 تنوير وإصلاح

أساطير مشروع النهضة والتنوير عند العرب

saleh alrazukتعتبر موضوعة النهضة والتنوير عند العرب من المسائل التي تشغل الذهن العربي. وإذا كانت تسمى في فترة الاستقلال بالإصلاح فإنها أخذت تسمية اليقظة بعد نكسة حزيران وبزوغ فجر القومية العربية.

اليوم نحن على عتبات عالم جديد لا مكان فيه للعروبة، فهي ذهن يعيش أمجاد الماضي وفتوحاته المشكوك بها.

ماذا قدم القوميون العرب لهذه الأمة التي تنقسم إلى ثلاث شرائح:

 

حطام الربيع العربي وصعود السلفيات المعاصرة

والرأسماليات المحلية التي تستقطب العامل البسيط والعقل المعطل عن العمل، وتستعمل لهذه الغاية عدة تقنيات تصب كلها في أسلوب واحد وهو الإغراء والتشجيع على الوهم.

إن استعلاء الأفراد على مجتمعاتهم، ولا أقصد عفوية المجتمع وإنما شروطه تقود النخبة لتبرير هذا الاستلاب وهذه الخيانة لدور المثقف.

والنتيجة في النهاية تعطيل الإحساس بالأزمة إن لم نقل تحويل أو تزوير طبيعتها.

لقد اختصرت الرأسماليات المحلية المنطقة إلى واحد من إثنين: الحرب أو الحياة. وكانت العلاقة الطبيعية بين الإنسان والأرض هي مجرد دافع غريزي يمكن قراءته بكل سهولة بمنظار فرويدي.

وتبقى الشريحة الثالثة والأخيرة من المحايدين الذين يعيشون في أوهام وطن لا علاقة له بماضيه. وكأنما المستقبل ضرب من الخيال العلمي والفانتازيا.

إن ماضي هذه المنطقة لا يسهل المهمة على الحياد. فهذه الكلمة تصعب قراءتها في ضوء المعطيات، وبالأخص إذا كنت تتكلم عن تحولات تقدس الرواسب التاريخية وتعتقد أن الحل لهذه المهزلة يكون بالإحياء وليس بالابتكار.

لقد اختلطت الأوراق مع التسميات في هذا الجو المعتم والميؤوس منه ولم تعد توجد حدود واضحة بين المسميات.

فالإصلاح السياسي ارتبط رسميا مع الإصلاح الديني. وكلاهما حمل عدة صفات وأسماء منها التنوير والنهضة والتجديد والتحديث.

وإذا كان فصل هذه المصطلحات يدخل في باب التعسف فهو دليل على قلة وضوح المعطيات.

أين يبدأ المجتمع وأين تنتهي الإلهيات.

وما الفرق بين اليقظة والنهضة والتنوير.

إنها عبارة عن بقايا لصراع أفكار يستمد مشروعيته من تعقيدات الذهن العربي.

وهذا العقل حتى اللحظة مشتت بين أوهام ميتافيزيقية وواقع يزداد في التخبط والسقوط.

وخذ على سبيل المثال معركة الدين، هل الشرط أن يكون الإسلام عربيا أم أنه إسلام أممي.

لا يمكن أن تجد إجابة مقنعة لأن المذاهب حتى الآن تقرأ الدين بمفرداتها ولا سيما في التشيع والذي له عدة صور منها التشيع العربي والفارسي. وكأن الإمام علي شخصية مركبة تتكون من عدة هويات وأصول.

وكذلك الأمر بالنسبة للحداثة، هل يمكن تحديث العقل العربي أم أنه يرتبط حكما بالجمود والخرافة والأساطير ولا بد من استيراد منظومة غربية نبني مستقبلنا المعرفي على أساسها.

من هذه النقطة بدأت حملة تجريم طه حسين والتشكيك بمصداقيته، ثم انطلقت حملة تجهيل كل الأمة وإطلاق صفة الجاهلية المعاصرة عليها وإعلان الجهاد المقدس ضد واقعها الراهن.

ولو عدت إلى أرشيف الفكر العربي ستجد أن الخلاف ليس في المعاني ولكن في الأولويات.

وأقصد بذلك من له الأسبقية: التنوير أم النهضة.

وباعتقادي توجد حاليا مدرستان:

مدرسة الليبراليين الذين يقولون مع ألبرت حوراني أن النهضة العربية بدأت عام 1789 وأعقبتها حركة تنوير تمثلت بالاتصال مع الغرب من خلال الرحلات وحركة الترجمة.

