adnan oayeedالعلاقة الجدلية مابين العلمانية والحداثة: قبل الوقوف عند مفهوم العلمانية وتبيان دلالاتها كما أراها، لا بد لنا بداية من الإشارة إلى أن العلمانية من حيث سياقها التاريخي كظاهرة اجتماعية وسياسية وثقافية واقتصادية جاءت مرتبطة بالحداثة، والحداثة هنا، إشارة مرسلة تدل على تطور تاريخي لمجتمع ما في إطار التاريخ العالمي. أو بتعبير آخر، إشارة مرسلة تدل على حدوث تحول وتطور لمجتمع من المجتمعات في مجمل مستوياته الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية ... تحول وتطور عقلانيان يشيران إلى تجاوز قوى وعلاقات الإنتاج القديمة، وتشكل أو إنجاز قوى وعلاقات إنتاج جديد تتناسب مع اقتصاد السوق وتحرير العملية الاقتصادية من رحم الاقتصاد البطريريكي (الأبوي)، بالترافق مع بدء انتشار وتكون وعي جديد ذي سمات علمية وعقلانية لتفسير حركة وآلية عمل الطبيعة والمجتمع بعيدا عن أسس التفسير السابقة المستندة على الرؤى والمفاهيم الذاتية والغيبية، هذا إضافة إلى تشكل جمعيات ثقافية وأحزاب سياسية ذات تصورات أيديولوجية مختلفة تتوزع مابين اليمين واليسار، واتساع لدوائر ومؤسسات الدولة الحديثة ذات التوجهات الليبرالية والسمات العقلانية .

إن كل ما أشرنا إليه، رافقه بالضرورة تحولات وحراك اجتماعي طال فئات وطبقات اجتماعية واسعة في المجتمع تمثل في انتشار التعليم وزيادة نسبة المتعلمين واتساع حرية المرأة وبروز تبدلات في القيم والعادات والتقاليد ... الخ .

نقول: إذا كان هذا الذي جئنا عليه يصب في العلاقة الجدلية ما بين الحداثة والعلمانية، فما هو مفهوم العلمانية إذن ؟ .

على العموم، إن العلمانية إن جاءت من ( اَلْعَاْلَمْ )، أي من الحياة اليومية المباشرة بكل معطياتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية، أم جاءت من ( الْعِلْمْ ) بكل قوانينه الوضعية، فإن للعالم والعلم كلاهما قوانينه الموضوعية التي تفرض نفسها على الإنسان وإرادته، وتتحكم بسير حركة الواقع وتطوره بعيداً عن إرادة الإنسان ورغباته. بيد أن العلمانية التي تقر بوجود هذه القوانين الموضوعية لاتنفي بالمقابل أن للإنسان وعيه وحريته اللتان تعطيانه القدرة على التحكم أيضا في آلية عمل الكثير من هذه القوانين وضبط حركتها لمصلحته. أي إقرار العلمانية، بأن ثمة فسحة واسعة من الحرية قد امتلكها الإنسان ليفكر ويمارس ويبحث عن ذاته وتنميتها، وبالتالي، فالعلمانية في أبسط صورها هي: قدرة الإنسان على الممارسة و التحكم بتلك المساحة من التفكير والإرادة الكامنة فيه بحرية وعقلانية من اجل تأمين حاجاته المادية والروحية بعيدا عن أية سلطة مادية او روحية تحد من هذه القدرة بادعائها أن الإنسان ضرورة فقط. أي إنسان يفتقد القدرة على التفكير والممارسة بحرية.

إن هذا الفهم البسيط للعلمانية يشكل برأيي نقطة الخلاف الأساس ما بين العلمانيين ومناهضي العلمانية من متديني الإسلام السياسي المعاصر، وبخاصة هؤلاء الذين يريدون أن يحجروا على حرية الإنسان وعقله، ويقروا بكل صراحة باستقالة العقل أمام النقل، ويمثل هؤلاء كل أصحاب الفكر السلفي الذي تعبر عنه المدارس الفقهية والكلامية التي رفضت العودة إلى العقل لتفسير النص المقدس القرآن والحديث خدمة لتطور الواقع وما يفرزه من أحداث ووقائع جديدة تفسح في المجال واسعاً أمام (البراءة الأصلية) كما يقول بعض الفقهاء، أي خدمة لتوسيع دائرة المباح بدلاً من تضييقها، لذلك قرروا أن ما قاله السلف وما مارسوه حتى القرن الرابع للهجرة حيث توقف الاجتهاد، هو المعتمد في التفسير أو العودة إليه لتفسير هذا الجديد معتمدين على مصادر التشريع الأربعة وهي: القرآن والحديث والإجماع والقياس – قياس الحاضر على الماضي-، بعد أن ضبطها الإمام الشافعي وأصبحت مدرسة لرجال الفقه والفكر السلفي مثل ابن حنبل وأبو حسن الأشعري وأبو حامد الغزالي وابن تيمية وابن قيم الجوزية ومحمد بن عبد الوهاب، وكل رجالات الفكر السلفي المعاصرين الذين ينتمون إلى هذا التوجه الفقهي ومن اشتغل عليه من السلف. وبالتالي فإن أي خروج عن سلطة النقل والامتثال للمطلق يعتبر عندهم بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. وعلى هذا الموقف الفكري الجبري والامتثالي، كُفر كل من اعتمد على عقله أو أعطى لإرادته مساحة واسعة من الحرية في التعايش مع الحياة ومجاراة تغيراتها تحت ذريعة الخروج عن النص المقدس الذي فسره مشايخهم الأوائل، أو استنتجوا أحكامه ودلالات ومقاصده كما فهموه أو أرادوه، وغالباً ما تحكمت في تفسيره المواقف السياسية التي كانت تخدم السلطات الحاكمة المستبدة، على اعتبار أن هذا الموقف السلفي السياسي في صيغته الفقهية أو الكلامية، هو من برر فساد السلطة ومنع من يقاومها، واعتبر أن من يخرج عليها كافر. فهذا ابن حنبل يقول: (فإن من غلبهم بالسيف حتى صار خليفة، وسمي أمير المؤمنين، لا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبت ولا يراه إماماً عليه براً كان أو فاجراً، فهو أمير المؤمنين.) (راجع كتاب السلطة في الإسلام، عبد الجواد ياسين،ط1، المركز الثقافي العربي، ص86 ). كما يقول في هذا الاتجاه أيضاً أحد كبار الأشاعرة وهو الباقلاني: (إن الإمام لا ينخلع لفساده وظلمه، بغصب الأموال وضرب الأبشار،وتناول النفوس المحرمة، وتضييع الحقوق، وتعطيل الحدود.). (المرجع نفسه ص86). وذلك كله يأتي تحت ذريعة الخوف من عقدة الفتنة. وأحب أن أشير هنا إلى مسألة على غاية من الطرافة والدلالة، ففي الوقت الذي كان فيه ابن حنبل يحكم على من يقول بخلق القرآن بالكفر والزندقة، كان يقول عن الخليفة المعتصم الذي سجنه كونه رفض القول بخلق القرآن: (بأمير المؤمنين). وهذه الرؤى والمواقف الحنبلية السلفية الجبرية ذاتها آمن بها الأشاعرة وعلى رأسهم أبو الحسن الأشعري الذي يعتبر المؤسس الثاني بعد الشافعي للفكر السلفي في صيغته المنهجية بعد أن ادخل علم الكلام في الفقه، وهو الذي يقول: (قولنا الذي نقول به، وديانتنا التي ندين بها، هي التمسك بكتاب الله ربنا عز وجل، وسنة نبيه محمد"ص"، وما روي عن السادة الصحابة والتابعين، وأئمة الحديث، ونحن بذلك معتصمون بما كان يقول به أبو عبد الله أحمد بن حنبل نضر الله وجهه وأجزل لمثوبته قائلون، ولما خالف قوله مخالفون.) (المرجع نفسه ص54و55 ). وهنا أتساءل: كيف يدعي الأشاعرة بأنهم وسطيون، وهم يميلون كل هذا الميل الذي لا حياد عنه إلى الحنابلة ؟. عموماً نقول في هذا السياق: لقد حول هؤلاء السلفيون أحكامهم واشتهاداتهم الشرعية إلى نصوص مقدسة، شأنها شأن النص المقدس نفسه (القرآن والسنة). هذا مع تأكيدنا على أنهم في الكثير من الأحكام التي اجتهدوا فيها قد انطلقوا في آلية عملهم أو منهجهم الفقهي من اللفظ إلى المعنى عند قراءتهم للنص المقدس بشكل خاص، أي كثيراً ما نظروا إلى النص المقدس أثناء بحثهم عن الأحكام الشرعية، على انه بناءٌ من الألفاظ والجمل والتراكيب اللغوية، ومن هذا البناء اللغوي يجب استنباط الأحكام الفقهية، أكثر من نظرتهم أو تعاليمهم مع هذا لنص على أنه علم من الأحكام والنظم والمقاصد يجب أن يشتغل العقل للوصول إليها. لذلك هذا ما جعلهم على سبيل المثال أن يفسروا مثلاً سورة (العلق) تفسيرا طغى عليه البعد اللغوي أكثر من الغوص في عمق دلالات مقاصده ونظمه وأحكامه، أو النظر إلى السورة نظرة كلية شمولية بما تحتويه هذه الشمولية من دلالات إنسانية، لا نظرة تجزيئية تعتمد على الكلمة أو الجملة أو العبارة. (راجع تفسير الجلالين). وإن وجد هناك من حاول أن يغوص في دلالات هذه السورة، فقد وقف عند معجزة تقول: إن هذا الرسول الذي استطاع أن يغير مجرى التاريخ هو أمي لا يجيد القراءة والكتابة، وقد نزل على مجتمع أمي، استطاع بعون الله أن يحقق كل تلك الانجازات التاريخية، وبالتالي لم تؤخذ هنا الدلالات التي تؤكد على دعوة الله للإنسان عموماً وليس للرسول فحسب، أن يتعلم، لأن العلم والمعرفة ستساعدانه على امتلاك إرادته، وتعطيانه القدرة كي يتحكم بالواقع الذي يعيش فيه، وأن لا يكون اتكالياً، وعليه أن ينظر بنفسه إلى الواقع المحيط به، وما يفرزه أو يقدمه هذا الواقع من وقائع مستجدة دائماً والتعامل معها وفقاً لمصالحه.

إن الدين في حقيقة الأمر إذن لا يخالف العلمانية من حيث الجوهر، فالدين لم يلغ في نصوصه البينات حرية الإنسان ودفعه إلى تجميد أو إلغاء حرية التفكير والممارسة عنده، بل على العكس، فإن معظم النصوص تطالب الإنسان بالتفكير وتشغيل العقل للوصول إلى الحقيقة، ولم تخف هذه النصوص الدعوة بتكليف الإنسان ذاته خلافة الله على الأرض، هذا التكليف الذي رمى على عاتق الإنسان مسؤولية الإشراف والحفاظ على حسن سير الطبيعة والمجتمع معاً، ولكي يدرك الإنسان ويعرف طبيعة هذه المسؤولية الملقاة على عاتقه، أُمره الله أن يسلك طريق المعرفة، فكانت أول آية قرآنية نزلت وخاطبت الإنسان هي (اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم .) .

نعم لقد كانت دعوة صريحة للإنسان الخليفة وتنبيهاً له، بأنه لن يستطيع أن يمارس دور الخلافة على الأرض ما لم يكن حرا ومدركا لدوره ورسالته وطبيعة المسؤولية الملقاة على عاتقه، وهذه لن تتحقق إلا باكتساب المعرفة، وأول ما عليه معرفته، هو، أن الواقع الذي يعيشه أقوى من النص المقدس ذاته، وأن النص جاء للواقع، ومن أجل تغيره وإعادة بنائه أو إعماره تحقيقاً لمصلحة الإنسان وبما يخدم تنميته والسمو به إلى عالم الإنسانية الرحب، ولو لم يكن النص المقدس كذلك لما جاء القرآن في الحقيقة منجما، ولما كان الناسخ والمنسوخ، ولما كان الفقه الذي يعني في الأساس، مجموعة الأحكام الشرعية التي يضعها أو يصدرها الفقهاء لمصلحة الإنسان بغية تيسير حاجته المادية والروحية،وهي أحكام لم تؤسس في معظمها على النص المقدس عند بعض الفقهاء أو المتكلمين العقلانيين، رغم أن هذا النص المقدس ظل محتكاً بالواقع وممتداً معه، ولكن هذا الواقع كان دائماً يسبق النص في حركته وتطوره، وهذا ما جعل عمر رضي الله عنه ينظر نظرة جديدة للنص في عام الرمادة، ومسألة الخراج، إن هذا الموقف الجريئ ذاته نظر من خلاله بعض الفقهاء العقلانيين، فإضافة لاعتمادهم على النص المقدس في إصدارهم لهذه الأحكام الفقهية بعد فتح النص الديني على كل دلالاته، أو العمل على استفزازه وتفجير طاقاته في مواجهة الزمان والمكان المتغيرين والمثقلين بالواقعات، نجدهم – أي الفقهاء والمتكلمون العقلانيون- يعتمدون على مصادر فقهية إضافية غير تلك المصادر الأربعة التي حددها السلفيون أو ما سموا (بأهل الحديث) وبخاصة القرآن والسنة والاجماع والقياس، وإنما اعتمدت أيضاً على مصادر عقلانية أخرى مثل المصالح المرسلة، والاستحسان، وتغير الأحكام بتغير الأزمان، وغير ذلك من مصادر فقهيه تمنح حرية واسعة لدور العقل وإرادة الناس انطلاقاً من مصالح الناس، بالرغم من موقفهم الرافضة لمصدري القياس والإجماع وما يصب في بوتقتهما من مصادر أخرى مثل أقوال الصحابة والتابعين وأعمال آهل المدينة وغير ذلك من المصادر التي تبناها السلفيون في فقههم. أما أهم من مثل هذا التيار العقلاني من مذاهب وتيارات فكرية، فهم المعتزلة على مستوى أهل الكلام، والمذهبان الفقهيان الحنفي والجعفري على المستوى الفقهي. فجميع هؤلاء أمنوا بأن الإنسان مخيراً وليس مسيراً، كما آمنوا بدور العقل وحرية الإرادة الإنسانية في التعامل مع النص الديني المقدس وضرورة فتحه على حركة الواقع واستيعاب ما يجري فيه من أحداث جديدة أو مستجدات. هذا وقد حوربت هذه المواقف العقلانية في شقيها الكلامي والفقهي من قبل ألتيار السلفي (أهل الحديث) بكل تياراته الكلامية أيضاً ومذاهبه الفقهية.

إن مثل هؤلاء الفقهاء والمتكلمين العقلانيين هم من آمن ضمناً بمقولة: إن هذه الأمة تحتاج كل مئة عام لمن يجدد لها في دينها. مع اعتقادي أن هذه الأمة أمام ما يتعرض له العالم من تطور وتغير يومي بسبب ما حققه الإنسان من تطور علمي وتكنولوجي، وتأثير هذا التطور بالضرورة على جملة حياة الإنسان الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية، لا بد أن يوجد هناك من يجدد لنا ديننا كل يوم.

على هذا الأساس نتساءل: ما هي معطيات المقاربة ما بين الدين والعلمانية؟ .

أولا: ضرورة الإقرار بأن النص الديني المقدس (القرآن والسنة)، يجب أن يفتح دائماً في دلالاته الإنسانية على مستجدات الواقع، ولا يجوز إغلاقه خدمة لمصالح قوى اجتماعية محددة ذات أبعاد أنانية ضيقة .

ثانياً: الإقرار بأن الإنسان يمتلك إرادة وتفكيراً حرين، ومسؤولية إنسانية توازي هذه الإرادة وهذا التفكير، وتعمل على ضبطهما بما يخدم حياة الإنسان الكريمة ومستقبله .

ثالثاً: الإقرار بأن الحياة في حالة من التطور والتبدل المستمرين، أي في حالة سيرورة وصيرورة دائمتين.

رابعاً: إن المجتمعات التي تتعدد فيها الأديان والمذاهب والطوائف، لا يمكن أن تحكم بالدين، وبالتالي لا بد من الإقرار بضرورة فصل الدين عن الدولة، أو السياسة، أو تحيده والعمل وفق مقولة: (الدين لله والوطن للجميع). وهي ضرورة لا تسيء للدين من جهة، ولا تسيء للمتدينين من جهة أخرى. فمن صلب العلمانية تنبثق الديمقراطية، ومن أولى أسس هذه الديمقراطية، احترام التعددية، وفي مقدمتها التعددية الدينية وحرية الاعتقاد.

خامساً: رفض النزعة العدمية تجاه الدين، وعدم الممانعة في الاتكاء عليه تربوياً وأخلاقياً واجتماعياً تحت مقولة ما نسميه التوظيف السوسيولوجي للدين. فالدين إذا ما وظف بشكل عقلاني لتربية الفرد على القيم الفاضلة سيحقق نتائج إيجابية رائعة، فهو الشرطي الكامن في أعماق شعورنا ولا شعورنا معاً. غير أنه يَفْسَدْ ويُفْسِدْ الفرد والمجتمع معه عندما يوظف سياسياً. إن الدين عندما يوظف سياسياً، يتحول إلى أيديولوجيا براغماتية، تعمل على تحقيق مصالح قوى اجتماعية محددة على حساب قوى اجتماعية أخرى، أو تجعل قوى اجتماعية محددة وصيّة على قوى اجتماعية أخرى، وهذا كله يجعل من النص الديني قوة أيديولوجية فوق الواقع وحركته وتطوره... قوة أيديولوجية تعمل على ليّ عنق الواقع كي ينسجم معها دائماً، أي مع مصالح القوى الاجتماعية الضيقة أو المحدودة التي تعبر عنها هذه الأيديولوجيا على حساب قوى اجتماعية أخرى، وهنا ندخل في باب التكفير والزندقة ورفض الآخر، وتحليل دمه أو قتله على هويته الدينية المخالفة للخطاب الديني السائد أو المسيطر، أو مَنْ يشعر مِنْ حملة هذا الخطاب أو ذاك أنهم هم الفرقة الناجية، وبالتالي سيساهم هذا الخطاب الديني العدواني في بنيته وأهدافه على تفتيت المجتمع وتجزيئه وتذريره إلى كونتونات اجتماعية تقوم على الطائفة والمذهب . ومن هذا الخطاب الأيديولوجي البراغماتي جاء موقف الإخوان من العلمانية كم حدده سيد قطب في كتابه ( العلمانيون والإسلام) حيث يقول: (العلمانيون هم المرآة التي تعكس ما يريده أعداء الأمة من اليهود والنصارى، ولذلك فهم يتبنون كل ما من شأنه إبعاد هيمنة الإسلام عن حياة المسلمين.). وكذلك رأي رئيس المجمع الفقهي في السعودية: ( إن هذه الدعوة الآثمة – فصل الدين عن الدولة – في حقيقتها عزل الدين عن الحياة ووأد الناس وهم أحياء ...) (لمعرفة المزيد من هذه الآراء المتخذة ضد العلمانية . راجع كتاب ظاهرة التطرف الديني، للدكتور سفير أحمد جراد . دار محمد الأمين للطباعة والنشر والتوزيع. ط3. دمشق. 2012 . من ص507 إلى ص 512 .). وللأسف إن كل التيار السلفي المعاصر دون استثناء يتبنى وجهة نظر (المجمع الفقهي) في السعودية من مسألة العلمانية. وإن كل هذه الآراء الواردة في هذا الكتاب من قبل العديد من الكتاب والباحثين الإسلاميين أو المؤسسات الإسلامية، تشير إلى قَبلِيَةِ هذه الآراء وتسييسها، فهي آراء لم تقم على مواقف معرفية ونقدية لفهم العلمانية وطبيعتها وأهدافها، أو حتى دراسة تاريخها وصيغها.

هكذا نجد من خلال هذه المقاربة الأولية ما بين الدين والعلمانية، أن العلمانية ليست ضد الدين أو نافية له، بل هي الجانب العقلاني والإنساني فيه... إنها دعوة لحرية الإنسان وسيادة العقل والمنطق في تفسير آلية عمل ظواهر الحياة الطبيعية والاجتماعية وتسخيرها لمصلحة الإنسان ... إنها دعوة لتسييد العقل على النقل والامتثال . هذا مع تأكيدنا في نهاية هذه الدراسة بالقول: إن العلمانية ليست صيغة واحدة معطاة بشكل نهائي، وقابلة للتمدد في صيغتها الوحيدة لكل زمان ومكان، إن العلمانية شأنها شأن الديمقراطية، فهي صيغ متعددة، تفرض كل صيغة منها طبيعة المرحلة التاريخية المعيوشة وحواملها الاجتماعية، لذلك نجد أن صيغة العلمانية التي طرحها رجالات الثورة الفرنسية في القرن الثامن شر، تختلف في الحقيقة من حيث الجوهر عن الصيغة العلمانية التي طرحها رجالات الثورة البلشفية في روسيا مع بداية القرن العشرين، أو عند لاهوت التحرير في أمريكا اللاتينية في النصف الثاني من القرن العشرين. فالثورة الفرنسية لم تحارب الدين من حيث كونه حالة روحية ووجدانية تتضمن في جوهره قيماً أخلاقية إيجابية كثيرة، وإنما جاءت العلمانية آنذاك، ضد سلطة الكنيسة الاستبدادية التي التقت مع السلطة الاستبدادية الملكية ضد الشعب ومصالحه، وبالتالي فقد كانت تهدف العلمانية عند قيام هذه الثورة الفرنسية إلى فصل الدين عن الدولة بغية منع سلطته الاستبدالية من جهة، ومركزته في الفرد بدل الكتلة ضرباً للطائفية والمذهبية لا أكثر من جهة ثانية. بينما نجد صيغة العلمانية في الثورة البلشفية، أنها كانت تتجاوز مسألة فصل الدين عن الدولة، لتدخل في مسألة فلسفة الإلحاد، وهذا ما أوقع الاتحاد السوفيتي سابقاً في مآزق كثيرة لدى شعوب الاتحاد السوفيتي، إن كان عند بعض قومياته التي تتخذ الإسلام ديناً لها من جهة، أم عند اليهود والمسيحيين الروس أنفسهم من جهة ثانية. ثم هي غيرها أيضاً في بعض دول أمريكا اللاتينية التي اتخذت من لاهوت التحرير منهجاً لها في موقفها من الدين والدولة، وسخرته تسخيراً ثورياً لضرب مواقع الاستبداد والفساد دون الدعوة إلى تبنيه بديلاً عن الدولة المدنية أو دولة القانون والمؤسسات..

 

كاتب وباحث من سورية

.........................

ملاحظة: هذه الدراسة نشرت منذ أكثر من خمس سنوات في العديد من المواقع والصحف الالكترونية، وقد اعتبرها البعض من أوائل الدراسات التي تناولت موضوعة المقاربة مابين العلمانية والإسلام. وأنا أعيد نشرها اليوم ضمن سلسلة مقالات قضايا التنوير بعد أن أجريت عليها الكثير من التعديل.

 

 adnan oayeedمدخل: يعتبر السيد  جورج جاكوب هوليوك، (George Jacob Holyoake) الكاتب البريطاني، أول من قدم تعريفا للعلمانية، حيث بين أن العلمانية في سياقها العام، هي قاعدة أو منطلق أفكار وقيم رقي المجتمع الدنيوي، التي تجاوزت أساليب التفكير الديني في تفسير أحدث وظواهر الطبيعة والمجتمع في الميدانيين العام والخاص معا.

في الميدان العام:  تؤكد العلمانية بأن الحق يجب أن لايرتبط بقيود التعاليم الدينية فقط، كما تؤكد أيضاً على عدم فرض سلطة الدين على الناس من قبل الدولة، التي يجب أن تكون دولة حيادية تجاه حالات الاعتقاد، وأن لاتقدم أية امتيازات أو دعم لأي دين من الأديان في ظل المجتمعات أو الدول المتعددة الديانات. (تمييز الفقرة من قبلي – المترجم)

في الميدان الخاص : تشير العلمانية إلى ضرورة الاعتقاد بأن النشاطات الإنسانية وما يتخذه الناس من قرارات وبخاصة على المستوى السياسي منها، يجب أن تؤسس على الدليل والبرهان للوصول إلى الحقيقة، وليس على تأثير الرؤى والأفكار الدينية فقط .

كما يؤكد أيضا هوليوكا (Holyoake)، بأن الفكر العلماني الذي يؤسس على التدريب والتعلم، سيحقق بالضرورة حالة الانفصال أو الابتعاد عن الدين أو العقيدة بالنسبة للدولة.

إن النقاشات والجدالات التي دارت حول دعم العلمانية  في المجتمع الأوربي، كانت واسعة جدا، حيث راحت تؤكد على أن العلمانية هي حركة قريبة من المدنية، وبعيدة عن القيم والتقاليد الدينية. وهذا الأنموذج من العلمانية على المستويين الاجتماعي والفلسفي، غالبا ما تتبناه أو تسير على نهجه الحكومة العلمانية، هذا في الوقت نفسه نجد أن الكنيسة الرسمية وسلطة الدولة العلمانية لا تتخليان كلياً عن دعم الدين بهذا الشكل أو ذاك. ففي الولايات المتحدة الأمريكية على سبيل المثال، هناك بعض المهتمين بشؤون العلمانية يقولون: إن الدولة قد خدمت إلى حد بعيد الدين عبر تدخل الحكومة، بينما هي لم تتدخل بالشكل المطلوب لخدمة انتشار العلمانية على المستوى الاجتماعي. هذا ونجد أن تدخل الحكومات في الدول العلمانية يختلف في درجة قوته أو ضعفه من دولة إلى أخرى لأسباب مختلفة تتعلق بظروف الدولة ذاتها .

 

في التعريف:

استخدم مصطلح العلمانية لأول مرة كما أشرنا أعلاه من قبل الكاتب الإنكليزي (George Jacob Holyoake)، عام 1846 . وبالرغم من أن المصطلح يعتبر جديدا على الساحتين الثقافية والفكرية في أوربا، غير أن الأفكار العامة المرتبطة به، وبخاصة الأفكار الدينية ذات الطابع الفلسفي العقلاني، قد وجدت عبر الكثير من مراحل التاريخ، حيث نجد إرهاصاتها الأولية لدى المفكر العربي الإسلامي (ابن رشد)، ومدرسته الفلسفية، بشكل خاص.

لقد ابتكر هوليوكا (Holyoake)، مصطلح العلمانية كي يقدم أفكاره في المسائل الاجتماعية عبرها، بطريقة بعيدة في مضمونها عن الدين، دون الدخول من قبله أيضا في انتقاد المعتقدات الدينية بشكل فاعل.

إن هوليوكا (Holyoake) اللاأدري،(تيار فلسفي أعلن عم قدرة الإنسان على معرفة الحقيقة المطلقة- المترجم) كان يؤكد في أطروحاته بأن العلمانية ليست مخالفة للدين، أو في حالة صراع مع الكنيسة، بل هي دعوة لاغبر من أجل الاستقلال عنهما، كما أنها لم تدعي الشك في المسيحية، وأن المسيحية طورت المجتمع في فترة ما من تاريخها، كما أن العلمانية عنده أيضا لم تقل بغياب تجليات النور والعقل نهائيا عن الوجود، بل أقرت بوجود هذه التجليات في الحقيقة العلمية، وأن مقومات وشروط وجودها قائمة بشكل مستقل عن إرادة الإنسان، وهي تعمل دائما دون توقف، والمعرفة العلمية كما يراها وبكل وضوح هي ذاك النوع من المعرفة التي وجدت من أجل إدارة وتنظيم شؤون المجتمعات الإنسانية بشكل أفضل، محققة بذلك إمكانات الاختيار عبر التجربة في هذه الحياة .

إن معهد باري كوسمين (Barry Kosmin) للدراسات العلمانية في المجتمع والثقافة، قسم العلمانية الحديثة إلى أنموذجين، أنموذج قاسي والآخر لطيف، ووفقا للسيد موسمين ( Kosmin)، فالعلمانية القاسية تعتبر المواضيع الدينية من الناحية المعرفية غير قانونية، أما بالنسبة للعلمانية اللطيفة فهي ترى أن إنجاز الحقيقة المطلقة أمر مستحيل، لذلك لابد من اعتماد قاعدتي الشك والتسامح معا كمنطلق في التعامل أو النقاش حول العلم والدين معا .

 

الدولة العلمانية أو علمانية الدولة:

معظم حكومات العالم تعتبر بشكل رسمي حكومات علمانية، كخط أزرق، والدولة الدينية منها خط أحمر. وفي التعريفات السياسية، العلمانية هي حركات باتجاه فصل الدين عن الدولة، (عرفت غالبا بفصل الكنيسة عن الدولة)، أي تخفيف طبيعة العلاقات أو الروابط بين دين الدولة والدولة، عبر استبدال الوصايا والتشريعات الدينية الصادرة عن الكتاب المقدس ومن يقوم على تفسيرها مثل (الوصايا العشرة)، بقوانين وضعية، والعمل على إزالة التمايزات القائمة بين الناس على أسس دينية، وهذه التوجهات العلمانية في هذا الاتجاه تشكل أحد معطيات الديمقراطية (والمواطنة- المترجم)، التي تعمل على حماية حقوق الأقليات الدينية في المجتمعات الأوربية .

إن العلمانية غالبا ماترتبط بعصر التنوير الأوربي، وقد لعبت الدور الكبير في المجتمعات الغربية، بيد أن الأسس التي استخدمت لتطبيق فصل الكنيسة عن الدولة في أوربا وأمريكا، ليست بالضرورة تمثل توجها علمانيا بكل معنى الكلمة، ففكرة فصل الدين عن الدولة هذه وجدت في دستور الهند والعديد من الدول مثل، كندا، تركيا، كوريا الشمالية، وكوريا والجنوبية ... الخ، علما أن كل هذه الدساتير وغيرها لاتملك صيغة واحدة في أحكامها وبنودها تجاه التطبيق العلماني. إلا أنها في مضامينها العلمانية ظلت محاولة لم تتجاوز في معطياتها أكثر من كونها قوانين أو أحكاماً كانت في معظمها تقريبا قائمة على الورق، ومع ذلك تم إنجاز أو تأسيس الكثير من معطيات المجتمع الحديث في هذه الدول انطلاقا من معطياتها.

في مسألة الاعتقاد بضرورة فصل الدين عن الدولة، يبدو أن العلمانيين يميلون إلى تشجيع السياسيين بصياغة وإصدار قرارات تمس حياة المجتمع وتساعد على حل مستجدات عصره أفضل من أن تحل هذه المستجدات عبر الرؤى والأفكار الدينية. فالقرارات السياسية تجاه قضايا مثل، الإجهاض، والتربية الجنسية ... الخ، يعوّل النظر فيها والبحث عن حلول لها على القرارات السياسية ومنظمات المجتمع المدني أكثر من أية جهة أخرى، وبخاصة الجهة الدينية، على اعتبار أن القيمين على الدين يميلون دائما إلى لعب الدور القديم للدين الذي  يعتبر الأخلاق حالة معيارية مطلقة الثبات في شكلها ومضمونها وقابلة لكل زمان ومكان، وحتى من راح يتقبل الفكرة الديمقراطية من هؤلاء القيمين على الدين، والتي من خلالها تقبل القرارات السياسية في حل قضايا المجتمع، فهم بقوا يطمحون إلى تحقيق بعض المكاسب والامتيازات التي تمنحهم الشعور بضرورة وجودهم ودورهم الفاعل في المجتمع، وذلك عبر الحوار الدائم ما بين الكنيسة الخاصة بدين الدولة والدولة .

إن العديد من المسيحيين في أوربا وأمريكا الذين يدعمون العلمانية، يستندون في دعمهم هذا على الكتاب المقدس، وعلى مقولة السيد المسيح، (أعط ما لقيصر لقيصر، وما لله لله .). بيد أن  هناك بعض المسيحيين المتشددين (الأصوليون) وبشكل ملحوظ في أمريكا، يعارضون العلمانية، مدعين أن هناك علمانية لها توجهات أيديولوجية متطرفة، راحت في رأيهم هذه الأيام تشكل خطرا وتهديدا ليس لحقوق المسيحيين فحسب، بل وللأمن القومي أيضا (المحافظون الجدد- المترجم) .

