من منكم سيكون رسولاً لهذه الأمة؟! .. سادتي وزراء التربية والتعليم في عالمنا العربي والاسلامي..

دعوني أشرح لكم قضية هذه الأمة التي تنتظر منكم لا من غيركم علاج مشكلتها المزمنة.. إنها مشكلة النهضة.. فما السبيل الى طَرْقِ أبوابها؟

فما زالت فكرة النهضة عالقة في اذهان العرب والمسلمين دون ان يجدوا لها حلاً ومساراً عملياً سهل الارتقاء. وما زالت الأفكار النظرية تطرح حول أسباب تخلف المسلمين وعدم القدرة على ان يتجاوزوا واقعهم المزري منذ قرنين من الزمان. وقد يكون من المناسب ان تطرح الأفكار العملية القابلة للتطبيق بدل ان تسرح اذهاننا في الاطر المثالية أو البعيدة التحقيق. وقد يكون الحل ماثلاً أمامنا من دون ان نراه..

اننا نجد هذا الحل لديكم، فهو يعنيكم سادتي الوزراء ولا يعني غيركم..

اسمحوا لي بداية أيها الأفاضل أن أسأل أي نهضة نحتاجها ونريدها؟ فنحن نواجه أشكالاً من النهضة في مجالات عديدة علمية واقتصادية واجتماعية واخلاقية وثقافية. وكلها مطلوبة لكن تحقيقها جميعاً دفعة واحدة هو ضرب من الخيال. فلا غنى من ان نبحث عن وسيلة سهلة قد تحقق لنا الحد الادنى من بعض ما ذكرنا. وقد تكون هي الخيط الرابط لهذه السلسلة على صعيد المستقبل.

اذن لنبحث عن طريقة ما تؤهلنا بان نرتقي عما نحن فيه بنوع من الضمان دون عوائق كبيرة.. ولنتساءل أي نوع من النهضة قابلة للتحقيق في المستقبل القريب؟ ومَنْ باستطاعته ان يكفل تحقيق ذلك؟ هل من السهل تحقيق نهضة علمية.. أو اقتصادية.. أو ثقافية.. الخ؟

من المؤكد سادتي الوزراء انكم تدركون بان التفكير في نهضة علمية أو اقتصادية هو اليوم أمر بعيد المنال، فلا بد من ان يُترك الى مراحل لاحقة. لكنكم تدركون في الوقت ذاته ان الخوض في النهضة الثقافية ليس بالصعب العسير.. وهي المهمة التي تقع على عاتقكم سادتي الكرام.. فأنتم دعاة التثقيف والتعليم وبيدكم تتحقق رسالة هذه الأمة وشعوبها..

ان تحقيق النهضة الثقافية ليس امراً صعباً ولا مستحيلاً، وهي لا تتطلب الكثير من الجهود والاموال كما تتطلبها النهضة العلمية والاقتصادية مثلاً..

كذلك تعلمون سادتي انه لو خُيّر عقلاؤنا اي نهضة هي الافضل من بين الاطر النهضوية المطلوبة، لكان الجواب لا يتعدى النهضة الثقافية باعتبارها تتعلق ببناء الانسان ذاته، وهو الهدف الاسمى، وليس الحال كذلك في النهضة العلمية أو الاقتصادية، فهي وسائل هامة لخدمة الانسان لكنها لا ترتقي الى بناء ذلك الهدف.

فمثلما يحتاج الانسان الى الرغيف ليعيش، فهو يحتاج الى الثقافة لينمو عقله وتسمو روحه..

والكثير منا حينما يفكر في النهضة يتبادر الى ذهنه النهضة العلمية والتقنية. رغم ان هذه النهضة قد تكون أداةً لاستعباد الناس كرهاً وطواعية، فعلى الاقل انها تدفع بالناس اليوم ومنذ الطفولة الى ان يكونوا أدواتاً استهلاكية فحسب، واصبح العالم الغربي المتقدم علمياً يهدف الى تحويل الانسان الى أداة للشراء واللهو، وآلة تُدفع به هنا وهناك، وكأنه رجل آلي (Robot) يفتقد الى الروح والحياة.

لذلك كانت المسؤولية الملقاة على عاتقكم سادتي الوزراء كبيرة للغاية.. فإحياء الأمة وبعث الحياة فيها متوقف عليكم انتم بالذات..

إن مما يؤسف له ان الغرب المتقدم علمياً لم يتمكن من ان يصنع ما يوازي هذا التقدم من نهضة ثقافية. فالمثقفون ما زالوا فئة قليلة، أما اغلب الناس فهم أدوات للتحكم واللهو والاستهلاك.

قد تغيب هذه الحقيقة على كثير منا، فعندما يقال ان للغرب تقدماً علمياً وان لديهم فلاسفة كثيرين ومثقفين وأدباء وفنانين ومؤلفين وما الى ذلك.. قد يتصور البعض انهم قد حققوا النهضة الثقافية مثل تحقيقهم للنهضة العلمية والتقنية الظاهرة للعيان.

لا يغيب عليكم سادتي الأفاضل.. إن الفارق بين النهضة العلمية والثقافية هو ان الأولى محكومة بأقلية تخصصية، وليس الحال كذلك في النهضة الثقافية، فهي معنية بكل فرد وانسان، اذ يفترض ان يكون كل فرد مثقفاً ليحقق انسانيته، ولا يفترض ان يكون كل فرد عالماً. ولو استعرنا لغة الفقهاء تسامحاً فان الوجوب في الاول عيني، وفي الثاني كفائي. لذلك فان الغرب قد حقق بالفعل نهضته العلمية وما زال يتقدم باضطراد، لكنه بحسب الموازين الانسانية ما زال لم يفعل شيئاً ذا بال حول النهضة الثقافية، بل ان النهضة العلمية قد جاءت على حساب النهضة الأخيرة، مع ان الحاجة اليها هي كالحاجة للضرورة الاخلاقية، فلا غنى من ان تتنمى وتثمر قبل ان يدمرها التقدم العلمي، وكل ذلك يكون على حساب الانسان ذاته. فالتقدم العلمي ان لم تكون معه موازين التقدم الثقافي والاخلاقي يكون كالأعمى الذي يتخبط في ضلاله. وعليه ينبغي ان تكون النهضة الثقافية متقدمة على النهضة العلمية والاقتصادية وصائنة لغلوائهما. ولو استعرنا تقسيم الفيلسوف الفرنسي لويس روجيه (المتوفى عام 1982) للحضارة الى نمطين كيفية وكمية؛ فإننا بصدد بناء حضارة كيفية كما تجسدها الثقافة الانسانية، وذلك في قبال الحضارة الكمية المتمثلة بالعلم القياسي التجريدي كما يزاوله الغرب، وهو اليوم يتجلى بأبلغ صوره لدى أمريكا.

ولا يغيب عليكم – أيّها الأفاضل - انه ينتظر من النهضة الثقافية ان تكون دافعاً للنهضة العلمية والاقتصادية وغيرها من الاطر النهضوية.. فهي الاساس الذي يبنى عليه بما يخدم كينونة الانسان وليس على حسابه كما نشهده اليوم من الازمة الانسانية لدى الدول المتقدمة علمياً ناهيك عن غيرها.

هنا بيت القصيد سادتي الكرام.. ان عليكم مهمة جعل الشعب الذي يترأسه كل واحد منكم ان يكون شعباً قارئاً مثقفاً يتميز بحلية الاطلاع والنقد.. انكم من يمكنه خلق هذا الشعب الذي سينفرد بين الأمم ليكون شعباً مثقفاً من ألفه الى يائه..

انكم من تتزعمون هذه الرسالة العظمى لتُنقذوا بها شعوبكم والبشرية من الانحرافات الانسانية.. وبذلك تجسدون رسالة السماء على الارض..

لا تسألوني كيف؟ فانتم ادرى بعملكم.. لا يضركم شيئاً لو جعلتم حصة الزامية لموضوع المطالعة، كسائر الحصص التعليمية، بل ان هذه الحصة ستكون افضل من غيرها لأنها ستلزم الطالب منذ مرحلة الابتدائية ان يعتاد على المطالعة الخارجية وان يرغب فيها شيئاً فشيئاً حتى تترسخ فيه الهواية والمهارة في الاطلاع والنقد والبحث والابداع، وهو الهدف ومحل استواء العود وتخلية السبيل.. ومن الواجب ان يكون في كل مدرسة مكتبة تتلائم مع المستوى الدراسي لها.. وان تكون متنوعة في الأدب والفكر والعلم والفن.. وان تكون البرامج التعليمية غير مؤدلجة قدر الامكان.. مع التأكيد على أهمية القيم الانسانية المشتركة وفلسفتها، واحترام الناس جميعاً مع احترام الرأي المخالف واخلاقية الحوار.. كل ذلك يحتاج الى اساتذة مدربين يتحلون بهذا النحو من التدريس.

يضاف الى ان من الضرورة ان توضع حصة لتعليم طرائق النقد، على الصعيد الفكري والعلمي والادبي وما الى ذلك، وهي الحالة التي تعمل بها المدارس الغربية في مرحلة الاعدادية ضمن عنوان التفكير النقدي Critical thinking.

ان كل ذلك سيؤدي بالشعب الى ان يكون شعباً مثقفاً وناقداً، وانه بهذا سوف لا يستسيغ العنف والتطرف والارهاب، كما لا يستسيغ التبعية الى الجهات التي تعتاش على التفكير بالنيابة عن الناس، مستغلة جهلهم وتخلفهم، كما ليس من السهل استغلاله داخلياً أو استعماره خارجياً.. ان هذا الشعب سيكون مثقفاً وناظراً مميزاً وحاملاً للقيم الانسانية المشتركة السامية والمصالح الوطنية باعتبارها الجامع الذي يجمع المواطنين تحت سقف البلد الواحد.. أياً كان هذا البلد.

 

إن العنف الذي يمارسه بعض المسلمين رداً على الاساءة للنبي وسائر المقدسات قد يوحي بأنه دفاع مشروع، وان الاسلام يؤيد هذا المنحى بقوة، لا سيما وقداسة النبي لا تضاهيها قداسة اخرى من خلق الله جميعاً .. قد تكون كل المؤشرات تعطي للانسان الغربي ان طبيعة هذا الدين يحمل عنفاً .. كما قد تكون كل المؤشرات توحي للانسان المسلم العادي ذات المعنى.. فالكثير من الفقهاء وهم يمثلون الجهة الرسمية للاسلام كانوا وما زالوا يصرحون بأن سبّ النبي يوجب القتل.. وهم يستنجدون ببعض الروايات الدالة على هذا المعنى .. وبعض المذاهب تزيد على ذلك الائمة من بعد النبي، كما ان بعض الفقهاء يبيح التكفير أو القتل لمن يتناول الصحابة أو نساء النبي بسوء .. مع ان هناك روايات اخرى ترى العكس، ومنها ما جاء في صحيحي البخاري ومسلم من ان رهطاً من اليهود دخلوا على النبي فقالوا (السام عليكم)، ففهمت ذلك السيدة عائشة، حيث معنى السام هو الموت، وردّت: عليكم السام واللعنة، لكن النبي لم يتقبل هذا الرد فقال: مهلاً يا عائشة إن الله يحب الرفق في الأمر كله.

وفي جميع الاحوال قد يرى المراقب من اين يؤتى بشاهد موثوق مناقض للمؤشرات والمناحي التي أسسها الفقهاء وكان ينفذها شرذمة من الحمقى المتحمسين الذين جعلوا أنفسهم مطايا يوظفها ويستغلها اصحاب المناصب السياسية غربية كانت أو شرقية؟.. فحماقة شخص ما ثروة لآخرين، كما يقول الفيلسوف الانجليزي فرانسيس بيكون.

قد يتصور الانسان الغربي بأن من نفّذ جريمة باريس، ومن كان له استعداد للانتقام من المسيئين في ضاحية (فيبي جي) الدنماركية وغيرها من البلدان الاوروبية، هو من يمثل محمداً خير تمثيل دفاعاً عن شخصه المقدس.. انه الانتقام والعقاب الشديد القادم من أتباع دين الاسلام العنيف.

إن الانسان الغربي معذور اذ يرى أتباع محمد متحمسين للانتقام والعنف والغلظة دفاعاً عن مقدساتهم..

من جهة أخرى، إن أتباع محمد المنحازين للعنف يرون أنفسهم بأنهم مؤمنون ومتفانون ويطبقون حدود الله ولا يخافون في الله لومة لائم. فكيف لا يجسّدون بفعلهم المشار اليه مراد الشرع ومطلب الدين ورغبة النبي في قتل من يسيء اليه وبدينه، خاصة حينما تبدي الاساءة امعاناً في الكراهية والعنصرية والبذاءة.

إن الدين بنظر الانسان الغربي وبنظر الكثير من المسلمين المتدينين يرحب بالانتقام والعقاب الشديد كردّ على المزدرين. فهذه الصورة هي الراكزة اليوم لدى أذهان الكثير من الناس بشكل أو بآخر.

إن الجميع يرى كيف ان بعضاً من الشباب المتدين متحمس للأفعال الشنيعة، ويدعمه في هذا فتاوى الفقهاء، كما وهناك مؤسسات مالية تعمل على رفد هذه الجرائم دفاعاً عن المقدسات الاسلامية.. يضاف الى ان هناك من يتمناها أو يخطط لها من أصحاب القرارات السياسية لايجاد العذر والمبرر في القيام بالمخططات العسكرية، ومن ثم شنّ حرب عدوانية يذهب ضحيتها أعداد ضخمة من الأبرياء، مع تفتيت البلدان المعنية بهذا الشأن أو السيطرة عليها لتدفع فواتير الحساب المطلوب.

تبدي هذه الصورة بأن الجميع متآمر في سحق الناس، سواء من المتحمسين المدافعين عن المقدسات بالعنف والجريمة، ومن يقف وراءهم من المشرعين، أو من المسيئين ومن يعانقهم بركب الموجة من السياسيين والمخططين ذوي المصالح والاطماع.

ويبقى المنظار هو ان دين الاسلام هو المتهم الاكبر والضحية العظمى، فالغرب ينظر اليه بانه دين القتل والعنف والانتقام.. اذ لا يبالي بالجريمة لاتفه الاسباب، ومن ذلك الحكم بالموت على من يستهزئ بالرموز الدينية، أو من يختلف معه في الهوية ولو كان من الابرياء وحتى الاطفال.

ما ابشع هذا الدين.. انه دين القتل والخراب.. لا يتجاوز عن السيئة بل يرد عليها بما هو أسوء منها بكثير..

هذا ما يفهمه الانسان الغربي وهو يشاهد مشاهد تتكرر للعنف والقتل الوحشي بدواعي القداسة الدينية..

ويؤيد هذا التوجه التفكير المستشري لدى الكثير من الشباب المتحمس حول ضرورة الانتقام بكل من يمس الرموز الاسلامية بسوء.. كما ويؤيد هذا المنحى فتاوى الفقهاء التي هي البلية العظمى، باعتبارها المشرع الاساسي للدين بوعي وعلم..

يا إلهي.. أين الخطأ؟

هل الخطأ في الدين نفسه؟ أم الخطأ في توجه الكثير من المسلمين وعلى رأسهم الفقهاء.

وكيف نقطع في خطأ أي منهما؟

هل أصاب الفقهاء عندما صوروا لنا فضاعة العقاب لكل من ينال الرموز المقدسة الدينية؟ هل الدين يأمر بالقتل في حالة الاساءة الى شخص النبي أو الاستهزاء به أو بالقرآن مثلاً؟

أي مصدر يمكن ان نجد فيه ما يشفي غليلنا لحسم هذه القضية، لصالح الجناة القتلة المجرمين، أم لصالح المستهزئين ذوي الرسوم الكاريكاتيرية؟.. لصالح الشقيقين سعيد وشريف كواشي، أم لصالح شارلي إيبدو..؟

ليس من العجب ان نجد الجواب واضحاً جلياً لا غبار فيه لدى القرآن الكريم، لكن من العجب فعلاً ان نرى فتاوى الفقهاء وممارسات المسلمين على النقيض من الجواب القرآني تماماً.. وكأنهم لم يمروا بآياته الواضحة الصريحة بهذا الشأن.. كيف استساغ لهم ان يفتوا ويحكموا بقضايا كبيرة خلاف ما اتى به القرآن؟ كيف استساغوا ان يرجحوا ما جاء من رواية على دراية القرآن وهو المصدر الذي لم تمسه يد التحريف؟.. أم اننا نكتشف في القرآن أشياءاً لم يرها أسلافنا من قبل؟!..

يذكّرني هذا الحال بما شعر به بعض العلماء من الخجل حول بعض الدلالات الهامة في القرآن، اذ تنبّه اليها بفعل التأثر بالغرب ولم يلتفت اليها اسلافه من العلماء؛ رغم وضوح دلالتها في القرآن. فهذا ما حصل بداية القرن العشرين مع الشيخ حسين النائيني في الوسط الشيعي، ومن قبله وقريب من ذلك مع السيد رشيد رضا في الوسط السني.

إن الغربيين معذورون تماماً عندما يتصورون بأن طابع الاسلام يحمل عنفاً بدلالة ما يشير اليه علماؤه وما يفعله البعض من ممارسات شنيعة. لكن كيف نجد العذر للمسلمين.. والعلماء منهم على وجه الخصوص؟!..

ألم تمرْ عليهم أخلاقية هذه الآية العظيمة: ((وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا)) (الفرقان: 63)

لست بصدد اخلاقية هؤلاء العباد الذين يمشون على الارض بسكينة ووقار والتي نكاد نفتقدها اليوم في عالمنا الاسلامي تقريباً.. وهي صفة لا تتناسب مع صفات الانتقام والعنف والكراهية والغلظة.. بل يكفي التأمل في الاجابة التي يردّون فيها على من يسيء اليهم ويستهزء بدينهم بالقول (سلاما). وهي ذات الاجابة الواردة في قوله تعالى: ((وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ)) (القصص: 55).

فقد كانوا يتحلون بالصفح والحلم والسلام، وانهم لا يردون بالمثل، بل يقولون خيراً، ومنه قولهم (سلام عليكم).

وقد جاء في رواية حسّنها علماء الحديث ما يؤيد هذا المنحى، وهو ان رجلاً كان يسبّ أحداً من اصحاب النبي وهو يرد عليه في كل شتيمة: عليك السلام..

بل ان الآيات القرآنية لم تأمر بمقاطعة الذين أساءوا للنبي والدين والقرآن، شتماً واستهزاءاً، وربما وصل السب لمن أنزل القرآن كما يشير الى ذلك بعض المفسرين، انما أمرتْ بالإعراض عنهم حتى يخوضوا في حديث خارج دائرة الاساءة. وكما قال تعالى: ((وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ)) (النساء: 140)، والسورة مدنية وليست مكية.

ومثل ذلك قوله تعالى: ((وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ۚ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَىٰ مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)) (الانعام: 68). وقد كان المشركون يؤذون النبي وينعتونه بأقذع الهجاء، ومنها قولهم إنه كذّاب وساحر ومجنون بنص القرآن الكريم، ومع ذلك لم يُعرف أنه بادلهم الرد والأذية، فهو كما وصفه القرآن: ((وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ)) (القلم: 4).

لا ينبغي للمسلم أن يبادل البذيء بالمثل، وإلا كان مثله بذيئاً، فإما أن يتجاهله ويعرض عنه، أو يردّ عليه بالخير والاحسان: سلام عليكم.. فهذه هي قاعدة القرآن المثلى في الحياة.

كم تمنيت أن يُرفع أمام كل اساءة للمقدس الديني شعار الرد القرآني: (سلام عليكم سلاما) وأن تكون أقمصة المسلمين مرصّعة بنقش هذا الشعار العظيم.

آه.. لو ان ذلك قد حصل من قبل، بدل الجرائم النكراء، لدخل الناس الى هذا الدين أفواجاً..

لذلك فنحن لا نستحق تمثيل الاسلام أو نمتّ اليه بصلة.. فقد فشلنا فشلاً ذريعاً ونحن نضرب بأخلاق القرآن عرض الحائط.. وكم اتمنى ان يلتزم بهذا الدين أناس طيبون من بيئة أخرى غير بيئتنا التي اعتراها الفرقة والظلم والفساد.

ونؤكد بأن الأعداء الحقيقيين للاسلام ليسوا جماعة صحيفة شارلي إيبدو، ولا سائر المزدرين من ذوي الاقلام والافلام والرسوم الكراكاتيرية، بل ان الأعداء الفعليين هم أتباعه المجرمون الذين خالفوا أخلاق القرآن ومثله وآدابه الانسانية. هم اولئك المشرعون للعنف والقتل.. هم اولئك المتحمسون للجرائم النكراء التي يندى لها الجبين وتُمارس بإسم المقدس الديني، وهم يدنسونه بحماقاتهم الدموية والعدوانية.. وكان الأَولى ان يُعرضوا على الاطباء النفسيين للكشف عن قلوبهم الميتة التي لم يستطع الاسلام احياءها.. لا سيما ان الكثير منهم قد يكون جديد عهد بالتدين وانه قبل تعرضه الى غسيل المخ كان يرتاد نوادي القمار وبيوت الدعارة وسائر البغي والفحشاء.

بلا شك ان الجرائم التي ترتكب بإسم المقدس تجعلنا نشعر بالأسى والحزن العميق، فهي جرائم لا تعرف الحدود، ولا تميز بين البريء والمسيء، فمثلما يُقتل الانسان لاساءته، فانه يُقتل ايضاً على الهوية بلا ذنب، كالذي حدث مع اهلنا الطيبين من المسيحيين والايزيديين بأيدي وحوش لا يُعرف لهم عرق ولا خُلق ولا دين.. إنهم شياطين الإنس الذين يظهرون في كل زمان ومكان، وفي كل بلد وملة ودين. اذ تُتخذ الجريمة ذات العنوان، وأول ضحاياها هو الدين نفسه. فهو المذبوح على يد المدنس بغير سكين.

حزننا الشديد لما يقوم به المعتوهون من جرائم بحق أي انسان وإن أساء الى مقدساتنا.. ويزداد أسفنا لما تتخذه تشريعات الدول المتحضرة من معايير مزدوجة حول حرية الرأي والتعبير، فمن العار والجريمة ان يهان ويُستفز ما يقارب ملياري انسان بنشر الكراهية والعنصرية بحجة حرية التعبير، فيما تُقيد حريات الرأي حول بعض الحوادث التاريخية واعتبارها حساسة؛ الى درجة ان يعاقب القانون على التشكيك في المسلمات المعتمدة حولها!

أشير أخيراً: لو كنت في موقف لا يُحسد عليه؛ بين المسيء للمقدسات بسياساته البذيئة، وبين هؤلاء القتلة من دون موقف ثالث، فسوف لا اتردد في أن أكون مع المسيء البذيء دون ان الطّخ يدي بقتل الناس جميعاً كما هو صريح القرآن الكريم لمن يقتل بغير نفس..

ألا لعنة الله على الظالمين من أي فئة كانوا.. ألا ان اكرمكم عند الله اتقاكم من أي فئة كانوا..

 

يحيى محمد

باحث ومفكر عراقي / بريطانيا

www.fahmaldin.com

ali raadalftlawiالانبياءُ بشر يصيبهم ما يُصيب الناس، والدنيا كلها قائمة على قانون كوني فيه جلب ودفع، والأنبياء ليسوا خارجين عن هذا القانون وكذلك الأئمة من أهل البيت عليهم السلام والصالحين، وقد رأينا ذلك في سيرتهم العطرة في الجوع والعطش والفقر والقتال والاستشهاد .

أما المُعجزات فهي لِتأييد الوحي الذي أُنزلَ على الانبياء، وإنْ عُمل به قد يؤدي إلى السيطرة الكاملة على مفاصل الحياة وقد حصل أَنْ كان مثلُ ذلك مع النبي سليمان عليه السلام حيث سُخر له الريح والجنّ والطير ولكنه بقي قاصراً أمام رب العزة والجبروت، فقد آتاه اللهُ مُلكاً عظيماً لم يؤته أحداً من قبله ولن يعطى لاحدٍ من بعده الى يوم القيامة حيث استجاب الله تعالى لدعوة سليمان عندما دعي ربه فقال {رَبِّ اغفِر لِي وَهَب لِي مُلْكاً لا يَنبَغي لِأحٍد من بعْدِي} .

لكنه في موضع آخر من القرآن الكريم قال {وتفقد الطير فقالَ مالي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين}.

فلو كان نبي الله سليمان يعلم الغيب لعلم أين مكان الهدهد والى أين ذهب، لذلك فسيكون مخطِئاً ومتالها من نَسب الى نبي أو ولي صالح إحدى صفات الله تعالى شأنه، كمثل علم الغيب أو قُدرة الإحتواء على الوقت والأماكن والأزمنه أو غيرها من صفاة محصورة فيه وتحت قبضته سبحانه وتعالى .

فالله عز وجل له العلم والقدرة المطلقة على الكائنات وليس للكائنات قدرة على أن يتقمصوا أي صفة من صفاته، وهو رب العِزة والجبروت له الكمال المطلق وهو وحده قادر على احتواء كُلَّ حركةٍ في هذا الكون ليتواجد بعلمه لا بذاته {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} .

نعم إنَّ البشر باختلاف درجاتهم من أنبياء وصالحين وعلماء ودُعات هم سواسية في الجوارح والاحاسيس والطباع البشرية التي جُبلوا عليها وفطرهم الله عليها عندما خلقهم لكنه اصطفاهم على العالمين لحمل رِسالاته، لذلك كانوا أشد الالتزام بالضوابط العبادية والشرائع الكونية لذلك كانوا هم قدوة للناس والاتباع في درجات العبادة وسلوك الطريق المستقيم لأديانهم السماوية ولا يوجد إنسان مهما كانت درجته عند الله تعالى أن يملك يوم القيامة فرج لأحد من العالمين أو أن يُصدر القرار ويتحكم بنجاة أي إنسان مهما كانت قرابته ويتضح هذا المعنى في حديث رسول الله (من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه) شرح نهج البلاغة19/331 (إن ولي محمد من أطاع الله وإن بعٌدت لُحمتُه (نسبه)، وإن عدو محمد من عصى الله وإن قرُبت قرابتُه) شرح نهج البلاغة18/252.

ويتأكد كذلك هذا المعنى ايضاً في القرآن الكريم بقوله تعالى {يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ} الانفطار 19

أما أمر الشفاعة ومدى سعة الانتفاع منها فهو مرهون برضى الله عن عبده مصرحاً بقوله {من ذا الذي يشفعُ عنده الا بإذنه} البقرة،255

والمعنى أنه لا أحد يشفع عنده بدون إذنه، فالشفاعة كلها لله تعالى، ولكنه تعالى إذا أراد أن يرحم من يشاء من عباده أذن لمن أراد أن يكرمه من عباده أن يشفع فيه، ولا يبتدئ الشافع قبل الإذن من ربه، ولا تأتي الشفاعة بتقديم الطلبات والهدايا الدنيوية للأنبياء والرسل، أو التوسل بهم كي يكونوا شفعاء للناس بل هم جاهزين لذلك إذا تحقق رضى الله وبدن هذا فعبثاً يحاولون استمالتهم والتأثير عليهم بكسر الإرادة الإلاهية .

وقد سَمِعْتُ وشاهدتُ بعض الخطباء يصرفون من صفات الله تعالى للأنبياء والائمة والصالحين، وهذا من الغلو الذي نهى عنه الله ورسوله وأهل البيت عليهم السلام، ولابد من ترك هذه العادة السيئة القائمة على ترويج قصص الخيال الديني والخرافات التي أكل عليها الدهر وشرب، والافضل الالتفات الى تعليم الناس مبادئ دينهم الذي ارتضاه الله لهم والكف عن تجهيل الناس بقصص الغلو والخرافات، التي يُعاب على الناس تصديقها والتمسكُ بها لتنخر في عقيدتهم السليمة حتى تقضي عليها أو تسلبهم إنسانيتهم التي منحها لهم ربهم من فوق سبع سماوات، ومن حيث أن أكبر آفة من آفات العقل الإنساني وأهم عامل يُبعد الإنسان عن مراحل الإنسانية هو التقليد الأعمى والتعصب الجاهل.

وهناك ايضاً اسباب كثيرة وراء تصرفات بعضّ خطباء ووعاظ الدين في التركيز على دعوة الناس الى (التقليد الأعمى) ولعل أهم هذه الأسباب وقد يكون معروفاً مُسبقاً وهي سرقة ما في جيوب الناس بعد تغيبهم وسوقِهم كالأنعام الى حضيرة الجهل والعبودية بالتقليد الأعمى الذي عرفه علماء العقائد بأنه انقياد واستسلام لمرجع الدين في الصغيرة والكبيرة وفي الاصول والفروع دون قيد او شرط ودون اعتراض و تفكر بالرجوع لكتاب الله في المسائل المهمة الاصولية التي لا تقليد فيها كما ذكر ذلك علماء دين من مجمل الفرق الدينية الاسلامية وغيرها ولعل أوضحها كمثال قول السيّد المرتضى في رسائله [ولا يجوز أن يكون في الأُصول مقلّداً؛ لأنّ التقليد في الفروع إنّما جاز من حيث أمن هذا المقلّد من كون ذلك قبيحاً - يعني: الاستفتاء - وإنّما يأمن منه لمعرفته بالأُصول، وإنّها سوّغت له الاستفتاء فقطع على صحّة ذلك؛ لتقدّم علمه بالأُصول الدالّة عليه..

والأُصول لا يمكن التقليد فيها على وجه يقطع على صحّته ويؤمن من القبيح فيه، لأنّه ليس وراءها ما يستدلّ إلى ذلك، كما قلنا في الفروع، فلا بدّ أن يكون عالماً بصحّة الأُصول، إمّا على الجملة، أو على التفصيل] رسائل المرتضى .

هناك ايضاً وصف آخر بليغ ذكره مجموعة من أهل العلم واصفين به التقليد الأعمى، حيث قالوا: أنه لو كان هناك حمار مربوط بحبل نهايته على رأس فأر صغير فكلما تحرك الفأر الصغير تبعه الحمار مع الفارق الكبير في الحجم والوزن.

وقد توصل علماء الاجتماع بعد تتبع كثير إلى قاعدة كلية تقول [إن قوة درجة روح التقليد تتناسب عكساً مع قوة العقل والإرادة] علم الاجتماع ج١/ص٩٢-٩٦ .

لِأن أصحاب العقل هم فقط الأشخاص الذين يحكمهم ناموس الاقتباس الواعي، أي لا يقتصرون في نظرتهم إلى ما حولهم على عادات وتقاليد الجمود التي ورثوها عن آبائهم وأجدادهم، بل يسعون الى تحطيم كل ما من شأنه عرقلة الوصول الى الفهم كما وصفه الله تعالى المقلدين دون الفهم بقوله {وإذا قيلَ لهم اتبِعوا مَا أنزَلَ الله قالوا بل نتبعُ ما ألفينا عليهِ آلاءنا أولو كان آباؤُهُمْ لا يعقلون شيْئاً ولا يهتدون} البقرة ١٧٠

وكما أنهم لا يجعلون قلوبهم محلاً ينعكس عليه كُل شيء مهما كان منحطاً أو سيئاً، لذلك فهم يفتحون أعيُنًهم وآذانهم تجاه الأصوات والحركات والمعاني الراقية التي تكسر العبودية وتحطم الجمود في الحياة الدنيا وما يجدونه حسناً وصالحاً يختارونه بكل تعقل وفهم ثم يتَّبِعونه.

وهذه الآية دليل ومصداق وإشارة الى أهمية معنى كمال قوة العقل باعتماد الادلة الصحيحة {فبَشِّرْ عِبادِ * الذينَ يستَمِعُنَ القولَ فيتبِعونَ أحسنَهُ أُوْلئك هُمْ أولوا الأَلْبَاب} الزمر ١٧-١٨.

ولقد توسعنا قليلاً في التعريف والتحذير من التقليد الأعمى لِأنه أحد الأسباب المهمة المؤدية الى الغلو في الانبياء والرسُل والصالحين فجميعهم بشر اجتباهم الله واصطفاهم على سائر الناس، وفضّلهم بالنبوة والرسالة، وجمّلهم بأحسن الأخلاق كما هو بائن في آيات القرآن الكريم التالية .

قال الله تعالى: {وما أَرْسلْنا منْ قَبلِكَ إلا رجالاً نوحي إليهم فاسألوا أهلَ الذكر إن كُنتُم لا تعلمُون } النحل فهُم يتصفون بأنهم أفضل الخلق إيماناً وعلماً وعملاً وتعبداً، وأخلاقاً وتواضعاً،

وهؤلاء الرسُل مخلوقين كما خُلقت جميع الكائنات الحية يأكلون ويشربون وينسون وينامون ويمرضون ويموتون، وهم كغيرهم من البشر لا يملكون شيئاً من خصائص الربوبية والألوهية، ولا يملكون لأنفسهم ولا لغيرهم من الأمر شيء ، إلا أنهم معصومون في تبليغ رسالات ربهم بكل أمانة وعزم، لكنهم في نفس الوقت لا يملكون النفع والضر لأحد إلا في الإرشاد والنُصح والتبليغ وكذلك في باب الدُعاء إذا طُلب منهم في حياتهم الدُعاء فإن دعوا لِأحدٍ في حياتهم التي كانوا يعيشونها بين الناس تحقق بمشيئة الله تعالى استجابته لنفوسهم الطاهرة.

أما خزائن الله جل جلاله فالأنبياء لا يمكون منها شيء ولا يعلمون الغيب إلا ما أطلعهُم الله عليه لأجل تحذير البشر أو لِأجل الاتعاظ، فهُمّ قدوةٌ للبشر في الإيمان، والطاعة، والعبادة، والعمل الصالح، والخلق الحسن وعليهم ما على البشر من حساب، لكنهم لا يملكون النفع والضّر وليس بأيديهم

قال الله تعالى: {قُلْ لا أملِكُ لنفسي نفعاً ولا ضراً إلا ما شاء الله ولو كُنت أعلم الغيب لاستكثرتُ منَ الخير وما مسنيَ السوءُ إنْ أنا إلا نذيرّ لِقومٍ يؤمنون } الاعراف ١٨٨.

ويتبعهم في هذه الصفات الخُلقية والعبادية الائمة والصالحين من عباد الله ، فهم أحوج الى الله وليس لهم قدرة إلاهية أو صفة كونية يمتلكونها أينما ذهبوا ورحلوا بل هي طاعة الله وتقوى تَحَلّوا بها وأُمروا بتطبيقه ليكونوا مثالاً وقدوة.

ومن لُطْفِ اللهِ بعباده، أن أرسل إليهم رُسُلاً من البشر، إذ لو كانت الرسل من الملائكة ما أطاق الناس رؤيتهم ولحدثة النّفرَةُ منهم،

وإرسال رسول من البشر يؤدي إلى السكنة والأنس وتآلف الطباع، وهم وإن كانوا بشرا، فكان من لطفه سُبحانه أن أرسلهم من جنس البشر فلو كانت الرسل من الملائكة ما أطاق الناس ذلك ، وعليهِ اقتضت حكمتهُ أن يجعل رُسله إلى الناس من البشر، لأن كل جنس يأنس لجنسه، وينفر من غيره، وهو أعلم حيث يجعل رسالته .

 

ولما كان الغلو هو تجاوز الحد الشرعي بالزيادة اعتقادا أو عملاً ، كانت المتاهات مترتبة على ذلك من اصحاب المصالح من مرشدين الاديان وخطبائهم وسيق على ضوء ذلك العباد اليها زمراً مستغلين في ذلك سذاجتهم وحبهم وشغفهم الى أهل الدين ورموزه .

إنَّ دين الله جاء لإخراج الناس من الظلمات الى النور لا دفعهم الى الجهالة والضلال، وجاء لوضع الميزان وإحقاق العدل، فهو بين الغالي والجافي ممزق ومغيب وضائع ، لهذا جاءت الشريعة بذم هذه الامراض العقلية من تفريط وغلو ولأنها شريعة عادلة لا ترضى بالضّيم والجور وسلوكها منهج وسطي الاعتقاد كي يساعد في التوازن والحيلولة دون السقوط في فخ التدمير والتطرف العدواني الذي استباح بلادنا الاسلامية باسم الاسلام والاسلام بُراء مما يُصنع به على أيدي المشعوذين والغُلاة في قتل ونحر الناس البسطاء وتدمير المدن وحرق التنمية والرفاهية .

إن ما تمر به الامة هذه الايام من تمزق وتشرذم على أيد التطرف الارهابي من اتباع القاعدة بالأمس وما يسمى بداعش اليوم لا يرضي عدو ولا صديق، نعم إنها مأساة بمعنى الكلمة، فلا يخفى على الجميع ما صنعه أتباع القاعدة في السنين المنصرمة من مفاسد جمة للأمة الإسلامية والعالم أجمع واليوم تخرج علينا بثوب جديد فتوغل بالفساد من ذبح الناس وتشريدهم أو تهجيرهم قصراً ، ولا يسعني في هذه اللحظة إلا أن أضع القلم وأتنهد تحسُرا مرتين،

مرةً : لضياع الامة تحت رحمة هؤلاء المُغيبين عقلياً والمُسيرين من جهات ظالمة عدوة الوعي والحرية والإنسانية .ومرةً : على الانسانية المذبوحة بخناجر هؤلاء المارقين، والحُزن يزداد على حال الأمة الإسلامية التي ترتع في مستنقع من الجهل والخرافات على أيدي دُعاة التخريف والتجهيل لقيادة المجتمع الى بئر عميق من الظلمات لا أول له ولا آخر ظلمات بعضها فوق بعض ينساقُ الناس اليها عُمّيان لا يفصلهم عنها سوى بصيص من نور الحروف المهملة من أيدي أهل التنوير والنصح والارشاد والتي تتلألأ في ظلام حالك تنتظر من ينسجها في كلام يدعوا الى الوعي والسلم وتبقى الحاجةُ الماسةُ الى مَد يدِ العون الى العقول الحائرة المتسائلة التي لا تهتدي الى إجاباتٍ صادقة شافية .

ولا يسعني في هذه المناسبة إلا أن أوجه نداء إلى الباحثين والخبراء المتخصصين في الدراسات الاسلامية بأن يوجهوا أقلامهم الى محاربة جهالة التكفير التي منبعها دعوات الغلو في الدين (كأحكام وحدود) أو (كبدع وغلوا في الأنبياء والصالحين في تجميد العقل والانسياق وراء دُعاتِه)

والمساهمة الفاعلة في توجيه طبقات المجتمع كافة نحو الوسطية في الدين والدُنيا لتحجيم خطورة نزعة الغلو والتطرف والله من وراء القصد والحمد لله رب العالمين.

 

علي رعد الفتلاوي

                 

majed algarbawiaلقد صار النص الديني ذخيرة حية في الصراعات السياسية، واخذ كل فريق يحشد ما لديه من نصوص وروايات لاثبات شرعيته او للطعن بمعارضه

العنف الذي مارسته الحركات الاسلامية كان تجسيدا لرؤى ومفاهيم دينية مثل: (الجهاد، الحاكمية، والجاهلية، وكفر او انحراف السلطات الحاكمة، بل والشعوب المسلمة على بعض الآراء)[1] تمت قراءتها وفقا لفهم هذه الحركات. ولكي نفهم اسباب ظهور العنف علينا دراسة هذه المفاهيم وتحديد مدى تأثيرها على الفكر الحركي للحركات الاسلامية، وتقصي الاسباب الاخرى التي كانت وراء ظهوره على نمط من السلوك من قبل جماعات كان يفترض ان تكون مثالا للتسامح والعفو والرحمة، لأنها وليدة قيم دينية اتسمت بانسانيتها العالية. لكن قبل ذلك نؤكد ان السبب الرئيس وراء العنف والتطرف الديني هو سبب عقائدي فكري، فتكون الاسباب الاخرى اسبابا مساعدة وثانوية، فنحن لا ننكر دور المستوى المعاشي لافراد الحركات الاسلامية - مثلا - في ممارسة العنف لكنه ليس دورا اساسيا، والا فان زعيم القاعدة، اقصد اسامة بن لادن كان مليارديرا معروفا. وينتمي اغلب افراد الحركات الاسلامية الى الطبقة الوسطى، والامر نفسه بالنسبة الى المستويات الدراسية، فرائد البنا الاردني الذي قاد تفجير مدينة الحلة العراقية – مثلا - كان خريج كلية الحقوق، مرفّها، وقد عاش فترة في امريكا[2]، كما ان عمر احمد عبد الله[3] الذي قاد تفجير مسرح في دولة قطر مهندسا الكترونيا ويتقاضى راتبا شهريا عاليا. وايضا ما تبقى من اسباب خارج دائرة الفكر والعقيد فانها اسباب ثانوية قياسا الى السبب الرئيس. وهذا الكلام تؤكده بيانات احصائية ودراسات ميدانية جرت على عينات مختلفة من افراد الحركات الاسلامية المتطرفة، وقد تبين منها ان افراد هذه الحركات يتمتعون بمستويات دراسية وعلمية جيدة، وقد حاز اغلبهم على شهادات اكاديمية تراوحت بين الاعدادية والدكتوراه. وهو مستوى يفترض انه يوفر قدرا لا بأس به من الوعي يحول دون اقتحام الموت والمخاطرة بالارواح، بينما الواقع خلاف ذلك فكثير من العمليات الانتحارية قام بها افراد حازوا على شهادات دراسية متقدمة ويتمتعون بمواقع وظيفية مميزة. مما يدفعنا للتنقيب عن اسباب اخرى لهذه الظاهرة. وينبغي دراسة الفهم العقدي الثاوي وراء اقتحام الموت والزهد بالحياة، رغم الرفاهية التي يتمتعون بها هؤلاء الشباب[4].

 

الاسباب الفكرية والعقدية

يتصف النص الديني بثرائه الدلالي ومرونته واستجابته لكل القراءات والتفسيرات، مما أغرى الاتجاهات الكلامية والسياسية بتوظيف النص لاثبات شرعيتها، او لنفي الآخر المخالف والمعارض، حتى تشابهت الادلة واستدل كل طرف بنفس الادلة التي استدل بها خصمه السياسي والفكري، بعد قراءتها وتفسيرها وفق توجهاته الفكرية والعقدية والسياسية. فحصلت الاختلافات والتباينات وظهرت الفرق والمذاهب الكلامية والفقهية. وعلى هذه الوتيرة استمرت القراءات والتفسيرات، فهي في كل عصر تقدم (او يفترض ان تقدم) فهما يستمد وجوده من ثقافة المجتمع وحاجاته الفكرية والعقدية. الا ان القراءات راهنا باتت في كثير من الاحيان مزيجا من التراث والحاضر، بل طغى الاول على الثاني، فاصبحت القراءة الجديدة نسخة مشابهة لقراءات تمت في ظرف يختلف زمانيا ومكانيا، وبذلك لم تستوف هذه القراءات شروطها الموضوعية فاحدثت خللا كبيرا في التفكير وانتاج المعرفة. فالقراءات التراثية الراهنة جردت النص من تاريخيته، ولم تراعي اسباب نزوله، ولا تحديد غاياته واهدافه، رغم اهمية كلا الامرين في فعلية وفهم تلك النصوص. فالنص مطلقا صار فعليا ويمارس دوره على كل حال، فنتج عن ذلك قدر كبير من الارتباك بل والشطط في سلوك المسلمين، سيما بعض الحركات الاسلامية التي تطرفت كثيرا في ممارسة العنف باسم الدين والاسلاموفقا لتلك القراءات.