ومدرسة السلفية المعاصرة (المحافظون الجدد) ويرون مع حسن البنا أن الامة الإسلامية مغدور بها وهي تعيش في حالة تفكك وتقترب من خطر وجودي ولا يمكن التغلب عليه إلا بإحياء الأسلاف وبصيغة الماضي.

ولا شك أن هذه المدرسة تتأرجح بدورها بين تحديث مشروط وتكفير لكل أنواع التجديد.

والاختلاف يعبر عنه موضع الفريضة الغائبة: الجهاد وغاياته. وطريقة الارتباط هل هي بالبيعة أم بالموالاة. وما هو أساس الترابط أهل الثقة أم أهل الكفاءة.

المشكلة الأساسية في هذه الصورة هي المسافة الواسعة بين الطرفين، لقد تحول الفرق إلى هوة يصعب القفز من فوقها.

وقاد ذلك كل طرف إلى استعمال لغة وأدوات مختلفة ومتحاربة.

ولا أعتقد أنه توجد أمامنا فرصة للتفاهم.

حتى أن فكرة صراع الحضارات وموت التاريخ أصبحت تنطبق على هذه الوضعية.

فالأفكار غير قابلة لإعادة الانتشار.

والصراع بينهما هو صراع على وجود.

وظلام السلفية المعاصرة أصبح يقف أمامه ظلام اليسار العربي. والحقيقة أنه لم يعد هناك يسار حقيقي في هذه المرحلة. إنه مجرد صدى لموقف يحدوه العناد أكثر مما يحركه الوعي والضرورة والرغبة بالبقاء.

وأستطيع أن اقول إن اليسار بدوره يعيش نوعا من الانفصام بين المادة والروح. فجزء يتمسك بالحلول الجبرية. أو إجبار الفكرة على تلبس الأدوات. وبوضوح اختيار ميول عدوانية لحصد أكبر قدر من المكاسب دون استراتيجية بعيدة الأمد. لقد تخلى اليسار عن كرامته ولم يكن واقعيا أبدا. وهو حاليا في معدة العسكر أو في جيوب وخزانات الرأسماليات المحلية. ولا أستطيع أن أرى كيف سيحافظ على مستقبل أبنائه وهو يعيش في مستنقعات الآخرين. شكل جذع بلا رأس. أو عضلات بلا عقل مفكر.

هذا إن لم نقل إنه يذوب تلقائيا في بوتقة الأمم الأخرى ليفقد كل الصفات النوعية ويصبح طرفا في يسار متعولم يخدم مصلحة وطنيات لا تعرف شيئا عن العروبة أو قدر الشرق الأوسط.

لقد تكررت هذه المأساة عدة مرات في تاريخنا المعاصر.

فاليسار الدولي لم يرحم إرادة الشعوب وتصرف معها بأسلوب استعماري كانت له نتائج وخيمة. وأذكر هنا بحرب عائلة كينيدي في فيتنام، والتي أرى أنها سقطة وعيب في تاريخ الديمقراطية الأمريكية.

وكذلك بحرب الاتحاد السوفياتي في أفغانستان.

لم يضع اليسار لا في الغرب ولا المشرق في اعتباره الخصوصيات المحلية وشاء أن يربي الآخرين وفق معايير مفروضة من فوق شروط التاريخ والمنطق. لقد كانت هذه الحروب أشبه بسياسة الأب الإله الذي يتبع أسلوب الإلحاق والضم وليس التوعية.

إن المشكلة الأساسية التي يعاني منها العرب هي زيادة الثوابت غير التاريخية التي مهدت لعقل سكوني غير حضاري ولا معرفي وينظر لكل شيء بمنظار التقليد.

لقد ازدادت مساحة الجمود وعبادة الأب على حساب المتحرك والمتحول والذي يحمل حساسية لا بد منها تجاه عامل الأحقاب وقوانين العصر. أو ما يسميه آينشتاين النسبية. يعني قانون توالي الأزمنة وليس تكرارها.

ومثلما ردد الليبراليون مقولة حوراني واعتبروا القرن الثامن عشر منعطفا لبداية النهضة. كرر المحافظون مقولة البنا وتناقلوا فكرة جاهلية المجتمع ابتداء من سيد قطب والهضيبي وحتى الأشكال الاخيرة من الحركات السلفية.

