 تنوير وإصلاح

هل يجوز نبش القبور؟

لا أريد هنا كتابة أو تحرير مسألة فقهية حول نبش القبور من وجهة نظر فقهية ولكن ما أريد الحديث عنه هو عملية نبش القبور الفكرية التاريخية .

من المعلوم أن لكل مرحلة تعيشها الأمة تفاصيل وأحداث كثيرة ومواقف متداخلة بحيث لا نستطيع بسهولة حصرها ووضعها ضمن إطار واحد، وبالتالي فإن التعامل مع المسائل التاريخية يحتاج إلى منهج محدد من قبل مفكرينا وعلمائنا .

ما نراه اليوم على الساحة أن كل من يتناول المسائل التاريخية الخاصة بالخلاف المذهبي لا يتناول هذه المسائل بالشكل الذي يريد به منفعة الأمة بل ليصب زيتا على نار متقدة مع الأسف، وبالتالي فهو كمن ينبش قبرا، ولما كان ينتج بهذا العمل إهانة للتاريخ الإسلامي وتدمير للواقع الحاضر حيث إنه لا يزيد واقع الأمة إلا تمزقا وتشرذما وتفرقا، ونحن نعلم أنه كلما ازداد واقع المسلمين تدهورا فإن ذلك يعني في نظر الآخرين تحول نظرتهم إلى نظرة سلبية تجاه الإسلام ورجالاته الأوائل، ويبدأون بأخذ مواقف متشددة تجاه الإسلام الذي يتهمونه أنه وراء كل التخلف الذي يصيب الواقع والمجتمعات الإسلامية اليوم، أي أن نبش القبر هنا ليس لفرد واحد لإهانته مما هو محرم في شريعتنا بل هو نبش لأجل إهانة دين وأمة بأسرها، فإذا كان الأول محرما قطعا فكيف بنا بالنبش الثاني الذي يمكن أن أقول هنا إن فاعله مفسد وظالم لنفسه وأمته ومن الذين وصفهم الله تعالى بأنهم بدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار.

إذن كيف نتعامل مع التاريخ وكيف نقرأه؟ سؤال يحتاج دائما إلى وضع منهج أولي قبل الولوج في العمل، خصوصا لمن يريد أن ينفع الناس ويخدم دينه وأمته ولا يريد أن يصبح من نبشة القبور .

أستطيع هنا أن أضع مناهج أولية وخطوطا عريضة للتعامل مع الموضوعة التاريخية التي تمس صلب القضايا الخلافية .

1. عدم التعرض للمسائل التاريخية إلا في ضوء الحاجة فقط، وفقط، إذ إن من أكبر المآسي التي نعيشها اليوم أن كل من يتعرض لمسألة الكتابة فإنه يركز على التاريخ ويتحدث عن التاريخ ويفصل في التاريخ، ويضع قارئيه في أجواء تاريخية، هؤلاء الكتاب يتحملون جزءا من مسؤولية تحويل امتنا إلى أمة تتحدث في التاريخ فقط، وتستأكل بالتاريخ، وتركز على التاريخ فقط، حتى أصبح ليس لها سوى التاريخ، حتى عندما يتحدثون عن قضايا معاصرة فإنهم يفردون الجزء الأكبر من كتاباتهم للتاريخ، وعندما يريدون الاستدلال على مسألة ما فإن الأساس عندهم هو التاريخ، وعندما يريدون التأسيس لموقف ما فإنهم يطلبون التأسي بالموقف التاريخي فقط . إننا هنا لسنا بضد استخدام وتوظيف الموقف التاريخي الحسن لتنمية أخلاق وعادات المجتمع، ولكن ما نريد التنبيه له هو أن استمرار وكثرة الحديث في القضايا التاريخية ينعكس في ذهن أبناء المجتمع بصورة خلق أجواء تصورية وتخيلية تجعل الناس يعيشون في أجواء تاريخية فقط، وتجعلهم في كثير من الأحيان ينسون الحاضر وضرورة العمل للحاضر، وتجعلهم ينسون أن الحاضر عادات وطبائع وحاجات وملابسات تختلف بشكل كبير عن الماضي، وأن الماضي ليس لنا منه إلا العبرة . بعض الفلاسفة الأوربيين يقولون إن العالم هو فكرتي، أي كما هو تفكير الإنسان، وقل تفكير المجتمع، فإن صورة الحياة ومدى التقدم والتطور يتحقق وينعكس من ذلك التفكير، وإذا كان كل تفكير المجتمع هو أحداث وأجواء الماضي فإنه سينتج واقعا هو أقرب لملامح الماضي، والحال أن الأمم اليوم تتسابق في إنتاج ما هو جديد وعصري يتلاءم مع الحاجات المعاصرة للفرد والمجتمع، إذن ما أقصده هنا هو أننا يجب أن لا نذهب للماضي في كل صغيرة وكبيرة بل نتحدث عن الماضي بقدر الحاجة فقط .

