 تنوير وإصلاح

الصلة بين الدين والجغرافية

alaa falihaburgeefهل يستحق الانتماء الديني والمذهبي كل هذا التعصب؟

أولا وقبل كل شيء، الأيمان ضرورة وجودية للبشر ولا معنى للحياة بلا أيمان حقيقي، وهو الاختلاف الوحيد - بين الإنسان والحيوان - القادر على الصمود أمام تقدم العلم وجبروت التكنولوجيا، خاصة مع اكتشاف العلماء أن لبعض أنواع القرود نشاط عقلي محدود يمكن تنميته فلم يعد الإنسان هو الحيوان العاقل أو الناطق لان الجميع بات يعرف إن للحيوانات قدرات صوتية للتواصل أذا اتفقنا إن ابسط مفاهيم اللغة تعني صوت + دلالة، وبذالك يمكننا تصحيح الوصف ليتحول الى :الإنسان عبارة عن حيوان مؤمن، ومازلت اعتقد إن السبب الجوهري لانهيار الشيوعية هو محاولة إلغاء غريزتين أساسيتين لبني البشر بالقسر والإكراه وهما الإيمان وحب التملك،لذالك أتمنى أن لا يفهم أن هذا المقال يقلل من أهمية الانتماء الديني أو يحمل أي نوع من الازدراء لأي مجموعة دينية مهما كان اعتقادها .

ويبقى الإيمان مفهوم نسبي فما يراه الحلاج معرفة حقيقية لله يجده الآخرون كفر وزندقة أوجبت صلبه. وقد يستغرب اليهودي من عبادة اغلب شعوب جنوب شرق أسيا الأصنام التي ترمز إلى بوذا بينما يسخر البوذيين من عبادة اليهود لإله يعيش في غياهب المجهول ولا يراه احد، ويجد اليهودي في مقولة المسيحيين بان يسوع ابن الله شرك وكفر بينما يجد المسيحيون والمسلمون ان مقولة اليهود بأنهم شعب الله المختار مختلقة وكذب على الله.

أن التعصب ناتج عن اعتقاد الشخص بأنه يملك الحقيقة المطلقة فيما يخص إيمانه الديني، ويشكر ربه على هذه النعمة بأن وهبه الانتماء الديني والمذهبي الصحيح فتراه يشفق على الآخرين الغارقين في بحور الضلال والكفر وأحيانا تتحول الشفقة إلى خصام وعداوة وحرب يحاول فيها المؤمن أن يفرض قناعته على الآخرين بالقوة وأحيانا لا يكلف نفسه ذالك الجهد فيقتلهم طمعا في الأجر والثواب من ربه.

وهذا الوصف ينطبق على جميع الأديان السماوية والوثنية بشكل أو آخر فحتى أكثر الديانات سلمية تتحول في حالات الصراع الديني والمذهبي الى المنهج ألعنفي وهذا ما لمسناه في الإبادة التي تعرض لها مسلمي (الرهونجا)على يد البوذيين في تيمور الشرقية العام الماضي، بل حتى الملحدين يدافعون عن إلحادهم بذات التعصب وقد امتلاء تاريخ الشيوعيين بدماء المؤمنين عندما رفع البلاشفة شعارهم الشهير (الدين أفيون الشعوب).

لم يكن للأيمان صلة قوية بالعقل فقد تجد أستاذا جامعيا مرموقا يدين بالهندوسية ويعبد البقر أو مهندس ياباني لامع يدهشك باختراعاته يعبد بوذا ويقدم القرابين لتمثال من الذهب طلبا للمغفرة والرحمة،وقلة قليلة من الناس من تحول عن دينه أو مذهبه نتيجة لمراجعة نقدية لها. لكننا نجد إن الصلة بين التعصب والجهل قوية فكلما تقدم الشخص في مجال التحصيل العلمي (باستثناء التعليم الديني الذي يعمق فكرة ضلالة الآخر) أصبح أكثر تسامحا وقدرة على الاستماع للرأي الأخر بلا تشنج، لكن الخطورة الحقيقية للتعصب تكمن في قدرته على خرق هذه القاعدة وتجاوز حواجز التحضر فقد تحول الايرلنديون الشماليون وهم شعب متحضر ويمارس الديمقراطية منذ مئات السنين الى شعب يمارس العنف بطرق وحشية عندما خاض حربا طائفية بين الكاثوليك والبروتستانت خلال حقبة الثمانينات من القرن المنصرم.

أن الانتماء الديني هو مجرد صدفة جغرافية وقد تكون هذه الصدفة في صالح الشخص أو في غير صالحه (والله اعلم) فلو فرضنا مثلا إن الشيخ القرضاوي ولد في النجف ودخل حوزتها العلمية لوجدناه من أكثر المدافعين عن الشيعة اللذين يكفر اغلبهم و حتى أذا لم يختر مجال دراسة العلوم الدينية فمجرد وجوده في بيئة شيعية ستجعل منه رجل شيعي عادي يمارس ذات الطقوس التي يستهجنها الآن!!

والعكس تخيل لو إن السيد السستاني (وهذا ليس تقليلا من شأنه المحترم) قد ولد في الصين لأب يعمل في إحدى مصانع بكين وأم معلمة فماذا سيكون شكل الاعتقاد الديني لديه؟!!

لذالك علينا أن نعلم إن الآخرين يتصورون ذات التصور الذي نملكه وهو إن الله يحبنا وقد شاءت قدرته أن نسلك الطريق القويم بان زرع في قلوبنا الهداية بالدين والمذهب الذي ننتمي أليه فلا داعي للتعصب لديننا ومذهبنا بل إن الواجب الحضاري والأخلاقي قبل الواجب الديني يفرض علينا احترام الأخر المختلف عنا دينيا ومذهبيا وعدم محاولة فرض عقيدتنا عليه..لأننا جميعا في نهاية الأمر لم نكن نملك خيارا تجاه طبيعة إيماننا الديني والمذهبي بل إن البيئة التي نشانا فيها هي من فرضت علينا معتقداتنا الدينية، ويمكن الرجوع لكتاب علي الوردي (دراسة في طبيعة المجتمع العراقي) لمعرفة تأثير البيئة في الاعتقاد الديني وهو يتحدث عن عدد من العشائر السنية تحولت إلى المذهب الشيعي عندما هاجرت في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر إلى مناطق جنوب ووسط (الفرات الأوسط) العراق طلبا للرزق، وهو ما يفسر انقسام قبيلتي شمر وتميم - على سبيل المثال - إلى بطون تؤمن بالمذهب الشيعي وأخرى بالمذهب السني.

والخلاصة أخي القارئ من حقك أن تعتز بعقيدك الدينية ومن واجبي احترامها، بدون تعصب فقد نكون كلانا على خطأ .

 

علاء فالح ابو رغيف

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2908 المصادف: 2014-08-22 02:18:56