إن معظم القوى الهامة أو الفاعلة في تكريس الأصولية في العالم المعاصر هي من الأصوليين المسيحيين والمسلمين، على اعتبارهما الديانتان الأكثر انتشارا وفاعلية،  في الوقت الذي نجد فيه أن الأقليات الاجتماعية التي تعيش في محيطهما،  هي من تدعوا إلى التطبيق العلماني اذي وجدت فيه تحقيقا للعدالة والمساواة بين الجميع. أب تحقيق   المجتمع المدني :

في دراسات فكرية عن الدين، تم الاعتراف بالمجتمع الأوربي الحديث على وجه العموم كمجتمع علماني، وهذا الاعتراف  هو في الحقيقة استحقاق للاقتراب أكثر من الحرية الدينية، (شخص ربما يؤمن بأحد الأديان، أو بديانات متعددة، أو ربما لايؤمن بأي دين كان، فهذه قضايا شخصية)، وأن الدين في نهاية المطاف لايملى على الناس عن طريق القرارات السياسية .

بالرغم من ذلك، فإن المشاهد الأخلاقية الأصيلة في التقاليد الدينية، بقيت من الناحية السياسية على درجة هامة من الأهمية في العديد من الدول التي تبنت العلمانية مثل، الصين، فرنسا، تركيا، أمريكا وغيرها، بل أن هذه التقاليد في بعض المراجع الدينية اعتبرت من نسيج ألأفكار السياسية . (مثل: الزواج والطلاق وما يمت لهذه القيم الشرعيةالأصيلة التي حددتها طبيعة الدين- المترجم)

إن علم الاجتماع الحديث، يعتبر أن هناك أزمات شرعية قد ولدت أو نتجت عن تحديات فرضتها سلطة التقاليد الدينية في الغرب منذ أن انشغل دوركهايم (Durkheim)، وكذلك الكثير من علماء وباحثي علم الاجتماع في القرن العشرين المعروفين أمثال (ماكس فيبر، كارل. ل . بيكر، كارل لويث، بانس بلومينبيرج، م. هـ. ابرامز، بيتر ل. بيرجر، و بول بينيكو.) .(Max Weber، Carl L. Becker، Karl Löwith، Hans Blumenberg، M.H. Abrams، Peter L. Berger، and Paul Bénichou) الذين انشغلوا بمشاكل السلطة في المجتمع العلماني وقضاياه، وبالعلمانية ذاتها كعملية تقدم اجتماعي وتاريخي في المجتمعات البشرية.

إن العلمانية يمكن أن تكون أيضا أيديولوجيا اجتماعية تتضمن الكثير من المعتقدات الدينية، وأحيانا المعتقدات الخارقة للطبيعة، بيد أنها في صيغتها هذه، غير قابلة لأن تكون مدخلا حقيقيا لفهم العالم عقلانيا، لذلك هي (أي في هذه الصيغة المثالية) غالبا ما كانت تُعزل عن الحكم، ولا تدخل في نطاق التفكير العقلاني، في الوقت الذي نجد فيه من يقول إن العلمانية وبكل صيغها التي جئنا عليها هنا، يمكن أن تكون ذاك التدريب العملي القادر على ترقية وتنمية المجتمع.

على العموم، إن تأكيد مواقف تُعتبر علمانية في سياق اجتماعي ما، ربما لا تكون هذه المواقف علمانيا في السياقات الأخرى، والعلمانية ليس من الضرورة أن تكون مساوية للإلحاد، فالكثير من العلمانيين هم متدينون، في حين نجد بعض الملحدين غالبا ما يوافقون على أن يكون للدين تأثير في سياسات الحكومة.

إن العلمانية في السياق المنطقي هي جزء جوهري من الأيديولوجية الاجتماعية والسياسية للمجتمع العلماني (الدنيوي)، وأن بعض المجتمعات أصبحت علمانية بشكل واسع كنتيجة لتقدم المجتمع، حيث أن عملية تقدم المجتمعات هي ذاتها تعتبر علمانية بامتياز، أي أن عملية تقدم المجتمع تفرض بالضرورة العلمانية على المجتمع.

 

أخلاق العلمانية:

العلمانية في هذا السياق إذن، هي مجموعة القوانين والمبادئ المرتبط بحياة الإنسان والتي أسست على اعتبارات إنسانية محض، وتعامل معها بشكل أساس هؤلاء الذين لمسوا الغموض في اللاهوت، والشك في مقدرته على حل كل قضايا الناس، الأمر الذي دفعهم إلى القول بقصوراللاهوت في هذا الاتجاه، أوهو غير جدير بالثقة المطلقة، لذلك هم اقروا بضرورة التعامل مع العلمانية لما تحمل من قضايا أو مبادئ حددوها هم في ثلاثة هي:

الأول: قدرة العلمانية على تحسين حياة الإنسان بوسائل علمية.

الثاني: إن العلم قوة إيجابية متاحة للجميع في المجتمع الإنساني.

الثالث: ما جئنا عليه في المبدأين أعلاه، هو شيء جيد لإنجاز عمل جيد، إن كان هناك أناس جيدون أم لم يكن، وما هو جيد في زمننا الحاضر، هو جيد أيضا للتأسيس عليه من أجل البحث عن الجيد الأخر.

يقول بعض المفكرين الغربيين ومنهم هوليوكا ( Holyake) ذاته، بأن العلمانية وأخلاق العلمانية لم تعط الاهتمام الكلي في الخطابات الدينية (عندما كانت هذه الخطابات غير عقلانية)،هذا إضافة إلى كونها لم تكن معروفة من قبل التفكير الحر، بل وحتى التفكير الإلحادي، ففي هذه المسألة يبدو أن  هوليوكا (Holyoake)، لا يتفق مع بعض الكتاب الذين تناولوا موضوعة العلمانية من جهة منطقية، ومنهم على سبيل المثال كارلس برادلوف (Charles Bradlaugh). الأمر الذي ساعد على وجود انشقاق في الرأي، ما بين من  يقول: إن التوجهات العلمانية، أو غيرها من الحركات الفكرية والسياسية المضادة للدين، هي غير ضرورية و غير مرغوب فيها، ومن يقول العكس تماما، أنه مرغوب فيها وهي ضرورية.

 

حوارات حول العلمانية:

لقد ناقش مؤيدو العلمانية مسألة العلمانية وصعودها في كل حالاتها السابقة التي جئنا عليها أعلاه، إضافة لمسألة أسس الخطاب الديني في صيغه اللاهوتية المتزمتة المناوئة  للدولة العلمانية، فوجد هؤلاء المؤيدون للعلمانية في المحصلة أنها  نتاج لعصر التنوير الذي أخذ الناس فيه يتجهون نحو العلم والتفكير العقلاني، ويبتعدون عن الأفكار الدينية (اللاهوتية) المناقضة للعلم والعقل في فهمها أو توجهاتها .

أما خصوم العلمانية، فقد ناقشوا هم أيضا قضايا العلمانية، ووصلوا إلى نتائج مفادها، أن الحكومة العلمانية خلقت الكثير من المشاكل للمجتمع بدلا من حلها، لذلك يجب على الحكومة أن تكون مع الروح والأخلاق الدينية، أو على الأقل أن لاتكون علمانية صرف لأن ذلك أفضل بالنسبة للمجتمع. هذا في الوقت الذي نجد فيه أيضا بعض المناوئين للعلمانية والدولة العلمانية من المسيحيين يدّعون بأن الدولة الدينية تستطيع أن تخدم أكثر من الدولة العلمانية  الحريات الدينية، وللبرهان على ذلك يستشهدون بالدول الاسكندينافية مثل (السويد والنرويج والدانمرك)، حيث يؤكدون بأن هذه الدول استطاعت بدساتيرها إيجاد روابط عميقة بين الكنيسة والدولة، وحتى هذه الفترة هناك اعتراف متميز بمسألة التقدم والتحرر الاجتماعي في هذه البلاد غير موجودة في الكثير من الدول التي لاتوجد فيها تلك العلاقة ما بين الدولة والكنيسة كما هي الحال في الدول الاسكندينافية. فعلى سبيل المثال، في (فلندة) تقدم الحكومة التمويل المالي من أجل بناء الجوامع ودور العبادة، وفي (السويد) نجد التوجهات العلمانية والفكر الاجتماعي السياسي الوضعي بالرغم من اعتراف الدولة الرسمي بالكنيسة الوطنية عام / 2000/ . هذا إضافة إلى أن الدول الاسكندينافية من الناحية الاجتماعية تقع بين العديد من الدول العلمانية في العالم التي تنخفض فيها نسبة الأفراد الذين يتمسكون بالمعتقدات الدينية، في الوقت الذي نجد فيه أيضا حدة النقاشات الدائرة في (النيروج) التي تنشد ضرورة الاعتراف بالكنيسة الوطنية اللوثرية .

بعض المعلقين الحداثيين المناوئين للعلمانية يربطونها بالإلحاد، أو بأنظمة الشيطان كما يقولون. وكلمة العلمانية بشكل عام شكلت رذيلة أو سبّة عند بعض المتدينين المحافظين في الولايات المتحدة الأمريكية.

إن البابا  Pope Benedict XVI، قد أعلن. (إن استمرار العلمانية سيكون مشكلة أساسية في المجتمع الحديث)، وقد جعل من مقاومتها كمسألة أخلاقية، هدفا لمرحلة ولايته البابوية.  ومع ذلك وجد بعض المهتمين بمسألة العلمانية، أن هدف علمانية الدولة هو جعل الدين حياديا، وهذا الرأي عند بعضهم، اعتبر قمعاً لحيز من المظاهر الدينية، بل قمعا متساويا لكل الأديان على حد سواء، مقابل كونه أيضا عند بعضهم، هو دعوة لحماية كل الأديان من تدخل الآخرين.

بعض الآراء السياسية المتطرفة في (الماركسية) (وبخاصة الآراء الشيوعية في الاتحاد السوفيتي سابقاٌ- المترجم)، كبحت بشكل عام أي تأثير للأفكار الدينية على الدولة والمجتمع، معتبرة ذلك أمرا سلبيا. وفي الأمم التي اعتنقت أو آمنت بمثل هذه الأفكار إن كان في أوربا الشرقية بشكل خاص، أوماسمي بالكتلة الاشتراكية سابقا بشكل عام، شكلت المؤسسة الدينية إشكالية بالنسبة للدولة العلمانية داخل المحيط الشعبي، فحرية العبادة كانت في الحقيقة تنوس ما بين الرفض والقبول من قبل الحكومة، وأن العقائد الكنسية كانت تراقب للتأكد من التزامها بقوانين الدولة العلمانية، بل حتى مدى التزامها بالفكر الفلسفي الوضعي الرسمي. بيد أن الفكر الديمقراطي الغربي يعتبر أن مثل هذه الاختراقات البوليسية  تجاه الحريات الدينية من قبل الدولة تعرقل مسيرة الحرية. في حين نجد أيضا ان بعض العلمانيين ممن يعتقد بضرورة أن تحتفظ الدولة بكامل استقلاليتها عن الدين، وأن المؤسسات الدينية يجب أن تحتفظ أيضا بكامل حريتها وبعيدا عن تدخل الدولة، لذلك فالكنائس التي اعتادت فصل سلطاتها كليا عن دعم الحكومات، تُدعى مؤسساتها الدينية اصطلاحا بالكنائس الحرة .

بعض العلمانيين الذين حبذوا السماح للدولة بتشجيع الدين، مثل (إعفاء الكنائس من الضرائب، أو دعمها بالأموال من أجل التعليم والإحسان على الهيئات الدينية)، طالبوا أن لايقتصرهذا الدعم على مؤسسة دينية واحدة كما هو الحال في الدولة الدينية، بينما نجد هناك بعض الليبراليين الكلاسيكيين يؤكدون بأن الدولة تكون على صواب عندما تقوم بإعفاء المؤسسات الدينية من الضرائب، خاصة بعد أن فقدت هذه المؤسسات سلطتها الزمنية، في (مجال فرض الضرائب وتنظيمها) وذلك انطلاقا من إيمان هؤلاء بأن السلطتين الزمنية ممثلة بالدولة والروحية ممثلة الكنيسة متطابقتان في مجالي القيم الأخلاقية والشخصية، بيد أن تحقيق هذا التطابق لايمكن أن يتم عمليا خارج نطاق إخضاع الدين للدولة.

 

Secularism

From Wikipedia، the free encyclopedia

 

ترجمة :د. عدنان عويّد

كاتب وباحث من سورية

 

 

abduljabar alrifaiمجتمعاتنا مسكونة بهاجس التراث: ربما لا توجد مجتمعات بشرية مسكونة بهاجس التراث كالمجتمعات الاسلامية، فهي تعيش حنينا الى الماضي لا حدود له، وتخلع عليه ما يحلو لها من المعاني والصور المثالية، وتتعاطى معه باعتباره ناجزا ومكتملا وفريدا، وتحشد كل احلامها وأمانيها وتطلعاتها في استرداده كما هو، بنحو أمسى ذلك التراث قيدا يكبل حاضرها ويلغي مستقبلها، ذلك انها تسعى لأن يصير زمانها زمانا تكراريا، لا ينتهي الاّ من حيث بدأ، ولا يبدأ الاّ من حيث انتهى.

وأفضى حنينها وتمجيدها لتراثها مصدرا لطائفة من الإلتباسات والخلط في الرؤية، بشكل يتعذر فيه التمييز بين الدين بوصفه تساميا للروح وتجسيدا للقيم النبيلة، والتراث بوصفه انتاجا بشريا، يرتبط عضويا بمختلف الظروف والعوامل الثقافية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية المتغيرة، مثلما تعذر التمييز بين الواقعة التاريخية والشخص التاريخي، والواقعة الرمزية والشخص الرمزي، الذي صاغه المخيال الايماني، وكرسه في الذاكرة الجماعية، واعتبره متعاليا على الأرض، ومتجاوزا لمعطيات الواقع. وكأن حركة التاريخ لم تكن تحولا من النقص الى الكمال، ومن الحسن الى الأحسن، وانما تختزل بتمامها في افكار ورؤيا ومواقف السلف، ممن توقف التاريخ عندهم، حتى أصبحت أية محاولة لمساءلة التاريخ، ونزع القناع عن التراث تنعت بالعدوان على أمجاد الأمة وماضيها المشرق، ويجري التشهير بكل باحث يعمد الى الكشف عن عمليات حذف وإقصاء الحوادث والوقائع والمفاهيم والمعتقدات التي لا تنسجم مع الايديولوجيا التبجيلية المهيمنة، أو يسعى للإعلان عن المهمش والمسكوت عنه، وفضح السائد والمتغلب في التراث.

وتشتد سطوة التراث عبر حضور فكر الأموات ومقولاتهم، بل يغدو الأموات هم مصدر الإلهام للكثير من المعاني في حياتنا، وتعلي مجتمعاتنا من مقاماتهم عندما تنصبهم حكاما على الأحياء، وتعود اليهم فيما تواجهه من تحديات، وتستعير آراءهم في أكثر القضايا والمستجدات.

اننا نعيش تحت وطأة التراث، خاصة فيما يسود مجتمعاتنا من نزعات تعصب وكراهية ونفي للآخر، وسنبقى قابعين في هذا السجن، ولا نستطيع الإفلات منه، مالم ندرك ان التراث يتمثل في مجموعة معانٍ، وان هناك شروطا لغوية وثقافية وسياسية واقتصادية واجتماعية لانتاج كل معنى، ومن الضروي تحليل تلك الشروط، ورصد صيرورتها التاريخية والأنساق التي تحركت فيها، ودراسة الأطر الاجتماعية للمعرفة، والأبعاد السوسيولوجية والأنثروبولوجية والسيميائية والسيكولوجية لتشكل الخطابات المتنوعة المنبثقة عن هذه المعاني.

ويحسب أنصار التراث ان الانتماء للاسلام لاينفك عن الاستسلام للتراث واستدعائه بكافة عناصره في حاضرنا، غير ان الايمان والمعتقد لا يرتكز على الاغتراف من التراث، والركون الى فهم السلف. الايمان والانتماء للاسلام يعني بناء علاقة حيوية وفعالة مع الله في العصر الذي يعيش فيه الانسان، تستقي هذه العلاقة مادتها من فهم الشخص للوحي، وتجربته الدينية الخاصة، ولاتستقيها من التراث.

 

المقدس ظاهرة أبدية

يكتب كريغ كالهون: (الدين تهديدٌ، إلهامٌ، مواساة، تحريضٌ، روتين يبعث الاطمئنان أو دعوةٌ لأن يضع المرءُ روحَه على راحته. إنه طريقٌ لإحلال السلام وسبب لشن الحروب. وكما عبّر علي شريعتي: "الدين ظاهرة مدهشة تلعب في حياة الناس أدواراً متناقضة. يمكن له أن يدمّر أو يبث الحيوية، يستجلب النوم أو يدعو إلى الصحو، يستعبد أو يُحرر، يعلّم الخنوع أو يعلم الثورة."  لا غرابة إذن أن تكون الجدالات عن موقع الدين في المجال العام مربكة إلى هذا الحد). لاحظ: "قوى الدين المتعددة، خاتمة كتاب: قوة الدين في المجال الاجتماعي".

الدين ظاهرة أبدية موجودة حيث وجدت الحياة البشرية، وإحدى البنى العميقة في الوعي واللاوعي البشري، حتى المجتمعات الغارقة في العلمنة ــــ اذا صح التعبيرــــ لا يمكن ان تغادر الدين والمقدس، لأنه غاطس في بنيتها العميقة، ونعثر دائماً على تعبيراته في حياتها.

ففي المجتمعات الغربية، التي نظن بأن الدين اختفى من حياتها، الدين مازال حاضرا لديها، لكن طبيعة حضوره في هذه المجتمعات مختلفة عنها في مجتمعات أخرى. صحيح ان الدين لا يتجلى بوضوح في الحياة الاجتماعية الغربية، أو المدنية، أو ينعكس على الإدارة والعلاقات والشأن العام بشكل مباشر، لكنه ما زال لابثا في لاوعيهم، بمعنى ان الدين ليس غائباً ولم يندثر أو يختفي، وان كان مجال حضوره لديهم غيره في الجزيرة العربية والمجتمعات الاسلامية.

 الدين ظاهرة مستمرة متواصلة، وحاجة بشرية لا يستغني عنها الانسان، غير ان تعبيراته وتجلياته وتمثلاته وطبيعة حضوره مختلفة من مجتمع لآخر. حينما تزور أيّ مدينة غربية، وتدخل المتاحف أو الكنائس، أو الكاتدرائيات، أو المباني القديمة تشاهد الكثير من الرسوم والصور واللوحات الفنية والتماثيل، من مختلف عصور التاريخ الاوروبي، خاصة العصور الحديثة، تجد ان معظم الآثار الفنية ترتسم فيها الأيقونات والثيمات والإشارات والايماءات الدينية، ومن يجهل اللاهوت والميراث الديني المسيحي والكتاب المقدس يتعذر عليه فهم عدد كبير من هذه الآثار. وحسب قول إمبيرتو إيكو: "من الصعوبة بمكان فهم ثلاثة أرباع الفن الغربي تقريبا اذا ما كنت تجهل أحداث العهدين القديم والجديد، اضافة الى  قصص القديسين".     

 

المعنى الذي يضفيه الدين على الحياة البشرية:

إنّ الحديث عن المعنى الذي يضفيه الدين على الحياة البشرية لمن يعتقد بأصالته وواقعيته، ولا يرجع جذوره لأسباب وضعية من اجتماع أو تاريخ أو اقتصاد أو أوهام أو غيرها، ليس بالأمر الهيّن، كما يبدو لأول وهلة، كما ليس بوسع شخص ما أنّ يدعي احتكار معرفته؛ ليس لأن ذلك مرتهن بمقدار استيعابنا لجميع الأسئلة والمفاهيم والمناهج التي أفرزها الإنسان في مسيرته الطويلة، وهو ما يعقِّد البت في إشكالية المعنى، بل ولأن الحديث المشار إليه يواجه مشاكل أنطولوجية وإبستمولوجية بشأن علاقة النسبي بالمطلق، وإمكانية استكناه إرادة الذات الإلهية، وطبيعة وقيمة المعرفة البشرية وآلياتها ومناهجها في هذا الحقل. ولكي لا يفسر موقفي في هذه النقطة وكأنه "تعطيل" للمعرفة، كما كان يصطلح القدماء من مفكرينا في الحضارة الإسلامية، يمكنني الإشارة إلى دور الدين في منح الإنسان "هدفا" أو "أهدافا" تتجاوز وجوده البشري المحدود إلى الأبدية المطلقة التي يمثلها "الله"، وما يعنيه ذلك من تحصينات هائلة في مواجهة المشاعر والمواقف العدمية والفوضوية التي يمكن أن يغرق فيها الإنسان. كما بوسعنا الإشارة أيضًا، إلى ما بات يسمى بـ "الأخلاقيات المؤسسة على الدين" ودورها في بث التعاون والتراحم، والألفة والمحبة، وأعمال البر والإحسان، في واقع البشر.

إن دراسة إشكالية المعنى في الدين قضية تقع في الصميم من معنى الكينونة البشرية، وهي بالإضافة إلى جديتها وعمقها وثرائها المعرفي، تنطوي على أبعاد شيقة وخصبة روحيا، لا يكاد يفلت من مداراتها العقل النقدي الشغوف بالحقيقة والمعرفة المتجددة.

لكن مما يؤسف له أنّ النموذج الممثل للدين في الحياة السياسية، ووسائل الإعلام، وغيرها، في الكثير من المساجد والمنابر، المعلن اليوم في بلادنا، يصدر عنه ضجيج واستغاثة ونواح وتعبئة، عادة ماتعبر عنه جماعات سلفية، عجزت عن إدراك مضمون رسالة الدين في الحياة، وأغرقت أنفسها ومجتمعاتنا في نزاعات ومعارك، يتجلى فيها كل شيء سوى قيم التراحم والمحبة في الدين. لقد عملت هذه الجماعات على اختزال الدين في المدونة الفقهية فقط، ثم اختزلت هذه المدونة طبقا لمطامحها السياسية بأيديولوجيا صراعية نضالية. وقامت بترحيل الدين من حقله المعنوي الروحي الجمالي القيمي الأخلاقي الإنساني إلى حقل آخر، تغلب فيه القانون على الروح. أيديولوجيا أهدرت طاقات الدين وإمكاناته في إنتاج معنى لحياة الإنسان، وإضفاء معنى لما لا معنى له.

وفي ذلك يكمن السبب العميق لمناهضة تلك الجماعات للتصوف والعرفان والفنون الجميلة، وافتقار أدبياتها إلى التعرف إلى المضامين القيمية والأخلاقية والانسانية والتجارب الروحية العميقة في التدين.

 

تخطى الإتّباع يعني ضرورة المراجعة والنقد:

تكمن أهمية النقد في أنه أهم أداة يعتمدها العقل البشري في التطور في مختلف المجالات، لأن عملية التفكير تعتمد بشكل اساس على المراجعة والتقويم، وما لم يكن هناك نقد ومراجعة لايمكن ان نفكر بجدية. النقد علامة التفكير بحرية، اما ان نفكر بحرية أو لانفكر أبدا، هذا هو التفكير الذي يضعنا في عصر جديد، وينقلنا الى عوالم مختلفة. يلخص الفيلسوف الألماني الشهير عمانوئيل كانط، شعار الأنوار في جملة واحدة، وهي: "اجرأ على استخدام فهمك الخاص". المشكلة التي نعيشها، هي قلما تجد شخصا يعتمد على فهمه الخاص، في الغالب العقل في إجازة، يعتمد الناس على فهم غيرهم، على فهم الآباء، أياً كان مثل أولئك الآباء. عندما يجرؤ الإنسان على العودة الى عقله واستخدام فهمه الخاص، ويدرب عقله على ذلك عبر تمارين بالتفكير الجريء المغاير لما هو سائد ومستحكم، من شأنه ان يصل الى نتائج مهمة. "كانط" نفسه يقول: "العقل هو النقد" ولذلك تعرف فلسفة كانط "بالفلسفة النقدية"، لأن كتبه الأساسية تبدأ بكلمة نقد: "نقد العقل المحض، نقد العقل العملي، نقد ملكة الحكم...الخ".  في الفكر الحديث والمعاصر، لا يوجد فكر بموازاته نقد، وانما الفكر هو النقد، أي ان العملية النقدية ليست منفصلة عن عملية التفكير.

 طالما قيل: ليس من الصحيح ان نثير أسئلة، ان نتحدث بإشكالات تزعزع ثقة الناس بقضية ومعتقد راسخ. لكني أرى من الضروري أن نثير أسئلة حائرة، أسئلة جريئة، أسئلة صعبة، أسئلة كبرى. ينبغي ان يكون تفكيرنا تساؤليا على الدوام، لأن التفكير التساؤلي هو الذي يمكننا من الوصول الى ما هو ممنوع التفكير فيه، والمناطق اللا مُفكَر فيها أصلاً. التفكير لا يكون محايدا، فأما ان يكون تفكيرا تساؤليا بحرية، وهو التفكير الذي ينطلق بالعقل بحرية وجرأة فيحطم كافة أغلاله، أو يكون مقيدا مشلولا يقودنا الى العبودية. النقد والمراجعة عمليتان هامتان، وهما شرط  كل تطور فكري، ومرتكز لكل عملية تحديث من شأنها تحقيق تنمية شاملة في أي بلد من البلدان.

في الفلسفة غالبا ما تتحول الإجابات الى أسئلة، والتفكير الديني العقلي تتوالد فيه الاستفهامات والأسئلة اللاهوتية على الدوام. ولايمكن تحديث التفكير الديني بلا إثارة مثل هذا اللون من الأسئلة.لا توجد خطورة أو مشكلة من إثارة الأسئلة.

 هناك منطق تبسيطي، يذهب الى ان هذا السؤال الذي يثار ينبغي ان يكون جوابه جاهزا، من أجل ان لا نثير حالة من الإرتياب والشك، وكأنه يفترض ان لكل سؤال جوابا، ولابد ان يكون هذا الجواب نهائيا، بينما هناك أسئلة ظهرت في الحياة البشرية منذ فجر الوعي البشري، وما زالت هذه الأسئلة تتكرر، واجاباتها أيضاً يعاد تكوينها، وتنبثق لها اجابات جديدة باستمرار. من هنا يمكننا تفسير اتساع دائرة التيارات والمدارس الفلسفية واللاهوتية، وتنوع الآراء والمقولات والاجتهادات لديها على مر التاريخ. فمثلا أشرنا الى دور الدين في معننة الحياة، وكيف ان الإنسان مسكون بمنح معنى للوجود والحياة. هذا أحد الأسئلة الكبرى في الوعي البشري، فقد أفاضت الفلسفات وأيضاً اللاهوت بتقديم أجوبة متنوعة عن هذا السؤال.

 وظيفة الأسئلة وظيفة أساسية، انها هي التي تسمح لنا أن ننقد وأن نراجع، وان يدحض العقل ويكذب شيئا مما كان لزمن طويل يعد من الحقائق الأزلية واليقينيات. طب جالينوس وفلك بطليموس وغير ذلك من علوم الأوائل ظلت لعشرات القرون مسلمات، غير ان العلم الحديث نسخها. تاريخ العلوم ينطوي على سلسلة من التكذيبات، وهو بمثابة "مقبرة للنظريات العلمية". حسب كارل بوبر. التساؤل والتشكيك يسمحان لنا بإستئناف النظر في طائفة من الجزميات، والقطعيات، والمسلمات، والبداهات، وقيمة الفكر الحديث والمعاصر انه يستأنف النظر بالمسلمات، وعلى حد تعبير، ادغار موران: (اللايقين يقتل المعرفة البسيطة لكنه يحيي المعرفة المركبة).

وقد كان للمتكلم الفخر الرازي المعروف بإمام المشككين وغيره من المجتهدين في علم الكلام والفلسفة أثر بالغ في  تطوير التفكير الديني في الاسلام. وحين نعود الى اللحظات الحاسمة في انتاج رؤى واجتهادات وأفكار وابتكار آراء جديدة في التفكير الديني نجدها تتوالد باستمرار في فضاء التساؤلات وتنبثق من خلال المواقف العقلية الإرتيابية.

في ديارنا المحرم التفكير فيه أكثر من المباح. النقد يرتكز على: ان لا شيء ممنوع من النقد. ما لا يمكن نقده هو فقط الممتنع التفكير فيه. لا شيء مما يخص الإنسان ــــ أي بإمكانه منطقياً أن يكون موضوعاً لتفكير الانسان به ــــ يمتنع التفكير فيه عليه، وما يطاله المنع منه يفترض أن يكون خارجاً عن عالمنا وعقولنا كآدميين، أي أن يكون المنع عنه عائداً في الحقيقة إلى كونه مستعصياً على قدراتنا المعرفية؛ وبالتالي فإن هذا الوضع يقضي أن تكون القضية "الممنوع التفكير فيها" مساوقةً لكونها "فارغة المضمون" بالنسبة لنا. 

كل المفاهيم الجديدة، والأسئلة الجديدة، والأفكار الجديدة، والمقولات الجديدة مزعجة، وربما بعضها يمثل فضيحة لصاحبه في وقتها، ستثير هذه المقولات اعصارا أحيانا، لأنها تعاكس الريح، ومن شأن هذا الإعصار ان يترك أثره، وتاريخ الفكر الديني في المجتمعات البشرية عموماً، تأريخ متحرك وليس ساكناً، فهو ظل يتحرك، ويتطور، وينمو، ويتخصب على امتداد التاريخ، صحيح انه في بعض الفترات شهد حالة تراجع وخمول، لكن سرعان ما تعود له الحياة ويتجدد، بعد ان يستعيد أدواته النقدية.

مفهوم الاجتهاد حسب تعبير محمد اقبال يمثل "مبدأ الحركة في الاسلام ". عندما بدأ الاجتهاد في الفقه، تنوعت وتعددت المذاهب الفقهية، وأصبح في كل مذهب من المذاهب أكثر من موقف، وأكثر من مسلك اجتهادي. وهكذا حينما بدأ الاجتهاد في مجال اللاهوت، أو علم الكلام، ظهرت فرق: المعتزلة، والشيعة، والأشاعرة، والماتريدية، ولكل منها ميراث واسع ، يشتمل على مواقف متنوعة، وفيه أكثر من تيار، فالميراث الكلامي للمعتزلة، ميراث في داخله أكثر من تيار، وهكذا الميراث الكلامي للشيعة، ميراث فيه أكثر من اجتهاد، وأيضاً ميراث الاشاعرة  يضم  مجموعة مواقف.

الفكر مرتبط بالتحولات الاجتماعية، ونحن لا نستطيع الوقوف امام تطور المجتمعات، بعبارة أخرى: ان دين اليوم هو دين معارف وعلوم اليوم، ودين الأمس هو دين معارف وعلوم الأمس، لكل عصر بديهياته التي ينطلق منها، وفهم الدين غير منفصل عن فهم العالم والطبيعة."تكنولوجيا المعلومات، تكنولوجيا النانو، هندسة الجينات" والآفاق الراهنة والمستقبلية للعلم والمعارف البشرية لها أثر مباشر في فهم الدين. أنا أظن ان مجتمعنا كحال الكثير من المجتمعات الحية الأخرى، حتى لو كانت هناك أسيجة مغلقة متعددة من حوله، الا ان تكنولوجيا المعلومات، والتطور الهائل في وسائل الاتصال، والتكنولوجيا النانوية، والهندسة الجينية، والعولمة الثقافية والاعلامية والاقتصادية، ستفضي الى انهيار الكثير من أسيجته، وينخرط بالتدريج في الاحتفال بأعياد التاريخ.

