mustafa alomariلكل مرحلة من مراحل العصر سياقاتها الخاصة وطبائعها المختلفة وعلومها المرتفعة وسايكلوجية الافراد المعرفية والحركية تختلف تماماً من وقت لأخر فلا يمكن ربط الماضي بالحاضر وفق منهج معطوب وإقحامه في حياة الناس على انه جاء من اناس كانوا قريبين من الرسول والرسالة والحال أن الذين كانوا في زمن الرسول تخاصموا وتلاعنوا وتقاتلوا ونحر أحدهم الاخر وهذا من المسكوت عنه في ظل ثقافة التخويف . كيف لنا ان نوفق بين مرحلتين متباعدتين زمنياً ومعرفياً وتكنلوجياً ومدنياً، هم عاشوا حياتهم كما أرادوها هم فلماذا لا يترك الناس في عصرنا ان يعيشوا أحراراً من دون إيهامهم وتضليلهم بالرجوع الى عصر الصحابة عصر سالت فيه دماء وسملت فيه أعيناً وقطعت فيه رؤوساً. لماذا يطلب منا ان نتقيد باحاديث بعيدة كل البعد عن أخلاق الرسول؟ أحاديث أختلق بعضها وحرف الاخر وغير المعنى في الكثير منها؟

ينقل ابراهيم فوزي في كتابه تدوين السنة: قد يأمر رسول الله بشئ أو ينهى عنه في حالة خاصة فيفهم الصحابة انه تشريع مؤبد فيسألون الرسول التخفيف لما يلحق بالمسلمين من حرج فيبين لهم ان ذلك ليس مؤبداً بل جاء لعلة خاصة .

يعتقد البعض ان التاريخ كان الامضى والاقوى في تفريق المسلمين، نعم كان التاريخ كذلك لكنه ليس كالاحاديث المدسوسة والملفقة ولأن التاريخ ليس فيه إلزام في حال العبادات والمعاملات إنما هو الاثر الزمني للأفراد نطلع عليه لكي نزداد بغضاءً وشحناءً وعداءً، لكنه يبقى ماضياً لا يستطيع الفقهاء اصدار فتاوى على ضوء نظرية التأريخ . الحال يختلف في الاحاديث او ما يسمونه بالسنة النبوية لأنهم يعتمدون (المسلمون جميعهم بشتى اطيافهم) على هذه الاحاديث في استخراج الفتاوى وهذه الفتاوى مكتوبة الى عصرنا ومرحلتنا، حديث رواه صحابي قبل أكثر من ألف وأربعمائة سنة ثم أهمل هذا الحديث وترك لفترة المأتين عام بعدها جاء شيخ من أقصى بلاد الله ليستخرج هذا الاحديث ويضعه في كتابه ليكون دستور حياتنا الحالي وشفيعنا الى الله ومقربنا منه سبحانه !!

إنها مهزلة نعم مهزلة تلك التي يدعوك إليها أرباب العمائم واللحى الى الانسياق وراء تفاهتم وجهلهم وتخلفهم وزيفهم ثم يدعونك ان تؤمن بقوة بكل ما يرد منهم من فتاوى وأحكام، ورغم إني استشعر بمجسات غير مرئية أن القادم سيكون فيه من المأساوية ما لا يحتمل لكن هذه القسوة والمأساة ستجعل الكثيرين ينعتقون من منظمات تشبه الماسونية وطوائف متيبسة على أعتاب الماضي وموروثات وطقوس بذيئة دنيئة متوحشة .

ما كان الرسول مختلياً بحاله جالساً في بيته يستنكف من مشاركة الناس في أعمالهم وحرفهم، بل كان واحداً منهم يفرح لفرحهم ويحزن لحزنهم يزورهم ويزورونه يضحكون ويمرحون يعملون ويكدحون، يشير عليهم برأيه الخاص فيتذمرون أحياناً ويتقبلون أحايين كثيرة . مرّ ذات يوم فوجد الناس يأبرون النخل فقال ماذا تصنعون قالوا كنا نصنعه، قال لعلكم لو لم تفعلوا كان خيراً فتركوه فنقضت فذكروا ذلك له فقال : إنما انا بشر إذا أمرتكم بشي من دينكم فخذوا به وإذا أمرتكم بشي من رأيي فإنما أنا بشر. (القاضي عياش 178)

ومن هذا الكم الهائل من النصوص المنقولة عن الرسول نستطيع ان نميز بعض لمحات وحركات الرسول البشرية التي كان يتعامل بها مع الناس جميعاً، ليس لنا ونحن نعيش في عصر يختلف ومنظومة من المعارف المختلفة عن ذلك العصر ليس لنا الا استخدام العقل امام هذه النصوص وليس العكس فالنص منتوج بشري قابل للتغيير والتبديل والإلغاء أما العقل فهو المنتج إلالهي يرتفع ويرتفع الى اللانهاية، فالنصوص التي إختلقها إجدادنا لمرحلة ما وزمن ما لا تصلح ان تمرر على هذا الزمن وفي هذه المرحلة الصاعدة من حيث الوعي .

هذه المرحلة تحتاج من الواعين ان لا يتيبسوا على النص ويحاولوا الارتقاء بالعقل لكي يرشدهم الى حيث الصواب من عدمه . يقول الشيخ شلتوت في كتابه الاسلام عقيدة وشريعة (أن كثيراً مما نقل عن النبي صدر بأنه تشريع او دين او سنة او مندوب وهو في الحقيقة لم يكن صادراً على وجه التشريع أصلاً وقد كثر ذلك في الافعال الصادرة عنه بصفته البشرية او بصفته العادية او التجارب)

فمتى يقرأ المسلمون الرسول على انه الانسان البشري دون استعلائه على الناس ومتى يدركوا ان الاحاديث التي نسبت اليه هي ليست له وانه كان يتعامل مع ذلك العصر وفق معطياته وضروراته واذا جاء الرسول محمد اليوم فسيسير بالناس على ضوء منهج الحضارة الحديثة فسيركب السيارة والطيارة وسيقلع عن ركوب الخيل وسيجد نفسه غريباً بين أمة تدعي نهجه وحبه .

  

مصطفى العمري

 

abdulsalam alhitariألقي هذا الخطاب بتاريخ 28 أغسطس / آب عام 1963، في محيط نصب لينكولن التذكاري بواشنطن دي سي.

يسعدني أن انضم إليكم اليوم في هذا الحشد المهيب الذي ستتناقله الأجيال عبر التاريخ كأعظم مظاهرة في سبيل الحرية في تاريخ أمتنا.

قبل قرن من الزمان، صادق الأمريكي العظيم، الذي نقف اليوم في ظله الرمزي، على إعلان انعتاق العبيد. جاء هذا القرار التاريخي كشعلة أمل عظيمة يهتدي بها الملايين من العبيد الزنوج الذين اكتووا بنيران الظلم والجور. جاء كمطلع فجر بهيج ليبدد ظلام ليل عبوديتهم الطويل.

ولكن بعد مضي مائة عام، لا تزال حرية الزنوج منقوصة. بعد مضي مائة عام لا تزال حياة الزنوج مكبلة بقيود الفصل العرقي وأغلال التمييز العنصري. بعد مضي مائة عام، لا يزال الزنجي يعيش معزولا في جزيرة الفقر وسط بحر مترامي الأطراف من الرفاه المادي. بعد مضي مائة عام لا يزال الزنجي يتلاشى على هامش المجتمع الأمريكي، ويجد نفسه منفيا في أرضه ووطنه. وها نحن قد احتشدنا اليوم في هذا المكان لنعبر عن سخطنا على هذا الوضع المخزي.

لقد قصدنا عاصمة بلادنا اليوم لنصرف شيكا. فعندما سطر مؤسسو جمهوريتنا أروع الكلمات في الدستور وإعلان الاستقلال فإنهم كانوا يوقعون سندا لكل أمريكي سهم فيه. كان هذا السند بمثابة وعد بمنح كل الناس، أجل كلهم، أسودهم وأبيضهم على حد سواء، "حقوقهم الثابتة" في "الحياة والحرية ونشدان السعادة"، بيد أن من الواضح اليوم أن أمريكا قد أخلفت وعدها ولم تف بدَينها بالقدر الذي يخص مواطنيها الملونين. وبدلاً من الوفاء بهذا الالتزام المقدس عمدت أمريكا إلى إعطاء الزنوج شيكا زائفا، فما أن أرادوا صرفه حتى أعيد إليهم مُعلَّما بعبارة "الرصيد غير كاف."

لكننا لا يكمن أن نصدق بأن بنك العدالة مفلس. لا يمكن أن نصدق أن الرصيد غير كاف في أروقة الفرصة العظيمة في هذا البلد. وعليه، فقد أتينا لصرف هذا الشيك – الشيك الذي يمنحنا ثروة الحرية وضمان العدالة عند الطلب.

لقد قصدنا هذه البقعة المعظّمة لنُذكِّر أمريكا بإلحاح اللحظة الآنية. فهذا ليس وقت الدخول في ترف التهدئة ولا وقت تعاطي مهدئات التدرج المرحلي. لقد آن الأوان للوفاء بتعهدات الديمقراطية، لقد آن الأوان للصعود من غياهب فجاج الفصل العنصري المقفرة إلى إشراقة درب العدالة بين الأجناس. لقد آن الأوان لانتشال أمتنا من وحل الظلم العنصري كي تقف على صخرة الأخوة الصلبة. لقد آن الأوان لجعل العدالة واقعا معاشا لكل الخلق.

إن تغافل إلحاح اللحظة الآنية سيكون قاصمة ظهر هذه الأمة. ولن ينقضي هذا الصيف القائظ من سخط الزنوج الشرعي إلا بقدوم خريف يمكِّن للحرية والمساواة، فسنة 1963 ليست النهاية، إنما هي البداية. أما أولئك الذين يمنّون أنفسهم بأن الزنجي كان بحاجة للتنفيس عن غضبه وأنه سيقنع الآن بذلك فلسوف يوقظون إيقاظا فظا بعد فوات الأوان إذا ما عادت الأمة لممارسة حياتها الطبيعية المعتادة؛ فلن تنعم أمريكا بالاستقرار والسكينة حتى ينال الزنوج كافة حقوق المواطنة، وستستمر زوابع الثورة في هز بنيان أمتنا من جذوره حتى يسطع نهار العدل وضاحا جليا.

وهنا ينبغي علي أن أقول لقومي الذين يقفون على العتبة الدافئة المؤدية إلى قصر العدالة: ينبغي علينا ألا نقوم بارتكاب أي أعمال مشينة أثناء نضالنا في سبيل الحصول على مكانتنا المشروعة. ولنبتعد في سعينا لإرواء غليلنا من الحرية عن الشرب من كأس الأحقاد والانتقام؛ ينبغي علينا دائما أن نخوض نضالنا بمستوى رفيع من الكرامة والانضباط. ينبغي ألا نسمح لاحتجاجاتنا الخلاقة أن تنحطّ إلى مستوى العنف الجسدي. ينبغي أن نعلو بذواتنا على الدوام إلى أسمى مقام فنواجه القوة الجسدية بالقوة الروحية.

ينبغي أن لا تجرنا هذه الروح النضالية الرائعة التي تغمر المجتمع الزنجي إلى الشك بكل البيض، فكثير من إخواننا البيض قد استوعبوا أن مصيرهم معقود بمصيرنا، وأن حريتهم مرتبطة ارتباطا وثيقا بحريتنا، ويشهد على ذلك وجودهم بيننا اليوم.

ليس بوسعنا أن نمضي في هذا الطريق وحدنا.

فإذا ما خطونا، ينبغي أن نقطع على أنفسنا عهداً بأن نمضي قُدماً على الدوام.

فليس بوسعنا أن نتراجع.

هناك من يسأل أنصار الحقوق المدنية: "متى سترضون؟" لن نرضى أبداُ ما دام الزنجي ضحية لوحشية جهاز الشرطة وفظائعه التي لا توصف. لن نرضى أبدا ما دامت أجسادنا المنهكة من السفر لا تجد مأوى في نزل على الطريق أو فندق في المدينة. أنَّى أن نرضى ما دام الزنجي مطوقا بالعزلة محصورا في تحركاته الأساسية فلا يخرج من الجيتو الصغير إلا إلى الجيتو الكبير. أنى أن نرضى ما دام أطفالنا مجردين من ذواتهم، مسلوبين من كرامتهم وهم يرون تلك اللوحات التي كُتب عليها "للبيض فقط." ليس بوسعنا أن نرضى ما دام الزنجي في ولاية المسيسبي لا يمكنه التصويت في الانتخابات، والزنجي في نيويورك يشعر أن لا طائل من وراء تصويته. كلا، كلا، لسنا راضين ولن نرضى حتى "يتدفق العدل كالسيل الجرار ويفيض الإنصاف كالنهر العظيم."

لست غافلا عن أن الكثير منكم قد خرجوا لتوهم من محن عصيبة ورزايا عظيمة، فقد خرج بعضكم لتوه من زنزانات ضيقة، وبعضكم قَدِم من تلك المناطق التي اجتاحتكم فيها عواصف التنكيل وتخطّفتكم رياح همجية الشرطة، بسبب سعيكم لنيل الحرية. لقد أثبتم أنكم متمرسون في النضال حتى أبدعت معاناتكم نضالا. واصلوا نضالكم بإيمان راسخ وأيقنوا بأن معاناتكم بغير جرم اقترفتموه هي سبيل الخلاص. عودوا إلى المسيسبي، عودوا إلى ألاباما، عودوا إلى ساوث كارولينا، عودوا إلى جورجيا، عودوا إلى لويزيانا، عودوا إلى الأحياء الفقيرة والجيتوات في مدننا الشمالية، عودوا وأنتم موقنون بأن هذا الحال بالإمكان أن يتغير ولسوف يتغير.

أقول لكم اليوم يا أصدقائي: لا يقعدن بنا اليأس عن مواصلة نضالنا.

أمَا ونحن عازمون على المضي في طريقنا، وبالرغم من أننا نلقى مصاعب جمة اليوم وسنلقى الكثير في قادم الأيام، فإني لا يزال لدي حلم. إنه حلم ضارب بأطنابه في الحلم الأمريكي.

لدي حلم بأن هذه الأمة ستنتفض يوماً ما، وستتمثل معتقدها بـ: "أن الناس كلهم خلقوا متساوين، ونحن نؤمن بأن هذه حقيقة بديهية لا مراء فيها" وتجسده واقعاً مُعاشاً.

لدي حلم بأن أولاد من كانوا عبيدا وأولاد من كانوا ملاكا للعبيد سيجلسون يوما ما فوق التلال الحمراء في جورجيا، جنبا إلى جنب على طاولة الأخوة.

لدي حلم بأن ولاية المسيسبي ذاتها، تلك الولاية التي تصطلي بجحيم الظلم، تصطلي بجحيم الجور، ستغدو يوما ما واحة للحرية والعدل.

لدي حلم بأن أطفالي الأربعة سيعيشون في أمة لا تحكم عليهم من خلال لون سحنتهم، بل من خلال كنه شخصياتهم.

لدي حلم هذا اليوم!

لدي حلم بأن يوما ما، هناك في ألاباما، حيث عنصرييها المقيتين، حيث حاكمها الذي تقطر شفتاه بتعبيريّ "الاعتراض" و"الإلغاء"، يوما ما هناك في ألاباما، سيضع الفتيان والفتيات السود أيديهم في أيدي الفتيان والفتيات البيض كإخوان وأخوات.

لدي حلم هذا اليوم!

لدي حلم بأن كل الفجاج ستعلو يوما ما، وأن كل التلال والجبال ستسوى بالأرض، ستمهد الأماكن الوعرة، وتقوَّم المعوجة، "وستتجلى عظمة الرب فيراها كل البشر سويا."

هذا هو أملنا، وهذا هو الإيمان الذي سأحمله بين ضلوعي عائداً إلى الجنوب.

بهذا الإيمان سيكون بمقدورنا أن نقتطع صخرة أمل من جبل اليأس، بهذا الإيمان سيكون بمقدورنا أن نحيل الشقاق والخلافات الصاخبة بين أبناء أمتنا إلى لحن أخوة جميل. بهذا الإيمان سيكون بمقدورنا أن نعمل معا، ونصلي معا، ونكافح معا وندخل السجن معا ونناضل في سبيل الحرية معا، فأنا على يقين بأننا سنغدو أحرارا يوما ما.

في ذلك اليوم سينشد كل الخلق بمعنى جديد:

بك أتغنى يا بلدي، بك يا أرضي الطيبة، أرض الحرية.

الأرض التي فيها مات أجدادي، أرضي فخر الحجاج،

فلتدق أجراس الحرية عند سفح كل جبل!

ولن تصبح أمريكا أمة عظيمة حتى يتحقق ذلك.

ألا فلتدق أجراس الحرية من قمم تلال نيوهامبشر الخلابة.

فلتدق أجراس الحرية من الجبال الشامخة في نيويورك.

فلتدق أجراس الحرية من جبال ‘أليغنيز’ الشاهقة في بنسلفانيا.

فلتدق أجراس الحرية من قمم جبال كولورادو المغطاة بالثلوج.

فلتدق أجراس الحرية من المنحدرات المتعرجة في كاليفورنيا.

وليس ذلك فحسب:

بل فلتدق أجراس الحرية من جبل ‘استون’ في جورجيا.

فلتدق أجراس الحرية من جبل ‘لوك آوت’ في تينسي.

فلتدق أجراس الحرية من كل تلال المسيسبي وهضابها.

فلتدق أجراس الحرية عند سفح كل جبل.

وحين يحدث ذلك، حين نسمح لأجراس الحرية أن تدق، حين ندعها تدق في كل القرى والضِياع، وفي كل الولايات والمدن، سيكون بمقدورنا أن نعجل بمجيء ذلك اليوم حين يجتمع كل الخلق، أبيضهم وأسودهم، يهودهم وأغيارهم، البروتستانت منهم والكاثوليك، فيضعون أيديهم في أيدي بعض مرددين كلمات الأهزوجة الزنجية القديمة:

ها نحن أحرار أخيرا، ها نحن أحرار أخيرا!

نحمد ربنا تعالى، ها قد غدونا أحرارا!

 

د. عبدالسلام الهتاري

أكاديمي وكاتب ومترجم من اليمن

 

 

abdulaziz khaylلا تتوقّف قرائح العلماء والمفكرين والمربّين عن الجود بالأفكار والبرامج والتحليلات النفسية والاجتماعية التي تتناول الشباب وتخاطبه لترشيد مسيرته خاصة في ظلّ العولمة الطاغية التي تهدّد الدين والقيم والأخلاق والذات المستقلة، لكن لنا أن نتساءل : هل ما زال الشباب يستمع إلى الخطاب الترشيدي ويُصغي إلى الدارسين والمنظّرين؟ المشكلة قائمة بذاتها بسبب طوفان التغييرات الثقافية والاجتماعية التي كثيرا ما لا نملك لها حماية صلبة من ذاتنا سوى بقية من خطاب ديني قويّ في جوهره لكن يحدث أن يقلّ تأثيره وتتجاوزه أدوات العولمة وأساليبها، فما العمل إذُا، والشباب مورد لا يمكن تجاهل أهميته وخطره، ولا يمكن تناسي موضوعه؟ هل من فائدة في إضافات تنظيرية تشكّل تراكمَا معرفيّا ضخما إذا كان الذين نتناولهم بالدراسة ونتفنّن في مخاطبتهم لا يلتفتون إليها لانشغالهم بخطاب آخر يشكّل في شعورهم أو لاشعورهم المرجع الأقوى في بريقه وتأثيره لأنه سهل المنال، لا يرهقهم بتكاليف ذهنية أو سلوكية بل يقرّب إليهم الأحلام وينقلهم من عالم الأفكار وما تقتضيه من كدّ ومكابدة إلى ساحات الاستهلاك المادي والنفسي بلا ضوابط ولا حدود؟ إذا استثنينا القلّة الملتزمة بدينها وهويّتها وشخصيتها على بصيرة  بفضل انخراطها في محاضن التربية ودروب الدعوة فإنّ الأغلبية الساحقة الواقعة تحت ضغط الإرهاق من تأثيرات العولمة بعيدا عن أجواء الشريعة والأخلاق أصبحت يستهويها التمرّد على الأمة والتراث والمجتمع، تتموقع في مربّع التحدّي والمعاكسة وهي تظنّ أن ذلك هو ثمن إثبات الذات والخروج من التخلّف والرتابة وعربون الانطلاق نحو الرقيّ والتقدم و نبض الحياة المزدهرة...كيف نحدّث هؤلاء عن الشباب محرّك الدنيا ومسعّر الجهاد ومشيّد الحياة في سبيل الله؟  كيف نحدّثهم عن القدوات الكبرى في تاريخ الأمة الممتدّ من أنبياء وصحابة ورموز خالدة في ميادين العلم والجهاد والإصلاح وقد صنعت لهم السينما والأدب الغربي والتغريبي قدوات تتجاوز في تأثيرها ابراهيم عليه السلام الفتى الثائر على الشرك، وإسماعيل عليه السلام الشاب الذي رضي بالتضحية بنفسه امتثالا لأمر الله، وأصحاب الكهف الذين فضّلوا حياة العزلة على الذوبان في المجتمع الجاهلي، ورموز البطولة والعطاء اللافت أمثال أسامة بن زيد و القاسم بن محمد الثقفي و محمد الفاتح، وصنو هؤلاء من النساء الفاضلات اللائي تركن بصماتهن في دنيا المسلمين والبشرية كلّها، لقد أصبح للشباب – رغم إسلامهم وعروبتهم – نماذج عالية أخرى من الممثّلين واللاعبين والفكاهيّين الذين يمثّلون في نظرهم النجاح والبروز بالإضافة  إلى المعاصرة، ويرمزون إلى السعادة، أي إلى السهولة في نيل الشهرة والمادة بغير كدّ ولا طول انتظار، إذ تكفي أغنية تروّج لها الأوساط الفنية أو هدف يسجّله لاعب مغمور ليحظى بالأضواء الإعلامية تسلط عليه والأموال تصبّ عليه صبّا والدنيا تتبرّج لها بكل زينتها، بينما يعرف هو شخصيا أساتذة جامعيين وباحثين وعلماء دين لا يملكون سكنا ولا سيارة ولا دخلا كافيا، وهذا يكفي الشباب لاختيار موقعه الاجتماعي، إذ أصبح من المعلوم في الساحة العربية أن طلب المعارف بالمعنى العلمي والأكاديمي فَقَدَ وزنه عند أكثر الطلبة وحلّ محلّه في أحسن الأحوال الحصول على الشهادة ولو بلا رصيد علمي محترم، وقد رصد المراقبون في الجزائر – على سبيل المثال – أن الجهة الأكثر استقطابا للمسَّجلين الجدد في الجامعة هي معهد تكوين الرياضيين، لأنه يجمع بين سهولة الدراسة وضمان المستقبل، بخلاف كليات الطبّ والهندسة فضلا عن العلوم الانسانية.

الشباب يعرف كلّ هذا لكنه في الغالب لا يعبأ لا بالمشكلة ولا بالحلّ لأنه – كما ذكرنا – حسم اختياره وانحاز للطريق السهل الذي يجنّبه الكَد، وترك الكلام عن الأمة والعلم والمستقبل والتحديات للمنظرين الذين لا يقرأ ما يكتبون ولا يصغي إلى ما يقولون، لذلك تراكمت أزمات الهوية والفراغ الروحي والانحراف السلوكي والسلبية والتراجع المعرفي وفقدان المناعة الحضارية وغيرها بل صارت رقعتها تتّسع باطّراد حتى مسّت الفضاء الديني ذاته وألقت عليه بظلال التديّن العاطفي غير المنضبط والغلوّ في الفهم والتطبيق والانسحابية والاغتراب الزماني في مواجهة العولمة، والضجر من معاناة إنضاج الأفكار والعواطف ومعاناة مكابدة الواقع السياسي والصبر على مكاره طريق الاصلاح وتوضيح معالمه وتنفيذ خططه، وإن المرء ليجد في مواطن اللغو واللهو وفي مواقع التطرف أضعاف ما يجد في مظانّ العلم والبحث والعمل الدائم من الشباب، لأن الأغلبية لم تصمد أمام مفاتن التهوّر والاستعجال والغثائية .

هذا هو الواقع الذي يعرفه كلّ واحد ولا يجدي معه التمويه، وإذا كان ولا بدّ من ظرف مخفّف فهو ما نشأ عليه شبابنا من بيئة موبوءة على أكثر من صعيد في ظلّ الغزو الثقافي الذي تساهلت معه الحكومات وشجّعته النخب العلمانية واستهلكته البيوت، حتى إن الروح الأجنبية غزت أكثرها في كلّ مظاهر الحياة، فأصابت العجمة الألسن وطغت مظاهر التغريب على الأزياء والأثاث ومواعيد العمل والراحة والطعام وحتى التحية المتبادلة بين الناس، وسرى مع كلّ هذا – وهو أخطر ما في الأمر – سلبيات الحضارة الغربية التي غزت العقول والقلوب وقلبت الموازين وخدشت الأخلاق فصنعت في النهاية هذا الشباب الذي نتحدث عنه والذي أصبح – من حيث يدري أو لا يدري – يستهلك منتجات الغرب المادية والنفسية بحلوها ومرّها وخيرها وشرّها، ما يُحمد منها وما يُعاب، تمامًا كما خطّط دعاة التغريب – وصرّحوا بذلك - منذ عقود، فأصبحت الانحرافات الجنسية والزواج المثلي والسحاق تجد رواجا فكريا واجتماعيا في بلادنا مع أنها عند أية فطرة سليمة من الموبقات التي يتقزز منها الرجال والنساء لبشاعتها وحيوانيّتها، لكن تتبنّاها أوساط سياسية وثقافية بصراحة باعتبارها من الحريات الشخصية وصميم حقوق الانسان، في حين يُصنّف الحجاب والنقاب واللحية في خانة الخروج عن النسق الاجتماعي ومقدّمات التطرف الديني والإرهاب المترتّب عنه بالضرورة، وبقي ملاحظة تخلّي الأغلبية الساحقة من المسلمات – في السنوات الأخيرة -  عن اللباس الشرعي وإقبالهنّ  على الحجاب المتبرّج الذي صمّمته الأوساط الغربية لإعادتهنّ إلى الجاهلية الأولى بخمار يغطي الرأس وثياب كاشفة للمفاتن لا يبقى معها  معنى للحياء و العفّة  وغضّ بصر الرجال والنساء، وهؤلاء النساء وأزواجهنّ وأولياؤهنّ يعرفون الحكم الشرعي للباس المرأة لكنّ التغريب غدا أقوى من الثقافة الدينية عند الجميع إلا فئة موَفّقة تتحدّى سيل العولمة الجرّار بالثبات على المبدأ في وجه التلفزيون والمجلة والانترنت .

