 تنوير وإصلاح

لماذا التسامح الديني؟

يصف البعض التسامح بانه موضة قديمة. فالتسامح عادة يكون مع ما هو سيء ومزيف. هذا الموقف يستلزم نوعاً من عدم الاحترام. موضوع التسامح اصبح جزءاً من قيم المساواة المتمثلة بقبول حق الفرد ليس في الكلام فقط وانما ايضاً في الاستماع له. كل منْ يتجاهل الاستماع لآراء الاخرين هو انما يعمل بالضد من هذا المبدأ. غير اننا من الصعب ان نتصور كيفية تطبيق التسامح دون ممارسته. البعض قال اننا نستطيع رفض وشجب العقائد الخاطئة وفي نفس الوقت نحترم اولئك الذين يؤمنون بها، غير ان هذا التمييز سينهار حتماً حينما تكون العقيدة ليست فقط خاطئة وانما بغيضة ومقيتة. المدافعون عن ستالين يستحقون السخرية والازدراء، بينما منكري الهيليكوست يستحقون عدم الاحترام. فاذا كنا مستعدين للتسامح وقبول التعبير بمثل هذه الآراء، ذلك ليس بسبب ان دعاتها يستحقون الاحترام وانما لأجل اشاعة أعظم فضائل الحرية.

ان حماية حرية الناس الذين نحتقرهم في قرارة انفسنا هي مسألة صعبة. الخطورة هي ان اولئك الذين نتسامح معهم قد لا يفعلون الشيء ذاته. مع ذلك فان التسامح مع الافكار القبيحة ومع منْ يعبّر عنها هو جزء مما تعنيه الحرية باعتبارها درعاً واقياً للحقوق. ان الايمان المعاصر بالحقوق شجعنا على التفكير بان الحرية وحقوق الانسان هما عمليتان متلازمتان. مع ذلك لا يمكن ضمان اي حرية ومهما كانت اهميتها بالاعتماد فقط على نظام قانوني مرتكز على الحقوق. ان الادوات الدستورية الامريكية المفرطة لم تتمكن من حماية البلاد من موجة المكارثية،وهي لم تفعل اكثر من منح الحق القانوني باجراء عمليات الاجهاض وهو الحق الذي حال دون تعرّض الاطباء الممارسين لتلك العمليات للاعتداءات او للقتل احياناً. كذلك لم يمنع القانون الامريكي استخدام التعذيب من جانب ادارة بوش. الهيكل القانوني الذي يُفترض ان يحمي الحريات الاساسية سوف لن يفعل شيئاً ان لم ينل الدعم المطلوب من الثقافة الاكبر للحرية والتي تصبح فيها ممارسة التسامح عملية أساسية وجوهرية.

حين قام (Brian Leiter ) بالتحقيق المعمق في التسامح هو خدم بذلك الفكر السياسي. بتركيزه على الممارسين للاديان وما اذا كان بالامكان منحهم استثناءاً خاصاً من التطبيق العام للقوانين على اساس من الضمير، سعى (ليتر) لصياغة مبدأ عالمي للتسامح. فهو يذكر "ممارسة التسامح شيء والسبب المبدئي للتسامح شيء آخر". يرى (ليتر) ان رؤية توماس هوبز للتسامح كوسيلة للتعايش السلمي هي ليست اكثر من عملية برجماتية، وحتى جون لوك – مؤلف "رسالة حول التسامح" (1689) – أكّد على ان الحكومة غير مؤهلة لإحداث تغيير في العقيدة. بدلاً من ذلك سعى (ليتر) للبحث عن شكل "نقي" من التسامح، مرتكز على مبادئ تستطيع التأثير على طبيعة المعرفة الانسانية وعلى الحياة الجيدة بهدف ايجاد صيغ لهذا النوع من التسامح الذي دافع عنه كل من (جون رولس) و (جون ستيوارت مل) في كتاباتهما.

هل هناك اخلاق دينية؟

تجدر الاشارة الى ان (ليتر) استعان بـ (مل)- الذي هو مفكر اكثر عمقاً وملائمة من (رولس)- لكنه لم يثبت ان كان (مل) منظّراً في التسامح. من الواضح انه قاد نقاشاً مؤثراً حول محدودية الانسان ولا عصمته وحول اهمية الاختيار في دفاعه عن الحرية. غير ان رؤية (مل) هي ليست حول وجود مختلف وجهات النظر الاخلاقية التي نحن متأكدون من صوابية التسامح معها. هو اعتقد ان الاخلاق ترتبط فقط بمنع الاذى، وان اي شيء آخر انما يتعلق بمسائل الجمال والحكمة. هو يرى ان الاخلاق الدينية هي غير عقلانية ولن تكون اخلاقية ابداً، ولذا سوف لن يكون هناك سبب مبدئي اخلاقي لقبولها.

