 تنوير وإصلاح

العقل العـربي׃ بين واقع مأزوم وأفق التنوير

fatima almomani«سكت فقالوا׃هدنة من مسالم وقلت׃ فقالوا ثورة من محارب» .. البشير الإبراهيمي

تـعتبر مسألة التنوير من بين المسائل التي شكلت هما فلسفيا، لأنها تتميز بكونها تحول جذري على كافة المستويات في المعرفة، في فهم الإنسان، في تصور الطبيعة، وفي معنى التاريخ...إن التناول الفلسفي لمسالة التنوير بالنظر إليها كظاهرة عقلية تحتاج إلى تمثل واع إزاء أفق جديد يبحث عن ظهور نظرية نقدية انتهى بها مفكرو وفلاسفة التنوير إلى نتيجة تفضي للانسحاب من الدعوة إلى إنقاذ الفرد من الانحطاط من خلال مشروع اجتماعي، لان سلطة الحداثة التقنية أصبحت محايثة لكل تغيير ولكل تطور.

هذا المشروع التنويري يحاول من خلاله استصلاح العقل وإنشاء معقولية تواصلية لا تضاد العقل بتمامه بل تنكر تسلطه فقط. إن الواقع بالمغرب العربي هو واقع مغلق لمجتمع بلا نقد وإنسان فرد لا يعي إلا ما هو مباشر وواقعي، عالم عربي قد اغتيل فيه العقل النقدي وطغت فيه حالة اللافاعلية. لكن العزم النظري الأهم الذي يحرك سؤالنا الآن هو أن نقف على حروف الإشكالي التالي׃ ماحلتنا اليوم أن نسأل عن عقل عربي يأمل من أجل الانعتاق من واقعه المأزوم المزمن إلى عالم التنوير؟ هو سؤال عن المعنى، الرهان والأزمة. فهل يمكن استثمار قيم التنوير في واقع مأزوم يعاني من إعاقة في العقل؟

إن المعنى الأكثر شيوعا يشير إلى أن التنوير « Enlightenment » هو فكرة التجدد، هو عملية التحرر من الوهم أو الاعتقاد الخاطئ بمعنى أسفر و بان نوره. كما طرح ايمانويل كانط هذا السؤال "Qu’est-ce que les lumieres «Was ist Aufklärung ? » سنة 1784من خلال مقال له في مجلة "برلين الشهرية" تحت عنوان: "ما هو التنوير؟" و فيه أعط للتنوير معنى باعتباره أحدث انقلابا جذريا ومهما في الفكر الفلسفي والاجتماعي والسياسي والاقتصادي في أوروبا׃«التنوير هو خروج الإنسان من قصوره الذي اقترفه في حق نفسه، وهذا القصور هو بسبب عجزه عن استخدام عقله إلا بتوجيه من إنسانأخر...و يقع الذنب في هذا القصور على الإنسان نفسه عندما لا يكون السبب فيه هو الافتقار إلى العقل، وإنما إلى العزم والشجاعة للذين يحفزانه على استخدام عقله بغير توجيه من إنسان أخر... و مما لا شك فيه أنّ هذا المعنى يعيد الاعتبار للإنسان بعد أن تم استلابه لقرون طويلة، إنه يعيد له قيمته ويحقق له إنسانيته، إنه شعار الحرية، في مستواها الأساسي، حرية الفكر، حرية العقل. إذ لا يمكن الحديث عن أي مستوى من الحرية دون تحقق هذا المستوى»[1].

