدعوة اليه وكأنه اصبح هو الأساس في الدين . كما اني اقدّر فيك الروح الجميلة في تعاطفك وتكاتفك مع اخوتك الشيعة , وهذا يدل على عمق الروابط بيننا .. اشكر لك ملاحظاتك وتحياتي اليك

رحمن خضير عباس
This comment was minimized by the moderator on the site

الأستاذ عدنان المحترم ..لو دققت في مقالتي بشكل دقيق لوجدت ان نقدي ليس للزيارة لأنها طقس ديني يتمتع بعمق الورع الديني , كما تتميز بمظهر متحضر يتناسب وقدسية الأمام الحسين ع . انا ضد فكرة المشي والدعوة اليه وكأنه اصبح هو الأساس في الدين . كما اني اقدّر فيك الروح الجميلة في تعاطفك وتكاتفك مع اخوتك الشيعة , وهذا يدل على عمق الروابط بيننا .. اشكر لك ملاحظاتك وتحياتي اليك

رحمن خضير عباس
This comment was minimized by the moderator on the site

أهنئ الأستاذ رحمن خضير عباس على صراحته التي تدل على حرصه على مصلحة الشعب العراقي بكل أطيافه. مقال هادف وصريح ومفيد.
مودتي

علاء مهدي
This comment was minimized by the moderator on the site

اشكر الأستاذ علاء مهدي على ملاحظته القيّمة متمنيا له الموفقية في خدمة الوطن

رحمن خضير عباس
This comment was minimized by the moderator on the site

اخي لا اقول لك الا هذه الكلمة لا تجرح بالاخرين فان للناس معتقدات خاصة

عبد علي عبد الزهرة
This comment was minimized by the moderator on the site

والأعمال بالنیات

عادل الکعبی
This comment was minimized by the moderator on the site

لماذا هذا التركيز على البعد الاقتصادي دون الرجوع الى الابعاد الاخرى التي من شأنها ان تعطي رؤية اوسع مما حلق فيه الكاتب الم تكن هذه التظاهرة بمثابة الاستفتاء للاكثرية على ممارسة مثل هذه الطقوس الدينية اعتقد ان الاستاذ لو اجرى استفتاء للرافضين لهذه الظاهرة لفوجئ بعدد ضئيل بالقياس الى هذه المسيرات المليونية هذا فضلاً عمن هو متحفظ عن الادلاء برأيه ومن ابناء الطائفة السنية المعتدلين لانهم بلا ادنى شك يحترمون الحسين عليه السلام ويرون ان هذا التعظيم قليل بحقه أقترح على الاستاذ لو يراجع الابعاد التاريخية والروائية لائمة مذهب التشيع وهم اهل البيت عليهم السلام (وهم ادرى بالذي فيه) لوجد فيها ما يستحق التوقف والتأمل هناك ولدعا لدراسة هذه الظاهرة والوقوف على الاسباب والدوافع والاهداف لانها ظاهرة خرجت عن كونها آنية جاءت نتيجة للمنع والكبت الحكومي الدكتاتوري كما اعتقد ان عقدا من الزمان كفيل بامتصاص هذا الزخم النفسي ليرجع الناس الى طبيعتهم ولكن هذا مالم يحدث بل راحت هذه الظاهرة تزداد يوماً بعد يوم , مع احترامي وتقديري لرأيك

حسين الاسدي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2379 المصادف: 2013-03-11 14:56:16