2. التقديس الأعمى لشخوص التاريخ هو شئ يجب أن نبتعد عنه ونتوخى الحذر في تعظيم هذا وتقديس ذاك، أي أن أي باحث منصف يتوخى دائما المنطقية والعقلانية في الطرح، ولكي يكون طرحه منطقيا فإن منهج التقديس للشخص هو شئ ضار بتلك المنطقية والعقلانية . أن المنطقية تفرض أن معالجة القضية التاريخية يتطلب النظر الى كل الآراء المطروحة حول شخص أو موقف ما، فعندما يرى الكاتب الذي ينتمي الى مذهب فكري معين قدسية شخصية معينة يأخذ عليها الآخرون مثالب معينة فإن عليه أن يأخذ كل الآراء ويعدلها بالشكل الذي ينتج رأيا منطقيا بما يؤدي الى تعليم الناس أن يأخذوا بالعقلانية في كل الأمور. أن من شأن ذلك أيضا أن يعلم الناس أن أولئك خلدوا ليس لأنهم عاشوا في الماضي فقط فكم من الناس عاش في الماضي أيضا، بل لأنهم نهضوا بأعمال عظيمة، ولا لأنهم ينتمون الى مذهب معين بل لأنهم خدموا الناس والدين ككل . ويعلم الناس أيضا أن دراسة هذه الشخصية أو تلك ليس الغرض منه تعظيم هذه الشخصية التاريخية، فالموتى إنما هم في ذمة الله تعالى وهم بأعمالهم الخيرة إنما هم في جنان الله تعالى بحسب عقائدنا، وإنما الهدف هو الناس المعاصرين بما نوضح لهم الطريق ونسهل لهم المسير نحو العمل الصالح الذي يعز الأمة الإسلامية وينصر المظلومين ويحق الحق . ويعلم الناس أن الهدف من الدين والكتابات الدينية هو خدمة الناس وإعزاز دولهم وإشباع حاجاتهم الدينية والدنيوية وليس خدمة الشخصيات التاريخية، وبالتالي فإن ما يرفعه البعض من شعار الدفاع عن الشخصية التاريخية الفلانية ويستبيح على أساس ذلك هدر دماء الناس وسلب حقوقهم، إنما هو يؤذي المجتمع ويرتكب عملا محرما في نظر الشريعة السمحاء.

3. الابتعاد عن الذم والانتقاص من الشخصيات التاريخية بناء على افتراض مواقف خاطئة لها . عمليا نحن لا نحتاج الى إعادة ذكر المواقف السلبية لأي شخصية تاريخية، ولو احتجنا لذلك لسبب أو آخر فإننا نستطيع ذكر خطأ ذلك الموقف أو الحالة وانتهى الأمر، أما التأسيس على ذلك بذم أو نقد وتجريح فإن ذلك لم ولن ينفع قضية الوحدة الإسلامية التي هي مطلب وحاجة ملحة للمجتمع الإسلامي اليوم . إن أي مذهب من المذاهب الموجودة على الساحة الإسلامية اليوم يحمل كثيرا من الأفكار البناءة التي لم تطبق الى اليوم، وتحتاج الى أن تنزل الى الساحة، ولكن المشكلة أن هذا المذهب أو الطائفة التي تحمل هكذا أفكار يقوم أتباعها بإهانة شخوص الأخرى وهكذا، أي أن هناك حاجزا نفسيا لدى أتباع أي مذهب تجاه الآخرين بسبب حملات الانتقاص والإهانة لشخوص الطوائف الأخرى، وبالتالي فلو أن أي من المذاهب تريد نشر أفكارها الحقة فإن أدنى منطق علمي يقول بوجوب احترام أفكار الآخرين وتقدير ميلهم ومحبتهم لبعض الشخوص التاريخية وإنه لكي تصل الفكرة التي يراد بثها في أوساط عموم الأمة الإسلامية لتنتفع منها فإنه يجب احترام شخوص كل فرد من شخوص التاريخ .