وقد كان الفضل لتداول أطروحة حوراني يعود لهشام شرابي(1)، والذي رأى في (المثقفون العرب والغرب) أن تاريخنا العقلي الحديث ينقسم إلى ثلاث موجات متعاقبة وهي اليقظة العربية التي تزعمتها طبقة من المثقفين العرب ص 17 وجاءت جزءا من التطوير الإيديولوجي كتعبير عن عملية التعليم والتنوير والاتصال بأوروبا ص 16.

وطبقة المصلحين والتي تعني حكما التحديث الإسلامي ص 21. وهي حركة انبعاث وراءها نزعة محافظة إنما متنورة ومسلحة بإدراك عقلاني. ص 21

والفكرة القومية ذات الاتجاه العلماني والذي عكس رغبة المسيحيين بعقلنة التاريخ الإسلامي وتحديد علاقة المسيحيين العرب به. وما ترتب على ذاك من فرز بين الوحدة الاجتماعية والوحدة الطائفية لبلورة المفهوم التجسيدي لما يسمى في أدبيات الدولة: الوطن ص 74.

ولكن هذا لم يمنعه من مخالفة حوراني واستبدال حدوده التاريخية للنهضة وهي 1798-1939 بـ 1875- 1914.

ومن الواضح أن الفرق هام وملحوظ لا سيما في تحديد النهايات. فحوراني يعزو إليها الحرب العالمية الثانية وأزمة البورجوازية العسكرية وصغار الضباط أو أزمة المجتمع الصناعي الحديث ككل، بينما يراها الشرابي تقتصر على أزمة الإقطاع وانحلاله وتفكيكه واندلاع شرارة الحرب الكونية الأولى.

إن حالة حوراني تفرض على العرب مؤثرات من الخارج، إذ لم يكن للشرق دور هام في صناعة الاتجاه أو مصير العالم المصنع عندما اندلعت الحرب الثانية. في تلك الفترة كان الشرق والغرب تحت الاحتلال والانتداب ودورهم يعكس المتغيرات، إنهم مجرد حامل للأزمة وليسوا موضوعها ولا هدفها.

بينما حالة الشرابي تعكس دورا أكبر للمشرق وللعثمانيين والإسلام فيما يحصل. فقد كان تحالف الأتراك مع الفاشية والنازية مؤسفا وجر الويلات على المنطقة وقاد العقل العربي للخروج من غيبيات ومسلمات لا يطالها الشك باتجاه يقظة وعصر أنوار يحمل متغيرات بنيوية هامة.

وربما كان يعتقد الشرابي أن النهضة بدأت مع إلحاق المرض بالإقطاع وانتهت بتفكك الاقطاعية واندحارها وتدفق الرأسمالية الغربية على المنطقة ورعايتها لشريحة من صغار الرأسماليين وكبار البورجوازيين.

ومثل هذه الحدود تبدو مفهومة ومنطقية لأنها تعبر عن المخاض المحلي أكثر مما تنفعل بصراع الصناعة والزراعة وراء حدود المتوسط.

غير أن للاسلام العربي رأيا آخر. فهو ببساطة ينظر إلى المتحول على أنه الشيء ونقيضه. ولذلك كانت النهضة هي الاصلاح الاجتماعي لعقل الأسطورة. وأعتقد أن هذه الأفكار تحمل بذور ثورة الحداثة على نفسها.

فما بعد الحداثة التي ألغت سلطة المركز ووضعت الإنسان في دائرة اختيارات مفتوحة تعادل نفسها وتدعو إلى التوازن بين الاستراتيجيات والأفكار غير المتبدلة أو بين الإله ومفهوم الإله في العقل البشري أعقبها ما بعد - بعد الحداثة. وكانت تعمل جهدها لفرض أسطورة يمكن للعقل المادي والتاريخي أن يقبلها.

ومثل هذه التوأمة للميتافيزيقا مع الإدراك المحدود قاد الإسلاميين إلى تعريف النهضة من خلال متحولين:

- تحولات اللامتناهي والتي يسميها ماجد الغرباوي فعلية الأحكام (2). فالأحكام كما يرى تتغير بتغير الموضوعات. مثل العبادات وغيرها من التشريعات كقضايا المرأة في الإرث والحقوق الشخصية ومأساة قوامة الرجل عليها مطلقا، ففعلية أي حكم تتوقف على فعلية موضوعه المتوقف على الشرط والقرائن والمقدمات. وأوضح مثال على ذلك الجهاد. إنه لدرء الحرابة. أو للدفاع عن النفس. فإن لم يكن هناك حرابة لا يوجد تشريع موجب للدعوة إلى الجهاد.

