 تنوير وإصلاح

قضايا التنوير (3): العلمانية (2): العلمانية والإسلام .. مقاربة عقلانية

adnan oayeedالعلاقة الجدلية مابين العلمانية والحداثة: قبل الوقوف عند مفهوم العلمانية وتبيان دلالاتها كما أراها، لا بد لنا بداية من الإشارة إلى أن العلمانية من حيث سياقها التاريخي كظاهرة اجتماعية وسياسية وثقافية واقتصادية جاءت مرتبطة بالحداثة، والحداثة هنا، إشارة مرسلة تدل على تطور تاريخي لمجتمع ما في إطار التاريخ العالمي. أو بتعبير آخر، إشارة مرسلة تدل على حدوث تحول وتطور لمجتمع من المجتمعات في مجمل مستوياته الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية ... تحول وتطور عقلانيان يشيران إلى تجاوز قوى وعلاقات الإنتاج القديمة، وتشكل أو إنجاز قوى وعلاقات إنتاج جديد تتناسب مع اقتصاد السوق وتحرير العملية الاقتصادية من رحم الاقتصاد البطريريكي (الأبوي)، بالترافق مع بدء انتشار وتكون وعي جديد ذي سمات علمية وعقلانية لتفسير حركة وآلية عمل الطبيعة والمجتمع بعيدا عن أسس التفسير السابقة المستندة على الرؤى والمفاهيم الذاتية والغيبية، هذا إضافة إلى تشكل جمعيات ثقافية وأحزاب سياسية ذات تصورات أيديولوجية مختلفة تتوزع مابين اليمين واليسار، واتساع لدوائر ومؤسسات الدولة الحديثة ذات التوجهات الليبرالية والسمات العقلانية .

إن كل ما أشرنا إليه، رافقه بالضرورة تحولات وحراك اجتماعي طال فئات وطبقات اجتماعية واسعة في المجتمع تمثل في انتشار التعليم وزيادة نسبة المتعلمين واتساع حرية المرأة وبروز تبدلات في القيم والعادات والتقاليد ... الخ .

نقول: إذا كان هذا الذي جئنا عليه يصب في العلاقة الجدلية ما بين الحداثة والعلمانية، فما هو مفهوم العلمانية إذن ؟ .

على العموم، إن العلمانية إن جاءت من ( اَلْعَاْلَمْ )، أي من الحياة اليومية المباشرة بكل معطياتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية، أم جاءت من ( الْعِلْمْ ) بكل قوانينه الوضعية، فإن للعالم والعلم كلاهما قوانينه الموضوعية التي تفرض نفسها على الإنسان وإرادته، وتتحكم بسير حركة الواقع وتطوره بعيداً عن إرادة الإنسان ورغباته. بيد أن العلمانية التي تقر بوجود هذه القوانين الموضوعية لاتنفي بالمقابل أن للإنسان وعيه وحريته اللتان تعطيانه القدرة على التحكم أيضا في آلية عمل الكثير من هذه القوانين وضبط حركتها لمصلحته. أي إقرار العلمانية، بأن ثمة فسحة واسعة من الحرية قد امتلكها الإنسان ليفكر ويمارس ويبحث عن ذاته وتنميتها، وبالتالي، فالعلمانية في أبسط صورها هي: قدرة الإنسان على الممارسة و التحكم بتلك المساحة من التفكير والإرادة الكامنة فيه بحرية وعقلانية من اجل تأمين حاجاته المادية والروحية بعيدا عن أية سلطة مادية او روحية تحد من هذه القدرة بادعائها أن الإنسان ضرورة فقط. أي إنسان يفتقد القدرة على التفكير والممارسة بحرية.

