 تنوير وإصلاح

أغْتَيّال العَقْل العَرَبَي .. خُرافة الجَهْل المُقدَّس

husam ghassayأن العقل هو هبة الله لخلقه، يتميز به عن المخلوقات الأخرى، لا تفضيل لأحد على أحد به أو من إطلاق حريته ونزع حجابه المتمثل بالتحكم به باسم خرافة الجهل المقدس، والعق يعد من أكثر المفاهيم تشويشاً، وهو من المصطلحات الاساسية في كل ثقافة إنسانية واعية ومتنورة بالفكر والتجديد والتفكير الإيجابي، تعاطياً مع عصرية المجتمع لا بداوته و"قرسطويته"، وكما إنْه نقيض تام لمفهوم النقل والتقليد والإتباع بكل ما تعنيه من سلبية وإنحدار ورجعية، وهو ضرورة ملحة تظهر الطلبية عليه حينما يفقد المجتمع الأمل بالثقافة الثيوقراطية وتتزعزع الثقة الموصولة بينهما، والتي تستميل وتستملك عقول العامة بالمخدر الديني (بنج الثقرطة)، من أجل تشكيل سُلطة دينية بابوية كنسية في مجتمع إسلامي له خصوصياته وحيثياته المتفرد بها، تحاول من خلالها قطع الطريق امام أي تيار من التفكير بالسلطة، لأنها بدينيتها يعد كل من يُفكر بالسلطة إنما يُفكر بنعت السماء والتشكيك بالحكم الألهي والكفر بالرب والمقدس، لكي تبقى القوة الوحيدة في الحكم، والتيار الوحيد الذي يحق له أحتكار التفسير البشري للنصوص الدينية.

حيث ظهرت الحاجة لعودة الحياة وبثها من جديد في مفاصل العقل العربي المُغتال، والمُحجب من التفكير من أجل إستعادة دوره في الحياة، فبدونه سنفقد الأمل في التغيير والإنتقال الى الديمقراطية - التي لا غنى عنها - بما هي أخر محطات الوصول الى عصر النهضة والتقدم والإندماج في الحداثة التي تحترم خصوصيات الدين الإسلام ولا تفتئت او تتحايل على القيم والتقاليد العربية الشعبية الموروثة، - والتي يبقى العقل العربي بدونها عقلاً رجعياً عكسياً شيئياً - ومن هنا أصبحت الحاجة للعقلنة هو مطلب هام وضروري لتحرير الوعي من خرافته، والعقل من جهالته، وهي أحد ابواب الدين الذي من خلاله يتم تنظيم حياة المجتمع، وهي المدافع الأول عن حرية الأنسان والدعوة الى صون حقوقه السياسية والمدنية، لكن رغم هذا كله نجد من يرفض هذا العقل ويتهمه بالكفر والشرك والإلحاد، ويحاول إغتياله، باعتباره قرين شركي للعلمانية وللتنوير وللديمقراطية، ومقابل للدين ورافض له، وهي غالباً ما تكون نظرة دينية إسلامية تحاول دوماً قمع الحس التنويري المُتمْدّن، دون أنْ تمتلك مرجعية اسلامية نابعة من تأصيل الإسلام وثوابته، أو تمتلك أدلة نصية مقنعة بجهالة العقل والإسلام أكثر الأديان التي نادت بالعقل ودعت لتحرره من براثن الخرافة التي أصبح فعلاً مقدساً، أم تدنيس العقل والتفكير!

والاسلام، كدين يعترف بحق الحرية الدينية فعلياً بما تشير هذه الحرية الى تحرير العقل من الخرافة والأوهام، وتحرر الانسان من سلطان التقليد بغير تدبر، وأنْ يستعمل عقله ويتأمل في خلق السموات والأرض، وحريته في أختيار عقيدته دون اكراه أو إرغام على شيء، فالإسلام لا يُكره الناس على اعتناق مذهب دون قناعة، ولا يكبح رغبات الغير أو يفرض تقاليد دينية مغايرة لرغبة الفرد، أو يُنَمْط مجتمع عكس تطلعاته.

لكن أين هو العقل العربي ومجتمعاتنا اليوم ما زالت تنفق سنوياً خمسة مليارات دولار على السحر والجن والشعوذة والعلاج بالخرافات والغيبيات، وإحجبة ووصفات ممن يطلقون على انفسهم "أولياء الله" أو الشيوخ "المكشوف عنهم الحجاب"، .. إنْ خمسة مليارات دولار رقم مُفزع في لغة الأرقام، وأي أمة تلك التي تنفق المليارات على الشعوذة والخزعبلات، بلا شك هي أمةٍ مريضة متخلفة، وشعبها متقهقر وخاضع للتبعية الدينية، أمة لا تنظر إلا إلى ما هو امام اقدامها فقط فهي حتماً لا تمتلك رؤية للواقع وحيثياته، تتشبث دوماً بالماضي وتحْنُ اليه، لا حباً به بل هرباً من الحاضر والمستقبل المجهول، .. فهي أمة ما زالت عاجزة من امتلاك قرارها السياسي بمحض ارادتها، فالقرار ما زال يصدر من خارج الحدود، والمشاكل والحلول الامة تأتينا "مُسلفنة" بأكياس سوداء وأظرف ممهورة من الخارج، نحن أمة لا نعرف كيف نفكر، أذن نحن أمة نعرف كيف نُكفر !!