- ثم تحولات المتناهي فالدين غير التشريع.

لقد تأثر الإسلام العربي بالوضعيات. وجزأ الفكرة إلى عقل محض وعقل تطبيقي. وهذا جعل أمام النهضة نطاقا أوسع للتراكم والتطور. بحيث أن كل ما هو غير سلفي يكون بالضرورة نهضويا. ولذلك إن بدايات الانهيار في الاقطاع العثماني هو بداية عصر النهضة أو الإصلاح.

ويعتقد الغرباوي أنه يتزامن ليس مع الدعوة إلى التحديث والانفتاح على فتات الترتيب الهرمي للمجتمع في السلطنة وإنما مع الدعوات المتتالية للثورة على نظام الأب الإله، والمناداة بوضع دستور.

إن الدستور هو بداية فجر النهضة عند العرب. وهذا عنده يبدأ من منتصف القرن التاسع عشر وحتى بدايات الحرب العالمية الأولى. يعني منذ ظهور بوادر تفكك واختراق حدود الامبراطورية في الشرق (مصر وأفغانستان وإيران - وهذا يتوافق مع بروز شخصية الداعية جمال الدين الحسيني المعروف بالأفغاني) وحتى سقوط الامبراطورية وإعلان معاهدة سيفريس وتأسيس الجمهورية في تركيا. وبروز شخصية الداعية محمد حسين النائيني. وكلاهما من أعمال الدولة العثمانية وليسا من دائرة الثورة العربية الكبرى أو تمهيداتها. وهذا أول فرق في هوية النهضة كما يراها القوميون والإسلاميون. وهو فرق نوعي. بدليل أن مفهوم الثورة تأخر في الدخول إلى وعي الإسلاميين.

ولا ضرورة لتفسير هذه الاختيارات. فالفكر الإسلامي منطقيا يتأثر بما يجري في أقاليمه الأساسية ولذلك لم يكن للتحول في العقل العربي دور سيادي. وإنما العكس، كانت التحولات في العقل الشرقي هي المحددة.

وهذه ملاحظة جديرة بالاهتمام. أن تكون النهضة مدينة للحواضر أو لنظام البلاط بانطلاقها وليس لعقل العرب البداة مع أنهم أول من نشر الدعوة.

لا أستطيع أن أفهم لماذا اهتم القوميون بالحدود والفواصل ولماذا كانوا مولعين برسم الحقول التي تتحرك فيها شتى المدارس.

فقلة اهتمام الإسلاميين بهذا التصنيف يتلاقى مع عدم توقف الليبراليين عنده.

إنهم لا ينظرون إلى النهضة والتنوير كأحداث موسمية، ولا يضعون بينها فواصل كما يفعل غيرهم.

وإذا كان لا بد من مثال، إن سعد رحيم ينوه إلى تداخل هذه المفاهيم (3). ويرى أنها تختلط في بوتقة واحدة مع الاصلاح الديني والحداثة. وهي كلها تستعمل لتسمية الشيء نفسه ص 6.

حتى أنه شخصيا يقفز من فوق هذه المصطلحات ويدمجها مع ظواهر عامة مثل اليقظة التي يؤكد أنها لا تختلف عن إصلاح الدين ص 8. وتقف على مسافة من النهضة والتنوير. ولكنها تؤشر على بدايات فكر المدينة وما رافقه من تغير في العلاقات وأدوات الانتاج. ص 8.

والواقع أن سعد رحيم نموذج مثالي لتفكير الليبراليين. فهو يتعامل مع المفهوم كنشاط أفكار.

ولذلك رأى أن النهضة سبقت التنوير الذي يسميه الأنوار. جريا على عادة المؤرخين في الغرب.

أما النهضة نفسها فهي ليست بسيطة وإنما مركبة. وتتألف من مرحلتين :

الأولى تبدأ مع الطهطاوي وتنتهي بمحاكمة علي عبد الرازق وطه حسين.

والثانية تبدأ من طه حسين نفسه وتنتهي بهزيمة حزيران.ص 29.

ولا يمكن أن يخفى تدوير المصادر في فكرة وتعريف سعد رحيم. فالنهضة الأولى هي مصرية مائة بالمائة. والثانية عربية لها أفق قومي وعسكري.

