 تنوير وإصلاح

"محمد إقبال" والإصلاح والتجديد

bobaker jilaliالمتتبع للمحاولة الفكرية الفلسفية في الإصلاح والتجديد عند "محمد إقبال"، يجد أن رؤيته في التغيير والتجديد والحضارة ارتبطت بفلسفته ككل، وبنظرته إلى الحياة عامّة، ورؤيته تختلف عن رؤى زعماء الإصلاح وروّاد التجديد ودعائه في العصر الحديث.

فهو يرى دوافع التغيير حالّة في وحدات الوجود الثلاث، الإنسان والكون والله، مرتبة من الأدنى نحو الأعلى، والحياة متغيّرة باستمرار لا تعرف الثبات والجمود، وتستمد تغيرها وخلودها من طبيعتها النهائية ومن أصلها الأول وهو الذات المطلقة.

والتغيير لا يحصل في الإنسان ولا يجري في الواقع دون أن يحدث في أغوار الذات الإنسانية وأعماقها أولاً، ويتعلق هذا التغيير بمعنى الحياة والإنسان، وأساليب التفكير والعمل بالمبادئ التي يؤمن بها الإنسان، وبالأهداف والغايات التي يصبو إليها.

التجديد في أصله وفي مساره، وفي مقصده ومبتغاه روحي والمادة ذات أصل متأصّل فيما هو روحي، فالتجديد تجديد في قوى النفس ومحتوياتها الروحية والفكرية والأخلاقية، وهو أمر لا تختلف حوله التيارات الفكرية الحديثة والمعاصرة ويدعو إلى الإسلام، إذ يعتبر التغيير في أعماق الذات في اتجاه المستقيم فكرياً وشعورا وسلوكاً هو شرط الاستقامة والاعتدال في المقول والمعمول.

التجديد في شقّه الثاني هو تجديد في قوى المجتمع وبيئته من خلال اجتهاد البشر لتنظيم وتطوير وازدهار الحياة الاجتماعية، وتسخير قوى العالم لخدمة مطالب ومرامي الإنسان الروحية في أصلها.

الحضارة هي السمّو الروحي الذي يبلغه الإنسان من خلال النهوض بالعمل في المجتمع والطبيعة. وليس المهم بالنسبة للذات الإنسانية أن ترى الأشياء بل المهم عندها أن تصير وتصبح شيئاً، من خلال التجديد الحضاري والإبداع العلمي والإزدهار الثقافي والاجتماعي.

ما تميّزت به نظرة 'محمد إقبال' الفلسفية إلى الحضارة عامة، والتجديد الحضاري خاصة، وفلسفته بصفة عامة، هو أنّها تشكل رؤية فلسفية إلى الحياة والإنسان والحضارة، وكل ما يربطها بهذه الجوانب، وتتميّز هذه الرؤية الفلسفية الفريدة في نوعها بالوحدة لما بين عناصرها وأجزائها من اتساق وانسجام وتكامل، فهي عبارة عن نسق فكري فلسفي واحد لا تفكك ولا انفصال بين أجزائه ومكوناته، وتتصف بالقوة والمكانة لارتباطها بالإسلام وبتعاليمه وقيّمه العليا، وبالعمق لرحابة وسعة التأمّلات الميتافيزيقية التي قامت عليها، وبالدقّة في التحليل والنقد والاستنتاج، وهي أوصاف قلّما نجدها لدى مفكر في عصر طغى عليه التخصص في البحث، وسيطر الفكر التجريبي الوضعي، وسادت النزعة البرغماتية.

ارتبطت فكرة الإصلاح والتجديد عند 'محمد إقبال' بالإسلام وبمبادئه، وقيّمه، باعتباره مشروعاً حضارياً إنسانياً يمثل رسالة إنسانية عالمية، دخلت التاريخ، ودخلت المعترك الثقافي والحضاري والديني، ليأخذ مكانته في ساحة هذا المعترك، ويفرض وجوده بقوّة، لما له من قوّة ومناعة في جميع جوانبه.

استراتيجية النقد وإعادة البناء في فلسفة "محمد إقبال" استمدت قوّتها منه، بما انطوت عليه من تصورات وأفكار تمثل مشروع رؤية فلسفية ومخططاً فكرياً يستهدف بناء فلسفة الدين في الإسلام بناءً جديداً، وتوجيه الذات الإنسانية إلى الحياة الروحية الكاملة، وإلى تخلّقها بأخلاق الله، وتسخير العالم المادي لخدمة مرامي الإنسان، هذا العالم المادي المتأصّل فيها هو روحاني، وتوجيه سلوك الإنسان لإعادة تنظيم حياته الإجتماعية وفق مبادئ إنسانية عالمية مستمدة من الإسلام، ومن الطبيعة البشرية في جانبها الفردي وفي جانبها الإجتماعي.

استمدت هذه الفلسفة، وانبثق هذا المشروع من الظروف والأوضاع النفسية والفكرية والخلقية والاجتماعية الفاسدة في القرن العشرين، بسبب غياب أسلوب حياة يضمن التوازن بين المادة والروح، ولا يوجد غير الإسلام الذي يحفظ هذا التوازن، كما انبثقت الفلسفة وانبثق المشروع من الفكر الإسلامي القديم، ومن الحضارة الإسلامية، وما تميّزت به من نماء وازدهار في كافة المجالات، الأمر الذي جعل الحضارة الأوربية الحديثة تحمل الكثير من عناصرها ومعالمها، ومن الحضارة الغربية، ومن الفكر الغربي، هذا الإستمداد ليس على سبيل التقليد والاتباع والانبهار والسقوط في أحضان الآخر، بل على منوال القراءة النقدية الممحصة المتفحصة والمقارنة بين الأفكار والتيارات بإعمال العقل والمنطق ومراعاة القيم الذاتية الإسلامية ومقتضيات الواقع.

