 تنوير وإصلاح

هل نحن بحاجة الى "إسلام مُعَّلمَن" أم الى إسلام معتدل؟

waleed kasidalzaydiإن إطروحة "علمنة الإسلام" (la laïcisation de l'Islam) تُعَّد من المسائل التي تستحق الدراسة بشكلٍ واسع ومفصل في إطار الواقع الحالي الذي تشابكت فيه خيوط الدين والحياة. فهناك من يرى أن إثارة هذه المسألة وتفعيلها في هذه المرحلة يهدف الى محاربة الاسلام فكرياً ومحاولة خلط الاوراق في وقت الازمات. وإذا ما علمنا أن العلمانية ظهرت في المنطقة العربية منذ منتصف القرن الماضي، إلا أن الكاتب والسياسي الاميركي جيمس ويلي يشير الى: (... أن السياق الاستيراتيجي العالمي لم يكن مفضياً الى التجربة العلمانية التي نشأت في الشرق الأوسط منذ منتصف القرن العشرين، ومن غير المدهش ان الحكومات العلمانية الحديثة الاستقلال في الشرق الأوسط عقب الحرب العالمية الثانية اخذت تميل بعيداً عن نماذج الحكم الشمال أطلسية وتتجه نحو نماذج شرق أوربا)، فالحديث عن أن العولمة هي فصل الدين عن الدولة وشؤونها العامة والامور الحياتية، وعدم وقوعها تحت تاثير ديني، يختلف عما تنحى نحوه هذه المقولة من توجهات تسعى الى ممارسة أمور الحياة وتطبيقها بشكلٍ مجرد، خالي من الدين، تحت ذريعة "علمنة الاسلام".

ومع ان الاعلام الحكومي والعام في أغلب البلدان الغربية يتحدث عن حرية ممارسة الدين الإسلامي في تلك المجتمعات، وإذا ما أخذنا فرنسا مثلاً، نجد أن هذا الاعلام يتحدث عن هذه الحرية في ظل المجتمع الفرنسي العلماني واحترام شعائر الاسلام دون المساس بمعتقدات أبناء هذا المجتمع المتنوع الأديان والثقافات والاثنيات والجنسيات والقوميات، بل الذي يضم نسبة كبيرة من اللادينيين. وهو ما يشير اليه موقع وزارة الشؤون الخارجية الفرنسية على الويب بالقول: (إن الإسلام، بتنوع مدارسه، وشعائره، وممارساته، جزء لا يتجزأ من المجتمع الفرنسي، على غرار كل المعتقدات الأخرى السائرة في بلدنا.والعلمانية الجمهورية مبدأ تسامح، إذ تضمن لكل المواطنين، مهما كانت معتقداتهم الفلسفية أو الدينية، العيش معاً في ظل احترام حرية الوعي، وحرية ممارسة ممارسة الدين أو عدمها.وتبقى فرنسا، عموما، متمسكة بشدة باحترام تنوع الثقافات، وبحرية الوعي)، لكننا نجد ان الكثير من المفكرين والكتاب الفرنسيين يعملون على تفعيل نظرية " علمنة الاسلام"، تحت مبررات كبح جماح الاسلاموية المتطرفة والحد من تنامي الجهادية الغربية التي أخذت تتمدد في السنوات القليلة الاخيرة. فها هو (أوليفيه روا Olivier Roy ) يتتبع في كتابه ( L’Islam mondialisé) الصادر مؤخرا في باريس عن التحولات التي تشهدها الحركات الاجتماعية ذات النزعة الإسلامية العاملة داخل البلدان الإسلامية أو المنتشرة في الأقطار الأوروبية، وهو يرى أن التطورات الجديدة التي شهدها المشهد العام لهذه الحركات تعزز الفرضيات التي دافع عنها في دراسته السابقة حول فشل الإسلام السياسي، ( L échec de L’Islam politique). لكنه يخطىء – من وجهة نظري- في اعتباره التحولات التي تعيشها هذه الحركات مؤشراً آخر على العلمنة التي يسير في اتجاهها المحيط الإسلامي، عندما يُردف قائلاً : " ... ذلك أن المجهودات المبذولة لإعادة أسلمة الأفراد لا يؤدي في نهاية المطاف إلا إلى المزيد من العلمنة، ويتمثل أهم مفصل في هذا التحول في الفصل المتزايد بين الدين والثقافة، الذي يتحقق عبر ما يشكل نقاط الارتكاز في عمل وخطاب النزعات الإسلامية الجديدة".

ان منهج الأصوليِّين الذين فرَضوا على الاسلام الجمودَ والتحنيطَ لأسبابٍ أيديولوجية ومصلحية، وحالوا دون تطويرِه وتقويمِه وفقَ معايير علمية معرفية موضوعية، اعطى المجال لمفكرين اسلاميين قبل الغربيين في نقد المنهج الاسلامي، وفي مقدمتهم المفكر الفرنسي، العربي الاصل (محمد أركون) في تصديه لهذا الموضوع والمناداة بضرورةِ "علمنة الإسلام" و" أنسنة الدِّين"، فقد تحدَّثَ وكتب كثيراً في مجال "نقْدِ العقل الإسلامي" منادياً بالاستنجاد بالثقافةُ الغربيَّة العلمانيَّة في هذا المضمار، وبوابتها العلوم والدراسات الانسانية، وقد نادى تحديداً بـ "فتح أقفال التراث الإسلامي التي ما زالتْ مُحكمةَ الإغلاق مِن طرَف علم كهنوتي مقدَّس يحول دون الكشفِ عن وجهِه المعرفي" على حدِّ قوله، مردفاً : " لا يمكن تناوُلِ التراث الإسلامي عَبْر أدوات بالية موروثة عن الدِّراسات الإسلاميَّة الكلاسيكيَّة"!!.