وقد زاد من تعقيد الموقف سيطرة الشيخوخة على مفاصل الحياة – السياسية بدرجة خاصة – في البلاد العربية رغم التمجيد الشفوي للشباب والوعود المتتالية بتسليمهم المشعل وإفساح مجال القيادة والتسيير لذوي الكفاءات منهم، لكن شيئا من ذلك لم يحدث، وجاءت الثورات العربية فزادت الخرق اتساعا إذ قام بها الشباب وماتوا من أجلها فلمّا انتصرت سرقها منهم العجائز، فكيف لا يديرون بعد ذلك ظهورهم للشأن العام ومعالي الأمور؟ فكيف نقنعهم - عندما نكتب ونحاضر وننظّر – بموقعهم من التحدي الحضاري ونحذّرهم من التخلّف عن المنهج الرباني ومن السطوة  النزعة المادية  وندعوهم إلى الالتزام بأحكام الشرع؟ هل يسلّمون بما نرى فيهم من أمراض فتّاكة كضعف الفاعلية وعدم الاكتراث بالوقت والنزوع إلى السلبية والإفراط في الشكليات وانتهاج الفوضى في كلّ شؤونهم؟ وإذا سلّموا بذلك فهل يثقون بوصفاتنا العلاجية ونحن وإياهم غارقون في صراع الأجيال؟ ما العمل لتخليص هؤلاء الأبناء من أخلاق المجتمعات المتخلفة  وعلى رأسها ضعف ثقافة التساؤل وانعدام القلق الحضاري واضطراب منهجية التفكير وطغيان الانفعال؟ وقبل ذلك كيف نجعلهم يقتنعون بالمشكلة حتى تتسنّى معالجتها؟ هل نبقى نكتب ونخطب ونحاضر رغم إعراضهم أو لامبالاتهم؟ ما جدوى ذلك؟

ليس غرض هذا المقال اقتراح الحلول ليبقى الأمر تنظيرا باردا وإنما نريد طرح الأسئلة الوجيهة – كما نظنّ – ليلتفت المربّون والمفكّرون والعلماء وأصحاب القرار إلى أنفسهم وتنظيرهم بالمراجعة وطلب الجدوى لاستدعاء الشباب إليهم كندّ ناضج يعطينا الإجابات التي نبحث عنها بعيدا عنه، ويتبنّى قضيته ويكبّ عليها بالتناول الجدّي فيجد المجال لطرح الأسئلة الوجيهة والصعبة والمحرجة ويقترح الإجابات أو يلتمسها عند أصحاب الاختصاص والتجربة.

  

عبد العزيز كحيل

 

   

 

على هامش أمسية "جذور العنف الجندري ومعالجاته" للدكتورة هالة الدوسري في منتدى الملتقى الثقافي بالقطيف مساء الخميس الماضي، سألت الضيفة العزيزة عن فعالية الحركة النسوية وأبرز معوقاتها فأجابت بإسهاب كعادتها مشيرة إلى أن العمل النسوي لازال يتلمس طريقه، وأن العائق الثقافي هو من الضخامة بحيث يستدعي تجلدا وصبرا إذ لا داعي للعجلة.

وخطر بذهني على الفور أن الاستعجال الفكري الملاحظ في مجالات وحقول عديدة هو نفسه الذي يفتك بهذا النشاط الفتي "الحراك والنشاط النسوي". كنا أمام فكر عجول وهانحن نجد أنفسنا أمام عجلة نسوية، عجلة في حيز لا تنبغي فيه العجلة. توطين الحقوق النسوية، شأنها شأن كل وافد حديث بحاجة إلى تبيئة.

لن تتوطن هذه الحقوق بغير تبيئة تستدعي تمهيدا فكريا، لكن الملاحظ أن الاستعجال النسوي يهمل الفكر بقفزة بهلاونية نحو عمل ونشاط حقوقي يقارب الاشكالية بمعالجة قانونية في مراوحة دائمة بين الحق والتجريم: بين الحق في الحماية من العنف وبين تجريمه، رغم ما يكتنف التحديد القانوني والحقوقي من ثغرات تطاول المفهوم، مفهوم العنف ومفهوم الجندر، بل تتعداهما لتضع الحق والنسوية نفسها موضع سؤال.

دائما ما نصل متأخرين، تتحول العجلة إلى بطء سلحفائي كنتيجة مأساوية لإهمال الفكر والتمهيد الفلسفي الكفيل وحده بأي توطين مشتهى، الاستعجال في مقاربة الوضع النسوي حقوقيا، أدى وفي مفارقة مدهشة إلى عدم الوعي بحجم التجاوزات الفكرية والتساؤلات المحيطة بالمفهوم الأيقوني للعمل النسوي، حيث النسوية اليوم، وقد صارت علامة استفهام كبيرة، ليست سوى خطاب استعارته المرأة من الرجل، غريمها التاريخي.

"لا نولد نساء بل نصبح كذلك".. هكذا وفي صرخة احتجاجية "ناعمة" تُدشن ما بعد النسوية. تلك النسوية يجب أن تشطب، إنها، وكما تعبر احداهن، خطاب ضحية لمستعمر ذكوري. العمل الحقوقي والنسوي لم يعد كافيا في وسط يهيمن عليه الذكر، حيث يتوجب، ضمن استراتيجية القلب المعروفة جيدا في سياسة المابعديات، تغيير الأولويات: أن نعكس الترتيب الشائع في الفقه النسوي، فبدل البدء بالنتيجة "الحقوق" يتعين أولا كسر الهيمنة الذكورية بكل حمولاتها وتغلغلها اللامرئي، لصياغة مفهوم جديد تستعيد المرأة بفعله ذاتها الضائعة.

تاريخ من الاغتراب، تاريخ حميم يربط الجلاد بضحيته، أذكر هنا السيرة الذاتية "كامليا" للكاتبة الايرانية كامليا انتخابي فرد، فالعذاب والاستعمار الذكوري يحمل في طياته عشقا فريدا يجمع بين ضابط المخفر/ الحارس الأمين للثقافة الذكورية/ الجلاد المداعب بالسياط وبين ضحيته، الأنثى التي فقدت القدرة على المقاومة ففقدت الكلام ثم كنتيجة تلقائية فقدت هويتها .. لتصبح المرأة الصورة، المرأة الموديل، المرأة الستار ونجمة هوليود.. بؤرة النظرة والتحديق الذكوري وموضوع الفرجة الإمتاعية.. المرأة الجوهرة.. المرأة النفيسة / بيت تحيطه الحراسة والندرة الاقتصادية، لتؤول أخيرا للمرأة الجسد، فالجسد الأنثوي، بما هو " منطقة خاصة بالرجال" هو أيكولوجيا القوة: محل لممارسة السلطة.. الرجل هو الذي يتكلم وهو الذي يتكلم من خلالها، وما تاريخ النسوية إلا تاريخ ضياعها.. تاريخ تموضعها وتشيؤها.. تاريخ اخضاعها، ترصيعها، تزيينها، أو لنقل "جسدنتها" حيث تعد وعلى نار هادئة لتصبح جاهزة ومؤهلة ثقافيا وقانونيا لدور الجوهرة: المرأة تساوي جسدها.

واحدة من المستعجلات كتبت ذات يوم حول المعنى وتبديده ضمن توزيع جندري حاد، لتعيد الصياغة الازلية أو التأثيث العريق لبيت الأنوثة، ورغم أن شطب النسوية يحيل كل شيء إلى ثقافي ويضع حدا للفصل "الأقنومي" بين الذكورة والأنوثة، نجد الكاتبة العجولة تشطر القاموس متماهية دون وعي –على الأرجح- مع سيد الخطاب ومنشئه: عالم الرجل وعالم المرأة.. الأنثى، الذكر.. النعومة والحزن والخشونة أو الصلابة والمرح... لم كل هذا التقسيم المانوي ؟ أجد تهافتا بينا في خريطة الكلمات وبنية الخطاب لدى السيدة الكاتبة التنويرية "أتحفظ على اسمها" فبين صياغة إنشائية تؤثثها الأسئلة وبين تقريرات ثنائية تأخذ شكلا مؤدلجا مانويا لجنسانية فجة منشطرة بفعل مقص مفهومي بائس لازال يجترح ذلك النزوع الكلياني.. وكأن السيدة لم تسمع بعد بحادثة الموت: موت الكلي والمفهوم والكلمات المتسيدة.

بين النسوية وما بعد النسوية موت الكلي، فانتفاضة المرأة ضد تجسيدها "تحويلها إلى مجرد جوهرة" تستدعي ذلك الاجراء السديمي الأكثر ثورية والأكثر نيتشوية وقلبا وخلطا للأوراق، أعني كسر التنميط الكلياني الشمولي "التوتاليتاري" للجندر، فهذا الجندر "النوع الاجتماعي" حصيلة لتواطؤ، الجندر ينشأ كلعبة، إنه شيء يُبتكر، شأن أي تحديد ثقافي. موت الكلي بعد نسف التشييء الجسدي يخلط الأوراق في فوضى لنجد قلبا في الأدوار ونافذة لتفردات جندرية كانت ولاتزال -في وسطنا طبعا- موضوع لتجريم وادانة."في كل ذكر أنثى، وفي كل أنثى ذكر". يموت الكلي فتتحول النسوية إلى نسويات ساخطة متعددة، رغم الترسانة الهائلة من التوحيد والتنميط الممارس يوميا بدءا من الشعر ووصولا للاقتصاد والدعاية والتسويق.

وإذا كان "الرجال يفعلون، والنساء يظهرون" فالسؤال التراجيدي: هل ثمة جدوى لأي عمل حقوقي نسوي دون تمهيد فكري وتوطئة مفهومية؟ الدكتورة هالة الدوسري والتي بذلت جهدا بحثيا مقدرا ومشكورا، لم يكن بوسعها إلا أن تقر، على شكل اعتراف، أن أي نشاط حقوقي دون تبيئة هو مجرد ترقيع وعمل عجول وضجيح فارغ، لكن ذلك لم يأت دون سبب، فكثير من الحقوقيات والنسويات مجهزات فقط لممارسة عمل حقوقي ولسن ضليعات بفلسفة هذه الحقوق.. وفي وسط توشك فيه المرأة على الانقراض إلا فيما وراء المدينة، تبدو الحقوقية فارسة توقد شمعة "حقوقية" ولا تلعن ظلاما "فكريا"..

 

majed algarbawiaبات الارهاب باسم الدين والاسلام خطرا حقيقيا يهدد أمن العالم وسلامة الامم، وصارت الحركات الاسلامية المتطرفة عبئا اثقل كاهل

العاملين والمصلحين. ففي كل يوم تفيق الشعوب على جريمة نكراء، يذهب ضحيتها  النساء والرجال والاطفال. وكلما حاولت الذاكرة نسيان الماضي ايقظها انفجار هنا او جريمة هناك. وكلما ارتكز الانسان الغربي الى التسامح في التعامل معنا جرته دماء الابرياء الى التعصب والانكماش والرفض، وكلما اعتذر المسلمون عن جريمة افسدتها جريمة اكبر. ان ما تقوم به الحركات الاسلامية المتطرفة يتطلب مزيدا من التنقيب في الاسس الفكرية والعقدية التي يصدر عنها العمل الارهابي، ولا يكفي الانشغال بدراسة وتحليل الاسباب الظاهرية للحدث، فثمة سبب اعمق يدفع الفرد باتجاه التضحية بالنفس. لا نريد التقليل من اهمية الاسباب النفسية والسياسية والاقتصادية، الا انها اسباب ثانوية. اما السبب المحرك فهو سبب ايديولوجي، ديني. فعقيدتي ان الاتجاهات الاسلامية تحركها دوافع دينية ايديولوجية، او دينية – سياسية، وليست سياسية خالصة. واذا لم تصدق هذه الرؤية على التيارات الاسلامية الجديدة، فانها لا شك تصدق على التيارات السلفية والتكفيرية والحركات الاسلامية المتطرفة. نعم ربما تستغل هذه الروح من قبل قادة التنظيم او غيرهم، الا ان الحافز الحقيقي لتضحيات القواعد والافراد تبقى حوافز عقدية دينية.

وعندما ينتسب الارهابيون الى التيار الاسلامي، نكون قد وضعنا ايدينا على مصادر العقيدة الاسلامية، وهما الكتاب والسنة، اضافة الى تاريخ طويل من الحروب والمعارك التي جرت باسم الدين والاسلام، بدءا من الصحابة حتى يومنا هذا. وهنا بالذات تبدأ المشكلة، مشكلة النص الديني وقدرته الفائقة على تلبية حاجة الايديولوجيات والاتجاهات الفكرية والسياسية. النص الديني يتصف بمرونته العالية، ومراوغته، وسهولة الوقوع في شراكه. لذا فكل الاحداث الدامية التي مر بها المسلمون جرت باسم الدين، وكل الويلات التي ذاقتها شعوبنا كانت باسم الاسلام. نشبت الحروب باسم الدين، واريقت الدماء باسم الدين. شرعنة القتل، ومصادرة الحقوق، والاستحواذ على السلطة، وتكفير الآخر المخالف، بل حتى تكفير الآخر الداخلي الذي ينتمي الى ذات الاسلام، كل ذلك جرى ويجري باسم الدين. فلا حجة اقوى من الدين، ولا سلطة اكثر فاعلية كسلطة الدين، فكان الدين وما يزال ملاذا لتبرير الممارسات الارهابية، والسياسات التعسفية. من هنا كان النص الديني اكثر النصوص حاجة الى منهج علمي رصين، يلاحق مناسبات الحكم والموضوع، ويحدد دلالات النص قياسا الى نصوصه الاخرى. سيما بالنسبة الى القرآن الكريم، الذي تميّز على غيره من الكتب السماوية، بكثافة نصوصه التحريضية على القتال والحرب، او الارهاب بالمنطق الحديث. والسبب ان القرآن دخل المعركة الى جانب الرسول، فكان الموجه، والهادي، والمخطط، والامر، والناهي. وكان يتابع فصول الدعوة، ويلاحق مشاهد المعركة بين الاسلام والكفر. فضبط لنا النص تفاصيل الغزوات والمعارك التي خاضها المسلمون بمعية الوحي الالهي. وهي احداث مرتبطة بعصر الرسالة، ومن خصوصيات الرسول، كما هو واضح في كثير من الاوامر الموجه الى شخص النبي (ص). وكان الخلفاء الراشدون يعلمون ذلك، لذا اعترض الخليفة الثاني على حروب ما يسمى بحروب الردة، وساءل ابا بكر عن مبرراتها الشرعية!! بينما تنحى الامام علي جانبا. الا ان السياسية ومتطلبات الحكم كانت المبرر الاساس  لتوظيف النص وتفعيله ثانية رغم خصوصياته. والمؤسف ليست هناك محاكمة صريحة وعلنية لمرحلة الخلفاء، وليس هناك من يناقش في شرعية المعارك والحروب التي جرت باسم الدين والاسلام. بل العكس اصبحت سيرة الخلفاء حجة شرعية يستدل بها على شرعية قتال الآخر، لاي سبب كان!!.

اذن اضافة الى مشكلة النص، التي هي مشكلة ذاتية، هناك مشكلة الاتجاهات  والنفعية، التي وظفت النص لخدمة مصالحها السياسية والأيدلوجية. وربما كتاب معالم في الطريق لسيد قطب مثالا واضحا لهذا الاتجاه. فقد ألهب الكتاب مشاعر الشباب المتدين المؤمن وزجهم في اتون المعركة باسلوب ادبي اخـّاذ. فلم يختر سيد قطب من النصوص سوى ما يخدم هدف الكتاب. وهو الثورة المستمرة ضد الآخر، ايا كان اتجاهه. وفق معادلة تضع الانسان امام خيار واحد، لضمان مرضاة الله تعالى، وهو الشهادة في سبيل الله.

وبعبارة اوضح، ان الخطاب الديني اعاد تشكيل العقل الحركي على اساس هجاء الحياة وعشق الموت، كراهية الآخر وتمجيد الذات، اهمال الدنيا وتعمير الآخرة، كسب رضا الله تعالى بالتضحية والفداء لاي سبب كان. فلم يثقف الخطاب الديني قواعد الحركات الاسلامية على تبني العفو والرحمة والتسامح والمغفرة مع الآخر، وانما تثقف على كره الآخر، والتخطيط لقتله واستئصاله. ولم يتثقف الفرد على سعة رحمة الله ومغفرته، وانما تثقف على ان الله جبار السماوات والارض، لا يمكن ادراك رحمته بالايمان والعمل الصالح، وانما بالتضحية والشهادة في سبيله. فالفرد الحركي ليس مخلوقا لاعمار الارض، وادارة الحياة، وانما مخلوق للآخرة، يتمنى كل يوم ان يرزقه الله الشهادة ليتخلص من عبء المسؤولية وينال رضا الله ويحظى بالنعيم الابدي. ليست الدنيا سعادته، وانما الآخرة، وليست المرأة انسه، وانما الحور العين. وليس الانسان رفيقه وانما الملائكة المقربون. انها ثقافة لا تمت الى القيم الانسانية التي نادى بها القران بصلة. بينما تؤكد النصوص على فوز الانسان في الآخرة من خلال اعمار الارض، والاهتمام بالحياة، والنجاح في تجربة الدنيا، والنجاح في كيفية تحول مفاهيم الخير الى قيم حقيقة بين الناس، وكيف يكون الانسان المؤمن اول من يتحلى بالروح الانسانية، ويحترم قيم الانسان، لا ان يستهين بحياته وحياة الآخرين، ويستسهل قتل العزل والابرياء.

  بهذا الطريقة تشكل العقل الحركي، فحافزه الى الموت هو كسب رضا الله تعالى. فيكون عنوان الشهادة بذاته مطلبا دينيا لضمان مرضاة الله، بقطع النظر عن جدوى الموت بهذه الطريقة، وجدوى العمليات الانتحارية، وما هي تداعياتها، وكيف ينعكس الموقف على الجاليات الاسلامية المنتشر في انحاء العالم، وكيف سينظر المجتمع الدولي لنا. كل هذا ليس مهما امام الجهاد وخوض المعركة ضد الآخر المختلف دينيا. والذي يساعد كثيرا على تنشيط العمليات الانتحارية ويستقطب اعدادا كثيرة، هو وجوب طاعة اولي الامر، وعدم جواز مناقشتهم او التمرد على اوامره (يا ايها الذين امنوا اطيعوا الله واطيعوا الرسول وأولي الامر منكم). فالخطوة الاولى على الطريق ان يتحول الداعية الى دمية بيد قائد الخلية، ويرتهن اليه مصيره ومستقبله. وهي صفة اساسية طالما اكد عليها قادة التنظيمات الدينية المتطرفة، بل هي رأس مال هذه الحركات. شاب مؤمن بالشهادة في سبيل الله، ومطيع لامر القيادة الى حد الخضوع والتذلل. سيما هو يعتقد حقا انما يطيع الله تعالى باطاعة هؤلاء، لذا لا شك بصحة ما ينقل من ابتهاج وفرح وبكاء قبل وبعد العمليات الانتحارية، فمن لم ينتدب لعملية قتالية، يبكي ويتألم ويعتقد ان الله تعالى ساخط عليه، فلم يوفقه للشهادة، بينما يفرح ويبتهج عندما يكلف بمهمة، فانه دليل الفوز بالجنة. انها مشكلة الوعي ومشكلة تمييز الحقيقة، ومعرفة الصواب. للاسف ان المؤمن ادمن التقليد والانصياع فينفذ ما يملى عليه رجل الدين، وقادة التنظيم.

فكيف نعالج هذا النمط من التفكير، والنص الديني مستعد لتلبية كل الطلبات، حينما يتعامل معه الفرد بطريقة انتقائية تخدم مصالحه الايديولوجية؟. وهل ستنفع فتوى التحريم؟ اعتقد حتى الافتاء بحرمة هذا العمل لا ينفع، لان اصحابها مدانون بنظر الحركات الاسلامية المتطرفة، بل متقاعسون عن الجهاد يستحقون العقاب. وليس صعبا عليهم اقناع قواعدهم بذلك، بل النص الديني زاخر بالتقريع والوعيد لكل من يتخلف عن الجهاد!!. كما ان فتاوى دينية جاهزة لتبرير العمليات القتالية في أي وقت ومكان، و لا يبقى على الحركة سوى اقناع الداعية بفعلية الموضوع. فهل يا ترى ينفع اجماع مئة وثمانين عالما دينيا على حرمة هذه الاعمال في المؤتمر الاسلامي الاخير المنعقد في الاردن؟ كلا، لا ينفع لكن ربما يساهم في زيادة الوعي مستقبلا. ان هؤلاء وجدوا في العلميات الانتحارية فرصة تاريخية طالما راودتهم في احلامهم. والشهادة جاءتهم اليوم على طبق من ذهب، سيما اذا كانت ضد المصالح الغربية، الذي ساهم الخطاب الاعلامي الديني والوطني في تشويه جميع معالمه، حتى بات شرا مطلقا يجب القضاء عليه اجلا ام عاجلا.

من هنا ينبغي الاسراع في بلورة ثقافة دينية جديدة، ترسم حدود الاحكام الشرعية في القرآن، وتحدد ما هو مختص بحياة الرسول، وتبين متى وكيف يكون الحكم مطلقا في كل زمان ومكان. وهل جميع ما في القرآن فعلي. ثم يجب تكثيف الحديث عن النسخ، وهل صحيح ان آية السيف نسخت كل رحمة وعفو ومغفرة بالقرآن؟ يجب علينا اكتشاف حقيقة مسألة النسخ، يجب علينا كشف الاهداف السياسية وراء ترسيخ مفهوم نسخ آيات الكتاب. يجب التعامل مع المسلمين الاوائل باعتبارهم بشرا لهم مشاعرهم واحاسيسهم وغاياتهم واهدافهم السياسية. يجب الاطاحة بالساتر التاريخي الكبير بيننا وبين الوقائع، يجب ان نبدأ بالخلفاء الراشدين لنتبين مدى رشدهم، نكتشف اهدافهم وغاياتهم وخططهم. لقد تحول التاريخ الى حجة شرعية وهو بعد لما يكتسب شرعيته. يجب ان نفضح كل الذين وظفوا الدين والنص الديني من اجل مصالحهم السياسية والاجتماعية. بهذا الاسلوب فقط يمكن انتشال ما تبقى من قواعد الحركات الاسلامية المتطرفة. ونثقف ابناءنا على مفاهيم قرآنية تنتمي الى ثوابته وغاياته ومقاصده.

لا شك ان شرائح واسعة من الحركات الاسلامية اليوم بدأت تعي الواقع وتكتشف ملابساته، واخذت تسير بطريق آخر بعيدا عن العنف وثقافة الموت، وهو نقلة نوعية في تفكير الحركات الاسلامية، لكن تبقى وظيفة الوسط الثقافي والاعلامي مواصلة خطاب الوعي حتى يعود المتطرفون الى رشدهم ويعوا الحقيقة، ويكتشفوا اهداف قادة التنظيمات المتطرفة، وبهذا الاسلوب يمكن تحجيم العنف ثم القضاء عليه، لكن متى؟ نحتاج الى خطط فورية واخرى طويلة الامد ربما تستمر لسنين طويلة تطال الكتب والمدارس والمؤسسات والاعلام والتبليغ الديني، وتلاحق الوعي في كل مكان بغية القضاء عليه في مهده، لكن دائما باسلوب سلمي يقارع الحجة بالحجة والدليل بالدليل ومن داخل المنظومة الفكرية الدينية وليس من خارجها.

 

المقال منشور في ايلاف بتاريخ

الجمعة 8 يوليو GMT 5:00:00 2005 

 

.....................

ملاحظة هامة

كتب الكاتب الامريكي (Charles Paul Freund | July 30, 2005) مقالا بعنوان: Nailed to the Mosque Door  

تحدّث فيه عن افكار الكاتب ماجد الغرباوي حول الحركات الاسلامية والارهاب، معتمدا بشكل كامل على هذا المقال، لكن للاسف الشديد تقوّل الكاتب الامريكي على الكاتب الغرباوي ما لم يقله لذا اقتضى التنبيه، من اجل الحقيقة فقط

للاطلاع على المقال باللغة الانكليزية.

http://reason.com/blog/2005/07/30/nailed-to-the-mosque-door

 

يمكنم الاطلاع على المقال بنسخته الاصلية في صحيفة ايلاف على الرابط ادناه:

الحركات الاسلامية والارهاب

 

تابع موضوعك على الفيس بوك  وفي   تويتر المثقف

 

العودة الى الصفحة الأولى

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (العدد :2224   السبت  8/ 09 / 2012)

adnan oayeedالحرية كمفهوم في سياقه العام، هي رغبة الفرد في الانعتاق من المعوقات أو المحددات التي تحول دون قدرته على تحقيق إنسانيته في المحيط الذي يوجد وينشط فيه. ولكي تتحقق هذه الحرية في صيغتها العقلانية، يجب أن تحكم بشروط ثلاثة هي: المعرفة والممارسة والمسؤولية . ففي المعرف ‘تكتشف الضرورة، أي ‘يكتشف ما يعوق حركة الحرية الإنسانية وتجلياتها بشكل عام، لذلك يقال، الحرية هي "وعي الضرورة"، أو هي "الضرورة الواعية".

بيد أن المعرفة لوحدها غير قادرة على تجاوز معوقات الحرية إذا ظلت معرفة مجردة، لذلك لابد من ممارستها عمليا، فبممارسة المعرفة عمليا لا تتم مسألة تجاوز معوقات أو محددات الحرية الإنسانية فحسب، بل وإغناء كل من المعرفة والحرية والممارسة كذلك .

أما المسؤولية، فهي الضابط الأخلاقي أو ألقيمي الذي من خلاله تتم عملية توجيه المعرفة والممارسة معا، خدمة لأهداف الحرية. وهي تحقيق إنسانية الإنسان.

أما الممارسة، فهي الوسيلة الأهم في كشف ومعرفة سلبيات وإيجابيات ما نعتقد أو نؤمن به بأن من صلب حريتنا.

بهذا الفهم المنهجي العقلاني إذا جاز لنا نعته بالعقلانية، نستطيع الولوج إلى عالم المرأة وتناول مسألة الحرية عندها لنقول: عبر التاريخ الطويل للمجتمع الذكوري الذي مورس فيه القهر على المرأة، هذا القهر الذي أفقدها ليس حرية الممارسة والتعبير والاختيار فحسب، وإنما حولها إلى وسيلة للمتعة والإنتاج، وعمل على مسح هويتها الإنسانية المتكافئة مع الجنس الآخر من ذاكرتها، لتفقد معرفتها لذاتها كإنسانة خلقت والذكر من نفس واحدة كما تقول الآية الكريمة في سورة النساء، الآية (1)، (يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة) .

وهذه المسألة، أي فقدان الذات والإقرار بالدونية من قبلها تجاه الجنس الذكوري، تعرفها المرأة ذاتها وتعبر عنها وتمارسها عبر نشاطها اليومي دون وعيها ويرضى عنها نتيجة الظلم التاريخي الذي مورس عليها من قبل المجتمع الذكري. وأعطي مثالا واحداً للتأكيد على ما جئت إليه هنا وهو: رغبتها العارمة عند الحمل في معرفة حملها، أ ذكر هو أم أنثى ؟. فهذا الموقف الذكوري المهيمن على مخيلة المرأة وسلوكياتها عبر نشاطها الحياتي اليومي لم تستطع أن تتجاوزه حتى هذا التاريخ، وهنا تكمن الإشكالية الحقيقية لحرية المرأة، فالمرأة لكي تستطيع أن تمارس الحرية إيجابياً بكل مستوياتها في مضمار محيطها الاجتماعي، عليها أن تتجاوز شعور النقص الداخلي لديها بدونيتها تجاه الذكر أولا، ففاقد الشيء لا يعطيه، وإن حاول إعطاءه سيكون مبتسراً وقاصراً ومشوهاً، وبالتالي سينعكس سلبا ليس عليه ذاته، وإنما على محيطه الأسري والاجتماعي الذي يوجد فيه أيضاً. وهذه المسألة بالذات هي ما أود الإشارة إليها هنا من خلال تسليط الضوء على الحرية الاقتصادية التي حققتها المرأة في زمننا الحاضر بعد أن تعلمت ومارست العمل الوظيفي أو الإنتاجي ، وما ترتب عليها من تشوهات أخلاقية واجتماعية .

