 تنوير وإصلاح

آدمية الانبياء والرُسُل صيرورةٌ كونية

ali raadalftlawiالانبياءُ بشر يصيبهم ما يُصيب الناس، والدنيا كلها قائمة على قانون كوني فيه جلب ودفع، والأنبياء ليسوا خارجين عن هذا القانون وكذلك الأئمة من أهل البيت عليهم السلام والصالحين، وقد رأينا ذلك في سيرتهم العطرة في الجوع والعطش والفقر والقتال والاستشهاد .

أما المُعجزات فهي لِتأييد الوحي الذي أُنزلَ على الانبياء، وإنْ عُمل به قد يؤدي إلى السيطرة الكاملة على مفاصل الحياة وقد حصل أَنْ كان مثلُ ذلك مع النبي سليمان عليه السلام حيث سُخر له الريح والجنّ والطير ولكنه بقي قاصراً أمام رب العزة والجبروت، فقد آتاه اللهُ مُلكاً عظيماً لم يؤته أحداً من قبله ولن يعطى لاحدٍ من بعده الى يوم القيامة حيث استجاب الله تعالى لدعوة سليمان عندما دعي ربه فقال {رَبِّ اغفِر لِي وَهَب لِي مُلْكاً لا يَنبَغي لِأحٍد من بعْدِي} .

لكنه في موضع آخر من القرآن الكريم قال {وتفقد الطير فقالَ مالي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين}.

فلو كان نبي الله سليمان يعلم الغيب لعلم أين مكان الهدهد والى أين ذهب، لذلك فسيكون مخطِئاً ومتالها من نَسب الى نبي أو ولي صالح إحدى صفات الله تعالى شأنه، كمثل علم الغيب أو قُدرة الإحتواء على الوقت والأماكن والأزمنه أو غيرها من صفاة محصورة فيه وتحت قبضته سبحانه وتعالى .

فالله عز وجل له العلم والقدرة المطلقة على الكائنات وليس للكائنات قدرة على أن يتقمصوا أي صفة من صفاته، وهو رب العِزة والجبروت له الكمال المطلق وهو وحده قادر على احتواء كُلَّ حركةٍ في هذا الكون ليتواجد بعلمه لا بذاته {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} .

نعم إنَّ البشر باختلاف درجاتهم من أنبياء وصالحين وعلماء ودُعات هم سواسية في الجوارح والاحاسيس والطباع البشرية التي جُبلوا عليها وفطرهم الله عليها عندما خلقهم لكنه اصطفاهم على العالمين لحمل رِسالاته، لذلك كانوا أشد الالتزام بالضوابط العبادية والشرائع الكونية لذلك كانوا هم قدوة للناس والاتباع في درجات العبادة وسلوك الطريق المستقيم لأديانهم السماوية ولا يوجد إنسان مهما كانت درجته عند الله تعالى أن يملك يوم القيامة فرج لأحد من العالمين أو أن يُصدر القرار ويتحكم بنجاة أي إنسان مهما كانت قرابته ويتضح هذا المعنى في حديث رسول الله (من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه) شرح نهج البلاغة19/331 (إن ولي محمد من أطاع الله وإن بعٌدت لُحمتُه (نسبه)، وإن عدو محمد من عصى الله وإن قرُبت قرابتُه) شرح نهج البلاغة18/252.

ويتأكد كذلك هذا المعنى ايضاً في القرآن الكريم بقوله تعالى {يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ} الانفطار 19

أما أمر الشفاعة ومدى سعة الانتفاع منها فهو مرهون برضى الله عن عبده مصرحاً بقوله {من ذا الذي يشفعُ عنده الا بإذنه} البقرة،255

والمعنى أنه لا أحد يشفع عنده بدون إذنه، فالشفاعة كلها لله تعالى، ولكنه تعالى إذا أراد أن يرحم من يشاء من عباده أذن لمن أراد أن يكرمه من عباده أن يشفع فيه، ولا يبتدئ الشافع قبل الإذن من ربه، ولا تأتي الشفاعة بتقديم الطلبات والهدايا الدنيوية للأنبياء والرسل، أو التوسل بهم كي يكونوا شفعاء للناس بل هم جاهزين لذلك إذا تحقق رضى الله وبدن هذا فعبثاً يحاولون استمالتهم والتأثير عليهم بكسر الإرادة الإلاهية .