وعندما نتحدث عن النص ذاته يجب عدم اهمال الاتجاهات السياسية ودورها في تطور ووجود القراءات المختلفة للنص الديني. اذ لعبت السياسة دورا وكرست النص لصالح السلطة الحاكمة، كما كان لها دور في اقصاء المعارضة السياسية وتهميشها والتنكيل بها، حتى صار النص مدار كل شيء، والملجأ في كل ازمة سياسية وغيرها. وحينما لا يستجيب النص بشكل كاف يخضع لعمليات تأويل وافتراء بغية تطويعه لصالح هدف ما، سياسي او غير سياسي. حتى اختلط الصحيح بغيره من الاحاديث، وتغلغل المفترى والموضوع والضعيف في وسط الاحاديث الموثقة، والتبس الامر حتى على اصحاب الاختصاص من ذوي الثقافة المحدودة، وصار النص مطلقا حجة شرعية وفقا لبعض الآراء الفقهية فسبب كارثة فكرية واخلاقية وسلوكية، ستبقى تداعياتها تتفاقم ما دامت تلك النصوص تشكل مساحة واسعة من العقل الاسلامي.

ويمكن رصد اول توظيف للنص في هذا المجال (أي مجال حسم الصراعات السياسية) هو احداث السقيفة، حيث روى ابو بكر عن الرسول (ص) قوله: (الائمة من قريش) ليسلب الانصار حقهم في الترشيح لمنصب خلافة المسلمين. ثم صادر ملكية فدك (وهي ارض ورثتها فاطمة الزهراء عن ابيها كما هو مشهور في الروايات التاريخية) برواية (نحن معاشر الانبياء لا نورث)، كما اكد الامام علي حقه بالخلافة بنصوص رويت عن الرسول، بينما انكر رجال السلطة ذلك، فهو مثال للاثبات والانكار بالنص. وبهذا الشكل صار النص الديني ذخيرة حية في الصراعات السياسية. واخذ كل فريق يحشد ما لديه من نصوص وروايات لاثبات شرعيته او للطعن بمعارضه. ولما آلت الخلافة الى معاوية بدأ النص يؤدي دورا جديدا، ليس فقط لتأكيد شرعية الحكم وانما لتزكية الحاكم، وتبرئته، وتجنيبه تداعيات المحاسبة الجماهيرية، وتخويله سلطة الفتك بالمعارضة بعد ملاحقتها وتوجيه التهم اليها. فقد رويت في معاوية روايات وضعته على مستوى رفيع في الدنيا والآخرة، كما رويت روايات تدين الامام علي الخصم السياسي الاول له. وانتشرت بين الناس احاديث لم تكن معروفة من قبل، فثبتت لمعاوية البشارة بالجنة، وكتابة الوحي، وصحبة الرسول، وانه من خيرة المؤمنين[5]..، بينما صار الامام علي يسب على منابر المسلمين وفقا لقرار اموي لمدة ستين عاما، ولم يترك سبه الا في عهد عمر بن عبد العزيز[6]. وكما أدى النص دورا وجوديا لتزكية السلطان المتمثل في معاوية ايضا مارس النص دورا عدميا ينفي ما كان للمعارضة المتمثلة بالحزب الهاشمي او الشيعي من صفات ايجابية. وليس الامر مقتصرا على زمن الامويين والعباسيين، بل ما زال النص فاعلا مؤثرا في المعادلات السياسية والاجتماعية والدينية، وما زال يلعب دورا في تأجيج نار الفتن، وشرعنة ممارسات واعمال ابعد ما تكون عن قيم الدين والانسانية.

وفي هذا الاتجاه، أي اتجاه تكريس شرعية سلطة الامويين، انبثق جدل كبير بين المسلمين حول فاعل الكبيرة وما هو الموقف الشرعي منه؟ هل هو مؤمن؟ ام كافر؟ فانتهى الجدل الى نشوء مذهب الارجاء الذي راح ينظـّر لنظرية ارجاء امر فاعل الكبيرة الى الله. واستطاعت هذه المفاهيم، التي هي نتاج قراءات متحيزة للنص الديني، نزع فتيل المعارضة والاحتجاج على ارتكاب الكبائر من قبل السلطان الاموي المعروف باسرافه الاخلاقي والادبي. ولم يقف الجدل عند حد فاعل الكبيرة وانما امتد الى مفاهيم اخرى تناولت حقيقة الايمان، صفات الباري، امكانية رؤية الله تعالى يوم القيامة، مسألة خلق القرآن. والاخطر كان مسألة الجبر والاختيار، عندما صيغت المسألة بسؤال: (هل الانسان مخير ام مسير ومجبر في اعماله وسلوكه). فاستطاع الاتجاه الاموي اثبات الجبر، وان الانسان مجبر في افعاله، ولما كان مجبرا فليس من العدل مؤاخذة او محاسبة عمل هو مجبر عليه، وما يصدر (وهذا هو اللازم المهم في المسألة) عن الخليفة والسلطان الحاكم، هو مجبر عليه، ولا حول ولا قوة له في رده، فليس من حق الرعية محاسبته. وربما ليس من حق الباري تعالى ايضا محاسبته، لانه انسان مجبر، وهو مجرد آلة تنفذ ما يصدر لها من اوامر. بل على العكس من ذلك ربما يؤجر على افعاله القبيحة وتجاوزاته باعتباره ينفذ الارادة الالهية الذي هو مجبور عليها. ولم ينته الجدل حول مسالة الجبر والاختيار الا بظهور فرقة الجبرية في مقابل فرقة المرجئة. فقالت الجبرية ان افعال العباد مقدرة ازلا وانها تصدر عن ارادة الهية لا يتدخل بها العبد، كما قالت القدرية بحرية الارادة وان الانسان خالق افعاله حتى يكون للجزاء الاخروي معنى وتعليل، وقد اطلقت الاخيرة على المعتزلة[7].وبهذا الشكل كانت القراءات والتفسيرات الكلامية للنص الديني تلعب دورا كبيرا في تكريس سلطة الحاكم السياسي وتبيح له ممارسة العنف مع المعارضة السياسية، وتسمح له بتعذيبهم ونفيهم وابعادهم وقتلهم.

والجدير بالذكر ان المسائل الكلامية المتقدمة كانت نواة تشكل الاتجاهات الكلامية في الاسلام، وعلى اساسها تكونت الفرق والمذاهب. فبالنسبة لمسالة مرتكب الكبيرة، التي قال فيها الاتجاه الاموي بالارجاء، ذهب الخوارج الى ان فاعل الكبيرة كافر، لان الايمان قول وعمل. بينما كانت المسألة ذاتها البداية لاعتزال المعتزلة والقول برأي ثالث هو ان فاعل الكبيرة منافق ومرتكب لكبيرة يستحق عليها العقاب بل الخلود في النار كما ذهب الى ذلك الخوارج، لكنه لا يخرج عن ربقة الاسلام، فلا ينفى الايمان عنه بسبب كبيرته، لكن ايضا لا ينفى العقاب الاخروي. وهكذا تشعبت الآراء والاتجاهات، وظهرت مفاهيم جديدة طالما اختلف حولها المسلمون، وعصفت بوحدتهم وفتت تماسكهم. وراح ضحية الجدل الكلامي في المسائل المتقدمة عدد كبير من المسلمين الذين هم ضحايا العنف السياسي والكلامي معا، او ضحايا الرأي والكلمة.

لسنا بصدد كتابة تاريخ الفكر الكلامي عند المسلمين او تقصي المذاهب الكلامية والاتجاهات الفكرية، وانما نهدف الى بيان دور الفكر والعقيدة في ظهور الحركات الاسلامية المتطرفة فاقتضى ذلك العودة السريعة الى الوراء للتعرف على خلفية المسألة تاريخيا. اذ تبين ان تداعيات الخلافات الكلامية والمذهبية بين المسلمين ما زالت حية فاعلة بمستويات مختلفة. وما زال امتداد تلك الافكار يتحكم بالفعل السياسي حاضرا ويوجهه بنفس الاتجاه. وليس هناك دليل ادل من سلوك المسلمين اليوم الذي يتسم بالعداء والكراهية وبغض الآخر وتكفيره والاستهانة به وتهميشه. وهي الطريقة ذاتها في تعامل الفرق والمذاهب الاسلامية فيما بينها في القرون الخمسة الاولى. ولا نجداستثناء الا لدى الليبراليين الذين تخلوا عن قيم الفرقة الناجية، وقيم احتكار الحقيقة. واما عامة المسلمين سيما الحركات الاسلامية فهي اشد ظلامية وسوداوية. والمفارقة ان ادبيات هذه الحركات، سيما الحركات التي تمثل الوعي الديني، مليئة بمفاهيم الوحدة الاسلامية وعدم التفرقة بين المسلمين الا ان عملهاخلاف ذلك، فبعض الحركات الاسلامية تستبيح دماء المسلمين لا لشيء سوى انهم يعتنقون مذهبا آخر في الفقه والعقيدة. لذا نؤكد ثانية ثمة مفاهيم ورؤى فكرية وعقدية ثاوية في لا وعي الحركات الاسلامية التي تشبعت بكراهية الآخر والحقد عليه وتكفيره والتخطيط للاطاحة به وتدميره واغتياله. ولولا تلك المفاهيم والبنى لا يتحرك الانسان باتجاه الموت بهذا القدر من الاستهانة بالحياة وعدم التفكير بتداعيات الفعل الارهابي على مستقبل المسلمين والعقيدة الدينية. من هنا علينا متابعة تلك المفاهيم في هذا الاطار وتقصي مدياتها وطاقتها وقدراتها الفعلية. فمن تلك المفاهيم التي ما زالت فاعلة ومؤثرة، مفهوم الحاكمية، مفهوم الجاهلية، مفهوم النهي عن المنكر، مفهوم المرتد، مفهوم الفرقة الناجية، مفهوم الجهاد، و....

 

ماجد الغرباوي

كاتب وباحث

...............................

 [1] - بحث مستل من كتاب: تحديات العنف، ماجد الغرباوي، 2009م، دار العارف، بيروت – لبنان، والحضارية للابحاث، بغداد – العراق، ص270-282.

[2]- انظر صحيفة الشرق الاوسط في 13/ 3/ 2005.

[3]- المصدر نفسه 23/3/2005.

[4]- ابراهيم، د. سعد الدين، مصدر سابق، ص 400. حيث يقول عن افراد الحركات الاسلامية المصرية:

اولا: انهم شبان، فحوالي 90% من الذين شاركوا في تلك الاحداث العنيفة[4] كانوا في العشرينات والثلاثينات من اعمارهم.

ثانيا: انهم ممن تلقوا تعليما عاليا. فحوالي 80% من هؤلاء المتطرفين كانوا اما طلبة جامعة او خريجي جامعة.

ثالثا: انهم متفوقون دراسيا ولديهم دوافع قوية. فاكثر من نصف هؤلاء كانوا طلبة او متخرجين من الكليات ومجالات التخصص الراقية في الجامعات المصرية مثل الطب والهندسة والصيدلة والكلية الفنية العسكرية. ومن المعروف ان مثل هذه الكليات لا يدخلها الا الطلبة المتفوقون في امتحانات الثانوية العامة في مصر.

رابعا: انهم ينتمون الى الطبقة الوسطى الدنيا. فاكثر من 70% منهم ينحدرون من اصول اجتماعية متواضعة، وان لم تكن فقيرة. كما ان معظمهم يمثلون اول جيل يتلقى تعليما جامعيا في اسرهم.

خامسا: انهم ينتمون الى اصول ريفية او من المدن الصغيرة في الاقاليم، الا انهم حين اصبحوا متطرفين كانوا يعيشون في المدن المصرية الكبرى حيث توجد هذه الجماعات المتطرفة.

[5]- كرواية: «الأمناء ثلاثة انا وجبريل ومعاوية»، انظر: نور الدين عتر، منهج النقد في علوم الحديث، ص 302.

[6]- كما في رواية الاعمش. قال: لما قدم ابو هريرة العراق مع معاوية عام الجماعة جاء إلى مسجد الكوفة، فلما رأى كثر من استقبله من الناس جثا على ركبتيه ثم ضرب صلعته مراراً وقال: يا اهل العراق أتزعمون اني اكذب على الله ورسوله واحرق نفسي بالنار؟ والله قد سمعت رسول الله يقول: «ان لكل نبي حرماً وان المدينة حرمي، فمن احدث فيها حدثاً فعليه لعنة الله والملائكة والناس اجمعين». قال: واشهد ان علياً احدث فيها؟؟. فلما بلغ معاوية قوله اجازه واكرمه وولاّه امارة المدينة. انظر: شرح نهج البلاغة لابن ابي الحديد المعتزلي، ج4، ص 67 «فصل في ذكر الاحاديث الموضوعة في الإمام علي».

والروايتان مجرد امثلة لروايات كثيرة وظفت لتكريس السلطة او نفي المعارضة.

[7]- ابو ريان، د. محمد علي، تاريخ الفكر الفلسفي في الاسلام، بيروت، دار النهضة العربية، ط 2، ص 45.

 

bobaker jilaliإنّ مقارنة فلسفة الإصلاح والتجديد عند "محمد إقبال" بنظرية "مالك بن نبي" في الحضارة والتجديد الحضاري تقتضي الإلمام بكل محاولة من المحاولتين إلماماً يضمن امتلاك المادة الفكرية الكافية للسيطرة بدقة وعمق وكفاية على جوانب التماثل والتماسك، وعلى نقاط التباين والتمايز، كما تتطلب أسلوبا يكفل التغطية الشاملة لهذه الدراسة المقارنة. وفي حدود الإمكانيات المتاحة قام هذا البحث، ووصل إلى نتائج ارتبطت بفكر "محمد إقبال" وبفلسفة "مالك بن نبي" و بالصلة بينهما.

فالمتصفح للمحاولة الفكرية الفلسفية في الإصلاح والتجديد عند "محمد إقبال" يجد أنّ رؤية هذا الأخير في التغيير والتجديد والحضارة ارتبطت بفلسفته ككل، وبنظرته إلى الحياة عامة. ورؤيته تختلف عن رؤى زعماء الإصلاح الآخرين في العصر الحديث. فهو يرى أن دوافع التغيير والتجديد حالّة في وحدات الوجود، الإنسان، الكون و الله، والحياة متغيّرة باستمرار لا تعرف الثبات والجمود، وتستمد تغيّرها وخلودها من طبيعتها النهائية ومن الأصل الأول وهو الذات المطلقة. والتغيير لا يحصل في الإنسان ولا يجرى في الواقع دون أن يحدث في أعماق الذات الإنسانية أولاً، ويتعلق هذا التغيير بمعنى الحياة والوجود والإنسان، وبأساليب التفكير والعمل وبالمبادئ والقيّم التي يؤمن بها الإنسان، وبالأهداف والغايات التي يصبو إليها. والتجديد في أصله وفي مساره وفي مقصده ومبتغاه روحي، والمادة ذات أصل متأصّل فيما هو روحي. فالتجديد تجديد في قوى النفس وفي محتوياتها الروحية والفكرية والأخلاقية، وتجديد في قوى المجتمع من خلال اجتهاد البشر لتنظيم وتطوير وازدهار حياتهم الاجتماعية، وتسخير قوى العالم لخدمة مطالب ومرامي الإنسان الروحية في أصلها. والحضارة هي السمو الروحي الذي يبلغه الإنسان من خلال النهوض بالعمل في المجتمع والطبيعة. وليس المهم بالنسبة للذات الإنسانية أن ترى الأشياء بل المهم عندها أن تصير و تصبح شيئا. من خلال التجديد الحضاري والإبداع العلمي والازدهار الثقافي والاجتماعي.

ما تميزت به نظرة "محمد إقبال" الفلسفية إلى الحضارة والتجديد الحضاري خاصة، وفلسفته بصفة عامة هو أنها تشكل رؤية فلسفية إلى الحياة والإنسان والحضارة، وكل ما يرتبط ويتعلق بهذه الجوانب. وتتميز هذه الرؤية الفكرية الفريدة في نوعها بالوحدة، لما بين عناصرها وأجزائها من اتساق وانسجام وتكامل، فهي عبارة عن نسق فكري فلسفي واحد، لا تفكك ولا انفصال بين جوانبه، وتتصف بالقوّة والمتانة لارتباطها بالإسلام وبتعاليمه وقيّمه العليا، وبالعمق لرحابه وسعة التأملات الميتافيزيقية التي قامت عليها، وبالدقة في التحليل والنقد والاستنتاج، وهي أوصاف قلّما نجدها لدى مفكر في عصر طغى عليه التخصص، وسيطر الفكر التجريبي الوضعي وسادت فيه النزعة البرغماتيـة.

ارتبطت فكرة الإصلاح و التجديد عند "محمد إقبال" بالإسلام، وبمبادئه وقيّمه، باعتباره مشروعا حضاريا إنسانيا، يمثل رسالة إنسانية عالمية، دخلت التاريخ، ودخلت المعترك الثقافي والحضاري والديني، ليأخذ مكانته في ساحة هذا المعترك، ويفرض وجوده بقوّة، لما له من قوّة ومناعة في جميع جوانبه. وإستراتيجية النقد وإعادة البناء في فلسفة "محمد إقبال" استمدت قوتها منه، بما انطوت عليه من تصورات وأفكار تمثل مشروع رؤية فلسفية، ومخططا فكريا يستهدف بناء فلسفة الدين في الإسلام بناء جديدا، وتوجيه الذات الإنسانية إلى الحياة الروحية الكاملة، وإلى تخلّقها بأخلاق الله. وتسخير العالم المادي لخدمة مرامي الإنسان، هذا العالم المادي المتأصل فيها هو روحاني، وتوجيه الإنسان لإعادة تنظيم حياته الاجتماعية وفق مبادئ إنسانية عالمية مستمدة من الإسلام ومن الطبيعة البشرية في جانبها الفردي وفي جانبها الاجتماعي. استمدت هذه الفلسفة وانبثق هذا المشروع من الظروف والأوضاع النفسية والفكرية والخلقية والاجتماعية الفاسدة في القرن العشرين، بسبب غياب أسلوب حياة يضمن التوازن بين المادة والروح، ولا يوجد غير الإسلام الذي يحفظ هذا التوازن، ومن الفكر الإسلامي القديم، ومن الحضارة الإسلامية وما تميزت به من نماء وازدهار في كافة المجالات، الأمر الذي جعل الحضارة الأوروبية الحديثة تحمل الكثير من عناصرها ومعالمها، ومن الحضارة الغربية، ومن الفكر الغربي، وارتبط ذلك بمناهج ونتائج العلوم المختلفة، وما حققته تلك العلوم في الجانب التطبيقي في مجالات الحياة المختلفة، سواء بالنسبة للفكر العلمي في التأثير على الطبيعة بواسطة التقنية، أو بالنسبة لهذا الفكر في تأثيره على حياة الإنسان النفسية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية.

اقترنت الحضارة وارتبط التجديد الحضاري في فكر "محمد إقبال" بالدين، فالحضارة توازي الدين وهي ثمرته. والإسلام حضارة. قوتها وخلودها مستمدان من قوّة وخلود الدين، أما ضعفها وأفولها يكون بسبب فقدانها لعناصر القوّة والخلود، وهي عناصر دينية تتمثل في النهوض بالعمل في الحياة الفردية عن طريق التجربة الصوفية وعن طريق الاجتهاد في الواقع. كل هذا لبلوغ قمّة التحضر، وهو الديمقراطية الروحية والسمو الروحي والعلى الأعلى، وذلك مبتغى الإسلام و مقصده.

إنّ المتصفح لفلسفة "مالك بن نبي" في الإصلاح، ولنظريته في الحضارة والتجديد، يكتشف عالما فكرياً فلسفياً مليئاً بالمفاهيم، وغنياً بالتصورات، وفريداً في نوعه، وجديداً في العديد من جوانبه، خاصة فيما يتعلق بالحضارة وبعناصرها وشروطها وأطوارها. فهو يري أنّ ظاهرة التخلف ليست طبيعية في البشر، بل تعود إلى أسباب ذاتية وأخرى موضوعية، وتستفحل عندما تغيب الشروط والأدوات اللاّزمة للنّمو الفكري والأخلاقي والاجتماعي. هذا النًمو هو السبيل إلى التحضر، تقابله مجموعة من المشاكل والوضعيات والظروف الفاسدة المنهارة في حياة الفرد والجماعة في جميع جوانبها الفكرية والأخلاقية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها. هذه المشاكل والظروف والوضعيات ترتبط بظاهرة التخلف والانحطاط، وتقوم الحضارة باعتبارها إطاراً يضمن لكل فرد داخل المجتمع مطالبه وحاجاته في كل طور من أطوار وجوده، بإعطائـه الأدوات واللوازم الضرورية للمجتمع النامي المالك لقدرات فكرية واجتماعية واقتصادية إرادة استعمال سائر القدرات في حل المشاكل التي تواجه المجتمع المتخلف، والحضارة هي التي تكوّن هذه القدرة وهذه الإرادة معًا، وهما لا تقبلان الانفصال عن دور المجتمع النامي. فالحضارة هي شرط إيجاد القدرة والإرادة لتجاوز التخلف والتدهور في ذات الفرد وفي مجتمعه، وهي ترتبط بالإنسان والتراب والزمن والفكرة الدينية التي تجمع بين العناصر الثلاثة. ولهما عمر وأطوار هي: طور الروح، طور الأوج، وطور الأفول، تسبقها مرحلة ما قبل الحضارة وتليها مرحلة ما بعد الحضارة، لكل واحدة من المرحلتين خصائص ومميزات. وتشترط الحضارة التغيير على أساس القاعدة الإلهية التي تعبر عنها الآية القرآنية، ﴿إنّ الله لا يغيرّ ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم﴾. والتغيير مجاله النفس أولا ثم المحيط الخارجي ثانيا، تشرط القدرة على الإبداع والقدرة على الإنتاج، ولا تقوم على التكديس والاستيراد بل على البناء، وأن تلد الحضارة منتجاتها لا العكس، لأن العكس يستحيل منطقيا وماديا ويغرق المجتمع في الشيئية من جهة وفي المديونية والتبعية الحضارية من جهة ثانية، وتشترط التوجيه الأخلاقي والعملي والفني الجمالي، وهي شروط تضمن الانسجام والتكامل بين المجهود الإنساني المبذول في مستوى الفرد وفي مستوى المجتمع مع سنن وقوانين الآفاق والهداية والتطلعات هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى تكفل تلك الشروط التكامل والانسجام بين المجهود الإنساني والسنن الكونية مع جملة الشروط النفسية والاجتماعية والروحية والمادية، من أجل النمو والازدهار في جميع مجالات الحياة الإنسانية. والحضارة بهذا المعنى هي فعل بنائي تقتضي أُسُساً فكرية وروحية وجهوداً كبيرة في عالمي الأشخاص والأشياء، وذلك يشترط مخطط تربية يهدف إلى تغيير الإنسان في الداخل، وفق شروط معينة ليتمكن من أداء دوره في المجتمع ويحقق البناء الحضاري.

وإذا كانت الحضارة بناء لا تكديسا واستيرادا فهي فاعلية إنسانية تقوم على تغيير الإنسان في عالمه النفسي أولا ثم تغيير محيطه ثانيا، وتحصل هذه الفاعلية بتوفر جملة من الشروط والعوامل النفسية والاجتماعية، الروحية والمادية، وبتوفر الإرادة والقدرة على إبداع المعرفة وإنتاج الأشياء، واستغلال ذلك لخدمة الإنسان وضمان راحته. ولفصل الحضارة الحقيقية عن الحضارة المزيفة، فالأولى تلد منتجاتها أما الثانية فهي من صنيع منتجات حضارات الغير. والتجديد الحضاري ظاهرة إنسانية ترتبط بالحضارة وبشروطها، وعناصرها وأطوارها وازدهارها وتكون سابقة على الحضارة فتصنع النمو والتحضر والازدهار، كما تكون ملازمة لها، فتستمر في تنميتها وتطويرها، وقد تكون سببا في انهيارها وأفولها، والمقصود هنا عندما تبلغ الحضارة طور العقل يضعف سلطان الروح، وتسترد الغريزة نفوذها، فتهوي بالإنسان إلى حضيض الحيوانية والبهيمية حيث شريعة الغاب وقانون الأعلى.

لقد تميزت نظرية الحضارة عند "مالك بن نبي" بجملة من المميزات التي لم يشهدها مصلح آخر في فكره الإصلاحي. فهي نظرية انبثقت من تحليل تميّز إلى حدّ بعيد بطابعه العلمي، وبالدقة والعمق والموضوعية، والواقعية، في طرحه ومعالجته للمشكلات والظواهر في حياة الفرد والمجتمع. كما تميزت الحلول التي جاء بها لتلك المشكلات والتصورات التي خرج بها من دراساته وبحوثه المعمقة للتاريخ والواقع بالقوّة، لارتباطها بالعلم والواقع والتاريخ والدين. وتميّز منهجه في البحث بطابعه العلمي وبتنوعه، فهو يستخدم المنهج الرياضي، وطريقة المؤرخ، ومسلك عالم الاجتماع، وسبيل الكيميائي وغيره، هذا زاد في متانة وقوة أفكاره، وزاد في انسجام هذه الأفكار والتصورات مع ما يجب فعله في العمل الإصلاحي التجديدي.

وتمثل نظرية "مالك بن نبي" في الحضارة، استراتيجية إصلاحية تجديدية تستهدف تغيير الواقع الإنساني عامة وواقع العالم المتخلف ـ العالم الإسلامي جزء منه ـ بصفة خاصة، بحيث تضع بين يديه آلية فكرية نظرية للخروج من التخلف، وبلوغ مستوى الحضارة، فهي مشروع منهج وضعه صاحبه للقضاء على ظاهرة التخلف بعدما درسها، وكشف عن عوامل وأسباب وجودها، ولغرض الوصول إلى الحضارة بعدما درسها وكشف عن قوانينها وآلياتها الروحية والمادية. وتميّز هذا المنهج بالقوة والمتانة لارتباطه بالعلم والدين والتاريخ، وبقوانين هذه الأطر الفكرية المعرفية والروحية باعتبارها مصادر توجيه وقيادة في حياة الإنسان، ولارتباطه بالفكر الإنساني القديم والحديث وبواقع الإنسان المعاصر في العالم المتقدم بما له وما عليه، وفي العالم المتخلف بما عليه، وخاصة في العالم الإسلامي الذي لا ينقصه سوى تطبيق المناهج الكفيلة بإخراجه من عالم الانحطاط، وتمكينه من الحضارة، وهو أمر ليس بعسير على إنسان بين يديه كافة شروط التحضر. فهو منهج في الإصلاح يستند إلى رؤية فلسفية إلى الإنسان والحضارة والتاريخ، وإلى فكر اجتمعت فيه الأصالة مع التجديد، فكان مشروع خطة للنهضة وللصحوة و للحضارة، ونموذجا من نماذج الفكر الإصلاحي لا يستهان به، بل يُقدّر حق قدره لِمَا لصاحبه من نظرة ثاقبة وقدرة على الطرح والتحليل والنقد والاستنتاج، ولما لهذا المنهج من تكامل بين عناصره، ومن انسجام مع ما تقتضيه مستلزمات البناء التاريخي والنهضة الحضارية.

لقد تبيّن لي وبوضوح من قراءتي لبعض الجوانب الهامة في فلسفة "محمد إقبال"، خاصة فيما يتعلق بنظرته إلى الإصلاح والتجديد، أي فكرة النقد والهدم وإعادة البناء عنده، ومن قراءتي لفلسفة الحضارة والتاريخ عند "مالك بن نبي"، أنّ ما يجمع بين المحاولتين أكثر مما يفصل بينهما، ويتعلق الأمر بالظروف التاريخية الزمنية والمكانية التي عاشا فيها المفكران، والتي فيها نبتت فكرة الإصلاح عندهما، فهي واحدة تماما، حيث الإسلام والاستعمار والتخلف في العالم الإسلامي من جهة والحضارة والعلم والتكنولوجيا في أوربا الحديثة من جهة أخرى، هذا الذي شكل روافد ومصادر تلك الفكرة، وأوجد وحدة في المبادئ والأهداف والتطلعات، والاختلاف بين المحاولتين ليس في الجوهر أو في الأساس أو في الهدف، بل في بعض الجوانب التي تخص طبيعة البحث والدراسة وطبيعة الإصلاح ومنهجه، ونوع المحاولة وخصوصياتها.

بالنسبة للبحث فعند "محمد إقبال" كان فلسفيا ميتافيزيقيا على منهج الأقدمين، وهو عند "مالك بن نبي" جاء بطابع علمي واقعي، وطبيعة الإصلاح عند "محمد إقبال" روحية فردية دينية إسلامية، وهو عند "مالك بن نبي" صبغته اجتماعية علمية واقعية تاريخية، ومنهج "محمد إقبال" في الإصلاح من طبيعة روحية تقوم على التجربة الصوفية والرياضة الدينية الروحية، والعمل الصوفي الصحيح هو سبيل الوصول إلى الحقيقة، أما منهج "مالك بن نبي" فيقوم على التغيير في الفرد والمجتمع، وعلى القضاء على أسباب التخلف والأخذ بأسباب الحضارة كما هي في نظرية الحضارة، كما يقوم على التوجيه الديني والأخلاقي والعملي مع الاستفادة من خبرات وتجارب الآخرين العلمية والحضارية. وتتميز محاولة "محمد إقبال" بكونها ذات عمق فلسفي كبير وتأمل ميتافيزيقي رحب، حتى قيل عنها أنها موجهة للخاصة والنخبة من المثقفين لا للجميع، أما محاولة "مالك بن نبي" فهي للجميع لم تكن في مستوى العمق الفلسفي والتأمل الميتافيزيقي الذي عرفته محاولة "محمد إقبال".

نستنتج مما سبق أنّ فلسفة "مالك بن نبي" امتداد لفكرة "محمد إقبال" في الإصلاح والتجديد، على الرغم من أنّ الأولى يغلب عليها الطابع العلمي الواقعي الاجتماعي، أما الثانية فيغلب عليها الطابع الروحي الفلسفي الميتافيزيقي الصوفي. ولقد ذكر "مالك بن نبي" "محمد إقبال" في كتاباته، وأشاد بقوة فكره، ونظرته الثاقبة السليمة إلى الإصلاح والتجديد. جاءت فكرة الإصلاح عندهما نتيجة واقع المسلمين المتردي، وتُشكّل محاولة فكرية لتغيير النفس والفكر والواقع في العالم الإسلامي، تميزت بالقوة لارتباطها بالإسلام وبالعلوم المزدهرة وبالفكر الإسلامي، وتشكل رؤية فلسفية إلى الإنسان والحياة والتاريخ والحضارة، وتمثل مشروع خطة ذات طابع فكري نظري، للنهضة وللتجديد ولبناء الحضارة، وللدخول إلى التاريخ، وإلى حلبة المعترك الحضاري، واحتلال أمة الإسلام لمكانتها اللائقة بها في إطار الحوار والتفاعل الحضاريين .

وإذا كان الفكر الإصلاحي عند "محمد إقبال" و"مالك بن نبي" تميز بالقوة والمتانة نظرا لصلته المباشرة بواقع وحياة المسلمين في العالم الإسلامي المعاصر، ولتعبيره عن مشاكلهم وهمومهم، وعن آمالهم وتطلعاتهم، وبلوغه مستوى رفيع من الحقيقة في مناهجه وأساليبه لأنه أخذ بالدين والعلم وبالتاريخ، واستطاع أن يكفل التوازن بين طرفي الكمال، الروح والمادة، الدين والدولة، الدنيا والآخرة. وإسناد فكرة "محمد إقبال" إلى فكرة "مالك بن نبي" أو العكس أمر ممكن خاصة من الناحية النظرية، فالواحدة منهما تثري الأخرى وتعمقها. ويمكن اعتبار فكرة "محمد إقبال" أرضية فلسفية ميتافيزيقية وإطارا نظريا لفكر "مالك بن نبي"، واعتبار فكر "مالك بن نبي" الوجه الاجتماعي العلمي والعملي الواقعي الخارجي لفكر "محمد إقبال". وما أحوج العالم الإسلامي المعاصر إلى المشروعين الإصلاحيين معًا للتجديد ولبلوغ السمو الروحي والأخلاقي، ولبناء حضارة تلد منتجاتها الفكرية والمادية، ولضمان التوازن بين المثال والواقع، بين الروح والمادة، وبين الدين والدولة، ذلك هو عين التحضر وقمّته، وهو مبتغي الإسلام ومقصده، فالحضارة هي التمكين لقيّم ومبادئ الإسلام على أرض الله.

 

adnan oayeedالدين في سياقه العام، هو جملة العقائد والرؤى والتصورات ولأفكار والمبادئ والرموز والطقوس التي يؤمن بها الإنسان ويعمل عبرها دائما على إعادة هيكلة نفسه وحياته المادية والروحية وفقا لأهداف متعالية وغايات نهائية قد حُددت له بشكل مسبق من قبل الإله. والدين أي دين له وظائف بالنسبة لحياة الإنسان، أهمها ربط الإنسان بالإله والعمل على نشر وتطبيق تعاليمه وأحكامه أولاً، ثم الحفاظ على حياة هذا الإنسان بكل دلالاتها وماله وعرضه ثانياً. بيد أن هذه الوظائف أو المقاصد الدينية تتمدد أو تستطيل كي تدخل في كل حياة الإنسان ومظاهرها في حالة التدين الذي يعني فهم الإنسان (الفرد والمجتمع) وممارسته للدين بناءً على تفسيره وتأويله للنص الديني المقدس بما يتوافق ومصالح هذا الإنسان المادية والمعنية، وكذلك الحفاظ على هذه المصالح وتنميتها وتطويرها.

من هذا المنطلق في فهمنا للدين والتدين، نستطيع التأكيد هنا على أن التدين هو محاولة أو محاولات دائمة من قبل الإنسان لخلق حالات من التطابق بين واقعه المتغير والمتحرك والمتبدل باستمرار، وبين سلطة النص الديني المقدس المفروض عليه من خارج التاريخ.

إن هذا السعي الدائم من قبل الإنسان لخلق حالات التوافق هذه بين مصالحه وحاجاته المستمرة والمتجددة دائماً، وبين النص الديني الثابت، جعلته يتجه في طريقين اثنين هما: طريق الجبر الذي لا خيار فيه لهذه الإنسان إلا الخضوع لسلطة هذا النص المقدس، والسير وفق أوامره التي فهمها أو فسرها وأولها له أجداده من السلف، وبالتالي العمل دائماً على ليّ عنق الواقع في كل حركته وتبدله كي ينسجم مع هذا النص المقدس، حتى لا تكون هناك بدعة في حياة الإنسان التي ستؤدي بدورها إلى الضلالة فالكفر. أو السير في طريق حرية الإرادة الإنسانية وتسخير العقل لإعادة النظر دائماً في النص المقدس، من خلال حكم العقل على هذا النص المقدس كي يفتح دلالاته اللامحدودة، على كل قضايا الحياة، خدمة لمصالح الإنسان وحاجاته التي لا تنضب.

أمام هذه المعطيات يتبين لنا كما أن للدين وظائفه ، فللتدين وظائفه أيضاً يمارسها الإنسان في حياته، وتتحد طبيعة صحتها أو خطأها وفقاً لدرجة وعيه وتفسيره أو تأويله للنص الديني، ولمصالحه وموقفه من الحياة والآخرة معاً.

أما أهم وظائف التدين فهي:

أولاً الوظيفة اللاهوتية للدين: وهي وظيفة تحدد طبيعتها ودلالاتها ودرجة عمقها علاقة الإنسان بالدين ذاته، لذلك فهي تتمظهر واضحة في حديثه وعلاقاته مع الآخرين وسلوكياته وطريقة لباسه وممارسته للطقوس الدينية. فهي عند المؤمن البسيط لا تتعدى تأدية الفرائض الدينية من صوم وصلاة وزكاة وصيانة لسانه وفرجه، وإن استطاع الحفاظ أيضاً على حقوقه وحقوق الآخرين المادية والمعنوية. أما عند الرجل الذي نذر نفسه لدينه وربه، فهي تأخذ بعداً وشكلاً آخر أكثر تطرفاً، وغالباً ما تتجلى هذه الحالة عند المتصوفة العرفانيين. فالمتصوف يعتبر الوظيفة الدينية لديه ذات أبعاد روحية ومعرفية (غنوصية)، تدفع الإنسان إلى التخلي عن كل ما هو محسوس في هذه الحياة، كي يتفرغ كلياً لعبادته ومناجاته لله التي تُوصل البعض إلى مرحلة الشطح أو التطرف فكراً وسلوكاً، إن كان من حيث لباسه، أو حديثه، أو تفكيره، أو موقفه من الحياة المادية، أو النظر في حاجاته ورغباته، أو في رؤيته الفلسفية تجاه الله. هذه الرؤية التي توصل البعض إلى مرحلة وحدة الوجود، أو التوحد مع الله. وتاريخ التصوف ألعرفاني يعطينا نماذج لهذا النوع من التطرف نجدها عند الحلاج وذي النون والسهروردي ورابعة العدويّة وابن عربي. فمثل هؤلاء تركوا الحياة بما فيها وسلكوا طريق الجوع والتقشف ولبس الصوف والتوجه نحو الله بروحهم التي تسامت عن كل محسوس وغريزي. الأمر الذي جعل الكثير من معاصريهم، وبخاصة من كان لهم وظائف دينية تخدم السلطات الحاكمة، يجدون في هؤلاء المتصوفة خطراً على الدين نفسه من جهة، وخطراً على سلطة الحاكم الذي غالباً ما كان مستبداً، كونهم قد لمسوا عندهم مواقف تميل للفقراء والمحرومين والتضحية من أجلهم، وهذه المواقف تُهدد معاقل الحكام ومن يُسبح بحمدهم من جهة ثانية. وهذا ما أدى إلى قتل الكثير من هؤلاء الرجال المتصوفة تحت ذريعة الشذوذ والتطرف والشطح في علاقة الإنسان بربه.

ثانياً: التوظيف السياسي للدين: هي وظيفة متعددة الأغراض، يمكننا تحديد أبعادها في التالي:

1- الوظيفة الدعوية: وهي وظيفة يقوم بها رجال دين متخصصون في دراسة العقيدة وأصولها وأحكامها الشرعية، وغالباً ما يوظف هؤلاء الدعاة الذين يفسح لهم المجال واسعاً لنشاطهم الدعوي في الجوامع وقنوات الإعلام، من أجل نشر فكر ديني محدد غالباً ما يصب هذا الفكر نهاية المطاف في خدمة القوى السياسية الحاكمة ومنحها الشرعية.

2- الوظيفة المدخلية: وهي وظيفة يؤديها أيضاً نخبة من رجال الدين المتخصصين في فهم العقيدة بكل أبعادها، وهذه الوظيفة تتجسد في خدمة مؤسسات الدولة الدينية، فهم موظفون دولة يؤدون وظائف دينية خدمة لهذه الدولة وما تمثله من قوى طبقية.

3- الوظيفة الجهادية السلفية: وهي وظيفة تؤديها قوى اجتماعية غالباً ما تكون ذات طابع تنظيمي أو حزبي، تعمل خارج نطاق الدولة، وتتخذ في حركتها التنظيمية والجهادية طابعاً سرياً.

تنطلق وظيفة هذا التيار، من أن هناك خالقاً لهذا الكون بكل ما فيه وعلى رأسه الإنسان، الذي خلقه الله فسواه فعدله، وبالتالي رسم له طريقه في لوح محفوظ من ولادته حتى مماته، وهو الذي أنزل عليه القرآن ليبين له ماذا له من حقوق وما عليه من واجبات، وبالتالي ما عليه إلا أن يطبق ما جاءه في هذا القرآن، الذي عرفت فيه الأجيال الأولى من الصحابة الصراط المستقيم، وعليه الاقتداء بهم والخلاص من كل مفاهيم الجاهلية (الوضعية) التي ابتدعها الإنسان وادعى بأنه قادر بها أن يحدد مصيره بنفسه . ومن خلال هذا المنطلقات جاءت الحاكمية ومن هم مسؤولون عن تطبيقها من النخب التي نذرت نفسها لفهم هذه العقيدة والعمل على تطبيقها فكراً وممارسة ولو بحد السيف.

4- الوظيفة الجهادية العقلانية: نجد في هذا الاتجاه تياراً آخر في هذه الوظيفة الجهادية، وهو التيار أو الاتجاه المقاوم، الذي اتكأ دينياً على العقل وحرية الإرادة الإنسانية، والقدرة على فتح النص المقدس بكل دلالاته الإنسانية، حيث وجد في الدين منهجاً إنسانياً وروحياً قابلاً لفهم الحياة في كل مستجداتها ومستوياتها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية، وأهم قضية هي القدرة على تطبيق مقاصد الدين الأساسية في حفظ حياة الإنسان وماله وعرضه وأرضه. تُمثل هذا الاتجاه في الحقيقة، تجربة حزب الله المقاوم في لبنان.

ثالثاً: الوظيفة الاجتماعية (السوسيولوجية): وهي وظيفة تقوم على أسس أخلاقية في الغالب، حيث أن الأخلاق الدينية هنا ذات طابع معياري، وهي صالحة لكل زمان ومكان، كونها ذات طابع رسم حدودها النص المقدس، وبالتالي فإن التمسك بها وتأديتها، تضفي طابع المصداقية على من يتمثلها. من هنا تأتي وظيفة الدين الاجتماعية، ذات طابع براغماتي (نفعي)، إما لإرضاء الله والحصول على مكافأة الجنة، أو لإرضاء المجتمع وتحقيق منافع شخصية حياتية. فكم من إنسان حج إلى بيت الله كي يستغل صفة (الحاج) التي تعطيه مصداقية أمام المجتمع وعلاقاته. وكم من إنسان كان منحرفاً في أخلاقه فتاب إلى الله، واستطاع بتوبته تبيض أخلاقه بتربية دقنه وحمل سبحته ومسواكه، أو في صلاته وصيامه...إلخ.

رابعاً: الوظيفة الثقافية: وهي برأي الوظيفة الأكثر تعقيداً، والأكثر خطورة على حياة الفرد والمجتمع، كونها تشكل حاجزاً أمام إبداعات الإنسان. فالثقافة كما نعرفها هي كل ما قام الإنسان بإنتاجه تاريخياً عبر علاقته مع الطبيعة المجتمع من قضايا مادية وروحية بما فيها قابليات الإنسان ومهاراته الفكرية والعضلية التي اكتسبها عبر تلك العلاقة التاريخية. وإذا كان الدين بمفهومه السلفي يسمح بممارسة النشاطات العملية للثقافة في الزراعة والصناعة والتجارة، إلا أنه يحد كثيراً من ممارستها عبر إبداعات الإنسان الروحية أو المعنوية، كالفن والأدب والفلسفة وتشغيل العقل ومهاراته في التحليل والتركيب من أجل ابتداع الحلول الكفيلة لتخليص الإنسان من العذابات التي يولدها لنفسه أثناء إنتاجه لخيراته المادية، حيث يتحقق ضياعه وغربته واستلابه وتشييئه عبر هذا الإنتاج.