في الواقع، ان (مل) لم يكن في دعوته لـ "التسامح النقي" اكثر حماساً مما دعا اليه هوبز ولوك. التسامح يمكن ممارسته لعدة اسباب، بعضها "برجماتية" واخرى ابستمية او اخلاقية.

واذا كانت قيم (ليتر) في التسامح النقي تبدو مشكوكا فيها، الا انه على صواب حين يسأل ما اذا كان الدين يستحق التسامح من اي نوع خاص. لماذا نتعامل مع الدعوات الدينية المستندة على الضمير بشيء من السمو الاخلاقي، بينما نرفض استثناءات مماثلة للاخرين؟ النباتيون ربما لديهم معارضة ضميرية عميقة لتناول اللحوم بينما نرى بعض الدينيين يعارضون تناول لحوم الحيوانات التي لم تُذبح وفق طريقة معينة. تسوية مثل هذه الخلافات تبقى امراً غير واضح لكن (ليتر) يرى بعدم وجود اي سبب لمنح الاديان وضعا خاصا في هذه المسألة: "التسامح ربما هو فضيلة لكل من الدولة والفرد، لكن تطبيقه الاختياري على ضمير المؤمنين بالاديان فقط لا يمكن الدفاع عنه اخلاقياً ".

النقاش اعلاه غير موجّه للمؤسسة الدينية. كان (ليتر) وغيره من الفلاسفة المعاصرين يدركون ان التسامح يمكن تطبيقه في مختلف الانظمة. هناك عدة انواع من المؤسسات الدينية وانواع اخرى من المؤسسات العلمانية. المؤسسة الدينية التعددية في بريطانيا شيء وانظمة الحكم الديني في بعض الدول شيء آخر. كذلك لا يوجد تشابه بين فصل الكنيسة الامريكية عن الدولة وبين العلمانية الفرنسية او في سيطرة الدولة على الدين في تركيا اتاتورك. احدى ايجابيات دراسة (ليتر) انها تعترف بهذه الاختلافات.

كتاب لماذا نجيز الدين؟ استبطن كل هذه الافكار. اعتبر (ليتر): ان "العلمانية الفرنسية (على الاقل كما هي واضحة في قوانين حظر المظاهر الدينية الطاغية في المدارس)، هي في الحقيقة حالة من التعصب غير الجائز في الدين". انه من اللافت جداً ان نجده يضيف لنقاشه في الابستيمولوجي والدين " حاشية نيتشية يؤكد فيها على مسألة جرى تجاهلها من جانب الفلاسفة ذوي الميول التحليلية: هو يذكر "انه تبنّى دائماً" ما يبدو له حالة نيتشية واضحة تماما – يعني ، ان زيف العقائد وافتقارها الى صلاحية معرفية هي ليست بالضرورة معارضة لتلك العقائد. في الحقيقة، العقائد الزائفة او غير الصالحة هي بالتأكيد، كما يذكر نيتشه، شرطاً ضرورياً للحياة ذاتها، وذات قيمة لا بأس بها، وبالتأكيد هي قيمة كافية لتبرير التسامح". هذا الكتاب هو نموذج في الوضوح والدقة في مسائل اصلية و سيستفيد منه كل من يفكر بجد حول الدين والاخلاق والسياسة.

ذلك لا يعني القول ان حجة (ليتر) لا لبس فيها. القول بان الدين لا يستحق استثناءاً خاصاً من القواعد ذات التطبيق العام ربما صحيح ولكن ليس بسبب وجود اي شيء غير عقلاني خاص. اذاً ما الشيء الذي يُعد عقيدة دينية؟ في ضوء صعوبة تعريف الدين يخصص (ليتر) قسماً من الكتاب لهذا السؤال. نقاشه هو أكثر تعقيداً حول الموضوع لكنه لايزال يرسم فرقا قاطعا بين الاديان والعقائد الاخرى التي يصعب استمرارها ان لم يكن مستحيلاً . ان من بين السمات المميزة للعقائد الدينية، كما يذكر، هو خلوها من الدليل. المؤمنون بالدين ربما يوردون ما يعتبرونه دليلاً داعماً لعقائدهم، هم لا يميلون لمراجعة هذه العقائد في ضوء الدليل الجديد، وهم نادراً ما يوردون دليلاً مضاداً لها. بدلا من ذلك، عقائدهم هي جزء مما يصفه (ليتر) بـ " حالة ذهنية دينية متميزة... حالة الايمان".