لاشك أن هناك نضالاً مريراً شارك فيه الرجال المتنورون والنساء المتنورات معا من أجل تعليم المرأة وتحريرها اقتصاديا، وقد تحققت مساحة كبيرة في هذا الاتجاه بالنسبة للمرأة، في هذا المجتمع أو ذاك من مجتمعاتنا العربية والإسلامية، بالرغم من كل المعوقات المادية والمعنوية التي لم تزل قائمة وتعمل على مقاومة هذا التوجه، ويأتي في مقدمتها قوة سيطرة العقلية الذكورية وما يساندها أو يدعمها من مواقف سياسية وفكرية (دينية – سلفية)، نعرف جميعاً مصادرها ومكانتها في هذه المجتمعات .

بيد أن هذا النضال المرير من أجل حرية المرأة، والطويل نسبيا في تاريخه، حيث يعود إلى الربع الأول من القرن التاسع عشر، وما حققه من مكتسبات على مستوى التعلم والتحرر الاقتصادي، رحنا نلمس كيف أن الكثير من الفتيات اللواتي تحررن اقتصاديا - أي مَنْ أصبح لهنّ دخل مادي من خلال ولوجهنّ العمل الاجتماعي- أخذنّ يمارسنَ هذه الحرية بعيداً عن امتلاك شروط مقوماتها، ومنها حس المسؤولية تجاه أنفسهنّ أولاً، وتجاه أسرهنّ والمجتمع الذي ينشطن فيه ثانياً.

إن تحررهنّ اقتصادياً بعد دخولهنّ مجال العمل الوظيفي خارج المنزل ترك أثاره السلبية في طريقة تفكيرهنّ واختياراتهنّ المتعددة، بدءاً من لباسهنّ، وصولاً إلى علاقاتهنّ الاجتماعية، واختيارهنّ للأصدقاء. بل حتى تمرد بعضهنّ على الأسرة وقيم والمجتمع، الأمر الذي جعلنا نلمس عند الكثير منهنّ فقدان التوازن في تصرفاتهنّ، إن كان من مستوى اهتمامهنّ الزائد جداً بمظهرهنّ على حساب الجوهر، وهذا بدا لنا في انسياقهنّ الجارف وراء معطيات المجتمع الاستهلاكي، وبخاصة لهاثهن اللامعقول وراء الشكل، إن كان في طريقة مكيجتهنّ ولباسهنّ الفاضح أحيانا كثيرة، أو في ازدواجية قيمهنّ الأخلاقية من حيث المزج ما بين قيم المجتمع الدينية، ومفرزات المجتمع الاستهلاكي، وهذه المسألة نجدها واضحة في مزجهنّ بين (بنطال الضب والحجاب)، هذا عدا الانحرافات الأخلاقية التي أصبحت طافية على السطح ولدى الجنسين معا، بفعل تكنولوجيا المعلومات، وتوظيفها للشهوات الغريزية على حساب تنمية العقل والمنطق والأخلاق السليمة.

أمام هذه المعطيات التي جئنا عليها، نستطيع أن نشير إلى بعض المعوقات التي لم تزل تقف عقبة أمام ممارسة الفتاة لحريتها فيما حققته لها هذه الحرية من مكتسبات وفي حدودها الدنيا ، والتي كانت وراء ذاك الخلل الذي أشرنا إليه .

 

أما أهم هذه المعوقات فهي:

أولاً: عدم مقدرة القسم الأكبر من الجنس الإنوثي حتى هذا التاريخ التخلص من مسألة الشعور بالدونية تجاه الذكورة كما أشرت في موقع سابق، فالمرأة التي لم تزل قاصرة في فهمها لدلالات الحرية الفردية أو حتى درجاتها، لم تستطع برأيي أن تصل في هذه الناحية من فهم جوهر الحرية درجة (الصفر)، طالما أنها لم تزل تشعر هي ذاتها بأن الذكر هو أفضل منها، وتبدّيه على جنسها. وهذه المسألة، أي مسألة التخلص من شعور عبودية الجنس ألذكوري تجاهها التي فرضها تاريخ العلاقات الاقتصادية الاجتماعية البطريركية (الأبويّة) بين الجنسين، تتعلق في واقع الأمر بها هي ذاتها، على اعتبارها قضية دخلت البنية النفسية واللاشعورية عندها. وإن قضية الصراع مع هذه الحالة من العبودية، هي قضية تكمن ما بين وعي المرأة وشعورها بذاتها، وبين حالة شعورها بالدونية، وليس هناك أي دور لأحد في مساعدتها على تجاوز هذه الحالة من العبودية، بعد أن حققت الكثير من منجزات حريتها في هذه المرحلة التاريخية، قياسا لوضع حريتها في العهود السابقة. لذلك فإن الأساس الحقيقي لإصلاح ما تحقق للمرأة من حرية سابقة، وإمكانية تحقيق وممارسة ما تحصل عليه من حرية لاحقة بشكل عقلاني، هو تحقيق شعور المساواة لديها مع الذكر، وهي المساواة القائمة على (النفس الواحدة) التي منحها الله لها كما أشرنا بالآية الكريمة السابقة.

ثانيا: معرفة ظروف الوجود الاجتماعي التي تحيط بها بكل ما تعبر عنه هذه الظروف من مستويات اجتماعية واقتصادية وسياسية وثقافية، وبالتالي فإن شأن ممارسة الحرية عند المرأة هنا، يكون هو ذاته شأن الذكر، فأي جهل أو تجاهل لهذه الظروف وعدم مراعاتها من الناحية (الأخلاقية)، تجاه الذات والآخرين معا أثناء ممارسة الحرية، سيكون له نتائج سلبية على الطرفين، الذكر والأنثى بشكل عام، بل ستكون حدّة هذا الجهل أقسى على المرأة وذويها بشكل خاص، كونها لم تزل تعيش في مجتمع مساحة الحرية فيه للذكر أوسع بكثير من المساحة المسموح بها للأنثى، علماً أنها هي ذاتها تقر وتمارس قناعاتها كعنصر بشري مرتبته الفكرية والاجتماعية أدنى من مرتبة الذكر في هذا المجتمع كما أشرنا سابقا، وهذا بدوره يفرض على المرأة هنا، شرط المسؤولية تجاه نفسها وأسرتها وقيم المجتمع عموماً، أكثر من الذكر عند ممارستها لحريتها .

ثالثا: المسؤولية تجاه الذات والآخرين. إن فقدان المرأة لمقومات وشروط حريتها في هذا المجتمع الذكوري، ترتب عليه الكثير من القيم والمفاهيم الأخلاقية بحق المرأة وأسرتها، فالمرأة هنا أصبحت تشكل في حديثها وسلوكياتها ولباسها وما تقوم به من علاقات اجتماعية، معايير أخلاقية، تقاس عليها ليس أخلاقها هي وحدها فحسب، بل وأخلاق أسرتها والمجتمع الذي تنتمي إليه، لذلك كثيرا ما تظلم الأسرة عندما تتمرد وتتجاوز الفتاة في تصرفها سقف الحرية التي يسمح به المجتمع المعاش، فتصرفها هو في المحصلة رهن لقيم أخلاقية المجتمع التي عليها مراعاتها ولو بالحدود الدنيا، إيمانا منها بمسؤوليتها تجاه كرامتها أولاً، وتجاه كرامات الآخرين، وفي مقدمتهم أسرتها ثانياً. مع تأكيدنا هنا على أن لا تكون مسألة مراعاة خصوصيات الواقع الاجتماعي المعاش، آو المعيوش، هو سلبها لحريتها وخضوعها الكامل لكل ما هو سائد في المجتمع، فهذه مسألة يجب على المرأة أن تفرض قناعاتها وما حققته من معارف عقلانية تتعلق بحريتها وخلاصها من القيود التي تحد من إنسانيتها في تحدي هذا الواقع، وهنا تأتي مسألة التمرد على التقليدي والجامد في المجتمع فكراً وممارسة، والمرأة برأيي هي الأكثر قدرة على تحقيق هذا الإنجاز. لذلك صدق "سان سيمون" هنا عندما قال: (تقاس حرية المجتمع بدرجة تحرر المرأة). عموماً نقول في هذا الاتجاه: إن الإنسان ليس ضرورة يخضع لمعطيات الواقع وجبره فحسب، بل هو حرية أيضاً وقادر على تحدي هذا الواقع وتجاوزه إذا كان هذا الواقع يمارس قهراً على إنسانية الإنسان.

أخيرا نقول: الحرية قيم إنسانية شمولية تبدأ بمعرفة الذات أولاً ، ثم معرفة القيم الأخلاقية التي يحددها المجتمع لسقف الحرية في مرحلة تاريخية محددة ثانيا، ثم هي مسؤولية الفرد ذكراً كان أم أنثى، فيما يتصرف أو يمارس من سلوكيات تجاه ذاته والآخرين ثالثا . وأخيراً هي قدرة الإنسان على التمرد وتحدي كل ما يعيق تحقيق إنسانية الإنسان. فالإنسان في مجموعه إضافة لكونه قيما مادية تعبر عن علاقات اجتماعية، فهو يشكل قيما أخلاقية أيضا، تحدد درجة معياريتها طبيعة الظروف الموضوعية والذاتية التي تفرضها المرحلة التاريخية المعاشة، وعلينا أن نلتزم بحدود هذه القيم في الوقت الذي علينا فيه أن لا نستسلم لما هو سلبي فيها كما أشرت قبل قليل، وأن ونعمل على إزاحة كل ما يعيق من ممارستنا لحريتنا من أجل تعميق وزيادة مساحة ما هو إيجابي في هذه القيم، فالحرية في المحصلة شرط أساس لإبداع الإنسان، وكشف كل ما هو جوهري ويساعد على تنمية جوهر إنسانيته، وهذا لن يتحقق إلا بوعينا لذاتنا، وممارستنا العقلانية القائمة على هذا الوعي، ومسؤوليتنا تجاه ذاتنا والآخرين معا .

 

كاتب وباحث من سورية

 

 

mustafa alomariأبحث اليوم عن أهم مصدر من مصادر المسلمين في التشريع بعد القران الكريم وهو السنة النبوية، وما ألحقته بضرر على المسلمين دون سواهم وكيف أصبحت السنة مصدراً من مصادر التكريه ومفرق لأصطفافات حزبية غير اسلامية او انسانية ابتعد منها نفس النبوة وروح النبي محمد (ص)

السنة النبوية أختلقت لتصب في مصلحة الحاكم ولتقوم عرشه وهي جاءت لعصر ربما تتوائم معه من حيث السلوك لكنها لا تصلح لهذ العصر تماماً لأنها بضاعة مزجاة لا نتقبلها ولا نقبل ان يقال أنها من رسول الله .

أتفق المسلمون على ان القران الكريم كتب بشكله الحالي بعد وفاة الرسول وتحديداً في خلافة عثمان بن عفان وذلك خوفاً منهم ان يقتل حملة القران في حروب المسلمين، أما السنة النبوية فلم تكن ذا شأن عند المسلمين ولم يهتموا لأمرها كثيراً وذلك لأن الرسول بين لهم ما يريده الله من خلال القران الكريم وأكمل لهم دينهم من حيث العبادات والرسول كان يعيش بينهم كأحدهم يشاورهم في الآراء ويسمع لهم في الامور العامة كانوا يأخذون منه ويردون عليه يناقشونه كفرد منهم ويناقشهم دون استعلاء عليهم . وهذا ما حصل في معركة بدر عندما نزل المسلمون في احدى المواقع فسأل الحباب بن منذر قال يا رسول الله أهذا منزل أمرك به الله أم هو من رأيك ؟ فقال الرسول بل هو الرأي والمكيدة والحرب فقال له الحباب فإنه ليس بمنزل فنهض حتى غيروا مواقعهم .

شفيعي في هذه القصة لو كان الرسول حياً لكنا قد تحدثنا أليه دون خشية او مواربة ولقلنا له بصراحة ما هو في أذهاننا دون ان يعترضنا الصعاليك والقتلة لكن إرادة الله شاءت ان تفتتن الناس ويترك لهم التحكيم في عقول قد وهبها لهم الله دون إخضاعها لسلطة البشر .

 

النهي عن كتابة السنة:

لا أريد الخوض كثيراً في اشكالية النهي لكني ساتطرق الى بعض الاحاديث ثم اترك الامر الى الفكر الحر من المسلمين والواعين من رجال الدين لكي يحكموا على كيفية كتابة السنة .

1- روى احمد بن حنبل ومسلم والدرامي والترمذي والنسائي، عن ابي سعيد الخدري قال : قال رسول الله (لا تكتبوا عني شيئاً سوى القرآن فمن كتب عني غير القرآن فليمحه) وأخرج الترمذي عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد قال (أستأذنا رسول الله في الكتابة فلم يأذن لنا . (أضواء الى السنة المحمدية محمود ابو رية ص 49 )

2- روى ابن عساكر عن السائب بن يزيد قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول لأبي هريرة لتتركن الحديث عن رسول الله أو لألحقنك بأرض دوس . وكان عمر يقول أقلوا الرواية عن رسول الله إلا فيما يعمل به .

3- روي ان عمر بن الخطاب اراد ان يكتب السنن فاستفتى أصحاب رسول الله في ذلك فأشاروا عليه أن يكتبها فطفق عمر يستخير الله شهراً ثم أصبح يوماً وقد عزم الله له فقال : إني كنت أريد أن اكتب السنن وإني ذكرت قوماً كانوا قبلكم كتبوا كتباً فأكبوا عليها وتركوا كتاب الله، وإني والله لا أشوب كتاب الله بشيء أبداً .

4- عن عبدالله بن يسار قال سمعت علي بن ابي طالب يخطب يقول (أعزم على كل من عنده كتاب إلا رجع فمحاه فإنما هلك الناس حيث تتبعوا أحاديث علمائهم وتركوا كتاب ربهم .

5- عن ابي هريرة: بلغ رسول الله ان أناسا كتبوا أحاديثه، فصعد المنبر وقال ماهذه الكتب التي بلغني أنكم قد كتبتم إنما انا بشر فمن كان عنده شيئاً منها فاليأت بها، يقول ابو هريرة فجمعنا ما كتبناه وأتلفناه أو أحرقناه . (تقييد العلم للخطيب البغدادي)

سيعترض البعض على هذه الاحاديث وإعتراضه يقابله إعتراض مغاير وهو، لو كانت السنة النبوية صحيحة لما وجدت احاديث النهي عن كتابة الحديث في نفس كتب الحديث .

لقد تمايزت كتب الحديث وأمور الدين إجمالاً بين أبي حفصة عمر بن الخطاب وبين ابي هريرة عبدالرحمن بن صخر الدوسي، ولاريب في ان ابن الخطاب كان له السبق في الاسلام والحرص على تأدية رسالة الله بأدق التفاصيل من يتابع سيرة عمر بن الخطاب سيجد في الرجل الغلظة التي يأنس لها الناس والعدل الذي قنن فيه حركتهم وعملهم فأحبوه من غير تكلف وناصحوه من دون خوف او تردد، نجد ان عمر شاور أصحابه لمدة شهر هل يكتب السنة أم يحجم عن كتابتها، لكنه خرج برأي حريص على الدين والعقل ومستقبل المسلمين والانسانية فقال:

إني ذكرت قوماً كانوا قبلكم كتبوا كتباً فأكبوا عليها وتركوا كتاب الله، وإني والله لا أشوب كتاب الله بشيء أبداً .

يا ربي أيعقل ان المسلمين فقدوا صوابهم فتركوا رأي عمر بن الخطاب ليأخذوا برأي بو هريرة الذي ملئت كتب الحديث من رواياته وأحاديثه ! أيعقل ان رجل مثل عمر حريص على المسلمين وعلى دينهم، ينقل عنه حوالي الخمسين حديثاً بينما ينقل عن ابي هريرة 5374 حديثا . (أضواء على السنة ص 133)

لقد تنبه ابن الخطاب الى ضرر كتابة السنة وما ستلحقه بتجهيل الناس وإعفاء للعقول والقران في آن واحد، وهذا ما تحقق بالفعل فلقد صارت كتب السنة عديدة والاحاديث لا حصر لها وتشظت الامة وبحمد لله كل من هذه الشظايا له أحاديثه المختلقة والمختلفة والمقدَسة والمقدِسة .

ينقل الدكتور علي الوري في كتابه: لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث، يقول كان القطار يمشي بالبخار بينما هناك اشخاص معتمدين موظفين في القطارات يقرأون كتاب البخاري وذلك للتبرك، فقام ذات يوم الشاعر العراقي المعروف جميل صدقي الزهاوي مخاطباً البرلمان العراقي قائلاً (أريد أعرف القطار يسير بالبخار او بالبخاري) .

 

يلحق البخاري وكيفية تدوين السنة

 

مصطفى العمري

 

fatehi alhabowbi«... الذي يضطهد فردا آخر هو أخوه في الانسانية لأنّ له رأيا يخالف رأيه، هو وحش. وهذا لعسر في إدراكه. فما بالك بالحكومة وبالقضاة وبالأمراء الذين ينكّلون بمن لا يدينون بدينهم ».

فولتير/ من كتاب " القاموس الفلسفي"

 

يعسر على الإنسان العربي وهو يخضع إلى أَلف قيدٍ وقيد على حريّته، أن يعبّر عن رأيه أو معتقده المختلف عن السائد دون خوف ووجل من ردّة فعل المجتمع، التي قد تكون مدوّية بقوّة بركان ينفجر، حتّى في نطاق الأسرة الضيّق، بما ينسجم مع ما يعبّر عنه بالعقل المجتمعي أو الأنا الأعلى، الرامز في حضارتنا إلى هُويَّة المجتمع العربي والإسلامي وذاكرته ومعتقده وثقافته، المنفعلة والمتأثرة بتاريخ التخلّف الذي عاشه ويعيشه هذا المجتمع المثقل بإرث تشريعات هي اليوم خارج سياقاتها الموضوعيّة و تقاليد لا تنسجم مع روح العصر وعادات سيّئة وترّهات فظيعة، جاء بها شيوخ السلاطين الذين يتوهّمون النطق باسم الدين الذي لا ناطق رسمي باسمه، فيما هم يروّجون لتخاريف، طوّقت رقابنا وعقلت عقولنا وحجّرت علينا التفكير الحرّ وعصفت بالمجتمع العربي وتعسّفت عليه بما أعاق الأنا و ضمن أسترقاقها. لذلك فإنّ قضيّة تحرير عقل الإنسان العربي المكبَّل بالأَغلالٍ، تعتبر ذات أولويّة قصوى لينطلق من عقاله فيفكّر ويعبّر ويبدع ويحقّق نصيبه من التقدّم في العلم والفكر والأدب والفنون، في سياق ما يسمّى بالصراعَ بين العقل الفاعل والعقل المنفعل. و حتّى لا يبقى العقل العربي موسوما على الدوام بالعقل المنفعل لا الفاعل. وهي سمة تكاد تكون وصمة عار-مزمنة- في جبين أجيال عديدة من أجيال العرب منذ نكبة سقوط الأندلس إلى اليوم.

وعلى نحو ما قال فولتير عن التعصّب من أنّه « مرض متجذّ ر في أعماق الشعب الفرنسي، وفي أعماق عائلته الشخصيّة وطائفته الكاثوليكية بالذات»، فإنّي أزعم، رغم ما قيل ويقال وما كتب في موروثنا الثقافي والديني من أنّ مجتمعنا متسامح، أنّه -بالقطع- ليس كذلك. فلو كان مجتمعنا أو عقلنا المجتمعي بالصورة التي يروّج لها -زورا و زيفا- لما صودر الرأي المخالف وحورب المعتقد المغاير واضطهد أصحابه في ظروف مأساويّة شديدة الفظاعة كما حدث للحلّاج و محي الدين بن عربي وغيرهما. بما شكّل عائقا كبيرا ومزمنا أمام بلوغ حركيّة فكريّة نشيطة مثلما هي قائمة في الغرب الذي لم يكن يختلف عن مجتمعنا في تشدّده وعدم تسامحه، لا سيّما فيما يتعلّق بالدين والمعتقد جرّاء التعصّب المذهبي البغيض. ولكنّ أعمال ونضالات فلاسفة كبار من طينة الفيلسوف الإنجليزي جون لوك القائل« الحرية هي ألا يتعرّض المرء للتقييد والعنف من الآخرين » والفيلسوف الفرنسي فرانسوا ماري أرويه شهر فولتير القائل « إنّنا جميعا مجبولون على الضعف والخطأ فليغفر كل منّا حماقة أخيه». لقد طرح هؤلاء الفيلسوفان وناقشا بجدّية مسألة التسامح بما يمثّله من إشكاليّة بين أفراد المجتمع فيما لو جدّ إختلاف فكري أو إيديولوجي ومذهبي بين أفراد المجتمع الواحد، بل حتّى داخل الأسرة الواحدة مثلما هو واقع الحال في قضيّة جون كالاس (Jean Calas)،بما هي مظلمة سنعرض لها لاحقا. و قد أعطى طرح كلا الفيلسوفين واقتراحهما الحلول لموضوع التسامح ثماره الطيّبة بعد مرور أجيال عديدة على عصرهما ومبحثهما في التسامح. وها هي اليوم تنعم بنتائجه شعوب العالم الغربي التي تنظر إلى التسامح كقيمة وفضيلة أخلاقيّة وإنسانيّة و إجتماعيّة بصرف النظر عن إرتباطها بالدين من عدمه.

فليس من قبيل الصدف أن يكتب جون لوك سنة1689 ثم فولتير سنة (1763) كتابين بنفس العنوان تقريبا وهو " رسالة في التسامح'' (Traité sur la tolérance)، بل كان ذلك نتيجة حتميّة لتحوّلات عصري النهضة والتنوير ولتطوّر النزعة الإنسانيّة التي كرّستها أفكار و مبادئ فلاسفة عصر التنوير، ولا سيما الموسوعون منهم؛ ديدرو (Diderot) و روسو ((Rousseau ودالامبير (D'Alembert) و كوندياك (Condillac) وفولتير، والمرتكزة بالأساس على إعلاء مكانة العقل في مواجهة الفكر الغيبي. رغم انتقاد نيتشة –لاحقا- لهذه المكانة في سياق نقده للحداثة التي تقوم بالأساس على العقلانيّة.

لذلك فقد أكّد جون لوك صاحب مقولة« إن حريّتي تنتهي عندما تبدأ حريّة الآخرين» في" رسالته في التسامح" على عدميّة التفكير الآحادي الذي ينفي الآخر و لا يقبل محاورته. كما شدّد على عبثيّة ودمويّة التعصّب الديني المغلق على ذاته، ودعا إلى فهم الدين إعتمادا على العقل بما يسمح بتأسيس مفهوم التسامح الديني الذي يستتبعه أن لا تكون الدولة لها دين بعينه. لأنّ من مفاعيل خلاف ذلك ما يجدّ من إضطهاد معتنقي الأديان الأخرى والطوائف التي تمثّل الحلقة الأضعف صلب الدولة على نحو ما يجري اليوم للشيعة في السعوديّة والبحرين واليمن وللسنّة والمسيحيين في لبنان وسوريا وللشيعة العرب في إيران بما يتماشى تماما مع مقولة توماس الأكويني « إن كان خصمنا لا يؤمن بالوحي المقدّس، فالوسيلة الوحيدة المقنعه لإثبات البنود الدينيّة ردّا على إعتراضاته هي القول أنّها ضد الدين». وهو ما يعني أنّنا على صواب ومخالفنا على خطأ، و لا يكون التسامح عندئذ عنوانا لأيّ فضيلة بل عنوانا للتنازل لمعتقدات الآخر.

و في سياق مقاربته لمفهوم التسامح الديني، دعا جون لوك، وهو أول من استخدم تاريخيّا مصطلح حقوق الإنسان، إلى تكريس مبدأ المساواة في الحقوق بين جميع الطوائف الدينية في زمن كانت فيه الحرب ضارية بين الكاثوليك والبروتستانت بماهي تعبير عن الحقد الذي يجمع بينهما على مدى التاريخ تماما كما هو حال الحقد والعداء و"الخصام الأخوي " الذي لا ينتهي بين كلّ من السنّة والشيعة1 من أجل أحداث غابرة تجاوزها التاريخ ولم يعد لها تأثير فعلي في حياتنا المزدحمة بالمشاغل المهمّة والأحداث والتحدّيات الكبيرة التي تختلف درجات خطورتها في المكان والزمان. ولكنّه الهوس بالحفر في الذاكرة والنبش في الماضي، شديد القتامة والدمويّة، لاستحضاره بدلا عن الحاضر. بما يعني الإنبتات عن العصر والإنصراف عنه نهائيّا والعيش خارج التاريخ أو في أحسن الاحوال في جوار مزبلة التاريخ التي تزكم الأنوف.

ودون الغوص -لضيق المجال- في التفاصيل الدقيقة لكتاب ''رسالة في التسامح'' لجون لوك، الذي يعتبر بحقّ أهم فيلسوف تنويري في العصر الحديث، فإنّه يمكن أن نكتفي بالإشارة إلى بعض مقولاته التي من بينها أنّه « ليس لأي انسان سلطة في أن يفرض على إنسان آخر ما يجب عليه أن يؤمن به أو أن يفعله لأجل نجاة نفسه هو، لأنّ هذه المسألة شأن خاص ولا تعني أيّ انسان آخر. إن الله لم يمنح مثل هذه السلطة لأي انسان و لا لأيّة جماعة (... )». ولو طبّقت الكنيسة هذه المقولة لما كفّرت عالِم الفلك و والفيزيائي الإيطالي غاليلو غاليلي (1564 - 1642)، و لما اعتبرت مواطنه ومعاصره الفيلسوف والشاعر وعالم الفلك جيوردانو برونو (1548-1600 )Giordano Bruno مهرطقا مكابرا و سجنته ثمّ قطعت لسانه وأحرقته حيّا بتهمة الإرتداد عن المسيحيّة والكفر لمجرّد تأكيده على لا نهائيّة الكون وعلى أنّ المسيح إنّما هو "دجّال ذكي" أو "ساحر ماهر" (Mage habile).

ويضيف جون لوك لمزيد تأكيد المعنى السابق أنّ« خلاص النفوس من شأن الله وحده...ثم ان الله لم يفوّض أحدا في أن يفرض على أي انسان دينا معيّنا... وأن قوّة الدين الحقّ كامنة في اقتناع العقل، أي كامنة في باطن الانسان». ولكن -للأسف الشديد- هذا هو عكس ما يحدث اليوم في سوريا بعد مرور قرون على اقتناع الغرب بوجاهة هذا القول. حيث أبلغني الصديق الصحفي الفرنسي من أصل لبناني روني نابا René Naba)) ، عبر مقال2 له تفضّل بإرسال نسخة منه لي، أنّ 18 قرية درزيّة سوريّة أرغمت ، في خضمّ الثورة السوريّة المسلّحة، على أن تتحوّل إلى "اعتناق الوهابيّة". و هو ما لا يمكن القبول به مطلقا. لأنّ حمل النّاس على الإيمان بالقوّة بعكس ما يعتقدون إنّما هو إرهاب ديني، لا يمكن أن يجعلهم في إعماق ضمائرهم مخلصين له مهما كان حجم الترغيب والترهيب. ومن هذا المنطلق فقد أكّد جون لوك على أن حريّة الضمير هي حقّ طبيعي لكلّ انسان. ولعلّه من المفارقات اليوم أنّ السجال لم يحسم بعد في المجتمع المدني التونسي حتّى بعد التصديق على الفصول المتعلّقة بحريّة الضمير و تجريم التكفير ضمن الدستور الجديد رغم ثوريته وريادته و تقدّمه على جميع الدساتير العربيّة. باعتباره-رغم هناته- قد حقّق نقلة نوعيّة في مجال تثبيت قيم الجمهوريّة، و تأسيس دولة الحقّ و القانون العصريّة، وتكريس الحقوق والحرّيات الأساسيّة العامّة منها والفرديّة، و ضمان استقلاليّة عديد الهيئات القضائيّة والإعلاميّة و الإنتخابيّة والحقوقيّة ونحوها عن الدولة، بما يستجيب للمعايير الدوليّة وينسجم مع القيم الكونيّة وأسس الدولة المدنيّة المعاصرة.