وقد سَمِعْتُ وشاهدتُ بعض الخطباء يصرفون من صفات الله تعالى للأنبياء والائمة والصالحين، وهذا من الغلو الذي نهى عنه الله ورسوله وأهل البيت عليهم السلام، ولابد من ترك هذه العادة السيئة القائمة على ترويج قصص الخيال الديني والخرافات التي أكل عليها الدهر وشرب، والافضل الالتفات الى تعليم الناس مبادئ دينهم الذي ارتضاه الله لهم والكف عن تجهيل الناس بقصص الغلو والخرافات، التي يُعاب على الناس تصديقها والتمسكُ بها لتنخر في عقيدتهم السليمة حتى تقضي عليها أو تسلبهم إنسانيتهم التي منحها لهم ربهم من فوق سبع سماوات، ومن حيث أن أكبر آفة من آفات العقل الإنساني وأهم عامل يُبعد الإنسان عن مراحل الإنسانية هو التقليد الأعمى والتعصب الجاهل.

وهناك ايضاً اسباب كثيرة وراء تصرفات بعضّ خطباء ووعاظ الدين في التركيز على دعوة الناس الى (التقليد الأعمى) ولعل أهم هذه الأسباب وقد يكون معروفاً مُسبقاً وهي سرقة ما في جيوب الناس بعد تغيبهم وسوقِهم كالأنعام الى حضيرة الجهل والعبودية بالتقليد الأعمى الذي عرفه علماء العقائد بأنه انقياد واستسلام لمرجع الدين في الصغيرة والكبيرة وفي الاصول والفروع دون قيد او شرط ودون اعتراض و تفكر بالرجوع لكتاب الله في المسائل المهمة الاصولية التي لا تقليد فيها كما ذكر ذلك علماء دين من مجمل الفرق الدينية الاسلامية وغيرها ولعل أوضحها كمثال قول السيّد المرتضى في رسائله [ولا يجوز أن يكون في الأُصول مقلّداً؛ لأنّ التقليد في الفروع إنّما جاز من حيث أمن هذا المقلّد من كون ذلك قبيحاً - يعني: الاستفتاء - وإنّما يأمن منه لمعرفته بالأُصول، وإنّها سوّغت له الاستفتاء فقطع على صحّة ذلك؛ لتقدّم علمه بالأُصول الدالّة عليه..

والأُصول لا يمكن التقليد فيها على وجه يقطع على صحّته ويؤمن من القبيح فيه، لأنّه ليس وراءها ما يستدلّ إلى ذلك، كما قلنا في الفروع، فلا بدّ أن يكون عالماً بصحّة الأُصول، إمّا على الجملة، أو على التفصيل] رسائل المرتضى .

هناك ايضاً وصف آخر بليغ ذكره مجموعة من أهل العلم واصفين به التقليد الأعمى، حيث قالوا: أنه لو كان هناك حمار مربوط بحبل نهايته على رأس فأر صغير فكلما تحرك الفأر الصغير تبعه الحمار مع الفارق الكبير في الحجم والوزن.

وقد توصل علماء الاجتماع بعد تتبع كثير إلى قاعدة كلية تقول [إن قوة درجة روح التقليد تتناسب عكساً مع قوة العقل والإرادة] علم الاجتماع ج١/ص٩٢-٩٦ .

لِأن أصحاب العقل هم فقط الأشخاص الذين يحكمهم ناموس الاقتباس الواعي، أي لا يقتصرون في نظرتهم إلى ما حولهم على عادات وتقاليد الجمود التي ورثوها عن آبائهم وأجدادهم، بل يسعون الى تحطيم كل ما من شأنه عرقلة الوصول الى الفهم كما وصفه الله تعالى المقلدين دون الفهم بقوله {وإذا قيلَ لهم اتبِعوا مَا أنزَلَ الله قالوا بل نتبعُ ما ألفينا عليهِ آلاءنا أولو كان آباؤُهُمْ لا يعقلون شيْئاً ولا يهتدون} البقرة ١٧٠

وكما أنهم لا يجعلون قلوبهم محلاً ينعكس عليه كُل شيء مهما كان منحطاً أو سيئاً، لذلك فهم يفتحون أعيُنًهم وآذانهم تجاه الأصوات والحركات والمعاني الراقية التي تكسر العبودية وتحطم الجمود في الحياة الدنيا وما يجدونه حسناً وصالحاً يختارونه بكل تعقل وفهم ثم يتَّبِعونه.

