 تنوير وإصلاح

اشكالية العلاقة الزوجية في شريعة الفقهاء

ahmad alkinaniتظهرهذه الاشكالية من خلال طرح العلقة الزوجية في جانبها المادي على اساس كونها عقد بين طرفين، ومتضمنة للاخذ والعطاء، اخذ من طرف الزوجة وعطاء من طرف الزوج، فالزوج يعطي المهر او الصداق في قبال الاستمتاع من طرف الزوجة .

هذا بحسب متبنيات الفقهاء وبأختصار شديد .

و السؤال هنا: هل ان الاستمتاع في العلاقة الزوجية يختص به الزوج وحده ليدفع في مقابله المال، ام ان الاستمتاع حاصل لكليهما معا؟ وحينئذ ماذا تدفع الزوجة لزوجها في مقابل استمتاعها منه؟

هذه الاشكالية تتاتى على كلمات الفقهاء وعلى الخصوص القدماء منهم من خلال طرحهم لمسألة عقد الزواج بالشكل الذي يقاس به على بقية العقود المتقومة بين طرفين والمتضمنة لمعنى المعاوضة كعقد البيع مثلا .

رغم ان صريح القران الكريم يعتبر العلاقة متقومة بالمودة والرحمة فهي علاقة روحية مقدسة لا تقوم على اساس الثمنية والاخذ والعطاء، هي علاقة سكن وطمأنينة تسودها المودة والرحمة، ويشعر فيها كل من الرجل والمراة بانسانيته، فلا بيع ولا شراء ولا اخذ ولا عطاء .

اما الجانب المادي الذي تتعرض له الايات في سورة النساء على هامش هذه العلاقة فهو لتنظيم وتقنين لتلك العلاقة، لئلا تسودها الفوضى وضياع الحقوق حال الانفصال بالطلاق او الخلع، وليست متقومة به كما فهم الفقهاء منها .

و الغريب ان القران جاء ليصحح مفهموما خاطئا كان سائدا عند العرب قبل الاسلام من مساواتهم بين الزواج والبيع، اذ يقدمون المهر ثمنا للمراة، وكانه بدفعه للمهر قد امتلكها كما يمتلك السلعة .

 هذا التصحيح نادت به الاية ٢١ من سورة الروم وهي قوله تعالى {ومن اياته ان خلق لكم من انفسكم ازواجا لتسكنوا اليها وجعل بينكم مودة ورحمة} فالعلاقة الزوجية في المفهوم القراني هي سكن ومودة ورحمة .

و اما الجانب المادي من الزواج كالصداق مثلا فيعبر عنه القران بالنحلة {واتوا النساء صدقاتهم نحلة}. (١)

و النحلة تعني العطية والهبة، وبهذا المعنى فسرها الفخرالرازي، وسأنقل نص عبارته ليتضح للقارئ مستوى الفهم للنص القراني وما عليه الفقهاء من استنباطات وتفريعات بعيدة كل البعد عن الجو القراني . يقول الفخر:

" انه عطية من الزوج، وذلك لان الزوج لا يملك بدله شئ، لان البضع في ملك المراة بعد الزواج كهو قبله، فالزوج اعطاها المهر ولم يأخذ منها عوضا يملكه، فكان في معنى النحلة التي ليس بأزائها بدل، وانما الذي يستحقه الزوج منها بعقد النكاح هو الاستباحة لا الملك " .(٢) 

 وفسرها ايضا السيد الطباطبائي في الميزان " بالعطية من غير مثامنة" (٣) 

لكن الفقهاء سامحهم الله ارجعوها جاهلية بعد اسلام عند تنزيلهم عقد الزواج بمنزلة عقد البيع .

 ولنا الحق حينئذ ان نتسائل:

هل حقا ان عقد الزواج في شريعة الفقهاء يتعامل معه كعقد البيع او عقد الاجار مثلا؟

فعقد البيع قوامه المعاوضة بين المال والملك، وفي عقد الاجارة هنالك معاوضة ايضا بين المال والمنفعة، فالمستأجر لا يملك البيت مثلا وانما يملك منفعة البيت .