وأمّا فولتير، أحد   رواد العقلانيّة والتنوير، المعروف بدفاعه عن قيمة التسامح بفضل مقولته الشهيرة « إنّي أخالفك رأيك ولكنّي أدافع حتّى الموت عن حقّك في إبدائه»، فمعلوم لدى دارسيه أنّه ركّز أغلب معاركه الفكريّة على تكريس هذه القيمة النبيلة .التي طالما قرنها بحريّة العقيدة وبحريّة التعبير في آن معا. وقد سعى فولتير بصدق إلى إشاعة روح وثقافة التسامح، دون السقوط في السجالات العقيمة والمناقشات البيزنطيّة حول ما إذا كان العنف يسبق التسامح و الشرّ يسبق الخير أم العكس. بل حارب العنف والتعصّب الديني و الايديولوجي المقيت، وكان براغماتيّا في مقاربته لمفهوم التسامح من خلال دفاعه المستميت منذ أكثر من قرنين ونصف عن قضيّة جان كالاس ( Jean Calas)، المنتمي إلى مذهب الأقليّة البروتستانتية والذي أتّهم زورا بقتل إبنه لوي كالاس (Louis Calas) بوحشيّة وبشاعة لمجرّد إعتناقه للمذهب الكاثوليكي المخالف لمذهب العائلة البروتستانتي فيما هو بريء تماما من ذلك. إلّا انّه أعدم رغما عن ذلك بتسرّع مثير للريبة والإستغراب ودون احترام للإجراءات القانونيّة مثلما يحدث اليوم-بعد قرون- في أغلب الدول العربيّة التي لا تزال تفتقر لسلطة قضائيّة مستقلّة حقّا. وقد تبنّى فولتير هذه القضيّة بعد أن سجّل الإخلالات التي رافقتها منذ انطلاقها، فدافع عنها بشراسة وإصرار لرفع الظلم عن صاحبها ولو بعد مصرعه. حتّى أنّه أفرد لها كتابه الموسوم ''رسالة في التسامح''. و هي بالقطع إحدى روائع الفكر التنويري الفرنسي المنحاز إلى الحقّ أينما كان، والمؤسّس لمفهوم المواطنة وحقوق الإنسان. وجاء دفاع فولتير على رجل بروتستانتي من الأقلّية رغم أنّه يتبع مذهب الأغلبيّة الكاثوليكي بحكم الانتماء العائلي. بل ورغم أنّه مفكّر لاديني (déiste)، يؤمن بالله ولا يؤمن بأيّ دين. وهو دليل، لا يرقى إليه الشكّ، على عظمة هذا المفكر الحرّ، الذي ينتصر للمذهب المعادي لمذهبه "المفترض" عندما يكون على حقّ، بدل انتصاره لعصبيّته الطائفية عندما تكون على باطل. وبهذا المعنى، فهو لا ينصر أخاه ،ظالما أو مظلوما وفي كلّ الأحوال، مثلما هو سلوك النّاس في ربوع العرب والمسلمين رغم ما ورد في القرآن في خلاف ذلك.

وقد استهلّ فولتير رسالته في التسامح بالحديث مطوّلا عن مصرع جان كالاس جرّاء سيادة التعصّب الديني المذهبي الذي يثير في نفسه الاشمئزاز والقرف ، مستغلّا هذه الواقعة الفظيعة ليقف بحزم ضدّ كل المجازر التي إرتكبها الكاثوليك في حقّ البروتستانت في أكثر من مكان من أوروبّا، مندّدا بها بصوت مرتفع يعلو على كلّ الأصوات دونه، و متوجّها للأصوليين المتعصّبين، المنتهجين للعنف كوسيلة للدفاع عن الدين أو المذهب بالقول «فإن شئتم أن تتشبّهوا بالمسيح، فكونوا شهداء لا جلّادين». فيا له من قول رائع، إذ لو استوعب الوهابيون، الطارئون عن الإسلام، دلالاته الإنسانيّة النبيلة، لما وجدت حركات على شاكلة "القاعدة" ولا "النصرة" ولا "داعش"، ليس لها من مهمّة غير البطش بالإنسان أينما كان.

ويستعرض فولتير تفاصيل كافة الأطوار الغريبة للمحاكمة المستعجلة للمتّهم جان كالاس، مشكّكا في القضاء والقضاة، بل ومستغربا بشدةّ من اضطهاد الانسان للانسان بسبب عقيدته أو رأيه، ومعتبرا أنّ التعصّب مخالف لجوهر وروح الديانات جميعا. وهو موقف ينمّ عن إحترام فولتير لكل الديانات رغم عدم إيمانه بها مطلقا. وفي ذلك إشارة إلى أنّه متسامح إزاءها ولا يعتبرها شرّا مطلقا. كما انّه لا يعتبر نفسه على صواب فيما الآخرون على خطأ، بما يستدعي تكفيرهم و هدر دمائهم بالنتيجة. وفي هذا السياق فقد عبّر فولتير عن إعجابه بالنموذج الهولندي و الإنجليزي، حيث يسود التعايش في كنف السلام بين مختلف الأديان والمذاهب بخلاف ما هو حال فرنسا أنذاك.

وبعد رحلة شيّقة عبر التفاصيل المثيرة للقضيّة موضوع الكتاب بما آل إلى إعادة محاكمة جان كالاس الذي ينتصر بعد موته(à titre posthume)؛ حيث أنصفته العدالة فبرّأته، في نهاية المطاف، بفضل الجهود المضنية المبذولة التي يعود منها لفولتير النصيب الأوفر. وبذلك و إضافة إلى ما سبق، فإنّ فولتير يعتبر مثقّفا عضويّا بامتياز، لأنّه يعايش قضايا المجتمع المدني معايشة لصيقة، وفق مفهوم المثقّف العضوي، الذي سيحدّده المفكّر الإيطالي أنطونيو غرامشي بعد عدّة عقود من عصر فولتير.

 

المهندس فتحي الحبّوبي

.........................

(1) أنظر مقالي على النت حول هذا الموضوع بعنوان La querelle fratricide sans fin entre Sunnites et Chiites

(2) أنظر مقال René Naba الصادر في 17 يناير 2014 في موقعه En Point de Mire بعنوان Les deux François et la chrétienté d’Orient /Conversion forcée au wahhabisme de 18 villages druzes de Syrie

 

mustafa alomariثمة ما يدفعنا الى العزوف عن الدخول في واقع الامة المشتعلة والخوض مع الخائضين في قضايا ميتة أصلاً، لكن ثمة ما يؤرقنا لحال هذه الامة التي ننتمي لها ثقافة وتأريخاً ونندمج معها كنشوء فطري وننصهر بها كمكون اجتماعي وحتى وان تقولبنا مع هذا المجتمع يبقى يرعبنا ذلك المجتمع بسلطته غير الواعيه وتحريكه من قبل بعض الاطراف التي تؤلب قوماً على قوم اخرين وتبقى قضايانا ليس فيها حياة ولو كانت حية لما أجزم كل طرف على انه الخلف الحقيقي للرسول وانه هو من يملك الحقيقة المطلقة التي لا يشاركه بها آدمي قط، أمة مسعورة على نهم لحوم البشر ومولغة بدم المساكين ومنعطفة الى حيث القتل والنحر والتفجير دون أي واعز انساني او محرك عقلي يرشدنا الى حيث المعطوب من هذا الذي يؤرق حياتنا ويزل بنا وبمستقبل أمة كاملة الى حيث الهلاك الحقيقي، اننا نحتاج الى تشخيص هادئ ومتقن منصف وغير متحزب متعلم ومتحرر لكي يعتق هذه الامة المسعورة من بعض المسعورين الذين تشرعنوا باحاديث ونصوص ليس لها مساحة تتوائم مع اخلاق النبوة، اننا نحتاج الى دراسة شجاعة لإزالة كل سواد التأريخ عن حاضر اليوم والمستقبل .

الذي تمر به الامة العربية والاسلامية اليوم من حرب وقتل ودمار وقطع الرقاب كله يأخذ شرعيته من نصوص دينية ولأن هذه النصوص اخذت قدسيتها من قدمها وإعتياد الناس على التحدث والتبرك بها ليس هناك من يحاول من رجالات التدين ان ينقب عن صدقية هذه الاحاديث وعن هتكها في بعض الاحيان للعرف العلمي والاجتماعي والادبي، ولأن أغلب رجال الدين من المنتفعين بالدين وغير نافعين به تجرهم أهوائهم الى حيث السمين من العلف والكثير من الاموال والوفير من العيش، فتغافلوا عن واقع الدين المنخرط الى الدرك المنحط في هذا العالم الكبير وتهافتوا يتلاهثون خلف ملذاتهم وشهواتهم . لم يكتفوا بالطعن واللعن بل سيرتهم غرائزهم المتوحشة الى استباحة دم الابرياء من الناس يلقونها بخطب صادحة يحرصون بخطبهم على ان تخرج الحروف من مخارجها الصحيحة يتلون بها كتاب الله وتعاليمه ويدعون بأسم الله الى قتل عباد الله، مفارقة محزنة حقاً .

إننا أحوج الامم الى الانسانية التي يأخذ الدين منها وينطلق بها، الانسانية المصلوبة على عتبة صفار الكتب المزورة الداعية الى جلد المتحررين وقتل المبدعين وتحجيم الواعين، كيف لنا ان نسير في هذه الحياة وما زالت كتب الحديث المختلقة تهدد عيشنا وتقهرنا على الرجوع الى زمن ميت عاش فيه اصحابه بتناحر وخصام وقتل وصليل سيوف لم تهدأ، ودم لم يجف ؟ كيف لي ان أعيش في الولايات المتحدة المتطورة علمياً وأنا لازلت أفكر في أحاديث ابو هريرة وطريقتها وسردها وموضوعاتها صحتها ودسها كذبها وتحريفها ؟ كيف لنا ان نستقيم ونحن لازلنا نتعامل مع التأريخ وكأنه اليوم أما اليوم فهو عدم غير موجود؟

المدافعون عن الاسلام والشريعة الاسلامية كثر لكن للأسف المخلصون قله المتأسلمون كغثاء السيل أما المسلمون فقلة ايضاً، المتصلبون على الاسلام البيئي يلهثون ان الحق معهم يحيطونه بهالة من الاحاديث والروايات الزائفة، أما المسلمون المنفتحون فتجدهم يوجدون المشتركات مع الاخر المغاير دون حرج في الاخذ منه او تزويده بما يتلائم مع المصلحة الانسانية والادبية، العاملون على تنقية التراث محاربون أما المبتدعون في تزييف التراث متصدرون واجهة الاحداث ويرفعون على الاكتاف .

 

نحاول هنا إيجاد مساحات غير ملغومة لكي يعيش عليها البسطاء من الناس وغير المنتفعين منهم نجتهد في تطهير بعض الملغوم في أزقة الفقراء وأذهان العوام نحاول إزالة ذلك الثابت المقدس بسلطة التخويف وألسنة الوعاظ والفارغين من الناس .

السنة النبوية احاديث الرسول أم تلفيق مزيف . يلحق ...

 

مصطفى العمري / أمريكا

 

adnan oayeed"الليبرالية الجديدة"، هي مجموعة من الخطط الاقتصادية التي أصبحت واسعة الانتشار مع بداية النصف الثاني من القرن العشرين، وبخاصة في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث بدأ المهتمون يتلمسون نتائجها وتأثيراتها هنا، من خلال تلك الظاهرة الاجتماعية المرعبة، وهي زيادة غنى الغني وفقر الفقير، رغم أن العالم قليلا ما سمع عن الولايات المتحدة الأمريكية في تلك الفترة. هذا وأن الليبرالية الجديدة استطاعت أن تعبر أيضا في تطبيقاتها العملية والفكرية إضافة إلى المسائل الاقتصادية، عن المسائل السياسية والدينية أيضا، ففي الولايات المتحدة الأمريكية أصبحت الليبرالية السياسية، موقفا استراتيجيا قائما بذاته في منع الصراعات الطبقية / الاجتماعية، وهي تحاول أن تقدم في مشروعها الفكري النظري الفقراء والطبقة العاملة، كمعادل تقدمي تجاه التيار اليميني المحافظ، بينما نجد في الممارسة غير ذلك. أما الحرية الاقتصادية، فموقف السياسيين الليبراليين المحافظين تجاهها هو موقف مختلف، حيث ليس لديهم مشكلة مع الليبرالية الاقتصادية وخاصة في شكلها الليبرالي الجديد، الذي يعمل على قطع العلاقة نهائيا ما بين السوق والدولة، والحد كثيرا من الطموحات الايجابية لدى الليبرالية (الاقتصادية)، وخاصة في موقفها من تدخل الدولة في فترة ما بين الحربين، وأثناء الحرب الباردة في النصف الثاني من القرن العشرين، تجاه مساندة أفراد المجتمع والتخفيف من مشاكلهم بشكل عام .

إن الليبرالية (الاقتصادية) في الحقيقة أصبحت أكثر شهرة، منذ بداية طرحها في بريطانيا، مع الاقتصادي المشهور "آدم سميث" وبعض من ناصروا عدم تدخل الدولة في الأوضاع الاقتصادية، ورفض وضع القيود على المانيفاكتورات، أو الحواجز وفرض الضرائب على التجارة من قبلها. حيث يعبر عن هذا التوجه آدم سميث بقوله: إن التجارة الحرة كانت الطريق الأفضل لتقدم اقتصاد الأمة، وأن تطبيق الفردية شجع المشروع الحر، والمنافسة الحرة... التي جاءت أصلا بهدف حرية الطبقة البرجوازية من أجل تحقيق منافع كثيرة لهم ووفقا لما يريدون هم.

أما في أمريكا فقد راحت الليبرالية الاقتصادية تسود منذ القرن الثامن عشر حتى أواخر النصف الأول من القرن العشرين، غير أن أزمة عام/1929/أدت إلى ارتفاع بعض الأصوات التي راحت تطالب بضرورة مواجهة الليبرالية الاقتصادية من أجل الحفاظ على النظام البرجوازي والطبقة البرجوازية ذاتها، ومن بين هذه الأصوات كان صوت الاقتصادي المشهور"جان ماينارد كينز"(John Maynard Keynes ) الذي طرح نظريته المشهورة بـ (الكنزية)، وهي نظرية أريد منها مواجهة تلك الأزمة الاقتصادية التي اجتاحت العالم آنذاك وأدت إلى قيام الحرب العالمية الثانية كما هو معروف، حيث يشير"كينز في هذه النظرية قائلا: في الجوهر، من أجل أن تنمو الرأسمالية،وتستطيع أن تنجز مهامها، من الضروري أن تتدخل الحكومات والبنوك المركزية في دعم الاقتصاد الوطني، وتأمين العمالة، وهذا ماتم فعلا، حيث حققت هذه الأفكار تأثيرا واضحا على الرئيس الأمريكي"روزفلت"، وشرعت أمريكا والعديد من الدول الأوربية التي أصبحت بسبب الحرب العالمية الأولى وأزمة/1929/ منهكة، في تبني هذه النظرية الكنزية، وبذلك استطاعت أن تعيد التوازن والثقة للطبقة الرأسمالية ونظامها مع تحسين واضح لحياة العديد من الناس.

إن الاعتقاد الذي يقول، بأن الحكومة قادرة على تقديم الأشياء الجيدة للمجتمع، أصبح مقبولا آنذاك بشكل واسع. ولكن مع توالي الأزمات الاقتصادية وخاصة بعد حرب تشرين وارتفاع أسعار النفط، ثم أزمة الثمانينيات من القرن ذاته ( مثل أزمات الحرب الباردة ومنها حرب النجوم مثلاً- المترجم)، وما تلا هذه الأزمات من انكماشات في الإنتاج، وتقلص في نسب الأرباح، أثار لدى النخبة الرأسمالية المتضامنة الرغبة في إنعاش الليبرالية الاقتصادية، التي راحت بدورها ترتقي شيئا فشيئا إلى ليبرالية جديدة على السلم العالمي، وبخاصة مع تلك التحولات ذات الصبغة العالمية السريعة والعميقة التي انتابت الاقتصاد الرأسمالي، ومنحته صفة العولمة تحت ظل النظام العالمي الجديد.

 

سمات وخصائص الليبرالية الجديدة:

أولا: التأكيد على دور السوق الحرة: تعتبر الليبرالية الجديدة أن تحرير أي مشروع مفروض من قبل الدولة، ليس مشكلة، مهما تكن طبيعة الأذى الذي يمكن أن تتركه عملية التحرير هذه على المجتمع، كما تعتبر أيضا، أن الانفتاح الكبير على التجارة العالمية والتوظيفات، كما الحال في/نافتا/، سيساعد على تخفيف الأجور، ويضعف وحدة أو تحالف العمال، وإلغاء حقوقهم التي ربحوها عبر سنين طويلة من النضال، ثم لا تعود الأسعار موجهة ومدروسة كثيرا، أو بتعبير آخر، الكل في الكل، هو الحرية الكاملة للتيار الرأسمالي، هذا ويؤكدون أن عفوية السوق هي أفضل وسيلة لزيادة النمو الاقتصادي التي سوف تخدم بشكل مطلق كل فرد من أفراد المجتمع.. ولكن بطريقة لن يعطي فيها الغنى كثيرا من خيراته للفقراء كما سيبدو لنا.

 

ثانيا: إلغاء النفقات العامة من أجل المجتمع:

1- الخدمات: وتمثل هنا، التربية، العناية الصحية، شبكة الأمان للفقراء، صيانة الطرق والجسور، التزود بالمياه ... الخ، فالليبرالية الجديدة تقف ضد دور الحكومة في تقديم المعونات في مجال هذه الخدمات للمواطنين، بينما هي لا تمانع أن تقوم الحكومة في تقديم المعونات للصناعات البرجوازية من فوائد الضرائب وغيرها. (لذلك طرحت كل تاتشر وفيما بعد بلير ضرورة تبني النظرية العالمية الثالثة، وهي نظرية مخالفة تماماً للنظرية الكنزية، أو دولة الرفاه- المترجم)

2- تحرير التجارة: هي تطالب بأن تكون التجارة حرة من أي قيد يمكن أن يفرض عليها من قبل الحكومة، كما تدعو الحكومة إلى تخفيف أو إلغاء أي إجراء من قبلها يساعد على إضعاف الأرباح، حتى لو كان الأمر يتعلق بحماية البيئة، أو العمالة.

3- الخصخصة: هي تطالب ببيع المشاريع الكبيرة والهامة التابعة للدولة، من مصانع، ومشاريع خدمية وغيرها، للقطاع الخاص، وهذه المشاريع تتضمن، الصناعات الرئيسة، البنوك، السكك الحديدية، ضريبة الطرق الرئيسة، الكهرباء، المدارس، المستشفيات، وحتى المياه النقية.. الخ، وتأتي كل هذه المطالب عادة تحت أسم من أجل تحقيق الكفاءة العالية التي غالبا ما تكون ضرورية بالنسبة لها في طبيعة الحال. هذا وأن الخصخصة حققت بالدرجة الأولى تركيز الثروة في أيدي القلة، التي راحت بدورها تعمل على تحديد أجور العمالة وفقا لمصالحها.

4- إلغاء مفهوم الجمهور أو العامة: تسعى الليبرالية الجديدة إلى تمييع أي دور لمسؤولية الكتل الاجتماعية، ومحاولة مركزة المسؤولية في الفرد كسمة عامة لنشاط وطموح المجتمع، لذلك كثيرا ما يمارسون الضغط على الناس الفقراء من أجل أن يقوموا هم أنفسهم في البحث عن الوسائل أو الطرق التي تساعدهم على تأمين حاجاتهم الصحية والتعليمية وأمانهم الاجتماعي، ثم توجيه كل اللوم لهم في حال عجزوا عن تحقيق ذلك، ووصفهم بالكسالى.

إن أهم ما يميز سمات الليبرالية الجيدة هو، تبنيها من قبل مؤسسات مالية قوية مثل صندوقي النقد الدولي (imf)، وصندوق البنك الدولي للإعمار والتنمية، ومنظمة الجات العالمي .. الخ، ومحاولة نشر وتسييد أنموذجها عالميا من خلال هذه المؤسسات المالية، هذا وقد كانت أمريكا اللاتينية أول ضحايا هذه الليبرالية الجديدة، حيث اعتبرت (تشيلي) الدولة الأسبق في هذا الاتجاه، والشكر يعود طبعا لمن سيّد هذا الأنموذج، وهم جامعة شيكاغو، والاقتصادي"ميلتون فريدمان"، والمخابرات المركزية الأمريكية التي كانت وراء الانقلاب الذي أطاح بالنظام السياسي لـحكومة "الليندي"المنتخب من الشعب عام/1973/، ثم تلت الشيلي فيما بعد الكثير من الانقلابات في العديد من دول أمريكا اللاتينية، إلا أن التأثير الأكثر سوءاً لليبرالية الجديدة كان في دولة"المكسيك"، حيث راحت الأجور تنحدر إلى ما بين 40% و 50%، في العام الأول من نشاط منظمة التجارة العالمية،/نافتا/، بينما تكاليف الحياة ارتفعت حتى 80%، يضاف إلى ذلك أن ما يقارب/20000/مشروع صغير ومتوسط قد فشلت وتوقف نشاطها، وأكثر من/1000/مشروع خاص بملكية الدولة (قطاع عام)، قد خصص في هذه الدولة، ونتيجة لهذا الانحدار المخزي راح يعلق أحد الباحثين حول ذلك قائلا: إن (الليبرالية الجديدة) هي وسائل للاستعمار الجديد، تهدف إلى استعمار أمريكا اللاتينية).

أما في الولايات المتحدة الأمريكية، فقد استطاعت الليبرالية الجديدة أن تحطم برامج"دولة الرفاه"، ومهاجمة حقوق العمال بما فيها حقوق العمال المهاجرين، وكذلك استطاعت تخفيض البرامج الاجتماعية، وبخاصة ما يتعلق منها بحماية الأطفال والشباب والنساء، بل الكوكب نفسه الذي نعيش عليه.. كما يحاول دعاتها خداعنا لنقبل بالقول إن كل ما تقوم به الليبرالية الجديدة سوف يبعد الحكومة عن كاهلنا.

عموما نقول: إن الليبرالية الجديدة، لن تحقق الفوائد إلا للقلة القليلة في هذا العالم، بينما هي سببت كل الدمار والعذاب للأغلبية الساحقة من شعوب العالم.

 

What is Neoliberalism?

by Elizabeth Martinez and Arnoldo Garcia

ترجمة: د. عدنان عويّد

كاتب وباحث من سورية

 

adnan oayeedقبل القرن العشرين، كانت الليبرالية " الكلاسيكية " هي الفلسفة السياسية المسيطرة في الولايات المتحدة الأمريكية على ما يبدو، وهي التي شكلت منطلق الفلسفة السياسية لـ " توماس جفرسون " (Thomas Jefferson) .. ولموقعين بيان الاستقلال .. وعلى أساسها تم تطبيق بنود بيان الاستقلال الأمريكي، ممثلة بالدستور، وأوراق الفيدرالية، والعديد من الوثائق التي أنتجت من قبل الناس الذين أوجدوا نظام الحكومة الأمريكية، هذا وأن العديد من المحررين أو المعتقين الذين عارضوا العبودية، كانوا من حيث الجوهر ليبراليين، مثلما كان المنادون بحقوق المرأة، أو ممن قاتل من أجل مساواتها في الحقوق ليبراليين أيضا.

على العموم، إن الليبرالية " الكلاسيكية " في سياقها العام هي الإيمان بالحرية، وحتى هذا اليوم، فإن أوضح البيانات (النظرية) لهذه الفلسفة هو ما جاء في بيان الاستقلال/ لجفرسون/، وإن معظم الناس في ذلك الوقت، كما هي الحال اليوم، يعتقدون أن حقوقهم تأتي من الحكومة، وأن معظمهم اعتقد أيضا بأنه يملك هذه الحقوق فقط عندما يتم انتخاب الحكومة التي ستمنحهم هذه الحقوق . بيد أن الفلاسفة الانكليز أمثال " جون لوك " ( John Locke)، فقد بينوا أن الطريق الآخر للحقوق يدور حول الإقرار بأن الناس يحصلون على حقوقهم بمعزل عن الحكومة كون هذه الحقوق تشكل جزءا من طبيعتهم، ثم إلى حد بعيد يستطيع الناس تشكيل هذه الحكومات وحلها أيضا، على اعتبار أن الهدف الشرعي للحكومة هو حماية هذه الحقوق .

إن الناس الذين يطلقون على أنفسهم اليوم اسم " الليبراليون الكلاسيكيون " غالبا ما يميلون إلى امتلاك الرؤية ذاتها للحقوق، ولدور الحكومة ذاتها التي امتلكها أوعبر عنها " جفرسون " ومعاصروه، إضافة إلى ذلك، لم تكن لديهم الرغبة أو الميل لوضع أي تمايز هام ما بين الحريات الاقتصادية، والحريات المدنية .

على يسار بقعة الضوء السياسية لليبرالية، توجد أشياء كثيرة معقّدة، حيث نجد الاختلاف الكبير بين ليبرالي القرن التاسع عشر، وليبرالي القرن العشرين، فليبراليون القرن التاسع عشر اعتقدوا بالحريات الاقتصادية، بينما لم يؤمن أو يعتقد بها ليبراليون القرن العشرين، الذين اعتقدوا بأنها – أي الحريات الاقتصادية - لاتكون اختراقا أو اغتصابا لأي حق أساسي من حقوق الحكومة في ضبطها لمسائل مثل، أين يعمل الناس ؟، ومتى يعملون ؟، أو ما هي الأجور التي يعملون من أجلها؟، وما هي الأشياء التي يستطيعون شراءها، أو يستطيعون بيعها، أو السعر الذي يستطيعون الشراء به؟ ... إلخ. هذا وفي الوقت نفسه، نجد أن ليبراليين القرن العشرين قد استمر تأثرهم بمعتقدات القرن التاسع عشر، وكذلك احترامهم للحريات المدنية، بل نجد في محطة المدار الأخير للقرن التاسع عشر، أن هناك دعما غير محدود من قبل الليبراليين للحريات المدنية. هذا ونحب أن نشير هنا أيضا إلى أنه منذ أن أصبحت الليبرالية هي الآيديولوجيا المسيطرة في القرن العشرين، راحت النزعة السياسية العامة لهذا القرن تعكس معتقدات هذه الليبرالية، ثم مع نهاية القرن العشرين ذاته، حقق المواطنون القليل من الحقوق الاقتصادية قياسا لما حققوه أو حازوا عليه في بداية القرن، بينما كان حظهم أوفر كثيراً في جانب الحريات المدنية .