وأن سبب إنفاق العقل العربي للمليارات هو نتيجة غياب التخطيط والتنمية البشرية للفرد العربي، وعدم برمجة حياة الفرد، بل وإنه فرد يعيش على الأزمات، فالعقل العربي يقف عاجزاً بدون مشكلة، بل أصبح الاستثناء عنده قاعدة وظاهرة شائعة، والظاهرة شذوذ وخروج عن النص، كثيراً ما يُعاب عليه.

وأنْ ما يعانيه المجتمع العربي الإسلامي من نقص في الغذاء والمجاعة والأوبئة والأمراض البيئية تؤكد أن العقل العربي الإسلامي يعيش في أزمة، وأن هذه الأزمة التي يعاني منها المجتمع العربي الإٍسلامي تكمن في سببين فقط (كما عبر عنهما المفكر محمد عماره) أولهما: التخلف الموروث هو (عصر التراجع الحضاري إلى حكم المماليك والعثمانيين والعسكر)، وثانيهما: الوافد الغربي الضار (الهيمنة الغربية) وما يندرج ضمن سياق المفهوم من غزوٍ فكري، عولمة، وعولمة الأرهاب الحداثة، وما بعد الحداثة وسوبر حداثة، والعلمنة، والديمقراطية المُتسمة بالاحتلال والاستعمار (الديمقراطية الكولونيالية)، .

إنْنا اليوم بحاجة ماسة للثقافة السياسية بما تعنيه التنظيم غير المقنن للتفاعلات السياسية، بل لكونها محصلة تفاعل الخبرة التاريخية والوضع الجغرافي والمعتقدات الدينية والظروف الاجتماعية والاقتصادية اللذان يبلوران حزمة من القيم السامية والمبادئ النبيلة التي تكون بمثابة الخطوط الحمراء والحدود الدنيا والمصالح العليا للأمة/الوطن على شكل ثقافة سياسية مدنية تسعى لتحقيق أنبل غايات السياسة ألا وهي سعادة ورفاهية المجتمع.

وأنْ الدين لا علاقة له بالخرافة، لكن شيوخ المودرن أو ممن يسمون أنفسهم بـ "أولياء الله" يريدون ذلك، ولا بد من تحرير العقل من قيد السحر والشعوذة والهرطقة والابتداع السلبي الحداثوي اللا مبرر، وهو ما دعا إليه الشيخ الإمام محمد عبده بضرورة تحرير الفكر من قيد التقليد وفهم الدين على طريقة سلف الامة والنظر الى العقل باعتباره قوة من أفضل القوى الانسانية بل أفضلها على الحقيقة، وعدم مراوحته بالسلبية الماضوية وعجزه من الإندماج بعصر المدنية والحضارة.

فما نحتاجه اليوم هو تدنيس ذلك الجهل المقدس، وكشف مستوره، وتعريته وفضح خباياه، وهذا لا يتم بدون ترسيخ ثقافة مؤمنة أشد الإيمان وبقناعة تامة بإن الفكر المُتطرّف إنما هو طرح غربي إمبريالي، لا يبت بالإسلام بصله لا من بعيد ولا من قريب، وهو أمراً يتنافى مع وسطية الإسلام، وسماحته، وتسامحه، مع تعدديته الخلاقة التي لم تُكره أحداً على ترك /أو إتباع ديناً جديداً، وعلى عدم هتك المحرمات والمقدسات، وإن كانت بمسميات تمويهيه تضليليه، تتعامل مع الواقع بواجهة دعائية مزيفة، تتخفى وراء اقنعة ولثامات الحرية والتحرر.

فالتطرّف الديني (النزعة الدينية) لا يقل ضرراً وخطراً على الأمة وقيمها الاسلامية عن الليبرالية السياسية أو الديمقراطية الاستعمارية (العلمانية)، فكلاهما يقتاتان على الموروث القيمي للعروبة والإسلام، وبكلاهما يتصدر الإرهاب والعنف والقتل والقمع واجهة الحياة العربية في كل مناحيها ومفاصلها.

ونحن اليوم نسعى لترسيخ قيم مشروع حضاري يناهض التطرّف الديني، وبرفضنا للتطرّف الديني (الثيوقراطي) هذا وسياساته وتجلياته، لا يعني إننا نُريد البديل العلماني، والعكس صحيح تماماً، بل نُريد تأسيس لمدنية عربية إسلامية ترفض هذين النقيضين لتؤسس نقيض ثالث يكون بمثابة الحل الوسط بين المتناقضات، والقبلة التي تّذبح عليها إشكاليات العقل العربي، فلا نريد ديمقراطية كولونيالية تحجب دور العقل إيذانا بالإيمان بثقافة النقل المفرط للتراث، وإنما نعمل جاهدين من أجل إخراج ديمقراطية عربية اسلامية تنبع من واقعنا المُعاش وتُلامس وجداننا وتعالج مشاكلنا بآليات وطروحات عربية، لا تتكابر على الموروث الديني، ولا تغالي به، بل تتأطر بأدبيات الشريعة الإسلامية مع التعاطي بروح العصر والحضارة والحياة العصرية الجديدة، وعندها سوف يتحقق لنا إمكانية رفع الحجاب عن العقل وتحريره من براثن الجهل المقدس.

 

حُسام ﮔصّاي

صحفي وكاتب سياسي عراقي

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2893 المصادف: 2014-08-07 01:58:17