 تنوير وإصلاح

المجدّد السيد كمال الحيدري بين حداثة البحث وأكاديميّة الأسلوب

mouaiyad  alabedلقد كنّا وما زلنا نحن الاكاديميين ننظر بعين الى الابحاث الدينية غير العين التي ينظر بها عالم الدين. او لنقل رجل الدين. حيث يعتقد البعض ان هناك تناقضا او عدم التقاء بين المنهج الاكاديمي الذي يتبعه ارباب العلم الطبيعي والمنهج الذي يتبعه عالم او رجل الدين الاسلامي خصوصاً. وهذا المسمى بعدم الالتقاء جعل الكثير من ارباب العلوم الطبيعية يعزف عن الادلاء بدلوه في الكثير من الامور التي ارى من الضروري ان يكون هناك تلاقح بين المنهجين او الاسلوبين. الا ان هناك من قام بطريقة متطورة يتلاقى من خلالها الاسلوبان.

من هنا يتضج لنا اهمية موضوعة المنهج في اي مجال معرفي فانه ما لم يجد الباحث ذلك في الرتبة السابقة فسوف يؤدي الى الوقوع في الهلكات المعرفية ولا يزيده البحث في اثبات مدّعاه الا بعدا عنه ولعل هذا هو المراد مما ورد عن الامام ابي عبد الله الصادق عليه السلام حيث قال (العامل على غير بصيرة كالسائر على غير الطريق لا يزيده سرعة السير الا بعدا) والبصيرة في المقام هي المنهج($)

لذلك نرى المنهجية في ذهن وتطبيق العلامة السيد الحيدري الضرورة الكبرى في اي بحث من البحوث ناهيك عن كون هذا البحث متعلّقاً بالتفسير القرآني أو بغيره. فكيف اذا كان ذلك متعلّقاً بالقرآن الكريم، وهو دستور الامة الذي تركه الكثير، الا من قليل، هذا الكثير الذي يتعلق بسطحية عجيبة! وان احسنا النية نقول سطحية غير متعمّدة! لذلك يسعى العلامة الحيدري من خلال منهجيته الرائعة الى تصحيح وتجديد الكثير من الافكار ومن التفاسير التي توقّفت عند حدّ ضيّق، قد حدّت من خلاله كذلك الكثير من التصورات التطويرية في هذا المجال. فقد كان السيد ومازال يحذّر من الفوضى في المنهجية التي سار عليها اغلب المفسرين والكتّاب في هذا المجال. لذلك نرى السيد يسعى الى ما يطلق عليه (التاسيس النظري للعملية التفسيرية) الذي يعتمد على المنهجية في التعاطي مع الطرق الصحيحة والجادة للتخلص من الفوضى التي ادت الى هذا الغبش والتصورات غير الدقيقة في التعاطي مع الاحكام التي وردت كنصّ يحتاج الى من يسبر اغوار هذا، للوصول الى الغاية المرجوّة وهي حقيقة يقبلها العقل ولا تتعارض مع النصّ حين تفسيره. وينبغي ان نشير الى حسّاسية البحث باتجاه يعتقد الكثير من الجمهور الخروج على التقاليد الدينية او الاجتماعية الدينية. بينما المعروف عن الولوج في مسائل البحث بل الاهم من نقاطه هو الجرأة العلمية في القول والشرح والاسهاب لتوضيح الفكرة بالاضافة الى نزاهة الاسلوب في الوصول الى نتائج ايجابية ونزاهة المعرفة المستندة الى المصادر الحقّة، الدقيق ذكرها وعدم الاستغراق فيما لا ينفع عقيدياً او فكريا. لذلك ترى السيد الحيدري دقيقا في البحث عن المعلومة وسط ترك واهمال للمعلومة من قبل العديد من الباحثين بل من قبل الغالبية العظمى من الباحثين في المجال الدينيّ. وقد سار ويسير السيد الحيدري على منهج موضوعي وتنظيم وصدق وانفتاح كامل على كل المذاهب في البحث عن المعلومة ومدى دقّتها والفائدة من ذكرها وفي الموضع والزمان المناسبين. واقول بالاسلوب الاكاديمي الصحيح. ولو نأخذ مثلاً على ذلك نراه في الاستناد على المباديء الاساسية في مثل هذه البحوث، مثل صياغة الفرضية وتصميم كامل على الاعتماد على التجارب لاختبار الفرضية مع جمع التفاسير الكاملة للبيانات والاتصال مع امكنة المعلومة العلمية البحثية وتجريدها من الشخصانية التي غالبا ما تستهلك اسماءها قيمة المعلومة العلمية التي باتت تعرف من خلال الرجال وليس العكس كما يقول الامام علي عليه السلام (يعرف الرجال بالحق ولا يعرف الحق بالرجال). لذلك فقد سلّط السيد على امّهات الكتب من كافة الطوائف ضوءاً عالي التردّد وكانت غايته الضوء الشديد والنور المبين الذي يمثّل الحقيقة. فقد اشار الى كتب المذاهب الاسلامية العديدة من بحار الانوار الى من لا يحضره الفقيه وكتب الكافي الاصول والفروع وغير ها من كتب الشيعة. بالاضافة الى كتب عامّة المسلمين من المذاهب الاخرى.