لقد حارب الدين بفهمه السلفي هذا، الفن الذي يمثل جسد الإنسان، كون هذا التجسيد برأيهم يمثل حالة وثنية قام الإسلام بمحاربتها، وبذلك قتلوا إبداعات الإنسان الفنية تحت مفهوم الحرام. وهذا ينطبق على تناول الفلسفة التي تحرك عقل الإنسان الذي يميز من خلاله بين الصح والخطأ، فقالوا إن الفلسفة تؤدي إلى الإلحاد، وكذلك حاربوا الفن القصصي، تحت ذريعة أن القرآن يقص علينا أحسن القصص.. وهكذا بمثل هذه الوظيفة القمعية للثقافة بإسم الدين، قد تم القضاء تاريخياً على أهم إبداعات الإنسان ومهاراته التي هي وحدها من يستطيع العودة به دائماً إلى مرجعيته الإنسانية، ليفسح في المجال واسعاً أمام ثقافة كره الحياة والتعصب والشعور بالتفوق على الأخر المحتلف ليس في الدين فحسب، بل وفي العقيدة ذاتها التي تحولت إلى مذاهب وفرق عدّة. هذا إضافة إلى اجترار ثقافة أحادية الجانب تجاوزها الزمن منذ ألف عام ونيف، هذه الثقافة التي أُعطيت صفة التقديس، وتحولت مع مرور الزمن إلى جزء من التكوين النفسي والأخلاقي والوجداني والمخيالي للفرد والمجتمع، الأمر الذي جعل الكثير من المسلمين يعيشون حالات من الانفصام والازدواجية ما بين قيم العصر الذي يعيشونه، وهي القيم التي تفرض نفسها بالقوة على حياتهم اليومية المباشرة، وبين قيم الماضي التي تغذي قلوب وعقول الناس عبر المدرسة والإعلام والجامع، كي تعمل دائماً على إعادة إنتاج عالم الغيب بديلاً من عالم الشهادة، عالم كره الحياة بدلاً من عشقها، عالم حور العين وسواقي الخمر والعسل واللبن، وجنان الخلد، بدلاً عن عالم الأرض التي أمر الله تعالى أن يكون الإنسان فيها خليفة له.

 

كاتب وباحث من سورية

 

ظهرت منذ اكثر من قرن تساؤلات قوية لم تجد لها اجابة واضحة وحاسمة لحد الآن حول ما اصاب حضارتنا من ضمور وانحلال. وهذه التساؤلات كما انها ظهرت في اوساط المسلمين فإنها كانت حاضرة ايضاً في الاوساط الغربية المختصة. بل يمكن القول ان للتفكير لدى هذه الاوساط الاخيرة اهمية خاصة. فليس فقط لكونه يعد اعترافاً ضمنياً من «الاخر» بحق ما كانت تحمله الحضارة الاسلامية من امكانات التواصل والتطور والازدهار، بل الاهم من ذلك هو انها ادركت بالدليل القاطع ان السبب الاساس الذي جعل النهضة العلمية الغربية تبدأ شوطها هو ذاته كان مسبوقاً من قبل المسلمين، إن لم نقل ان ما حصل في النهضة العلمية الغربية انما كان مأخوذاً عن المسلمين انفسهم، بشكل او بآخر. ولست اقصد بذلك الترجمات الكثيرة لعلوم العرب والمسلمين التي بدأت منذ القرن الثاني عشر الميلادي فصاعداً، بل ما قصدته هو انه رغم ما اصبح من المسلمات العامة بأن النهضة العلمية الغربية قد بدأت بفعل الانقلاب الحاصل في علم الفلك خلال القرن السادس عشر الميلادي، والذي يؤرخ بأنه نقطة البداية للعلم الحديث، الا ان هذه النقطة كانت مسبوقة لدى المسلمين بأكثر من قرن ونصف من الزمان.

فقد تناول الكثير من المسلمين والمختصين الغربين البحث في علة ضمور وإنحلال الحضارة الإسلامية بعد اعتلائها عرش العلم والقوة والسيطرة كأعظم حضارة في العالم؛ إلى الدرجة التي كادت تبتلع فيه هذا العالم بأسره. الأمر الذي حيّر المفكرين منذ ما يزيد على قرن من الزمان، سواء المسلمون منهم أم ذوو الاختصاص من الغربيين. فمن أبرز من اهتم بهذا الشاغل من المسلمين عبد الرحمن الكواكبي وشكيب أرسلان وابو الحسن الندوي وغيرهم.

أما الغربيون فالكثير منهم يعترف بأن هذه الحضارة كانت متقدمة على غيرها من الحضارات الأخرى في جميع المجالات العلمية والأدبية، كما ويعترف في مساهمتها بقيام النهضة الغربية الحديثة، وكونها توسطت بنقل الحضارة الاغريقية إلى الغربية. فقد استفاد الاوروبيون إفادة عظيمة لما بذلوه من جهود في ترجمة الكتب والنصوص العربية، مثلما استفادوا من التعرف على الحضارة الاغريقية عبر الترجمات العربية، ولولا ذلك ما كان لهم أن يعرفوا الكثير عن تلك الحضارة، بل ولا كان بإمكانهم أن يفعلوا شيئاً مهماً حول ما تمّ لهم من نهضة. وبالتالي ما الذي يجعل حضارة عظيمة بذلك القدر والقوة إلى أن تقع في الضعف والإنحلال؟

فهذا السؤال ما زال مطروحاً لدى الكثير من ذوي الاختصاص. وسبق للمستشرق (توبي هف) أن قارن في كتابه (فجر العلم الحديث) بين ثلاث حضارات عظيمة هي الحضارة الصينية والإسلامية والغربية، ورأى أن الصين رغم أنها كانت عظيمة لكنها لم تستطع الاستمرار والنمو لإعتبارات يتعلق بعضها بلغتها المعقدة وكونها منغلقة على نفسها. وهو أمر لا ينطبق عما حدث للحضارة الإسلامية، وظل اللغز محيراً لدى العديد من المفكرين المختصين، رغم ما يذكر من أسباب متعددة أدت بهذه الحضارة إلى أن تنكمش وتتحنط شيئاً فشيئاً. فالمحير لدى هؤلاء هو أن الحضارة الإسلامية وصلت في بعض مراحلها التاريخية إلى أن تكون حضارة عالمية لا تضاهى قوة وعلماً، سيما فيما يتعلق بالقوتين الإقتصادية والعسكرية كما يشير (برنارد لويس) إلى ذلك. وكذا فيما يتعلق بالقوة العلمية الهائلة كما يشير إليها (توبي هف).

وبالتالي كان العديد من المختصين الغربيين يتصورون بأن من المفترض أن تكون النهضة الحضارية الأعظم هي للحضارة الإسلامية لا الغربية، بإعتبار أن جميع شروط التقدم العلمي كانت متوفرة لدى هذه الحضارة، لكن الأمور مع ذلك أخذت مجرى آخر، مما جعل السؤال ملحاً حول علة توقف هذه الحضارة، بل وتراجعها مع أنها أمدّت أكسير الحياة إلى غيرها. وهو سؤال محير، لا سيما أن هذا التراجع قد اقترن بنهضة الغرب وتطوره.

ومع أن الغربيين كثيراً ما يوردون الأسباب الدينية والسياسية والقانونية كموانع لتواصل الحضارة الإسلامية وتطورها، لكنها عوامل غير كافية؛ سيما المتعلقة بالأسباب الدينية، إذ لو كانت هي نفسها عامل إعاقة؛ كيف نفسّر ما حدث من تطور كبير جعل الحضارة الإسلامية في وقتها أعظم وأقوى حضارة في العالم؟

فمثلاً أشار المستشرق (برنارد لويس) إلى جملة عوامل معيقة جعلت المسلمين يأخذون بالضعف شيئاً فشيئاً، من أهمها العامل السياسي، حيث الإنقسامات الداخلية ضمن الخلافة الإسلامية والتي طالت قروناً طويلة، وما أتبعها من حروب داخلية ألهت المسلمين عن عدوهم الخارجي المتربص وانهكت قواهم. فهذا هو السبب الرئيسي الذي أفضى إلى ضعف الخلافة الإسلامية وإضمحلالها. يضاف إلى ذلك هو أن المسلمين لم ينتبهوا إلى التطورات النامية التي حدثت في الغرب طيلة قرون عديدة بما في ذلك القرن السابع عشر الميلادي، والتي شكلت فيما بعد دوراً مهماً في القضاء على الخلافة وتقسيم البلاد الإسلامية وإضعافها أكثر فأكثر. فعندما فتح المسلمون بعض البلاد الاوروبية وجدوها غارقة في التخلف والهمجية. وبحسب وجهة نظر هذا المستشرق أن الخطأ الذي ارتكبه المسلمون هو أنهم لم يغيروا النظرة التي رأوا فيها الغرب بربرياً همجياً، فرغم تقادم الزمن بقرون طويلة ظل المسلمون ينظرون إلى الغرب بذات النظرة المسبقة دون إلتفات إلى ما تحقق فيه من تقدم وتطور، سيما خلال ذلك القرن الذهبي (السابع عشر)، إذ ظهرت فيه كتابات اوروبية غزيرة دون أن يترجم المسلمون منها شيئاً لعدم علمهم بها. وفي هذا القرن بالذات كان هناك عدد كبير من التجار الاوروبيين يفِدون الديار الإسلامية دون أن يدرك المسلمون خطورة دورهم تبعاً لتلك النظرة المسبقة عن الغرب، فقد كانوا يقدّمون لأوروبا كل ما تحتاجه من معلومات تتعلق بما يجري في الشرق، الأمر الذي سهّل على اوروبا غزو البلاد الإسلامية ومن ثم استعمارها. وأكثر من هذا أنه ظهرت لدى الغرب في ذلك القرن مهن وثروات كبيرة من غير علم المسلمين أيضاً. ولا شك أن كل ذلك قد ساعد اوروبا في أن تبني نفسها بمعزل عن المعوقات الخارجية، في الوقت الذي حرم المسلمين من الاستفادة من الإمكانات الغربية الجديدة، بل جعل منهم الفريسة التي تقاسمها الغرب فيما بعد .

فمنذ نهاية القرن السابع عشر فقدت الخلافة العثمانية الكثير من الأراضي بسبب الإنقسامات الداخلية، وأصبحت من الناحية العسكرية ضعيفة. وخلال القرنين التاسع عشر والعشرين كان التفاوت بين الغرب والمسلمين كبيراً جداً، إذ انقلبت المعادلة فأصبح الضعيف المتخلف قوياً متقدماً، كما أصبح القوي المتقدم ضعيفاً متخلفاً. وبالرغم من الكثير من الصيحات والدعوات التي نادت بالإصلاح والنهضة في العالم الإسلامي، منذ أكثر من قرن وحتى يومنا هذا، فإنها جميعاً باءت بالفشل.

وبرأي برنارد لويس فإن المصلحين من المفكرين في العالم الإسلامي كانوا وما زالوا واقعين في الخطأ نفسه عند تحليلهم لما حدث لهذا العالم من ضعف وإضمحلال، فهم يضعون اللوم في ذلك على (الآخر)، ويتصورون أن مسؤولية التخلف وعدم القدرة على النهوض والتقدم إنما مبعثه هذا (الآخر)، شبيه بما يطلق عليه اليوم (منطق المؤامرة الخارجية). فالعرب كانوا يضعون اللائمة على الأتراك بسبب الحكم العثماني، والمسلمون يعدون مشكلتهم مع التخلف قد بدأت بفعل الغزو المغولي، وبعد ذلك بسبب مجيء المستعمر الغربي، وبعده اعتبروا المسؤولية ملقاة على اليهود، وأخيراً على أمريكا.

هكذا تقع اللائمة دائماً على الآخر، في حين أن القضية في رأي لويس معكوسة، وهي أن الاستعمار لم يتحقق إلا نتيجة ضعف المسلمين وتخلفهم، وليس سبباً لهما. فلولا الضعف والتخلف ما كان هناك استعمار قط. ورأى أن على المسلمين أن يكفوا عن إتهام (الآخر) لتفسير علة عجزهم وضعفهم، وأن يغيروا صيغة السؤال المطروح لديهم (أين الخطأ؟) ويستبدلوه بسؤال أكثر تحديداً، وهو:

ما الذي فعلناه خطأً؟

ويقترب الكاتب في هذا السؤال من مقالة مالك بن نبي حول الدور الذي تلعبه القابلية على الاستعمار لنفوذ هذا الأخير.

لكن النتيجة التي يخلص إليها هذا المستشرق كجواب عما تضمنه إسم كتابه من سؤال (أين الخطأ؟)، هو أنه اعتبر الدين، ومنه الدين الإسلامي، من أكبر المعوقات والمحددات للتطور، بإعتباره ليس مؤهلاً لإعطاء المزيد من الحرية مقارنة بما عليه قيم الحداثة. ورغم إعتراف هذا المستشرق بالتطور الذي حققه المسلمون في السابق، لكنه لا يرى ذلك كافياً، بدلالة أن المسلمين خلافاً للكثير من الأمم المتقدمة ليس بوسعهم النهضة والتقدم. والشاهد الحاضر عنده هو تقدم الغرب بفعل عزل الدين عن الشؤون العامة، حيث مهّد ذلك لإطلاق الحريات ومنها الحرية الفكرية والعلمية والإقتصادية والسياسية، الأمر الذي تشكلت منها الحضارة الغربية الحديثة بما لا نظير لها.

وبالتالي فالحل الذي يرجوه هذا المستشرق هو العمل بمثل ما قام به الغرب في فصله للدين عن السياسة وتبني مبدأ العلمانية، لتحرير العقل عن الدين وقيوده. مع أن شاهد تركيا الحديثة لا يؤيد مسعاه.

مهما يكن فما زال البحث جارياً لدى الباحثين المختصين حول علة التراجع الذي أصاب الحضارة الإسلامية، ومن المتوقع أن يزداد ضوء البحث على مجمل هذه الحضارة بعد أحداث 11 سبتمبر (ايلول)، سواء من حيث طبيعتها ومقوماتها الذاتية، أو من حيث علاقاتها الخارجية. فالسؤال الذي سيتجدد حولنا من قِبل «الآخر» هو ذلك الذي يبحث عن هويتنا، بكل ما تثيره هذه الكلمة من أبعاد موضوعية وقيمية :

فمَن نحن؟!

 

النهضة والتساؤلات المحمومة

أخيراً بقيت معنا التساؤلات المشبعة بالعاطفة «المحمومة»، إذ تضيق لها الصدور لما تثيره فينا من «هم وغم»، فما زال السؤال الشاغل الذي يهيمن على نفوسنا هو: لماذا تخلفت الحضارة الإسلامية وتقهقرت فعاشت مرحلة السبات والغيبوبة لعدة قرون؟ فهل أن ذلك يعود إلى نظامها المعياري بإعتبارها حضارة تكليف قد استنفدت طاقة النص والعقل بالكامل، فلم يبق لديها شيء آخر تتفاعل معه سوى أن تأكل نفسها بنفسها، كالذي حصل في مؤاكلة العقل للعقل ذاته، والإجتهاد للإجتهاد؟

فمن المعلوم أن حضارتنا الغائبة هي غير حضارة اليونان الممتثلة. فإذا كنّا لم نجد «صرخة» تطالب بإعادة تأسيس الحضارة اليونانية من جديد، لكونها قد امتثلت في حضارة أخرى هي الحضارة الغربية، أو لأنها ماتت وانتهت على أقل التقادير، مما يعني أن السكوت المتعمد بالمطالبة بتلك الدعوة يضع الحضارة اليونانية موضع «الشيء المهمل» الفاقد لمبرر قيامه توظيفاً وتشغيلاً.. فإذا كنّا لم نجد مثل تلك الصرخة مع الحضارة اليونانية، ومثلها الحضارات القديمة، فإن الأمر مع الحضارة الإسلامية يختلف كلياً. فمن جهة إن «الصرخة» للمطالبة بإعادتها ليست غائبة ولا ميتة كما هي الحال مع سابقاتها. كما إن هذه الحضارة - من جهة أخرى - ليست ممتثلة ولا فقدت روحها كالجثة الهامدة.

فروح الإجتهاد - على حدودها الشكلية - ما زالت عالقة بأوصالها، كما أن صرخة المطالبة بإعادتها لا زالت تتردد منذ الإصطدام بالحضارة الغربية والتوسع الاستعماري أوائل القرن التاسع عشر والى يومنا هذا.

والحقيقة إن هناك صرختين ظهرتا خلال هذه الفترة، تنفصلان أحياناً وتتحدان أخرى، إحداهما تدعو للنهضة القومية، سيما النهضة العربية، سواء من خلال الإلتحام بالتراث الإسلامي أو بالإنفصال عنه كما لدى الدعوات العلمانية. أما الأخرى فتدعو للنهضة الإسلامية بغض النظر عن الجانب القومي. وعلى الرغم من طول مدة ما أُطلق عليه «النهضة» على الصعيدين العربي والإسلامي، إلا أنه لم ينحسم المخاض بين النهوض والنكوص حتى يومنا هذا، رغم مخاض العقود الأخيرة لنهاية القرن العشرين التي شهدت تطورات ليس لها نظير في تاريخنا القديم والحديث.

إن التفكير في النهضة ومدتها يطرح في ذاته تساؤلاً «محموماً» حول ما إذا كان العجز متأصلاً في عروقنا، أم أن هناك عاملاً مغيّباً ينبغي تجهيزه كشرط مقوم للنهضة والوقوف على الأقدام؟

لقد صوّر لنا القوميون العرب مرارة ما شهدناه خلال القرن العشرين من تجربة قومية فاشلة لمشروع النهضة العربية. فالوعي النهضوي الذي بدأ منذ القرن التاسع عشر قد تحول منذ أواخر الخمسينات إلى وعي ثوري، لكنه ما لبث أن نكص وتراجع بعد هزيمة (1967)، فخيبة الأمل والشعور بالإحباط والفشل قد أعاد الأمر إلى ما كان عليه من قبل، ألا وهو الوعي النهضوي الذي ما زال يملأ وجدان الضمير العربي. ومن القوميين العرب من عبّر عن هذه الأزمة تعبيراً مشبعاً بالعاطفة وحمّة الوجدان، كما هو الحال مع الاستاذ شاكر مصطفى الذي تساءل في ندوة له: «لماذا تطلّب وفاق العرب مع العصر كل هذا الوقت الطويل، ودون جدوى؟» ثم أضاف قائلاً: «هذا السؤال المصيري، النازف كالجرح في ضمير كل عربي ملتزم، إذا كان ما يزال يأخذ يوماً بعد يوم أبعاداً مأساوية متزايدة فلأنه قد مضت على ارتطام هذه الأمة بالحضارة الحديثة وبمعطياتها وآلاتها سنون بعيدة بعيدة. كتلة الأقاليم العربية مضت عليها الفترة الزمنية الكافية لتكون في مستوى العصر وتكنولوجيته وفيضه الحضاري. معظمها على الأقل إنطلق قبل الصين التي بدأت منذ ربع قرن، بعضها قبل روسيا التي بدأت منذ سبعين سنة. ومع ذلك فهذه الأمم وصلت. كلها وصلت، بينما لم يصل أي اقليم عربي طليعي إلى شيء بعد. مأساوية السؤال إنما تنبع من إحتمالات الأجوبة عليه: فهل وصلت الأمة حقاً مرحلة الشيخوخة فهي إلى الإدبار والعقم الحضاري؟ أو أضاعت الطريق؟ وأنى الطريق؟ أم ثمة من الأمراض المعقدة في تكوينها العام، ما يشل المفاصل أن تسير السير الذي يقتضيه ايقاع العصر؟ تلك هي المسألة» .

ويأتي منظر قومي آخر هو الاستاذ محي الدين صبحي ليلاحظ أنه منذ القرن التاسع عشر - المدعو بعصر النهضة - وحتى يومنا هذا ومحاولات النهضة لا زالت تتكرر: «قامت مرة على يد محمد علي.. وفي مرة ثانية بدأت بين الحربين نهضة استهدفت التحديث حصلت خلالها أمور كثيرة: كان الغرب في عصر النهضة الصناعية الأولى، عصر البخار، فاجتاز تلك النهضة ودخل عصر الطاقة والكهرباء، ثم الثورة الإلكترونية، كما حدثت ثورات إجتماعية كثيرة أيضاً، بدأت بالثورة البلشفية وتلتها الثورة الصينية ومؤخراً الثورة الفيتنامية، ولم يستطع العرب أن ينجزوا أي نوع من أنواع الثورتين: العلمية أو الإجتماعية السياسية، ولم يستطيعوا أن يقيموا دولتهم القومية أو أن يقدموا الضمانات القانونية الضرورية لنشوء العمران». وأكثر من ذلك أن المسافة بين تخلف العرب وتقدم الغرب أخذت «تزداد ولا تنقص: في القرن التاسع عشر كانت المسافة بسيطة نسبياً بين المجتمع المصري والشامي وبين المجتمعات الغربية الصناعية.. كان العرب إلى حد ما على اطلاع بما يجري في العالم، وكانوا أكثر قدرة على محاكاته، أما الآن فالمسافة تتسع وتنظيم المجتمع يتعقد ومعطيات السياسة العالمية تتشابك، ويضيق على العرب شيئاً فشيئاً بحكم تصارع القوى» .

وهناك منظر عربي آخر عبّر عن مأساوية الوضع الذي نحن الآن فيه، وعن مخاوف المصير التي تهددنا، فكما يقول الاستاذ غالي شكري في مجلة (دراسات عربية، 1980): «ولعلنا نصاب بالهلع إذا تذكرنا أن المسافة الزمنية التي تفصل بين نهاية ازدهار الحضارة العربية الإسلامية الأولى وبداية النهضة الحديثة في القرن الماضي تبلغ حوالي ألف سنة، بما يثير تساؤلاً مروعاً هو ما إذا كنا قد دخلنا بالفعل مرحلة انحطاط جديدة ستدوم ألف سنة أخرى. ولكن الجواب الأكثر ترويعاً هو أنه إذا كان ممكناً لأسلافنا أن يناموا كأهل الكهف عشرة قرون، فإن العصر الجديد يخلو من الكهف ويستحيل فيه النوم الحضاري الطويل، بل هو يضعنا في مفترق طرق حاسم لا رجعة فيه: فإما التقدم وإما الإنقراض، ولا طريق ثالث أو وسط بينها» .

أما الدعوة إلى النهضة الإسلامية فقد اجتازت مرحلتها إلى التطبيق والثورة منذ الربع الأخير للقرن العشرين، لكن مع ذلك فلا زال المخاض لم يحسم الموقف لصالح النجاح أو الفشل.

إن هذه التجربة الجديدة جاءت على عقب تجربتين فاشلتين مرّ بهما العالم الإسلامي، إحداهما التجربة القومية العربية بعد منتصف القرن العشرين، والاخرى التجربة العلمانية التي مرت بها تركيا بعد إنتهاء الخلافة أوائل هذا القرن. الشيء الذي يعني أن هناك المزيد من المخاوف من الوقوع في نفس الفشل الذي لاح كلا التجربتين القومية والعلمانية، رغم أن التجربة الأخيرة أخذت – اليوم - تسير في الإتجاه الإصلاحي عبر تهذيب العلمنة اللائيكية.

وعادة ما تعاني التجارب الإسلامية من أزمة في الحقوق إزاء الآخر المختلف، وغالباً ما تتمثل بالطابع الديني والطائفي، وقد يصل الحال إلى التطرف والتكفير والقتل وسحق الحقوق الإنسانية. لكن مع التجربة الجديدة فيلاحظ أن أزمتها تتحدد بالطابع القومي العنصري، رغم أنها تمتلك مرونة كبيرة قد يجعلها تتجاوز مثل هذه الأزمة بترسيخ العدالة الإجتماعية والإصلاح.

وإذ لا نكتم الإعلان عن مخاوف الوقوع في الفشل وما يترتب عليه من آثار باهضة، فإنّا نراهن على أن حل مشكلة كهذه يرتبط أساساً بعلاج طبيعة التفكير الذي هيمن علينا مما له علاقة وثيقة بنمط الإشكالية التي تستحوذ على عقولنا. إن التعرف على هذه الطبيعة سيدلنا على إدراك العلة الأساسية وراء الجمود والسكون الذي اجترته حضارتنا طيلة قرون، بل أنه كذلك سيضيء لنا الطريق المناسب للتحرر والخلاص.

 

مفكر وباحث عراقي

.............

انظر:

Bernard Lewis, Waht Went Wrong, New York, Oxford University Press, 2002.

والكتاب عبارة عن مجموعة محاضرات تعود إلى المؤرخ والمستشرق (برنارد لويس) الوالد في لندن، حيث القى الغالب منها خلال سنة 1999 في بعض جامعات فيينا، ومن ثم جمعت لتكوّن هذا السفر، مع بعض التعديلات التي الحقها المؤلف بعد احداث 11 سبتمبر (ايلول)، سيما ما يتعلق بالنتيجة التي اسفر عنها الكتاب. وبرنارد لويس هو استاذ للدراسات الشرقية في جامعة (برنكتن)، كما أن له عدداً من الكتب والدراسات حول الشرق الأوسط، بعضها تم ترجمته إلى اللغة العربية. ومن هذه الكتب: العرب في التاريخ، وقيام تركيا الحديثة، وفتح المسلمين لاوربا والشرق الأوسط.

2- عن: محمد عابد الجابري: إشكاليات الفكر العربي المعاصر، الطبعة الأولى، 1989م، مركز دراسات الوحدة العربية، ص132.

3- مجلة شؤون عربية، عن الخطاب العربي المعاصر لمحمد عابد الجابري، دار الطليعة في بيروت، الطبعة الثالثة، 1988م، ص26ـ27.

4- المصدر السابق، ص27.

abduljabar alrifaiبعد إعصار "إسلام داعش"، وتهديده للسلم العالمي، ودعوته وممارسته لإحياء ما نسخه التاريخ من الأحكام، مثل ممارسته "إحياء الرقّ قبل قيام الساعة"، حسبما أعلن عنه على غلاف عدد أكتوبر 2014، من نشرته "دابق"، وما فعله داعش من سبي واسترقاق لنساء الإيزيديين في سنجار، مبررا ذلك في أنه يحرص على تطبيق أحكام الفقهاء الخاصة بالمشركين، كما جاء في بيانه: (بعد الاستيلاء على سنجار، كُلف طلبة العلم الشرعي في الدولة الإسلامية بالقيام بالبحث في أمر الإيزيديين ليتم تحديد هل يجب معاملتهم كطائفةٍ شركيةٍ في الأصل أم أنها جماعةٌ من المسلمين الذين ارتدّوا، فتبين أن الأصل الواضح لهذا الدين وُجد في المجوسية في بلاد فارس القديمة، لكن دخلت فيه معتقدات من الصابئة، واليهودية، والمسيحية. ووفقًا لذلك، تعاملت الدولة الإسلامية مع هذه الطائفة، كما بين أغلب الفقهاء، كتعاملها مع المشركين)!

هل يمكن أن يشكك أحد في المأزق والأزمة العميقة للتفكير الديني في الاسلام، واننا اليوم في مفترق طرق؟!

وكيف اننا جميعا نهرب من تسمية الأشياء بأسمائها، ونلجأ لحيل، تتكتم على ما تضج به المدونة الكلامية والفقهية من آراء وأحكام: المشركين، أهل الذمة، الرق، الجزية، الردة..الخ. وتكفير الفلاسفة وذوي التفكير الحر، وأتباع الفرق والمذاهب، فقد كفّر ابن تيمية "الذي يمثل تراثه منهلا للجماعات السلفية، ومنها أخيرا داعش"، كفّر: الفلاسفة، والمتصوفة، والجهمية، والباطنية، والاسماعيلية، والنصيرية، والامامية الإثني عشرية، والقدرية . ولم ينفرد ابن تيمية بذلك، بل نعثر على غير واحد من الفقهاء من يفتي بكفر هؤلاء، وربما غيرهم، خاصة تلامذة مدرسته، ومن ترسموا منهجه في التفكير.

ولم يزل تراثه وسواه حاضرا فاعلا مؤثرا، عبر دراسته وتدريسه، وتبني آثاره في البحث والكتابة والمناظرة، واتخاذه مرجعية للتقليد في التدين والسلوك والتعامل مع الآخر والعيش. فلا تغيب آثاره عن أية مدرسة أو معهد للشريعة والدراسات الاسلامية، سواء كان تقليديا أو حديثا. كما تخصصت عشرات القنوات الفضائية بتقديم فتاواه ومقولاته، مضافا الى حضوره المكثف في خطب الجمعة التي تذاع من عشرات الآلاف من المنابر في مختلف أنحاء العالم الإسلامي، وتمحور جهود مراكز بحوث ودوريات ودور نشر عديدة على نشر مفاهيمه والتبشير بفتاواه والدعوة الى معتقداته.

ولم يجرؤ معظم الباحثين في الاسلام المعاصر بالإشارة الى ما ينبعث من آثاره من تكفير وأوامر بقتل المختلف عقائديا وفكريا، والتنبيه الى أن تراثه هو منجم معظم ما تشبعت به أدبيات الجماعات الاسلامية من السموم. بل تحمس بعض المفكرين في بلادنا العربية بالإعلان عن ضرورة العودة اليه، بوصفه أهم مفكر وفقيه ظهر في تاريخ الإسلام، وأية محاولة تقفز عليه أو تتخطاه، انما تغامر بفقدانها أصالتها وافتقارها لتمثيل الأمة والإسلام وحضارته.كما نجد مؤسسات ومراكز أبحاث، خلعت على نفسها شعار التجديد، وأسلمة المعارف والعلوم، تهتم بنشر مؤلفات ورسائل جامعية وأبحاث تعمل على إنشاء مفاهيم لتجديد التفكير الديني في الاسلام تتوكأ على مقولاته، بينما تتكتم ولا تعلن عن تلك المرتكزات والمقولات التي تصدر عنها وتنبثق منها الكثير من فتاوى الذبح والاسترقاق والسبي لداعش وشقيقاتها المعلنات والمضمرات.

وسيدرك الجميع متأخرين؛ ان هذه المقولات الاعتقادية والفتاوى الفقهية، التي تشبعت بها عقول عدة أجيال في مجتمعاتنا، وتفشت في المقررات الدراسية في كافة المراحل، وطغت في سلوك السلفيين، انها ستلتهم الجميع في خاتمة المطاف.

من المؤسف إن بعض السلطات تدعم مراكز دراسات ومؤتمرات وحلقات نقاشية ودوريات وصحف تدعو للدولة الوطنية الحديثة، والحوار والتسامح والتعايش، ومكافحة الارهاب، لكنها لا تريد أن تفتح الجراح العميقة، وتكشف عن مخزون العنف والكراهية، وكل ما هو ضد للحوار والتعايش والتسامح في مدونة الكلام والفقه الموروث.

المشكلة إن التربية على هذا اللون من التفكير في النظام التعليمي، والتبشير به في وسائل الإعلام والفضائيات، ومنابر المساجد، تفضي الى ذبول الحياة الروحية، وهشاشة الحياة الأخلاقية، ذلك أنه كلما اتسعت مساحة العقل السلفي ضاق فضاء الروح واختنق القلب. إذ كيف يستطيع قلب مسكون بالرعب من الله، والخشية من بطشه، والقلق من المصير الأخروي لعذابه؛ أن يكون محبا لله، متيما بوصاله، ملتزما بقيمه وبالمؤشرات الأخلاقية والروحية لأنبيائه ورسله!

مضافا الى أن سيادة هذا العقل يقوّض مفهوم دولة المواطنة الحديثة، وينفي مشروعية أصولها الدستورية، ويهشم برامجها التنموية. بوصف وظيفة دولة الخلافة في منطق العقل السلفي هي خدمة الله وليس خدمة الانسان، بينما مفهوم الدولة الحديثة يتأسس على ان وظيفتها تتمحور على خدمة الانسان، وتأمين كافة متطلبات حياته المادية وغيرها.

مع تفشي ثقافة التكفير في حياتنا، وتشبع وعي الناشئة بها، وترسبها في طبقات اللاوعي العميقة في شخصية أبنائنا، لا يمكننا أبدا بناء ميثاق للمواطنة؛ يكون النصاب فيه هو الانتماء للوطن فقط، والمساواة في الحقوق والواجبات. كيف ينسجم مفهوم المواطنة، مع مقولات وفتاوى مترسبة في تكويننا منذ الطفولة، تنص على ان الشركاء في الوطن، ليسوا سوى مرتدين ومشركين ونجسين وأهل ذمة، أو كفارا، مثل اليزيديين في العراق، لا خيار لهم، الاّ الإسلام أو القتل! وأية حياة روحية تستنبت وتنمو وتزدهر في سياق الكراهية والتعصب ونفي الآخر!..وكيف تتشكل منظومات القيم الأخلاقية في هذه المناخات الملعونة! وهل نستطيع بناء دولة مواطنة حديثة من دون حياة روحية أصيلة، وحياة أخلاقية لا تفتك بها السموم!

المأزق يكمن في الأسس ومناهج التفكير والأدوات المتوارثة المنتِجة للتفكير الديني في الإسلام، التي يكرّر العقلُ الإسلامي فيها ذاتَه باستمرار، ولا يني ينسخ ماقاله الأوائل، ولم يخرج من نسَجَ على منوالهم واقتفى آثارهم عن تلك القواعد والآراء في الغالب، إلاّ بحدود بيان القاعدة وشرح العبارة وشرح شرحها والتعليق عليها وتوضيح المراد واستخلاص المضمون.

ينبغي الاّ نفتقر للحسّ التاريخي في دراسة الموروث الديني، ولابد من الخروج عن المناهج والأسس والأدوات الموروثة لهذا التفكير، بوصفها قيودا، تعطّل العقلَ، وتسجن عمليةَ التفكير الديني في مدارات مغلقة، لا تكف عن التكرار والاجترار، تبدأ من حيث تنتهي، وتنتهي من حيث تبدأ. تبدأ من أصول الشافعي ولاهوت الأشعري لتنتهي بهما، وتنتهي بهما لتبدأ منهما...وهكذا.

نطمح بمرافعة من نوعٍ مغاير لمحاججات المتكلمين القدماء، لا تهدف هذه المرافعة الى تدوين ميثاق اعتقادي جديد، وانما تسعى لخلاصنا من شباك عقل الأسلاف، ومدارات تفكيرهم المحدودة بالفضاء المعرفي والمجال الدلالي لعصرهم.

من الضروري مساءلة المسلمات الموروثة الراسخة، في المنطق وعلم الكلام وأصول الفقه وعلوم القرآن والتفسير..وغيرها، وكل تلك الأسس والمرتكزات الراقدة في الطبقة التحتية لبنية المعارف الإسلامية، والمولِّدة للتفكير الديني في الإسلام، عبر اشتغالها على توجيه دلالات النصوص، في سياق منطقها الذي يفضي الى معنى محدد، يغدو هو الشريعة وأحكامها، وإن رفضه يعني رفضا للشريعة الإلهية. وهي لا تني تكرر هذا المعنى، وتعيد صياغته بعبارات بديلة، لكن المضمون يمكث على الدوام كما هو، مهما تقادم الزمان.

وكأنها بمثابة قوالب ثابتة يتشكل مدلول النص تبعا لها، فكما يأخذ الماء عادة شكل ولون الوعاء الذي يكون فيه، ولا يختلف لون وشكل الماء عن لون وشكل الإناء، هكذا النصوص توجه دلالاتها على الدوام أدوات ومناهج النظر التي تستنبط منها الأحكام، أي اننا مهما كررنا استعمال تلك القوالب ننتهي الى نتائج متفقة مضمونا وكيفاً، وإن اختلفت في صياغاتها وتفاصيلها وأسلوب التعبير عنها.

 

..................

- ملخص ورقة قدمها د. عبدالجبار الرفاعي، في "المؤتمر الدولي حول الأديان والقيم السياسية"، الذي نظمته "مؤسّسة أديان بالشراكة مع مؤسسة الأديان للسلام ومؤسسة كونراد أدناور للدراسات"، في جبيل- لبنان. بتاريخ 26 -28 تشرين الثاني 2014.

bobaker jilaliيربط 'حسن حنفي' ظاهرة التخلف العام في الواقع العربي والإسلامي المعاصر بغياب مشروع حضاري قومي على المستوى النظري، وبغياب نظرية محكمة في تفسير الواقع ترتبط بها النهضة وينطلق منها التجديد. ولما كان الموقف الحضاري غير واضح بل لم يتبلور ومن أسباب ذلك أزمة التغير الاجتماعي وأزمة المنهج في الدراسات والبحوث أي أزمة البحث العلمي، يقترح صاحب مشروع 'التراث والتجديد' مناهج وبدائل يربطها باللّغة وبمعاني اللّغة وبالأشياء تبعاً لأبعاد الفكر الثلاثة، اللّفظ والمعنى والشيء.

ولا يقوم العلم بدون لغة، والعلم الجديد مرتبط بلغة جديدة تكشف عنه، والتجديد بواسطة اللّغة هو بداية العلم. وهكذا مع الحضارة التي تتطور وتتجدد بفعل اللّغة وإذا ما ضاقت لغتها تُسقطها وتضع لغة جديدة قادرة على التعبير والتواصل. فالعلوم التراثية عندنا مازالت تستخدم اللّغة القديمة بمفاهيمها ومصطلحاتها في أصول الفقه وفي علوم التفسير وفي علوم الحديث وغيرها. "هذه اللّغة لم تعد قادرة على التعبير عن مضامينها المتجددة طبقاً لمتطلبات العصر نظراً لطول مصاحبتها للمعاني التقليدية الشائعة التي تريد التخلص منها ومهما أعطيناها معاني جديدة فإنها لن تؤدي غرضها لسيادة المعنى العرفي الشائع على المعنى الاصطلاحي الجديد. ومن ثم أصبحت لغة عاجزة عن الأداء بمهمتها في التعبير والإيصال."[1]

وإذا كانت معاني اللّغة القديمة هي معاني التراث أما اللّغة فهي لغة التجديد، لا يمكن إسقاط لفظ واستبداله بلفظ آخر يرادفه أو يشبهه بكيفية تلقائية. فلا تتجدد اللّغة بالإرادة بل فعل يحصل في الوعي لدى الباحث الذي يكتشف أن عجز اللّغة القديمة عن التعبير عن معانيها لارتباطها بثقافة حديثة وببيئة ثقافية جديدة عليها، والتجديد اللّغوي ضروري في هذه الحالة لأنه لا يتخلص من جمود اللّغة القديمة وعجزها على التعبير عن الماضي بل يتخلص من الغموض في الاستعمال، فيصبح التجديد اللّغوي أمراً ضرورياً طبيعياً لاستبدال اللّغة القديمة بالجديدة لأجل التعبير عن تجدد المعاني وفقاً لحاجات العصر ومتطلبات الواقع، والتجديد بواسطة اللّغة لا يغيّر أو يشوّه مضمون الفكر، فاللّفظ حامل للمعنى وموصول له يعطيه قوّة للتعبير عن نفسه بلفظ جديد يكشف عن معطى كان مخفياً في اللّغة القديمة، وهكذا مع لغة العلم، فاللّغة تلعب دوراً كبيراً في إنشاء العلم وبنائه. "بل إنه يمكن القول بلا أدنى مبالغة إن العلم هو لغة و أنّ تأسيس العلم هو إنشاء اللّغة."[2]

الحاجة إلى تغيير اللّغة التقليدية تصبح ضرورة عندما يعلن اللسان القديم على عجزه عن أداء وظيفته في التعبير والتواصل ويؤكد أن الخصائص المميزة له التي أدت مهمتها في التعبير والتواصل قديما صارت عيوباً وصعوبات تعيقه على التكيف مع البيئة الثقافية الجديدة. ولغتنا التقليدية أصبحت قاصرة وعاجزة عن التعبير والتواصل في واقعنا المعاصر لأنها ارتبطت بالإلهيات وبلفظة الله التي تحتوي على بعض النقائص في الاستعمال والتداول لكونها مادة لغوية تحدد المعنى أو التصور باعتبار المعنى مطلقاً يقصد التعبير عنه بلفظ محدود مقيد. وترتبط بالدين فألفاظها تشير إلى موضوعات دينية بحتة فأي لفظ ديني أصبح عاجزاً عن أداء وظيفته في الإيصال نظراً لارتباطه بمعاني عديدة جاءت نتيجة لطول تاريخ استعماله وقد تتعارض هذه المعاني أو بعضها مع المعنى الأصلي الأول الذي أعطاه الوحي، فاللفظ هنا مرتبط بالتاريخ وليس بالوحي. ومن هنا نجد اللغة في تراثنا القديم ذات طابع تاريخي لأنها تعبّر عن أحداث التاريخ لا عن الفكر. وكل الألفاظ في اللغة القديمة "لا تشير إلا إلى وقائع تاريخية، وأشخاص أو حوادث أو مناطق جغرافية، وليست مفاهيم علمية لها دلالـتها المستقلة... واللغة في تراثنا القديم لغة تقنينية تضم الوجود وتضعه في قوالب. فهناك قانونية المصطلحات في أصول الفقه، والتقسيمات العقلية في أصول الدين والفلـسفة علـى السـواء...ولكن لغة التقنين لا تصلح لكل عصر. فعصرنا مشابه لعصر الوحي القديم وقت نزوله... فالواقع يقتضي فكرة كما اقتضى الواقع القديم الوحي. صحيح أن تقنين الثورة من قاموسنا المعاصر ولكنه لا يعني فرض قوانين على الواقع بقدر ما يعني تنظيم ما يفرضه الواقع من تغيّر ثوري حتى لا يجهض أحد ما هذه التغييرات أو يستعملها لحسابه الخاص."[3]

بالإضافة إلى كون اللغة التقليدية ذلت طابع إلهي ديني تاريخي وتقنيني نجدها صورية مجردة، فالتقسيمات العديدة والتفريعات المتعددة في كل علم من العلوم التراثية مثل تقسيمات الوجود إلى ممكن وواجب ومستحيل وجوهر وعرض في الفلسفة أو علوم الحكمة وكذلك في علم أصول الفقه نجد أنواع العلل إلى موجبة وقاصرة ومؤثرة، وملائمة وغيرها. وكذلك الأمر في التصوف دون ربط ذلك بالواقع والتجربة الإنسانية الشعورية البحتة المعاشة حسياً وفكريا ونفسياً. تحولت تلك المفاهيم والتقسيمات إلى تجريد أفقد اللغة المتداولة ارتباطها المباشر بالإنسان والواقع. أما الألفاظ الجديدة مثل الأنا، الآخر، التاريخ، الثورة، التقدم، التخلف، والأزمة فهي تمثل أسلوب العصر ولغة الجيل ومنطق عمل وجدل في التاريخ وبناء في المجتمع. "إن التجريد ينشأ بعد نشأة العلم كموضوع وكمنهج وكبناء، ونحن الآن بصدد إعادة بناء العلوم من حيث النشأة. ومن ثم فمستوى التجريد في العلوم لا يلاءم مرحلتنا الحالية في إعادة بنائنا للعالم ووصف نشأته وتكوينه من جديد."[4] ولما رفض عصرنا اللغة التقليدية لكون ارتباط اللفظ فيها بشحنات تاريخية وخلافات مذهبية. تصبح من غايات 'التراث والتجديد' "عمل ثقافة وطنية يمكن التعبير عنها بلغة يقبلها الشعور العامي. فالألفاظ التي يتقبلها العصر هي التي يمكن استعمالها... ويعني أيضاً تطويع اللغة نشأتها واختيار ألفاظها إلى متطلبات الواقع حتى لا تقع في انعزالية الثقافة بصورية اللغة... اللغة التقليدية إذن قاصرة عن أداء وظيفتها في إيصال المعاني التي يمكن للباحث أن يعبر عنها للآخرين. فإذا بدأ الباحث برؤية الشيء وفهمه لمعناه ثم وضعه في اللفظ المناسب للتعبير فإن السامع يبدأ سماع اللفظ ثم يحدد معناه ثم يرى الشيء الذي رآه الباحث أولا. فإذا كان تجديد اللغة مهمّا بالنسبة للباحث بإعطائه المعنى وإشارته إلى الشيء فإنه مهم أيضاً للآخر باستقباله المعنى ورؤيته للشيء."[5]

وإذا كانت اللّغة التقليدية لا تفي بالغرض في تحقيق التغيير والتواصل لأنها تحمل تلك الخصوصيات التي أعطتها القدرة على التعبير والتواصل والإبداع في القديم، وصارت حالياً عيوباً تعيق التعبير والتواصل بل تزيد الأزمة تفاقما وتعميقا وتعقيداً فظهور لغة جديدة تفي بمتطلبات العصر وبحاجات الواقع ضرورة ملحّة وعاجلة، هذه اللغة الجديدة تزيح عيوب اللغة التقليدية وتستبدلها بخصائص أخرى تُسهل التعبير والإيصال. وأهم خاصية ينبغي أن تتوفر في اللغة الجديدة هي أن تكون عامة لتخاطب جميع الأذهان، فمن أهم خصائص العلم المضبوط أن تكون مفاهيمه ومصطلحاته عامة بحيث يستطيع كافة العلماء التعامل معها. وأن تصير قابلة للتغيير والتبديل ذات طابع عقلي غير قطعية لأن الثبات والقطعية والتوفيق في اللغة كل هذه الصفات تجعل منها مغلقة لا تقبل التجديد في ألفاظها وفي معانيها وفي وجودها ككل. ومما هو أساسي في اللغة يجعلها ذات وظيفة في الفكر وفي النفس وفي المجتمع وفي التاريخ والحضارة ارتباطها بما يقابلها في الحس والمشاهدة والتجربة أي ارتباطها بالواقع الذي تعيش فيه تكويناً وتعبيراً وتواصلاً وتجديداً. فالواقع هو المرجع والمحك للمعاني داخل الإشارات اللغوية. وبهذا يُصان الفكر من الألفاظ الخاوية وتختفي عزلة الفكر والمفكرين. والطابع الإنساني للغة يجعل الإنسان يستعملها مهما كان اتجاهه الفكري أو عقيدته، أما اللغة الخاصة فهي اصطلاحية تشير إلى مقولات غير إنسانية إذا عرفت التأويل والتفسير وتغذّت من مدلولات إنسانية. واللغة الجديدة في الواقع العربي والحالي لا ينبغي أن تكون مستعربة أو معربة بواسطة النقل الحرفي والصوتي للغات أخرى. بحجة قصور اللغة العربية، فذلك دعوة إلى ثقافات أخرى دخيلة. 'فالتراث والتجديد' جاء ليعبر عن فعل جماهيري ثقافي وطني يقرؤه الجميع، ويصيغ لغة واحدة مشتركة يستعملها جميع المثقفين بصرف النظر عن اتجاهاتهم المتباينة.

