 تنوير وإصلاح

المثقف والسلطة .. أزمة وعي وغربة فكر

alarabi ednaserإن الحديث عن مأسسة سلطة علمية إلى جانب سلطة سياسية في الفكر العربي، يحيل على قضية ذات صورة جدلية وهي إشكالية المثقف والسلطة.

فمن منطلق كون إنتاج المعرفة لا يكون داخل غرف سوداء محكمة لا تتسرب إليها عوامل طبيعة العمران والاجتماع البشري، بقدر ما تنتج داخل أنساق ثقافية سياسية واجتماعية معينة تدخل فيها قاعدة النسبية على أوسع نطاق على مستوى الأفكار والقيم والسلوكات، فإنه يسهل القول بأن المجتمعات ما هي إلا حركية قوى اجتماعية عن طريق تفاعلات وتدافعات قد تأخذ أبعاداً صراعية أو أبعاداً تواصلية تنتهي إلى تشكيل ترسبات فكرية وأخلاقية وسلوكية ذات "ثقل اجتماعي" تحميها وتحرسها سلطة معرفية أو سياسية أو هما معا للإبقاء وللحفاظ على "نموذج نظام" مؤسس على مصالح ما.

إذا كان الأمر كذلك فكيف يمكن أن نؤصل للعلاقة بين رجل العلم ورجل السلطة داخل مجتمع لا يفصل بين الدين والحكم، وهو مجتمع الإسلام؟

ثمة معطيات عديدة يمكن أن تؤشر على نوع العلاقة بين صانع القرار السياسي وبين منظر الفكر والثقافة، وهذه المعطيات تتمظهر على مستويين اثنين: النص والواقع، فعلى المستوى الأول نورد جملة من النصوص ذات دلالة معرفية سياسية من بينها الآية: (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم...[1]) وهي تتحدث عن طاعة أولي الأمر ـ بعد طاعة الله ورسوله عليه السلام- وهم العلماء من جهة والحكام من جهة أخرى، وهناك نصوص أخرى تنص صراحة على فضل العلماء كآية: (يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات[2]) وقوله تعالى: (شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط[3])، وحديث "العلماء ورثة الأنبياء"[4]، وفي الاتجاه الآخر نجد نصوصا تمجد وتُعلي من شأن الحكام كما ورد في حديث: "السلطان ظل الله في الأرض[5]" وحديث: "من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية[6]".

والملاحظة التي يمكن تسجيلها إزاء ما سبق هي أن مركزية النص تعمل على إغراء كل من المثقف والسياسي نحو البحث عن وسائل للتفرد بالسلطة والاستئثار بها قصد خلق "حصانة اجتماعية" توظف عند الحاجة.

أما على المستوى الثاني فإن تناقض الأهداف والمصالح بين الطرفين يجعل التنافس بينهما يكتسي طابع الاحتواء أو الإلغاء والتدمير خشية زعزعة الشخصية المعنوية لكل منهما. ولهذا لا يجد المثقف حرجا في التلميح لسموه وشرف وظيفته، فبنظره ليس هناك "شيء أعز من العلم، الملوك حكام على الناس، والعلماء حكام على الملوك[7]"، وفوق ذلك فسلطنته تعلو على سلطنة الحاكم لكونها "من جنس سلطنة الأنبياء وسلطنة الملوك من جنس سلطنة الفراعنة"[8].

وأمام هذا الموقف الأناني والمُعانِد من لَدُن رجل العلم لا يسع رجل السلطة إلا أن يوظف تقنياته الخاصة في تأديبه أو تنحيته عن مزاحمته في تربع الرمزية متمثلة في: "السيف والمال، السيف للتأديب والسَّحق، والمال للفتنة والإغراء"[9]، وهكذا يحكي لنا التاريخ عن صور بَشِعةٍ من العنف والاضطهاد لحرية الرأي والتعبير في حق جهابذة العلماء، و من أمثلتها أن يموت أبو حنيفة "في سجنه مقهورا [لما رفض تولي القضاء] ويجلد مالك حتى تنخلع عظامه، وأما الشافعي فجيء به مقيداً من مكة إلى بغداد مع بضعة عشر متهما آخر، قتلوا كلهم لأنهم خارجون على الخلافة، فلما قدم الشافعي ليلقى المصير نفسه قال: السلام عليك يا أمير المؤمنين وبركاته، قال: أين رحمة الله؟ قال: عندك يا أمير المؤمنين، فعفا عنه، ولولا هذا العفو الطارئ لضاع الشافعي وفقهه ومذهبه !"[10].