لقد قرأت وشاهدت العديد من (المحاضرات!) والجلسات والكتابات التي تهتك أو تحاول ان تسير بهذا الطريق لتدمير او اضعاف المشروع الاصلاحي الكبير الذي جاء به سماحة المرجع السيد الحيدري والذي يعتبر بحق اكثر مشروع شجاعة منذ عشرات ان لم اقل مئات السنين، نعم ولا ابالغ في ذلك. لقد اشار هذا المشروع الى العديد من النقاط الحسّاسة المدافعة عن المشروع القرآني العظيم.

لقد اشار هؤلاء المتقوّلون مع الاسف إدعاء وتجنياً بما لم يقل السيد او هكذا فهموه! ان احسنّا الظنّ ونحن كذلك! يقولون ان السيد الحيدري قد نسف الحديث النبوي وهو قول الرسول الخاتم صلى الله عليه وآله وسلّم. والحقيقة غير تلك! لقد قال واشار وكتب السيد الحيدري الى انّ الائمة عليهم السلام يذكرون الى ان اي حديث يأتينا يتعارض مع القول الكريم فإضربوه عرض الحائط. اضافة الى هذا الكمّ الهائل من الاقوال والروايات والاحاديث من على المنابر عن رؤيا رآها احد او قيل له كذلك ومرويات يكون استنادها الى تلك الرءيا حتى اصبح الكثير من الروايات التي يتحدث بها الكثير من الخطباء والقائلين والمتحدثين عن تأريخ يستند بشكل أو بقدر معيّن الى روايات عجيبة. لا ننسف من هذه الاحاديث الا ما يتعارض مع الكتاب الكريم ومع العقل الذي يستند الى استنادات وبراهين كبيرة تتفاعل مع الزمن بما يخدم طريق الحق. ليس اسلامنا بهذه الركاكة من الاحاديث التي تبيّن الدين وكأنه مجاميع من الاساطير! لا والف لا!

يقول مشروع السيد الحيدري من خلال الدكتور الاخ طلال الحسن في كتابه اسلام القرآن واسلام الحديث كملخّص للمشروع الاصلاحي للسيد الحيدري بالقول:

انّ البناءات العلوية للرؤية الدينية هي نفس المنطلقات الاساسية التي تشكّل في ضوئها الدين الاسلامي بأصوله وفروعه ولا ريب أن جميع أصوله برهانية وحيانية خالصة أي: عقلية قرآنية وأما فروعه التي يغلب عليها التشكيل الروائي فلا بدّ أن تكون متفرّعة ومبتنية على تلك البناءات العلوية، وإلاّ يضرب بها عرض الجدار. وحيث إنّ الاعم الاغلب منها بحسب واقعنا العملي قد تشكّل في ضوء الموروث الروائي فإنّه لابدّ من تحصين ذلك الموروث الروائي لضمان صحّة ما نحن فيه وليس أمامنا سوى التمسّك بالقرآن والعقل.

وهنا يجب القول ان هذا المشروع الكبير لا ينفي الحديث ولا يقوّضه بل بترشيحه وتنقيته من فعل ان الشك هنا عنوان مهم للعرض على القرآن الكريم اولا حيث يقول المشروع: (لا ريب في ضرورة الرجوع الى الروايات المرويّة عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلّم واهل البيت عليهم السلام فتلك ضرورة دينية ملزمة، وضرورة معرفيّة لفهم الدين والوقوف على تفاصيله وهذا أمر واضح لا نقاش فيه عند المدرستين معاً، ولكنّ هذا الرجوع الضروريّ لا يصحّ فيه إلغاء القرآن بمعنى الاكتفاء بالرواية دون الآية، فإنّ الروايات موقوفة على القرآن ومتعلّقة على القرآن ومتعلّقة به، لانّها بيان وتفصيل له، فاذا ما طالعنا نصوصاً تفصيلية فلا بدّ من جذرها القرآني، ليكون دليلاً على صحّة التفصيل، وبذلك سيكون عندنا أصل قرآني شاخص نحدّد من خلاله صحّة وواقعية ذلك الكمّ الهائل من الروايات ومن ثمّ العمل به، وهذه هي الفكرة الاساسية لاسلام القرآن الذي ندعو له، واما الانكفاء على الروايات دون متابعة جذرها القرآنيّ فذلك هو اسلام الحديث الذي نحذّر منه). ص16 من نفس الكتاب