وفي 'التراث والتجديد' نجد ارتباط التجديد باللغة الجديدة وارتباط هذه اللغة بمنطق علاقة أبعاد الفكر فيما بينها، اللفظ والمعنى والشيء وفي هذا يقول 'حسن حنفي': "يمكن إخضاع التجديد اللغوي إلى منطق محكم يقوم على التعبير المطابق للمعنى والذي يقوم بوظيفته في الإيصال. فالمنطق اللغوي يشمل جانبين جانب التعبير وجانب الإيصال. وهما لا ينفصلان بل يشيران معاً إلى حياة اللفظ ودورانه بين المتحدث وبين السامع. ويمكن وصف هذا المنطق لتجديد اللغة بطرق ثلاث: إما بالانتقال من اللفظ التقليدي إلى معناه وإمّا بالانتقال من معنى اللفظ التقليدي إلى لفظ جديد، وإما بالانتقال من الشيء نفسه الذي يشير إليه التقليدي إلى لفظ جديد."[6] بالنسبة للحالة الأولى وهي الانتقال من اللفظ التقليدي إلى لفظ جديد لا لكون اللفظ القديم معيب لذاته بل لارتباطه بالتاريخ وتجريده من التاريخ لا يضمن صلاحيته مثل لفظ الإجماع أو الاجتهاد أما لفظ الخبرة بين الذوات أو التجربة المشتركة فهو لفظ معاصر ويدل على معنى اللفظ القديم دون كشف لعيوبه. أما بالنسبة للانتقال من المعنى الضمني إلى اللفظ الجديد، ففي حالات كثيرة يكون اللفظ القديم في معناه غير قادر على التعبير والتواصل فيعبر عن معناه الضمني بلفظ آخر جديد يكون قادراً على التعبير عن هذا المراد الضمني وتبليغه مثل التعبير عن معنى الكفّارة والحد بألفاظ جديدة مثل لفظة السلب ولفظة الإيجاب أو السالب والموجب. أما التجديد اللغوي بالانتقال من الشيء المشار إليه إلى لفظ جديد يقوم لوجود شيء يحتاج إلى لفظ يدل عليه و يحدث الأمر نتيجة التفاعلات الحضارية الفكرية والمادية كما يحدث نتيجة التطور والازدهار الحضاري في حياة الإنسان في جميع مستوياتها. "وأنه من التجاوز أن يسمى هذا اللفظ جديداً لأن ليس له مقابل تقليدي يعادله أو يوازيه بل نشأ نشأة تلقائية للتعبير عن الموضوع والإشارة إليه. فمثلاً ألفاظ صورة ومضمون وموضوعية، ألفاظ جديدة يمكن بواسطتها التعبير عن الهيكل العام لعلم أصول الفقه."[7]

لم يكتف 'حسن حنفي' بمنطق التجديد اللغوي الثلاثي الأبعاد والمكونات والذي يعطي قدرة كبيرة على التعبير عن المدلولات والبناءات المثالية الموروثة التي أغلقتها اللغة القديمة. بل اعتمد على مستوى حديث للتحليل في نظره يعطي مجالا خصباً وواسعاً تتكشف فيه خصوبة التراث واتساعه. ويعني بمستوى التحليل "المنظور الذي يُنظر منه إلى تراث.وهذا لا يتم إلا برؤيا معاصرة له. فالتراث يمكن قراءته بمنظورات عدة كلها ممكنة، والتجديد هو إعادة قراءة التراث بمنظور العصر. ليس معنى ذلك أن القراءات القديمة له خاطئة أو أن القراءات المستقبلية له غير واردة. بل كلها صحيحة، ولكن الخطأ هو قراءة التراث من المعاصرين بمنظور غير عصري. هنا يكمن الخطأ، خطأ عدم المعاصرة."[8] والمستوى الحديث لتحليل الموروث القديم هو مستوى الشعور. لأن الشعور "مستوى أخص من الإنسان، وأهم من العقل، وأدق من القلب وأكثر حياداً من الوعي، يكشف عن مستوى حديث للتحليل موجود ضمناً داخل العلوم التقليدية نفسها ولكن نظراً لظروف نشأتها لم يوضع في مكان الصدارة، ولم تعط له الأولوية الواجبة، ولكن يُفهم ضمنا، ويُقرأ فيما بين السطور... لم يظهر الإنسان واضحاً في الحضارة كبعد مستقل كالإلهيات أو الطبيعيات لأن الإنسان كان موجوداً بالفعل. ومع ذلك فنجد أن الإنسان و بوجه أخصّ الشعور موجود ولكنه متخفيا وراء الإلهيات وداخل العلوم التقليدية."[9] فكل العلوم التقليدية العقلية النقلية أو العقلية أو النقلية نشأت في الشعور الذي يظهر في البنية الثلاثية لأصول الفقه، الأدلة واللغة والأحكام وكذلك في الفلسفة وأصول الدين والتصوف والفقه والسيرة وغيرها. "ونصوص الوحي ذاتها نشأت في الشعور، أما في الشعور العام الشامل وهو ذات الله أو في الشعور المرسل إليه والمعلن فيه، وهو شعور الرسول أو شعور المتلقي للرسالة، وهو شعور الإنسان العادي الذي قد يشعر بأزمة فينادي على حل ثم يأتي الوحي مصدقاً لما طلب."[10] وإذا كان القرآن عبارة عن مواقف يعمل فيها الشعور العام وكانت السنّة مواقف إنسانية يعمل فيها شعور النبي فإن في الإجماع والاجتهاد مواقف إنسانية يعبر فيها عن التجارب المشتركة والتجارب الفردية، فهذا يعني أن الشعور أساس المعرفة والوجود قديماً وحديثاً وفي عصرنا، ولغته لغة شائعة وهو جزء من وسطنا الثقافي بواسطته تتكشف الحقائق ويصبح العقل التجديدي المعني بالموروث أمرا ًممكناً.

يقترح 'حسن حنفي' فيما سبق منهجين لتجديد التراث، المنهج اللغوي والمنهج الظاهراتي الشعوري على أساس عجز اللغة الكلاسيكية عن التبليغ والتواصل، وعجز المناهج في الساحة الثقافية عن حلّ أزمة التراث والتجديد لكونها تقع في خطأ قراءة التراث وتحليله بمنظور غير عصري، خطأ عدم المعاصرة. ويؤكد على اللّجوء إلى مستوى ثالث إلى جانب منطق اللغة ومنطق الشعور هو مستوى تغيير البيئة الثقافية لأن العلوم التقليدية التي تمثل موروثنا نشأت في واقع معين له ظروفه وأحواله والعلوم ليست مطلقة حدثت وتثبتت بصفة مطلقة، فالعلم نسبي ومتطور باستمرار، فالبناء في العلم لا يتغير بينما مادته تتغير تعطيها البيئة الثقافية المعينة في الزمان والمكان، وهذا ما فعله فلاسفة الإسلام إذ غيّروا مادة الفلسفة اليونانية بمادة إسلامية، ففي أصول الفقه طغت العبادات على المعاملات، وفي أصول الدين طغت مشكلة التوحيد على مشاكل الإنسان الاجتماعية وتكثر في الفلسفة المشكلات التي لم تعد مواكبة لعصرنا الحاضر لارتباطها بظروف نشأتها في عصرها الماضي. "أما الآن فهذه المادة لم تعد ذات دلالة فالأفلاك موضوع لعلم الفلك، والطبيعة موضوع لعلم الطبيعة، والعقل والنفس موضوعات لعلم النفس، والتوحيد ذاته موضوع لعلم النفس والاجتماع لتحديد نشأة الأفكار الدينية في ظروف نفسية واجتماعية معينة اضطهادا أو غلبة... إن الخطر علينا الآن هو الخرافة والأسطورة والخلط بين المستويات...وهناك مشاكل تاريخية خالصة لا تلزم العصر الذي نعيش فيه... كل ذلك حوادث تاريخية صرفة ووقائع لا تهمنا إلا من حيث أنها تحقيق لنظم، وحتى في هذه النظم يفرض واقعنا المعاصر نظمه ولا يحتاج إلى شرح للنصوص أو تأويل للماضي مناف لتطور الحاضر ومانع له."[11]

يؤكد 'حسن حنفي' على إمكانية تغيير المادة العلمية والتأسّي بالقدماء مع تعاطيهم مع الحضارات والثقافات والديانات الأخرى. فتجديد مادة العلم تتم بتجريد الموضوع من كافة شوائب الحضارات التي علقت به وبمعناه وبكيفية عرضه وتحليله وبنتائج فهمه. ويُعاد بناء الموضوع الأولي، بناء معناه بعد أن تجرّد من الشوائب، والبناء يكون داخل الشعور والواقع ثم إطلاق المعنى حتى يتجاوز حدود اللفظ فتصبح المعاني مباحث الوجود العام وإطلاق المعنى يكون من الاشتقاق ويمكن إطلاقه مجازاً إذا اقتضى الأمر ذلك. ولما كانت الغاية من تغيير البيئة الثقافية هو اكتشاف الواقع في العصر الحاضر والعيش فيه بدل من العصر القديم وثقافته من خلال قراءة هذه الثقافات وتجديد مادتها، هذا لا يحصل إلا من خلال تحليل القديم وتخليصه من الشوائب وتحليل المعاصر بواسطة نظرية في التفسير تعطي موقفاً من الواقع ثم مقابلة القديم بالمعاصر، "أو تركيب الأولى على الثانية وتأسيس الموضوع المثالي على الواقع العصري، وإعطاء النفس بدناً، والروح طبيعة والفكر واقعاً، والله عالماً. وهناك لا يخطئ الباحث فهو ليس مسئولا عن الموضوع المثالي ولا عن روح العصر وإنما مسؤوليته في توجيه أحدهما بالثاني والربط بين القديم والجديد، وإحياء التراث، وتأصيل العصر."[12] كل هذا ليبدأ 'حسن حنفي' في محاولاته لإعادة بناء العلوم التراثية على الرغم مما تواجهه هذه المناهج التجديدية من صعوبات ومشاكل في الواقع المعاصر

لاحظنا من قبل أن 'حسن حنفي' يطرح إشكالية التراث والتجديد في وضعها الحالي من خلال الاتجاهات التي تتنازعها لأجل حلها وهي ثلاثة اتجاهات:اتجاه يكتفي بالحل الذاتي التراثي فيقع في العجز والنفاق والنرجسية. واتجاه يرفض الحل الذاتي التراثي ويأخذ بالحل الخارجي المستورد للجديد فيقع في القصور والتقليد والازدواجية. أما الاتجاه الثالث، فلا يأخذ بالحل التراثي الذاتي بمفرده ولا بالحل المستورد بمفرده بل يوفّق بين الحلّين طلباً للتوازن والاعتدال من خلال الجمع بين القديم وما يتفق مع العصر، وإرجاع الجديد لمقاييس القديم فيكون فيه التجديد من الخارج من خلال ظاهرة الانتقائية من الفكر الأوربي الحديث والمعاصر ثم قياس التراث عليه أو التجديد يكون من الداخل من خلال إظهار الجوانب المشرقة في التراث القديم المنقول واستثمارها في تلبية متطلبات العصر وحاجات الواقع المعاصر مما يحتاجه من تغير اجتماعي وتقدم في مجالاته المختلفة. لكن لا توجد محاولة واحدة من هذه المحاولات استطاعت أن تعي الأزمة، أزمة التراث والتجديد وتبني مشروعاً حضارياً قومياً يعالج قضية التراث والتجديد من جذورها ويصل إلى حل الأزمة من خلال الموروث والوافد في الواقع المعاصر.

ومما زاد مشكلة التراث والتجديد تعميقاً وتفاقما كما هي في وضعها الحالي، أزمة البحث العلمي في الواقع العربي والإسلامي المعاصر وهو ما يعرف بأزمة أو مشكلة المنهج في الدراسات الإسلامية. بحيث تضاف أزمة البحث العلمي في التراث والتجديد إلى أزمة التغيير الاجتماعي وهي أزمة ثورة. فسيطرت النعرة العلمية كما يريدها الغرب على الدراسات والبحوث في مجتمعاتنا، بمناهجها وأساليبها مما ألحق الخلل والجمود في دراسة ثقافتنا الحالية أو موروثنا القديم سواء باستخدام المنهج التاريخي أو التحليلي أو باستخدام الإسقاط وفكرة الأثر والتأثر وهي مناهج ارتبطت أساساً بعمل الاستشراق والمستشرقين وبدعواتهم وأغراضهم. من جهة أخرى شهدت النزعة الخطابية التي سيطرت على بحوث ودراسات المفكرين والباحثين من أبناء العالم العربي والإسلامي نفس النتائج في الخلل والفساد وغياب مشروع حضاري واضح المعالم ومجدد المنطلقات والمرامي، ذلك لسيطرة التكرار والاجترار والتقريظ والدفاع والتبرير والجدل والمهاترات ووصل كل من أصحاب النزعة العلمية وأصحاب النزعة الخطابية إلى باب مسدود في التعاطي مع أزمة التراث والتجديد فغاب الحل و بقيت الأزمة قائمة.

يؤكد 'حسن حنفي' أن أزمة البحث العلمي في العالم العربي والإسلامي لا تُحل بأي منهج من المناهج الثلاثة السابقة بل يتم بطرق أخرى عديدة تتعلق بأبعاد التفكير المعروفة، بعد اللفظ وبعد المعنى وبعد الشيء، وتجديد التراث يحتاج إلى لغة جديدة تماماً تكون خالية من عيوب اللغة القديمة وقصورها وحتى عادت اللغة القديمة غير مواكبة تماماً للعصر وللتقدم العلمي التكنولوجي والاجتماعي المستمر، فالعصر في حاجة إلى لغة فعّالة وإيجابية تتميز بأن تكون عامة و مفتوحة وعقلية ولها ما يقابلها في مجال التجربة والمشاهدة والحس وأن تكون إنسانية لا محلية ضيّقة. وفي إطار التجديد اللغوي ضرورة تتبع الأساليب الثلاثة: أسلوب الانتقال من اللفظ القديم إلى لفظ جديد أو أسلوب الانتقال من المعنى الضمني في اللفظ القديم إلى لفظ جديد وأسلوب الانتقال من الشيء أو الموضوع المشار إليه إلى لفظ جديد. هذا في مجال منطق التجديد اللغوي أما في مجال تحليل التراث وتفكيكه في نشأته وعند أصحابه وفي تكوينه في ظروفه التاريخية تمكين الانتقال إلى مستوى التحليل الشعوري أو الظاهراتي وهو مستوى حديث للتحليل يمثل المنظور الذي يُقرأ منه التراث وهو مستوى موجود في التراث القديم بجميع جوانبه ابتداء من الوحي القرآن والسنة فاجتهادات العلماء إلى العلوم المختلفة إلى الثقافة الشعبية في صورتها البسيطة. وهذا التجديد في منطق اللغة في مستوى التحليل لا ينجح إلاّ بتغيير البيئة الثقافية، وواقع البيئة الثقافية يمثل مستوى ثالث للتحليل لأن الثقافة التقليدية نشأت في ظروف وأوضاع خاصة بها والتجديد المطلوب والمستورد في عصرنا لحياتنا الفكرية والثقافية والنظرية له ظروفه وأحواله المعاصرة، فإن لم تتغير البيئة الثقافية الحالية في عصرنا وهي بيئة كلاسيكية، بيئة القدماء فيكون التجديد في هذه البيئة مجرد وهم لأنه ليس تجديداً بل تكرار وإعادة لبيئة ماضية واعتبارها جديدة. فلا يتم التجديد بالظروف والأوضاع الثقافية والفكرية الحالية في واقعنا المعاصر، بل يشترط تغيير بيئتنا الثقافية لينطلق التجديد الفعلي من خلال قراءة القديم وتجريده من كافة الشوائب التي اتصلت به وإعادة بنائه داخل الشعور وتحرير المعاني لتتجاوز ألفاظ النص أي بواسطة تحليل القديم وتنقيته وإعادة بنائه وتحليل الواقع المعاصر بنظرية التفسير ثم مقابلة القديم بالواقع، "أو تركيب الأولى عن الثانية وتأسيس الموضوع المثالي على الواقع العصري وإعطاء النفس بدناً، والروح طبيعة، والفكر واقعاً، والله عالماً، وهنا لا يخطأ الباحث، فهو ليس مسئولا عن الموضوع المثالي ولا عن روح العصر وإنما مسؤوليته في توجيه أحدهما بالثاني والربط بين القديم والجديد، وإحياء التراث، وتأصيل العصر."[13]

يرتبط التجديد بكل جبهة من الجبهات الثلاث، جبهة التراث وجبهة الآخر وجبهة الواقع. وكل جبهة من الجبهات الثلاث ترتبط بموقف حضاري ما، يتبلور فيه التجديد ويقوم بداخله النهوض الحضاري تغييرا للوضع الحالي لمشكلة التراث والتجديد والموقف الحضاري بأبعاده الفكرية والتاريخية، بُعد التراث والماضي وبُعد الآخر وثقافته وبُعد الواقع وتحدياته يمثل الميدان الواسع للتجديد والإبداع كما يمثل الساحة الكبرى للمعارك الثلاث في الجبهات الثلاث. والموقف الحضاري بأبعاده الثلاثة الأنا والآخر والواقع يرتبط من جهة أخرى بالزمان، فيرتبط في الموقف الحضاري بُعد الحاضر بالواقع ومتطلباته وتحدياته ويرتبط الماضي بالتراث وجوانبه المشرقة والمظلمة، كما يرتبط المستقبل بالآخر وثقافته وأمام هذه الثلاثية النظرية والزمنية يحتاج التجديد إلى أن يكون في كل ميدان من هذه الميادين الثلاثة، الميدان التراثي، وميدان علاقة الأنا بالآخر وميدان الواقع.

بالنسبة لميدان التراث، فمجتمعاتنا تراثية تاريخية، تعيش بالتراث وعلى التراث فهو مخزونها النفسي الذي يؤثر في سلوك أفرادها شعورياً ولاشعورياً، وتجديده أمر ضروري، ولما كانت الأزمة هي أزمة التغيير داخل المجتمع أو أزمة ثورة، وأزمة منهج البحث والدراسة وأزمة البحث العلمي، ولما عجزت المناهج والاتجاهات القائمة حالياً عن التجاوب الايجابي والفعّال في حلّ هذه الأزمة صار من الضروري تجديد الموروث القديم بطرق وأساليب تسمح بالتعاطي مع هذه الأزمة بفعالية ونجاعة، والخروج من الوضعية التي تجعل أقصى جهد البحث هو "إعادة الاختيار بين البدائل التي وُجدت عند القدماء دون إبداع بديل جديد من وحي العصر. ينتقي مما هو موجود ولكنه لا يضيف إليه شيئاً، وبالتالي يظل الفكر محكوماً بالبدائل القديمة، ومع ذلك قد تكون إعادة الاختيار بين البدائل بداية الاجتهاد ولكنها ليست نهايته."[14] والتجديد في التراث يخص أساساً العلوم التراثية وهي عقلية نقلية تتمثل في علم أصول الدين وعلوم الحكمة (الفلسفة) وعلم أصول الفقه وعلم التصوف، وأخرى نقلية وهي علوم القرآن وعلوم التفسير وعلوم الحديث والسيرة والفقه، أما العلوم العقلية فهي الرياضة وعلوم الطبيعة والعلوم الإنسانية. فتجديد هذه العلوم يتمثل في إعادة بنائها وتحويلها إلى طاقات متفجرة في الحاضر تشارك في بنائه بإيجابية وفعاّلية، وفي هذا يقول 'حسن حنفي': "ولما كان التراث يرتكز في شعور الناس على تراث السلطة، الأشعرية في العقيدة، وليس الاعتزال، والاشراقية في الحكمة وليس العقلانية، والنصية في أصول الفقه وليس المصلحة، والأحوال والمقامات السلبية وليس الإيجابية كانت مهمة إعادة التراث هو إعادة التوازن في شعور الناس وثقافة الجماهير بين تراث السلطة وتراث المعارضة العقلاني الاعتزالي الفلسفي، والوضعي الفقهي والاجتماعي الصوفي حتى تنشأ حركات التغير الاجتماعي من الداخل وليس من الخارج، بتراث الأنا وليس بتراث الغير. فيحدث التغير الاجتماعي من خلال التواصل وليس من خلال الانقطاع، ويقع التراكم التاريخي المتصل دون الوقوع في الردّة والانكسارات والعودة إلى الصفر باستمرار."[15]

حسب 'حسن حنفي' فإن طرق ومناهج التجديد الثلاثة المقترحة وهي منطق التجديد اللغوي، ومنطق التحليل الشعوري ومنطق تغيير البيئة الثقافية عامة تشمل التراث برمّته وتوجد طرق خاصة يمكن بها إعادة بناء كل علم من العلوم التراثية على حدة الذي هو ميدان التجديد والإبداع. هذه الطرق تتمثل في 'منطق التفسير' و'منطق الظواهر' و 'منطق التقييم' و'منطق التجديد'. وإعادة بناء العلوم الدينية العقلية الغرض من ذلك اكتشاف الوحي وكيفية تحوّله إلى علوم عقلية، "حتى يمكن أن يكون مثالاً للمحاولات الحالية لتحويل الوحـي إلى عـلم محـكم... وفي إعادة بناء العلوم يمكن أن يوضع كل شيء موضع التساؤل من جديد، ولكن تظلّ نقطة البداية هي الوحي الموجود بالفعل في الكتاب... وكل المشاكل التي تعرضها العلوم التقليدية تحتاج إلى إعادة بناء."[16] أن العلوم التراثية كلها صدرت من الوحي وشقت طريقها نحو الإبداع والتجديد فعلم الكلام حوّل النص إلى معنى دون أن يتصل بحضارة أخرى بل بجهد داخلي. والفلسفة استطاعت أن تقدم نظريات شاملة وأقسام عامة هي الإلهيات والطبيعيات والمنطق. وقدّم أصول الفقه منهجاً خارجياً عن الفلسفة وأصول الدين في التشريع، وجاء التصوف يستخدم التأويل ويقدم منهجاً صاعداً من الله إلى العالم في مقابل أصول الفقه أو التنزيل كمنهج نازل من الوحي إلى العالم. والعلوم العقلية البحتة الرياضية والطبيعية والإنسانية فهي لم تصدر من الوحي لكن لها بواعثها في الوحي والحضارة مثل الدعوة إلى التأمل والبحث والتجريب. أما العلوم النقلية فهي قامت من أجل ضبط الوحي تدويناً وتفسيراً وإعادة بناءها تسمح باكتشاف دلالات جديدة للعلوم القديمة وتلبية متطلبات العصر من خلالها. والعلوم التراثية لما كان مصدرها الوحي فهي بعد تطورها صارت ظواهر فكرية من خلال ارتباطها بالشرعي والعقلي والواقعي وهذه الظوهر محتواه في الوحي وتعرف بعملية 'الاحتواء'.

كان الغرض من العلوم التراثية خاصة العقلية النقلية هو تحويل الوحي إلى نظرية أو علم أو منهج، وذلك من خلال ظاهرة توحيد العلوم التراثية لارتباط كل علم ببقية العلوم الأخرى تأييدا أو معارضة ونقداً، ويحدد 'حسن حنفي' طبيعة 'التراث والتجديد' بالنسبة لظاهرة توحيد العلوم فيقول: "فالتراث والتجديد مع أنه دراسة في الفكر إلا أنه يقوم على منهج فقهي بمعنى أنه يُطبق على الفكر القياس الفقهي، ويعتمد على الاجتهاد في الفكر... فالصالح العام هو الأصل وأحد مصادر الشرع ... 'التراث والتجديد' دراسة فقهية يقوم بها فقيه في الحضارة الإسلامية ككل وليس في الفقه وحده... فإذا كانت بداية العلوم العقلية التقليدية هو الوحي فإن نهاياتها هي الإيديولوجية. 'التراث والتجديد' في النهاية إن هو إلا تحويل للوحي من علوم حضارية إلى إيديولوجية، أو ببساطة تحويل للوحي إلى إيديولوجية. وارتباط الإيديولوجية بالواقع، وتعبيرها عن عصر معين لا يعني أنها متطورة ومتغيرة باستمرار، فالوحي أيضاً علم للمبادئ العامة التي يمكن بها تأسيس العلم ذاته وتأسيس العلوم الجزئية، والتي يمكن أن تكون الأساس العقلي للإيديولوجية. تكون مهمة 'التراث والتجديد' إذن تحويل الوحي إلى علم شامل يعطي المبادئ العامة التي هي في نفس الوقت قوانين التاريخ وحركة المجتمعات فالوحي هو منطق الوجود."[17]

فمهمة 'التراث والتجديد' في ميدان التراث لدى 'حسن حنفي' وبالنسبة للعلوم التراثية هو "دورنا في إعادة بنائها وتطويرها من واقع المسؤولية، فإن القدماء رجال ونحن رجال نتعلم منهم ولا نقتدي بهم، رسالتنا هي التبليغ والتعبير وإيصال الحقيقة للناس، وتقديم التراث لهم يقرؤون فيه حياتهم، ويجدون فيه هويتهم، لذلك يجد الباحث نفسه اليوم في مواجهة قضية اللغة والمصطلحات، ومستويات التحليل، والمحاور والبؤر الحضارية وإعادة الاختيار بين البدائل القديمة... في هذه اللحظة فقط تبدو إمكانية الثورة أعني حين تضغط المحافظة إلى أدنى ترسب ممكن، وتمتد العقلانية والطبيعية إلى أقصى حد ممكن. هنا فقط سيتحرك التاريخ من جديد، وتبدأ مرحلة ثالثة بعد الأولى التي اكتملت فيها من القرن الأول حتى السابع. وبعد الثانية التي حافظت فيها على نفسها من السابع حتى الرابع عشر. فيكون جيلنا معاصراً لمرحلة ثالثة و ممهدا لها إذ يجمع فيها بين تأويل القديم وبين إبداع الجديد."[18]

والميدان الثاني المعني بالتجديد في مشروع 'التراث والتجديد' هو جبهة الموقف من الآخر، من الغرب وثقافته وفكره والتجديد هنا يخص الموقف من العلاقة بين الأنا والآخر حيث عرفت الساحة الفكرية في العالم العربي والإسلامي المعاصر عدة مواقف تجاه الغرب، "الموقف الأول هو موقف الانقطاع عنه ورفضه لأنه تراث الآخر المخالف، الوافد الذي يمثل خطراً على الموروث وعلى الهوية والذي ينتهي إلى الوقوع في تقليد الآخر والتغريب والتبعية... أما الموقف الثاني فهو موقف التواصل وهو موقف التيار العلمي العلماني الذي يرى أن الغرب نمط التحديث... والموقف الثالث هو موقف الانتقاء من التراث الغربي ما يعبّر عن حاجاتنا العصرية ومطالبنا في التقدم والنهضة."[19] كل هذه المواقف لم تستطع أن تحل الأزمة، ودخل بعضها في حوار مع الآخر على حساب "الحوار مع الأنا مع أن الحوار مع الذات يسبق الحوار مع الآخر، ومعرفة النفس سابقة على معرفة الآخر، والتساهل في معرفة الذات يؤدي إلى تساهل في معرفة الآخر، وبالتالي يعزّ الحوار، ويقع سوء التفاهم. لذلك لم ينجح الحوار مع الآخر حتى الآن لأنه لم يقم على الحوار مع الذات أولا."[20] ولم يجد الحوار إلا في اعتبار الغرب النموذج الواحد والوحيد لأي تقدم حضاري وهو ممثل البشرية جمعاًء، و"اعتبار الغرب المعلم الأبدي واللاّغرب التلميذ الأبدي ... رد كل إبداع ذاتي للشعوب غير الأوربية إلى الغرب ... أصبح الغرب هو الإطار المرجعي الأول والأخير لكل إبداع غير أوربي، كما كان الحال مع الحكماء الأوّلين بالنسبة لليونان فخرج ابن رشد أرسطيا."[21]

صحيح أصبح التراث الغربي يشكل واحدا من الروافد الرئيسية للوعي القومي في البلاد العربية والإسلامية، "لم تحدث بيننا وبينه قطيعة إلا في الحركة السلفية. ولم تقم حتى الآن حركة نقدية له إلا في أقل الحدود وبمنهج الخطابة أو الجدل دون منهج النقد ومنطق البرهان، وقد يتم التركيز على هذا المصدر وحده فتنشأ ثقافتنا العلمية العلمانية وحركاتنا الإصلاحية والتحديثية وتعليمنا العصري ونظمنا الحديثة اقتناعاً وإيماناً أو دفاعاً عـن مصـالح الحكـام... وبالتالي بدأ وعينا يسيطر على قدمين: الأولى طويلة وقوية وربما رفيعة نظراً لأننا نجهل تراثنا القديم، والثانية قصيرة ومتورمة نظرا لانتشار الثقافة الغربية في وعينا القومي لدرجة الانبهار بها والتبعية لها."[22] لذا "نشأ 'الاستغراب' في مواجهة التغريب الذي امتد أثره ليس فقط إلى الحياة الثقافية وتصوراتنا للعالم وهدد استقلالنا الحضاري بل امتد إلى أساليب الحياة اليومية ونقاء اللغة ومظاهر الحياة العامة وفن العمارة ... الاستغراب هو الوجه الآخر والمقابل بل والنقيض من الاستشراق يهدف 'علم الاستغراب' إذن إلى فك العقدة التاريخية المزدوجة بين الأنا والآخر ... يعبر عن قدرة الأنا باعتباره شعوراً محايداً على رؤية الآخر ودراسته وتحويله إلى موضوع وهو الذي طالما كان ذاتاً يحوّل الآخر إلى موضوع...مهمة هذا العلم الجديد رد ثقافة الغرب إلى حدودها الطبيعية."[23] لذلك تتغير علاقة الأنا بالآخر في إطار وعي حضاري يشمل موقفاً حضارياً من الآخر كما يشمل بعد المستقبل الذي يصنعه الحاضر الممتد في التاريخ والماضي.

والميدان الأخير الذي يشمله التجديد هو الواقع، والواقع ليس ذا طبيعة نصية مثلما الأمر في الموروث والوافد. فالواقع له مشكلاته وتحدياته تحتاج من الفكر موقفا حضاريا هو نظرية التفسير أو نظرية في تفسير الواقع، الفكر العربي الإسلامي المعاصر وقف من الواقع أكثر من موقف تأرجح بين التبرير والرفض والانعزال. "وأول موقف للفكر العربي الحديث من الواقع هو التبرير، تبرير النظم القائمة وتبرير الوضع القائم لأن وظيفة العقل هي تبرير المعطيات السابقة سواء كانت في العقائد الدينية أم في النظم الاجتماعية ... والموقف الثاني هو موقف الرفض والتمرد والغضب... أما الموقف الثالث فهو الانعزال كلية عن الواقع لا تبريراً ولا رفضاً بل نفورا أو تعففاً."[24] و لمّا كان من غير الممكن فهم التراثين بعيدا عن الواقع الحالي وظهر عجز المواقف الحالية في الساحة الفكرية عن التعبير عن الأزمة وحلّها وعجزها عن "تغيير الواقع أو حتى إلى فهمه بل تدل على عدم نضج في التعامل معه. وهنا تأتي أهمية الموقف الرابع الذي يقوم على التنظير المباشر له- الواقع- بعد العيش معه وتجربته وإدراك مكوناته والإحساس به ثم محاولة فهمه والتعبير عنه دون الاعتماد على قال فلان أو علاّن من التراث القديم أو من التراث الغربي."[25] لأن الفكر العربي المعاصر يفتقد إلى نظرية التفسير ونظرية التفسير "هي التي تربط بين الوحي والواقع – أو إن شئنا- بين الدين والدنيا أو إن فضّلنا يبن الله والناس. فإذا نظرنا إلى تفسيرنا الحالي نجد أننا لا نملك نظرية محكمة... ومنهج تحليل الخبرات هو النظرية الوحيدة الممكنة في التفسير وذلك لأن فهم النصوص لا يأتي إلا بإرجاعها إلى مصدرها في مجموع الخبرات الحيّة التي نشأت فيها."[26]

تتعاطى نظرية التفسير التي تستخدم منهج تحليل الخبرات مع الواقع حسب تحدياته. وهي تحرير الأرض من الغزو والاستعمار وتحرير المواطن من الظلم والاستبداد والدفاع عن حريته وحقوقه في مقابل قهره وتعذيبه وتحقيق العدالة الاجتماعية وإعادة توزيع الثورة على الناس وتحقيق الوحدة في مواجهة التجزئة والعنصرية والطائفية وتحقيق الهوية في مواجهة التغريب والحرص على تحقيق التنمية ضد كل مظاهر وصنوف التخلف واللجوء إلى الغير وتجنيد الناس وحشد الجماهير ضد السلبية واللامبالاة. فنظرية التفسير منهجها أسلوب تحليل الخبرات الذي يربط النص التراثي القديم أو النص الوافد الجديد بالظروف التي نشأ فيها ويردّه إلى أصوله في مجمل التجارب الإنسانية الحيّة التي أفرزته، وبالتالي تتكامل الجبهات الثلاث والموقف الحضاري بأبعاده الثلاثة، كما تندمج ميادين الإبداع الثلاثة ميدان الموروث وميدان الوافد وميدان الواقع، بأبعادها الزمنية ومع بعضها البعض فتنطلق الحضارة ويتحرك التاريخ.

هذا الموقف الحضاري يتكامل في مكوناته و يتعاطى مع الواقع والآخر والموروث وفق تصور عام "للمرحلة التاريخية الرامية من منظور كلي شامل يمكن إدراك أهمية النقد الحضاري المزدوج للموروث القديم وللوافد الغربي الحديث فقط كالعولمة، ونظام العالم الجديد، ونهاية التاريخ، وصراع الحضارات، وحقوق الإنسان، وحقوق المرأة، والأقليات، وتلوث البيئة و الطائفية، والعنف، و النزاعات العرقية الجديدة. يُضاف إلى ذلك النقد الاجتماعي لمشاكل السكان والبطالة والطفولة والشيخوخة والأمراض الاجتماعية وعلوم الحياة، والجينات والهندسة الوراثية. بل ويعني أيضاً النقد الاجتماعي المباشر للتسلّط والنظام الأبوي والتجزئة والتزلّف والظلم الاجتماعي والتغريب ولامبالاة الناس."[27]

 

الدكتور جيلالي بوبكر

..................

[1]- حسن حنفي: التراث والتجديد: ص110.

[2]- المرجع نفسه : ص112.

[3]- المرجع نفسه : ص118.

[4]- المرجع نفسه : ص118.

[5]- المرجع نفسه : ص118-119.

[6]- المرجع نفسه : ص123.

[7]- المرجع نفسه : ص127.

[8]- المرجع نفسه : ص132.

[9]- المرجع نفسه : ص132-133.

[10]- المرجع نفسه : ص135.

[11]- المرجع نفسه : ص141-142-143.

[12]- المرجع نفسه : ص145.

[13]- المرجع نفسه : ص145.

[14]- حسن حنفي: هموم الفكر والوطن، الجزء الثاني، ص456.

[15]- المرجع نفسه : ص457.

[16]- حسن حنفي: التراث والتجديد، ص151-152.

[17]- المرجع نفسه : ص173-174-175-176.

[18]- حسن حنفي: دراسات فلسفية، ص27-32.

[19]- حسن حنفي: هموم الفكر والوطن، الجزء الثاني، ص458-459.

[20]- حسن حنفي: حصار الزمن، إشكالات، ص414.

[21]- حسن حنفي: دراسات فلسفية، ص33.

[22]- حسن حنفي : مقدمة في علم الاستغراب، ص13-14.

[23]- المرجع نفسه : ص18-23-25-28.

[24]- حسن حنفي : هموم الفكر والوطن، الجزء الثاني، ص462.

[25]- المرجع نفسه : ص463.

[26]- حسن حنفي: دراسات إسلامية، ص177-180.

[27]- حسن حنفي: حصار الزمن، إشكالات، ص533.

bobaker jilaliيمثل المفهوم- في الفكر والمعرفة- الوحدة الأساسية في كل منظومة فكرية ونظام معرفي، من شأنها تعبر عن موقف أو نظرية، أو جانب من جوانب التفكير المستقيم، يتمظهر المفهوم بفعل دوافع النفس وآليات العقل وحاجات ومقتضيات وظروف البيئة الخارجية.

اهتم البحث منذ القدم بشروط وأسس بناء المفهوم، وأهمية بناء المفهوم من أهمية بناء المعرفة وإنتاجها، المعرفة التي تمثل الغاية القصوى للمسعى الإنساني العاقل ومساره في الوجود، ارتبط بها ولا زال مرتبطاً كلّ بحث فلسفي أو علمي أو غيره.

أخذ البحث في مجال الفكر والفلسفة والعلوم عامة في عصرنا وفي عصور سابقة بأسلوب التجديد الإبستيمي للمفاهميم والتصورات منذ بداية البحث، تأسيساً وتأصيلاً لمسار البحث وضبطاً وتحديداً لمجاله في الموضوع والمنهج والغاية، وبياناً لمضامينه ومعالمه، وتجنباً للإضراب والخلط في المفاهيم وتفادياً للغموض لدى الباحث وغيره ممن يعنيهم الأمــر.

لكل منهج في الدراسة وفي أي ميدان من ميادين البحث في السياق النظري أو التطبيقي أو هما معاً بناء إبستيمي مفاهيمي، بعض مكوناته أساسي والبعض الآخر محايث هو الآخر أساسي وجوهري لا يمكن الاستغناء عنه، وفلسفة الإصلاح والتجديد عند "محمد إقبال" يأتي بناؤها المفاهيمي الإبستيمي يتمحور حول إصلاح الفكر الديني وتجديده، فالإصلاح والتجديد مفهومان أساسيان في النظري، يظهر ذلك بوضوح من خلال عنوان الكتاب "تجديد الفكر الديني في الإسلام"، لذا ندرس مفهوم التجديد والمفاهيم المجاورة له كالتغيير، والتحول والتقدم وغيرها.

مفهوم التجديد "Innovation": يمثل التجديد أحد المفاهيم التي كثيراً ما ترددت في الفكر الحديث والمعاصر العربي والإسلامي وفي الفكر الغربي ومنذ قرنين من الزمان، مثل مفاهيم النهضة والإصلاح والتغيير والثورة وغيرها. هذه المفاهيم تظهر وتغيب تبعاً للتيارات الفكرية والظروف الاجتماعية السائدة وطبقاً لطبيعة نظام الحكم السياسي السائد في المجتمع وصراع الاستبداد مع الديمقراطية داخله.

قد تختلط لفظة 'تجديد' فيما تدل عليه مع ما تدل عليه ألفاظ أخرى مهمّة ومرتبطة بالفكر المعاصر عامة وبالفكر العربي الإسلامي وبخطابهما على وجه الخصوص. مثل معاني التغيير، التحوّل، التقدم، التطوّر، الإبداع، الاختراع، الاكتشاف وغيرها. لذا ينبغي تحديد معاني هذه الألفاظ والتمييز بينهما وبين التجديد، وتحديد الصلات التي تجمعها في إطار شروط البناء الفكري والاجتماعي والحضاري.

كلمة تجديد في الفرنسية "Innovation"، وهي مصدر لفعل جددّ يجدّد، والمصدر تجديد "وجدّد الشيء صيّره جديداً، والتجديد إنشاء شيء جديد أو تبديل شيء قديم، وهو مادي كتجديد الملبس والمسكن أو معنوي كتجديد مناهج التفكير وطرق التعليم، ويغلب على التجديد أن يكون مذموماً في المجتمعات الزراعية الشديدة التمسك بتقاليدها، وأن يكون محموداً في المجتمعات الصناعية التي تقدس روح الاختراع".1

ويعرف اندريه لالاند التجديد في قاموسه بما يلي:

« Innovation : Production de quelque chose nouveau » 2

فالتجديد لدى لالاند هو إنتاج شيء جديد، والشيء الجديد قد يكون مادياً وقد يكون معنوياً، فالطائرة والهاتف والتلفاز والمذياع وغيرها من الأشياء المادية، كلّها أشياء جديدة أنتجها الإنسان، أمّا المنطق الصوري وجمهورية أفلاطون، ونظرية التحليل النفسي، والمنهج التجريبي والمنهج الفينومينولوجي، كلّها مناهج في التفكير جديدة أنتجها عقل الإنسان.