فلو لا الثورة الفكرية التي أحدثها فلاسفة التنوير في العقول لما كانت "الثورة الفرنسية" قد نجحت واستطاعت بذلك أن تطيح بالنظام الملكي الاستبدادي المطلق الذي كان يستمد شرعيته من الكنيسة بحيث كان رجال الدين يعتمدون على المواعظ لسلب عقول المواطنين في تلك الفترة وفك مشروعية الكنيسة وكل الأفكار الطائفية المتعصبة التي كانت تبثها في المجتمع. فعصر التنوير هو عصر "الكوجيتو" السياسي،هو « الأنا أفعل» التي يتحول معها الإنسان من "فرد" إلى "مواطن"، هذا هو" الكوجيتو" السياسي الذي حققه الوعي الأوروبي في القرن الثامن عشر، والذي تغير بعده مسار العالم السياسي. ومن ثمه يمثل هذا القرن مرحلة تحول في طريق الإنسانية نحو مفهوم واضح ومحدد للمواطنة والديمقراطية. هو عصر تحول من "أسطورة الدين"إلى"أسطورة العقل"، أو من"المقدس المسيحي" إلى" مقدس الحداثة". فكان فلاسفة التنوير يرغبون في إصلاح كل شئ من السياسة إلى الدين إلى الأخلاق الاجتماعية...عن طريق العلم بحيث كان القرن الثامن عشر هو قرن التنوير، قرن أنير فيه العقل الغربي الذي كان له عمل واضح من خلال كتابات الفلاسفة وتصوراتهم الفكرية. ويبدو أن ديكارت كان أول من استخدم مصطلح التنوير بالمعنى الحديث، فهو يتكلم مثلا عن النور الطبيعي، الذي يقصد به مجمل الحقائق التي يتوصل إليها الإنسان عن طريق استخدام العقل وحده.

لعل ما يميز التنوير هو نفوره من كل مماهات و تنميط. فالتنوير ثورة مستمرة وتجاوز مستمر وحركة أشكال لا تنتهي أي هو في جوهره نفي مستمر وتجديد من أجل التجديد. إن المحاولات لصياغة خطاب التنوير في المغرب العربي، غاية لتنظيم المجتمع بواسطة الحقوق، بواسطة القانون. فمن قيم التنوير الحرية، المواطنة، المساواة، العدالة....كل هذه المفاهيم مثلت شعارات القرن الثامن عشر، قرن التنوير الغربي.

في الحقيقة فكر العرب في التنوير كثورة قائمة أساسا على العقل، عقل لا يعرف بأنه مكسب بل بالعكس يقوم بتحطيم كل الأشكال التنظيمية الاجتماعية والسياسية في المقابل العمل على الإصلاح عن طريق تطوير العلم والتكنولوجيا. إن اندماج العرب في العالم التنويري يتطلب منهم الوعي والتحرر من العمى الإيديولوجي بهدف الاتفاق الجماعي بعيدا عن الانقسامات التي تهدد وحدتها.

إن مغربنا العربي لم يعرف إلا التنوير المهمش، مثل إرهاصات النهضة في أواخر القرن التاسع عشر، على أساس أنها تحمل قيما في الفكر والحضارة،وحتى النهضة التي قام بها محمد علي في مصر لم تتغلغل في ثنايا المجتمع في تلك الفترة، وبهكذا شكل يقول محمد عابد الجابري بأن كلمة النهضة ترمز إلى واقع قد تحقق بالفعل في أوروبا أما عند العرب فقد ظل مشروع، وبالتالي نرى أن العصر الذي مورست فيه نقد للذات العربية و أرادت أن توجد فيه نظاما من القيم والتوجهات التي تحاول أن تشد الإنسان إلى عصره و من ثمة الانتباه إلى حجم الهوة بين العالم العربي والعالم الأوروبي والذي استطاع بناء تجربته الإحداثية بشكل جعلها لم تبق أسيرة الشعارات السياسية أو الخطابات اليومية كما هو عندنا إذن إن الحراك الثقافي والسياسي الذي مارسوه المفكرون العرب في ذلك العصر وهو ما جعل بعض المفكرين يصفون تلك الفترة بأنها شهدت ظهور دعاة إصلاح أطلقوا أفكارا وكانت مقتصرة على فئة معينه. بحيث ظلت أحلام تنتظر التحقق.