نماذج الحقوق المدنية :

إن قوائم حقوق الإنسان تشير بأن للأفراد " حقوقا " كثيرة، ولكن الأسئلة المشروعة التي تطرح نفسها علينا هنا هي : ماذا يعني الحصول على الحق ؟، وهل تكون بعض الحقوق مختلفة بالأساس عن الأخرى ؟ . ومع ذلك نجد في تقاليد الليبرالية الكلاسيكية،أن الحقوق حازت على الكثير من الصفات أو السمات التالية :

أولا : الحقوق تعتبر وسائل اتصال :

تعتبر الحقوق وثيقة الصلة بالمسؤوليات الأخلاقية التي يتعامل بها الأفراد مع بعضهم بعضا، وهي تشير هنا بشكل خاص إلى نطاق السلطة أو السيادة التي يتمتع بها الأفراد داخلها، وتخويلهم رغبة الاختيار دون تدخل من أحد، ففي هذه الحالة تحكم الحقوق هنا كمسألة أخلاقية على أعمال الناس الآخرين في عالم لا يقوم على شخص واحد فقط، أو على عالم يتواجد فيه أفراد كثر لايتفاعلون مع بعضهم . فالعدالة أو الحقوق وفق هذه الرؤية سوف لن توجد في عقل الفرد الذي لايريد لأي شخص آخر أن يطالب بحق مقابل، كما أنها لن توجد أيضا في عقل من يريد الدخول بصراع مع أية تجربة لحقوق الفرد، إن الحقوق توجد حيث يتفاعل الناس مع بعضهم ويقيمون علاقات وفقا لاهتماماتهم ومصالحهم .

ثانيا : الحقوق الأساسية تقتضي الواجبات :

إن من حق أي فرد أن يقوم بأعمال خاصة تتطلبها رغباته وحاجاته، على أن لايكون لهذه الأعمال مساس بحقوق الآخرين، وهذه الأعمال الفردية في المقابل تتطلب واجبات من قبل الآخرين تجاهها، فعندما يقوم (س) مثلا بوضع (مرجوحة) في منزله، يعتبر هذا حق مشروع له، ومن واجب الآخرين عدم ممانعته في عمله هذا، ولكن في المقابل ليس من المفروض على الآخرين تقديم المواد الأولية له على سبيل المثال، وهذا ينطبق على(س) أيضا تجاه الآخرين .

على العموم يمكنا القول في هذا الاتجاه، إن هناك واجبا سلبيا وآخر إيجابيا في مثل هذه الحالة، فوضع (المرجوحة) في منزل " س " على سبيل المثل فرض الواجب (السلبي) على الآخرين تجاه بناء المرجوحة، - أي عدم ممانعتهم أو تدخلهم في وضعها -، كما أنه لم يفرض واجبا إيجابيا في المقابل وهو المساعدة في تقديم المواد الأولية لـ " س ". هذا وفي السياق ذاته يمكننا الإشارة هنا إلى أنه من الحقوق الأساسية المعروفة وهي، حق الحياة، والحرية، وحق الملكية، قد تدفقت حقوق كثيرة أخرى أو اشتقت من هذه الحقوق الأساسية، بناء على تزايد النشاط العملي والفكري للناس، ثم راحت من هذه الحقوق المشتقة تتكون واجبات جديدة .

ثالثا : الحقوق مصانة :

بين " توماس جفرسون " في بيان الاستقلال، بأن الحقوق الأساسية مصانة، وهذا يعني أنه من غير الممكن التفريط بها من قبل الفرد الذي حاز عليها، كما أنه من غير الممكن تصديرها أو استيرادها .. بيعها أو شراءها، أو المتاجرة بها، ولكن من الممكن انتهاكها على أية حال .

رابعا : الحقوق الأساسية لايمكن أن تأتي من الحكومة :

وهنا أيضا نتكئ على بيان الاستقلال الذي أشار بأن الحقوق الأساسية لاتعطى أو تصنع أو تحوز على شرعيتها من قبل الحكومة، بل إن الحكومة ذاتها تحصل على شرعيتها من وجود هذه الحقوق ذاتها، وحسب رؤية كل من " لوك " و " جفرسون "، والعديد من الآخرين الأخلاقيين والعقلانيين، فإن الحكومات تشكل من أجل حماية هذه الحقوق، هذا وقد أكد " لوك " في هذا الاتجاه أيضا، بأن شرعية الحكومات في الحقيقة قد أسست لتسهل أكثر الأعمال تأثيرا وهي فرض هذه الحقوق الأساسية، وأن الحكومات الشرعية وجدت بالتوافق، بينما الحقوق الأساسية لم تؤسس أو توجد بالتوافق .

خامسا : الحقوق الجوهرية مقابل الحقوق الإجرائية :

إن بعض الحقوق التي دخلت ضمن قائمة حقوق الإنسان عدّت حقوقا " جوهرية " وبعضها الآخر حقوقا " إجرائية "، والآباء المؤسسون لقضايا حقوق الإنسان، كانوا مهتمين جدا وبكل وضوح بهذين النوعين من الحقوق، والعمل على التمييز بينهما، لذلك كثيرا ما نجدهم يشيرون إلى أن الحكومات الشرعية وجدت أساسا لحماية الحقوق الجوهرية، ولكن أثناء ممارستها لهذه المهمة الحكومية، تكون بحاجة للإلتزام بإجراءات حقيقية لتحقيق مهمتها، فعلى سبيل المثال، لكي تحمي الحكومة الحقوق، وتحكم أو تفصل في الخلافات حول هذه الحقوق، يجب على الحكومة هنا أن توجد وتدرب أجهزة خدمة لهذه المهمة (قوات شرطة)، وهذه المسألة تدخل في مدار الحقوق الإجرائية، هذا وتحوز الحقوق الإجرائية على أربع سمات أساسية هي الآتية :

1-هي أقل أصالة من الحقوق الجوهرية .

2- هي حقوق عرضية .

3- هي تدل ضمنا على الواجبات الايجابية .

4- هي نتاج توازن المصالح .

الحقوق في الدولة التشا ركية :

ما يميز نشاط الدول ذات الطابع التشا ركي في القرن العشرين، مثل الدولة (الشيوعية) أو الدول ذات الطابع القومي العنصري، مثل، (النازية، والفاشية)، هو رفضها الفكرة الكلاسيكية للحقوق الليبرالية، حيث نجد أن كل أنموذج من هذه الدول يؤكد وفقا لاتجاهه الأيديولوجي، طبيعة أو صيغة الحقوق التي يطالب بها، فبالنسبة للشيوعية كان التركيز على حقوق الطبقة العاملة، ومواجهة الحقوق الفردية في صيغتها الليبرالية، وبالنسبة للنازية والفاشية، كان التركيز على حقوق العرق والأمة والمجال الحيوي، وبالنسبة لمهندسي دولة الرفاه، كان التركيز على مطالب الحاجات الاجتماعية بعمومها، هذا وأن كل هذه الأنظمة تقر بشرعية عيش الأفراد من أجل الدولة، ومعارضة الحقوق التي طرحتها الليبرالية الكلاسيكية، ثم نادرا جدا ما هاجمت فكرة الحقوق في حد ذاتها، بل هي في الحقيقة طرحت تعريفا جديدا لمفهوم " الحق " بالشكل الذي أفرغت منه معظم محتوى الحق في صيغته الليبرالية .

مصادر الحقوق :

سؤالان مشروعان يطرحان نفسيهما علينا هنا وهما : من أين تأتي الحقوق ؟، وكيف يمكن لهذه الحقوق أن تصان ؟ .

إن الآباء المؤسسين لمسألة الحقوق، اعتقدوا أن الحقوق الأساسية أو الجوهرية تأتي من الطبيعة، لذلك من هنا جاءت تسمية " الحقوق الطبيعية "، هذا في الوقت الذي اعتمدوا فيه أيضا على النماذج الأخرى من المفاهيم أو الرؤى العقلانية لحماية كلا الاتجاهين في الحقوق وهما، الجوهرية منها والافتراضية وهي التي تتضمن المذهب النفع، والقانون المشترك، ونظرية العلاقات الاجتماعية .

أما أهم مصادر هذه الحقوق فهي :

الطبيعة كمصدر للحقوق :

إن الحقوق كمطالب أخلاقية وشرعية، تعمل على محاصرة أعمال الحكومة والأفراد التي تتخذ ضد الفردية، أو ضد ما من شأنه أن يقوي أو ينمي تلك المطالب التي نهضت بداية مع الحقوق الطبيعية التقليدية في الفلسفة، فالفلاسفة أمثال " هوجو كروتيوس "Hugo Grotius ((1583 -1645)، و (سامول فون فبندوروف) (Samuel von Pufendorf) (1632- 1694)، والعديد من المشاهير أمثال (جان لوك) (1704- 1632 (، ناقشوا بأن الإنسانية قد حازت على حقوق أساسية أكيدة مثل حق (الحياة، الحرية، الملكية)، وهذه الأفكار قد أثرت في الحقيقة وبكل وضوح في الآباء المؤسسين، كما انعكست في بيان الاستقلال الأمريكي والعديد من الوثائق المتعلقة بحقوق الإنسان. ففي الوقت الذي نرى فيه العديد من المفكرين المبكرين بما فيهم " لوك " يعتقدون أن " الله " هو الذي منح هذه الحقوق، نجدهم أيضا يشيرون إلى أن الإنسانية امتلكت حقوقا أخرى حتى مع إبعاد فكرة أنها من عند " الله "، وبذلك استطاعوا عبر اكتشافهم لإمكانية استخدام القدرات الإنسانية للعقل، أن يمتحنوا حتى القوانين الطبيعية للكون .

إن مسألة الجدال الذي دار حول القوانين الطبيعية غالبا ما يتسع ليجذب إلى محيطه نماذج القوانين الأساسية، أو الجوهرية أيضا، مثل، حق الحياة، الحرية، والملكية، وأنه من السهل بمكان أن نرى كيف أن نظرية الحقوق الطبيعية قد توافقت مع الحقوق الافتراضية، لتدرج في قائمة الحقوق فضاءات حق الكلام، والدين، والاجتماع .

المنفعة مصدر من مصادر الحقوق :

تعامل الاتجاه الفلسفي الثاني من الجدال مع الحقوق الأساسية أيضا، حيث أكد دعاة هذا الاتجاه أن الحقوق الأساسية أو الطبيعية تكون ذات بعد حيوي، كونها تخلق الظروف التي تكمن تحتها السعادة، أو القاعدة العامة للرفاه بشكل متزايد، إضافة إلى ذلك، وبسبب، أن معظم الأفراد يعتبرون أنفسهم، هم الحاكم الأفضل لحاجاتهم التي تمثل متطلباتهم، رغباتهم، قيمهم، ومن ثم مجموع الرفاه الاجتماعي لهم، فإنه من المكن أن تتحقق هذه الحاجات وبشكل متزايد عندما يكون الشعب حرا في قراراته، ومستقلا عن تلك القرارات التي يصنعها شخص بمفرده، أو كتلة اجتماعية صغيرة تحركها منافعها الشخصية الضيقة . لذلك، ولكي تتحقق سعادة الإنسان ورغبته في العيش، من الضروري إيجاد مجال أو فسحة واسعة للاستقلال الذاتي داخل هذا الإنسان. فكل حكم للفرد نابع من إدراك الفرد بذاته (هو أو هي ) لطبيعة وأهداف عمله، يكون هذا الإدراك هو الأساس، أو المنطلق للحرية الحقيقية، وأي تدخل من قبل الآخر فرد كان أم حكومة في هذا (الحكم) المتعلق بالفرد، سيكون غير قانوني .

إن المنظرين القدماء لحقوق الإنسان، أمثال (لوك)، قدروا تماما ذاك الجدال الذي دار حول أهمية (المنفعة) كمصدر للحقوق، ففي نقاشه حول مسألة (الملكية) وجد " لوك " أنه عند السماح للناس في نقل ملكيتهم من الملكية العامة إلى الملكية الخاصة، فإن الجهد الذي وضعوه من أجل تحسين ملكيتهم عبر هذه الطريقة يهدف – برأيه – إلى إنتاج المنفعة للمجتمع بعمومه .

القانون العام مصدر من مصادر الحقوق :

يعتبر هذا المصدر الذي عرف واشتهر من قبل المؤسسين بـ (القانون العام)، قريبا في رؤيته من رؤية (الحقوق الطبيعية)، هذا ويمكن للقانون أن يقسم هنا إلى قسمين هما : القانون العام، والقانون الخاص، والقانون العام في سياقه العام وجد من قبل هيئات تشريعية، ويتألف من قوانين شرعية، أسست بدورها على أبنية دستورية. أما على مستوى القانون الخاص، فقد ارتقى عبر السياق التاريخي له كنتيجة للقرارات الرسمية المتعلقة بالمحكمة، أو للقرارات القضائية، في دوائر الملكية والاتفاقات القانونية بين الناس .

إن (القانون الخاص) صفة استخدمت لوصف عملية قانونية قديمة، عملت على تصوير وكشف أن أساس هذه العملية القانونية جاء تراكميا – قضية قضائية بعد أخرى – عبر التاريخ، وبذلك فإن الحكام الذين تعاملوا مع هذا القانون الخاص، لم يروا أنفسهم كخالقين لهذا القانون بقدر ما هم مكتشفين له، وبالتالي هذا الموقف دفعهم إلى تأييد مبدأ (القانون الطبيعي) الذي بموجبه يكون هناك قوانين طبيعية للتصرف تأصلت في الإنسانية نفسها، وبسهولة كبيرة، اكتشفت عبر ثورة العادات والتقاليد التجارية .

إن وظيفة أو مهمة حاكم القانون الخاص، كانت للنظر، أو بذل الجهد لكشف القوانين التي وجدت مسبقا، ثم تقديم أحكام جديدة تؤسس عليها.

 

العقد الاجتماعي مصدر من مصادر الحقوق:

لقد أدركت سلطات الدساتير التي انطلقت من حقوق الإنسان، ذاك الأثر العظيم لنظرية "العقد الاجتماعي" على الحقوق الفردية، وفي هذا الاتجاه ناقش الفيلسوف " توماس هوبس " بأن الحكومة الشرعية هي التي تؤسس على عقد اجتماعي بين المواطنين (الذين تعهدوا بإطاعة الدول)، وبين سلطة الدولة التي تعهدت بدورها مقابل تنفيذ المواطنين لتعهدهم أن تقوم بحمايتهم من الجريمة والاعتداء الخارجي)، هذا وللفيلسوف " جان لوك " وجهات نظر حققت تأثيرا واسعا على المؤسسين، حيث شرح مفهوم (العق) بين أعضاء المجتمع على انه وعد يتم فيه تبادل التخلي عن الحريات الحقيقية التي استطاع الأفراد قانونيا ممارستها في الحالة الطبيعية من أجل التزود با الأمان عبر الحكومة التي أنشئت بذاك العقد الاجتماعي . ثم أن كلا من " هوبس " و"لوك" وفي إدراك محدود جدا، ناقشا بأن المواطنين الحقيقيين اعتقدوا بضرورة الحفاظ على الحقوق الأساسية بمستوى يواجه عمل الحكومة .

إن المعرفة الأساس لنظرية العقد الاجتماعي، هي أن الحكومة ربحت شرعيتها من خلال موافقة المحكوم (الشعب) الذي حاز على حق تشكيل الترابط السياسي بين الطرفين (الحاكم والمحكوم)، وهذا الترابط أو الدمج، هو نفسه الذي أوجد الواجبات والقوة لكلا الطرفين، بينما نرى في الواقع أنه لاتوجد حكومة قامت من خلال عقد اجتماعي، وراحت تتطور عبر طريق ميثاق العقد الاجتماعي الذي فرض طاعة المواطنين للحكومة مقابل حمايتها لحقوقهم وتامين الاستقرار لهم، لذلك غالبا ما نجد تلك الاختراقات والتعديات على الحقوق غير المبررة إما من قبل المواطنين أنفسهم تجاه بعضهم بعضا، أو من قبل الحكومة نفسها التي تقوم بتجاوز سلطتها الشرعية باختراقها للحقوق الفردية .

من بين الفلاسفة الأكثر حداثة، يأتي الفيلسوف "جان راولز"   John Rawls، الذي أعطى حياة جديدة لنظرية "العقد الاجتماعي"، فبدلا من عرض الحقوق على أنها هدايا من الحكومة أو من (الله)، أو بدلا من كون أساسها المنفعة، أو العقل، وما يحققه هذا العقل من نتائج تتعلق بأسس هذه الحقوق، فهو يرى أن "العقد الاجتماعي" كأساس للحقوق، لم يكن عقدا اجتماعيا يوقعه الناس فيما بينهم، بقدر ما هو (اتفاق افتراضي) يريده الناس (العقلاء) الذين عرفوا بأنهم ذاهبون بالضرورة للعيش تحت ظل حكومة، غير أنهم لم يعرفوا إلى أين تقودهم مواقفهم الفردية. ففي هذه الحياة الحقيقية، كل واحد منا يعرف بأنه يحوز على ممتلكات، ومسؤوليات قانونية تتضمن في سياقها العام، الذكاء، القوة، الصحة، الدخل الوافر، وعلاقات أسرية .. الخ، وبهذه المعرفة كل واحد منا أيضا، يفضل هنا الميل بالضرورة نحو المؤسسات التي تحقق له منافعه الخاصة حتى ولو كانت بعيدة عن الحكومة وسلطتها .

 

What Is Classical Liberalism

by John C. Goodman

ترجمة (بتصرف): د. عدنان عويّد

كاتب وباحث من سورية

 

adnan oayeedمدخل: تشكل الليبرالية التي تعود بجذورها إلى عصر التنوير، مجموعة متميزة من الأفكار المترابطة ونظريات الحكم، التي تعتبر الحرية الفردية منطلقا أساسيا ومهما للهدف السياسي والاجتماعي معا. ففي السياق العام، راحت الليبرالية تؤكد على تحقيق حقوق الفرد والفرص المتساوية للجميع في هذه الحياة. بيد أن هناك صيغا مختلفة من الليبرالية، قامت بعرض خطط وسياسات مختلفة على مستوى حقوق الإنسان أيضا، إلا أن مجموع هذه السياسات تقف في المحصلة عند نقطة دعمها بكليتها لمجموعة مبادئ شاملة تحوز على مساحات واسعة من حرية التفكير والكلام والممارسة، هذا وأن مجال نشاطها بشكل عام، هو، السلطات الحكومية وحكم القانون وحرية التغيير الفكري والمعتقد وحرية السوق الاقتصادية ونظام الشفافية للدولة .

إن القسم الأعظم من الليبراليين، وبعض المناصرين لليبرالية من الأيديولوجيين السياسيين الآخرين أيضا، يدعمون الخلاف أو التنوع الحاصل، أو الذي يحصل في طبيعة أو صيغ الحكومات المعروفة بالديمقراطية الليبرالية، والدعوة إلى الانفتاح على انتخابات عادلة، ينال فيها كل المواطنين حقوقهم العادلة وفقا للقانون .

لقد رفضت الليبرالية في جوهرها العديد من الافتراضات الأساسية التي سادت معظم النظريات المبكرة في حكم المجتمعات، مثل نظرية " الحق الإلهي للملوك " أي نظرية "الحق المقدس " ونظريات " الوراثة "، أو كل النظريات القائمة على مرجعيات أو أسس دينية، منطلقة في ذلك من إيمانها العميق بأن التقدم الاجتماعي أكد ويؤكد دائما بأن القيم التقليدية الموروثة، لم تستطع أن تحمل معها إلى الحاضر قيما وراثية ايجابية، أو تجارب، أو خبرات اجتماعية قادرة على التأقلم بشكل مستمر مع المنفعة العظيمة للإنسانية التي هي المكوّن المشترك للآيديولوجيا الليبرالية . هذا إضافة إلى أن الليبرالية تشارك أيضا وبقوة في مسألة الاعتقاد بأن المجتمع الإنساني يجب أن يكون دائما منظما، وبما يتفق مع الحقوق الفردية الثابتة والأكيدة للفرد والمجتمع .

توجد هناك مدارس ليبرالية عديدة تؤسس على مفاهيم مختلفة من حقوق الإنسان، ولكن يظل هناك من القواسم المشتركة المتعلقة بحقوق الإنسان ما يلاقي الدعم من كل الليبراليين، وهي التي تشمل حق الحياة والحرية والتملك .

بشكل عام، هناك تياران أساسيان من التفكير داخل الليبرالية التقليدية / الكلاسيكية تنافسا على استخدام مفهوم الحرية (liberal )، ودار بينهما صراع على العديد من القضايا المتعلقة بهذا المفهوم ومنها بشكل رئيس ما يشكله هذا المفهوم بالذات . فالتيار الأول داخل هذه الليبرالية التقليدية يعتقد مثلا، أن الحرية الوحيدة الحقيقية، هي القدرة على التحرر من الإكراه والجبر الذي يفرض على الفرد والمجتمع، وبالتالي فإن تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي ومحاولة التخطيط له يشكل قوة جبرية تحد من حرية الأفراد الاقتصادية، لذلك هم يرفضون تدخل الدولة في هذا الاتجاه، كما أنهم يعارضون " دولة الرفاه " . بينما نجد في التيار الثاني من هذه الليبرالية التقليدية ممن يدعوا إلى توسيع مجال الحريات الاجتماعية، ويؤكد على ضرورة أن تأخذ الدولة أي دوراً فاعلاً وقادراً على النهوض بحرية المواطنين، كما اعتقدوا بأن الحرية الحقيقية يمكن أن توجد فقط عندما يكون المواطنون في حالات ازدهار اقتصادي وثقافي ومتحررين فعلا من فقرهم المدقع، هذا إضافة إلى تفضيل هذا التيار وتأكيده على تحقيق حقوق التعليم والصحة والأجر المناسب للعامل، كما أنهم يفضلون سن القوانين التي تواجه التمايز في المسكن والعمل، وكذلك سن القوانين التي تواجه التلوث البيئي، والمساعدة على تحقيق الرفاه الاجتماعي والحد من البطالة وتقديم الإعانات والمنافع المادية للمشردين والمنكوبين من الكوارث البيئية .

 

الاستخدام اللغوي والتاريخي للمفهوم:

إن كلمة " حر " (liberal)، قد اشتقت من اللاتينية (liber)، ودلالتها اللغوية هي، حر وليس عبدا، هذا وقد تشاركت المفردة مع كلمة "الحرية" (liberty)، ثم مع مفهوم (freedom) .

في التاريخ الروماني للمؤرخ "ليفي"، ( . Livy)، يذكر في هذا التاريخ بأنه منذ بدء هذا التاريخ، كان النضال يدور فيه من أجل (الحرية) بين طبقتي (العامة) و (والخاصة)، أو ما يسمى الأشراف.

بعد السكون الذي ساد إلى حد كبير العصور الوسطى في أوربا، عاد الصراع من أجل الحرية ثانية مع عصر (النهضة) الايطالية، مجسدا بين مناصري حرية " دول المدن " من جهة، ومناصري "البابا" أو "الإمبراطورية الرومانية المقدسة " من جهة ثانية، فهذا " نيكولا ميكيافليي " ( Niccolò Machiavelli)، في مقال له عن المؤرخ " ليفي " يعرض مبادئ الحكم الشعبي. كما قام " جان لوك " (John Locke)، في بريطانيا، ومفكروا التنوير الفرنسي بتوضيح مجمل حالات النضال من أجل الحرية عبر مفاهيم " حقوق الإنسان " .

في القاموس الانكليزي " أكسفورد " (oed)، هناك إشارات تبين أن كلمة (liberal ) أي " الحر " قد وجدت في اللغة الانكليزية منذ وقت بعيد، وهي تحمل دلالات عدّة تتناسب مع الحرية، النبل، الكرم ... وكذلك وجدت مع الفنون " الفنون الحرة "، والتحرر من قيود الكلام والممارسة، هذا وقد استخدمت مفردة (liberal)، لدى الانكليز من قبل المعارضين للحكم،   وفي فرنسا استخدمت من قبل ما كان يطلق عليهم (المشاغبون أو الغرباء) .

مع حرب الاستقلال الأمريكية، تأسست أول دولة على مفهوم الحكومة الليبرالية، أي أن إدارة الحكومة قامت على الاتفاق الشعبي .

مع قيام الثورة الفرنسية، الكثير من المبادئ البرجوازية لهذه الثورة جربت لتأسيس حكومة تقوم أو تؤسس على مبادئ الحرية . فالاقتصاديون أمثال " آدم سميث " في كتابه (ثروة الأمة - 1776)، أعلن مبادئ الحرية التجارية . ومحررون الدستور الاسباني عام (1812) كتبوا أول مرة كلمة (liberal) في الدستور، وقد سمى هؤلاء المحررون أنفسهم بـ " الأحرار " معلنين معارضتهم تجاه القوة المطلقة للحكومة الملكية الاسبانية .

مع بداية القرن الثامن عشر، أصبحت الليبرالية الآيديولوجيا الرئيسة عمليا في كل البلدان المتقدمة المعروفة في عالم اليوم .

 

ميول ونزعات الليبرالية :

لاشك أن في نطاق مفهوم الليبرالية ودلالاته، هناك صراعات وجدالات عميقة، وغالبا قاسية بين الليبراليين، أما المنبثق من هذه الجدالات إلى خارج الليبرالية الكلاسيكية، فهو مجموعة من الميول المختلفة، ولكي لاتتشعب وتتعقد علينا الأمور كثيرا، سنحاول أن نتعامل مع بعض المفاهيم أو الميول الأولية التي تشير أو تدل بمجموعها في نهاية المطاف إلى المعنى العالم لليبرالية .

ففي السياسة: سنستخدم تعبير " الحرية السياسية " من أجل دعم الديمقراطية التحررية، إما في نطاق (الأنظمة الملكية الدستورية)، أو في نطاق (الدولة الجمهورية)،هذا إلى جانب (الملكية المطلقة) أو (الأنظمة الدكتاتورية) .

وفي الثقافة: سنستخدم " الثقافة الليبرالية "، وذلك من أجل دعم (الحرية الفردية) إلى جانب القوانين التي تسمح بالحرية الدينية والفكرية .

وفي الاقتصاد : " سنستخدم الحرية الاقتصادية "، وذلك من أجل دعم (الملكية الخاصة) إلى جانب دعم (التنظيم الحكومي) و(الحريات الاجتماعية) و(المساواة أمام القانون) والوقوف إلى جانب دعم (الدولة) لتخفيف آلام الناس الناتجة عن الفقر والكوارث الطبيعية .

إن الليبرالية في نهاية المطاف إذن تعني، اختلاط أو امتزاج هذه الصيغ من الحرية التي جئنا عليها هنا، والتي راحت تتأسس في معظم العالم المعروف بالمتقدم، أما رهانات هذه الليبرالية فهي الدولة التي تستطيع أن تكون قوية، إلا أنها مقيدة – وقوتها بسبب إكراهها للشعب -، ومع ذلك هي قادرة على تحقيق الكثير من متطلبات الشعب مثل حق التعليم، تكافئ الفرص، الكرامة الشخصية، وكل ما من شأنه أن يحقق نمو ورقي وإبداع وإنتاج الإنسان، الفرد والمجتمع، ولضمان كل هذه المتطلبات أو الحقوق راح الليبراليون يدعمون الدور الواسع للدولة في المجتمع والاقتصاد، أما القوة الموازنة أو المعادلة للدولة، فتأتي هنا عبر الضمانات القوية للحريات المدنية من خلال استقلال الصحافة،والتعددية الاجتماعية وغيرها من الحريات الفردية والاجتماعية .