المشكلة هي انه ليس فقط المؤمنون البارزون من يجسد هذه الحالة الذهنية. الايديولوجيات السياسية اعترفت مرات عديدة بأن التجربة كشفت زيف مشاريعها الحماسية؟ لا يمكن لأي دليل ان يقنع الانسان الغربي الصائب التفكير بان القمع السوفيتي ابتدأ مع لينين او ان الليبرالية الجديدة المتحمسة للاسواق الحرة غير المنظمة هي عرضة لإنهيار مدمر. سيقولون لك وبشيء من التباين ان الشيوعية والسوق الحر "لم يتم ممارستهما حقا". لو ان الاتحاد السوفيتي الوليد لم يُطوق من قبل الامبرياليين الاشرار او ان الحكومات الليبرالية الجديدة كانت عرضة للمسائلة امام الناخبين المتذبذبين، لكان بلإمكان بلوغ المشروع المقدس، ولأصبح الجميع سعداء. هذه هي الافكار الاكثر سخفاً ولكن لهذا السبب بالذات انها دائما مقبولة.

العزاء الوجودي

ان الرغبة في عزل العقيدة عن الدليل ترتبط بخاصية اخرى يراها (ليتر) مميزة للدين وهي – "مساهمة العقيدة الدينية في العزاء الوجودي". العقيدة الدينية، كما يبدو من قوله، هي معزولة عن الدليل لأنها تعطي العزاء وبذلك هي تعطي المعنى لحياة المؤمنين. مرة اخرى، ليس فقط المتدين التقليدي من يتشبث بعقيدته لأجل العزاء الذي تقدمه. في زماننا، نجد المؤمنين العلمانيين قاموا بنفس الشيء وعلى نطاق اوسع.

انظر في الادعاءات التي حيكت حول امتلاك صدام حسين لأسلحة الدمار الشامل والتي استُعملت لتبرير غزو العراق عام 2003. بلا شك هناك عامل جيوبولتيكي (مرتبط اساسا بالبترول) وراء التضليل الذي سبق الحرب. ولكن حين جرى التخلي عن مستوى ملائم من تقييم الدليل كما وُصف بـ "استخبارات مبنية على الايمان"، فهو ايضا بسبب ان الاطاحة بصدام حسين كانت بالنسبة لبوش وبلير طريقة لتعزيز الحركات نحو الديمقراطية وحقوق الانسان وبالتالي يكونان في الجانب الصحيح من التاريخ".

ان فكرة الاطاحة بالدكتاتور ستفتح الطريق نحو الديمقراطية الليبرالية هي فكرة ليست صحيحة ابداً والاحداث أثبتت خطأها بسرعة لكونها لم تمنع تكرار التجارب الفاشلة في ليبيا وربما في دول اخرى. ان اولئك المقتنعين بالتدخل الغربي والذين يتصورون انه يشعرهم باهميتهم في هذا العالم، ستكون حياتهم بلا معنى ان لم تكن لديهم القناعة بانهم في الموقع المتقدم للتاريخ .

مرة اخرى، لا شيء يغيض الجماعات الحالية من الانجيليين الملحدين اكثر من القول ان الحركات اللادينية لها العديد من سمات الدين. غير ان ادّعائهم بان رفض وجود عدة معتقدات سيخلق عالما افضل، هم بذلك ينكرون الدليل الواضح من التاريخ، الذي يبين ان السعي وراء رؤية عالمية واحدة هو ذاته سبب للصراع. ان فكرة التحول العالمي من و الى اي نظام عقيدي سوف تحسّن بسرعة من قدر الانسان هو فعل من الايمان سواء اعتقد بتلك الفكرة المتدينون او اعداء الدين. في توضيحهم لملاحظات نيتشة حول السمات القوية للعقائد الباطلة، هؤلاء الملحدين يبحثون عن عزاء وجودي تماما وبنفس مقدارما يبحث عنه المؤمنون الدينيون.اذا كانت الاديان لا تستحق نوعاً خاصاً من التسامح، ذلك بسبب عدم وجود اي شئ خاص حول الدين. ان التشبث بالعقائد ضد الدليل هو نزعة عالمية انسانية. ممارسة التسامح- وهي الممارسة المهمة التي تراكمت وطُبقت في الاخلاق والسياسة بقدر ما طُبقت في الدين– انما ترتكز على هذه الحقيقة. التسامح يعني القبول بان معظم عقائدنا هي دائما غير مبررة والعديد منها بلا معنى. وهذا هو السبب الذي يجعل معظم الناس يشعرون بالقلق من الاعتقاد بانهم اكثر عقلانية من غيرهم.

 

................................

المصدر: John Gray ، The New Statesman عدد 29 نوفمبر 2012 . كتابه "مهمة التخليد: السعي الغريب لخداع الموت" صدر عن دار بنغوين في 29 شباط 2012 .      

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2898 المصادف: 2014-08-12 01:28:02