عادة ما تبدو الأفكار والمفاهيم الجديدة مثيرة وربما منفرة ومقلقة، ولكن بعد ذلك ستثير نقاشاً وجدلاً وحراكا عقليا اثباتاً ونفياً، ويؤول ذلك الى فتح نوافذ جديدة للتساؤلات، والى ابتكار مفاهيم جديدة، وبلوغ وجوه جديدة للحقيقة لم تتجلَّ من قبل.

 

تجاوز الإتّباع:

تحديث التفكير الديني يتطلب تجاوز الإتّباع، أي دراسة مسارات الدين عبر التاريخ والجغرافيا والاجتماع البشري، واكتشاف طبائع التدين وأشكاله في مختلف المجتمعات، والاهتمام بمقارنة الأديان ونصوصها المقدسة، وأنماط بناء وتكوين وصيرورة مؤسساتها الدينية.

في تاريخ الدين الإسلامي مثلاً يميِّز الباحثون بين تجربتين لنبي الإسلام"ص"؛ هما: المرحلة المكية من الدعوة، والمرحلة المدنية. يعرف المختصون طبيعة وخصائص كل مرحلة في العقيدة والتشريع، فلا حاجة لنا في وصفهما. الخطير في تعاطينا مع المرحلتين هو تغليب المرحلة الثانية على الأولى، بمعنى قراءة وتفسير التجربة النبوية، والإسلامية برمتها، في ضوء مناخات وملابسات المرحلة الأخيرة، حتى لتكاد أن تكون هي المرجع الوحيد والنهائي الذي يختزل كل ما يمكن أن يقال عن الإسلام.

المؤسف في الأمر أن رحيل نبي الإسلام سريعاً بعد عودته إلى مكة وفتحها، ترَك باب التوتر في فهم دور كل من المرحلتين في استيعاب ما هو صميمي من الإسلام مفتوحاً. في نظري أن أي محاولة للتنظير عن مهمة الإسلام في حياتنا المعاصرة تنطلق من مركزية المرحلة النبوية الثانية (المرحلة المدنية)، في إقصاء أو تهميش للمرحلة المكية، هي محاولة تخفي وراءها أغراضاً مصلحية أكثر من كونها دينية. إنها تكريس لما هو تاريخي على حساب ما هو جوهري في الدين.

تجاوز الإتباع وتحديث التفكير الديني يعني إحياء واستلهام الميراث المعنوي العميق، واستدعاء التجارب الروحية التطهيرية التنزيهية السامية في التاريخ. وبناء إلهيات عقلانية مستنيرة، تحررنا من التفسيرات التعسفية القمعية للنصوص. وتحديث الإلهيات يتطلب الخروج من السياقات الكلاسيكية للتفكير الديني، وعدم التوقف عن طرح تساؤلات بديلة، والتوكؤ على منهجيات ومفاهيم مستوحاة من المكاسب الجديدة لفلسفة الدين وعلوم التأويل والمعارف البشرية، تفضي إلى التحرر من الصورة النمطية للإله، التي تشكلت في سياق الصراعات الدامية، والفتن والحروب العديدة بين الفرق والمذاهب، والسعي لترسيخ صورة رحمانية للإله، تستلهم مايتحلى به من صفاته الجمالية، وأسمائه الحسنى، ورحمته التي وسعت كل شئ.

تجاوز الإتّباع وتحديث التفكير الديني يعني إنجاز مصالحة بين المتدين ومحيطه الذي يعيش فيه، والإصغاء لإيقاع الحياة المتسارعة التغيير، ووتيرة العلوم والتكنولوجيا التي لا تكف عن مفاجأتنا كل يوم بجديد، تتبدل معه صورة العالم، وتختلف تبعًا لها أساليب تعاطينا مع الواقع، وتتيح لنا وسائل تكنولوجيا المعلومات والنانو والهندسة الجينية مغامرات وعي، توقظ عقولنا وتخرجها من الحالة السكونية، وتقدم لنا سلسلة معطيات ومعارف وأدوات، تصوغ لنا تصورات وإدراكات وأفكارًا، تتبدلّ معها رؤيتنا للكون والحياة.

تجاوز الإتّباع وتحديث التفكير الديني يعني تحديث المؤسسة الدينية، ذلك ان لتحديث التفكير الديني رافدين يستقي منهما:

 

الرافد الأول:

دراسة وفهم واستيعاب الموروث الديني، واستكشاف مداراته ومدياته وآفاقه المتنوعة، والاهتمام بالميراث العقلي في المنطق والفلسفة وعلم الكلام، والميراث الرمزي والإشاري والروحي في التصوف والعرفان، والتحرر من المواقف التبسيطية الساذجة في التعاطي مع التراث، والنظر اليه باعتباره كماً من النصوص التي يجب استظهارها وحفظها وتكرارها، وتوقف التفكير عند تنظيمها وترتيبها وتصنيفها وشرحها وتلخيصها، بلا تدبر وتحليل وتأويل.

 

الرافد الثاني:

الاطلاع على العلوم الانسانية الحديثة ودراستها، خاصة؛ فلسفة العلم، وعلم النفس، والاجتماع، والانثروبولوجيا، والقانون والحقوق، والعلوم السياسية، والألسنيات، والهرمينوطيقا، وتوظيفها كأدوات في التحليل، ومفاهيم اجرائية في قراءة النص الديني، وتفسير الظواهر الدينية في المجتمع، واكتشاف ومعرفة أنماط التجارب والخبرات الدينية الشخصية.

في مراجعة عاجلة لحركات الإصلاح الديني الفاعلة والمؤثرة في تاريخ الأديان، والتي امتدت وترسخت عبر الزمان، نجد الحركات المشتقة من المؤسسة الدينية والمتولدة منها خاصة، هي التي أحدثت تغييرا وتجولا واسعا. مثل حركة الاصلاح الديني التي قادها مارتن لوثر، وانبثقت من داخل الكنيسة، فأحدثت منعطفا وتحولا هاما في تقاليد ونظام المؤسسة الدينية المسيحية.وقد ظل على الدوام صوت هذه الحركات مسموعا ومؤثرا في المؤسسة.

 تحديث المسجد لا يتحقق إلا حين ينبثق من داخل المسجد، وتحديث الأزهر في مصر، والزيتونة في تونس، والقرويين في المغرب، والحوزة في النجف وقم، لا يتم إلا عندما ينطلق من داخلها، لكيلا يفتقر التحديث للمشروعية. حين ينطلق من داخل تلك الحواضر يتوافر له حامل إجتماعي. بينما لا تجد الدعوات والكتابات في الإصلاح من خارج المؤسسة الدينية حاملا اجتماعيا، يعتنقها ويتبناها ويتفاعل معها، داخل تلك الحواضر، ويستخدم الامكانات التي يتيحها له انتماؤه للمؤسسة الدينية، كالمنابر والشعائر والمواكب ودور العبادة، في التثقيف على المفاهيم والمقولات والرؤى والأفكار التي تدعو اليها.

قد لا تكون هذه الفكرة محببة ومقبولة لدى بعض المنشغلين بدراسة ونقد وتحديث التفكير الديني، المنحدرين في تكوينهم الفكري والأكاديمي من خارج المؤسسة الدينية، ولعل بعضهم يرى فيها تقليلاً من دورهم التحديثي، إلا أنني أرى أن الواقع التاريخي لمسيرة التحديث يصب في صالح هذه الفكرة.

في النهاية تبدو هذه الملاحظة سديدة إذا بقيت مجتمعاتنا في بنيتها الاجتماعية، وفي مصادر تكوينها العلمي والثقافي، على ما هي عليه الآن. نعم، في ظل نظام تعليمي ــــ لا سيَّما الجامعي منه ــــ جديد، أكثر حداثة وتنوعاً وعمقاً مما نجده اليوم، من الممكن توقع دور للنخب العلمية المشار إليها أكبر وأوسع.

 

fatehi alhabowbi«الكرامة هي الملاذ الأخير لمن جار عليه الزمن»  

ماكس فريش: مسرحي وروائي ألماني

بات معلوما لدى الجميع أنّ إرهاب الغرب الإستعماري الدموي  قد طال البشر والحجر في كل مكان من العالم. فقتل الإنسان وحاول تقويض وتدمير الحضارة التي يعاديها، وانتهى به الأمر خلال القرن الماضي  إلى أطلاق القنابل النووية في هيروشيما وناغازاكي، ومع  مطلع هذا القرن إلى تدمير كل من أفغانستان والعراق ذي الحضارة السومرية التي هي أقدم الحضارات. ولكنّه لم يكن إرهابا فكريّا بالأساس، رغم وحشيّته وبربريّته وتسبّبه في الحربين العالميتين الأولى والثانية اللتين كان من نتائجهما قتل ما يزيد عن 82 مليون نسمة، وتسبّبه قبل ذلك في مقتل حوالي 20 مليون من السكان الأصليين الاستراليين، وأكثر من 150 مليون هندي أحمر في الأمريكيتين الشمالية والجنوبيّة، واستعباد أكثر من 180 مليون أفريقي، بل وإلقاء 88٪ ممن قتلوا من بينهم في المحيط الأطلسي. ذلك أّنّه لم يطل العلم والفكر والإبداع سواء بالمصادرة أو بالمنع ولا المفكّرين الأحرار بالمضايقة أو الإهانة أو التهميش والتنكيل إلّا في حالات-ليست نادرة- ولكنّها قليلة وقليلة جدّا بالقياس لمثيلاتها في الوطن العربي والإسلامي. ولعلّ أشهر هذه الحالات على الإطلاق هي الحادثة الشهيرة لمن سمّاه اينشتاين "أبو العلم الحديث"  الفلكي والفيزيائي الإيطالي الجريء غاليليو غاليلي التي سنأتي عليها فيما بعد.

ولكن، لعلّه يكون من المفيد التذكير ببعض حالات الإرهاب الفكري القليلة التي عاشتها أوروبّا والغرب عموما، والتي كانت آخرتها حادثة إعدام أنطوان لافوازييه أكبر عالم فرنسي في زمانه وأبو الكيمياء في العصر الحديث، خمس سنوات فقط بعد الثورة الفرنسيّة.

وقبل ذلك بقرون عديدة أعدم  سافنو رولا حرقا في فلورنسا سنة 1498 جرّاء نقده اللاذع لكل من رجال الدين والسلطة الحاكمة. وبعد أكثر من قرن أحرق في ساحة روما سنة  1600، الفيلسوف المجدّد جيوردانو برونو  جرّاء صموده وتمسّكه بآرائه وأفكاره  ذات النزعة التجديدية التي تناقض قناعات الكنيسة وطروحاتها إن في الدين أو في العلم.

أمّا السجن فقد كان من نصيب المفكّر فولتير الذي اعتقل في سجن الباستيل الشهير وأطلق سراحه بعد موافقته على النفي إلى إنجلترا.  وأمّا المطاردة فقد كانت من نصيب الفيلسوف جون جاك روسو. وذلك بعد أن أصدر برلمان باريس حكما في حقّه بالسجن وإحراق كتابه "إميل" Émile ou De l’éducation الذي يبحث في فن تكوين الرجال. وهو من الكتب الاكثر قراءة في المجال التربوي إلى اليوم.

وبالعودة إلى غاليلي الذي أعتبرته الكنيسة مهرطقا، فإنّ محنته أنطلقت بعد قيامه بإثبات خطأ نظرية أرسطو حول الحركة، وهي التي سادت على مدى عشرين قرنا. فضلا عن  نشره على نطاق واسع لنظرية نيقولا كوبرنيك حول مركزيّة الشمس، والدفاع عنها بقوّة وشجاعة كانت تعوز كوبرنيك نفسه باعتباره كاهن كنيسة وليس عالما فحسب. وبصفته تلك لم يكن بإمكانه الإعلان جهرا عن مخالفته الكنسية فيما كانت تعتقده منذ 12 قرنا خلت. ووفق المؤرخ جاكوب برونسكي: «كان من تأثير محاكمة غاليليو انتقال الثورة العلمية من الآن فصاعدا إلى أوروبا الشمالية». بما يعني أنّ الإرهاب الفكري الذي سلّط على غاليلي كانت نتائجه عكسيّة وساهم بفعاليّة، بل ولعب دورا محوريا في نهضة أوروبّا والغرب عموم. ولذلك إعتبر غاليلي أحد خمسة علماء، من بينهم كوبرنيك وكبلر وبراهه ونيوتن، كان لهم الفضل الكبير في نقل أوروبا من حالة السبات العميق الي مرحلة النهضة التي طالت كل مجال. لأنّهم، بما توصّلوا إليه  من أفكار علميّة ورؤى جديدة، أحدثوا رجّة عنيفة في العقول هي أقرب إلى الصدمة الإيجابيّة التي كان من أهمّ نتائجها التحوّلات السياسيّة والاجتماعيّة التي حدثت في أوربا خلال القرنين 15 و16 والتي مهّدت لا فقط لبروز  فلاسفة عظام مثل رينيه  ديكارت زعيم مذهب العقلانية في القرن17 وباروخ  سبينوزا  الذي يرى أنّ «أهواء الإنسان الدينيةّ والسياسيّة هي سبب بقائه في حالة العبوديّة»، بل وكذلك  لبروز فلاسفة عصر الأنوار الأنجليز توماس هوبز وجون لوك وربّما الصحفي والثوري توماس بينThomas Paine  وفلاسفة التنوير الفرنسيين وأهمّهم  مونتسكيو ، فولتير وجون جاك روسو خلال القرنين17 و18، والذين مهّدوا بدورهم لإعلان إستقلال الولايات المتّحدة الأمريكيّة وتفجير الثورة الفرنسيّة العظيمة التي قامت على مبادئ لا تزال تحتفظ بألقها رغم مرور ما يزيد عن قرنين وعشريتين على وضعها. ولعلّ أبرزها مبادئ حقوق الإنسان  والمواطنة وما رمز له شعار الثورة الفرنسية من وجوب ضمان "الحرية والمساواة والعدالة" للجميع والإلتزام بتطبيق العقد الإجتماعي الذي يصل الحاكم بالمحكوم وفق مضمون نصوصه.      

ما يستثير في خواطرنا الكثير من الشجون، أنّنا في العالم العربي والإسلامي، ومنذ القرون الوسطى وتحديدا بعد سقوط غرناطة، أعوزتنا القوّة، قوّة الحديد والنار فأسقط في يدنا في مجال إرهاب القوّة الممارس على الخارج، وتركّز إرهابنا بصفة خاصّة ومكثّفة على ممارسة الإرهاب على الدّاخل ممثّلا في القمع والإ رهاب الفكري المنظّم والممنهج، المسلّط على صفوة المفكّرين الإحرار، من عرب  ومسلمين، ممّن كان لهم أفكار حرة  وآراء جريئة ومواقف مستقلة نضجت من خلال تناولهم نقد موضوعات فلسفيّة أو دينيّة أو حتّى أدبيّة وفق منهج مستحدث يفرز بالضرورة مباحث وأفكار ورؤى جديدة تدكّ أعماق العقول المتكلّسة دكّا عنيفا، لأنّها تتخطّى السياقات المعهودة وتخترق الزمان والمكان وتتجاوز المسكوت عنه ثمّ تكشفه وتعرّيه تماما. بما يزعج من تعوّدوا، على عدم التفكير-وهم كثر-  أو في الحدّ الأقصى على التفكير التقليدي،  بما هو جمود يزلزل كياناته القائمة ويحدث فيها شروخا، كلّ فكر يخرج عن السائد ويفرز تصدّعات في خرسانة التفكير التقليدي المتكلّس التي يتحصّن خلفها التقليديون "الجامدون" غائمي الرؤية، المتعوّدون على "طاحونة الشيء المعتاد" ، الذين يمثّلون دوها عوائق كأداء في سبيل التغيير نحو الأفضل، ويصيبهم كلكل من اليأس والإحباط كلّما برزت على السطح فكرة جديدة ومختلفة تقوّض مسلّماتهم وأفكارهم بالغة الرجعية التي يقتاتون منها على الموائد الفاخرة لأسيادهم الذين لا يستحقّون الوضع الذين هم فيه ولا  حتّى مجرّد الألقاب التي تضفى عليهم. بل إنهم عبيد لآرائهم ولا يعتقدون في نسبية الحقيقة العلمية. لذلك ينطبق  عليهم ما قاله توماس بين من أنّ « من ينكر على الآخرين حقهم في إبداء رأيهم إنما هو عبد لرأيه الحالي لأنه يسلب نفسه حق تغيير هذا الرأي»

والتركيز على الإرهاب الفكري عند العرب لا يعني بالضرورة غياب جميع أشكال الإرهاب الأخرى، بقدر ما يعني إحتلال الإرهاب الفكري لموقع الصدارة في ترتيب صنوف الإرهاب وضروبه المختلفة.

أنّنا عند إستحضارنا وإستبطاننا لتاريخنا نقف، قطعا، على صور رهيبة كثيرة من فضاعات الإرهاب الفكري المسلّط  عبر العصور على أصحاب الرؤى الثورية الحرّة والأفكار الجديدة الذين كان حالهم كمن يصرخ في صحراء ولا أحد يسمعه. إلّا انّنا لضيق المجال سنقتصر على عرض محنة  ابن رشد فحسب بعد الإشارة-ودون توسّع- إلى  حالات قليلة أخرى تعود بالأساس إلى التاريخ المعاصر والحديث.

فقد كانت مأساة ابن المقفّع الذي ينتمي فكريّا إلى فرقة ''إخوان الصفاء وخلاّن الوفاء'' لمجرّد كتابة مخطوطة كانت سببا  في تقطيع جسده الذي أكره على أكله مشويًّا حتى مات وهو في مقتبل العمر، ولم يتجاوز السادسة والثلاثين.

 ولقي الحلّاج بعد تكفيره، مصيرا مشابها، حيث تمّ صلبه حيًّا، وفي مرحلة ثانية وقع تقطيع جسده هو الآخر، لأنّه هو وابن العربي الذي كفّروه أيضا، يعتقد بِحُلُولِ اللَّهِ فِي الْبَشَرِ وَاتِّحَادِهِ بِهِ.

    أمّا البيروني، الذي أطلق اسمه على بعض معالم القمر، وقال عنه المستشرق سخاو: «  إن البيروني أكبر عقليّة في التاريخ»، فقد تمّ تكفيره بعدما ناقش مسألة تكوين مرصد للتنبّؤ بأحوال الطقس. ضرورة أن ذلك من اختصاص الله وحده  !!!

وأمّا فيلسوف الأدباء أبو حيّان التوحيدي، الكاتب المعتزلي المبدع، فقد اتّهم بالزندقة والإلحاد لقوله بالتعطيل-وهو النفي والإنكار- فأحرق كتبه بنفسه نتيجة الأحباط ، بعد أن تجاوز التسعين من العمر وعاش بقيّة أيامه مستترا خوف من القتل.  

وأمّا عميد الأدب العربي طه حسين- فقد كفّروه ، لما ورد في كتابه "في الشعر الجاهلي''. لأنّ التكفيريين رأوا فيه محاولة  للاعتداء على التراث العربي الإسلامي وزرع الأساطير والشبهات في قلب السيرة النبويّة لتلويثها بعد أن نقّاها مؤرخو الإسلام!!!

وأمّا في التاريخ الحديثّ  فلا يمكن تجاوز محنة الباحث الأكاديمي نصر حامد أبى زيد، ، فهي جاءت بعد تكفير فرج فوده وقتله، وإثر محاولة نصر حامد، ممارسة الفكر النقدي العلمي الخالص، بتأليفه لكتاب ''نقد الخطاب الديني'' الذي رأى أنّه يخلط ما بين الديني والفكري ويعتمد على آليّة النقل ، دون تدبُّر وتفكُّر؛ بما يناهض الإبداع ويسبّب العقم الفكري. كما  دعا إلى وجوب التحرّر من سلطـة النصّ القرآني ومن كل سلطة تعوق مسيرة الإنسان. فوقع اتهامه بالارتداد والإلحاد،  ثمّ وقع التفريق بينه وبين زوجته قسراً.

وفي ذات السياق نذكر علي عبد الرّازق صاحب كتاب ''الإسلام وأصول الحكم'' الذي كفّروه وسحبوا منه شهادته العلميّة وقطعوا عنه راتبه كموظّف، ومحمود محمد طه وهو مفكّر إسلامي سوداني، أتهم بالردّة ثمّ أعدموه رغم  سنّه المتقدمة ،  وابن الرواندي صاحب كتاب "فضيحة المعتزلة" ردا على كتاب الجاحظ "فضيلة المعتزلة''  الذي كفّروه بعد تشيّعه ثمّ خروجه عن الإسلام، وكذلك المفكّر حسين مروة الذي قتلوه، ومحمد عبده ورفاعة الطهطاوي اللذان كفّروهما واتهموهما بأنّهما عميلان للغرب. أمّا على الوردى وعلى شريعتي، اللذان نقدا الدّين والأنبياء وأصناف من رجال الدين، ودعيا إلى ثورة في الفكر الإسلامي فقد أعتبروهما تنويريين ووقع تكفيرهما بتلك "التهمة"!!!

ناتي الآن إلى الفيلسوف إبن رشد، الذي كتب المستشرق الإسباني البروفيسور ميغيل هرنانديز يقول في شأنه « إن الفيلسوف الأندلسي ابن رشد سبق عصره، بل سبق العصور اللاحقة كافة، وقدم للعلم مجموعة من الأفكار التي قامت عليها النهضة الحديثة ». لأنّه يعتبر-عن جدارة- أفضل فيلسوف أنتجته الحضارة العربيّة الإسلاميّة على مدى تاريخها المديد. فهو قامة علميّة عالميّة سامقة. أثّر في العالم الإسلامي والمسيحي وأوروبا، لا سيما أنّه المترجم والشارح الأكبر لنظريات أرسطو. وهو أبرز المنتقدين لزعيم المتكلمين الامام أبو حامد الغزالي الذي كفّر فلاسفة الإسلام في كتابه تهافت الفلاسفة الذي شرح فيه تناقض منهجهم. فردّ عليه إبن رشد منتقدا في كتاب (تهافت التهافت) الذي أكّد فيه على الاعتراف بحق الاختلاف وبالحق في الخطأ. وأمّا محنته‏ فكانت على خلفيّة  اتهامه بالكفر والضلال والمروق عن الدين. وذلك بمجرّد وشاية من خصومه  أفضت إلى محاكمته. حيث لعنه الحاضرون من كبار القوم. ثمّ تمّ  إخراجه من المحكمة على حال سيئة، ونفيه إلى قرية لا يسكنها غير اليهود. ليس هذا فحسب، بل أمر الخليفة المنصور بحرق جميع مؤلفاته الفلسفية وبمنعه من الاشتغال بالفلسفة والعلوم ما عدى الطبّ.

إلّا انّ السبب الحقيقي للمحاكمة كان في جوهره على خلفيّة  موقفه من فقهاء عصره / أهل النقل الذين قال عنهم: « ظاهر من أمرهم أن مرتبتهم مرتبة العوام وأنّهم مقلدون. والفرق بين هؤلاء وبين العوام أنّهم يحفظون الآراء الّتي للمجتهدين فيخبرون بها العوام من غير أن تكون عندهم شروط الاجتهاد, فكأن مرتبتهم في ذلك مرتبة الناقلين عن المجتهدين ». كما كان بسبب تأكيد ابن رشد على أن الأرض كرويّة. وبصفة خاصة على موقفه المتميّز من قضيّة العلاقة بين الدين والفلسفة  أو الشريعة والحكمة من خلال كتابه (فصل المقال وتقرير ما بين الشريعة والحكمة من الاتصال). حيث يقول أن « لا تعارض بين الدين والفلسفة، وإذا كان هناك من تعارض فالتعارض ظاهري بين ظاهر نص ديني وقضيّة عقليّه ونستطيع حلّه بالتأويل...». ومن هذا المنطلق فهو يرى أن الشرع أوجب ليس فقط النظر بالعقل في الوجود بل أوجب كذلك دراسة المنطق. ويرى أيضا «أنّ القضايا البرهانيّة العقليّة هي حقّ، وما نطق به الشرع حقّ، والحقّ لا يضاد الحقّ بل يؤكّده ويشهد له»، بما يعني أنّ الحكمة (الفلسفة) والشريعة (الدين) لا يتناقضان كما ذهب الغزالي إلى ذلك في "تهافت الفلاسفة "  الذي شكّل في تقديري تكريسا للإنغلاق ومصادرة للرأي الآخر . ذلك أنّه بموت  إبن رشد -وياللأسف- انتصرت مدرسة النقل لزعيمها "حجّة الإسلام" الغزالي، و"العالم الأوحد"، كما  يلقّبه مريدوه، نهائيّا، على المنهج العقلي الذي مثّله ابن رشد ، باعتباره كاد يؤلّه العقل رغم تديّنه الشديد..وكان من نتائج  ذلك  أن أغلق باب الاجتهاد، واستسلم المسلمون لنوم عميق، ما زالوا يغطّون فيه إلى اليوم. فلعلّهم استمرؤوه.

ورغم محنته، فقد ظلّ ابن رشد، مبتدع مذهب "الفكر الحر" كما قيل عنه، رغم أسبقيّة أبي بكر بن الصائغ (ابن باجة) الذي يعود له الفضل في تحرر الخطاب الفلسفي وتلميذه ابن طفيل ، شامخا بفضل حرّيته الفكريّة واستقلاليته وعدم تبعيّته لأحد، بما ينطبق عليه قولة  فريدريك نيتشه « امتياز امتلاك المرء لنفسه لا يقدر بثمن». ولذلك فقد قال ابن رشد عند موته كلمته المأثورة في ذات السياق «تموت روحي بموتِ الفلسفة». لكنّ ما حصل هو العكس تماما. إذ أنّ  الفلسفة الإسلامية هي التي ماتت بموت روحه.  فهو دون شكّ أخر فيلسوف مسلم.

وما يمكن إستنتاجه من محاكمة كل من إبن رشد وغاليلي أن تداعياتهما كانت متناقضة وأثّرت على مسار التاريخ في الشرق والغرب. فقد أدّت محاكمة ابن رشد إلى أفول الفلسفة الإسلاميّة وبداية تخلّف وانحطاط العالم العربي والإسلامي الذي لا يزال متواصلا إلى اليوم بشكل جنوني، لاسيما من خلال سعي المتشدّدين، الذين يحنّون إلى تطبيق أحكام الردّة في غير سياقها الموضوعي، إلى إرساء الدولة الدينيّة لإرهاب البشر واسترقاقهم باسم الدين. بما يذكّرني بمقولة فريدريك نيتشه « أشعر كلما تعاملت مع رجل متدين بالحاجة إلى أن أغسل يَدَيّ». بينما ساهمت محاكمة غاليلي بشكل محوري في قيام نهضة أوروبّا والغرب عموما، وبروز فلاسفة عصر الانوار وقيام الثورة الفرنسيّة وتكريس قيم الديمقراطيّة والمواطنة واحترام حقوق الإنسان عبر إرساء الدولة المدنيّة الحديثة التي حرّرت الإنسان من عقاله وفجّرت طاقاته الكامنة.

 

المهندس فتحي الحبّوبي

  

saieb khalilفي المقالة السابقة "المثقف كأب حنون لشعبه في زمن الضياع "(1) تحدثنا عن المثقف بصفته "اباَ" مسؤولاً عن شعبه وعن مساعدته على الشفاء من أمراضه وعبور المنحنيات الخطرة في تاريخه، ونكمل اليوم في تفصيل دور المثقف باختصار شديد لمختلف المساءل التي يواجهها في مهمته النبيلة.

 

الإعلام

مطلوب من المثقف أن يحمي شعبه من الأعلام المضلل، لكن المطلوب منه قبل ذلك ان يحمي نفسه. التعليمات حول الطوارئ لركاب الطائرات تقتضي أن تلبس كمامة الأوكسجين بنفسك قبل أن تحاول مساعدة طفلك على ارتدائها! على المثقف أن يدرك بأنه نفسه مستهدف أيضاً من التشويه الإعلامي للحقيقة، وأن يكون له التواضع اللازم لذلك الحذر، والأمانة الأدبية المطلوبة لاكتشاف التضليل عندما يناسب ذلك التضليل عواطفنا وأهدافنا، فيفقدنا مصداقيتنا. ليس هذا سهلاً، وضحايا هذا التشويه من المثقفين متناثرة كشعب تعرض لمجزرة إعلامية في العراق. وحتى الأحزاب السياسية العريقة لا تنجو أحياناً من السقوط في فخ إعلامي، وتكوين صورة وهمية عن الواقع لا تحس بها إلا بعد فوات الأوان على الكثير من المواقف الخاطئة القرار.

 

النفس والحقيقة الصعبة

 

بعد أيصال الحقيقة تواجه المثقف انتزاع الإعتراف بها، وهذا هو الخندق الثاني الذي تتحصن به الأكاذيب ومروجوها. فالحقائق ليست مجرد معلومات حيادية. إنها تعني مصالحاً وتثير مشاعراً فتفرح هذا وتحزن ثان وتخيف ثالث وتحرج رابع وتشعر خامساً بالإنتصار وسادساً بالهزيمة. إن الحقائق التي تجد الصعوبة القصوى في الوصول إلى المتلقي، ليست تلك الحقائق المعقدة صعبة الفهم، أو تلك التي لم تشرح جيداً، بل تلك التي تثير انزعاجا وإحراجاً أو خوفاً لدى ذلك المتلقي. فهو ليس حاسبة نضع فيها الأرقام لتحسب النتيجة، وإنما قبل كل شيء، كيان نفسي يستند إلى مفاهيم معينة وتصورات وقناعات شكل منها صورة العالم وصورة علاقته معه، وإلى تلك القناعات يستند أمله في الوصول إلى آماله في الرقي أو في النجاة على الأقل. إن من يأتي بحقيقة مزعجة لمتلقيها فإنما يطلب منه تحمل ألم إضافي، وقلق إضافي وهم إضافي. فإن قالت حقيقة ما، أن الدولة  "الصديقة" التي نعقد عليها الآمال لتساعدنا في القضاء على من يتربص الموت بنا ويرهبنا، تقف في الجانب المقابل ضدنا وضد آمالنا، أو أن السياسي الذي وضعنا أملنا فيه، تبين أنه كذاب كبير أو فاسد أو متآمر، فأن هذا سيسبب لنا كارثة نفسية نجد أنفسنا نعمل على على تجنبها بكل ما نستطيع. يمكن ملاحظة هذه الظاهرة أحياناً لشخص يفقد عزيزاً عليه، فيرفض الإعتراف بالواقع وقد يبقى لفترة غير مصدق لتلك الحقيقة القاسية. وخير طريقة لذلك هي أن نبحث في تلك الحقيقة عن نقطة ضعف، أو نخترع لها نقطة ضعف لتنفنيدها وإزاحتها من أمامنا. وإن لم ننجح في إيجاد خلل في الحقيقة أو رفض الإعتراف بها، فأن جهازنا النفسي سيتكفل بذلك من خلال عملية "نسيان" سريعة على غير العادة. فمادام ولذلك لا مفر من بعض مشاعر الحقد على من يصر على تذكيرنا بها، فهو من وجهة نظر نفسيتنا، يرتكب عملاً عدوانياً يسبب لنا الألم!

هزيمة الماركسية مثلاً لم تكن من معارك المحاججة، وإنما كانت من خلال الألم والخوف. فقد ارتبط الإنتماء إلى الماركسيين والشيوعيين بالذات بالرعب من التعذيب الذي سيمارس ضدهم إضافة إلى الآلام الأقل شأناً من تهميش ومطاردة و "بهدلة"، ووفق جومسكي فقد أوصلت الولايات المتحدة بعد نهاية الحرب العالمية الثانية تهديداً لشعب أية دولة أوروبية بالجوع إن هو انتخب أية حكومة يسارية، أما إن كان ذلك في الدول الأخرى فمصيره الإرهاب والإنقلابات.