 لكن في عقد الزواج ما هي المعاوضة بين الزوج والزوجة؟ ماذا يعطي الزوج وماذا تأخذ الزوجة؟

الظاهر من كلمات الفقهاء وعند مناقشتهم للمسائل المتعلقة بالجانب المادي للزواج كالمهر مثلا او الخلع، انهم يعرفون الزواج بانه : "معاوضة على البضع" والبضع هو فرج المرأة، ويقصدون به الاستمتاع، فالزوج يبذل المال او ما يعادله كمهر للزوجة في مقابل الاستمتاع بها، كما ان الزوجة تبذل المال في مقابل خروجها من عهدة الزوج وهو معنى الخلع .

 واليك نص فقهي على سبيل المثال للحصر فيه دلالة اكيدة على ملكية الزوج لبضع المرأة .

يقول الشيخ الطوسي في كتابه المبسوط:

" وان خالعها بعد هذا بعوض وبذلته له، ملك العوض الذي عقد الخلع به، وزال ملكه عن بضعها في الوقت الذي ملك العوض عليها، ولا يقال زال بضعها اليها فملكته لانها لا تملك بضعها، فأن البضع عبارة عن الاستمتاع، لكنا نقول زال ملك البضع عنه وعاد اليها كالذي كان قبل النكاح " .(٤)

لاحظ التعبير " زال ملكه عن بضعها "، "زال ملك البضع عنه وعاد اليها كالذي كان قبل النكاح "

فهنالك ملك للبضع من قبل الرجل زال هذا الملك بمجرد ان ارجعت اليه المال .

الا يفهم من هذا الاهانة الصريحة لانسانية المرأة وكانها سلعة تباع وتشترى؟. ثم اين هذا الفهم من روح القران التي يعلوها التقديس للحياة الزوجية؟.

و المصيبة انك تجد اصرارعلى هذا المعنى رغم قباحته، من قبل المفسرين والفقهاء المعاصرين لتبرير تعريف القدماء هذا، وكانه نص مقدس لا ياتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فهذا السيد الطباطبائي في الميزان يدافع عن ملكية البضع، ويعتبر الامر مناسب للطبيعة فيساوي بيننا وبين الحيوانات، من استيلاء الذكور على الاناث فيقول:

 "ثم ان التأمل في سفاد (اي جماع) الحيوانات يعطي ان الذكور منها شائبة استيلاء على الاناث في هذا الباب، فأنا نرى ان الذكر منها كأنه يرى نفسه مالكا للبضع مسلطا على الانثى، ولذلك ما ترى ان الفحولة منها تتنازع وتتشاجر على الاناث من غير عكس، فلا تثور الانثى على مثلها اذا مال اليها الذكر بخلاف العكس "

هل يستحق الجمود على تعريفات الفقهاء ان نفكر بهذه الطريقة، بدلا من تهذيبها او استبدالها بما هو افضل ما دامت صياغتها من صنع بشر امثالنا .

وخير ما صنع المهتمون بشأن التصنيف الفقهي حديثا بتجاوزهم عن اصطلاحات القدماء في باب الزواج واستبدالها بصياغات اكثر ملائمة مع ما هو مدون في الدساتير البلدان الاسلامية .

 

 

 

....................

المصادر:

 (١) النساء :٤

(٢) الفخر الرازي،التفسير الكبير، دار الكتب العلمية بيروت 2004، ص ١٤٧

(٣) محمد حسين الطباطبائي، الميزان ج ٤ص١٦٩

(٤) محمد بن الحسن الطوسي، المبسوط، ط٢ تحقيق محمد باقر البهبودي، ج٤ ص٣١١

(٥) الميزان ٤/١٨١، ١٨٢

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2514 المصادف: 2013-07-24 12:02:06