 تنوير وإصلاح

قضايا التنوير (5-2): إشكاليات ما بعد الحداثة

adnan oayeedفي المفهوم: إذا كانت الحداثة في أبسط صورها هي ميل من التفكير الذي يؤكد على سيادة العقل ودوره، وقوة الإرادة الإنسانية، والسعي نحو الحقيقة، من اجل تحسين المحيط الاجتماعي وإعادة تشكيله عبر المعرفة والتكنولوجيا والتجربة الإنسانية المتراكمة بما يخدم حرية الإنسان وعدالته ومساواته.

فإن ما بعد الحداثة تسعى لإضعاف الفكرة الايجابية عموماً عن العالم، وكل الافتراضات التي تدعمها، وذلك من خلال ما ظهر من أفكار مضادة لهذه الفكرة الايجابية عن العالم . فهي مثلا، - أي، ما بعد الحداثة - تعمل على هدم أفكار وقيم الحداثة ذاتها، ممثلة بالعدالة والمساواة والحرية .. الخ، حيث تبين أن أفكار الحداثة هذه بالنسبة لدعاة ما بعد الحداثة، بأنها أفكار ليست طبيعية بالنسبة لمحبي الإنسانية، أو هي ليست حقيقية بالنسبة للطبيعة الإنسانية، فهي برأي هؤلاء لا تعدوا أن تكون أكثر من مثاليات، أو أبنية ذهنية محض .

 

الظروف الموضوعية والذاتية المنتجة لما بعد الحداثة:

عموماً نقول: بعد الحرب العالمية الثانية، أصبح من الصعوبة بمكان استمرار النظرة التفاؤلية تجاه المستقبل، وأن هناك الكثير من الأشياء السيئة حدثت أثناء الحربين العالميتين، والتي يأتي في مقدمتها ظهور الفاشية والنازية، وذاك الدمار الشامل الذي لم يعف أي شيء من ضرره على مستوى الساحة العالمية بشكل عام وعلى أوربا بشكل خاص، ثم ذاك التهديد الدائم للإنسان بأسلحة الدمار الشامل والسباق نحو التسلح الذي فرضته الحرب الباردة، كل ذلك أعطى انطباعا عاما لدى المتابعين آنذاك بأن المستقبل يبدوا مبهما ومشكوكا فيه أيضا .

بعد انتهاء الحرب الباردة، ومحاولة الرأسمال الاحتكاري العالمي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية التفرد بالقرار الاقتصادي والسياسي والثقافي العالمي، ومع سيطرة الرغبة العارمة لدى "كباتنة" هذا الرأسمال الاحتكاري في تجسيد ما يسمى بسياسة النظام العالمي الجديد، أو سياسة القطب الواحد، أو الليبرالية الجديدة، التي تعبر عملياً عن طموحات ومصالح هذه الطبقة الرأسمالية الاحتكارية العالمية، راحت هذه السياسة تعمل على إعادة صياغة أو هيكلة العالم وفقا لمصالح هذه الطبقة، مستغلة في ذلك القوة الاقتصادية الهائلة المتمثلة عملياً في الشركات المتعددة الجنسيات من جهة، ثم السيطرة السياسية على الهيئات والمنظمات الدولية الفاعلة من خلال الطبقات الحاكمة للدول العظمى التي يسيطر عليها مالكي الرأسمال الاحتكاري عبر النشاط الفاعل لهذه الشركات في هذه الدول العظمى من جهة ثانية، ويأتي على رأس هذه الهيئات والمنظمات الدولية، " مجلس الأمن " و"صندوقا النقد والبنك الدوليين" و"منظمة الغات" ... إلخ . وعلى اعتبار أن ما سنقوم بعرضه هنا لا يهدف في الأساس إلى تناول كل ما يتعلق بالنشاط الجوهري لهذا النظام الليبرالي الجديد ( الما بعد حداثوي)، لأن هذا سيتطلب منا الحديث عن الدولة، ومنظمة الغات، وصندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، والشركات المتعددة الجنسيات، وأساليب وطرق إعادة هيكلة العالم وفق رغبة ومصالح الطغمة الرأسمالية الاحتكارية التي راحت تقود العالم عبر الولايات المتحدة الأمريكية، وعن الأزمات الاقتصادية ونتائجها المدمرة على الاقتصاد العالمي ... الخ، وإنما يهدف إلى الإشارة في السياق العام له إلى طبيعة ثقافة وأخلاقيات هذا النظام السياسية والاقتصادية التي راح يعبر عنها في العديد من النظريات الفلسفية والفنية والأدبية والسوسيولوجية بما يمكننا تسميته إشكاليات ما بعد الحداثة .