وقد قام أبو العرب التميمي بتدوين وجمع مآسي هؤلاء العلماء مع السلطة في "كتاب المحن"[11] بشكل علمي يضبط أسانيد المرويات.

وفي ظل ذلك الوضع الصعب على رجال الفكر ولَّى بعضهم عن المجتمع وصار يعيش حياة خاصة كالغرباء مع أنهم "وإن كانوا في أوطانهم وبين أترابهم وجيرانهم، [ هم] غرباء في آراءهم، قد سافروا بأفكارهم إلى مراتب أخر هي لهم كالأوطان"[12]. وقد بلغ الإحساس بالغربة والعزلة والنفي من طرف المجتمع والسلطة بأبي حيان التوحيدي إلى أن يبعث برسالة إلى زميله الفيلسوف مِسْكَوَيْه يَسْتَوْضِحَ فيها و يسْتَنْكِر المصير الذي آل إليه حال المثقف قائلا له: "مسألة هي ملكة المسائل [...] وهي الشجا في الحلق [...] وهي: حرمان الفاضل وإدراك الناقص. ولهذا المعنى خلع ابن الراوندي ربقة الدين، وقال أبو سعيد الحصيري بالشك، وألحد فلان في الإسلام، وارتاب فلان في الدين"[13].

إذا كان وضع المثقف كذلك، فإنه لا يَسْري على جميع المثقفين في علاقتهم مع السلطان، فهناك صِنف فضَّل أن يتعاون مع السلطة درءاَ لشرورها، في مقابل تمرير مشروعه وتحقيق طموحاته في الإصلاح والتغيير، فحصل نوع من التفاهم بين الاثنين حيث "وجد الفقه في شوكة السلطان الوسيلة الوحيدة التي تحمي الدين وتمنع ضياع الملة، ووجد السلطان في الفقه الدِّرع المعنوي والديني ضد كل تحولات المجتمع واحتجاج الناس"[14]. إلا أن ارتماء المثقف في أحضان السلطة ساهم في تشويه فكره وتعكير صفوه، بل انفلتت منه مهمة تأويل النص الديني وصارت شأنا من شؤون الدولة، وصار رجُل الدين فقيها أم مفسراً أم محدثا ـ موظفا في بلاط الدولة والخلافة"[15]، يصدر الفتاوى حين الطلب ويلهب المشاعر عند الشدائد ويُسدي خدمات جليلة للحاكم باسم الدين وحماية بيضة الإسلام بالطاعة للأمير لأن "أجناده إذا لم يعتقدوا وجوب طاعته في الدين، كانوا أضَرَّ عليه من كل ضِدٍّ مُباين"[16].

بل إن بعض المثقفين لم يكتف تجاه السلطة بالخدمة العلمية والترويج الإيديولوجي حيث وقع أحدهم وهو في قمة التفلسف في دائرة السُّخرة كالخدم، وهذا أبو بكر ابن زكرياء الرازي يحكي أنه يتصرف مع سلطانه بين أمرين: "إما في وقت مرضه فعلاجه وإصلاح أمر بدنه، وإما وقت صحة بدنه فإيناسه والمشورة عليه"[17]، وقد كان الرازي طبيبا جعل تخصصه قُربة إلى الملِك ووساطة إلى القصر، وذلك للسماح له ببث أفكاره الفلسفية الغريبة في مجتمعه التي لولا الخدمة السلطانية لَمَا استطاع أن يبوح بها في الناس مخافة أن يُرمَى بالإلحاد و الزندقة"[18].