الخوف لا يدفع الخائف فقط إلى الإبتعاد عن تبني الفكرة التي تسبب له الخوف فقط، بل ينتقل ذلك حتى إلى نظرته إلى صحة الفكرة! فمن الأسهل نفسياً أن تقتنع بأنك رفضت الفكرة لأنها "خطأ" من أن تقول أنك رفضتها أو تخليت عنها بسبب الخوف. وهناك أمثلة كثيرة جداً لشيوعيين سابقين، حتى من ذوي التاريخ النظالي الكبير مثل عزيز الحاج، قد تحولوا إلى أبواق منفلتة للجهة المعاكسة لايمكن ملائمتها مع ما يعرفون من حقائق عنها، ولو كان تحولهم معرفياً، لكان هادئاً ومحدوداً واستطاع أن يحتفظ باحترامه على الأقل لبعض نقاط عقيدته القديمة، وأن يتذكر بعض مساوئ إيمانه الجديد.

وينطبق هذا الأمر على التصديق بارتباط أميركا بالإرهاب، فهذه فكرة مخيفة حقاً ومحطمة للآمال وتعد بصراع مؤلم.

على المثقف هنا أن ينتبه لأثر الحقيقة على نفسيته أولاً واستعداده لتحملها، وأن ينتبه لأثرها على متلقيه ويتوقع ويتفهم ردود الفعل عليها، فليست كل تلك الردود هي على الحقيقة أو عليه شخصياً، وإنما على الألم الذي تتسبب به تلك الحقيقة التي يأتي بها، كرد فعل نفسي لحماية الذات من الأذى.

 

ما الذي يجب تنبيه الشعب إليه أولاً؟

عدا إعطاء الشعب صورة صحيحة قدر الإمكان عن القضايا الآنية العاجلة والخطيرة كالإرهاب والطائفية وحقيقة الموقف الأمريكي، فأن مراجعة للأسس أمر لا بد منه.

 

 الطائفية والإعلام

الطائفية ليست ظاهرة عفوية نابعة من داخل الشعب كما يحاول مروجوها أن يفهمونا، بل هي عملية صناعة متقنة تتعاون بشكل وثيق مع الإعلام ويخترق المتآمرون فيها أجهزة الدولة إلى أعلى المستويات. فمثل وزير العدل الذي ابتدع قانون الأحوال الشخصية الجعفري. هذا الشخص لا يمكن أن يكون بريئاً ليقدم مثل هذا المشروع في مثل هذا الظرف. ولا يمكن أن يكون بريئاً كذلك، المستشار القانوني للحكومة طارق حرب الذي يروج للمشروع. وعلى مستوى أدنى ينتشر على مواقع الإنترنت معلقون يتلقفون كل خبر ليضعوا له تعليقاً يجعل قراءته طائفية حتى لو لم تكن للخبر علاقة بالطائفية، وهذه التعليقات تلعب نفس دور التوجيه التضليلي لعقول القراء الذي تلعبه التذييلات الخبرية التي توضع في نهاية الأخبار من قبل وسائل الإعلام المشبوهة – وأكثرها كذلك – وتبدأ هذه الذيول عادة بكلمة "ويذكر أن ... " ليأتي بعدها ما يقول لك على أية خلفية يجب أن تقرأ هذا الخبر وبأي شيء يتوجب عليك ربطه. وقد لا تكون هذه الإضافة في نهاية الخبر، بل في أي جزء منه.

كذلك قد تجد أن العنوان كثرما يقول كلاماً يؤكد الطائفية أو ما يريد صانع الخبر، ولا تجد ما يسند هذا الإدعاء في متن الخبر (بأمل أن يكتفي القارئ بالعنوان، كما يفعل الكثيرون، أو لا ينتبه إلى الفرق بينه وبين المتن).

وهناك آفة "المصدر المطلع.." أو الذي "رفض ذكر إسمه..." ليتحدث بما يشاء من أكاذيب أويخلط الخبر الكاذب فيها ببعض الأخبار الصحيحية وتمزج بطريقة لا يسهل على القارئ أن يميز فيها ما قاله الشخص المحدد من ذلك الذي ينسبه الخبر إلى المصدر المجهول.

في هذا الظلام الإعلامي الدامس، من واجب المثقف أن يتلمس الحقيقة لينقلها إلى شعبه.

 

الفساد

يجب تصحيح المفهوم المنتشر عن الفساد بأن وراءه الطمع الإنساني المعتاد، او شكل مضخم له. ففي العراق لا يتم نهب الثروة من قبل الطامعين فقط، بل يتم منع الصالحين أو الأقل طمعاً، من إنجاز أي شيء. هذا ليس موضوع طمع إذن بل مؤامرة متقنة واعية ومقصودة التحرك، وأن إسم "الفساد" ليس سوى تضليلاً يراد به حرف البحث عن الحل، نحو أتجاهات أخلاقية مثلاً. فما يسمى بـ "الفساد" في العراق هو مؤسسة كاملة لها من يرعاها عن قصد ويديرها والهدف منها منع بناء أي شيء حقيقي في البلاد، واستهلاك كل ثرواتها آنياً، ودفعها للإقتراض إن أمكن رغم ثروتها الهائلة، وإسقاطها في مصيدة الديون المعروفة التي تحدث عنها جون بيركنز.

 

صورة العالم الحقيقية:

رغم كل التقدم التكنولوجي في علم الإتصالات فأن الشعوب لا تدري حقاً ما يجري في العالم إلا بما تريده لها أن تعلمه، تلك القنوات المملوكة لمجهولين. فهذا التقدم التكنولوجي يستخدم للتجهيل كما يستخدم للتعليم، ويستخدم بشكل لم يسبق له مثيل للتجسس، ومن يدفع ثمنه يقرر كيف يستعمله. يجب أن يعلم العراقي أنه ليس وحيداً في الأزمة وأن العالم أيضاً يعاني من الضغط الشديد الذي تسلطه نفس القوى التي تسلط الضغط على الشعب العراقي، وأن الصراع يشتد بين القوى المتغولة في الثروة والسلطة والسلاح، والبشرية التي تسعى للدفاع عن آدميتها بوجه هذه النماذج التي تتوحش يوما بعد آخر. أن أمام المثقف مصادر كثيرة أمينة لينهل منها ويعود بالثمار لشعبه، وخاصة المصادر اليسارية الناقدة والكاشفة للحقائق المروعة التي يمر بها العالم والراصدة لتحركه وأتجاه سيره الخطر.

 

صورة العراق الحقيقية

أما عن صورة البلد فنقول أن العراق منخور أكثر مما يدركه من يعيش فيه ومعظم من يعيش خارجه. يجب أن نتذكر أننا نتحدث عن بلد أجهزة كشف المتفجرات المزيفة التي خدعت الحكومة بكل مؤسساتها. هذه "الأجهزة" ليست سوى علب فارغة، ليس فيها أية دائرة كهربائية ولا بطارية لتشغلها، وقد كشفتها الدولة صاحبة الشركة وحوكم صاحبها بالغش وأدين به، ورغم ذلك يستمر العراق في الحديث عن "نسبة نجاح" كذا% ، ويستمر في استعمال الخدعة بإصرار عجيب!

بالنسبة لي كان موضوع هذه الأجهزة العلامة القصوى التي أشرت مدى الإنهيار العلمي والأختراق الأمني الرهيب في العراق، ومدى هزال المؤسسات فيه، ويجب أن نتذكر ذلك لكي لا نفاجأ بالخسائر والفضائع. فحين عرفت بقضية العلب الفارغة هذه لأول مرة، أصبت بالصدمة، وكتبت عنها أكثر من مرة، وكل ما حدث بعد ذلك لم يعد يثير عجبي، فأذكر نفسي بأن العراق بلد "أجهزة كشف المتفجرات"!

الحكومة التي تخدع كالأطفال بعلب فارغة تريد الثقة من الناس وأن تخطط مستقبل بلد من أثرى البلدان في أخطر مرحلة يمر بها! من الضروري أن نبعث الثقة بالنفس، إنما مهم أيضاً أن نعرف حجم الهوة التي يعيشها العراق في كل جوانبه لكي نرى صورته الحقيقية، لعلنا نخرج بما يمكن إنقاذه ولا نفاجأ بما يحدث.

 

الحقوق:

لقد فقد الشعب الإحساس السليم بحقوقه لكثرة ما عانى من اضطهاد، فتراه مازال، وهو يمارس الديمقراطية، يتوسل بالحاكم أن يعطف عليه ويحل له مشكلة، بدلا من ان يحاسبة ويؤنبه على تقصيره في حل تلك المشكلة، وما زال الحاكم يوزع الهبات والعطايا. لذلك فعلى المثقف أن يذكر الناس بحقوقها الأصلية غير المنقوصة كبشر. عليه أن يعيد ثقتهم بالإنسان وحثهم على المشاركة في الصراع من أجل العيش الكريم، وليس العيش فقط. المثقف أقدر الخروج من الواقع وما يوحي به من حدود، إلى رؤية الممكن والصحيح والمطالبة بهما. إنه القادر على، والمطالب بـ ، بعث الحماس والثقة ووضع الخطة العامة للقيام بالقفزة المناسبة.

 

السياسة:

هناك أيضاً السياسة ومغاليقها الحقيقية منها والمفتعلة قصداً. كيف تعمل الديمقراطية؟ ماهي نقاط قوتها التي توجب علينا أن نسعى إليها؟ وما هي أيضاً نقاط ضعفها التي تسمح لخصومها بالإلتفاف حولها؟ إن كانت تمثل حكم الشعب فكيف يحكم الشعب من خلالها؟ ومتى نفهم أن هناك خللاً في الديمقراطية؟ كيف نطمئن أن ديمقراطيتنا لا تيسر نحو التردي إلى الشلل في القرار، أو إلى الدكتاتورية؟ ماهي المراهنات التي يجب أن نقبلها وتلك التي نرفضها، عندما لا يكون الخيار واضحاً؟

 

الديمقراطية:

أهم ما يجب أن يعلمه الناس عن الديمقراطية أنها لا تعطيهم أية حقوق أو مكاسب بذاتها، وإنما توفر لهم وسيلة صراع من أجل تحقيق تلك المكاسب، وأن من يرفض خوض ذلك الصراع فلن يحصل على شيء، لا بالديمقراطية ولا بغيرها. وحتى حماية الديمقراطية من التآكل من خلال السلطة التنفيذية يتطلب جهداً مستمراً للصيانة والمراجعة والتطوير، وإلا انتهت تلك الوسيلة أيضاً ولن يعود بالإمكان استعمالها مستقبلاً، حتى لو قرر الشعب ذلك لاحقاً.

 

الإقتصاد:

ما هي الرأسمالية حقاً؟ ما هو الإقتصاد المناسب لنا؟ هل حقاً تناسبنا حرية السوق؟ لماذا يتحدث بها المسؤولون والإعلاميون وكأنها التزام اخلاقي أو ديني؟ ماذا يحدث إن لم نلتزم بها؟ ماذا تعني العولمة بالنسبة لنا؟ هل حقاً بنت الدول الرأسمالية اقتصادها من خلال حرية السوق؟ يجب إثارة اهتمام المواطن وجرأته على هذه التساؤلات، وفحصها بعين شكاكة. ففي الإقتصاد من الأكاذيب ما يزيد على أي علم آخر من العلوم، حتى السياسة نفسها.

هذا عن الإقتصاد بشكله العام. ومن جهة أخرى يجب تسليط الضوء على المساءل الإقتصادية العراقية الملحة: ماهي الأخطار الكبرى التي تهدد الثروة الوطنية والإقتصاد الوطني؟ هل هناك خطر من الديون؟ ماهو، وكيف نتجنبه؟ هل اتخذت الحكومة الإجراءات اللازمة لحماية نظامنا البنكي وتأمينه أمام الأزمات القادمة حتماً، كما تفعل حكومات العالم الأخرى في كل بلد اليوم؟

إن تقصير المثقف العراقي والعربي في هذا المجال مميز بشكل مؤلم. ففي كل مكان آخر تقريباً، هناك حملات توضيح كثيرة للشعب يقوم بها المثقفون والمختصون من أبنائه.

 

أن لا تترك إجابة الأسئلة للمتآمرين على الشعب وحدهم

مثل هذه الأسئلة يجب أن لا تترك للذين يستفيدون من تحديد أجوبتها بشكل ما، لكي يكونوا الشارح الوحيد لها. على المثقف أن يذهب ويقرأ ويعود بصيده لشعبه الجائع، ويعمل على إقناعهم بما وجد وحثهم على مراجعة ما يقال لهم بشأن تلك الأمور، فهذه أموالهم وحياتهم ومستقبل أطفالهم.

شعبنا الذي حبس في قفص الدكتاتورية طويلاً، يسير أول خطواته في الغابة، والبعض ما أطلقوه من قفصه إلا ربما ليفترسوه بحرية. ومن واجب "والده" المثقف أن يفعل كل ما يستطيع من أجل حماية ولده، وجعله يعبر المرحلة الخطرة في سنواته الأولى في العالم "الحر" – الحر من القانون ومن الأخلاق! 

 

(1) المقالة السابقة حول الموضوع: المثقف كأب حنون لشعبه في زمن الضياع – صائب خليل

https://www.facebook.com/saiebkhalil/posts/600715683318838

hamoda ismaeliعندما يكرر الإنسان سلوكا معينا قولا كان أو فعلا فإن ذلك يعني أن هذا السلوك له أهمية، وحاجة ضرورية بالنسبة للمعني ـ كالأكل والجنس والنوم ـ ودون ذلك قد يعتبر عرضا وسواسيا يكشف عن اضطراب في وظيفة التفكير وعجز عن تحليلٍ واضح للواقع. وحتى تتضح هذا النقطة، لنفترض أن شخصا يذهب للصالة الرياضية، فهو يكرر نفس السلوك تقريبا كل يوم، بالقيام بحركات معينة، غير أنه إذا ركزنا جيدا سنجد أن تلك الحركات تتغير نسبيا وتتطور مع المدة، أما إذا كان الشخص يأتي كل يوم للصالة، ويقوم بتكرار نفس الحركة كل يوم، فإما أنه معتوه، أو أنه لا يستطيع القيام بحركة أخرى (رغم أن أي شخص طبيعي سيشعر بالملل، فإما سيتوقف أو سيبدل جهدا للقيام بحركات أخرى).

بالانتقال من الصالة الرياضية، للخطاب الثقافي العربي، نجد بعض التشابه، فأغلب الكتابات العربية لا تتغير منذ قرون، هناك كلمات محددة تتكرر باستمرار، ولها من التأثير أنها تجعل الخطاب خاضعا لحقل معين، ينتج فيه ويعيد الانتاج دون تجاوزه، لأن التجاوز يتطلب آليات ورموز جديدة قادرة على إخراج الخطاب من الخضوع لحقول ومفاهيم معرفية معينة. هذه الكلمات هي "إسلام"، "خلافة"، "هجرة"، "سنة"، "شيعة"، "قرآن"، "دين"، "إلحاد"، "ردة"، "وهابية"، "الله"، "شيطان"، "نبي"، "شريعة". ومن المثير للريبة، ليس عدم وجود أي خطاب ثقافي عربي لا يتضمن إحدى هذه المصطلحات، بل لا وجود لمقال لا يحتوي أغلبها. ما يتبث أن الخطاب محصور داخل حقل الدين، رغم النقد والرد والدفاع والتحليل والتفسير والشرح والتفكيك فلم يستطع بعد تجوازه، ولم يقدر بعد على إنتاج مفاهيم جديدة تساعد على الانتقال والتجاوز وإعادة انتاج مشروع ثقافي بديل. لازالت نفس الإشكاليات ـ التي كانت مطروحة في العصر الذي أنتج هذه المصطلحات ـ تفرض سلطتها بالوقت الراهن، لازالت تمارس ضغطا وسيطرة على المثقف المنتج والمتلقي بنفس الوقت، لازالت تستعصي على الإحاطة والإخضاع. والسؤال هو: لماذا؟

طبعا الجواب هو أن الحقل الثقافي العربي لم ينتج فلاسفة، أي شخصية متساءلة تغادر الكهف الثقافي المعتاد لتُحضِر صور جديدة عن عالم واقعي لا يخضع لتصورات وتفسيرات مسبقة، لا يخضع للتأويل والرؤى الدينية الجامدة، بآليات قادرة على البرهنة بوجود واقع أفضل أو مغاير أو بديل. العرب لم يعرفوا فيلسوف ماعدا إذا رغبنا باستثناء الرازي كمتفلسف وشكاك ضد الخطاب الثقافي المعتاد، رغم أنه لم ينتج مشروعا فلسفيا ولم يقدم آليات ورموز اشتغال بديلة أو بتعبير أوضح فيلسوف لم يغادر الحقل أو الكهف، أما البقية التي يعتبرها الأغلبية المثقفة فلاسفة، فأكثر ما فعلوه أنهم اخضعوا الثراث الفلسفي اليوناني لخدمة الشريعة الدينية، لتوسيعها وتجميلها وترميمها حتى تلائم صيرورة التغير الاقتصادي والسياسي للواقع الاجتماعي.

الفيلسوف هو السؤال، هو الخلق، هو الثورة والانفصال عن المتوفر والمعتاد، أما بالنسبة للفلسفة الدينية (الإسلامية والمسيحية) فلم تعرفا فلسفة بمعناها الإبداعي والتنويري، فلسفة غير خاضعة للتصورات المنتجة مسبقا، وغير معنية بتبرير المعتقد الممنوح، ولا تكتفي بالأليات الموجودة والمتوفرة لتحليل الواقع وإنتاج خطاب ورؤى، بل تجدد الآليات بخلقها حسب نوع الخطاب البديل، فالمشروع الفلسفي الإسلامي المسيحي (أو نومة القرون الوسطى) ظل معتمدا على الآليات الأرسطوية والأفلاطونية والرموز الدينية (السابق ذكرها)، حتى ظهور ديكارت الذي انفصل عن هذا المشروع التنويمي بإيقاط خطاب جديد تطلب آليات جديدة ومنهجية جديدة تمثلت في "الكوجيتو"، وإعادة الانطلاق من التفكير كطريقة وجود بعد التشكيك في كافة المعطيات.

كل تصور فكري معين للعالم أو قفزة نوعية ثقافية، فرضت نفسها بخطاب يتضمن آليات إبداعية وجديدة، فكما رأينا "الكوجيطو" مع ديكارت، نجد "الانتخاب الطبيعي" مع داروين، و"النسبية" مع انشتاين ثم الكوانتم بعده في المجال الفيزيائي، ونجد "الأنا" و"الهو" و"الأوديب" عند فرويد، و"البروليتاريا" لدى ماركس وكذلك "الشيوعية" كمشروع يستمر مع لينين وروزا. أما بالنسبة للخطاب العربي فإن القفزة الانتقالية التقافية أو تحولات الخطاب الديني نجدها في "الوهابية" كدعوة رجعية وليست كمشروع تنويري يخلق وينتج آليات ورموز مغايرة وثورية جديدة، مثل "الفرويدية" و"الماركسية" و"الداروينية". وتجلت الدعوة الرجعية بالقطيعة مع الآليات المتوفرة مثل التخلي ورفض رموز المشروع الفلسفي اليوناني ك"اللوغوس" و"الميثوس" و"الميتافيزيقا"، واستخدام آليات اقدم تنحصر في "الحديث"، "الفتوى"، "الخلافة"، "الحد" و"القصاص"، مايشير لدعوة تدميرية تهدم المستقبل على حساب الحاضر للتقهقر نحو "رحم" الأمان الثقافي، وإعادة الاشتغال بالأسس المُشَكِّلة للمشروع الثقافي الفلسفي وهو الدين "السنة" ـ ونجد له مقابل نتيجة الصراع الداخلي الذي يمارسه الخطاب الديني المؤثر في ـ "الشيعة"، كلا الخطابين دعوة للهدم وإعادة الإنتاج بنفس الآليات المتوفرة والمستهلَكة، وهكذا ظلت الفلسفة والثقافة العربية مشروع مستهلك ومحصور داخل دائرة الهدم وإعادة الترميم، أو "الانسحاب" كتأمل هندي أخد صبغة إسلامية بآليات أفلاطونية : "الصوفية" أو الانتقال لعالم الفكر الازلي للتماهي مع المطلق (عالم العقل الهرمسي).

وكما أنتجت المنطقة العربية (بين النهرين وشبه الجزيرة) أنبياء وخطابات دينية متتالية نظرا للتأثير الفكري نتيجة القرب (فلم نسمع بنبي من بانكوك أو جنوب أفريقيا)، كذلك حصل الأمر مع المنطقة الغربية بانتاج فلاسفة متتاليين ليس كفلاسفة "نومة القرون الوسطى" أو خُدّام الإيديولوجيا (نتيجة التأثير والتقليد الثقافي تم انتاج هؤلاء المتشابهين منهجيا كذلك)، بل كنموذج ديكارتي، نراه في "تفكيك" دريدا و"المسكوت عنه" عند فوكو، و"مابعد العلمانية" لدى هبرماس، أيضا "الوجودية" عند سارتر و"الكينونة" عند هايدغر، أما بالخطاب العربي نرى "البلطجية" و"الشبيحة" كتأثير الواقع بالخطاب المقولب بدل تأثير الخطاب المفتوح بالواقع والسعي للسيطرة عليه، زيادة على التراشق اللفظي والكتابي بين الأطياف الثقافية ك"عمالة"، "تطبيع"، "إرهاب"، "غزو"، "اسقاط"، "أخونة"، "شرعية"، "تكفير". ما يؤكد تآكل الخطاب الداخلي واحتواءه على الاستهلاك العدواني الذاتي نتيجة عدم التجديد والابتكار. فالطاقة الإبداعية ترتد للخلف بدل الانطلاق لسبر أغوار الغير المتحدث عنه والغير الموطوء قبلا والمنطقة المجهولة أو اللاوعي الشرقي-العربي، إنما الخضوع والارتجاف ومحاولة صبغ الخطاب الديني والفلسفة المتواطئة وإظهارها بأنها خطاب ملائم لكل العصور كإعادة قراءة له نجدها عند أركون والجابري وأبوزيد وجعيط وحنفي والنخبة الغربية التي لم تمتلك روح فلسفية مؤثرة في الرأي العام والسياسي. وما التراشق الثقافي إلا دفاع عن الذات والأنا! .

نجد المثقف العربي يشكو قلة الاهتمام، وعدم توفير ماده إعلانية وإعلامية له وتعرضه للإقصاء والتهميش والخداع، فالجمهور يتجمع على الفن الاستهلاكي والترويج الدين-إعلامي. غير أن العقدة في اعتقاد وشعور المثقف، في أفكاره (بتعبير علي حرب "أفكار المثقف هي أزمته")، فالفيلسوف لا ينتظر دفع أو تركيز أو مساعدة، لأنه كما يؤكد نيتشه يفرض ذاته ويخلق الحدث "ينزل كالصاعقة"، الفيلسوف يمتلك كاريزما وقوة جذب مثله مثل الساحر أو كاهن القبيلة، فأصالته وإبداعه تؤثر في الوعي الجمعي كحقيقة متطلبة ومفيدة ومساعدة على التعرف الأفضل للواقع المعاش. وليس شخصية انسحابية وضحية غريبة أطوار تنتظر إعلام يديره مرضى عقليون أو دور نشر تتسول دراهم، تقدم ردفيها ليسكب أي مغفل منيّه الثقافي العقيم.. وتعمدنا استخدام التشبيه الجنسي الفاحش نظرا لعدم اختلاف دور النشر (العربية) عن العاهرة، باستثناء القلة.

ففيلسوف ينتظر من يكشفه ويعليه حتى يصعد خشبة المسرح، فهذا ثعلب وليس مثقف، زيادة على أنه تصور تقليدي، فالفيلسوف يجذب لا يصعد أو ينزل، ينتشر ولا يتمركز. لكن الإشكال هو في عدم امتلاك المثقف لآليات متطورة تقطع مع المعتاد والمتوفر، وتحرره نحو بناء جسر مع المجهول والعذري والنائي، ويعتقد أنه فيلسوف مهمش ! الفيلسوف يستمد السلطة من مشروعه وفكره، لا يتسوّلها.

خطاب التكرار لا ينتج شيئا سوى التأكيد، وحده الانطلاق "من" و"نحو" الممنوع والمرفوض والمبعد، هو ما يعيد للمثقف رونقه وتحكمه وقدرته على الإدهاش والحضور من الجوانب والأماكن غير المتوقعة، بلغة وأسلوب وآليات تمكنه من الاختراق. والآلية والرموز توجدهما الضرورة، ضرورة الخلق والإنجاب. وحتى ينجب يلزم "حمل" : توفر كرموزومات متنوعة ومن اجناس مختلفة، وليس الاعتماد على مخصب (طرف واحد مقدم للكروموزوم) وإلا سينجب مشروعا مشوها أو معاقا، إن لم يعني ذلك "العقم" كنتيجة.

الفيلسوف هو الصدمة، المصدوم الذي يصدم الآخرين، هو ذاك المفكر. الفيلسوف خرافة، وحدها الصدمة هي الواقع.

saieb khalilسأحصر كلامي ضمن المثقف الإنساني الذي يرى نفسه بدرجة أو بأخرى، باحثاً ومحارباً من أجل وصول الحقيقة والقيم العليا، والتي يراها ضرورة لا مفر منها من أجل سعادة مستقرة للبشرية.

قد تبدو للبعض هذه صورة عفا عليها الزمن، لكن الإنسان كان ومازال بحاجة إلى ضوء لامع بعيد يهتدي به، كما تحتاج السفن ضوء الفنار في الليالي العاصفة. فربما ليس من الصعب عليه أن يتحرك في حياته اليومية، لكن الحفاظ على الإتجاه العام الصحيح خلال تلك التفاصيل أمر آخر.

لا ينتظر المثقف من هذه المهمة أن تكون سهلة أو جميلة، رغم أنها لا تخلو من المكافآت الكبيرة بالإحساس بالإعتزاز بالنفس والدور الشريف الذي يقوم به في مجتمعه، ولكنها بكل تفاصيلها حرب حقيقية وسوف يخرج منها المحارب مثخناً بالجراح وبالغبار على وجهه  وشعره والإحمرار في عينيه، وكما يقول نيتشة: "ليس لمحارب أن يطالب بأن يعامل بالمراعاة"!

 

الأجمل والأشرف

من الأسهل و“الأجمل” كثيراً أن نختار بدلاً من تلك الحرب، ما تتيح لنا ثقافتنا من فرص، حتى ضمن الكتابة نفسها، فنكتب عن ما ينفعنا نفسياً ومادياً وثقافياً ويتيح تجميع المنافع والتقدير الإجتماعي، وليس إلى معركة الحقيقة الحاضرة، حيث الأحداث العادية والصراعات المشتبكة والتشهيرات التي لا يرتجى منها سوى الأذى على المستوى الشخصي. أن لوحة ارسمها لن تكلفني أكثر من الوقت اللازم لكتابة مقالة سياسية معقدة محشوة بالمصادر، وأحصل من تلك اللوحة، حتى أثناء عملي بها، على شحنة من الإرتياح والسعادة بدلا من التوتر وحرق الأعصاب في الكتابة عن حقائق مؤلمة. ربما تمكنت من بيع اللوحة لكن محاولة بيع مقالة شريفة أمر عسير. وأهم من كل ذلك أن أحداً لن يشتمني ولا سلطة تراقبني وتتوجس تحركاتي بسبب لوحة أرسمها. لكن إن اختار جميع المثقفين والفنانين والشعراء طريق "الأجمل"، فإن أحداً في هذه الحالة لن يرشد هذا الشعب إلى الطريق ليتخذ موقفه وقراره الآني الذي يحتاجه لفهم الأحداث ومواجهتها عاجلا وبلا تأخير.

يقول شريعتي: "عندما يحترق بيتك فأن من يدعوك للصلاة خائن، وأي عمل غير إطفاء الحريق خيانة". وأجد في هذا القول مرشداً جميلاً فيما يجب التركيز عليه من جانب مثقف قرر أن يقف مع ضميره.

الشعوب يخلقها بشكلها الثقافي النهائي- وكذلك خياراتها إن كان لها أن تختار - مجموعة مثقفيها، إضافة إلى العوامل المادية الأساسية. فالمثقف وإن لم يكن الخالق المادي للشعب فهو الراعي له والموجه لطريقه، تماماً كما هو الأب بالنسبة للطفل. ليس في ذلك إهانة للشعب، فأهم ما يميز الشخص الكامل عن الطفل هو معرفة الأول بالحياة أكثر من الثاني، وهذا ينطبق بالتعريف على المثقف المميز بمعرفته النسبية الأكبر عن الباقين من الشعب. أن "الأجمل" للمثقف ان يذهب حيث يمكنه أن يزدهر ويحصد النجاح، لكن الأشرف أن يذهب إلى حيث يمكنه أن يأتي طفله بما يحتاجه.

 

الأب يقسو أحيانا لكن لا يهين

 الأب يحنو على الطفل ويرعاه ويحرص على وصوله إلى مستقبله. إنه يعلمه ويساعده ويرشده إلى الطريق، لكنه يقسو أحياناً قسوة المحب الذي لا يسمح لتلك القسوة أن تصل حد الإهانة وخفض الروح المعنوية للطفل، وإضعافه وجعله عرضة للسقوط بيد المتربصين خلال مسيرة حياته. أن الأب الواعي المتمالك لأعصابه لا يسمح حتى لطفل صعب المراس أن يدفعه إلى تلك الحالة. لقد وضعته الحياة مسؤولاً عن هذا الإنسان ومصيره، وهو يقبل بتلك المسؤولية. لكن الآباء كثيراً ما ينسون ذلك في خضم الحياة، وكذلك يفعل المثقفون تجاه شعبهم.

ورغم أن المثقف لا يجب أن يقسوا على شعبه، فإنه لا يجب أن يكون رحيماً مع أعدائه أو مع الفاسدين من افراد ذلك الشعب. أنا اؤمن أن من واجب المثقف أن لا يلتزم بقواعد “التأدب” في الكتابة حينما يخدم ذلك التأدب تزييف الحقيقة. فحين نشرح لصوصية مسؤول كبير، يفترض أن نقول أنه لص وليس "مخطئ" أو "فاشل" أو امثالها من الكلمات المخففة للجرم، والتي تمنح حصراً للمسؤولين والأثرياء من اللصوص. هذا التمييز ليس جزءاً من ثقافة إنسانية حقيقية، بل هو مبدأ لا أخلاقي ومرفوض، لكنه صار معتاداً.

 

تجنب السخرية

من هنا نستنتج أن على المثقف التوقف عن المشاركة في السخرية من الشعب في كل الأحوال، سواء كانت سخرية محقة أو غير محقة. فعندما يكون وضع الطفل بحال يدعو الآخرين للضحك منه، فإن الواجب يدعو أبيه للبكاء بدلاً من ذلك! إن الأب السليم يدرك أنه هو الملام الأول على حال طفله. الملام هو المثقف!

يتلهى الكثير من المثقفين بتبادل السخرية بالإنترنت من شعوبهم، دون أن يدركوا أثرها السام على النفسية الإجتماعية، خاصة إن كانت تلك السخرية في محلها، وتستند إلى حقيقة. لو كان طفلك كسيحاً فلن تقهقه أمامه من طريقة مشيه الأعرج، أليس كذلك؟ فلماذا نقهقه بأعلى صوتنا ونتمتع بالضحك من تخلف شعبنا الكسيح بدلاً من أن نبكي عليه؟ السخرية لا تدفع إلى الإصلاح كما يوهم أنفسهم المتمتعون بالضحك ، إنها لا تدفع خاصة إن كثرت، إلا إلى اليأس. وهناك جهات متفرغة لكتابة السخرية من الشعب كما تبين مراقبتنا، وكما كتبنا أكثر من مرة. أذكر واحدة منها انتشرت بشكل كبير عن فتاة جاهلة إسمها "جعاز" وجدت نفسها في مطار بريطاني تحمل جواز سفر دبلوماسي ولا تعرف الإنكليزية ولا حتى عربيتها مفهومة، ثم يأتي الشرطي الإنكليزي شديد الأدب .. الخ. وادعى ناشروا هذه التفاهة أن مجلة بريطانية (لم تذكر) قد نشرت "الخبر"، ومن الواضح جداً من التفاصيل أنه "خبر" ملفق تماماً وأن اية مجلة لم تنشره، وأنه تم تأليفه قصداً لإهانة الشعب العراقي بأقصى صورة ممكنة.