دعونا نضرب هنا أمثلة تطبيقية على ذلك ومن الطرفين لكي يكون الكلام منصفا:

المثال الأول: البداء نظرية قالت بها الإمامية اعتمادا على مرويات الأئمة عليهم السلام واستدلوا بآيات وروايات كثيرة، ومعناها أن ما يبدوا للإنسان أنه قضاء محتوما لا يمكن تغييره هو ليس كذلك، بل أن الأقدار وإن كانت بيد الله تعالى إلا أن الإنسان يملك تغيرها بما أعطاه الله تعالى من إرادة بحيث سمح له التصرف بكل ما يتعلق بشؤونه الخاصة والعامة، بحيث إنه هو الذي يصنع مقاديره وهو الذي يخط لوح قضائه وقدره بما يقدم من أعمال وبما يتخذ من مواقف، وهكذا يتشجع الإنسان لصنع حياة أفضل على الدوام، ولكن هذه النظرية لم ينتفع منها المسلمون بسبب هيمنة الحرب الكلامية والاتهامات والاتهامات المضادة حتى أن بعض من يؤمن بها لا يدرك حتى معناها بسبب ترك المسلمين لها وانشغالهم إما بتشويهها وتكفير من يؤمن بها أو الدفاع عنها وإثباتها، أما دراستها وترسيخ معناها في أذهان الناس فلم نر ذلك، وبدلا من أن يعتنق الناس هذا المعنى ويتعلموا أنهم هم المسؤولون عن لوح القضاء والقدر، يكتبونه بأعمالهم ومواقفهم وسياساتهم فيشرعوا على أساس ذلك بالعمل والجهاد والصبر والمداومة بالجد والاجتهاد للوصول الى بناء الحياة الكريمة غط الناس في غياهب الجهل تحت مقولات الجبر، والخضوع لحكام الجور تحت شعار عدم القدرة على تغيير المحتوم أو المكتوب، وراحوا يستسلمون لما اعتبروه قضاء مبرما عليهم لا يحول ولا يزول إلا إذا شاء الله ذلك وربما بالدعاء فقط، وهكذا فقدت الأمة الإسلامية قرونا طويلة في ظلمات لم تخرج منها إلا تحت سياط المستعمرين الجدد الذين نفضوا عنهم غبار الجبرية ونهضوا لبناء دولهم، والحق أن ذلك لم يكن ليحدث لولا الطائفية المذهبية والانتقاص المتبادل الذي أضاع علينا الكثير من الخيرات .

المثال الثاني: يخص قضية الشورى السياسية التي طرحت في مدرسة الصحابة كتأطير لمشروعية عملية انتقال السلطة، وعورضت هذه النظرية بمبدأ التعيين الذي طرحته مدرسة أهل البيت أو الإمامية وكان ذلك طبعا بوجود الأئمة الاثني عشر، وبقيت هذه النظرية تحت وقع الجدل المذهبي لا هي تطورت وتبلورت في جانب فقهاء مدرسة الصحابة ولا هي أخذت من قبل فقهاء أهل البيت، وحتى بعد انتهاء عصر الأئمة كان المفروض أن تكون هي المرجع ويبدأ الفقهاء والمفكرون الإسلاميون من الجانبين بالعمل لتأصيل تلك النظرية وتوضيح أبعادها ورسم خطوط عريضة لها ومن ثم تحديد تفاصيل وآليات مضبوطة فيها بحسب ما تحتاجه الأمة، ولكن أي من ذلك لم يحدث مع الأسف لأسباب عديدة أهمها الانشغال بسفاسف الجدل المذهبي والتركيز على قشور الآراء وحمى الانتصار للمذاهب فقط دون النظر والتعمق في الأفكار والطروحات للانتصار لخدمة المجتمع ككل .

الخلاصة من ذلك أن الابتعاد عن الضيق المذهبي والتطلع ودراسة أفكار الآخرين هي حاجة ملحة لأي أمة تريد أن تتطور وتنهض، وهناك عشرات الآيات والروايات الداعية لذلك في تراثنا الإسلامي، فإذا كنا لا نتأثر بكل هذه الإشارات القرآنية والسننية فلا أقل أن نتأثر بالمنطق العلمي والأخلاقي الذي يدعو أي إنسان لاحترام مشاعر الآخرين .