لم يعرف العرب أيضا إلا ثورات مع تأجيل التنفيذ(الثورات العربية أو ما تعرف بالربيع العربي). وفي هذا الإطار يقول محمد أركون في كتابه" الإسلام ونزعة الانسنة في الفكر العربي جيل مسكويه والتوحيدي": «لكي نخرج من أزمتنا ومأزقنا التاريخي.. لابد من مرحلة تنوير تضيء تراثنا الديني بمناهج حديثة من أجل التصالح مع الحداثة الكونية، لكن مشكلة النزعة الإنسانية في الفكر العربي.. قديمه وحديثه.. هي هذا الهجوم الشديد الذي يلاقيه من يحاول مس المسألة بعمق أو حتى سطحيا.. فقد تعرض طه حسين حديثا لهجوم أخذ به الرجل ولم يترك حتى تراجع.. أو ادعى التراجع.. تفاديا لعواقب تنتظر كل من يحاول خلخلة هذا الثقل الفوق إنساني في الثقافة العربية.. وربما يكون الأمل هو في تلك القوانين التي تحكم اتجاه حركة التاريخ.. تتوقع بها النتائج طبقا لمقدمات مشابهة حدثت من قبل».[2]

ما نص عليه محمد أركون من خلال كلامه هو دعوة إلى إحداث ثورة عربية عقلية أخلاقية من أجل الانعتاق من المأزق العربي المزمن...دعوة لبناء مستقبل تنويري...بناء عالم عربي جديد بعقل يحارب كل أشكال الجهل والتسلط. هذه الثورة تمكنا من محاربة كل الأزمنة التي حكمت علينا بالانحطاط السياسي والأخلاقي هو صراع من أجل الاعتراف بالأفكار لا بالأجساد. هو التشوق إلى طعم الحرية و الانعتاق من سجن الظلم. دعا المفكرون العرب الى التنوير بوصفه دعوة للتحديث الحياة الاجتماعية والسياسية.

إن ظهور فلسفات ما بعد الحداثة هي إعلان لنهاية عقل قديم وانبثاق عقل جديد قادر على التمثل والصمود أمام الواقع المأزوم. عقل يسعى أن يكون السيد في وطنه. ورأت في العقل هذه الفلسفات الوجود الحقيقي للإنسان وسعت إلى تحرير الحضارة من وصاية الكنيسة والنزعات الغيبية والخرافات وأمنت بتقدم الإنسانية عن طريق العلم.

و في نفس الإطار يرى ايمانويل كانطأن الطريق للثورة ليس بوصفه الطريق الصحيح بحيث يأمل إلى تغيير اتجاه العقول وذلك بالاعتماد على التربية العقلية والنقدية ويسمح للوجود الإنساني باجتياز سجن الأحكام المسبقة ويصبح الفيلسوف هو الإنسان المتأمل الذي يثير القلق في صميم طمأنينة العالم ويتطلع إلى الوجود بأسره ويستوعب الأزمنة كلها. ومن ثمة ضرورة ربط الحداثة بالفكر النقدي الذي يهدم وغايته التأسيس، بغية تحطيم العقل الخرافي وسلب قدراته من أجل الانعتاق بالتنوير ضد الفكر الذي أدى إلى فشل التنوير بالمغرب العربي. فنقد التنوير هو نقد العقل ذاته أي نقد الأسس الفكرية و الإيديولوجية التي يستند إليها الواقع.وهو مادعا أدورنو إليه في استخدام العقل في مجال جديد هـو نقد العقل نفسه في استعماله كبنية اجتماعية للسيطرة والقمع.

فالعقل هو الموضوع الأساسي للفلسفة بمعنى ׃«يشكل في الوقت نفسه الأداة المشتركة التي تستعملها الأنساق الفلسفية بهدف التفكير في الكائن وتفسير مختلف التجارب»[3].

بدأ التنوير العربي بأفكار فردية ظهر بها جملة من المفكرين و المناضلين السياسيين ورجال الدين العرب كرفاعة الطهطاوي، محمد الطاهر بن عاشور، الشيخ محمد عبده، جمال الدين الأفغاني، محمد البشير الإبراهيمي...فكانوا من خريجي المؤسسات الدينية كالزيتونة بتونس، الأزهر بمصر...وغيرها. كانت غايتهم واحده ودعوة واحده من أجل تبنى أفكار تحرير الشعوب العربية من الاستعمار، وتحرير العقول من الجهل والخرافات على ضوء ثقافة المجتمع العربي الإسلامي. من ثمة كانت نزعتهم التنويرية مقترنا بدعوتهم إلى إصلاح العقيدة وبناء إنسان جديد باتخاذ التعليم وسيلة لتحقيق ذلك. كانت غاية النخبة التنويرية للعرب في الأول إصلاحية همها البحث في الهموم الوطنية والتقرب من مختلف الشرائح الاجتماعية بالاعتماد على خطاب بسيط أساسه العدالة الاجتماعية. لكن ما نشهده في منتصف الثاني من القرن العشرين أن أغلب السياسيين يتسابقون على السلطة وهمهم هي المناصب وتصبح مقاصدهم وممارستهم ملوثة.

