 تنوير وإصلاح

قضايا التنوير (1-1)

adnan oayeedأمام الهجمة الوهابية السياسية الشرسة التي يتعرض لها وطننا العربي اليوم، وما تركته هذه الهجمة من دمار فكري ورحي للكثير من أبناء أمتنا العربية، رحنا نلمس نتائجها الكارثية في كل من سورية والعراق ومصر وليبيا، ولا زال الحبل على الجرار كما يقال، علينا جميعاً ككتاب ومثقفين عرب أن نتجه إلى تسليط الضوء على كل قضايا الفكر التنويري والعقلاني التي ستساهم في كشف الفكر الوهابي ألظلامي وكل التيارات السلفية التكفيرية المرتبطة به. ولتكن مقولة ابن خلدون: (ليس من المفروض علي أن كون نبياً لكي أكون حكيماً، فطالما انا أمتلك العقل فأنا حكيم). نبراس معرفة لنا في جرأتها وعمق دلالاتها وأهمية تركيزها على العقل ومقوماته.

سأقوم بدءاً من هذه الدراسة بتقديم مجموعة حلقات فكرية عن قضايا التنوير التي شكلت الرافعة النهضوية لأوربا وفي مقدمتها الثورة الفرنسية ومن تأثر بها . هذه الفكر الذي أعاد للإنسان مرجعيته الإنسانية، وعلمه كيف يكون إنساناً حقيقيا من لحم ودم .

د.عدنان عويّد

 

قضايا التنوير (القضية الأولى)

التنوير  (1)

The Enlightenment

Created by Paul Brains

ترجمة : د.عدنان عويّد

على الرغم من أن التيار الفكري الذي دعي بتيار " التنوير " غالبا ما ارتبط بالقرن الثامن عشر، غير أن جذوره في الحقيقة تعود إلى أبعد من ذلك بكثير، وقبل أن ننظر في طبيعة هذه الجذور، لابد لنا من تحديد طبيعة هذا المفهوم أو تعريفه .

يعتبر التنوير واحدا من التيارات أو الحركات التاريخية النادرة، التي ساهمت في تسمية نفسها في الحقيقة، وأن المفكرين التنويريين الحقيقيين الأوائل في كل من " باريس و لندن " الذين اعتقدوا بأنهم كانوا أكثر تنويرا من مواطنيهم، قد أعدوا أنفسهم من أجل تحقيق هذه المهمة.  لذلك كثيرا ما كان هؤلاء المفكرون التنويريون يعتقدون بإمكانية استخدام العقل الإنساني في محاربة الجهل والاضطهاد والاستبداد، وبالإمكان أيضا استخدامه في بناء عالم أفضل للإنسان. أما أهم القضايا التي وضعوها نصب أعينهم وناضلوا من أجلها آنذاك فهي: استبدا الكنيسة، مجسدا في الكنيسة الكاثوليكية في فرنسا، وسيطرة الطبقة الارستقراطية الوراثية على مقدرات المجتمع .

 

الخلفية التاريخية للتنوير:

لكي نعرف لماذا أصبح تيار التنوير مؤثرا في حياة القرن الثامن عشر  لابد لنا من العودة إلى الوراء والتعرف عل جذور هذه المسألة.

على العموم، بالرغم من أننا غير قادرين في الغالب على اختيار أي فكرة محددة للبحث في هذا الاتجاه، لذلك دعنا ننطلق مع "  Thomas Aquinas" "توماس كويناس" (القرن الثالث عشر) في استرداد " المنطق الأرسطي " من تراث الفلسفة اليونانية، حيث نجد في هذا المنطق تلك الإجراءات المنطقية المنظمة بعناية شديدة، والتي من خلالها تمت عملية تحديد أو تعريف تلك القوانين الجامدة للمسيحية. أما في القرنين التاليين، أي " الرابع عشر والخامس عشر " فقد راح المفكرون الآخرون الذين عرفوا با " المدرسيين " يلاحقون  أو(يجزون) كل تلك القوانين أو المبادئ الدينية المسيحية الجامدة بوسائل المنطق، الأمر الذي جعل فولتير يشير إلى هؤلاء المفكرين مرارا ناعتا إياهم  بـ" الدكاترة " وكان يعني بذلك دكاترة اللاهوت .

