ibrahim telbasilkhaتعددت الآراء حول أصل التنوير، فمثلاً نجد بتر جراى Peter gray يرجع التنوير إلى اليونانيين، ويدلل على ذلك بقول ديدرو أن طاليس أول من أدخل المنهج العلمى فى دراسة الطبيعة، وأول من أستحق لقب " فيلسوف" (1). ويكمننا أن نضيف هنا قول جثرى: " إن طاليس هو الذى قال بأن الماء هو المادة التى يتكون منها العالم، وهو العنصر الباقى والدائم فى كل الأشياء (2) .

ويقدم جراى "التنوير" كوحده ويربطه بحياة مجموعة من المفكرين البارزين؛ ويعرضه من خلال ثلاث مراحل أو أجيال كما يلى:

الجيل الأول للتنوير: يضم فولتير (1694– 1778) ومونتسكيو (1689-1755). الجيل الثانى للتنوير: يضم دنيس ديدرو (1713-84)، ودالبمير (1714-80) وروسو (1712 – 78) .

الجيل الثالث للتنوير: يرتبط بالفترة ا لحديثة ويضم لسنج وكانط . (3)

وكريستوفر هل فى كتابه" الأصول الثقافية للثورة الإنجليزية " يرى أن أفكار التنوير فى إنجلترا كانت ذائعة الصيت فى القرن السادس عشر، وبول هزار فى كتابة " أزمة الضمير الأوروبى" يرد التنوير إلى النصف الثانى من القرن السابع عشر .(4)

و برنتن، مع تأكيده أن رجال القرن السابع عشر هم الذين مهدوا لعصر التنوير، يرد حركة التنوير إلى القرن الثامن عشر، الذى وصل فيه المفكرون من الرجال والنساء إلى معتقدات معينة عن أنفسهم وعن العالم، وعما يستحق العمل فى هذه الدنيا، وما يمكن أداؤه فيها .. وهى معتقدات لم يتمسك بها أسلافهم فى العصور الوسطى . كانوا يعيشون فى عالم بدا لهم جديداً، مادامت أفكارهم عنه جديدة ... وكثير مما كان يعتقد فيه الرجال والنساء فى القرن الثامن عشر كان لا يتفق وبعض النواحى المهمة فى العقيدة المسيحية التقليدية .. فالتنوير قد " حور العقيدة المسيحية تحويراً أساسياً " (5) .

وآرسنت كاسيرر فى دراسته عن " فلسفة التنوير " يرجع التنوير إلى القرن الثامن عشر، حيث يربطه بحياة أثنين من الفلاسفة البارزين هما: ليبنتز (1646 – 1716) وكانط (1724-1804). ومن كلماته: " التنوير نسق قيمى متأصل فى العقلانية " (6) .

و روبرت و كلر يرى أن مصطلح " التنوير " ظهر لأول مرة فى اللغة الإنجليزية فى نهاية القرن التاسع عشر فى الشروح الإنجليزية لفلسفة هيجل، وذلك قبل ابتكار تعبير " التنوير الاسكتلندى " وقبل مائة عام تماماً لسماع أى فرد عن " مشروع التنوير " الذى تصورة ألاسداير ماكنتاير فى كتابه " بعد الفضيلة " وذلك بعد بداية مشروع مانهتن بأكثر من ثلاثة عقود (7) .

كما أن أولريك أم هوف يرجع التنوير إلى نهاية القرن الثامن عشر مطلع القرن التاسع عشر، عندما كان فى منافسة مع تعبير " عصر العقل " فخلال القرن الثامن عشر تحدث الفيلسوف باركلى، على سبيل المثال، عن ذلك عندما قال: إن محيط النور إخترق وواصل سيره على الرغم من العبودية والخرافة "، بينما لاحظ إنجليزى أخر أن القرن قد استنار بعيداً عن آمال و تخيلات (أوهام) العصور السابقة (8) .

ومهما يكن من أمر التباين فى أصل التنوير، فالرأى الشائع و المألوف هو أن القرن الثامن عشر هو عصر التنوير، و هو عصر من صنع " الفلاسفة " وإن كان " الفلاسفة " قد مجدوا العقل، مثل، اليونانيين، إلا أنهم تميزوا بفصل الفلسفة عن الميتافيزيقاً التقليدية . فالعقلانية القديمة لم توفق فى الربط بين العقل والحياة اليومية ومن ثم انفصلت عن الوقائع العينية للحياة الحقيقية . وإذا كان التنوير معتزاً بأن يكون هو " عصر الفلسفة " فالفلسفة هنا ليست هى الفلسفة بالمفهوم التقليدى وإنما هى رؤيه وضعية لنسق العالم، ولأنحاء الوجود الإنسانى فتؤسس العلوم والفنون على مبدأ العلية دون مجاوزة هذا العالم، ومن ثم يهتم الفيلسوف بالحياة فى هذه الدنيا، وليس بالبحث عن الحقائق الأزلية فيربط بين العقل والوقائع العينية . (9)

وهذا ما أكد " برلين " فى كتابه " عصر التنوير: فلاسفة القرن الثامن عشر" فقد رأى أن القرن الثامن عشر هو الفترة الأخيرة فى تاريخ أوروبا الغربية حيث تم فيه اعتبار المعرفة البشرية اللامحدودة هدفاً يمكن تحقيقه .(10) وقال: " إن القوة الفكرية، والإخلاص والوضوح، والشجاعة، ومحبة الحقيقة لدى معظم المفكرين الموهوبين فى القرن الثامن عشر ما تزال حتى الأن من دون نظير . فهذا القرن يعد واحداً من أفضل وأكثر الأحداث المبشرة " الواعدة " فى حياة الجنس البشرى (11)ولذلك لا يمكن الشك أبداً فى أن برلين قد أيد تنوير القرن الثامن عشر وإرثه ووقف بجواره .

وبصورة عامة، فالجدل حول معنى " التنوير " بدأ فى القرن الثامن عشر ذاته واستمر فى كامل قوته حتى عصرنا . بل إن المفكرين فى القرن الثامن عشر كانوا على وعى كبير بأن انتشار الكلمات المستخدمة فى المجالات اللغوية المختلفة للإشارة إلى " التنوير " _ Aufklarung فى الألمانية، Lumieres فى الفرنسية، Illuminismo فى الإيطالية – قد كشفت عن تنويع رئيسى فى أصل التنوير . لهذا لم يكن من المدهش أن تهتم مجلة شهرية ظهرت فى برلين عام 1783 بعنوانBerlinische Monatsschrift بالإجابة عن سؤال بسيط، ولكنه مهم، هو " ما التنوير؟". ونشرت المجلة عدة مقالات للإجابة عن هذا السؤال، لعدد كبير من المفكرين ينتمون إلى مجالات فكرية مختلفة مثل الكاتب المسرحى جوتهولد ايفرايم لسنج (1729 – 81) والفيلسوف اليهودى موسى مندلزون (1729 – 86) والفيلسوف الروسى ايمانويل كانط (1724 – 1804) وغيرهم . ويمكن قراءة هذه المقالات على أنها تقدم ملخصاً مهماً للمعانى المختلفة التى أصبحت بنهاية هذا القرن مرتبطة بمصطلح " التنوير " . (12)

وقبل ذلك بأعوام قليلة، وبالتحديد فى عام 1780، وجه الحاكم الشهير فردريك من بروسيا (1712 – 86) أكاديمية برلين للعلوم لتقديم جائزة لأفضل مقال يقدم إجابة عن السؤال:" هل التنوير وسيلة لخداع الناس؟". وكان هذا السؤال يشكل المسابقة الأكثر شهرة فى تاريخ الأكاديمية وقد لاقى اهتماماً واسعاً فى أوروبا مما يدل على أهمية التنوير . وفى نهاية القرن الثامن عشر كانت كلمة " التنوير " مهمة بشكل كاف حيث طرحت مشاكل كبرى فى مجال السياسة والمعرفة عبر المجتمع . كما كان هناك أيضاً وعى بصعوبة وتعقيد أى إجابة عن هذا السؤال . (13)

وقد ارتبطت فكرة النور Idea of light بتحرير العقل وتمجيده: Aufklarung und licht , freiheit und licht " التنوير والنور، الحرية والنور" فالتنوير يعنى التخلص من تلك الأحجبة والستائر التى تعوق رؤيتنا، وإعطاء طريق للنور ليدخل قلوبنا وعقولنا لإلقاء الضوء على السابق وتحفيز التالى وبهذا يشق طريقه داخل مجالات الحقيقة و النظام حيث التحكم فى مصير الإنسان وسعادته " فقد تحدث ويلاند عن حرية الفكر وحرية النشر، وقال أنهما بالنسبة للعقل كالنور للعيون . وحينما سعى هيردر الشاب لوصف العصر الذى عاش فيه، فإنه سماه " عصرنا المستنير، أكثر القرون إشراقاً (14) .

وبيتر جراى يعرف برنامج التنوير بأنه أحد الأعمال العدائية للدين والبحث عن "الحرية " و" التقدم" اللذين يمكن تحقيقهما بالاستخدام الجدلى للعقل من أجل تغيير علاقات الفرد مع نفسه ومع مجتمعه . ويؤكد أهمية رؤية التنوير كبرنامج إصلاحى تحررى ... وهذا التفسير مكنه من توسيع قائمة المفكرين لتشمل الأمريكيين توماس جفرسون (1743 – 1826) وبنيامين فرانكلين (1706– 90) ومن رؤية الثورة الأمريكية فى السبعينات فى ضوء التزامها " بالحياة والحرية والسعى لتحقيق السعادة " على أنها تطبيق لبرنامج التنوير . (15)

فالفكرة الأساسية التى يقوم عليها التنوير– أى الفكرة التى تجعله نظرية كونيه – إنما هى " الاعتقاد بأن كل الكائنات البشرية يمكن أن تبلغ هنا فى هذه الدنيا حالة من حالات الكمال كان يظن حتى الآن فى الغرب أنها لا تتيسر إلا للمسيحين فى حالة النعمة، ولهم وحدهم بعد الموت " . وقد عبر عن ذلك سنت جست، الثائر الفرنسى الشاب فى بساطة خادعة أمام المجمع الدينى، حين قال: " إن السعادة فكرة جديدة فى أوروبا ليست جديدة فى السماء بطبيعة الحال، وإنما هى جديدة فى أوروبا، جديدة جداً فى أمريكا . وهذا الإمكان فى تحقيق الكمال للجنس البشرى لم يكن نتيجة لما يقرب من ألفى عام من المسيحية، ولا للوثنية السابقة التى ارتأت صوراً أخرى للسعادة تتحقق بعد آلاف السنين . وإذا كان لابد لهذا الكمال من أن يستحدث فى القرن الثامن عشر فإن شيئاً جديداً – اختراعا جديداً، أو اكتشافاً جديداً – لابد أن يحدث . وهذا الشىء الجديد يمكن تلخيصه أحسن تلخيص فيما ألف أثنان من الإنجليز عاشا فى أواخر القرن السابع عشر، وهما اللذان جمعا فى بؤرة واحدة العمل التمهيدى الذى تم فى أوائل القرون الحديثة، ذلكما الرجلان هما نيوتن و لوك (16) .

فالعمل الذى انفق نيوتن فيه حياته – وخاصة إتمام لحساب التكامل وصياغته الرياضية العظمى للعلاقة بين الكواكب وقوانين الجاذبية – بدا لمعاصريه كأنه يفسر كل الظواهر الطبيعية، أو يبين على الأقل كيف أن كل ما يماثل هذه الظواهر بما فيها سلوك الكائنات البشرية يمكن أن يخضع للتفسير . أما لوك فقد استخلص طرائق التفكير الواضحة البسيطة من متاهة الميتافيزيقا حيث أرساها ديكارت، فجعلها فيما يبدو امتداداً طيباً للحس السليم. والظاهر أنه بين للناس الطريقة التى يمكن أن تطبق بها النواحى التى نجح فيها نيوتن نجاحاً عظيماً على دراسة شئون البشر وقد وضع نيوتن و لوك معاً تلك المجموعات العظيمة من الأفكار، فى " الطبيعة " وفى " التفكير "، التى كانت بالنسبة إلى التنوير ما كانت عليه أمثال هذه المجموعات فى مجالات النعمة والخلاص والقدرية بالنسبة إلى المسيحية التقليدية (17) .

ولقد طبق الفلاسفة البريطانيون التجريبيون تصورات نيوتن على العقل؛ فتعاملوا مع العقل على أنه صندوق يحتوى على أفكار عقلية مكافئة لذرات نيوتن .. ولهذا يؤكد برلين أن تأثير نيوتن فى القرن الثامن عشر كان هو العامل الوحيد الأكثر قوة . فقد قام بمهمة جبارة غير مسبوقة بتفسيره للعالم المادى فى ضوء استبعاده لكافة المؤثرات الميتافيزيقية التى أعاقت تقدم البحث العلمى . وبدرجة من الدقة والبساطة لم يحلم بها من قبل . مما أدى إلى سيادة الوضوح والدقة والنظام فى علم الفيزياء: " فلقد كانت الطبيعة وقوانينها محجوبة فى الليل: فقال الإله لنيوتن كن، وتحول كل شىء إلى النور (18) .

وبدأت حركة التنوير فى إنجلترا على يد لوك، الذى دافع عن التسامح الدينى ؛ وأكد أن الإيمان لا يفرض بالقوة ؛ وأن التسامح هو وحده الذى يكفل تحقيق السلام بين البشر .. وقال لوك بضرورة الفصل بين الكنيسة " السلطة الدينية "والدولة" السلطة المدنية "فلكل سلطة اختصاصاً معيناً لا دخل للأخرى به، فهدف الكنيسة هو الحياة السماوية الأخروية وهدف الدولة هو الحياة الأرضية الدنيوية أى تنظيم شئون الناس فى الحرية والملكية والحياة (فى الصحة والأرض والمال والمسكن ووسائل الترفيه وما شابه ذلك . ولذلك فليس للدولة أن ترعى العقيدة الدينية فى التشريع، ويجب أن تظل قوانين الدولة فى استقلال كامل عن الإيمان الدينى، فلا محل للقول بدولة مسيحية (19) .

وكان لوك يقصد بالتسامح الدينى: أنه ليس من حق أحد أن يقتحم باسم الدين الحقوق المدنية والأمور الدنيوية ". ولهذا فإن " فن الحكم ينبغى ألا يحمل فى طياته أية معرفة عن الدين الحق " . ومعنى ذلك أن التسامح الدينى يستلزم ألا يكون للدولة دين لأن " خلاص النفوس من شأن الله وحده .ثم إن الله لم يفوض أحداً فى أن يفرض على أى إنسان ديناً معيناً . ثم إن قوة الدين الحق كامنة فى اقناع العقل، أى كامنة فى باطن الإنسان " (20) .

وأعلن لوك أنه لا مبادئ فطرية فى العقل، فالتجربة هى التى تزودنا بكل المعرفة . والعقل ذاته صفحة بيضاء يكتب عليها الحس والتجربة بألاف الطرق (21) . ويكفى فى رأيه إقناع القراء المنصفين بزيف الأفكار الفطرية، وكيف أن الناس باستخدام ملكاتهم الطبيعية فقط قد يبلغون درجة اليقين دون اللجوء إلى أى من مثل هذه الأفكار .

فأى إنسان يمكنه أن يسلم بسهولة بأنه من غير اللائق افتراض أن الأفكار الخاصة باللون هى أفكار فطرية فى الإنسان الذى وهبه الله نعمة البصر والقدرة على استقبال الألوان من الأشياء الخارجية عن طريق عينيه . وبالمثل فإنه من غير اللائق أن نعزو حقائق متعددة للانطباعات والسمات الفطرية فى الوقت الذى يمكن فيه أن نلاحظ فى أنفسنا مواهب قادرة على أن تبلغ معرفة يسيرة ومؤكدة بهذه الأشياء كما لو كانت منطبعة أساساً فى عقولنا (22) .

واذا كان لوك هو رائد حركة التنوير فى إنجلترا، فإن هيوم هو أكبر ممثل لهذه الحركة .. فلقد سار هيوم بالمعضلة الديكارتية التى تتعلق بالفكر والمادة الى حد بدأ معه الشك بالتأكيد . كان هيوم أحد المتسائلين المدنيين عن الوحى وعن مذهب إثبات وجود الله مه إنكار الوحى، أو " الديانة الطبيعية " . وهو أكثر ابتكاراً عندما يتسائل عن الصدق بمعنى اليقين الثابت المطلق الميتافيزيقى – صدق الأحكام العامة التى وصل اليها رجال العلم . إن العقل عند هيوم ذاتى كالحواس، أو هو على الأقل نقل أو تقرير للواقع على صورة لا يمكن التثبت من صحتها فى نهاية الأمر . ولقد وجد هيوم – كغيره من المتشككين فى قدرات الناس العقلية والخلقية – فى التقاليد والعادات والعرف أساساً أثبت للحياة فوق هذه الأرض . وهكذا انتهى الى موقف يناقض موقف أهل زمانه بشكل فريد إذ كان يعتقد فى القديم دون الجديد . وهو يعترف بمكانة العاطفة فى أعمال الناس وإن يكن ذلك فى غير حماسة بشكل فذ . إن هيوم لم يكن فى صميمه ذلك المتشكك بمقدار ما كان ذلك المتعقل الذى مل التعقل (23) .

وطور جون ستيوارت مل مفهوم التسامح فى كتابه المعنون "عن الحرية" (1859) إذ ارتأى أن التسامح يمتنع معه الاعتقاد فى حقيقة مطلقة، أى تمتنع معه الدوجما. يقول " إن الحرية الدينية تكاد لا تمارس إلا حيث توجد اللامبالاة الدينية التى تنبذ إزعاج سلامها بالمنازعات اللاهوتية . وحتى فى البلدان المتسامحة ثمة تحفظات على التسامح لدى معظم المتدينين , فالإنسان قد يحتمل الانشقاق إزاء أسلوب الكنيسة، ولكنه لن يحتمل التسامح إزاء الدوجما" (24) .

وإذا كان التنوير فى إنجلترا قد وقف موقفاً فكرياً معيناً تجاه الفلسفة التقليدية هو الرفض والنقد معاً، فإن فلسفة الأنوار فى فرنسا بدأت بالنقد العنيف للدين .. فقد أخذ العداء للدين ورجاله فى فرنسا صورة شعبية وغالى ديدرو والانسيكلوبيديون فى آرائهم حتى انتهوا إلى الإلحاد الصريح . وكان الغرض الأساسى من نشر الأنسيكلوبيديا هو تنوير الشعب وتحرير العقول بواسطة العلم. ولقد قال رامزى، الخطيب " سوف نشرح فى الأنسيكلوبيديا (دائرة المعارف الفرنسية) كلمة الصناعة الفنية (تقنية Technique) . ولن نكتفى بتعريفها تعريفاً لفظياً فحسب، بل سنعرض تاريخاً للعلوم والفنون، وسنقدم مبادئها العامة ونبين كيفية ممارسة هذه الصناعة . وهنا ستظهر الأنوار التى أشرقت فى جميع الأمم، وسوف يقدم هذا العمل كل ما هو جميل وعظيم ومشرق ومنير ونافع فى كافة العلوم الطبيعية وفى كل الفنون والآداب الجميلة . وسوف يزداد هذا العمل تألقاً مع الزمن . وهكذا سوف تنشر فى أوروبا كلها تذوق الآداب والفنون الجميلة " (25) .

ولقد بدأت فلسفة الأنوار فى فرنسا بالنقد العنيف للدين فى جميع المجالات . فمثلاً بالنسبة للجنس، اهتم الفلاسفة الفرنسيون فى القرن الثامن عشر اهتماماً قوياً بالمسائل المتعلقة به، ولكنهم كانوا بعيدين كل البعد عن النظر إليه بوصفه وسيلة للتناسل، لقد كان بالنسبة لهم شيئاً يمكن الاستمتاع به لذاته، وسخطوا سخطاً شديداً على القيود التى فرضتها عليهم الأخلاق الدينية . كما حاولوا التحرر من كل إلزام دينى فقد أرادوا كذلك تدمير كل القواعد الأخلاقية المنظمة للعلاقات الجنسية (26) .

وقام التنوير الفرنسى، كالتنوير الإنجليزى، على ثورة العلم وانتصاراته ... فإذا كان لإنجلترا على وجه العموم النصيب الأوفر من العقول البذرية التى انبتت أفكار التنوير، فإن الفرنسيين فوق كل شىء هم الذين نقلوا هذه الأفكار فى أنحاء أوروبا وروسيا، بل فى كل الأماكن الخارجية النامية للمجتمع الغربى فى جميع أنحاء العالم . ومن هؤلاء فولتير، الذى تجد فى مؤلفاته التى تربو على التسعين كل الآراء التى بدأ بها عصر التنوير معروضة عرضاً واضحاً فيه فطنه وذكاء فى كثير من مواضعه (27) .

وانتهى التنوير الفرنسى مع فشل الثورة الفرنسية، ولذلك يقول برلين: "إن فشل الثورة الفرنسية فى إنجاز الجزء الأكبر من أهدافها المعلنة هو ما شكل نهاية التنوير الفرنسى كحركة ونظام " . (28) ومن فرنسا انتقلت فلسفة الأنوار إلى ألمانيا . فكان بعض العلماء والأنسيكلوبيديين الفرنسيين أعضاء فى الأكاديمية الملكية فى بروسيا مثل ديدرو و دالمبير . ثم تفتحت ألمانيا لحركة التنوير الإنجليزى وتأثرت باتجاهاتها النظرية فى مجال الفلسفة والأدب والشعر . ويعتبر ليبنتز ناقل فلسفة الأنوار إلى ألمانيا ومؤسس هذه الحركة التى رسم لها طريقها وحدد لها غاياتها. ولقد قال فى البحث عن الكلمة: " لا شىء يمكن أن يدخل الغبطة إلى نفوسنا إلا التنوير الذهن وخضوع الإرادة له، وأن نبحث عن هذا النور فى معرفة الأشياء التى تسمو بالذهن إلى الأعلى (29) .

ورفض ليبنتز وجود أى تمييز حاد بين ما هو فطرى وما يأتى عن طريق التعلم: " أنا أوافق على أننا نتعلم الأفكار والحقائق الفطرية إما باعتبار مصادرها أو بالتحقق منها من خلال الخبرة .. وكذلك فأنا لا أستطيع أن أقبل القضية القائلة " إن كل ما يتعلمه الشخص هو غير" فطرى" . فحقيقة الارقام هى فينا، ولكن مع ذلك فنحن نتعلمها إما بانتزاعها من مصادرها حين نتعلمها من خلال برهان إيضاحي (وذلك مما يؤكد فطريتها) أو بواسطة اختبارها، مثلما يفعل الرياضيون العاديون .. وهكذا فالرياضيات والهندسة بكاملها فينا فعلياً بحيث نستطيع إيجادها هناك حين نتأملها بانتباه وننظم ما فى عقولنا . (وبصورة عامة) لدينا كمية غير محدودة من المعرفة التى لا نعيها دائماً حتى حين نحتاجها . أما الحواس مع أنها ضرورية لكل معرفتنا الفعلية فإنها ليست كافية لتمنحنا إياها بشكل كامل، فهى لا تعطينا أى شىء غير أمثلة من الحقائق الجزئية والفردية . فالحقائق الضرورية كما نجدها فى الرياضيات الخاصة وبخاصة فى علم الحساب والهندسة لا تخضع مبادئها للحواس ولحكمها على الرغم من أننا لا نستطيع أحياناً أن نتفق التفكير فيها إلا باستخدام الحواس . . . . فالعقل وحده هو الذى يضع القواعد الضرورية والروابط اللازمة بينها ... " (30) .

وكثيراً ما ينظر إلى كانط على أنه الفيلسوف الذى قام بتجميع إنجازات التنوير، وتحديد حدوده المعرفة التجريبية وتأسيسها وفقاً للعقل الخالص وفى ضوء الأخلاقية الخاصة بها بعيداً عن مظاهر عالم الفينومينا . لكن الفلسفة الكانطية بكاملها بعظمة تكوينها كانت معروفة لعدد قليل جداً من الناس فى القرن الثامن عشر ومن الصحيح، من خلال دراسة مثل هذا النمط الفلسفى، معاملة فيلسوف كونجسبيرج على أنه رجل حول أفكار عصرة إلى نظريات فلسفية، بدلاً من دراسة عمله بطرق فلسفية خالصة أو كنقطة بداية لطرق جديدة فى التفكير(31) .

لقد تناول الفيلسوف كانط موضوع التنوير فى مقال له بعنوان " جواب عن سؤال: ما التنوير؟ " نشره عام 1784 فى مجلة برلين الشهرية . ويعد هذا المقال المختصر إحدى أكثر المحاولات المدونة لمعرفة معنى "التنوير " . وفيه يقول كانط: " التنوير هو خروج الإنسان من قصوره الذى أقترفه فى حق نفسه، وهذا القصور هو عجزه عن استخدام عقله من دون معونة الأخرين " .. و" ان تكون جريئاَ فى أعمال عقلك " أو " تكون لديك الشجاعة للمعرفة. وهذا هو شعار التنوير كما قال كانط فى بداية مقاله". ويقدم كانط صورة أكثر تعقيداً للتنوير فيقول" يجب أن يكون الاستخدام العام لعقل الإنسان دائماً من أجل الحرية وهذه الحرية هى وحدها التى تؤدى إلى تفشى التنوير بين الناس (تنير الناس) فربما يكون الاستخدام الخاص للعقل محدوداً للغاية " . فيجب على الحكام أن يعملوا من أجل الحرية ويقللوا من تفشى الفوضى وعدم الأمان فى المجتمع . وكانط يطرح المشكلة بطريقة مختلفة. كما فعل مندلزون: ماذا يحدث لو فكر الناس من دون حدود؟ هل هذا التفكير يؤدى بالضرورة إلى نتيجة إيجابية؟ ويعلن كانط عدم رضاه عن هؤلاء المعاصرين الذين يرون عصرهم فى حالة من التطور غير المحدود تجاه تحقيق الإمكانيات البشرية أو تنفيذ أولويات اجتماعية وسياسية " عقلية " . ويتفق كانط مع مندلزون فى أن " التنوير " كان عملية ولم يكن مشروعاً متكاملاً، عملية مليئة بالمشاكل والمخاطر . فإذا سئلنا الأن: هل نحن نعيش فى عصر الاستنارة؟، فإن الإجابة هى: لا، لكننا نعيش فى عصر التنوير . (32)

إن التنوير عند كانط يعنى ألا سلطان على العقل إلا العقل ذاته.. فلقد نادى كانط بمبدأ البقاء على العقل بالعقل: "نعم يا أصدقاء الإنسانية ويا أصدقاء أقدس المقدسات فى نظرها . لا تجادلو فى شأن العقل، فهو الخير الأسمى على الأرض وحجر المحك لكل حقيقة " (33) .

لكن مع هذا فإنه حتى بالنسبة لكانط و مندلزون، كلمة التنوير لم تكن سهلة التعريف، فلقد بدا لهما أن التنوير يقدم نفسه كسلسلة من العمليات والمشاكل أكثر من كونه قائمة مشاريع فكرية يمكن وصفها بشكل دقيق . وبوجه عام، فإنه حتى عشرين عاماً مضت كان مؤرخو هذه الفتره يفكرون – عادة فى التنوير على أنه ظاهرة موحدة نسبياً فى تاريخ الأفكار، والتى تنتج بواسطة القاعدة التى وضعها " مفكرون كبار " مثل مونتسكيو(1689– 175)وديدرو(1713– 84) وكانط. فلقد تقاسم هؤلاء الثلاثة الخصائص الواضحة بكونهم بيضاً وذكوراً، ومن أوروبا الغربية . وبمعرفة الخلافات الكثيرة بين هؤلاء " المفكرين الكبار " فإن المؤرخين مازالوا يتجهون عادة لرؤية أفكارهم، أفكار التنوير فى التحليل الأخير على أنها متماثلة نسبياً . فهم يتفقون فى عدة نقاط منها: النظر إلى التنوير على أنه كان رغبة لأن توجه الأعمال البشرية بالعقل أكثر من الإيمان، أو الخرافة أو الإلهام (الوحى) ؛ والإعتقاد بقوة العقل الإنسانى وقدرته على تغيير المجتمع، وتحرير الفرد من سلطان العادة أو الإلف واستبداد السلطة أيا كان نوعها ؛ والإيمان بالعلم والتمسك به عالمياً أكثر من الدين أو التراث . (34)

ورأى مندلزون أن مصطلح " التنوير " يصعب تعريفه لأنه عبارة عن " عملية " لم تكتمل بعد، تربية الإنسان أو تعليمه، تعليمه كيفية استخدام "العقل " – الكلمة المفتاح فى التفكير " التنويرى " . وفى الوقت نفسه كان مندلزون على وعى تام بأن التطور غير المحدود " للعقل " فى الأفراد يمكن أن يتعارض مع دورهم كذوات ومواطنين ." فالعقل " إذا استخدام بشكل كبير ومن دون حدود فى البحث والدراسة، فإنه قد يحلل النظام الإجتماعى والدينى والسياسى إلى عماء أو فوضى ويترك الناس منعزلين فكرياً، فتظهر صور عديدة من (الواحدية الفكرية) . (35)

وبوجه عام، فإن عصر التنوير هو عصر العقل: لكن ما طبيعة العقل فى عصر التنوير؟، وبعبارة أخرى ما هى الخصائص التى يتميز بها العقل فى هذا العصر من عصور الفكر؟ أولاً: لم تعد وظيفة العقل الأساسية هى القدرة على القياس والأستنباط مثل أرسطو . لكن مع تقدم العلم أصبحت وظيفته الأساسية هى الكشف عن قوانين العالم فى كافة مجالات العلم والمعرفة مثل نيوتن .

ثانياً: أصبح للعقل فى هذا العصر منهج جديد للتفكير يتفق تماماً مع تقدم العلوم الطبيعية . وهذا المنهج هو منهج التحليل، أى تحليل الظواهر من أجل الكشف عن المبادىء التى تخضع لها . ومن هنا بدأ العقل يسير فى طريق مختلف عن الطريق الذى رسمه له ديكارت من قبل . كان منهج ديكارت يبدأ بالحقائق الأزلية الأبدية أو بالمبادىء اليقينية بينما العقل فى عصر التنوير والعلم يبدأ أولاً بالتنقيب والبحث عن الظواهر والوقائع ثم يحللها ليكشف المبادئ

والأصول التى تخضع لها، وقد زالت فكرة الضرورة فى هذا العصر وأصبحت المبادئ مجرد قواعد مقنعة بالنسبة لما تعرفه من الظواهر .

ثالثاً: إن أروع ما أكده العلم الحديث فى هذا العصر " عصر نيوتن " هو أن الظاهرات تنتظم فى الوجود وفقاً لنظام رياضى دقيق وعلى العقل أن يعين هذه الصورة الرياضية للوجود . فالتوافق بين العقل والوجود أصبح أمراً مؤكداً بالعلم ويقيناً ولا شك فيه .(36)

رابعاً: كان العقل للرجل العادى فى العصر التنوير هو كلمة السر الكبرى لعالمه الجديد . العقل هو الذى يسوق الناس إلى فهم الطبيعة، وبفهمه للطبيعة يصوغ سلوكه طبقاً لها، وبذلك يتجنب المحاولات العابثة التى قام بها فى ظل أفكار المسيحية التقليدية الخاطئة وما يحالفها فى الأخلاق والسياسة مما يناقض الطبيعة .. والرجل المستنير كان يعتقد أن العقل شىء يمكن لكل إمرئ أن يستناره، فيما خلا قلة بائسة معيبة . كان العقل مكبوتاً بل كان ضامراً بفعل سيطرة المسيحية التقليدية أمداً طويلاً . أما فى القرن الثامن عشر فإن العقل استطاع مرة أخرى أن يسترد سلطانه، وأن يؤدى لكل إنسان ما أداه لرجال أمثال نيوتن و لوك استطاع والعقل أن يبين للناس كيف يسيطرون على بيئتهم وعلى أنفسهم (37) .

وقد لعب التنوير دوراً مؤثراً تجاه التحول من النظرية إلى الممارسة، من مجرد النقد إلى القيام بعمل لتحسين التعليم، والزراعة، والعلاقات الاجتماعية، والحياة السياسية وإصلاحها . وأدى لظهور المطلقية المستنيرة، وكذلك اثنان من النظم الجماهيرية الكبرى – فى فرنسا وفى أمريكا الشمالية وكان رد فعل ضد الباروكيه، والأرثوذوكسية، والحركات المضادة للإصلاح . وكما وجدت التيارات الدائمة للنزعة الإنسانية طريقها المتحرر من كل القيود، وكما قال ألبرخت فون هاللير أن الإنسان الذى يفكر بحرية يفكر بشكل جيد ... بدأ الناس فى عصر التنوير ينظرون إلى المستقبل وليس إلى الماضى، للأمام لا للوراء ؛ إذا نظروا إلى الماضى يكون ذلك بالتركيز على فترات القوة والإبداع كما هو الحال فى اليونان القديمة وعصر النهضة الإبداعي، وإعادة اكتشافها الآن . (38)

وهذا ما أكده جيدنز حيث قال: " لقد انطلق فلاسفة عصر التنوير من رؤية بسيطة لكنها كانت شديدة القوة . فقد اعتقدوا فى القول بأنه كلما أمكننا أن نفهم أنفسنا والعالم بقدر أكبر من التعقل، كلما تمكننا من أن نوجه التاريخ لأغراضنا . ولذلك يجب أن نحرر أنفسنا من عادات الماضى وتحيزاته حتى نستطيع التحكم فى المستقبل " . كما صاغ ماركس، الذى يدين بقدر كبير من أفكاره لفلاسفة عصر التنوير، هذه الفكرة فى بساطة شديدة . فقد قال بأن علينا أن نفهم التاريخ لكى نصنع التاريخ . (39)

لكننا نلاحظ مع ذلك، أن حركة التنوير كانت تعمل بجلاء على هدم النظم القائمة . . وأن رجال التنوير لم يكونوا على اتفاق فى الرأى، بل إن انقساماً عظيما ً نجده فى صفوفهم انقساماً لم تلتئم ثغرته بعد ... وحركة التنوير ليست عقيدة جديدة كل الجدة تقتلع أخرى قديمة كل القدم . إنما هى سلسلة من التجارب، والاتجاهات، والنظرات، قديماً وحديثاّ، وهى جزء من الأجزاء التى تتكون منها عصارة أو لب الثقافة الحديثة كما يرى العاشق المفتون للسلام والبساطة . (40)

ولذلك يرى برلين أن التنوير حركة فكرية، يتم تعريفها فى إطار محتواها الفكرى . وهذا هو الأقرب لما نسميه تصور الفلاسفة لطبيعة التنوير . لكن برلين لم يعترف بالرؤية الكانطية الأكثر حسماً للتنوير لدى الفلاسفة: والتنوير كحركة فكرية ربطه برلين أساساً بالفلاسفة الفرنسيين، وظل تصوره له متاحاً للمؤرخين العاديين ؛ وعلاوة على ذلك، فإنه بعيداً عن المؤرخين، كان التنوير عنده متاحاً للقارئ العادى وللجمهور المحتل بسماع خطبه الشهيرة، سواء بشكل مباشر أو عبر الراديو . وحتى بالرغم من أن اهتمامه بالتنوير يتفق تماماً مع رغبته فى استكشاف الحركة " المضادة للتنوير " فمن المحتمل أن يكون الشعب البريطانى بحد الحرب قد فهم التنوير وتعلم مثله منه أنه ميراث مهم للحداثة أكثر من أى شخص أخر . (41)

ولا شك أن عرض برلين لأفكار الحركة المضادة للتنوير كان على المدى الطويل مفسداً بشكل كبير لسمعة التنوير فلقد ربط التنوير بعدة أفكار بسيطة: تماثل الطبيعة البشرية، والعمومية الدائمة للقانون الطبيعى كقاعدة للسلوك البشرى الأخلاقى، والإيمان بإمكانية اكتشاف غاية مثالية للمجتمع البشرى ووجوب السعى إليها . وضد هذه الأفكار تعامل برلين مع أسس الحركة المضادة للتنوير: أن تنوع الطبيعة البشرية كان أكثر وضوحاً وقيمة ؛ وأن الأعراف والقواعد الأخلاقية البشرية قد اختلفت عبر الزمان والمكان ؛ وفوق كل ذلك ؛ أن المحاولة لتعريف ثم رفض منتج مثالى مفرد للمجتمع البشرى كانت خاطئة وشديدة الخطورة . وكان برلين حريصاً على أن لا يتخذ أى جانب . وهو لم يخف الجانب المظلم للرواد المؤيدين للحركة المضادة للتنوير، جوزيف دمستر على وجه الخصوص . ومع ذلك فإن الاهتمام الذى خصصه للحركة المضادة للتنوير يلقى الضوء على التنوير الذى تتصف أفكاره بإنها شديدة الصرامة كما لخصها . وسواء قصد ذلك أم لا، فإن طريقة برلين فى دراسة التنوير قدمت تشجيعاً لهؤلاء المفكرين الذين رغبوا فى الإيمان بأن مثله الكونية تمكن وراء بعض الشهور الكبرى فى العالم الحديث . (42)

ومن خلال تأثر برلين بالرومانسية والحركة المضادة للتنوير فإنه اهتم بعقلانية التنوير التى أصبحت التدعيم التقليدى لليبرالية .(43)

 

وبشكل أكثر تحديداً فإنه رفض المبدأ التنويرى للقانون الطبيعى، الذى بناءً عليه يوجد نسق كونى من القيم يتمسك به أفراد الجنس البشرى . وبرغم ذلك فإان برلين ظل ليبرالياً مصراً على أن المبادىء الليبرالية الرئيسية يجب أن تبنى على قبول مختلف للقيم غير المتكافئة بل والمتناقضة . ورأى أن المشكلة الرئيسية لليبرالية فى عالم ما بعد الحداثة كانت كيفية تفسير قيمها الرئيسية من دون فروض عقلانية التنوير المثيرة للمشاكل . (44)

ومن الواضح أن برلين لم يهتم فقط بمبدأ المعادلة الليبرالية العقلانية لكنه أدرك أيضاً التحدى موجه بواسطة الحركة المضادة للتنوير، والمتمثلة فى رفضها إيمان التنوير بالعقل ؛ فقد رأى أن مفكرين مثل هامان وهيردر وجاكوبى لم يكونوا مجرد بقايا بسيطة لذلك الفضول القديم المعروف بأنه تاريخ الفلسفة: لقد كانوا نقاداً مبتكرين وأقوياء للعقلانية فى كل صورها وقد درسوا الاعتقاد – وما زال هذا شائعاً بين الفلاسفة حتى اليوم – القائل بأن المشاكل الاجتماعية والسياسية الرئيسية يمكن حلها بواسطة العقل .

والحقيقة أن الحركة الألمانية المضادة للتنوير ما زالت باقية معنا اليوم فى صورة " ما بعد الحداثة " . فلقد تنبأ كل من هامان وهيردر وجاكوبى بنقد عقلانية التنوير لدى ريتشارد رورتى وألاسداير ماكنتاير، فى كل الجوانب الرئيسية تقريباً . وبينما أصبحت إيمانه القوى الأن أثراً للتاريخ فإن نقده للعقل مازال له أصداء .(45)

 

أ.د. ابراهيم طلبه سلكها

رئيس قسم الفلسفة – كلية الآداب – جامعة طنطا

مصر

........................

(1) Peter Gray : Enlightenment , the rise of Modern Pagnism , weidenfeld and nicdlon , London , 1966 , p - 73 .

(2) W .K Guthrie: The Greek Philosophers , from Thales to Aristotle , Methuen , London and New York , 1986 , p – 25 .

158) Peter Gray , Op – Cit , p – 9 .     )

(159) د .مراد وهبة: ملاك الحقيقة المطلقة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، مكتبة الأسرة، القاهرة 1999، ص 107 .

(160) كرين برنتن: أفكار ورجال، قصة الفكر العربى، ترجمة وتقديم محمود محمد، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة 1965، ص 453 .

(161) Ernst Cassirer: The Philosophy of the Enlightenment Originally   Published , Boston , 1932 , P - 90 .

(7) Robert Wokler:" I saiah Berlin’s Enlightenment and counter – Enlightenment In Isaiah Berlin’s

counter – enlightenm ent" p – 13،،،، .

(163)Im Hof Ulrich:The Enlightenment,An historical   introduction,translated by William E.Juill,Blackwell publishers,1994,p-4)

(164) د . مراد وهبة: مرجع سابق ص 107 – 108 .

(10) Isaiah Berlin:The age of Enlightenment, The Enlightenment .   The 18 th century Philosophers,A mentor book, published by The New American Library,1956,p-14

 

(11) Ibid,p-29       .

(12)Dorinda Outram : The Enlightenment, Cambridge university Press , 1995 . P – 1

 

 

(168) Ibid, p – 2 .

Im Hof Ulrich: Op – Cit,p-5     (169)

P – 4 .   , Op – Cit (15) Dorinda Outram,

(171) كرين برنتن: المرجع السابق ص 461 .

(172) المرجع نفسه: ص 461 – 462

(18) Isaiah Berlin: The Age of Enlightenment, pp – 144 – 15 .

(19) Cranston Maurice: Locke on Politics , Religion and Education , Oxford university , 1965 , pp – 139 – 140 .

(175) د . مراد وهبة: مرجع سابق ص 32

(176)James Geud , A: Classic Philosophical questions , Batam Books , New york , 1961 , p – 198 .

 

Ibid, pp – 204 – 205 . (177)

(23) كرين برنتن: المرجع السابق ص ص 501 – 502 .

(179) د . مراد وهبة: المرجع السابق ص 32 .

(180) د. نازلى إسماعيل حسين: النقد فى عصر التنوير، كنت، دار النهضة العربية القاهرة ط 2 ص ص 20 – 21 .

(181) ماريا لويزا برنيرى: المدينة الفاضلة عبر التاريخ، ترجمة د .عطيات أبو السعود، مراجة د . عبد الغفار مكاوى، سلسلة عالم المعرفة، المجلس الوطنى للثقافة والفنون والآداب، الكويت، ربيع الثانى 1418 ه - سبتمبر 1997م، ص 262

(182) كرين برنتن: المرجع السابق ص 464     .

(183) Isaiah abaerlin: The Proper study of Mankind , p – 268 .

(184) د . نازلى إسماعيل حسين: المرجع السابق ص 24     .

(185) Noam Chommsky: Aspects of the theory of syntax , the M . I . T press , Cambridge , Massachsets , 1967 , p – 50 .

(186) Norman Hampson: The Enlightenment , penguin books , London , 1990 , p – 196 .

pp – 2 – 3   . (187) Dorinda Outram: Op – CiT,

(188) د . نازلى إسماعيل حسين: المرجع السابق ص 43   .

Op- cit , p – 3 Outran, ,) dorinda189) .

190) Ibid, pp-1-2         )

(191) د . نازلى إسماعيل حسين: المرجع السابق ص ص 40 – 41   .

(192) كرين برنتن: المرجع السابق ص ص 474 – 475   .

193) Im Hof Ulrich: Op – Cit, pp – 8 – 9   )

(194) Anthony Giddens:Runaway World   how globalization is reshaping our Lives, Prifile books , London1999,p-107 , .

(195) كرين برنتن: المرجع السابق، ص 503   .

(196) John Robertson: The Case of the Enlightenment: a Comparative approach in "Isaiah abaerlin’s Enlightenment",p-73

Ibid , pp – 73 – 74(197)

(198) Isaiah Berlin: The Roots of romanticism , chatto and windus , New York , 1999 , p – 30 .

(44) John Robertson: Op – Cit , p – 106 .

(45) Loc – Cit .

saleh altaeiكثر الحديث عن تصدير داعش صورة خاطئة عن الإسلام، وهناك كثيرون يرددون هذا القول سعيا منهم لتبرئة الدين الإسلامي من تهمة الإرهاب والسبي والغنم، تلك الجرائم المنافية للخلق القويم ولحقوق الإنسان وحرية الرأي والمعتقد، والتي تتعارض بشدة مع قوله تعالى: {إنا أرسلناك رحمة للعالمين}، وقوله (صلى الله عليه وآله): "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق".

والذي أراه وأعتقد به يقينا أن هذا الرأي قاصر جدا، فداعش وكل التنظيمات الإرهابية والسلفية الأخرى، تعمل وفق قواعد إسلامية معتبرة، وتصدر أحكامها بالذبح والحرق والسبي والمصادرة بناء على فتاوى ووقائع وأحداث سبق وأن قام بها الأوائل، ورواياتها موجودة في تاريخنا الإسلامي، ومتداولة بين الإفتائيين، وتُدَّرس في المحافل العلمية الإسلامية، حيث تضمها عدة مجلدات من الكتب المنهجية المعتمدة في الأزهر ومركز الإفتاء السعودي وغيرها.

لكن ما يجب التنبيه إليه، أن هناك أمرا مسكوتا عنه، لا يجدون الجرأة للتحدث عنه، أو يجدون في الحديث عنه طعنا بتاريخهم الموروث، وطعنا ببعض الرموز التي يقدسونها ويحترمونها ويباهون بها، وتوهينا للعقيدة التي يتعبدون بها. هذا الأمر هو حقيقة أن الكثير من المسلمين يتعبدون اليوم بإسلام هو غير الإسلام الذي نزلت به رسالة السماء، بعدما أسهمت مجموعة آليات بمصادرة إسلام السماء، ونشرت عوضا عنه إسلام السياسة، اعتمادا على بعض منظوماته التي جيء بها لتيسير فهم مبانيه، ومعرفة حدود أحكامه، فصودر مضمونها وأعيدت صياغة مبانيها وسوقت البدائل المستحدثة على أنها منهجية دينية؛ لكي تكسب السياسة دعم وقبول المسلمين من خلال الإفادة من قدسية محتوى تلك المنظومات وصبغتها الإسلامية.

هذه الآليات التي نجحت بمصادرة الإسلام وأعادت تشكيله وتسويقه على أنه (الإسلام) هي:

• السياسة العربية التي هيمنت على مقاليد الحكم بعد عصر البعثة بزمن يسير.

• منظومة الحديث النبوي الذي تعرض إلى الحصار والتضييق والدس والتشويه والإضافة والقطع والوضع والاجتزاء.

