 تنوير وإصلاح

لا وجود لحداثة عربية

هذا أسوأ تزييف نعيشه .. نحن لم نعرف شيئا اسمه حداثة بالمعنى الحقيقي .. لم تكن "الحداثة" بالنسبة لنا سوى وسيلة لا غاية، وسيلة "للحاق" بالغرب، كي نصبح أقوى عسكريا وسياسيا وأحيانا اقتصاديا، لننافس الغرب أو نتحرر منه في أضعف الأحوال، بهذا المعنى لم نعرف بالفعل أية حداثة فكرية أو اجتماعية .. يكفي نظرة واحدة لنكتشف من هم حداثيونا؟ جنرالات، عسكر، وزراء، أبناء الطبقة الأرستقراطية والإقطاعية والبيروقراطية والإكليروس الديني، الذين سافروا إلى الخارج بغرض التعلم للإعداد لتولي مناصب آبائهم .. لم تكن حداثتنا نتاج صراع بين الفكر الباحث عن الحرية والجسد الباحث عن الإشباع مع قيود المؤسسات القائمة ولا نتاج النضال ضد الحكم المطلق والسلطة المطلقة للدين بالعكس كان ملوكنا ورجال ديننا هم أوائل الحداثيين، ولم تكن حداثتنا موجهة ضد هذه المؤسسات القمعية (العسكرية، الدينية) بل كانت موجهة أساسا ضد الآخر، الغرب الأقوى المستعمر، المختلف، الآخر الذي لا يكتفي بعدم اعتناق ما آمن به أجدادنا بل يجرؤ على انتقاد مقدساتنا ومقدسات أجدادنا والذي تناقض علومه كل ما نؤمن به وما آمن به أجدادنا .. حداثتنا هي مجرد خطوة تقنية لا أكثر لهذا لم ير حداثيونا أية حاجة لنقد أفكارنا الماضوية التي أصروا على منحها عصمة لم تتمتع بها حتى عندما وضعها أجدادنا أو حكامهم وساداتهم .. بالعكس كانت هذه الأفكار والأساطير هي شغلنا الشاغل .. أثبت بعضنا أنه لا يوجد تناقض حقيقي بين أساطير أجدادنا وبين الحداثة أما البعض الآخر فقد اكتشف في النصوص التي آمن بها أجدادنا كل ما أنتجته الحداثة.. لا يوجد فارق حقيقي بين تياراتنا السياسية والفكرية، جميعنا حداثيون بالمعنى التقني وماضويون بالمعنى الفكري والاجتماعي والسياسي، لا فرق هنا بين يمين ويسار .. وهذا ما يتضح اليوم فيما نقدمه للعالم .. ما نفترض أننا نقدمه للعالم الحداثي أو ما بعد الحداثي .. دعونا نقارن ما نقترحه على العالم اليوم مع ما قدمته البرجوازية عندما أرادت إغراء الفلاحين والبروليتاريين الأوائل للثورة على الملوك والكنيسة، وعدتهم بالحرية التي سمتها ديمقراطية وبالتقدم والرخاء الذي سيأتي بهما العلم المتحرر من الخرافة .. وعندما أراد ماركس وبعض المثقفين إغراء العمال للثورة وعدوهم بالعدالة المفقودة وبالمزيد من الرخاء وحتى ببعض الحرية في وقت لاحق .. ماذا نقدمه نحن اليوم لهذا العالم؟ من حسن البنا حتى ادوار سعيد : الحجاب، وعد بجنة بعد الموت ووفرة ورخاء سحريين سنبلغها بأداء الصلوات الخمس والاعتقاد بشخصيات اسطورية عاشت قبل مئات السنين وبرجم الزناة ورمي المثليين جنسيا الخ .. المصيبة هو أن هذه بالنسبة للغرب بضاعة قديمة، مارسها الغرب من قبل ونحن هنا نطالبه فقط بالعودة إلى ماضيه الذي فعل المستحيل للتخلص منه .. أما حداثاتنا "الأكثر جدية" و"جذرية" التي مارسها