علينا أن نتذكر أن هناك صناعة سينما كاملة تقوم على السخرية من العرب في أميركا، وقد بين الباحث جاك شاهين أنه من بين أكثر من فلم بحثها، أشارت إلى العرب بشكل أو بآخر، فان بضعة أفلام لا تزيد عن اصابع اليد الواحدة، قدمتهم بشكل محايد أو إيجابي! وقال أيضاً أن إهانة العرب تحقن في الأفلام حقناً حتى عندما لا يكون لموضوع الفلم علاقة بالعرب. تماماً كما حقن رجال الدعاية الأفلام بالتدخين وماركات السيارات لحساب الشركات المعنية. إنهم لا يدفعون مئات الملايين من الدولارات ورما المليارات بلا سبب. ونحن نقدم لهم الخدمة المجانية بنشرها مقابل أن نضحك قليلاً، وكان أجدر بنا أن نبكي، فهذا الكسيح الذي يضحك منه الآخرون، هو طفلنا!

 

لوم الشعب والفكرة الخاطئة: "إصلاح أنفسنا أولاً"

يجب أيضاً التوقف عن لوم الشعب إلا بما هو محدود ومدروس ويتوقع منه نتائج إيجابية. إن تحميل الشعب مسؤوليته تختلف عن تقريعه وإلقاء اللوم عليه أو ما يسمى عادة بإلقاء اللوم "على الذات"، وتستخدم عادة من قبل من يسعون في حقيقتهم إلى ردع اللوم عن الإحتلال وجرائمه ومؤامرات الدول الخارجية، إضافة إلى عدد كبير من الذين اقتنعوا بالفكرة الخاطئة وصاروا ينشرونها، ويدعون إلى أن "نصلح ذاتنا قبل أن نتهم الآخرين".

قد يكون "المرض فينا" والجرح جرحنا كما يقولون، لكن هذا لا يمنع، حتى ونحن مرضى أن نوقف اليد الخارجية التي تصب الملح على الجروح فتزيد مرضنا وألمنا. إن تأجيل الإلتفات إلى تلك اليد "حتى نشفى من أمراضنا" منطق أعوج يهدف إلى حماية تلك اليد وإعطاءها الفرصة الكاملة لاستكمال مشروعها المدمر، بحجة ضرورة أن "نبدأ بأنفسنا أولاً" أو أن نصلح اخلاقنا أولاً. لكن الأخلاق نتاج الوضع الإجتماعي وظروف الحياة أيضاً، وليست نتاج الثقافة والوعي وحدهما. لا يوجد مريض يقبل أن تستمر يد بضربه على رأسه بحجة أنه مريض، وأن معاناته الأساسية في نفسه وليس بسبب اليد! أن أي من دعاة "أن نصلح ذاتنا أولاً" لن يفعل ذلك إن كان هو الضحية بل يبادر إلى ردع من يزيده عناءاً. الصحيح هو العمل على كل الجبهات والتركيز على الأسرع تأثيراً منها، وهو بلا شك استئصال العوامل الخارجية المساعدة على المرض، ثم الإلتفات إلى الطرق الطويلة المدى، كتحسين المستوى الأخلاقي والتعامل الإجتماعي واحترام القانون وتعود الديمقراطية وحرية الآخر..الخ.

 

المريض يمكن أن يشفى

نعم نحن أمام شعب مريض ومجتمع مريض بشكل خطير، لكن الفكرة الأساسية التي يجب ان نفهمها ونتذكرها أن "المريض يمكن أن يشفى" و "المريض من حقه أن يدافع عن نفسه" حتى وهو في مرضه، وإلا لحكم على كل مريض بالموت وكل شعب متأخر بالإنقراض وكل وطن محتل بالتحطم. كل الشعوب التي نراها اليوم صحيحة ومعافاة، كانت يوماً ما مريضة، وربما بشكل ميؤوس منه، فلا يوجد شعب كان طوال تاريخه قوياً ومنتصراً. السؤال هو كيف تمكن المريض من القيام، وما هي الخطوات في الإتجاه الصحيح، والتي لا يعجز المريض عن القيام بها؟ هذه هي مهمة المثقف وما ينتظره منه شعبه المريض، فهو يحتاج الرعاية أكثر من السليم.

 

هيلين كيلر

 لقد استمعت قبل فترة وجيزة إلى كتابين مقروءين لـ هيلين كيلر وهي تنقل لنا عالمها الغريب. وما أثار دهشتي البالغة، ليس فقط إنجاز ذلك الإنسان الذي فقد السمع والبصر وهو طفل صغير، وإنما من وقف معه وتمكن وفي القرن التاسع عشر، من تحويل هذا المعوق الميؤوس منه، إلى أديبة ومفكرة وموحية إنسانية هي هيلين كيلر. هل هناك أدعى لليأس من طفل لم يفقد بصره فقط، بل فقد معه سمعه أيضاً، وباتت أصابعه قناته الوحيدة حقاً للإتصال بالبشر؟ كيف يمكن حتى أن نتخيل أن نصل إلى هذا الإنسان في زنزانته المغلقة الشديدة الظلام، وألمغرقة في الصمت، لنوصل إليه ليس فقط صورة الحياة، بل ونتاج الإنسانية الأدبي والفلسفي والعلمي، إلى درجة ينجح فيها في النهاية في أن يقول كلمته ويدلو بدلوه! كيف نقارن أنفسنا ويأسنا، مع من وقف مع هذا الإنسان وقام بذلك الإنجاز الهائل؟ هكذا فعل والدي هيلين كيلر لها، وهي المعوقة حد اليأس، فكيف إذا كان طفلنا غير مصاب بأي عوق جسمي، وأنه قد أثبت يوماً أنه لا يقل قدرة على بناء الحضارات مثل أعظم الشعوب في العالم؟

 

صورة الأب ترشدنا

أن صورة الأب (أو الأم) والطفل ترشدنا إلى الكثير في كيف يجب التعامل مع شعبنا. وأهم شيء فيها أن الأب يرى نفسه في خدمة الطفل وليس الأب المنتفخ الذي يجب على الطفل تقديسه ويطالبه بالقيام بخدمته، كما يفعل المثقف العربي والعراقي غالباً. والنقطة الثانية أن الأب يحمل نفسه مسؤولية أي خلل يقع فيه الطفل، حتى لو كان الأخير معوقاً ومريضاً، لا ان يتسلى مع الآخرين بالسخرية من عوقه. فإن من واجب الأب أن يسعى قدر ما يستطيع لكي يواصل طفله الحياة باقل معاناة ممكنة، وأن يشتري له بأمواله التي هي أموال الطفل في النهاية، كل ما يساعده على أن يعيش حياةً مناسبة فيها من السعادة والقيمة الإنسانية أكبر قدر ممكن. لقد عاني هذا الشعب الويلات المتتالية، وفي كل مرة كان اعداءه يحصدون السنابل العالية من أبنائه المخلصين والواعين، فلا عجب أن ترك بيدره هزيلا "كعصف مأكول". إن أمامه معركة صعبة للبقاء على قيد الحياة وأياماً حالكة وتتكاثر المؤامرات عليه من كل جانب، وتنهال عليه الضربات من حيث لا يدري. دعونا لا نتركه يشعر باليتم أيضاً!

 

adnan oayeedفي المفهوم: إذا كانت الحداثة في أبسط صورها هي ميل من التفكير الذي يؤكد على سيادة العقل ودوره، وقوة الإرادة الإنسانية، والسعي نحو الحقيقة، من اجل تحسين المحيط الاجتماعي وإعادة تشكيله عبر المعرفة والتكنولوجيا والتجربة الإنسانية المتراكمة بما يخدم حرية الإنسان وعدالته ومساواته.

فإن ما بعد الحداثة تسعى لإضعاف الفكرة الايجابية عموماً عن العالم، وكل الافتراضات التي تدعمها، وذلك من خلال ما ظهر من أفكار مضادة لهذه الفكرة الايجابية عن العالم . فهي مثلا، - أي، ما بعد الحداثة - تعمل على هدم أفكار وقيم الحداثة ذاتها، ممثلة بالعدالة والمساواة والحرية .. الخ، حيث تبين أن أفكار الحداثة هذه بالنسبة لدعاة ما بعد الحداثة، بأنها أفكار ليست طبيعية بالنسبة لمحبي الإنسانية، أو هي ليست حقيقية بالنسبة للطبيعة الإنسانية، فهي برأي هؤلاء لا تعدوا أن تكون أكثر من مثاليات، أو أبنية ذهنية محض .

 

الظروف الموضوعية والذاتية المنتجة لما بعد الحداثة:

عموماً نقول: بعد الحرب العالمية الثانية، أصبح من الصعوبة بمكان استمرار النظرة التفاؤلية تجاه المستقبل، وأن هناك الكثير من الأشياء السيئة حدثت أثناء الحربين العالميتين، والتي يأتي في مقدمتها ظهور الفاشية والنازية، وذاك الدمار الشامل الذي لم يعف أي شيء من ضرره على مستوى الساحة العالمية بشكل عام وعلى أوربا بشكل خاص، ثم ذاك التهديد الدائم للإنسان بأسلحة الدمار الشامل والسباق نحو التسلح الذي فرضته الحرب الباردة، كل ذلك أعطى انطباعا عاما لدى المتابعين آنذاك بأن المستقبل يبدوا مبهما ومشكوكا فيه أيضا .

بعد انتهاء الحرب الباردة، ومحاولة الرأسمال الاحتكاري العالمي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية التفرد بالقرار الاقتصادي والسياسي والثقافي العالمي، ومع سيطرة الرغبة العارمة لدى "كباتنة" هذا الرأسمال الاحتكاري في تجسيد ما يسمى بسياسة النظام العالمي الجديد، أو سياسة القطب الواحد، أو الليبرالية الجديدة، التي تعبر عملياً عن طموحات ومصالح هذه الطبقة الرأسمالية الاحتكارية العالمية، راحت هذه السياسة تعمل على إعادة صياغة أو هيكلة العالم وفقا لمصالح هذه الطبقة، مستغلة في ذلك القوة الاقتصادية الهائلة المتمثلة عملياً في الشركات المتعددة الجنسيات من جهة، ثم السيطرة السياسية على الهيئات والمنظمات الدولية الفاعلة من خلال الطبقات الحاكمة للدول العظمى التي يسيطر عليها مالكي الرأسمال الاحتكاري عبر النشاط الفاعل لهذه الشركات في هذه الدول العظمى من جهة ثانية، ويأتي على رأس هذه الهيئات والمنظمات الدولية، " مجلس الأمن " و"صندوقا النقد والبنك الدوليين" و"منظمة الغات" ... إلخ . وعلى اعتبار أن ما سنقوم بعرضه هنا لا يهدف في الأساس إلى تناول كل ما يتعلق بالنشاط الجوهري لهذا النظام الليبرالي الجديد ( الما بعد حداثوي)، لأن هذا سيتطلب منا الحديث عن الدولة، ومنظمة الغات، وصندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، والشركات المتعددة الجنسيات، وأساليب وطرق إعادة هيكلة العالم وفق رغبة ومصالح الطغمة الرأسمالية الاحتكارية التي راحت تقود العالم عبر الولايات المتحدة الأمريكية، وعن الأزمات الاقتصادية ونتائجها المدمرة على الاقتصاد العالمي ... الخ، وإنما يهدف إلى الإشارة في السياق العام له إلى طبيعة ثقافة وأخلاقيات هذا النظام السياسية والاقتصادية التي راح يعبر عنها في العديد من النظريات الفلسفية والفنية والأدبية والسوسيولوجية بما يمكننا تسميته إشكاليات ما بعد الحداثة .

نقول: إذا كانت الحداثة (في صيغها الاجتماعية والفكرية والسياسية) قد فجرتها تلك القوى الاجتماعية والفكرية المعبرة عن التحولات الرأسمالية الوليدة والتقدمية آنذاك، والتي كانت وراء إسقاط السلطة الاستبدادية للدولة والكنيسة في صيغها القروسطية الأوربية .. هذه الحداثة التي قامت كما أشرنا قبل قليل على المطالبة بتسييد العقل والمنطق والنزعة الإنسانية والدعوة إلى الانفتاح والتواصل مع كل ما يخدم الإنسان وتقدمه وعدالته وحريته والسمو به، فإن ما بعد الحداثة في صيغها الاجتماعية والفكرية والسياسية أيضا، قد فجرتها في الحقيقة الأجيال اللاحقة للقوى البرجوازية ذاتها التي تحولت إلى طبقة رأسمالية احتكارية راحت تفرض هيمنتها الاقتصادية ليس على أوربا فحسب، وإنما على الاقتصاد والسياسية في العالم، حيث دفعتها شهوة الثروة والسلطة إلى التحكم في رقاب الناس، وبالتالي السعي إلى إفراغ معظم الشعارات التي مثلها تيار الحداثة المرتبط بالبرجوازية التقدمية آنذاك من مضامينها، والعمل تحت ذريعة شعارات الحرية والديمقراطية وغيرها من الشعارات الشكلانية التي راح يسوِّق لها في مضمار عالمها الليبرالي الجديد، على نفي وتدمير وتجاوز كل ما هو إنساني، أو يدعوا إلى الرقي بالإنسان، والتمسك بما يساعد على تجسيد وتعميم ثقافة وأخلاقيات كل ما يعمل على تكريس مفاهيم الموت والدمار وعدم التواصل والتفكيك والتذرير، وغير ذلك من المفاهيم المنتمية إلى العبث واللامعقول  .

لاشك أن الإرهاصات الأولية لأفكار ما بعد الحداثة، أخذت تظهر على الساحة الفكرية والسياسية والثقافية مع انتهاء الحرب الكونية الأولى، وما خلفته هذه الحرب - إضافة إلى نتائج الحرب الكونية الثانية - من دمار على المستويات كافة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية، وبخاصة على مستوى أوروبا كما اشرنا في موقع سابق، هذه الأفكار التي أخذت تشير إلى حالات الضياع التي وضع فيها الإنسان الأوربي ذاته من قبل القوى المستفيدة من قيام تلك الحروب، وهي القوى الطبقية الرأسمالية الاحتكارية الأوربية والأمريكية التي تعارضت مصالحها الاقتصادية على غنائم العالم الثالث، وهو العالم ذاته الذي حولت هذه القوى ثرواته وأبناءه إلى وقود تؤجج فيه نار هذه الحروب ضد بعضها بعضاً كما هو معروف تاريخيا. 

أما أبرز مَن راح يدعو، أو ينظر إلى تلك الأفكار الـ " ما بعد حداثوية " لليبرالية الجديدة، ويعمل على إعادة هيكلة الفلسفة المثالية في صيغها المعاصرة، فهم على سبيل المثال لاالحصر، سارتر، في الوجودية، والبيركامو، في العبثية واللامعقول، وجاك ديدرا والفيلسوف روجيه غار ودي وخاصة في كتابه (نداء إلى الأحياء) في التفتيتية، وسلفادور دالي، (الداديّة) ممثلة بالمدرسة السريالية في الفن، وهناك في الفن أيضا المدرسة التكعيبية، وفي الأدب وعلم الاجتماع هناك البنيوية، والوضعية الحديثة، والدار ونية الاجتماعية، والفرويدية، والنيو فرويدية، والسيكولوجية، والبيسكولوجية وغيرها الكثير من النظريات التي لم يعد حتى بمقدور المتابع للحركة الثقافية والفكرية الركض وراءها والوقوف عند دلالاتها .

إن كل هذه الأفكار والنظريات التي جئنا عليها أعلاه، وغيرها الكثير، تشير في واقع أمرها إلى حالات الضياع الحقيقي التي وصل إليها الإنسان الأوربي، وكيف راح هذا الإنسان عبر مفكريه وفنانيه يعبر عن هذا الضياع ويرسم حلول خلاصه في رؤى وأفكار لاتنتمي إلى مشاكله ومعاناته وظروف واقعه الموضوعي والذاتي بصلة، بقدر ماهي حلول تقوم على تهويمات تنتمي إلى اللاشعور أو الغريزة أو إلى البعد النفسي، أو في المحصلة إلى كل ما هو مقتلَع من قاعه الاجتماعي والتاريخي والعقلاني .

بيد أن هذا الكشف أو التوضيح من قبلنا لتعبيرات ما بعد الحداثة المنتمية واقعيا وأيديولوجيا إلى مرحلة الليبرالية الجديدة، يدعونا إلى موقف الحياد تجاه هذه ( التعبيرات ) أو الرؤى والمواقف الفكرية الفلسفية والفنية الما بعد حداثوية على اعتبار أن قسما من هذه الرؤى والأفكار عندما طرحت لم يكن الهدف من طرحها زيادة ضياع الإنسان وتذريره وبالتالي تغريبه واستلابه بشكل مقصود أو مخطط له بشكل مسبق، بقدر ما كانت مواقف ترمي إلى تصوير واقع الإنسان في حالاته ضياعه تلك دون التركيز على البحث في أسباب ظهور هذه الحالات اللاعقلانية، في الوقت الذي نجد فيه من سخرته تماماً القوى الرأسمالية الاحتكارية للتنظير في هذا الاتجاه اللاعقلاني وبكل مستوياته السياسية والفكرية والاجتماعية والاقتصادية، والتسويق له، وخاصة على المستوى الإعلامي، بغية إبعاد الجمهور أو المواطنين عن معرفة الأسباب الحقيقية لضياعاتهم، لأن ما نشاهده يوميا على الساحة الإعلامية يؤكد لكل ذي بصيرة ما أشرنا إليه . 

 

إشكاليات ما بعد الحداثة:

1- سيادة نمط رأسمالية الدولة الاحتكارية بمؤسساتها على المستوى الاقتصادي ممثلة بـ (صندوق النقد الدولي – والبنك الدولي لللإعمار والتنمية – ومنظمة الجات ).

2- السعي لفرض أنموذج الديمقراطية الأمريكية على العالم، واستخدامها كوسيلة لفرض السيطرة الأمريكية .

3- تحطيم سلطة الدولة عموماً والدولة المركزية على وجه الخصوص، سعياً لإضعاف الدولة وجعلها هشة أمام اختراق الرأسمال الاحتكاري العالمي.

4- تحطيم الحوامل الاجتماعية الوطنية والعقلاني للدولة، والعمل على رفع قيمة ومكانة الحوامل الاجتماعية ذات المرجعيات التقليدية عشيرة، قبيلة، طائفة).

5- محاربة كل الأنظمة الوطنية التي تغار على شعوبها وتعمل على مصلحتها، والعمل بجد للحفاظ على الأنظمة الدكتاتورية في دول العالم الثالث، وتقديم كل الدعم السياسي والعسكري والمالي، خدمة لمصالح الرأسمال الاحتكاري العالمي في هذه الدول.

6- العمل على نشر ثقافة الاستهلاك عالمياً بكل مستوياتها الاقتصادية والثقافية والأخلاقية، بغية تذرير الإنسان ونمذجته كفرد منعزل عن محيطه الاجتماعي بكل مستوياته، وتفتيت لحمته الاجتماعية، وإعادة تشكيل وعيه بما يشتغل على تنمية غرائزه بدلأ من تنمية عقله وإرادته.

7- تسييد فكرة موت ونهاية كل شيء (الفن – الدين – القيم – الأخلاق – التاريخ .ز الخ) وبقاء الوهم واللامعقول .

الموقف النقدي لما بعد الحداثة:   

أما الموقف النقدي العقلاني تجاه رؤى وأفكار ما بعد الحداثة في صيغتها الليبرالية الجديدة، فهو موقف يرى أنها رؤى وأفكار كانت تعبر في حقيقة أمرها تعبيراً صادقاً عن وضعية الإنسان الأوربي بشكل خاص، وإنسان عالمنا الثالث أو النامي بشكل عام، بعد النتائج المدمرة للحربين العالميتين، والنمو الهائل للرأسمال المالي (الرأسمال المالي هو التحام الرأسمال المصرفي بالرأسمال الصناعي) الذي التحم بالدولة الرأسمالية وتحول بالضرورة إلى رأسمال احتكاري يمارس قوته وجبروته على الآخرين عبر هذه الدولة التي التحم بها وحولها إلى رأسمالية دولة احتكارية، راحت تعمل بدورها من خلال هذا الرأسمال وحوامله الاجتماعية المسيطرة على زمام السلطة في هذه الدولة بشكل مباشر أو غير مباشر، إلى إعادة هيكلة العالم من خلال الشركات المتعدّية أو المتعددة الجنسيات خدمة لمصالحها الأنانية الضيقة، الأمر الذي أدى إلى أن تفقد الكثير من الدول والشعوب قدرتها على التوازن في محيطها الاجتماعي والسياسي والثقافي، وهكذا أصبح حال الفرد في هذه المجتمعات أيضا، فهو لم يعد قادراً على مسك زمام أمور نفسه. فالفرد والمجتمع فقدا معاً معظم المقومات الحقيقية القادرة على إعادة بناء الإنسان ومجتمعه بناء إنسانيا فاعلاً. فتحت ظل هذا النظام الليبرالي الجديد راحت تسود أفكار النهايات التي جاء على رأسها نهاية التاريخ، ونهاية الفن والأدب، ونهاية كل ما يعبر : إغلاق أبواب الخلاص والمستقبل معا أمام الإنسان، وإن وجد مستقبل وفق الرؤى الـ " ما بعد حداثوية " لليبرالية الجديدة، فهي رؤى تمثل في واقع أمرها موت الإنسان ودماره كأمر محتوم، وهذا ما عبَّر عنه " ميشال فوكو "، وجاك ديدرا، وهبرماس، وبشلار..وغيرهم "، فكل ما طرحه هؤلاء ومن يمثل تصوراتهم من أفكار، أخذ يشير في الحقيقة إلى الموت أو النهايات أو العبثية، فنهاية التاريخ " لفوكو ياما " تضمنت على سبيل المثال في سياقها العام الأفكار الأساسية لما بعد الحداثة وهي، موت الفن، موت النزعة الإنسانية، العدمية، عودة الميتافيزيقيا، التفكيكية، التشتت، اللا استمرارية، التذرير الاجتماعي والقومي..إلخ.

بهذه الرؤى التشاؤمية السوداوية.. بهذه النهايات، راح منظرو الليبرالية الجديدة يصورون للإنسان عالمه القائم دون أن يرسموا له مسارات جديدة لخلاصه من هذه النهايات التي يعرف معظمهم مَن أوصل الإنسان إليها، وكيف أُوصل إليها في هذا العالم، متناسين، أو متجاهلين بأن هذا الإنسان هو خليفة الله على هذه الأرض، وأنه في كل مرة تعرض فيها لمثل هذا القهر، خرج منتصراً على أعداء الإنسانية، لا لشيء إلا لكونه إنسانا يحمل دائما إرادة التغيير، مثلما يحمل عقلاً  قادراً على توجيه هذه الإرادة نحو الأهداف الإنسانية السامية .

 

كاتب وباحث من سورية

 

adnan oayeedفي أواخر النصف الثاني من القرن العشرين ظهرت أدلت بارزة تشير إلى فشل مشروع الحداثة، ثم أن ماسمي بالحداثة التقدمية في المرحلة ذاتها، أصبح مفعما بالشك حول قابلية استمرار فكرة التقدم. والحداثة المحافظة في الولايات المتحدة الأمريكية على سبيل المثال يبدو أنها قد سقطت في الشكل - على الأقل - فريسة المملكة السياسية الخاضعة لتأثير الكنيسة، تحت ما يدعى الحق الديني، الذي أخذ بدوره في السنوات الأخيرة من هذه المرحلة يٌضعف في الحقيقة المؤسسات الدستورية لمعظم التجربة الأمريكية.

منذ أن كتبت، " زوزي كابليك "  " Suzi Gablik" كتابها "التجربة الشيوعية"، بدا وكأن الشيوعية قد أخذت على عاتقها أن تسقط في الاتحاد السوفيتي، وأن التطرف الديني بالنسبة لجميع الديانات الكبرى تقريبا المنتشرة في العالم راح يواجه الحداثة بشكل مباشر، فالمسيحيون المتطرفون الأمريكان، أخذوا يذكرون من جديد بأفكار " مارتن لوثر " "Martin Luther "، الحداثية التي تقول: (إن العقل هو العدو الأكبر الذي امتلكه الإيمان،، كما إنه يناضل ضد العالم، وضد الكلمة العليا، إنه يتعامل باحتقار مع كل ما يأتي من الله)، وذلك بغية محاصرة أفكار الحداثة، هذا في الوقت الذي راح فيه نمو أعداد ممن اعتقدوا بمشروع   الحداثة يتناقص، وبالتالي دفع هذا المشروع نحو الفشل، الأمر الذي أدى إلى طرح الكثير من الأسئلة ليس عن أسباب هذا التراجع أو الفشل في نمو معتقدي الحداثة فحسب، وإنما التراجع والفشل عن قبول أفكار الحركة الإنسية الأوربية أيضا . بل أصبح واضحا لمعظم من رضعوا من أفكار الحداثة والحركة الإنسية الأوربية، أن ما أخذوه أو أمنوا به من هذه أفكار راح  يصب في خانة العيب، والفساد، والظلم .

إن كل ما تم من أحداث الحاضر، (منذ الحرب الكونية الثانية حتى هذا التاريخ)، قد قدمت دليلا أكيدا على أن الحداثة قد أخذت  تنشط خارج ذاتها، أو خارج تاريخها، الأمر الذي جعلها الآن تتعثر وتفقد توجهاتها،  لذلك نقول:  إذا كانت الحداثة الآن هي في نهاياتها، فنحن نواجه مرحلة جديدة هي مرحلة ما بعد الحداثة.

عموما، إن تعريف ما بعد الحداثة قد استخدم في اتجاهات عدة، ومورس في أساليب عدة غير واضحة المعالم أيضا،  فبالنسبة لبعضهم اعتبرت الاتجاهات والأساليب هذه مضادة للحداثة، وللبعض الآخر عنت إعادة النظر في  المبنى العام للحداثة . ولكن ما يبدو لنا أن الموقف المضاد للحداثة يتبنى الرفض الكلي لعقائد الحداثة، حيث أن هذا الموقف المضاد جاء ليقول بضرورة رفض ما يسمى بالعقيدة والمذهب... سيادة العقل ... فكرة الحقيقة ... والاعتقاد باكتمال الرجولة ... الخ . وهذا الموقف الفكري  الذي استخدم من قبل البعض طُرح ليبن لنا أن الحداثة في حقيقة أمرها غير بناءة، وقد عرف هذا الموقف  بتيار (ما بعد الحداثة غير البناءة).

أما الفهم الآخر الذي جاء تاليا ليبحث في تعديل بناء أو هيكل الحداثة فقد أصبح يعرف  بتيار(ما بعد الحاثة البناءة) .

على أية حال، إن ما بعد الحداثة (غير البناءة) تسعى لإضعاف الفكرة الايجابية عن العالم وكل الافتراضات التي تدعمها، وذلك من خلال ما ظهر من أفكار مضادة لهذه الفكرة الايجابية عن العالم، فهي مثلا، أي، ما بعد الحداثة (غير البناءة)، تعمل على هدم أفكار وقيم الحداثة ذاتها، مثل العدالة والمساواة والحرية .. الخ،  حيث تبين أن أفكار الحداثة هذه، هي أفكار ليست طبيعية بالنسبة لمحبي الإنسانبة، أو هي ليست حقيقية بالنسبة للطبيعة الإنسانية، فهي برأي هؤلاء لا تعدوا أن تكون أكثر من مثاليات، أو أبنية ذهنية محض .

إن هذا الموقف ألتفكيكي أو ألتفريغي للرؤية الكونية المعاصرة الايجابية أو القريبة من الحداثة في منطلقها الايجابي، راح يتجلى هنا واضحا بكل تفاصيله وافتراضاته، الأمر الذي أدى إلى تزايد الأسئلة المطروحة حول من هو المسؤول فعلا عن هذه الأفكار الما بعد حداثوية غير البناءة،  وما هي دوافعها، وتخدم من في المحصلة؟ .

عموما، إن ما جئنا عليه أعلاه يشير إلى أن الحضارة أو الثقافة الحديثة  هي غربية في طبيعتها وتوجهاتها، وهي ثقافة أو حضارة رأسمالية، أهم ما يميزها ميولها الاقتصادية، وعنصرية طبقتها البرجوازية، وسيطرة رجلها الأبيض، إنها في المحصلة ثقافة ما بعد الحاثة (غير البناءة)، التي تبدو أنها مضادة للحداثة، وموقفها المضاد هذا يتجلى في  العمل على حصار وتحطيم العناصر الأساسية التي يعتقد أنها ضرورية لبناء الفكر العالمي المعاصر الايجابي، مثل "الله"  " النفس "الهدف" المعنى " العالم الحقيقي والحقيقة معا " .

إن المنطلقات الفكرية لما بعد الحاثة (غير البناءة)، تُرى من قبل البعض بأنها " عدمية "، حيث أن  (كل القيم عندها ليس لها أساس، ولا شيء قابل للمعرفة أو الترابط، وأن الحياة نفسها ليس لها معنى.).

إن ما بعد الحداثة (غير البناءة) لا تنتمي نظريا وعمليا إلى الحداثة، وهي تسعى إلى تعديل تركيبها ومفاهيمها أو بنائها بشكل عام، كما تعمل على إزالة كل الحدود المحيطة بالحداثة بغية إضعاف شرعيتها، وتدمير منطق وعقلانية الدولة الحديثة ذاتها. هذا في الوقت الذي تدعي فيه أنها تقدم نظاما جديدا للمواقف العلمية والأخلاقية والجمالية والدينية، كما تدعي أيضا بأنها لم ترفض العلم لكونه علم، وإنما هي ترفض ذاك التقدم العلمي فقط الذي يفرز أو ينتج معطيات أو معلومات عن العلم الحديث الطبيعي الذي يسمح في المساهمة ببناء رؤية العالم المعاصر كما تريده الحداثة .

أما تيار أو وجهة نظر (ما بعد الحداثة البناءة)، فهي ترغب في العودة إلى أفكار ما قبل الحداثة المتعلقة بحقيقة (الخلق الإلهي) لمعنى الكون والطبيعة الفاتنة . كما ترغب أن تتضمن  أيضا قبول الإدراك غير الحقيقي أو العقلاني للواقع ... إنها تبحث عن استرداد الحقائق والقيم من صيغ أخرى مختلفة عن تفكير وممارسة الحداثة  وما بعد الحداثة... هي تريد استبدال الحداثة التي تراها (هي) بأنها تهدد وجود الحياة على هذه الكرة الأرضية، بحداثة أخرى تلتقي في معطياتها مع  تفكير العصر الجديد. (أي التفكير الذي يسعى إلى نمذجة الإنسان وتحويله إلى ذرة ليس له لون أو طعم أو رائحة، إلا لون وطعم ورائحة ما تريديه وتخطط له الطبقة الرأسمالية الاحتكارية للإنسان – المترجم)   فوقوف الجنس البشري كما تدعي على مدخل العصر الجديد، يشير إلى حد بعيد إلى تفكير ما بعد الحداثة الجديدة الذي تبشر به  .

إن تيار أو مفهوم ما بعد الحداثة (البناءة) يتجنب عن قصد وإلى حد كبير من المراوغة رغبة الحداثي في تنظيم معطيات الواقع، أو ما يتعامل معه حياتيا في مجالات الأدب والفن والفلسفة، مثلما يتجنب التحديد، والحدود، والاحتجاز، لذلك فهو يتشارك مع اللا حقيقة، واللا أمان، والشك، وكل أوجه الغموض . في حين أن الحداثة في معطياتها  تنشد الإغلاق في الصيغة، والاهتمام في النتائج .. إنها- أي ما بعد الحداثة البناءة- تعمل على فتح وإلغاء الحدود، والاهتمام بالعملي والجذاب.

أما فنان ما بعد الحداثة فهو انعكاس لما يدركه أو تدركه نفسه، وهو عن عمد يشترك في عملية التفكير حول نفسه، كما يسرّع عملية وعي الذات  في أسلوب غير بناء، أو عبر ادعاءات مقنعة أصبحت مفهومة بناءً لوضعيته الثقافية.