وهذه الآية دليل ومصداق وإشارة الى أهمية معنى كمال قوة العقل باعتماد الادلة الصحيحة {فبَشِّرْ عِبادِ * الذينَ يستَمِعُنَ القولَ فيتبِعونَ أحسنَهُ أُوْلئك هُمْ أولوا الأَلْبَاب} الزمر ١٧-١٨.

ولقد توسعنا قليلاً في التعريف والتحذير من التقليد الأعمى لِأنه أحد الأسباب المهمة المؤدية الى الغلو في الانبياء والرسُل والصالحين فجميعهم بشر اجتباهم الله واصطفاهم على سائر الناس، وفضّلهم بالنبوة والرسالة، وجمّلهم بأحسن الأخلاق كما هو بائن في آيات القرآن الكريم التالية .

قال الله تعالى: {وما أَرْسلْنا منْ قَبلِكَ إلا رجالاً نوحي إليهم فاسألوا أهلَ الذكر إن كُنتُم لا تعلمُون } النحل فهُم يتصفون بأنهم أفضل الخلق إيماناً وعلماً وعملاً وتعبداً، وأخلاقاً وتواضعاً،

وهؤلاء الرسُل مخلوقين كما خُلقت جميع الكائنات الحية يأكلون ويشربون وينسون وينامون ويمرضون ويموتون، وهم كغيرهم من البشر لا يملكون شيئاً من خصائص الربوبية والألوهية، ولا يملكون لأنفسهم ولا لغيرهم من الأمر شيء ، إلا أنهم معصومون في تبليغ رسالات ربهم بكل أمانة وعزم، لكنهم في نفس الوقت لا يملكون النفع والضر لأحد إلا في الإرشاد والنُصح والتبليغ وكذلك في باب الدُعاء إذا طُلب منهم في حياتهم الدُعاء فإن دعوا لِأحدٍ في حياتهم التي كانوا يعيشونها بين الناس تحقق بمشيئة الله تعالى استجابته لنفوسهم الطاهرة.

أما خزائن الله جل جلاله فالأنبياء لا يمكون منها شيء ولا يعلمون الغيب إلا ما أطلعهُم الله عليه لأجل تحذير البشر أو لِأجل الاتعاظ، فهُمّ قدوةٌ للبشر في الإيمان، والطاعة، والعبادة، والعمل الصالح، والخلق الحسن وعليهم ما على البشر من حساب، لكنهم لا يملكون النفع والضّر وليس بأيديهم

قال الله تعالى: {قُلْ لا أملِكُ لنفسي نفعاً ولا ضراً إلا ما شاء الله ولو كُنت أعلم الغيب لاستكثرتُ منَ الخير وما مسنيَ السوءُ إنْ أنا إلا نذيرّ لِقومٍ يؤمنون } الاعراف ١٨٨.

ويتبعهم في هذه الصفات الخُلقية والعبادية الائمة والصالحين من عباد الله ، فهم أحوج الى الله وليس لهم قدرة إلاهية أو صفة كونية يمتلكونها أينما ذهبوا ورحلوا بل هي طاعة الله وتقوى تَحَلّوا بها وأُمروا بتطبيقه ليكونوا مثالاً وقدوة.

ومن لُطْفِ اللهِ بعباده، أن أرسل إليهم رُسُلاً من البشر، إذ لو كانت الرسل من الملائكة ما أطاق الناس رؤيتهم ولحدثة النّفرَةُ منهم،

وإرسال رسول من البشر يؤدي إلى السكنة والأنس وتآلف الطباع، وهم وإن كانوا بشرا، فكان من لطفه سُبحانه أن أرسلهم من جنس البشر فلو كانت الرسل من الملائكة ما أطاق الناس ذلك ، وعليهِ اقتضت حكمتهُ أن يجعل رُسله إلى الناس من البشر، لأن كل جنس يأنس لجنسه، وينفر من غيره، وهو أعلم حيث يجعل رسالته .