• منظومة التفسير بعدما استقت جل أخبارها من منظومة الحديث، وكتبت بناء على رغبات السياسيين وحفدة الذين سطروا روايات السيرة وأحداثها.

• منظومة الناسخ والمنسوخ التي أعادت ترتيب العقل المسلم من خلال فتح الباب للتلاعب بالآيات وإعادة تقييمها من خلال استخدام هذا الحكم، فقيل عن آيات تتعارض مع مناهجهم: إنها منسوخة، وقيل عن أخرى منسوخة: إنها غير منسوخة، ووصل بهم الأمر للإدعاء بوجود آيات منسوخة حكما ثابتة قراءة.

• منظومة حقل التاريخ الإسلامي، حيث أعيدت صياغة الأحداث وفقا لهوى الحكام ورغبتهم من خلال استخدام المتهافت في المنظومات الثلاث الأخيرة، وثبت في كتب التاريخ على أنه الحقيقة المطلقة وكل ما خالفه باطل.

وقد نجحت هذه المنظومات في إعادة صياغة المناهج الدينية وفق رؤاها، ثم ضمَّنت مفاهيمها إلى ما يعتقد المسلمون بإسلاميته، مراهنة على القدسنة التي شاعت بين المسلمين بسبب التشتت ألفرقي الذي فرض نفسه بعد أن سل السيف المسلم على المسلم وبعد أن قتل المسلمون بسيوفهم من المسلمين أضعاف ما قتله كل الأعداء منهم، بدأً بحروب مانعي الزكاة والردة، مرورا بقتل ثلاثة من الخلفاء الراشدين(رض) بيد رعيتهم من المسلمين لا من أعدائهم، وصولا إلى حروب الجمل وصفين والنهروان.

ومن خلال ذلك نجحت السياسة العربية الناهضة والمتمكنة في منهجة الفكر الإسلامي، ليقبل ما قبلته حتى ولو شك في صحته، ويرفض ما رفضته حتى لو وثق من يقينيته. ولما كانت السياسة لا تؤمن إلا بتحقيق مصالح الحكام الشخصية وأتباعهم من أبناء الفصيل السياسي؛ دون النظر إلى مدى مطابقة تلك المصالح مع بنود العقيدة، فإنها بعد أن وجدت نفسها محاصرة وفي عين الخطر أكثر من مرة أدركت أن أفضل طريقة لدرء الخطر هي بتحرك وعاظ السلاطين، ليستنبطوا من منظومات العقيدة التي أسهموا في إعادة صياغتها حسب هواهم ومنفعتهم؛ ما يبيح للحكام استخدام الشدة المفرطة مع المسلمين حرقا وذبحا وتغييبا؛ بحجة حماية الدين من المخاطر.

ومع مرور الوقت اختفت الأحكام والمفاهيم الإسلامية الرسالية لتحل مكانها مفاهيم السياسة والانحراف. ولما تباعد الزمان بين ذلك التاريخ والتواريخ اللاحقة ولاسيما بعد أن برز في ساحة الفتوى الشيخ ابن تيمية وتربع على قمتها، وبعد أن بات الخليفة العثماني الأعجمي أميرا للمؤمنين وسيدا للمسلمين، وبعد أن ملأ الانحراف بطون كتب السيرة والفقه والأحكام والتاريخ، أصبح التمييز بين المنهجين في غاية الصعوبة، بل شبه مستحيل، وبدت الكثير من المفاهيم الإسلامية الرسالية في غاية الغرابة؛ لا يعرفها إلا القلة، وتشكك بها الكثرة؛ لأنها تتعارض مع ما بين أيديهم من المواريث، فعاد الإسلام غريبا كما جاء غريبا، مصداقا لقول رسول الله (صلى الله عليه وآله).

ومن هذه الغربة وهذا الانحراف، استقت داعش وكل الحركات الإسلامية المتطرفة مناهج عقيدتها وأحكامها؛ وهي على يقين أنها أحكام شرعية لا يشك بصحتها، ولذا أعود وأقول: إننا يجب أن نكون شجعانا، وان نعترف بأن جميع التنظيمات الإرهابية وبعض النظم الإسلامية الموجودة اليوم، تعمل وفق قواعد الإسلام المنحرف الذي وصلنا بسبب سوء الإدارة والتعامل المصلحي وهيمنة قطاع السياسة وأبناء الفصيل السياسي التاريخيين على قطاع الفقه الإسلامي الرسالي ومصادرته وتحويل عقيدتهم السياسة إلى دين يتعبد الناس به.

 

mobarak abaeziإن الله لم يحصر الاجتهاد في أمة دون أمة، ولا خص به جيلا دون جيل، بل شرف به عباده الممتلكين للأداة التحليلية المستوفية لشروط المعرفة اللغوية، والتاريخية، ومختلِفِ علوم الدين، باعتباره سند صلاح القرآن لجميع الأزمنة وكافة الأمكنة. لكننا نرى علماء زماننا ينكصون عن قراءة القرآن كلما ظهرت محدثة من محدثات العصر الحديث حينما يعودون إلى ما قاله السلف من الفقهاء الذين فسروا لزمان غير زماننا، فبقيت الدلالة القرآنية، تبعا لذلك، رهينة التفسيرات القديمة المتقادمة، وظل مجال الاجتهاد مغلقا في وجوه الناس، منذ بدأ الفكر الأرثوذكسي في حراسة التراث التأويلي، وإخراج كل العقول المحلِّلة من الملة والدين.

إن نصية القرآن الكريم ولغويته، أي كونه نصا وكونه لغة، تقتضيان استساغته للدلالات المفتوحة على الأزمان المتغيرة، وشؤون الحياة المتجددة. ليس لأن ذلك من المتطلبات التي تقف عليها صلاحية النص القرآني فحسب، بل لأن النص اللغوي قائم في أساسه على اختلاف المعاني والدلالات، بغض النظر عن مقاصد المتكلم التي يستحيل تطابقها مع مقاصد النص رغم إحاطتها بشروط إنتاج الكلام التي تسمى في أدبيات تفسير القرآن بأسباب النزول.

وقد استجدت في التناول التحليلي للنصوص، على اختلاف أنواعها، توجهات تمثل عصارة التجربة الفكرية للبشر على امتداد القرون، مما لا يعرف عنه التفكير الأرثوذوكسي أي شيء. ويبدو من العار على كثير من المتشددين الدينيين استبعادُ هذه التوجهات تحت ذريعة زائفة زائلة هي اعتبارها منتوجا غربيا وكافرا، أو تركة يهودية هادمة، كما قال عبد الوهاب المسيري أو محمد مفتاح عن "التفكيكية" على سبيل المثال لا الحصر.

ومن ثم يكون ركود التفكير النقدي في الفكر الإسلامي مبررا بإعراضهم عما أنتجته الحضارة الإنسانية في مجال الفكر والتحليل، رغم إقباله على منتجاتها المادية، رغم أن التاريخ المعاصر ينقل لنا اجتهادات فقهاء كانوا يُحَرمون آلة النسخ لأنها منتوج غربي، وتساءلوا في كثير من فتاواهم إن كان الاغتسال بصابون الإفرنج، أو التطيب بعطرهم، حلالا. ومن عيوب الفكر الأرثوذكسي أنه يرفض بشكل قطعي التعرف على هذه التوجهات الجديدة في التحليل لمجرد انتمائها الحضاري الممثل في الحضارة الغربية "الكافرة" و"الفاجرة"، أو لضعف في آليات مواجهتها النقدية، أو لتعذر سبل الوصول إليها لأنها مكتوبة بلغة الكفار.

وفي المقابل، لا يوجد تبرير آخر لجمود التفكير النقدي في القرآن، سوى عدمِ امتلاك العقل التحليلي الإسلامي لأدوات جديدة لتناول الظاهرة اللغوية، خصوصا أن هذه المهمة أسندت بشكل غامض إلى الفئة المتشددة في الدين، وتُنتزع، بشكل غامض أيضا، من الفكر المنفتح رغم امتلاكه لذات الآليات التي تمتلكها الفئة الأولى. وهذا الأمر يحتاج فعلا إلى أن نضعه محل نظر.

ولعل نضوب الاجتهاد في النص الديني وزواله يرجعان في حقيقة الأمر إلى إسناد مهمة التفسير والتأويل إلى المتشددين الدينيين، إذ كيف يستقيم الاجتهاد مع أنماط تفكير تعتبر المجازات اللغوية قاطعة الدلالة، وكيف ننتظر منها البت في أمور الحياة إلا بشكل غريب لا يستقيم مع شروط المجتمعات المعاصرة. والحقيقة التي لا يشوبها شك، هي أن وضع مقبض الحكم في أيدي هذه الفئة سيجعلها تعيدنا القهقرى إلى أشكال العقاب التقليدية المتجلية في القتل والرجم وقطع الأيدي، رغم أن البشرية مرت من مخاض عسير لإنجاب مؤسسة عقابية نسميها بلغة عصرنا: "السجن" (وقد تحدث "مشيل فوكو" عن هذه الولادة العسيرة في كتابه "المراقبة والمعاقبة"). وقس على ذلك في كل أمور الحياة.

وأظن أن إسناد مهمة التفسير إلى الفئة الأكثر انفتاحا، والمتمكنة من أدوات المنهج العلمي الحديث، سيشرع الباب للدلالات المفتوحة التي تراعي القيم الإنسانية السمحة، وتبشر بإسلام عماده فقهُ الاختلاف، وتنزع عن هذا الدين صورته الإرهابية المخيفة التي ألصقها به الفكر التقليدي.

ولهذا يبدو سؤال تجديد معاني القرآن الكريم مشروعا في ظل جمود العقل الإسلامي وعدم قدرته على اقتحام مسكوت اللغة ونبشِه، لأننا لم نعد ندرك إن كانت معاني القرآن ودلالاتُه مستنزفة، فنقرأ على رجال الدين السلام، لأنه لم يعد هناك ما يبرر وجودهم، أم أن خلاصة الأمر هي رغبة العقل الأرثوذكسي في الحفاظ على نمط التفكير الديني الذي ساد منذ قرون.

ali almadanمن الأخطاء الشائعة في أذهان الكثير من المنتسبين للثقافة والفكر حصر أهمية "المسألة الدينية" في بعدها السياسي فقط، والتعالي عن الخوض في أبعادها المعرفية والفلسفية والروحية والاجتماعية والتاريخية.

وهذه ظاهرة يمكن تفسيرها بأكثر من عامل: فمن جانب كانت أحزاب ومؤسسات الإسلام السياسي قد "اختزلت" الدين، في مواجهات داخلية أو صرعات دولية، تتعلق بقضايا الحكم والسلطة ورفض الهيمنة الغربية. وأشاعت، وهي في غمرة تلك المواجهة، نسخاً بالية من الدين: طقوسية، استحواذية، متشددة.

ومن جانب آخر كان ضعف مؤسسات الدولة التعليمية قد أسهم في إنتاج أعداد هائلة من الخريجين، عديمي الخبرة بالدين وإشكالياته. وهو ما انعكس على مواقف هؤلاء الخريجين - وبينهم حملة شهادات عليا - من مجمل قضايا الدين وما يمت إليه بصلة، من تراث وفنون ومعرفة وتاريخ، فتوزعت بين ثقافة إيمانية تبسيطية ضيقة، وثقافة إقصائية سطحية.

لقد آن الأوان لتدشين انطلاقة جديدة في التعاطي مع المسألة الدينية، إنطلاقةٍ تختلف اختلافا جذريا عن كل أنماط العناية بالدين والتدين التي شهدناها في القرن العشرين. يفترض بنا - بعد قرن من التجارب الدينية المتناقضة - إيقاف هذا النزف الذي أضاع أجيال الأمة، ومزّق روحها، وأهدر كرامتها، وبدّد ثرواتها، وقذفها في متاهات الضياع والمفارقات. ولن يكون ذلك ما لم يتم إرساء مجموعة من التقاليد الرصينة في مقاربة الشأن الديني، ترفض الدوغمائية، والتوظيف الأيديولوجي، والاستغلال السياسي. يجب الكف عن النظر إلى الدين كارتكاس خلاصي أو هوية وهمية احترابية، والنظر إليه بواقعية منهجية نقدية، منفتحة ومرنة، غرضها فحصه كفلسفة وكقيم وكطقوس وكتشريعات. ودون ذلك سنبقى ندور في نفس الحلقة المفرغة التي ألفناها منذ قرون ..

نتساءل هذه الأيام: على ماذا تبرهن ردود الأفعال المستنكرة والمستهجنة التي اجتاحت الناس إثر الحرق الميلودرامي للطيار الأردني؟ على شيء واحد: تحول نفسي / قيمي مناقض لتاريخ متخيل مريح.

إن الإنسان أتفه من أن يقدر على التحايل على التاريخ .. ونعمة التجاهل لا تُعمِّر طويلا. من يريد أن يكون نقيَّاً، إنسانياً، وعقلانياً .. عليه أن يكفَّ عن أن يكون مهرِّجا. أكثر الناس نعيقاً بالحديث عن الفقه الإسلامي هذه الأيام أشدهم جهلا به وبتاريخه ومصادره ومذاهبه واصطلاحاته .. إلخ. إن الحرق حق ... أعني أنه وارد في جميع مذاهب المسلمين كافة .. ومن ينكر ذلك فهو جاهل. وإن من التميثل ما هو سائغ حق .. أعني أن هناك من يذهب إليه من الفقهاء عند جميع مذاهب المسلمين كافة .. ومن ينكر ذلك فهو جاهل. ولكن، من يُعلِّق مصير أمةٍ بأكملها على فردٍ واحدٍ منها، من يقول إن إنهيار المسلمين اليوم سببه تراث رجل واحد (ابن تيمية مثلاً) .. فهو ليس فقط جاهل، بل هو في ظلمات بعضها فوق بعض. أبلسة ابن تيمية (حتى داعش تفعل ذلك دون أن تعلم) لن تجدي نفعا في تلميع وجوهنا وتراثنا، ولن تجعل منا أحراراً شجعانا، تنويريين، سليمي الطوية، ناصعي البياض ... والدليل: أن يُمسَّ "متخلنا الشخصي المريح" بنقدٍ طفيفٍ حتى تتهاوى جميع تشدقاتنا البلورية.

لكل شيء تاريخ .. ومن لا يعترف بذلك سيرمى خارج التاريخ. ما لم نعترف أن ما اعتدنا على نعته بأنه حقيقة مطلقة، تشريع أصلح، إيمان أعمق، عقيدة أمتن .. عابر للأزمان والإنسان، ما هو إلا: جهد بشري نسبي مرتهن بالمستوى المعرفي والاجتماعي والتاريخي لعصر إنتاجه .. فسنبقى نكرر صعود خشبة المسرح لتمثيل دور واحد فقط، هو عبارة عن اضطراب: التحول النفسي / القيمي المناقض لتاريخ متخيل مريح. وإلا فإن لعبة شد الحبل في الموروث الروائي لا تنتهي أبدا!، وإشكالية (التوثيق / التأويل)، التي تنضوي داخلها أهم فصول قصة هذا الاضطراب، لن نجد لها حلاً. إذ من ضاق عليه نطاق التأويل خرج من مأزق النص بالطعن في سنده، ومن ضاق عليه نطاق التوثيق خرج من مأزق النص بالطعن في دلالته .. وهكذا دواليك!. كل مرة يعاد خلط الأوراق وترتيبها من جديد بحسب "مصالح الزمان والمكان" ... مصالح المذهب والملة.

طيب!! ومن يرفض إعادة خلطها كيف سيكون حاله؟ سيغادر اللعبة كما تفعل داعش! سييغادر التاريخ وإن طال الزمان.

من يشعر أن اللعبة باتت مملة ومفضوحة ومعرقلة للحياة عليه أن يحذر الإنجرار إلى إغواءاتها .. عليه رفض الإشكالية المشار إليها برمتها، والنظر إليها كإشكالية زائفة. أما آمال المصلحين (منذ محمد عبده وحتى محمد باقر الصدر) "السعيدة" بالخلاص، وإنتاج "نسخة توافقية"، فلم تعد تشكّل حلا مرضياً، بل إهدارا للوقت وتشتيتا للجهد وإضعافا للعقل. الإصلاح الحقيقي يكون بالعودة إلى أبده البدهيات، وأعمق المسلمات، وأشهر المصادرات، التي قام عليها وعينا الديني، ووضعها تحت مشرط التفكيك والنقد والهدم وإعادة البناء.

والبداية تكون مع "مفهوم الله"، ذروة السيادة العليا التي هي أُسّ الصراعات كلها التي يدعي المتنافسون الدينيون الإلتزام بإملاءاتها، وقيمها، ورسالتها. حين يتم تحييد هذا المفهوم، سوف تتداعى كل قطع الدمينو الهشة التي تتكئ عليه، ويظهر أن نشاط هؤلاء المتنافسين كان بدوافع أقل قداسة، وأكثر دناسة، مما يشيعون ويروجون.

لقد سبقتنا بعض الشعوب بهذه الخطوة، وأعادت توليد نسخ لهذا المفهوم لازال الجدل مستمرا حولها، من الإله الميكانيكي لديكارت، مرورا بالإله الطبيعي لبيكون وهيوم، والأخلاقي لكانت، والمطلق التاريخي لهيجل، وحتى الإله الاستلابي لفيورباخ، والتعددي/الوظائفي لوليم جيمس الذي يستلهمه أمثال جون هيك من المعاصرين ... إلخ. ومع كل مفهوم يعاد أيضا صياغة كل اللوازم التي تشتق في ضوء هذا المفهوم.

لقد سبق أن وجدت أمثال تلك المحاولات في تاريخنا الإسلامي، قام بها فلاسفة ومتصوفة، هي اليوم، في الغالب، مادة "تاريخية" تصلح للمقارنة، ولكنها أجهضت - أولا - بفضل تناقضاتها الداخلية؛ لأنها لم تتمتع بالوضوح المنهجي السليم في معالجة جميع أسئلة التراث المدعومة بالاجتماع والسياسة آنذاك، فمنيت بالمفارقات. ولأنها - ثانيا - عجزت عن مقاومة المفهوم النقدي المنافس لها المنتصر للرؤية الإيمانية "الرسالية" (ويمكن القول "السلفية" دون أن نقع في مأزق كبير) الذي مثَّله تراث ابن تيمية (وليست فتوى أبي الصلاح أو تهافت الغزالي) الهائل، كما عبرت عنه عشرات آلاف الصفحات التي خلّفها، وعلى رأسها كتابه المنعدم النظير في الأهمية والخطورة، أعني به كتاب "درء التعارض".

إن من المفارقات اللافتة أن أعمق محاولة نقدية معاصرة للأسس المعرفية للوعي الحديث عرفها تاريخنا الفكري المتأخر (محاولة محمد باقر الصدر في الأسس المنطقية للاستقراء)، قد انتهت إلى نفس النتائج التي أنتهت إليها أقدم وأهم محاولة مماثلة في تاريخنا القديم قبل سبعة قرون، وأقصد بها محاولة ابن تيمية في نقده المعرفي الشامل لأسس المنطق العقلي الأرسطي، والإلهيات، الفلسفية والصوفية على حد سواء، المؤسسة عليها. كلا المحاولتين الأهم والأذكى، في رأيي، في جهدنا العربي الإسلامي في المعرفيات، جاء انتصارا لمفهوم الإله "الرسالي". الإله ذي الصفات الخالقية والمالكية والربوبية والألوهية، التي تشتق منها كل المفاهيم الدينية الأخرى قاطبة، من معنى النبوة إلى اليوم الآخر، وكل ما يقع بينهما من إيمان وكفر وولاء وتصديق وطاعة ومعصية وهدى وضلال وسعادة وشقاوة ونجاة وهلاك ... إلخ، وبعبارة أخرى: كل متلازمات "المرسل والرسول والرسالة" (عنوان كتاب الصدر الأهم في الاعتقادات الذي أُنتج وفقا لأسسه المنطقية للأستقراء).

لعل البعض من الباحثين الهواة يرون أن هذه المقارنة (ابن تيمية / الصدر) محض مقارنة مفتعلة، ولكنني سوف أفصِّل هذه الإلماحة السريعة هنا في دراسة أوسع قادمة أوشك أن أفرغ منها. ولست أقصد هنا من هذه المقارنة إلا إثبات أن أهم جهدين معرفيين في تاريخنا الإسلامي، القديم والحديث، لم يكن بوسعهما التأسيس لنهضة حقيقية؛ لأنهما لم يرغبا أن يريا "مفهوم الله" بنحو آخر يختلف عما ورثاه. على أن ابن تيمية والصدر يشتركان في بعض مبررات انعدام الرؤية هذا، ويختلفان في بعض التفاصيل التي يجد كل واحد منهما فيها امتداداً "أصيلاً" للرؤية المذكورة، وتجسيدا حقيقيا لها. يشتركان - مثلا - في نفسانيات الطبيعة الإنسانية (افتقار الإنسان للمطلق)، واجتماعياته (التشريع هو الأكثر توافقا مع مصلحة الإنسان). ويختلفان في أن كل واحد منهما يفصّل هذا الافتقار والتوافق تبعا لإطاره المذهبي. إلا أن ما يجمعهما هو إنسداد "الأفق" بوجود حقيقة خارج ما يتصورانه من تلك المتلازمات، تضطرهما لإعادة النظر في مفاهيمهما الأساسية حول "الإله" والإنسان. أقول هذا مع علمي بتقاربها في النظر للواقع[2]، وما أحلَّاه من مكانة مهمة في نظريتهما المعرفية، إلا أنه "واقع" مفسَّر وموجَّه بمسلمات إيمانية مستقاة من "النص". ولهذا لم يكن بوسع هذا الواقع محاكمة النص بإعادة تفسيره، فضلا عن الحكم بتاريخيته. وهذا النمط من التفكير ليست مشكلته "منطقية / معرفية" فقط، بل و"نفسانية" أيضا، لأنه أصابنا بشرخ عميق، فصل فينا بين"الوعي" و"الواقع"، بين الخبرة والممارسة، وهذا نوع من "الفصام الفكري" للعقل يعجز المصاب به عن استشعار الأزمات بحجمها الحقيقي.

إن مداخل تحديث العقل والواقع العربي / الإسلامي، تعددت واختلفت، بتعدد المفكرين واختلافاتهم في الاختصاص والمناهج والرؤى والغايات، إلا أن إعادة الاعتبار للسؤال الديني تبقى من أهم مداخل تحديث "العقل" في المجتمعات التي تستلهم وعيها ومعاييرها وقيمها من الرؤى الدينية. إننا بحاجة لرسم تصور جديد عن "الله"، نعيد على ضوئه تفكيك كل المتلازمات القديمة الموروثة.

هذه أمنية تبدو هذه الأيام بعيدة المنال، ولكن الأماني هي ما يحفّز الإنسان لتغيير الواقع المحبط، وإلا ما كان له أن يعيش ..

أما نحن، فمن دون تلك الأماني، ما كان لنا أن نكتب هذه السطور.

 

.................

[1]كاتب عراقي متخصص في الفلسفة وعلم الكلام.

[2]قصر ابن تيمية القضايا البديهية الكلية على قضايا الرياضيات والهندسة وبعض القضايا الأولية، ولكنه منع أن تفيد معلوما "معينا" خارج الذهن بدون الاستعانة بالحس. أما القضايا الأخرى، فهي تستفاد كلها من الحس (والخبر)، والتعميم فيها يستند إلى قياس التمثيل في الأشباه والنظائر، وليس قياس الشمول المعتمد على مسلمة (الأكثري لا يكون اتفاقيا)، فهو ينكر المسلمة المذكورة من جهة، ويعتبر قياس الشمول تطويل بلا طائل من جهة أخرى. ومن هنا قال ابن تيمية أن الأمور الموجودة المحققة في الخارج تعلم: (بالحس الباطن والظاهر، وتعلم بالقياس التمثيلي، وتعلم بالقياس الذي ليس فيه قضية كلية ولا شمول ولا عموم، بل تكون الحدود الثلاثة فيه - الأصغر والأوسط والأكبر - أعيانا جزئية، والمقدمتان والنتيجة قضايا جزئية. وعلم هذه الأمور المعينة بهذه الطرق أصح وأوضح وأكمل) (مجموع الفتاوى: 9/ 75).

ولفهم وجهة نظر ابن تيمية في العلم بالمعين، الجزئي الخارجي بتعبير المناطقة، يجب التبيه على أن هذا "المتعين" لا يتجاوز حجمه، في أفضل الأحوال، العلم بالصناعات (نساجة وخياطة وحياكة ... إلخ)، ولا حديث هنا مطلقا عن "العلم" بمفهومه الحديث. أي أن الحس عند ابن تيمية لا ينظر إليه أكبر من كونه منتجا لـ"علوم = صناعات" (مفضولة مرجوحة) (مجموع الفتاوى: 19/ 233)، أو معرفة بموضوعات تفصيلية على غرار ما يجده الإنسان في حياته اليومية، أو في ما يحققه عند تطبيق حكم شرعي على موضوعه. ذلك لأن ابن تيمية يكرر في مواطن عديدة جدا أن طرق العلم ثلاثة، هي: الحس، والعقل، والخبر (درء: 1/ 369)، وهو يقصد بالأخير "الخبر النبوي" كما في نفس المصدر المتقدم، وفي غيره أيضا حين يقول: (الطرق العلمية، [هي]: البصر والنظر والخبر. الحس والعقل والوحي. الحس والقياس والنبوة) (الجواب الصحيح: 3/ 8). وهو يذهب إلى أن بالعقل تدرك الكليات، وبالحس تدرك المعينات. والأخير وإن كان "أتم وأكمل" كما يقول، ولكنَّ الخبر (يتناول الكليات والمعينات والشاهد والغائب، فهو أعم وأشمل) (درء: 7/ 324). أي أن التعميم والشمول يكون من النص أفضل منه عند غيره.

أما محمد باقر الصدر، فمن المعروف لدى من طالع كتابه "الأسس المنطقية للاستقراء" أنه لا يؤمن بما طرحه المنطق الأرسطي في قضاياه الست إلا ما يحتاجه في بديهيات الاحتمال، وإن جميع المعارف البشرية الأخرى مصدرها الخارج، أي أنها معارف استقرائية بعدية.

jawdat hoshyarلم يعد الجيل الجديد يقرأ الكتب، الا نادراً، ويعتقد البعض ان عزوف الشباب عن القراءة عموماً وقراءة الكتب خصوصاً، يرجع الى عدة أسباب، لعل في مقدمتها، ظهورالأنترنت، ووسائل الأعلام المتعددة، وضيق الوقت، ومشاغل الحياة اليومية، وارتفاع أسعار الكتب . ولكن هذه الأسباب لن تقف حائلاً أمام من يحرص على القراءة كطقس دائم من طقوس حياته .

وربما كان السبب الرئيس وراء العزوف عن قراءة الكتب الجادة، هوعدم شعور الشباب بالحاجة الى القراءة . وهذا أمر مؤسف، ربما لأنهم لا يعرفون قيمة الكتب في حياة الناس وتطور المجتمعات وفي تأريخ البشرية، فالقراءة احدى سمات المثقف الواعي والأمم المتحضرة، يحث عليها علماء النفس، ولا يمل المربون من تأكيد ضرورتها لكل الفئات العمرية، فهي وحدها تفتح امام القاريء عوالم لا نهائية من العلم والمعرفة والمتعة، وهي مفتاح الثقافة والحصارة والتقدم .

 

وكل كتاب جيد – خبرة جديدة وتواصل مع العقول الذكية، عقول العظماء، الذين يدفعون بالقاريء الى التفكير في امور لم تخطر بباله، او لم يكن يعرف عنها كثيراً، ولا يحسن التعبير عنها .. كما يجد فيها القاريء وصفا لتلك المواقف والمشاكل الحياتية التي قد تواجهه، وأجوبة عن الأسئلة التي تعذبه .

اننا عندما نتحدث عن قراءة الكتب، لا نعني بذلك هواية اقتناء الكتب لغرض تزيين رفوف المكتبة البيتية أوصالون الأستقبال، من اجل التباهي بثقافة صاحب الدار، فثقافة المرء لا تقاس بعدد الكتب التي يمتلكها، بل بعدد الكتب الكلاسيكية الخالدة والكتب الجديدة القيمة، في شتى ميادين المعرفة والثقافة، التي قرأها بتمعن وتمحيص وتفاعل مع مضامينها وأطال التفكير فيها واستخلص منها ما هو مفيد له في الحياة، وما يعينه على بلوغ مرتبة أعلى من الأنسنة، ان صح التعبير.

يتباهى البعض بكثرة الكتب لديه وبضخامة المكتبة التي يمتلكها، وعندما تتحدث اليه، لا تشعر على الأطلاق بأنه استفاد حقاً ولو قليلا من الكتب التي قرأها، والأرجح أنه لم يقرأ معظم ما يمتلكه من كتب، أو أنه قرأها بلا مبالاة ودون التعمق في معانيها، ولم يتفاعل معها قط، حيث لا يظهر شيء من أثر القراءة المعمقة في ثقافته وسلوكه واسلوبه في الكلام .

 

قراءة أفضل الكتب بتمعن شيء، وقتل الوقت بالقراءة السطحية شيء آخر تماماً . في هذا المبحث القصير نتحدث عن القراءة الجادة، التي ترتقي الى مستوى التفاعل مع آراء المؤلف وأفكاره. مثل هذه القراءة لها فوائد معرفية وثقافية وصحية واجتماعية عديدة، نحاول ايجازها في نقاط محددة :

 

ماذا وكيف نقرأ؟

قراءة الكتب بتمعن مفيدة في مختلف مراحل العمر، والمهم، هو ماذا نقرأ؟ من المشكوك فيه ان تلعب القراءات الخفيفة المسلية أي دور في اثراء معلوماتنا أو تنمية عقولنا . من الممكن أن نقرأ لغرض الترفيه عن النفس وتمضية الوقت أو لمجرد حب الأستطلاع، ولكننا اذا قرأنا شيئاً من روائع الأدب الكلاسيكي ونتاجات الفكر الأنساني، فأننا نعتاد عليها ولا يمكننا الأقلاع عنها بسهولة.

الكتب الخالدة عبر التأريخ الأنساني، تتضمن عصارة الفكر ونتاج العلم وخلاصة الفهم ودوحة التجارب وعطية القرائح وثمرة العبقريات على حد وصف (تريستان تزارا)، ينبغي لكل مثقف أن يقرأها. مثل هذه النتاجات لن تفقد قيمتها العظيمة بمرور الزمن أبداً، رغم تغير الأجيال ونظم الحكم، والتقدم الحضاري .

قراءة الكتب العلمية عن نشوء الكون ونظام المجموعة الشمسية تؤدي الى توسعة مداركنا ومخيلتنا وتحسن تصوراتنا وفهمنا لقوانين الطبيعة . والكتب الثقافية والتأريخية تزيد من معلوماتنا، وقد نستخلص منها العبر والدروس لبناء حاضرنا ومستقبلنا.

أما قراءة كتب السيرة الذاتية والمذكرات الشخصية، فأنها تتيح لنا الأطلاع على خلاصة التجارب الحياتية لشخصيات مثيرة للأهتمام، أسهمت في صنع التأريخ أو كانت شاهدة عليها.

ويمكننا بكل تأكيد الأستفادة من تجاربهم وخبراتهم الحياتية، التي قد تفيدنا مستقبلاً في حياتنا العملية .

وصفوة القول ان قراءة الكتب القيمة سواء كانت تخصصية أو ثقافية عامة، لا غنى عنها لكل انسان يعرف قيمة التراث الأنساني العظيم في العلم والفكر والثقافة. الأنسان الذي لا يقرأ يعيش حياة واحدة فقط، هي حياته، أما من يطلع على تجارب الآخرين، فأنه يعيش حيوات كثيرة .

 

الكتاب ومصادر المعلومات الأخرى:

كانت النخبة المثقفة تقرأ كثيراً حتى الى عهد قريب، ربما بسبب عدم وجود مصادر كثيرة للمعلومات، والتسلية والترفيه . لم يكن هناك أنترنت ولا الهواتف الذكية، أما قنوات التلفزيون فقد كانت محلية وعددها محدوداً وتقدم برامج بريئة بالقياس الى ما تعرضه القنوات الفضائية راهناً .

العزوف عن القراءة ظاهرة عالمية غير مقصورة على بلادنا، وربما يظن البعض من المثقفين الكورد، ان قراءة الكتب في الدول الغربية هي اليوم في أوج ذروتها وأزدهارها، وهذا أمر يثير الأستغراب حقاً، وينم عن عدم الأحاطة بمدى تراجع قراءة الكتب في تلك الدول . صحيح ان الأقبال على قراءة الكتب في الغرب لا يزال كبيراً، ولكنه انخفض كثيراً منذ ظهور الأنترنت . الجيل الجديد في كل أنحاء العالم، يبحث عن بدائل أخرى للكتاب عبر المدونات والمنتديات ومواقع التواصل الأجتماعي .ولكن لا شيء يمكن أن يكون بديلاً للكتب الجيدة. هي وحدها تزودنا بالمعارف المتعمقة وتؤثر في تشكيل رؤيتنا للحياة والعالم . .

ان المستوى الثقافي للمجتمع لا يتحدد فقط بمدى شيوع ثقافة القراءة فيه، اومعدل عدد الكتب التي يقرأها المواطن سنوياً، بل أيضاً، بمدى توافر حرية التعبير .

في المجتمع العلماني المفتوح، الذي يحترم عقل الأنسان ويتيح الفرصة للأطلاع على ثقافات شعوب العالم ثمة امكانات أكثر لتطور شخصية الأنسان.

الكتاب بخلاف التلفزيون حر من الأغراض النفعية . التلفزيون يعتاش على الأعلان وكثيراً ما يدفعنا الى شراء هذه السلعة أو تلك، ومشبع أحياناً بـ(البروباغاندا) السياسية والأيديولوجية،. أما مؤلف الكتاب، فلا حاجة له لوضع الأعلانات بين السطور، من اجل الحصول على مال أكثر.

الحياة المعاصرة تتيح للأنسان امكانات كبيرة للتراخي الذهني، اكثر من التفكير العميق والتأمل.

اذا كان المرء يكتفي بمشاهدة برامج التلفزيون وتبادل الآراء والصور في العالم الأفتراضي، فهذا شيء عابر لا يلبث في الذهن طويلاً ولا يلعب دوراً يذكر في تنمية الثقافة الحقيقية، اما الكتاب الجاد، فأنه يسهم في تربية الأنسان ويقدم له غذاءاً للتفكير في حياته وفي العالم من حوله.

ويوصي الخبراء بتخصيص ساعتين في اليوم لقراءة الكتب الأدبية الجيدة، وهم على قناعة تامة ان الكتاب المقرؤ، افضل من الفيلم المقتبس من الكتاب ذاته، والسبب يكمن في حقيقة أن القراءة لا يحد الخيال البشري . ولهذا السبب تحديداً، وكقاعدة عامة، فأن الفيلم المأخوذ من رواية ما، لا يلبي توقعات الجمهور الذي رسم في ذهنه صورة مغايرة لمحتوى الكتاب

ومما يؤسف له ان عدد الناس الذين يشعرون بالحاجة الى قراءة الروايات العظيمة يتضاءل بأستمرار، فهم يفضلون مشاهدة برامج التلفزيون والأنغماس في ألعاب الكومبيوتر، التي تعرقل تطور الذكاء.

لن تختفي الكتب بطبيعة الحال ولكن الأشكال الجديدة لمصادر المعلومات تضيّق دون ريب المساحة التي كانت تشغلها الكتب في حياة الناس .كتاب المستقبل سوف يصبح أفضل طباعة وأجمل اخراجاً .، وقد يكون صالحاً لتقديمه كهدية، تسر العين وتزين رفوف المكتبة البيتية، أكثر من كونها مصدرأ للمعرفة، لأن الجمهور القاريء في الأنترنيت أو في الأجهزة المخصصة لخزن وقراءة الكتب، في تزايد مستمر.

 

القراءة تمرين ذهني

قامت الباحثة (نتالي فيليبس) من جامعة (اوكسفورد) بتجارب علمية لدراسة عمل الدماغ الأنساني خلال عملية القراءة وبرهنت، ان القراءة الجادة تحفز العقل، وتدفعه للعمل بنشاط وتركيز، وتنظم التفكير، وتعمل على تطور الذكاء البشري، بالأضافة الى فوائدها المعرفية . واثبتت الباحثة ان القراءة لا تقل فائدة عن التمارين الرياضية، لأنها (القراءة) تمرّن الدماغ بأسره .

واتضح من خلال التجربة أنه عند الأنتقال من القراءة السطحية من اجل تمضية الوقت الى الأستيعاب النقدي للمعلومات، يجري في الدماغ تغيير حاد في نوع النشاط العصبي، وفي الدورة الدموية .

القراءة تؤثر في الدماغ البشري بآليات مختلفة، حسب طريقة قراءة الكتاب. وتشير نتائج تلك التجارب الى أن كل نوع من الحمل العصبي يفيد الدماغ ويمرّنه على نحو مختلف .

عند القراءة يتدفق الدم الى اجزاء الدماغ المسؤولة عن القدرة على التركيز والأستيعاب المعرفي . في حين ان مشاهدة التلفزيون وعملية اللعب الكومبيوتري، ليس لهما مثل هذا التأثير .

ومن اجل الحفاظ على وضوح العقل في جميع مراحل الحياة، لا بد من التمرين المتواصل للدماغ، ولعل واحدة من أفضل الطرق للقيام بذلك – هي القراءة بشكل منتظم ومدروس .والناس الذين يفضلون القراءة لديهم فرص أفضل لبناء مستقبل مهني ناجح، وعلاقة أفضل في الأسرة.

ومن المعروف علمياً أن جسم الأنسان يشيخ على نحواسرع، عندما يشيخ الدماغ . القراءة تجبرالدماغ على العمل المتواصل، وبذلك تتأخر الشيخوخة ويبدو الأنسان أصغر سناً من عمره الحقيقي ويعيش حياة أطول .

 

زيادة الحصيلة اللغوية

قراءة كتب المؤلفين، الذين يمتازون بجمال اللغة، تعمل على تحسين قدرات الأنسان اللغوية وتطويرها ويساعده على التعبير عن نفسه بشكل أفضل وتجعله متحدثا ا أكثر إثارة للاهتمام في عيون الآخرين .

ولعل (الجاحظ) قد سبق الجميع في بيان مدى تأثير القراءة في شخصية القاريء وتجويد لغته: " والكتاب هو الذي ان نظرت فيه اطال امتاعك،، وشحذ طباعك، وبسط لسانك، وجوّد بيانك، وفخّم الفاظك ... ان الناس يتحدثون بأحسن ما يحفظون، ويحفظون احسن ما يكتبون، ويكتبون أحسن ما يسمعون.

لذا لا عجب ان يقول العلماء : ان الناس صنفان : أولئك الذين يقرأون الكتب، وأولئك الذين يستمعون الى الذين يقرأون .

 

التأثير النفسي للقراءة

أثبتت تجارب علمية عديدة ان عملية القراءة تهديء الأعصاب وتزيل التوتر والقلق وتخفض من مستوى الأجهاد، على نحو أسرع من الأستماع الى الموسيقى أو ممارسة رياضة المشي .

فالقراءة رياضة نفسية مريحة للأعصاب، ومتعة في متناول الجميع، وتزود العقول بمواد المعرفة وخبرات البشرية، وتعلمنا، أن نحب وأن نغفر ونتعاطف مع الآخرين .

القراءة قادرة على التأثير الفعال في الحالة العاطفية للأنسان، ويمكن ان تكون وسيلة ناجعة للتغلب على الأكتئاب . فهي تبعدنا عن صراعاتنا النفسية الداخلية، الناجمة عن المشاكل الخارجية وتعزلنا مؤقتاً عن الواقع بكل توتراته ومشاكله وتساعدنا على الأسترخاء والهدوء.

 

القراءة تساعد على التواصل مع الآخرين

القراءة تنمي ثقافة القاريء وتساعده على ايصال أفكاره للآخرين، والتعبير الجيد عما يود قوله وتجعله قادراً على فتح موضوع مع أي كان، مما يساهم بشكل كبير في نجاح علاقاته مع الآخرين ويحظى بأهتمامهم وتقديرهم .وقد دلت البحوث الميدانية، ان من يقرأ كثيرأ يشارك اكثر من غيره في الفعاليات الثقافية والأجتماعية .

وبطبيعة الحال فأن ثقافة الأنسان لا تتوقف على مقدار ما يقرأ، بل على عدد الكتب الجيدة التي فهمها واستوعبها واستفاد منها في حياته العملية . وكلما قرأ الأنسان أكثر اصبح أقل شبهاً بالآخرين .

 

abduljabar alrifaiتدين هو ضد للدين والحياة الروحية والأخلاقية الحقيقية الأصيلة

بعد ربع قرن تقريبا من العيش في المنفى، عدت الى وطني العراق أواخر حزيران 2003، فوجئت بحجم الخراب الذي أنهك بلدي، لم أعثر على العراق الذي ولدت ونشأت وأمضيت طفولتي وفتوتي ومراهقتي وبدايه شبابي فيه .. كل شئ جميل اختفى، كل شئ متميز تلاشى، كل شئ مضئ انطفأ، كل شئ منظم تبعثر، كل شئ عميق تسطح، كل شئ عقلاني أمسى لا عقلانيا، كل شئ انساني لم يعد إنسانيا .. الفكر لم يعد فكرا، الشعر لم يعد شعرا، الأدب لم يعد أدبا، الفن لم يعد فنا، الثقافة لم تعد ثقافة، الاقتصاد لم يعد اقتصادا، السياسة لم تعد سياسة .. لكن ما أذهلني وأحزنني: أن التدين لم يعد تدينا؛ مكرسا بالإيمان، ومُلهما لقيم المحبة والتراحم والجمال، والأخلاق لم تعد أخلاقا، تنتج فضاءا سليما للأمن والسلام في حياة البيت والمجتمع، يحمي الكرامة الشخصية، ويعزز مكانة الكائن البشري، ويؤطر العلاقات في العائلة بالسكينة والمودة، ويبني أسس العيش المشترك في المجتمع.

وقتئذ أدركت شيئا من خطايا الاستبداد، والآثار التدميرية الفتاكة للأنظمة التسلطية الشمولية، وتخريبها لبنى الحياة الروحية والأخلاقية والعقلية. وكيف عمل صدام حسين على تشويه كل شئ في العراق وإفساده، من أجل أن يضمن ديمومة بقائه في السلطة.

لقد عمل صدام – كما هو كل طاغية مستبد - على إنتاج شبكة مفاهيم تنفي كل مالايتطابق معها، ويمثّل نسخة مكررة عنها، وتشكّل هذه الشبكة نظاما ذهنيا، يتجلى في عقلية ونمط تفكير أُحادي اختزالي، تكرّست في ظله بنية نفسية معاقة، تستسيغ الخنوع والانسحاق، والتهرب من أية مسؤولية، إنها نفسية عبيد، أبرز سماتها الشعور بالدونية والحقارة، والتبعية وعدم الاستقلال في التفكير، والعجز عن اتخاذ أي رأي، وغياب المبادرة والموقف الشخصي، وتعيش نفسية العبيد حياة نيابية مستعارة، وكأن صاحبها يمثل دورا آخر في حياته، لا يعبّر عن شخصيته، ولا يمثّل ملكاته وإمكاناته، وما أودعته الطبيعة البشرية فيه، إنما يعيش على غرار مايريده المستبد، وماجرى تدجينه عليه في الأسرة، ثم المدرسة والمجتمع. إذا ترسّخ شعور الإنسان بأنه بلا كرامة، وأنه شخصية تافهة، فإنه يعجز عن المساهمة بأية عملية بناء، أو الاضطلاع بمهمة مميزة في الحياة، كما ينطفئ كل ما يمكن أن يحلم به، وتذبل كل أمنية وأمل يستشرف من خلاله المستقبل، والانسان كائن لا يمكنه العيش والمشاركة في صياغة العالم مالم يحلم، ويتطلع الى غد بديل، ترتسم فيه صورة مغايرة لواقعه الراهن. وكما يقول إيريك فروم "لا شيء اكثر تأثيرا وفاعلية في سحق معنويات الفرد من إقناعه بأنه تافه وردئ". حرص صدام، مثل كل طاغية؛ على تكريس ثقافة استبداد تكبّل المجتمع، وتشلّ فاعليته، وقد تفشت هذه الثقافة في: مقررات التربية والتعليم، ووسائل الإعلام، والخطاب السياسي، والهياكل الإدارية في المؤسسات، والآداب والفنون، واللغة، وكافة الرموز والعلامات المستعملة في المجال التداولي، والتدين، وأنماط العلاقات السائدة في العائلة والمجتمع. واهتم ببناء نظام سيميائي خاص، يعمل على الهيمنة على مجال المتخيل، ويشدد على تحويل كل ذلك الى بنية راسخة في وعي المجتمع ولاوعيه.

يترك المستبد ّكلّ شئ حطاما بعد هلاكه، ويفشل أي نظام بديل – مهما كانت نزاهته وإخلاصه - في الانطلاق بعميلة بناء جديدة؛ مالم يهتم بمعالجة التشوهات الحادة والرضوض العميقة في شخصية الفرد والمجتمع، وهو ما نراه ماثلا في الأنظمة البديلة في العراق وبلدان ما يسمى "الربيع لعربي". بل إن كلّ ما يجري من انهيار مريع في أشباه الدول في تلك البلدان، وما صار يمارسه النظام البديل من فوضى وفساد، إنما هو امتداد لتركة النظام الماضي، ولتلك البنية الراسخة للاستبداد؛ التي لا يتوالد منها سوى الفشل والفوضى والعجز المزمن، أي أن الأمطار السوداء اليوم إنما هي من غيوم استبداد الأمس.