ملاك القول : لقد نجحت الحداثة التقدمية في فترة ما بين الحربين عبر تقديم رؤية أفضل للمستقبل، وهي استمرت في مشاهدة أن الماضي والتقليد أشياء خانقة للحرية والتعبير. فالسرياليون بعد الحرب ظلوا متمسكين بالحداثة، معتقدين بأن فنهم استطاع التأثير في قدر الإنسان، لذلك هم يقرون بأنهم استطاعوا تغيير العالم.

بعد الحرب العالمية الثانية، أصبح من الصعوبة بمكان استمرار النظرة التفاؤلية تجاه المستقبل، وأن هناك الكثير من الأشياء السيئة حدثت أثناء الحرب الباردة، أهمها التهديد الدائم بأسلحة الدمار الشامل، لذلك هذا ما أعطى انطباعا عاما لدى المتابعين آنذاك بأن المستقبل يبدوا مبهما ومشكوكا فيه أيضا .

أما الآن، فنجد أن العديد من الفنانين المعاصرين وبسبب المحن القائمة في مجتمعهم والبادية بكل وضوح للعيان، قد تحولوا في توجهاتهم الفكرية والعملية وراحوا يركزون انتباههم على الثقافة الشعبية المعاصرة، وهذه الثقافة على أية حال، كانت تعاني الاضطراب الكبير خلال الستينات من القرن العشرين بسبب تلك المحن، والدليل على ذلك ما ظهر من ظواهر اجتماعية تمثل ردود  فعل على مشاكل عصرهم  تمثلت في انتشار تيارات حقوق الإنسان، ومعارضة حرب فتنام، والانتشار الواسع للحركات النِسويَة، إضافة إلى التحول الكبير الذي مارسته ولم تزل تمارسه المعارضة ضد السياسات القائمة .

إن فناني الأغنية الشعبية (البوب) على سبيل المثال، استطاعوا رغم كل تلك المحن أن يبقوا ممثلين للوضع التقدمي في المجتمع ومساهمين في نقد الأفكار البرجوازية والأحلام الأمريكية .

ولكن يظل السؤال المطروح هو : ماذا يحدث في الواقع؟، بالرغم من أن الفن الحديث أو المعاصر لم يزل نفسه يتعرض للضربات من قبل الأفكار البرجوازية، يبدو أن هناك نوعا من الفن ألعدمي (الدادي) يود البعض تعريفه على أنه فن ما بعد الحداثة .

 

Modernism & Postmodernism

Christopher L. C. E. Witcombefont  by :

ترجمة :د. عدنان عويّد

كاتب وباحث من سورية

 

zouhair khouildiمن المفارقة بمكان أن نتحدث عن المقدس في المجال الدنيوي ونبحث عن المطلق حيث النسبي ونرهق أنفسنا بالتعلق بالعلو والسمو حيث موطن التغير والفساد والدنس. والدليل على ذلك أن البشر في حياتهم اليومية ينهمكون في تحصيل ملذاتهم وخيراتهم الجزئية ويصرفون جهودهم ويقضون أوقاتهم في حصد مصالحهم وترتيب أعمالهم ولا يكترثون بالتأمل الكوني والنظر في الأبعاد العميقة والعناصر الأولى ولا ينتبهوا ولو لبعض اللحظات لقيمة الدين ودور المعطيات الغيبية في علاقاتهم الدنيوية وأهمية القداسة والإلهي في وجودهم الزمني ومصيرهم الأخروي. أليست مدينة السماء هي النموذج الذي يجب أن تشيد على منوالها مدينة الأرض؟ أليس الله هو نصير الفقراء والضعفاء؟ هل هناك محكمة أكثر عدلا ومساواة من محكمة الله وميزان الكون؟

يختلف المقدس عن المدنس أو الدنيوي وفي لغة الضاد نجده رديف لكلمة الحرام وهي الحد الذي لا يمكن اختراقه والسلوك الذي لا ينبغي للمرء أن يأتيه والشيء الذي يجب للبشر أن يعظموه. ويعد المقدس مقولة أساسية من مقولات الشعور الديني ويمكن أن يقترن بالفطرة الطبيعية ويشير الى شيء غامض وسري وطاقة عجيبة وقدرة إعجازية يتسلح بها الناس عند الضرورة القصوى.

كما يمثل المقدس مجال للخشوع والورع والتبرك من جهة وسبب للهالة والارتياب والتوجس من جهة أخرى ويدخل النفس البشرية في نوع من التمزق بين الاعتقاد والارتياب والثقة والرعب.

تضع الشعوب من خلال المقدس ثقافتها الانسانية في الدين وتجعل من الدين الالهي ظاهرة بشرية وتمنحه مكانة يتفوق بها على المقولات والقيم والمعايير ويند عن كل نقاش كلامي ومجادلة عقلية ويكشف المقدس أيضا عن تعبيرات ملتبسة تتردد بين الطهارة والرجس وبين القداسة والدناسة ويضع أمام الانسان مجموعة من الأحكام والحدود ويسن جملة من الأوامر والنواهي تمثل مناطق الصمت والمنع والحظر وتكون مهمتها ترشيد أفعاله لفعل الخير النافع والابتعاد عن الشر الضار وتوجه سلوكاته نحو المجال المبال والحلال وتبعده عن المجال الحرام والمحظور والمكروه. هكذا يوجد المقدس في القمة ويمارس قوة عجيبة وينظر اليه الانسان بإجلال من الأسفل الى الأعلى حيث النور والهواء ويمارس العلو سحره وهيبته على الكائن الذي يعيش في الأسفل حيث الضلال والتراب. أما عن أماكن تواجد المقدس والأشياء التي ترمز اليه فتضم الأحجار والمياه والنار والتراب والنباتات والأشجار والأنهار والبحار والجبال والنجوم والكواكب والحيوانات والكلمات والأزمنة والمعابد والكهان من رجال الدين وأدوات الصلاة والتعبد والتضرع والدعاء.

من جهة ثانية ينبع الايمان الديني من الاعجاب بالعلو والإحساس بالقداسة وشعور الانسان بعرضية وجوده وضعفه أمام عظمة الكون وتناسق عناصره ودقة تصميمه وتعاقب فصوله.

ان العودة الى الالهي مره حيرة الروح البشرية وهشاشة الجسم واكتساب الكائن الآدمي حزمة من التجارب نتيجة الكدح اليومي في سبيل المحافظة على البقاء ومراكمته مجموعة من الحقائق المعرفية بحكم الاعتبار في الكون وتشغيل آلة الذكاء الاصطناعي التي تميزه عن بقية المخلوقات. بناء على ذلك حاز الانسان منذ البدء على وعي بالذات الالهية وأدرك حتمية تعلقه بالمقدس والانشداد الى المغيبات بالرغم من كثافتها وطابعها الملغز وتجلي الدنيويات وطابعها المغري وأبصر تناهي حياته الخاصة ووجوده بين هلالي الولادة والوفاة وحصار الزمن وقسوة الواقع ولذلك قرر مواجهة الوضعيات الصعبة التي تشكله وقهر النقائص والثغرات والتغلب على الذات. لقد كان المقدس هو الملاذ القوي والحصن المنيع الذي أخفى فيه ضعفه أمام الفناء وخوفه من الطبيعة ولقد جعل من الآلهة عونا له أمام مساحة الجهل وقلة الحيلة التي تحد من قدراته ونفوذه.

لكن هل ينحدر المقدس من انفعال الخوف والجهل بالأسباب أم من انبعاث نور الأمل وضياء الرجاء؟ ومتى يتحول الوعي الديني الى نقد للخرافة وتنوير للايمان التقليدي وعقلنة للاعتقاد؟

هذا الاحساس بالتعالي من طرف الوجدان البشري يفضي الى غرس نبتة الايمان في فؤاده ويجعل القلب يطمئن والنفس تنعم بالسكينة لما تتعلق بالمقدس وتميزه عن الدنيوي والمدنس.

بيد أن الثورات التي حدث في ميدان الأديان التوحيدية وظهور علم الكلام والتيولوجيا وغزو المنطق والفلسفة وعلوم الانسان الى مخبر الدراسات الايمانية قد ساعد على التوجه نحو مقدس علماني ومكن الانسان من التغلب على الأسرار ومنى فهم بشكل نسبي الرموز والقصص والحكايات وساعد على تقريب الايمان من الحياة ووضع تجربة الدين على محك التثبت العلمي.

في نهاية المطاف يمكن الاقرار بأن المقدس لا يتجلى للمرء الى في صورة نور رفاف وطاقة حيوية وقيمة اعتبارية وأن الطريق الموصل اليه هو تلاقي الذاتية والموضوعية وانتباه العلمنة الى ضرورة احترام المطلق والتساؤل أمام العجيب واستمعان اللامتناهي والدهشة من الوجود. لكن لماذا يؤدي التعلق بالمقدس الى ممارسة العنف؟ ومتى تسكن الحرية البيت الانسي المقدس؟

 

كاتب فلسفي

 

adnan oayeedفي القرن ذاته، أي، الثامن عشر، (عصر التنوير) شاهد هذا العصر في الحقيقة نموا ثقافيا، آمن بالعقل مرشدا راقيا وأساسيا في شؤون المجتمع الإنساني، فمن خلال التعامل مع هذا العقل، أنجز التنوير، حيث أصبح الذهن التنويري محررا من القيود والخرافة والجهل، الأمر الذي جعل كل ما هو مثير ومدهش وإبداعي مفتوحا على المطلق في هذا العالم .

لقد كان التنوير حركة ثقافية، وكل الحوافز المباشرة أصبحت  بالنسبة له تدعى ثورة علمية، فمع نهاية القرن السابع عشر وبداية الثامن عشر، وجد رجال أمثال " غاليلو"  ( Galileo Galilei ) و " نيوتن" ( Isaac Newton) استطاعوا تطبيق العقل في دراسة الطبيعة، واكتشاف حقائق علمية رائعة أضافت عبر اكتشافها حقائق علمية أخرى جديدة متعددة . هذه الحقائق لم تكن في الواقع طافية بشكل واسع على سطح المعتقدات التقليدية السائدة آنذاك، وعلى وجه الخصوص عند أولئك الذين تمسكوا بالكنيسة وتعاليمها ورفضوا الاعتراف - على سبيل المثال - بأن الأرض تدور حول الشمس، وهو الأمر الذي أثبتت فيه الدراسات والتطبيقات العقلية صحة دورانها، وكان هذا الأمر يومها يعتبر إنجازا مدهشا بشكل هائل .

إن العقل المنفتح لمفكر القرن الثامن عشر، اعتقد من الناحية العلمية بأن كل شيء يمكن إخضاعه للعقل، وبخاصة التقاليد والعادات والتاريخ و الفن، وأكثر من هذا،  أن هناك شعورا بإمكانية تطبيق العقل في السياسة والعلاقات الاجتماعية، وذلك بغية تخفيف مشاكل المجتمع الإنساني السلبية  وتحسين أوضاعه السياسية والاجتماعية.  فمثل هذا النوع من التفكير حقق بشكل سريع زيادة في إمكانية خلق مجتمع جديد وفاضل أيضا .

لاشك أن الحقيقة التي ساهم العقل في اكتشافها، شجعت كثيرا آنذاك على تحرير الناس من قيود الجهل وفساد وظلم رجال الكنيسة الذين غالبا ما عملوا على التمسك بالبنية الفكرية القديمة والتقليدية التي لعبت دورا كبيرا في تكريس الجهل والتخلف والخرافة . فالإيمان بالحرية أصبح مركز اهتمام المجتمع الجديد، لذلك جاء التفكير العقلاني هنا ليقول: (إن الحقيقة ستجعلك حرا)، وعبر الحقيقة والحرية، سيكون العالم أفضل مكان لعيش الإنسان.

إن مفكري القرن الثامن عشر التقدميين اعتقدوا أيضا بأن الكثير من أبناء الجنس البشري قد تحسنت حياتهم مع  انتشار الفكر التنويري وبدأوا الوصول إلى الكثير من الحقائق التي غيبت قبل هذه الفترة . فمع امتلاك العقل والحقيقة لم يعد الفرد يرغب في أن يظل تحت رحمة رجال الكنيسة، ولا حتى السلطات الدنيوية التي فرضت قوانينها الوضعية وراحت أيضا تتحكم عبرها برقاب الناس . فمع الوصول إلى هذه الدرجة من التفكير الإنساني العقلاني يكون الاعتقاد بإنسانية الإنسان قد قطع شوطا كبيرا في مضمار المجتمع الإنساني، وبذلك يكون المشهد التنويري الذي قدمه القرن الثامن عشرقد اقترح معطيات أساسية لبناء عالم جديد للإنسان .

في عام / 1763 / قدم " روسو" ( Jean-Jacques Rousseau) ملامح مجتمع جديد كذلك للفرد عبر سؤاله عن طبيعة العقد الاجتماعي، فعبر إجابته عن هذا السؤال وضح (روسو) المعنى الحقيقي للمساواة بين الناس .

إن مثل هذه الإجابات عن الحرية والمساواة الاجتماعية، لم تطرح على المستوى النظري في كتب مفكري القرن الثامن عشر فحسب، بل راحت تتجسد هذه الأفكار أيضا في تجربتين تاريخيتين على المستوى العملي العالمي، وقد حققتا انتصارا تاريخيا للمجتمع الإنساني.

التجربة الأولى: في أمريكا، التي تعهدت عبر الأفكار الجديدة الواردة في بيان الاستقلال على العمل من أجل تأسيس مجتمع حديث للولايات المتحدة .  حيث مثل هذا البيان الفكرة التنويرية التي تقول: (نحن نتمسك بهذه الحقائق كي تكون بديهة)، وهي الفكرة التي استندت بدورها إلى فكرة أخرى تقول: (إن كل الناس خلقوا متساوين)، فدلالات هذه العبارة تعكس بوضوح ذاك الاهتمام بسعادة ورفاه الإنسان في هذه الحياة، وهي تشكل ردا على الرؤية الكنسيّة التي تقول إن سعادة الإنسان تكون ما بعد الحياة، هذه هي فكرة الحرية بشكل أساس...الحرية التي أعلنت أن حقوق الإنسان غير قابلة للمساومة .

التجربة الثانية: هي الثورة الفرنسية، ففي عام / 1789 / حاولت فرنسا عبر ثورتها الدموية أن تخلق مجتمعا جديدا من قبل الرجال الثوريين الذين قادوا هذه الثورة، وقد احتشدوا يومها يصرخون منادين بالحرية والعدالة والمساواة.  ومن الضرورة بمكان أن نشير هنا إلى محاولة ثالثة تمثلت في ثورتها رؤى وأفكار التنوير مع بداية القرن العشرين، هي الثورة الروسية عام / 1905 / .

ثلاث محاولات ثورية رئيسة حاولت العمل على بناء مجتمع جديد تسوده العدالة والمساواة وفقا لرؤى ومبادئ التنوير، إلا أنها فشلت في تحقيق ما هدفت إليه في مجال التطبيق العملي، وهذه تعتبر في الحقيقة من مثاليات التنوير الذي أسس نظريا للحداثة عبر العديد من مستوياتها الفنية والسياسية والاجتماعية، وكذلك لحواملها الاجتماعية. لذلك من هنا ظل الهدف المربك للحداثة عبر كل مستوياتها هو دعوتها لإنتاج مجتمع أفضل لم يتحقق بعد، مثلما ظل السؤال المشروع يطرح نفسه علينا أيضا هو: ما هي الوسائل التي يستطيع التنوير بها تحقيق هذه الهدف؟.

من خلال ما جئنا عليه توضحت لنا معظم هذه المعطيات المتعلقة بمعتقدات القرن الثامن عشر التنويرية، والتي على ما يبدوا أنها تهدف إلى تنوير العقل الذي يساعد بدوره على كشف الحقيقة، فالتنوير والحقيقة كلاهما وفق التنوير نتاج آلية عمل العقل والتقدم الذين تحققا في سياق البحث عن المعرفة أولا، إضافة إلى دور التعليم الذي ساعد على تحقيق المعرفة الفردية ووسائل كشفها ثانيا .

إن التطهر من الأفكار التقليدية المتحجرة للكنيسة، ومن الآيديولوجيا السياسية الجامدة، يتحقق وفق إيمان التنوير بالانفتاح على العقل والتعليم، اللذين أوصلانا إلى الحقيقة أو علمانا كيف نصل إليها، إن التعلم نوّرنا، وجعل منا مجتمعا إنسانيا متقدما، والشعب المتعلم والمتنور سيتمكن حتما من صياغة قواعد مجتمعه الجديد المناسبة لقيمة الإنسان وإبداعاته .

إن مثل هذا الفهم الراقي عن التعليم ودوره في تقدم المجتمع، واعتباره أحد أسس التنوير، بقي أيضا أساس التفكير الحداثي الغربي وقوة مفكري عصر التنوير، الذين يمثلهم هنا على سبيل المثال "توماس جفرسون" ( Thomas Jefferson) الذي كان شغوفا في متابعة المعرفة، ومدققا وباحثا عن الحقيقة عبرها، ومخضعا كل ما تعلمه للتحليل العقلي.

إن (جفرسون) لم يكن مدركا لثقافة التنوير فحسب، بل عمل وبنشاط أيضا لترويجها بين صفوف المجتمع، لقد آمن (جفرسون) بأن البحث عن الحقيقة يجب أن يكون بعيدا عن التحيز، كما أكد على التمسك بموقف التنوير من الفكر الكنسي التقليدي، لذلك هو لم يدخل أفكار الكنيسة الضيقة في نطاق عمله الفكري، حيث شعر بضرورة إقصائها وعزلها ليس عن الدولة فحسب، بل وعن التعليم أيضا .

لقد كان (جفرسون) شأنه شأن العديد من مفكري عصر التنوير، الذين شقوا طريقا واضحا للفن بوجه عام وفن العمارة على وجه الخصوص، فكلا الفنيين استطاعا تقديم خدمات جليلة في مضمار العملية التعليمية التنويرية عبر تقديم أمثلة كثيرة عن خصائص هذه العملية والقيم المرتبطة بها لما لها من أهمية وضرورة في قيادة العقل التنويري.

يبدو أن ما تبقى من مثاليات في بنية المجتمع الأوربي في النصف الثاني من القرن الثامن عشر، هي نماذج كانت تعود لعالم الإغريق والرومان القديم، (أثينا – بريكليز)، وكذلك للفترة (الجمهورية) في روما، وللتذكير لقد قدمت هذه النماذج المثالية المتبقية، أمثلة جميلة عن مبادئ الديمقراطية في الحكم، وعن أعمال البطولة والفضيلة والتضحية بالنفس وتكريس المدنية في حياة الناس وتصرفاتهم الوطنية.

بيد أن مسألة الصراع ما بين القديم والحديث تركت اعتقادا سائدا عند بعض المفكرين يقر بأن العالم القديم قد أنجز نوعا من الكمال للمجتمع الإنساني، وأن المثالية في الكثير من رؤاها جاءت في فهمها قريبة من فهم التنوير للحقيقة . فهذا "جان وينكيلمن (JohannWinckelmann) على سبيل المثال لاالحصر، كان مقتنعا بأن الفن (الإغريقي) كان كاملا بمعظمه، وقد وجه الفنانين ليتمثلوا (Apollo Belvedere) .

Apollo Belvedere

 

Roots of Modernism

Christopher L. C. E. Witcombe by .

ترجمة: عدنان عويّد

 

adnan oayeedحتى وقت قريب، استخدمت كلمة (حديث) للإشارة بشكل عام إلى المعاصرة، علما أن كل الفنون الحديثة تعتبر حديثة بدءا من الوقت الذي تنجز فيه .

في عام / 1437/ ميلادي، وضح " سنيون سينيني" (CenninoCennini) أن الفنان "جويوتو" (Giotto) قد أنجز في ذلك الوقت لوحات رسم حديثة. كما أشار أيضا "جيورجيو فاساري"  (Giorgio Vasari) في كتاباته،  في القرن السادس عشر، أن الفن في حقيقة أمره هو فن حديث .

أما إذا رغبنا في تحديد الفترة التاريخية التي راحت تنتج فيها الحداثة أو ما سمّي بالفن الحديث، فيمكن تحديدها تقريبا ما بين (1860 و1970/ ميلادي، فهذه هي الفترة التي استخدم فيها بدقة الفن الحديث، و راح الناس يتحدثون فيها أو يكتبون أيضا عن هذا الفن بشكل ملفت للنظر.

هذا وقد استخدم تعريف الحداثة أيضا ليشير إلى فترة إنتاج الفن، و يمكن القول أيضا الإشارة إلى الفترة ذاتها التي راح يشار فيها إلى فلسفة الفن الحديث .

في كتابها الذي يحمل عنوان (جذور الحداثة)، تطرح "سوزي كابليك" (Suzi Gablik ) أسئلة عدّة عن الحداثة مثل: هل فشلت الحداثة؟.. هل هي تعني ببساطة فشل الإحساس بقدوم النهاية؟.. أو هي تعني أيضا أن الحداثة قد فشلت في تحقيق أي انجاز؟.

إن الإجابة على هذه الأسئلة تقول: إن الحداثة امتلكت أهدافا، بيد أنها فشلت في تحقيقها، ولكن يظل السؤال المطروح هنا هو: ما هي هذه الأهداف؟ .

لأسباب ستكون واضحة فيما بعد، فإن سؤال الحداثة قد صيغ إلى حد كبير في تعاريف يغلب عليها الطابع المدرسي، وربما قلة الاهتمام أيضا، وأن مؤرخي الفن عندما  تحدثوا عن الفن الحديث في الفترة الماضية كهم أساس وبصورة جوهرية، فهم غالبا ما تحدثوا مثلا عن اللون، والمستوى الفني، وهذا انسجم بشكل عام مع "ادوار منيت" (Édouard Manet )، وهو أول رسام حداثي، حيث أن صفة الفن الحداثي قد انطبقت في الحقيقة على لوحاته التي رسمها عام / 1860/، مثل لوحته المسماه (Le Déjeuner sur l'herbe.) التي شقت طريقها في فترة ما سمي بالحداثة .

بيد أن السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: لماذا هذه اللوحة بالذات؟، والجواب المنطقي على هذا التساؤل هو: كون هذه اللوحة تعتبر في دلالاتها أهم كشف موضوعي لما سمي بالفن الحديث، وقيم الرسم الحديث، والعلاقات المكانية الحديثة،غير أن هناك أسئلة كثيرة أخرى تكمن وراء هذا السؤال مثل: لماذا "ما نت"، (Manet) كان الممثل لموضوع  للحداثة، وقيم الرسم الحديث، والعلاقات المكانية الحديثة؟.هل لكونه أنتج الرسوم الحديثة؟، ولكن لماذا هو أنتج مثل هذا الرسوم؟ .

عندما عرضت لوحته (Le Déjeuner sur l'herbe.) في صالون العرض  ((des Refusés، عام 1863، فالكثير من المشاهدين قد اشمأز من هذه اللوحة الفاضحة، وعندما عرضت لوحته الثانية بعد فترة (Olympia ) كان الناس في الحقيقة أكثر اشمئزازا وقلقا، لذلك يظل السؤال مطروحا وهو: لماذا تلك اللوحات الزيتية التي عرضها ( Manet) قد سببت مثل هذه الصدمة للعديد من الناس المشاهدين لها آنذاك؟ . (أعتقد لكونها قد جسدت مواضيع العري الجسدي، وهذه لاتتناسب مع القيم الأخلاقية التي كانت سائدة في ذلك العصر بالنسبة لأوربا – المترجم) .

إن إمكانية الإجابة على أسئلة الحداثة في سياقاتها الواسعة، تستطيع أن تكشف جوهر فلسفة الحداثة، وغاياتها، وأهدافها، كما ستكشف أيضا البعد الأخر لوجهة نظر الفن، ومعرفة العالم الحديث .

إن جذور الحداثة قد امتدت في التاريخ الأوربي لفترات زمنية هي أعمق بكثير من منتصف القرن التاسع عشر، فبالنسبة للمؤرخين، ولكن ليس (مؤرخو الفن)، إن فترة التحديث تعود في الواقع إلى عصر النهضة الأوربية، وكذلك النقاشات التي دارت حولها ربما تعود إرهاصاتها الأولية ببساطة إلى الفترة ذاتها. فعندما ننظر في معطيات (الحركة الأنسية) التي اعتبرت الإنسان مقياس كل شيء، في هذا المجتمع (الدنيوي المدني)، نجد أن بدايات هذه الحركة الأنسية كانت مع يوتوبيا "توماس مور"  (Sir Thomas More ) عام 1516  ميلادي.  وعندما ننظر في أحداث الماضي نستطيع وبكل ثقة أن نميز في (الحركة الأنسية) لعصر النهضة  تعابير لدلالات الحداثة، وبأن المجتمع الإنساني يستطيع  التعلم ليفهم الطبيعة وقوة تأثيرها على الإنسان، وكذلك يفهم طبيعة آلية عمل الكون، ومقومات تشكيل حياتنا وأقدارنا الشخصية ومستقبل العالم.

إن التفكير الحداثي الذي راح يتشكل عبر عصر النهضة، بدأ يأخذ شكله كأنموذج له مكانته الواسعة في القرن الثامن عشر، وربما هذا التفكير خلق في بداية الأمر ذلك الصراع الذي دار ما بين القديم والحديث، أو ما يمكن تسميته بالصراع مابين (الأصالة والمعاصرة)،هذا الصراع الذي سيطر أيضا على حياة أوربا الثقافية خلال القرن الثامن عشر، والذي كانت النقطة الأساسية فيه (بالنسبة للذين عاشوا القرن الثامن عشر)، تدور حول طبيعة التساؤل التالي: هل الحداثة (آنذاك) أخلاقية وأرقى فنيا بما هي عليه عند الرومان والإغريق قديما؟. فالنقاشات حول هذا الموضوع قدمت فصلا هاما بين الاتجاهين، حيث أصبح هذا الفصل الأساس لسؤال الحداثة، كما أنه عبر هذه النقاشات الدائرة حول هذا التقسيم أو الفصل بين القديم والحديث دفع القوى التقليدية كي تدعم التوجهات الدائرة في هذا النقاش والمؤيدة لما هو قديم، بينما كانت القوى الأكثر حداثة تدعم كل ما هو حديث.

 

Roots of Modernism

Christopher L. C. E. Witcombe by .

ترجمة: عدنان عويّد

 

bashir omariليس أكثر ما يفاقم من أزمة استيعاب شروط العصر في الوعي المشتغلين في الحقل السياسي الاسلامي، من سؤال حدود السلطة التي يرنو إليها حلمهم في اقاصي مدياته، ذلك لأن سعيهم للانبساط في حقول الاجتماع يكاد يكون شموليا ويمتد عموديا وأفقيا، بيد أن التجربة الأخوانية الأخيرة وما تداعى عنها من هزات وأحداث أعادت إلى الواجهة السؤال المقلق والمتعلق بمدى موضوعية هاته الحركات على مستويي الحراك والخطاب كما وأعاد بعث حتمية البحث في كل المفاهيم النظرية والإجرائية التي تحملها تلك الحركات وبشكل أحس وأخص مفهوم الاصلاح آلية إعادة انتاج الخطاب الايديولوجي وعنوان مرجعي مقدس سعت تلكم الفصائل إلى تأصيله والتأسيس من خلاله لصرح مشروعها المجتمعي الذي لم يفلح في استيعاب التاريخ فيما ظهر من الاخفاقات الأسلاموية الاخيرة.

 

ارتباط مفهوم الاصلاح بالمسائل الاعتقادية

وبغض النظر عن التلبسات والملابسات التي حاقت بمفهوم الاصلاح وتداخله الاجرائي مع مفهوم التغيير والتجديد في الخطاب الديني والفكري الاسلاميين، فأن الثابت في التاريخ الاسلامي أن هذا المفهوم ارتبط في كثرا مراحل المجتمع الاسلامي بالمسائل الاعتقادية وما صاحبها من ممارسات طقوسية للدين، كان ينظر إليها من جانب حملة مشاريع الاصلاح على أنها تشكل انحرافا عن حقيقة التوحيد وهو بذلك كان يمثل جهاز ضبط ايديولوجي يعيد انتاج المعنى وفرضه على المجتمع ويتلافى في مقابل ذلك الابعاد الدنيوية ذات الارتباط بسلوكات الساسة ولا سيما منها السلطة، بل إن بعض أهل السلط والسياسة تحالفوا مع حملة الاصلاح وتوافقوا على تقاسم الادوار في المجتمع وخير من جسد ذلك النظام السعودي المستند على فكرة الاصلاح الوهابي التي ظهرت في شبه الجزيرة العربية.

 

انحصاره على المستويات الشعبية

وبهذا يتضح جليا أن حركات الاصلاح في العالم الاسلامي كانت تستهدف تحديدا الوسط الشعبي دون سواه من الفاعلين الاجتماعيين، وهو ما جعل العديد من اسئلة تطرح حول القيمة التاريخية لمشاريع الاصلاح تلك وجدواها في ظل انحصارها في الوسط الشعبي وعدم قدرتها على الامتداد والتمدد إلى مستويات النخب بشتى صُعدها الفكرية والثقافية والسياسية، بل إن حركات الاصلاح الاسلامي الحديثة وجدت نفسها في لحظة انبثاقها مع ظهور معالم الوجود القطري وإرهاصات الدولة الوطنية في مواجهة مشاريع اصلاحية لنخب تشتغل خارج دائرة الموروث الديني، أكثر من ذلك وجدت نفسها مستهدفة بالمشروع الاصلاحي لتلكم النخب استئصالا في بعض الأزمنة والأمصار وتحجيما وتقزيما في أحسن الأحوال.

 

انحسار المفهوم أمام المد التطوري للحالة المجتمعية

بروز الحالة والحلة المدنية بكل تشعباتها في الواقع العربي كظاهرة متداعية عن حقب التعايش الاستعماري مع الآخر، شكل منعطفا حاسما في بدائلية المشروع الاصلاحي الاسلامي الذي ازداد انحساره في المفهومية والتطبيق وخلت مضامينه من موضوعية وشرطية العصر إلا ما خلا من البعد الاخلاقي، حيث تمحور الخطاب الاصلاحي بشكل يكاد يكون كلي حول هذا البعد الانتقادي غير التأسيسي، في وقت اتسعت فيه نطاقات اشتغال كبرى مطارحات الفكر العلماني بكل تلاوينه وألوان الطيف فيه، من هنا برزت الاجتهادات الاصلاحية داخل حركات الاصلاح نفسها وهي الاجتهادات التي حفلت بصدامات نصية فقهية في الغالب الأعم، تأكد من خلالها العمق التاريخي لأزمة الانبعاث الاسلامي مشروعا وتطبيقا. 

 

الاصلاح وأدوات الدولة

لم تمنع صدامية الداخل فيما بين فصائل حركات الاصلاح الاسلامي، من النظر إلى افق بعيد وابعد من تجاوز راهنية أزمة المشروع التي حالت دون استيعاب فكر الدولة والمجتمع الحديثين اللذين افرزتهما الظاهرة الاستعمارية، إذ سعت العديد من الحركات إلى السيطرة على الدولة عبر كامل السبل المتاحة، سياسيا وقانونيا وعنفيا حتى، تروم تجسيد الاصلاح وفق المقولة المرجعية (لا يصلح لآخر هاته الأمة إلا بما صلح به أولها) معتمدة في ذلك على المد الشعبي المتأتي لها من خلال النشاط الدعوي والاجتماعي البسيط، ظانة وهي الواهمة أن ذلك هو السبيل لاستيعاب ظاهرة الدولة بكل تعقيدات ميكانيزمات اشتغالها، وابرز من جسد هذا الوهم كان الاخوان المسلمون في مصر.