 

ولما كان الغلو هو تجاوز الحد الشرعي بالزيادة اعتقادا أو عملاً ، كانت المتاهات مترتبة على ذلك من اصحاب المصالح من مرشدين الاديان وخطبائهم وسيق على ضوء ذلك العباد اليها زمراً مستغلين في ذلك سذاجتهم وحبهم وشغفهم الى أهل الدين ورموزه .

إنَّ دين الله جاء لإخراج الناس من الظلمات الى النور لا دفعهم الى الجهالة والضلال، وجاء لوضع الميزان وإحقاق العدل، فهو بين الغالي والجافي ممزق ومغيب وضائع ، لهذا جاءت الشريعة بذم هذه الامراض العقلية من تفريط وغلو ولأنها شريعة عادلة لا ترضى بالضّيم والجور وسلوكها منهج وسطي الاعتقاد كي يساعد في التوازن والحيلولة دون السقوط في فخ التدمير والتطرف العدواني الذي استباح بلادنا الاسلامية باسم الاسلام والاسلام بُراء مما يُصنع به على أيدي المشعوذين والغُلاة في قتل ونحر الناس البسطاء وتدمير المدن وحرق التنمية والرفاهية .

إن ما تمر به الامة هذه الايام من تمزق وتشرذم على أيد التطرف الارهابي من اتباع القاعدة بالأمس وما يسمى بداعش اليوم لا يرضي عدو ولا صديق، نعم إنها مأساة بمعنى الكلمة، فلا يخفى على الجميع ما صنعه أتباع القاعدة في السنين المنصرمة من مفاسد جمة للأمة الإسلامية والعالم أجمع واليوم تخرج علينا بثوب جديد فتوغل بالفساد من ذبح الناس وتشريدهم أو تهجيرهم قصراً ، ولا يسعني في هذه اللحظة إلا أن أضع القلم وأتنهد تحسُرا مرتين،

مرةً : لضياع الامة تحت رحمة هؤلاء المُغيبين عقلياً والمُسيرين من جهات ظالمة عدوة الوعي والحرية والإنسانية .ومرةً : على الانسانية المذبوحة بخناجر هؤلاء المارقين، والحُزن يزداد على حال الأمة الإسلامية التي ترتع في مستنقع من الجهل والخرافات على أيدي دُعاة التخريف والتجهيل لقيادة المجتمع الى بئر عميق من الظلمات لا أول له ولا آخر ظلمات بعضها فوق بعض ينساقُ الناس اليها عُمّيان لا يفصلهم عنها سوى بصيص من نور الحروف المهملة من أيدي أهل التنوير والنصح والارشاد والتي تتلألأ في ظلام حالك تنتظر من ينسجها في كلام يدعوا الى الوعي والسلم وتبقى الحاجةُ الماسةُ الى مَد يدِ العون الى العقول الحائرة المتسائلة التي لا تهتدي الى إجاباتٍ صادقة شافية .

ولا يسعني في هذه المناسبة إلا أن أوجه نداء إلى الباحثين والخبراء المتخصصين في الدراسات الاسلامية بأن يوجهوا أقلامهم الى محاربة جهالة التكفير التي منبعها دعوات الغلو في الدين (كأحكام وحدود) أو (كبدع وغلوا في الأنبياء والصالحين في تجميد العقل والانسياق وراء دُعاتِه)

والمساهمة الفاعلة في توجيه طبقات المجتمع كافة نحو الوسطية في الدين والدُنيا لتحجيم خطورة نزعة الغلو والتطرف والله من وراء القصد والحمد لله رب العالمين.

 

علي رعد الفتلاوي

                 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

وافر من الشكر والاحترام لصحيفة المثقف على نشرها مقالي للعدد الرابع الذي يختص بباب الاصلاح والتنوير وهو أحد الجوانب المهمة التي يتطلع أغلب الكتاب الى تحصيلة والذود عنه والتوسع فيه مما ينفع الانسانية جميعاً ، تحياتي للجميع .

علي رعد الباحث
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3059 المصادف: 2015-01-20 02:07:05