إن المنبع العميق الذي ينهل منه الاستبداد في تراثنا، هو الرؤية الكونية في الإلهيات التقليدية؛ المبنية على مفاهيم العبودية، وترسيخها للتصور الرأسي للعالم، الذي يؤسّس لشبكة من مقولات التركيع والخضوع، وتكريس التسلط في المجتمع. إذ تكون العلاقات في المجتمع علاقات عمودية ، ليست أفقية، بمعنى أن تصور العلاقة بين الله والانسان دائما يتخذ نمطا عموديا، يكون فيه الانسان خانعا ذليلا، فيما يبدو الاله قهّارا متكبرا؛ يبطش ويعذّب وينتقم. لا تحضر في هذه العلاقة صورة الله الرحمن الرحيم، الذي "كتب على نفسه الرحمة"، و "وسعت رحمته كل شيء"، و "سبقت رحمته غضبه"، والذي لخص مهمة رسوله الكريم "ص"، بقوله: "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين"، فهو رحمة مهداة لكل العالمين، وليس لفئة أو جماعة أو طبقة أو طائفة أو فرقة أو مذهب أو شعب مختار..الخ.

الخوف منبع الاستبداد، هناك علاقة جدلية أبدية بين الخوف والاستبداد. حيثما يوجد الخوف يولد الاستبداد. حيثما يوجد الاستبداد يولد الخوف. حين تختنق الحياة بالخوف، ينسحق الكائن البشري، ويمسي مستعدا للرضوخ والانصياع لأي شخص يمتلك أداة سطوة وعنف. الشخص الخائف لا يمتلك القدرة على ابداء أي رأي لا يتطابق مع ما يفرضه خطاب العنف، بل لا يستطيع الذهن الخائف ان يفكر بما هو خارج ما تفرضه أداة العنف. المحيط المشبع بالعنف، بمختلف أنماط العنف وتعبيراته، ينتج شخصية خائفة مستلبة، والمجتمع الذي يسكنه الخوف يسكنه الاستبداد.  

حين تكون صورة الله في اللاهوت التقليدي هي صورة السيد المخيف المرعب، المتمرّس في البطش والتنكيل والعقاب والعذاب، يمثّل الخوف أرضية خصبة لنشأة وتفشي الاستبداد، ويجد تعبيره الاجتماعي في: الخوف من الحرية، الخوف من الفردية، الخوف من التفكير النقدي، الخوف من التفكير العقلاني، الخوف من الحداثة، الخوف من الاختلاف، الخوف من الخطأ، ذلك أن الاستبداد يبحث دائما عن الإجماع الشعبي، ويخشى التمايزات والمغايرة.

كذلك يجد النمط العمودي للعلاقة بين الإله والعبد مدلوله الاجتماعي في مختلف أشكال العلاقات السياسية والاجتماعية والاقتصادية في المجتمع، فالحاكم غير المحكوم، الحاكم يأمر بما يشاء، وليس للمحكوم الا السمع والطاعة، من حق الحاكم أن يفعل مايريد في رعيته، إرادته إرادة مطلقة لايضبطها قانون أو تقيّدها تشريعات، هو في القمة والرعية في القاعدة، لايرتقي شخص الى مقامه السامي، الا حينما يفيض عليه بمننه وعطاياه، فيدنيه من قربه، ويمنحه من مكرماته. ذلك أن رعاياه كافة هم ممتلكاته يتصرف بهم بما يحلو له. أما العلاقة بين الأب والابن، والمعلم والتلميذ، والضابط والجندي، والتاجر والعامل، والإقطاعي والفلاح، والرجل والمرأة، فهي دائما علاقة تبعية وخضوع، علاقة امتلاك، الأعلى يمتلك الأدنى، يدربه باستمرار على الانصياع والانقياد، ويتفنن في تربيته على الرضوخ، ويتوسل بمختلف الأساليب من أجل تدجينه على التنازل عن حريته.

ويسود فضاء الاستبداد أسلوب التلقين في التربية والتعليم، فيجري التعامل مع الطفل في الأسرة، وهكذا التلميذ في المدرسة، بوصفه وعاءا نملؤه بمصفوفة نصوص وشعارات، ونحرص على أن يستظهر هذه النصوص، ويحفظ تلك الشعارات، من دون أن يبذل أي مجهود عقلي بتدبر أو فهم مضمونها. التربية تتحول الى تدجين متواصل، والتعليم يتحول الى تنميط وخلق نسخ متشابهة، والعلم هو الحفظ والتكرار، حتى أضحى العلماء هم حفظة النصوص، وليس المجتهدون النقاد الذين يغربلون الأفكار، ويقتلون القديم بحثا. ويفضي أسلوب التلقين الى ترويض المجتمع، فتتخذ العلاقات فيه شكلا عموديا، يمارس فيها الأعلى الاستبداد على من هو أدنى منه، ويغيب الشكل الأفقي للعلاقات الذي يُبنى على المساواة والحرية.

تختنق الحياة السياسية بالاستبداد، بنحو يصبح فيه الكل اما مستبدا يمارس الاستبداد، أو يقع عليه الاستبداد، ويصير الكل ممارسا للاستبداد على من هو ادنى منه، الزعيم السياسي على مرؤوسيه من وزراء وغيرهم، وهؤلاء يسقطون الاستبداد على من يليهم في مراتبهم الوظيفية، بنحو يُمسي التسلط نسيجا متفشيا في طبقات المجتمع ومؤسساته كافة ، فالتسلط تنتجه السلطة المستبدة، وتصوغ شخصية رعايا وأتباع مجردين من كل إرادة في الاختيار، إلاّ إرادة التسلط التي يسقطونها على من هم دونهم، كما أن هؤلاء الأفراد الذين أنتجتهم السلطة المستبدّة يمدّون هذه السلطة على الدوام بحياتها وكيانها، الذي يفتقر وجودُها واستمرارُها عليه. فلو لم تصنع السلطة هذا النمط من الرعايا لما تواصل بقاؤها، بمعنى أن الأتباع تتشكل شخصياتهم في فضاء الاستبداد والتسلط، وهم أثر من آثار السلطة ونتيجة لها، مثلما هم المادة الأولى التي يشتق منها تسلط المستبد، وبه تتكرس سطوته، ذلك أن السلطة تشكّل بنية عامة شاملة، يتشبع بها المجتمع بأسره، ويعاد تكوينها باستمرار، في إطار المتغيرات السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية. وحسب تعبير فوكو فإن "السلطة ليست في مكان واحد، إنها في الحارس الذي يراقب السجن بحرص شديد، في صاحب الفرن الذي يبيع الخبز للسجن، ويشعر بالفرح لأن السجن موجود".

ويسري التسلط من الحياة السياسية الى العائلة، فتتغلغل مفاهيمه في القيم الأبوية وعلاقات القربى، بين الزوج وزوجته، والأب وأبنائه، ويتفنّن ربّ الأسرة في مهارات ترويض وإخضاع أفراد أسرته، حتى يمسخ شخصية الطفل، ويطمس مالديه من تلقائية وعفوية، ويقضي على روح التساؤل الفطري، والنواة الجنينية للنزوع النقدي في تفكيره، ويستأصل ممكنات الإبداع والابتكار في عقله، وتتواصل عملية الترويض والتلقين متوسلة بشتى الأساليب، وطالما تتوكأ على العنف الجسدي، والعنف اللفظي، ومختلف ألوان العنف الرمزي، ويستحيل الناشئة الى وعاء معبأ بمقولات الخضوع والاستسلام، ورفض كل ماله صلة بالحرية، وتبني ايديولوجيا الاستبداد المناهضة للحرية والدفاع عنها.

يهتم الاستبداد باللغة اهتماما بالغا، ويحرص على افقارها، وتحويرها وتشويهها، ويغرقها بفائض معاني، ويمدّها بقاموس مفردات، وعبارات، وجمل، وشعارات، تشوّه اللغة وتهشم تراكيبها وصياغاتها وبنيتها، وتغذّي كراهية الآخر، وتثير الاشمئزاز والفزع منه، وتعطل الوعي النقدي، وتسدّ أفق الرؤيا المتفائلة للكون والوجود، وتغرق الذهن بكوابيس مرعبة لأعداء مفتعلين، متربصين به كل حين، ويعمم مسخ اللغة وتشويهها الى المقررات الدراسية، فإن"كل الكتب المدرسية للفاشية والنازية استخدمت طريقة في الافقار اللغوي، وإفقار القدرة الابتدائية على بناء الجمل بطريقة صحيحة، هادفة من ذلك الى تحديد أدوات التفكير المعقد والانتقادي"، حسب تعبير امبرتو ايكو.

البيئة الفقيرة لغويا فقيرة عقليا، خصوبة اللغة وثراؤها؛ بقدر ماتقتل التفكير الساذج البسيط، فإنها تحيي وتنمي التفكير المركب، ولا يمكن الوثوق بولادة أفكار تنفتح على مايعاندها؛ الا حين تغتني اللغة بمعجم يرفدها باستمرار بالفاظ ومصطلحات، تنفتح على فضاء عقلي، يتسع باستمرار لاستيعاب وتمثّل كل ماهو جديد، في العلوم والفنون والآداب، ويواكب حركة التطور والابداع في مختلف مجالات المعرفة، ويساهم في رفدها على الدوام.

لقد واصل اللاهوت التقليدي تأمين الرؤية للعالم الملائمة لإنتاج الاستبداد، وإعادة إنتاجه باستمرار. كما عمل الاستبداد أيضا على صياغة قراءةٍ للنص الديني والتراث والماضي، تتفشى فيها ثقافته ومفهوماته، وتشكّل نسيجا متشابكا؛ تُشاد في سياقه الحياة الدينية للفرد والمجتمع، ولا يفلت من شباكه أحد، الا بمشقة بالغة، ومن ينفلت منه يصبح عرضة للنفي والملاحقة والتشرد.

يصنع الاستبدادُ نمطَه الخاص للتدين والحياة الدينية، وهو نمط تدين يمثل ضدا للتدين والحياة الروحية والأخلاقية الصحية السليمة. تدين ممسوخ؛ يشبه كل شئ الا التدين الحقيقي الأصيل. تدين مسموم يفتك بالحياة الروحية والأخلاقية للفرد والمجتمع، ويكوّن بيئة يتوالد فيها على الدوام التطرف والتعصب والارهاب؛ بغطاء وقناع يخلع عليه شكلا دينيا. تدين يفزع من الاختلاف والتعددية، ويشدّد على نفي الآخر واستبعاده. تدين لا يعرف التسامح واحترام كرامة الكائن البشري. تدين مسكون بطمس الذات وتفريغها من كينونتها وهويتها الشخصية. تدين فقير؛ لا صلة له بوظيفة الدين العميقة في حياة الشخص البشري، ورسالة الدين في منح الحياة معنى، وإرواء الظمأ الأنطولوجي.

 

د. عبدالجبار الرفاعي

 

majed algharbawi4مفهوم الحاكمية من المفاهيم الزئبقية المغرية، تستهوي الانسان الثوري، وتنطلي بسهولة عليه، ويمكن توظيفه لخدمة اغراض شخصية واخرى سياسية

كان اول مرة طرح فيها مفهوم الحاكمية الالهية1 في حرب صفين، عندما طالب الخوارج الامام علي بالاستجابة لمبادرة معاوية، وهتفوا: (لاحكم الا لله)، (الحكم لله وليس لك يا علي)، في اشارة الى المصاحف التي رفعها جيش معاوية على الرماح. وقد استجاب الامام علي لنداء التحكيم لكنه وصف دعواهم بأنها: (كلمة حق يراد بها باطل)2. وبالفعل فان مفهوم الحاكمية من المفاهيم الزئبقية المغرية، تستهوي الانسان الثوري، وتنطلي بسهولة عليه، ويمكن توظيفه لخدمة اغراض شخصية واخرى سياسية. فالمفهوم يوحي بدلالات واسعة، تجعل الانسان المؤمن يضحي حينما يتعامل مع المفهوم بسذاجة عالية، وقد استقطب في حرب صفين عددا كبيرا من الخوارج ممن طالبوا الامام بوقف القتال والتفاوض مع معاوية، لكنه لم ينطل على العقول اليقظة، لانه مفهوم ملتبس في حدوده وتفصيلاته، فلا ينبغي الانسياق مع ايحاءاته العاطفية. يقول احد الباحثين: (وعمليا فان كلمة الحاكمية الالهية كانت وراء استغلال الدهاة وضلال السذج، فقد استغلها ادهى الدهاة عمرو بن العاص عندما رفع المصاحف على اسنة الرماح ليعلي باطل معاوية على حق علي. وانخدع بها الخوارج فخذلوا عليا وهو اتقى الاتقياء، ومكنوا معاوية من الانتصار بحجة لا حكم الا لله... حكمت الرجال في دين الله)3.

 

ابو الاعلى المودودي والتأسيس

اعاد ابو الاعلى المودودي طرح مفهوم الحاكمية الالهية ثانية في العصر الحديث، واعتبره جزءا من نظريته السياسية حول الدولة الاسلامية. وهنا ملخص عن نظريته كما جاء في كتيب: (منهاج الانقلاب الاسلامي):

1- ليس لفرد او اسرة او طبقة او حزب او لسائر القاطنين في الدولة نصيب من الحاكمية، فان الحاكم الحقيقي هو الله، والسلطة الحقيقية مختصة لذاته تعالى وحده، والذين من دونه في هذه المعمورة انما هم رعايا في سلطانه العظيم.

2- ليس لاحد من دون الله شيء من امر التشريع والمسلمون جميعا ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا لا يستطيعون ان يشرعوا قانونا ولا يقدرون ان يغيروا شيئا مما شرع الله لهم.

3- ان الدولة الاسلامية لا يؤسس بنيانها الا على ذلك القانون المشروع الذي أتى به النبي من عند ربه مهما تغيرت الظروف والاحوال. والحكومات التي بيدها زمام هذه الدولة لا تستحق طاعة الناس الا من حيث انها تحكم بما انزل الله وتنفذ امره تعالى في خلقه.

من هنا يتضح لنا ان الدولة الاسلامية لا تعد ديمقراطية بالمعنى الشائع لانها لا تجعل ارادة الشعب هي اصل التشريع، ولكنها حكومة الهية (ثيوقراطية Theocracy) مع اختلاف جذري في المدلول الاوربي للكلمة، لان الحكومة الاسلامية لا تعرف طبقة السدنة (رجال الدين) الذين يتولون وحدهم في الدولة الثيوقراطية، بالمفهوم الاوربي، التقنين او التفسير طبقا للشريعة الالهية. ومن هنا فان الثيوقراطية الاسلامية يمكن ان تكون ( ثيو – ديمقراطية) Theo democracy او الحكومة الالهية الجمهورية. وذلك لانها خولت للمسلمين حاكمية (او سيادة) شعبية محدودةA limited popular sovereignty تحت سلطة الله القاهرة. ولا تتألف السلطة التنفيذية الا بآراء المسلمين. وبيدهم يكون عزلهم من منصبها وكذلك جميع الشؤون التي لا يوجد عنها في الشريعة حكم صريح لا يقطع بشيء الا باجماع المسلمين.

وكلما مست الحاجة الى ايضاح قانون او شرح نص من نصوص الشرع لا يقوم بيانه طبقة او اسرة مخصوصة وحدها بل يتولى شرحه وبيانه كل من بلغ درجة الاجتهاد من عامة المسلمين.

من هذه الوجوه يعد الحكم الاسلامي ديمقراطيا الا انه – كما تقدم ذكره من قبل – اذا وجد نص من نصوص الكتاب والسنة في شأن من الشؤون فليس لاحد من امراء المسلمين او مجتهد او عالم من علمائهم ولا للمجلس التشريعي بل ولا لجميع المسلمين في العالم ان يصلحوا او يغيروا منه كلمة واحدة، من هذه الجهة يصح اطلاق كلمة الثيوقراطية4.

وانما اقتبسنا النص بطوله لانه يلخص فكرة المودودي عن الحاكمية الالهية كاملة.

 

سيد قطب والحاكمية الالهية

ثم جاء سيد قطب واخذ فكرة الحاكمية الالهية وجاهلية المجتمع عن المودودي وصاغهما باسلوبه الادبي المعروف، مشحونة هذه المرة بدلالات اكثر ثورية. وقدم قطب فكرة الحاكمية على مستويين: نقدي وبنائي. (الجانب النقدي يرى ان العالم الاسلامي المعاصر عالم جاهلية وطاغوت، وان انظمة الحكم في العالم الاسلامي صارت جزءا منه. والجانب البنائي يقول بضرورة اقامة الدولة الاسلامية التي تطبق الشريعة، لاعادة المشروعية الى مجتمعات المسلمين ودولهم)5.

ويعتبر كتاب معالم في الطريق مستودعا لكلا النظريتين اللتين نجد جذورهما مبثوثة ايضا في تفسيره: "في ظلال القرآن". (وقد اصبح معالم في الطريق هو الذي يلهم كل المجموعات الرافضة. ومع ان المضامين الثلاثة التي قام عليها الا وهي: الحاكمية الالهية والعبودية لله والجاهلية ليست جديدة تماما، فقد قالها المودودي من قبل الا ان الجديد هو حسن تقديمه وصياغته والبرهنة عليها. لا بأدلة منطقية او علمية فهذا ما يستبعد في مثل هذا الكتاب، ولكن بنصوص اعطيت بريقا ليس لها ... واصبح الكتاب وثيقة ملتهبة)6. ويضيف: (اذن كان سيد قطب قد بعث افكار المودودي، ومن ثم فلا تعد جديدة، فان الجديد الذي يمكن ان ينسب اليه هو تصوره للجهاد، وانه لم يكن للدفاع كما يذهب الى ذلك المنهزمون كما ارتأى. وانما هو اداة الاسلام لحمل رسالته وتوصيلها للعالم اجمع، وهو التصور الذي ادى لظهور جماعة الجهاد، واثر اثرا كبيرا على فهم هيئات اسلامية لمضمون الجهاد وكان للاسف الشديد مضمونا يشطح بالجهاد بعيدا عن حقيقته ويحمله ما لا يحمله، بل ونقيض ما يحمل)7.

والنظرة المنصفة، ان سيد قطب لم يقتصر على النقل والاقتباس عن المودودي وانما اعطى للمفهومين ابعادا ثورية جديدة، واعاد صياغتهما وتسويقهما بشكل الهب مشاعر الحركات الاسلامية، ووضعها على مفترق طرق مع الانظمة والمجتمعات الاسلامية. اذ بات المفهوم يعني نزع أي مظهر من مظاهر السلطة لغير الله تعالى حتى على مستوى المشاعر والاحاسيس ولم يقتصر على السياسة والحكم. يقول قطب: (ان الناس عبيد الله، ولا يكونون عبيدا لله وحده الا ان ترتفع راية لا اله الا الله. لا اله الا الله كما يدركها العربي العارف بمدلولات لغته، لا حاكمية الا الله، ولا شريعة الا من الله، ولا سلطان لاحد على احد، لان السلطان كله لله)8. ويضيف: (كانوا يعرفون – أي العرب- أن الألوهية تعني الحاكمية العليا، وكانوا يعرفون أن توحيد الألوهية وإفراد الله سبحانه بها، معناه نزع السلطان الذي يزاوله الكهان ومشيخة القبائل والأمراء والحكام، وردّه كله إلى الله، السلطان على الضمائر، والسلطان على الشعائر، والسلطان على واقعيات الحياة، والسلطان في المال، والسلطان في القضاء،والسلطان في الأرواح والأبدان)9. اذن لم يقتصر قطب في بيان مفهوم الحاكمية على ابعاده المعرفية وانما نجح في صياغة خطاب تحريضي ارتكز اليه التطرف الديني في ممارسته للعنف باسم الجهاد وباسم الحاكمية الالهية، يقول: (كانوا يعلمون – أي العرب- أنلا إله إلا اللهثورة على السلطان الأرضي الذي يغتصب أولى خصائص الألوهية، وثورة على الأوضاع التي تقوم على قاعدة من هذا الاغتصاب، وخروج على السلطات التي تحكم بشريعة من عندها لم يأذن بها الله، ولم يكن يغيب عن العرب، وهم يعرفون لغتهم جيداً ويعرفون المدلول الحقيقي لدعوة،لا اله إلا الله، ماذا تعني هذه الدعوة بالنسبة لأوضاعهم ورياستهم وسلطانهم، ومن ثم استقبلوا هذه الدعوة- أو هذه الثورة- ذلك الاستقبال العنيف، وحاربوها هذه الحرب التي يعرفها الخاص والعام)10.

وبايجاز، فان لازم مفهوم الحاكمية عند المودودي وسيد قطب رفض حاكمية البشر وضرورة الثورة عليهم (لذلك خرجت الجماعات الدينية على النظم القائمة كما فعلت الخوارج من قبل)11. بل (وينتج عن فكرة الحاكمية، تكفير النظام القائم، وتكفير الحاكم والخروج عله، وجواز قتله، واغتنام اموال الدولة، ومحاربة الجيش والبوليس، واعتبار الخدمة فيهما كفرا. فلا طاعة الا لامام، ويجب عصيان امارى الكفر والسفه والجاهلية. تؤدي فكرة الحاكمية اذن الى تقويض شرعية النظام القائم)12.

 

نقد مفهوم الحاكمية الالهية

يمكن تسجيل عدة ملاحظات اساسية على مفهوم الحاكمية الالهية عند سيد قطب، اهمها:

اولا - لا دليل على ارادة الحاكمية الالهية من قوله تعالى لا اله الا الله. اذ الواضح من كلمة (لا اله الا الله) انها بصدد تنزيه الخالق وتأكيد وحدانيته ونفي الشرك عنه. ومسألة الالوهية واثبات وحدانية الله تعالى تختلف موضوعا ومفهوما عن مسألة الحكم. فدعوى سيد قطب تبقى مجرد تأويل ووجهة نظر خاصة به. غير ان الاسلوب الادبي للكاتب قد اجج مشاعر اعضاء الحركات الاسلامية، الى درجة اصبح المعنى الجديد مسلمات ونهائيات لا تقهر.

ثانيا- ان مفهوم الالوهية واضح في دلالاته بينما مفهوم الحاكمية ما زال مبهما، غير واضح كما هو المفهوم الاول، فكيف يكون المبهم شعارا للمسلمين جميعا، على اختلاف مستوياتهم العلمية والثقافية؟.

ثالثا – لو كانت الحاكمية مرادفة لمفهوم الالوهية، لحظيت بنفس القدر من التوضيح والاهتمام في القرآن الكريم. بل اكثر من ذلك ان مصطلح الحاكمية غير موجود قرآنيا، وانما هو مفهوم اشتقاقي او تلفيقي ان صح التعبير، مشتق وملفق من عدة مفاهيم اخرى، اجتهد في اعادة صياغتها المودودي ومن بعد سيد قطب.

رابعا – اذا كان المراد من مفهوم الحاكمية الحكومة والحكم فهي من القضايا التي لم يتفق عليها عموم المسلمين، فمنهم من ذهب الى وجود نظام سياسي اسلامي ومنهم من نفى ذلك، وقبل ذلك اختلفوا في النظرية السياسية. والقائلون بوجود نظام سياسي في الاسلام لم يتوفروا على تفصيلات كافية في الموضوع وانما اختلف المجتهدون والمنظرون فيها. فيكف يكون المختلف فيه رديفا للواضح البين كالالوهية؟.

خامسا- اعتبر سيد قطب الحاكمية مصداقا لعبودية العبد، ولا يكون العبد عبدا حقيقيا لله تعالى الا باقرار الحاكمية الالهية، يقول (ان الناس عبيد الله، ولا يكونون عبيدا لله وحده الا ان ترتفع راية لا اله الا الله. لا اله الا الله كما يدركها العربي العارف بمدلولات لغته، لا حاكمية الا الله، ولا شريعة الا من الله، ولا سلطان لاحد على احد، لان السلطان كله لله)، وهذا النوع من الفهم لم تؤكده الوثائق التاريخية ولا المفاهيم العقدية التي بين ايدينا. وليس لدينا نص واحد يؤكد ان النبي (ص) كان يطالب الناس باقرار الحاكمية الالهية كشرط لاسلامهم، وانما كان يقول لهم قولوا لا اله الا الله، واشهدوا ان لا اله الا الله واني رسول الله. وبالفعل كان يتحقق اسلام الفرد ويصان عرضه وماله ودمه بشهادة ان لا اله الا الله محمدا رسول الله وكفى. ولم يطلب الرسول من أي مسلم التخلي عن ولائه لاهله وعشيرته او التمرد على الاعراف والقوانين الا ما تعارض مع العقيدة الاسلامية وثوابت الشريعة.

سادسا – الخطاب الذي اعتمده سيد قطب في بيانه لمفهوم الحاكمية الالهية خطاب تحريضي، يقول كما تقدم: (كانوا يعلمون – أي العرب- أن لا إله إلا الله ثورة على السلطان الأرضي الذي يغتصب أولى خصائص الألوهية، وثورة على الأوضاع التي تقوم على قاعدة من هذا الاغتصاب، وخروج على السلطات التي تحكم بشريعة من عندها لم يأذن بها الله، ولم يكن يغيب عن العرب، وهم يعرفون لغتهم جيداً ويعرفون المدلول الحقيقي لدعوة، لا اله إلا الله، ماذا تعني هذه الدعوة بالنسبة لأوضاعهم ورياستهم وسلطانهم، ومن ثم استقبلوا هذه الدعوة- أو هذه الثورة- ذلك الاستقبال العنيف، وحاربوها هذه الحرب التي يعرفها الخاص والعام).

فسيد قطب صريح في ادانة الحكومات القائمة، لأنها حسب رأيه بلا استثناء حكومات معتدية، غاصبة، لحقوق الحاكمية الالهية، يجب الثورة عليها لاسترداد ذلك الحق ولو بالقوة والعنف. وهذا اللون من الخطاب يؤسس للعنف وشرعية العمل المسلح ضد كل انظمة الحكم، سيما وقد اعتبر قطب الجهاد والعمل المسلح مبدأ اساسيا لتحقيق اهداف الدين في اقامة دولة اسلامية. كما ان النص المتقدم لا يخفي الاهداف السياسية من التنظير للحاكمية الالهية، والعمل على تحقيق تلك الاهداف بممارسة العنف والجهاد واعلان الثورة. من هنا يتضح حجم المفاهيم الثورية المتولدة عن هذا اللون من مفهوم الحاكمية، وهو حزمة كبيرة من مشاعر ثورية لم ترتكز على اسس نظرية متينة، وانما مفاهيم براقة مواربة لا تثبت على معنى محدد، وتمتلك مرونة كبيرة يمكن توظيفها لاي هدف وباي اسلوب، وهذا احد الاسباب الاساسية في تفاقم العنف على يد الحركات الاسلامية المتطرفة.

 

ماجد الغرباوي

كاتب وباحث

....................

1 - بحث مستل من كتاب: تحديات العنف، ماجد الغرباوي، 2009م، دار العارف، بيروت – لبنان، والحضارية للابحاث، بغداد – العراق، ص 280- 290.

2- نهج البلاغة، مصدر سابق، الخطبة رقم: 40.

3- جمال البنا، الاسلام دين وامة وليس دينا ودولة، القاهرة، دار الفكر الاسلامي، ص 279

4- النص مقتبس عن: جمال البنا، مصدر سابق، ص 267-268.

5- السيد، رضوان، الاسلام المعاصر والليبرالية، مجلة قضايا اسلامية معاصرة، العدد: 24-25، 2003 - 1424 ، ص 176.

6- جمال البنا، مصدر سابق، ص 277.

7- المصدر نفسه، ص 281.

8- قطب، سيد، معالم في الطريق، بيروت، دار الشروق، 1399هـ - 1979م، ص 24. ويرى الدكتور حسن حنفي ان كتاب معالم في الطريق ليس مؤلفا ذا بناء محكم وانما هو (مجرد تأملات تعبر عن عذاب

9- المصدر نفسه، ص 22.

10- المصدر نفسه، ص 22.

11- حنفي، د. حسن، الحركات الدينية المعاصرة، الكتاب الخامس ضمن موسوعة الدين والدولة في مصر 1952-1981، القاهرة، مكتبة مدبولي، ص 127.

12- حنفي، د. حسن، الاصولية الاسلامية، القاهرة، مكتبة مدبولي، ص 114.

majed algarbawiaمن يشكك في إحدى ثوابت الفكر الديني، مرتد (وفقا لشريعة الفقهاء)، يجب قتله، على الضد من الحكم القرآني!!. او زنديق ما دام حاذقا يُجيد لعبة الكلام والتلاعب بالألفاظ،

ثمة سؤال تتوقف عليه حدود حرية الإعتقاد التعبير في الإسلام: هل الدين نموذج نهائي، يصادر حرية الرأي والإعتقاد والتعبير، ويفرض رؤية أحادية تلازم الإنسان مدى الحياة؟ أم الدين نسق قيمي يستجيب لمتطلبات العصر والزمان، ويتجدد مع كل قراءة تستوفي شروطها الموضوعية؟

الإسلاميون ومن قبلِهم رجال الدين والفقهاء يعتقدون أن الدين منجز اإلهي نهائي، يصادر حرية الرأي والاعتقاد والتعبير، فمن ينكر إحدى ضرورات الدين وفقا لهذا المنطق، مرتد، (سواء كان مسلما بالفطرة او استجد له رأي بعد اسلامه)[1] .. وملحد زنديق، حينما يتمرد، يجادل في قضايا الخلق والوجود، او يطرح إشكالات يعجز عن تفنيدها صاحب الحقيقة المطلقة!!. (وهذا لا يشمل المعاند والأحمق البتة). ولم يكتف الخطاب الديني بضرورات العقيدة موضوعا للردة بل راح يوسّع من مساحات المحرّم والممنوع، وراحت تتناسل الضرورات لتشمل ضرورات المذهب والطائفة بل ضرورات الشعائر أيضا!!، فتحوّل الفكر الديني الى حقل ألغام شاسع، لا يعرف المرء كيف يتفادى مخاطر التحرّش في ثوابته، وصارت البدع والأساطير والخرافات طقوسا مقدّسة .. مرتد وفاسق ومنحرف من لا يؤمن بها، أو يناقش في شرعيتها، وبهذا الشكل أصبحت الردة سيف يلاحق حرية التعبير، تتمدد سطوتها كلما اتسع مجال التنظير الفكري لدى المسلمين. ومع كل بدعة تُقمع الحريات، ويتراجع الوعي، ويضمر دور المثقف التنويري، حداً يعيش حالة من القلق والخوف والترقب. وطالما راح ضحية التعبير عن الرأي شخصيات استباح الجلاّدون جلودهم، وراحت سياطهم تصب جام غضبها انتقاما لزيف الآلهة، وأصنام الفكر الديني المتعجرفة. ولم يكتف رجل الدين بمصطلح الردة والزندقة والالحاد بل راح ينحت صيغ جديدة كمفهوم (إزدراء) الأديان أو إزدراء مقام المرجعيات الدينية، وهو مفهوم يتصف بقدرة هائلة على الإطاحة بمن تسوّل له نفسه التحرّش أو التشكيك بثوابت الخطاب الديني الرسمي، لان رجل الدين لا يخشى الحرب والمنازلة بقدر خوفه من الرآي الذي يزلزل قناعات الناس ويضع مبانيه على محك السؤال.

إن الخطاب الديني كغيره من الخطابات الأيديولوجية، يمارس التضليل وتزييف الوعي .. يقفز فوق الحقائق، ويقمع المعارض، بأمضى الأسلحة (أي الفتوى)، أداة الفقيه في فرض آرائه والدفاع عن حدوده. فالمعارض فكريا وعقيديا، أو من يشكك في إحدى ثوابت الفكر الديني، مرتد (وفقا لشريعة الفقهاء)، يجب قتله، على الضد من الحكم القرآني[2]!!. أو زنديق ما دام حاذقا يُجيد لعبة الكلام والتلاعب بالألفاظ، وما برح قادرا على فضح الحقيقة، وهتك المستور، بل ما دام يحمل رأيا آخر، وقناعة آخرى. أو لم يقتنع بعقيدة رجال الدين والفقهاء فهو مرتد أيضا، مطرود من رحمة الله. وكلا من المرتد والزنديق محكوم عليه بالضلال والموت، وقائمة من حُزت رؤوسهم بسيف الدين طويلة عبر التاريخ[3]. خاصة والارتداد مفهوم ملتبس، يستجيب بسهولة لأهواء فقهاء الضلال، حتى بات مطيّة الحركات التكفيرية، المتطرفة، التي راحت تستبيح طوائف اسلامية كاملة بحجة الارتداد، حتى ولو كان الارتداد خلافا فكريا وعقيديا، او فقهيا بين فقيه وآخر. وهذا بالضبط ما فعله ابن تيمية حينما (كفّر الفلاسفة والمتصوفة والجهمية والباطنية والاسماعيلية والنصيرية والامامية، والاثنى عشرية والقديرية) . وجاء من بعده سيد قطب في جاهلية القرن العشرين، ليؤسس منهجا تكفيريا، يستمد من ابن تيمية وخطه السلفي شرعية استباحة دماء الناس الابرياء، ويوظّف آيات القتال والحرب التي نزلت في وقائع تاريخية محددة لزهق كل معارض ومخالف لرؤيته (العقيدية – الفقهية).

والمغالطة الأساس في الخطاب الديني، حينما يوائم بين الدين (كنصوص مقدسة) والفكر الديني (كفكر بشري). والحقيقة إن الفكر الديني قراءة للدين، وفهم له، يختلف من شخص لآخر ومن فقيه لغيره، وفقا لتطور البيئة الثقافية، وليس هو ذات الدين، كما يحاول الخطاب الديني الأيديولوجي أن يوهم القارئ والمتلقي به، ليمنح آراءه قداسة تتعالى على النقد والمراجعة.

وأيضا يغالط إذا اعتبر التنظيرات الفكرية في شتى المجالات ضرورة من ضرورات الدين، لأنها مجرد آراء واجتهادات شخصية، وليست ضرورة من ضرورات الدين.

والغريب أن التكفير وأحكام الردة، تطال دائما مساحة الفكر الديني الذي هو فكر بشري، فكيف يؤاخذ الانسان حينما يناقش ويجادل في فكر بشري مهما كان مصدره؟. وحتى لو صدق الارتداد فان القرآن الكريم اكتفى بالمؤاخذة الآخروية بحق المرتد (عن الإسلام)، ولم يجعل أي مؤاخذة دنيوية عليه. وما صدر من أحكام في بداية البعثة كان مقتضى أمن المجتمع المسلم، وليست أحكاما شرعية كي يتشبث بها الفقهاء ويعقدوا عليها اجماعهم الذي هو دليلهم الأساس في حكم المرتد، ثم استغلها السلطان والسياسي لاقصاء المعارضة وانزال أقسى العقوبات، أي القتل بحقه، على مدى التأريخ.

ثم كيف نقسّر تطور العقل البشري، ومسيرته الزاخرة بالانجازات المعرفية والفكرية والفلسفية، اذا قلنا ان الدين نموذج الهي نهائي؟. ولماذا منح الله العقل قدرة هائلة على الخَلق والابداع، حتى راكم رؤى ونظريات أفرزت نظاما اجتماعيا – سياسيا كفل للانسان حقوقه، من خلال مبادئ: التعددية، المجتمع المدني، التداول السلمي للسلطة، وضمان الحريات العامة، وهي منجزات بشرية نافست الخطاب الديني، واستقطبت أنظار الشعوب، حتى بات الغرب محكوما في نظر الشرق بثنائية: النموذج / العدو. بل أصبح همّ الانسان الشرقي اللحاق بالغرب وتطبيق نموذجه الحضاري، وأمنيته دائما ان يعيش في ظل قوانينه وأنظمته. وبالفعل من يعيش في الغرب يشعر بقيمة ما أنجزه العقل البشري، وكيف اعاد للانسان مكانته وحيثيته، من خلال ضمانات دستورية، كفلت معيشته، وأمنه، وحريته، وهذا غاية ما يطمح له الانسان، بينما تعثرت التجارب الدينية واخفقت في تطبيق النموذج الديني، لذا تلجأ لقمع الحريات ومصادرة حرية الرأي بالذات.

وأيضا، لماذا لم يخلق الله عقلا على مقاسات النموذج الديني، عقلا يتحرك باتجاه واحد، يأبى الخلق والابداع؟ لكنه تعالى خلق عقلا خلاقا مبدعا منافسا: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً) ، لكنه لم يجعلهم كذلك بل (ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم) [4]!!!.

وعَود على بدءْ، فالاسلام لا يصادر حرية الرأي والمعتقد والتعبير، حتى لو اتخذ المسلمون الأوائل اجراءات احترازية في بداية الدعوة، فانها ليست أحكاما نهائيا، لان المنطق القرآني قائم على الاختلاف باعتباره أحد مقومات الخلق، وسرّ ديمومة الحياة على الأرض. به تستقيم وتستمر وتتطور وترقى بالانسان وتطلعاته. فالمبدأ القرآني لمن يتقصى آياته: (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا)[5]، و(وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ)[6]، (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ)[7] (فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ، لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ)[8]. وحرية التعبير ملازمة للاختلاف، فما دام الاختلاف مشروعا فان التعبير عن هذا الاختلاف مشروع أيضا. بل تجد في رمزية القصص القرآنية ما يؤكد ذلك من خلال قصة الخلق، حينما وقف إبليس يجادل الباري جل وعلا في شرعية السجود لآدم، فلم يصدر الخالق حينها أي عقوبة جسدية بحقه، بل أصغى الى مبررات اعتراضه، وأجّل أمره الى يوم القيامة[9].

هذا الكلام بمجمله لا ينفي الفرق بين حرية التعبير والاساءة، فالثانية عمل ترفضه كل القيم والمبادئ الانسانية، بينما حقيقة حرية التعبير انها تكشف عن رأي وفهم وقراءة اخرى، يجب احترامها، مهما كان مستوى الاختلاف معها.

للأسف أن أجواء القمع الفكري والعقيدي كرست الحس التكفيري، وصنعت مافيات دينية تتحكم بوعي الشعوب المسلمة، تفرض عليها خطابا دينيا رسميا، يحرّض على الكراهية والتنابذ. ومحاكم التفتيش في تزايد مرعب، تلاحق الناس في كل مكان، حتى راحت أقلام التنوير تتشبث بكل معجزة لتفادي سطوتهم.

نحن بحاجة ماسة لخطاب ديني يعي دور العقل، ولا يراهن طويلا على سذاجة الناس، لأن التطور الاعلامي سيلاحق رثاثة الوعي، ويعيد للانسان قدرته على النقد والتلقي الواعي، وحينئذ ستسقط كل الأقنعة المزيفة.

 

ماجد الغرباوي 

2-2-2015

.......................


[1] - أجمع الفقهاء على تعريف المرتد، وحكمه، ودليلهم هو الإجماع ورايات، ينسب بعضها للنبي وقد بينت ما فيه الكفاية عدم حجية الأدلة، وعدم وجود أي مؤاخذة دنيوية على المرتد، والقرآن واضح في ذلك لا لبس فيه، وهو قول عدد من الفقهاء. أنظر كتابي: تحديات العنف، مصدر سابق، وكتاب: التسامح ومنابع اللاتسامح.. فرص التعايش بين الآديان والثقافات، ط 2008م، العارف للمطبوعات والحضارية، بيروت – بغداد.

[2] - يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ۚ ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (سورة المائدة، الآية:54). لايوجد فيها حكم بقتل المرتد. وأيضا (سورة النساء، الآية: 137): إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَّمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا

[3] - الأمثلة كثيرة سواء من قتل أو من صدرت بحقه فتوى تكفير وارتداد، مثالا: بشار بن برد، ابن المقفع، والحلاج، فرج فوده، السباعي

[4] - سورة هود، الآية، 118.

[5] - سورة الإنسان، الآية: 3.

[6] - سورة الكهف، الآية: 29.

[7] - سورة يونس، الآية 99.

[8] - سورة الغاشية، الآيتان: 21 و22.

[9] - قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ۖ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ (75) قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ ۖ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ (سورة ص، الآيتان 75و76)

 

من منكم سيكون رسولاً لهذه الأمة؟! .. سادتي وزراء التربية والتعليم في عالمنا العربي والاسلامي..

دعوني أشرح لكم قضية هذه الأمة التي تنتظر منكم لا من غيركم علاج مشكلتها المزمنة.. إنها مشكلة النهضة.. فما السبيل الى طَرْقِ أبوابها؟

فما زالت فكرة النهضة عالقة في اذهان العرب والمسلمين دون ان يجدوا لها حلاً ومساراً عملياً سهل الارتقاء. وما زالت الأفكار النظرية تطرح حول أسباب تخلف المسلمين وعدم القدرة على ان يتجاوزوا واقعهم المزري منذ قرنين من الزمان. وقد يكون من المناسب ان تطرح الأفكار العملية القابلة للتطبيق بدل ان تسرح اذهاننا في الاطر المثالية أو البعيدة التحقيق. وقد يكون الحل ماثلاً أمامنا من دون ان نراه..

اننا نجد هذا الحل لديكم، فهو يعنيكم سادتي الوزراء ولا يعني غيركم..

اسمحوا لي بداية أيها الأفاضل أن أسأل أي نهضة نحتاجها ونريدها؟ فنحن نواجه أشكالاً من النهضة في مجالات عديدة علمية واقتصادية واجتماعية واخلاقية وثقافية. وكلها مطلوبة لكن تحقيقها جميعاً دفعة واحدة هو ضرب من الخيال. فلا غنى من ان نبحث عن وسيلة سهلة قد تحقق لنا الحد الادنى من بعض ما ذكرنا. وقد تكون هي الخيط الرابط لهذه السلسلة على صعيد المستقبل.

اذن لنبحث عن طريقة ما تؤهلنا بان نرتقي عما نحن فيه بنوع من الضمان دون عوائق كبيرة.. ولنتساءل أي نوع من النهضة قابلة للتحقيق في المستقبل القريب؟ ومَنْ باستطاعته ان يكفل تحقيق ذلك؟ هل من السهل تحقيق نهضة علمية.. أو اقتصادية.. أو ثقافية.. الخ؟

من المؤكد سادتي الوزراء انكم تدركون بان التفكير في نهضة علمية أو اقتصادية هو اليوم أمر بعيد المنال، فلا بد من ان يُترك الى مراحل لاحقة. لكنكم تدركون في الوقت ذاته ان الخوض في النهضة الثقافية ليس بالصعب العسير.. وهي المهمة التي تقع على عاتقكم سادتي الكرام.. فأنتم دعاة التثقيف والتعليم وبيدكم تتحقق رسالة هذه الأمة وشعوبها..

ان تحقيق النهضة الثقافية ليس امراً صعباً ولا مستحيلاً، وهي لا تتطلب الكثير من الجهود والاموال كما تتطلبها النهضة العلمية والاقتصادية مثلاً..

كذلك تعلمون سادتي انه لو خُيّر عقلاؤنا اي نهضة هي الافضل من بين الاطر النهضوية المطلوبة، لكان الجواب لا يتعدى النهضة الثقافية باعتبارها تتعلق ببناء الانسان ذاته، وهو الهدف الاسمى، وليس الحال كذلك في النهضة العلمية أو الاقتصادية، فهي وسائل هامة لخدمة الانسان لكنها لا ترتقي الى بناء ذلك الهدف.

فمثلما يحتاج الانسان الى الرغيف ليعيش، فهو يحتاج الى الثقافة لينمو عقله وتسمو روحه..

والكثير منا حينما يفكر في النهضة يتبادر الى ذهنه النهضة العلمية والتقنية. رغم ان هذه النهضة قد تكون أداةً لاستعباد الناس كرهاً وطواعية، فعلى الاقل انها تدفع بالناس اليوم ومنذ الطفولة الى ان يكونوا أدواتاً استهلاكية فحسب، واصبح العالم الغربي المتقدم علمياً يهدف الى تحويل الانسان الى أداة للشراء واللهو، وآلة تُدفع به هنا وهناك، وكأنه رجل آلي (Robot) يفتقد الى الروح والحياة.

لذلك كانت المسؤولية الملقاة على عاتقكم سادتي الوزراء كبيرة للغاية.. فإحياء الأمة وبعث الحياة فيها متوقف عليكم انتم بالذات..

إن مما يؤسف له ان الغرب المتقدم علمياً لم يتمكن من ان يصنع ما يوازي هذا التقدم من نهضة ثقافية. فالمثقفون ما زالوا فئة قليلة، أما اغلب الناس فهم أدوات للتحكم واللهو والاستهلاك.

قد تغيب هذه الحقيقة على كثير منا، فعندما يقال ان للغرب تقدماً علمياً وان لديهم فلاسفة كثيرين ومثقفين وأدباء وفنانين ومؤلفين وما الى ذلك.. قد يتصور البعض انهم قد حققوا النهضة الثقافية مثل تحقيقهم للنهضة العلمية والتقنية الظاهرة للعيان.

لا يغيب عليكم سادتي الأفاضل.. إن الفارق بين النهضة العلمية والثقافية هو ان الأولى محكومة بأقلية تخصصية، وليس الحال كذلك في النهضة الثقافية، فهي معنية بكل فرد وانسان، اذ يفترض ان يكون كل فرد مثقفاً ليحقق انسانيته، ولا يفترض ان يكون كل فرد عالماً. ولو استعرنا لغة الفقهاء تسامحاً فان الوجوب في الاول عيني، وفي الثاني كفائي. لذلك فان الغرب قد حقق بالفعل نهضته العلمية وما زال يتقدم باضطراد، لكنه بحسب الموازين الانسانية ما زال لم يفعل شيئاً ذا بال حول النهضة الثقافية، بل ان النهضة العلمية قد جاءت على حساب النهضة الأخيرة، مع ان الحاجة اليها هي كالحاجة للضرورة الاخلاقية، فلا غنى من ان تتنمى وتثمر قبل ان يدمرها التقدم العلمي، وكل ذلك يكون على حساب الانسان ذاته. فالتقدم العلمي ان لم تكون معه موازين التقدم الثقافي والاخلاقي يكون كالأعمى الذي يتخبط في ضلاله. وعليه ينبغي ان تكون النهضة الثقافية متقدمة على النهضة العلمية والاقتصادية وصائنة لغلوائهما. ولو استعرنا تقسيم الفيلسوف الفرنسي لويس روجيه (المتوفى عام 1982) للحضارة الى نمطين كيفية وكمية؛ فإننا بصدد بناء حضارة كيفية كما تجسدها الثقافة الانسانية، وذلك في قبال الحضارة الكمية المتمثلة بالعلم القياسي التجريدي كما يزاوله الغرب، وهو اليوم يتجلى بأبلغ صوره لدى أمريكا.