 

المشروع الإصلاحي  أو كيف قتل الوهمُ الحلمَ

وهم حيازة المشروع الاصلاحي والحسم الذاتي في جاهزيته لكل زمان ومكان، وذلك ربطا بالمرجعية الروحية للحركة كان أكبر عقبة صارعة للحلم الاصلاحي الاسلامي، وهو ما أعاق سبل تطور الفكر السياسي في نظريته وتطبيقاته، في استراتيجياته وتكتيكاته لدى الاصلاحيين الاسلاميين على مر العصور، لأن المسعى الاصلاحي كان دوما غير تأسيسي بل ارتكاسي للخلف بسبب قلق الهوية ونقاوة الخصوصية العقدية وهو ما حال دون بلوغ الاصلاحيين الاسلاميين الفكر ائتلافي وهو الذي يعتبر اليوم الظاهرة الفارقة في السياسة التي تدير دواليب الدولة الحديثة واسقط بالتالي حلم المشروع بشكل دراماتيكي بعد إذ استحال إلى وهم كبير ترفضه شرطية العصر وموضوعية التاريخ قبل أي رفض من قوى المعارضة السياسية والاعتراض الفكري الأخرى. 

 

بشير عمري

كاتب صحفي جزائري

 

adnan oayeedلا بد لنا هنا من العودة إلى الوراء، إلى "فولتير" وحلفائه في فرنسا  الذين ناضلوا من أجل تسييد الحرية والتسامح في الحضارة الإنسانية من أجل مواجهة الحصنين التوأمين الكنيسة والدولة الذين عارضا في الغالب أي شيء يقف ضد مصالحهما، حيث أن معارضة النظام الملكي بشكل خاص، ومكشوف اعتبرت أمرا قاتلا، بينما كانت معارضة الكنيسة تعتبر هدفا أقل خطورة، لذلك نجد أن البروتستانتية المعارضة للكنيسة الرسمية على سبيل المثال استطاعت أن تجعل من الدين خلافا عائليا، وفولتير استطاع بمهاراته أن يستشهد بتعاليم دينية من كنسية ضد أخرى لخلق حالات من الجدل والصراع بين الكنائس وإضعافها، وبالتالي إضعاف مصداقيتها. لقد كرس فولتير جهدا عظيما من وقته في مهاجمة قواعد المعتقدات الكنسية، وبخاصة في بنية المعتقدات التي تقول إن الكتاب المقدس مصدر الهام، وأن الله قد تجسد في السيد المسيح، وكذلك تكفير أو إدانة غير المؤمنين. لاشك أن فولتير قد استساغ هذه المعركة مع الكنيسة إرضاء لذاته، بيد أنه لم يفقد أبدا رؤية هدفه المركزي، فسقوط قوة الكنيسة سيزيد بالضرورة من مساحة الحرية في أوربا .

لقد انظم فولتير إلى عصبة المفكرين المتمردين أو الثائرين الذين عرفوا كفلاسفة، أمثال: (Charles de Montesquieu، Pierre Bayle، Jean d'Alembert،  ). (جين،بيرر بايل، كارل سدي مونتيسكيو)، والعديد ممن هم أقل شهرة من هؤلاء .

تراث التنوير :

غالبا ما يرى التنوير في هذه الأيام  كشذوذ تاريخي، أو لحضه تاريخية مختصرة عند عدد من المفكرين الذين فُتنوا بالعقل، وافترضوا دون جدوى بأن المجتمع الكامل يُفضل أن يبنى على إحساس مشترك وتسامح، وأن كل هذا الخيال انهار وسط رعب الثورة الفرنسية والانتصار الساحق للرومانتيكية، فالمفكرون المتدينون كانوا يدّعون وبكثير من الشك أن التنوير قد مات، والماركسيون انتقدوا التنوير بسبب ارتقاء أفكار وقوة البرجوازية على حساب الطبقات العاملة،  وناقدو الاستعمار رفضوا مثالية التنوير، وعلى وجه التحديد اعتبار الأفكار الأوربية كحقائق كونية .

حتى هذا التاريخ وفي اتجاهات عدّة لايعتبر التنوير نشطا عند البعض، فأفكار حقوق الإنسان تقدمت كثيرا وأصبحت ذات تأثير وجاذبية قوية على  الكثير من الناس الذين لم يزالوا ينشدون فكرة الحق الطبيعي في أماكن عدة من العالم، علما أن أفكار الحق الطبيعي هي ذاتها التي أثارت فولتير وجفرسون !، ثم أين ما تنظر تجد الصراعات الدينية،  ولم يزل التسامح الديني يُطرح كحل، أما  أفكار روسو عن القانون الطبيعي نفسه فقد ظلت أفكارا عامة جدا لأن أسوء المستبدين قد أخفى استبداده بادعائه أن ما يقوم به من ممارسات استبدادية هي لمصلحة الشعب، أما  الأوربيون فقد راحوا يعتبرون أفكارهم  ذات بعد عالمي وليس لها حدود، ومن خلال هذه الأفكار ظهرت المركزية الأوربية وسيطرت الدولة الحديثة  .

على العموم، إذا كان عالمنا قد اقترب قليلا من الكمال مقارنة عما كانت عليه فرنسا في القرن الثامن عشر، فهذا ناتج جزئيا عن فشلنا في تقدير أرباحنا التي سلمنا أنها حقيقية .

في الحقيقة، إن فولتير لم يكن متفائلا سطحيا، بل هو طوباويا مرتابا، وإذا نحن اعترفنا بتأثيره أو لم نعترف، سنبقى نفكر اليوم بمنهجه وأسلوبه أكثر من أي منهج وأسلوب آخر من أساليب ومناهج أعدائه، وعندما نذهب عبر معظم أعماله المؤثرة، فقاموس الفلسفة سيبحث عن ممرات كثيرة ستساعد على وضع خلفية لنماذج من التفكير الجديد، كما يبحث أيضا عن ممرات سوف تبدوا نوعا من التحدي، غالبا ما تجلت في نماذج من الجدالات التي استمرت حتى يومنا هذا .

 

The Enlightenment

Created by Paul Brains

ترجمة : د.عدنان عويّد

كاتب وباحث من سورية

 

 

hamoda ismaeli(إن الحرية الدينية تكاد لا تمارس إلا حيث توجد اللامبالاة الدينية التي تنبذ ازعاج سلامها بالمنازعات اللاهوتية)

¤ جون ستوارت ميل

 

يُعتبر عيسى (المسيح) ومحمد من أبرز الشخصيات الدينية التي كان لها تأثير طاغي على الوعي الجمعي والفكر التاريخي الحديث. ونظرا لتباعد التواجد الزمني بينهما ـ بأقدمية المسيح ـ فإن تأثير عيسى تجاوز تأثير محمد على مستوى العالم (ساعدت كذلك في هذا الأمر رحلات التبشير الأوروبية). ورغم غلبة المسيحية بالتوسع، فإن انتشار (كلا) أفكارهما كدين/عقيدة أو حتى كفلسفة لقيا قبولا واسعا من الكثيرين، باعتبار أنهما رسالتان من السماء.

ونجد الأنبياء بالوعي الاجتماعي، يُنظَر لهم كإخوة لهم إيمان واحد لكنّهم يُعبّرون عنه بلغات/رؤى مختلفة. هذه النقطة كمفهوم، يعتمدها فقط أتباع الديانة اللاحقة (التي تؤكد رسالة الديانة التي قبلها وتعتبر نفسها مكمّلة لها)، غير أن الديانة السابقة تتبرأ من الديانة اللاحقة باعتبارها مجرد دجل. ففي الدين الإبراهيمي (الأكثر تأثيرا وانتشارا) نرى اليهودية لاتعترف بالمسيحية كديانة (التي تؤكد اليهودية وتكمّل رسالتها)، ونرى المسيحية كذلك غير معترفة بالإسلام (الذي يؤكدها كديانة ويكمّل من جهته كافة الرسالات السماوية كتصوّر بأنه آخر الأديان). غير أن الإسلام سيتخد موقف نفي لهذا الأمر، وهو عدم اعتراف المسيحية به كدين رسمي منزّل ومكمّل، ليبرهن على العكس في الآية 6 من سورة الصف : "وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ".

غير أن للمسيح قولا آخر في الأمر، فنجده في إنجيل متى يحذّر أتباعه بالإصحاح 24 ويقول لهم : "11 وَيَقُومُ أَنْبِيَاءُ كَذَبَةٌ كَثِيرُونَ وَيُضِلُّونَ كَثِيرِينَ". لكننا لاننفي أنه كان يتحدث عن المتقمصين لشخصيته بالمستقبل (المسيح الدجال)، غير أن في النص إشارة إلى أن نهاية العالم ستلحق المسيحية مباشرة كآخر ديانة، لأنه لم يتنبأ بمجيء أحد (كممثل للإله) ماعدى عودته (هو) كإشارة لفناء العالم. وبهذا يشدد على عدم تصديق أو اتّباع أي مسيح يظهر من بعده ـ والمسيح بنظر الديانة هو روح الرب وكلمته ـ ومنه فإن أي مسيح (كلمة الرب) سيظهر بعده فهو غير معترف به، كما نقرأ في تأكيده (نفس الإصحاح) : "انْظُرُوا! لاَ يُضِلَّكُمْ أَحَدٌ. 5فَإِنَّ كَثِيرِينَ سَيَأْتُونَ بِاسْمِي قَائِلِينَ: أَنَا ھُوَ الْمَسِيحُ! وَيُضِلُّونَ كَثِيرِينَ.. 23 حِينَئِذٍ إِنْ قَالَ لَكُمْ أَحَدٌ: ھُوَذَا الْمَسِيحُ ھُنَا! أَوْ: ھُنَاكَ! فَلاَ تُصَدِّقُوا. 24 لأَنَّهُ سَيَقُومُ مُسَحَاءُ كَذَبَةٌ وَأَنْبِيَاءُ كَذَبَةٌ وَيُعْطُونَ آيَاتٍ عَظِيمَةً وَعَجَائِبَ، حَتَّى يُضِلُّوا لَوْ أَمْكَنَ الْمُخْتَارِينَ أَيْضًا".

ومن المعلوم أن الأناجيل كُتبت بقرون بعد صلب المسيح، غير أن كُتّاب الأناجيل لم يكن ليهتموا أو يدركوا أن التاريخ سيستمر وسيظهر أنبياء ورسل آخرين (مُكمّلة لرسالته) ـ حتى يدرجوا هذا الأمر عمدا ! ـ فكل اهتمامهم كان منصبا على االدّجلة (المتقمصين لشخصية المسيح)، فالمسيحية (ربما) لم تكن لها رؤية ممتدة لذاك الحدّ ! ـ ظهور نبي يصدق برسالة يسوع ويكمّلها ـ .

يمكن أن نعتبر (على حد قول الكثيرين) أن الكثير من الأناجيل تمت مصادرتها وإتلاف بعضها، غير أن الديانة كمؤسسة تعتمد الأناجيل الرسمية، وبالتالي فإنها اعتمادا على كتبها المقدسة تنفي الديانة اللاحقة. كما تنفي اليهودية ديانة المسيح الذي تراه كدجال، فالمسيح بمفهومها شخصية يهودية من نسب يهودي إنساني (أم وأب) لم يأتي بعد وهو الذي سيردّ لليهودية اعتبارها ويبرز تفوقها الأديولوجي على باقي الأديان والفلسفات ـ بل إن كل ديانة ترى نفسها كذلك بإسكاتولوجيتها (سيناريو نهاية العالم الخاص بها) كمتفوقة ومنتصرة على ما عاداها ! ـ الرؤية السابقة يؤكدها الأبيونيون ebyonim (الفقراء باللغة العبرية) و هم طائفة مسيحية ملتزمة بالمحافظة على اليهودية، يعتبرون عيسى هو المسيح اليهودي المرسل من الله ليتمم كتابهم المقدس (العهد القديم). فيؤمنون بالمسيح كإنسان بشري (ولد من أمه مريم وأبيه يوسف) لكنهم يلتزمون بإقامة شريعة موسى والحفاظ على الطقوس اليهودية، بل حتى أن جماعة منهم قامت "بحملة شعواء على بولس وأنكروا رسوليته بسبب استماتته للحيلولة دون تهويد المسيحية أو احتوائها في إطار الشريعة الموسوية"(1) ! . وسواء تحدثنا عن اليهودية أو المسيحية فكلاهما ينفيان وجود ديانة لاحقة، إنما بشروا بالمسيا المنتظر (ظهور/عودة شخصية تابعة لنفس الديانة)، حتى أن اليهودية تعتبر الأبيونية طائفة "مهرطقة" لخلطها بين المسيح اليهودي وعيسى ! .

فإذا كان المسيح نفى نبوة محمد؟ فعن أي حوار بين الأديان نتحدث؟! والأسس التي بُنيَت عليها الديانات غير معترف بها ومرفوضة من بعضهم البعض (الأتباع/المنتمين) ! .

فالإسلام لايرى المسيح كإله مجسد في صورة بشري، والمسيحية لا ترى محمد مكمّلا لديانتها، ففي أي شيء سيتفقون ويتحارون ؟!! إن لم يكن الحوار إنسانيا حول الأمور المشتركة كمشاكل البيئة والفقر والعنف السياسي بين الشعوب ! عن ما يؤثر ويضر بمصالح البشر بغض النظر عن رؤاهم للسماء، بل في عيشهم المشترك بالأرض.

فلأجل التواصل أو خلق سبل الحوار (الفكري/ الثقافي)، يلزم ابعاد الاختلافات الدينية التي قد تزيد من حدة التوتر، والتركيز على القواسم الإنسانية المشتركة والهادفة لمصلحة "الإنسان".

وبه فإننا نتحدث هنا عن "التعاون الإنساني" وليس عن "التسامح الديني"، هذا المصطلح الفضفاض الذي يبقي في ظلاله على التفرقة الاجتماعية / الانسانية، ويخفي استمرار غلبة / سلطة أيديولوجية الأغلبية على أيديولجية الأقلية. أي استمرار التعصب "الخفي" كعدم تسامح، الأمر الذي يكشف التسامح ك"إشكالية".. نظرا لعجزه عن تجاوز الاختلاف العقائدي والفكري بالمجتمع، الأمر الذي لايتحقق إلا بالتعاون الإنساني (بعيدا عن الصراعات الدين/ مذهبية).

 

........................

هوامش:

1 : جماعة الأبيونيين الفريسيين - ويكيبيديا

adnan oayeedمن الضرورة بمكان الإشارة هنا إلى أن الكنيسة والدولة كانتا معا في حالة من الصراع الخفي، غير أنهما كانتا مدركتين وبشدة حالات اختلافهما، حتى أن الملوك كثيرا ما انجذبوا وفتنوا بالنقاشات التي كانت تدور بين الكنيسة والدولة، والتي كان لها تأثير كبير في إضعاف الكنيسة . أما الارستقراطيون فلم يكونوا في الحقيقة يدركون أبعاد عدم استقرارهم، في الوقت الذي كانوا مهتمين فيه فقط بالعبث بتلك الأفكار الجديدة،  لالشيىء،  إلا كونها أفكارا جديدة بكل بساطة. ومن الطرافة بمكان القول: إنه كان من بين هؤلاء الارستقراطيين الكثير من العاطلين عن العمل (الكسالى). وإن الكثير من المتنورين الفرنسيين كانوا يعاشرون البعض من أوائلهم والمتحمسين لهم، فهذا (فولتير)  كثيرا ما كان يتحرك في دوائرهم  متناولا الطعام على موائدهم، وآخذا عناوين عشيقاته منهم، ومراسلا ملوكهم، بيد أنه كان يعارض استبدادهم والعقائد التي سادت في عصرهم، في الوقت الذي كان لديه القليل من الإيمان الذي لايتجاوز إيمان أي فرد عادي، كما كان مناصرا لفكرة الديمقراطية وحكم الشعب، بل وكثيرا ما كان يفكر (فولتير) في هؤلاء الأشخاص المثقفين والمتحذلقين معا، وذوي الخبرة في هذه الحياة، حيث كان يرغب في  إحضارهم كي يرى العالم من خلال ممارساتهم العقلية، أن العالم يستطيع، بل يريد وبشكل كبير، أن يتغير نحو الأفضل . 

  

  مقارنة ما بين روسو وفولتير: 

لم يكن كل مفكري عصر التنوير يشبهون "فولتير" في مواقفه التي جئنا عليها هنا، حيث نجد على سبيل المثال أن خصمه اللدود " روسو " لايثق بالارستقراطيين، وذلك ليس من أجل عطشه للتغيير، وإنما لاعتقاده أنهم كانوا يخونون القيم التقليدية الأصيلة. كما عارض المسرح الذي شكل عند "  فولتير " دم الحياة، وتجنب الارستقراطية التي تودد إليها فولتير، ودخل في نقاشات حول أشياء لها من الخطورة الكثير آنذاك،  كالثورة والديمقراطية. هذا وفي الوقت الذي كان فيه فولتير يناقش بإمكانية المساواة  كان روسو يقول فيها، بأنها – أي - المساواة أمر طبيعي، وعندما تؤخذ مسألة المساوة بشكل جدي فهي قادرة على صنع حكومة مناسبة إلى حد ما . وفي الوقت الذي كان فيه فولتير أيضا مفتونا بذكائه الحاد وفطنته، كان روسو يصر ويشده على صحة مواقفه، وبينما كان "فولتير" يلح على تفوق الفكر والعقل، كان روسو يؤكد على العواطف، جاعلا كلا من يدعم التنوير أو يخلقه رومانطيقيا، وعندما يكرر روسو الحزمة نفسها من الملاحظات الجوهرية للتنوير، كان روسو يتحدث وبعمق عن الأفكار الأصيلة وبكل الاتجاهات بدءا من التربية مرورا بالعائلة والفنون وصولا إلى الحكومة وكل ما يلفت انتباهه في هذه الحياة. ومع ذلك، وبالرغم من كل اختلافاتهما الشخصية فقد تقاسم الاثنان الكثير من القيم التي أحبا الاعتراف بها. فكلاهما عاشا حياة الملكية المطلقة واعتبراها شرا وخطرا على المجتمع، وكلاهما رفضا المسيحية الأرثوذكسية (المتشددة- المترجم)، وكثيرا ما ناضل روسو ليبدو أكثر إخلاصا، وكان يميل تقريبا إلى الشك بالقدر نفسه الذي كان يميل إليه فولتير، كلاهما أيضا تقاسما الاعتقاد بالإيمان المتطرف الذي كان يقر بضرورة الإيمان بالله وحده بعيدا عن أي دين كان، أي الإيمان بالله دون أي وساطة من قبل الآخرين، وهذا الشكل من الإيمان ذاته كان قد تحول إلى المجتمع الأوربي وحاز على تأثير قوي في مختلف وجوه المجتمع .

   

 التنوير في بريطانيا:

استطاعت المملكة المتحدة العظمى أن تطور عالم تنويرها برعاية العديد من المفكرين أمثال المفكر الإنكليزي " جان لوك " و" دافيد هيوم " وغيرهما، حيث كانت بريطانيا السباقة على كل الأوربيين في خلع وقطع رؤوس ملوكها في أواخر القرن السابع عشر، بالرغم من أن النظام الملكي كان قد استعاد عافيته. فهذه التجربة خلقت انفتاحا حقيقيا باتجاه التغيير في العديد من المواقع التي لم تستطع أن تخمد كليا، إذ ظلت البروتستانتية البريطانية - (مثلت آنذاك التطلعات العقلانية لتحرير الإنسان من سلطة الاستبداد الكنسي - المترجم)- تناضل لتعبر عن نفسها في طرق اتسعت حدودها إلى خارج نطاق حرية الكلام والتظاهر. وعلى اعتبار أن بريطانيا قد حققت ثورتها بشكل مبكر بالنسبة لأوربا، فقد أعطاها هذا السبق القدرة على أن تواصل بكثير من السهولة وبشكل تدريجي الوصول إلى الديمقراطية، بيد أن الحرية الانكليزية شكلت قنبلة عندما انتقلت إلى فرنسا، وذلك بسبب المقاومة الشرسة التي ظهرت من قبل الكنيسة والدولة معا تجاه هذه الحرية حتى آخر لحظة، لذلك في الوقت الذي نجد فيه أن بريطانيا التي انطلقت الثورة من بلادها إلى فرنسا بقيت غاطسه في أوحال التفاوت الطبقي والتراتب الاجتماعي والورع الكنسي الديني، نرى فرنسا قد أصبحت بعد ثورتها من أكثر الدول الأوربية دعوة للمساومة وبناء الدولة اللا اكليركية .

 

التنوير في أمريكا:

إن العديد من القادة المتنورين الأمريكان في الثورة الأمريكية أمثال " جفرسون " و" واشنطن " و" فرانكلين " وغيرهم، تأثروا وبشكل قوي بالأفكار الثورية للإنكليز، وقليلا أو  إلى حد ما  بالتفكير التنويري الفرنسي. فا (الله) الذي ضمن مفهوم المساواة في إعلان (الاستقلال الأمريكي)، هو نفسه (الإله) الذي عبده " روسو "، بينما هو ليس نفسه (الإله) الذي أقر في الكنائس التقليدية التي لم تزل تدعم وتحمي الأنظمة الملكية المطلقة في معظم الدول الأوربية. إن جفرسون وفرانكلين استوعبا التنوير الفرنسي،  وأن لغة القانون الطبيعي لتراث أو أصول الحرية، أي حرية الإرادة التي تسربت وبعمق شديد إلى حصاد نضال الأمريكي، كانت هي لغة التنوير نفسه، بالرغم من أنها غالبا ما كانت تغطى بمسوح النور الديني الذي راح يدعي الآن من قبلنا بالدين المدني. ومن هذه المعطيات أخذ الأمريكان يفضلون دراسة التنوير، الذي أصبح يشكل نسغ حياتهم، فالتنوير، حدد جزءا من الذي حلموا به، بل الأهداف التي يصبون إلى تحقيقها، أما طموحات الارستقراطيين الأمريكان الانفصالية وما رافقها من ردود أفعال تجاه هذه التحولات الجارية في أمريكا تحت راية التنوير، فقد راحت تتآكل، وكانت في حقيقة أمرها ومنذ بدايتها أقل تأثيرا على الواقع مقارنة بتحركات زميلتها الأرستقراطية الفرنسية .

 

The Enlightenment

Created by Paul Brains

ترجمة : د.عدنان عويّد

كاتب وباحث من سورية

 

adnan oayeedالقرن السابع عشر: حاول "ديكارت" في القرن السابع عشر René Descartes كمدرس، استخدام العقل لدعم إيمانه، ولكن بكثير من القسوة في هذه المرة، حيث جرب أن يضع نفسه داخل غرفة فارغة مع قليل من الأفكار المجردة التي حاول من خلالها التأكد من صحة ودور مقولة: (أنا أفكر إذن أنا موجود)، في تحدي لسلطة الكنيسة، بيد أن عمله هذا دفعه لارتكاب الكثير من الأخطاء المنطقية، الأمر الذي جعل الكثير من أتباعه أو طلابه يبتعدون عنه ويعملون على تفكيك إنجازاته الفكرية، وبالتالي تحدي فكرته الأساس التي بدأ بها وإبطالها .

إن تاريخ الفلسفة منذ عهد  René Descartes ديكات، حتى بداية القرن العشرين، هو التاريخ الذي أخذ فيه المنطق يتسع ويتحسن أكثر فأكثر، حتى نجح  Ludwig Wittgenstein لودويج ويدتجنستين  في إضعاف أسس الفلسفة نفسها. وعلى اعتبار أن تاريخ الفلسفة وفق هذا التصور قد مر بمراحل متعددة، لذلك، فنحن هنا سنهتم في المراحل المبكرة التي أخذ فيها المنطق يتقدم، ويكون سبيلا إلى الحقيقة، أي حقيقة المنطق الوحيد الذي يمكن أن يستخدم لتحدي كل أنواع الأفكار الأخرى غير المعقولة او العقلانية، أو ما تسمى بالأفكارالسخيفة، والتي أكد مفكرو التنوير كثيرا على محاربتها بوسيلة (العقل) القائم على الإحساس المشترك، والمراقبة، والمعرفة المنحازة إلى مبدئي الشك والحرية معا .

راح القرن السابع عشر يُمزق في الحقيقة بسبب الحروب الدينية والسيطرة الامبريالية، مثلما  راح الانتباه يُركز بشدة على التفكير الهزيل الذي أخذ ينتقل من مناطق أخرى سيطر عليها الجمود والتعصب .. فالكاثوليك والبروتستانت دخلا في صراع، وأخذ كل تيار منهما يتهم الآخر بأنه يتبع الشيطان.. والناس ادخلوا السجون بسبب اعتناقهم هذا المذهب أو ذاك، أو حتى بسبب رفضهم أي مذهب من المذهبين المتصارعين.. كما أن كل المطبوعات، كراريس كانت أم كتب أم مجلدات، بل وحتى الكتب المدرسية راحت تخضع للمراقبة المسبقة من قبل الكنيسة والدولة معا،  حيث كانا في الغالب كلاهما - الكنيسة والدولة – يعملان يد بيد ضد هذه التحولات الجديدة التي أخذت تهدد معاقلهما.. أما العبودية فكثيرا ما كان يدافع عنها من قبل رجال الدين ذاتهم، في الوقت الذي كان فيه استبداد الملوك من الناحية العملية أشد قسوة في هذا القرن من أية مرحلة من مراحل العصور الوسطى، هذا الاستبداد الذي دُعم وبشدة من قبل العقائد ورجال الدين تحت ذريعة (الحق الإلهي المقدس)، الذي اتكأ مؤيدوه على الكثير من المقتبسات الإنجيلية التي تقر بأن أية ثورة كانت، هي مكروهة من قبل (الله)، وكذلك المتحدثون عن الفتنة، أو المحتقرون للدين فكان عقابهم السجن مباشرة، بل غالبا ما يكون الإعدام ذاته، أما المنظمات التي تحاول تحدي السلطتين (الزمنية والدينية)، فكانت بدورها تُحارب، أو تُمنع عن ممارسة نشاطها. لقد كانت هناك في الحقيقة مساحة واسعة من التعصب والجمود استطاعا أن يصولا ويجولا عبر العصور الوسطى، غير أنه من الطرافة بمكان الإشارة هنا إلى أنه مع ظهور الدولة الحديثة،  راح الاستبداد يأخذ أبعادا أكثر فعالية وقوة مما كان عله في القرن السابع عشر ذاته .

بيد أن مسألة الاستبداد والاضطهاد والحروب تحت اسم الحقيقة المطلقة، هي مسألة  سيبدأ العديد من الأوربيين آجلا أم عاجلا الملل منها حتما، بالرغم من أن البروتستانتية قد أخذت كما قلنا تسلط انتقاداتها الحادة للكاثوليكية، ثم راح كلا المذهبين بسرعة أيضاً يسلطا بنادقهما تجاه بعضهما بعضا، منتجين عبر هذا الصراع مجموعة مبدعة ومذهلة من الكنائس التي شكلت كل واحدة منها ممرا خاصا بها للعبودية. ووفقا لهذه المعطيات، كان تقاذف الشعب ما بين معتقد إيماني وآخر، أمرا طبيعيا، بحيث أخذ المرء يتساءل مستغربا، أي من الكنائس تستحق السلطة التي تدعيها؟، كما راحت جائزة الشك تُمنح لـ (حقيقة) كل من (لوفر وكالفن) معا .

على العموم، بدأت توجد سلطات عدة فعالة تنشط داخل أوربا، أهم واحدة منها هي القوة الاقتصادية، (الطبقة البرجوازي الوليدة- المترجم) التي تداخلت بشكل فاعل وعظيم مع ميول الشك والتنوير تجاه الحقيقة المطلقة والعقائد الجامدة .

 

الخلفية الاقتصادية والسياسية للتنوير:

مع أواخر العصور الوسطى، أخذ الفلاحون بالتحرك من القرى إلى المدن بحثا عن فسحة أوسع لحريتهم وازدهارهم، ومع تحسن التجارة والمواصلات في عصر النهضة،  بدأ سكان المدن العاديين يتأكدون من أن مسائل الحرية والازدهار لم تعد تحتاج دائما إلى استمرار الجهود نفسها التي كانت قد بذلت من أجلها في القرون السابقة، فهناك دساتير جديدة يمكن كتابتها، وحكومات جديدة شُكلت، وقوانين جديدة شُرعت، وأعمال جديدة بدأت تنطلق، إضافة إلى ذلك كل المؤسسات تغيرت وراحت بسرعة تعمل على تأسيس قوتها المناسبة لروح هذه المتغيرات، فضغط التغيير استمر في الارتفاع، وهذه الاستمرارية في الارتفاع لم يكن سببها مرتبطاً بالنماذج الثقافية التي أثرت في الأوربيين فحسب، بل وبالثروة التي راحت تتدفق الآن من أسيا وأمريكا، حيث قذفت بطبقة جديدة من التجار إلى ساحة الشهرة بدلاً من الارستقراطية القديمة التي تجسدت قوتها في ملكيتها للأرض .

نعم .. لقد حاز هؤلاء التجار على أفكار جديدة عن نوعية العالم الذي يريدون العيش فيه، وأصبحوا الوكلاء الحقيقيين للتغيير في مجمل قضايا المجتمع الفنية والسياسية والاقتصادية ... الخ. لقد كانت هذه الطبقة التجارية الجديدة واثقة بأن إيراداتها أو أرباحها كانت نتاج جهودها الفردية وعملها القاسي، وأن هذه الأرباح لا تشبه الثروة التقليدية للإقطاع التي تتحقق عن طريق الوراثة للأرستقراطيين التقليديين. وهذه الرؤية الفكرية للطبقة التجارية ساعدت كثيرا على تأكيد النزعة (الفردانية)  في عصر النهضة من قبل الفنانين، وبشكل خاص من قبل الفنانين البصريين (الرسم والنحت)، لقد أصبحت الفردانية جوهر القيم، كما أن قابلية الجهد الفردي لتحويل العالم، أصبحت العقيدة الأساس للأوربيين منذ ذلك التاريخ حتى يومنا هذا .

بيد أن العقبات الرئيسة في إعادة تشكيل حياة الأوربيين من قبل طبقة التجار، كانت هي نفسها العقبات التي واجهت الفلاسفة العقلانيين، وهي الأنظمة الملكية المطلقة السلطة، والكنائس العقائدية، هذا إضافة إلى وجود الكثير من القيم الأخرى التي كانت تستحوذ على كل مشترك في هذا النضال، لذلك كان النضال تجاه التغيير معقدا جدا، ومع ذلك كان الميل الكبير للتغيير واضحا جدا باتجاه تحقيق الفردانية والحرية، ومحاربة السلطة القمعية والتقاليد .

أمام هذه المعطيات، استمر الدين قائما، ولكن بشكل ضعيف، وغالبا ما انتقل إلى ما وراء الإدراك أو المعرفة، أي لم يعد المحرك المباشر لقضايا المجتمع، والمسيطر على وعى المجتمع وإدراك أفراده بشكل مباشر، هذا في الوقت الذي راحت تتضاءل فيه سلطات  النظام الملكي بشكل تدريجي حتى فترة تجاوزت المئة عام، ثم بعد ذلك، أي مع منتصف القرن الثامن عشر، بدأت ظلال شكله القديم تشحب لتعلن انطلاقة أو تأسيس أرضية تنوير القرن الثامن عشر، حيث أخذ الأوربيون يتغيرون بالفعل بالرغم من أن الكنيسة نددت بذلك التغيير، واعتبرت من سار في رحابه ملعونا وخارج نطاق الحقيقة، هذا في الوقت الذي بدأ  يتضح فيه أيضا لأي رجل عقلاني وذي دراية بأمور الحياة، بأن معظم الناس الموجودين على الأرض لم يكونوا ولم يصبحوا أبدا مسيحيين بعد، ومع ذلك هم بنوا حضارات مدنية مبدعة وعظيمة،. وفي نطاق التغيير أيضا، أخذ الكتاب والمتحدثون يزدادون قلقا واضطربا أمام الحرية التي تحققت، وراحت تسمح لهم بالمراقبة والبحث عن كل شيء بحرية، وبعيداً عن قمع السلطة أو حتى النقد، أما الطبقات الوسطى (التجار والصناعيون) فقد أصبحت تدرك وبألم شديد بأنها لم تزل تدفع الضرائب لدعم الارستقراطية الغنية جدا،  أو الغالية التكاليف،  في الوقت الذي لا تساهم فيه بأي شيء يخدم قيم المجتمع المعاصرة، عدا، رعايتها للفنون التي لمعت أو صعدت لدى سكان (هولندة) الذين على ما يبدو كان معظمهم يرغب في التدرب عليها،  ولذلك، فإن هؤلاء الارستقراطيين غير النافعين لم تكن لديهم الرغبة في تقاسم السلطة مع هؤلاء الذين بطريقة تفكيرهم الحر، وبشكل طبيعي، أداروا وخلقوا الثروة الوطنية، والذين كانوا يجدون لهم دائما حلفاء جاهزين في فرنسا من بين الحشود الفقيرة التي ربما عاشت وفكرت بطريقة تشبه إلى حد كبير حياة أجدادهم الفقراء، بيد أنهم كانوا جميعا يدركون بأنه، مع كل عام يمر كانوا يدفعون الضرائب المتصاعدة لدعم بضعة آلاف من هؤلاء الارستقراطيين الكسالى الذين أخذت مساحتهم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية تتقلص شيئا فشيئا .