ويمكن أن ترصد في هذا التحقيب عدة سمات:

1- النهضة مروية حضارية. تتألف من وحدتي سرد. انبعاث وموت وإحياء. وكأنها أسطورة تموزية بإطار فرويدي لها حدان متعاكسان: الموت و القيامة و التي يطلق عليها التموزيون اسم الانبعاث. فإذا انتهت النهضة الأولى بالمحاكمة فإن الثانية انتهت بالإدانة. وإذا بدأت الأولى بتسويق الأفكار بدأت الثانية بالشك بالسرديات الكبرى وفي المقدمة مؤسسة الشعر الجاهلي. ديوان العرب. الأمر الذي يضع كل جذور العرق العربي موضع الشك ويتهمها بالتلفيق.

2- وهي أيضا نتاج نقل للأفكار. ولا سيما ماكينة أفكار العقل الإمبريالي. فقد بشر الطهطاوي بالحضارة المتوسطية بينما طه حسين مهد للفكر الهيليني البطليمي.

3- ويغلب على هذا التفسير أنه فكر أزمة. وله حبكة لا يمكن أن تنفرج. وهي ذات نهايات مفتوحة على التراجيديات المحلية. مقابل الأبعاد التربوية لنظرية القوميين والبعد الإصلاحي عند الإسلام المعتدل.

4- وهو تعبير عن البلبلة العقائدية للشباب. وللأسف لم يتوسع سعد رحيم في هذه النقطة. وأغفل اسما هاما من الموصل هو يونس السبعاوي الذي يعتبر رائدا هاما للنهضة قبل الحرب العالمية الأولى. وهو من بين القلائل الذين اهتموا بأنوار المشرق وليس بالغرب الاستعماري. واتصل بالسلطات الروسية للحصول على منابع العلم والقوة العسكرية (كما يقول خلدون الحصري)(4).

ويضاف لذلك أنه ينظر الى النهضة كمروية لها سياق تركي وعربي.

ومثل هذا العزل بين الطرفين تتخلله فراغات، فهو يضع الأفغاني مع العرب. ولا ينكر أنه داعية أصولي اختصر مهمته في التبشير بأممية إسلامية ثالثة. بعد الإسلام العربي والتركي. وبإحياء الهوية الإسلامية الأصيلة بعد تخليصها من الشوائب.

وكأنه نسخة إسلامية من (غربال) ميخائيل نعيمة لفرز التجديد والحقيقة من الوهم والخرافة.

ولا أعتقد أن هذه المشابهة غريبة على تفكير سعد رحيم. فهو ينظر للنهضويين كجيش أو ميليشيا من الأدباء الذين قدموا فكرا تجريديا لإعادة تشكيل الذهن الإسلامي. وكان واضحا في انحيازه للجانب المعرفي من النهضة وعدم إسقاط الهم السياسي عليها، فقد نقل عن محمد عبده أنه لعن السياسة والسياسيين ص 90. وقاده ذلك لإضفاء طابع غامض وتصوفي على أئمة ومشايخ النهضة. ولا سيما الأفغاني ورشيد رضا.

الأول لأنه مجهول الهوية ولأنه لعب دورا مشكوكا بنظافته في كواليس عدة دول. ولم يبق إلا أن يقول إنه لورنس عرب آخر. أو جاسوس أعجمي لديه وظيفة تخريبية. من مكائد ومؤامرات ص 19.

والثاني لأنه أصولي محافظ وسليل خط ابن تيمية ومحمد عبد الوهاب. وتزمت ابن حنبل. ص 21. وهذا الثالوث إذا اجتمع في شخص لا بد إلا أن يكون تمهيدا للسلفية المعاصرة وليس الاتجاه الديني النهضوي المستنير.

مثل هذه الملاحظات اقترنت أيضا بتحديد كل الفضل في النهضة في العنصر غير العربي.

ولا سيما حر ب نابليون على مصر وتولي محمد علي للحكم.ص 24.

إن محمد علي أصلا هو بمثابة فيليب العربي. لقد حكم مصر لأنه مسلم مثلما حكم فيليب روما لأن والده من التبعية الرومانية.