ولا يغيب عليكم – أيّها الأفاضل - انه ينتظر من النهضة الثقافية ان تكون دافعاً للنهضة العلمية والاقتصادية وغيرها من الاطر النهضوية.. فهي الاساس الذي يبنى عليه بما يخدم كينونة الانسان وليس على حسابه كما نشهده اليوم من الازمة الانسانية لدى الدول المتقدمة علمياً ناهيك عن غيرها.

هنا بيت القصيد سادتي الكرام.. ان عليكم مهمة جعل الشعب الذي يترأسه كل واحد منكم ان يكون شعباً قارئاً مثقفاً يتميز بحلية الاطلاع والنقد.. انكم من يمكنه خلق هذا الشعب الذي سينفرد بين الأمم ليكون شعباً مثقفاً من ألفه الى يائه..

انكم من تتزعمون هذه الرسالة العظمى لتُنقذوا بها شعوبكم والبشرية من الانحرافات الانسانية.. وبذلك تجسدون رسالة السماء على الارض..

لا تسألوني كيف؟ فانتم ادرى بعملكم.. لا يضركم شيئاً لو جعلتم حصة الزامية لموضوع المطالعة، كسائر الحصص التعليمية، بل ان هذه الحصة ستكون افضل من غيرها لأنها ستلزم الطالب منذ مرحلة الابتدائية ان يعتاد على المطالعة الخارجية وان يرغب فيها شيئاً فشيئاً حتى تترسخ فيه الهواية والمهارة في الاطلاع والنقد والبحث والابداع، وهو الهدف ومحل استواء العود وتخلية السبيل.. ومن الواجب ان يكون في كل مدرسة مكتبة تتلائم مع المستوى الدراسي لها.. وان تكون متنوعة في الأدب والفكر والعلم والفن.. وان تكون البرامج التعليمية غير مؤدلجة قدر الامكان.. مع التأكيد على أهمية القيم الانسانية المشتركة وفلسفتها، واحترام الناس جميعاً مع احترام الرأي المخالف واخلاقية الحوار.. كل ذلك يحتاج الى اساتذة مدربين يتحلون بهذا النحو من التدريس.

يضاف الى ان من الضرورة ان توضع حصة لتعليم طرائق النقد، على الصعيد الفكري والعلمي والادبي وما الى ذلك، وهي الحالة التي تعمل بها المدارس الغربية في مرحلة الاعدادية ضمن عنوان التفكير النقدي Critical thinking.

ان كل ذلك سيؤدي بالشعب الى ان يكون شعباً مثقفاً وناقداً، وانه بهذا سوف لا يستسيغ العنف والتطرف والارهاب، كما لا يستسيغ التبعية الى الجهات التي تعتاش على التفكير بالنيابة عن الناس، مستغلة جهلهم وتخلفهم، كما ليس من السهل استغلاله داخلياً أو استعماره خارجياً.. ان هذا الشعب سيكون مثقفاً وناظراً مميزاً وحاملاً للقيم الانسانية المشتركة السامية والمصالح الوطنية باعتبارها الجامع الذي يجمع المواطنين تحت سقف البلد الواحد.. أياً كان هذا البلد.

 

إن العنف الذي يمارسه بعض المسلمين رداً على الاساءة للنبي وسائر المقدسات قد يوحي بأنه دفاع مشروع، وان الاسلام يؤيد هذا المنحى بقوة، لا سيما وقداسة النبي لا تضاهيها قداسة اخرى من خلق الله جميعاً .. قد تكون كل المؤشرات تعطي للانسان الغربي ان طبيعة هذا الدين يحمل عنفاً .. كما قد تكون كل المؤشرات توحي للانسان المسلم العادي ذات المعنى.. فالكثير من الفقهاء وهم يمثلون الجهة الرسمية للاسلام كانوا وما زالوا يصرحون بأن سبّ النبي يوجب القتل.. وهم يستنجدون ببعض الروايات الدالة على هذا المعنى .. وبعض المذاهب تزيد على ذلك الائمة من بعد النبي، كما ان بعض الفقهاء يبيح التكفير أو القتل لمن يتناول الصحابة أو نساء النبي بسوء .. مع ان هناك روايات اخرى ترى العكس، ومنها ما جاء في صحيحي البخاري ومسلم من ان رهطاً من اليهود دخلوا على النبي فقالوا (السام عليكم)، ففهمت ذلك السيدة عائشة، حيث معنى السام هو الموت، وردّت: عليكم السام واللعنة، لكن النبي لم يتقبل هذا الرد فقال: مهلاً يا عائشة إن الله يحب الرفق في الأمر كله.

وفي جميع الاحوال قد يرى المراقب من اين يؤتى بشاهد موثوق مناقض للمؤشرات والمناحي التي أسسها الفقهاء وكان ينفذها شرذمة من الحمقى المتحمسين الذين جعلوا أنفسهم مطايا يوظفها ويستغلها اصحاب المناصب السياسية غربية كانت أو شرقية؟.. فحماقة شخص ما ثروة لآخرين، كما يقول الفيلسوف الانجليزي فرانسيس بيكون.

قد يتصور الانسان الغربي بأن من نفّذ جريمة باريس، ومن كان له استعداد للانتقام من المسيئين في ضاحية (فيبي جي) الدنماركية وغيرها من البلدان الاوروبية، هو من يمثل محمداً خير تمثيل دفاعاً عن شخصه المقدس.. انه الانتقام والعقاب الشديد القادم من أتباع دين الاسلام العنيف.

إن الانسان الغربي معذور اذ يرى أتباع محمد متحمسين للانتقام والعنف والغلظة دفاعاً عن مقدساتهم..

من جهة أخرى، إن أتباع محمد المنحازين للعنف يرون أنفسهم بأنهم مؤمنون ومتفانون ويطبقون حدود الله ولا يخافون في الله لومة لائم. فكيف لا يجسّدون بفعلهم المشار اليه مراد الشرع ومطلب الدين ورغبة النبي في قتل من يسيء اليه وبدينه، خاصة حينما تبدي الاساءة امعاناً في الكراهية والعنصرية والبذاءة.

إن الدين بنظر الانسان الغربي وبنظر الكثير من المسلمين المتدينين يرحب بالانتقام والعقاب الشديد كردّ على المزدرين. فهذه الصورة هي الراكزة اليوم لدى أذهان الكثير من الناس بشكل أو بآخر.

إن الجميع يرى كيف ان بعضاً من الشباب المتدين متحمس للأفعال الشنيعة، ويدعمه في هذا فتاوى الفقهاء، كما وهناك مؤسسات مالية تعمل على رفد هذه الجرائم دفاعاً عن المقدسات الاسلامية.. يضاف الى ان هناك من يتمناها أو يخطط لها من أصحاب القرارات السياسية لايجاد العذر والمبرر في القيام بالمخططات العسكرية، ومن ثم شنّ حرب عدوانية يذهب ضحيتها أعداد ضخمة من الأبرياء، مع تفتيت البلدان المعنية بهذا الشأن أو السيطرة عليها لتدفع فواتير الحساب المطلوب.

تبدي هذه الصورة بأن الجميع متآمر في سحق الناس، سواء من المتحمسين المدافعين عن المقدسات بالعنف والجريمة، ومن يقف وراءهم من المشرعين، أو من المسيئين ومن يعانقهم بركب الموجة من السياسيين والمخططين ذوي المصالح والاطماع.

ويبقى المنظار هو ان دين الاسلام هو المتهم الاكبر والضحية العظمى، فالغرب ينظر اليه بانه دين القتل والعنف والانتقام.. اذ لا يبالي بالجريمة لاتفه الاسباب، ومن ذلك الحكم بالموت على من يستهزئ بالرموز الدينية، أو من يختلف معه في الهوية ولو كان من الابرياء وحتى الاطفال.

ما ابشع هذا الدين.. انه دين القتل والخراب.. لا يتجاوز عن السيئة بل يرد عليها بما هو أسوء منها بكثير..

هذا ما يفهمه الانسان الغربي وهو يشاهد مشاهد تتكرر للعنف والقتل الوحشي بدواعي القداسة الدينية..

ويؤيد هذا التوجه التفكير المستشري لدى الكثير من الشباب المتحمس حول ضرورة الانتقام بكل من يمس الرموز الاسلامية بسوء.. كما ويؤيد هذا المنحى فتاوى الفقهاء التي هي البلية العظمى، باعتبارها المشرع الاساسي للدين بوعي وعلم..

يا إلهي.. أين الخطأ؟

هل الخطأ في الدين نفسه؟ أم الخطأ في توجه الكثير من المسلمين وعلى رأسهم الفقهاء.

وكيف نقطع في خطأ أي منهما؟

هل أصاب الفقهاء عندما صوروا لنا فضاعة العقاب لكل من ينال الرموز المقدسة الدينية؟ هل الدين يأمر بالقتل في حالة الاساءة الى شخص النبي أو الاستهزاء به أو بالقرآن مثلاً؟

أي مصدر يمكن ان نجد فيه ما يشفي غليلنا لحسم هذه القضية، لصالح الجناة القتلة المجرمين، أم لصالح المستهزئين ذوي الرسوم الكاريكاتيرية؟.. لصالح الشقيقين سعيد وشريف كواشي، أم لصالح شارلي إيبدو..؟

ليس من العجب ان نجد الجواب واضحاً جلياً لا غبار فيه لدى القرآن الكريم، لكن من العجب فعلاً ان نرى فتاوى الفقهاء وممارسات المسلمين على النقيض من الجواب القرآني تماماً.. وكأنهم لم يمروا بآياته الواضحة الصريحة بهذا الشأن.. كيف استساغ لهم ان يفتوا ويحكموا بقضايا كبيرة خلاف ما اتى به القرآن؟ كيف استساغوا ان يرجحوا ما جاء من رواية على دراية القرآن وهو المصدر الذي لم تمسه يد التحريف؟.. أم اننا نكتشف في القرآن أشياءاً لم يرها أسلافنا من قبل؟!..

يذكّرني هذا الحال بما شعر به بعض العلماء من الخجل حول بعض الدلالات الهامة في القرآن، اذ تنبّه اليها بفعل التأثر بالغرب ولم يلتفت اليها اسلافه من العلماء؛ رغم وضوح دلالتها في القرآن. فهذا ما حصل بداية القرن العشرين مع الشيخ حسين النائيني في الوسط الشيعي، ومن قبله وقريب من ذلك مع السيد رشيد رضا في الوسط السني.

إن الغربيين معذورون تماماً عندما يتصورون بأن طابع الاسلام يحمل عنفاً بدلالة ما يشير اليه علماؤه وما يفعله البعض من ممارسات شنيعة. لكن كيف نجد العذر للمسلمين.. والعلماء منهم على وجه الخصوص؟!..

ألم تمرْ عليهم أخلاقية هذه الآية العظيمة: ((وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا)) (الفرقان: 63)

لست بصدد اخلاقية هؤلاء العباد الذين يمشون على الارض بسكينة ووقار والتي نكاد نفتقدها اليوم في عالمنا الاسلامي تقريباً.. وهي صفة لا تتناسب مع صفات الانتقام والعنف والكراهية والغلظة.. بل يكفي التأمل في الاجابة التي يردّون فيها على من يسيء اليهم ويستهزء بدينهم بالقول (سلاما). وهي ذات الاجابة الواردة في قوله تعالى: ((وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ)) (القصص: 55).

فقد كانوا يتحلون بالصفح والحلم والسلام، وانهم لا يردون بالمثل، بل يقولون خيراً، ومنه قولهم (سلام عليكم).

وقد جاء في رواية حسّنها علماء الحديث ما يؤيد هذا المنحى، وهو ان رجلاً كان يسبّ أحداً من اصحاب النبي وهو يرد عليه في كل شتيمة: عليك السلام..

بل ان الآيات القرآنية لم تأمر بمقاطعة الذين أساءوا للنبي والدين والقرآن، شتماً واستهزاءاً، وربما وصل السب لمن أنزل القرآن كما يشير الى ذلك بعض المفسرين، انما أمرتْ بالإعراض عنهم حتى يخوضوا في حديث خارج دائرة الاساءة. وكما قال تعالى: ((وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ)) (النساء: 140)، والسورة مدنية وليست مكية.

ومثل ذلك قوله تعالى: ((وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ۚ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَىٰ مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)) (الانعام: 68). وقد كان المشركون يؤذون النبي وينعتونه بأقذع الهجاء، ومنها قولهم إنه كذّاب وساحر ومجنون بنص القرآن الكريم، ومع ذلك لم يُعرف أنه بادلهم الرد والأذية، فهو كما وصفه القرآن: ((وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ)) (القلم: 4).

لا ينبغي للمسلم أن يبادل البذيء بالمثل، وإلا كان مثله بذيئاً، فإما أن يتجاهله ويعرض عنه، أو يردّ عليه بالخير والاحسان: سلام عليكم.. فهذه هي قاعدة القرآن المثلى في الحياة.

كم تمنيت أن يُرفع أمام كل اساءة للمقدس الديني شعار الرد القرآني: (سلام عليكم سلاما) وأن تكون أقمصة المسلمين مرصّعة بنقش هذا الشعار العظيم.

آه.. لو ان ذلك قد حصل من قبل، بدل الجرائم النكراء، لدخل الناس الى هذا الدين أفواجاً..

لذلك فنحن لا نستحق تمثيل الاسلام أو نمتّ اليه بصلة.. فقد فشلنا فشلاً ذريعاً ونحن نضرب بأخلاق القرآن عرض الحائط.. وكم اتمنى ان يلتزم بهذا الدين أناس طيبون من بيئة أخرى غير بيئتنا التي اعتراها الفرقة والظلم والفساد.

ونؤكد بأن الأعداء الحقيقيين للاسلام ليسوا جماعة صحيفة شارلي إيبدو، ولا سائر المزدرين من ذوي الاقلام والافلام والرسوم الكراكاتيرية، بل ان الأعداء الفعليين هم أتباعه المجرمون الذين خالفوا أخلاق القرآن ومثله وآدابه الانسانية. هم اولئك المشرعون للعنف والقتل.. هم اولئك المتحمسون للجرائم النكراء التي يندى لها الجبين وتُمارس بإسم المقدس الديني، وهم يدنسونه بحماقاتهم الدموية والعدوانية.. وكان الأَولى ان يُعرضوا على الاطباء النفسيين للكشف عن قلوبهم الميتة التي لم يستطع الاسلام احياءها.. لا سيما ان الكثير منهم قد يكون جديد عهد بالتدين وانه قبل تعرضه الى غسيل المخ كان يرتاد نوادي القمار وبيوت الدعارة وسائر البغي والفحشاء.

بلا شك ان الجرائم التي ترتكب بإسم المقدس تجعلنا نشعر بالأسى والحزن العميق، فهي جرائم لا تعرف الحدود، ولا تميز بين البريء والمسيء، فمثلما يُقتل الانسان لاساءته، فانه يُقتل ايضاً على الهوية بلا ذنب، كالذي حدث مع اهلنا الطيبين من المسيحيين والايزيديين بأيدي وحوش لا يُعرف لهم عرق ولا خُلق ولا دين.. إنهم شياطين الإنس الذين يظهرون في كل زمان ومكان، وفي كل بلد وملة ودين. اذ تُتخذ الجريمة ذات العنوان، وأول ضحاياها هو الدين نفسه. فهو المذبوح على يد المدنس بغير سكين.

حزننا الشديد لما يقوم به المعتوهون من جرائم بحق أي انسان وإن أساء الى مقدساتنا.. ويزداد أسفنا لما تتخذه تشريعات الدول المتحضرة من معايير مزدوجة حول حرية الرأي والتعبير، فمن العار والجريمة ان يهان ويُستفز ما يقارب ملياري انسان بنشر الكراهية والعنصرية بحجة حرية التعبير، فيما تُقيد حريات الرأي حول بعض الحوادث التاريخية واعتبارها حساسة؛ الى درجة ان يعاقب القانون على التشكيك في المسلمات المعتمدة حولها!

أشير أخيراً: لو كنت في موقف لا يُحسد عليه؛ بين المسيء للمقدسات بسياساته البذيئة، وبين هؤلاء القتلة من دون موقف ثالث، فسوف لا اتردد في أن أكون مع المسيء البذيء دون ان الطّخ يدي بقتل الناس جميعاً كما هو صريح القرآن الكريم لمن يقتل بغير نفس..

ألا لعنة الله على الظالمين من أي فئة كانوا.. ألا ان اكرمكم عند الله اتقاكم من أي فئة كانوا..

 

يحيى محمد

باحث ومفكر عراقي / بريطانيا

www.fahmaldin.com

ali raadalftlawiالانبياءُ بشر يصيبهم ما يُصيب الناس، والدنيا كلها قائمة على قانون كوني فيه جلب ودفع، والأنبياء ليسوا خارجين عن هذا القانون وكذلك الأئمة من أهل البيت عليهم السلام والصالحين، وقد رأينا ذلك في سيرتهم العطرة في الجوع والعطش والفقر والقتال والاستشهاد .

أما المُعجزات فهي لِتأييد الوحي الذي أُنزلَ على الانبياء، وإنْ عُمل به قد يؤدي إلى السيطرة الكاملة على مفاصل الحياة وقد حصل أَنْ كان مثلُ ذلك مع النبي سليمان عليه السلام حيث سُخر له الريح والجنّ والطير ولكنه بقي قاصراً أمام رب العزة والجبروت، فقد آتاه اللهُ مُلكاً عظيماً لم يؤته أحداً من قبله ولن يعطى لاحدٍ من بعده الى يوم القيامة حيث استجاب الله تعالى لدعوة سليمان عندما دعي ربه فقال {رَبِّ اغفِر لِي وَهَب لِي مُلْكاً لا يَنبَغي لِأحٍد من بعْدِي} .

لكنه في موضع آخر من القرآن الكريم قال {وتفقد الطير فقالَ مالي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين}.

فلو كان نبي الله سليمان يعلم الغيب لعلم أين مكان الهدهد والى أين ذهب، لذلك فسيكون مخطِئاً ومتالها من نَسب الى نبي أو ولي صالح إحدى صفات الله تعالى شأنه، كمثل علم الغيب أو قُدرة الإحتواء على الوقت والأماكن والأزمنه أو غيرها من صفاة محصورة فيه وتحت قبضته سبحانه وتعالى .

فالله عز وجل له العلم والقدرة المطلقة على الكائنات وليس للكائنات قدرة على أن يتقمصوا أي صفة من صفاته، وهو رب العِزة والجبروت له الكمال المطلق وهو وحده قادر على احتواء كُلَّ حركةٍ في هذا الكون ليتواجد بعلمه لا بذاته {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} .

نعم إنَّ البشر باختلاف درجاتهم من أنبياء وصالحين وعلماء ودُعات هم سواسية في الجوارح والاحاسيس والطباع البشرية التي جُبلوا عليها وفطرهم الله عليها عندما خلقهم لكنه اصطفاهم على العالمين لحمل رِسالاته، لذلك كانوا أشد الالتزام بالضوابط العبادية والشرائع الكونية لذلك كانوا هم قدوة للناس والاتباع في درجات العبادة وسلوك الطريق المستقيم لأديانهم السماوية ولا يوجد إنسان مهما كانت درجته عند الله تعالى أن يملك يوم القيامة فرج لأحد من العالمين أو أن يُصدر القرار ويتحكم بنجاة أي إنسان مهما كانت قرابته ويتضح هذا المعنى في حديث رسول الله (من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه) شرح نهج البلاغة19/331 (إن ولي محمد من أطاع الله وإن بعٌدت لُحمتُه (نسبه)، وإن عدو محمد من عصى الله وإن قرُبت قرابتُه) شرح نهج البلاغة18/252.

ويتأكد كذلك هذا المعنى ايضاً في القرآن الكريم بقوله تعالى {يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ} الانفطار 19

أما أمر الشفاعة ومدى سعة الانتفاع منها فهو مرهون برضى الله عن عبده مصرحاً بقوله {من ذا الذي يشفعُ عنده الا بإذنه} البقرة،255

والمعنى أنه لا أحد يشفع عنده بدون إذنه، فالشفاعة كلها لله تعالى، ولكنه تعالى إذا أراد أن يرحم من يشاء من عباده أذن لمن أراد أن يكرمه من عباده أن يشفع فيه، ولا يبتدئ الشافع قبل الإذن من ربه، ولا تأتي الشفاعة بتقديم الطلبات والهدايا الدنيوية للأنبياء والرسل، أو التوسل بهم كي يكونوا شفعاء للناس بل هم جاهزين لذلك إذا تحقق رضى الله وبدن هذا فعبثاً يحاولون استمالتهم والتأثير عليهم بكسر الإرادة الإلاهية .

وقد سَمِعْتُ وشاهدتُ بعض الخطباء يصرفون من صفات الله تعالى للأنبياء والائمة والصالحين، وهذا من الغلو الذي نهى عنه الله ورسوله وأهل البيت عليهم السلام، ولابد من ترك هذه العادة السيئة القائمة على ترويج قصص الخيال الديني والخرافات التي أكل عليها الدهر وشرب، والافضل الالتفات الى تعليم الناس مبادئ دينهم الذي ارتضاه الله لهم والكف عن تجهيل الناس بقصص الغلو والخرافات، التي يُعاب على الناس تصديقها والتمسكُ بها لتنخر في عقيدتهم السليمة حتى تقضي عليها أو تسلبهم إنسانيتهم التي منحها لهم ربهم من فوق سبع سماوات، ومن حيث أن أكبر آفة من آفات العقل الإنساني وأهم عامل يُبعد الإنسان عن مراحل الإنسانية هو التقليد الأعمى والتعصب الجاهل.

وهناك ايضاً اسباب كثيرة وراء تصرفات بعضّ خطباء ووعاظ الدين في التركيز على دعوة الناس الى (التقليد الأعمى) ولعل أهم هذه الأسباب وقد يكون معروفاً مُسبقاً وهي سرقة ما في جيوب الناس بعد تغيبهم وسوقِهم كالأنعام الى حضيرة الجهل والعبودية بالتقليد الأعمى الذي عرفه علماء العقائد بأنه انقياد واستسلام لمرجع الدين في الصغيرة والكبيرة وفي الاصول والفروع دون قيد او شرط ودون اعتراض و تفكر بالرجوع لكتاب الله في المسائل المهمة الاصولية التي لا تقليد فيها كما ذكر ذلك علماء دين من مجمل الفرق الدينية الاسلامية وغيرها ولعل أوضحها كمثال قول السيّد المرتضى في رسائله [ولا يجوز أن يكون في الأُصول مقلّداً؛ لأنّ التقليد في الفروع إنّما جاز من حيث أمن هذا المقلّد من كون ذلك قبيحاً - يعني: الاستفتاء - وإنّما يأمن منه لمعرفته بالأُصول، وإنّها سوّغت له الاستفتاء فقطع على صحّة ذلك؛ لتقدّم علمه بالأُصول الدالّة عليه..

والأُصول لا يمكن التقليد فيها على وجه يقطع على صحّته ويؤمن من القبيح فيه، لأنّه ليس وراءها ما يستدلّ إلى ذلك، كما قلنا في الفروع، فلا بدّ أن يكون عالماً بصحّة الأُصول، إمّا على الجملة، أو على التفصيل] رسائل المرتضى .

هناك ايضاً وصف آخر بليغ ذكره مجموعة من أهل العلم واصفين به التقليد الأعمى، حيث قالوا: أنه لو كان هناك حمار مربوط بحبل نهايته على رأس فأر صغير فكلما تحرك الفأر الصغير تبعه الحمار مع الفارق الكبير في الحجم والوزن.

وقد توصل علماء الاجتماع بعد تتبع كثير إلى قاعدة كلية تقول [إن قوة درجة روح التقليد تتناسب عكساً مع قوة العقل والإرادة] علم الاجتماع ج١/ص٩٢-٩٦ .

لِأن أصحاب العقل هم فقط الأشخاص الذين يحكمهم ناموس الاقتباس الواعي، أي لا يقتصرون في نظرتهم إلى ما حولهم على عادات وتقاليد الجمود التي ورثوها عن آبائهم وأجدادهم، بل يسعون الى تحطيم كل ما من شأنه عرقلة الوصول الى الفهم كما وصفه الله تعالى المقلدين دون الفهم بقوله {وإذا قيلَ لهم اتبِعوا مَا أنزَلَ الله قالوا بل نتبعُ ما ألفينا عليهِ آلاءنا أولو كان آباؤُهُمْ لا يعقلون شيْئاً ولا يهتدون} البقرة ١٧٠

وكما أنهم لا يجعلون قلوبهم محلاً ينعكس عليه كُل شيء مهما كان منحطاً أو سيئاً، لذلك فهم يفتحون أعيُنًهم وآذانهم تجاه الأصوات والحركات والمعاني الراقية التي تكسر العبودية وتحطم الجمود في الحياة الدنيا وما يجدونه حسناً وصالحاً يختارونه بكل تعقل وفهم ثم يتَّبِعونه.

وهذه الآية دليل ومصداق وإشارة الى أهمية معنى كمال قوة العقل باعتماد الادلة الصحيحة {فبَشِّرْ عِبادِ * الذينَ يستَمِعُنَ القولَ فيتبِعونَ أحسنَهُ أُوْلئك هُمْ أولوا الأَلْبَاب} الزمر ١٧-١٨.

ولقد توسعنا قليلاً في التعريف والتحذير من التقليد الأعمى لِأنه أحد الأسباب المهمة المؤدية الى الغلو في الانبياء والرسُل والصالحين فجميعهم بشر اجتباهم الله واصطفاهم على سائر الناس، وفضّلهم بالنبوة والرسالة، وجمّلهم بأحسن الأخلاق كما هو بائن في آيات القرآن الكريم التالية .

قال الله تعالى: {وما أَرْسلْنا منْ قَبلِكَ إلا رجالاً نوحي إليهم فاسألوا أهلَ الذكر إن كُنتُم لا تعلمُون } النحل فهُم يتصفون بأنهم أفضل الخلق إيماناً وعلماً وعملاً وتعبداً، وأخلاقاً وتواضعاً،

وهؤلاء الرسُل مخلوقين كما خُلقت جميع الكائنات الحية يأكلون ويشربون وينسون وينامون ويمرضون ويموتون، وهم كغيرهم من البشر لا يملكون شيئاً من خصائص الربوبية والألوهية، ولا يملكون لأنفسهم ولا لغيرهم من الأمر شيء ، إلا أنهم معصومون في تبليغ رسالات ربهم بكل أمانة وعزم، لكنهم في نفس الوقت لا يملكون النفع والضر لأحد إلا في الإرشاد والنُصح والتبليغ وكذلك في باب الدُعاء إذا طُلب منهم في حياتهم الدُعاء فإن دعوا لِأحدٍ في حياتهم التي كانوا يعيشونها بين الناس تحقق بمشيئة الله تعالى استجابته لنفوسهم الطاهرة.

أما خزائن الله جل جلاله فالأنبياء لا يمكون منها شيء ولا يعلمون الغيب إلا ما أطلعهُم الله عليه لأجل تحذير البشر أو لِأجل الاتعاظ، فهُمّ قدوةٌ للبشر في الإيمان، والطاعة، والعبادة، والعمل الصالح، والخلق الحسن وعليهم ما على البشر من حساب، لكنهم لا يملكون النفع والضّر وليس بأيديهم

قال الله تعالى: {قُلْ لا أملِكُ لنفسي نفعاً ولا ضراً إلا ما شاء الله ولو كُنت أعلم الغيب لاستكثرتُ منَ الخير وما مسنيَ السوءُ إنْ أنا إلا نذيرّ لِقومٍ يؤمنون } الاعراف ١٨٨.

ويتبعهم في هذه الصفات الخُلقية والعبادية الائمة والصالحين من عباد الله ، فهم أحوج الى الله وليس لهم قدرة إلاهية أو صفة كونية يمتلكونها أينما ذهبوا ورحلوا بل هي طاعة الله وتقوى تَحَلّوا بها وأُمروا بتطبيقه ليكونوا مثالاً وقدوة.

ومن لُطْفِ اللهِ بعباده، أن أرسل إليهم رُسُلاً من البشر، إذ لو كانت الرسل من الملائكة ما أطاق الناس رؤيتهم ولحدثة النّفرَةُ منهم،

وإرسال رسول من البشر يؤدي إلى السكنة والأنس وتآلف الطباع، وهم وإن كانوا بشرا، فكان من لطفه سُبحانه أن أرسلهم من جنس البشر فلو كانت الرسل من الملائكة ما أطاق الناس ذلك ، وعليهِ اقتضت حكمتهُ أن يجعل رُسله إلى الناس من البشر، لأن كل جنس يأنس لجنسه، وينفر من غيره، وهو أعلم حيث يجعل رسالته .

 

ولما كان الغلو هو تجاوز الحد الشرعي بالزيادة اعتقادا أو عملاً ، كانت المتاهات مترتبة على ذلك من اصحاب المصالح من مرشدين الاديان وخطبائهم وسيق على ضوء ذلك العباد اليها زمراً مستغلين في ذلك سذاجتهم وحبهم وشغفهم الى أهل الدين ورموزه .

إنَّ دين الله جاء لإخراج الناس من الظلمات الى النور لا دفعهم الى الجهالة والضلال، وجاء لوضع الميزان وإحقاق العدل، فهو بين الغالي والجافي ممزق ومغيب وضائع ، لهذا جاءت الشريعة بذم هذه الامراض العقلية من تفريط وغلو ولأنها شريعة عادلة لا ترضى بالضّيم والجور وسلوكها منهج وسطي الاعتقاد كي يساعد في التوازن والحيلولة دون السقوط في فخ التدمير والتطرف العدواني الذي استباح بلادنا الاسلامية باسم الاسلام والاسلام بُراء مما يُصنع به على أيدي المشعوذين والغُلاة في قتل ونحر الناس البسطاء وتدمير المدن وحرق التنمية والرفاهية .

إن ما تمر به الامة هذه الايام من تمزق وتشرذم على أيد التطرف الارهابي من اتباع القاعدة بالأمس وما يسمى بداعش اليوم لا يرضي عدو ولا صديق، نعم إنها مأساة بمعنى الكلمة، فلا يخفى على الجميع ما صنعه أتباع القاعدة في السنين المنصرمة من مفاسد جمة للأمة الإسلامية والعالم أجمع واليوم تخرج علينا بثوب جديد فتوغل بالفساد من ذبح الناس وتشريدهم أو تهجيرهم قصراً ، ولا يسعني في هذه اللحظة إلا أن أضع القلم وأتنهد تحسُرا مرتين،

مرةً : لضياع الامة تحت رحمة هؤلاء المُغيبين عقلياً والمُسيرين من جهات ظالمة عدوة الوعي والحرية والإنسانية .ومرةً : على الانسانية المذبوحة بخناجر هؤلاء المارقين، والحُزن يزداد على حال الأمة الإسلامية التي ترتع في مستنقع من الجهل والخرافات على أيدي دُعاة التخريف والتجهيل لقيادة المجتمع الى بئر عميق من الظلمات لا أول له ولا آخر ظلمات بعضها فوق بعض ينساقُ الناس اليها عُمّيان لا يفصلهم عنها سوى بصيص من نور الحروف المهملة من أيدي أهل التنوير والنصح والارشاد والتي تتلألأ في ظلام حالك تنتظر من ينسجها في كلام يدعوا الى الوعي والسلم وتبقى الحاجةُ الماسةُ الى مَد يدِ العون الى العقول الحائرة المتسائلة التي لا تهتدي الى إجاباتٍ صادقة شافية .

ولا يسعني في هذه المناسبة إلا أن أوجه نداء إلى الباحثين والخبراء المتخصصين في الدراسات الاسلامية بأن يوجهوا أقلامهم الى محاربة جهالة التكفير التي منبعها دعوات الغلو في الدين (كأحكام وحدود) أو (كبدع وغلوا في الأنبياء والصالحين في تجميد العقل والانسياق وراء دُعاتِه)

والمساهمة الفاعلة في توجيه طبقات المجتمع كافة نحو الوسطية في الدين والدُنيا لتحجيم خطورة نزعة الغلو والتطرف والله من وراء القصد والحمد لله رب العالمين.

 

علي رعد الفتلاوي

                 

majed algarbawiaلقد صار النص الديني ذخيرة حية في الصراعات السياسية، واخذ كل فريق يحشد ما لديه من نصوص وروايات لاثبات شرعيته او للطعن بمعارضه

العنف الذي مارسته الحركات الاسلامية كان تجسيدا لرؤى ومفاهيم دينية مثل: (الجهاد، الحاكمية، والجاهلية، وكفر او انحراف السلطات الحاكمة، بل والشعوب المسلمة على بعض الآراء)[1] تمت قراءتها وفقا لفهم هذه الحركات. ولكي نفهم اسباب ظهور العنف علينا دراسة هذه المفاهيم وتحديد مدى تأثيرها على الفكر الحركي للحركات الاسلامية، وتقصي الاسباب الاخرى التي كانت وراء ظهوره على نمط من السلوك من قبل جماعات كان يفترض ان تكون مثالا للتسامح والعفو والرحمة، لأنها وليدة قيم دينية اتسمت بانسانيتها العالية. لكن قبل ذلك نؤكد ان السبب الرئيس وراء العنف والتطرف الديني هو سبب عقائدي فكري، فتكون الاسباب الاخرى اسبابا مساعدة وثانوية، فنحن لا ننكر دور المستوى المعاشي لافراد الحركات الاسلامية - مثلا - في ممارسة العنف لكنه ليس دورا اساسيا، والا فان زعيم القاعدة، اقصد اسامة بن لادن كان مليارديرا معروفا. وينتمي اغلب افراد الحركات الاسلامية الى الطبقة الوسطى، والامر نفسه بالنسبة الى المستويات الدراسية، فرائد البنا الاردني الذي قاد تفجير مدينة الحلة العراقية – مثلا - كان خريج كلية الحقوق، مرفّها، وقد عاش فترة في امريكا[2]، كما ان عمر احمد عبد الله[3] الذي قاد تفجير مسرح في دولة قطر مهندسا الكترونيا ويتقاضى راتبا شهريا عاليا. وايضا ما تبقى من اسباب خارج دائرة الفكر والعقيد فانها اسباب ثانوية قياسا الى السبب الرئيس. وهذا الكلام تؤكده بيانات احصائية ودراسات ميدانية جرت على عينات مختلفة من افراد الحركات الاسلامية المتطرفة، وقد تبين منها ان افراد هذه الحركات يتمتعون بمستويات دراسية وعلمية جيدة، وقد حاز اغلبهم على شهادات اكاديمية تراوحت بين الاعدادية والدكتوراه. وهو مستوى يفترض انه يوفر قدرا لا بأس به من الوعي يحول دون اقتحام الموت والمخاطرة بالارواح، بينما الواقع خلاف ذلك فكثير من العمليات الانتحارية قام بها افراد حازوا على شهادات دراسية متقدمة ويتمتعون بمواقع وظيفية مميزة. مما يدفعنا للتنقيب عن اسباب اخرى لهذه الظاهرة. وينبغي دراسة الفهم العقدي الثاوي وراء اقتحام الموت والزهد بالحياة، رغم الرفاهية التي يتمتعون بها هؤلاء الشباب[4].

 

الاسباب الفكرية والعقدية

يتصف النص الديني بثرائه الدلالي ومرونته واستجابته لكل القراءات والتفسيرات، مما أغرى الاتجاهات الكلامية والسياسية بتوظيف النص لاثبات شرعيتها، او لنفي الآخر المخالف والمعارض، حتى تشابهت الادلة واستدل كل طرف بنفس الادلة التي استدل بها خصمه السياسي والفكري، بعد قراءتها وتفسيرها وفق توجهاته الفكرية والعقدية والسياسية. فحصلت الاختلافات والتباينات وظهرت الفرق والمذاهب الكلامية والفقهية. وعلى هذه الوتيرة استمرت القراءات والتفسيرات، فهي في كل عصر تقدم (او يفترض ان تقدم) فهما يستمد وجوده من ثقافة المجتمع وحاجاته الفكرية والعقدية. الا ان القراءات راهنا باتت في كثير من الاحيان مزيجا من التراث والحاضر، بل طغى الاول على الثاني، فاصبحت القراءة الجديدة نسخة مشابهة لقراءات تمت في ظرف يختلف زمانيا ومكانيا، وبذلك لم تستوف هذه القراءات شروطها الموضوعية فاحدثت خللا كبيرا في التفكير وانتاج المعرفة. فالقراءات التراثية الراهنة جردت النص من تاريخيته، ولم تراعي اسباب نزوله، ولا تحديد غاياته واهدافه، رغم اهمية كلا الامرين في فعلية وفهم تلك النصوص. فالنص مطلقا صار فعليا ويمارس دوره على كل حال، فنتج عن ذلك قدر كبير من الارتباك بل والشطط في سلوك المسلمين، سيما بعض الحركات الاسلامية التي تطرفت كثيرا في ممارسة العنف باسم الدين والاسلاموفقا لتلك القراءات.

وعندما نتحدث عن النص ذاته يجب عدم اهمال الاتجاهات السياسية ودورها في تطور ووجود القراءات المختلفة للنص الديني. اذ لعبت السياسة دورا وكرست النص لصالح السلطة الحاكمة، كما كان لها دور في اقصاء المعارضة السياسية وتهميشها والتنكيل بها، حتى صار النص مدار كل شيء، والملجأ في كل ازمة سياسية وغيرها. وحينما لا يستجيب النص بشكل كاف يخضع لعمليات تأويل وافتراء بغية تطويعه لصالح هدف ما، سياسي او غير سياسي. حتى اختلط الصحيح بغيره من الاحاديث، وتغلغل المفترى والموضوع والضعيف في وسط الاحاديث الموثقة، والتبس الامر حتى على اصحاب الاختصاص من ذوي الثقافة المحدودة، وصار النص مطلقا حجة شرعية وفقا لبعض الآراء الفقهية فسبب كارثة فكرية واخلاقية وسلوكية، ستبقى تداعياتها تتفاقم ما دامت تلك النصوص تشكل مساحة واسعة من العقل الاسلامي.

ويمكن رصد اول توظيف للنص في هذا المجال (أي مجال حسم الصراعات السياسية) هو احداث السقيفة، حيث روى ابو بكر عن الرسول (ص) قوله: (الائمة من قريش) ليسلب الانصار حقهم في الترشيح لمنصب خلافة المسلمين. ثم صادر ملكية فدك (وهي ارض ورثتها فاطمة الزهراء عن ابيها كما هو مشهور في الروايات التاريخية) برواية (نحن معاشر الانبياء لا نورث)، كما اكد الامام علي حقه بالخلافة بنصوص رويت عن الرسول، بينما انكر رجال السلطة ذلك، فهو مثال للاثبات والانكار بالنص. وبهذا الشكل صار النص الديني ذخيرة حية في الصراعات السياسية. واخذ كل فريق يحشد ما لديه من نصوص وروايات لاثبات شرعيته او للطعن بمعارضه. ولما آلت الخلافة الى معاوية بدأ النص يؤدي دورا جديدا، ليس فقط لتأكيد شرعية الحكم وانما لتزكية الحاكم، وتبرئته، وتجنيبه تداعيات المحاسبة الجماهيرية، وتخويله سلطة الفتك بالمعارضة بعد ملاحقتها وتوجيه التهم اليها. فقد رويت في معاوية روايات وضعته على مستوى رفيع في الدنيا والآخرة، كما رويت روايات تدين الامام علي الخصم السياسي الاول له. وانتشرت بين الناس احاديث لم تكن معروفة من قبل، فثبتت لمعاوية البشارة بالجنة، وكتابة الوحي، وصحبة الرسول، وانه من خيرة المؤمنين[5]..، بينما صار الامام علي يسب على منابر المسلمين وفقا لقرار اموي لمدة ستين عاما، ولم يترك سبه الا في عهد عمر بن عبد العزيز[6]. وكما أدى النص دورا وجوديا لتزكية السلطان المتمثل في معاوية ايضا مارس النص دورا عدميا ينفي ما كان للمعارضة المتمثلة بالحزب الهاشمي او الشيعي من صفات ايجابية. وليس الامر مقتصرا على زمن الامويين والعباسيين، بل ما زال النص فاعلا مؤثرا في المعادلات السياسية والاجتماعية والدينية، وما زال يلعب دورا في تأجيج نار الفتن، وشرعنة ممارسات واعمال ابعد ما تكون عن قيم الدين والانسانية.

وفي هذا الاتجاه، أي اتجاه تكريس شرعية سلطة الامويين، انبثق جدل كبير بين المسلمين حول فاعل الكبيرة وما هو الموقف الشرعي منه؟ هل هو مؤمن؟ ام كافر؟ فانتهى الجدل الى نشوء مذهب الارجاء الذي راح ينظـّر لنظرية ارجاء امر فاعل الكبيرة الى الله. واستطاعت هذه المفاهيم، التي هي نتاج قراءات متحيزة للنص الديني، نزع فتيل المعارضة والاحتجاج على ارتكاب الكبائر من قبل السلطان الاموي المعروف باسرافه الاخلاقي والادبي. ولم يقف الجدل عند حد فاعل الكبيرة وانما امتد الى مفاهيم اخرى تناولت حقيقة الايمان، صفات الباري، امكانية رؤية الله تعالى يوم القيامة، مسألة خلق القرآن. والاخطر كان مسألة الجبر والاختيار، عندما صيغت المسألة بسؤال: (هل الانسان مخير ام مسير ومجبر في اعماله وسلوكه). فاستطاع الاتجاه الاموي اثبات الجبر، وان الانسان مجبر في افعاله، ولما كان مجبرا فليس من العدل مؤاخذة او محاسبة عمل هو مجبر عليه، وما يصدر (وهذا هو اللازم المهم في المسألة) عن الخليفة والسلطان الحاكم، هو مجبر عليه، ولا حول ولا قوة له في رده، فليس من حق الرعية محاسبته. وربما ليس من حق الباري تعالى ايضا محاسبته، لانه انسان مجبر، وهو مجرد آلة تنفذ ما يصدر لها من اوامر. بل على العكس من ذلك ربما يؤجر على افعاله القبيحة وتجاوزاته باعتباره ينفذ الارادة الالهية الذي هو مجبور عليها. ولم ينته الجدل حول مسالة الجبر والاختيار الا بظهور فرقة الجبرية في مقابل فرقة المرجئة. فقالت الجبرية ان افعال العباد مقدرة ازلا وانها تصدر عن ارادة الهية لا يتدخل بها العبد، كما قالت القدرية بحرية الارادة وان الانسان خالق افعاله حتى يكون للجزاء الاخروي معنى وتعليل، وقد اطلقت الاخيرة على المعتزلة[7].وبهذا الشكل كانت القراءات والتفسيرات الكلامية للنص الديني تلعب دورا كبيرا في تكريس سلطة الحاكم السياسي وتبيح له ممارسة العنف مع المعارضة السياسية، وتسمح له بتعذيبهم ونفيهم وابعادهم وقتلهم.

والجدير بالذكر ان المسائل الكلامية المتقدمة كانت نواة تشكل الاتجاهات الكلامية في الاسلام، وعلى اساسها تكونت الفرق والمذاهب. فبالنسبة لمسالة مرتكب الكبيرة، التي قال فيها الاتجاه الاموي بالارجاء، ذهب الخوارج الى ان فاعل الكبيرة كافر، لان الايمان قول وعمل. بينما كانت المسألة ذاتها البداية لاعتزال المعتزلة والقول برأي ثالث هو ان فاعل الكبيرة منافق ومرتكب لكبيرة يستحق عليها العقاب بل الخلود في النار كما ذهب الى ذلك الخوارج، لكنه لا يخرج عن ربقة الاسلام، فلا ينفى الايمان عنه بسبب كبيرته، لكن ايضا لا ينفى العقاب الاخروي. وهكذا تشعبت الآراء والاتجاهات، وظهرت مفاهيم جديدة طالما اختلف حولها المسلمون، وعصفت بوحدتهم وفتت تماسكهم. وراح ضحية الجدل الكلامي في المسائل المتقدمة عدد كبير من المسلمين الذين هم ضحايا العنف السياسي والكلامي معا، او ضحايا الرأي والكلمة.

لسنا بصدد كتابة تاريخ الفكر الكلامي عند المسلمين او تقصي المذاهب الكلامية والاتجاهات الفكرية، وانما نهدف الى بيان دور الفكر والعقيدة في ظهور الحركات الاسلامية المتطرفة فاقتضى ذلك العودة السريعة الى الوراء للتعرف على خلفية المسألة تاريخيا. اذ تبين ان تداعيات الخلافات الكلامية والمذهبية بين المسلمين ما زالت حية فاعلة بمستويات مختلفة. وما زال امتداد تلك الافكار يتحكم بالفعل السياسي حاضرا ويوجهه بنفس الاتجاه. وليس هناك دليل ادل من سلوك المسلمين اليوم الذي يتسم بالعداء والكراهية وبغض الآخر وتكفيره والاستهانة به وتهميشه. وهي الطريقة ذاتها في تعامل الفرق والمذاهب الاسلامية فيما بينها في القرون الخمسة الاولى. ولا نجداستثناء الا لدى الليبراليين الذين تخلوا عن قيم الفرقة الناجية، وقيم احتكار الحقيقة. واما عامة المسلمين سيما الحركات الاسلامية فهي اشد ظلامية وسوداوية. والمفارقة ان ادبيات هذه الحركات، سيما الحركات التي تمثل الوعي الديني، مليئة بمفاهيم الوحدة الاسلامية وعدم التفرقة بين المسلمين الا ان عملهاخلاف ذلك، فبعض الحركات الاسلامية تستبيح دماء المسلمين لا لشيء سوى انهم يعتنقون مذهبا آخر في الفقه والعقيدة. لذا نؤكد ثانية ثمة مفاهيم ورؤى فكرية وعقدية ثاوية في لا وعي الحركات الاسلامية التي تشبعت بكراهية الآخر والحقد عليه وتكفيره والتخطيط للاطاحة به وتدميره واغتياله. ولولا تلك المفاهيم والبنى لا يتحرك الانسان باتجاه الموت بهذا القدر من الاستهانة بالحياة وعدم التفكير بتداعيات الفعل الارهابي على مستقبل المسلمين والعقيدة الدينية. من هنا علينا متابعة تلك المفاهيم في هذا الاطار وتقصي مدياتها وطاقتها وقدراتها الفعلية. فمن تلك المفاهيم التي ما زالت فاعلة ومؤثرة، مفهوم الحاكمية، مفهوم الجاهلية، مفهوم النهي عن المنكر، مفهوم المرتد، مفهوم الفرقة الناجية، مفهوم الجهاد، و....