نقول: إذا كانت الحداثة (في صيغها الاجتماعية والفكرية والسياسية) قد فجرتها تلك القوى الاجتماعية والفكرية المعبرة عن التحولات الرأسمالية الوليدة والتقدمية آنذاك، والتي كانت وراء إسقاط السلطة الاستبدادية للدولة والكنيسة في صيغها القروسطية الأوربية .. هذه الحداثة التي قامت كما أشرنا قبل قليل على المطالبة بتسييد العقل والمنطق والنزعة الإنسانية والدعوة إلى الانفتاح والتواصل مع كل ما يخدم الإنسان وتقدمه وعدالته وحريته والسمو به، فإن ما بعد الحداثة في صيغها الاجتماعية والفكرية والسياسية أيضا، قد فجرتها في الحقيقة الأجيال اللاحقة للقوى البرجوازية ذاتها التي تحولت إلى طبقة رأسمالية احتكارية راحت تفرض هيمنتها الاقتصادية ليس على أوربا فحسب، وإنما على الاقتصاد والسياسية في العالم، حيث دفعتها شهوة الثروة والسلطة إلى التحكم في رقاب الناس، وبالتالي السعي إلى إفراغ معظم الشعارات التي مثلها تيار الحداثة المرتبط بالبرجوازية التقدمية آنذاك من مضامينها، والعمل تحت ذريعة شعارات الحرية والديمقراطية وغيرها من الشعارات الشكلانية التي راح يسوِّق لها في مضمار عالمها الليبرالي الجديد، على نفي وتدمير وتجاوز كل ما هو إنساني، أو يدعوا إلى الرقي بالإنسان، والتمسك بما يساعد على تجسيد وتعميم ثقافة وأخلاقيات كل ما يعمل على تكريس مفاهيم الموت والدمار وعدم التواصل والتفكيك والتذرير، وغير ذلك من المفاهيم المنتمية إلى العبث واللامعقول  .

لاشك أن الإرهاصات الأولية لأفكار ما بعد الحداثة، أخذت تظهر على الساحة الفكرية والسياسية والثقافية مع انتهاء الحرب الكونية الأولى، وما خلفته هذه الحرب - إضافة إلى نتائج الحرب الكونية الثانية - من دمار على المستويات كافة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية، وبخاصة على مستوى أوروبا كما اشرنا في موقع سابق، هذه الأفكار التي أخذت تشير إلى حالات الضياع التي وضع فيها الإنسان الأوربي ذاته من قبل القوى المستفيدة من قيام تلك الحروب، وهي القوى الطبقية الرأسمالية الاحتكارية الأوربية والأمريكية التي تعارضت مصالحها الاقتصادية على غنائم العالم الثالث، وهو العالم ذاته الذي حولت هذه القوى ثرواته وأبناءه إلى وقود تؤجج فيه نار هذه الحروب ضد بعضها بعضاً كما هو معروف تاريخيا. 

أما أبرز مَن راح يدعو، أو ينظر إلى تلك الأفكار الـ " ما بعد حداثوية " لليبرالية الجديدة، ويعمل على إعادة هيكلة الفلسفة المثالية في صيغها المعاصرة، فهم على سبيل المثال لاالحصر، سارتر، في الوجودية، والبيركامو، في العبثية واللامعقول، وجاك ديدرا والفيلسوف روجيه غار ودي وخاصة في كتابه (نداء إلى الأحياء) في التفتيتية، وسلفادور دالي، (الداديّة) ممثلة بالمدرسة السريالية في الفن، وهناك في الفن أيضا المدرسة التكعيبية، وفي الأدب وعلم الاجتماع هناك البنيوية، والوضعية الحديثة، والدار ونية الاجتماعية، والفرويدية، والنيو فرويدية، والسيكولوجية، والبيسكولوجية وغيرها الكثير من النظريات التي لم يعد حتى بمقدور المتابع للحركة الثقافية والفكرية الركض وراءها والوقوف عند دلالاتها .