ارتبط المشروع الفلسفي الإصلاحي التجديدي عند 'محمد إقبال' بالتقدم العلمي والكنولوجي وبمناهج العلوم المختلفة، وما حقّقته تلك العلوم في الجانب النظري وفي الجانب التطبيقي في مجالات الحياة المختلفة، سواء بالنسبة للفكر العلمي في التأثير على الطبيعة بواسطة التقنية، أو بالنسبة لهذا الفكر في تأثيره على حياة الإنسان النفسية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية.

اقترنت الحضارة وارتبط التجديد الحضاري في فكرة 'محمد إقبال' بالدين، فالحضارة توازي الدين وهي ثمرته، والإسلام حضارة، وقوتها وخلودها كل ذلك مستمد من قوة وخلود الدين، أما ضعفها وأفولها يكون بسبب فقدانها لعناصر القوّة والخلود، وهي عناصر دينية، تتمثل في النهوض بالعمل في الحياة الفردية، عن طريق التجربة الصوفية، وعن طريق الاجتهاد في الواقع. كل هذا لبلوغ قمة التحضر، وهو الديمقراطية الروحية، والسمو الروحي والعلى الأعلى، وذلك مبتغى الإسلام ومقصده.

يتضح من خلال قراءة فلسفة 'محمد إقبال' خاصة جانب الإصلاح والتجديد فيها، والمعروفة لديه بفكرة النقد وإعادة البناء، أنّ فلسفة "محمد إقبال" في هذا الجانب مع محاولات إصلاحية أخرى تكون قد سبقتها أو عاصرتها أو جاءت بعدها مثل محاولة "ابن تيمية" و"محمد عبده" و"أبو الأعلى المودودي" وغيره، فهي محاولة تتصدر المحاولات الأخرى في العمق والدقة والمتانة والجرأة، لها أتباع كثيرون في العالم المعاصر، وهذا يعود إلى ارتباط مفكري الحركة الإصلاحية في العالم الإسلامي والمعاصر بظروف تاريخية زمانية ومكانية واحدة حيث الإسلام والاستعمار والتخلف في العالم الإسلامي، والعلم والتكنولوجيا في أوربا الحديثة، وهي الظروف التي شكّلت روافد ومصادر فكرة الإصلاح والتجديد. وأوجدت وحدة في المبادئ والأهداف والتطلعات.

إنّ الطابع العام الذي تميزت به البحوث والدراسات عند "محمد إقبال" كان طابعا فلسفياً ميتافيزيقيا، فيه الفلسفة والميتافيزيقا والعلم والدين والتصوف، وكان على أسلوب الأقدمين، والإصلاح طابع فردي ديني إسلامي صوفي فيه مجال واسع للتجربة الصوفية والرياضة الروحية، والعمل الصوفي الصحيح هو سبيل الوصول إلى الحقيقة، وتمتاز هذه البحوث بعمق فلسفي كبير، وتأمل ميتافيزيقي رحب حتى قيل عن هذه الفلسفة بأنها موجهة للخاصة والنخبة من المثقفين لا للجميع.

استمد الفكر الإصلاحي والتجديد لدى "محمد إقبال" قوته ومكانته وعمقه من ارتباطه المباشر بالإسلام وواقع المسلمين وحياتهم في العالم الإسلامي المعاصر، وتعبيره عن مشاكلهم وهمومهم، وعن آمالهم وتطلعاتهم، وبلوغه مستوى رفيع من الحقيقة، في مناهجه وأساليبه لأنه أخذ بالدين والعلم والتاريخ واعتبار الواقع، واستطاع أن يكفل التوازن بين طرفي الكمال، الروح والمادة، الدين والدولة، الدنيا والآخرة.

فما أحوج العالم الإسلامي المعاصر إلى هذا المشروع للإصلاح والتجديد، ولبلوغ السمو الروحي والأخلاقي ولبناء حضارة تلد منتجاتها الفكرية والمادية، ولضمان التوازن بين المثال والواقع، الروح والمادة، وبين الدين والدولة ذلك هو عين التحضر وقمّته، وهو مبتغى الإسلام ومقصده، فالحضارة هي التمكين لقيم ومبادئ الإسلام على أرض الله. وما أحوج العالم الإسلامي إلى بحوث ودراسات أخرى تُفضي إلى مشاريع أكثر وعيا بالحضارة الراهنة وتحدياتها وأكثر سيطرة على أساليب العمل ومناهج الفكر المؤدية إلى المساهمة الفعّالة في بناء الحضارة لأن « البحث هو شعار الحياة في الإسلام، الحياة المتجددة العاملة، الهادفة، البانية، الحياة التي تصنع الحضارة والرفاهية والأمن والسلام للإنسانية جمعاء. »1

 

...................

الهامش:

1- محمد عبد المنعم خفاجي: البحوث الأدبية مناهجها ومصادرها، دار الكتاب اللبناني، بيروت، لبنان، الطبعة الثانية 1980، ص05.

من كتاب: الإصلاح ونظرية الحضارة في فلسفة "محمد إقبال"

تأليف: الدكتور جيلالي بوبكر

دار النشر:دار ابن طفيل، الجزائر، الطبعة الأولى،سنة 2011.

الصفحة:240-246

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2918 المصادف: 2014-09-01 02:12:09