 

ماجد الغرباوي

كاتب وباحث

...............................

 [1] - بحث مستل من كتاب: تحديات العنف، ماجد الغرباوي، 2009م، دار العارف، بيروت – لبنان، والحضارية للابحاث، بغداد – العراق، ص270-282.

[2]- انظر صحيفة الشرق الاوسط في 13/ 3/ 2005.

[3]- المصدر نفسه 23/3/2005.

[4]- ابراهيم، د. سعد الدين، مصدر سابق، ص 400. حيث يقول عن افراد الحركات الاسلامية المصرية:

اولا: انهم شبان، فحوالي 90% من الذين شاركوا في تلك الاحداث العنيفة[4] كانوا في العشرينات والثلاثينات من اعمارهم.

ثانيا: انهم ممن تلقوا تعليما عاليا. فحوالي 80% من هؤلاء المتطرفين كانوا اما طلبة جامعة او خريجي جامعة.

ثالثا: انهم متفوقون دراسيا ولديهم دوافع قوية. فاكثر من نصف هؤلاء كانوا طلبة او متخرجين من الكليات ومجالات التخصص الراقية في الجامعات المصرية مثل الطب والهندسة والصيدلة والكلية الفنية العسكرية. ومن المعروف ان مثل هذه الكليات لا يدخلها الا الطلبة المتفوقون في امتحانات الثانوية العامة في مصر.

رابعا: انهم ينتمون الى الطبقة الوسطى الدنيا. فاكثر من 70% منهم ينحدرون من اصول اجتماعية متواضعة، وان لم تكن فقيرة. كما ان معظمهم يمثلون اول جيل يتلقى تعليما جامعيا في اسرهم.

خامسا: انهم ينتمون الى اصول ريفية او من المدن الصغيرة في الاقاليم، الا انهم حين اصبحوا متطرفين كانوا يعيشون في المدن المصرية الكبرى حيث توجد هذه الجماعات المتطرفة.

[5]- كرواية: «الأمناء ثلاثة انا وجبريل ومعاوية»، انظر: نور الدين عتر، منهج النقد في علوم الحديث، ص 302.

[6]- كما في رواية الاعمش. قال: لما قدم ابو هريرة العراق مع معاوية عام الجماعة جاء إلى مسجد الكوفة، فلما رأى كثر من استقبله من الناس جثا على ركبتيه ثم ضرب صلعته مراراً وقال: يا اهل العراق أتزعمون اني اكذب على الله ورسوله واحرق نفسي بالنار؟ والله قد سمعت رسول الله يقول: «ان لكل نبي حرماً وان المدينة حرمي، فمن احدث فيها حدثاً فعليه لعنة الله والملائكة والناس اجمعين». قال: واشهد ان علياً احدث فيها؟؟. فلما بلغ معاوية قوله اجازه واكرمه وولاّه امارة المدينة. انظر: شرح نهج البلاغة لابن ابي الحديد المعتزلي، ج4، ص 67 «فصل في ذكر الاحاديث الموضوعة في الإمام علي».

والروايتان مجرد امثلة لروايات كثيرة وظفت لتكريس السلطة او نفي المعارضة.

[7]- ابو ريان، د. محمد علي، تاريخ الفكر الفلسفي في الاسلام، بيروت، دار النهضة العربية، ط 2، ص 45.

 

bobaker jilaliإنّ مقارنة فلسفة الإصلاح والتجديد عند "محمد إقبال" بنظرية "مالك بن نبي" في الحضارة والتجديد الحضاري تقتضي الإلمام بكل محاولة من المحاولتين إلماماً يضمن امتلاك المادة الفكرية الكافية للسيطرة بدقة وعمق وكفاية على جوانب التماثل والتماسك، وعلى نقاط التباين والتمايز، كما تتطلب أسلوبا يكفل التغطية الشاملة لهذه الدراسة المقارنة. وفي حدود الإمكانيات المتاحة قام هذا البحث، ووصل إلى نتائج ارتبطت بفكر "محمد إقبال" وبفلسفة "مالك بن نبي" و بالصلة بينهما.

فالمتصفح للمحاولة الفكرية الفلسفية في الإصلاح والتجديد عند "محمد إقبال" يجد أنّ رؤية هذا الأخير في التغيير والتجديد والحضارة ارتبطت بفلسفته ككل، وبنظرته إلى الحياة عامة. ورؤيته تختلف عن رؤى زعماء الإصلاح الآخرين في العصر الحديث. فهو يرى أن دوافع التغيير والتجديد حالّة في وحدات الوجود، الإنسان، الكون و الله، والحياة متغيّرة باستمرار لا تعرف الثبات والجمود، وتستمد تغيّرها وخلودها من طبيعتها النهائية ومن الأصل الأول وهو الذات المطلقة. والتغيير لا يحصل في الإنسان ولا يجرى في الواقع دون أن يحدث في أعماق الذات الإنسانية أولاً، ويتعلق هذا التغيير بمعنى الحياة والوجود والإنسان، وبأساليب التفكير والعمل وبالمبادئ والقيّم التي يؤمن بها الإنسان، وبالأهداف والغايات التي يصبو إليها. والتجديد في أصله وفي مساره وفي مقصده ومبتغاه روحي، والمادة ذات أصل متأصّل فيما هو روحي. فالتجديد تجديد في قوى النفس وفي محتوياتها الروحية والفكرية والأخلاقية، وتجديد في قوى المجتمع من خلال اجتهاد البشر لتنظيم وتطوير وازدهار حياتهم الاجتماعية، وتسخير قوى العالم لخدمة مطالب ومرامي الإنسان الروحية في أصلها. والحضارة هي السمو الروحي الذي يبلغه الإنسان من خلال النهوض بالعمل في المجتمع والطبيعة. وليس المهم بالنسبة للذات الإنسانية أن ترى الأشياء بل المهم عندها أن تصير و تصبح شيئا. من خلال التجديد الحضاري والإبداع العلمي والازدهار الثقافي والاجتماعي.

ما تميزت به نظرة "محمد إقبال" الفلسفية إلى الحضارة والتجديد الحضاري خاصة، وفلسفته بصفة عامة هو أنها تشكل رؤية فلسفية إلى الحياة والإنسان والحضارة، وكل ما يرتبط ويتعلق بهذه الجوانب. وتتميز هذه الرؤية الفكرية الفريدة في نوعها بالوحدة، لما بين عناصرها وأجزائها من اتساق وانسجام وتكامل، فهي عبارة عن نسق فكري فلسفي واحد، لا تفكك ولا انفصال بين جوانبه، وتتصف بالقوّة والمتانة لارتباطها بالإسلام وبتعاليمه وقيّمه العليا، وبالعمق لرحابه وسعة التأملات الميتافيزيقية التي قامت عليها، وبالدقة في التحليل والنقد والاستنتاج، وهي أوصاف قلّما نجدها لدى مفكر في عصر طغى عليه التخصص، وسيطر الفكر التجريبي الوضعي وسادت فيه النزعة البرغماتيـة.

ارتبطت فكرة الإصلاح و التجديد عند "محمد إقبال" بالإسلام، وبمبادئه وقيّمه، باعتباره مشروعا حضاريا إنسانيا، يمثل رسالة إنسانية عالمية، دخلت التاريخ، ودخلت المعترك الثقافي والحضاري والديني، ليأخذ مكانته في ساحة هذا المعترك، ويفرض وجوده بقوّة، لما له من قوّة ومناعة في جميع جوانبه. وإستراتيجية النقد وإعادة البناء في فلسفة "محمد إقبال" استمدت قوتها منه، بما انطوت عليه من تصورات وأفكار تمثل مشروع رؤية فلسفية، ومخططا فكريا يستهدف بناء فلسفة الدين في الإسلام بناء جديدا، وتوجيه الذات الإنسانية إلى الحياة الروحية الكاملة، وإلى تخلّقها بأخلاق الله. وتسخير العالم المادي لخدمة مرامي الإنسان، هذا العالم المادي المتأصل فيها هو روحاني، وتوجيه الإنسان لإعادة تنظيم حياته الاجتماعية وفق مبادئ إنسانية عالمية مستمدة من الإسلام ومن الطبيعة البشرية في جانبها الفردي وفي جانبها الاجتماعي. استمدت هذه الفلسفة وانبثق هذا المشروع من الظروف والأوضاع النفسية والفكرية والخلقية والاجتماعية الفاسدة في القرن العشرين، بسبب غياب أسلوب حياة يضمن التوازن بين المادة والروح، ولا يوجد غير الإسلام الذي يحفظ هذا التوازن، ومن الفكر الإسلامي القديم، ومن الحضارة الإسلامية وما تميزت به من نماء وازدهار في كافة المجالات، الأمر الذي جعل الحضارة الأوروبية الحديثة تحمل الكثير من عناصرها ومعالمها، ومن الحضارة الغربية، ومن الفكر الغربي، وارتبط ذلك بمناهج ونتائج العلوم المختلفة، وما حققته تلك العلوم في الجانب التطبيقي في مجالات الحياة المختلفة، سواء بالنسبة للفكر العلمي في التأثير على الطبيعة بواسطة التقنية، أو بالنسبة لهذا الفكر في تأثيره على حياة الإنسان النفسية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية.

اقترنت الحضارة وارتبط التجديد الحضاري في فكر "محمد إقبال" بالدين، فالحضارة توازي الدين وهي ثمرته. والإسلام حضارة. قوتها وخلودها مستمدان من قوّة وخلود الدين، أما ضعفها وأفولها يكون بسبب فقدانها لعناصر القوّة والخلود، وهي عناصر دينية تتمثل في النهوض بالعمل في الحياة الفردية عن طريق التجربة الصوفية وعن طريق الاجتهاد في الواقع. كل هذا لبلوغ قمّة التحضر، وهو الديمقراطية الروحية والسمو الروحي والعلى الأعلى، وذلك مبتغى الإسلام و مقصده.

إنّ المتصفح لفلسفة "مالك بن نبي" في الإصلاح، ولنظريته في الحضارة والتجديد، يكتشف عالما فكرياً فلسفياً مليئاً بالمفاهيم، وغنياً بالتصورات، وفريداً في نوعه، وجديداً في العديد من جوانبه، خاصة فيما يتعلق بالحضارة وبعناصرها وشروطها وأطوارها. فهو يري أنّ ظاهرة التخلف ليست طبيعية في البشر، بل تعود إلى أسباب ذاتية وأخرى موضوعية، وتستفحل عندما تغيب الشروط والأدوات اللاّزمة للنّمو الفكري والأخلاقي والاجتماعي. هذا النًمو هو السبيل إلى التحضر، تقابله مجموعة من المشاكل والوضعيات والظروف الفاسدة المنهارة في حياة الفرد والجماعة في جميع جوانبها الفكرية والأخلاقية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها. هذه المشاكل والظروف والوضعيات ترتبط بظاهرة التخلف والانحطاط، وتقوم الحضارة باعتبارها إطاراً يضمن لكل فرد داخل المجتمع مطالبه وحاجاته في كل طور من أطوار وجوده، بإعطائـه الأدوات واللوازم الضرورية للمجتمع النامي المالك لقدرات فكرية واجتماعية واقتصادية إرادة استعمال سائر القدرات في حل المشاكل التي تواجه المجتمع المتخلف، والحضارة هي التي تكوّن هذه القدرة وهذه الإرادة معًا، وهما لا تقبلان الانفصال عن دور المجتمع النامي. فالحضارة هي شرط إيجاد القدرة والإرادة لتجاوز التخلف والتدهور في ذات الفرد وفي مجتمعه، وهي ترتبط بالإنسان والتراب والزمن والفكرة الدينية التي تجمع بين العناصر الثلاثة. ولهما عمر وأطوار هي: طور الروح، طور الأوج، وطور الأفول، تسبقها مرحلة ما قبل الحضارة وتليها مرحلة ما بعد الحضارة، لكل واحدة من المرحلتين خصائص ومميزات. وتشترط الحضارة التغيير على أساس القاعدة الإلهية التي تعبر عنها الآية القرآنية، ﴿إنّ الله لا يغيرّ ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم﴾. والتغيير مجاله النفس أولا ثم المحيط الخارجي ثانيا، تشرط القدرة على الإبداع والقدرة على الإنتاج، ولا تقوم على التكديس والاستيراد بل على البناء، وأن تلد الحضارة منتجاتها لا العكس، لأن العكس يستحيل منطقيا وماديا ويغرق المجتمع في الشيئية من جهة وفي المديونية والتبعية الحضارية من جهة ثانية، وتشترط التوجيه الأخلاقي والعملي والفني الجمالي، وهي شروط تضمن الانسجام والتكامل بين المجهود الإنساني المبذول في مستوى الفرد وفي مستوى المجتمع مع سنن وقوانين الآفاق والهداية والتطلعات هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى تكفل تلك الشروط التكامل والانسجام بين المجهود الإنساني والسنن الكونية مع جملة الشروط النفسية والاجتماعية والروحية والمادية، من أجل النمو والازدهار في جميع مجالات الحياة الإنسانية. والحضارة بهذا المعنى هي فعل بنائي تقتضي أُسُساً فكرية وروحية وجهوداً كبيرة في عالمي الأشخاص والأشياء، وذلك يشترط مخطط تربية يهدف إلى تغيير الإنسان في الداخل، وفق شروط معينة ليتمكن من أداء دوره في المجتمع ويحقق البناء الحضاري.

وإذا كانت الحضارة بناء لا تكديسا واستيرادا فهي فاعلية إنسانية تقوم على تغيير الإنسان في عالمه النفسي أولا ثم تغيير محيطه ثانيا، وتحصل هذه الفاعلية بتوفر جملة من الشروط والعوامل النفسية والاجتماعية، الروحية والمادية، وبتوفر الإرادة والقدرة على إبداع المعرفة وإنتاج الأشياء، واستغلال ذلك لخدمة الإنسان وضمان راحته. ولفصل الحضارة الحقيقية عن الحضارة المزيفة، فالأولى تلد منتجاتها أما الثانية فهي من صنيع منتجات حضارات الغير. والتجديد الحضاري ظاهرة إنسانية ترتبط بالحضارة وبشروطها، وعناصرها وأطوارها وازدهارها وتكون سابقة على الحضارة فتصنع النمو والتحضر والازدهار، كما تكون ملازمة لها، فتستمر في تنميتها وتطويرها، وقد تكون سببا في انهيارها وأفولها، والمقصود هنا عندما تبلغ الحضارة طور العقل يضعف سلطان الروح، وتسترد الغريزة نفوذها، فتهوي بالإنسان إلى حضيض الحيوانية والبهيمية حيث شريعة الغاب وقانون الأعلى.

لقد تميزت نظرية الحضارة عند "مالك بن نبي" بجملة من المميزات التي لم يشهدها مصلح آخر في فكره الإصلاحي. فهي نظرية انبثقت من تحليل تميّز إلى حدّ بعيد بطابعه العلمي، وبالدقة والعمق والموضوعية، والواقعية، في طرحه ومعالجته للمشكلات والظواهر في حياة الفرد والمجتمع. كما تميزت الحلول التي جاء بها لتلك المشكلات والتصورات التي خرج بها من دراساته وبحوثه المعمقة للتاريخ والواقع بالقوّة، لارتباطها بالعلم والواقع والتاريخ والدين. وتميّز منهجه في البحث بطابعه العلمي وبتنوعه، فهو يستخدم المنهج الرياضي، وطريقة المؤرخ، ومسلك عالم الاجتماع، وسبيل الكيميائي وغيره، هذا زاد في متانة وقوة أفكاره، وزاد في انسجام هذه الأفكار والتصورات مع ما يجب فعله في العمل الإصلاحي التجديدي.

وتمثل نظرية "مالك بن نبي" في الحضارة، استراتيجية إصلاحية تجديدية تستهدف تغيير الواقع الإنساني عامة وواقع العالم المتخلف ـ العالم الإسلامي جزء منه ـ بصفة خاصة، بحيث تضع بين يديه آلية فكرية نظرية للخروج من التخلف، وبلوغ مستوى الحضارة، فهي مشروع منهج وضعه صاحبه للقضاء على ظاهرة التخلف بعدما درسها، وكشف عن عوامل وأسباب وجودها، ولغرض الوصول إلى الحضارة بعدما درسها وكشف عن قوانينها وآلياتها الروحية والمادية. وتميّز هذا المنهج بالقوة والمتانة لارتباطه بالعلم والدين والتاريخ، وبقوانين هذه الأطر الفكرية المعرفية والروحية باعتبارها مصادر توجيه وقيادة في حياة الإنسان، ولارتباطه بالفكر الإنساني القديم والحديث وبواقع الإنسان المعاصر في العالم المتقدم بما له وما عليه، وفي العالم المتخلف بما عليه، وخاصة في العالم الإسلامي الذي لا ينقصه سوى تطبيق المناهج الكفيلة بإخراجه من عالم الانحطاط، وتمكينه من الحضارة، وهو أمر ليس بعسير على إنسان بين يديه كافة شروط التحضر. فهو منهج في الإصلاح يستند إلى رؤية فلسفية إلى الإنسان والحضارة والتاريخ، وإلى فكر اجتمعت فيه الأصالة مع التجديد، فكان مشروع خطة للنهضة وللصحوة و للحضارة، ونموذجا من نماذج الفكر الإصلاحي لا يستهان به، بل يُقدّر حق قدره لِمَا لصاحبه من نظرة ثاقبة وقدرة على الطرح والتحليل والنقد والاستنتاج، ولما لهذا المنهج من تكامل بين عناصره، ومن انسجام مع ما تقتضيه مستلزمات البناء التاريخي والنهضة الحضارية.

لقد تبيّن لي وبوضوح من قراءتي لبعض الجوانب الهامة في فلسفة "محمد إقبال"، خاصة فيما يتعلق بنظرته إلى الإصلاح والتجديد، أي فكرة النقد والهدم وإعادة البناء عنده، ومن قراءتي لفلسفة الحضارة والتاريخ عند "مالك بن نبي"، أنّ ما يجمع بين المحاولتين أكثر مما يفصل بينهما، ويتعلق الأمر بالظروف التاريخية الزمنية والمكانية التي عاشا فيها المفكران، والتي فيها نبتت فكرة الإصلاح عندهما، فهي واحدة تماما، حيث الإسلام والاستعمار والتخلف في العالم الإسلامي من جهة والحضارة والعلم والتكنولوجيا في أوربا الحديثة من جهة أخرى، هذا الذي شكل روافد ومصادر تلك الفكرة، وأوجد وحدة في المبادئ والأهداف والتطلعات، والاختلاف بين المحاولتين ليس في الجوهر أو في الأساس أو في الهدف، بل في بعض الجوانب التي تخص طبيعة البحث والدراسة وطبيعة الإصلاح ومنهجه، ونوع المحاولة وخصوصياتها.

بالنسبة للبحث فعند "محمد إقبال" كان فلسفيا ميتافيزيقيا على منهج الأقدمين، وهو عند "مالك بن نبي" جاء بطابع علمي واقعي، وطبيعة الإصلاح عند "محمد إقبال" روحية فردية دينية إسلامية، وهو عند "مالك بن نبي" صبغته اجتماعية علمية واقعية تاريخية، ومنهج "محمد إقبال" في الإصلاح من طبيعة روحية تقوم على التجربة الصوفية والرياضة الدينية الروحية، والعمل الصوفي الصحيح هو سبيل الوصول إلى الحقيقة، أما منهج "مالك بن نبي" فيقوم على التغيير في الفرد والمجتمع، وعلى القضاء على أسباب التخلف والأخذ بأسباب الحضارة كما هي في نظرية الحضارة، كما يقوم على التوجيه الديني والأخلاقي والعملي مع الاستفادة من خبرات وتجارب الآخرين العلمية والحضارية. وتتميز محاولة "محمد إقبال" بكونها ذات عمق فلسفي كبير وتأمل ميتافيزيقي رحب، حتى قيل عنها أنها موجهة للخاصة والنخبة من المثقفين لا للجميع، أما محاولة "مالك بن نبي" فهي للجميع لم تكن في مستوى العمق الفلسفي والتأمل الميتافيزيقي الذي عرفته محاولة "محمد إقبال".

نستنتج مما سبق أنّ فلسفة "مالك بن نبي" امتداد لفكرة "محمد إقبال" في الإصلاح والتجديد، على الرغم من أنّ الأولى يغلب عليها الطابع العلمي الواقعي الاجتماعي، أما الثانية فيغلب عليها الطابع الروحي الفلسفي الميتافيزيقي الصوفي. ولقد ذكر "مالك بن نبي" "محمد إقبال" في كتاباته، وأشاد بقوة فكره، ونظرته الثاقبة السليمة إلى الإصلاح والتجديد. جاءت فكرة الإصلاح عندهما نتيجة واقع المسلمين المتردي، وتُشكّل محاولة فكرية لتغيير النفس والفكر والواقع في العالم الإسلامي، تميزت بالقوة لارتباطها بالإسلام وبالعلوم المزدهرة وبالفكر الإسلامي، وتشكل رؤية فلسفية إلى الإنسان والحياة والتاريخ والحضارة، وتمثل مشروع خطة ذات طابع فكري نظري، للنهضة وللتجديد ولبناء الحضارة، وللدخول إلى التاريخ، وإلى حلبة المعترك الحضاري، واحتلال أمة الإسلام لمكانتها اللائقة بها في إطار الحوار والتفاعل الحضاريين .

وإذا كان الفكر الإصلاحي عند "محمد إقبال" و"مالك بن نبي" تميز بالقوة والمتانة نظرا لصلته المباشرة بواقع وحياة المسلمين في العالم الإسلامي المعاصر، ولتعبيره عن مشاكلهم وهمومهم، وعن آمالهم وتطلعاتهم، وبلوغه مستوى رفيع من الحقيقة في مناهجه وأساليبه لأنه أخذ بالدين والعلم وبالتاريخ، واستطاع أن يكفل التوازن بين طرفي الكمال، الروح والمادة، الدين والدولة، الدنيا والآخرة. وإسناد فكرة "محمد إقبال" إلى فكرة "مالك بن نبي" أو العكس أمر ممكن خاصة من الناحية النظرية، فالواحدة منهما تثري الأخرى وتعمقها. ويمكن اعتبار فكرة "محمد إقبال" أرضية فلسفية ميتافيزيقية وإطارا نظريا لفكر "مالك بن نبي"، واعتبار فكر "مالك بن نبي" الوجه الاجتماعي العلمي والعملي الواقعي الخارجي لفكر "محمد إقبال". وما أحوج العالم الإسلامي المعاصر إلى المشروعين الإصلاحيين معًا للتجديد ولبلوغ السمو الروحي والأخلاقي، ولبناء حضارة تلد منتجاتها الفكرية والمادية، ولضمان التوازن بين المثال والواقع، بين الروح والمادة، وبين الدين والدولة، ذلك هو عين التحضر وقمّته، وهو مبتغي الإسلام ومقصده، فالحضارة هي التمكين لقيّم ومبادئ الإسلام على أرض الله.

 

adnan oayeedالدين في سياقه العام، هو جملة العقائد والرؤى والتصورات ولأفكار والمبادئ والرموز والطقوس التي يؤمن بها الإنسان ويعمل عبرها دائما على إعادة هيكلة نفسه وحياته المادية والروحية وفقا لأهداف متعالية وغايات نهائية قد حُددت له بشكل مسبق من قبل الإله. والدين أي دين له وظائف بالنسبة لحياة الإنسان، أهمها ربط الإنسان بالإله والعمل على نشر وتطبيق تعاليمه وأحكامه أولاً، ثم الحفاظ على حياة هذا الإنسان بكل دلالاتها وماله وعرضه ثانياً. بيد أن هذه الوظائف أو المقاصد الدينية تتمدد أو تستطيل كي تدخل في كل حياة الإنسان ومظاهرها في حالة التدين الذي يعني فهم الإنسان (الفرد والمجتمع) وممارسته للدين بناءً على تفسيره وتأويله للنص الديني المقدس بما يتوافق ومصالح هذا الإنسان المادية والمعنية، وكذلك الحفاظ على هذه المصالح وتنميتها وتطويرها.

من هذا المنطلق في فهمنا للدين والتدين، نستطيع التأكيد هنا على أن التدين هو محاولة أو محاولات دائمة من قبل الإنسان لخلق حالات من التطابق بين واقعه المتغير والمتحرك والمتبدل باستمرار، وبين سلطة النص الديني المقدس المفروض عليه من خارج التاريخ.

إن هذا السعي الدائم من قبل الإنسان لخلق حالات التوافق هذه بين مصالحه وحاجاته المستمرة والمتجددة دائماً، وبين النص الديني الثابت، جعلته يتجه في طريقين اثنين هما: طريق الجبر الذي لا خيار فيه لهذه الإنسان إلا الخضوع لسلطة هذا النص المقدس، والسير وفق أوامره التي فهمها أو فسرها وأولها له أجداده من السلف، وبالتالي العمل دائماً على ليّ عنق الواقع في كل حركته وتبدله كي ينسجم مع هذا النص المقدس، حتى لا تكون هناك بدعة في حياة الإنسان التي ستؤدي بدورها إلى الضلالة فالكفر. أو السير في طريق حرية الإرادة الإنسانية وتسخير العقل لإعادة النظر دائماً في النص المقدس، من خلال حكم العقل على هذا النص المقدس كي يفتح دلالاته اللامحدودة، على كل قضايا الحياة، خدمة لمصالح الإنسان وحاجاته التي لا تنضب.

أمام هذه المعطيات يتبين لنا كما أن للدين وظائفه ، فللتدين وظائفه أيضاً يمارسها الإنسان في حياته، وتتحد طبيعة صحتها أو خطأها وفقاً لدرجة وعيه وتفسيره أو تأويله للنص الديني، ولمصالحه وموقفه من الحياة والآخرة معاً.

أما أهم وظائف التدين فهي:

أولاً الوظيفة اللاهوتية للدين: وهي وظيفة تحدد طبيعتها ودلالاتها ودرجة عمقها علاقة الإنسان بالدين ذاته، لذلك فهي تتمظهر واضحة في حديثه وعلاقاته مع الآخرين وسلوكياته وطريقة لباسه وممارسته للطقوس الدينية. فهي عند المؤمن البسيط لا تتعدى تأدية الفرائض الدينية من صوم وصلاة وزكاة وصيانة لسانه وفرجه، وإن استطاع الحفاظ أيضاً على حقوقه وحقوق الآخرين المادية والمعنوية. أما عند الرجل الذي نذر نفسه لدينه وربه، فهي تأخذ بعداً وشكلاً آخر أكثر تطرفاً، وغالباً ما تتجلى هذه الحالة عند المتصوفة العرفانيين. فالمتصوف يعتبر الوظيفة الدينية لديه ذات أبعاد روحية ومعرفية (غنوصية)، تدفع الإنسان إلى التخلي عن كل ما هو محسوس في هذه الحياة، كي يتفرغ كلياً لعبادته ومناجاته لله التي تُوصل البعض إلى مرحلة الشطح أو التطرف فكراً وسلوكاً، إن كان من حيث لباسه، أو حديثه، أو تفكيره، أو موقفه من الحياة المادية، أو النظر في حاجاته ورغباته، أو في رؤيته الفلسفية تجاه الله. هذه الرؤية التي توصل البعض إلى مرحلة وحدة الوجود، أو التوحد مع الله. وتاريخ التصوف ألعرفاني يعطينا نماذج لهذا النوع من التطرف نجدها عند الحلاج وذي النون والسهروردي ورابعة العدويّة وابن عربي. فمثل هؤلاء تركوا الحياة بما فيها وسلكوا طريق الجوع والتقشف ولبس الصوف والتوجه نحو الله بروحهم التي تسامت عن كل محسوس وغريزي. الأمر الذي جعل الكثير من معاصريهم، وبخاصة من كان لهم وظائف دينية تخدم السلطات الحاكمة، يجدون في هؤلاء المتصوفة خطراً على الدين نفسه من جهة، وخطراً على سلطة الحاكم الذي غالباً ما كان مستبداً، كونهم قد لمسوا عندهم مواقف تميل للفقراء والمحرومين والتضحية من أجلهم، وهذه المواقف تُهدد معاقل الحكام ومن يُسبح بحمدهم من جهة ثانية. وهذا ما أدى إلى قتل الكثير من هؤلاء الرجال المتصوفة تحت ذريعة الشذوذ والتطرف والشطح في علاقة الإنسان بربه.

ثانياً: التوظيف السياسي للدين: هي وظيفة متعددة الأغراض، يمكننا تحديد أبعادها في التالي:

1- الوظيفة الدعوية: وهي وظيفة يقوم بها رجال دين متخصصون في دراسة العقيدة وأصولها وأحكامها الشرعية، وغالباً ما يوظف هؤلاء الدعاة الذين يفسح لهم المجال واسعاً لنشاطهم الدعوي في الجوامع وقنوات الإعلام، من أجل نشر فكر ديني محدد غالباً ما يصب هذا الفكر نهاية المطاف في خدمة القوى السياسية الحاكمة ومنحها الشرعية.

2- الوظيفة المدخلية: وهي وظيفة يؤديها أيضاً نخبة من رجال الدين المتخصصين في فهم العقيدة بكل أبعادها، وهذه الوظيفة تتجسد في خدمة مؤسسات الدولة الدينية، فهم موظفون دولة يؤدون وظائف دينية خدمة لهذه الدولة وما تمثله من قوى طبقية.

3- الوظيفة الجهادية السلفية: وهي وظيفة تؤديها قوى اجتماعية غالباً ما تكون ذات طابع تنظيمي أو حزبي، تعمل خارج نطاق الدولة، وتتخذ في حركتها التنظيمية والجهادية طابعاً سرياً.

تنطلق وظيفة هذا التيار، من أن هناك خالقاً لهذا الكون بكل ما فيه وعلى رأسه الإنسان، الذي خلقه الله فسواه فعدله، وبالتالي رسم له طريقه في لوح محفوظ من ولادته حتى مماته، وهو الذي أنزل عليه القرآن ليبين له ماذا له من حقوق وما عليه من واجبات، وبالتالي ما عليه إلا أن يطبق ما جاءه في هذا القرآن، الذي عرفت فيه الأجيال الأولى من الصحابة الصراط المستقيم، وعليه الاقتداء بهم والخلاص من كل مفاهيم الجاهلية (الوضعية) التي ابتدعها الإنسان وادعى بأنه قادر بها أن يحدد مصيره بنفسه . ومن خلال هذا المنطلقات جاءت الحاكمية ومن هم مسؤولون عن تطبيقها من النخب التي نذرت نفسها لفهم هذه العقيدة والعمل على تطبيقها فكراً وممارسة ولو بحد السيف.

4- الوظيفة الجهادية العقلانية: نجد في هذا الاتجاه تياراً آخر في هذه الوظيفة الجهادية، وهو التيار أو الاتجاه المقاوم، الذي اتكأ دينياً على العقل وحرية الإرادة الإنسانية، والقدرة على فتح النص المقدس بكل دلالاته الإنسانية، حيث وجد في الدين منهجاً إنسانياً وروحياً قابلاً لفهم الحياة في كل مستجداتها ومستوياتها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية، وأهم قضية هي القدرة على تطبيق مقاصد الدين الأساسية في حفظ حياة الإنسان وماله وعرضه وأرضه. تُمثل هذا الاتجاه في الحقيقة، تجربة حزب الله المقاوم في لبنان.

ثالثاً: الوظيفة الاجتماعية (السوسيولوجية): وهي وظيفة تقوم على أسس أخلاقية في الغالب، حيث أن الأخلاق الدينية هنا ذات طابع معياري، وهي صالحة لكل زمان ومكان، كونها ذات طابع رسم حدودها النص المقدس، وبالتالي فإن التمسك بها وتأديتها، تضفي طابع المصداقية على من يتمثلها. من هنا تأتي وظيفة الدين الاجتماعية، ذات طابع براغماتي (نفعي)، إما لإرضاء الله والحصول على مكافأة الجنة، أو لإرضاء المجتمع وتحقيق منافع شخصية حياتية. فكم من إنسان حج إلى بيت الله كي يستغل صفة (الحاج) التي تعطيه مصداقية أمام المجتمع وعلاقاته. وكم من إنسان كان منحرفاً في أخلاقه فتاب إلى الله، واستطاع بتوبته تبيض أخلاقه بتربية دقنه وحمل سبحته ومسواكه، أو في صلاته وصيامه...إلخ.

رابعاً: الوظيفة الثقافية: وهي برأي الوظيفة الأكثر تعقيداً، والأكثر خطورة على حياة الفرد والمجتمع، كونها تشكل حاجزاً أمام إبداعات الإنسان. فالثقافة كما نعرفها هي كل ما قام الإنسان بإنتاجه تاريخياً عبر علاقته مع الطبيعة المجتمع من قضايا مادية وروحية بما فيها قابليات الإنسان ومهاراته الفكرية والعضلية التي اكتسبها عبر تلك العلاقة التاريخية. وإذا كان الدين بمفهومه السلفي يسمح بممارسة النشاطات العملية للثقافة في الزراعة والصناعة والتجارة، إلا أنه يحد كثيراً من ممارستها عبر إبداعات الإنسان الروحية أو المعنوية، كالفن والأدب والفلسفة وتشغيل العقل ومهاراته في التحليل والتركيب من أجل ابتداع الحلول الكفيلة لتخليص الإنسان من العذابات التي يولدها لنفسه أثناء إنتاجه لخيراته المادية، حيث يتحقق ضياعه وغربته واستلابه وتشييئه عبر هذا الإنتاج.

لقد حارب الدين بفهمه السلفي هذا، الفن الذي يمثل جسد الإنسان، كون هذا التجسيد برأيهم يمثل حالة وثنية قام الإسلام بمحاربتها، وبذلك قتلوا إبداعات الإنسان الفنية تحت مفهوم الحرام. وهذا ينطبق على تناول الفلسفة التي تحرك عقل الإنسان الذي يميز من خلاله بين الصح والخطأ، فقالوا إن الفلسفة تؤدي إلى الإلحاد، وكذلك حاربوا الفن القصصي، تحت ذريعة أن القرآن يقص علينا أحسن القصص.. وهكذا بمثل هذه الوظيفة القمعية للثقافة بإسم الدين، قد تم القضاء تاريخياً على أهم إبداعات الإنسان ومهاراته التي هي وحدها من يستطيع العودة به دائماً إلى مرجعيته الإنسانية، ليفسح في المجال واسعاً أمام ثقافة كره الحياة والتعصب والشعور بالتفوق على الأخر المحتلف ليس في الدين فحسب، بل وفي العقيدة ذاتها التي تحولت إلى مذاهب وفرق عدّة. هذا إضافة إلى اجترار ثقافة أحادية الجانب تجاوزها الزمن منذ ألف عام ونيف، هذه الثقافة التي أُعطيت صفة التقديس، وتحولت مع مرور الزمن إلى جزء من التكوين النفسي والأخلاقي والوجداني والمخيالي للفرد والمجتمع، الأمر الذي جعل الكثير من المسلمين يعيشون حالات من الانفصام والازدواجية ما بين قيم العصر الذي يعيشونه، وهي القيم التي تفرض نفسها بالقوة على حياتهم اليومية المباشرة، وبين قيم الماضي التي تغذي قلوب وعقول الناس عبر المدرسة والإعلام والجامع، كي تعمل دائماً على إعادة إنتاج عالم الغيب بديلاً من عالم الشهادة، عالم كره الحياة بدلاً من عشقها، عالم حور العين وسواقي الخمر والعسل واللبن، وجنان الخلد، بدلاً عن عالم الأرض التي أمر الله تعالى أن يكون الإنسان فيها خليفة له.

 

كاتب وباحث من سورية

 

ظهرت منذ اكثر من قرن تساؤلات قوية لم تجد لها اجابة واضحة وحاسمة لحد الآن حول ما اصاب حضارتنا من ضمور وانحلال. وهذه التساؤلات كما انها ظهرت في اوساط المسلمين فإنها كانت حاضرة ايضاً في الاوساط الغربية المختصة. بل يمكن القول ان للتفكير لدى هذه الاوساط الاخيرة اهمية خاصة. فليس فقط لكونه يعد اعترافاً ضمنياً من «الاخر» بحق ما كانت تحمله الحضارة الاسلامية من امكانات التواصل والتطور والازدهار، بل الاهم من ذلك هو انها ادركت بالدليل القاطع ان السبب الاساس الذي جعل النهضة العلمية الغربية تبدأ شوطها هو ذاته كان مسبوقاً من قبل المسلمين، إن لم نقل ان ما حصل في النهضة العلمية الغربية انما كان مأخوذاً عن المسلمين انفسهم، بشكل او بآخر. ولست اقصد بذلك الترجمات الكثيرة لعلوم العرب والمسلمين التي بدأت منذ القرن الثاني عشر الميلادي فصاعداً، بل ما قصدته هو انه رغم ما اصبح من المسلمات العامة بأن النهضة العلمية الغربية قد بدأت بفعل الانقلاب الحاصل في علم الفلك خلال القرن السادس عشر الميلادي، والذي يؤرخ بأنه نقطة البداية للعلم الحديث، الا ان هذه النقطة كانت مسبوقة لدى المسلمين بأكثر من قرن ونصف من الزمان.

فقد تناول الكثير من المسلمين والمختصين الغربين البحث في علة ضمور وإنحلال الحضارة الإسلامية بعد اعتلائها عرش العلم والقوة والسيطرة كأعظم حضارة في العالم؛ إلى الدرجة التي كادت تبتلع فيه هذا العالم بأسره. الأمر الذي حيّر المفكرين منذ ما يزيد على قرن من الزمان، سواء المسلمون منهم أم ذوو الاختصاص من الغربيين. فمن أبرز من اهتم بهذا الشاغل من المسلمين عبد الرحمن الكواكبي وشكيب أرسلان وابو الحسن الندوي وغيرهم.

أما الغربيون فالكثير منهم يعترف بأن هذه الحضارة كانت متقدمة على غيرها من الحضارات الأخرى في جميع المجالات العلمية والأدبية، كما ويعترف في مساهمتها بقيام النهضة الغربية الحديثة، وكونها توسطت بنقل الحضارة الاغريقية إلى الغربية. فقد استفاد الاوروبيون إفادة عظيمة لما بذلوه من جهود في ترجمة الكتب والنصوص العربية، مثلما استفادوا من التعرف على الحضارة الاغريقية عبر الترجمات العربية، ولولا ذلك ما كان لهم أن يعرفوا الكثير عن تلك الحضارة، بل ولا كان بإمكانهم أن يفعلوا شيئاً مهماً حول ما تمّ لهم من نهضة. وبالتالي ما الذي يجعل حضارة عظيمة بذلك القدر والقوة إلى أن تقع في الضعف والإنحلال؟

فهذا السؤال ما زال مطروحاً لدى الكثير من ذوي الاختصاص. وسبق للمستشرق (توبي هف) أن قارن في كتابه (فجر العلم الحديث) بين ثلاث حضارات عظيمة هي الحضارة الصينية والإسلامية والغربية، ورأى أن الصين رغم أنها كانت عظيمة لكنها لم تستطع الاستمرار والنمو لإعتبارات يتعلق بعضها بلغتها المعقدة وكونها منغلقة على نفسها. وهو أمر لا ينطبق عما حدث للحضارة الإسلامية، وظل اللغز محيراً لدى العديد من المفكرين المختصين، رغم ما يذكر من أسباب متعددة أدت بهذه الحضارة إلى أن تنكمش وتتحنط شيئاً فشيئاً. فالمحير لدى هؤلاء هو أن الحضارة الإسلامية وصلت في بعض مراحلها التاريخية إلى أن تكون حضارة عالمية لا تضاهى قوة وعلماً، سيما فيما يتعلق بالقوتين الإقتصادية والعسكرية كما يشير (برنارد لويس) إلى ذلك. وكذا فيما يتعلق بالقوة العلمية الهائلة كما يشير إليها (توبي هف).

وبالتالي كان العديد من المختصين الغربيين يتصورون بأن من المفترض أن تكون النهضة الحضارية الأعظم هي للحضارة الإسلامية لا الغربية، بإعتبار أن جميع شروط التقدم العلمي كانت متوفرة لدى هذه الحضارة، لكن الأمور مع ذلك أخذت مجرى آخر، مما جعل السؤال ملحاً حول علة توقف هذه الحضارة، بل وتراجعها مع أنها أمدّت أكسير الحياة إلى غيرها. وهو سؤال محير، لا سيما أن هذا التراجع قد اقترن بنهضة الغرب وتطوره.

ومع أن الغربيين كثيراً ما يوردون الأسباب الدينية والسياسية والقانونية كموانع لتواصل الحضارة الإسلامية وتطورها، لكنها عوامل غير كافية؛ سيما المتعلقة بالأسباب الدينية، إذ لو كانت هي نفسها عامل إعاقة؛ كيف نفسّر ما حدث من تطور كبير جعل الحضارة الإسلامية في وقتها أعظم وأقوى حضارة في العالم؟

فمثلاً أشار المستشرق (برنارد لويس) إلى جملة عوامل معيقة جعلت المسلمين يأخذون بالضعف شيئاً فشيئاً، من أهمها العامل السياسي، حيث الإنقسامات الداخلية ضمن الخلافة الإسلامية والتي طالت قروناً طويلة، وما أتبعها من حروب داخلية ألهت المسلمين عن عدوهم الخارجي المتربص وانهكت قواهم. فهذا هو السبب الرئيسي الذي أفضى إلى ضعف الخلافة الإسلامية وإضمحلالها. يضاف إلى ذلك هو أن المسلمين لم ينتبهوا إلى التطورات النامية التي حدثت في الغرب طيلة قرون عديدة بما في ذلك القرن السابع عشر الميلادي، والتي شكلت فيما بعد دوراً مهماً في القضاء على الخلافة وتقسيم البلاد الإسلامية وإضعافها أكثر فأكثر. فعندما فتح المسلمون بعض البلاد الاوروبية وجدوها غارقة في التخلف والهمجية. وبحسب وجهة نظر هذا المستشرق أن الخطأ الذي ارتكبه المسلمون هو أنهم لم يغيروا النظرة التي رأوا فيها الغرب بربرياً همجياً، فرغم تقادم الزمن بقرون طويلة ظل المسلمون ينظرون إلى الغرب بذات النظرة المسبقة دون إلتفات إلى ما تحقق فيه من تقدم وتطور، سيما خلال ذلك القرن الذهبي (السابع عشر)، إذ ظهرت فيه كتابات اوروبية غزيرة دون أن يترجم المسلمون منها شيئاً لعدم علمهم بها. وفي هذا القرن بالذات كان هناك عدد كبير من التجار الاوروبيين يفِدون الديار الإسلامية دون أن يدرك المسلمون خطورة دورهم تبعاً لتلك النظرة المسبقة عن الغرب، فقد كانوا يقدّمون لأوروبا كل ما تحتاجه من معلومات تتعلق بما يجري في الشرق، الأمر الذي سهّل على اوروبا غزو البلاد الإسلامية ومن ثم استعمارها. وأكثر من هذا أنه ظهرت لدى الغرب في ذلك القرن مهن وثروات كبيرة من غير علم المسلمين أيضاً. ولا شك أن كل ذلك قد ساعد اوروبا في أن تبني نفسها بمعزل عن المعوقات الخارجية، في الوقت الذي حرم المسلمين من الاستفادة من الإمكانات الغربية الجديدة، بل جعل منهم الفريسة التي تقاسمها الغرب فيما بعد .

فمنذ نهاية القرن السابع عشر فقدت الخلافة العثمانية الكثير من الأراضي بسبب الإنقسامات الداخلية، وأصبحت من الناحية العسكرية ضعيفة. وخلال القرنين التاسع عشر والعشرين كان التفاوت بين الغرب والمسلمين كبيراً جداً، إذ انقلبت المعادلة فأصبح الضعيف المتخلف قوياً متقدماً، كما أصبح القوي المتقدم ضعيفاً متخلفاً. وبالرغم من الكثير من الصيحات والدعوات التي نادت بالإصلاح والنهضة في العالم الإسلامي، منذ أكثر من قرن وحتى يومنا هذا، فإنها جميعاً باءت بالفشل.

وبرأي برنارد لويس فإن المصلحين من المفكرين في العالم الإسلامي كانوا وما زالوا واقعين في الخطأ نفسه عند تحليلهم لما حدث لهذا العالم من ضعف وإضمحلال، فهم يضعون اللوم في ذلك على (الآخر)، ويتصورون أن مسؤولية التخلف وعدم القدرة على النهوض والتقدم إنما مبعثه هذا (الآخر)، شبيه بما يطلق عليه اليوم (منطق المؤامرة الخارجية). فالعرب كانوا يضعون اللائمة على الأتراك بسبب الحكم العثماني، والمسلمون يعدون مشكلتهم مع التخلف قد بدأت بفعل الغزو المغولي، وبعد ذلك بسبب مجيء المستعمر الغربي، وبعده اعتبروا المسؤولية ملقاة على اليهود، وأخيراً على أمريكا.

هكذا تقع اللائمة دائماً على الآخر، في حين أن القضية في رأي لويس معكوسة، وهي أن الاستعمار لم يتحقق إلا نتيجة ضعف المسلمين وتخلفهم، وليس سبباً لهما. فلولا الضعف والتخلف ما كان هناك استعمار قط. ورأى أن على المسلمين أن يكفوا عن إتهام (الآخر) لتفسير علة عجزهم وضعفهم، وأن يغيروا صيغة السؤال المطروح لديهم (أين الخطأ؟) ويستبدلوه بسؤال أكثر تحديداً، وهو:

ما الذي فعلناه خطأً؟

ويقترب الكاتب في هذا السؤال من مقالة مالك بن نبي حول الدور الذي تلعبه القابلية على الاستعمار لنفوذ هذا الأخير.

