 تنوير وإصلاح

قضايا التنوير (2-2): جذور الحداثة (1)

adnan oayeedحتى وقت قريب، استخدمت كلمة (حديث) للإشارة بشكل عام إلى المعاصرة، علما أن كل الفنون الحديثة تعتبر حديثة بدءا من الوقت الذي تنجز فيه .

في عام / 1437/ ميلادي، وضح " سنيون سينيني" (CenninoCennini) أن الفنان "جويوتو" (Giotto) قد أنجز في ذلك الوقت لوحات رسم حديثة. كما أشار أيضا "جيورجيو فاساري"  (Giorgio Vasari) في كتاباته،  في القرن السادس عشر، أن الفن في حقيقة أمره هو فن حديث .

أما إذا رغبنا في تحديد الفترة التاريخية التي راحت تنتج فيها الحداثة أو ما سمّي بالفن الحديث، فيمكن تحديدها تقريبا ما بين (1860 و1970/ ميلادي، فهذه هي الفترة التي استخدم فيها بدقة الفن الحديث، و راح الناس يتحدثون فيها أو يكتبون أيضا عن هذا الفن بشكل ملفت للنظر.

هذا وقد استخدم تعريف الحداثة أيضا ليشير إلى فترة إنتاج الفن، و يمكن القول أيضا الإشارة إلى الفترة ذاتها التي راح يشار فيها إلى فلسفة الفن الحديث .

في كتابها الذي يحمل عنوان (جذور الحداثة)، تطرح "سوزي كابليك" (Suzi Gablik ) أسئلة عدّة عن الحداثة مثل: هل فشلت الحداثة؟.. هل هي تعني ببساطة فشل الإحساس بقدوم النهاية؟.. أو هي تعني أيضا أن الحداثة قد فشلت في تحقيق أي انجاز؟.

إن الإجابة على هذه الأسئلة تقول: إن الحداثة امتلكت أهدافا، بيد أنها فشلت في تحقيقها، ولكن يظل السؤال المطروح هنا هو: ما هي هذه الأهداف؟ .

لأسباب ستكون واضحة فيما بعد، فإن سؤال الحداثة قد صيغ إلى حد كبير في تعاريف يغلب عليها الطابع المدرسي، وربما قلة الاهتمام أيضا، وأن مؤرخي الفن عندما  تحدثوا عن الفن الحديث في الفترة الماضية كهم أساس وبصورة جوهرية، فهم غالبا ما تحدثوا مثلا عن اللون، والمستوى الفني، وهذا انسجم بشكل عام مع "ادوار منيت" (Édouard Manet )، وهو أول رسام حداثي، حيث أن صفة الفن الحداثي قد انطبقت في الحقيقة على لوحاته التي رسمها عام / 1860/، مثل لوحته المسماه (Le Déjeuner sur l'herbe.) التي شقت طريقها في فترة ما سمي بالحداثة .

بيد أن السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: لماذا هذه اللوحة بالذات؟، والجواب المنطقي على هذا التساؤل هو: كون هذه اللوحة تعتبر في دلالاتها أهم كشف موضوعي لما سمي بالفن الحديث، وقيم الرسم الحديث، والعلاقات المكانية الحديثة،غير أن هناك أسئلة كثيرة أخرى تكمن وراء هذا السؤال مثل: لماذا "ما نت"، (Manet) كان الممثل لموضوع  للحداثة، وقيم الرسم الحديث، والعلاقات المكانية الحديثة؟.هل لكونه أنتج الرسوم الحديثة؟، ولكن لماذا هو أنتج مثل هذا الرسوم؟ .

عندما عرضت لوحته (Le Déjeuner sur l'herbe.) في صالون العرض  ((des Refusés، عام 1863، فالكثير من المشاهدين قد اشمأز من هذه اللوحة الفاضحة، وعندما عرضت لوحته الثانية بعد فترة (Olympia ) كان الناس في الحقيقة أكثر اشمئزازا وقلقا، لذلك يظل السؤال مطروحا وهو: لماذا تلك اللوحات الزيتية التي عرضها ( Manet) قد سببت مثل هذه الصدمة للعديد من الناس المشاهدين لها آنذاك؟ . (أعتقد لكونها قد جسدت مواضيع العري الجسدي، وهذه لاتتناسب مع القيم الأخلاقية التي كانت سائدة في ذلك العصر بالنسبة لأوربا – المترجم) .

إن إمكانية الإجابة على أسئلة الحداثة في سياقاتها الواسعة، تستطيع أن تكشف جوهر فلسفة الحداثة، وغاياتها، وأهدافها، كما ستكشف أيضا البعد الأخر لوجهة نظر الفن، ومعرفة العالم الحديث .

إن جذور الحداثة قد امتدت في التاريخ الأوربي لفترات زمنية هي أعمق بكثير من منتصف القرن التاسع عشر، فبالنسبة للمؤرخين، ولكن ليس (مؤرخو الفن)، إن فترة التحديث تعود في الواقع إلى عصر النهضة الأوربية، وكذلك النقاشات التي دارت حولها ربما تعود إرهاصاتها الأولية ببساطة إلى الفترة ذاتها. فعندما ننظر في معطيات (الحركة الأنسية) التي اعتبرت الإنسان مقياس كل شيء، في هذا المجتمع (الدنيوي المدني)، نجد أن بدايات هذه الحركة الأنسية كانت مع يوتوبيا "توماس مور"  (Sir Thomas More ) عام 1516  ميلادي.  وعندما ننظر في أحداث الماضي نستطيع وبكل ثقة أن نميز في (الحركة الأنسية) لعصر النهضة  تعابير لدلالات الحداثة، وبأن المجتمع الإنساني يستطيع  التعلم ليفهم الطبيعة وقوة تأثيرها على الإنسان، وكذلك يفهم طبيعة آلية عمل الكون، ومقومات تشكيل حياتنا وأقدارنا الشخصية ومستقبل العالم.

إن التفكير الحداثي الذي راح يتشكل عبر عصر النهضة، بدأ يأخذ شكله كأنموذج له مكانته الواسعة في القرن الثامن عشر، وربما هذا التفكير خلق في بداية الأمر ذلك الصراع الذي دار ما بين القديم والحديث، أو ما يمكن تسميته بالصراع مابين (الأصالة والمعاصرة)،هذا الصراع الذي سيطر أيضا على حياة أوربا الثقافية خلال القرن الثامن عشر، والذي كانت النقطة الأساسية فيه (بالنسبة للذين عاشوا القرن الثامن عشر)، تدور حول طبيعة التساؤل التالي: هل الحداثة (آنذاك) أخلاقية وأرقى فنيا بما هي عليه عند الرومان والإغريق قديما؟. فالنقاشات حول هذا الموضوع قدمت فصلا هاما بين الاتجاهين، حيث أصبح هذا الفصل الأساس لسؤال الحداثة، كما أنه عبر هذه النقاشات الدائرة حول هذا التقسيم أو الفصل بين القديم والحديث دفع القوى التقليدية كي تدعم التوجهات الدائرة في هذا النقاش والمؤيدة لما هو قديم، بينما كانت القوى الأكثر حداثة تدعم كل ما هو حديث.

 

Roots of Modernism

Christopher L. C. E. Witcombe by .

ترجمة: عدنان عويّد

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2610 المصادف: 2013-10-28 01:28:48