إن كل هذه الأفكار والنظريات التي جئنا عليها أعلاه، وغيرها الكثير، تشير في واقع أمرها إلى حالات الضياع الحقيقي التي وصل إليها الإنسان الأوربي، وكيف راح هذا الإنسان عبر مفكريه وفنانيه يعبر عن هذا الضياع ويرسم حلول خلاصه في رؤى وأفكار لاتنتمي إلى مشاكله ومعاناته وظروف واقعه الموضوعي والذاتي بصلة، بقدر ماهي حلول تقوم على تهويمات تنتمي إلى اللاشعور أو الغريزة أو إلى البعد النفسي، أو في المحصلة إلى كل ما هو مقتلَع من قاعه الاجتماعي والتاريخي والعقلاني .

بيد أن هذا الكشف أو التوضيح من قبلنا لتعبيرات ما بعد الحداثة المنتمية واقعيا وأيديولوجيا إلى مرحلة الليبرالية الجديدة، يدعونا إلى موقف الحياد تجاه هذه ( التعبيرات ) أو الرؤى والمواقف الفكرية الفلسفية والفنية الما بعد حداثوية على اعتبار أن قسما من هذه الرؤى والأفكار عندما طرحت لم يكن الهدف من طرحها زيادة ضياع الإنسان وتذريره وبالتالي تغريبه واستلابه بشكل مقصود أو مخطط له بشكل مسبق، بقدر ما كانت مواقف ترمي إلى تصوير واقع الإنسان في حالاته ضياعه تلك دون التركيز على البحث في أسباب ظهور هذه الحالات اللاعقلانية، في الوقت الذي نجد فيه من سخرته تماماً القوى الرأسمالية الاحتكارية للتنظير في هذا الاتجاه اللاعقلاني وبكل مستوياته السياسية والفكرية والاجتماعية والاقتصادية، والتسويق له، وخاصة على المستوى الإعلامي، بغية إبعاد الجمهور أو المواطنين عن معرفة الأسباب الحقيقية لضياعاتهم، لأن ما نشاهده يوميا على الساحة الإعلامية يؤكد لكل ذي بصيرة ما أشرنا إليه . 

 

إشكاليات ما بعد الحداثة:

1- سيادة نمط رأسمالية الدولة الاحتكارية بمؤسساتها على المستوى الاقتصادي ممثلة بـ (صندوق النقد الدولي – والبنك الدولي لللإعمار والتنمية – ومنظمة الجات ).

2- السعي لفرض أنموذج الديمقراطية الأمريكية على العالم، واستخدامها كوسيلة لفرض السيطرة الأمريكية .

3- تحطيم سلطة الدولة عموماً والدولة المركزية على وجه الخصوص، سعياً لإضعاف الدولة وجعلها هشة أمام اختراق الرأسمال الاحتكاري العالمي.

4- تحطيم الحوامل الاجتماعية الوطنية والعقلاني للدولة، والعمل على رفع قيمة ومكانة الحوامل الاجتماعية ذات المرجعيات التقليدية عشيرة، قبيلة، طائفة).

5- محاربة كل الأنظمة الوطنية التي تغار على شعوبها وتعمل على مصلحتها، والعمل بجد للحفاظ على الأنظمة الدكتاتورية في دول العالم الثالث، وتقديم كل الدعم السياسي والعسكري والمالي، خدمة لمصالح الرأسمال الاحتكاري العالمي في هذه الدول.

6- العمل على نشر ثقافة الاستهلاك عالمياً بكل مستوياتها الاقتصادية والثقافية والأخلاقية، بغية تذرير الإنسان ونمذجته كفرد منعزل عن محيطه الاجتماعي بكل مستوياته، وتفتيت لحمته الاجتماعية، وإعادة تشكيل وعيه بما يشتغل على تنمية غرائزه بدلأ من تنمية عقله وإرادته.