لكن النتيجة التي يخلص إليها هذا المستشرق كجواب عما تضمنه إسم كتابه من سؤال (أين الخطأ؟)، هو أنه اعتبر الدين، ومنه الدين الإسلامي، من أكبر المعوقات والمحددات للتطور، بإعتباره ليس مؤهلاً لإعطاء المزيد من الحرية مقارنة بما عليه قيم الحداثة. ورغم إعتراف هذا المستشرق بالتطور الذي حققه المسلمون في السابق، لكنه لا يرى ذلك كافياً، بدلالة أن المسلمين خلافاً للكثير من الأمم المتقدمة ليس بوسعهم النهضة والتقدم. والشاهد الحاضر عنده هو تقدم الغرب بفعل عزل الدين عن الشؤون العامة، حيث مهّد ذلك لإطلاق الحريات ومنها الحرية الفكرية والعلمية والإقتصادية والسياسية، الأمر الذي تشكلت منها الحضارة الغربية الحديثة بما لا نظير لها.

وبالتالي فالحل الذي يرجوه هذا المستشرق هو العمل بمثل ما قام به الغرب في فصله للدين عن السياسة وتبني مبدأ العلمانية، لتحرير العقل عن الدين وقيوده. مع أن شاهد تركيا الحديثة لا يؤيد مسعاه.

مهما يكن فما زال البحث جارياً لدى الباحثين المختصين حول علة التراجع الذي أصاب الحضارة الإسلامية، ومن المتوقع أن يزداد ضوء البحث على مجمل هذه الحضارة بعد أحداث 11 سبتمبر (ايلول)، سواء من حيث طبيعتها ومقوماتها الذاتية، أو من حيث علاقاتها الخارجية. فالسؤال الذي سيتجدد حولنا من قِبل «الآخر» هو ذلك الذي يبحث عن هويتنا، بكل ما تثيره هذه الكلمة من أبعاد موضوعية وقيمية :

فمَن نحن؟!

 

النهضة والتساؤلات المحمومة

أخيراً بقيت معنا التساؤلات المشبعة بالعاطفة «المحمومة»، إذ تضيق لها الصدور لما تثيره فينا من «هم وغم»، فما زال السؤال الشاغل الذي يهيمن على نفوسنا هو: لماذا تخلفت الحضارة الإسلامية وتقهقرت فعاشت مرحلة السبات والغيبوبة لعدة قرون؟ فهل أن ذلك يعود إلى نظامها المعياري بإعتبارها حضارة تكليف قد استنفدت طاقة النص والعقل بالكامل، فلم يبق لديها شيء آخر تتفاعل معه سوى أن تأكل نفسها بنفسها، كالذي حصل في مؤاكلة العقل للعقل ذاته، والإجتهاد للإجتهاد؟

فمن المعلوم أن حضارتنا الغائبة هي غير حضارة اليونان الممتثلة. فإذا كنّا لم نجد «صرخة» تطالب بإعادة تأسيس الحضارة اليونانية من جديد، لكونها قد امتثلت في حضارة أخرى هي الحضارة الغربية، أو لأنها ماتت وانتهت على أقل التقادير، مما يعني أن السكوت المتعمد بالمطالبة بتلك الدعوة يضع الحضارة اليونانية موضع «الشيء المهمل» الفاقد لمبرر قيامه توظيفاً وتشغيلاً.. فإذا كنّا لم نجد مثل تلك الصرخة مع الحضارة اليونانية، ومثلها الحضارات القديمة، فإن الأمر مع الحضارة الإسلامية يختلف كلياً. فمن جهة إن «الصرخة» للمطالبة بإعادتها ليست غائبة ولا ميتة كما هي الحال مع سابقاتها. كما إن هذه الحضارة - من جهة أخرى - ليست ممتثلة ولا فقدت روحها كالجثة الهامدة.

فروح الإجتهاد - على حدودها الشكلية - ما زالت عالقة بأوصالها، كما أن صرخة المطالبة بإعادتها لا زالت تتردد منذ الإصطدام بالحضارة الغربية والتوسع الاستعماري أوائل القرن التاسع عشر والى يومنا هذا.

والحقيقة إن هناك صرختين ظهرتا خلال هذه الفترة، تنفصلان أحياناً وتتحدان أخرى، إحداهما تدعو للنهضة القومية، سيما النهضة العربية، سواء من خلال الإلتحام بالتراث الإسلامي أو بالإنفصال عنه كما لدى الدعوات العلمانية. أما الأخرى فتدعو للنهضة الإسلامية بغض النظر عن الجانب القومي. وعلى الرغم من طول مدة ما أُطلق عليه «النهضة» على الصعيدين العربي والإسلامي، إلا أنه لم ينحسم المخاض بين النهوض والنكوص حتى يومنا هذا، رغم مخاض العقود الأخيرة لنهاية القرن العشرين التي شهدت تطورات ليس لها نظير في تاريخنا القديم والحديث.

إن التفكير في النهضة ومدتها يطرح في ذاته تساؤلاً «محموماً» حول ما إذا كان العجز متأصلاً في عروقنا، أم أن هناك عاملاً مغيّباً ينبغي تجهيزه كشرط مقوم للنهضة والوقوف على الأقدام؟

لقد صوّر لنا القوميون العرب مرارة ما شهدناه خلال القرن العشرين من تجربة قومية فاشلة لمشروع النهضة العربية. فالوعي النهضوي الذي بدأ منذ القرن التاسع عشر قد تحول منذ أواخر الخمسينات إلى وعي ثوري، لكنه ما لبث أن نكص وتراجع بعد هزيمة (1967)، فخيبة الأمل والشعور بالإحباط والفشل قد أعاد الأمر إلى ما كان عليه من قبل، ألا وهو الوعي النهضوي الذي ما زال يملأ وجدان الضمير العربي. ومن القوميين العرب من عبّر عن هذه الأزمة تعبيراً مشبعاً بالعاطفة وحمّة الوجدان، كما هو الحال مع الاستاذ شاكر مصطفى الذي تساءل في ندوة له: «لماذا تطلّب وفاق العرب مع العصر كل هذا الوقت الطويل، ودون جدوى؟» ثم أضاف قائلاً: «هذا السؤال المصيري، النازف كالجرح في ضمير كل عربي ملتزم، إذا كان ما يزال يأخذ يوماً بعد يوم أبعاداً مأساوية متزايدة فلأنه قد مضت على ارتطام هذه الأمة بالحضارة الحديثة وبمعطياتها وآلاتها سنون بعيدة بعيدة. كتلة الأقاليم العربية مضت عليها الفترة الزمنية الكافية لتكون في مستوى العصر وتكنولوجيته وفيضه الحضاري. معظمها على الأقل إنطلق قبل الصين التي بدأت منذ ربع قرن، بعضها قبل روسيا التي بدأت منذ سبعين سنة. ومع ذلك فهذه الأمم وصلت. كلها وصلت، بينما لم يصل أي اقليم عربي طليعي إلى شيء بعد. مأساوية السؤال إنما تنبع من إحتمالات الأجوبة عليه: فهل وصلت الأمة حقاً مرحلة الشيخوخة فهي إلى الإدبار والعقم الحضاري؟ أو أضاعت الطريق؟ وأنى الطريق؟ أم ثمة من الأمراض المعقدة في تكوينها العام، ما يشل المفاصل أن تسير السير الذي يقتضيه ايقاع العصر؟ تلك هي المسألة» .

ويأتي منظر قومي آخر هو الاستاذ محي الدين صبحي ليلاحظ أنه منذ القرن التاسع عشر - المدعو بعصر النهضة - وحتى يومنا هذا ومحاولات النهضة لا زالت تتكرر: «قامت مرة على يد محمد علي.. وفي مرة ثانية بدأت بين الحربين نهضة استهدفت التحديث حصلت خلالها أمور كثيرة: كان الغرب في عصر النهضة الصناعية الأولى، عصر البخار، فاجتاز تلك النهضة ودخل عصر الطاقة والكهرباء، ثم الثورة الإلكترونية، كما حدثت ثورات إجتماعية كثيرة أيضاً، بدأت بالثورة البلشفية وتلتها الثورة الصينية ومؤخراً الثورة الفيتنامية، ولم يستطع العرب أن ينجزوا أي نوع من أنواع الثورتين: العلمية أو الإجتماعية السياسية، ولم يستطيعوا أن يقيموا دولتهم القومية أو أن يقدموا الضمانات القانونية الضرورية لنشوء العمران». وأكثر من ذلك أن المسافة بين تخلف العرب وتقدم الغرب أخذت «تزداد ولا تنقص: في القرن التاسع عشر كانت المسافة بسيطة نسبياً بين المجتمع المصري والشامي وبين المجتمعات الغربية الصناعية.. كان العرب إلى حد ما على اطلاع بما يجري في العالم، وكانوا أكثر قدرة على محاكاته، أما الآن فالمسافة تتسع وتنظيم المجتمع يتعقد ومعطيات السياسة العالمية تتشابك، ويضيق على العرب شيئاً فشيئاً بحكم تصارع القوى» .

وهناك منظر عربي آخر عبّر عن مأساوية الوضع الذي نحن الآن فيه، وعن مخاوف المصير التي تهددنا، فكما يقول الاستاذ غالي شكري في مجلة (دراسات عربية، 1980): «ولعلنا نصاب بالهلع إذا تذكرنا أن المسافة الزمنية التي تفصل بين نهاية ازدهار الحضارة العربية الإسلامية الأولى وبداية النهضة الحديثة في القرن الماضي تبلغ حوالي ألف سنة، بما يثير تساؤلاً مروعاً هو ما إذا كنا قد دخلنا بالفعل مرحلة انحطاط جديدة ستدوم ألف سنة أخرى. ولكن الجواب الأكثر ترويعاً هو أنه إذا كان ممكناً لأسلافنا أن يناموا كأهل الكهف عشرة قرون، فإن العصر الجديد يخلو من الكهف ويستحيل فيه النوم الحضاري الطويل، بل هو يضعنا في مفترق طرق حاسم لا رجعة فيه: فإما التقدم وإما الإنقراض، ولا طريق ثالث أو وسط بينها» .

أما الدعوة إلى النهضة الإسلامية فقد اجتازت مرحلتها إلى التطبيق والثورة منذ الربع الأخير للقرن العشرين، لكن مع ذلك فلا زال المخاض لم يحسم الموقف لصالح النجاح أو الفشل.

إن هذه التجربة الجديدة جاءت على عقب تجربتين فاشلتين مرّ بهما العالم الإسلامي، إحداهما التجربة القومية العربية بعد منتصف القرن العشرين، والاخرى التجربة العلمانية التي مرت بها تركيا بعد إنتهاء الخلافة أوائل هذا القرن. الشيء الذي يعني أن هناك المزيد من المخاوف من الوقوع في نفس الفشل الذي لاح كلا التجربتين القومية والعلمانية، رغم أن التجربة الأخيرة أخذت – اليوم - تسير في الإتجاه الإصلاحي عبر تهذيب العلمنة اللائيكية.

وعادة ما تعاني التجارب الإسلامية من أزمة في الحقوق إزاء الآخر المختلف، وغالباً ما تتمثل بالطابع الديني والطائفي، وقد يصل الحال إلى التطرف والتكفير والقتل وسحق الحقوق الإنسانية. لكن مع التجربة الجديدة فيلاحظ أن أزمتها تتحدد بالطابع القومي العنصري، رغم أنها تمتلك مرونة كبيرة قد يجعلها تتجاوز مثل هذه الأزمة بترسيخ العدالة الإجتماعية والإصلاح.

وإذ لا نكتم الإعلان عن مخاوف الوقوع في الفشل وما يترتب عليه من آثار باهضة، فإنّا نراهن على أن حل مشكلة كهذه يرتبط أساساً بعلاج طبيعة التفكير الذي هيمن علينا مما له علاقة وثيقة بنمط الإشكالية التي تستحوذ على عقولنا. إن التعرف على هذه الطبيعة سيدلنا على إدراك العلة الأساسية وراء الجمود والسكون الذي اجترته حضارتنا طيلة قرون، بل أنه كذلك سيضيء لنا الطريق المناسب للتحرر والخلاص.

 

مفكر وباحث عراقي

.............

انظر:

Bernard Lewis, Waht Went Wrong, New York, Oxford University Press, 2002.

والكتاب عبارة عن مجموعة محاضرات تعود إلى المؤرخ والمستشرق (برنارد لويس) الوالد في لندن، حيث القى الغالب منها خلال سنة 1999 في بعض جامعات فيينا، ومن ثم جمعت لتكوّن هذا السفر، مع بعض التعديلات التي الحقها المؤلف بعد احداث 11 سبتمبر (ايلول)، سيما ما يتعلق بالنتيجة التي اسفر عنها الكتاب. وبرنارد لويس هو استاذ للدراسات الشرقية في جامعة (برنكتن)، كما أن له عدداً من الكتب والدراسات حول الشرق الأوسط، بعضها تم ترجمته إلى اللغة العربية. ومن هذه الكتب: العرب في التاريخ، وقيام تركيا الحديثة، وفتح المسلمين لاوربا والشرق الأوسط.

2- عن: محمد عابد الجابري: إشكاليات الفكر العربي المعاصر، الطبعة الأولى، 1989م، مركز دراسات الوحدة العربية، ص132.

3- مجلة شؤون عربية، عن الخطاب العربي المعاصر لمحمد عابد الجابري، دار الطليعة في بيروت، الطبعة الثالثة، 1988م، ص26ـ27.

4- المصدر السابق، ص27.

abduljabar alrifaiبعد إعصار "إسلام داعش"، وتهديده للسلم العالمي، ودعوته وممارسته لإحياء ما نسخه التاريخ من الأحكام، مثل ممارسته "إحياء الرقّ قبل قيام الساعة"، حسبما أعلن عنه على غلاف عدد أكتوبر 2014، من نشرته "دابق"، وما فعله داعش من سبي واسترقاق لنساء الإيزيديين في سنجار، مبررا ذلك في أنه يحرص على تطبيق أحكام الفقهاء الخاصة بالمشركين، كما جاء في بيانه: (بعد الاستيلاء على سنجار، كُلف طلبة العلم الشرعي في الدولة الإسلامية بالقيام بالبحث في أمر الإيزيديين ليتم تحديد هل يجب معاملتهم كطائفةٍ شركيةٍ في الأصل أم أنها جماعةٌ من المسلمين الذين ارتدّوا، فتبين أن الأصل الواضح لهذا الدين وُجد في المجوسية في بلاد فارس القديمة، لكن دخلت فيه معتقدات من الصابئة، واليهودية، والمسيحية. ووفقًا لذلك، تعاملت الدولة الإسلامية مع هذه الطائفة، كما بين أغلب الفقهاء، كتعاملها مع المشركين)!

هل يمكن أن يشكك أحد في المأزق والأزمة العميقة للتفكير الديني في الاسلام، واننا اليوم في مفترق طرق؟!

وكيف اننا جميعا نهرب من تسمية الأشياء بأسمائها، ونلجأ لحيل، تتكتم على ما تضج به المدونة الكلامية والفقهية من آراء وأحكام: المشركين، أهل الذمة، الرق، الجزية، الردة..الخ. وتكفير الفلاسفة وذوي التفكير الحر، وأتباع الفرق والمذاهب، فقد كفّر ابن تيمية "الذي يمثل تراثه منهلا للجماعات السلفية، ومنها أخيرا داعش"، كفّر: الفلاسفة، والمتصوفة، والجهمية، والباطنية، والاسماعيلية، والنصيرية، والامامية الإثني عشرية، والقدرية . ولم ينفرد ابن تيمية بذلك، بل نعثر على غير واحد من الفقهاء من يفتي بكفر هؤلاء، وربما غيرهم، خاصة تلامذة مدرسته، ومن ترسموا منهجه في التفكير.

ولم يزل تراثه وسواه حاضرا فاعلا مؤثرا، عبر دراسته وتدريسه، وتبني آثاره في البحث والكتابة والمناظرة، واتخاذه مرجعية للتقليد في التدين والسلوك والتعامل مع الآخر والعيش. فلا تغيب آثاره عن أية مدرسة أو معهد للشريعة والدراسات الاسلامية، سواء كان تقليديا أو حديثا. كما تخصصت عشرات القنوات الفضائية بتقديم فتاواه ومقولاته، مضافا الى حضوره المكثف في خطب الجمعة التي تذاع من عشرات الآلاف من المنابر في مختلف أنحاء العالم الإسلامي، وتمحور جهود مراكز بحوث ودوريات ودور نشر عديدة على نشر مفاهيمه والتبشير بفتاواه والدعوة الى معتقداته.

ولم يجرؤ معظم الباحثين في الاسلام المعاصر بالإشارة الى ما ينبعث من آثاره من تكفير وأوامر بقتل المختلف عقائديا وفكريا، والتنبيه الى أن تراثه هو منجم معظم ما تشبعت به أدبيات الجماعات الاسلامية من السموم. بل تحمس بعض المفكرين في بلادنا العربية بالإعلان عن ضرورة العودة اليه، بوصفه أهم مفكر وفقيه ظهر في تاريخ الإسلام، وأية محاولة تقفز عليه أو تتخطاه، انما تغامر بفقدانها أصالتها وافتقارها لتمثيل الأمة والإسلام وحضارته.كما نجد مؤسسات ومراكز أبحاث، خلعت على نفسها شعار التجديد، وأسلمة المعارف والعلوم، تهتم بنشر مؤلفات ورسائل جامعية وأبحاث تعمل على إنشاء مفاهيم لتجديد التفكير الديني في الاسلام تتوكأ على مقولاته، بينما تتكتم ولا تعلن عن تلك المرتكزات والمقولات التي تصدر عنها وتنبثق منها الكثير من فتاوى الذبح والاسترقاق والسبي لداعش وشقيقاتها المعلنات والمضمرات.

وسيدرك الجميع متأخرين؛ ان هذه المقولات الاعتقادية والفتاوى الفقهية، التي تشبعت بها عقول عدة أجيال في مجتمعاتنا، وتفشت في المقررات الدراسية في كافة المراحل، وطغت في سلوك السلفيين، انها ستلتهم الجميع في خاتمة المطاف.

من المؤسف إن بعض السلطات تدعم مراكز دراسات ومؤتمرات وحلقات نقاشية ودوريات وصحف تدعو للدولة الوطنية الحديثة، والحوار والتسامح والتعايش، ومكافحة الارهاب، لكنها لا تريد أن تفتح الجراح العميقة، وتكشف عن مخزون العنف والكراهية، وكل ما هو ضد للحوار والتعايش والتسامح في مدونة الكلام والفقه الموروث.

المشكلة إن التربية على هذا اللون من التفكير في النظام التعليمي، والتبشير به في وسائل الإعلام والفضائيات، ومنابر المساجد، تفضي الى ذبول الحياة الروحية، وهشاشة الحياة الأخلاقية، ذلك أنه كلما اتسعت مساحة العقل السلفي ضاق فضاء الروح واختنق القلب. إذ كيف يستطيع قلب مسكون بالرعب من الله، والخشية من بطشه، والقلق من المصير الأخروي لعذابه؛ أن يكون محبا لله، متيما بوصاله، ملتزما بقيمه وبالمؤشرات الأخلاقية والروحية لأنبيائه ورسله!

مضافا الى أن سيادة هذا العقل يقوّض مفهوم دولة المواطنة الحديثة، وينفي مشروعية أصولها الدستورية، ويهشم برامجها التنموية. بوصف وظيفة دولة الخلافة في منطق العقل السلفي هي خدمة الله وليس خدمة الانسان، بينما مفهوم الدولة الحديثة يتأسس على ان وظيفتها تتمحور على خدمة الانسان، وتأمين كافة متطلبات حياته المادية وغيرها.

مع تفشي ثقافة التكفير في حياتنا، وتشبع وعي الناشئة بها، وترسبها في طبقات اللاوعي العميقة في شخصية أبنائنا، لا يمكننا أبدا بناء ميثاق للمواطنة؛ يكون النصاب فيه هو الانتماء للوطن فقط، والمساواة في الحقوق والواجبات. كيف ينسجم مفهوم المواطنة، مع مقولات وفتاوى مترسبة في تكويننا منذ الطفولة، تنص على ان الشركاء في الوطن، ليسوا سوى مرتدين ومشركين ونجسين وأهل ذمة، أو كفارا، مثل اليزيديين في العراق، لا خيار لهم، الاّ الإسلام أو القتل! وأية حياة روحية تستنبت وتنمو وتزدهر في سياق الكراهية والتعصب ونفي الآخر!..وكيف تتشكل منظومات القيم الأخلاقية في هذه المناخات الملعونة! وهل نستطيع بناء دولة مواطنة حديثة من دون حياة روحية أصيلة، وحياة أخلاقية لا تفتك بها السموم!

المأزق يكمن في الأسس ومناهج التفكير والأدوات المتوارثة المنتِجة للتفكير الديني في الإسلام، التي يكرّر العقلُ الإسلامي فيها ذاتَه باستمرار، ولا يني ينسخ ماقاله الأوائل، ولم يخرج من نسَجَ على منوالهم واقتفى آثارهم عن تلك القواعد والآراء في الغالب، إلاّ بحدود بيان القاعدة وشرح العبارة وشرح شرحها والتعليق عليها وتوضيح المراد واستخلاص المضمون.

ينبغي الاّ نفتقر للحسّ التاريخي في دراسة الموروث الديني، ولابد من الخروج عن المناهج والأسس والأدوات الموروثة لهذا التفكير، بوصفها قيودا، تعطّل العقلَ، وتسجن عمليةَ التفكير الديني في مدارات مغلقة، لا تكف عن التكرار والاجترار، تبدأ من حيث تنتهي، وتنتهي من حيث تبدأ. تبدأ من أصول الشافعي ولاهوت الأشعري لتنتهي بهما، وتنتهي بهما لتبدأ منهما...وهكذا.

نطمح بمرافعة من نوعٍ مغاير لمحاججات المتكلمين القدماء، لا تهدف هذه المرافعة الى تدوين ميثاق اعتقادي جديد، وانما تسعى لخلاصنا من شباك عقل الأسلاف، ومدارات تفكيرهم المحدودة بالفضاء المعرفي والمجال الدلالي لعصرهم.

من الضروري مساءلة المسلمات الموروثة الراسخة، في المنطق وعلم الكلام وأصول الفقه وعلوم القرآن والتفسير..وغيرها، وكل تلك الأسس والمرتكزات الراقدة في الطبقة التحتية لبنية المعارف الإسلامية، والمولِّدة للتفكير الديني في الإسلام، عبر اشتغالها على توجيه دلالات النصوص، في سياق منطقها الذي يفضي الى معنى محدد، يغدو هو الشريعة وأحكامها، وإن رفضه يعني رفضا للشريعة الإلهية. وهي لا تني تكرر هذا المعنى، وتعيد صياغته بعبارات بديلة، لكن المضمون يمكث على الدوام كما هو، مهما تقادم الزمان.

وكأنها بمثابة قوالب ثابتة يتشكل مدلول النص تبعا لها، فكما يأخذ الماء عادة شكل ولون الوعاء الذي يكون فيه، ولا يختلف لون وشكل الماء عن لون وشكل الإناء، هكذا النصوص توجه دلالاتها على الدوام أدوات ومناهج النظر التي تستنبط منها الأحكام، أي اننا مهما كررنا استعمال تلك القوالب ننتهي الى نتائج متفقة مضمونا وكيفاً، وإن اختلفت في صياغاتها وتفاصيلها وأسلوب التعبير عنها.

 

..................

- ملخص ورقة قدمها د. عبدالجبار الرفاعي، في "المؤتمر الدولي حول الأديان والقيم السياسية"، الذي نظمته "مؤسّسة أديان بالشراكة مع مؤسسة الأديان للسلام ومؤسسة كونراد أدناور للدراسات"، في جبيل- لبنان. بتاريخ 26 -28 تشرين الثاني 2014.

bobaker jilaliيربط 'حسن حنفي' ظاهرة التخلف العام في الواقع العربي والإسلامي المعاصر بغياب مشروع حضاري قومي على المستوى النظري، وبغياب نظرية محكمة في تفسير الواقع ترتبط بها النهضة وينطلق منها التجديد. ولما كان الموقف الحضاري غير واضح بل لم يتبلور ومن أسباب ذلك أزمة التغير الاجتماعي وأزمة المنهج في الدراسات والبحوث أي أزمة البحث العلمي، يقترح صاحب مشروع 'التراث والتجديد' مناهج وبدائل يربطها باللّغة وبمعاني اللّغة وبالأشياء تبعاً لأبعاد الفكر الثلاثة، اللّفظ والمعنى والشيء.

ولا يقوم العلم بدون لغة، والعلم الجديد مرتبط بلغة جديدة تكشف عنه، والتجديد بواسطة اللّغة هو بداية العلم. وهكذا مع الحضارة التي تتطور وتتجدد بفعل اللّغة وإذا ما ضاقت لغتها تُسقطها وتضع لغة جديدة قادرة على التعبير والتواصل. فالعلوم التراثية عندنا مازالت تستخدم اللّغة القديمة بمفاهيمها ومصطلحاتها في أصول الفقه وفي علوم التفسير وفي علوم الحديث وغيرها. "هذه اللّغة لم تعد قادرة على التعبير عن مضامينها المتجددة طبقاً لمتطلبات العصر نظراً لطول مصاحبتها للمعاني التقليدية الشائعة التي تريد التخلص منها ومهما أعطيناها معاني جديدة فإنها لن تؤدي غرضها لسيادة المعنى العرفي الشائع على المعنى الاصطلاحي الجديد. ومن ثم أصبحت لغة عاجزة عن الأداء بمهمتها في التعبير والإيصال."[1]

وإذا كانت معاني اللّغة القديمة هي معاني التراث أما اللّغة فهي لغة التجديد، لا يمكن إسقاط لفظ واستبداله بلفظ آخر يرادفه أو يشبهه بكيفية تلقائية. فلا تتجدد اللّغة بالإرادة بل فعل يحصل في الوعي لدى الباحث الذي يكتشف أن عجز اللّغة القديمة عن التعبير عن معانيها لارتباطها بثقافة حديثة وببيئة ثقافية جديدة عليها، والتجديد اللّغوي ضروري في هذه الحالة لأنه لا يتخلص من جمود اللّغة القديمة وعجزها على التعبير عن الماضي بل يتخلص من الغموض في الاستعمال، فيصبح التجديد اللّغوي أمراً ضرورياً طبيعياً لاستبدال اللّغة القديمة بالجديدة لأجل التعبير عن تجدد المعاني وفقاً لحاجات العصر ومتطلبات الواقع، والتجديد بواسطة اللّغة لا يغيّر أو يشوّه مضمون الفكر، فاللّفظ حامل للمعنى وموصول له يعطيه قوّة للتعبير عن نفسه بلفظ جديد يكشف عن معطى كان مخفياً في اللّغة القديمة، وهكذا مع لغة العلم، فاللّغة تلعب دوراً كبيراً في إنشاء العلم وبنائه. "بل إنه يمكن القول بلا أدنى مبالغة إن العلم هو لغة و أنّ تأسيس العلم هو إنشاء اللّغة."[2]

الحاجة إلى تغيير اللّغة التقليدية تصبح ضرورة عندما يعلن اللسان القديم على عجزه عن أداء وظيفته في التعبير والتواصل ويؤكد أن الخصائص المميزة له التي أدت مهمتها في التعبير والتواصل قديما صارت عيوباً وصعوبات تعيقه على التكيف مع البيئة الثقافية الجديدة. ولغتنا التقليدية أصبحت قاصرة وعاجزة عن التعبير والتواصل في واقعنا المعاصر لأنها ارتبطت بالإلهيات وبلفظة الله التي تحتوي على بعض النقائص في الاستعمال والتداول لكونها مادة لغوية تحدد المعنى أو التصور باعتبار المعنى مطلقاً يقصد التعبير عنه بلفظ محدود مقيد. وترتبط بالدين فألفاظها تشير إلى موضوعات دينية بحتة فأي لفظ ديني أصبح عاجزاً عن أداء وظيفته في الإيصال نظراً لارتباطه بمعاني عديدة جاءت نتيجة لطول تاريخ استعماله وقد تتعارض هذه المعاني أو بعضها مع المعنى الأصلي الأول الذي أعطاه الوحي، فاللفظ هنا مرتبط بالتاريخ وليس بالوحي. ومن هنا نجد اللغة في تراثنا القديم ذات طابع تاريخي لأنها تعبّر عن أحداث التاريخ لا عن الفكر. وكل الألفاظ في اللغة القديمة "لا تشير إلا إلى وقائع تاريخية، وأشخاص أو حوادث أو مناطق جغرافية، وليست مفاهيم علمية لها دلالـتها المستقلة... واللغة في تراثنا القديم لغة تقنينية تضم الوجود وتضعه في قوالب. فهناك قانونية المصطلحات في أصول الفقه، والتقسيمات العقلية في أصول الدين والفلـسفة علـى السـواء...ولكن لغة التقنين لا تصلح لكل عصر. فعصرنا مشابه لعصر الوحي القديم وقت نزوله... فالواقع يقتضي فكرة كما اقتضى الواقع القديم الوحي. صحيح أن تقنين الثورة من قاموسنا المعاصر ولكنه لا يعني فرض قوانين على الواقع بقدر ما يعني تنظيم ما يفرضه الواقع من تغيّر ثوري حتى لا يجهض أحد ما هذه التغييرات أو يستعملها لحسابه الخاص."[3]

بالإضافة إلى كون اللغة التقليدية ذلت طابع إلهي ديني تاريخي وتقنيني نجدها صورية مجردة، فالتقسيمات العديدة والتفريعات المتعددة في كل علم من العلوم التراثية مثل تقسيمات الوجود إلى ممكن وواجب ومستحيل وجوهر وعرض في الفلسفة أو علوم الحكمة وكذلك في علم أصول الفقه نجد أنواع العلل إلى موجبة وقاصرة ومؤثرة، وملائمة وغيرها. وكذلك الأمر في التصوف دون ربط ذلك بالواقع والتجربة الإنسانية الشعورية البحتة المعاشة حسياً وفكريا ونفسياً. تحولت تلك المفاهيم والتقسيمات إلى تجريد أفقد اللغة المتداولة ارتباطها المباشر بالإنسان والواقع. أما الألفاظ الجديدة مثل الأنا، الآخر، التاريخ، الثورة، التقدم، التخلف، والأزمة فهي تمثل أسلوب العصر ولغة الجيل ومنطق عمل وجدل في التاريخ وبناء في المجتمع. "إن التجريد ينشأ بعد نشأة العلم كموضوع وكمنهج وكبناء، ونحن الآن بصدد إعادة بناء العلوم من حيث النشأة. ومن ثم فمستوى التجريد في العلوم لا يلاءم مرحلتنا الحالية في إعادة بنائنا للعالم ووصف نشأته وتكوينه من جديد."[4] ولما رفض عصرنا اللغة التقليدية لكون ارتباط اللفظ فيها بشحنات تاريخية وخلافات مذهبية. تصبح من غايات 'التراث والتجديد' "عمل ثقافة وطنية يمكن التعبير عنها بلغة يقبلها الشعور العامي. فالألفاظ التي يتقبلها العصر هي التي يمكن استعمالها... ويعني أيضاً تطويع اللغة نشأتها واختيار ألفاظها إلى متطلبات الواقع حتى لا تقع في انعزالية الثقافة بصورية اللغة... اللغة التقليدية إذن قاصرة عن أداء وظيفتها في إيصال المعاني التي يمكن للباحث أن يعبر عنها للآخرين. فإذا بدأ الباحث برؤية الشيء وفهمه لمعناه ثم وضعه في اللفظ المناسب للتعبير فإن السامع يبدأ سماع اللفظ ثم يحدد معناه ثم يرى الشيء الذي رآه الباحث أولا. فإذا كان تجديد اللغة مهمّا بالنسبة للباحث بإعطائه المعنى وإشارته إلى الشيء فإنه مهم أيضاً للآخر باستقباله المعنى ورؤيته للشيء."[5]

وإذا كانت اللّغة التقليدية لا تفي بالغرض في تحقيق التغيير والتواصل لأنها تحمل تلك الخصوصيات التي أعطتها القدرة على التعبير والتواصل والإبداع في القديم، وصارت حالياً عيوباً تعيق التعبير والتواصل بل تزيد الأزمة تفاقما وتعميقا وتعقيداً فظهور لغة جديدة تفي بمتطلبات العصر وبحاجات الواقع ضرورة ملحّة وعاجلة، هذه اللغة الجديدة تزيح عيوب اللغة التقليدية وتستبدلها بخصائص أخرى تُسهل التعبير والإيصال. وأهم خاصية ينبغي أن تتوفر في اللغة الجديدة هي أن تكون عامة لتخاطب جميع الأذهان، فمن أهم خصائص العلم المضبوط أن تكون مفاهيمه ومصطلحاته عامة بحيث يستطيع كافة العلماء التعامل معها. وأن تصير قابلة للتغيير والتبديل ذات طابع عقلي غير قطعية لأن الثبات والقطعية والتوفيق في اللغة كل هذه الصفات تجعل منها مغلقة لا تقبل التجديد في ألفاظها وفي معانيها وفي وجودها ككل. ومما هو أساسي في اللغة يجعلها ذات وظيفة في الفكر وفي النفس وفي المجتمع وفي التاريخ والحضارة ارتباطها بما يقابلها في الحس والمشاهدة والتجربة أي ارتباطها بالواقع الذي تعيش فيه تكويناً وتعبيراً وتواصلاً وتجديداً. فالواقع هو المرجع والمحك للمعاني داخل الإشارات اللغوية. وبهذا يُصان الفكر من الألفاظ الخاوية وتختفي عزلة الفكر والمفكرين. والطابع الإنساني للغة يجعل الإنسان يستعملها مهما كان اتجاهه الفكري أو عقيدته، أما اللغة الخاصة فهي اصطلاحية تشير إلى مقولات غير إنسانية إذا عرفت التأويل والتفسير وتغذّت من مدلولات إنسانية. واللغة الجديدة في الواقع العربي والحالي لا ينبغي أن تكون مستعربة أو معربة بواسطة النقل الحرفي والصوتي للغات أخرى. بحجة قصور اللغة العربية، فذلك دعوة إلى ثقافات أخرى دخيلة. 'فالتراث والتجديد' جاء ليعبر عن فعل جماهيري ثقافي وطني يقرؤه الجميع، ويصيغ لغة واحدة مشتركة يستعملها جميع المثقفين بصرف النظر عن اتجاهاتهم المتباينة.

وفي 'التراث والتجديد' نجد ارتباط التجديد باللغة الجديدة وارتباط هذه اللغة بمنطق علاقة أبعاد الفكر فيما بينها، اللفظ والمعنى والشيء وفي هذا يقول 'حسن حنفي': "يمكن إخضاع التجديد اللغوي إلى منطق محكم يقوم على التعبير المطابق للمعنى والذي يقوم بوظيفته في الإيصال. فالمنطق اللغوي يشمل جانبين جانب التعبير وجانب الإيصال. وهما لا ينفصلان بل يشيران معاً إلى حياة اللفظ ودورانه بين المتحدث وبين السامع. ويمكن وصف هذا المنطق لتجديد اللغة بطرق ثلاث: إما بالانتقال من اللفظ التقليدي إلى معناه وإمّا بالانتقال من معنى اللفظ التقليدي إلى لفظ جديد، وإما بالانتقال من الشيء نفسه الذي يشير إليه التقليدي إلى لفظ جديد."[6] بالنسبة للحالة الأولى وهي الانتقال من اللفظ التقليدي إلى لفظ جديد لا لكون اللفظ القديم معيب لذاته بل لارتباطه بالتاريخ وتجريده من التاريخ لا يضمن صلاحيته مثل لفظ الإجماع أو الاجتهاد أما لفظ الخبرة بين الذوات أو التجربة المشتركة فهو لفظ معاصر ويدل على معنى اللفظ القديم دون كشف لعيوبه. أما بالنسبة للانتقال من المعنى الضمني إلى اللفظ الجديد، ففي حالات كثيرة يكون اللفظ القديم في معناه غير قادر على التعبير والتواصل فيعبر عن معناه الضمني بلفظ آخر جديد يكون قادراً على التعبير عن هذا المراد الضمني وتبليغه مثل التعبير عن معنى الكفّارة والحد بألفاظ جديدة مثل لفظة السلب ولفظة الإيجاب أو السالب والموجب. أما التجديد اللغوي بالانتقال من الشيء المشار إليه إلى لفظ جديد يقوم لوجود شيء يحتاج إلى لفظ يدل عليه و يحدث الأمر نتيجة التفاعلات الحضارية الفكرية والمادية كما يحدث نتيجة التطور والازدهار الحضاري في حياة الإنسان في جميع مستوياتها. "وأنه من التجاوز أن يسمى هذا اللفظ جديداً لأن ليس له مقابل تقليدي يعادله أو يوازيه بل نشأ نشأة تلقائية للتعبير عن الموضوع والإشارة إليه. فمثلاً ألفاظ صورة ومضمون وموضوعية، ألفاظ جديدة يمكن بواسطتها التعبير عن الهيكل العام لعلم أصول الفقه."[7]

لم يكتف 'حسن حنفي' بمنطق التجديد اللغوي الثلاثي الأبعاد والمكونات والذي يعطي قدرة كبيرة على التعبير عن المدلولات والبناءات المثالية الموروثة التي أغلقتها اللغة القديمة. بل اعتمد على مستوى حديث للتحليل في نظره يعطي مجالا خصباً وواسعاً تتكشف فيه خصوبة التراث واتساعه. ويعني بمستوى التحليل "المنظور الذي يُنظر منه إلى تراث.وهذا لا يتم إلا برؤيا معاصرة له. فالتراث يمكن قراءته بمنظورات عدة كلها ممكنة، والتجديد هو إعادة قراءة التراث بمنظور العصر. ليس معنى ذلك أن القراءات القديمة له خاطئة أو أن القراءات المستقبلية له غير واردة. بل كلها صحيحة، ولكن الخطأ هو قراءة التراث من المعاصرين بمنظور غير عصري. هنا يكمن الخطأ، خطأ عدم المعاصرة."[8] والمستوى الحديث لتحليل الموروث القديم هو مستوى الشعور. لأن الشعور "مستوى أخص من الإنسان، وأهم من العقل، وأدق من القلب وأكثر حياداً من الوعي، يكشف عن مستوى حديث للتحليل موجود ضمناً داخل العلوم التقليدية نفسها ولكن نظراً لظروف نشأتها لم يوضع في مكان الصدارة، ولم تعط له الأولوية الواجبة، ولكن يُفهم ضمنا، ويُقرأ فيما بين السطور... لم يظهر الإنسان واضحاً في الحضارة كبعد مستقل كالإلهيات أو الطبيعيات لأن الإنسان كان موجوداً بالفعل. ومع ذلك فنجد أن الإنسان و بوجه أخصّ الشعور موجود ولكنه متخفيا وراء الإلهيات وداخل العلوم التقليدية."[9] فكل العلوم التقليدية العقلية النقلية أو العقلية أو النقلية نشأت في الشعور الذي يظهر في البنية الثلاثية لأصول الفقه، الأدلة واللغة والأحكام وكذلك في الفلسفة وأصول الدين والتصوف والفقه والسيرة وغيرها. "ونصوص الوحي ذاتها نشأت في الشعور، أما في الشعور العام الشامل وهو ذات الله أو في الشعور المرسل إليه والمعلن فيه، وهو شعور الرسول أو شعور المتلقي للرسالة، وهو شعور الإنسان العادي الذي قد يشعر بأزمة فينادي على حل ثم يأتي الوحي مصدقاً لما طلب."[10] وإذا كان القرآن عبارة عن مواقف يعمل فيها الشعور العام وكانت السنّة مواقف إنسانية يعمل فيها شعور النبي فإن في الإجماع والاجتهاد مواقف إنسانية يعبر فيها عن التجارب المشتركة والتجارب الفردية، فهذا يعني أن الشعور أساس المعرفة والوجود قديماً وحديثاً وفي عصرنا، ولغته لغة شائعة وهو جزء من وسطنا الثقافي بواسطته تتكشف الحقائق ويصبح العقل التجديدي المعني بالموروث أمرا ًممكناً.

يقترح 'حسن حنفي' فيما سبق منهجين لتجديد التراث، المنهج اللغوي والمنهج الظاهراتي الشعوري على أساس عجز اللغة الكلاسيكية عن التبليغ والتواصل، وعجز المناهج في الساحة الثقافية عن حلّ أزمة التراث والتجديد لكونها تقع في خطأ قراءة التراث وتحليله بمنظور غير عصري، خطأ عدم المعاصرة. ويؤكد على اللّجوء إلى مستوى ثالث إلى جانب منطق اللغة ومنطق الشعور هو مستوى تغيير البيئة الثقافية لأن العلوم التقليدية التي تمثل موروثنا نشأت في واقع معين له ظروفه وأحواله والعلوم ليست مطلقة حدثت وتثبتت بصفة مطلقة، فالعلم نسبي ومتطور باستمرار، فالبناء في العلم لا يتغير بينما مادته تتغير تعطيها البيئة الثقافية المعينة في الزمان والمكان، وهذا ما فعله فلاسفة الإسلام إذ غيّروا مادة الفلسفة اليونانية بمادة إسلامية، ففي أصول الفقه طغت العبادات على المعاملات، وفي أصول الدين طغت مشكلة التوحيد على مشاكل الإنسان الاجتماعية وتكثر في الفلسفة المشكلات التي لم تعد مواكبة لعصرنا الحاضر لارتباطها بظروف نشأتها في عصرها الماضي. "أما الآن فهذه المادة لم تعد ذات دلالة فالأفلاك موضوع لعلم الفلك، والطبيعة موضوع لعلم الطبيعة، والعقل والنفس موضوعات لعلم النفس، والتوحيد ذاته موضوع لعلم النفس والاجتماع لتحديد نشأة الأفكار الدينية في ظروف نفسية واجتماعية معينة اضطهادا أو غلبة... إن الخطر علينا الآن هو الخرافة والأسطورة والخلط بين المستويات...وهناك مشاكل تاريخية خالصة لا تلزم العصر الذي نعيش فيه... كل ذلك حوادث تاريخية صرفة ووقائع لا تهمنا إلا من حيث أنها تحقيق لنظم، وحتى في هذه النظم يفرض واقعنا المعاصر نظمه ولا يحتاج إلى شرح للنصوص أو تأويل للماضي مناف لتطور الحاضر ومانع له."[11]

يؤكد 'حسن حنفي' على إمكانية تغيير المادة العلمية والتأسّي بالقدماء مع تعاطيهم مع الحضارات والثقافات والديانات الأخرى. فتجديد مادة العلم تتم بتجريد الموضوع من كافة شوائب الحضارات التي علقت به وبمعناه وبكيفية عرضه وتحليله وبنتائج فهمه. ويُعاد بناء الموضوع الأولي، بناء معناه بعد أن تجرّد من الشوائب، والبناء يكون داخل الشعور والواقع ثم إطلاق المعنى حتى يتجاوز حدود اللفظ فتصبح المعاني مباحث الوجود العام وإطلاق المعنى يكون من الاشتقاق ويمكن إطلاقه مجازاً إذا اقتضى الأمر ذلك. ولما كانت الغاية من تغيير البيئة الثقافية هو اكتشاف الواقع في العصر الحاضر والعيش فيه بدل من العصر القديم وثقافته من خلال قراءة هذه الثقافات وتجديد مادتها، هذا لا يحصل إلا من خلال تحليل القديم وتخليصه من الشوائب وتحليل المعاصر بواسطة نظرية في التفسير تعطي موقفاً من الواقع ثم مقابلة القديم بالمعاصر، "أو تركيب الأولى على الثانية وتأسيس الموضوع المثالي على الواقع العصري، وإعطاء النفس بدناً، والروح طبيعة والفكر واقعاً، والله عالماً. وهناك لا يخطئ الباحث فهو ليس مسئولا عن الموضوع المثالي ولا عن روح العصر وإنما مسؤوليته في توجيه أحدهما بالثاني والربط بين القديم والجديد، وإحياء التراث، وتأصيل العصر."[12] كل هذا ليبدأ 'حسن حنفي' في محاولاته لإعادة بناء العلوم التراثية على الرغم مما تواجهه هذه المناهج التجديدية من صعوبات ومشاكل في الواقع المعاصر

لاحظنا من قبل أن 'حسن حنفي' يطرح إشكالية التراث والتجديد في وضعها الحالي من خلال الاتجاهات التي تتنازعها لأجل حلها وهي ثلاثة اتجاهات:اتجاه يكتفي بالحل الذاتي التراثي فيقع في العجز والنفاق والنرجسية. واتجاه يرفض الحل الذاتي التراثي ويأخذ بالحل الخارجي المستورد للجديد فيقع في القصور والتقليد والازدواجية. أما الاتجاه الثالث، فلا يأخذ بالحل التراثي الذاتي بمفرده ولا بالحل المستورد بمفرده بل يوفّق بين الحلّين طلباً للتوازن والاعتدال من خلال الجمع بين القديم وما يتفق مع العصر، وإرجاع الجديد لمقاييس القديم فيكون فيه التجديد من الخارج من خلال ظاهرة الانتقائية من الفكر الأوربي الحديث والمعاصر ثم قياس التراث عليه أو التجديد يكون من الداخل من خلال إظهار الجوانب المشرقة في التراث القديم المنقول واستثمارها في تلبية متطلبات العصر وحاجات الواقع المعاصر مما يحتاجه من تغير اجتماعي وتقدم في مجالاته المختلفة. لكن لا توجد محاولة واحدة من هذه المحاولات استطاعت أن تعي الأزمة، أزمة التراث والتجديد وتبني مشروعاً حضارياً قومياً يعالج قضية التراث والتجديد من جذورها ويصل إلى حل الأزمة من خلال الموروث والوافد في الواقع المعاصر.

ومما زاد مشكلة التراث والتجديد تعميقاً وتفاقما كما هي في وضعها الحالي، أزمة البحث العلمي في الواقع العربي والإسلامي المعاصر وهو ما يعرف بأزمة أو مشكلة المنهج في الدراسات الإسلامية. بحيث تضاف أزمة البحث العلمي في التراث والتجديد إلى أزمة التغيير الاجتماعي وهي أزمة ثورة. فسيطرت النعرة العلمية كما يريدها الغرب على الدراسات والبحوث في مجتمعاتنا، بمناهجها وأساليبها مما ألحق الخلل والجمود في دراسة ثقافتنا الحالية أو موروثنا القديم سواء باستخدام المنهج التاريخي أو التحليلي أو باستخدام الإسقاط وفكرة الأثر والتأثر وهي مناهج ارتبطت أساساً بعمل الاستشراق والمستشرقين وبدعواتهم وأغراضهم. من جهة أخرى شهدت النزعة الخطابية التي سيطرت على بحوث ودراسات المفكرين والباحثين من أبناء العالم العربي والإسلامي نفس النتائج في الخلل والفساد وغياب مشروع حضاري واضح المعالم ومجدد المنطلقات والمرامي، ذلك لسيطرة التكرار والاجترار والتقريظ والدفاع والتبرير والجدل والمهاترات ووصل كل من أصحاب النزعة العلمية وأصحاب النزعة الخطابية إلى باب مسدود في التعاطي مع أزمة التراث والتجديد فغاب الحل و بقيت الأزمة قائمة.