لكي نتحدث عن مجتمع عربي حديث تفترض ضرورة تحديد مبدأ عام، مقياس عام لتعريف التنوير. لذلك التنوير ليس تعبيرا خالصا، وهو ليس تلاحق لأحداث بل يشير لمنتوجات تخص النشاط العقلي والعلمي... لكن إن فهم نشأت هذه الأفكار التنويرية التي هي بحاجة إلى مساءلة نقدية حول فكرة التنوير، مساءلة تعود إلى تثبيت جذور هذه النشأة.

لكن في وقتنا الراهن هناك مشكلة تربك نشوة ذلك المطلب. هو مشكل الثورات العربية التي عرفتها جملة من الدول العربية والتي أطلق على تسميتها باسم الربيع العربي.الربيع العربي هي مرحله شهدتها كل من تونس، مصر، ليبيا، اليمن و سوريا. هذه الثورات كانت نتيجة لتفاقم أزمة البطالة وعدم وجود العدالة الاجتماعية وتفشي الفساد داخل النظام الحاكم وعدم شرعية الحكومة...ثم غياب كلي "للحرية السياسية".. احتجاجا على سياسة القهر والتهميش،هذه الثورة حدث كان بمثابة القطرة التي أفاضت الكأس وزادت من غليان وغضب الشعب التونسي كانت لحظة صمت تحولت إلى لحظة غضب في قلب كل تونسي غيور على وطنه...ما كنا نعيشه في تونس من تهميش واستبداد من النظام الحاكم حيث كانت تونس مقتصرة على فئة معينه من الطبقة الحاكمة. الثورة التونسية والتي تعرف بثورة الكرامة أو ثورة الأحرار أو ثورة الياسمين التونسية في وسائل الإعلام، هي ثورة شعبيه بالأساس قادها شباب أحرار ولا يوجد لأي حزب سياسي، هذه الثورة كانت مستمده من قلب كل ثائر تونسي . و ما تعيشه اليوم تونس من نقله سياسيه جعلها تتقدم في تحسين الأوضاع شيئا فشيئا بخط حثيثة من رغم من وجود العديد من المعوقات التي تحيل دون اسمرار نجاحها..أليس شعب تونس هو من سجل في التاريخ العربي هذه الكلمات..إذا الشعب يوما أراد الحياة ..فلابد أن يستجيب القدر.

لكن في المقابل، عرفت الثورة التونسية ثورة مضادة بدأت مع منطق التناقض. و من أبرز الأحداث التي شهدتها تونس وكانت سبب في أرباك الوضع السياسي هي الهجمات السلفية منذ عامها الأول 2011. و في تلك الفترة ونحن نعيش «le temps des émeutes»[4] "زمن الشغب"، عرف جملة من الصعوبات (اغتيال..انفجارات بجبل الشعانبي..ذبح..تهديدات للأمنيين ورجال السياسة...الخ)، وكانت بمثابة العودة إلى الوراء. فما يعاب على هذه الثورات أنها قد تكون حاملة لمشاريع ثورية لكنها خاوية من البرامج الثورية. و الحق أن ما نعلمه من دروس التاريخ أن الثورات لا تأتي بشكل منظم ومرتب و إنما تأتي نتيجة انفجار شعبي ثم تتبلور بعدها القوى السياسية التي تستطيع أن تستغل هذه الظروف.

ما انتهت إليه تونس اثر الانتخابات هو انتقال ديمقراطي أو تحول في المجتمع والنظام السياسي. لكن هذا التحول في عمقه عرف ضعف نتيجة وجود عراقيل عطلت هذا المسار الديمقراطي ومن ابرز الأسباب هو التنافس الحزبي والسياسي بين قوى المعارضة وما تضمنته من تغليب المصالح الخاصة على مصلحة المواطن والوطن. وبرغم ما شهدته البلاد التونسية من أوضاع حرجة فإنها مثلت استثناء بين بلدان الربيع العربي.

