 تنوير وإصلاح

هل العصر الحالي محتاج الى هذه الاحاديث؟ .. القيود الفكرية في الفكر الاسلامي (4)

mustafa alomariلكل مرحلة من مراحل العصر سياقاتها الخاصة وطبائعها المختلفة وعلومها المرتفعة وسايكلوجية الافراد المعرفية والحركية تختلف تماماً من وقت لأخر فلا يمكن ربط الماضي بالحاضر وفق منهج معطوب وإقحامه في حياة الناس على انه جاء من اناس كانوا قريبين من الرسول والرسالة والحال أن الذين كانوا في زمن الرسول تخاصموا وتلاعنوا وتقاتلوا ونحر أحدهم الاخر وهذا من المسكوت عنه في ظل ثقافة التخويف . كيف لنا ان نوفق بين مرحلتين متباعدتين زمنياً ومعرفياً وتكنلوجياً ومدنياً، هم عاشوا حياتهم كما أرادوها هم فلماذا لا يترك الناس في عصرنا ان يعيشوا أحراراً من دون إيهامهم وتضليلهم بالرجوع الى عصر الصحابة عصر سالت فيه دماء وسملت فيه أعيناً وقطعت فيه رؤوساً. لماذا يطلب منا ان نتقيد باحاديث بعيدة كل البعد عن أخلاق الرسول؟ أحاديث أختلق بعضها وحرف الاخر وغير المعنى في الكثير منها؟

ينقل ابراهيم فوزي في كتابه تدوين السنة: قد يأمر رسول الله بشئ أو ينهى عنه في حالة خاصة فيفهم الصحابة انه تشريع مؤبد فيسألون الرسول التخفيف لما يلحق بالمسلمين من حرج فيبين لهم ان ذلك ليس مؤبداً بل جاء لعلة خاصة .

يعتقد البعض ان التاريخ كان الامضى والاقوى في تفريق المسلمين، نعم كان التاريخ كذلك لكنه ليس كالاحاديث المدسوسة والملفقة ولأن التاريخ ليس فيه إلزام في حال العبادات والمعاملات إنما هو الاثر الزمني للأفراد نطلع عليه لكي نزداد بغضاءً وشحناءً وعداءً، لكنه يبقى ماضياً لا يستطيع الفقهاء اصدار فتاوى على ضوء نظرية التأريخ . الحال يختلف في الاحاديث او ما يسمونه بالسنة النبوية لأنهم يعتمدون (المسلمون جميعهم بشتى اطيافهم) على هذه الاحاديث في استخراج الفتاوى وهذه الفتاوى مكتوبة الى عصرنا ومرحلتنا، حديث رواه صحابي قبل أكثر من ألف وأربعمائة سنة ثم أهمل هذا الحديث وترك لفترة المأتين عام بعدها جاء شيخ من أقصى بلاد الله ليستخرج هذا الاحديث ويضعه في كتابه ليكون دستور حياتنا الحالي وشفيعنا الى الله ومقربنا منه سبحانه !!

إنها مهزلة نعم مهزلة تلك التي يدعوك إليها أرباب العمائم واللحى الى الانسياق وراء تفاهتم وجهلهم وتخلفهم وزيفهم ثم يدعونك ان تؤمن بقوة بكل ما يرد منهم من فتاوى وأحكام، ورغم إني استشعر بمجسات غير مرئية أن القادم سيكون فيه من المأساوية ما لا يحتمل لكن هذه القسوة والمأساة ستجعل الكثيرين ينعتقون من منظمات تشبه الماسونية وطوائف متيبسة على أعتاب الماضي وموروثات وطقوس بذيئة دنيئة متوحشة .

ما كان الرسول مختلياً بحاله جالساً في بيته يستنكف من مشاركة الناس في أعمالهم وحرفهم، بل كان واحداً منهم يفرح لفرحهم ويحزن لحزنهم يزورهم ويزورونه يضحكون ويمرحون يعملون ويكدحون، يشير عليهم برأيه الخاص فيتذمرون أحياناً ويتقبلون أحايين كثيرة . مرّ ذات يوم فوجد الناس يأبرون النخل فقال ماذا تصنعون قالوا كنا نصنعه، قال لعلكم لو لم تفعلوا كان خيراً فتركوه فنقضت فذكروا ذلك له فقال : إنما انا بشر إذا أمرتكم بشي من دينكم فخذوا به وإذا أمرتكم بشي من رأيي فإنما أنا بشر. (القاضي عياش 178)

ومن هذا الكم الهائل من النصوص المنقولة عن الرسول نستطيع ان نميز بعض لمحات وحركات الرسول البشرية التي كان يتعامل بها مع الناس جميعاً، ليس لنا ونحن نعيش في عصر يختلف ومنظومة من المعارف المختلفة عن ذلك العصر ليس لنا الا استخدام العقل امام هذه النصوص وليس العكس فالنص منتوج بشري قابل للتغيير والتبديل والإلغاء أما العقل فهو المنتج إلالهي يرتفع ويرتفع الى اللانهاية، فالنصوص التي إختلقها إجدادنا لمرحلة ما وزمن ما لا تصلح ان تمرر على هذا الزمن وفي هذه المرحلة الصاعدة من حيث الوعي .

هذه المرحلة تحتاج من الواعين ان لا يتيبسوا على النص ويحاولوا الارتقاء بالعقل لكي يرشدهم الى حيث الصواب من عدمه . يقول الشيخ شلتوت في كتابه الاسلام عقيدة وشريعة (أن كثيراً مما نقل عن النبي صدر بأنه تشريع او دين او سنة او مندوب وهو في الحقيقة لم يكن صادراً على وجه التشريع أصلاً وقد كثر ذلك في الافعال الصادرة عنه بصفته البشرية او بصفته العادية او التجارب)

فمتى يقرأ المسلمون الرسول على انه الانسان البشري دون استعلائه على الناس ومتى يدركوا ان الاحاديث التي نسبت اليه هي ليست له وانه كان يتعامل مع ذلك العصر وفق معطياته وضروراته واذا جاء الرسول محمد اليوم فسيسير بالناس على ضوء منهج الحضارة الحديثة فسيركب السيارة والطيارة وسيقلع عن ركوب الخيل وسيجد نفسه غريباً بين أمة تدعي نهجه وحبه .

  

مصطفى العمري

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2722 المصادف: 2014-02-17 01:01:14