يؤكد 'حسن حنفي' أن أزمة البحث العلمي في العالم العربي والإسلامي لا تُحل بأي منهج من المناهج الثلاثة السابقة بل يتم بطرق أخرى عديدة تتعلق بأبعاد التفكير المعروفة، بعد اللفظ وبعد المعنى وبعد الشيء، وتجديد التراث يحتاج إلى لغة جديدة تماماً تكون خالية من عيوب اللغة القديمة وقصورها وحتى عادت اللغة القديمة غير مواكبة تماماً للعصر وللتقدم العلمي التكنولوجي والاجتماعي المستمر، فالعصر في حاجة إلى لغة فعّالة وإيجابية تتميز بأن تكون عامة و مفتوحة وعقلية ولها ما يقابلها في مجال التجربة والمشاهدة والحس وأن تكون إنسانية لا محلية ضيّقة. وفي إطار التجديد اللغوي ضرورة تتبع الأساليب الثلاثة: أسلوب الانتقال من اللفظ القديم إلى لفظ جديد أو أسلوب الانتقال من المعنى الضمني في اللفظ القديم إلى لفظ جديد وأسلوب الانتقال من الشيء أو الموضوع المشار إليه إلى لفظ جديد. هذا في مجال منطق التجديد اللغوي أما في مجال تحليل التراث وتفكيكه في نشأته وعند أصحابه وفي تكوينه في ظروفه التاريخية تمكين الانتقال إلى مستوى التحليل الشعوري أو الظاهراتي وهو مستوى حديث للتحليل يمثل المنظور الذي يُقرأ منه التراث وهو مستوى موجود في التراث القديم بجميع جوانبه ابتداء من الوحي القرآن والسنة فاجتهادات العلماء إلى العلوم المختلفة إلى الثقافة الشعبية في صورتها البسيطة. وهذا التجديد في منطق اللغة في مستوى التحليل لا ينجح إلاّ بتغيير البيئة الثقافية، وواقع البيئة الثقافية يمثل مستوى ثالث للتحليل لأن الثقافة التقليدية نشأت في ظروف وأوضاع خاصة بها والتجديد المطلوب والمستورد في عصرنا لحياتنا الفكرية والثقافية والنظرية له ظروفه وأحواله المعاصرة، فإن لم تتغير البيئة الثقافية الحالية في عصرنا وهي بيئة كلاسيكية، بيئة القدماء فيكون التجديد في هذه البيئة مجرد وهم لأنه ليس تجديداً بل تكرار وإعادة لبيئة ماضية واعتبارها جديدة. فلا يتم التجديد بالظروف والأوضاع الثقافية والفكرية الحالية في واقعنا المعاصر، بل يشترط تغيير بيئتنا الثقافية لينطلق التجديد الفعلي من خلال قراءة القديم وتجريده من كافة الشوائب التي اتصلت به وإعادة بنائه داخل الشعور وتحرير المعاني لتتجاوز ألفاظ النص أي بواسطة تحليل القديم وتنقيته وإعادة بنائه وتحليل الواقع المعاصر بنظرية التفسير ثم مقابلة القديم بالواقع، "أو تركيب الأولى عن الثانية وتأسيس الموضوع المثالي على الواقع العصري وإعطاء النفس بدناً، والروح طبيعة، والفكر واقعاً، والله عالماً، وهنا لا يخطأ الباحث، فهو ليس مسئولا عن الموضوع المثالي ولا عن روح العصر وإنما مسؤوليته في توجيه أحدهما بالثاني والربط بين القديم والجديد، وإحياء التراث، وتأصيل العصر."[13]

يرتبط التجديد بكل جبهة من الجبهات الثلاث، جبهة التراث وجبهة الآخر وجبهة الواقع. وكل جبهة من الجبهات الثلاث ترتبط بموقف حضاري ما، يتبلور فيه التجديد ويقوم بداخله النهوض الحضاري تغييرا للوضع الحالي لمشكلة التراث والتجديد والموقف الحضاري بأبعاده الفكرية والتاريخية، بُعد التراث والماضي وبُعد الآخر وثقافته وبُعد الواقع وتحدياته يمثل الميدان الواسع للتجديد والإبداع كما يمثل الساحة الكبرى للمعارك الثلاث في الجبهات الثلاث. والموقف الحضاري بأبعاده الثلاثة الأنا والآخر والواقع يرتبط من جهة أخرى بالزمان، فيرتبط في الموقف الحضاري بُعد الحاضر بالواقع ومتطلباته وتحدياته ويرتبط الماضي بالتراث وجوانبه المشرقة والمظلمة، كما يرتبط المستقبل بالآخر وثقافته وأمام هذه الثلاثية النظرية والزمنية يحتاج التجديد إلى أن يكون في كل ميدان من هذه الميادين الثلاثة، الميدان التراثي، وميدان علاقة الأنا بالآخر وميدان الواقع.

بالنسبة لميدان التراث، فمجتمعاتنا تراثية تاريخية، تعيش بالتراث وعلى التراث فهو مخزونها النفسي الذي يؤثر في سلوك أفرادها شعورياً ولاشعورياً، وتجديده أمر ضروري، ولما كانت الأزمة هي أزمة التغيير داخل المجتمع أو أزمة ثورة، وأزمة منهج البحث والدراسة وأزمة البحث العلمي، ولما عجزت المناهج والاتجاهات القائمة حالياً عن التجاوب الايجابي والفعّال في حلّ هذه الأزمة صار من الضروري تجديد الموروث القديم بطرق وأساليب تسمح بالتعاطي مع هذه الأزمة بفعالية ونجاعة، والخروج من الوضعية التي تجعل أقصى جهد البحث هو "إعادة الاختيار بين البدائل التي وُجدت عند القدماء دون إبداع بديل جديد من وحي العصر. ينتقي مما هو موجود ولكنه لا يضيف إليه شيئاً، وبالتالي يظل الفكر محكوماً بالبدائل القديمة، ومع ذلك قد تكون إعادة الاختيار بين البدائل بداية الاجتهاد ولكنها ليست نهايته."[14] والتجديد في التراث يخص أساساً العلوم التراثية وهي عقلية نقلية تتمثل في علم أصول الدين وعلوم الحكمة (الفلسفة) وعلم أصول الفقه وعلم التصوف، وأخرى نقلية وهي علوم القرآن وعلوم التفسير وعلوم الحديث والسيرة والفقه، أما العلوم العقلية فهي الرياضة وعلوم الطبيعة والعلوم الإنسانية. فتجديد هذه العلوم يتمثل في إعادة بنائها وتحويلها إلى طاقات متفجرة في الحاضر تشارك في بنائه بإيجابية وفعاّلية، وفي هذا يقول 'حسن حنفي': "ولما كان التراث يرتكز في شعور الناس على تراث السلطة، الأشعرية في العقيدة، وليس الاعتزال، والاشراقية في الحكمة وليس العقلانية، والنصية في أصول الفقه وليس المصلحة، والأحوال والمقامات السلبية وليس الإيجابية كانت مهمة إعادة التراث هو إعادة التوازن في شعور الناس وثقافة الجماهير بين تراث السلطة وتراث المعارضة العقلاني الاعتزالي الفلسفي، والوضعي الفقهي والاجتماعي الصوفي حتى تنشأ حركات التغير الاجتماعي من الداخل وليس من الخارج، بتراث الأنا وليس بتراث الغير. فيحدث التغير الاجتماعي من خلال التواصل وليس من خلال الانقطاع، ويقع التراكم التاريخي المتصل دون الوقوع في الردّة والانكسارات والعودة إلى الصفر باستمرار."[15]

حسب 'حسن حنفي' فإن طرق ومناهج التجديد الثلاثة المقترحة وهي منطق التجديد اللغوي، ومنطق التحليل الشعوري ومنطق تغيير البيئة الثقافية عامة تشمل التراث برمّته وتوجد طرق خاصة يمكن بها إعادة بناء كل علم من العلوم التراثية على حدة الذي هو ميدان التجديد والإبداع. هذه الطرق تتمثل في 'منطق التفسير' و'منطق الظواهر' و 'منطق التقييم' و'منطق التجديد'. وإعادة بناء العلوم الدينية العقلية الغرض من ذلك اكتشاف الوحي وكيفية تحوّله إلى علوم عقلية، "حتى يمكن أن يكون مثالاً للمحاولات الحالية لتحويل الوحـي إلى عـلم محـكم... وفي إعادة بناء العلوم يمكن أن يوضع كل شيء موضع التساؤل من جديد، ولكن تظلّ نقطة البداية هي الوحي الموجود بالفعل في الكتاب... وكل المشاكل التي تعرضها العلوم التقليدية تحتاج إلى إعادة بناء."[16] أن العلوم التراثية كلها صدرت من الوحي وشقت طريقها نحو الإبداع والتجديد فعلم الكلام حوّل النص إلى معنى دون أن يتصل بحضارة أخرى بل بجهد داخلي. والفلسفة استطاعت أن تقدم نظريات شاملة وأقسام عامة هي الإلهيات والطبيعيات والمنطق. وقدّم أصول الفقه منهجاً خارجياً عن الفلسفة وأصول الدين في التشريع، وجاء التصوف يستخدم التأويل ويقدم منهجاً صاعداً من الله إلى العالم في مقابل أصول الفقه أو التنزيل كمنهج نازل من الوحي إلى العالم. والعلوم العقلية البحتة الرياضية والطبيعية والإنسانية فهي لم تصدر من الوحي لكن لها بواعثها في الوحي والحضارة مثل الدعوة إلى التأمل والبحث والتجريب. أما العلوم النقلية فهي قامت من أجل ضبط الوحي تدويناً وتفسيراً وإعادة بناءها تسمح باكتشاف دلالات جديدة للعلوم القديمة وتلبية متطلبات العصر من خلالها. والعلوم التراثية لما كان مصدرها الوحي فهي بعد تطورها صارت ظواهر فكرية من خلال ارتباطها بالشرعي والعقلي والواقعي وهذه الظوهر محتواه في الوحي وتعرف بعملية 'الاحتواء'.

كان الغرض من العلوم التراثية خاصة العقلية النقلية هو تحويل الوحي إلى نظرية أو علم أو منهج، وذلك من خلال ظاهرة توحيد العلوم التراثية لارتباط كل علم ببقية العلوم الأخرى تأييدا أو معارضة ونقداً، ويحدد 'حسن حنفي' طبيعة 'التراث والتجديد' بالنسبة لظاهرة توحيد العلوم فيقول: "فالتراث والتجديد مع أنه دراسة في الفكر إلا أنه يقوم على منهج فقهي بمعنى أنه يُطبق على الفكر القياس الفقهي، ويعتمد على الاجتهاد في الفكر... فالصالح العام هو الأصل وأحد مصادر الشرع ... 'التراث والتجديد' دراسة فقهية يقوم بها فقيه في الحضارة الإسلامية ككل وليس في الفقه وحده... فإذا كانت بداية العلوم العقلية التقليدية هو الوحي فإن نهاياتها هي الإيديولوجية. 'التراث والتجديد' في النهاية إن هو إلا تحويل للوحي من علوم حضارية إلى إيديولوجية، أو ببساطة تحويل للوحي إلى إيديولوجية. وارتباط الإيديولوجية بالواقع، وتعبيرها عن عصر معين لا يعني أنها متطورة ومتغيرة باستمرار، فالوحي أيضاً علم للمبادئ العامة التي يمكن بها تأسيس العلم ذاته وتأسيس العلوم الجزئية، والتي يمكن أن تكون الأساس العقلي للإيديولوجية. تكون مهمة 'التراث والتجديد' إذن تحويل الوحي إلى علم شامل يعطي المبادئ العامة التي هي في نفس الوقت قوانين التاريخ وحركة المجتمعات فالوحي هو منطق الوجود."[17]

فمهمة 'التراث والتجديد' في ميدان التراث لدى 'حسن حنفي' وبالنسبة للعلوم التراثية هو "دورنا في إعادة بنائها وتطويرها من واقع المسؤولية، فإن القدماء رجال ونحن رجال نتعلم منهم ولا نقتدي بهم، رسالتنا هي التبليغ والتعبير وإيصال الحقيقة للناس، وتقديم التراث لهم يقرؤون فيه حياتهم، ويجدون فيه هويتهم، لذلك يجد الباحث نفسه اليوم في مواجهة قضية اللغة والمصطلحات، ومستويات التحليل، والمحاور والبؤر الحضارية وإعادة الاختيار بين البدائل القديمة... في هذه اللحظة فقط تبدو إمكانية الثورة أعني حين تضغط المحافظة إلى أدنى ترسب ممكن، وتمتد العقلانية والطبيعية إلى أقصى حد ممكن. هنا فقط سيتحرك التاريخ من جديد، وتبدأ مرحلة ثالثة بعد الأولى التي اكتملت فيها من القرن الأول حتى السابع. وبعد الثانية التي حافظت فيها على نفسها من السابع حتى الرابع عشر. فيكون جيلنا معاصراً لمرحلة ثالثة و ممهدا لها إذ يجمع فيها بين تأويل القديم وبين إبداع الجديد."[18]

والميدان الثاني المعني بالتجديد في مشروع 'التراث والتجديد' هو جبهة الموقف من الآخر، من الغرب وثقافته وفكره والتجديد هنا يخص الموقف من العلاقة بين الأنا والآخر حيث عرفت الساحة الفكرية في العالم العربي والإسلامي المعاصر عدة مواقف تجاه الغرب، "الموقف الأول هو موقف الانقطاع عنه ورفضه لأنه تراث الآخر المخالف، الوافد الذي يمثل خطراً على الموروث وعلى الهوية والذي ينتهي إلى الوقوع في تقليد الآخر والتغريب والتبعية... أما الموقف الثاني فهو موقف التواصل وهو موقف التيار العلمي العلماني الذي يرى أن الغرب نمط التحديث... والموقف الثالث هو موقف الانتقاء من التراث الغربي ما يعبّر عن حاجاتنا العصرية ومطالبنا في التقدم والنهضة."[19] كل هذه المواقف لم تستطع أن تحل الأزمة، ودخل بعضها في حوار مع الآخر على حساب "الحوار مع الأنا مع أن الحوار مع الذات يسبق الحوار مع الآخر، ومعرفة النفس سابقة على معرفة الآخر، والتساهل في معرفة الذات يؤدي إلى تساهل في معرفة الآخر، وبالتالي يعزّ الحوار، ويقع سوء التفاهم. لذلك لم ينجح الحوار مع الآخر حتى الآن لأنه لم يقم على الحوار مع الذات أولا."[20] ولم يجد الحوار إلا في اعتبار الغرب النموذج الواحد والوحيد لأي تقدم حضاري وهو ممثل البشرية جمعاًء، و"اعتبار الغرب المعلم الأبدي واللاّغرب التلميذ الأبدي ... رد كل إبداع ذاتي للشعوب غير الأوربية إلى الغرب ... أصبح الغرب هو الإطار المرجعي الأول والأخير لكل إبداع غير أوربي، كما كان الحال مع الحكماء الأوّلين بالنسبة لليونان فخرج ابن رشد أرسطيا."[21]

صحيح أصبح التراث الغربي يشكل واحدا من الروافد الرئيسية للوعي القومي في البلاد العربية والإسلامية، "لم تحدث بيننا وبينه قطيعة إلا في الحركة السلفية. ولم تقم حتى الآن حركة نقدية له إلا في أقل الحدود وبمنهج الخطابة أو الجدل دون منهج النقد ومنطق البرهان، وقد يتم التركيز على هذا المصدر وحده فتنشأ ثقافتنا العلمية العلمانية وحركاتنا الإصلاحية والتحديثية وتعليمنا العصري ونظمنا الحديثة اقتناعاً وإيماناً أو دفاعاً عـن مصـالح الحكـام... وبالتالي بدأ وعينا يسيطر على قدمين: الأولى طويلة وقوية وربما رفيعة نظراً لأننا نجهل تراثنا القديم، والثانية قصيرة ومتورمة نظرا لانتشار الثقافة الغربية في وعينا القومي لدرجة الانبهار بها والتبعية لها."[22] لذا "نشأ 'الاستغراب' في مواجهة التغريب الذي امتد أثره ليس فقط إلى الحياة الثقافية وتصوراتنا للعالم وهدد استقلالنا الحضاري بل امتد إلى أساليب الحياة اليومية ونقاء اللغة ومظاهر الحياة العامة وفن العمارة ... الاستغراب هو الوجه الآخر والمقابل بل والنقيض من الاستشراق يهدف 'علم الاستغراب' إذن إلى فك العقدة التاريخية المزدوجة بين الأنا والآخر ... يعبر عن قدرة الأنا باعتباره شعوراً محايداً على رؤية الآخر ودراسته وتحويله إلى موضوع وهو الذي طالما كان ذاتاً يحوّل الآخر إلى موضوع...مهمة هذا العلم الجديد رد ثقافة الغرب إلى حدودها الطبيعية."[23] لذلك تتغير علاقة الأنا بالآخر في إطار وعي حضاري يشمل موقفاً حضارياً من الآخر كما يشمل بعد المستقبل الذي يصنعه الحاضر الممتد في التاريخ والماضي.

والميدان الأخير الذي يشمله التجديد هو الواقع، والواقع ليس ذا طبيعة نصية مثلما الأمر في الموروث والوافد. فالواقع له مشكلاته وتحدياته تحتاج من الفكر موقفا حضاريا هو نظرية التفسير أو نظرية في تفسير الواقع، الفكر العربي الإسلامي المعاصر وقف من الواقع أكثر من موقف تأرجح بين التبرير والرفض والانعزال. "وأول موقف للفكر العربي الحديث من الواقع هو التبرير، تبرير النظم القائمة وتبرير الوضع القائم لأن وظيفة العقل هي تبرير المعطيات السابقة سواء كانت في العقائد الدينية أم في النظم الاجتماعية ... والموقف الثاني هو موقف الرفض والتمرد والغضب... أما الموقف الثالث فهو الانعزال كلية عن الواقع لا تبريراً ولا رفضاً بل نفورا أو تعففاً."[24] و لمّا كان من غير الممكن فهم التراثين بعيدا عن الواقع الحالي وظهر عجز المواقف الحالية في الساحة الفكرية عن التعبير عن الأزمة وحلّها وعجزها عن "تغيير الواقع أو حتى إلى فهمه بل تدل على عدم نضج في التعامل معه. وهنا تأتي أهمية الموقف الرابع الذي يقوم على التنظير المباشر له- الواقع- بعد العيش معه وتجربته وإدراك مكوناته والإحساس به ثم محاولة فهمه والتعبير عنه دون الاعتماد على قال فلان أو علاّن من التراث القديم أو من التراث الغربي."[25] لأن الفكر العربي المعاصر يفتقد إلى نظرية التفسير ونظرية التفسير "هي التي تربط بين الوحي والواقع – أو إن شئنا- بين الدين والدنيا أو إن فضّلنا يبن الله والناس. فإذا نظرنا إلى تفسيرنا الحالي نجد أننا لا نملك نظرية محكمة... ومنهج تحليل الخبرات هو النظرية الوحيدة الممكنة في التفسير وذلك لأن فهم النصوص لا يأتي إلا بإرجاعها إلى مصدرها في مجموع الخبرات الحيّة التي نشأت فيها."[26]

تتعاطى نظرية التفسير التي تستخدم منهج تحليل الخبرات مع الواقع حسب تحدياته. وهي تحرير الأرض من الغزو والاستعمار وتحرير المواطن من الظلم والاستبداد والدفاع عن حريته وحقوقه في مقابل قهره وتعذيبه وتحقيق العدالة الاجتماعية وإعادة توزيع الثورة على الناس وتحقيق الوحدة في مواجهة التجزئة والعنصرية والطائفية وتحقيق الهوية في مواجهة التغريب والحرص على تحقيق التنمية ضد كل مظاهر وصنوف التخلف واللجوء إلى الغير وتجنيد الناس وحشد الجماهير ضد السلبية واللامبالاة. فنظرية التفسير منهجها أسلوب تحليل الخبرات الذي يربط النص التراثي القديم أو النص الوافد الجديد بالظروف التي نشأ فيها ويردّه إلى أصوله في مجمل التجارب الإنسانية الحيّة التي أفرزته، وبالتالي تتكامل الجبهات الثلاث والموقف الحضاري بأبعاده الثلاثة، كما تندمج ميادين الإبداع الثلاثة ميدان الموروث وميدان الوافد وميدان الواقع، بأبعادها الزمنية ومع بعضها البعض فتنطلق الحضارة ويتحرك التاريخ.

هذا الموقف الحضاري يتكامل في مكوناته و يتعاطى مع الواقع والآخر والموروث وفق تصور عام "للمرحلة التاريخية الرامية من منظور كلي شامل يمكن إدراك أهمية النقد الحضاري المزدوج للموروث القديم وللوافد الغربي الحديث فقط كالعولمة، ونظام العالم الجديد، ونهاية التاريخ، وصراع الحضارات، وحقوق الإنسان، وحقوق المرأة، والأقليات، وتلوث البيئة و الطائفية، والعنف، و النزاعات العرقية الجديدة. يُضاف إلى ذلك النقد الاجتماعي لمشاكل السكان والبطالة والطفولة والشيخوخة والأمراض الاجتماعية وعلوم الحياة، والجينات والهندسة الوراثية. بل ويعني أيضاً النقد الاجتماعي المباشر للتسلّط والنظام الأبوي والتجزئة والتزلّف والظلم الاجتماعي والتغريب ولامبالاة الناس."[27]

 

الدكتور جيلالي بوبكر

..................

[1]- حسن حنفي: التراث والتجديد: ص110.

[2]- المرجع نفسه : ص112.

[3]- المرجع نفسه : ص118.

[4]- المرجع نفسه : ص118.

[5]- المرجع نفسه : ص118-119.

[6]- المرجع نفسه : ص123.

[7]- المرجع نفسه : ص127.

[8]- المرجع نفسه : ص132.

[9]- المرجع نفسه : ص132-133.

[10]- المرجع نفسه : ص135.

[11]- المرجع نفسه : ص141-142-143.

[12]- المرجع نفسه : ص145.

[13]- المرجع نفسه : ص145.

[14]- حسن حنفي: هموم الفكر والوطن، الجزء الثاني، ص456.

[15]- المرجع نفسه : ص457.

[16]- حسن حنفي: التراث والتجديد، ص151-152.

[17]- المرجع نفسه : ص173-174-175-176.

[18]- حسن حنفي: دراسات فلسفية، ص27-32.

[19]- حسن حنفي: هموم الفكر والوطن، الجزء الثاني، ص458-459.

[20]- حسن حنفي: حصار الزمن، إشكالات، ص414.

[21]- حسن حنفي: دراسات فلسفية، ص33.

[22]- حسن حنفي : مقدمة في علم الاستغراب، ص13-14.

[23]- المرجع نفسه : ص18-23-25-28.

[24]- حسن حنفي : هموم الفكر والوطن، الجزء الثاني، ص462.

[25]- المرجع نفسه : ص463.

[26]- حسن حنفي: دراسات إسلامية، ص177-180.

[27]- حسن حنفي: حصار الزمن، إشكالات، ص533.

bobaker jilaliيمثل المفهوم- في الفكر والمعرفة- الوحدة الأساسية في كل منظومة فكرية ونظام معرفي، من شأنها تعبر عن موقف أو نظرية، أو جانب من جوانب التفكير المستقيم، يتمظهر المفهوم بفعل دوافع النفس وآليات العقل وحاجات ومقتضيات وظروف البيئة الخارجية.

اهتم البحث منذ القدم بشروط وأسس بناء المفهوم، وأهمية بناء المفهوم من أهمية بناء المعرفة وإنتاجها، المعرفة التي تمثل الغاية القصوى للمسعى الإنساني العاقل ومساره في الوجود، ارتبط بها ولا زال مرتبطاً كلّ بحث فلسفي أو علمي أو غيره.

أخذ البحث في مجال الفكر والفلسفة والعلوم عامة في عصرنا وفي عصور سابقة بأسلوب التجديد الإبستيمي للمفاهميم والتصورات منذ بداية البحث، تأسيساً وتأصيلاً لمسار البحث وضبطاً وتحديداً لمجاله في الموضوع والمنهج والغاية، وبياناً لمضامينه ومعالمه، وتجنباً للإضراب والخلط في المفاهيم وتفادياً للغموض لدى الباحث وغيره ممن يعنيهم الأمــر.

لكل منهج في الدراسة وفي أي ميدان من ميادين البحث في السياق النظري أو التطبيقي أو هما معاً بناء إبستيمي مفاهيمي، بعض مكوناته أساسي والبعض الآخر محايث هو الآخر أساسي وجوهري لا يمكن الاستغناء عنه، وفلسفة الإصلاح والتجديد عند "محمد إقبال" يأتي بناؤها المفاهيمي الإبستيمي يتمحور حول إصلاح الفكر الديني وتجديده، فالإصلاح والتجديد مفهومان أساسيان في النظري، يظهر ذلك بوضوح من خلال عنوان الكتاب "تجديد الفكر الديني في الإسلام"، لذا ندرس مفهوم التجديد والمفاهيم المجاورة له كالتغيير، والتحول والتقدم وغيرها.

مفهوم التجديد "Innovation": يمثل التجديد أحد المفاهيم التي كثيراً ما ترددت في الفكر الحديث والمعاصر العربي والإسلامي وفي الفكر الغربي ومنذ قرنين من الزمان، مثل مفاهيم النهضة والإصلاح والتغيير والثورة وغيرها. هذه المفاهيم تظهر وتغيب تبعاً للتيارات الفكرية والظروف الاجتماعية السائدة وطبقاً لطبيعة نظام الحكم السياسي السائد في المجتمع وصراع الاستبداد مع الديمقراطية داخله.

قد تختلط لفظة 'تجديد' فيما تدل عليه مع ما تدل عليه ألفاظ أخرى مهمّة ومرتبطة بالفكر المعاصر عامة وبالفكر العربي الإسلامي وبخطابهما على وجه الخصوص. مثل معاني التغيير، التحوّل، التقدم، التطوّر، الإبداع، الاختراع، الاكتشاف وغيرها. لذا ينبغي تحديد معاني هذه الألفاظ والتمييز بينهما وبين التجديد، وتحديد الصلات التي تجمعها في إطار شروط البناء الفكري والاجتماعي والحضاري.

كلمة تجديد في الفرنسية "Innovation"، وهي مصدر لفعل جددّ يجدّد، والمصدر تجديد "وجدّد الشيء صيّره جديداً، والتجديد إنشاء شيء جديد أو تبديل شيء قديم، وهو مادي كتجديد الملبس والمسكن أو معنوي كتجديد مناهج التفكير وطرق التعليم، ويغلب على التجديد أن يكون مذموماً في المجتمعات الزراعية الشديدة التمسك بتقاليدها، وأن يكون محموداً في المجتمعات الصناعية التي تقدس روح الاختراع".1

ويعرف اندريه لالاند التجديد في قاموسه بما يلي:

« Innovation : Production de quelque chose nouveau » 2

فالتجديد لدى لالاند هو إنتاج شيء جديد، والشيء الجديد قد يكون مادياً وقد يكون معنوياً، فالطائرة والهاتف والتلفاز والمذياع وغيرها من الأشياء المادية، كلّها أشياء جديدة أنتجها الإنسان، أمّا المنطق الصوري وجمهورية أفلاطون، ونظرية التحليل النفسي، والمنهج التجريبي والمنهج الفينومينولوجي، كلّها مناهج في التفكير جديدة أنتجها عقل الإنسان.

لكن التجديد لا يرتبط بإنتاج الأشياء والأفكار فقط، بل يعني تبديل شيء قديم، وهذا الشيء الذي يجري عليه التبديل قد يكون هو الآخر مادياً أو معنوياً، فتبديل كوخ من طين إلى مسكن من حجارة إلى عمارة من حديد واسمنت وغيرها يعدّ تجديداً مادياً، أمّا تبديل القياس الصوري بالمنهج التجريبي في دراسة الظواهر الطبيعية، وتبديل منهج الإلقاء والتلقين في تعليم التفلسف بمنهج الحوار، وتبديل بيداغوجية المقاربة بالأهداف ببيداغوجية المقاربة بالكفاءات في فعلي التعليم والتعلم،كل هذا يعدُّ تبديلاً معنوياً وفكرياً.

فكلمة تجديد في اللّغة العربية مصدر لفعل جدّد وجدّد الشيء يعني صيّره جديداً "والتجديد هو الابتكار، إعادة التنظيم، قال ابن الرومي: أهي شيء لا تسأم العين منه أم لها كل ساعة تجديد؟".3

فالتجديد يكون حيث يوجد الجديد، هذا الجديد إمّا في الأشياء، وإمّا في الأفكار، وهو جديد في الأشياء تبديل شيء قديم ويقابل التجديد الخمول والثبات وعدم مبارحة وضعية ما.

أما في الإصلاح يكاد يتفق المفكرون على أنّ التجديد هو عبارة عن فاعلية إنسانية مصدرها الفرد والمجتمع، تقوم على مبارحة وضعية الجمود والخمول والثبات، وتأخذ بالمبادرة إلى النمو والنماء والتغيير في الفكر والعمل، تستخدم كل الوسائل المتاحة في جميع مجالات الحياة.

فالتجديـد يـرتـبـط بالإنسـان، وبمـا يملكـه الإنسان من قدرات وطاقـات في مستوى الفرد وفي مستوى المجتمع، فـهـو متصـل بالجانب النفسي والذهني لــدى الإنسان، كما يتصل بحياته الاجتماعية وبسائر مكوّناتها، فالتجديد يتصل بالحضارة، وإذا كانت الحضارة نتاج تفاعل النشاط الإنسانـي مع سائـر القوانين والسنن الكونية في الفرد والمجتمع والطبيعة لأجل تطوير جوانب الإنسان المعرفية والروحية والمادية في حياته الواقعية، فالتجديد هنا يمثل شرطاً سابقا لبناء الحضارة والمدنية والتقدم.

فالحضارة هي تجديد في الفكر في العمل وفي أساليب العمل أي الانتقال من حالة يسودها الثبات والجمود في العمل ووسائل وأساليب العمل في حياة الإنسان الفكرية والاجتماعية عامة إلى حالة من النّماء والازدهار والتطور في تلك الأساليب وتلك الوسائل بما يحقق مصلحة الإنسان وراحته وسعادته.

يمثل التجديد شرطاً ضرورياً لوجود الحضارة، لكن مفهوم التجديد تلازمه وقد تخلط معه مفاهيم أخرى يظهر ذلك من خلال المعنى اللّغوي والاصطلاحي، ولا يقوم التجديد بدونها، بعضها يمثل شرطاً سابقاً عليه وبعضها يمثل عنصراً ملازماً إيّاه وبعضها الآخر يمثل نتيجة حتمية له.

إذا كـان التغيير "Changement" في اللّغة هو التحوّل والتبدّل ويعني عند "الجرجاني" "انتقال الشيء من حالة إلى حالة أخرى"4. وعند"التهانوي" يعني "كون الشيء بحال لم يكن له قبل ذلك"5. فالتجديد هو عملية تغيير يجريها الإنسان على الأشياء، فينشأ بها الجديد، وينتجه أو يبدل شيئاً ما من حالة إلى أخرى. فيصبح التغيير فعلاً ضرورياً للتجديد وحركة سابقة عليه بل يتضمنها. فالتغيير يُحدث التجديد ويشرف عليه ويظهر التجديد من خلاله.

أما التحوّل أو التحويل "Mutation" فيرتبط بالتغيير والتجديد معاً فهو يعني في اللّغة التبديل والتغيّر والتنقّل ونقطة التحول هي الحد الذي يفصل بين أمرين، يكون الأمر الثاني أفضل حالاً من الأمر الأول. فالتحوّل "تغيّر يلحق الأشخاص أو الأشياء، وهو قسمان: تحوّل في الجوهر وتحوّل في الأعراض".5 فالتجديد تحوّل يُحدثه الإنسان على ذاته وعلى محيطه بنسبة ضعيفة أو عالية، يمكن ملاحظته ومتابعته لأنّ.

ينتج التقدم عن التجديد والتقدم "Antériorité" في معناه اللّغوي هو السير إلى الأمام ومبارحة المكان، أو الوضعية في اتجاه الأمام في مقابل التراجع نحو الخلف، والتقدم من الشيء يعني التقرب منه. وهو عند الفلاسفة تقدم بالطبع، وتقدم في الزمان، وتقدم بالشرف والعلّة، وفي جميع الحالات يبق التجديد ضرباً من التقدم باعتباره ابتكار شيء أو تبديل شيء بشيء آخر، كما يظهر التقدم عند كل تجديد فهو تنمية وزيادة في الإنتاج الفكري والمادي وهو أساس الازدهار والمطلوب في كل حضارة.

يرتبط مفهوم التطوّر بمفهوم التجديد، ولفظة التطوّر تدلّ على تحوّل الشيء من طور إلى طور، والطور في اللّغة يعني الحال، وطوّر الشيء أي نقله من حالة إلى أخرى. ومعنى التطوّر لدى الفلاسفة متعدد، فهو التحوّل أو التبديل الموجه، أو الانتقال من البسيط إلى المركب أو العكس، أو الارتقاء من الأدنى إلى الأعلى أو العكس، أو من الخلف إلى الأمام أو العكس، وكلمة الارتقاء تتضمن بالضرورة معنى التبديل، لكن ليس في كل تبديل ارتقاء.

في مقابل التطور يأتي مفهوم التكوّر "Involution" "وهو النظام والتقبض والتقلص والتراجع، ويُطلق التكوّر في اصطلاحنا على الرجوع إلى الأصول، أو على الانحطاط والتأخر والفساد والانحلال والبلى".6 من خلال هذه المواجهة بين التطوّر والتكوّر، يتضح الارتباط الوثيق بين مدلول التجديد ومعنى التطور، فهما مترادفان، إذ أنّ التطور يتضمن التجديد والتجديد يتضمن التطور ولا سبيل للفصل بينهما، ويأتي التكوّر في مقابل التجديد بما أنّه يعني التراجع والانحطاط والانحلال.

من جهة أخرى لا يحصل التجديد لدى الإنسان في غياب قدرته على الإبداع "Création"، فالإبداع شرط ضروري للتجديد، عليه يتوقف الفعل التجديدي أيّـاً كان فكرياً أو مادياً، وكلمة إبداع في اللّغة تدل على صناعة الشيء بإتقان، أمّا الابداع فيعني الإختراع والإنشاء أي اختراع الشيء وإنشائه أي "إحداث الشيء على غير مثال سابق وعند البلغاء: اشتمال الكلام على عدة ضروب من البديع".7

للإبداع عدّة معاني عند الفلاسفة، فهو إنشاء شيء جديد من عناصر قديمة، أو ايجاد شيء من اللاّشيء، مثلما هو الحال في الخلق الإلهي، أو إنشاء شيء لم يكن موجوداً، ويعرف بالصنع، والإبداع نوعان، اختراع "Invention" واكتشاف "Découverte"، فالاختراع هو إنشاء شيء جديد لم يكن موجوداً من عناصر قديمة، ويتعلق الأمر بإنشاء الأشياء المادية، وإنشاء الأفكار وتنظيم العمل وإيجاد أساليبه واختراع وسائله، أمّا الاكتشاف، فهو إطلاع الإنسان على الجديد المتقدم في الوجود مثل اكتشاف النار واكتشاف المعادن واكتشاف "كريستوف كولومبوس" لقارة أمريكا.

يتصل التجديد بمفهوم الإصلاح "Réformation" ولفظة الإصلاح من الألفاظ التي كثر استعمالها، وزاد توظيفها من طرف مفكري النهضة الأوربية الحديثة ومن قبل زعماء الإصلاح والتجديد في العالم العربي والإسلامي الحديث وفي العالم المتخلف بشكل عام. ولفظة الإصلاح في اللّغة تعني إزالة الفساد من الشيء. فالقول: أصلح، يصلح، إصلاحاً، الشيء، أزال فساده. أصلح بين القوم: وفّق بينهم. قال تعالى: ﴿ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتُصلحو بين الناس﴾.8 أمّا تجديد الشيء فيعني أنّ الشيء ينطوي على عناصر لم تكن فيه من قبل. وبمناهج التجديد يتمّ الإصلاح ويظهر ويتبلور، كما ينتقل الإصلاح إلى التجديد لضمان التطور والتحسين حتى أن الواحد منها يشمل الآخر ويكون نوعاً أو فرعاً منه.

أمّا في الخطاب العربي والإسلامي المعاصر فإنّ مفهوم التجديد من أكثر المفاهميم التباساً. ومن علامات هذا الالتباس مفارقات كثيرة تبرز عند النظر في هذا المفهوم، بحيث يدعو الكثير إلى تجديد الفكر الإسلامي وخطابه، في حين يعارض الكثير هذا الدعوة إلى حدّ المعاداة. ويرى البعض أن مفهوم التجديد طعنة في التراث والهوية والذات، كما توجد هوة سحيقة بين الدعوة إلى التجديد وممارسة التجديد فكراً وعملاً.

لقد عرف مصطلح التجديد في الخطاب العربي والإسلامي المعاصر مفهومين الأول يتعلق بالتجديد بمعنى الإصلاح، ويعني التغيير الفكري بغرض النهوض، أما أساليب ووسائل ذلك فمرهونة بالنظر إلى كل أزمة وإلى ظروفها المختلفة، وعرفت الساحة الفكرية تنافساً بين الاتجاهات الإسلامية لاستهلاك مفهوم التجديد والاستحواذ عليه كل حسب نظرته ووفقاً لمرجعيته. أمّا المعنى الثاني فيربط بين مدلول التجديد ومدلول الاجتهاد لإضفاء الشرعية عليه وتأسيس التجديد على مفهوم الاجتهاد.

أمّا في القرآن الكريم فقد استخدمت لفظة جديد وليس تجديداً متصلة بمعاني الخلق والإحياء والبعث والإعادة بعد الضعف والموت وغيرها. مثل قوله تعالى: ﴿وقالوا أئذا كنّا عظاماَ ورفاتاَ أإنّا لمبعوثون خلقاً جديداً﴾.9 وقوله : ﴿ألم تر أنّ الله خلَق السماوات والأرض بالحق إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد﴾.10 عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله: ﴿إنّ الله يبعث لهذه الأمّة على رأس كل مائة سنة من يجدد دينها﴾.11 ويمثل حديث التجديد في السنة النبوية من أهم العلامات الدالة على مفهوم التجديد في الإسلام والداعية إليه، كما ارتبطت بهذا الحديث عدّة معاني تدلّ على حقيقة تجديد الدين وهي تجديد وإحياء وإصلاح علاقة المسلمين بالدين والتفاعل مع أصوله والاهتداء بهديه لتحقيق الخلافة وبناء الحضارة، ولا يعني تجديد الدين التبديل في الدين ولا التغيير في أصوله وتعاليمه. وزمن التجديد في الدين يدل على استمرار فعل التجديد وتقارب زمانه بحيث يصير فعل متواصل لا يعرف التعطيل، والمجدد هو المجتهد فرد كان أو جماعة تقوم بفعل التجديد في هذا الزمن وذاك على هذه الأرض أو تلك، يسميهم البعض بحملة العلم في كل عصر.

لقد مارس العلماء فعل التجديد عبر التاريخ وفق مفهوم الإصلاح والإحياء والبعث، أي إعادة بعث الدين مفهوماً وممارسة إلى صورته الأولى بغير تحريف أو إضافة، وهو معنى ينسجم تماما مع التصور الكلّي للنصوص في القرآن والسنّة. نذكر من هؤلاء "الحسن البصري" ودوره في تجديد الشعور الديني الإسلامي لدى عامة الناس ودور وجهد "محمد بن إدريس الشافعي" في تجديد المنهج العلمي في أصول الفقه والاستدلال ودور "ابن تيمية" في تجديد التصور الديني السلفي ودور "محمد بن عبد الوهاب" في تجديد حقيقة التوحيد ومحاربة الخرافة والشرك والبدع التي علقت بالإسلام عقيدة وشريعة. وفي هذا يقول "أبو الأعلى المودودي" في كتابه "الموجز في تاريخ التجديد الديني": "المجدد من أحيا معالم الدين بعد طموسها، وجدّد حبله بعد انتقاضه... والتجديد في حقيقته: تنقية الإسلام من كلّ جزء من أجزاء الجاهلية، ثم العمل على إحيائه خالصاً مخلصاً على قدر الإمكان."12

يقول "الشيخ يوسف القرضاوي": "إنّ التجديد لشيء ما: هو محاولة العودة به إلى ما كان عليه يوم نشأ وظهر بحيث يبدو مع قدمه كأنّه جديد وذلك بتقوية ما هوى منه، وترميم مابلى، ورتق ما انفتق، حتى يعود إلى أقرب ما يكون إلى صورته الأولى... فالتجديد ليس معناه تغيير طبيعة القديم، أو الاستعاضة عنه بشئ آخر مستحدث مبتكر، فهذا ليس من التجديد في شيء".13

إنّ مفهوم التجديد لدى المودودي أو القرضاوي أو غيرهما ينضاف ضمن هذا الاتجاه أو ذلك بموجب الممارسة الثقافية والدينية لدعاة التجديد في واقعنا المعاصر، والتي تتميّز بالتباين والاختلاف في معنى التجديد وفي ممارسته، فهو يدل عند البعض على إحياء السنّة وإزالة البدعة وبعث الدين عقيدة وشريعة، وعند البعض الآخر يعني الاجتهاد المفتوح خارج المذهبية والحدود الفقهية الملتمس تعقل حقائق التشريع واكتناه أسراره والتفاعل بين عقل المسلمين وأحكام الدين الأزلية. ولدى آخرين يرتبط التجديد بإصلاح مناهج الفكر وإسلامية المعرفة لتجاوز عجز الفعل الإسلامي عن التحكم في الواقع بسبب التحوّلات التاريخية المعقدة وتطور العلاقات الإنسانية وتغيّر منطق الحياة اليومية مع ظهور تكنولوجيا تتحكم في كلّ لحظة بحياة الإنسان.

انقسم المفكرون الإسلاميون حول مفهوم وطبيعة التجديد في العالم الإسلامي بحسب قراءة أفكارهم ودعواتهم في ذلك ارتباطاً بأصول الإسلام من جهته وبواقع المسلمين وظروفه وبتحديات العصر العلمية والتكنولوجية والسياسية والاقتصادية وغيرها. تنحصر هذه الاتجاهات لدى البعض في الاتجاه التجديدي الذي يرتبط بالبعث والاحياء والإعادة، وآخر متأثّر بالحركة التجديدية الإصلاحية التي قامت في أوربا في بداية القرن الخامس عشر وأفرزت المذهب البروتستاني، واتجاه آخر متأثر بالمذاهب المادية كالماركسة واللّيبيرالية والوجودية والبرغماتية، يعمل على التوفيق بين هذه المذاهب والإسلام.

يبقى مفهوم التجديد لدى المسلمين مرتبطاً بشبكة من المفاهيم النظرية المتعلقة بالتأصيل النظري للمفاهيم الحركية المتعلقة بالممارسة الفعلية لفعل التجديد، فيتشابك مفهوم التجديد مع مفاهيم "الأصالة والتراث والهوية" للتعبير عن تغيير الذات، كما يتشابك مع مفاهيم التغريب- الحداثة- وعلى مستوى المدلولات الحركية تطرح مفاهيم عديدة مثل 'التقدم' و'التطوّر' و'التقنية' و'النهضة' للتعبير عن ضرورة التفاعل مع الحضارة الغربية ومنتجاتها، كما تبرز مفاهيم مثل 'الإحياء' و'الإصلاح' و'البعث' والاتجاه لتأكيد حضور الرؤية الإسلامية لعملية التجديد ويظهر مدى الارتباط بين مفهوم التجديد نظرياً وعملياً بين الخبرة التاريخية ومرجعية المجتمع.

الهوامش:

1- جميل صيليبا: المعجم الفلسفي، ج1، ص242.

2- - Andre-Lalande : Vocabulaire Technique et critique de la philosophie

Presses universitaire de France, 13eme edition. Paris1980. P516 -517.

3 - جماعة من الباحثين: القاموس الجديد للطلاب، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، الطبعة السابعة، سنة1991، ص171.

4- جميل صيليبا : المعجم الفلسفي، ج1، ص 311.

5- جميل صيليبا: المعجم الفلسفي، ج1، ص 259.

6- المرجع السابق: ص295.

7- المرجع السباق: ص31.

8- سورة البقرة: الآية 224.

9- سورة الإسراء:الأية 49.

10- سورة ابراهيم:الأية 19.

11- حديث شريف: رواه أبو داود.

12- أبو الأعلى المودودي: الموجز في تاريخ تجديد الدين ، ص 13 – 25.

13- يوسف القرضاوي: من أجل صحوة راشدة ، ص28.

الدكتور جيلالي بوبكر

 

 

bobaker jilaliإن الحديث عن التسامح في حياة الإنسان عامة وفي حياة المسلمين خاصة ومن الوجهة الدينية بصفة عامة والوجهة الإسلامية بشكل خاص يقتضي ربط التسامح بنقيضه، وهو اللاّتسامح والتعصب وروح الانتقام وسائر الحالات التي تغذي مشاعر الحقد والغل والكراهية والبغضاء والشحناء واختيار طريق العنف بمختلف صوره في مواجهة الآخرين بعيدا عن العفو والصفح والتراحم وعن كل ما من شأنه يجمع ولا يشتت، يقبل الآخر ويحبه ويصغي إليه ولا يقصيه، يتسامى فوق كل ما هو سفيه تافه، ومادامت دلالات وصور وسلوكيات اللاّتسامح منبوذة عقلا وشرعا وواقعا في حياة الفرد والجماعة على الرغم من أن الإنسان مارسها ولازال يمارسها على نحو يشذ عن حاجة الإنسان الدءوبة صوب التسامح باعتباره سبيل ارتياح الإنسانية فرديا واجتماعيا وأمميا، وإمكانية تصنع عالم الأمان والسلام وتُصرف الإنسان إلى الاشتغال برسالته في الحياة وعلى الأرض خلافة وتعميرا وتحضرا.