هذا الخطاب "الاراكوني" يواجه العديد من الانتقادات من قبل جهات تؤمن بالاسلام الاصولي المتزمت. فهم يرون أنَّ أعمال أركون ليست تجديدا ولا اجتهادا ولا بناءً، إنَّما هو نقد هدَّام للدِّين ذاته، فهو يَستبعِد الإيمان نهائياً و يَستصحِب معه "الأنسنة"، كما يَستصحِب "علمنة " الحياة الاجتماعية والسياسية للمسلمين.

ومن جانب آخر توجد في فرنسا جماعات عربية مسلمة تعمل على دعم هذه التوجهات، من خلال جمعيات ومنتديات، منها: (المنتدى الاسلامي للاسلام العلماني)، الذي يُعَّرِف عن نفسه بأنه (أداة ضد الاسلام السياسي والاصولي)، كذلك منتدى الحوار الاسلامي العلماني اليساري، وغيرها.

ان حديث أشخاص وفئات معينة عن علمنة الاسلام (بحجة محاربة الجمود والثبوتية)، لا يقع ضمن النوايا الحسنة والتوجهات الحميدة، بل هو محاولة للانحراف بالاسلام عن جادته الصحيحة مستغلين الازمات الراهنة التي توجه اصابع الاتهام الى هذا الدين الحنيف، والحل – بحسب وجهة نظرنا- هو الركون الى الاسلام المعتدل والابتعاد عن التوجهات المتطرفة، لا سيما تلك التي عادت للظهور منذ عدة عقود وتنامت خلال السنوات القليلة الماضية بشكلٍ مثير للانتباه، بل دقت ناقوس الخطر ليس بوجه الغرب وانما بوجه الامة الاسلامية نفسها.

الاسلام المعتدل هو التيار المتدفق في شريان الدين الاسلامي السمح، ذلك ان الاسلام جاء ديناً يسراً وليس عسراً، وفي القرآن الكريم من البلاغة ما يعطي مزيداً من مقومات المواءمة مع الحداثة ويعطي فسحة واسعة للمرونة لدى التفسير والحكم في مستجدات الوقائع والاحداث مهما تقادم الزمن. في الوقت الذي يتزمت فيه الاصوليون الاسلاميون - وبخاصة السلفيون- في هذا الامر ويُلِحون على الرجوع الى ما يسمونه بـ (اسلام السلف أو جذور الاسلام)، من أجل تفسير الاحداث والمواقف بتجرد وإنغلاق، وهو ما يدخل الاسلام في دوامة من الجمود والسكون ومن ثم يجعله هدفا لأسهم النقد والانتقاد، في حين نجد عكس هذا المنهج لدى الامام علي (ع) اذا ما رجعنا الى قوله لعبد الله بن العباس (لما بعثه للاحتجاج على الخوارج): " لا تخاصمهم بالقران فإن القران حمال ذو وجوه، تقول ويقولون، ولكن حاججهم بالسنة فانهم لن يجدوا عنها محيصا". (نهج البلاغة 1/4، دار الكتب العلمية،ط1،بيروت، 2003، ص 405). هو شاهد ودليل على أن في القرآن الكريم من المعانى العميقة، فلغته جاءت بلغة العرب الفصحى في حين أعطتها الذات الالهيه شيئاً من العظمة فأضحت عميقه الغور، حيث لا يتهيأ لأي شخص الوقوف على قيمها الفكرية إلا من قذف اللّه فى قلبه من النور الذى يهتدى به الى فهم مدلولات الآيات ويخوض فيها خوض العارف المتيقن. وهو ما يعطي المرونة من خلال الاجتهاد الذي يدعم الحداثة والتي تديم مكونات الدين الاسلامي وتجعل الاسلام ديناً شاملاً لنواحي الحياة كلها، خالداً يواكب المستجدات والمتغيرات على مَر العصور والازمنة مهما إبُتكرَت من تطورات تقنية حديثة، وهكذا ظهرت مناقشات إيبستمولوجية مهمة جرت بخصوص إفتراض ما يعرف بدليل الإنسداد العلمي التي لا يتسع الحديث للخوض في تفاصيلها في هذا المقال المقتضب.

خلاصة القول : إن صراع اليوم هو بين إسلام متطرف أو مايسمونه في الغرب بــــــــ "الإسلاموية "، أو آخر يحاول أتباعه التقليل من مسحة التطرف هذه أسموه بـــــ " ما بعد الاسلاموية " ، وبين إسلام معتدل في شعائر الدين ونواحي السياسة والفكر وجوانب الحياة كافة . لذا ينبغي عدم الحديث عن " إسلام مُعَلمَن " لأنها خديعة جديدة يجب عدم الانزلاق الى مهاويها ومن ثم الاحتراق في أتون نارها الحارقة، بل الخلاص هو في دعم توجهات الاسلام المعتدل الذي ينهي بشكلٍ عاجل " الفورة الوقتية " للاسلام المتطرف ويخمد جذوته المتقدة.

 

د.وليد كاصد الزيدي

باحث / ما بعد الدكتوراه في المدرسة العليا للعلوم الاجتماعية (EHESS) بباريس

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3146 المصادف: 2015-04-17 01:06:56