لكن التجديد لا يرتبط بإنتاج الأشياء والأفكار فقط، بل يعني تبديل شيء قديم، وهذا الشيء الذي يجري عليه التبديل قد يكون هو الآخر مادياً أو معنوياً، فتبديل كوخ من طين إلى مسكن من حجارة إلى عمارة من حديد واسمنت وغيرها يعدّ تجديداً مادياً، أمّا تبديل القياس الصوري بالمنهج التجريبي في دراسة الظواهر الطبيعية، وتبديل منهج الإلقاء والتلقين في تعليم التفلسف بمنهج الحوار، وتبديل بيداغوجية المقاربة بالأهداف ببيداغوجية المقاربة بالكفاءات في فعلي التعليم والتعلم،كل هذا يعدُّ تبديلاً معنوياً وفكرياً.

فكلمة تجديد في اللّغة العربية مصدر لفعل جدّد وجدّد الشيء يعني صيّره جديداً "والتجديد هو الابتكار، إعادة التنظيم، قال ابن الرومي: أهي شيء لا تسأم العين منه أم لها كل ساعة تجديد؟".3

فالتجديد يكون حيث يوجد الجديد، هذا الجديد إمّا في الأشياء، وإمّا في الأفكار، وهو جديد في الأشياء تبديل شيء قديم ويقابل التجديد الخمول والثبات وعدم مبارحة وضعية ما.

أما في الإصلاح يكاد يتفق المفكرون على أنّ التجديد هو عبارة عن فاعلية إنسانية مصدرها الفرد والمجتمع، تقوم على مبارحة وضعية الجمود والخمول والثبات، وتأخذ بالمبادرة إلى النمو والنماء والتغيير في الفكر والعمل، تستخدم كل الوسائل المتاحة في جميع مجالات الحياة.

فالتجديـد يـرتـبـط بالإنسـان، وبمـا يملكـه الإنسان من قدرات وطاقـات في مستوى الفرد وفي مستوى المجتمع، فـهـو متصـل بالجانب النفسي والذهني لــدى الإنسان، كما يتصل بحياته الاجتماعية وبسائر مكوّناتها، فالتجديد يتصل بالحضارة، وإذا كانت الحضارة نتاج تفاعل النشاط الإنسانـي مع سائـر القوانين والسنن الكونية في الفرد والمجتمع والطبيعة لأجل تطوير جوانب الإنسان المعرفية والروحية والمادية في حياته الواقعية، فالتجديد هنا يمثل شرطاً سابقا لبناء الحضارة والمدنية والتقدم.

فالحضارة هي تجديد في الفكر في العمل وفي أساليب العمل أي الانتقال من حالة يسودها الثبات والجمود في العمل ووسائل وأساليب العمل في حياة الإنسان الفكرية والاجتماعية عامة إلى حالة من النّماء والازدهار والتطور في تلك الأساليب وتلك الوسائل بما يحقق مصلحة الإنسان وراحته وسعادته.

يمثل التجديد شرطاً ضرورياً لوجود الحضارة، لكن مفهوم التجديد تلازمه وقد تخلط معه مفاهيم أخرى يظهر ذلك من خلال المعنى اللّغوي والاصطلاحي، ولا يقوم التجديد بدونها، بعضها يمثل شرطاً سابقاً عليه وبعضها يمثل عنصراً ملازماً إيّاه وبعضها الآخر يمثل نتيجة حتمية له.

إذا كـان التغيير "Changement" في اللّغة هو التحوّل والتبدّل ويعني عند "الجرجاني" "انتقال الشيء من حالة إلى حالة أخرى"4. وعند"التهانوي" يعني "كون الشيء بحال لم يكن له قبل ذلك"5. فالتجديد هو عملية تغيير يجريها الإنسان على الأشياء، فينشأ بها الجديد، وينتجه أو يبدل شيئاً ما من حالة إلى أخرى. فيصبح التغيير فعلاً ضرورياً للتجديد وحركة سابقة عليه بل يتضمنها. فالتغيير يُحدث التجديد ويشرف عليه ويظهر التجديد من خلاله.

أما التحوّل أو التحويل "Mutation" فيرتبط بالتغيير والتجديد معاً فهو يعني في اللّغة التبديل والتغيّر والتنقّل ونقطة التحول هي الحد الذي يفصل بين أمرين، يكون الأمر الثاني أفضل حالاً من الأمر الأول. فالتحوّل "تغيّر يلحق الأشخاص أو الأشياء، وهو قسمان: تحوّل في الجوهر وتحوّل في الأعراض".5 فالتجديد تحوّل يُحدثه الإنسان على ذاته وعلى محيطه بنسبة ضعيفة أو عالية، يمكن ملاحظته ومتابعته لأنّ.

ينتج التقدم عن التجديد والتقدم "Antériorité" في معناه اللّغوي هو السير إلى الأمام ومبارحة المكان، أو الوضعية في اتجاه الأمام في مقابل التراجع نحو الخلف، والتقدم من الشيء يعني التقرب منه. وهو عند الفلاسفة تقدم بالطبع، وتقدم في الزمان، وتقدم بالشرف والعلّة، وفي جميع الحالات يبق التجديد ضرباً من التقدم باعتباره ابتكار شيء أو تبديل شيء بشيء آخر، كما يظهر التقدم عند كل تجديد فهو تنمية وزيادة في الإنتاج الفكري والمادي وهو أساس الازدهار والمطلوب في كل حضارة.

يرتبط مفهوم التطوّر بمفهوم التجديد، ولفظة التطوّر تدلّ على تحوّل الشيء من طور إلى طور، والطور في اللّغة يعني الحال، وطوّر الشيء أي نقله من حالة إلى أخرى. ومعنى التطوّر لدى الفلاسفة متعدد، فهو التحوّل أو التبديل الموجه، أو الانتقال من البسيط إلى المركب أو العكس، أو الارتقاء من الأدنى إلى الأعلى أو العكس، أو من الخلف إلى الأمام أو العكس، وكلمة الارتقاء تتضمن بالضرورة معنى التبديل، لكن ليس في كل تبديل ارتقاء.

في مقابل التطور يأتي مفهوم التكوّر "Involution" "وهو النظام والتقبض والتقلص والتراجع، ويُطلق التكوّر في اصطلاحنا على الرجوع إلى الأصول، أو على الانحطاط والتأخر والفساد والانحلال والبلى".6 من خلال هذه المواجهة بين التطوّر والتكوّر، يتضح الارتباط الوثيق بين مدلول التجديد ومعنى التطور، فهما مترادفان، إذ أنّ التطور يتضمن التجديد والتجديد يتضمن التطور ولا سبيل للفصل بينهما، ويأتي التكوّر في مقابل التجديد بما أنّه يعني التراجع والانحطاط والانحلال.

من جهة أخرى لا يحصل التجديد لدى الإنسان في غياب قدرته على الإبداع "Création"، فالإبداع شرط ضروري للتجديد، عليه يتوقف الفعل التجديدي أيّـاً كان فكرياً أو مادياً، وكلمة إبداع في اللّغة تدل على صناعة الشيء بإتقان، أمّا الابداع فيعني الإختراع والإنشاء أي اختراع الشيء وإنشائه أي "إحداث الشيء على غير مثال سابق وعند البلغاء: اشتمال الكلام على عدة ضروب من البديع".7

للإبداع عدّة معاني عند الفلاسفة، فهو إنشاء شيء جديد من عناصر قديمة، أو ايجاد شيء من اللاّشيء، مثلما هو الحال في الخلق الإلهي، أو إنشاء شيء لم يكن موجوداً، ويعرف بالصنع، والإبداع نوعان، اختراع "Invention" واكتشاف "Découverte"، فالاختراع هو إنشاء شيء جديد لم يكن موجوداً من عناصر قديمة، ويتعلق الأمر بإنشاء الأشياء المادية، وإنشاء الأفكار وتنظيم العمل وإيجاد أساليبه واختراع وسائله، أمّا الاكتشاف، فهو إطلاع الإنسان على الجديد المتقدم في الوجود مثل اكتشاف النار واكتشاف المعادن واكتشاف "كريستوف كولومبوس" لقارة أمريكا.

يتصل التجديد بمفهوم الإصلاح "Réformation" ولفظة الإصلاح من الألفاظ التي كثر استعمالها، وزاد توظيفها من طرف مفكري النهضة الأوربية الحديثة ومن قبل زعماء الإصلاح والتجديد في العالم العربي والإسلامي الحديث وفي العالم المتخلف بشكل عام. ولفظة الإصلاح في اللّغة تعني إزالة الفساد من الشيء. فالقول: أصلح، يصلح، إصلاحاً، الشيء، أزال فساده. أصلح بين القوم: وفّق بينهم. قال تعالى: ﴿ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتُصلحو بين الناس﴾.8 أمّا تجديد الشيء فيعني أنّ الشيء ينطوي على عناصر لم تكن فيه من قبل. وبمناهج التجديد يتمّ الإصلاح ويظهر ويتبلور، كما ينتقل الإصلاح إلى التجديد لضمان التطور والتحسين حتى أن الواحد منها يشمل الآخر ويكون نوعاً أو فرعاً منه.

أمّا في الخطاب العربي والإسلامي المعاصر فإنّ مفهوم التجديد من أكثر المفاهميم التباساً. ومن علامات هذا الالتباس مفارقات كثيرة تبرز عند النظر في هذا المفهوم، بحيث يدعو الكثير إلى تجديد الفكر الإسلامي وخطابه، في حين يعارض الكثير هذا الدعوة إلى حدّ المعاداة. ويرى البعض أن مفهوم التجديد طعنة في التراث والهوية والذات، كما توجد هوة سحيقة بين الدعوة إلى التجديد وممارسة التجديد فكراً وعملاً.

لقد عرف مصطلح التجديد في الخطاب العربي والإسلامي المعاصر مفهومين الأول يتعلق بالتجديد بمعنى الإصلاح، ويعني التغيير الفكري بغرض النهوض، أما أساليب ووسائل ذلك فمرهونة بالنظر إلى كل أزمة وإلى ظروفها المختلفة، وعرفت الساحة الفكرية تنافساً بين الاتجاهات الإسلامية لاستهلاك مفهوم التجديد والاستحواذ عليه كل حسب نظرته ووفقاً لمرجعيته. أمّا المعنى الثاني فيربط بين مدلول التجديد ومدلول الاجتهاد لإضفاء الشرعية عليه وتأسيس التجديد على مفهوم الاجتهاد.

أمّا في القرآن الكريم فقد استخدمت لفظة جديد وليس تجديداً متصلة بمعاني الخلق والإحياء والبعث والإعادة بعد الضعف والموت وغيرها. مثل قوله تعالى: ﴿وقالوا أئذا كنّا عظاماَ ورفاتاَ أإنّا لمبعوثون خلقاً جديداً﴾.9 وقوله : ﴿ألم تر أنّ الله خلَق السماوات والأرض بالحق إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد﴾.10 عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله: ﴿إنّ الله يبعث لهذه الأمّة على رأس كل مائة سنة من يجدد دينها﴾.11 ويمثل حديث التجديد في السنة النبوية من أهم العلامات الدالة على مفهوم التجديد في الإسلام والداعية إليه، كما ارتبطت بهذا الحديث عدّة معاني تدلّ على حقيقة تجديد الدين وهي تجديد وإحياء وإصلاح علاقة المسلمين بالدين والتفاعل مع أصوله والاهتداء بهديه لتحقيق الخلافة وبناء الحضارة، ولا يعني تجديد الدين التبديل في الدين ولا التغيير في أصوله وتعاليمه. وزمن التجديد في الدين يدل على استمرار فعل التجديد وتقارب زمانه بحيث يصير فعل متواصل لا يعرف التعطيل، والمجدد هو المجتهد فرد كان أو جماعة تقوم بفعل التجديد في هذا الزمن وذاك على هذه الأرض أو تلك، يسميهم البعض بحملة العلم في كل عصر.

لقد مارس العلماء فعل التجديد عبر التاريخ وفق مفهوم الإصلاح والإحياء والبعث، أي إعادة بعث الدين مفهوماً وممارسة إلى صورته الأولى بغير تحريف أو إضافة، وهو معنى ينسجم تماما مع التصور الكلّي للنصوص في القرآن والسنّة. نذكر من هؤلاء "الحسن البصري" ودوره في تجديد الشعور الديني الإسلامي لدى عامة الناس ودور وجهد "محمد بن إدريس الشافعي" في تجديد المنهج العلمي في أصول الفقه والاستدلال ودور "ابن تيمية" في تجديد التصور الديني السلفي ودور "محمد بن عبد الوهاب" في تجديد حقيقة التوحيد ومحاربة الخرافة والشرك والبدع التي علقت بالإسلام عقيدة وشريعة. وفي هذا يقول "أبو الأعلى المودودي" في كتابه "الموجز في تاريخ التجديد الديني": "المجدد من أحيا معالم الدين بعد طموسها، وجدّد حبله بعد انتقاضه... والتجديد في حقيقته: تنقية الإسلام من كلّ جزء من أجزاء الجاهلية، ثم العمل على إحيائه خالصاً مخلصاً على قدر الإمكان."12

يقول "الشيخ يوسف القرضاوي": "إنّ التجديد لشيء ما: هو محاولة العودة به إلى ما كان عليه يوم نشأ وظهر بحيث يبدو مع قدمه كأنّه جديد وذلك بتقوية ما هوى منه، وترميم مابلى، ورتق ما انفتق، حتى يعود إلى أقرب ما يكون إلى صورته الأولى... فالتجديد ليس معناه تغيير طبيعة القديم، أو الاستعاضة عنه بشئ آخر مستحدث مبتكر، فهذا ليس من التجديد في شيء".13

إنّ مفهوم التجديد لدى المودودي أو القرضاوي أو غيرهما ينضاف ضمن هذا الاتجاه أو ذلك بموجب الممارسة الثقافية والدينية لدعاة التجديد في واقعنا المعاصر، والتي تتميّز بالتباين والاختلاف في معنى التجديد وفي ممارسته، فهو يدل عند البعض على إحياء السنّة وإزالة البدعة وبعث الدين عقيدة وشريعة، وعند البعض الآخر يعني الاجتهاد المفتوح خارج المذهبية والحدود الفقهية الملتمس تعقل حقائق التشريع واكتناه أسراره والتفاعل بين عقل المسلمين وأحكام الدين الأزلية. ولدى آخرين يرتبط التجديد بإصلاح مناهج الفكر وإسلامية المعرفة لتجاوز عجز الفعل الإسلامي عن التحكم في الواقع بسبب التحوّلات التاريخية المعقدة وتطور العلاقات الإنسانية وتغيّر منطق الحياة اليومية مع ظهور تكنولوجيا تتحكم في كلّ لحظة بحياة الإنسان.

انقسم المفكرون الإسلاميون حول مفهوم وطبيعة التجديد في العالم الإسلامي بحسب قراءة أفكارهم ودعواتهم في ذلك ارتباطاً بأصول الإسلام من جهته وبواقع المسلمين وظروفه وبتحديات العصر العلمية والتكنولوجية والسياسية والاقتصادية وغيرها. تنحصر هذه الاتجاهات لدى البعض في الاتجاه التجديدي الذي يرتبط بالبعث والاحياء والإعادة، وآخر متأثّر بالحركة التجديدية الإصلاحية التي قامت في أوربا في بداية القرن الخامس عشر وأفرزت المذهب البروتستاني، واتجاه آخر متأثر بالمذاهب المادية كالماركسة واللّيبيرالية والوجودية والبرغماتية، يعمل على التوفيق بين هذه المذاهب والإسلام.

يبقى مفهوم التجديد لدى المسلمين مرتبطاً بشبكة من المفاهيم النظرية المتعلقة بالتأصيل النظري للمفاهيم الحركية المتعلقة بالممارسة الفعلية لفعل التجديد، فيتشابك مفهوم التجديد مع مفاهيم "الأصالة والتراث والهوية" للتعبير عن تغيير الذات، كما يتشابك مع مفاهيم التغريب- الحداثة- وعلى مستوى المدلولات الحركية تطرح مفاهيم عديدة مثل 'التقدم' و'التطوّر' و'التقنية' و'النهضة' للتعبير عن ضرورة التفاعل مع الحضارة الغربية ومنتجاتها، كما تبرز مفاهيم مثل 'الإحياء' و'الإصلاح' و'البعث' والاتجاه لتأكيد حضور الرؤية الإسلامية لعملية التجديد ويظهر مدى الارتباط بين مفهوم التجديد نظرياً وعملياً بين الخبرة التاريخية ومرجعية المجتمع.

الهوامش:

1- جميل صيليبا: المعجم الفلسفي، ج1، ص242.

2- - Andre-Lalande : Vocabulaire Technique et critique de la philosophie

Presses universitaire de France, 13eme edition. Paris1980. P516 -517.

3 - جماعة من الباحثين: القاموس الجديد للطلاب، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، الطبعة السابعة، سنة1991، ص171.

4- جميل صيليبا : المعجم الفلسفي، ج1، ص 311.

5- جميل صيليبا: المعجم الفلسفي، ج1، ص 259.

6- المرجع السابق: ص295.

7- المرجع السباق: ص31.

8- سورة البقرة: الآية 224.

9- سورة الإسراء:الأية 49.

10- سورة ابراهيم:الأية 19.

11- حديث شريف: رواه أبو داود.

12- أبو الأعلى المودودي: الموجز في تاريخ تجديد الدين ، ص 13 – 25.

13- يوسف القرضاوي: من أجل صحوة راشدة ، ص28.

الدكتور جيلالي بوبكر

 

 

bobaker jilaliإن الحديث عن التسامح في حياة الإنسان عامة وفي حياة المسلمين خاصة ومن الوجهة الدينية بصفة عامة والوجهة الإسلامية بشكل خاص يقتضي ربط التسامح بنقيضه، وهو اللاّتسامح والتعصب وروح الانتقام وسائر الحالات التي تغذي مشاعر الحقد والغل والكراهية والبغضاء والشحناء واختيار طريق العنف بمختلف صوره في مواجهة الآخرين بعيدا عن العفو والصفح والتراحم وعن كل ما من شأنه يجمع ولا يشتت، يقبل الآخر ويحبه ويصغي إليه ولا يقصيه، يتسامى فوق كل ما هو سفيه تافه، ومادامت دلالات وصور وسلوكيات اللاّتسامح منبوذة عقلا وشرعا وواقعا في حياة الفرد والجماعة على الرغم من أن الإنسان مارسها ولازال يمارسها على نحو يشذ عن حاجة الإنسان الدءوبة صوب التسامح باعتباره سبيل ارتياح الإنسانية فرديا واجتماعيا وأمميا، وإمكانية تصنع عالم الأمان والسلام وتُصرف الإنسان إلى الاشتغال برسالته في الحياة وعلى الأرض خلافة وتعميرا وتحضرا.

الرسالة العظيمة أمانة عظمى تحمّلها الإنسان لجهله بمعنى التسامح وبآثار اللاّتسامح، فكثيرا ما يختار مالا يسمح بأداء الرسالة على أكمل وجه، فينزاح عن الفطرة السليمة التي جُبل عليها وعما يوافق السنن الكونية في الطبيعة والإنسان من فكر وسلوك، ويحيد عن الحق باعتباره سبيل النجاة في الدنيا وطريق الخلاص في الآخرة، ومسلك الخير مبني على التواصل والمحبة والحوار والتسامح والتعايش والسلام وسائر القيم العليا السمحة في مقابل القيم الدنيا وأبرزها اللاّتسامح.

إذا كان الحديث عن التسامح يحيلنا بالضرورة إلى التفكير في معاني اللاّتسامح لأن دلالات التسامح تتضمن معاني اللاّتسامح والأشياء كثيرا ما تُعرف بأضدادها، فإنّ موضوع التسامح لا تقوم له قائمة من دون موضوعات أخرى ترتبط به ويرتبط بها ارتباطا سببيا أو غائيا أو منهجيا أو أخلاقيا واجتماعيا.

أبرز هذه الموضوعات التواصل الذي يؤسس للاجتماع البشري ويحققه في مستوى أرقى من كل المستويات التي عرفتها المخلوقات على وجه المعمورة، لما للإنسان من تفرد وتفضيل بالتكريم الإلهي له، فالتواصل سنّة كونية وهبة طبيعة في البشر تتضمن أسباب اندفاع بني الإنسان إلى بعضهم البعض نحو العيش الجماعي والنفور من الفردية وتجنب الاعتزالية باعتبارها شذوذا عن الطبيعة التي تؤكد حيوانية الإنسان في اتجاه الاجتماعية والمدنية، وهي طبيعة وضعت الإنسان في أعلى مراتب سلم ترتيب الكائنات الأرضية في الدرجة والقيمة تأثيرا وتأثرا وفعّالية، فالتواصل يحوي دواعي الارتباط الإنساني في كل مستوياته وفي مختلف أشكاله وصوره، ويزرع حراك التواصل المفعم بالخلود والأبدية بذور التقارب الإنساني في الفكر والسلوك فأنتج وينتج الاجتماع الإنساني بأشكال شتى عرفها التاريخ عبر عصوره الطويلة وإلى الآن، الأسرة والعشيرة والقبيلة والمجتمع المدني والدولة والأمة والمجتمع الإنساني، الاجتماع الإنساني الذي لا يقوم ويستمر ويحقق كل ما يحتاج إليه لضمان هذه القوامة والاستمرارية في غياب التواصل أولا ومن دون التسامح ثانيا، فالتواصل يجمع بني الإنسان ويشد بعضهم إلى بعض بطريق شعوري ولاشعوري يقوم على التجاذب الطبيعي في حدود الطبيعة البشرية التواقة إلى الأفضل والكمال والمفطورة على الخير، الناهدة دوما إلى الأعلى في مقابل الشر وكل ما يعكر صفو حياتها ويحول بينها وبين مراميها، أما التسامح هو المادة الأسمنتية التي تضمن قوة ومنعة واستمرار وديمومة التماسك بين العناصر المكونة للاجتماع البشري أيّا كان تكوينا وبنية وحركة وفعّالية.

لقد منح التكريم الإلهي الإنسان القدرة على الحركة التواصلية، وفي فعاّلية حركة التواصل ونجاعتها ينتج الاجتماع البشري في أرقى الصور التي تعرفها المعمورة، فيحتاج البنيان الاجتماعي إلى التسامح ليقوى ويشتد عوده تأسيسا للحضارة والعمران وضمانا لخلافة الإنسان على الأرض، لكن بلوغ هذا المسعى يشترط تأصيل التواصل وتأسيس التسامح على مسلك الحوار في صورتيه الذاتية والغيرية، بين الأنا وذاته من جهة وبين الأنا والغير من جهة أخرى، الحوار المجسد للفطرة الإلهية والمعبر عن الحقيقة الإنسانية في أرقى صورها، الحوار الذي يتخذ أشكالا عدّة، وأول هذه الأشكال المحاورة الذاتية التي تجري في النفس الإنسانية مجرى الدم في العروق، وتحيي الروح والعقل حياة كل شيء بالماء، إنّها حركة التفكير التي لا تتوقف ولا تنقطع إلاّ في حالات النوم والإغماء ونحوها.

إنّ التفكير بسائر ملكاته ووظائفه حوار، هو أول ما ينطلق من الذات باعتبارها موضوعا مفكرا فيه يثري الحوار والتفكير، وتمثل الذات الإنسانية عالما داخليا ذاتيا غاية في التعقيد والعمق والاتساع، عالم هو مادة خصبة للتفكير والتأمل والحوار مع الأنا في المستوى الأول الذاتي الداخلي، إلى جانب المستوى الحواري الثاني الموضوعي الذي يخص العالم الخارجي ويشتغل فيه التفكير والحوار باستمرار، ومادام الحوار ظاهرة إنسانية طابعها فردي واجتماعي، فهو على المستوى الإنساني الاجتماعي ميادينه شتى تشكل جميع مجالات الاجتماع البشري، وبصفة خاصة مظاهر الثقافة وتجلياتها، الثقافة عامة وثقافة الحياة اليومية والعلم والدين والسياسة والأخلاق والحضارة وغيرها، وصورة الحوار دوما تقوم على إثبات الأنا والاعتراف بالغير وعدم إقصائه والتعاطي معه إصغاء وسماعا، ووصولا إلى التوافق في حده الأدنى أو الأعلى أو عدم التوافق، وتكتمل صورته بالاحترام المتبادل بين الأطراف المتحاورة، فيأخذ الحوار مكانه في شبكة العلاقات الاجتماعية في بنيان الجماعة البشرية المؤسسة على التواصل، في سبيل حمايتها من التفكك من خلال حماية التواصل ذاته واستثمار قيم التسامح ذاته الذي هو جوهر نجاح الحراك التواصلي وسر فلاح الفعل الحواري في أي عصر وفي كل مصر.

أما الصورة السلبية للتواصل والحوار والتسامح تظهر عند اجتماع مضادات الفطرة الإلهية وموانع السنّة الكونية، مضادات وموانع تمنع التواصل وتلغي الحوار بإقصاء الأنا أو الغير أو الأنا والغير معا وتسد كل منافذ التسامح من دون أمل في فك الحصار عنها، في هذه الحال تتغلب الفرقة وتسيطر على الوضع فتشق طريقها في داخل المنظومة الاجتماعية عاطفيا وفكريا واجتماعيا، وتقوى الفرقة ويتسع مجال التشتت باستقواء مشاعر الأنانية والانتقامية وما يصحبهما من مظاهر سلوكية تجنب الإنسانية ما وجدت لأجله، فينحدر الإنسان صوب الأسفل ويفقد كرامته والتكريم الذي خصه الله به وسقط في هاوية البهيمية التي يقودها شرع الغاب وتحكمها مقولة السمك الصغير له الحق في أن يسبح والسمك الكبير له الحق في أن يأكل ولا سبيل إلى النجاة إلا بالعودة إلى الفطرة التي فطر الله الناس عليها فطرة التواصل ومنهجه الحوار المبني على التسامح.

أما الصورة الإيجابية للتواصل في ارتباطه بالحوار والتسامح داخل الاجتماع الإنساني يصنعها الحراك الإرادي من خلال إقصاء كل ما من شأنه يعارض الفطرة الإلهية ويمنع السنّة الكونية من أن تتحقق في حياة الإنسان، فيتجه الحراك الإرادي إلى تجميع كل ما من شأنه يضمن التواصل الذي يستخدم الحوار ويفضل التسامح على غيره وفي كل الأحوال، وذلك من خلال استلهام المعاني والقيم العليا من التاريخ والثقافة بمختلف مظاهرها ومن الواقع المعاش بواسطة إعمال العقل والتدبر في الكون، وهو أمر مطلوب وضروري لتحقيق الدور الرسالي الخلافي المنوط بالإنسان وبوجوده الفردي والاجتماعي، هو ما أكدت عليه وتدعو له الاتجاهات الفكرية والدينية والاجتماعية وغيرها صاحبة الذوق الرفيع والوجدان الطيب والمنطق السليم.

فالاستلهام التاريخي لدلالات ومعاني دعم التواصل وتكريس الحوار وتعزيز التسامح يحيلنا بطريقة مباشرة وغير مباشرة وفي مصادر شتى إلى التتالي الحضاري والتعاقب الثقافي وإلى تلك التراكمية الحضارية الثقافية الإنسانية المفعمة بمواد ومحتويات حضارية وثقافية شتى ذات ألوان زاهية لم تحد عن الفطرة ولم تبغ غير سنّة الدور الرسالي الإنساني الممجد، والأمر ذاته مع الاستلهام العقلي الذي استقى هو الآخر من خلال التواصل مع ذاته ومع محيطه كل ما تحتاج إليه ظاهرة التواصلية من شروط ومن دون أن يعود إلى الاستعانة بغيره، فاجتهد من خلال المحاولة والخطأ وشيّد عوالم إنسانية بلغت من السمو والرفعة درجة كبيرة وبلغ أصحابها من السؤدد درجة أكبر، والأمر أكبر وأوسع وأعمق مع الاستلهام الثقافي والثقافة لسان حال الحضارة تشملها وتعبر عنها، فمن خلال الدين والعلم والفلسفة والسياسة والأخلاق والعرف والتقنية وغيرها كل هذا شكل منابع وقدم مسارات وقاد الإنسانية والعقل وسائر مقومات التثقيف والتحضر وجميع قيم الإنسان العليا نحو تجسيد مهام الخلافة وتأكيد أداء الرسالة، ويتأكد باستمرار الاستلهام التاريخي واستلهام العقل واستلهام الحضارة والثقافة بسائر مظاهرها باستلهام الواقع كل من جهته في عصره وفي مصره، إذ لم يعد خفيا على أحد في واقعنا المعاش في كافة الأصعدة أن من الناس يعيش البؤس واليأس والقنوط ومنهم يعيش الرفاهية والأمل والسعادة.

ففي الحالة الأولى يجافي الإنسان الفطرة ويجحد النعمة ويُدبر عن كل جدّ واجتهاد، متهاو في حضيض الأنانية ونكران الغير، مشبع بروح الانتقام والتعصب والضعف والانهزامية وانكسار الإرادة وعدم الثقة في النفس، مشغول بالانقضاض على ما ينتجه الآخر قيّما وأفكارا وأشياء للاستهلاك ومن دون أدنى حركة في سبيل تحكيم الفطرة والتسلح بقوّة العزيمة لخوض معركة الحضارة والتأسيس للخلافة وأداء الرسالة. أما في الحالة الثانية فالإنسان مُدبر عن كل ما يسيء إلى السنن الكونية ومقبل تماما على كل ما من شأنه يضمن قوّة الحراك التواصلي وقوّة الحوّار وقوّة التسامح ومن وراء ذلك قوّة الإرادة ودماثة خلق حب العمل وبذل الوسع في ذلك بروح عالية شامخة في قبول الآخر والتعاون معه، إذ أن الجميع يستفيد من الجميع والكل يحترم الكل، والجميع مشغول بالأنا استقامة وعملا واجتهادا وبالغير احتراما وتعاونا وبالمجتمع استنهاضا وتطويرا وازدهارا وبالحضارة إنتاجا وعطاء وبالتاريخ استلهاما للقيم والعبر.

لقد تأكد للإنسان عبر التاريخ وبالعقل والشرع والواقع أنّ القوامة الحضارية تقوم على استقامة الفعل الإنساني الفردي والاجتماعي، والاستقامة في الفعل الحضاري تعني كلما تحلّى الفعل في حراكه الذهني أو المادي وهما معا بمعان وقيم هي محل إجماع العقول والشرائع والاتجاهات الدينية والفلسفية والاجتماعية والثقافية وغيرها في خيريتها وإيجابيتها وفي أفضليتها وأولويتها على غيرها، وقد لا تُقبل عليها بعض الاتجاهات في السر والعلن فكرا وسلوكا لكنها عاجزة عن رفضها صراحة ومقالا لأن في ذلك مجلبة لعدائها وخطر عليها، فالتواصل بين الناس بمختلف صوّره وأساليبه فطرة فطر الله الناس عليها، وسنّة كونية لا تنمحي ولا تتحول ولا تتبدل، وضرورة تاريخية لا يتوقف حراكها ولا تتقطع مساراتها، وحتمية إنسانية اجتماعية تحرك الناس نحو بناء الجماعة ونحو السعي إلى المحافظة على أواصر الترابط والتماسك والوحدة فتعددت أشكال الجماعة وتعددت مطالبها، وضرورة حضارية، فما كان للإنسان أن يصنع المدنية والتحضر وسائر منتجات الحضارة وتتناقلها الأجيال من عصر إلى آخر لولا التواصل، وأصل التحضر تواصل الإنسان بخالقه الذي علّمه ما لم يكن يعلم وتواصله مع أخيه الإنسان بعد ذلك.

إن معاني التواصل وإفرازاته لا تقوم لها قائمة في غياب دلالات الحوار ونتائجه، باعتبار الحوار الأسلوب الوحيد الذي يضمن تبادل الفكر والسلوك والمواقف والاتجاهات بين بني البشر، والواقي من منطق الإقصاء والأحادية والتسلط والهيمنة المستبدة بصاحبها وبمن معه، والكاشف لقيّم التواصل ولكل ما يضر أو ينفع نظرا وعملا من أراء وفهوم شتى لا الرأي الواحد، والمفضي إلى سداد الرأي ورشاده الذي لا يخرج عنه إلا صاحب زيغ وظلال، ويكون الحوار إيجابيا كلما تمثل حقّا وفعلا روح التسامح في رقتها ولينها ولطفها وعفوها وإشفاقها وفي سائر محامدها، وكثيرا ما يفشل التواصل في غياب الحوار الإيجابي، وكثيرا ما يفشل الحوار في غياب التسامح، وفي كثير من الحالات لا يجد التسامح مرتعا له في عالم اللاّتواصل واللاّحوار واللاّتسامح.

كثيرا ما يُقال أن الطبيعة تأبى الفراغ وتنفر من العنف والعدوان، فهي تتجه نحو الحركة بدأب وديدان، وتنكشف مخزوناتها وتتعرى طاقاتها وتنفجر في حدود الإرادة الإنسانية وما تبذله من جهد واجتهاد بإيمان قوّي بقدرة الإنسان على التغيير وعلى خوض معارك البناء الحضاري من دون يأس وخيبة أمل، هو العلا الأعلى كما يسميه البعض، لكن حسم المعركة لصالح الإنسان لا يتم إلا بالتواصل والحوار المبني على التسامح، فالمعركة محسومة لغير العلا الأعلى في جو الفرقة والشقاق والتشتت، وفي سيطرة منطق الإقصاء والعنجهية والأنانية وواحدية الرأي، وفي السقوط الحر في بحر أمواجه طوفانية تدفع باتجاه الكراهية والبغضاء والضغينة، فيقتحم الإنسان عالم اللاّتسامح والعنف الذي تتعدد أشكاله، وكثيرا ما ينتهي العنف بالتناحر والاقتتال، فلا تقوم للتعايش قائمة قي غياب الأمن والسلام.

ورد في الأثر الطيب أنّ أحد الحكماء عُرف عنه كثرة العلم، وغزارة الفطنة، والصدق في القول والعمل، يحاور ويهزم، لم ينكسر قط فيما ناظر وحاجّ، فتعجب أهل العلم والحجاج لذلك، ورأوا في الأمر سرّا، وذات يوم سأله أحد تلاميذه عما يفعله قبيل الشروع في المناظرة، فأجابه قائلا: ما ناظرت أحدا قط في حياتي إلاّ سألت الله بيني وبينه أن يّظهر الحق على لسانه هو وليس على لساني أنا. فالتواصل في هذا المشهد عرف الحوار في قمة التسامح. فأين نحن من هذا؟.

 

الدكتور جيلالي بوبكر

 

bobaker jilaliلما كان التجديد الحضاري شرط وأساس بناء الحضارة، الحضارة التي نبتت عناصرها وأطوارها ومنتجاتها في محيط مليء بالنقص والفساد والتخلف في جميع ميادين الحياة، وهي إما أن تقوم في قوم ضارب في حالة البداوة والسذاجة والبساطة والتخلف، أو تقوم في قوم نهض بعد غفلة، وصحا بعد نوم، وتذكر بعد نسيان، وتخلّف بعدما كان متحضرا، وفي الحالتين معا فإنّ الأمر يتطلب من القائمين على التجديد الحضاري، وعلى بناء الحضارة وعلى صنع التاريخ، بذل المزيد من الجهد والتفاني في العمل، في المجال الروحي والفكري والعلمي من جهة وفي المجال العملي التطبيقي من جهة أخرى، لأنّ الحضارة في أصلها تقدم وازدهار وبناء في الجانب الروحي والفكري والعلمي من جهة وتطور في المجال العملي التطبيقي من جهة ثانية، ويتعلق الأمر بالعلوم والأفكار وبالفنون والصناعات والتقنية والعمل ووسائل وأساليب العمل وعلاقات العمل، وبتنظيم حياة الفرد والمجتمع، هذا الازدهار يكون مزدوجا في حياة الإنسان الروحية والمادية. فالحضارة الإسلامية شهدت في أوجها ازدهارا كبيرا في المجال الروحي وسجلت الفتوحات الإسلامية ذلك، كما شهدت ازدهارا كبيرا في مجال الزراعة وصناعة الأسلحة و الفن المعماري و غيره.

إنّ حركة التغيير التي ينهض بها زعماء الإصلاح والتجديد لا تنبعث من العدم والفراغ بل لها أسبابها وشروطها ومراحلها، تجعلها تنمو وتتبلور حتى يكتمل نضجها وتينع ثمارها، فتصبح صالحة للاستعمال، وقابلة للقطف والاستغلال، ذلك ما عرفه المسلمون في حضارتهم الزاهية منذ أن أسسها "رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم" إلى وقت أفولها وانهيار معالمها وكيانها ولم يبق منها سوى الذكريات والعبر محفوظة في الأذهان والكتب وغيرها من مصادر التاريخ المباشرة وغير المباشرة، وجاء عصر الانحطاط والضعف في حياة المسلمين وتكلّل بالاستعمار الأوروبي الغربي للعالم الإسلامي في العصر الحديث، فازداد العرب والمسلمون انحطاطا وضعفا على الرغم من بقايا محاولات الدفاع التحررية والفكرية الصادرة ممن تسلّح إيمانهم القويّ بالروح الثورية الإسلامية، سواء في مجال العقيدة والدين أو في مجال الفكر والسياسة أو في مجال الكفاح المسلح، وشهد العالم العربي والإسلامي الحديث بعد الانحطاط والضعف وبعد الاستعمار محاولات عديدة للإصلاح والتغيير والتجديد، وعرف عددا من المصلحين والمجددين، منهم "جمال الدين الأفغاني" و"محمد عبده" و"محمد إقبال" و"مالك   بن نبي" وغيرهم.

يكاد يتفق الباحثون والنقاد في عصرنا على أنّ زعماء الإصلاح ودعاة التجديد في العالم العربي والإسلامي الحديث والمعاصر يفتقرون تماما إلى رؤية فلسفية ونسق فكري متكامل في تناولهم قضية الحضارة ومسألة التاريخ، يفتقر الفكر لديهم إلى فلسفة تاريخ وفلسفة حضارة، خاصة إذا ما قورنوا بفلاسفة الحضارة والتاريخ في العالم المتقدم، ورؤيتهم للواقع وللتاريخ عاجزة عن الإحاطة بسنن التغيير وعن الإلمام بشروط ولوازم النهضة الحضارية والتقدم التاريخي، فهم ليس بأيديهم فلسفة حضارة أو فلسفة تاريخ ، وهو عوز جعل العالم الإسلامي لا يبرح مكانه، ولا يكون له أمل في النجاة، لكن هذا لا يعني عدم وجود محاولات فكرية نهضوية إصلاحية تجديدية تتسم بالنسقية والرؤية الفلسفية في العالم الإسلامي الحديث والمعاصر، فأزماته ومحنه صنعت رواد فكر تميّز بالأصالة والتجديد، تجاهلتهم تماما تلك الرؤية، نذكر منهم دائما على سبيل المثال لا الحصر " محمد إقبال " و" مالك بن نبي ".

لقد كان " محمد إقبال " على حد وصف من عرفوه وعرفوا فكره وفلسفته متدينا، وفيلسوفا وشاعرا ومتصوفا، وقلّما تجتمع هذه الأوصاف في شخص واحد في عصر مليء بمغريات الحضارة الغربية الحديثة والمعاصرة التي أبهرت العديد من المفكرين فانغمس في طلب ثمارها وغرق في البحث عن استثمار واستغلال منتجاتها، ولو على حساب قيّمه الذاتية وتراث أمته العتيد. إنّ ارتباط " محمد إقبال " بالإسلام وبتاريخه وفهم كل منهما، وبالحضارة الغربية وبالفكر الغربي والإلمام بهما، وسعة اطلاعه بتاريخ الفكر الإنساني، وإحاطته بظروف وأوضاع المسلمين في عصره، وما تميّزت به من تخلف وانحطاط في جميع جوانب الحياة، هو ما جعل منه المفكر المتميز المتفرد والمجدد الفريد في نوعه، وصاحب فلسفة تمثل الأولى من نوعها في عصره لما توفرت عليه من نسقية وتكامل في المنظور والرؤية إلى الإنسان والمجتمع والحياة والوجود، وكل ما يتصل بها في عالم الدنيا وفي العالم الآخر. والإسلام دين يتميز بالوحدة والحيوية والعالمية بعيدا عن التعصب لعرق أو لون أو لإيديولوجية أو لأرض أو لغيرها مثلما نجد في كثير من الاتجاهات والمذاهب المختلفة. والحقيقة في أصلها وفي جوهرها روحية، مبدؤها روحي ومآلها روحي، والسبيل إليها التجربة الواقعية والتجربة الصوفية معا، من خلال العلم والدين معا، واستخدم" محمد إقبال " عبقريته الشعرية وموهبته الأدبية في نشر فلسفته ودعوته إلى الإصلاح والتجديد، فكان مثالا حيّا للشاعر المسلم، والعالم الداعي والفيلسوف المتميز، والصوفي العامل، وخطته في التجديد تقوم على النقد والهدم وإعادة البناء، وهو منهج سلكه ومارسه في فكره وفي كتاباته النثرية والشعرية، أهمها كتاب" تجديد التفكير الديني في الإسلام " الذي عرض فيه عناصر خطته ومنهجه في التغيير والتجديد بشيء من التفصيل في النقد والتصحيح والتقويم، هذه الخطة تمثل جزءا من نسقه الفلسفي ورؤيته الفلسفية، وما تميّزت به هذه الخطة من عمق ودقة وأصالة وتجديد تجعل الإنسان المسلم وغير المسلم يجد فيها ضالته في التغيير، للوصول إلى مستوى التغيير المطلوب.

أما "مالك بن نبي" فكان واحدا من المفكرين المسلمين النوادر في عصرنا، اهتم بقضية النهضة وموضوع الحضارة اهتماما متميّزا، حيث ركّز في ذلك على شروط النهضة ودواعي التحضر، وعلى حصر أسباب التخلف والانحطاط، وعلى تحديد عوامل التراجع وانهيار الحضارات وأفولها، وقدّم نظرية في الحضارة هي الأولى من نوعها وفريدة في طابعها، كما قدّم رؤية فلسفية إلى التاريخ وإلى الحضارة تختلف عن تلك التي جاء بها "عبد الرحمن ابن خلدون"، وعن تلك الرؤى التي جاء بها مفكرون غربيون أمثال" أرنولد توينبي" و"أزولد سبنجلر" و"فيكو" وغيرهم، شغلته قضية الحضارة فأدرك أنّ مشكلة كل شعب في أصلها وجوهرها مشكلة حضارته، ولما كانت الشعوب الإسلامية المعاصرة تعيش حالة التخلف والانحلال والانعزال والاستعمار بمختلف أشكاله عاش هو لشعبه ولأمته الإسلامية، ولفكره ولنظرته التي تؤمن بأن العالم الإسلامي يملك الطاقات والإمكانات الروحية والمادية ما يدفع به فعلا إلى المساهمة في حل مشكلاته وهي مشكلات حضارة لاغير وما يؤهله لبلوغ الحضارة والرقي، وما يسمح له بالمساهمة الحقيقة في تطوير العالم.