إن هذا الفهم البسيط للعلمانية يشكل برأيي نقطة الخلاف الأساس ما بين العلمانيين ومناهضي العلمانية من متديني الإسلام السياسي المعاصر، وبخاصة هؤلاء الذين يريدون أن يحجروا على حرية الإنسان وعقله، ويقروا بكل صراحة باستقالة العقل أمام النقل، ويمثل هؤلاء كل أصحاب الفكر السلفي الذي تعبر عنه المدارس الفقهية والكلامية التي رفضت العودة إلى العقل لتفسير النص المقدس القرآن والحديث خدمة لتطور الواقع وما يفرزه من أحداث ووقائع جديدة تفسح في المجال واسعاً أمام (البراءة الأصلية) كما يقول بعض الفقهاء، أي خدمة لتوسيع دائرة المباح بدلاً من تضييقها، لذلك قرروا أن ما قاله السلف وما مارسوه حتى القرن الرابع للهجرة حيث توقف الاجتهاد، هو المعتمد في التفسير أو العودة إليه لتفسير هذا الجديد معتمدين على مصادر التشريع الأربعة وهي: القرآن والحديث والإجماع والقياس – قياس الحاضر على الماضي-، بعد أن ضبطها الإمام الشافعي وأصبحت مدرسة لرجال الفقه والفكر السلفي مثل ابن حنبل وأبو حسن الأشعري وأبو حامد الغزالي وابن تيمية وابن قيم الجوزية ومحمد بن عبد الوهاب، وكل رجالات الفكر السلفي المعاصرين الذين ينتمون إلى هذا التوجه الفقهي ومن اشتغل عليه من السلف. وبالتالي فإن أي خروج عن سلطة النقل والامتثال للمطلق يعتبر عندهم بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. وعلى هذا الموقف الفكري الجبري والامتثالي، كُفر كل من اعتمد على عقله أو أعطى لإرادته مساحة واسعة من الحرية في التعايش مع الحياة ومجاراة تغيراتها تحت ذريعة الخروج عن النص المقدس الذي فسره مشايخهم الأوائل، أو استنتجوا أحكامه ودلالات ومقاصده كما فهموه أو أرادوه، وغالباً ما تحكمت في تفسيره المواقف السياسية التي كانت تخدم السلطات الحاكمة المستبدة، على اعتبار أن هذا الموقف السلفي السياسي في صيغته الفقهية أو الكلامية، هو من برر فساد السلطة ومنع من يقاومها، واعتبر أن من يخرج عليها كافر. فهذا ابن حنبل يقول: (فإن من غلبهم بالسيف حتى صار خليفة، وسمي أمير المؤمنين، لا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبت ولا يراه إماماً عليه براً كان أو فاجراً، فهو أمير المؤمنين.) (راجع كتاب السلطة في الإسلام، عبد الجواد ياسين،ط1، المركز الثقافي العربي، ص86 ). كما يقول في هذا الاتجاه أيضاً أحد كبار الأشاعرة وهو الباقلاني: (إن الإمام لا ينخلع لفساده وظلمه، بغصب الأموال وضرب الأبشار،وتناول النفوس المحرمة، وتضييع الحقوق، وتعطيل الحدود.). (المرجع نفسه ص86). وذلك كله يأتي تحت ذريعة الخوف من عقدة الفتنة. وأحب أن أشير هنا إلى مسألة على غاية من الطرافة والدلالة، ففي