تأسيسا على ما سبق، ولكون المثقف ليس إلا ابن بيئته، فلا يمكن له أن يبقى عنصراً محايدا في محيطه الذي يَعُجُّ بالمفاهيم والتصورات والقضايا التي تشكل السلطة مفتاحا من مفاتيحها، فهو مطالب باتخاذ موقف معين يكون في أحسن الأحوال "بتحديد ولائه لجهتين مختلفتين ومتناقضتين أحيانا كثيرة: السياسة الشرعية الخاضعة لجملة مفاهيم من علم الأصول ومقاصد الشريعة، ثم السلطة السياسية الفعلية[19]"، فالولاء للسياسة الأولى ثمنه باهظ قد يصل إلى الاعتقال أو القتل في مقابل حرية الفكر وراحة الضمير، أما الولاء الثاني فكم تشقى به النفس وتنفر منه السجيَّة لكنه يوفر المال ويجلب الجاه.

تلك هي حصيلة العلم والقلم، فإما توقيع عن رب العالمين أو توقيع عن السلاطين ولا توجد هناك منزلة بين المنزلتين.

 

بقلم: العربي ادناصر

................

[1] ـ سورة النساء الآية 58.

[2] ـ سورة المجادلة الآية 11.

[3] ـ آل عمران 18.

[4] ـ جزء من حديث رواه أحمد و أصحاب السنن الأربعة وابن حبان و صححه الألباني في صحيح الجامع الصغير رقم:6297.

[5] ـ أورده الألباني في سلسة الأحاديث الضعيفة و قال أنه منكر.

[6] ـ جزء من حديث رواه مسلم.

[7] ـ العقد الفريد لابن عبد ربه: تحقيق أحمد أحمد وآخرين، القاهرة 1367 ـ 1948، ج2 ص: 214.

[8] ـ الفخر الرازي، التفسير الكبير ومفاتيح الغيب، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع بيروت ط 3/1985، ج18 ص:53.

9 ـ د. عبد المجيد الصغير: الفكر الأصولي و إشكالية السلطة العلمية في الإسلام قراءة في نشأة علم الأصول ومقاصد الشريعة . دار المنتخب العربي ط:1 – 1994ص: 127.

[10]ـ محمد الغزالي الإسلام و الاستبداد السياسي، نهضة مصر ط1. 1997 ص: 197.

[11] ـ صدر عن دار الغرب الإسلامي ببيروت، بتحقيق يحيى وهيب الجبوري، ط1 ـ 1983.

[12]ـ ابن باجة: تدبير المتوحد تحقيق و تقديم معن زيادة بيروت دار الفكر الإسلامي 1978 ص: 46.

[13] ـ أبو حيان التوحيدي، الهوامل والشوامل، تحقيق أحمد أمين والسيد أحمد الصقر، لجنة التأليف والترجمة والنشر القاهرة، 1951 ص:212.

[14] ـ د. وجيه قانصو في مقال: تكون الفكرة السياسية في التاريخ الإسلامي، مجلة المنعطف الجديد ع2 شتاءـ ربيع 2001 ص: 36.

[15] ـ د. نصر حامد أبو زيد : الخطاب و التأويل، المركز الثقافي العربي ، ط 1 – 2000 ، ص:130

[16] ـ الماوردي: تسهيل النظر و تعجيل الظفر في أخلاق المِلك و سياسة المُلك، تحقيق رضوان السيد بيروت دار العلوم العربية 1987 ص:199.

[17] ـ د. نصر حامد أبو زيد ، الخطاب و التأويل، ص 130.

[18] ـ أبو بكر الرازي : رسائل فلسفية، تحقيق بول كراوس، بيروت 1996 ص: 109-110.

[19] ـ الرازي في عقيدته كان مانويا. و المانوية تنكر دور النبوة في خلاص البشرية.

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2834 المصادف: 2014-06-09 02:26:18