الرسالة العظيمة أمانة عظمى تحمّلها الإنسان لجهله بمعنى التسامح وبآثار اللاّتسامح، فكثيرا ما يختار مالا يسمح بأداء الرسالة على أكمل وجه، فينزاح عن الفطرة السليمة التي جُبل عليها وعما يوافق السنن الكونية في الطبيعة والإنسان من فكر وسلوك، ويحيد عن الحق باعتباره سبيل النجاة في الدنيا وطريق الخلاص في الآخرة، ومسلك الخير مبني على التواصل والمحبة والحوار والتسامح والتعايش والسلام وسائر القيم العليا السمحة في مقابل القيم الدنيا وأبرزها اللاّتسامح.

إذا كان الحديث عن التسامح يحيلنا بالضرورة إلى التفكير في معاني اللاّتسامح لأن دلالات التسامح تتضمن معاني اللاّتسامح والأشياء كثيرا ما تُعرف بأضدادها، فإنّ موضوع التسامح لا تقوم له قائمة من دون موضوعات أخرى ترتبط به ويرتبط بها ارتباطا سببيا أو غائيا أو منهجيا أو أخلاقيا واجتماعيا.

أبرز هذه الموضوعات التواصل الذي يؤسس للاجتماع البشري ويحققه في مستوى أرقى من كل المستويات التي عرفتها المخلوقات على وجه المعمورة، لما للإنسان من تفرد وتفضيل بالتكريم الإلهي له، فالتواصل سنّة كونية وهبة طبيعة في البشر تتضمن أسباب اندفاع بني الإنسان إلى بعضهم البعض نحو العيش الجماعي والنفور من الفردية وتجنب الاعتزالية باعتبارها شذوذا عن الطبيعة التي تؤكد حيوانية الإنسان في اتجاه الاجتماعية والمدنية، وهي طبيعة وضعت الإنسان في أعلى مراتب سلم ترتيب الكائنات الأرضية في الدرجة والقيمة تأثيرا وتأثرا وفعّالية، فالتواصل يحوي دواعي الارتباط الإنساني في كل مستوياته وفي مختلف أشكاله وصوره، ويزرع حراك التواصل المفعم بالخلود والأبدية بذور التقارب الإنساني في الفكر والسلوك فأنتج وينتج الاجتماع الإنساني بأشكال شتى عرفها التاريخ عبر عصوره الطويلة وإلى الآن، الأسرة والعشيرة والقبيلة والمجتمع المدني والدولة والأمة والمجتمع الإنساني، الاجتماع الإنساني الذي لا يقوم ويستمر ويحقق كل ما يحتاج إليه لضمان هذه القوامة والاستمرارية في غياب التواصل أولا ومن دون التسامح ثانيا، فالتواصل يجمع بني الإنسان ويشد بعضهم إلى بعض بطريق شعوري ولاشعوري يقوم على التجاذب الطبيعي في حدود الطبيعة البشرية التواقة إلى الأفضل والكمال والمفطورة على الخير، الناهدة دوما إلى الأعلى في مقابل الشر وكل ما يعكر صفو حياتها ويحول بينها وبين مراميها، أما التسامح هو المادة الأسمنتية التي تضمن قوة ومنعة واستمرار وديمومة التماسك بين العناصر المكونة للاجتماع البشري أيّا كان تكوينا وبنية وحركة وفعّالية.

لقد منح التكريم الإلهي الإنسان القدرة على الحركة التواصلية، وفي فعاّلية حركة التواصل ونجاعتها ينتج الاجتماع البشري في أرقى الصور التي تعرفها المعمورة، فيحتاج البنيان الاجتماعي إلى التسامح ليقوى ويشتد عوده تأسيسا للحضارة والعمران وضمانا لخلافة الإنسان على الأرض، لكن بلوغ هذا المسعى يشترط تأصيل التواصل وتأسيس التسامح على مسلك الحوار في صورتيه الذاتية والغيرية، بين الأنا وذاته من جهة وبين الأنا والغير من جهة أخرى، الحوار المجسد للفطرة الإلهية والمعبر عن الحقيقة الإنسانية في أرقى صورها، الحوار الذي يتخذ أشكالا عدّة، وأول هذه الأشكال المحاورة الذاتية التي تجري في النفس الإنسانية مجرى الدم في العروق، وتحيي الروح والعقل حياة كل شيء بالماء، إنّها حركة التفكير التي لا تتوقف ولا تنقطع إلاّ في حالات النوم والإغماء ونحوها.

إنّ التفكير بسائر ملكاته ووظائفه حوار، هو أول ما ينطلق من الذات باعتبارها موضوعا مفكرا فيه يثري الحوار والتفكير، وتمثل الذات الإنسانية عالما داخليا ذاتيا غاية في التعقيد والعمق والاتساع، عالم هو مادة خصبة للتفكير والتأمل والحوار مع الأنا في المستوى الأول الذاتي الداخلي، إلى جانب المستوى الحواري الثاني الموضوعي الذي يخص العالم الخارجي ويشتغل فيه التفكير والحوار باستمرار، ومادام الحوار ظاهرة إنسانية طابعها فردي واجتماعي، فهو على المستوى الإنساني الاجتماعي ميادينه شتى تشكل جميع مجالات الاجتماع البشري، وبصفة خاصة مظاهر الثقافة وتجلياتها، الثقافة عامة وثقافة الحياة اليومية والعلم والدين والسياسة والأخلاق والحضارة وغيرها، وصورة الحوار دوما تقوم على إثبات الأنا والاعتراف بالغير وعدم إقصائه والتعاطي معه إصغاء وسماعا، ووصولا إلى التوافق في حده الأدنى أو الأعلى أو عدم التوافق، وتكتمل صورته بالاحترام المتبادل بين الأطراف المتحاورة، فيأخذ الحوار مكانه في شبكة العلاقات الاجتماعية في بنيان الجماعة البشرية المؤسسة على التواصل، في سبيل حمايتها من التفكك من خلال حماية التواصل ذاته واستثمار قيم التسامح ذاته الذي هو جوهر نجاح الحراك التواصلي وسر فلاح الفعل الحواري في أي عصر وفي كل مصر.

أما الصورة السلبية للتواصل والحوار والتسامح تظهر عند اجتماع مضادات الفطرة الإلهية وموانع السنّة الكونية، مضادات وموانع تمنع التواصل وتلغي الحوار بإقصاء الأنا أو الغير أو الأنا والغير معا وتسد كل منافذ التسامح من دون أمل في فك الحصار عنها، في هذه الحال تتغلب الفرقة وتسيطر على الوضع فتشق طريقها في داخل المنظومة الاجتماعية عاطفيا وفكريا واجتماعيا، وتقوى الفرقة ويتسع مجال التشتت باستقواء مشاعر الأنانية والانتقامية وما يصحبهما من مظاهر سلوكية تجنب الإنسانية ما وجدت لأجله، فينحدر الإنسان صوب الأسفل ويفقد كرامته والتكريم الذي خصه الله به وسقط في هاوية البهيمية التي يقودها شرع الغاب وتحكمها مقولة السمك الصغير له الحق في أن يسبح والسمك الكبير له الحق في أن يأكل ولا سبيل إلى النجاة إلا بالعودة إلى الفطرة التي فطر الله الناس عليها فطرة التواصل ومنهجه الحوار المبني على التسامح.

أما الصورة الإيجابية للتواصل في ارتباطه بالحوار والتسامح داخل الاجتماع الإنساني يصنعها الحراك الإرادي من خلال إقصاء كل ما من شأنه يعارض الفطرة الإلهية ويمنع السنّة الكونية من أن تتحقق في حياة الإنسان، فيتجه الحراك الإرادي إلى تجميع كل ما من شأنه يضمن التواصل الذي يستخدم الحوار ويفضل التسامح على غيره وفي كل الأحوال، وذلك من خلال استلهام المعاني والقيم العليا من التاريخ والثقافة بمختلف مظاهرها ومن الواقع المعاش بواسطة إعمال العقل والتدبر في الكون، وهو أمر مطلوب وضروري لتحقيق الدور الرسالي الخلافي المنوط بالإنسان وبوجوده الفردي والاجتماعي، هو ما أكدت عليه وتدعو له الاتجاهات الفكرية والدينية والاجتماعية وغيرها صاحبة الذوق الرفيع والوجدان الطيب والمنطق السليم.

فالاستلهام التاريخي لدلالات ومعاني دعم التواصل وتكريس الحوار وتعزيز التسامح يحيلنا بطريقة مباشرة وغير مباشرة وفي مصادر شتى إلى التتالي الحضاري والتعاقب الثقافي وإلى تلك التراكمية الحضارية الثقافية الإنسانية المفعمة بمواد ومحتويات حضارية وثقافية شتى ذات ألوان زاهية لم تحد عن الفطرة ولم تبغ غير سنّة الدور الرسالي الإنساني الممجد، والأمر ذاته مع الاستلهام العقلي الذي استقى هو الآخر من خلال التواصل مع ذاته ومع محيطه كل ما تحتاج إليه ظاهرة التواصلية من شروط ومن دون أن يعود إلى الاستعانة بغيره، فاجتهد من خلال المحاولة والخطأ وشيّد عوالم إنسانية بلغت من السمو والرفعة درجة كبيرة وبلغ أصحابها من السؤدد درجة أكبر، والأمر أكبر وأوسع وأعمق مع الاستلهام الثقافي والثقافة لسان حال الحضارة تشملها وتعبر عنها، فمن خلال الدين والعلم والفلسفة والسياسة والأخلاق والعرف والتقنية وغيرها كل هذا شكل منابع وقدم مسارات وقاد الإنسانية والعقل وسائر مقومات التثقيف والتحضر وجميع قيم الإنسان العليا نحو تجسيد مهام الخلافة وتأكيد أداء الرسالة، ويتأكد باستمرار الاستلهام التاريخي واستلهام العقل واستلهام الحضارة والثقافة بسائر مظاهرها باستلهام الواقع كل من جهته في عصره وفي مصره، إذ لم يعد خفيا على أحد في واقعنا المعاش في كافة الأصعدة أن من الناس يعيش البؤس واليأس والقنوط ومنهم يعيش الرفاهية والأمل والسعادة.

ففي الحالة الأولى يجافي الإنسان الفطرة ويجحد النعمة ويُدبر عن كل جدّ واجتهاد، متهاو في حضيض الأنانية ونكران الغير، مشبع بروح الانتقام والتعصب والضعف والانهزامية وانكسار الإرادة وعدم الثقة في النفس، مشغول بالانقضاض على ما ينتجه الآخر قيّما وأفكارا وأشياء للاستهلاك ومن دون أدنى حركة في سبيل تحكيم الفطرة والتسلح بقوّة العزيمة لخوض معركة الحضارة والتأسيس للخلافة وأداء الرسالة. أما في الحالة الثانية فالإنسان مُدبر عن كل ما يسيء إلى السنن الكونية ومقبل تماما على كل ما من شأنه يضمن قوّة الحراك التواصلي وقوّة الحوّار وقوّة التسامح ومن وراء ذلك قوّة الإرادة ودماثة خلق حب العمل وبذل الوسع في ذلك بروح عالية شامخة في قبول الآخر والتعاون معه، إذ أن الجميع يستفيد من الجميع والكل يحترم الكل، والجميع مشغول بالأنا استقامة وعملا واجتهادا وبالغير احتراما وتعاونا وبالمجتمع استنهاضا وتطويرا وازدهارا وبالحضارة إنتاجا وعطاء وبالتاريخ استلهاما للقيم والعبر.

لقد تأكد للإنسان عبر التاريخ وبالعقل والشرع والواقع أنّ القوامة الحضارية تقوم على استقامة الفعل الإنساني الفردي والاجتماعي، والاستقامة في الفعل الحضاري تعني كلما تحلّى الفعل في حراكه الذهني أو المادي وهما معا بمعان وقيم هي محل إجماع العقول والشرائع والاتجاهات الدينية والفلسفية والاجتماعية والثقافية وغيرها في خيريتها وإيجابيتها وفي أفضليتها وأولويتها على غيرها، وقد لا تُقبل عليها بعض الاتجاهات في السر والعلن فكرا وسلوكا لكنها عاجزة عن رفضها صراحة ومقالا لأن في ذلك مجلبة لعدائها وخطر عليها، فالتواصل بين الناس بمختلف صوّره وأساليبه فطرة فطر الله الناس عليها، وسنّة كونية لا تنمحي ولا تتحول ولا تتبدل، وضرورة تاريخية لا يتوقف حراكها ولا تتقطع مساراتها، وحتمية إنسانية اجتماعية تحرك الناس نحو بناء الجماعة ونحو السعي إلى المحافظة على أواصر الترابط والتماسك والوحدة فتعددت أشكال الجماعة وتعددت مطالبها، وضرورة حضارية، فما كان للإنسان أن يصنع المدنية والتحضر وسائر منتجات الحضارة وتتناقلها الأجيال من عصر إلى آخر لولا التواصل، وأصل التحضر تواصل الإنسان بخالقه الذي علّمه ما لم يكن يعلم وتواصله مع أخيه الإنسان بعد ذلك.

إن معاني التواصل وإفرازاته لا تقوم لها قائمة في غياب دلالات الحوار ونتائجه، باعتبار الحوار الأسلوب الوحيد الذي يضمن تبادل الفكر والسلوك والمواقف والاتجاهات بين بني البشر، والواقي من منطق الإقصاء والأحادية والتسلط والهيمنة المستبدة بصاحبها وبمن معه، والكاشف لقيّم التواصل ولكل ما يضر أو ينفع نظرا وعملا من أراء وفهوم شتى لا الرأي الواحد، والمفضي إلى سداد الرأي ورشاده الذي لا يخرج عنه إلا صاحب زيغ وظلال، ويكون الحوار إيجابيا كلما تمثل حقّا وفعلا روح التسامح في رقتها ولينها ولطفها وعفوها وإشفاقها وفي سائر محامدها، وكثيرا ما يفشل التواصل في غياب الحوار الإيجابي، وكثيرا ما يفشل الحوار في غياب التسامح، وفي كثير من الحالات لا يجد التسامح مرتعا له في عالم اللاّتواصل واللاّحوار واللاّتسامح.

كثيرا ما يُقال أن الطبيعة تأبى الفراغ وتنفر من العنف والعدوان، فهي تتجه نحو الحركة بدأب وديدان، وتنكشف مخزوناتها وتتعرى طاقاتها وتنفجر في حدود الإرادة الإنسانية وما تبذله من جهد واجتهاد بإيمان قوّي بقدرة الإنسان على التغيير وعلى خوض معارك البناء الحضاري من دون يأس وخيبة أمل، هو العلا الأعلى كما يسميه البعض، لكن حسم المعركة لصالح الإنسان لا يتم إلا بالتواصل والحوار المبني على التسامح، فالمعركة محسومة لغير العلا الأعلى في جو الفرقة والشقاق والتشتت، وفي سيطرة منطق الإقصاء والعنجهية والأنانية وواحدية الرأي، وفي السقوط الحر في بحر أمواجه طوفانية تدفع باتجاه الكراهية والبغضاء والضغينة، فيقتحم الإنسان عالم اللاّتسامح والعنف الذي تتعدد أشكاله، وكثيرا ما ينتهي العنف بالتناحر والاقتتال، فلا تقوم للتعايش قائمة قي غياب الأمن والسلام.

ورد في الأثر الطيب أنّ أحد الحكماء عُرف عنه كثرة العلم، وغزارة الفطنة، والصدق في القول والعمل، يحاور ويهزم، لم ينكسر قط فيما ناظر وحاجّ، فتعجب أهل العلم والحجاج لذلك، ورأوا في الأمر سرّا، وذات يوم سأله أحد تلاميذه عما يفعله قبيل الشروع في المناظرة، فأجابه قائلا: ما ناظرت أحدا قط في حياتي إلاّ سألت الله بيني وبينه أن يّظهر الحق على لسانه هو وليس على لساني أنا. فالتواصل في هذا المشهد عرف الحوار في قمة التسامح. فأين نحن من هذا؟.

 

الدكتور جيلالي بوبكر

 

bobaker jilaliلما كان التجديد الحضاري شرط وأساس بناء الحضارة، الحضارة التي نبتت عناصرها وأطوارها ومنتجاتها في محيط مليء بالنقص والفساد والتخلف في جميع ميادين الحياة، وهي إما أن تقوم في قوم ضارب في حالة البداوة والسذاجة والبساطة والتخلف، أو تقوم في قوم نهض بعد غفلة، وصحا بعد نوم، وتذكر بعد نسيان، وتخلّف بعدما كان متحضرا، وفي الحالتين معا فإنّ الأمر يتطلب من القائمين على التجديد الحضاري، وعلى بناء الحضارة وعلى صنع التاريخ، بذل المزيد من الجهد والتفاني في العمل، في المجال الروحي والفكري والعلمي من جهة وفي المجال العملي التطبيقي من جهة أخرى، لأنّ الحضارة في أصلها تقدم وازدهار وبناء في الجانب الروحي والفكري والعلمي من جهة وتطور في المجال العملي التطبيقي من جهة ثانية، ويتعلق الأمر بالعلوم والأفكار وبالفنون والصناعات والتقنية والعمل ووسائل وأساليب العمل وعلاقات العمل، وبتنظيم حياة الفرد والمجتمع، هذا الازدهار يكون مزدوجا في حياة الإنسان الروحية والمادية. فالحضارة الإسلامية شهدت في أوجها ازدهارا كبيرا في المجال الروحي وسجلت الفتوحات الإسلامية ذلك، كما شهدت ازدهارا كبيرا في مجال الزراعة وصناعة الأسلحة و الفن المعماري و غيره.

إنّ حركة التغيير التي ينهض بها زعماء الإصلاح والتجديد لا تنبعث من العدم والفراغ بل لها أسبابها وشروطها ومراحلها، تجعلها تنمو وتتبلور حتى يكتمل نضجها وتينع ثمارها، فتصبح صالحة للاستعمال، وقابلة للقطف والاستغلال، ذلك ما عرفه المسلمون في حضارتهم الزاهية منذ أن أسسها "رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم" إلى وقت أفولها وانهيار معالمها وكيانها ولم يبق منها سوى الذكريات والعبر محفوظة في الأذهان والكتب وغيرها من مصادر التاريخ المباشرة وغير المباشرة، وجاء عصر الانحطاط والضعف في حياة المسلمين وتكلّل بالاستعمار الأوروبي الغربي للعالم الإسلامي في العصر الحديث، فازداد العرب والمسلمون انحطاطا وضعفا على الرغم من بقايا محاولات الدفاع التحررية والفكرية الصادرة ممن تسلّح إيمانهم القويّ بالروح الثورية الإسلامية، سواء في مجال العقيدة والدين أو في مجال الفكر والسياسة أو في مجال الكفاح المسلح، وشهد العالم العربي والإسلامي الحديث بعد الانحطاط والضعف وبعد الاستعمار محاولات عديدة للإصلاح والتغيير والتجديد، وعرف عددا من المصلحين والمجددين، منهم "جمال الدين الأفغاني" و"محمد عبده" و"محمد إقبال" و"مالك   بن نبي" وغيرهم.

يكاد يتفق الباحثون والنقاد في عصرنا على أنّ زعماء الإصلاح ودعاة التجديد في العالم العربي والإسلامي الحديث والمعاصر يفتقرون تماما إلى رؤية فلسفية ونسق فكري متكامل في تناولهم قضية الحضارة ومسألة التاريخ، يفتقر الفكر لديهم إلى فلسفة تاريخ وفلسفة حضارة، خاصة إذا ما قورنوا بفلاسفة الحضارة والتاريخ في العالم المتقدم، ورؤيتهم للواقع وللتاريخ عاجزة عن الإحاطة بسنن التغيير وعن الإلمام بشروط ولوازم النهضة الحضارية والتقدم التاريخي، فهم ليس بأيديهم فلسفة حضارة أو فلسفة تاريخ ، وهو عوز جعل العالم الإسلامي لا يبرح مكانه، ولا يكون له أمل في النجاة، لكن هذا لا يعني عدم وجود محاولات فكرية نهضوية إصلاحية تجديدية تتسم بالنسقية والرؤية الفلسفية في العالم الإسلامي الحديث والمعاصر، فأزماته ومحنه صنعت رواد فكر تميّز بالأصالة والتجديد، تجاهلتهم تماما تلك الرؤية، نذكر منهم دائما على سبيل المثال لا الحصر " محمد إقبال " و" مالك بن نبي ".

لقد كان " محمد إقبال " على حد وصف من عرفوه وعرفوا فكره وفلسفته متدينا، وفيلسوفا وشاعرا ومتصوفا، وقلّما تجتمع هذه الأوصاف في شخص واحد في عصر مليء بمغريات الحضارة الغربية الحديثة والمعاصرة التي أبهرت العديد من المفكرين فانغمس في طلب ثمارها وغرق في البحث عن استثمار واستغلال منتجاتها، ولو على حساب قيّمه الذاتية وتراث أمته العتيد. إنّ ارتباط " محمد إقبال " بالإسلام وبتاريخه وفهم كل منهما، وبالحضارة الغربية وبالفكر الغربي والإلمام بهما، وسعة اطلاعه بتاريخ الفكر الإنساني، وإحاطته بظروف وأوضاع المسلمين في عصره، وما تميّزت به من تخلف وانحطاط في جميع جوانب الحياة، هو ما جعل منه المفكر المتميز المتفرد والمجدد الفريد في نوعه، وصاحب فلسفة تمثل الأولى من نوعها في عصره لما توفرت عليه من نسقية وتكامل في المنظور والرؤية إلى الإنسان والمجتمع والحياة والوجود، وكل ما يتصل بها في عالم الدنيا وفي العالم الآخر. والإسلام دين يتميز بالوحدة والحيوية والعالمية بعيدا عن التعصب لعرق أو لون أو لإيديولوجية أو لأرض أو لغيرها مثلما نجد في كثير من الاتجاهات والمذاهب المختلفة. والحقيقة في أصلها وفي جوهرها روحية، مبدؤها روحي ومآلها روحي، والسبيل إليها التجربة الواقعية والتجربة الصوفية معا، من خلال العلم والدين معا، واستخدم" محمد إقبال " عبقريته الشعرية وموهبته الأدبية في نشر فلسفته ودعوته إلى الإصلاح والتجديد، فكان مثالا حيّا للشاعر المسلم، والعالم الداعي والفيلسوف المتميز، والصوفي العامل، وخطته في التجديد تقوم على النقد والهدم وإعادة البناء، وهو منهج سلكه ومارسه في فكره وفي كتاباته النثرية والشعرية، أهمها كتاب" تجديد التفكير الديني في الإسلام " الذي عرض فيه عناصر خطته ومنهجه في التغيير والتجديد بشيء من التفصيل في النقد والتصحيح والتقويم، هذه الخطة تمثل جزءا من نسقه الفلسفي ورؤيته الفلسفية، وما تميّزت به هذه الخطة من عمق ودقة وأصالة وتجديد تجعل الإنسان المسلم وغير المسلم يجد فيها ضالته في التغيير، للوصول إلى مستوى التغيير المطلوب.

أما "مالك بن نبي" فكان واحدا من المفكرين المسلمين النوادر في عصرنا، اهتم بقضية النهضة وموضوع الحضارة اهتماما متميّزا، حيث ركّز في ذلك على شروط النهضة ودواعي التحضر، وعلى حصر أسباب التخلف والانحطاط، وعلى تحديد عوامل التراجع وانهيار الحضارات وأفولها، وقدّم نظرية في الحضارة هي الأولى من نوعها وفريدة في طابعها، كما قدّم رؤية فلسفية إلى التاريخ وإلى الحضارة تختلف عن تلك التي جاء بها "عبد الرحمن ابن خلدون"، وعن تلك الرؤى التي جاء بها مفكرون غربيون أمثال" أرنولد توينبي" و"أزولد سبنجلر" و"فيكو" وغيرهم، شغلته قضية الحضارة فأدرك أنّ مشكلة كل شعب في أصلها وجوهرها مشكلة حضارته، ولما كانت الشعوب الإسلامية المعاصرة تعيش حالة التخلف والانحلال والانعزال والاستعمار بمختلف أشكاله عاش هو لشعبه ولأمته الإسلامية، ولفكره ولنظرته التي تؤمن بأن العالم الإسلامي يملك الطاقات والإمكانات الروحية والمادية ما يدفع به فعلا إلى المساهمة في حل مشكلاته وهي مشكلات حضارة لاغير وما يؤهله لبلوغ الحضارة والرقي، وما يسمح له بالمساهمة الحقيقة في تطوير العالم.

إنّ التخلف الفكري والثقافي، والانحطاط الاجتماعي والاقتصادي، والاستعمار والقابلية للاستعمار، كلها أوضاع وظروف تنمحي من الوجود إذا تمسكت الأمة بالقاعدة القرآنية التي تدعو إلى التغيير والتجديد والتحوّل على مستوى ذات الإنسان وفي داخل أعماقها، أما تغيير الواقع الخارجي فيكون بعد ذلك بفعل التغيير داخلي، ويكون الله في عون المسلم ما دام المسلم يغير ذاته أولا ثم يغير محيطه. يقول تعالى:﴿إنّ الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم﴾.1

إنّ خطة "مالك بن نبي" في الإصلاح والتجديد هي التي دفعتني إلى الاهتمام بفكره وفلسفته في الحضارة، من خلال موضوع التجديد الحضاري عنده، وهي خطة من دون شك يجد فيها المسلم وغير المسلم تعبيرا عن أوضاعه وعن تطلعاته، ويجد فيها الوسائل والسبل للتخلص من دنيا التخلف والانتقال إلى عالم الحضارة وحقل البناء التاريخي وفضاء الازدهار الاجتماعي.

إنّ بحث موضوع الإصلاح والتجديد بين"محمد إقبال"و"مالك بن نبي"يعود إلى ما آل إليه المجتمع الإسلامي من تدهور وانحطاط في كافة مجلات الحياة، وارتبط ذلك مع وجود حضارة غربية راقية، وبوجود اعتبارات تقول بأن مقوّمات الإبداع والتحضر من نصيب بعض الناس دون البعض الآخر، مثلما هوالحال عند "أرنست رينان" وفي التصور النازي للجنس الآري، والذي يقضي بمركزية التقدم الحضاري في أوروبا وحدها قديما وحديثا ومعاصرا، بينما صيحة "محمد إقبال" ودعوة "مالك بن نبي" إلى الإصلاح والتجديد تبطلا كل زعم من المزاعم الداعية إلى العنصرية المدمرة والمكرسة لظاهرة التباهي والتفاضل بالأجناس القاتلة، فالحضارة لا وطن لها، والعلم ليس حكرا على أحد، والتقدم الحضاري من نصيب أيّة أمة طالما توفرت شروطه ولوازمه.

فالمتصفح للمحاولة الفكرية الفلسفية في الإصلاح والتجديد عند "محمد إقبال" يجد أنّ رؤية هذا الأخير في التغيير والتجديد والحضارة ارتبطت بفلسفته ككل، وبنظرته إلى الحياة عامة. ورؤيته تختلف عن رؤى زعماء الإصلاح الآخرين في العصر الحديث. فهو يرى أن دوافع التغيير والتجديد حالّة في وحدات الوجود، الإنسان، الكون و الله، والحياة متغيّرة باستمرار لا تعرف الثبات والجمود، وتستمد تغيّرها وخلودها من طبيعتها النهائية ومن الأصل الأول وهو الذات المطلقة. والتغيير لا يحصل في الإنسان ولا يجرى في الواقع دون أن يحدث في أعماق الذات الإنسانية أولاً، ويتعلق هذا التغيير بمعنى الحياة والوجود والإنسان، وبأساليب التفكير والعمل وبالمبادئ والقيّم التي يؤمن بها الإنسان، وبالأهداف والغايات التي يصبو إليها. والتجديد في أصله وفي مساره وفي مقصده ومبتغاه روحي، والمادة ذات أصل متأصّل فيما هو روحي. فالتجديد تجديد في قوى النفس وفي محتوياتها الروحية والفكرية والأخلاقية، وتجديد في قوى المجتمع من خلال اجتهاد البشر لتنظيم وتطوير وازدهار حياتهم الاجتماعية، وتسخير قوى العالم لخدمة مطالب ومرامي الإنسان الروحية في أصلها. والحضارة هي السمو الروحي الذي يبلغه الإنسان من خلال النهوض بالعمل في المجتمع والطبيعة. وليس المهم بالنسبة للذات الإنسانية أن ترى الأشياء بل المهم عندها أن تصير و تصبح شيئا. من خلال التجديد الحضاري والإبداع العلمي والازدهار الثقافي والاجتماعي.

ما تميزت به نظرة "محمد إقبال" الفلسفية إلى الحضارة والتجديد الحضاري خاصة، وفلسفته بصفة عامة هو أنها تشكل رؤية فلسفية إلى الحياة والإنسان والحضارة، وكل ما يرتبط ويتعلق بهذه الجوانب. وتتميز هذه الرؤية الفكرية الفريدة في نوعها بالوحدة، لما بين عناصرها وأجزائها من اتساق وانسجام وتكامل، فهي عبارة عن نسق فكري فلسفي واحد، لا تفكك ولا انفصال بين جوانبه، وتتصف بالقوّة والمتانة لارتباطها بالإسلام وبتعاليمه وقيّمه العليا، وبالعمق لرحابه وسعة التأملات الميتافيزيقية التي قامت عليها، وبالدقة في التحليل والنقد والاستنتاج، وهي أوصاف قلّما نجدها لدى مفكر في عصر طغى عليه التخصص، وسيطر الفكر التجريبي الوضعي وسادت فيه النزعة البرغماتيـة.

ارتبطت فكرة الإصلاح و التجديد عند "محمد إقبال" بالإسلام، وبمبادئه وقيّمه، باعتباره مشروعا حضاريا إنسانيا، يمثل رسالة إنسانية عالمية، دخلت التاريخ، ودخلت المعترك الثقافي والحضاري والديني، ليأخذ مكانته في ساحة هذا المعترك، ويفرض وجوده بقوّة، لما له من قوّة ومناعة في جميع جوانبه. وإستراتيجية النقد وإعادة البناء في فلسفة "محمد إقبال" استمدت قوتها منه، بما انطوت عليه من تصورات وأفكار تمثل مشروع رؤية فلسفية، ومخططا فكريا يستهدف بناء فلسفة الدين في الإسلام بناء جديدا، وتوجيه الذات الإنسانية إلى الحياة الروحية الكاملة، وإلى تخلّقها بأخلاق الله. وتسخير العالم المادي لخدمة مرامي الإنسان، هذا العالم المادي المتأصل فيها هو روحاني، وتوجيه الإنسان لإعادة تنظيم حياته الاجتماعية وفق مبادئ إنسانية عالمية مستمدة من الإسلام ومن الطبيعة البشرية في جانبها الفردي وفي جانبها الاجتماعي. استمدت هذه الفلسفة وانبثق هذا المشروع من الظروف والأوضاع النفسية والفكرية والخلقية والاجتماعية الفاسدة في القرن العشرين، بسبب غياب أسلوب حياة يضمن التوازن بين المادة والروح، ولا يوجد غير الإسلام الذي يحفظ هذا التوازن، ومن الفكر الإسلامي القديم، ومن الحضارة الإسلامية وما تميزت به من نماء وازدهار في كافة المجالات، الأمر الذي جعل الحضارة الأوروبية الحديثة تحمل الكثير من عناصرها ومعالمها، ومن الحضارة الغربية، ومن الفكر الغربي، وارتبط ذلك بمناهج ونتائج العلوم المختلفة، وما حققته تلك العلوم في الجانب التطبيقي في مجالات الحياة المختلفة، سواء بالنسبة للفكر العلمي في التأثير على الطبيعة بواسطة التقنية، أو بالنسبة لهذا الفكر في تأثيره على حياة الإنسان النفسية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية.

اقترنت الحضارة وارتبط التجديد الحضاري في فكر "محمد إقبال" بالدين، فالحضارة توازي الدين وهي ثمرته. والإسلام حضارة. قوتها وخلودها مستمدان من قوّة وخلود الدين، أما ضعفها وأفولها يكون بسبب فقدانها لعناصر القوّة والخلود، وهي عناصر دينية تتمثل في النهوض بالعمل في الحياة الفردية عن طريق التجربة الصوفية وعن طريق الاجتهاد في الواقع. كل هذا لبلوغ قمّة التحضر، وهو الديمقراطية الروحية والسمو الروحي والعلى الأعلى، وذلك مبتغى الإسلام و مقصده.

إنّ المتصفح لفلسفة "مالك بن نبي" في الإصلاح، ولنظريته في الحضارة والتجديد، يكتشف عالما فكرياً فلسفياً مليئاً بالمفاهيم، وغنياً بالتصورات، وفريداً في نوعه، وجديداً في العديد من جوانبه، خاصة فيما يتعلق بالحضارة وبعناصرها وشروطها وأطوارها. فهو يري أنّ ظاهرة التخلف ليست طبيعية في البشر، بل تعود إلى أسباب ذاتية وأخرى موضوعية، وتستفحل عندما تغيب الشروط والأدوات اللاّزمة للنّمو الفكري والأخلاقي والاجتماعي. هذا النًمو هو السبيل إلى التحضر، تقابله مجموعة من المشاكل والوضعيات والظروف الفاسدة المنهارة في حياة الفرد والجماعة في جميع جوانبها الفكرية والأخلاقية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها. هذه المشاكل والظروف والوضعيات ترتبط بظاهرة التخلف والانحطاط، وتقوم الحضارة باعتبارها إطاراً يضمن لكل فرد داخل المجتمع مطالبه وحاجاته في كل طور من أطوار وجوده، بإعطائـه الأدوات واللوازم الضرورية للمجتمع النامي المالك لقدرات فكرية واجتماعية واقتصادية إرادة استعمال سائر القدرات في حل المشاكل التي تواجه المجتمع المتخلف، والحضارة هي التي تكوّن هذه القدرة وهذه الإرادة معًا، وهما لا تقبلان الانفصال عن دور المجتمع النامي. فالحضارة هي شرط إيجاد القدرة والإرادة لتجاوز التخلف والتدهور في ذات الفرد وفي مجتمعه، وهي ترتبط بالإنسان والتراب والزمن والفكرة الدينية التي تجمع بين العناصر الثلاثة. ولهما عمر وأطوار هي: طور الروح، طور الأوج، وطور الأفول، تسبقها مرحلة ما قبل الحضارة وتليها مرحلة ما بعد الحضارة، لكل واحدة من المرحلتين خصائص ومميزات. وتشترط الحضارة التغيير على أساس القاعدة الإلهية التي تعبر عنها الآية القرآنية، ﴿إنّ الله لا يغيرّ ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم﴾.2 والتغيير مجاله النفس أولا ثم المحيط الخارجي ثانيا، تشرط القدرة على الإبداع والقدرة على الإنتاج، ولا تقوم على التكديس والاستيراد بل على البناء، وأن تلد الحضارة منتجاتها لا العكس، لأن العكس يستحيل منطقيا وماديا ويغرق المجتمع في الشيئية من جهة وفي المديونية والتبعية الحضارية من جهة ثانية، وتشترط التوجيه الأخلاقي والعملي والفني الجمالي، وهي شروط تضمن الانسجام والتكامل بين المجهود الإنساني المبذول في مستوى الفرد وفي مستوى المجتمع مع سنن وقوانين الآفاق والهداية والتطلعات هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى تكفل تلك الشروط التكامل والانسجام بين المجهود الإنساني والسنن الكونية مع جملة الشروط النفسية والاجتماعية والروحية والمادية، من أجل النمو والازدهار في جميع مجالات الحياة الإنسانية. والحضارة بهذا المعنى هي فعل بنائي تقتضي أُسُساً فكرية وروحية وجهوداً كبيرة في عالمي الأشخاص والأشياء، وذلك يشترط مخطط تربية يهدف إلى تغيير الإنسان في الداخل، وفق شروط معينة ليتمكن من أداء دوره في المجتمع ويحقق البناء الحضاري.

وإذا كانت الحضارة بناء لا تكديسا واستيرادا فهي فاعلية إنسانية تقوم على تغيير الإنسان في عالمه النفسي أولا ثم تغيير محيطه ثانيا، وتحصل هذه الفاعلية بتوفر جملة من الشروط والعوامل النفسية والاجتماعية، الروحية والمادية، وبتوفر الإرادة والقدرة على إبداع المعرفة وإنتاج الأشياء، واستغلال ذلك لخدمة الإنسان وضمان راحته. ولفصل الحضارة الحقيقية عن الحضارة المزيفة، فالأولى تلد منتجاتها أما الثانية فهي من صنيع منتجات حضارات الغير. والتجديد الحضاري ظاهرة إنسانية ترتبط بالحضارة وبشروطها، وعناصرها وأطوارها وازدهارها وتكون سابقة على الحضارة فتصنع النمو والتحضر والازدهار، كما تكون ملازمة لها، فتستمر في تنميتها وتطويرها، وقد تكون سببا في انهيارها وأفولها، والمقصود هنا عندما تبلغ الحضارة طور العقل يضعف سلطان الروح، وتسترد الغريزة نفوذها، فتهوي بالإنسان إلى حضيض الحيوانية والبهيمية حيث شريعة الغاب وقانون الأعلى.

لقد تميزت نظرية الحضارة عند "مالك بن نبي" بجملة من المميزات التي لم يشهدها مصلح آخر في فكره الإصلاحي. فهي نظرية انبثقت من تحليل تميّز إلى حدّ بعيد بطابعه العلمي، وبالدقة والعمق والموضوعية، والواقعية، في طرحه ومعالجته للمشكلات والظواهر في حياة الفرد والمجتمع. كما تميزت الحلول التي جاء بها لتلك المشكلات والتصورات التي خرج بها من دراساته وبحوثه المعمقة للتاريخ والواقع بالقوّة، لارتباطها بالعلم والواقع والتاريخ والدين. وتميّز منهجه في البحث بطابعه العلمي وبتنوعه، فهو يستخدم المنهج الرياضي، وطريقة المؤرخ، ومسلك عالم الاجتماع، وسبيل الكيميائي وغيره، هذا زاد في متانة وقوة أفكاره، وزاد في انسجام هذه الأفكار والتصورات مع ما يجب فعله في العمل الإصلاحي التجديدي.

وتمثل نظرية "مالك بن نبي" في الحضارة، استراتيجية إصلاحية تجديدية تستهدف تغيير الواقع الإنساني عامة وواقع العالم المتخلف ـ العالم الإسلامي جزء منه ـ بصفة خاصة، بحيث تضع بين يديه آلية فكرية نظرية للخروج من التخلف، وبلوغ مستوى الحضارة، فهي مشروع منهج وضعه صاحبه للقضاء على ظاهرة التخلف بعدما درسها، وكشف عن عوامل وأسباب وجودها، ولغرض الوصول إلى الحضارة بعدما درسها وكشف عن قوانينها وآلياتها الروحية والمادية. وتميّز هذا المنهج بالقوة والمتانة لارتباطه بالعلم والدين والتاريخ، وبقوانين هذه الأطر الفكرية المعرفية والروحية باعتبارها مصادر توجيه وقيادة في حياة الإنسان، ولارتباطه بالفكر الإنساني القديم والحديث وبواقع الإنسان المعاصر في العالم المتقدم بما له وما عليه، وفي العالم المتخلف بما عليه، وخاصة في العالم الإسلامي الذي لا ينقصه سوى تطبيق المناهج الكفيلة بإخراجه من عالم الانحطاط، وتمكينه من الحضارة، وهو أمر ليس بعسير على إنسان بين يديه كافة شروط التحضر. فهو منهج في الإصلاح يستند إلى رؤية فلسفية إلى الإنسان والحضارة والتاريخ، وإلى فكر اجتمعت فيه الأصالة مع التجديد، فكان مشروع خطة للنهضة وللصحوة و للحضارة، ونموذجا من نماذج الفكر الإصلاحي لا يستهان به، بل يُقدّر حق قدره لِمَا لصاحبه من نظرة ثاقبة وقدرة على الطرح والتحليل والنقد والاستنتاج، ولما لهذا المنهج من تكامل بين عناصره، ومن انسجام مع ما تقتضيه مستلزمات البناء التاريخي والنهضة الحضارية.

لقد تبيّن لي وبوضوح من قراءتي لبعض الجوانب الهامة في فلسفة "محمد إقبال"، خاصة فيما يتعلق بنظرته إلى الإصلاح والتجديد، أي فكرة النقد والهدم وإعادة البناء عنده، ومن قراءتي لفلسفة الحضارة والتاريخ عند "مالك بن نبي"، أنّ ما يجمع بين المحاولتين أكثر مما يفصل بينهما، ويتعلق الأمر بالظروف التاريخية الزمنية والمكانية التي عاشا فيها المفكران، والتي فيها نبتت فكرة الإصلاح عندهما، فهي واحدة تماما، حيث الإسلام والاستعمار والتخلف في العالم الإسلامي من جهة والحضارة والعلم والتكنولوجيا في أوربا الحديثة من جهة أخرى، هذا الذي شكل روافد ومصادر تلك الفكرة، وأوجد وحدة في المبادئ والأهداف والتطلعات، والاختلاف بين المحاولتين ليس في الجوهر أو في الأساس أو في الهدف، بل في بعض الجوانب التي تخص طبيعة البحث والدراسة وطبيعة الإصلاح ومنهجه، ونوع المحاولة وخصوصياتها.

بالنسبة للبحث فعند "محمد إقبال" كان فلسفيا ميتافيزيقيا على منهج الأقدمين، وهو عند "مالك بن نبي" جاء بطابع علمي واقعي، وطبيعة الإصلاح عند "محمد إقبال" روحية فردية دينية إسلامية، وهو عند "مالك بن نبي" صبغته اجتماعية علمية واقعية تاريخية، ومنهج "محمد إقبال" في الإصلاح من طبيعة روحية تقوم على التجربة الصوفية والرياضة الدينية الروحية، والعمل الصوفي الصحيح هو سبيل الوصول إلى الحقيقة، أما منهج "مالك بن نبي" فيقوم على التغيير في الفرد والمجتمع، وعلى القضاء على أسباب التخلف والأخذ بأسباب الحضارة كما هي في نظرية الحضارة، كما يقوم على التوجيه الديني والأخلاقي والعملي مع الاستفادة من خبرات وتجارب الآخرين العلمية والحضارية. وتتميز محاولة "محمد إقبال" بكونها ذات عمق فلسفي كبير وتأمل ميتافيزيقي رحب، حتى قيل عنها أنها موجهة للخاصة والنخبة من المثقفين لا للجميع، أما محاولة "مالك بن نبي" فهي للجميع لم تكن في مستوى العمق الفلسفي والتأمل الميتافيزيقي الذي عرفته محاولة "محمد إقبال".

نستنتج مما سبق أنّ فلسفة "مالك بن نبي" امتداد لفكرة "محمد إقبال" في الإصلاح والتجديد، على الرغم من أنّ الأولى يغلب عليها الطابع العلمي الواقعي الاجتماعي، أما الثانية فيغلب عليها الطابع الروحي الفلسفي الميتافيزيقي الصوفي. ولقد ذكر "مالك بن نبي" "محمد إقبال" في كتاباته، وأشاد بقوة فكره، ونظرته الثاقبة السليمة إلى الإصلاح والتجديد. جاءت فكرة الإصلاح عندهما نتيجة واقع المسلمين المتردي، وتُشكّل محاولة فكرية لتغيير النفس والفكر والواقع في العالم الإسلامي، تميزت بالقوة لارتباطها بالإسلام وبالعلوم المزدهرة وبالفكر الإسلامي، وتشكل رؤية فلسفية إلى الإنسان والحياة والتاريخ والحضارة، وتمثل مشروع خطة ذات طابع فكري نظري، للنهضة وللتجديد ولبناء الحضارة، وللدخول إلى التاريخ، وإلى حلبة المعترك الحضاري، واحتلال أمة الإسلام لمكانتها اللائقة بها في إطار الحوار والتفاعل الحضاريين .

وإذا كان الفكر الإصلاحي عند "محمد إقبال" و"مالك بن نبي" تميز بالقوة والمتانة نظرا لصلته المباشرة بواقع وحياة المسلمين في العالم الإسلامي المعاصر، ولتعبيره عن مشاكلهم وهمومهم، وعن آمالهم وتطلعاتهم، وبلوغه مستوى رفيع من الحقيقة في مناهجه وأساليبه لأنه أخذ بالدين والعلم وبالتاريخ، واستطاع أن يكفل التوازن بين طرفي الكمال، الروح والمادة، الدين والدولة، الدنيا والآخرة. وإسناد فكرة "محمد إقبال" إلى فكرة "مالك بن نبي" أو العكس أمر ممكن خاصة من الناحية النظرية، فالواحدة منهما تثري الأخرى وتعمقها. ويمكن اعتبار فكرة "محمد إقبال" أرضية فلسفية ميتافيزيقية وإطارا نظريا لفكر "مالك بن نبي"، واعتبار فكر "مالك بن نبي" الوجه الاجتماعي العلمي والعملي الواقعي الخارجي لفكر "محمد إقبال". وما أحوج العالم الإسلامي المعاصر إلى المشروعين الإصلاحيين معًا للتجديد ولبلوغ السمو الروحي والأخلاقي، ولبناء حضارة تلد منتجاتها الفكرية والمادية، ولضمان التوازن بين المثال والواقع، بين الروح والمادة، وبين الدين والدولة، ذلك هو عين التحضر وقمّته، وهو مبتغي الإسلام ومقصده، فالحضارة هي التمكين لقيّم ومبادئ الإسلام على أرض الله.

 

من كتاب "الإصلاح والتجديد الحضاري لدى "محمد إقبال" و"مالك بن نبي" بين النظرة الصوفية والتفسير العلمي"

جيلالي بوبكر

 ..............

1- قرآن كريم: سورة الرعد، الآية 11.

2- المصدر نفسه