أما بالنسبة للكنيسة الكاثوليكية، فمن سوء الحظ، لم يعد بالإمكان حصر استخدام وسائل المنطق الأرسطي اليوناني لديها فقط، بل راحت بعد فترة هذه الوسائل المنطقية ذاتها تستخدم بشكل فاعل لدى الكثير من الكتاب والمفكرين العلمانيين داخل الثقافة الوثنية التقليدية (أي غير الدينية - المترجم) التي بدأت تطرح نفسها أمام العقيدة المسيحية الكاثوليكية. وهذا كان من الأسباب الرئيسة في رغبة الأوربيين السير عبر هذا الاتجاه العلماني في المراحل الزمنية اللاحقة .

 

الحركة الإنسية في عصر النهضة:

عبر القرنين الرابع عشر والخامس عشر، ظهرت في كل من فرنسا وايطاليا مجموعة من المفكرين عرفوا با " الإنسيين "، نسبة إلى الحركة الإنسية، التي لم تكن حينذاك قد أخذت بعد موقفا من الروابط الدينية، كما تأخذ الآن في النقاشات المعاصر، هذا وقد كان غالبية هؤلاء المفكرين والكتاب عمليا من الكاثوليك، حيث دارت نقاشاتهم حول: إن عبادة الله الصحيحة تتضمن بالضرورة إعجاب خلقه، وعلى وجه الخصوص إعجابهم بقوة الله في خلق الإنسان، ثم بمكانة الجنس الإنساني وقدراته، كما دارت نقاشاتهم حول أن عبادتهم لله هي في حقيقة أمرها أو جوهرها أفضل بكثير من عبادة القساوسة والرهبان الظلاميين الذين يعزفون على وتر الخطيئة العامة، والدعوة المستمرة للناس كي يعترفوا بخطاياهم ويتواضعوا بدل التعالي. هذا وقد كان بعض هؤلاء المفكرين والكتاب يدعي بأن الإنسان يشبه الله، ولكن بنصيبه المتمثل في قوته المبدعة والخلاقة. فالرسام، والمهندس، والموسيقار، والمدرس، استطاعوا بقوة ذكائهم وتدريبهم وممارستهم لدورهم في هذه الحياة، إنجاز الأهداف التي تدعو إليها السماء . ولكن بالرغم من هذه القدرة الإنسانية، إلا أنها – أي القدرة – مُزجت في عصر النهضة مع عناصر الظلمة والخرافة، كما أن دروب السحر طُرقت في هذه الفترة بأساليب لم تكن موجودة حتى في العصور الوسطى .

لقد كان هدف الحركة الإنسية في عصر النهضة، هو تقييد بعض زهو أو كبرياء وسعة الروح التي عوّلت عليها الكنيسة، ثم إعادة إنتاج  روح الإبداع اليونانية والرومانية القديمة (أو ماسميت بالوثنية - المترجم)، رغبة في تكرير نجاحاتهم والذهاب إلى أبعد مما وصلوا إليه. فالأوربيون طوروا الاعتقاد الذي يقول بأن التقليد يستطيع أن يحقق التغيير نحو الرقي الإنساني وإعادة تشكيل حياة الإنسان بصورة جديدة، وذلك من خلال تشذيب وتوضيح وسائل التقليد ذاتها. فا (Galileo Galilee  "غاليلو غاليلو" على سبيل المثال، كان قد استخدم النوع نفسه من المنطق الذي استخدمه المدرسيون  والذي أصبح بدوره – أي المنطق-  أكثر قوة مع الملاحظة، وبخاصة عندما راح يناقش عام / 1632/ من قبل " الكوبرنيكية " بأن الأرض تدور. هذا في الوقت الذي أخذت فيه الكنيسة والنص المقدس معا يعترضان على هذه الأفكار، منطلقان  من أن الكتاب المقدس لا يقول بما يقول به كوبونيك ، مجبرين بذلك "غاليلو" على التراجع عما كتبه أو أعلنه من أفكار، وبالتالي منعه من ممارسة التعليم فيما بعد .

إن انتصار الكنيسة كان نصرا باهظ الثمن، ومن خلال هذا النصر، أُسكت " غاليلو "، غير أن هذا الانتصار لم يستطع أن يسكت العلم أو يمنع تقدمه، الأمر الذي دفع الكثير من التقدميين التنويريين إلى الهجرة والاستقرار في شمال أوربا البروتستانتية، بعيدا عن تناول البابا وتحقيقاته . بيد أنه قبل " غاليلو " وفي القرن السادس عشر، كان العديد من الإنسيين قد أخذوا يطرحون أسئلة على درجة عالية من الخطورة أمثال الراهب والفيزيائي الفرنسي François Rabelais "فرانسيس رابيليز"، الذي تأثر بالبروتستانتية، وراح يندفع إلى الأمام متمردا ومتحديا سلطة الكنيسة، الأمر الذي جعل العديد من المواطنين المؤمنين المحيطون به يسخرون منه، واعتبروه شخصا مضحكا وسخيفا .