Liberalism

Paul Starr

From Wikipedia، the free encyclopedia

ترجمة : د. عدنان عويّد

كاتب وباحث من سورية

hamoda ismaeliإن تهديد الأطفال بالعقاب الإلهي، بأن الله سيحرقهم في الحجيم أو عذاب القبر أو سينزل عليهم اللعنات إذا قاموا بتصرفات معينة، يعتبر عداوانا ممارسها على طفولتهم، وطريقة مزرية لتربيتهم طالما أنها تعتمد على ملئ عقول الأطفال ـ القابلة لتصديق أي شيء ـ بالسيناريوهات المخيفة عن الوجود والحياة، تعيق نموهم العقلي والنفسي. زيادة عن تخويفهم من تربص الشياطين أو الجن والعفاريت بهم، كهلاوس تطاردهم حتى عندما يكبرون، تشكل صعوبات أمام تحليل منطقي لواقعهم وتحمّل مسؤوليات تصرفاتهم.

تقول هيباتيا (الفيلسوفة الاسكندرانية): الخرافات يجب النظر إليها كخرافات، الأساطير كأساطير، والمعجزات كأوهام شاعريّة، تعليم الخرافات على أساس أنّها حقائق هو أسوء شيء. عقل الطفل يقبل ويؤمن بها، ومن خلال ألمٍ عظيمٍ فقط وربما مأساة يستطيع الطفل بعد سنين أن يتخلص منها.

لا تجبروا اولادكم على عاداتكم فقد خلقوا لزمان غير زمانكم .. كما يقول الإمام علي ابن أبي طالب.

تقول الإخصائية النفسية جيل ميلتون (وهي تُعنى بمعالجة من عانوا نتيجة التخويف الديني والتربية المتشددة بالطفولة): "عندما أعود لطفولتي، أتذكر أنها كانت محكومة بالخوف، الخوف من استهجان الآخرين وبالوقت نفسه الخوف من العذاب الأبدي. فبالنسبة للطفل، تُعتبر صور العذاب والنار والعقاب، مشاهد حقيقية وليست فقط مجرد تشبيه خيالي". وتضيف أن : "تربية الطفل بعيدا عن التفكير الحر وممارسة النقد واتخاد القرارات، يظل بالنسبة لي شكل من أشكال العدوان الممارس على عقلية الطفل ونفسيته".وحينما سألها ريشارد دوكنز (أثناء حواره معها بأحد برامجه الوثائقية): "ماذا قالوا لك عن الجحيم (يقصد بطفولتها)؟ أعني ما الذي يحدث فيها؟".

أجابت : "إنه من الغريب أنه بعد مرور كل هذا الوقت (بعض خصلات شعرها تخللها البياض نتيجة السن) لازِالتُ أتأثر عندما تطرح علي مثل هذا السؤال. الجحيم طبعاً مكان مرعب، هناك النبذ التام من الله، إنها محاكمة كاملة ونار حقيقية، عقاب حقيقي وعذاب حقيقي، يستمر للأبد ولا مجال للفرار من ذلك".

وحتى بداخل الحقل الديني، فقد كشف مرة يوسف القرضاوي عن انزعاجه من مثل هذه الأمور (بأحد برامجه التي تبثها قناة إخبارية)، وذلك عندما اشتكى له أحدهم من أن ابنته (وهي شابة وليست طفلة) تعرضت لأزمات نفسية حادة نتيجة مشاهدتها لشريط عن عذاب القبر، وقد عبّر ساعتها (بانفعال) على أنها مجرد أوهام : "إيش أفاعي وإيش ثعبان وأيُّ سُخفٍ هذا !". لكنه بالمقابل نجد مرضى ساديين يستمتعون بانتاج مواد تدمر عقل الإنسان البالغ رُعباً (فما بالك بطفل). الناس تستكشف أعماق البحار و سراديب الأهرامات لتقديم إيضاحات عن العالم، والبعض يغطس بحُفر أرضية مُشوّهة ويُبلِغُك بأنها ستصبح إما فيلات أو زنزانات تعذيب أبدية، لكن ألم يصل إلى مسامع هؤلاء الحمقى أنه ليست كل الجثث تُدفن، فهناك التي تُحرق، وهناك التي تختفي دون أثر (مثل غرقى البحار وضحايا الكوارث). فكيف نفسر هذا الأمر؟ أم أن الأشباح ستطاردهم بحثا عنهم لإجل إعادتهم للإقامة الجبرية؟! . عالم لا زالت تسكنه الشياطين ! .

لسنا ضد انتاج خطابات وشرائط مرضى الدين العصابيين، لكن يجب النظر إليها كقصص دراكولا أو قصص فُلّة والأقزام أو الشبح كاسبر (رغم أنها لا ترقى لمستواها)، وليس الأخد بحرفيتها وواقعيتها كحقيقة !! .

يقول أوشو (فيلسوف ومتصوف هندي) : "الخوف جعل ملايين الناس ينحتون الحجارة على شكل آلهة ويعبدونها. لا حبا بها، بل خوفا منها. لقد صنعوا آلهتهم بأيديهم وخافوا مما يصنعون، وهكذا صار الخوف مقرونا بالله، بينما الله الحقيقي مقرون بالمحبة والتسامح. ما لهؤلاء الناس يزرعون الخوف في أنفسهم؟ إنه الغباء القاتل. لماذا يبحثون عن الله في الحجارة والخوف؟ لماذا لا يبحثون عنه في المعابد والكنائس والجوامع؟

لا تذهب إلى حيث يقودك الخوف، بل إلى حيث يقودك الحب، إلى حيث تجد الغبطة والنعمة. إياك والخوف، إنهم يريدونك أن تخاف. هذا هو إلههم، إله الخوف والرعب، حتى جنتهم أقرب إلى جحيمهم. لماذا؟ بسبب الخوف المزروع في نفوسهم".

يجب النظر للترهيب الديني للأطفال كعدوان مُمارس على طفولتهم، واعتباره من أسوأ أساليب السيطرة عليهم، ومنهج تربوي فاشل وسادي.

jawad albashiالبابا فرانسوا (الكاردينال الأرجنتيني خوري ماريا برغوليو، والذي خَلَف البابا بنديكتوس السادس عشر) نَسَفَ منظومة كاملة من المعتقدات الراسخة في الديانة الكاثوليكية إذْ قال، على وجه الخصوص، إنَّ جهنَّم لا وجود لها، وإنَّ قصة آدم وحواء أسطورة، وإنَّ الأديان جميعاً صحيحة، وإنَّ "الحقيقة الدينية" تتغيَّر وتتطوَّر، وإنَّ الرَّبَّ نفسه يتغيَّر ويتطوَّر، وإنَّ بعض أجزاء الإنجيل عفى عليها الزمن.

البابا فرانسوا هو الآن، وبشهادة "أقواله الثورية" تلك، يقود ثورة إصلاحية دينية لا تَقِل أهميةً (إنْ لم تَزِدْ) عن ثورة مارتن لوثر وكالفن؛ ولسوف يمتد تأثيرها إلى سائر الأديان السماوية؛ لأنَّ كثيراً من المعتقدات الجوهرية المشترَكَة بين هذه الأديان هو المشمول بالهدم (وإعادة البناء) الذي بدأه البابا.

من أين يستمد البابا فرانسوا "الشرعية الدينية (والسماوية)" لكلامه الديني الثوري الجديد، والذي استهلَّ به ثورته الدينية الإصلاحية؟

أجاب البابا قائلاً: من طريق "البحث الروحي" و"التأمُّل" و"الصلاة".. توصَّلْنا إلى، واكتسبنا، "فَهْماً جديداً لبعض العقائد". وبابا الفاتيكان هو (مع مؤسسته) مرجعية دينية لمئات الملايين من المؤمنين المسيحيين الكاثوليك؛ فـ "القاعدة الشعبية" لا تُجادِل، على وجه العموم، في صواب وصدق ما ينطق به.

البابا مُحِبٌّ لـ "الحقيقة"؛ لكنَّه لا يرى من طريق إليها إلاَّ طريق "المثالية"، بوجهيها الفلسفي والديني؛ فإنَّ سؤالاً من قبيل "لماذا قاد البحث الروحي والتأمُّل.. الآن، وليس من قَبْل، إلى هذه المفاهيم الدينية الجديدة؟" لا يثور، ولا يمكن أنْ يثور، في ذهنه؛ لأنَّ إجابته تُلْزِمه أنْ يَفْهَم ضغوط الواقع الموضوعي على أنَّها مَصْدَر التغيير للأفكار والمعتقدات التي تسري في أدمغة البشر، وفي دماغه هو أيضاً.

ثمَّة مشكلة كبرى أراد البابا حلها؛ فإنَّ كثيراً من المؤمنين الكاثوليك تُرْغمهم (وتُكرههم) مصالحهم الدنيوية الواقعية على العيش بما يُناقِض كثيراً من المفاهيم الأخلاقية المسيحية، وبما يُناقِض، أيضاً، كثيراً من المعتقدات الراسخة في الديانة الكاثوليكية؛ فتضيق بهم، من ثمَّ، الكنيسة، أو يقوى لديهم الميل إلى هجرها، والنأي بأنفسهم عنها.

إنَّهم منغرسون (عن اقتناع أم عن اضطِّرار) في نمط حياة يناقِض كثيراً من المعتقدات الدينية الكاثوليكية؛ فلمَّا باءت بالفشل كل جهود ومساعي المؤسسة الدينية (الفاتيكان) لإعادتهم إلى "الطريق القويم"، استخذت هذه المؤسسة لحقائق الواقع العنيدة، وقرَّرت أنْ تتغيَّر هي فكرياً وعقائدياً بما يجعلها أكثر تصالحاً مع هذه الحقائق وجماهيرها؛ أمَّا الغاية فهي استعادة المؤسسة الدينية ما فقدته من "نفوذ شعبي روحي".

البابا يقول الآن لذوي الميول الجنسية، الملعونة دينياً من قبل، وللمثليين جنسياً، ولمؤيِّدي الإجهاض، وللمحافظين والليبراليين والشيوعيين والملاحدة، ولغيرهم: أبواب الكنيسة مفتوحة لكم على مصاريعها؛ أنتم، وعلى الرغم مما أنتم عليه من أحوال فكرية ومعيشية وسلوكية، ما زلتم مؤمنين مسيحيين؛ وإيَّاكم أنْ تظنُّوا أنَّكم قد غدوتم مارقين من الدين؛ فالمعتقدات الدينية الجديدة والصحيحة تَتَّسِع لكم، وبما أنتم عليه؛ نحن اليوم (أي الفاتيكان) ما عُدْنا قضاة؛ نحن الأب المُحِب لأبنائه جميعاً؛ وهذا الأب لا يدين أبناءه؛ نحن اليوم قومٌ "حداثيون" و"عقلانيون"، "منفتحون" و"نكره التعصُّب".

إنَّها دعوة إلى تحويل "الكنيسة" من "حزب حديدي (صخري في وحدته)" إلى "حزب ليبرالي" يتَّسِع لجمهور أوسع من المسيحيين، فيَتَّسِع، من ثمَّ، نفوذه الروحي الشعبي.

حتى الخوف من "جهنَّم"، ومن "كل عقاب قاسٍ في الآخرة"، نزعه البابا من القلوب، إذ قال إنَّ الرَّب محبَّة، حبه لأبنائه، أو للبشر جميعاً، لا يحده حد؛ وإنَّ "جهنَّم"، من ثمَّ، تُناقِض هذا الجوهر الإلهي؛ فالرَّب ليس قاضياً، ليس جلاَّدا، ليس مُعذِّباً لأبنائه ولو كانوا من القوم الكافرين؛ إنَّه يحنو عليهم، ويحتضنهم، جميعاً.

ولقد اكتشف البابا من طريق "البحث الروحي" و"التأمُّل" و"الصلاة".. أنَّ "جهنَّم" هي كناية عن "الروح المعزولة"، والتي ستتَّحِد، في آخر المطاف، كما النفوس جميعاً، في محبَّة الله.

حتى الملحد رآه البابا مؤمناً بالله؛ فالملحد، على ما اكتشف البابا، يكفي أنْ يعمل الخير حتى يكون مؤمناً بالله، وإنْ أنكر ذلك بقوله ولسانه.

هل من دين باطل، أو غير صحيح؟

البابا فرانسوا يجيب قائلاً: كلاَّ، ليس من دين باطل، أو غير صحيح؛ فكل الأديان "صحيحة، وعلى حق؛ لأنَّها كذلك في قلوب الذين يؤمنون بها".

وهذا إنَّما يعني أنَّ الإسلام (مثلاً) هو، في المعتقد الجديد للبابا، دين صحيح؛ أمَّا السبب فيكمن، بحسب المعتقد نفسه، في كَوْن المسلمين يعتبرونه صحيحاً؛ فـفي "القلب" يستوطن "الرَّب"، ومعه تستوطن "الحقيقة"؛ فإذا آمن قوم بما تعتقده قلوبهم، فهذا الإيمان صحيح.

إنَّ البابا فرانسوا يُوسِّع "نسبية الحقيقة"، بمفهومها الآينشتايني، ليجعلها تشمل أيضاً "الحقائق الدينية"؛ فـ "الحقيقة"، بمفهومها البابوي الجديد، ليست ما يفكِّر فيه موسوليني الآن؛ وإنَّما ما تؤمن به، وتعتقده، "القلوب". قَلْب اليهودي يقول له إنَّ اليهودية هي الدين القويم، وقَلْب المسيحي يقول له إنَّ المسيحية هي الدين القويم، وقَلْب المسلم يقول له إنَّ الإسلام هو الدين القويم؛ أمَّا البابا فرانسوا، وعملاً بمبدأ "نسبية الحقيقة"، فيقول: إنَّكم جميعاً على صواب، وإنَّ الأديان جميعاً صحيحة، وعلى حق.

هل "الحقائق الدينية" ثابتة مُطْلَقة، لا تتغيَّر، ولا تتطوَّر؟

البابا يجيب قائلاً: إنَّها تتغيَّر وتتطوَّر في استمرار. وبعد أنْ يصف الإنجيل بأنَّه "كتاب مقدَّس جميل"، يُعْلِن البابا، وفي جرأة غير عادية، أنَّ بعض أجزاء هذا "الكتاب المقدَّس الجميل" قد عفى عليها الزمن (أي شاخَت، وتقادم عهدها).

وأخيراً، بلغت ثورة البابا فرانسوا منتهاها؛ فهو سرعان ما انتقل من آينشتاين إلى هيجل، قائلاً إنَّ الرَّبَّ نفسه لا يشذ عن ناموس التغيُّر والتطوُّر؛ فهو في تغيُّرٍ وتطوُّرٍ مستمرين.

وعلَّل البابا تطوُّر الرَّب قائلاً: إنَّ الرَّب يسكن فينا، وفي قلوبنا؛ ونحن البشر في تطوُّر مستمر؛ ولا بدَّ للساكن فينا، وفي قلوبنا، من أنْ يتطوَّر بتطوُّرنا.

لقد استنفدت البشرية زمناً طويلاً للتسليم بفكرة التطوُّر التاريخي للإنسان؛ أمَّا البابا فرانسوا، أو هيجل الفاتيكان، فشرع يؤسِّس لفكرة التطوُّر التاريخي للرَّبِّ نفسه؛ لكنَّه لم يُجِبْ بما يكفي من الوضوح عن السؤال الفلسفي العظيم الآتي: هل تطوُّرنا نحن البشر (مع مجتمعاتنا) هو انعكاس لتطوُّر الرَّب الساكن فينا، وفي قلوبنا، أم هل تطوُّر الرَّب نفسه هو انعكاس لتطوُّرنا نحن البشر؟

البابا كاد أنْ يقول: كما تكونوا، يكون الرَّب!

 

adnan oayeedالعقلانية مفهوم استخدم في الفلسفة واللاهوت، بعيدا عن أية صيغة منهجية كانت، بغية احترام عقل الإنسان كمعيار نهائي، ومصدر رئيس للمعرفة، هذا مع المعرفة المسبقة أن مثل هذه الموقف المنهجي العقلاني في تحديد مفهوم العقلانية، سيتعارض بالضرورة مع كل العقائد التي استندت بشكل كامل على الرؤى المطلقة. فالفرد وفق هذا الموقف المنهجي أو الرؤية العقلانية، يجب عليه أن يبحث أو يتحقق عن كل شيء بنفسه، وهذا يتطلب منه في المحصلة أن يتخلى عن أي موقف - حتى ولو كان قانونيا أو شرعيا - غير قادر من خلاله أثبات عقلانية هذا الموقف. هذا وأن جوهر العقلانية في طبيعة الحال يكون متزامنا مع تطور الإنسان ذاته، وأن الدين نفسه ابتدأ أساسا كمحاولة عقلانية من أجل تحقيق العلاقات الودية ما بين الإنسان وقوى الطبيعة ذاتها غير المدركة أو المعروفة أسرارها آنذاك من قبل الإنسان، لذلك فكل ديانة من الديانات الميتة تلاشت في الحقيقة بعد أن كشفت أسرار وجودها، أي عوامل إنتاجها .

بيد أن تيار العقلانية قد كسب الكثير من العلاقات والارتباطات مع التفكير الحديث،. وفي حالات استخدامه الشائع وارتباطاته، غالبا ما واجه التيار العقلاني ودعاته كل الذين أعلنوا قبول تطبيق سلطة الكتاب المقدس كمدوّن معصوم وموحى به كرؤى صالحة لكل زمان ومكان. كما ترادف –أي التيار العقلاني- أيضا وبشكل عملي مع التفكير الحر، مع التنويه هنا، بأن هذا الأنموذج من العقلانية راح يؤسس بشكل واسع على نتائج البحث التاريخي والأركولوجي الحديث. فقضية الخلق في كتاب سفر التكوين ‘ترى من خلال هذا المنهج العقلي، عبر قراءة السجل الزمني لهذا السفر،أي عبر تاريخيته، حيث شكلت مسألة الخلق قيمة شعرية ورمزية اكتشفت عبرها الحضارات المتمدنة والأكثر أهمية في قدمها، ومن جهة أخرى، إن دراسة الدين المقارن قد وضعت الكتاب المقدس في علاقة حميميّة مع الأدب القديم أيضا، وذلك لما احتواه من أحداث ذات طابع قصصي، الأمر الذي جعل من الكتاب المقدس وفق هذا التصور العقلاني أقدم وثيقة أدبية .

إن الكتاب المقدس، وبالخصوص، العهد القديم (التوراة)، أُعتبر حتى من قبل المسيحيين الأرثوذكس ومن وجهة نظر عقلانية، مختلف جدا في تفسيره ما بين مراحل الكنيسة المبكرة والوسطى، فالعقلانية داخل الكنيسة المسيحية تختلف، ومع ذلك ظلت العقلانية تيارا فكريا اشتغل إلى حد ما على توضيح الحقائق الأساسية للعقيدة المسيحية. أما العقلانية المتطرفة على الجانب الآخر من المسألة، فقد أنكرت بشكل قطعي القوى الخارقة للطبيعة، ومع ذلك إن كانت هذه القوى موجودة أم لا، فهي تشكل مواضيع معرفة إنسانية .

إضافة إلى الصعوبات المتعلقة بالكتاب المقدس على اعتباره سجلا تاريخيا، وعلى الأخص بالمسائل الأدبية (القص) الظاهرة في النص المقدس، ثم لمجموع الانتقادات الأخرى التي وجهت إلى النص عبر تيار العقلانية بشقيه المعتدل والمتطرف، فإن المفكر الحديث ينكر بأن مسيحية العهد الجديد، أو تفسير هذا العهد من قبل اللاهوتيين الجدد قادر أن يقدم نظرية واضحة عن حياة الإنسان وواجباته، أو حتى جزءاً من الاستخدام العام للعقلانية باتجاه الدين خصوصا.

إن العقلانية الفلسفية هي ذاتها نظرية معرفة تحافظ على أن يكون العقل في ذاته وبذاته مصدراً للمعرفة، وأن تلك المعرفة المتحصلة هنا عبر هذا العقل، تمتلك سلطة جد عالية على المعرفة المتحصلة عن طريق الإحساس. وهذا الرأي يتعارض في الحقيقة مع العديد من المناهج الفكرية المختلفة التي تعتبر العقل في نشاطه المعرفي هذا وكأنه (قرص مدمج)، والعالم الخارجي في داخله يطبع نفسه عبر الإحساس. (نظرية المثالية الذاتية– المترجم) . هذا وأن مسألة التناقض مابين النظرية العقلانية (في صيغتها المثالية الذاتية – المترجم) والنظرية الحسية تبدو قضية مجردة وبسيطة جدا، وكثير من المفكرين قد أقر بهاتين النظريتين، حيث دعي هؤلاء بالفلاسفة العقلانيين الحسيين، ووفقا لذلك راحوا يؤكدون بشكل خاص على وظيفتي العقل والإحساس في المعرفة .

بشكل عام، إن العقلانية الفلسفية تعارض هنا النظريات التجريبية في المعرفة، هذا في الوقت الذي اعتبرت فيه –العقلانية الفلسفية- إلى حد ما أن المعرفة الحقيقية قد نتجت عن المفاهيم الأولية الأصيلة، (نظرية المثالية الموضوعية - المترجم)، وهذا الموقف الناقد للعقلانية الفلسفية، قد طرح من قبل " ديكارت " و" ليبنتز " و"وولف " وقد أسس على قاعدة أساسية لـ " ديكارت " مفادها، بأن المعرفة يجب أن تكون واضحة، وتمارس البحث من أجل أن تقدم للفلسفة اليقين، كما تقدم أيضا تلك السمعة أو الصيت الطيب عن الرياضيات.

أما الهجوم على العلاقة السببية التي قادت بشكل مباشر إلى العقلانية الجديدة لـ " كانت " فقد انطلق من " دافيد هيوم "، الذي قال بأنه من الخطأ اعتبار الفكر مجرد تحليلات مجردة، فالمفاهيم الأولية تكمن هناك، أي في الفكر المجرد، ولكن إذا كانت هذه المفاهيم ستُضخم أو تُفصل أكثر في نطاق المعرفة، يجب إخضاعها للنقد، أو بتعبير آخر ربطها بالمعطيات النقدية .

هذا وأن مفهوم العقلانية في الوعي اللاهوتي الضيق، قد استخدم بشكل خاص العقائد التي استخدمت من قبل مدارس اللاهوتيين الألمان، ومدرسي الكتاب المقدس الذين اشتهروا بالقسوة ما بين أعوام / 1740 – 1836 /، ومع ذلك اعتبرت هذه العقلانية بمظهرها اللاهوتي داخل الكنيسة في ذلك الوقت تيارا فكريا تنويريا، عرف بـ (audklarung) . بيد أن جوهر المشكلة الصعبة، كانت مسألة العقيدة الخارقة للطبيعة .. مسألة طبيعة العلاقة بين ما يوحى به والدين الطبيعي .

لقد اعتبر " ج – س – سيملير " (J. S. Smeller )، وهو أول قائد عقلاني، أن الدين الحقيقي ينبع من الروح الفردية، وهاجم سلطة الكتاب المقدس بروح نقدية عالية، وقد وصل إلى قناعة راسخة بأن الكتاب المقدس بالنسبة له يعتبر بكل بساطة واحدا من الوثائق القديمة، علما أنه لم يطعن في الكنيسة، بل اعتبرها شيئا نافعا استطاعت حفظ وحدة المجتمع الخارجية وهذا الموقف الفكري تبناه الكثير من المفكرين الأوربيين، ويأتي في مقدمتهم الفيلسوف المفكر " كانت " حيث قام بعرض هذه الفكرة على المستوى الفلسفي .

إن التيارين العقلانيين العظيمين في اتجاهيهما النقدي والفلسفي قد تعايشا في النهاية مع بعضهما، أو بتعبير آخر ترافقا مع بعضهما بعضا، بيد أن الملفت للنظر هو أن هذه العقلانية قد أطلق عليها " العقلانية البذيئة أو المبتذلة أو الساذجة " في فترة زمنية من تاريخ الفكر الأوربي امتدت من عام /1800   إلى 1833 .

 

rationalism

by:Louis Gustave- Ratisbonne

ترجمة :د. عدنان عويّد

كاتب وباحث من سورية

 

adnan oayeedإذا نظرنا إلى الواقعية كرؤى أو مواقف ذهنية (عقلانية) تؤمن بدور التجربة والخبرة الاجتماعية في معرفة حياة الإنسان وما يحيط به من ظواهر عبر تاريخه الطويل، فسنجد إرهاصتها الأولية لدى كثير من الشعوب، ممثلة في أقوال بعض منتجي أساطيرها، أو لدى حكمائها الأولين، كما هو الحال مثلاً في رد " أناناتبشم" على "جلجاميش" في (ملحمة جلجاميش) عندما اشتكى "جلجاميش"  لـ " أنانا تبشم" عجزه في إيجاد سر الخلود بعد ان بحث عنه طويلاً، حيث قال له "أناناتبشم" مواسياً: (متى بنينا بيتاً دام إلى الأبد!؟، ومتى صنعنا ختماً دام إلى الأبد..!؟.). فمثل هذه المقولات الدالة على دور التجربة والخبرة في معرفة طبيعة الحياة وقوانين تطورها وتبدلها، كثيراً ما نجدها في ملاحم الشعوب القديمة وأساطيرها كما أشرنا.

أما إذا نظرنا إلى الواقعية كموقف فلسفي، فيبدو أنها جاءت عبر سياقها التاريخي كرد فعل على الفلسفة المثالية التي كانت تمجد المطلق والمجرد والغيبي والجبري والمستبد، والمؤمنة بكل تياراتها بأن الواقع يأتي بعد الفكرة التي تعتبر منبع الحقيقة مهما يكن مصدر هذه الفكرة (ما وراء الطبيعة – الروح- الفطرة - البنية النفسية - العقل المجرد..الخ.). فالفلسفة المثالية - في نظرتها إلى العالم الخارجي والإنسان، تخالف في الحقيقة الفلسفة الواقعية التي تؤمن بالنسبي والملموس والعياني وحرية الاختيار. وأن الواقع المادي المحسوس عندها هو مصدر الحقيقة، وأن الحواس هي أداة المعرفة، أو الوسيلة التي توصلنا إلى هذه الحقيقة.

عموماً إذا كان " أفلاطون" هو مؤسس المدرسة الفلسفية المثالية، التي تأثر في أفكارها، أو قال بما يؤيدها، أو يقاربها فيما بعد، العديد من  الفلاسفة والمفكرين، أمثال جورج باركلي، ودافيد هيوم، وكانت، وأبو حامد الغزالي، وغيرهم الكثير أيضاً ممن آمن بالتأمل العقلي واعتقد بأن عالم الفكر يسبق عالم الواقع. فإن "أرسطو" يعتبر رائد الواقعية كتيار فلسفي، حيث جاء فيما بعد أيضاً، العديد من الفلاسفة الذين أسسوا على أفكاره ، أو قالوا بما يقاربها أو شبيهاً بها، أمثال القديس توما الأكويني، وفرانسيس بيكون، وابن رشد، وابن حزم ، وابن خلدون، وجون لوك، وديكارت وغيرهم الكثير من الذين كانوا واقعي النظرة، وتجريبي النزعة، ويقرون بأهمية الإحساس في تشكيل المعارف للوصول إلى الحقيقة. مثلما كان لمسألة الربط بين العلم والتطبيق العملي، وللتربية في نظر بعضهم الدور الكبير والفاعل في إعداد الفرد لحياة سعيدة، ، وبمثل هذه المواقف الفكرية التي آمنوا بها، جاء الواقع عندهم سابقاً على الفكر.