الوقت الذي كان فيه ابن حنبل يحكم على من يقول بخلق القرآن بالكفر والزندقة، كان يقول عن الخليفة المعتصم الذي سجنه كونه رفض القول بخلق القرآن: (بأمير المؤمنين). وهذه الرؤى والمواقف الحنبلية السلفية الجبرية ذاتها آمن بها الأشاعرة وعلى رأسهم أبو الحسن الأشعري الذي يعتبر المؤسس الثاني بعد الشافعي للفكر السلفي في صيغته المنهجية بعد أن ادخل علم الكلام في الفقه، وهو الذي يقول: (قولنا الذي نقول به، وديانتنا التي ندين بها، هي التمسك بكتاب الله ربنا عز وجل، وسنة نبيه محمد"ص"، وما روي عن السادة الصحابة والتابعين، وأئمة الحديث، ونحن بذلك معتصمون بما كان يقول به أبو عبد الله أحمد بن حنبل نضر الله وجهه وأجزل لمثوبته قائلون، ولما خالف قوله مخالفون.) (المرجع نفسه ص54و55 ). وهنا أتساءل: كيف يدعي الأشاعرة بأنهم وسطيون، وهم يميلون كل هذا الميل الذي لا حياد عنه إلى الحنابلة ؟. عموماً نقول في هذا السياق: لقد حول هؤلاء السلفيون أحكامهم واشتهاداتهم الشرعية إلى نصوص مقدسة، شأنها شأن النص المقدس نفسه (القرآن والسنة). هذا مع تأكيدنا على أنهم في الكثير من الأحكام التي اجتهدوا فيها قد انطلقوا في آلية عملهم أو منهجهم الفقهي من اللفظ إلى المعنى عند قراءتهم للنص المقدس بشكل خاص، أي كثيراً ما نظروا إلى النص المقدس أثناء بحثهم عن الأحكام الشرعية، على انه بناءٌ من الألفاظ والجمل والتراكيب اللغوية، ومن هذا البناء اللغوي يجب استنباط الأحكام الفقهية، أكثر من نظرتهم أو تعاليمهم مع هذا لنص على أنه علم من الأحكام والنظم والمقاصد يجب أن يشتغل العقل للوصول إليها. لذلك هذا ما جعلهم على سبيل المثال أن يفسروا مثلاً سورة (العلق) تفسيرا طغى عليه البعد اللغوي أكثر من الغوص في عمق دلالات مقاصده ونظمه وأحكامه، أو النظر إلى السورة نظرة كلية شمولية بما تحتويه هذه الشمولية من دلالات إنسانية، لا نظرة تجزيئية تعتمد على الكلمة أو الجملة أو العبارة. (راجع تفسير الجلالين). وإن وجد هناك من حاول أن يغوص في دلالات هذه السورة، فقد وقف عند معجزة تقول: إن هذا الرسول الذي استطاع أن يغير مجرى التاريخ هو أمي لا يجيد القراءة والكتابة، وقد نزل على مجتمع أمي، استطاع بعون الله أن يحقق كل تلك الانجازات التاريخية، وبالتالي لم تؤخذ هنا الدلالات التي تؤكد على دعوة الله للإنسان عموماً وليس للرسول فحسب، أن يتعلم، لأن العلم والمعرفة ستساعدانه على امتلاك إرادته، وتعطيانه القدرة كي يتحكم بالواقع الذي يعيش فيه، وأن لا يكون اتكالياً، وعليه أن ينظر بنفسه إلى الواقع المحيط به، وما يفرزه أو يقدمه هذا الواقع من وقائع مستجدة دائماً والتعامل معها وفقاً لمصالحه.