جلادون مثل أتاتورك وشاه إيران "المقبور" فلم تكن هي الأخرى شيئا جديدا أو حديثا في تاريخنا ومجتمعاتنا، كانت أشبه باستيلاء أتباع دين جديد على المنطقة وفرضه بالقوة، بالترهيب والترغيب على البشر تماما كما جرى في كل تغيير جذري طرأ على العقيدة السائدة في المنطقة، مع كل دين جديد جاء واستوطن بلادنا وعقولنا .. لم يكتشف أحد الإنسان بعد في الشرق .. لا نوجد ككائنات قائمة بذاتها، مستقلة، قادرة على التفكير بذاتها ولذاتها، نحن مجرد أعداد لا حصر لها ولا قيمة لها مكررة من نفس الشيء .. نكرر نفس الشيء، نؤمن بنفس الشيء، فنحن نؤمن لا نفكر، بالأحرى نجتر ما يلقى إلينا من أفكار، ما نلقنه من أفكار، وإذا لم تكن كلمات نبي آت من ماض سحيق أو قائد ملهم نعامله كإله أو نصف إله فإنه كلام فيلسوف ما نحتمي به كي نتفلسف ونفكر في الهوامش، خلافا لصرخة أرسطو بضرورة تجاوز معلمينا ودعوة ديكارت للشك ونداء نيتشه لتحطيم الأصنام .. نحن في الواقع متخلفون جدا عن المستوى الفكري والعقلي لمن نزعم أنهم أجدادنا .. لا يوجد اليوم من يشبه المعتزلة ناهيك عن المعري أو ابن الراوندي والرازي وابن سينا ... حتى "أكثرنا ثورية" و"حرية" يجد نفسه مضطرا ليختبأ خلف تصنيفات وأفكار مسبقة، محددة ونهائية وناجزة مطلقة أو نصف مطلقة، يخشى من أن يفكر أو أن يمارس الحياة دون الاستناد إلى إيديولوجيا سائدة ... أحد أفظع النكت الرائجة اليوم هو أحاديثنا الشائعة عن ما بعد الحداثة وعالم ما بعد الحداثة عندما ننصب أنفسنا حتى أكثرنا "رجعية" وهوسا بكل الخرافات الماضوية قضاة باسم الحداثة، كأننا ننتمي للحداثة أو كأننا قبلنا بها أو مارسناها أصلا .. كلمة أخيرة عن الهستيريا الأخلاقية التي تجتاح مجتمعاتنا عن أن انتشار "الفجور" و"التهتك" بالمعنى "الأخلاقي " السلبي هو ظاهرة جديدة علينا ونتاج لحداثتنا المزعومة ... إن تهتك وفجور الطبقة الحاكمة قديم جدا ويعود إلى بدايات ظهورها في صدر الإسلام وتهتك الطبقة المثقفة هو الآخر قديم وقد عاش الاثنان في عالمهما الخاص الزاخر بالجواري والغلمان والخمر والأغاني الماجنة جنبا إلى جنب مع أغلبية مغرقة في المحافظة وسلطة مطلقة للمؤسسة الدينية على العقل الجمعي .. المتوكل الذي يكال له المديح من أكثر رجال الدين تشددا "لإطفائه فتنة خلق القرآن" كان مدمنا للخمر ولاهثا وراء ما يسميه رجال الدين أنفسهم بالشهوات والملذات .. نحن نشبه المتوكل، حداثيون عندما يتعلق الأمر بالجيوش وأسلحة القتل والدمار الشامل، ماضويون عندما يتعلق الأمر بحرية التفكير، نبيح كل شيء ما دام لا يخدش الحياء العام، ولا شيء يخدش الحياء العام عندنا مثل القول بخلق القرآن أو القول بما لم يقل به أجدادنا أو التصرف والتفكير وكأننا بشر نملك عقولا أو يمكننا أن نمارس الحياة بحرية 

 

مازن كم الماز

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4589 المصادف: 2019-03-29 23:59:44