 تنوير وإصلاح

مشروع الاصلاح الحركي الاسلامي الحديث .. قيود المرجع وسؤال العصر

bashir omariليس أكثر ما يفاقم من أزمة استيعاب شروط العصر في الوعي المشتغلين في الحقل السياسي الاسلامي، من سؤال حدود السلطة التي يرنو إليها حلمهم في اقاصي مدياته، ذلك لأن سعيهم للانبساط في حقول الاجتماع يكاد يكون شموليا ويمتد عموديا وأفقيا، بيد أن التجربة الأخوانية الأخيرة وما تداعى عنها من هزات وأحداث أعادت إلى الواجهة السؤال المقلق والمتعلق بمدى موضوعية هاته الحركات على مستويي الحراك والخطاب كما وأعاد بعث حتمية البحث في كل المفاهيم النظرية والإجرائية التي تحملها تلك الحركات وبشكل أحس وأخص مفهوم الاصلاح آلية إعادة انتاج الخطاب الايديولوجي وعنوان مرجعي مقدس سعت تلكم الفصائل إلى تأصيله والتأسيس من خلاله لصرح مشروعها المجتمعي الذي لم يفلح في استيعاب التاريخ فيما ظهر من الاخفاقات الأسلاموية الاخيرة.

 

ارتباط مفهوم الاصلاح بالمسائل الاعتقادية

وبغض النظر عن التلبسات والملابسات التي حاقت بمفهوم الاصلاح وتداخله الاجرائي مع مفهوم التغيير والتجديد في الخطاب الديني والفكري الاسلاميين، فأن الثابت في التاريخ الاسلامي أن هذا المفهوم ارتبط في كثرا مراحل المجتمع الاسلامي بالمسائل الاعتقادية وما صاحبها من ممارسات طقوسية للدين، كان ينظر إليها من جانب حملة مشاريع الاصلاح على أنها تشكل انحرافا عن حقيقة التوحيد وهو بذلك كان يمثل جهاز ضبط ايديولوجي يعيد انتاج المعنى وفرضه على المجتمع ويتلافى في مقابل ذلك الابعاد الدنيوية ذات الارتباط بسلوكات الساسة ولا سيما منها السلطة، بل إن بعض أهل السلط والسياسة تحالفوا مع حملة الاصلاح وتوافقوا على تقاسم الادوار في المجتمع وخير من جسد ذلك النظام السعودي المستند على فكرة الاصلاح الوهابي التي ظهرت في شبه الجزيرة العربية.

 

انحصاره على المستويات الشعبية

وبهذا يتضح جليا أن حركات الاصلاح في العالم الاسلامي كانت تستهدف تحديدا الوسط الشعبي دون سواه من الفاعلين الاجتماعيين، وهو ما جعل العديد من اسئلة تطرح حول القيمة التاريخية لمشاريع الاصلاح تلك وجدواها في ظل انحصارها في الوسط الشعبي وعدم قدرتها على الامتداد والتمدد إلى مستويات النخب بشتى صُعدها الفكرية والثقافية والسياسية، بل إن حركات الاصلاح الاسلامي الحديثة وجدت نفسها في لحظة انبثاقها مع ظهور معالم الوجود القطري وإرهاصات الدولة الوطنية في مواجهة مشاريع اصلاحية لنخب تشتغل خارج دائرة الموروث الديني، أكثر من ذلك وجدت نفسها مستهدفة بالمشروع الاصلاحي لتلكم النخب استئصالا في بعض الأزمنة والأمصار وتحجيما وتقزيما في أحسن الأحوال.

 

انحسار المفهوم أمام المد التطوري للحالة المجتمعية

بروز الحالة والحلة المدنية بكل تشعباتها في الواقع العربي كظاهرة متداعية عن حقب التعايش الاستعماري مع الآخر، شكل منعطفا حاسما في بدائلية المشروع الاصلاحي الاسلامي الذي ازداد انحساره في المفهومية والتطبيق وخلت مضامينه من موضوعية وشرطية العصر إلا ما خلا من البعد الاخلاقي، حيث تمحور الخطاب الاصلاحي بشكل يكاد يكون كلي حول هذا البعد الانتقادي غير التأسيسي، في وقت اتسعت فيه نطاقات اشتغال كبرى مطارحات الفكر العلماني بكل تلاوينه وألوان الطيف فيه، من هنا برزت الاجتهادات الاصلاحية داخل حركات الاصلاح نفسها وهي الاجتهادات التي حفلت بصدامات نصية فقهية في الغالب الأعم، تأكد من خلالها العمق التاريخي لأزمة الانبعاث الاسلامي مشروعا وتطبيقا. 

 

الاصلاح وأدوات الدولة

لم تمنع صدامية الداخل فيما بين فصائل حركات الاصلاح الاسلامي، من النظر إلى افق بعيد وابعد من تجاوز راهنية أزمة المشروع التي حالت دون استيعاب فكر الدولة والمجتمع الحديثين اللذين افرزتهما الظاهرة الاستعمارية، إذ سعت العديد من الحركات إلى السيطرة على الدولة عبر كامل السبل المتاحة، سياسيا وقانونيا وعنفيا حتى، تروم تجسيد الاصلاح وفق المقولة المرجعية (لا يصلح لآخر هاته الأمة إلا بما صلح به أولها) معتمدة في ذلك على المد الشعبي المتأتي لها من خلال النشاط الدعوي والاجتماعي البسيط، ظانة وهي الواهمة أن ذلك هو السبيل لاستيعاب ظاهرة الدولة بكل تعقيدات ميكانيزمات اشتغالها، وابرز من جسد هذا الوهم كان الاخوان المسلمون في مصر.

 

المشروع الإصلاحي  أو كيف قتل الوهمُ الحلمَ

وهم حيازة المشروع الاصلاحي والحسم الذاتي في جاهزيته لكل زمان ومكان، وذلك ربطا بالمرجعية الروحية للحركة كان أكبر عقبة صارعة للحلم الاصلاحي الاسلامي، وهو ما أعاق سبل تطور الفكر السياسي في نظريته وتطبيقاته، في استراتيجياته وتكتيكاته لدى الاصلاحيين الاسلاميين على مر العصور، لأن المسعى الاصلاحي كان دوما غير تأسيسي بل ارتكاسي للخلف بسبب قلق الهوية ونقاوة الخصوصية العقدية وهو ما حال دون بلوغ الاصلاحيين الاسلاميين الفكر ائتلافي وهو الذي يعتبر اليوم الظاهرة الفارقة في السياسة التي تدير دواليب الدولة الحديثة واسقط بالتالي حلم المشروع بشكل دراماتيكي بعد إذ استحال إلى وهم كبير ترفضه شرطية العصر وموضوعية التاريخ قبل أي رفض من قوى المعارضة السياسية والاعتراض الفكري الأخرى. 

 

بشير عمري

كاتب صحفي جزائري

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2592 المصادف: 2013-10-10 23:15:15