4. ثم إن المنهج العقلاني يقودنا أيضا الى التمحيص في مقولات الأقدمين الذين ورطوا أنفسهم في اتهامات وقدح وذم وتسفيه متبادل بين المذاهب، أي اتهموا مذاهب أخرى بغير ما فيها جريا على حمى التكفير المتبادل ثم أصبحت كلماتهم بعد ذلك دين يدان به، فيأتي فرد يعيش في القرن الواحد والعشرين الميلادي ليستدل بمقولة أحد علماء القرن العاشر أو الحادي عشر، والتي ذكر فيها تكفير الطائفة الفلانية ليستدل بذلك على قطعية تكفير تلك الطائفة، ولسانه يردد: سبحان الله، العالم الفلاني الفطحل النحرير علامة الإسلام أو شيخه أو ثقته، يقول بتكفير هؤلاء، ونحن نمد الجسور معهم ونتحدث عن التقريب بيننا وبينهم ؟؟ معاذ الله من ذلك وحاشا لله أن نخرج عن هؤلاء السلف (الصالح) . إن هكذا مقولات تكاد تكون شائعة في أوساط عامة الناس، ومن رحم هكذا مقولات تبرز وتنمو الحركات الطائفية التكفيرية وعلينا مناقشتها والرد عليها دائما، إنها مع الأسف تصب في خانة التقليد الأعمى لجماعات تعجز عن التفكر والتأمل فتلجأ الى استيراد نصوص الماضي من دون تأمل لتضعها موضع التطبيق في ساحة الحاضر، وهي بعد ذلك مقولات قيلت في زمنها اعتمادا على مشاهدات جزئية لفرد هنا أو مجموعة هناك فأطلق هذا الفرد مقولة تشمل طائفة كاملة من المسلمين، هكذا من دون تفحص أو نظر أو تقوى أو اكتراث لدماء الناس أو أعراضهم أو اهتمام لوحدة بلاد المسلمين ومنعتهم واستقلالهم .

إن لكل إنسان إيمانه الخاص وعقيدته الخاصة التي تختلف عادة عن الآخرين، فإذا كنت أنا أنتمي لطائفة معينة فإن هذا لا يعني أني أؤمن بكل رواية كتبها أحد علماء طائفتي، ولا بكل مقولة تبناها واحد من رجالات الطائفة، ولا أنا مسؤول عن كل عمل يقوم به أحد أفرادها، ولا أي موقف يتخذه بعض شخوصها، وهكذا، فإننا مع الأسف لا ننظر للإنسان بما هو فرد مفكر يتأمل لحاله وله آراؤه وأفكاره الشخصية، ونتحاور ونتعامل مع الإنسان على هذا الأساس، بل أول ما ننظر إليه على أساس انتمائه الطائفي، ولعل السبب الأكبر لذلك هو تلكم المقولات التاريخية التي تحدثنا عنها، التي ورثناها عن بعض (رجال الدين) أطلقوها بطريق لاعلمي .

إذن إذا كنا نريد تصحيح كل ذلك فإن علينا أن نهجر ونسفه تلك المقولات اللاعلمية والتي فرقتنا وأوصلتنا الى الحضيض، وأن نبتعد عن هذا المنهج الذي قوامه : قالت السنة كذا وقالت الشيعة كذا وقالت الاباضية كذا و و، بل نقول هناك رأي يقول كذا ونرد عليه بالطريقة العلمية، فلو أن السلف من علمائنا أسسوا لهذه الطريقة لما تفرق الناس ولما توسعت الشقة بين الناس وأخذت أطوارا تفريقية مذهبية، ولكنهم غفر الله لهم ملكهم التعصب وانساقوا وراء الفتن المذهبية وحولوا الدين الواحد الى أديان .

إذن علينا ونحن نعالج تاريخ أقوال الأقدمين أن نترك ذلك النهج السلبي ونؤسس لأبنائنا وأجيالنا القادمة ما يوحدهم لا ما يفرقهم.

 

عصام الحسيني الياسري

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3442 المصادف: 2016-02-07 02:23:40