لقد كانت النهضة العربية عند الليراليين مفصلا هاما في تجديد العقل ولكن هذا لا يلغي حقيقة أنها مختلطة المصادر، وتدين بوجودها لضعف الامبراطورية العثمانية أكثر مما تدين لوعي العرق العربي. ناهيك عن تململ الأديان والمذاهب التي تمنعها الدولة.

ولا يمكنني أن أشك لحظة واحدة أن من حمل أعباء النهضة من المماليك ومن الشعوبيين غير العرب أو الأغيار. أضف لذلك العامل المسيحي الذي عبر عن طموحاته ونفسه بتيارين: حركة نزوح إلى المهاجر نجم عنها تفريغ جغرافي وسياسي. والمناداة بالثورة وتبديل العلاقة مع الدولة.

وكل هذه العوامل زادت من مساحة الأسرار أو الأصح الجانب الأسطوري من أبطال ونجوم النهضة. وضاعفت من الموقف الوجودي لصراع النخبة مع النظام.

لقد كانت النهضة موقفا من العالم قبل أن تكون اكتشافا للذات.

إنها تجسيد فلسفي لتجليات الوعي الثوري بعوامل الضعف والسقوط والفوضى. أو كما يقول سعد رحيم وعي بانحلال المعرفة وتحويلها وتبدل في قواعد الإبستمولوجيا ص 24.

عموما يشكو مشروع النهضة العربية من عدة عيوب أساسية.

الأول في المنهج. كيف يمكن أن نبدأ بالنهضة قبل التنوير. فالمنطق يستدعي التخلص من الفكر الظلامي وقانون التجهيل والتخلف (أو الأنوار والاتصال بالحضارات الحية – الغرب في هذه الحالة) ثم الانتقال للدعوة إلى الإصلاح لتأسيس نهضة ملموسة ذات ثمار.

العيب الثاني هو الاتفاق على قراءة اجتماعية لهذه الحركة. فالشرابي والغرباوي يعتقدان أن الإصلاح حملت لواءه طبقة من النخبة أو الأنتلجنسيا التي لها حظ وافر من التعليم والمعارف. بينما يعتقد رحيم أن النهضة هي اختراع الطبقة المتوسطة. وكأنه انتقام طبقي من مجتمع القنانة السابق والإٌقطاعيات التي احتكرت كل شيء. ويذكر بالحرف الواحد: إن مشروع النهضة هو نتاج الطبقة المتوسطة الصاعدة. ص 53. وهي نفس الطبقة التي اضطر لرثائها بعد دخول اليقظة القومية في مرحلة الاستقرار ثم الجمود. وتحولها إلى تروس صغيرة (العقب الحديدية التي تكلم عنها جاك لندن). لقد كان مصير هذه الطبقة تراجيديا في الفترة التوتاليتارية.

وهو ما يضعنا أمام انتكاسة على الصعيدين العسكري والاجتماعي. قاد إلى اضمحلال حامل النهضة وبالتالي موت مشروعها.

وإذا كانت الإمبراطوريات الأساسية قد هضمت العقل الحديث وألحقت به الذوبان. وهو ما يعرف بأزمة موت الإيديولوجيا. نحن دخلنا في غيبوبة للوحدات السردية الكبرى ( باعتبار أن تاريخنا سردي بعد سقوط المشروع الإسلامي ولا علاقة له بالإنتاج والعمل بتعبير حمزة عليوي) وشرعنا بالانحدار في مرحلة لك أن تسميها: موت النهضة أو موت التنوير.

والواقع أن التفسير الطبقي هو نصف الحقيقة. فالنهضة بالإضافة إلى أنها ثمرة مجهود المحرومين من أبناء الفئات الصغيرة. هي أيضا ثمرة تجليات الوعي العرقي. ويقظة أبناء الأقليات لواقعهم المتدني في مجتمع منغلق على نفسه وبطريركي. تحكمه سلالات وعلاقات دم وأواصر قرابة. بمعنى أنه مجتمع عشائري.

وهذا يجعل الصورة معقدة قليلا. وتفسيرها يحتاج لنظرية في علم اجتماع المعرفة. وربما لهذا السبب هيمنت علينا ولحوالي نصف قرن إيديولوجيات إشتراكية في إطار "قومجي".

ويتوقف سعد رحيم عند هذه النقطة التي يرى أنها خلل فاحش في بنية وآلية العقل ذاته. ويتهم الفكر القومي أنه كان رومنسيا وحالما ويبني كل شيء على افتراضات ليس لها وجود أدت إلى تخبط الدولة القومية. بينما استمد الماركسيون مشروعيتهم من الرؤية الواقعية لتاريخ له ركام هائل في التراث النظري الإشتراكي. ص 64- 65.