وبذلك تتّضح الصورة والغرض من هذا المشروع العظيم والمهم والذي لابدّ منه فالامر وصل الى حال عند المسلمين لا يمكن الا ان تكون هناك مراجعات مهمّة للتراث والرواية والحديث وما الى ذلك فقد اصبح هناك شرخ كبير بين القول الكريم لله تعالى وبين الكثير من الاحاديث المروية. اما اذا تحدّثنا عن تلك الاحاديث التي تستند الى زمان حكم بني امية في الشام فحدّث ولا حرج!!

ربّما يسأل سائل: هل هذا الكم من الباحثين في المجال الاسلامي يدركون المعنى القرآني وتفسير القول الكريم؟ الجواب بالطبع لا، لذلك وجب تهيئة الالسن والاقلام الصادقة المتدبّرة والعاقلة والهادئة في البحث القرآني والدخول في جدليّة علميّة بحثيّة لا بأس من اساليب عديدة من اسلوب اكاديمي واسلوب تتوفّر فيه كلّ العوامل التي طرحت من قبل السيد الحيدري وهي واضحة من خلال محاضراته وكتبه والمجموعة من الباحثين الذي يسيرون وفق هذا المنهج.

يقول السيد الحيدري(شاهد القول صوتا وصورة في العنوان):

https://www.youtube.com/watch?v=wj45vMYabRI&feature=c4overview&list=UUFj9KQcceK3XduMOVNyXrVg

في الدقيقة:0:12:39

(اسلام الحديث الاموي الدخيل لتمييزه من اسلام الحديث النبوي الاصيل)

لذلك اي مفتر هذا الذي يقول ان السيد يريد ان ينسف الحديث كلاً بلا تمييز او ذلك الذي يقول ان اسلام الحديث فيه الكثير من العقائد التي لا يمكن الاستغناء عنها وكأنّي به يقول لولا الاحاديث المروية لما كان هناك اسلام او لما كان هناك نهج عقيدي نستند اليه في حياتنا!

وجب على الانسان ان يكون منصفا اذا اراد لنفسه العزّة في الدنيا والآخرة! هناك اسلامان احدهما طريقه معبّد الى الصراط المستقيم وآخر فيه اعوجاج يؤدي بنا الى الهلاك لا محالة. وكما يقول الشاعر ابن الرومي:

أمامك فأنظر أيّ نهجيك تنهجُ       طريقان شتّى: مستقيم وأعوجُ

ألا أيّهذا الناس طال ضريركم     بآل رسول الله فإخشوا أو إرتجوا

ولنا بقية في القول باذن المولى الكريم

 

د.مؤيد الحسيني العابد

 

...........................

($) الاصول من الكافي لثقة الاسلام ابي جعفر بن يعقوب الكليني تحقيق علي اكبر الغفاري نشر دار الكتب الاسلامية الطبعة السادسة كتاب فضل العلم باب من عمل بغير علم، الحديث 1 ج1 ص43

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

(من هنا يتضج لنا اهمية موضوعة المنهج في اي مجال معرفي فانه ما لم يجد الباحث ذلك في الرتبة السابقة فسوف يؤدي الى الوقوع في الهلكات المعرفية ولا يزيده البحث في اثبات مدّعاه الا بعدا عنه ولعل هذا هو المراد مما ورد عن الامام ابي عبد الله الصادق عليه السلام حيث قال (العامل على غير بصيرة كالسائر على غير الطريق لا يزيده سرعة السير الا بعدا) والبصيرة في المقام هي المنهج )

لا تجديد ولا حداثة في منهاجية الحيدري او في بحوثه .. بل ان هناك الكثير من الباحثين في الفكر والعقائد الاسلامية امتازت بحوثهم بالحداثة والتجديد اكثر وافضل من ادعاءك الحداثة والتجديد في فكر الحيدري ، بل قل منهاج الحيدري هو الخالف تعرف ليس اكثر

عراقي منصف
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2725 المصادف: 2014-02-20 00:38:25