7- تسييد فكرة موت ونهاية كل شيء (الفن – الدين – القيم – الأخلاق – التاريخ .ز الخ) وبقاء الوهم واللامعقول .

الموقف النقدي لما بعد الحداثة:   

أما الموقف النقدي العقلاني تجاه رؤى وأفكار ما بعد الحداثة في صيغتها الليبرالية الجديدة، فهو موقف يرى أنها رؤى وأفكار كانت تعبر في حقيقة أمرها تعبيراً صادقاً عن وضعية الإنسان الأوربي بشكل خاص، وإنسان عالمنا الثالث أو النامي بشكل عام، بعد النتائج المدمرة للحربين العالميتين، والنمو الهائل للرأسمال المالي (الرأسمال المالي هو التحام الرأسمال المصرفي بالرأسمال الصناعي) الذي التحم بالدولة الرأسمالية وتحول بالضرورة إلى رأسمال احتكاري يمارس قوته وجبروته على الآخرين عبر هذه الدولة التي التحم بها وحولها إلى رأسمالية دولة احتكارية، راحت تعمل بدورها من خلال هذا الرأسمال وحوامله الاجتماعية المسيطرة على زمام السلطة في هذه الدولة بشكل مباشر أو غير مباشر، إلى إعادة هيكلة العالم من خلال الشركات المتعدّية أو المتعددة الجنسيات خدمة لمصالحها الأنانية الضيقة، الأمر الذي أدى إلى أن تفقد الكثير من الدول والشعوب قدرتها على التوازن في محيطها الاجتماعي والسياسي والثقافي، وهكذا أصبح حال الفرد في هذه المجتمعات أيضا، فهو لم يعد قادراً على مسك زمام أمور نفسه. فالفرد والمجتمع فقدا معاً معظم المقومات الحقيقية القادرة على إعادة بناء الإنسان ومجتمعه بناء إنسانيا فاعلاً. فتحت ظل هذا النظام الليبرالي الجديد راحت تسود أفكار النهايات التي جاء على رأسها نهاية التاريخ، ونهاية الفن والأدب، ونهاية كل ما يعبر : إغلاق أبواب الخلاص والمستقبل معا أمام الإنسان، وإن وجد مستقبل وفق الرؤى الـ " ما بعد حداثوية " لليبرالية الجديدة، فهي رؤى تمثل في واقع أمرها موت الإنسان ودماره كأمر محتوم، وهذا ما عبَّر عنه " ميشال فوكو "، وجاك ديدرا، وهبرماس، وبشلار..وغيرهم "، فكل ما طرحه هؤلاء ومن يمثل تصوراتهم من أفكار، أخذ يشير في الحقيقة إلى الموت أو النهايات أو العبثية، فنهاية التاريخ " لفوكو ياما " تضمنت على سبيل المثال في سياقها العام الأفكار الأساسية لما بعد الحداثة وهي، موت الفن، موت النزعة الإنسانية، العدمية، عودة الميتافيزيقيا، التفكيكية، التشتت، اللا استمرارية، التذرير الاجتماعي والقومي..إلخ.

بهذه الرؤى التشاؤمية السوداوية.. بهذه النهايات، راح منظرو الليبرالية الجديدة يصورون للإنسان عالمه القائم دون أن يرسموا له مسارات جديدة لخلاصه من هذه النهايات التي يعرف معظمهم مَن أوصل الإنسان إليها، وكيف أُوصل إليها في هذا العالم، متناسين، أو متجاهلين بأن هذا الإنسان هو خليفة الله على هذه الأرض، وأنه في كل مرة تعرض فيها لمثل هذا القهر، خرج منتصراً على أعداء الإنسانية، لا لشيء إلا لكونه إنسانا يحمل دائما إرادة التغيير، مثلما يحمل عقلاً  قادراً على توجيه هذه الإرادة نحو الأهداف الإنسانية السامية .

 

كاتب وباحث من سورية

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2618 المصادف: 2013-11-05 01:27:12