ومن وجهة نظري هذا التحليل منحاز وموسمي.

بمعنى أنه يناصر الإشتراكية الأممية وينظر إلى العقل القومي وهو في مرحلة الانحطاط وليس الصعود. وبالضبط حينما تحالف مع اليمين والرأسمالية الشرقية بوجهها البدوي الإقطاعي للاحتفاظ بالأرض لأطول فترة.

لقد كان الخلل برأيي في مشروع النهضة ذاته. يمينه ويساره. فهو مشروع نهضة تخلف مثلما كانت اشتراكياتنا تميل للتعامل مع واقع الانحدار والفساد.

وأية قراءة للواقع النهضوي بكل أجياله ونسخه تحمل وصمة عبادة الأب. سواء النظام أو المرجعيات التي لا تحتمل لا النقاش ولا المداولة.

فأحزابنا الشيوعية كانت مجرد مديريات لتنفيذ قررات خطط لها السوفييت.

وإلا لماذا فشلت التجربة الماركسية في اليمن الجنوبي.

وأجد أن التدهور هو صفة بنيوية في العقل العربي الذي أنتجه مجتمع الهزيمة. والإشارة هنا لهزيمة 1921 أمام سايكس بيكو. ثم هزيمة 1948 أمام الانتداب البريطاني لفلسطين. هذا غير السقوط المخزي عام 1967.

وكل إفرازات حروب المائة عام بين تفكيك الإمبراطورية العثمانية وموت فكرة الوحدة العربية قاد جميع الأحزاب والتيارات إلى الإفلاس.

فالإخوان المسلمون خسروا جمهوريتهم الثانية في مصر. والبعث تحول إلى نوع من الروتين العقائدي مع استعمال أدوات فاشية (ولنتذكر صدام حسين وعلي عبدالله صالح). والشيوعيون انقسموا إلى اتجاهات محلية تحمل أمراض التخبط القومي. لقد خرجوا من مشروع النهضة بكل سهولة وراهنوا على الديمقراطيات الغربية. وحاليا في سوريا ثلاث اتجاهات تعمل على الأرض دون أي رصيد ملموس وهي: الشيوعي السوري بعقليته الكلاسيكية. والشيوعي الموحد والإرادة الشعبية الذي يدير قواعده من موسكو. حيث يعيش مؤسسه وأمينه العام.

العيب الثالث والأخير مصدره العلاقة بين الإلهيات والعقل. لقد كانت النهضة العربية ذات طابع خجول. لم تكن راديكالية بما فيه الكفاية. ويغلب عليها مشكلة في التجسيد. فالتوحيد لم يقتصر على صياغة مفهوم الأب المعبود فقط ولكن أيضا إسقاط كل حواشيه وصفاته لدرجة التماهي. وكأن للإله عند المسلمين صورا بمثابة رموز تنوب عنه. وهذا لم يساعد أحدا في تنمية وتطوير الوعي بعزل الصفات. أو ما يمكن الإحساس به وما يمكن إدراكه فقط.

ولذلك كانت النهضة العربية تحمل موبقات الانحطاط كله. وتذكرنا بآخر عهود المملكة السورية القديمة التي عبدت الملك وتسببت بسقوط الدولة وفتح الباب للاستعمار.

وهذا ما حصل مع النهضويين. لقد تخلصوا من الإمبريالية التركية ليسقطوا ضحايا في حفرة إمبرياليات غيرها تختلف معهم في العقل وأساليب الفهم والإدارك.

 

د. صالح الرزوق

.......................

المصادر:

1- هشام شرابي المثقفون العرب والعرب، دار النهار، بيروت، 1981.

2- ماجد الغرباوي. دعوة لإنقاذ الدين من سطوة الفقهاء. المثقف. عدد 2962. خميس 16-16-10 - 2014.

3- سعد محمد رحيم، روافد النهضة والتنوير، منشورات دائرة الشؤون الثقافية العامة، بغداد، 2015.

4- الأفكار السياسية ليونس السبعاوي. من أرشيف الحلقة الدراسية الخاصة عن الحياة الفكرية في المشرق العربي 1890- 1939 . الجامعة الأمريكية في بيروت. 29-31 أيار. 1979.

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3419 المصادف: 2016-01-15 09:45:39