إنّ التخلف الفكري والثقافي، والانحطاط الاجتماعي والاقتصادي، والاستعمار والقابلية للاستعمار، كلها أوضاع وظروف تنمحي من الوجود إذا تمسكت الأمة بالقاعدة القرآنية التي تدعو إلى التغيير والتجديد والتحوّل على مستوى ذات الإنسان وفي داخل أعماقها، أما تغيير الواقع الخارجي فيكون بعد ذلك بفعل التغيير داخلي، ويكون الله في عون المسلم ما دام المسلم يغير ذاته أولا ثم يغير محيطه. يقول تعالى:﴿إنّ الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم﴾.1

إنّ خطة "مالك بن نبي" في الإصلاح والتجديد هي التي دفعتني إلى الاهتمام بفكره وفلسفته في الحضارة، من خلال موضوع التجديد الحضاري عنده، وهي خطة من دون شك يجد فيها المسلم وغير المسلم تعبيرا عن أوضاعه وعن تطلعاته، ويجد فيها الوسائل والسبل للتخلص من دنيا التخلف والانتقال إلى عالم الحضارة وحقل البناء التاريخي وفضاء الازدهار الاجتماعي.

إنّ بحث موضوع الإصلاح والتجديد بين"محمد إقبال"و"مالك بن نبي"يعود إلى ما آل إليه المجتمع الإسلامي من تدهور وانحطاط في كافة مجلات الحياة، وارتبط ذلك مع وجود حضارة غربية راقية، وبوجود اعتبارات تقول بأن مقوّمات الإبداع والتحضر من نصيب بعض الناس دون البعض الآخر، مثلما هوالحال عند "أرنست رينان" وفي التصور النازي للجنس الآري، والذي يقضي بمركزية التقدم الحضاري في أوروبا وحدها قديما وحديثا ومعاصرا، بينما صيحة "محمد إقبال" ودعوة "مالك بن نبي" إلى الإصلاح والتجديد تبطلا كل زعم من المزاعم الداعية إلى العنصرية المدمرة والمكرسة لظاهرة التباهي والتفاضل بالأجناس القاتلة، فالحضارة لا وطن لها، والعلم ليس حكرا على أحد، والتقدم الحضاري من نصيب أيّة أمة طالما توفرت شروطه ولوازمه.

فالمتصفح للمحاولة الفكرية الفلسفية في الإصلاح والتجديد عند "محمد إقبال" يجد أنّ رؤية هذا الأخير في التغيير والتجديد والحضارة ارتبطت بفلسفته ككل، وبنظرته إلى الحياة عامة. ورؤيته تختلف عن رؤى زعماء الإصلاح الآخرين في العصر الحديث. فهو يرى أن دوافع التغيير والتجديد حالّة في وحدات الوجود، الإنسان، الكون و الله، والحياة متغيّرة باستمرار لا تعرف الثبات والجمود، وتستمد تغيّرها وخلودها من طبيعتها النهائية ومن الأصل الأول وهو الذات المطلقة. والتغيير لا يحصل في الإنسان ولا يجرى في الواقع دون أن يحدث في أعماق الذات الإنسانية أولاً، ويتعلق هذا التغيير بمعنى الحياة والوجود والإنسان، وبأساليب التفكير والعمل وبالمبادئ والقيّم التي يؤمن بها الإنسان، وبالأهداف والغايات التي يصبو إليها. والتجديد في أصله وفي مساره وفي مقصده ومبتغاه روحي، والمادة ذات أصل متأصّل فيما هو روحي. فالتجديد تجديد في قوى النفس وفي محتوياتها الروحية والفكرية والأخلاقية، وتجديد في قوى المجتمع من خلال اجتهاد البشر لتنظيم وتطوير وازدهار حياتهم الاجتماعية، وتسخير قوى العالم لخدمة مطالب ومرامي الإنسان الروحية في أصلها. والحضارة هي السمو الروحي الذي يبلغه الإنسان من خلال النهوض بالعمل في المجتمع والطبيعة. وليس المهم بالنسبة للذات الإنسانية أن ترى الأشياء بل المهم عندها أن تصير و تصبح شيئا. من خلال التجديد الحضاري والإبداع العلمي والازدهار الثقافي والاجتماعي.

ما تميزت به نظرة "محمد إقبال" الفلسفية إلى الحضارة والتجديد الحضاري خاصة، وفلسفته بصفة عامة هو أنها تشكل رؤية فلسفية إلى الحياة والإنسان والحضارة، وكل ما يرتبط ويتعلق بهذه الجوانب. وتتميز هذه الرؤية الفكرية الفريدة في نوعها بالوحدة، لما بين عناصرها وأجزائها من اتساق وانسجام وتكامل، فهي عبارة عن نسق فكري فلسفي واحد، لا تفكك ولا انفصال بين جوانبه، وتتصف بالقوّة والمتانة لارتباطها بالإسلام وبتعاليمه وقيّمه العليا، وبالعمق لرحابه وسعة التأملات الميتافيزيقية التي قامت عليها، وبالدقة في التحليل والنقد والاستنتاج، وهي أوصاف قلّما نجدها لدى مفكر في عصر طغى عليه التخصص، وسيطر الفكر التجريبي الوضعي وسادت فيه النزعة البرغماتيـة.

ارتبطت فكرة الإصلاح و التجديد عند "محمد إقبال" بالإسلام، وبمبادئه وقيّمه، باعتباره مشروعا حضاريا إنسانيا، يمثل رسالة إنسانية عالمية، دخلت التاريخ، ودخلت المعترك الثقافي والحضاري والديني، ليأخذ مكانته في ساحة هذا المعترك، ويفرض وجوده بقوّة، لما له من قوّة ومناعة في جميع جوانبه. وإستراتيجية النقد وإعادة البناء في فلسفة "محمد إقبال" استمدت قوتها منه، بما انطوت عليه من تصورات وأفكار تمثل مشروع رؤية فلسفية، ومخططا فكريا يستهدف بناء فلسفة الدين في الإسلام بناء جديدا، وتوجيه الذات الإنسانية إلى الحياة الروحية الكاملة، وإلى تخلّقها بأخلاق الله. وتسخير العالم المادي لخدمة مرامي الإنسان، هذا العالم المادي المتأصل فيها هو روحاني، وتوجيه الإنسان لإعادة تنظيم حياته الاجتماعية وفق مبادئ إنسانية عالمية مستمدة من الإسلام ومن الطبيعة البشرية في جانبها الفردي وفي جانبها الاجتماعي. استمدت هذه الفلسفة وانبثق هذا المشروع من الظروف والأوضاع النفسية والفكرية والخلقية والاجتماعية الفاسدة في القرن العشرين، بسبب غياب أسلوب حياة يضمن التوازن بين المادة والروح، ولا يوجد غير الإسلام الذي يحفظ هذا التوازن، ومن الفكر الإسلامي القديم، ومن الحضارة الإسلامية وما تميزت به من نماء وازدهار في كافة المجالات، الأمر الذي جعل الحضارة الأوروبية الحديثة تحمل الكثير من عناصرها ومعالمها، ومن الحضارة الغربية، ومن الفكر الغربي، وارتبط ذلك بمناهج ونتائج العلوم المختلفة، وما حققته تلك العلوم في الجانب التطبيقي في مجالات الحياة المختلفة، سواء بالنسبة للفكر العلمي في التأثير على الطبيعة بواسطة التقنية، أو بالنسبة لهذا الفكر في تأثيره على حياة الإنسان النفسية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية.

اقترنت الحضارة وارتبط التجديد الحضاري في فكر "محمد إقبال" بالدين، فالحضارة توازي الدين وهي ثمرته. والإسلام حضارة. قوتها وخلودها مستمدان من قوّة وخلود الدين، أما ضعفها وأفولها يكون بسبب فقدانها لعناصر القوّة والخلود، وهي عناصر دينية تتمثل في النهوض بالعمل في الحياة الفردية عن طريق التجربة الصوفية وعن طريق الاجتهاد في الواقع. كل هذا لبلوغ قمّة التحضر، وهو الديمقراطية الروحية والسمو الروحي والعلى الأعلى، وذلك مبتغى الإسلام و مقصده.

إنّ المتصفح لفلسفة "مالك بن نبي" في الإصلاح، ولنظريته في الحضارة والتجديد، يكتشف عالما فكرياً فلسفياً مليئاً بالمفاهيم، وغنياً بالتصورات، وفريداً في نوعه، وجديداً في العديد من جوانبه، خاصة فيما يتعلق بالحضارة وبعناصرها وشروطها وأطوارها. فهو يري أنّ ظاهرة التخلف ليست طبيعية في البشر، بل تعود إلى أسباب ذاتية وأخرى موضوعية، وتستفحل عندما تغيب الشروط والأدوات اللاّزمة للنّمو الفكري والأخلاقي والاجتماعي. هذا النًمو هو السبيل إلى التحضر، تقابله مجموعة من المشاكل والوضعيات والظروف الفاسدة المنهارة في حياة الفرد والجماعة في جميع جوانبها الفكرية والأخلاقية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها. هذه المشاكل والظروف والوضعيات ترتبط بظاهرة التخلف والانحطاط، وتقوم الحضارة باعتبارها إطاراً يضمن لكل فرد داخل المجتمع مطالبه وحاجاته في كل طور من أطوار وجوده، بإعطائـه الأدوات واللوازم الضرورية للمجتمع النامي المالك لقدرات فكرية واجتماعية واقتصادية إرادة استعمال سائر القدرات في حل المشاكل التي تواجه المجتمع المتخلف، والحضارة هي التي تكوّن هذه القدرة وهذه الإرادة معًا، وهما لا تقبلان الانفصال عن دور المجتمع النامي. فالحضارة هي شرط إيجاد القدرة والإرادة لتجاوز التخلف والتدهور في ذات الفرد وفي مجتمعه، وهي ترتبط بالإنسان والتراب والزمن والفكرة الدينية التي تجمع بين العناصر الثلاثة. ولهما عمر وأطوار هي: طور الروح، طور الأوج، وطور الأفول، تسبقها مرحلة ما قبل الحضارة وتليها مرحلة ما بعد الحضارة، لكل واحدة من المرحلتين خصائص ومميزات. وتشترط الحضارة التغيير على أساس القاعدة الإلهية التي تعبر عنها الآية القرآنية، ﴿إنّ الله لا يغيرّ ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم﴾.2 والتغيير مجاله النفس أولا ثم المحيط الخارجي ثانيا، تشرط القدرة على الإبداع والقدرة على الإنتاج، ولا تقوم على التكديس والاستيراد بل على البناء، وأن تلد الحضارة منتجاتها لا العكس، لأن العكس يستحيل منطقيا وماديا ويغرق المجتمع في الشيئية من جهة وفي المديونية والتبعية الحضارية من جهة ثانية، وتشترط التوجيه الأخلاقي والعملي والفني الجمالي، وهي شروط تضمن الانسجام والتكامل بين المجهود الإنساني المبذول في مستوى الفرد وفي مستوى المجتمع مع سنن وقوانين الآفاق والهداية والتطلعات هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى تكفل تلك الشروط التكامل والانسجام بين المجهود الإنساني والسنن الكونية مع جملة الشروط النفسية والاجتماعية والروحية والمادية، من أجل النمو والازدهار في جميع مجالات الحياة الإنسانية. والحضارة بهذا المعنى هي فعل بنائي تقتضي أُسُساً فكرية وروحية وجهوداً كبيرة في عالمي الأشخاص والأشياء، وذلك يشترط مخطط تربية يهدف إلى تغيير الإنسان في الداخل، وفق شروط معينة ليتمكن من أداء دوره في المجتمع ويحقق البناء الحضاري.

وإذا كانت الحضارة بناء لا تكديسا واستيرادا فهي فاعلية إنسانية تقوم على تغيير الإنسان في عالمه النفسي أولا ثم تغيير محيطه ثانيا، وتحصل هذه الفاعلية بتوفر جملة من الشروط والعوامل النفسية والاجتماعية، الروحية والمادية، وبتوفر الإرادة والقدرة على إبداع المعرفة وإنتاج الأشياء، واستغلال ذلك لخدمة الإنسان وضمان راحته. ولفصل الحضارة الحقيقية عن الحضارة المزيفة، فالأولى تلد منتجاتها أما الثانية فهي من صنيع منتجات حضارات الغير. والتجديد الحضاري ظاهرة إنسانية ترتبط بالحضارة وبشروطها، وعناصرها وأطوارها وازدهارها وتكون سابقة على الحضارة فتصنع النمو والتحضر والازدهار، كما تكون ملازمة لها، فتستمر في تنميتها وتطويرها، وقد تكون سببا في انهيارها وأفولها، والمقصود هنا عندما تبلغ الحضارة طور العقل يضعف سلطان الروح، وتسترد الغريزة نفوذها، فتهوي بالإنسان إلى حضيض الحيوانية والبهيمية حيث شريعة الغاب وقانون الأعلى.

لقد تميزت نظرية الحضارة عند "مالك بن نبي" بجملة من المميزات التي لم يشهدها مصلح آخر في فكره الإصلاحي. فهي نظرية انبثقت من تحليل تميّز إلى حدّ بعيد بطابعه العلمي، وبالدقة والعمق والموضوعية، والواقعية، في طرحه ومعالجته للمشكلات والظواهر في حياة الفرد والمجتمع. كما تميزت الحلول التي جاء بها لتلك المشكلات والتصورات التي خرج بها من دراساته وبحوثه المعمقة للتاريخ والواقع بالقوّة، لارتباطها بالعلم والواقع والتاريخ والدين. وتميّز منهجه في البحث بطابعه العلمي وبتنوعه، فهو يستخدم المنهج الرياضي، وطريقة المؤرخ، ومسلك عالم الاجتماع، وسبيل الكيميائي وغيره، هذا زاد في متانة وقوة أفكاره، وزاد في انسجام هذه الأفكار والتصورات مع ما يجب فعله في العمل الإصلاحي التجديدي.

وتمثل نظرية "مالك بن نبي" في الحضارة، استراتيجية إصلاحية تجديدية تستهدف تغيير الواقع الإنساني عامة وواقع العالم المتخلف ـ العالم الإسلامي جزء منه ـ بصفة خاصة، بحيث تضع بين يديه آلية فكرية نظرية للخروج من التخلف، وبلوغ مستوى الحضارة، فهي مشروع منهج وضعه صاحبه للقضاء على ظاهرة التخلف بعدما درسها، وكشف عن عوامل وأسباب وجودها، ولغرض الوصول إلى الحضارة بعدما درسها وكشف عن قوانينها وآلياتها الروحية والمادية. وتميّز هذا المنهج بالقوة والمتانة لارتباطه بالعلم والدين والتاريخ، وبقوانين هذه الأطر الفكرية المعرفية والروحية باعتبارها مصادر توجيه وقيادة في حياة الإنسان، ولارتباطه بالفكر الإنساني القديم والحديث وبواقع الإنسان المعاصر في العالم المتقدم بما له وما عليه، وفي العالم المتخلف بما عليه، وخاصة في العالم الإسلامي الذي لا ينقصه سوى تطبيق المناهج الكفيلة بإخراجه من عالم الانحطاط، وتمكينه من الحضارة، وهو أمر ليس بعسير على إنسان بين يديه كافة شروط التحضر. فهو منهج في الإصلاح يستند إلى رؤية فلسفية إلى الإنسان والحضارة والتاريخ، وإلى فكر اجتمعت فيه الأصالة مع التجديد، فكان مشروع خطة للنهضة وللصحوة و للحضارة، ونموذجا من نماذج الفكر الإصلاحي لا يستهان به، بل يُقدّر حق قدره لِمَا لصاحبه من نظرة ثاقبة وقدرة على الطرح والتحليل والنقد والاستنتاج، ولما لهذا المنهج من تكامل بين عناصره، ومن انسجام مع ما تقتضيه مستلزمات البناء التاريخي والنهضة الحضارية.

لقد تبيّن لي وبوضوح من قراءتي لبعض الجوانب الهامة في فلسفة "محمد إقبال"، خاصة فيما يتعلق بنظرته إلى الإصلاح والتجديد، أي فكرة النقد والهدم وإعادة البناء عنده، ومن قراءتي لفلسفة الحضارة والتاريخ عند "مالك بن نبي"، أنّ ما يجمع بين المحاولتين أكثر مما يفصل بينهما، ويتعلق الأمر بالظروف التاريخية الزمنية والمكانية التي عاشا فيها المفكران، والتي فيها نبتت فكرة الإصلاح عندهما، فهي واحدة تماما، حيث الإسلام والاستعمار والتخلف في العالم الإسلامي من جهة والحضارة والعلم والتكنولوجيا في أوربا الحديثة من جهة أخرى، هذا الذي شكل روافد ومصادر تلك الفكرة، وأوجد وحدة في المبادئ والأهداف والتطلعات، والاختلاف بين المحاولتين ليس في الجوهر أو في الأساس أو في الهدف، بل في بعض الجوانب التي تخص طبيعة البحث والدراسة وطبيعة الإصلاح ومنهجه، ونوع المحاولة وخصوصياتها.

بالنسبة للبحث فعند "محمد إقبال" كان فلسفيا ميتافيزيقيا على منهج الأقدمين، وهو عند "مالك بن نبي" جاء بطابع علمي واقعي، وطبيعة الإصلاح عند "محمد إقبال" روحية فردية دينية إسلامية، وهو عند "مالك بن نبي" صبغته اجتماعية علمية واقعية تاريخية، ومنهج "محمد إقبال" في الإصلاح من طبيعة روحية تقوم على التجربة الصوفية والرياضة الدينية الروحية، والعمل الصوفي الصحيح هو سبيل الوصول إلى الحقيقة، أما منهج "مالك بن نبي" فيقوم على التغيير في الفرد والمجتمع، وعلى القضاء على أسباب التخلف والأخذ بأسباب الحضارة كما هي في نظرية الحضارة، كما يقوم على التوجيه الديني والأخلاقي والعملي مع الاستفادة من خبرات وتجارب الآخرين العلمية والحضارية. وتتميز محاولة "محمد إقبال" بكونها ذات عمق فلسفي كبير وتأمل ميتافيزيقي رحب، حتى قيل عنها أنها موجهة للخاصة والنخبة من المثقفين لا للجميع، أما محاولة "مالك بن نبي" فهي للجميع لم تكن في مستوى العمق الفلسفي والتأمل الميتافيزيقي الذي عرفته محاولة "محمد إقبال".

نستنتج مما سبق أنّ فلسفة "مالك بن نبي" امتداد لفكرة "محمد إقبال" في الإصلاح والتجديد، على الرغم من أنّ الأولى يغلب عليها الطابع العلمي الواقعي الاجتماعي، أما الثانية فيغلب عليها الطابع الروحي الفلسفي الميتافيزيقي الصوفي. ولقد ذكر "مالك بن نبي" "محمد إقبال" في كتاباته، وأشاد بقوة فكره، ونظرته الثاقبة السليمة إلى الإصلاح والتجديد. جاءت فكرة الإصلاح عندهما نتيجة واقع المسلمين المتردي، وتُشكّل محاولة فكرية لتغيير النفس والفكر والواقع في العالم الإسلامي، تميزت بالقوة لارتباطها بالإسلام وبالعلوم المزدهرة وبالفكر الإسلامي، وتشكل رؤية فلسفية إلى الإنسان والحياة والتاريخ والحضارة، وتمثل مشروع خطة ذات طابع فكري نظري، للنهضة وللتجديد ولبناء الحضارة، وللدخول إلى التاريخ، وإلى حلبة المعترك الحضاري، واحتلال أمة الإسلام لمكانتها اللائقة بها في إطار الحوار والتفاعل الحضاريين .

وإذا كان الفكر الإصلاحي عند "محمد إقبال" و"مالك بن نبي" تميز بالقوة والمتانة نظرا لصلته المباشرة بواقع وحياة المسلمين في العالم الإسلامي المعاصر، ولتعبيره عن مشاكلهم وهمومهم، وعن آمالهم وتطلعاتهم، وبلوغه مستوى رفيع من الحقيقة في مناهجه وأساليبه لأنه أخذ بالدين والعلم وبالتاريخ، واستطاع أن يكفل التوازن بين طرفي الكمال، الروح والمادة، الدين والدولة، الدنيا والآخرة. وإسناد فكرة "محمد إقبال" إلى فكرة "مالك بن نبي" أو العكس أمر ممكن خاصة من الناحية النظرية، فالواحدة منهما تثري الأخرى وتعمقها. ويمكن اعتبار فكرة "محمد إقبال" أرضية فلسفية ميتافيزيقية وإطارا نظريا لفكر "مالك بن نبي"، واعتبار فكر "مالك بن نبي" الوجه الاجتماعي العلمي والعملي الواقعي الخارجي لفكر "محمد إقبال". وما أحوج العالم الإسلامي المعاصر إلى المشروعين الإصلاحيين معًا للتجديد ولبلوغ السمو الروحي والأخلاقي، ولبناء حضارة تلد منتجاتها الفكرية والمادية، ولضمان التوازن بين المثال والواقع، بين الروح والمادة، وبين الدين والدولة، ذلك هو عين التحضر وقمّته، وهو مبتغي الإسلام ومقصده، فالحضارة هي التمكين لقيّم ومبادئ الإسلام على أرض الله.

 

من كتاب "الإصلاح والتجديد الحضاري لدى "محمد إقبال" و"مالك بن نبي" بين النظرة الصوفية والتفسير العلمي"

جيلالي بوبكر

 ..............

1- قرآن كريم: سورة الرعد، الآية 11.

2- المصدر نفسه

hasan zayedتردد كثيراً في الأونة الأخيرة، علي ألسنة العديد من المفكرين والمنظرين ورجال الإعلام والصحافة، مصطلح: "تجديد الخطاب الديني". دون أن يوضح لنا أحد ماهية هذا المصطلح، وماذا يعني في مفهوم المتلقي له؟. هل يعني ذلك أن الخطاب الديني قديم، ولم يعد يتواكب مع العصر، فلزم تجديده؟. وهل يشتمل ذلك الخطاب علي القرآن الكريم والسنة المطهرة أم أنهما خارج سياق الخطاب الديني فلا يشتمل التجديد عليهما؟. الأمر ينطوي علي قدر هائل من الإلتباس والتشوش الذهني . وهنا ينقسم الناس إلي ثلاثة أصناف:

صنف يرتمي في أحضان الخطاب الديني القائم دون طلب للتجديد، ويعلقها في رقبة عالم ويمضي، طلباً للراحة والدعة التي تصبوا إليها النفس، دون الدخول في متاعب البحث، ومكابدة الفهم، ومشاق التنفيذ لمتطلبات هذا الفهم . وصنف يلتبس عليه فهم هذا الخطاب، ويجد خصومة بينه وبين العصر الذي يعيش فيه، فيجد أنه من الأيسر عليه تطليق هذا الخطاب طلاقاً بائناً، فيبني بينه وبين هذا الخطاب حاجزاً، بل وقد تتطور العلاقة بينهما إلي عداوة لها تبعاتها فيما بعد .

والصنف الثالث هو الصنف الذي استقل بنفسه في فهم الدين بعيداً عن الأدوات اللازمة لضبط الفهم وفقاً للأسس العلمية المتعارف عليها، وكَوَّن لنفسه فهماً خاصاً، تصور أنه الفهم الصحيح، وما دونه باطل وقبض الريح، ومن هنا جاء فريق الجماعات المتطرفة التي نشأت في المجتمع، ونَمَتْ وترعرعت، وأثمرت الحنظل الذي يتجرعه المجتمع إرهاباً . ووجدنا نماذج بشرية معاصرة قد استدعت نماذج تاريخية من عصور غابرة لتعيش بها في العصر الحديث، وتسعي لفرض هذه النماذج علي مجتمعاتها باعتبار أن هذه النماذج هي الدين الإسلامي، وما عداها يعد كفراً وجاهلية وزندقة . وهو كلام علي خلاف الحقيقة، لأن الإسلام لم يأت ليقف بالبشرية عند القرن الأول فكراً وسلوكاً، وإنما جاء لكل العصور، حتي قيام الساعة، وعلي الخطاب الديني أن يسعي للبحث في الدين الإسلامي ليجد فيه بذور الإسلام التي تصلح لهذا العصر، فيجري بذرها حتي تنبت، وتنموا، وتترعرع، وتؤتي ثمارها إنساناً مسلماً ابناً لهذا العصر. والإشكالية بالنسبة للإنسان المسلم المعاصر تتمثل في فكرة غاية في البساطة دون تعقيد، هذه الفكرة هي رغبة المسلم أن يعيش مسلماً، وأن يعيش عصره، دون أي تناقض أو تعارض، مسلماً غير منقوص الإسلام، وألا يُحْرَم من العيش في عصره، والتمتع بما فيه في آن واحد . والخطاب الديني هنا يقف عائقاً بين المسلم وعصره، لأن هذا الخطاب موروث من عصور سابقة، وهو فهم رجالات الفكر في كل عصر للنص الديني فهماً يتواكب مع روح وطبيعة هذا العصر الذي يعيشون فيه . وبالتالي فإن استدعاء هذا الخطاب، وتقديسه، ومحاولة إلباس العصر إياه، هو ظلم بيِّن للعصر الحالي، وكذا ظلم لهذا الخطاب، لأن الجمع بينهما فيه من التعسف ما فيه، وفيه ظلم للإسلام وإساءة بالغة له . حتي محاولات بعض المفكرين المحسوبين علي الفكر الإسلامي إدماج الإسلام في العصر الحالي، كانت محاولات بائسة، لأنها قد أخذت منتجات الفكر الغربي، بدعوي أنها بضاعتنا التي ردت إلينا، وصبها في قوالب اسلامية، ويجهد نفسه في الإستدلال علي صحة ما ذهب إليه ، فظهرت كتابات مثل الإقتصاد الإسلامي، وعلم النفس الإسلامي، والمحاسبة الإسلامية ، وهكذا . وقد وضعنا أنفسنا في حالة خصومة مع منتجات الفكر الإنساني، وكأنه قد حرم علينا الإستفادة من هذا الفكر . بل إن التناقض قد ظهر جلياً حتي في السلوك، فتجد الرجل يرتدي جلباباً قصيراً، وبنطالاً، ولحيته متدلية علي صدره، والسواك في يده، والهاتف النقال في يده الأخري، ويغطي شعره بقماشة بيضاء، ثم يقود سيارته إلي المطار، لأنه سيركب الطائرة، ذاهباً إلي حج بيت الله الحرام .وللخروج من هذا التناقض، وهذه الإزدواجية، لابد من تجديد الخطاب الديني . والخطاب الديني كما نفهمه هو فهمك للدين علي ضوء معطيات العصر، بما يضمن وجود الإنسان المسلم المتصالح مع عصره، والمشارك فيه بفاعلية وكفاء، دون أن يشعر أنه كافر أو زنديق، وبذات القدر دون أن يشعر أنه جاهل أومتخلف، يكسب الآخرة، ولا ينسي نصيبه من الدنيا . فهل هناك من هو مؤهلاً للقيام بهذا الدور؟ . المسألة في غاية البساطة أن تكون مسلماً يعيش عصره .

حــســـــــن زايــــــــــد

abdulah alfyfyiإن نفي معيار العقل في مجال الدِّين إساءة ما بعدها إساءة إلى الدِّين، بل هو هدم للدِّين من الجذور. ذلك أن مقتضى هذا الزعم أن الإسلام لا يختلف عن سائر الدِّيانات والمِلَل والنِّحَل في العالَم، من وثنيَّة، ومجوسيَّة، وبراهميَّة، وعبادة بقر، إلى غيرها من العقائد. فكما أن الشعوب التي تعتنق تلك العقائد تسلِّم بما توارثت، غير ملتفتة إلى تناقض ذلك مع منطق العقل، فكذلك الإسلام، عند اللا عقلانيِّين! ويبدو أن القائلين بهذا ما زالوا ذوي عقول وثنيَّة بالفعل، وإنْ تلبّسوا بلبوس الإسلام. وهل دَفَعَ العقلانيِّين من المسلمين إلى المروق من الدِّين، فالإلحاد، إلّا هذا الضرب من الغباء المنهاجي «الإسلاموي» العجيب؟! وهل رَكِبَ خوارج الإسلام في كلّ عصرٍ جهلهم وجاهليّاتهم إلّا تحت شعارٍ كهذا، «ليس الدِّين بالعقل»، فأعملوا ما ثقفوا من ضلالات في رقاب المسلمين؛ لأن العقل معطَّل. والعقل يعقل صاحبه عن كثيرٍ من الموبقات، وإنْ لم يكن صاحبه على دِين، فطرة الله التي فطر الناس عليها. ومَن استخفّ بوظيفة العقل ضلّ وعَمِي، ولو كان يسجد على الماء. ذلك أن العقل آلة معرفة الحقّ ومعيار تمييزه، في الدِّين والدُّنيا معًا. ولمَّا كان كذلك، أعمله عُمَر، فغيَّر وبدَّل، حتى في ما فيه نصّ، قالبًا المقولة السلفيَّة المردَّدة: «لا اجتهاد مع النصّ»، التي مقتضاها «لاعقل مع النصّ»، لتُصبح عند عُمَر: «لا نصّ مع العقل»! من أجل تلك القاعدة الفاسدة: «لا عقل في الدِّين»، أو إن «الدِّين ليس بالعقل»، تناسلت الشِّعارات، ومن أبشعها القول الخارجيّ، مثلًا: «صلى الله على المبعوث بالسيف، لا القلم»، أو حتى «المبعوث بالسيف والقلم»! وما كان لنبيٍّ أن يبعثه الرحمن الرحيم بسيفٍ، بل بقلم، وإنما السيف لعدو الحقّ، الباغي على أهله، لا لهداية الناس.  

نعم، إنها ثقافة ترفض ثقافة العقلانيَّة في كلّ وجه، وترفض العِلميَّة، وما تلك الكتب التي سردها (ابن النديم) في كتابه «الفهرست» حول المصنَّفات عن الجنّ وعلاقتهم بالإنس، إلّا مؤشِّر على ثقافة تسبح في الظلام، وعلى ما تمخّض عنها. إذ لم تكن تلك الكتب للتسلية أو للمسامرات فحسب، كما قد نفهم في مجتمعٍ علميٍّ متحضِّر، بل كانت إلى ذلك ممّا يصدّقه عقل العامّة والخاصّة، ولو أُنْكِر ما يروون، لأنكروا على منكِره أشدّ الإنكار، والتمسوا على عقولهم وما تُصدِّق به ما يعتقدونه أدِلَّة لا تُدحض. (العقل والعِلم)، تلكما النعمتان اللتان كانتا أوّل مِنحتين ميّز الله بهما آدم على سائر خلقه، بما في ذلك ملائكته، تُباعان دائمًا في مزاد الجبناء ممّن يتوهَّمون خيالات ظلالهم أشباح العفاريت!

على أن العقل ينمو، والمعارف تتطوّر، وإلاّ فلو سلّمنا بمعارف الأوّلين وعلومهم كما جاءتنا، فلقد كانوا يتصوَّرون من الغرائب ما لا تقبله اليوم عقول المجانين. منه، على سبيل المثال- كما يروي «العالم العلّامة»- كما نعتوه- (أبو إسحاق أحمد بن محمّد بن إبراهيم الثعلبي، -427هـ)(1)- أن الأرض خُلقت من زَبَد الماء، وأوّل ما ظَهَرَ على زَبَد الماء مَكَّة، ولذلك سُمِّيت، كما قال، «أُمّ القُرى»، يعني أصلها، ثم بعث الله مَلَكًا من تحت العرش حمل الأرض على عاتقه، ثم أهبط من أعلى الفردوس ثورًا له سبعون ألف قرن، وأربعون ألف قائمة، فجعل قرار قدمَي المَلَك على سنام الثور، فلم تستقرّ قدماه، فأخذ الله ياقوتة خضراء من أعلى درجة من الفردوس، فوضعها بين سنام الثور إلى أذنه، وقرون ذلك الثور خارجة من أقطار الأرض، ومنخره في البحر، فهو يتنفّس شهيقًا وزفيرًا فيكون المدّ والجزر، ولم يكن لقوائم الثور قرار، فخلق الله صخرة خضراء، ثمّ لمّا لم يكن للصخرة مستقرّ، خلق الله نُونًا، وهو الحوت العظيم، واسمه لوتيا، وكنيته بلهوت، ولقبه يهموت، والحوت على البحر، والبحر على متن الريح، والريح على القُدرة! وفي الحكاية تفاصيل لا يتسع لها المقام، وفي كلّ تفصيل استدلالٌ بآيةٍ من القرآن. ومعلوم أنه لا بدّ أن يلبِّس حتى المشعوذون مزاعمهم بالدِّين ونصوصه، وهذا ما يعطي لأكاذيبهم القبول والأثر في نفوس العوام. وللشعوب الأخرى أساطير شبيهة، منها تلك الأسطورة (السيبيريَّة) لدى (الإيفينكي)، التي تصوِّر أن خلق الكون نشأ عن طائر غَطَسَ ثلاث مرّاتٍ في البحر، وفي المرَّة الثالثة استطاع انتزع قطعةٍ من الطين، ومن هذا الطين كانت الأرض، ثم ظهر فيل الماموث، وبأنيابه رفع الأرض إلى الأعلى، وكوَّن الأنهار والجبال!(2) وتتدرّج التصوّرات الشعبيَّة من هذا المستوى الكوني إلى ما كان يعتقده أعرابُ الصحراء إلى وقتٍ قريب- كما أخبر عنهم (فِلْبي)- من أن الرَّعد أجراس الملائكة التي يضربونها مبشِّرين بالمطر، أو أن الجراد يأتي من خياشيم السمك!(3) وتلك هي عقول الأوّلين وبعض علومهم، المختلطة بالخرافات والرموز الميثولوجيَّة- كما في فكرة (الثور) و(النون) في قِصَّة خلق الأرض- تأتي وَفق تصوّرات عقلٍ بدائيٍّ، يرسم أوهامه ليعلّل ما لا يعرف من الكون، ثم تَرِث مِن بعده الأجيالُ ذلك على أنه عِلْم لَدُنِّيّ، وينعتون راويه بالعلّامة. وهو كلّما أغربَ في الرواية ازداد رصيده من العِلم في تخيّل الناس وأضفوا عليه المزيد من الألقاب. فيما الإنسان ينظر اليوم إلى ما كان يصدِّقه أولئك الأسلاف نظر العاقل إلى المجنون، أو الراشد إلى طفلٍ لم يحظ بأيّ قدرٍ من المعرفة. وإذا كان هذا من المُقَرّ في كتب القدماء وفي رؤوس علمائهم، فما الذي يُتخيّل وجوده في عقول العامّة والسوقة وفي طوايا تراثهم الشعبي؟!      

ولولا ذلك، لَما زعم أحدٌ، يحترم عقول السامعين، المعرفةَ بحياة الجِنّ، ولَما كان الانشغال بالأسئلة حول ذلك والأجوبة، ولَما صدمتْنا المفارقة الصارخة في ثقة السائل بعِلم المسؤول، وثقة المسؤول بمعلوماته التفصيليَّة في هذا الشأن. وما تلكم بأسئلة جادّة ولا بأجوبة تحترم العقل والنقل والعِلْم، وإنما هي شواهد على سوالف شعبيَّة، تُصنَّف عِلْمًا، وهي إلى الجهل أقرب، بل هي الجهل بعينه. لكن ما دامت آتية من ماضٍ، ومن سَلَفٍ «صالح»، وتستند إلى مرويّات، وإنْ كذَّبها العقل والنص القرآني معًا، فثَمّةَ من سيتقبَّلها بقبولٍ حسَنٍ، ويُنبتها نباتًا حسنًا، على أنها عِلْم لا يُناقش، ولا يُساءل، ولا يُتوقَّف عنده، بل يجب أن يسلَّم به، بلا تفكير، ويدوَّن في الكتب، ويستدلّ به في المُلِمّات الجدليَّة، بل يُقدَّم على العقل والقرآن، ويؤوَّل القرآن على مَحَكِّه لكي لا يتعارض مع مرويَّاته المقدَّسة. ولا بأس أيضًا لو خالف اللغة العربيَّة والدِّلالات القطعيَّة للآيات، التي وَكَّدَ(4) الله بأنها بلسانٍ عربيٍّ مبين، فأتى هؤلاء ليُوَكِّدوا أنها بلسانٍ عربيٍّ غير مبين، بل إنها لَتقول الشيء والمعنى بعكسه، فـ«مارجٌ من نار» يعني سائلًا خفيًّا، يمكن أن يتسرّب في الجسم البشري كالماء القراح السلسبيل. ولولا هذه العقول المقلوبة، لَما صحّ في عقلٍ، ولا في تصوّرٍ محتكمٍ إلى النصّ القرآني، وُلوج جانٍّ في إنسيّ، ولكانت انتهت هذه الفكرة الجاهليَّة إلى غير رجعة منذ نزول الآية.

وهكذا لم يَعُد يصحّ في الأذهان شيء، وتحوّلت العقول إلى هواء، واللغة العربيَّة ودلالات الخطاب القرآني إلى تهويمات وطلاسم، وألاعيب توجَّه حيث يشاء العقل الجاهلي الجديد. وأمثلة هذا لا تحصى في كتب التراث.(5)

وكما لا يفكِّر عقلٌ اتّباعيٌّ أعمى، فإنها لا تهمّه العواقب كذلك، مهما بلغت. وتلك عقليَّة النعاج، المعروفة من طباعها، من حيث هي تحذو حذو بعضها، حتى لو قفزت إحداها من حالق، لتتابعت البقيَّة على آثارها؛ لأن «حشرًا مع الناس جَنَّة»، كما يقول المَثَل الدارج! «قَالُوا: بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا، أَ وَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِير؟!» وهم مكتفون ذاتيًّا بما لديهم، حسبهم ما لديهم من عِلْم وهُدى، لا ينقصهم شيء: «قَالُواْ: حَسْبُنا مَا وَجَدْنا عَلَيْهِ آبَاءنَا، أَ وَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا ولا يَهْتَدُونَ؟!» لسان حالهم: «اللهم لا تُغيّر علينا!»، كما هو دعاؤنا الشعبي. ومع أن هؤلاء لا يُطيقون اللَّفْتَ ولا الالتفات عمّا كان عليه آباؤهم- وهم لذلك يستنكرون بشِدَّة محاولة مَن يحاول ذلك؛ فهو لديهم مُريب، مارق، خارج على الإجماع، ذو أغراض تدميريَّة، يدعو إلى شَقّ عصا الجماعة؛ وهم لذلك مهيّؤون لدفع أعلى التضحيات لصدّه وردّه على عقبيه ونفيه عن بيضتهم: «قَالُواْ: أَ جِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا وتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ في الأَرْضِ؟ ومَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِين!»- فإنهم في الوقت نفسه أخشى ما يخشون (من أعقاب آخيلهم) أن يضعفوا يومًا، لا سمح الجهل!، أو أن «يَؤُزّهم إبليس، لعنه الله!»، فيصبحوا على ما فعلوا نادمين، حين يجدون أنفسهم قد التفتوا، ولو طَرفة عَين، عمَّا وَجدوا عليه آبَاءهم الخالدين وسلفهم الصالحين؛ لذلك كان لا بُدّ أن يحصِّنوا قلوبهم وعقولهم، مستعينين على بقاء حالهم على حالها بدعاء من لا تغفل له عين ولا تنام، سبحانه وتعالى: «نحن بخير ونعمة.. الله لا يغيِّر علينا!»

 

أ.د. عبدالله بن أحمد الفَيْفي

..........................

(1) انظر: (1295ه)، عرائس المجالس في قصص الأنبياء، (بمبئ- الهند: المطبع الحيدري)، ص5- 7.

(2) وردت هذه القِصَّة في فيلم الباحثة الأنثروبولجيّة (أليس روبرتس) عن تتبّعها لقِصّة الهجرات البشريّة. تابع رابطًا تحت عنوان: «رحلة الإنسانيَّة المجيدة: آسيا»، على موقع «اليوتيوب»: http://www.youtube.com/watch?v=z9eL62pAqkM

(3) انظر: بِدْول، روبن، (1989)، الرحّالة الغربيّون في الجزيرة العربيَّة، ترجمة: عبدالله آدم نصيف (الرياض: ؟)، 101.

(4) بعض ما قد يُعَدّ عامّيَّة اليوم هو الفصيح، وما يُعَدّ فصيحًا هو لغة أقل فصاحة. فلو سمع أحدنا مَن يقول: «وَكَّدَ، يوَكِّد، توكيدًا» لظن ذلك عاميّة. في حين نجد أهل اللغة قائلين: وَكَّدَ العَقْدَ والعَهْدَ: أَوثَقَه. ويقال: أَوْكَدْتُه وأَكَّدْتُه وآكَدْتُه إِيكادًا، وبالواو أَفصح، أَي شَدَدْتُه. وتَوَكَّدَ الأْمر وتأَكَّدَ بمعنىً واحد. ويقال: وَكَّدْتُ اليَمِينَ، والهمْزُ في العَقْد أَجْوَد. لذا يُقال: إذا عَقَدْتَ، فأَكِّدْ، وإِذا حَلَفْتَ، فَوَكِّدْ. (انظر: معجمات العربيَّة، (وكد)).

(5) للدكتور (يحي غوردو) والدكتور (عبد العزيز غوردو) كتاب قيّم وطريف بعنوان «الجِنّ: دراسة مجهريَّة»، (2006)، يَخلصان فيه إلى: أن ما يُسمّى الجِنّ هي الكائنات الدقيقة (بكتيريا، ميكروبات، فيروسات...). قائلَين: «ما [هو] الكائن الذي لا يراه الإنسان بالعين المجردة؟ الكائن الذي اجتمعت فيه صفات التفاهة والحقارة، الخسّة والمكر، الخير والشر، المرض وسفك الدماء، التكاثر والخلود، العجز عن إطفاء شمعة وفي الوقت نفسه القدرة الهائلة على التدمير... وكلّ الصفات الأخرى...؟ نلتفت إلى النصوص الدِّينيّة، الإسلاميّة، فنراها تشير مباشرة إلى الجِنّ، ثم نلتفت إلى العِلْم المعاصر، فلا يحيلنا إلّا على الكائنات المجهريّة الدقيقة، فنتساءل: ألسنا هنا بصدد الحديث عن شيء واحد؟... الجِنّ، إبليس، الشيطان، البكتيريا، الميكروب، الفيروس... عندما نحرِّر الألفاظ من محتواها الأُسطوري ونعرضها للبحث العِلمي الدقيق، (لعلوم: اللغة، والدِّين، والمادة...) لا نكاد نجد إلّا اختلافًا في التسميات وتشابهًا في المضامين.» (ص179- 180).

mohamad alhmidawiالاستعوام (الخضوع لتدّين العامة وعدم مخالفة قناعاتهم الدينية) ظاهرة خطرة ابتلي بها الفكر الاسلامي وعانى منها الفقهاء على اختلاف مدارسهم كثيرا، وكان اشدهم بلية فيها فقهاء الشيعة لما عرف عنهم من تماس مع الناس واندكاك في حياتهم الاجتماعية بتلاوينها المتعددة واستمداد مدرستهم مقومات وجودها منهم، تماماً كما أبتلي غيرهم والى حد كبير بالسير في ركاب السلطان والخضوع لاملاءاته وتوجهاته .

يصعب كثيرا على الفقيه تجاوز مسلّمات الناس ونقد ما وجدوا عليه آبائهم وانعقدت عليه سيرتهم، ان هذا الامر يحتاج الى تضحية وهمة عالية واستعداد لتحمل النتائج بتفاصيلها الدينية والاجتماعية والاقتصادية مهما كانت سيئة، ويبدو ان ذلك قدر المصلحين !

يقول المرجع المعاصر ناصر مكارم الشيرازي (إن مسألة الاستعوام واستسلام العلماء أمام أفكار الجهال والعامّة من الناس هو نوع من تقليد العالم للجاهل)1.