ما عرفته الثورة المضادة بالبلاد التونسية أدى إلى تعرقل الأمور من كل جوانبها (السياسية، الاجتماعية، الاقتصادية...) لتخلق حالة من التداخل لا تخلو من أبهامات وايهامات. فعرفت بالتالي ثلاثة حكومات متتالية׃ حكومة مؤقتة ثم حكومة الترويكا وصولا إلى الحكومة الحالية المنتخبة أملا من خلالها الولوج إلى بر الأمان و الغاية بناء تونس جديدة، تونس الديمقراطية وذلك يكون بتحقق معنى الحرية.

الحرية في العالم العربي ليست موضوعا يمكن أن تعمل دون عائق أو عقبة، وتسمح له بتحديد بشكل مستقل أغراض العمل والوسائل لتحقيق ذلك.وكما قال مونتسكيو في كتابه De l’esprit des lois(1748)، يوجد نوعان رئيسيان من الحرية׃"الحرية الفلسفية"، التي تكون في ممارسة الإرادة، و"الحرية السياسية"، والتي تعني حقوق المواطنين داخل المجتمع׃»الحرية هي الحق في القيام بكل ما يسمح القانون؛ وإذا كان المواطن يستطيع أن يدافع على ما يفعله كان يمكن أن يكون أكثر حرية، لان الآخرين سوف تكون لديهم نفس السلطة»[5]. بمعنى أن شرط تأسيس التنوير هي الحرية. ويقول كانط في نفس المعنى׃«بالنسبة للتنوير فلا شئ مطلوب غير الحرية، بمعناها الأكثر براءة، أي تلك التي تقبل على استخدام علني للعقل في كل الميادين. إلا إني أسمع ألان وفي كل اتجاه من حولي صيحه تقول׃«لاتفكروا». فالضابط يقول׃«لاتفكروا...عليكم أن تنفذوا... »، والمسؤول المالي يقول׃« لا تفكروا عليكم أن تدفعوا». ورجل الدين يقول׃«لا تفكروا عليكم أن تؤمنوا» (هناك سيد واحد في العالم يقول׃« فكروا قدر ما تشاءون ولكن عليكم أن تطيعوا. في كل مكان يوجد تحديد للحرية. ولكن أي تحديد يناقض التنوير؟ وما هو التحديد الذي لا يناقضه بل والذي يمكن أن يكون لصالحه؟ أجيب فأقول إن الاستخدام العام لعقلنا لا بد أن يكون حرا في جميع الحالات، وهو الذي يستطيع وحده أن يأتي بالتنوير إلى البشر غير أن استخدام الخاص لعقلنا لا بد أن تخضع لتحديد صارم جدا دون أن يكون ذلك من الموانع المحسوسة في طريق التنوير».[6]

كما تميز عصر الحداثة بإضفاء قيمة عملية جوهرية على وضعية الإنسان في المجتمع من الناحية السياسية والاجتماعية والاقتصادية. فهو صاحب الإرادة الحرة، والفاعلة في المجتمع والسياسة والاقتصاد، بل وفي مسار التاريخ. فقد تراجعت الفاعلية الدينية لصالح الفاعلية الإنسانية. كما تراجعت سلطة الكنيسة لحساب سلطة المواطنين. فقد «كانت هناك نظرة تأسيسية جديدة للعقل عليها انبنى التفكير السياسي الخاص بالحريات السياسية وبنمط الحكم الديمقراطي»[7]

لايزال التنوير يمثل ضرورة برغم أنه السبب في تحول العالم إلى سلعة تجارية في يد العولمة الرأسمالية. وهذا ما يهدد قيم التنوير التي أكد عليها فلاسفة التنوير كفولتير، روسو، ديدرو، كانط، هيجل...لكن ما نلحظه إن قيم العدالة أصبحت مهدده لان الإنسان نفسه تحول إلى سلطة تجارية تباع وتشترى، وهذا أصلا منافي للقانون الأخلاقي الذي أكد عليه كانط الذي ينظر للإنسان كغاية في ذاته. إي ما ينبغي عمله دون قسر أو إرغام، فيأخذ الإنسان نفسه بما يمليه القانون الأخلاقي، وهو عند كانط له صلة بفكرة الواجب و أساسه حسب نظره الحرية واستقلال الإرادة. ومن جهة أخرى دأب أغلب مفكرو "مدرسة فرنكفورت" بدعوة الإنسان الحديث للخروج من سلطة الحداثة التقنية المحاطة بكل عناصر الاستلاب التي تفرزها ثقافة الخطاب والمجتمع "ذو البعد الواحد" حسب هابرماس ماركوز.