إن الدين في حقيقة الأمر إذن لا يخالف العلمانية من حيث الجوهر، فالدين لم يلغ في نصوصه البينات حرية الإنسان ودفعه إلى تجميد أو إلغاء حرية التفكير والممارسة عنده، بل على العكس، فإن معظم النصوص تطالب الإنسان بالتفكير وتشغيل العقل للوصول إلى الحقيقة، ولم تخف هذه النصوص الدعوة بتكليف الإنسان ذاته خلافة الله على الأرض، هذا التكليف الذي رمى على عاتق الإنسان مسؤولية الإشراف والحفاظ على حسن سير الطبيعة والمجتمع معاً، ولكي يدرك الإنسان ويعرف طبيعة هذه المسؤولية الملقاة على عاتقه، أُمره الله أن يسلك طريق المعرفة، فكانت أول آية قرآنية نزلت وخاطبت الإنسان هي (اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم .) .

نعم لقد كانت دعوة صريحة للإنسان الخليفة وتنبيهاً له، بأنه لن يستطيع أن يمارس دور الخلافة على الأرض ما لم يكن حرا ومدركا لدوره ورسالته وطبيعة المسؤولية الملقاة على عاتقه، وهذه لن تتحقق إلا باكتساب المعرفة، وأول ما عليه معرفته، هو، أن الواقع الذي يعيشه أقوى من النص المقدس ذاته، وأن النص جاء للواقع، ومن أجل تغيره وإعادة بنائه أو إعماره تحقيقاً لمصلحة الإنسان وبما يخدم تنميته والسمو به إلى عالم الإنسانية الرحب، ولو لم يكن النص المقدس كذلك لما جاء القرآن في الحقيقة منجما، ولما كان الناسخ والمنسوخ، ولما كان الفقه الذي يعني في الأساس، مجموعة الأحكام الشرعية التي يضعها أو يصدرها الفقهاء لمصلحة الإنسان بغية تيسير حاجته المادية والروحية،وهي أحكام لم تؤسس في معظمها على النص المقدس عند بعض الفقهاء أو المتكلمين العقلانيين، رغم أن هذا النص المقدس ظل محتكاً بالواقع وممتداً معه، ولكن هذا الواقع كان دائماً يسبق النص في حركته وتطوره، وهذا ما جعل عمر رضي الله عنه ينظر نظرة جديدة للنص في عام الرمادة، ومسألة الخراج، إن هذا الموقف الجريئ ذاته نظر من خلاله بعض الفقهاء العقلانيين، فإضافة لاعتمادهم على النص المقدس في إصدارهم لهذه الأحكام الفقهية بعد فتح النص الديني على كل دلالاته، أو العمل على استفزازه وتفجير طاقاته في مواجهة الزمان والمكان المتغيرين والمثقلين بالواقعات، نجدهم – أي الفقهاء والمتكلمون العقلانيون- يعتمدون على مصادر فقهية إضافية غير تلك المصادر الأربعة التي حددها السلفيون أو ما سموا (بأهل الحديث) وبخاصة القرآن والسنة والاجماع والقياس، وإنما اعتمدت أيضاً على مصادر عقلانية أخرى مثل المصالح المرسلة، والاستحسان، وتغير الأحكام بتغير الأزمان، وغير ذلك من مصادر فقهيه تمنح حرية واسعة لدور العقل وإرادة الناس انطلاقاً من مصالح الناس، بالرغم من موقفهم الرافضة لمصدري القياس والإجماع وما يصب في بوتقتهما من مصادر أخرى مثل أقوال الصحابة والتابعين وأعمال آهل المدينة وغير ذلك من المصادر التي تبناها السلفيون في فقههم. أما أهم من مثل هذا التيار العقلاني من مذاهب وتيارات فكرية، فهم المعتزلة على مستوى أهل الكلام، والمذهبان الفقهيان الحنفي والجعفري على المستوى الفقهي. فجميع هؤلاء أمنوا بأن الإنسان مخيراً وليس مسيراً، كما آمنوا بدور العقل وحرية الإرادة الإنسانية في التعامل مع النص الديني المقدس وضرورة فتحه على حركة الواقع واستيعاب ما يجري فيه من أحداث جديدة أو مستجدات. هذا وقد حوربت هذه المواقف العقلانية في شقيها الكلامي والفقهي من قبل ألتيار السلفي (أهل الحديث) بكل تياراته الكلامية أيضاً ومذاهبه الفقهية.

إن مثل هؤلاء الفقهاء والمتكلمين العقلانيين هم من آمن ضمناً بمقولة: إن هذه الأمة تحتاج كل مئة عام لمن يجدد لها في دينها. مع اعتقادي أن هذه الأمة أمام ما يتعرض له العالم من تطور وتغير يومي بسبب ما حققه الإنسان من تطور علمي وتكنولوجي، وتأثير هذا التطور بالضرورة على جملة حياة الإنسان الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية، لا بد أن يوجد هناك من يجدد لنا ديننا كل يوم.

على هذا الأساس نتساءل: ما هي معطيات المقاربة ما بين الدين والعلمانية؟ .

أولا: ضرورة الإقرار بأن النص الديني المقدس (القرآن والسنة)، يجب أن يفتح دائماً في دلالاته الإنسانية على مستجدات الواقع، ولا يجوز إغلاقه خدمة لمصالح قوى اجتماعية محددة ذات أبعاد أنانية ضيقة .