يدلل العلّامة محمد جواد مغنيه على مضمون كلام المرجع الشيرازي   فيذكر في كتابه القيم (فقه الامام الصادق عليه السلام )عند حديثه عن اراء الفقهاء في طهارة او نجاسة اهل الكتاب:

(وقد عاصرت ثلاثة مراجع كبار من أهل الفتيا والتقليد، الاول كان في النجف الاشرف، وهو الشيخ محمد رضا آل يس، والثاني في قم، وهو السيد صدر الدين الصدر، والثالث في لبنان وهو السيد محسن الامين، وقد أفتوا جميعا بالطهارة، وأسروا بذلك الى من يثقون به، ولم يعلنوا خوفا من المهوّشين، على ان يس كان أجرأ الجميع.وانا على يقين بأن كثيرا من فقهاء اليوم والأمس يقولون بالطهارة، ولكنهم يخشون أهل الجهل .....الخ)2!

لم تبق أردتدادات هذه الظاهرة وقفاً على تقييد العلماء وفرض طوقٍ عليهم ومنعهم من ان يحوموا حول جغرافية (عقائد العامة وممارساتهم) باعتبارها محددات موضوعية لعملية الإفتاء او منطقة محرمة لا يحبذ الاقتراب منها بل امتدت الى ساحة الابحاث التخصصية فوجدت لها ما يبررها ويضفي عليها القيمة الشرعيّة فتأسست انطلاق من ذلك مفاهيم جديدة ونمت أدوات حادثةٍ تسوّق لمشروعية تلونات هذه الظاهرة تنذر بظهور فقه جديد يتكأ على اصول معرفية حادثة .

القضية الحسينية ساحة خصبة لتجليات ظاهرة الاستعوام ومثال حيٌّ على سيطرة العاطفة حتى على كثيرٍ من الابحاث التخصصية التي يفترض فيها تزويد تفاصيل هذه القضية سيّما في بعدها العملي والتطبيقي بما يوفر لها القيمة القانونية والمشروعية الدينية .

يمكننا ان نسوق شاهد واحداً من ضمن شواهد متعددة على السيطرة المذكورة الى حد تغييب النَفَس العلمي في هذه القضية العظيمة فان طلاب الفقه يعرفون ان اصطلاح الإضمار في الرواية يتكرر كثيراً في البحث الفقهي العام، وأوضح مثالٍ عليه: ان يقول احد اصحاب الائمة - عليهم السلام- مثلاً :(سألته عن القراءة، وسألته عن الطهارة وسألته عن الطواف ...ووو....الخ) فالمسؤول هنا غير واضح هل هو الإمام المعصوم -ع- او شخصٌ آخر؟

ان عدم تحديد هوية المسؤول يجعل الرواية غير صالحة للاستدلال لأننا لا نعرف بالضبط من هو الشخص المسؤول حتى يتم الاعتماد على كلامه لاحتمال ان يكون احد اصحاب الامام -ع- وليس الامام نفسه وبالتالي فلا مبرر للاخذ بقوله لفرض انحصار تبليغ معالم الدين أصالة ً بالمعصوم من اهل بيت محمد -ص- فقط وفقط.

ان هذا الامر صار محلاً للأخذ والرد بين العلماء لكثرة تكرر هذه الظاهرة خصوصا ً في كتاب وسائل الشيعة للمحدث الحر العاملي الذي انتهج فيه أسلوب تقطيع الرواية وتوزيعها على أبواب متعددة وجعل كل قطعة متناسبة مع عنوان ذلك الباب كما اقتضته طبيعة الكتاب .

عموماً للفقهاء اكثر من طريق للتخلص من هذا الاشكال مذكورٌ في محله 3، ولم يصادف اي اعتراض منهم يُذكر حول سقوط الرواية عن الاعتبار ما دمنا لم نجزم بنسبتها للإمام -ع-، واللافت ان هذا امرٌ يسري حتى على كبار اصحاب الائمة - ع- كزرارة وأبي بصير ومحمد بن مسلم وابان وغيرهم من عيون وأجلّاء الطائفة على مر الدهور وكرور الليالي والأيام، فلو وردت إلينا رواية عن احد هولاء الأعاظم يقول فيها: (سألته ...) دون ان يتضح لنا من هو المسؤول فلا مناص دون سقوط الرواية وعدم الأخذ بمضمونها .

ان البعض يعوّل (وفي تنكر واضح للمبنى التخصصي السالف) في صحة شعيرة ما من الشعائر الحسينية على ان العلوية الفلانية والسيد الفلاني وهم من اجلاء أبناء الائمة - عليهم السلام - قد صدر منهما مضمون هذه الشعيرة، وهو بفعله هذا اما منساقٌ وراء العاطفة وإفرازاتها او يهدف الى احراج المتحفظين على تلك الشعيرة والطاعنين بغطائها الشرعي عبر استحضار عناوين حساسة يحول الاستعوام دون استجلاء مخرجاتها بأدوات تخصصية لانه ان قيل له: ان هذا الفعل ليس بحجة انطلاقاً من كون الصَناعة الفقهية التخصصية تقول: مهما كان هذا المنتسب الى معدن العصمة والطهارة عظيما وجلياً لكنه ليس مصدراً للتشريع بعد قيام الضرورة عند مذهب اهل البيت -ع- على انحصار ذلك بالأربعة عشر من آل محمد - عليهم السلام - فهم وحدهم الذين تكون أفعالهم أو أقوالهم أو تقريراتهم حجةً، فربما رد بالتشنيع على هذا اللون من التفكير بانه يتضمن نسبة هذا العظيم الى فعل الحرام ومخالفة الشريعة !

الطريف وفي إشارة الى تسرب العاطفة حتى الى الابحاث التخصصية ان المصلح المعروف السيد محسن الامين العاملي عندما كتب رسالته الشهيرة في تطهير الشعائر الحسينية (التنزيه) استشكل في جملة ممارسات يقوم بها المعزون لدخولها تحت عنوان (الاضرار بالنفس) رد عليه بعض فضلاء ذلك الزمان قائلا (أينفض العباس الماء من يده وهو على ما هو عليه من شدّة الظمأ تأسّياً بعطش أخيه، ولا نقتص أثره؟!)4

فأجابه السيد في رد آخر (أمّا نفض العباس الماء من يده تأسّياً بعطش أخيه، فلو صحّ لم يكن حجّة، لعدم العصمة)5، وجواب السيد على طبق القواعد التي نعرفها والتي تقتضيها الصناعة الفقهية والاصولية من عدم حجية فعل غير المعصوم –ع- مهما كان مقامه الديني والمعنوي ساميا ومرموقاً، فما كان من احد فضلاء هذا الزمان الا ان يتعب نفسه شديدا لاثبات عصمة ابي الفضل –ع- حتى يبطل رد السيد الامين –قد- محملاً كلامه السابق ما لايحتمله بالقطع واليقين من خلال اثبات لازم له فحواه صدور الذنب من ابي الفضل -ع- بعد كونه غير معصومٍ كما جاء في نص عبارة السيد المتقدمة وبالتالي فان   (....غير المعصوم يصدر منه الذنب ويُعاقب عليه. وهذا يعني أنّه فعل حراماً يستحقّ العقاب عليه، لأنّه آذى نفسه بترك شرب الماء وإدخال الضرر عليها)6!

لا شك ان التمعن في سيرة بعض اولاد الائمة - عليهم السلام - واستنطاق المستندات الروائية التي وردت بحقهم تبرز وبوضوح ان هؤلاء الأجلاء وفي مقدمتهم ابو الفضل-ع- قد وصلوا الى ارفع مقامات الطهارة و العصمة 7 بيد ان السؤال التخصصي هو: عن اي نوعٍ من العصمة نتحدث؟

هل هي من نفس ماهيّة العصمة التي يعتقدها اتباع اهل البيت -ع- في حق أئمتهم -ع-؟

وهل يمكن الاعتماد على وجودها في شخص ٍما لاتخاذ أفعاله وأقواله وتقريراته أساساً في معرفة الحكم الشرعي وتحديد الوظيفة الدينية؟

ان نوع العصمة التي تثبتها المدرسة الكلامية الامامية لهؤلاء الأجلاء يطلق عليها: العصمة التنزيهية او الافعالية 8 ويفّرقون بينها وبين العصمة الواجبة التي يعتقدونها في الائمة المعصومين -عليهم السلام-   بجملة فوارق أهمها أن دائرتها لا تتسع لعدم الخطأ والاشتباه والسهو والنسيان بل تتمحور بدرجة رئسة حول عدم صدور المعاصي والذنوب، بخلاف (العصمة الواجبة) فانها تعمّ العصمة عن الذنوب والخطأ والنسيان وما يشين الانسان وغير ذلك، وعلى هذا الأساس لا يعدّون المتحلي بالعصمة التنزيهية مصدراً من مصادر التشريع على مستوى الأفعال والأقوال والتقريرات، لذا فمن المستغرب نسبة السيد الامين العاملي وهو الفقيه الكبير الى اعتقاد ارتكاب ابي الفضل العباس - ع- محرماً عندما ترك شرب الماء كما رأينا في التحميلات المتقدمة لكلامه .

ان هناك من يغض النظر عن ان الفعل المنتسب الى الأجلاء من اولاد الائمة - ع- والذي يستند اليه - البعض- باعتباره متكأ لتشريع افعالٍ او اقوالٍ لا ينحصر وصفه بالحلال والحرام اللذين يقعان وصفا للافعال القصدية بل قد يكون محض اشتباهٍ او خطأ في التشخيص او حادثٍ أدى الى نتيجة عرضية (اتفاقية) غير مقصودة من اول الامر(يعني قصد الفعل لكنه لم يقصد النتيجة) او سهواً او غير ذلك، فان العصمة (التنزيهية) لا تحول دون الخطأ التشخيصي اوالاشتباه والسهو وغيره، كما تقدم قبل قليل .

من هنا تُناقش الرواية التي تتحدث عن ان السيدة الجليلة عقيلة الطالبين زينب - عليها السلام - قد نطحت رأسها الشريف بعمود محملها فأدمته لما رأت رأس أخيها - صلوات الله عليه - على رأس رمح طويل، بان هذه حادثة لا يقاس عليها لانه ليس معلوماً انها - ع - قصدت الادماء بل لعل الادماء قد حدث عرضاً واتفاقاً، تماماً كما قالوا في قتل موسى - عليه السلام- للقبطي بانه- ع- قصد الفعل ولم يقصد النتيجة، مع التأكيد على ان الرواية المرسلة عن السيدة زينب - عليها السلام- يحوم عليها الشك كثيراً لا من جهة سندها ومضمونها فقط بل من جهة ألفاظها وأشعارها التي ربما يحصل الوثوق - لمن يملك ذوقاً ادبياً - بعدم صحة نسبتها الى زمان الامام الحسين - صلوات الله عليه - فان الأبيات توحي بأنها من زمان متأخر فتأملها في بحار الأنوار9 وقارنها مع نتاج أدباء ذالك الزمان وما تأخر عنه قليلاً كالفرزدق وجرير والأخطل وغيرهم واحتكم لذائقتك الأدبية لعل وثوقاً بالنفي او الإيجاب يحصل عندك او لا اقل تستشف مؤيداً لهذا الطرف او ذاك .

abdalla alfafiإن الشماريش في وطن العُربان كُثر! والشماريش- لمن لم يتشرّف بالتعرّف إليهم- هم نسل (شمهاروش) ملك ملوك الجِنّ، القابع في (جبال الأطلس). يتكاثر الشماريش في مجتمعٍ لا يريد أن يواجه حقائق الطبيعة، ولا أن يتحمّل مسؤوليّته، ولا أن يُعالج أمراضه. وسترى شياطين الإنس يدافعون عن شياطين الجنّ بحماسٍ عجيب. فهم لا ينتفضون للذود عن أيّ قضيَّة حيويّة في عالم الناس اليوم، حتى إذا مسّ ثقافة مواليهم من الجانّ نقدٌ، هبّوا من كهوفهم غيرةً على مواريثهم الجاهليَّة وحميَّة.

والحقّ أن المتأمّل في حال التعليم العربي، وحال الإعلام العربي، والتثقيف العربي، أو في ما قد يسمّى بخطط التنمية العربيَّة على اختلاف ملفّاتها، يدرك أن ليس من مصلحة الأنظمة العربيّة قيام تنمية إنسانيَّة حقيقيَّة في الوطن العربي أصلًا. وذاك لأن الإنسان العربي لو حسُن تعليمه، وارتفعت سويّته الثقافيّة، وتفتّحت مداركه الذهنيَّة، ووعَى ما له وما عليه، لأصبح مصدر إزعاجٍ خطيرٍ لمؤسسات التخلّف الضاربة الأطناب، ولأكل غدًا خصومَ الحُريّة والحياة والتطوّر جميعًا، ولأصبح رضاه غايةً لا تُدرك على الإطلاق، كسائر الشعوب الحيّة المتحرِّرة. فليبق التعليم تعليمَ جهل، وليستمرّ التثقيف تضليلًا وإلهاءً، وليمضِ التنوير تعتيمًا، والحراك الإعلامي تضييعًا وإغواءً، ولتُستدَم العاهات الوطنيَّة المَجيدة المخلصة، وبطواحين الهواء اليوميَّة ليُعرَك المواطن بحاجاته الخاصَّة والأُسريَّة، التي تجعل لقمة العيش وضرورة المأوى أكبر همِّه ومبلغ علمه وغاية وجوده على هذه البسيطة، حتى يلقى الله كيوم ولدته أُمُّه. بذلك يبقى المواطن العربي مواطنًا صالحًا، هادئًا، وديعًا، منقادًا، منصاعًا، مرتزقًا، وفي الوقت نفسه قابلًا للتجييش في أيّ اتجاه عند اللزوم. ومَن لك بكائنٍ أروع من هذا، لاستتباب الأمن والإيمان؟!

مَن قال، إذن، إن من مصلحة الأنظمة أن ينهض التعليم، أو أن تقوم للثقافة قائمة، أو أن ينقرض الشماريش ومَن تبعهم بإذعان، أو أن تندحر ثقافتهم من الأرض؟ إن الضدّ هو المطلوب!        

هيهات، هيهات لما توعدون، «طارَ غُرابُها بجرادتك!»، كما كانت تقول العرب. لا سبيل يرجى في تقدّم أُمّةٍ هذه حالها، ما لم تُجتثّ منها أمثال تلك الرؤوس! وما عبادة الجِنّ في العالم العربي إلّا مظهر من منظومةٍ شاملةٍ من خراب العقول والنفوس. هيهات أن ينهض شعبٌ ما برح يرى الجن أقوى منه، وأذكى منه، وأشدّ تأثيرًا في الطبيعة. مَن يعتقد ذلك، خَرِف، وهذَى، وانحدر إلى حضيضٍ أدنى من حضيض السائمة والحشرات والزواحف، ولا محلّ له إلّا في مصحّةٍ نفسيّة، إنْ شِيدت، لعلّ الله يشفيه أو يفنيه. بل هو، إلى ذلك، قد ناقض ما جاءت به الشرائع، وأنكر فضل الله عليه، إذ أعلى مقامه، وأسجد له ملائكته، وأسجد له إبليس (شخصيًّا)، فأبى واستكبر. إن الإنسان ليهون ويَعمَى، إذ يتنازل، ويذلّ، وينحطّ، عقليًّا وإنسانيًّا، فيسجد هو لإبليس، غير آبٍ ولا مستكبر. وما هذا التهويل المعتاد في عالمنا العربي والإسلامي من الجِنّ وأفاعيلهم إلّا مؤشِّر واضح على درجاتنا في التخلّف ومهاوينا في الانحطاط. وعالمنا العربي والإسلامي المرعوب أبدًا، دون العالمين، من الجِنّ والخيالات والحكايات- إلى جانب هلعه من (إسرائيل) و(أمريكا)- لن يُفلح ما لم يستأصل هذه الأوهام من نفسه وعقله؛ فهو في حالته تلك معطَّل الإرادة، مسلوب القوى، منخوب الفؤاد، يفرّ من خيال ظِلّه. وأيّ تضعضعٍ أشدّ من أن يصل الأمر بالمرء إلى أن لا يجد الاطمئنان حتى بالله سبحانه وما جاء عنه في كتابه العزيز؟! إنه في تلك الحالة مريض، محض مريض، يستأهل الرثاء، ويستوجب العلاج. على أن خوفه القسري لم يعد مرضًا نفسيًّا فحسب، بل أصبح أيضًا ضربًا من الشِّرك بالله، ومن عدم الثقة به، وبما جاء عنه في الكتاب المنزل، حول دناءة الجِنّ واتّضاعهم وتفاهتهم قياسًا بالإنسان. وإنما الإنسان كان ينبغي أن يخشى من شيطان نفسه، ومن شياطين بني جنسه من الناس، لا من شياطين الجان. لذلك جاء في القرآن تقديم شياطين الإنس في الخطورة على ما قد يكون من شياطين الجِنّ، فجاءت الآية على هذا النحو: «وكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا، شَيَاطِينَ الإِنسِ والجِنِّ، يُوحِي بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ زُخْرُفَ القَوْلِ غُرُورًا، ولَوْ شَاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ، فَذَرْهُمْ ومَا يَفْتَرُون." (الأنعام، ١١٢).

-2-

وليست تلك الأفكار اليوم حول عالم الجِنّ إلّا كأفكار قديمة أخرى أبطلها الإسلام واستبقاها المسلمون؛ فإنْ شِئتَ أن تعرف المزيد، فاستقرئ فكرةً كفكرة (وأد البنات) في التراث الشِّعري الإسلامي(1)، مثلًا، أو كفكرة (الدهريَّة)، والهروب من الواقع، والتنصّل من المواجهة، والفرار من المسؤوليَّة إلى هواءٍ سمَّوه: «الدهر». ولذاك حديث آخر. وما الاعتقادات حول الجِنّ إلّا بعض خيوطٍ من شبكةٍ بالغة التعقيد ورثناها، من ثقافةٍ ورثتْها، ترفض سَويَّةَ العقلانيَّة والعِلميَّة على حدٍّ سواء. ولقد أورد (ابن النديم)(2) طَرَفًا من هذا التراث، تمثَّل في ستة عشر كتابًا مؤلَّفًا- حصرًا- في «أسماء عشّاق الإنس للجِنّ وعشّاق الجِنّ للإنس!». وهو ما نجده اليوم لدى من يزعمون أن بعض حالات الصرع أو الأمراض النفسيَّة هو بسبب عشق جِنِّيَّة لأنسيّ- ولعلّ هذا هو الغالب- أو عشق جِنِّيّ لأنسيَّة؛ إذ يبدو أن الإنس من الفتنة بحيث يخلبون ألباب العذارَى من الجنّ، كان الله في عونهن! أمّا أن يعشق جِنِّيٌّ إنسيَّة، فأقلّ من ذلك؛ فحسبنا بمجانين العِشق الإنسيّين، من مجنون ليلى إلى آخر المجانين! تلك المكتبة التي ساقها صاحب «الفهرست» هي: كتاب دعد والرباب، كتاب رفاعة العبسي وسكّر، كتاب سعسع وقمع، كتاب ناعم بن دارم ورحيمة وشيطان الطاق، كتاب الأغلب والدباب، كتاب الضرغام وحودروفس، كتاب عمرو ودقيانوس، كتاب الشمّاخ ودمع، كتاب الخزرجي والمحتال وأسماء، كتاب حضر بن النبهان والجِنِّيَّة، كتاب الدلفاء وأخوتها والجِنِّي، كتاب دعد الفزاريَّة والجِنِّي وعمرو، كتاب عمر بن سفيان السلمي والجِنِّيَّة، كتاب عمرو بن المكشوح والجِنِّيَّة، كتاب ربيعة بن قدام والجِنِّيَّة، كتاب سعد بن عمير والنوار. ثم أضاف (ابن النديم): «قال محمَّد بن إسحاق: كانت الأسمار والخرافات مرغوبًا فيها مشتهاة في أيام خلفاء بني العبّاس، وسيما(3) في أيام المُقْتَدِر، فصنَّف الورّاقون وكذبوا، فكان ممّن يفتعل ذلك رجل يُعرف بابن دلان، واسمه أحمد بن محمَّد بن دلان، وآخر يُعرف بابن العطّار، وجماعة. وقد ذكرنا فيما تقدّم مَن كان يعمل الخرافات والأسمار على ألسنة الحيوان وغيره، وهم: سهل بن هارون، وعلي بن داود، والعتابي، وأحمد بن أبي طاهر.»

إنه تراث، إذن، تراث الجِنّ هذا! تراث من العقل الذي تصفِر في جنباته رياح الخرافة! وهكذا انتهت خرافات الأعراب الجاهليَّة البائسة إلى الخرافات الإسلاميَّة الواسعة، وبمددٍ من الأمم الأخرى التي فتحها المسلمون. وترقَّى الشفهيُّ العتيق منها- بحمدالله!- إلى المصنَّف في مؤلَّفات العصر العبّاسي، ممّا كتبه الورّاقون أو كذبوه. وتوالَى هذا الركام الغامر جيلًا إثر جيل ليصنع ما ظنّه اللاحقون الجاهلون عِلمًا لَدُنِّيًّا، وحسبه المتفيهقون معرفةً عِرفانيَّة، بل ظنه كهنة العهد الجديد دِينًا قِيَمًا، متأوّلين ما يدعمه من النصوص لتَروج بضاعتهم بين الناس. واشتغل به الدجاجلة وعليه طيلة الدهر، فبنوا على مداميكه ثقافة كالحة، ما تزال العقول ترزح تحت نير استعمارها، وستظلّ إلى ما شاء الله. أ تَرى ثَمَّةَ أعجب من عمل شياطين الإنس هذا؟! مِن أن تُلتمس للخرافات العلائق في دِينٍ نادى من أوّل يومٍ بتحرير العقل من الخرافة، وبقراءة الحقائق، وبطلب العِلْم، لا بالتسليم بما يقال أو يورث؟! ثمّ خَلَفَ من بعدهم خَلْفٌ اشتدّ شغفهم بعالَم الجِنّ، وصار ذلك في أوساطهم- العاجزة عن فهم الكون والطبيعة والإنسان على أُسسٍ عِلميَّة- عِلمًا بديلًا معتبَرًا، وطِبًّا شرعيًّا شائعًا منشودًا، غير بعيدٍ أن تُشاد له عمّا قريب المشافي والعيادات! تَرى العالَم المتحضّر يبحث في عالَم الشهادة والواقع، فيُنتج ويُبدع ويُسيطر ويُصنِّع ويكتسح الكون بما حوى، وهؤلاء سارحون في عالَمٍ آخر، من الغيب والخيال والأوهام، حاملين متاريسهم تحسُّبًا لعفريتٍ قد يطلع عليهم طلوعَ المَنون من هذه الزاوية أو تلك! واختلط الحقّ بالباطل، والعقل بالتخريف؛ لنجد في القرون المتأخِّرة- قرونِ العجائب والغرائب منذ السادس الهجري إلى اليوم- تكاثرَ السؤال في هذا الموضوع، والإلحاحَ في الاستفتاء عنه، وادّعاء المعرفة بأسراره مفصَّلةً من قِبَل المفتين المفتئتين على الحقّ والدِّين. وعلى الرغم من تهويلات الوالغين في هذا المستنقع البدائي فإنهم لا يجدون على ما يهرفون به برهانًا من القرآن الكريم أو من الحديث الصحيح أو من واقعٍ ملموسٍ أو تاريخٍ محقّق. قصارى ما يحتطبون المقولات والأقاصيص وتَرِكاتٌ اجتماعيَّةٌ من الخزعبلات، واضح أنه انتفخ منطادها في القرون الإسلاميَّة أكثر بكثير ممّا كان عليه قبل الإسلام. ومن سُنن الثقافة أنه كلّما تخلَّف الفرد، وساد الظلم، وخيَّم الظلام على المجتمعات، قويتْ ظواهر الإيمان بالجِنّ وآثارهم التليدة؛ يفرّ إلى عالمها الناس بديلًا من عالمهم الحضاريّ المنهار.

 

أ.د. عبدالله بن أحمد الفَيْفي

................

(1) انظر كتابي: ((2006)، نَقْد القِيَم: مقارباتٌ تخطيطيَّـةٌ لمنهاجٍ عِلْمِيٍّ جديد، (بيروت: مؤسَّسة الانتشار العربي)). فقد بقيت ظاهرة الوأد للأنثى في خطاب كبار الشعراء، كـ(البحتري والمعري)، على نحو صريح، يكشف عن جذورها النفسيَّة والواقعيَّة. في حين كان (محمَّد، عليه الصلاة السلام) «أبا البنات»، وكان يتمدّح بذلك.

(2) انظر: (1978)، الفهرست، (بيروت: دار المعرفة)، 428.

(3) كذا، والمستعمل في كلام العرب: «ولا سيما». كما في بيت (امرئ القيس):

أَلا رُبَّ يَومٍ لَكَ مِنهُنَّ صالِحٍ ** ولا سِيَّما يَوم بِدارَةِ جُلْجُلِ

لكنها، في العصور المتأخِّرة، أصبحت تُحذف الواو في بعض الكتابات: «لا سيما»، وربما حُذفت مع الواو (لا)، فقيل: «سيما». وهي بعكس معنى «ولا سيما».

majedalgarbawi5ثمة أزمة حادة تواجه الشريعة الاسلامية، بل تواجه الدين بأسره، لا تنفع معها تبريرات الفقهاء ومكابراتهم .. أزمة حقيقية، تضغط باتجاه مراجعة نقدية تطال الفكر الديني، وفق قراءة معاصرة تواكب مسار الحضارة، وتُعيد النظر في ثوابت الشريعة، بعيدا عن سلطة التراث والسلف والتراكمات التأويلية التي تكرّس اللامعقول وتحرّض باستمرار ضد الآخر، حتى صار الدين إما يدفع باتجاه العنف والارهاب، او يستقطب باتجاه الخرافة والسحر والشعوذة وجلد الذات، وتصديق هلوسات وأكاذيب بعض رجال الدين، وتقديس الماضي والتراث، وأسطرة الشخصيات التاريخية، واستبدال العبادة بطقوس فلكلورية، انقلبت معها مفاهيم الخير والعمل الصالح، وبات الارهاب دينا، والخداع دينا، والتبست المفاهيم حد الاحتراب فضلا عن الكراهية والتنابذ والاقتتال.

ان مسؤولية التجديد ستخرج من يد الفقهاء، اذا تمادوا في تكاسلهم ولا مبالاتهم تجاه ما يجري. لقد صار الدين مع جمودهم وتخلّف الدعاة شبحا يطارد احلامنا، وباتت شعارات تطبيق الشريعة والاسلام هو الحل والحاكمية الالهية وولاية الفقيه تستفزنا، خاصة مع تمادي بعض الحركات الاسلامية في تطرفها، وارتكابها مجازر يندى لها جبين الانسانية. بل نَسَفَ سلوكهم أغلب ما كتبه المفكرون الاسلاميون عن الاسلام وحضارته ومستقبله في بناء الدولة والمجتمع، وسفّه جميع احلامهم، بل كذّب جميع التأويلات التي اعتادها الكاتب الاسلامي في تبريره لأحكام الاسلام وتشريعاته ونظمه، لكثير من القضايا كـ: المرأة والرق ونظرته للآخر، مما حدا بنا العودة لمراجعة أصل التشريع، واستدعاء ذلك السؤال الخطير، الذي نهرب من مواجهته دائما: (هل الخطأ في التشريع أم في التطبيق؟ أم الخطأ في تعميم الأحكام واطلاقاتها؟).

للامس القريب كنا نردد ما تردده الحركات الاسلامية وجميع الدعاة المخلصين، حينما نواجه اي خطأ سلوكي: (ان الخطأ في التطبيق)، حتى راحت بعض المذاهب والفرق الاسلامية تعوّل على ظهور (المهدي المنتظر)، لتعذر تطبيقها من قبلنا. ولا ادري ما فائدة تشريعات ودين لا يمكن تطبيقه من قبلنا، حتى يظهر المهدي ويرعى تطبيقه بنفسه!! .. وماذا نفعل اذا لم يظهر او تأجل ظهوره آلاف أخرى من السنين؟ ثم ماذا يريد ان يقدّم المهدي من حلول اسطورية لهذه المشكلة؟ هل سيُشرّع لنا أحكاما جديدة؟ وهذا مستحيل، لتعذّر التشريع بعد الوحي. أم سيوظّف عقله وفقاهته؟، اذاً فلماذا لا نوظّف نحن عقولنا بدلا من انتظاره؟. لا ادري هل نعي شيئا من سلوكنا ام نخدع انفسنا ونحسب اننا على حق وغيرنا على باطل!!!. لا اخفيكم، أجد هروبا في فكرة الانتظار، بل اجد فيها إدانة لنا من حيث لا نشعر، والفقهاء قادرون على فقه الشريعة وتقديم قراءة اخرى للدين. فأرى من الأفضل مقاربة المشكلة في بعدها التشريعي، مع مراجعة مكثّفة لآرائنا وفتاوانا، وفق رؤية علمية، واقعية، ترتكز لمنطق القرآن الكريم في اطار مقاصد الشريعة وغاياتها، سنكتشف حينئذٍ حجم الهوّة بين التشريع والواقع.

لقد ارهقنا التوجيه والتأويل، وصار لا هَمَّ لنا الا تبرير ما جاء في الشريعة من أحكام صدرت قبل اكثر من 1400 عام لواقع آخر. فمن اوصلنا لهذه الحالة؟ وهل كان بالامكان تداركها قبل ان تتحول الى عبء يثقل كاهلنا؟

نعم كان بالامكان تداركها لو كان هناك فقهاء يعون الشريعة وغاياتها ومقاصدها، ويدركون دور الزمان والمكان في تشريع الأحكام، ويستطيعون اكتشاف منطق القرآن ومنهجه في تقنينها، ويفهمون طبيعة المجتمع قبل وبعد تشريعها. لكنهم للاسف الشديد لا يدركون مقاصد الشريعة ولا يفهمون غاياتها. سواء تغيّر الواقع أم لم يتغير، ولا يعرفون شي عن فلسفة التشريع سوى التعبّد حرفيا بما جاء من نصوص، وما قاله السلف. فالمرأة هي المرأة، والمجتمع هو المجتمع. والفقيه لا يفهم الا فعلية الأحكام وصلاحيتها (اطلاقا) لكل زمان ومكان، وعلينا الانصياع لفتاواه من دون اي اعتراض.

نحن لا نشكك في صلاح الشريعة الا من حيث فعلية أحكامها، في ضوء مبادئهم الاصولية، لتغيّرالأحكام بتغير موضوعاتها كما هو مقرر عندهم، وقد تغيرت فعلا بفضل التطور الحضاري (فكرا وثقافة ووعيا ومسؤولية) فلماذا الجمود؟ ولماذا الاصرار؟ متى تأخذهم الغيرة على دين الله؟ ومن المسؤول عن تردي واقع المسلمين وضياعهم؟ ومن يتحمل مسؤولية الانكفاء والرِدّة المفجعة في صفوف الشباب؟ ولماذا يبقى المسلم في موقع الدفاع، يبحث عن اعذار وتبريرات، وفي الدين من السعة والرحمة ما يمكنه البقاء ملتزما بدينه، مسالما في سلوكه، يفتخر بانتمائه. بينما الان يقف حائرا مرعوبا حينما تواجهه سهام الريبة والشك. ويقف مدهوشا بين نظرتين، نظرة الغرب للانسان بما هو انسان، ذكرا او انثى، بلا كراهية ولا بغضاء ولا تمييز، وهو في تطور مستمر. ونظرة الفقهاء المحرّضة ضد الآخر، فغير المسلم في نظرهم كافر، مشرك، نجس، لا يحل طعامه، ولا تؤكل ذبيحته، يستحب النظر له بحنق وكراهية، لا يجوز معاشرته والاقتران به، بل يتمادى بعضهم فيعتبر نساءهم إماء، واموالهم غنائم. وارضهم ارض كفر يجوز لك فيها ما لا يجوز في ارض الاسلام، مهما كان الحاكم المسلم، طاغية، فاجرا، جلادا، مستبدا، دكتاتورا.

يجب ان نمزق جدار الصمت، ونقول الحقيقة، باسلوب علمي منطقي استدلالي، يحافظ على قيم الدين ومبادئة، في اطار مقاصد الشريعة وغاياتها، ونعلن صراحة حاجة الأحكام الى اعادة نظر للتأكد من فعليتها واطلاقها (الازماني والاحوالي) المفترض من قبل الفقهاء، وفقا للمتغيرات الزمانية والمكانية، كبعض العبادات، وغيرها من التشريعات كقضايا المرأة في الإرث والحقوق الشخصية، ومأساة قيمومة الرجل عليها مطلقا، والرق وعودته المخجلة على يد (داعش واخواتها). وايضا هناك أحكام الربا والتباس مفهومه الذي يُعيق حركة الاقتصاد (وقد تجاوزت ايران هذه المعضلة بعد ان ادركت ان مفهوم الربا الذي تتحدث عنه الآية غيره المعمول به في البنوك العالمية، وهي خطوة شجاعة تحسب لها، كما استبدلت العقوبات الجسدية بالسجن والغرامات لمّا عرفت ان المراد من القضاء هو استئصال الجريمة وليس الانتقام، واذا كان للسلف ظرفهم فلنا ظرفنا وضروراتنا).

ثم ماذا عن باقي الأحكام الولائية التي صدرت في ظل حروب مستعرة وعدوانية جاهلية مشهود لها تاريخيا لمعالجة واقع خارجي محدد ومؤقت، كحكم المرتد، وحكم المشرك والكافر، ووجوب قتالهم، واخذ الجزية؟ هل تبقى سارية المفعول يتخذها المتطرفون الاسلاميون ذريعة لتشويه سمعة الدين وسماحته؟ انها خطيئة الصحابة عندما تشبثوا بفعلية هذا النمط من الأحكام حتى استُغلت لمحاربة المسلمين كما بالنسبة لحروب الردة، وجاء من بعدهم فقهاء السلطان، تبريرا لسلوك السلاطين والخلفاء في التوسّع من اجل كسب الثروات واشغال المسلمين بما يتيح لهم التفرد والاستهتار بالسلطة.

لا شك ان اعادة النظر في فعلية كثير من الأحكام بات مسؤولية كل الفقهاء، للحفاظ على ما تبقى من الدين، وانتشاله من التخلف والتراجع الحضاري المروع، وعدم اعطاء ذريعة للجهلة والمتخلفين والمتزمتين يفعلون ما يشاؤون. ويجب معالجة كل هذه الأحكام وغيرها، لانها السبب وراء كثير من المآسي .. فما كان للمتطرفين الاسلاميين وغيرهم ارتكاب مثل هذه الافعال لولا وجود فتاوى فقهية تبرر لهم ذلك، بل تلزمهم، على اساس فعلية الأحكام الشرعية مطلقا، في كل زمان ومكان. فمتى نعي ونمزّق جدار الصمت ونقول الحقيقة علانية، ان الشريعة كانت لظرف غير ظرفنا ولزمان غير زماننا، ويجب ان يبقى من أحكامها ما يُلائم وضعنا وحاجاتنا، وارتباطنا بخالقنا، كالعبادات، لنكون أكثر تقوى وعفة، بفضل ايماننا بالغيب واليوم الآخر، ونكون أكثر إتزانا، نفسيا وخُلقيا، كي نؤسس لعلاقات اجتماعية تُعمّق اواصرنا الانسانية، ويسود العدل والسلام، باسم الدين وشريعة سيد المرسلين. اما غير ذلك ففعليته مشروطة بفعلية موضوعه، المتوقف اساسا على فعلية مقدماته وشروطه وقرائنه وكل شي يخصه كي يكون فعليا، وهذا لعَمري بات شُبه مستحيل بعد الف واربعمئة سنة تطور الانسان خلالها اجتماعيا وثقافيا وعقليا، وبات بفعل المراجعة والنقد المتواصل يراعي شرعة حقوق الانسان، ويتطلع لكمال انسانيته، فكيف يمكن للدين ان يمارس دوره في ضوء فهم مبتسر يزرع بذور الفتنة والاقتتال من خلال فرز حاد للانسان على اساس ايمانه واسلامه، فإما ان يكون مسلما او كافرا مشركا يجب استئصاله وقتله؟ ولماذا نأخذ بهذه الآيات ولا ناخذ بآيات اخرى تحث على التسامح والمحبة، وتخاطب الرسول "لست عليهم بمسيطر".

لا يمكن معالجة التطرف الاسلامي والتخلف الديني بمعزل عن مراجعة أحكام الشريعة وفعليتها، لتشبّث المتطرفين الاسلاميين بها، لانهم مؤمنون، متدينون، ملتزمون، يقصدون مرضاة الله بافعالهم الشنيعة جهلا وتخلفا. ولا يتحركون الا مع وجود حكم شرعي او فتوى فقهية، من هنا جاءت اهمية المراجعة والنقد، كي نجفف منابع التبرير الجهادي والسلوك المنحرف والمتخلف. لكن كيف نجفف منابع الارهاب وآيات الحرب والجهاد بنظر الفقهاء مطلقة صالحة لكل زمان ومكان؟. لقد قدمنا بانفسنا ذريعة للهجوم على القرآن الكريم وعلى ديننا الحنيف بسبب تخلفنا فقهيا. انهم يعتقدون ان آيات القتال تخاطبهم، وهم مأمورون بها، فهل حقا هم المخاطبون بها؟ لماذا يصمت الفقهاء ولا يقولون الحقيقة. هل انخرام قاعدة اصولية صنعوها بانفسهم أهم عند الفقهاء من دماء المسلمين وحيثياتهم؟

كل المحاولات لتجفيف منابع الارهاب الديني فاشلة، ما لم نَعُدْ لفقه الكتاب الكريم، كي نعي شروط فعلية آياته، ونعلن بصراحة بلا مواربة: (لا فعلية ولا اطلاق لآيات الحرب والجهاد، بعد انتفاء موضوعها). فهي آيات عالجت واقعا محددا في حينه وانتهى الأمر. بل بامكان الفقهاء الافتاء بحرمة التشبث بها لتبرير سلوكهم العدواني ضد الآخر، من باب المصلحة العامة وحقنا لدماء المسلمين.

المسؤولية الان بصراحة على عاتق الفقهاء كي يقولوا كلمتهم، او يطلقوا رصاصة الرحمة على ما تبقى من الدين. فلا يكفي الشجب الخجول، ما لم يُعلنوا قناعاتهم بلا مواربة. لكن الفقهاء للاسف الشديد اما مشغول بالافتاء لحركات التطرف، يشعل نار الفتن، ويبرر سفك الدماء باسم الدين، ويعمق مشاعرنا الخرافية، او جالس في بيته قديسا، تُقبّلُ الناس البسطاء يديه، لا يغادر القرن الأول، ولا يدري بما يدور حوله، ولا يتصدى لأي مسؤولية شرعية خارج اطار مسؤولياته الفقهية التقليدية، ويفرض على الاتقياء من المؤمنين دفع "حقوهم الشرعية من خمس وزكاة"، يفعل بها ما يشاء هو وحاشيته، مع انها مخصصة للفقراء والمساكين واصلاح شؤون المسلمين.

 

الغاء الشريعة أم فقه الشرعية؟

ثمة سؤال ترتعد له فرائص الفقيه: (هل يمكن الاستغناء عن بعض الأحكام القرآنية؟ وهل يمكن اعادة النظر في فعلية أحكام الشريعة التي صدرت لواقع ما قبل 1400 عام؟،).

لا نقول الغاء الشريعة، لكن نطالب بفقه الشريعة في ظل التحولات الزمانية والمكانية، والأخذ بنظر الاعتبار واقع المسلمين رجالا ونساء، وتقديم قراءة جديدة للدين. والفرق هائل بين الالغاء والفقه. الثاني لا يغادر الشريعة ومبادئ الدين من أجل رؤية متجددة في الفقه. وهذا ما ندعو له.

لا شك ان النفي سيكون جواب الفقيه بلا تردد، ما دام مكبّلا بتقليد السلف، وعدم مخالفة المشهور. ويشكو قصورا في وعي الشريعة ومقاصدها، ويلازمه خوف يفرض عليه الاحتياط في الفتوى بكل انواعها، من أجل براءة ذمته الشخصية، على خلاف مبادئ القرآن في السعة والرحمة. لكن ماذا عن الناس وما يواجهونه من احراجات؟ هذا لا يهمه. وماذا عن مصادرة سماحة الشريعة وسهولتها؟ هنا يصمت الفقيه، متعللا بقواعد اصولية صنعها بنفسه ثم جعلها سلطة عُليا توجه وعيه، وتتحكم بفتاواه، كالاحتياطين العقلي والشرعي، واستصحاب الحرمة وبقاء الأحكام كما هي، الى غير ذلك. والأغرب ان بعض الفقهاء يفتي خلاف قناعته الفقهية مراعاة للمشهور!!!.

اما لو عدنا لمنطق القرآن فسنجد متسعا كبيرا، خاصة والفرق واضح بين الدين والشريعة، والخلود قرآنيا للدين وليس للشريعة. قال تعالى: "شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب" (الشورى: 13).

لكن بخصوص الشريعة يقول تعالى: "لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آَتَاكُمْ" (المائدة: 48).

فالدين ثابت، وهو الايمان بوحدانية الله عزوجل وملائكته وكتبه ورسله وعدم التفريق بينهم، كما جاء في الآية الكريمة: "آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير" (البقرة: 285).

والفرق ان الشريعة تقصد مصلحة الانسان، وقد أقر الفقهاء ان الأحكام تابعة للمصالح والمفاسد، وتتناسب معها طرديا، فترتفع درجة الالزام كلما كانت المصلحة اقوى، والعكس صحيح بالنسبة للحرمة عندما تكون هناك مفسدة. وليست المصالح والمفاسد مطلقة في كل الازمان والاحوال، وانما نسبية، تختلف تبعا لمصالح الفرد والمجتمع. وهذه القاعدة اذا لم تنطبق على جميع الأحكام فانها بلاريب تنطبق على ما يخص التشريعات الشخصية والاجتماعية، كالأحكام الخاصة بالمرأة، او الرق. ناهيك عن الأحكام الولائية والقضايا الخارجية.

كما ان وجود شريعة لكل حقبة زمنية أقرب للعدل والانصاف، وهما مبدآن قرآنيان صريحان، تدور حولهما كثير من الآيات القرآنية.

وعندما ندعو لذلك، نؤكد، ان عملية ترقية الأحكام اضافة الى كونها تراعي المصالح، عملية منضبطة وفقا للمنطق القرآني. فنراه يكرّس السعة والرحمة علة، عندما يستبدل شريعة باخرى او حكما بآخر، كي لا تتحوّل الأحكام الى إصر وغل يعيق حياة الناس، رغم انها لم تكن كذلك عند تشريعها (لانه خلاف العدل والانصاف وخلاف رحمة الله ورأفته بالناس بل فيه ظلم عظيم لهم). وهذا ما تؤكده الآية اذ تقول: (الّذين يتّبعون الرّسول النّبيّ الأمّيّ الّذي يجدونه مكتوبًا عندهم في التّوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحلّ لهم الطّيّبات ويحرّم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال الّتي كانت عليهم فالّذين آمنوا به وعزّروه ونصروه واتّبعوا النّور الّذي أنزل معه أولئك هم المفلحون). ﴿الاعراف: 157) ..