إن النقد يمكن أن يتبلور من خلال ذات جماعية خاصة نقد يرتبط بالمجتمع إذ يفهم على أساس دعوى إلى التحرر، انه يفهم تحديدا ضمن مشروع يهدف إلى تغيير المجتمع׃ نقد يفضي إلى تثبيت أسباب معاناة الأفراد فيما تنتجه ثقافة ما من أدوات تسلط و الهيمنة الجديدة للدولة ومؤسساتها. فإلى متى يظل حرمان الإنسان العربي من العقل التنويري تحت اسم العقل المتسلط؟ وهل سنعيش عهدا مستنيرا؟ أم في واقعنا نسير نحو التنوير؟ لكن اتضح فشل هذا الاتجاه لذلك راهنو على الفرد كعنصر ناقد، غير أن آليات التقنية لا تسمح للفرد بالنقد إلا من منطلق احتوائه، وبالاختلاف إلا من زاوية تحركه داخل دائرة الهوية. بهكذا شكل لم يعد التساؤل عن هامشية الفرد وعن إمكانية إنقاذه أساسيا بل أصبح الأمر الآن يرتكز من خلال إمكانيات إخضاع ما يشكل لا عقلانية النظام لقوانين العقل الإنساني. لكن مسيرة التنوير هذه لم تتمكن من مواصلة سيرها، وتعثرت وهي لا تزال في بداية الرحلة. فعرف التنوير في العالم العربي أزمة متعددة الابعاد والمظاهر والنتائج، ولعل هذا ما جعل البعض يتساءلون عن السبب بالمقارنة بشعوب نهضت بعدنا وتقدمت قبلنا.

إجمالا، كلمة التنوير في المغرب العربي مهما كتب عليها من تحليلات ونظريات إنها تظل أشباحا لها لذلك فهي تسبق تعليلها أو تأويلها وتبقى بعده تطفو حوله وتظل أغنى منه. التنوير ليس كلمة، و إنما هو مشروع، إحراج لأنه يقوم على التحطيم والمقارعة. و الحق أن مجتمعاتنا وفكرنا لم ينتج الحداثة ولم يعشها بل عاش مزيجا حضاريا اختلط فيه التقليد بالحداثة على مختلف المستويات وما إن بدأنا نتلمس معالم الطريق ونتعرف على هذا المزيج الغريب حتى داهمتنا موجة جديدة يطلق عليها ما بعد الحداثة.

 

د. فاطمة المـومني – تونس

....................

[1]مقال ما هو عصر التنوير؟ كانط، ترجمة يوسف الصديق، المجلة التونسية للدراسات الفلسفية، عدد 38-39، 2004-2005، ص 6

[2]محمد أركون،الإسلام ونزعة الانسنة في الفكر العربي جيل مسكويه والتوحيدي،دار الساقي بيروت، طبعة الاولى 2001، ص76

[3] نورالدين أفاية، الحداثة والتواصل في الفلسفة المعاصرة׃ نموذج هابرماس، أفريقيا الشرق، المغرب، ط2، 1998، ص 133.

[4]Alain Badiou، Le Réveil de l’histoire، Lignes، 2011، p.14.

[5] Montesquieu، De l'esprit des lois(1748)، éd. Pourrat، 1831، t. 1،chap. 3-Ce que c'est   que la liberté، livre XI، p.290

[6]مقال ما هو عصر التنوير؟ كانط، ترجمة يوسف الصديق، المجلة التونسية للدراسات الفلسفية، عدد 38-39، 2004-2005، ص7

[7]Kant، Critique de la raison pure، Translate by، N. kemp Smith، New York، St. Martin’s press، 1929، p.22-23.

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3374 المصادف: 2015-12-01 00:12:08