 

مايكل دي مونتيغني: ( Michel de Montaigne ):

بكثير من الهدوء والتواضع، ولكن في النهاية بطريقة أكثر قدرة على الهدم، سأل  Michel de Montaigne سؤالا ولأكثر من مرة عبر مقالاته وهو : " ماذا أعرف ؟ " وهو يرمي على ما يبدوا من وراء هذا التساؤل التأكيد على أننا لانملك الحق في فرض العقائد على الآخرين، هذه العقائد التي تمارس سلطتها على السلوك الثقافي كحقائق المطلقة . فالتأثير القوي الذي تحقق عبر اكتشاف ثقافات أخرى مزدهرة لاتنتمي للمسيحية، وفي أماكن بعيدة جدا عن الثقافات أو الحضارات الأوربية، مثل " البرازيل "، حيث فسح على سبيل المثال، في المجال واسعا للنقاش على أن الأخلاق في جوهرها  ذات طبيعة نسبية، لذلك عندما راح البعض يتساءل، من هم هؤلاء الأمريكيون ليؤكدوا بأن البرازيليين الذين يأكلون  لحوم البشر الميتة بدلا من إتلافها، هم من الناحية الأخلاقية سفلة وبدائيين ؟، جاء تساؤلهم في الحقيقة مشروعا ويثير مسائل إنسانية عدّة مقارنة مع هؤلاء الأوربيين الذين يضطهدون ويقمعون كل من يستنكر أعمالهم الإجرامية بحق الشعوب المستعمرة من قبلهم .

إن هذا التحول باتجاه نسبية الأخلاق الحضارية، أو الثقافية، أسس على قليل من الفهم أو الإدراك المتعلق بمسألة الشعوب المكتشفة حديثا، إلا أنه استمر بفعالية عالية ليأخذ تأثيره العظيم في وقتنا الحاضر عبر ساحة التفكير الأوربي، وهذه في الواقع إحدى المعطيات المميزة للتنوير.

إن فلاسفة أو مفكري التنوير اعتمدوا في تفكيرهم ونشاطهم على انجازات الحضارات الأخرى كي يفوزوا بالحرية، وليعيدوا تشكيل ليس فلسفتهم فحسب، بل ومجتمعاتهم أيضا . لقد أصبح واضحا من جهة أخرى بأنه لم يعد هناك شيء حتمي حول نماذج التفكير الأوربي وحياة الأوربيين ذاتهم، أو بتعبير آخر أكثر تجريدا، هناك حتما العديد من الطرق المحتملة لوجود الإنسان عموما، أما الطرق الجديدة  منها فيمكن إبداعها .

أما المساهمة الأخرى التي قدمها  (Montaigne ) للتنوير، فقد انبثقت من الوجه الآخر لسؤاله المشهور (ماذا على أن أعمل؟)، ومفاد هذه المساهمة يأتي من القول: إذا لم نستطع أن نكون واثقين من أن قيمنا هي معطاة من قبل الله، إذن فليس من حقنا أن نفرضها بالقوة على الآخرين !!، فالقضاة، والباباوات، والملوك، على السواء لا يملكون أمر أو مهمة إجبار المريدين والتابعين اعتناق أو تطبيق المعتقدات الدينية أو الفلسفية بشكل خاص .

على العموم، هذه واحدة من تناقضات التاريخ العظيمة التي تقر بأن (الشك) المتطرف كان ضروريا لذلك النوع الجديد من الحقيقة التي تدعي العلم، فالعالم الجيد هو الذي يرغب في فحص كل افتراضاته من أجل مقاومة كل الآراء التقليدية التي تحول دون اقترابه من الحقيقة التي ينشدها. وإذا كانت الحقيقة (مطلقة) كالتي طرحت من قبل المفكرين الدينيين بعيدة المنال عن العلماء، فإن حقيقة العلم إلى حد ما، وفي أفضل حالاتها، هي قابلة للتغيير، ولم تكن أبدا مطلقة، وذلك كون المعرفة في طبيعتها تعتمد على البرهان والعقل، وتظل السلطة التعسفية فقط هي وحدها القادرة على معاداتها .

 

كاتب وباحث من سورية

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2573 المصادف: 2013-09-21 01:55:35