الفلسفة الواقعية إذاً، هي التي تقر في المحصلة بأن معرفتنا بحقائق الواقع تتزايد بالاكتشاف والتحليل الموضوعي والتفسيرات العلمية، فالظواهر تسير وفق قوانين طبيعية/ موضوعية، ودور الإنسان فيها هو الكشف عن هذه القوانين والتحكم بها وتسخير آلية عملها لمصلحته.

 

مبادئ وأسس منهج الفلسفة الواقعية المعاصرة:

في عصرنا الحاضر وأمام ما انتاب الحقيقة عموماً والفكر وتياراته على وجه الخصوص من ضياع وتهميش وتداخل تحت ظل النظام العالمي الجديد، وأهمها ذاك التداخل الذي حصل لتيارات الحداثة بكل تجلياته والفلسفة العقلانية من ضمنها، مع تيارات ما بعد الحداثة، ممثلة بموت ونهاية كل شيئ (الفن، الأدب، الفلسفة، الأخلاق، الدين وغير ذلك من مفردات الحياة)، ليتشكل تياراً فكرياً هجيناً (ما بعد حداثوي)، غابت فيه ملامح العقلانية والمثالية معاً، لتسود فيه رؤى فكرية يغلب عليها طابع الفوضى الفكرية، والعبث، واللامعقول، والتجزيئية، واللاأدرية، وعدم الإيمان بجدوى القيم الأخلاقية الجوهرية، والتمسك بالشكلي، والدعوى إلى النمذجة التي تحاول أن تجعل من الظاهرة، وفي مقدمتها الإنسان، ذرة معزولة عن غيرها من الظواهر ليس لها لون أو طعم أو رائحة، إلا لون وطعم ورائحة ما يخدم مصالح قادة هذا النظام الكوني الجديد.. الخ.

من هنا وأمام مواجهة هذه الحالة من اللامعقول، وبخاصة ما يمارس اليوم تجسيداً عملياً لكل هذا اللامعقول في سورية ومصر وليبيا والعراق من قبل قوى الظلام ومن يساندهم على الساحة العربية والعالمية، يفرض علينا المنطق والواجب تجاه إنسانيتنا، ضرورة التمسك بما هو إيجابي وعقلاني، وإعادة إنتاج ما من شأنه أن يعيد إنتاج إنسانيتنا، وبخاصة الفكر التنويري بعد تنقيته من جراثيم ما بعد الحداثة، ونفض غبار الجهل عنه، وكل ما اعتراه من  تفاهات فكرية هدامة وتخريبية تريد النيل من جوهر الإنسان، والعودة به مع  حواملها الاجتماعية إلى حياة العصور الوسطى، عصور الظلام والجهل وأهل الكهف،هذا ويأتي في مقدمة الجهود الايجابية التي يجب أن تبذل الآن من أجل إعادة الإنسان إلى جوهر إنسانيته، هي رد الاعتبار للفلسفة العقلانية أو الفكر التنويري، ومحاولة إغنائه برؤى فكرية جديدة تضفي عليه طابعاً أكثر عقلانية وعلمية تتناسب وتحديات المرحلة الراهنة، منطلقين من إعادة التأسيس لمبادئ وقواعد أكثر علمية وعقلانية لفلسفة واقعية معاصرة تتناسب وطبيعة التحديات المعصرة، يمكننا تحديد أهمها بالتالي :

1 - إن للظواهر قوانينها الخاصة بها والتي تتحكم بآلية عملها، وهي موجودة بشكل مستقل عن الإنسان – أي الظاهر - تؤثر فيه ويؤثر فيها، وتأثيره فيها يأتي بعد ملاحظتها واكتشاف قوانينها وآلية عملها.

2- إن الإنسان في طبيعته ليس ضرورة فحسب، بل وحرية أيضاً، وهنا تكمن استقلاليته النسبية عن الضرورة وبقية الظواهر الأخرى المحيطة به، وقدرته على التحكم فيها وتسخيرها لمصلحته.

3- الظاهر بمجموعها ومن ضمنها الإنسان ذاته، ليست ثابتة جامدة في معطياتها، بل هي في حالة سيرورة وصيرورة دائمتين، أي هي في حالة حركة وتطور وتبدل وتشكل دائم، وهذا بالتالي ما يمنحها نسبيتها وينفي إطلاقيتها، ويؤكد أن حقيقتها تقوم دائماً على معرفة ناقصة.

4- الفلسفة العقلانية المعاصرة لا تؤمن بوجود قوى فطرية موروثة خلقت مجردة عن تاريخ الإنسان قبل الولادة، بل تؤكد على أن الإنسان محكوم بتأثير البيئة الطبيعية والاجتماعية على تفكيره وسلوكياته، دون أن تنكر أن هناك استعدادات وراثية أولية لعبت فيها تلك الظروف الدور الأساس على وراثة الإنسان .

5- الفلسفة الواقعية المعاصرة تؤمن بأن الفرد هو أساس الكيان الاجتماعي، وأن المجتمع ما هو إلا مجموعة الأفراد، وعليه فإن حرية الفرد لا يمكن لها أن تتحقق إلا في حالة تمتع الفرد بجميع الامتيازات والحقوق الخاصة، وهذا لا يتم إلا بانعتاق الإنسان وتخليصه من كل ما يعيق تطوره وتطور المجتمع معاً، وذلك عبر تجاوزه للكثير من المحرمات السلبية التي يفرضها المجتمع والدولة معاً على تفكيره وتصرفاته.

6- لا تقر الفلسفة العقلانية المعاصرة بالأخلاق المعيارية المسبّقة، والتي غالباً ما تسلبه حريته وإبداعاته، وإنما تقر بنسبية الأخلاق وضرورة مواءمتها للمرحلة التاريخية المعيوشة، فهي ضد القوالب الأخلاقية والفكرية الجامدة التي غالباً ما تدخل الإنسان في عوالم (دنكوشيتية) تحد انعتاقه ومن تطور ونمو إنسانيته.

7- العقل الإنساني في معطيات الفلسفة العقلانية المعاصرة ليس معطىً بيولوجياً تقوم آلية عمله بشكل مستقل عن مجموع علاقات الإنسان مع المحيط الاجتماعي والطبيعي الذي يتفاعل وينشط فيه، بل هو مجموعة الرؤى والأفكار والمعارف والمهارات التي شكلها الإنسان عن طريق إدراكه وحواسه وتجربته الفردية والاجتماعية تاريخياً، وراح يرفض أو يتبنى من خلالها ما يناسبه أو ما لا يناسبه من أفكار وسلوكيات وفقاً لطبيعة المرحلة التاريخية التي يعيشها، والتي غالباً ما تفرضها طبيعة مصالحه الخاصة والعامة.

8- تؤمن الفلسفة العقلانية المعاصرة بدور وأهمية التربية في تدريب الإنسان وإكسابه المهارات النظرية والعملية القادر من خلالها على التفاعل بايجابية مع الواقع الذي يعيش فيه، وحالات تبدل وتطور هذا الواقع .

9- الفلسفة العقلانية المعاصرة فلسفة ترفض تقسيم العالم بشكل تعسفي وجذري إلى مادة وصورة.. روح ومادة، فللجانب الروحي عندها أهمية في إغناء الجانب العملي، على الرغم من أن البداية للفعل،  والعكس صحيح بالنسبة لتأثير الجانب العملي على الجانب الروحي، فالعلاقة بين طرفي المعادلة جدلية، والروح عندها هي المعرفة المكتسبة بالخبرة والتجربة وما تولده لدى الإنسان من مهارات ذهنية، وإحساسات داخلية تتجلى في شعوره بالحب والكره، والجمال والقبح تجاه الظواهر التي تحيط به ويتعايش معها .

هذه هي أبرز القواعد التي ترتكز عليها الفلسفة العقلانية المعاصرة في عالمنا المعاصر برأيي، والتي تشكل المنطلقات الفكرية لكل تفكير عقلاني  تنويري يرمي إلى تجاوز عقلية وثقافة الجمود والتكفير والزندقة ورفض الأخر، إضافة إلى عقلية وثقافة المجتمع الاستهلاكي بكل ما تحمله من تفرد سلبي، وعهر، وتنمية للغريزة على حساب العقل وقتل لروح الإنسان وإبداعاته، وبالتالي العمل على نمذجته.

 

كاتب وباحث من سورية

  

adnan oayeedسؤال مشروع يطرح نفسه علينا قبل الخوض في هذا الموضوع الخلافي والإشكالي معاً وهو:

هل من الوجهة التاريخية والمعرفية (الابستموبولوجية) نستطيع القول إن بداية التفكير المنطقي لدى الإنسان بدأت عملياً مع بداية تفكيره الفلسفي وتخليه عن تفكيره الأسطوري؟.

هذا مع تأكيدنا على أن الإجابة عن هذا السؤال تفرض علينا بالضرورة توضيح دلالات كل من مفهومي التفكير الفلسفي والأسطوري معاً.

فإذا كانت الفلسفة في أبسط صورها كما بينها ابن رشد، (بأنها فعل ليس أكثر من النظر في الموجودات .. والموجودات إنما تدل على الصانع لمعرفة صنعتها، وكلما كانت المعرفة بصنعتها أتم، كانت المعرفة بالصانع أتم.) ثم يتابع) .. فواجب أن نجعل نظرنا في الموجودات بالقياس العقلي.. وهو أتم أنواع النظر، وهو المسمى برهاناً..). (1). (فلسفة ابن رشد (فصل المقال) – المكتبة المحمودية التجارية – مصر- دون تاريخ نشر – ص2-3

وبغض النظر هنا عن مفهوم العقل ودلالاته الذي ربطه ابن رشد بالفلسفة، ومن حيث رؤية ابن خلدون ذاته أيضاً لطبيعة العقل إن كان معطى معرفياً تاريخياً شَكَلَه الوجود الاجتماعي للفرد أو المجتمع، أو هو قدرة ذهنية أفاض بها الله على المرء كي يميز بها الخير من الشر، ويستطيع التكيف مع المحيط الذي ينشط فيه، فهو بالمحصلة إقرار بأهمية العقل وقدرته اللامحدودة على استخدام القياس والبرهان عند تعاملنا مع الواقع والحقيقة معاً، أي مع مقولات الفلسفة الواقعية والعقلانية مثل الحركة والتطور والنسبية والضرورة والمصادفة والعام والخاص .. الخ، وهذا ما يتنافي مع التفكير أو المنطق الأسطوري اللاعقلاني الذي لا يقر بارتباط العقل بالواقع، وبالتالي تشكله عبر هذا الواقع ذاته، ليتحول فيما بعد إلى وسيلة لتحليل الواقع وإعادة بنائه من جديد وفقاً لتصورات ورغبات حوامله الاجتماعيين ومصالحهم في المرحلة التاريخية المعيوشة، فالعقل الأسطوري هنا، يشكل في طبيعته معطى كلياً بشكل مسبق، وقائم بذاته، وهو بالتالي مفارق بالأساس للواقع الذي يتعامل معه أو ينشط فيه، وغالباً ما يتمسك بالجوهر والماهية وبالإيمان المطلق والمتناهي تجاه الحقائق، على حساب النسبي، والمتحرك والظاهر. وهو في ذلك موقف فلسفي أيضاً، بيد انه موقف فلسفي مثالي.

إذاً، إن التفكير الفلسفة العقلاني، أو العقل النقدي، يعمل منهجياً على استخراج ماهية الأشياء من ظاهرها، من ما هو محسوس ومعيوش وعياني. أو بتعبير آخر إن للفلسفة العقلانية وظيفة أو مهمة، هي اكتشاف وإدراك سر الوجود والطبيعة اللانهائية لكل كائن، وهذه هي المهمة الرئيسة والمركزية للمعرفة الفلسفية العقلانية.

أما العقل الأسطوري، فقد تجاهل أو لم يستطع طرح أو فهم العلاقة بين ماهية الشيء وظاهره طرحا أو فهماً جدلياً، أي لم يستطع حل التناقض بين ماهية الشيء القابلة للإدراك بواسطة العقل النقدي القادر بدوره على الدخول إلى عمق الشيء ذاته، وتفسير حركته وآلية عمله وتجلياته، وبين الشيء القابل للإحساس بواسطة الحواس، والوقوف عند هذا الحد من المعرفة الظاهرية السطحية للأشياء، حيث تشكل هذه المعرفة عنده بداية تاريخ الشيء ومنتهاه.

إن البحث في المطلق والعام والمعطى بشكل مسبق والدائم، وفي عالم الفكر المجرد، هو إذن الموضوع المركزي للتفكير أو العقل الأسطوري. وهذه الإشكالية المعرفية والمنهجية معاً، قد استمرت آلاف السنين ولم تزل قائمة وتمارس دورها بشكل مباشر وغير مباشر على حياة ومستقبل إنسان هذا العالم، بدون أن يتمخض ذلك عن جواب يشفي الغليل . (والسبب أن الإشكالية هي في أصلها إشكالية مغلوطة، ولذلك لا حل لها في الإطار الذي وضعت فيه، وبالطريقة التي طرحت بها).، حيث تحولت إلى إشكال معرفي ومنهجي مستعصي عن الحل، بل راح هذا الإشكال يمارس دوره بروح ومنهجية أكثر فاعلية وحيوية في تسير المواقف الاجتماعية والسياسية والثقافية في حياتنا المعاصرة.

على العموم: إن الفلسفة العقلانية والواقعية معاً، ليست هي وسيلة معرفية أو عقل أداتي يُستخدم للتخلص من التفكير التبريري والأسطوري القائم على الإطلاق والثبات، وعلى أشكال من الوهم والخيال واللامعقول التي تسيطر على البنية الفكري والعملية للإنسان المعاصر، بل هي عراك ميداني مع الوهم، وحالة نهوض اجتماعي نحو الحقيقة، وأن الفيلسوف العقلاني (العضوي)، وهو المنحدر من عامة الناس والمندغم بمجتمعه الإنساني، رغم ارتقائه إلى النخبة الفكرية بفضل مجهوده النظري ونمو وعيه النقدي، فهو يتحمل اليوم مسؤولية كبيرة على عاتقه، وهي الالتزام بقضايا الناس الذين ينحدر منهم، وتكريس حياته من أجل خدمتهم، وفضح كل أشكال الاغتراب الفكري الذي راح ينتشر اليوم انتشار النار في الهشيم على الساحة الثقافية والفكرية، وبكل مستوياتها الاجتماعية، ويُمارس – أي الاغتراب- عبر ما هو متاح له من وسائل توصيل إعلامية وثقافية، تتحكم في إدارتها وتوجيهها قوى عالمية تسعى جاهدة لنشر وتعميم الجهل والتخلف، وتغليب الغريزة والشهوة على العقل والمنطق خدمة لمصالحها الأنانية الضيقة.

إن الفلسفة العقلانية النقدية ممثلة بحواملها لاجتماعية ومنها الفكرية والسياسية على وجه الخصوص، إذا ما أرادت أن تواجه التفكير الأسطوري، وتنتصر للقيم الكونيّة الايجابية ينبغي عيها أن تبادر بدراسة أشكال الصراع الاجتماعي، وان تحشر نفسها في هذا الصراع من أجل الوقوف إلى جانب الفئات الأقل حظا، والانتصار لحقوق الإنسان المغرب والمشيئ والمستلب اليوم، والإمساك بأشياء هؤلاء الناس بالأيادي الحقيقية، والرؤية المباشرة للأحداث الملموسة، فهم صناع أمل وحرية المواطن انطلاقاً من مواقعهم في الدولة والمجتمع، وعليهم أن يدركوا أنهم عمال حقيقة، وليسوا خدماً لمؤسسات، ولا أصحاب ولاءات، أو وحراس سلطات، يترقبون التسميات وينتظرون الترقيات والامتيازات.

 

كاتب وباحث من سورية

 

safaa khalafيخرج الحجيج الشيعة من مدنهم وقراهم الى كربلاء، مشياً على الاقدام، تلبية لرغبة معلنة هي "الشفاعة" والقبض على "الجنة"، مأسورين بفكرة الراحة الابدية من الشقاء الدنيوي، يخطفون انفسهم من الواقع المرير الى المتخيل السرمدي، يهربون بارواحهم المثقلة الى خفة اداء "الواجب"، لكنهم لا يتلفتون ابداً الى حقيقة الرجل المذبوح عطشاناً، والساعي وراء "كرامته" التي باتت معرضة للهتك.

يخرجون مشياً لاعلان الولاء السنوي للرجل الذي ثار من اجل ان لا يخضع ويكون شاهد زورٍ على عصر "انحطاط" السلطة، وتلاعبها بمصائر الناس. فيما هم -اي الماشين- لا يفكرون بـ"كرامتهم" المنزوعة من قبل السلطة، وان كانت شيعية، خرجت من مظلوميتهم، ويرون فيها طغيانا يستحق منهم "الثورة"، ولا يجدون في انفسهم العليلة بالعوز صدى لتلك الصرخة العظيمة العابرة للزمن، والآتية من صحراء الطف "هيهات منا الذلة".

الحسين أُفرغ من قيمته الثورية التغييرية، وبات ذاك الرجل "الضعيف" الذي القت به المصائر الجائرة الى القتل البشع، فاستحق من "الشيعة" عراقياً، النواح والندب والضرب بالزناجيل والرايات الرخيصة المستوردة من الصين الشيوعية "الكافرة" فقط، فاضحى "الحسين المنتصر" بـ"الدم" مهزوماً به.

لم يتحقق المسير السلمي المقدس في التاريخ الحديث، كمسير الشيعة الى "الحسين" الثائر العظيم، الا مرة واحدة، عبر مسيرة الملح "الساتياجراها" السلمية التي قادها الرجل النحيف المتلفع بقماشة القطن، غاندي، ليحقق بها استقلال الهند، كحركة عصيان مدني واسعة النطاق، ارغمت المحتل البريطاني على الاعتراف بـ"الكرامة" الهندية، واستلهمها مارثن لوثر كينغ في اقرار "حقوق السود" في اميركا. لكن الشيعة لم يستثمروا مسيرتهم "العقائدية" في تحقيق "كرامتهم" يوماً.

اعتياد الاهانة يورث المهانة. ومن لا ينتفض لكرامته لا يستحق ان يكون حراً. فالحرية والكرامة شرطا تحقق الانسانية، ومن دونهما لا يكون الانسان سوى رقم مضاع في حديقة "الحيوان". وللحرية شرط اقسى من الشعور بها، بأن نمسك الحقيقة بغض النظر عن كونها تتفق مع مصالحنا او تتعارض معها، فالمعيار هو تحقق "الكرامة".

يخرج الحجيج "الزوار" الشيعة من مدنهم وقراهم الى كربلاء مشياً على الاقدام، يهجرون مدنهم، قراهم، قصباتهم، وضيعاتهم، يقاسون البرد العاصف، الموت المزروع على الطريق، والمتربص بهم كـ"أعداء مذهبيين لدودين"، يسخرون أموالهم من اجل طعام وشرب، ويغالون كثيراً بفتنهم بـ"الحسين"، لكن لا احد منهم يفتتن به كـ"صيحة" كرامة وانتزاع حقوق ومكاسب، لكنهم يرون فيه "حسينهم" الخاص المضرج بالدم، والمستسلم لقدره "الالهي"، على قاعدة "ان كان دين محمد لم يستقم الا بقتلي فيا سيوف خذيني".

فالدين العراقي الحسيني دينٌ، يطالب بالمعجزات، ولا يعترف الا بالاتكال على الغيب الذي لا يستجيب لرجاءاتهم المخذولة من اجل ان تنصفهم "الدولة" في الخدمات!

تعاني المدن الشيعية في العراق، كسائر المدن الاخرى المختلطة منها، والسُنية، من الاهمال الخدماتي المريع، من كفران السلطة بحقوق المواطنين، ولعل السُنة ليس في تاريخهم الموالي للسلطة ثائرٌ كـ"الحسين" نجدهم معذورين، لكن الشيعة المتورطين بالخيبة والظلم، منذ اعلانهم الولاء الاول للبيت العلوي، لا يستثمرون "الدم المقدس" المسفوح من اجلهم.

يعتقد المسيحيون ان "يسوع" مات من اجل الناس. تحمل العذاب على الصليب والاهانة المؤلمة، من اجل راحة البشر والتكفير عن خطاياهم، فكان ايقونة خلاصية.

الشيعة في ولائهم "الحسيني" يقتربون من هذا المفهوم الغنوصي، لكنهم يستعيدون عبر اللاشعور وفي عقلهم "الجمعي" التاريخي، تموز العراقي المضحي، المغدور الذي نزل الى العالم السفلي، فيبس العالم، وذهبت البركة عنه، فيستعيدون ذكراه عبر شارع "الموكب" البابلي، معزين ونادبين، لكن روح التضحية لم تكن حاضرة في ارواحهم من اجل انفسهم. تموز العراقي ضحى من اجل ذاته. والحسين بن علي انتصر لكرامته. اما العراقيون لا تضحية تموز حفزتهم، ولا "دم الحسين" استثارهم لنصرة انفسهم على الضيم والموت اللاحق بهم.

السلطة اليوم في العراق، تغرق بفسادها، كما المدن التي تغرق بفيضانات الامطار.

السلطة تهادن السراق، وتذهب الثروة الهائلة الى العدم، فيما المدن خربة على اهلها، والموت المجاني يحصدهم، والسلطة "الشيعية" تتفرج، بل تغذي لدى "الشيعة" الشعور بالمهانة ازاء الموت، ولان العراقيين بطبعهم يعشقون "دور الضحية" نذروا انفسهم لليأس، وخرجوا الى "الحسين" ماشين، يمرون بالمدن الخربة، يهجرون بيوتهم المتهالكة، والتي اصابها الفيض، ويزحفون في حشود بينما الموت يحصدهم، وليس فيهم من يستعيد ذاك "الحسين" المهمل، صاحب الصيحة الاثيرة ضد الظلم.

هناك من يلعب على الخروج الشيعي الى كربلاء مشياً على الاقدام، على انه تحدٍ للقوى "الطائفية" التي تهدد العالم الشيعي بالزوال، ترسخ في اعماقهم التضليل، وان هناك اعداءً متربصين بالجوار. لكن لا احد يعمق لدى "الشيعة" الاحساس بالكرامة.

ايها السائرون الى "الحسين"، لستم مأجورين بشيء من "شفاعته" حسب ايمانكم، ما لم تحولوا المسيرة السلمية العظيمة الى انتفاضة حقيقية ضد السلطة التي تنهب اموالكم، وتخرّب مدنكم، وتترككم ترزحون تحت خط الفقر المدقع، فجلّ من يخرجون، محبطون، لا بصيص امل في ارواحهم، اكل الخوف والعوز منها الكثير، فيما جيل جديد لم يفتح عينه سوى على الحروب والخراب، يخرج لتنفيس غضبه، واحباطه، يتسلى كذباً بان للرجل الراقد بسلام في قبره، سيحقق احلامه في الرخاء والعمل والرفاهية.

عليكم ان تعوا جيداً ان "الحسين" لم يخرج لتندبوه، بل لتتعلموا كيف تدافعون عن كرامتكم، وعيشكم. انكم تهزمون "الحسين" بالسير مخذولين الى كربلاء! اجعلوا من مسيرة "المشي" انتفاضة حقيقية للتغيير.

 

fatehi alhabowbi«... والأدلّة، ثلاث: دلالة العقل، لأنّه يميّز بين الحسن والقبيح، ولأنّ به يعرف أنّ الكتاب حجّة، وكذلك السنّة والإجماع. وربما تعجّب من هذا الترتيب بعضهم، فيظنّ أّنّ الأدلّة هي: الكتاب والسنّة والإجماع فقط، أو يظنّ أنّ العقل إذا كان يدلّ على أمور فهو مؤخّر، وليس الأمر كذلك»

من كتاب “فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة” للقاضي عبد الجبّار بن أحمد، طبعة تونس 1972

لعلّه من نافل القول التأكيد على أنّ إشكاليّة التخلّف المزمن وفشل، محاولات النهضة العربيّة التي تعاني من جرّائها المجتمعات العربيّة اليوم، سواء منها تلك التي عاشت ربيعها الثوري أو التي لم تعشه، ليست وليدة الصدفة، بل هي نتيجة مراكمة مواطن خلل عديدة وأخطاء كثيرة، ليس في المقاربات المفاهيميّة للتنمية ومحدوديّة وقصور مناويلها في مستوى التشغيل والعدالة الاجتماعية بين الفئات والجهات فحسب ، بل وكذلك كافراز لرؤى فكريّة ومتبنّيات، منها ما يتّصل بالمقدّس بما هو ادّعاء بامتلاك الحقيقة الربّانية المطلقة واعتناق لمعتقدات في غير ما اعتماد للعقلانيّة في شأنها، ومنها ما يتّصل بالزمني بما هو دنيوي مادّي/ مخلوق.

حيث أنّه، كلّما قامت في المجتمع العربي الإسلامي حركة فكريّة نقديّة تنويريّة وإصلاحيّة تؤمن بأّنّ العقل هو المعيار الرئيسي في فهم كل القضايا ذات العلاقة إن بالدين أو بالدنيا وسعت لبثّ الوعي، وتحريض العقل العربي على الإشتغال تجنّبا للتعطّل والجمود والتكلّس، إلاّ وكان –قطعا- مآلها الضُمورَ والنكوص ثمّ التلاشي.