اذاً نستفيد من الآية امكانية التخلي عن الحكم عندما يتحول الى غل يكبل حركة الفرد والمجتمع. وهذا منطق قرآني سليم، فلماذا لا نهتدي به في فقه الاحكام الشرعية راهنا؟.

ثم بما ان تطور الشرائع سُنة الهية ثابتة، فمجتمعنا أولى بتشريعات تناسب أفقه الجديد (وعيا ودورا ومسؤولية). ولا سبيل لذلك مع انقطاع الوحي، سوى فقه الشريعة في ضوء مقاصدها وغاياتها، والارتكاز الى العقل، والاستفادة من معطيات العلوم الحديثة، وتجارب الأمم، ومراعاة مصالح الناس، والنظر الى المستقبل، والكف عن استفتاء الموتى في واقع لم يعيشوه، واستحضار الماضي والتراث في معالجة مشاكلنا وحاجاتنا. وهذا مبرر عقلائي آخر وفق منطق القرآن الكريم، الذي يتطلع لخير الانسان، ويتحرى اليسر ووضع الاغلال عنهم. وينبغي ان نتذكر دائما لو كانت الشرائع صالحة لكل زمان ومكان لخلدتها الكتب السماوية، لكنها ركزت على الاديان ومبادئها وقيمها وتاريخها ومسارها، واهملت ما يتعلق بالتشريعات، لهدف لا يخطأه الوعي، والعقل المتوقد، فمتى يعي الفقهاء مسؤولياتهم؟؟.

والأهم، يمكن مقاربة الموضوع اصوليا، حيث ان فعلية اي حكم تتوقف على فعلية موضوعه المتوقف اساسا على فعلية جميع شروطه وقرائنه ومقدماته. وعندما نقارن موضوعات الأحكام نجد واقعا مباينا، وامرأة مختلفة وشخصا مغايرا. فالانسان لا يقاس بجسده، والحكم لا ينصب عليه بما هو كائن بشري، والا ما الفرق بين شخص وآخر، حينما نصف الأول مؤمنا، والآخر كافرا او مشركا ونرتب عليهما حكما شرعيا؟ أليس بما يحملانه من أفكار وعقائد ومواقف ومسؤوليات؟ .. فالأحكام لا تقصد المرأة ككائن بشري، وانما تقصدها وعيا وثقافة ودورا ومسؤولية وواقعا اجتماعيا، ولا شك ان المرأة بهذا الفهم هي غيرها في زمن التشريع. فاذا كان اخضاع المرأة للرجل ضمن ضوابط في ذلك الزمان تحريرا لها من واقع أسوء يصادر حيثيتها وكرامتها وانسانيتها، فانه اليوم يُعد عبودية وامتهانا، بعد ان اثبتت جدارتها في كل مناحي الحياة، بل بات الرجل رغم مكابرته يعتمد على عقلها وتدبيرها. فالنظرة الدونية لها باتت ادانة للدين والتراث وسيرة السلف الصالح. فالمرأة ما عادت متخلفة، ولا عورة، بل غدت تنافس الرجل على جميع المستويات، وتتقدم عليه في حبها للأمن والسلام ورفض العنف، واستهجان السلوك الخشن.

المشكلة الأساس، ان الفقهاء يعتقدون ان الأحكام شُرعت دفعة واحدة، ولم تُشرع لمعالجة واقع معين. بينما الحقيقة ان الأحكام في غير العبادات جاءت لمعالجة واقع كان يعيشه الفرد والمجتمع آنذاك، وجميعها من هذه الزاوية تعتبر آنئذٍ قفزات انسانية وحضارية قياسا بما سبقها. فالمرأة التي حكم الشرع لها في ضوء دورها ومكانتها بنصف الإرث مثلا كانت قبل التشريع لا تتقاضى شيئا، بل كانت كمية مهملة في خدمة الرجل ووعاء لشهوته وشبقه، فنصف الارث في وقتها يتناسب مع دورها ومسؤولياتها، اما اليوم فالامر مختلف. وكذلك بالنسبة للرق وأحكامه قياسا لما كانوا يعانونه على يد اسيادهم قبل التشريع، وايضا كثير من الأحكام الأخرى كالقصاص والحدود. لكن اليوم بعد مرور 1400 عام صار ينطبق على بعض الأحكام صفة الغل والإصر، كما ان بعضها الآخر لا موضوع له كي يكون فعليا.

والأهم سيكتشف الفقهاء عند مراجعة اطلاقات الاحكام عدم فعلية جملة منها، وانما ذكرت قرآنيا كتاريخ من سيرة النبي الكريم وما واجهه، وليس المقصود تشريعا ملزما للمسلمين بعده.

ولو اعاد الفقهاء النظر في الجهاد وموضوعه لاكتشفوا ان موضوعه الدين والرسالة، التي انتصرت بصريح القرآن: (اليوم اكملت لكم دينكم واتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا)، وقوله تعالى: (اذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله افواجا فسبح بحمد ربك واستغفره انه كان توابا). (وقد كتبت عن هذا الموضوع تفصيلا في كتابي: تحديات العنف). بل كل الحروب بعد النبي الكريم لا يصدق عليها جهادا، وانما صراعات سياسية وتوسع بقرارات شخصية، يتحمل وزرها اصحابها. فلا فعلية اذا لآيات الجهاد لعدم فعلية موضوعه وانتفاء شرطه، اي الحرابة المُفضية لفناء الدين وانهيار الرسالة. والدفاع عن النفس والعرض والقيم والمبادئ والاوطان واجب على الجميع ولا يحتاج الى تحريض ديني، فلا تضللنا سيرة الخلفاء والسلاطين في ايجاد مبررات شرعية لكل حروبهم وغزواتهم من اجل تجنيد الطيبين من الناس وزجهم في معاركهم وفتوحاتهم، لانها حروب شخصية وسياسية. من هنا ينبغي للفقه الحذر في تعامله مع سيرة غير النبي الاكرم، إذ لا حجة شرعا الا لسيرته المتعلقة بالقرآن وأحكامه، حيث قال تعالى "ما آتاكم الرسول فخذوه".

نأمل ان يكون سلوك المتطرفين الاسلاميين والريبة التي تدور حول أحكام الاسلام دافعا لمراجعة مبادئهم ومتبنياتهم الاصولية والفقهية لتدارك الامر قبل فوات الآوان، ولانهم مسؤولون امام الله عزوجل: "فقفوهم انهم مسؤولون". ولا مسؤولية كمسؤولية الفتوى، فالفقيه اما ان يكون مجتهدا لا مقلدا لمن سبقه او يستقيل. وسنبقى بانتظار فقيه يقدم لنا قراءة جديدة للدين وآيات الأحكام، تفقه الكتاب والسيرة النبوية ضمن شرطهما التاريخي. قراءة شجاعة تاخذ بنظر الاعتبار فلسفة التشريع وتاريخ الأحكام، كي نلحق بركب الحضارة وننفض عنا غبار التخلف، كل ذلك في اطار مقاصد الشريعة وغاياتها، بعد تأسيس منهج جديد لتوثيق الروايات، ووضع قواعد اصولية تحقق اكبر قدر من اليسر والانفتاح.

وسيبقى حلال محمد حلالا الى يوم القيامة، وحرامه حراما الى يوم القيامة (كما يريدون) لاننا لا نبغي إلغاء اي حكم، وانما تنتفي الأحكام بانتفاء موضوعاتها تلقائيا، وما علينا الا التأكد من فعلية تلك الموضوعات.

واقصد بالقضايا المحرمة ما ثبت منه صريحا في القرآن، والا فان المحرمات اتخذت مسارا تصاعديا مع فتاوى الفقهاء، بينما هي قرآنيا محدودة، وواضحة، حيث يقول تعالى بالنسبة لحرمة بعض الاطعمة: (قل لاّ أجد في ما أوحي إليّ محرّما على طاعمٍ يطعمه إلاّ أن يكون ميتة أو دما مّسفوحا أو لحم خنزيرٍ فإنّه رجسٌ أو فسقا أهلّ لغير اللّه به فمن اضطرّ غير باغٍ ولا عادٍ فإنّ ربّك غفورٌ رّحيمٌ) ﴿الانعام: 145).

وردا على من يقول: (أحكام الله لا تقاس بالعقل)، اقول: "لا فقه لاحكام الله الا بالعقل". ولولا العقل لما كلفنا الله بالامانة، ولولاه لما تحملنا مشقة المسؤولية. وليَعلم الفقهاء ان زمن الاصغاء ولى، ومع تطور العلوم المرتبطة بالنص صار بالامكان فقه ومعرفة مقاصده، اذاً، ليتداركوا الامر قبل فوات الآوان. والله المستعان.

 

نشر في صحيفة المدى البغدادية ايضا

yasser alharakلقد تبين من خلال الأوضاع في سوريا والعراق تحديداً أن الجماعات الإرهابية كانت تنظيم داعش أو النصرة أو غيرهما اكتسحا مدناً كبيرة بحجم الموصل في حين عصت في وجههما قراً صغيرة لا تغزى إلا على جثامين ساكنيها. ترى في المشهد قراً كردية تقاوم بشراسة المد الإرهابي و مدن كبرى تسقط في يد وحوش هذا المد من دون مقاومة الأهالي. وهذا انما يترجم حقيقة وجود مجتمعات حاضنة للإرهاب إن لم نقل أنها تتبنى مبادئ ارهابية في التعبد. وعليه تدعيش هذه المجتمعات هي مسألة وقت فقط. ولقد تكلم الدكتور عدنان إبراهيم بكل صراحة عن عشعشة الإرهاب في النصوص الدينية وامتداد آثاره في المناهج التربوية. و إذا كان دور السلطات المختصة في البلدان الإسلامية إعادة هيكلة المناهج التربوية، فإن طرح النصوص الدينية للنقاش هو دور كل مثقف. وهذا هو الباعث في هذه الورقة على استخراج نموذج لشروحات فرضت على النص القرآني معاني متطرفة أصبحت زبوراً للجماعات الإرهابية في العالم الإسلامي. هذه وقفة مع نموذج الآية الرابعة من سورة محمد.

 

نص الآية والواضح من المعنى

{فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّىٰ إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّىٰ تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ۚ ذَٰلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَٰكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ ۗ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ}.

 

قبل إستعراض الإشكال الحاصل حول شرح أو تفسير هذه الآية بسبب تصرفات المفسرين، من المهم جداً أن نشير إلى حصول إجماع على أن هذه الآية تتعلق بظروف الحرب وتخص المحاربين من المشركين لا المدنيين غير المشاركين في الحرب. وهذا ما عبر عنه بن كثير في مستهل تفسير للآية بقوله: "يقول تعالى مرشداً إلى ما يعتمدونه في حروبهم مع المشركين"1. ويؤيد عدم إهتمام الشريعة الإسلامية بغزو ومحاربة أرباب الديانات الأخرى قيام النبي بإرسال دعوات سلمية إلى زعماء من ديانات أخرى لم يحذرهم فيها بإرسال الجيوش الجرارة، انما كان تحذيره أن عليهم إثم شعوبهم كما هو في نص الرسالة إلى كسرى المشهور والذي جاء فيه:" (..) فإني أنا رسول الله إلى الناس كافة، لأنذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين، فإن تسلم تسلم، وإن أبيت فإن إثم المجوس عليك."2. وهذا دليل واضح على أن الإسلام دين دعوة وليس دين دولة كونية في شكل خلافة كما يزعم البعض.

من الواضح أن الحديث عن ضرب الأعناق في حرب السيوف في القرن السادس للميلاد له علاقة بالتغلب على الخصم. في الآية يوجد شرط و تقييد لضرب الأعناق في الحرب. الشرط هو "إذا لقيتم" والقيد هو "حتى إذا أثخنتموهم". ويشتهر في قواميس اللغة العربية كون فعل لقِي له استعمالات متعددة منها "لقِي عدوَّه" أي قاتله وحاربه. هنا يكون إشتعال الحرب بين جيشين شرط لضرب الأعناق وليس كما كان يفعل في بعض الأحداث التاريخية وبرر له المفسرون ما أدى إلى إستعمال التطرف المعاصر لهذه التبريرات كما سنرى. ثم إن اثخان العدو موجب لإيقاف العدوان وإما العفو عن الأسرى أو الشروع في عمليات تبادلهم حتى إذا لم تكن الحرب منتهية بصفة نهائية لورود حديث المن والفداء قبل أن تضع الحرب أوزارها. فإذن الآية تأذن بالهجوم في حالة حصول الحرب بالطريقة المتعارف عليها في حينها مشجعة على وقف الهجوم عند التغلب حتى إذا لم يعن ذلك إنتهاء الحرب محاولة جعل المن والفداء خاتمة للحرب. وهذا هو بسيط المعنى الذي سنرى كيف تكلف في تعقيده المفسرون لأهداف أو لمصالح لا يسعنا التطرق لها في هذه الورقة.

 

تعقيدات المفسرين وابتداع التطرف

مما جيء به وتم ادخاله لغاية قول عدد من المفسرين أن هذه الآية نسخت لإبطال شق العفو عن الأسرى أو مبادلتهم. وكذلك تفنن المفسرون في تحييد عبارة "ضرب الرقاب" عن معناها الطبيعي والمعقول المتماشي مع مبادئ الدين الإسلامي لتصبح تبريرا مقدساً لممارسة طقوس ذبح الإنسان الهمجية التي عرفها التاريخ الإسلامي وايذاناً للتمثيل بالجثث. وهذا أمر ملحوظ على أرض الواقع في ممارسات التيارات الإسلامية المتطرفة التي تتشبث باجتهادات السلف. فقال بن كثير أن الآية منسوخة و ينسخ معها التشجيع على مبادلة الاسرى أو العفو عنهم نسختها آية تعطي للحاكم الحق بإعدام الأسرى إن شاء. والآية الناسخة هي: {فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ ۚ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}3. وتحتاج الآية الناسخة بحثاً مخصصاً نلخص الحجة التي تدحض سوء إستعمال هذه الآية للتأسيس لنظرية دار حرب المخالفين في الديانة فيما يلي:

1- لا يوجد من المفسرين من نفى تشجيع الإسلام على فضيلة العفو. فما دام العفو عن الأسرى يدخل تحت العنوان الشامل للعفو فإن تشجيع الآية الأولى عليه مسألة ثابتة وباقية ما بقي العفو مما يشجع عليه الإسلام.

2- القول إن الإسلام يأمر بقتل المشركين حيثما وجدوا إستناداً على آية السيف، وأنها شرعت تدابير زمن التمكين ناسخة تدابير زمن الاستضعاف لا يصمد لثبوت عفو النبي عن الطلقاء وهو المهيمن على الوضع بعد تحرير مكة.

3- إعطاء الأسبقية لآية السيف والقول بأنها نسخت ما قبلها قول خطير يجعلها تنسخ معظم القرآن وتتناقض معه وتجعل الإسلام دين السيف. فمثلاً يشرح القرآن الموت والحياة فيقول: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ}4. وآية السيف كما شرحها الإسلام السياسي العتيق وإن افترضنا جدلاً أنها تنسخ التدابير العسكرية والمبادئ الأخلاقية فإنه لا يمكن الإعتقاد بأنها تنسخ علة الخلق التي هي الإبتلاء. والابتلاء موجب لإمتلاك الارادة وامتلاك الإرادة موجب لحرية المعتقد.

4 - في زمن توازن القوى النووية لا يمكن تطبيق آية السيف. وعلى إفتراض وجود حاكم إسلامي نووي، فإنه لا يمكن له أن يغير على المشركين لأن في ذلك فناء الإسلام والمسلمين والمشركين معاً.

وإذا كان القرآن صالح لكل الأزمان فإما هذه الآية ليست صالحة لهذا الزمن أو أنها لا تعني ما قدمه المفسرون.

وهناك نقاط أخرى حول آية السيف تناقش في محلها.

من الغريب أنه رغم ذكر بن كثير أن معظم المفسرين نفوا نسخ آية {فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّىٰ إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّىٰ تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا} بآية السيف، فإن الشافعي في تفسير بن كثير يقول بأن للحاكم أن يقتل الأسير إن شاء أو يستعبده! ومن طريف ما جاء به القرطبي قوله في عبارة فضرب الرقاب: "وقال {فضرب الرقاب} ولم يقل فاقتلوهم، لأن في العبارة بضرب الرقاب من الغلظة والشدة ما ليس في لفظ القتل، لما فيه من تصوير القتل بأشنع صوره، وهو حز العنق وإطارة العضو الذي هو رأس البدن وعلوه وأوجه أعضائه"5. أي أن القرآن يشجع على ممارسة القتل ليس بالطريقة المتعارف عليها في القرن السادس للميلاد، بل إنه يشجع على القتل بأبشع صوره. من هنا نستنتج أن الاستعباد والقتل بأبشع صوره يوجد له مبرر ديني في تفاسير أقدس كتاب عند المسلمين الذي هو القرآن.

القضية لا تقف عند التبرير فقط، بل إننا لما نقرئ التفسير نستشعر نزعة تحريضية مجنونة على قتل الإنسانية حتى تدخل في الإسلام وقتلها بطريقة بشعة لا أساس لها في مبادئ الإسلام السمحة. ويكفي دليلاً على عدم إسلامية ما لفقه المفسرون حول معاني القرآن أنك تجد أقرب الناس إلى الرسول، والأعلم بين تلامذته بإجماع الجميع الإمام علي بن طالب له سيرة خالية من البدع المتطرفة التي ذكرها المفسرون. ولو كانت محاربة أهل الديانات الأخرى واجب على نحو الابتداء وفرض الإسلام بالقهر والقتل بأبشع صوره من الإسلام لكان الإمام علي أول الممارسين. لكن حدوث هذه الممارسات من أطراف امتلكت الحبر والريشة والورق جعل من الممكن إيجاد و إدخال تفسيرات لممارسات حادثة على القرآن كي لا يقدح في اصحابها.

إن وجود مجتمعات بأكملها تحتضن الإرهاب الديني في منطقتنا ليس بصدفة. إن القضية تتعلق بنشأة المجتمعات وتطبعها مع نمط ديني تعبدي فيه من صور الإرهاب والتطرف ما أصبحنا نرى انعكاساته على أرض الواقع. ولا تنفع الضربات الجوية في إقتلاع جذور الإرهاب، كما لا تنفع التجربة الديموقراطية في مجتمعات تربت على ثقافة الموت. إن الإرهاب الديني في صورته الإسلامية يحارب في القرن السادس للميلاد ويحارب فيما يسمى بالعصر الذهبي وعصر المماليك. المنطقة الإسلامية في حاجة إلى ثورة ثقافية شاملة وشجاعة تعيد كتابة التاريخ بأيادٍ مستقلة عن السياسة وعن السلطة. إن للتطرف الديني في التاريخ لبالونات قد انتفخت وحان وقت فرقعتها.  

 

........................

1. تفسير إبن كثير، آية 4 ، سورة محمد (النسخة الإلكترونيات العالمية).

2. البداية والنهاية، الجز4، بعثه إلى كسرى ملك الفرس.

3. التوبة، آية 5.

4. الملك، آية 2.

5. تفسير القرطبي، آية 4 ، سورة محمد (النسخة الإلكترونيات العالمية).

abdalla alfafiإذا سأل سائل: ما الذي يُعجب كائنًا من الجِنّ في التلبّس بكائن من الإنس، حسب التفكير الشعبي العربيّ؟ فلن يجد مجيبًا. غير أن العقل الخرافي مهيّأ بطبيعته لتقبّل أيّ أكذوبة، وبسعة رأس. فلو قيل إن الجِنّ يؤذون الإنس، لربما بدا ذلك معقولًا، عند غير المؤمن على الأقل، ولكن الثقافة الشعبيَّة مصرّة على أنهم يدخلون الأجساد، هكذا بكلّ سهولة! أمّا كيف، فألغ عقلك لتفهم، أو بالأصح لكي تستسيغ الفكرة؛ لأنها لا تُستساغ بحضور العقل! وإنما هي العقيدة الروحانيَّة القديمة، التي كان العربُ بسسب تصوّرها يُقدِّسون بعضَ الناس، وبعضَ الحيوان، وبعضَ الشجر، وبعضَ الحجر، اعتقادًا بأن أرواحًا مقدَّسة قد حلَّت في تلك الأشياء؛ والمقدَّس إنْ دخل شيئًا من الطبيعة قدَّسه، أي أكسبه القُدسيَّة، في تصوُّر القوم. هي، إذن، (فكرة الحلول) نفسها، التي وظّفها كلّ صاحب اعتقادٍ حسب اعتقاده، من حلول أرواح مقدَّسة إلى حلول أرواح شريرة إلى حلول الله سبحانه، لدى من زعموا ذلك الزعم.(1)

قالوا: بل وقد يُجامِع الجِنُّ الإنسَ!

وإلى هنا يبلغ سيل المَخْرَقة الزُّبَى! يقولون هذا، ونصّ القرآن يقول: «وخَلَقَ الجَانَّ مِن مارِجٍ مِن نارٍ». ومن ثمّ فأحد أمرين: إمّا أن نصدِّق مَن يدّعي ذلك، فنكذِّب الآية، أو أن نصدِّق الآية والعقل، ونكذِّب المُبْطِلين، من ذوي العقل المخطوف. وهناك خيار ثالث، هو في الواقع الخيار المثالي عند هؤلاء، أن لا تكون لنا عقول كي نصدِّق أيَّما كلام يُقال، من قبيل أن مارجًا من نار بإمكانه أن يدخل بين لحمٍ ودمٍ دون أن يُحيِل الإنسان في ثوانٍ إلى (كباب)، أو إلى (شاورما)، بل إلى فحمٍ لا لحم! وكلّ عاقل- وليس المؤمن وحده- بإمكانه أن يجد من الثقة ما يدحض به مثل هذه الافتراءات؛ مدركًا أن الحكاية كذبٌ كلّها في كذبٍ ودجلٌ في دجل! فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثًا؟!

من حقّ كلّ عقلٍ أن يُراجع المزاعم المؤبَّدة تلك؛ لأن القرآن- قبل كلّ كتاب- يُخبِر أن الجانّ من نار، بل من مارجٍ من نار، أي من نارٍ مندلعة اللَّهَب والسطوع، وهذا معنى «مارج النار». أ فَـيَفْـقَه حديثًا- لغويًّا أو منطقيًّا أو قرآنيًّا- مَن يظلّ يهذي بعد هذا أن بالإمكان أن يُداخل جسدَ إنسان مارجٌ من نار، ويبقى متعايشًا معه، وكأنه مجرَّد حَمْلٍ أو طعامٍ أو ماء؟! لا سبيل هنا إلّا بإلغاء النصّ الواضح الصريح، أو تأوُّله كالعادة، للتحايل عليه من أجل مروياتٍ جاهليَّةٍ وأفكارٍ خرافيَّةٍ راسخة، أو ابتداع اجتهادات غريبة؛ توفيقًا بين الأُسطورة والعِلْم، لا لشيء إلّا لتمرير فكرةٍ قديمةٍ بالية، باتت من أثبت الثوابت، التي لم تخرج من الرأس العربي منذ ما قبل الإسلام إلى اليوم حول هذه المسألة.. والرأس العربي، في مثل هذا الأمر، «عَهْدُه بالفاليات قديم»!  

ويجدر التصريح في هذا السياق من الطرح أن القائلين بأن «لا عقل في الدِّين» إنما هم في حقيقة أمرهم أتباع الدِّيانات الباطلة في كلّ زمانٍ ومكان. فالقائل بأن «لا عقل في الدِّين» هو نفسه ذلك الأعرابي الذي كان يصنع إلاهًا من تَمْرٍ، حتى إذا جاع التهم إلاهه! ولئن سألته ما هذا السَّفَه؟ ليقولنّ لك: «لا عقل في الدِّين»! الدِّين اعتقادٌ أعمَى، أحمق، إذن! وبذا فكلّ الأديان صحيحة، ولن تقوم حُجَّة ببطلان دِينٍ أبدًا. فما دُمتَ قد أسقطتَ العقل، فقد باتت كلّ الدِّيانات والمِلل والنِّحَل- من الهند إلى أمريكا اللاتينيَّة- سواء في إمكانيَّة الاعتناق، والتسليم بمشروعيَّة الاعتقاد! والعجيب في هذه الجرأة الفاحشة على الاستخفاف بالعقل وبخالق العقل ووظيفة العقل- إنْ في الوجود أو في ما بعد الوجود- أن القرآن الكريم يُلقَى ظِهريًّا لدى القائل بأن «الدِّين ليس بالعقل»! لأن القرآن جاء، لا ليقول بأن «لا عقل في الدِّين»، بل ليقول العكس تمامًا؛ فيكرِّر ويؤكِّد أن الدِّين بالعقل، وأنه ما صرف الناس عن الهُدَى إلّا تنحية العقل، وأن مفتاح معرفة الحقّ دائمًا هو العقل والتفكُّر والتدبُّر. «فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّـهِ وآيَاتِهِ يُؤْمِنُون؟!» كما أن القرآن لم يلتفت قطّ إلى تلك الترّهات جميعها التي خاض فيها الخائضون من شأن الجِنّ وعدوانهم على عواصم المسلمين وخصوصيّاتهم على مرِّ العصور، فشغلوا البشر، وأفسدوا عقولهم وعقائدهم. أجل، إن القرآن لم يجعل لها أيّ وزنٍ، لا في اعتقادٍ، ولا في عملٍ، ولا في تصوُّر.

فمن أين جاء ذلك الوباء كلّه؟

من جاهليَّة ما قبل الإسلام!

تفصيل ذلك أن المسألة أصلها، وبيت الداء فيها، يكمن في أمرين:

أوّلهما، رواياتٌ وسِيَرٌ وأخبار- كان أوّل من نهى عن تدوينها والانشغال بها محمَّد، عليه الصلاة السلام، وخلفاؤه الأوّلون- أفسدت العقول والنفوس وشوَّهت صورة الإسلام بعامَّة، لدى المسلمين قبل غير المسلمين؛ تناسلت في غضون الصراعات السياسيَّة والمعرفيَّة والفكريَّة منذ عصر بني أُميَّة، منتجةً تراثًا من الرُّكام الغريب، ما تزال الأُمَّة المسلمة- المستلَبة بجهلها المغلوبة على عقلها المبتزَّة بأساطين استغفالها- ترزح تحت نِيره إلى اليوم، أُلْبِسَ لبوس القداسة والأسلمة، ثمّ خَلَفَ خَلْفٌ اعتنقه وسلَّم به مغمض البصر والبصيرة. وكان على رأس قائمة ذلك الرُّكام عنوان عريض، يقول: «لا للعقل!»، وعنوان فرعي يقول: «من فَكَّرَ، كَفَر!»

وثاني تلكما العلَّتين، في مسألة التلبُّس تحديدًا، أن العرب ما انفكّوا يعبدون الجِنّ. تلك حقيقة مخزية! نعم، إن العرب ما انفكّوا يعبدون الجِنّ، أو قل يُجِلُّون الجِنّ ويخافونهم ويتقرَّبون إليهم ويعملون لهم ألف حساب، منذ الجاهليَّة حتى اليوم، ومن (المدينة المنورة)- حيث حكايات الجِنّ والسِّحر المتوالية المشهورة- حتى (جبال الأطلس) في (المغرب)، حيث مَلِك ملوك الجِنّ (شمهروش)، الذي يقصده القاصدون زرافات ووحدانًا على ظهور الحمير لتجديد مبايعته، وولائهم لمملكته، وطلب الشفاء منه!(2) ما لهم كيف يُفكِّرون ويحكمون، بل ما لهم كيف يُؤمنون؟! ولا لوم على أشباه الناس، ممَّن هم كالأنعام بل هم أضلّ سبيلًا، بل اللَّوم كلّ اللَّوم على الدُّوَل، وعلى المؤسَّسات، دِينيَّة، وتعليميَّة، وثقافيَّة، وتوعويَّة، في البلدان التي ترتع فيها تلك الخزعبلات. وما من بلدٍ عربيٍّ ولا مسلمٍ إلّا وهو غارقٌ في مستنقعاتها، بدرجةٍ أو بأخرى. تلك الدُّوَل بمؤسَّساتها، القابعة تتفرَّج على انتهاك حقوق العقل، الذي كرّم الله به الإنسان، جهارًا نهارًا، وهي شاغلة منشغلة بتوافه القضايا والأحداث. أ عن غفلةٍ ذلك أم عن قصد؟! ثمّ لا نستحيي أن نسأل: لِمَ نحن متخلِّفون؟ لِمَ نحن نُتخطّف في تلك اتجاه؟ لِمَ نحن نُفرِّخ للعالم دواجن الإرهاب والعَتَه والعاهات البشريَّة؟ لِمَ إنساننا منحطٌّ حتى عن درجة الحيوانيَّة؟ لِمَ؟ ولِمَ؟ ولِمَ؟ وما الذي يُرجَى من إنسانٍ نشأ دابَّةً، وعاش دابَّةً، لا كرامةَ، ولا فؤادَ، ولا عقل. ربما كانت تلك سياسة ناجعة حكيمة لاقتياد الشعوب كالسائمة، إذن. فما دام هذا الإنسان محكومًا بشمهروش وزبانيته، فيا له من مواطنٍ صالحٍ، مسالمٍ، تابعٍ لكلِّ الشماريش في الأرض، من جِنٍّ وإنس!

 

أ.د. عبدالله بن أحمد الفَيْفي

......................

(1) في القرن العشرين ظهر على الناس شيخ اسمه (علي بن مشرف العمري)، بوصفه راقيًا من الجِنّ، وانتشرت تسجيلاته إذ ذاك، وهو يتفل تارةً ويصيح تارةً أخرى أو يضرب، والمريض يهذي ويصيح بدَوره! وبطبيعة الحال، في أجواء كتلك من التهويل والإيهام والاستيهام والتفل والصراخ والضرب، سيُجَنّ العاقل ويركبه ألف عفريت من الإنس قبل الجن! ولقد أثارت تلك التسجيلات «فتنة» كبرى- بحسب المصطلح الفقهي لدى فقهاء الفتنة- واستخفّت عقول كثير من ضعفاء العقول والنفوس. وكانت بلبلة عظيمة غير مسبوقة في جزيرة العرب، حسب علمي؛ لأن أحفاد من «كَانُوا يَعْبُدُونَ الجِنَّ أَكْثَرُهُم بِهِم مؤْمِنُون»، قد تشرّبوا هذه الثقافة منذ الجاهليَّة الأولى إلى اليوم. ثمّ ها هو الشيخ ذا يتراجع عن ذلك الفكر الضالّ المضلّ، ويعترف عن تجربةٍ بأن الأمر استغفالٌ صريح للناس وكذبٌ في كذب. ولا شكّ أن هناك من المنتفعين ماديًّا واجتماعيًّا، الحريصين على استدامة الجهل وتغييب العقول بين الناس، مَن نقموا على الشيخ رجوعه إلى الحقّ وعدوله إلى العقل، ولا سيما أن سوق هؤلاء المتاجرين بالعقول اليوم أكثر رواجًا في عصر الوسائط الحديثة من عصر «الكسيت» أيّام جِنّ العمري القدماء، وهؤلاء المنتفعون يحملون رسالة في نشر الخرافات والأوهام والأباطيل عبر التقنية الحديثة، من القنوات الفضائيَّة إلى «الواتساب». وهم بلا ريب أخطر من مروِّجي المخدِّرات، عقيدةً وعقلانيَّةً، وأجدر بسدّ دكاكين شعوذاتهم، لو كانت ثمّة جِدِّيَّة في حمل الناس على الحق، وحماية العامَّة من هرطقات السفهاء!

شاهِد شهادة الشيخ في موضوع الجِنّ والمشتغلين بهم على هذا الرابط:  

http://www.youtube.com/watch?v=3ON0SB0kGpw

(2) عن شمهروش عرضَ (مركز تلفزيون الشرق الأوسط MBC) تقريرًا فاضحًا عن حالة العرب وعقولهم، على الرابط الآتي:

http://www.youtube.com/watch?v=bGOsEBYgdSI

abdulah alfyfyiمن شياطين الثقافات سلَفٌ يتبعهم خَلَف. ومعادلات الخير والشر، والحقّ والباطل، تقتضي الإمعان والتدبّر، وإلّا طاشت البواصل سواء السبيل، ونحن نحسب أنها تُحسن صُنعًا. وبتأمّل الآيات في هذا الصدد يتّضح أن الحُجَّة المزجاة من أجل عبوديَّة التقاليد تأتي عادةَ باسم «الآثار» المقتفاة، و«القدوة» و«الاقتداء»: «وإِنَّا على آثَارِهِم مُقْتَدُون». بلفظٍ آخر تأتي الحُجَّة باسم «المأثور الشعبي»، و«التراث»، و«الماضي»، و«العادات والتقليد»، وهلمّ جرًّا بهذه السلسلة الذهبيَّة في خطابنا الثقافي. وكما كان أهل الجاهليَّة يتديَّنون بدِين الآباء والأجداد، وكما اتَّخذ اليهود والنصارى أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله، انحدر حال المسلمين إلى مثل ذلك. فلم يعد المرجع كتاب الله، ولا هدي رسوله الثابت- على كثرة ما عبث به العابثون عبر العصور، فوُضع فيه وكُذب لأسباب سياسيّة أو اجتماعيّة- وإنما صار المرجع قال الإمام فلان، وروى حجة الإسلام علان. حتى إنك لتجد من الحشويَّة اليوم من يسعى في الأرض سعيًّا لعلّه يهيمن بالمرويّات تلك على صريح النصّ القرآني، كما تجد مَن يُحكِّم فُهوم السلف، وبعض الخَلَف التوابع، في النصّ الواضح الصريح من كلامٍ يقرّ هو أنه كلام الله. وعبادة السَّلَف (Ancestor-worship) داءٌ قديم، لدى العرب وغير العرب. وهو مستمرّ لدى كثير من الأمم الوثنية حتى أيامنا هذه، كما في الصين واليابان، على سبيل المثال.(1) آية ذلك أنْ قد عزَّ اليوم من يتجرّد من هذه التبعيَّة العمياء المقيتة، ونَدَرَ مَن يحتجّ بالنصّ الذي «يُسِّر للذِّكر»؛ لأن الحُجج الإسلاميَّة باتت جاهزة، ولم يعُد لقراءةٍ أو عقلٍ وظيفة، وأئمتها باتوا أحبار الأُمّة- وشِبه أربابها- منذ عصور الانحطاط، في القرن السابع من الهجرة. أولئك الأئمّة- الذين جعلونا سَلَفًا ومَثَلًا للآخرين- من أبناء تلك العصور التي لا مبالغة في وصفها بالانحطاط، على الرغم من ظهور أفراد أفذاذ خلالها هنا وهناك؛ لأن الحُكم ليس على الأفراد بل على الأُمّة. انحطاط في اللغة(2)، والفِكر، والعِلْم، والأدب. وقد كانت تلك العصور هي العصور التأسيسيَّة لانحطاطنا العربي المستمرّ. ولا غرو، فهي عصور الهرطقة، والشعوذات الفكريّة، والدِّينيّة، و«شموس المعارف» الوهميّة. ولا غرو، فهي عصور (مُحْيي الدِّين بن عربي)، و(فريد الدِّين العطّار)، و(جلال الدِّين الرومي)، و(شمس الدِّين التبريزي)، قدسّ الله أسرارهم أجمعين! هي عصورهم، وعصور أضرابهم من مهاويس المتصوّفة، والمتصوّحة أذهانهم، إلّا من الهذيان التهويمي الشاعري وراء سراب الكلمات والخيالات، مختلِطًا في خضمّ ذلك العربي والأعجمي من الثقافة والقِيَم، ومقترنًا بـ«الدِّين» بإلحاحٍ دائمًا، كما يتّضح من ألقاب أعيانهم، ما بين مُحْيٍ، وفريدٍ، وجلالٍ، وشمس. يقول «مولانا!» (الرومي)، في إحدى رباعيّاته:

«عندما اشتعلتْ نيران الحُبّ بصدري

أحرق لهيبُها كلَّ ما كان في قلبي

فازدريتُ العقلَ الدقيقَ، والمدرسةَ، والكتابَ

وعملتُ على اكتساب صناعة الشِّعر، وتعلَّمت النَّظْم.»

أجل، إنه ازدراء العقل والعِلْم، بعد إدخال العطالة الذهنيَّة على إسلام العقلانيَّة، والبطالة الحضاريَّة على إسلام العمل والسعي في مناكب الحياة، وتحويل التديّن إلى محض تمتمات وتمائم ودروشة! لكن أولئك الانحطاطيّين- بمقاييس العقل- ظلّوا نجومًا يُهتدى بها شَعبويًّا، وتحوّلوا- في دهماء ما زالت تقتات عليهم حتى اليوم- إلى أئمَّة، وأولياء، وعارفين، وأنبياء، وذوي كرامات لا يُشقّ لها غبار. يلهث وراء غبارهم المُريدون، ويُقيمون على أضرحتهم القباب، التي تُنفَق عليها الدراهم بلا حساب، لتقصدها سائمة البشر من كلّ حدبٍ وصوب للتمسّح والتبرّك والاستشفاء، ودفع الأموال لأحفاد هؤلاء من الدجاجلة. وهل فكرة الأولياء إلّا فكرة الأصنام نفسها، المتَّخذة زُلفى إلى الله، ولكن في أزياء إسلاميّة؟! ذلك أن الأُمم البدائيَّة تعتقد أن الآلهة في معزلٍ عن عُبّادها، ولا بُدَّ من تجسير الهُوَّة بين العالَمَين، عالم الآلهة وعالم المؤلِّهين، عبر الوسطاء، والشفعاء، والحُجّاب، ومديري الأعمال الإلاهيَّة، وموظَّفي «السكرتاريَّة» السماويَّة. فهذا مرقد (زينب)، وذاك مرقد (الحُسين)، وذاك مرقد (عليّ). وهي- كما ترى- «مراقد» لا «مقابر»؛ أهلها راقدون فقط، كما كانوا في حيواتهم يرقدون، اعتقادًا في استمرار فعلهم في أمور عُبّادهم وإدارتهم شؤونهم. وفي المقابل هناك ضريح (المرسي أبي العباس)، وثمة قبر (سيدي عبدالقادر)... و«ما أظنّ أديمَ الأرض إلّا من هذه الأجسادِ»! وابذعرَّت الأنصابُ والأزلامُ والأصنامُ في عرض البلاد وطولها، يطوف بها أحفاد الوثنيِّين إلى اليوم ويسعون، ويتمسَّحون بأعتباها، وينذرون لها النذور، ويذبحون لها العتائر، ويقدِّسونها تقديسًا، لو رآه (أبو جهل) لدخل من فوره في الإسلام الذي جاء به محمّد من هول ما يرى من الانحطاط العقلي، فضلًا عن انحطاط الاعتقاد، الذي آلت إليه الحال! ولربما رُفِع أولئك الأولياء لدى أتباعهم فوق الأنبياء درجات، ونُسبت إليهم خوارق تستخفّ بالعقل والدِّين معًا، ما فتئت تُصدِّقها بعض الرؤوس الهواء.

-2-

ويظلّ الإنسان أكبر شياطين نفسه، وبني جنسه، وربما غير بني جنسه أيضًا. وكثيرًا ما يحمَّل إبليس في ثقافتنا ذنوبًا لا ذنب له فيها، وإنْ كانت تسرّه، بطبيعة معناه. ذاك أن أُفهوم الشيطان عمومًا قد يعني نوازع الشرّ والهوى في النفس البشريَّة، كما يعني رفقاء السوء، وخلطاء الباطل، ومواريث الخزعبلات. ولذا يشير القرآن إلى شياطين الجن والإنس. «وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ، يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا، وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ؛ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُون»، «وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا، قَالُوا: آمَنَّا، وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ، قَالُوا: إِنَّا مَعَكُمْ، إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُون». وكلّ ما أغواك فهو شيطانك، وإنْ لم يكن إبليس «شخصيًّا»! وقد يُطلِق القرآن «الشياطين» على القُوى الطبيعيَّة النشطة والخارقة أيضًا، أو على «الجِنّ»، بحسب تفسير «الشياطين» المسخَّرة للنبي سليمان في كتب التفسير: «ولِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً، تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا، وكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ. ومِنَ الشَّيَاطِينِ مَن يَغُوصُونَ لَهُ ويَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَٰلِكَ، وكُنَّا لَهُمْ حَافِظِين». فشياطين سليمان ليسوا أبالسة قطعًا، وما كان لإبليس وذرِّيَّته أن يخدموا أنبياء الله. وبذا فإن كلّ إبليسٍ شيطانٌ، وهو جِنِّيُّ الأصل، وليس كلُّ جِنِّيٍّ إبليسًا، ولا كلُّ شيطانٍ جِنِّيًّا أو إبليسًا، كذلك.  

-3-

مذ ذلك التاريخ الظلامي لم يعُد من غايةٍ للمسلم، إذن، إلّا أن يدور بأكناف صنمٍ من تلكم الأصنام. وما عليه إلّا أن يغرف من تلك البُحيرات الآسنة. وذلك لديه غاية الدِّين، ومنتهى العِلْم، كيما يصبح إمامًا معمَّمًا بدوره لمَن بعده، يتبعه المُريدون، في سلسلةٍ ذرعها سبع مئة سنة من التخلّف، ثم إلى ما شاء الله! لا عقل بات يعمل، ولا نقل بات يُجدي، ولا نصّ بقي له احترام، ولو كان نصّ الله الكريم! وهي تبعيَّة جاهليَّة، وتقليديَّة خرقاء، إنْ كان من تقليديَّةٍ غير خرقاء، أَشْوَهُ وجهًا من تبعيَّات الأُمم السالفة، التي جاء الإسلام ليحرِّر البشر من ضلالاتها وغلوائها. والمحكّ لدى تلك العقليَّة أن ذلك ما أَلْفَتْ عليه آباءها، ولا يعنيها بعد هذا أن تستخدم عقولها التي في الرؤوس، ولا ما إذا كان ما أَلْفَتْهُ حقًّا أم باطلًا، صالحًا أم طالحًا، صحيحًا أم زائفًا، يقبله العقل أو الدِّين أم لا يقبلانه، كلّ ذلك لا يشغل التفكير: «بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا، أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُون؟!»

 

أ.د. عبدالله بن أحمد الفَيْفي

........................

1) يُنظر: مُحْيي الدِّين، عليّ الدِّين، (1984)، «عبادة الأرواح (القُوَى الخفيّة) في المجتمع العربي الجاهلي»، (بحث ضمن: الندوة العالمية الثانية لدراسات تاريخ الجزيرة العربيَّة، الكتاب الثاني- الجزيرة العربيَّة قبل الإسلام: ص ص153- 164)، (الرياض: جامعة الملك سعود)، 155.

(2) واللغة هي أساسٌ في كلّ حضارةٍ أو تنمية. وإغفال هذا الجانب ما زال في عالمنا العربي، لا بل آل الإغفال إلى تدميرٍ متعمَّدٍ للغة العربيَّة. وكأن أُمّتنا لا ترى العالَم من حولها، ولا تُبصر آليّات التنمية لديه، كيف نشأت وكيف تطوَّرت. لا ترى اليابان أين كان وأين أصبح؟ وأين كنّا نحن، وأين أمسينا؟ وأن اللغة كانت أُولى القواعد التي أرساها اليابانيّون، اعتدادًا وترجمةً. لا، أُمّتنا ترى وتسمع، لكنها مغلوبةٌ على أمرها، مهزومةٌ، مستلَبة