ثانياً: الإقرار بأن الإنسان يمتلك إرادة وتفكيراً حرين، ومسؤولية إنسانية توازي هذه الإرادة وهذا التفكير، وتعمل على ضبطهما بما يخدم حياة الإنسان الكريمة ومستقبله .

ثالثاً: الإقرار بأن الحياة في حالة من التطور والتبدل المستمرين، أي في حالة سيرورة وصيرورة دائمتين.

رابعاً: إن المجتمعات التي تتعدد فيها الأديان والمذاهب والطوائف، لا يمكن أن تحكم بالدين، وبالتالي لا بد من الإقرار بضرورة فصل الدين عن الدولة، أو السياسة، أو تحيده والعمل وفق مقولة: (الدين لله والوطن للجميع). وهي ضرورة لا تسيء للدين من جهة، ولا تسيء للمتدينين من جهة أخرى. فمن صلب العلمانية تنبثق الديمقراطية، ومن أولى أسس هذه الديمقراطية، احترام التعددية، وفي مقدمتها التعددية الدينية وحرية الاعتقاد.

خامساً: رفض النزعة العدمية تجاه الدين، وعدم الممانعة في الاتكاء عليه تربوياً وأخلاقياً واجتماعياً تحت مقولة ما نسميه التوظيف السوسيولوجي للدين. فالدين إذا ما وظف بشكل عقلاني لتربية الفرد على القيم الفاضلة سيحقق نتائج إيجابية رائعة، فهو الشرطي الكامن في أعماق شعورنا ولا شعورنا معاً. غير أنه يَفْسَدْ ويُفْسِدْ الفرد والمجتمع معه عندما يوظف سياسياً. إن الدين عندما يوظف سياسياً، يتحول إلى أيديولوجيا براغماتية، تعمل على تحقيق مصالح قوى اجتماعية محددة على حساب قوى اجتماعية أخرى، أو تجعل قوى اجتماعية محددة وصيّة على قوى اجتماعية أخرى، وهذا كله يجعل من النص الديني قوة أيديولوجية فوق الواقع وحركته وتطوره... قوة أيديولوجية تعمل على ليّ عنق الواقع كي ينسجم معها دائماً، أي مع مصالح القوى الاجتماعية الضيقة أو المحدودة التي تعبر عنها هذه الأيديولوجيا على حساب قوى اجتماعية أخرى، وهنا ندخل في باب التكفير والزندقة ورفض الآخر، وتحليل دمه أو قتله على هويته الدينية المخالفة للخطاب الديني السائد أو المسيطر، أو مَنْ يشعر مِنْ حملة هذا الخطاب أو ذاك أنهم هم الفرقة الناجية، وبالتالي سيساهم هذا الخطاب الديني العدواني في بنيته وأهدافه على تفتيت المجتمع وتجزيئه وتذريره إلى كونتونات اجتماعية تقوم على الطائفة والمذهب . ومن هذا الخطاب الأيديولوجي البراغماتي جاء موقف الإخوان من العلمانية كم حدده سيد قطب في كتابه ( العلمانيون والإسلام) حيث يقول: (العلمانيون هم المرآة التي تعكس ما يريده أعداء الأمة من اليهود والنصارى، ولذلك فهم يتبنون كل ما من شأنه إبعاد هيمنة الإسلام عن حياة المسلمين.). وكذلك رأي رئيس المجمع الفقهي في السعودية: ( إن هذه الدعوة الآثمة – فصل الدين عن الدولة – في حقيقتها عزل الدين عن الحياة ووأد الناس وهم أحياء ...) (لمعرفة المزيد من هذه الآراء المتخذة ضد العلمانية . راجع كتاب ظاهرة التطرف الديني، للدكتور سفير أحمد جراد . دار محمد الأمين للطباعة والنشر والتوزيع. ط3. دمشق. 2012 . من ص507 إلى ص 512 .). وللأسف إن كل التيار السلفي المعاصر دون استثناء يتبنى وجهة نظر (المجمع الفقهي) في السعودية من مسألة العلمانية. وإن كل هذه الآراء الواردة في هذا الكتاب من قبل العديد من الكتاب والباحثين الإسلاميين أو المؤسسات الإسلامية، تشير إلى قَبلِيَةِ هذه الآراء وتسييسها، فهي آراء لم تقم على مواقف معرفية ونقدية لفهم العلمانية وطبيعتها وأهدافها، أو حتى دراسة تاريخها وصيغها.