ضمن هذا السياق، فإنّي أزعم أنّ العصر الوسيط للمسلمين، الذي يتوافق تقريبا مع العصور الوسطى للغرب الأوربي التي عرفت فترة ركود وظلام ، تميّز بمحاولتين للنهوض الفكري بالعالم العربي الإسلامي. فأمّا المحاولة الأولى فكانت على يد فرقة المعتزلة رائدة العقلانيّة في الفكر الإسلامي، التي تؤمن بتأسيس الدّين على العقل، فتجعل منه أقوى الأدلّة وتنصّبه حكماً في أمور الدّين والعقيدة. وقد إشتهرت كمدرسة كلاميّة بموقفها المخالف لموقف عموم المسلمين في قضيّة مرتكب الكبيرة الذي اعتبروه كافرا، فيما أقرّ المعتزلة بأنّ منزلته هي بين منزلتي الإيمان والكفر. كما اشتهرت كتيّار فكري حرّ ظهر مبكّرا منذ بداية القرن الثاني للهجرة، في مدينة البصرة- أحد أهمّ المراكز الفقهيّة والفكريّة والأدبيّة- ووقع التصدّي له ورفضه بقوّة وتربّصوا به الدوائر باعتباره يقوم في جوهره على اعتماد العقل في شرح وتفسير العقائد الإسلاميّة إنطلاقا من نصوص الكتاب والسنّة. بل أنّ المعتزلة يقدّمون العقل أحيانا على النصّ كما جاء في كتاب "في فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة" للقاضي عبد الجبّار بن أحمد. وفي تقديري فأنّ رفض الفكر المعتزلي يتضمّن بعدين هامّين يستحقّان منّا الوقوف عندهما وإن بطريقة عَجْلَى. أوّلهما أنّ بيئة وذهنيّة المجتمع العربي حديث العهد بالإسلام آنذاك، تطمئنّ أكثر إلى الإجماع حول الرأي المتشدّد/المتصلّب، فيما لا تؤيّد حقّ الإختلاف في الرأي، لا سيّما إن كان لحساب الفكر التنويري المؤمن بأولويّة العقل على النصّ الديني وليس بأولويّة النصّ على الواقع بما هي أولويّة للدّين على الدنيا. وثانيهما أنّ التكفير الذي نعاني اليوم من نتائجه الكارثيّة المدمّرة في كل مكان من العالم العربي والإسلامي متجذّر في ثقافتنا منذ البدايات. لذلك، فرغم أنّ الفكر المعتزلي كان في عهد الخليفة المأمون هو المذهب الرسمي للدولة وتأثّرت به تيّارات فكريّة أخرى لها النزعة التحرّريّة ذاتها، فإنّ المعتزلة العقلانيين قد واجهوا، لاحقا في عهد الخليفة المتوكّل، المعتنق للمذهب الأشعري الجبري اللاعقلاني الذي ينفي مكانة العقل ويلغي دور وفعل الإنسان وكذلك حريته في رسم مسار حياته، ولو في الحدود الدنيا. واجهوا صدّا ومقاومة شديدة من قبل ذوي الفهم الفقهي النقلي المتخلّف للإسلام، الذين يؤمنون بمقولة القسر والجبر. وهي المقولة التي يكون بمقتضاها الإنسان مسيّرا وليس مخيّرا ومسؤولا عن اختياره الحرّ. وكان من نتائج ذلك أن قتل من المعتزلة من قتل وعذّب من عذّب منهم، إلى أن اندثر تيّارهم الفكري العقلاني المستنير الحرّ الذي سبق الفكر التنويري الانجليزي الالماني الفرنسي بحوالي عشرة قرون. ولو قدّر للمعتزلة الإستمرار في نشر طروحاتهم الفكريّة، التي تتمحور بالأساس حول فكر يقوم على حريّة الفرد، وينظر إلى الإنسان باعتباره غاية الوجود وصاحب الإرادة والاختيار، لأسهموا بفعاليّة في إحداث نهضة المجتمع العربي بالفكر العقلاني النقدي الذي يعضده العمل الجاد باعتبارهما يمثّلان عصب كل نهضة وقطب الرحى لكل تقدّم في أيّ مجال كان. ولكن تجري الرياح بما لا تشتهي السفن بفعل العقليّة العربيّة الشرقيّة وبنيتها التي تركن إلى السائد وتقاوم المختلف ولا تشجّع على النجاح. وهو ما عبّر عنه الدكتور أحمد زويل المتحصّل على جائزة نوبل عندما قال:« الغرب ليسوا عبآقرة .. ونحن أغبيآء !! ھٓم فقط يدعمون الفآشل حتى ينجح ..! ونحن نحارب الناجح حتى يفشل .. »

وأمّا المحاولة الجادّة الثانية للنهوض الفكري بالمجتمعين العربي والإسلامي، فكانت على يد الفيلسوف الأندلسي ابن رشد، عبر إنتاج منظومة فكريّة عقلانيّة مستنيرة بخاصيّات قريبة من منظومة الفكر المعتزلي، بل إنّها تكاد تتماهى معها في بعض التفاصيل. إذ أنّه سجّل موقفا متميّزا من قضيّة العلاقة بين الدين والفلسفة من خلال كتابه (فصل المقال وتقرير ما بين الشريعة والحكمة من الاتصال). حيث يقول-في تعارض صارخ مع أبي حامد الغزالي، أحد أكبر المتسبّبين في تخلّف المسلمين - أن « لا تعارض بين الدّين والفلسفة، وإذا كان هناك من تعارض فالتعارض ظاهري بين ظاهر نصّ ديني وقضيّة عقليّة ونستطيع حلّه بالتأويل…». ومن هذا المنطلق، فهو يرى أن الشرع أوجب ليس فقط النظر بالعقل في الوجود بل أوجب كذلك دراسة المنطق. ويرى أيضا «أنّ القضايا البرهانيّة العقليّة هي حقّ، وما نطق به الشرع حقّ، والحقّ لا يضاد الحقّ بل يؤكّده ويشهد له». بما يعني أنّ الحكمة (الفلسفة) والشريعة (الدين) لا يتناقضان كما ذهب الغزالي إلى ذلك في “تهافت الفلاسفة ” الذي شكّل في تقديري تكريسا للإنغلاق ومصادرة للرأي الآخر وسقوطا في ما يسمّيه أفلاطون "الميزولوجيا"، بما هي "كراهية العقل" . لذلك يمكن الجزم بما يشبه اليقين، أنّه بموت إبن رشد انتصرت -وياللأسف- مدرسة النقل لزعيمها أبو حامد الغزالي، ثانية ونهائيّا، على المنهج العقلي الذي خبا تأثيره بعد أن مثّلته مدرسة الإعتزال ومنظومة ابن رشد الفكريّة التي كاد بمقتضاها أن يؤلّه العقل رغم تديّنه الشديد. وكان من تداعيات ذلك، أفول الفلسفة الإسلاميّة وبداية تخلّف وانحطاط العالم العربي والإسلامي الذي لا يزال متواصلا إلى اليوم على طريقة السقوط الحرّ -في الفيزياء- وعلى جميع الصعد. فلم يعد المسلمون فاعلين في بناء الحضارة الإنسانيّة، لابل واستسلموا لنوم عميق، ما زالوا يغطّون فيه إلى اليوم، وربّما إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. فمن يدري؟! أليس "الجلوس على الربوة أسلم" لمن لا يريد خوض المعارك الفكريّة والتجارب العلميّة، ويستمرأ الكسل ويفضّله على العمل والجهد المنتج، فيبدّد طاقته وينفق وقته فيما لا طائل من ورائه؟! كالتغنّي بأمجاد الماضي التليد من باب التوكؤ عليه وتصوير السلف على أنّه صالح على بكرة أبيه لا تشوبه شائبة، لا بل على أنّه معصوم ويدنو من الملائكة من باب تقزيم الحاضر ولعن المستقبل ليس إلّا. وهو ما لا يستقيم عقلا ولا يمكن القبول به نهائيّا. لأنّ الإنسان، إنسان بخيره وشرّه، في كلّ زمان ومكان. فقد خلق الله الإنسان حراً ليجرّب الشرّ والخير والخطأ والصواب ، والكفر والإيمان. لذلك جاء في الآية الكريمة: « فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ ». ولعلّ في إنقلاب الصحابي معاوية وهو من السلف "الصالح" على مبدأ الشورى في الخلافة والإستعاضة عنه بالملك العضوض، حيث أكّد على ذلك في أوّل خطبة له « إني والله ما قاتلتكم لتصلّوا ولا لتصوموا، وإنّما قاتلتكم لأتأمَّرَ عليكم ، وقد أعطاني الله ذلك وأنتم كارهون » ، وكذا أمره بلعن علي بن أبي طالب على المنابر، عبرة بليغة لمن يعتبر، سنّة وشيعة، ممّن يقدّسون السلف "الصالح" حدّ الهوس.

وأمّا في العصر الحديث والمعاصر، وانطلاقا من منتصف القرن التاسع عشر، فإنّ محاولات النهوض الفكريّة والحضاريّة التي مثّلت تقديم إجابات عن تحدّيات العصر من أجل تقدّم الاّمة العربيّة ونهضتها، قد إتّسمت بالكثرة والتنوّع. وكان بروز المشاريع الإصلاحيّة الأولى على يد رفاعة الطهطاوي مؤسّس حركة النهضة في مصر وخير الدين باشا رائد النهضة العلميّة في تونس، ومؤلّف أوّل موسوعة عربيّة/دائرة المعارف وفق المنهج الحديث، وهو بطرس البستاني في لبنان، صاحب شعار" الدين لله والوطن للجميع". وكانت هذه المشار يع في عمومها تسعى لفصل الدين عن السياسة وإفراز مجتمع مدني شبيه بالمجتمعات الأوروبية، تفُكُّ فيه الدولة عنْ نفسِهَا قيدَ الدِّينِ دون التخلّي عن الهويّة الإسلاميّة. بحيث يكون الإسلام في المجتمع كعقيدة دينية ليس أكثر. بما ينسجم مع ما قاله -لاحقا- قائد النهضة في ماليزيا مهاتير محمّد «عندما أردنا الصلاة إتّجهنا صوب مكّة، وعندما أردنا بناء البلاد إتّجهنا صوب اليابان ». وعلى صعيد آخر برزت محاولات التجديد والإجتهاد الديني التي قام بها كلّ من جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ورشيد رضا. وقد سعت بجدّ لتصحيح الرؤية التقليدية للدين التي غالبا ما كرّست الجمود. وذلك من خلال إعادة صياغات جديدة للمبادئ الإسلاميّة الكبرى ذات الطابع الاجتماعي في محاولة لإفراز مجتمع مدني مرجعيّته الشريعة الإسلامية، يتصدّى إلى الدعوات التغريبية ويقف في وجه الهجمة الحضارية الغربية التي بهرت الأبصار وأخذت العقول.

ضمن هذا الحراك الفكري يعتبر رفاعة الطهطاوي (1801 - 1873) ، أحد أهمّ الدعائم الفكريّة التي قامت عليها النهضة في مصر، أوّل مفكّر عربي معاصر طرح سنة 1834 في كتابه الشهير "تخليص الابريز في تلخيص باريز" ، الذى تتجاوز أهميته حدود عصره، طرح الإرهاصات الأولى للإصلاح ومنها فكرة الحريّة كسبيل للتقدم، ينظر لها ليس فقط باعتبارها تكرّس المفهوم الإسلامي للعدل والإنصاف وتتوحّد معه، بل وكذلك وبصفة خاصّة، باعتبارها من أهمّ أسباب نهضة الأمّة وتمدّنها المنشود. وهو الطرح الذي يفترض محاولة التوفيق بين الأحكام الشرعيّة الإسلاميّة والقوانين الوضعيّة سليلة الحضارة الغربيّة الحديثة. كما يفترض محاولة التوفيق في ذات الوقت بين الولاء للأمّة الإسلامية في كلّيتها واحترام خصوصيات القوميات/ الأقلّيات غير المسلمة التي تعيش ضمن المجتمع الإسلامي. وهذا الطرح يتماهى بالتأكيد مع مفهوم الدولة المدنيّة الديمقراطيّة التي يشكل التعايش الآمن الناتج عن حريّة المعتقد أحد مرتكزاتها الأساسية وتمظهراتها في آن معا .

 ويمكن إختصار مقاربة رفاعة الطهطاوي لتحديث المجتمع المصري في ،نظرته إلى الحكم باعتباره يرمي إلى خير أو سعادة الإنسان في الدنيا والآخرة في ذات الوقت. وأن سعادته في الدنيا تقتضي توفّر حضارة مدنية كالتي قامت في أوروبا الحديثة ذات القوة والعظمة، بفضل تشجيعها على تنمية مختلف العلوم والفنون والآداب. بما يحتّم الإقتداء بها دون التفريط في الأصالة العربيّة الإسلاميّة. لذلك فإنّ الطهطاوي، الذي نادى بضرورة التطوّر وإرساء الديمقراطية والحكم الدستورى وإشاعة التعليم، بما في ذلك تعليم المرأة ونشر العلم ، تتطرّق للمفاهيم الفكرية الاساسيّة التي قامت عليها الدول الحديثة والمتقدّمة، التي من بينها مبدأ المواطنة الذي وصفه بأنّه «المنافع العمومية التي تقوم على الحرية والإخاء والمساواة بين أبناء الوطن الواحد».

ورغم أنّ طهطاوي ، باعتباره رجل سياسة ونفوذ ، قد حاول وضع بعض أفكاره موضع التنفيذ بإنجاز مشاريع ذات طابع علمي لعلّ من أهمّها إنشاء مدرسة الألسن، إلّا أنّ قدر هذه المحاولة كان- هو الآخر- العرقلة والإجهاض من قبل السلطة في عديد المحطّات التاريخيّة.

أمّا خير الدين باشا المعروف في المشرق بخيرالدين التونسي (1825-1889 ) فيعتبر هو الآخر أحد أعلام النهضة والتنوير في تونس، بل هو أبرزهم تاريخيا ومن حيث المساهمة- نظريّا وعمليّا- في بناء نهضة تونس الحديثة. حيث أنّه لم يكتف ببثّ روح اليقظة والنهوض في الأمّة وشحذ عزائم الإصلاح عن طريق نشر الفكر فحسب، بل إنّه طبّقه على أرض الواقع فأنشأ سنة 1875، باعتباره رجل سياسة ونفوذ، المدرسة الصادقيّة لتعليم الفنون والعلوم الحديثة ونظّم مؤسسّات الدولة تنظيما حديثا، ضمن خطة شاملة للإصلاح تدعو فيما تدعو إليه، إلى توسيع مجال السياسية الشرعيّة ليشمل كل ما لا يخالف الكتاب والسنة، وعدم حصرها على ما ورد في شأنه نصٌّ قرآني أو حديث . أمّا عصارة أفكاره التي وفّقت بين الفكر الليبرالي القائم على الحكم الدستوري والحريّة الإقتصاديّة والتقاليد الإسلاميّة فقد تضمّنها كتابه الخالد " أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك " الصادر 1868، وهي السنة ذاتها التي ظهر فيها الجزء الأوّل من كتاب "رأس المال " لكارل ماركس منظّر الفكر الشيوعي. وقد لمسناه فيه-كما الطهطاوي- متأثّرا بما شاهده في فرنسا من معالم نهضة حضاريّة وفكريّة واجتماعيّة وسياسيّة. فهو يؤكّد ضمن مقدّمة الكتاب، الذي دعا فيه معاصريه إلى الإستعارة من الغرب من أجل الارتقاء بالأمة، أنّ الحكم المطلق الشمولي لا يؤدّي إلّا إلى التخلّف المزمن. وأنّ لا خوف على المسلمين إن هم اقتدوا بالحضارة الأوروبية، وأن لا غضاضة في اعتماد النظم الأوروبيّة في المجالات السياسيّة والإجتماعيّة والإقتصاديّة لأنّها لا تتعارض في جوهرها مع النظم الإسلاميّة. بل إنّها تتوافق معها بشكل يكاد يكون كلّيّا .وكلّ نظام له ما يقابله في الدولة الإسلاميّة. فالوزير المسؤول أمام الأمّة/الشعب في أوروبّا، إنّما يقابله الوزير الصالح في الإسلام الذي يسدي النصيحة ولا يخشى في الحقّ لومة لائم. أمّا نواب البرلمان فيقابلهم أهل الحلّ والعقد. وأمّا الحكم النيابي وحريّة الصحافة فيقابلهما مبدأ الشورى. ويخلص خير الدين باشا بعد ذلك إلى أنّ استلهام النظم الأوروبية ليس سوى تنفيذ لروح الشريعة الإسلامية ومقاصدها انطلاقا من مبدأ "المصلحة" لابن قيم الجوزية. وهو ما جعله ينادي بأن تؤسّس الدولة على دعامتي الحرية والعدل وتعدد مؤسسات الحكم ومشاركة "الرعايا"/المواطنين في إدارة شؤون الدولة واحترام حقوقهم الإنسانية ، ملحّا على توفّر وعي الأمّة واستنارتها لتطالب بحقوقها ولتضمن مراقبة دواليب الحكم لتجنّب الاستبداد والانفراد بالحكم الذي يؤدّي بالضرورة إلى التفريط في الحقوق . يضاف إلى ذلك مناداته بحرية "المطبعة " بما هي حرية للرأي والكتابة والنشر وركن أساسي في إرساء الديمقراطيّة.

ومثلما عرقلت محاولة طهطاوي فإنّ محاولة خير الدين باشا عوّقت من قبل المعارضين للإصلاح وخاصةّ منهم باي تونس /الملك الحاكم.

ورغم أنّ خير الدين باشا لم يحقّق مراده من الإصلاح إلّا أنّه ترك بصمته الإصلاحيّة الواضحة في المجتمع التونسي الذي أصبح في موقع المركز، على الأقل، من حيث المساواة بين المرأة والرجل ومن حيث انطلاق الثورة العربيّة الراهنة وتثبيت مسار ودعائم الحكم الديمقراطي رغم المعوّقات الظرفيّة الكثيرة والإنفلاتات.

وما يمكن الإشارة إليه في النهاية، أنّه رغم أنّه قد برز إلى السطح في العالم العربي فكر تنويري وإصلاحي، إلّا أنّه لم يمثّل حركة تنويرية إصلاحية جذريّة كإفراز لمنظومة فكريّة متكاملة تحمل مشروعا واضح المعالم وتمثّل مرجعيّة صلبة كما حدث في أوروبّا خلال القرنين السابع والثامن عشر بفضل لفيف من فلاسفة التنوير الغربيين الذين جمعهم هاجس القطع مع النظم السائدة والدفع إلى صياغات لفكر ونظم جديدة. بينما ما جمع بين المفكرين المعاصرين العرب التنويريين إنّما كان مجرّد ردّة فعل على مشاريع التغريب أكثر منها إبداع فكر جديد.

 

بقلم المهندس فتحي الحبّوبي

 

adnan oayeedإذا كان العقل في لغة العرب، يعني التحديد والتقييد، حيث ارتبط العقل هنا بكلمة عقال التي تفيد تقييد ساق الناقة حتى تبقى في مكانها. فإن دلالات العقل على المستوى الفلسفي، ظلت في سياقها العام قضية خلافية وإشكالية لدى المفكرين والفلاسفة على كافة مدارسهم، واتجاهاتهم الوضعية منها والدينية معاً. فهناك من اعتبر العقل ملكة وقوة من قوى النفس، وظيفتها استنباط الحقائق، وبها نستطيع تجاوز ما هو حسي وجزئي ومتعدد، إلى ما هو مجرد وكلي وواحد. ومن المفكرين الذين قالوا بهذه الرؤية الفيلسوف " الكندي" في كتابه (رسالة في حدود الأشياء ورسومها)، حيث جاء عنده أن العقل (جوهر بسيط مدرك للأشياء بحقائقها) . وهناك من قسم العقل إلى عقل نظري مجاله البحث في قضايا الرياضيات والطبيعيات والميتافيزيقيا والمنطق، وإلى عقل عملي، ومجاله السياسة والأخلاق، وهذا ما قال به الفيلسوف "الفارابي" في كتابه (فصول منتزعة) حيث اعتبر القوة الناطقة (العقل)، بأنها القوة التي َيعْقَلُ بها الإنسان، وبها  تكون الروية، وبها تبنى العلوم والصناعات، وبها يميز ما بين الجميل والقبيح، وهذه القوة منها ما هو نظري ومنها ما هو عملي .

هذا في الوقت الذي نجد فيه من يعتبر العقل أيضاَ عبارة عن مجموعة من القدرات والمهارات والتقنيات والمناهج التي تمكّن من الاستدلال والبرهنة، وهذا العقل في توصيفه يختلف ويتطور في مهاراته وقابلياته من مرحلة تاريخية إلى أخرى وفقاً لمجالات نشاطه. فالعقل وفقاً لهذه المعطيات هو وعي الإنسان وآلية عمل هذا الوعي (الميكانيزم)، في إدراك المحيط الذي ينشط فيه بكل مكوناته، وهذا الوعي يُكتسب تاريخياً عبر علاقة هذا  الإنسان مع الطبيعة والمجتمع معاً. أو بتعبير آخر العقل هو ما اكتسبه الإنسان عبر تنشئته التاريخية بكل ما تحمل هذه التنشئة من معطيات مادية وروحية. وهذا الفهم الأخير للعقل يدفعنا في المحصلة إلى تجاوز فكرة تعريف العقل، للنظر في تعيينه، أي تعيين الظروف التي تنتجه وتحدد بالتالي طبيعته ومهاراته وقدراته في هذه المرحلة التاريخية أو تلك، وضمن هذا الحقل المعرفي أو ذاك .

إن العقل إذن كما أراه، هو المعرفة الإنسانية، ووعي الإنسان بذاته وما يحيط به، معيناً في مرحلة تاريخية محددة. أو بتعبير آخر، هو المعرفة الإنسانية في سيرورتها وصيرورتها التاريخيتين. وبذلك يكون العقل خاضعاً بالضرورة لظروف إنتاجه الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية والبيئية، وهي وحدها من يمنح العقل شقاءه ممثلاً هنا في رؤاه الأسطورية، والامتثال والإطلاق والسجال والنقل والثبات، وفصل العقل أو المعرفة عن العالم الواقعي المحيط به. مثلما هي ذاتها من تمنح العقل تاريخيته أيضاً (عقلانيته)، بحيث يصبح محايثاً للعالم، ومترافقاً مع معطياته المادية والفكرية/الروحية في حركتها وتعددها وتبدلها وكليتها ونسبيتها وجدليتها.

 

لماذا يكون العقل/ الوعي شقيا؟َ:

إذا كان شقاء العقل أو الوعي يكمن في مفارقة هذا العقل للواقع الذي أنتجه بسبب جهل حوامله، للقوانين التي تتحكم في هذا الواقع ذاته وآلية عمله، وبالتالي محاولة تفسير ظواهر هذا الواقع بعمومها تفسيراً لا يمت لآلية عمل هذه الظواهر والقوانين التي تتحكم فيها، وحالة حركتها وتطورها  وتبدلها، فهذا يعني في بعده الإنساني تحقيقاً لحالة اغتراب هذا الإنسان بكل أشكالها، بدءاً من اغترابه عن الطبيعة التي تحيط به وينشط عليها، مروراً باغترابه أو غربته الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وصولاً إلى اغترابه أو غربته الروحية والثقافية .

إن جهل الإنسان وعجزه في اكتشاف قوانين الطبيعة بشقيها البيئي والاجتماعي، وآلية عملها، حقق حالة غربته عن محيطه الطبيعي، لذلك خاف ظواهر الطبيعة بكل تجلياتها، في رعدها وبرقها وصواعقها وبراكينها وزلازلها وعواصفها وسيولها، وفي قمرها وشمسها وكواكبها.. الخ، الأمر الذي جعل عقله / وعيه مغرباً وشقياً، فدفعت هذه الغربة صاحبه (الإنسان) لعبادة هذه الظواهر الطبيعية وخلق آلهة تمثلها وتتناسب في صفاتها وطبيعتها مع حالة تلك الظواهر وما تقدمه من خير أو شر له بغية تلافي شرها، أو إرضائها لتديم نعمها عليه، وهذه الغربة وما حققته من شقاء لعقل الإنسان لم تكن من صنع يد الإنسان ذاته في مراحل حياته البدائية، بل فرضتها الضرورة الحكمية عليه.

أما غربة الإنسان الاجتماعية، وما حققته أيضاً من شقاء  لعقله، فقد بدأت مع نشاط الإنسان عبر وجوده الاجتماعي، وما حققه هذا النشاط من تطور في وسائل وقوى وعلاقات إنتاجه، وبالتالي في وجوده الاجتماعي والروحي برمته، حيث أخذ يتخلص عبر هذا النشاط شيئاً فشيئاً من سيطرة قوانين الطبيعة العمياء عليه بعد أن راح يكتشف أسرارها وآلية عملها عبر التجربة والمشاهدة المباشرة، ليدخل في غربة وضياع آخرين في محيطه الاجتماعي بكل علاقاته المادية والروحية التي أنتجها بنفسه هنا، والتي تمثلت بالقوانين والأعراف والعادات والتقاليد وكل المثل الروحية التي أنتجها ... الخ. ففي هذه الحالة من التطور الإنساني التي يتجلى فيها اغتراب الإنسان الجديد أو اللاحق في منتجاته، فإن أهم ما يتجلى فيه هذا الاغتراب، أو شقاء عقل الإنسان، في ما أبدعه من أساطير جديدة حاول بها تفسير وجوده في هذه المرحلة، فبعد أن تجاوز تأليه وأسطرة معطيات أو ظواهر الطبيعة المباشرة، أخذ يؤله ويؤسطر الكثير من علاقاته الاجتماعية والروحية الجديدة، حيث أخذت هذه الأساطير ذاتها تشكل الجذر الثقافي والمعرفي لحياته أو علاقاته الاجتماعية والروحية (الدينية) بشكل خاص آنذاك ولفترة زمنية طويلة، مجسدة في آلهة لها مهامها المختلفة والمتناسبة مع طبيعة علاقاته القائمة في تلك الفترة، بدءاً من آلهة الحب والخصب والمطر، مرورا بآلهة الحرب، وصولاً إلى الإله الملك أو الحاكم، الذي تحكم بالسلطة وراح يزيد في غربة وشقاء عقل من هم تحت سلطته حفاظاً على هذه السلطة.

لقد راحت الأسطورة تُنسج في حياة الإنسان في المراحل التاريخية اللاحقة لمرحلة الضرورة الحكمية، أو البدائية،  من قبل مَنْ امتلك السلطة في شقيها الديني والسياسي من أجل التحكم في حياة أفراد المجتمع، وتحقيق غربتهم المادية والروحية، أي شقاء عقولهم... هذه الأسطورة التي جعلت الإنسان غير قادر على التمييز بين ذاته وموضوعها، فتركته ينظر إلى الظواهر جميعها نظرة إيحائية ذاتية، وهو ما يعني أنها لم تستطع أن تمنحه القدرة على أن يخطو الخطوة الفاصلة نحو التمثل العقلي ألبرهاني للكون، وبذلك ظلت الأسطورة تحيل إلى العواطف والانفعالات والذاتية والإيمان ألامتثالي، وليس إلى التفكير والتجريد والبرهان. أو بتعبير آخر ، الانتقال من وصف الأشياء، إلى البحث عن القوانين العلمية التي تتحكم فيها، ومن البحث عن الأسباب، إلى الاهتداء للغايات التي تحركها، وأخيراً بلغة " هيجل" نقول : من الوعي الشقي المنفصل عن العالم، إلى الوعي المحايث للعالم، والمترافق مع ميلاد العقل التاريخي والعقلانية.

ملاك القول: إن حالات الاغتراب هذه وما رافقها من شقاء للعقل، ظلت الأسطورة ذاتها، ولو بأشكال مختلفة، وبروح معاصرة تساهم بهذا الشكل أو ذاك، وبشكل فاعل ومذهل، وأحياناً بوعي مدرك تماماً لأهدافها، في التأثير حتى في عالمنا المعاصر، عالم ما بعد الحداثة، الذي فرضته علينا آلية عمل اقتصاد السوق الاحتكاري، ممثلة بالطغمة المالية العالمية وشركاتها المتعددة الجنسيات، التي تحكمت بقدر الإنسان الكوني عبر امتلاكها وسائل مادية ومعنوية هائلة سخرتها بكل أشكال ووسائل الاستبداد والقهر بدءاً بالكلمة، وصولاً إلى الطلقة، من أجل تشييئ الإنسان واستلابه، وبالتالي تحقيق غربته وشقاء عقله/ وعيه، ونمذجته، أو تذريره كي يبقى عدداً (فرداً)، وتركه يبحث عن خلاصه الإنساني الفردي خارج عالمه العياني، وبعيداً عن مصادر شقائه الحقيقي... أن يبحث عن خلاصه هناك في عالم العبث واللامعقول والنهايات والموت، بدءاً من نهاية منظومة الإنسان الأخلاقية الايجابية، وصولاً إلى نهايته التاريخية، أي عدميته، لتبقى فقط في هذا العالم سلطة سوق الرأسمال الاحتكاري حرة قوية، كما رسمت لها أساطير قادة هذا النظام .

 

كاتب وباحث من سورية

.........................

ملاحظة: إن سيطرة التفكير الوهابي الذي روج له آل سعود منذ استلامهم الحكم في السعودية، وما ينتج عن هذا الفكر من ممارسات لاتمت إلى الإنسان والحقيقة بصلة، هو أهم تجليات هذا الوعي أو العقل الشقي في عالمنا العربي اليوم.