هكذا نجد من خلال هذه المقاربة الأولية ما بين الدين والعلمانية، أن العلمانية ليست ضد الدين أو نافية له، بل هي الجانب العقلاني والإنساني فيه... إنها دعوة لحرية الإنسان وسيادة العقل والمنطق في تفسير آلية عمل ظواهر الحياة الطبيعية والاجتماعية وتسخيرها لمصلحة الإنسان ... إنها دعوة لتسييد العقل على النقل والامتثال . هذا مع تأكيدنا في نهاية هذه الدراسة بالقول: إن العلمانية ليست صيغة واحدة معطاة بشكل نهائي، وقابلة للتمدد في صيغتها الوحيدة لكل زمان ومكان، إن العلمانية شأنها شأن الديمقراطية، فهي صيغ متعددة، تفرض كل صيغة منها طبيعة المرحلة التاريخية المعيوشة وحواملها الاجتماعية، لذلك نجد أن صيغة العلمانية التي طرحها رجالات الثورة الفرنسية في القرن الثامن شر، تختلف في الحقيقة من حيث الجوهر عن الصيغة العلمانية التي طرحها رجالات الثورة البلشفية في روسيا مع بداية القرن العشرين، أو عند لاهوت التحرير في أمريكا اللاتينية في النصف الثاني من القرن العشرين. فالثورة الفرنسية لم تحارب الدين من حيث كونه حالة روحية ووجدانية تتضمن في جوهره قيماً أخلاقية إيجابية كثيرة، وإنما جاءت العلمانية آنذاك، ضد سلطة الكنيسة الاستبدادية التي التقت مع السلطة الاستبدادية الملكية ضد الشعب ومصالحه، وبالتالي فقد كانت تهدف العلمانية عند قيام هذه الثورة الفرنسية إلى فصل الدين عن الدولة بغية منع سلطته الاستبدالية من جهة، ومركزته في الفرد بدل الكتلة ضرباً للطائفية والمذهبية لا أكثر من جهة ثانية. بينما نجد صيغة العلمانية في الثورة البلشفية، أنها كانت تتجاوز مسألة فصل الدين عن الدولة، لتدخل في مسألة فلسفة الإلحاد، وهذا ما أوقع الاتحاد السوفيتي سابقاً في مآزق كثيرة لدى شعوب الاتحاد السوفيتي، إن كان عند بعض قومياته التي تتخذ الإسلام ديناً لها من جهة، أم عند اليهود والمسيحيين الروس أنفسهم من جهة ثانية. ثم هي غيرها أيضاً في بعض دول أمريكا اللاتينية التي اتخذت من لاهوت التحرير منهجاً لها في موقفها من الدين والدولة، وسخرته تسخيراً ثورياً لضرب مواقع الاستبداد والفساد دون الدعوة إلى تبنيه بديلاً عن الدولة المدنية أو دولة القانون والمؤسسات..

 

كاتب وباحث من سورية

.........................

ملاحظة: هذه الدراسة نشرت منذ أكثر من خمس سنوات في العديد من المواقع والصحف الالكترونية، وقد اعتبرها البعض من أوائل الدراسات التي تناولت موضوعة المقاربة مابين العلمانية والإسلام. وأنا أعيد نشرها اليوم ضمن سلسلة مقالات قضايا التنوير بعد أن أجريت عليها الكثير من التعديل.

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2658 المصادف: 2013-12-15 12:11:29