 

The Enlightenment

Created by Paul Brains

ترجمة : د.عدنان عويّد

 

كاتب وباحث من سورية

 

adnan oayeedأمام الهجمة الوهابية السياسية الشرسة التي يتعرض لها وطننا العربي اليوم، وما تركته هذه الهجمة من دمار فكري ورحي للكثير من أبناء أمتنا العربية، رحنا نلمس نتائجها الكارثية في كل من سورية والعراق ومصر وليبيا، ولا زال الحبل على الجرار كما يقال، علينا جميعاً ككتاب ومثقفين عرب أن نتجه إلى تسليط الضوء على كل قضايا الفكر التنويري والعقلاني التي ستساهم في كشف الفكر الوهابي ألظلامي وكل التيارات السلفية التكفيرية المرتبطة به. ولتكن مقولة ابن خلدون: (ليس من المفروض علي أن كون نبياً لكي أكون حكيماً، فطالما انا أمتلك العقل فأنا حكيم). نبراس معرفة لنا في جرأتها وعمق دلالاتها وأهمية تركيزها على العقل ومقوماته.

سأقوم بدءاً من هذه الدراسة بتقديم مجموعة حلقات فكرية عن قضايا التنوير التي شكلت الرافعة النهضوية لأوربا وفي مقدمتها الثورة الفرنسية ومن تأثر بها . هذه الفكر الذي أعاد للإنسان مرجعيته الإنسانية، وعلمه كيف يكون إنساناً حقيقيا من لحم ودم .

د.عدنان عويّد

 

قضايا التنوير (القضية الأولى)

التنوير  (1)

The Enlightenment

Created by Paul Brains

ترجمة : د.عدنان عويّد

على الرغم من أن التيار الفكري الذي دعي بتيار " التنوير " غالبا ما ارتبط بالقرن الثامن عشر، غير أن جذوره في الحقيقة تعود إلى أبعد من ذلك بكثير، وقبل أن ننظر في طبيعة هذه الجذور، لابد لنا من تحديد طبيعة هذا المفهوم أو تعريفه .

يعتبر التنوير واحدا من التيارات أو الحركات التاريخية النادرة، التي ساهمت في تسمية نفسها في الحقيقة، وأن المفكرين التنويريين الحقيقيين الأوائل في كل من " باريس و لندن " الذين اعتقدوا بأنهم كانوا أكثر تنويرا من مواطنيهم، قد أعدوا أنفسهم من أجل تحقيق هذه المهمة.  لذلك كثيرا ما كان هؤلاء المفكرون التنويريون يعتقدون بإمكانية استخدام العقل الإنساني في محاربة الجهل والاضطهاد والاستبداد، وبالإمكان أيضا استخدامه في بناء عالم أفضل للإنسان. أما أهم القضايا التي وضعوها نصب أعينهم وناضلوا من أجلها آنذاك فهي: استبدا الكنيسة، مجسدا في الكنيسة الكاثوليكية في فرنسا، وسيطرة الطبقة الارستقراطية الوراثية على مقدرات المجتمع .

 

الخلفية التاريخية للتنوير:

لكي نعرف لماذا أصبح تيار التنوير مؤثرا في حياة القرن الثامن عشر  لابد لنا من العودة إلى الوراء والتعرف عل جذور هذه المسألة.

على العموم، بالرغم من أننا غير قادرين في الغالب على اختيار أي فكرة محددة للبحث في هذا الاتجاه، لذلك دعنا ننطلق مع "  Thomas Aquinas" "توماس كويناس" (القرن الثالث عشر) في استرداد " المنطق الأرسطي " من تراث الفلسفة اليونانية، حيث نجد في هذا المنطق تلك الإجراءات المنطقية المنظمة بعناية شديدة، والتي من خلالها تمت عملية تحديد أو تعريف تلك القوانين الجامدة للمسيحية. أما في القرنين التاليين، أي " الرابع عشر والخامس عشر " فقد راح المفكرون الآخرون الذين عرفوا با " المدرسيين " يلاحقون  أو(يجزون) كل تلك القوانين أو المبادئ الدينية المسيحية الجامدة بوسائل المنطق، الأمر الذي جعل فولتير يشير إلى هؤلاء المفكرين مرارا ناعتا إياهم  بـ" الدكاترة " وكان يعني بذلك دكاترة اللاهوت .

أما بالنسبة للكنيسة الكاثوليكية، فمن سوء الحظ، لم يعد بالإمكان حصر استخدام وسائل المنطق الأرسطي اليوناني لديها فقط، بل راحت بعد فترة هذه الوسائل المنطقية ذاتها تستخدم بشكل فاعل لدى الكثير من الكتاب والمفكرين العلمانيين داخل الثقافة الوثنية التقليدية (أي غير الدينية - المترجم) التي بدأت تطرح نفسها أمام العقيدة المسيحية الكاثوليكية. وهذا كان من الأسباب الرئيسة في رغبة الأوربيين السير عبر هذا الاتجاه العلماني في المراحل الزمنية اللاحقة .

 

الحركة الإنسية في عصر النهضة:

عبر القرنين الرابع عشر والخامس عشر، ظهرت في كل من فرنسا وايطاليا مجموعة من المفكرين عرفوا با " الإنسيين "، نسبة إلى الحركة الإنسية، التي لم تكن حينذاك قد أخذت بعد موقفا من الروابط الدينية، كما تأخذ الآن في النقاشات المعاصر، هذا وقد كان غالبية هؤلاء المفكرين والكتاب عمليا من الكاثوليك، حيث دارت نقاشاتهم حول: إن عبادة الله الصحيحة تتضمن بالضرورة إعجاب خلقه، وعلى وجه الخصوص إعجابهم بقوة الله في خلق الإنسان، ثم بمكانة الجنس الإنساني وقدراته، كما دارت نقاشاتهم حول أن عبادتهم لله هي في حقيقة أمرها أو جوهرها أفضل بكثير من عبادة القساوسة والرهبان الظلاميين الذين يعزفون على وتر الخطيئة العامة، والدعوة المستمرة للناس كي يعترفوا بخطاياهم ويتواضعوا بدل التعالي. هذا وقد كان بعض هؤلاء المفكرين والكتاب يدعي بأن الإنسان يشبه الله، ولكن بنصيبه المتمثل في قوته المبدعة والخلاقة. فالرسام، والمهندس، والموسيقار، والمدرس، استطاعوا بقوة ذكائهم وتدريبهم وممارستهم لدورهم في هذه الحياة، إنجاز الأهداف التي تدعو إليها السماء . ولكن بالرغم من هذه القدرة الإنسانية، إلا أنها – أي القدرة – مُزجت في عصر النهضة مع عناصر الظلمة والخرافة، كما أن دروب السحر طُرقت في هذه الفترة بأساليب لم تكن موجودة حتى في العصور الوسطى .

لقد كان هدف الحركة الإنسية في عصر النهضة، هو تقييد بعض زهو أو كبرياء وسعة الروح التي عوّلت عليها الكنيسة، ثم إعادة إنتاج  روح الإبداع اليونانية والرومانية القديمة (أو ماسميت بالوثنية - المترجم)، رغبة في تكرير نجاحاتهم والذهاب إلى أبعد مما وصلوا إليه. فالأوربيون طوروا الاعتقاد الذي يقول بأن التقليد يستطيع أن يحقق التغيير نحو الرقي الإنساني وإعادة تشكيل حياة الإنسان بصورة جديدة، وذلك من خلال تشذيب وتوضيح وسائل التقليد ذاتها. فا (Galileo Galilee  "غاليلو غاليلو" على سبيل المثال، كان قد استخدم النوع نفسه من المنطق الذي استخدمه المدرسيون  والذي أصبح بدوره – أي المنطق-  أكثر قوة مع الملاحظة، وبخاصة عندما راح يناقش عام / 1632/ من قبل " الكوبرنيكية " بأن الأرض تدور. هذا في الوقت الذي أخذت فيه الكنيسة والنص المقدس معا يعترضان على هذه الأفكار، منطلقان  من أن الكتاب المقدس لا يقول بما يقول به كوبونيك ، مجبرين بذلك "غاليلو" على التراجع عما كتبه أو أعلنه من أفكار، وبالتالي منعه من ممارسة التعليم فيما بعد .

إن انتصار الكنيسة كان نصرا باهظ الثمن، ومن خلال هذا النصر، أُسكت " غاليلو "، غير أن هذا الانتصار لم يستطع أن يسكت العلم أو يمنع تقدمه، الأمر الذي دفع الكثير من التقدميين التنويريين إلى الهجرة والاستقرار في شمال أوربا البروتستانتية، بعيدا عن تناول البابا وتحقيقاته . بيد أنه قبل " غاليلو " وفي القرن السادس عشر، كان العديد من الإنسيين قد أخذوا يطرحون أسئلة على درجة عالية من الخطورة أمثال الراهب والفيزيائي الفرنسي François Rabelais "فرانسيس رابيليز"، الذي تأثر بالبروتستانتية، وراح يندفع إلى الأمام متمردا ومتحديا سلطة الكنيسة، الأمر الذي جعل العديد من المواطنين المؤمنين المحيطون به يسخرون منه، واعتبروه شخصا مضحكا وسخيفا .

 

مايكل دي مونتيغني: ( Michel de Montaigne ):

بكثير من الهدوء والتواضع، ولكن في النهاية بطريقة أكثر قدرة على الهدم، سأل  Michel de Montaigne سؤالا ولأكثر من مرة عبر مقالاته وهو : " ماذا أعرف ؟ " وهو يرمي على ما يبدوا من وراء هذا التساؤل التأكيد على أننا لانملك الحق في فرض العقائد على الآخرين، هذه العقائد التي تمارس سلطتها على السلوك الثقافي كحقائق المطلقة . فالتأثير القوي الذي تحقق عبر اكتشاف ثقافات أخرى مزدهرة لاتنتمي للمسيحية، وفي أماكن بعيدة جدا عن الثقافات أو الحضارات الأوربية، مثل " البرازيل "، حيث فسح على سبيل المثال، في المجال واسعا للنقاش على أن الأخلاق في جوهرها  ذات طبيعة نسبية، لذلك عندما راح البعض يتساءل، من هم هؤلاء الأمريكيون ليؤكدوا بأن البرازيليين الذين يأكلون  لحوم البشر الميتة بدلا من إتلافها، هم من الناحية الأخلاقية سفلة وبدائيين ؟، جاء تساؤلهم في الحقيقة مشروعا ويثير مسائل إنسانية عدّة مقارنة مع هؤلاء الأوربيين الذين يضطهدون ويقمعون كل من يستنكر أعمالهم الإجرامية بحق الشعوب المستعمرة من قبلهم .

إن هذا التحول باتجاه نسبية الأخلاق الحضارية، أو الثقافية، أسس على قليل من الفهم أو الإدراك المتعلق بمسألة الشعوب المكتشفة حديثا، إلا أنه استمر بفعالية عالية ليأخذ تأثيره العظيم في وقتنا الحاضر عبر ساحة التفكير الأوربي، وهذه في الواقع إحدى المعطيات المميزة للتنوير.

إن فلاسفة أو مفكري التنوير اعتمدوا في تفكيرهم ونشاطهم على انجازات الحضارات الأخرى كي يفوزوا بالحرية، وليعيدوا تشكيل ليس فلسفتهم فحسب، بل ومجتمعاتهم أيضا . لقد أصبح واضحا من جهة أخرى بأنه لم يعد هناك شيء حتمي حول نماذج التفكير الأوربي وحياة الأوربيين ذاتهم، أو بتعبير آخر أكثر تجريدا، هناك حتما العديد من الطرق المحتملة لوجود الإنسان عموما، أما الطرق الجديدة  منها فيمكن إبداعها .

أما المساهمة الأخرى التي قدمها  (Montaigne ) للتنوير، فقد انبثقت من الوجه الآخر لسؤاله المشهور (ماذا على أن أعمل؟)، ومفاد هذه المساهمة يأتي من القول: إذا لم نستطع أن نكون واثقين من أن قيمنا هي معطاة من قبل الله، إذن فليس من حقنا أن نفرضها بالقوة على الآخرين !!، فالقضاة، والباباوات، والملوك، على السواء لا يملكون أمر أو مهمة إجبار المريدين والتابعين اعتناق أو تطبيق المعتقدات الدينية أو الفلسفية بشكل خاص .

على العموم، هذه واحدة من تناقضات التاريخ العظيمة التي تقر بأن (الشك) المتطرف كان ضروريا لذلك النوع الجديد من الحقيقة التي تدعي العلم، فالعالم الجيد هو الذي يرغب في فحص كل افتراضاته من أجل مقاومة كل الآراء التقليدية التي تحول دون اقترابه من الحقيقة التي ينشدها. وإذا كانت الحقيقة (مطلقة) كالتي طرحت من قبل المفكرين الدينيين بعيدة المنال عن العلماء، فإن حقيقة العلم إلى حد ما، وفي أفضل حالاتها، هي قابلة للتغيير، ولم تكن أبدا مطلقة، وذلك كون المعرفة في طبيعتها تعتمد على البرهان والعقل، وتظل السلطة التعسفية فقط هي وحدها القادرة على معاداتها .

 

كاتب وباحث من سورية

 

abdulhusan shaabanلا زال الحديث عن التسامح مبعث ارتياب لدى الكثير من النخب الفكرية والثقافية والسياسية العربية بشكل عام، وتعود أسباب ذلك إلى الاستقطابات السياسية الحادة وأبعادها الإقليمية والدولية، واسقاطاتها الحالية على الواقع، إضافة إلى أن جزءًا منه يتعلق بالفهم القاصر والمحدود لمعنى التسامح ومبناه، ناهيكم عن توظيفاته أحياناً.

وقياساً للدراسات والكتابات التي عرفها الغرب2 عن التسامح والمعالجات التي أعقبت الاحترابات والنزاعات الدينية والطائفية التي عانت منها أوروبا لدرجة النزيف البشري، المادي والمعنوي، فإننا لا زلنا حديثي عهد، بخصوص تقبّل فكرة التسامح في ظلّ استشراء التعصّب وتفشّي التطرّف وانتشار الغلو، إزاء الآخر " الغريب"، وكل غريب "مريب"3، سواءً كان هذا الآخر بعيداً أو قريباً، عدواً أو صديقاً، طالما هو مختلف عنّا، حتى وإن كان مساكناً أو مشاركاً لنا في العيش والحياة والمصير، لكنه قد يكون مختلفاً في الدين أو العرق أو اللغة أو التاريخ، حتى وإن كنّا في وطن واحد، ولعلّ هذه النظرة الانغلاقية التي لا تقبل التنوّع والتعددية انتشرت على نحو واسع خلال السنوات الثلاثين ونيّف الأخيرة، على الرغم من التطور النقيض لها على المستوى الكوني.

وتفصلنا عن فكرة التسامح "الأوروبية" أكثر من ثلاثة قرون من الزمان، إذا اعتبرنا رسالة جون لوك حول التسامح تاريخاً لنشر الفكرة، لا سيّما في ظل انقطاع العرب والمسلمين عن تراثهم الذي عرف بنماذج زاهرة من التسامح، مثلما عرف تاريخاً دامياً من اللاتسامح، كما هو الغرب أيضاً في إطار السياق التاريخي لجميع المجتمعات.4

وإذا أردنا الحديث عن فكرة التسامح بمعناها المعاصر، خصوصاً وقد مرّت بمراحل مختلفة وجرى تأصيلها، بتجاوز بُعدها الديني والطائفي إلى البعد الثقافي، وصولاً إلى البعد الحقوقي والقانوني، بحيث لم تعد واجباً أخلاقياً وسلوكياً أو مبادئ ودعوات سياسية فحسب، بل هي واجب قانوني لإقرار التعايش والتعددية والتنوّع وحق الاختلاف والدعوة للمشترك الانساني، فلا بدّ من بحثها في إطار التطور الدولي، وخصوصاً في المباحثات التي سبقت وهيأت لقيام الأمم المتحدة، حتى وصلت إلى ما وصلت إليه، فلا بدّ من الحديث عن فهم الفكرة وحيثياتها القانونية وخلفياتها الفكرية ومرجعياتها النظرية.

وبعد صدور ميثاق الأمم المتحدة في سان فرانسيسكو 26 حزيران (يونيو) العام 1945 ومن ثم صدور الاعلان العالمي لحقوق الإنسان في 10 كانون الأول (ديسمبر) 1948، بدأت ثقافة التسامح تنتشر شيئاً فشيئاً ويتعزز رصيدها، خصوصاً بتأثير الحرب العالمية الثانية التي أزهقت أرواح نحو 60 مليون إنسان وألحقت خسائر مادية ومعنوية بعموم سكان الأرض، وصولاً إلى صدور إعلان اليونسكو بشأن التسامح العام 1995 والدعوة للاحتفال باليوم العالمي للتسامح 16 تشرين الثاني (نوفمبر) من كل عام، فإن بعض الدراسات والأنشطة المحدودة بدأت تجد طريقها إلى العالم العربي لا سيّما في العقدين ونيّف الماضيين، لكن تأثيراتها سواءً على الصعيد الفكري أو الثقافي كانت مقتصرة على نخب قليلة، ناهيكم عن ضعف مفاعيلها على الصعيد الاجتماعي والديني، بحكم ضعف البيئة القانونية والتربوية والتعليمية، سواءً على صعيد الدولة أو المجتمع أو الفرد5.

ومع ذلك فإن هناك أكثر من فهم لفكرة التسامح، ومثل هذا الفهم المتناقض يؤدي إلى نتائج متعارضة بالطبع. فالفهم النيتشوي الذي لا يزال سائداً يعتبر " التسامح إهانة للآخر"، ولعلّ ذلك ما لمّح له البابا بنيديكتوس السادس عشر في خطابيه في لبنان في القصر الجمهوري وفي الإرشاد الرسولي، حين عبّر عن تخوّفه من أن يؤدي التسامح إلى التطرف والإساءة للآخر، في حين أن المطلوب هو الاعتراف بالآخر وبالمساواة والمواطنة، وفعلياً للانتقال لما بعد التسامح6.

لعلّ هذه مناسبة لطرح سؤال كان الصديق البروفسور خليل الهندي قد طرحه في مفتتح ملتقى انعقد في لندن حول التسامح، وهو سؤال في غاية البساطة والأهمية في الآن: هل يوجد تسامح لننظّم له ملتقانا أم أن غيابه يدعونا لتنظيم فعاليات للتذكير بجوهره؟

ومثل هذا السؤال المزدوج والمركّب ظل يتردد طيلة العقدين ونيّف الماضيين وبأشكال مختلفة، نفياً وإيجاباً، واستمرّ صداه إلى اليوم: هل نقرّ بواقع أليم أم نتوسّم أملاً بواقع جديد، وهو ما طبع الجدل والحوار، اختلافاً واتفاقاً، تباعداً وتقارباً طيلة الفترة الماضية، على الرغم من المشتركات، لكن الأمر يحتاج إلى الاعتراف كلٌ بالآخر وتأكيد قيم التسامح مع بعضنا البعض دون تكفير أو تأثيم أو تحريم أو تخوين أو تجريم، أو غير ذلك من عوامل الإقصاء والإلغاء والاستئصال وعدم احترام الحق في التنوّع والتعددية والاختلاف.

وحسناً فعل اليوم مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية حين قرر نشر دراسة مهمة الدكتورة فاتن محمد رزاق الخفاجي، الموسومة " التسامح في فكر الأحزاب العراقية المعاصرة" خصوصاً وأن ما هو سائد في العراق والعالم العربي والاسلامي من ارهاب وعنف ونزاع واحتراب يؤكد الحاجة الماسّة إلى نشر وتعزيز قيم التسامح لتصبح ثقافة سائدة، فلحدّ الآن لا تتوفر إرادة سياسية جماعية على مستوى الدولة للاعتراف بقيم ومبادئ التسامح، ناهيكم عن احترامها والالتزام بها اجتماعياً وسياسياً وقانونياً من جانب المجتمع والفرد.

يضاف إلى ذلك ضعف الثقافة العامة والفردية إزاء قيم التسامح التي لا تزال متدنّية، بل غائبة في الكثير من الأحيان، ويُنظر إليها بازدراء أو استخفاف أحياناً، باعتبارها عامل ضعف وليس قوّة، الأمر الذي أدّى إلى تشبّث الكثير من الجماعات بالتعصّب والتطرّف بجميع أشكاله الديني والطائفي والإثني والعشائري، إزاء الآخر، سواءً كان غربياً، أي غير عربي أو مسلم من طائفة أخرى أو غير المسلم مثل المسيحي أو اليهودي أو الصابئي أو الأيزيدي أو سواهم، أو غير العربي مثل: الكردي أو التركماني أو الأشوري أو الأمازيغي أو غيرهم.

وقد حاولت الباحثة التوقف عند هذه الظاهرة المثيرة والملتبسة، لا سيما عند الحديث عن مقوّمات التسامح ومعوّقاته، ففي الأولى تحدثت عن المواطنة والديمقراطية والثقافة والتربية، وكان بودي التركيز أكثر على درجة التطور الاجتماعي والاقتصادي وانعكاساته القانونية في ظل بيئة تشريعية ووجود مؤسسات قانونية ضامنة، لا سيّما للمساءلة وقضاء مستقل ونزيه، إضافة إلى دور للمجتمع المدني، كما يمكن للاعلام أن يلعب دوراً إيجابياً على هذا الصعيد، وبذلك يمكن بناء لبنات التسامح بصورة تراكمية وتدرّجية وتطوّرية متينة وعلى مختلف الصُعد، كمسار طويل.

أما المعوّقات، فإضافة إلى التعصّب والاستبداد والعنف وهو ما تناولته الدكتورة الخفاجي بشكل عميق، فإن الطائفية والعنصرية وإن كانت من نتاج التعصب والتطرف والغلو، لكنهما شكّلتا تاريخياً منبعاً لسيادة الفكر اللامتسامح وشجعتا على التعصب والعنف والإقصاء والإلغاء، لأن هذه المظاهر نتيجة وليست سبباً، وإن كان هناك علاقة عضوية بين العلّة والمعلول حسب قول الفلاسفة.

 

معنى التسامح وتاريخه!

إذا عُدنا إلى أصل المصطلح Tolerence فقد استخدم منذ القرن السادس عشر بمعنى أقرب إلى المفهوم السياسي والأخلاقي والسلوكي إزاء الآخر، من المذاهب الدينية، في حين أن استخدامه كمفهوم قانوني Toleration، بدأ بعد إصدار بعض الحكومات الأوروبية في القرنين السادس عشر والسابع عشر مراسيم تدعو إلى التسامح وتطلب من موظفي الدولة والسكان تطبيق حكم القانون The rule of law وأن يكونوا متسامحين في سلوكهم إزاء "الأقليات" الدينية الأخرى، مثل أنصار الراهب مارتن لوثر، وهو الأمر الذي مهّد لتموضع ثقافة جديدة تعتمد على مبادئ التسامح، لا سيّما بإقرار التعددية والتنوّع والحق في الاختلاف والتمايز والخصوصية.

ومن القوانين التي صدرت في حينها "مرسوم نانت" في فرنسا الذي وقعه الملك هنري الرابع في 13 نيسان/ابريل العام 1598 حيث يعتبر أول اعتراف رسمي بالتسامح الديني، وذلك بعد خمسين عاماً من الصراع الداخلي والانقسام الديني والطائفي. وبموجب مرسوم نانت سُمح للبروتستانت الفرنسيين الذين يطلق عليهم " الهوغونت" بحرية المعتقد والمساواة الاجتماعية والسياسية مع الأغلبية الكاثوليكية الرومانية، لكن هذا القانون ألغي من قبل الملك لويس الرابع عشر في العام 1685، ونتيجة ذلك غادر نحو 200 ألف هوغونوتي فرنسا.

وفي انكلترا صدر قانون التسامح The Toleration Act عن البرلمان في العام 1689 بعد ما سمي بالثورة التشارتية " الجليلة" العام 1688 وكان ثمرة جهود سياسية مضنية لمفكرين مثل لوك الذي وضع رسالته الشهيرة "رسالة في التسامح" إضافة إلى "رسالتين في الحكم" لتشتمل على مبدأ فصل الكنيسة عن الدولة، والذي شكل حجر الأساس في الديمقراطية المستقبلية، ومؤدّى قانون التسامح " الديني"، الذي أصدره " البرلمان الإنكليزي" أن للمخالفين للمذهب البروتستانتي (الرسمي) الحق في ممارسة طقوسهم بصورة علنية، أما أتباع الكنيسة الكاثوليكية وكنيسة الموحدين، فقد ظلّوا محرومين من هذا الحق حتى العام 1829 .

ولا بدّ من الإشارة إلى مجايلي لوك الذين بشروا بقيم التسامح الديني مثل بيير باييل وغروتشيوس وسبينوزا، إضافة إلى فولتير الذي يعتبر محطة مهمة من محطات فكرة التسامح بعد لوك، فكانوا جميعاً قد نظروا إليه باعتباره مسألة أقرب إلى فريضة دينية وليس إقراراً بالآخر كنوع من التعددية الثقافية، وحتى هذه المسألة ظلّ يشوبها تشويش كبير استمر حتى الآن، وإذا كان باييل يؤمن بالتسامح بين الكاثوليك والبروتستانت وإزاء المبشرين المسلمين في الدول المسيحية، شرط عدم تعكير صفو النظام والأمن، فإن لوك لا يؤمن بالتسامح مع الملحد، وكذلك يضع عقبات أمام التسامح مع المسلم (التركي)، إضافة إلى الكاثوليكي، لأن هؤلاء " غير متسامحين" وولاءهم لسلطة أخرى أجنبية، وتلك إحدى المسائل المطروحة اليوم بخصوص الموقف من غير المتسامحين، فهل يتم التعامل معهم بالتسامح أيضاً لأن ذلك سيؤدي إلى نسف فكرة التسامح وتمكين غير المتسامحين من إلحاق الضرر بالمتسامحين وبالمجتمع ككل!؟

وإزاء الانغلاق وعدم التسامح الذي يسود عالمنا العربي والإسلامي، فإننا نرى أن العالم يسعى لتوسيع التسامح حقـوقياً بعد أن جرى تعميمه أخـلاقياً، بحيث تشتمل الدعوة، الدفاع عن أولئك اللامتسامحين أو الذين ينشرون ويروجون لأيديولوجيات اللاتسامح "التوتاليتارية". ومع أن هذه الفكرة تثير نوعاً من النقد وربما الفزع في الغرب حالياً، خصوصاً بعد أحداث 11 أيلول (سبتمبر ) 2001 الارهابية في الولايات المتحدة، لأن هناك من يعتبرها خطراً على فكرة التسامح، بل وتدميراً للحرية، الجوهر الأساسي في فكرة التسامح، لكن هناك من يحاول إيجاد مبررات لها، ويرى كارل بوبر في كتابه " المجتمع المفتوح وأعداؤه" 7 إننا نمتلك الأسباب التي تدفعنا إلى رفض التسامح مع المتعصبين، موضحاً أن هناك حدوداً للتسامح، ولكن في الوقت نفسه يستدرك فيقول: بأن علينا عدم الانخداع بذلك الشعور الغريزي بأننا على صواب دائماً 8.

ولعلّه من الصعوبة تحقيق التوازن خوفاً من تحوّل المجتمع القائم على التسامح إلى مجتمع متعصب، لكن جون راولز في كتابه " نظرية العدالة" 9 يعتبر أن من واجبات المجتمع القائم على العدل أن يكون متسامحاً، الأمر الذي يقود إلى التسامح مع المتعصّب، والاّ سيتحوّل المجتمع إلى مجتمع متعصّب وغير عادل، مع تأمين الحماية. وتجدر الاشارة هنا إلى أن أفكار لوك بخصوص التسامح الديني وجدت طريقها إلى دستور الولايات المتحدة بعد أن تبنّاها توماس جيفرسون ولقت نجاحاً كبيراً.

وبعد فوز الإسلاميين في الجزائر جرى نقاش واسع حول مستقبل الديمقراطية الوليدة، وهو النقاش الذي انفتح اليوم على مصراعيه بفوز الإسلاميين، بل ودورهم ومكانتهم في: الباكستان وأفغانستان وإيران وتركيا والعراق والمغرب وتونس ومصر والسودان (حيث يحكمون)، إضافة إلى نصف فلسطين (غزة) ونصف لبنان (حزب الله) ودورهم الكبير في اليمن ونفوذهم الواسع في الجزائر وقوتهم في ليبيا ونشاطهم المتميّز في الأردن، ووصولهم إلى البرلمان في البحرين وقيادتهم لحركة المعارضة فيها، وحصولهم على مقاعد برلمانية أكثر في الكويت، بل اتّساع حركتهم على صعيد الخليج بشكل عام، إضافة صراعهم المسلح في الصومال ودورهم الفعّال، وكذلك وجودهم القوي في موريتانيا وصولاً إلى تشاد ومالي.

والسؤال الذي سيظل مفتوحاً، وربما لن يجد جواباً شافياً: كيف سيتكيّف الإسلاميون بقربهم من السلطة أو بوجودهم على قمة هرمها، مع قضية الديمقراطية والدولة المدنية، وهو سؤال بحاجة إلى أن يجيب عنه اليساريون والقوميون أيضاً، وجميع الكتل والجماعات السياسية ذات الصفة الشمولية، وهو ما حاولت الباحثة الدكتورة الخفاجي الخوض فيه .

لا أظن أن الإسلاميين في مختلف أقطارهم سيكررون خطأ الإسلاميين الجزائريين الذي أعلنوا بأنهم سيئدون الديمقراطية حالما يصلون إلى السلطة، الأمر الذي ألّب الكثير من القوى ضدهم، " لكنه من غير مقبول، وغير شرعي"  الإطاحة بهم بقوة السلاح، وهو ما قام به الجيش الجزائري بحجة "حماية الديمقراطية" المهددة على أيدي من حصل على الأغلبية . ومثل هذا الأمر تحاول اليوم بعض الأطراف التوسّل به للتخلص من الإسلاميين الذي وصلوا إلى السلطة عبر صندوق الاقتراع، بل أن بعضهم من أنصار التيار شبه الليبرالي في مصر أخذوا يخاطبون الجيش ويستحثونه للخلاص من حكم " الأخوان" ولفضّ النزاع بينهم وبين الإسلاميين، وتلك إحدى مفارقات السياسة، خصوصاً في ظل تفشي ثقافة اللاتسامح، وبالمقابل فإن الاسلاميين يسعون وبسرعة لوضع أيديهم على المفاصل المهمة في الدولة، لكي يطبعوا الحكم بطابعهم، بزعم الديمقراطية وحصولهم على الأغلبية البرلمانية.

وهكذا تصبح الديمقراطية في نظر البعض "مرذولة" فيما اذا تعارضت مع مصالحهم، في حين أنها ديمقراطية "محمودة" فيما اذا كانت نتائجها تنسجم مع ما يريدون تحقيقه من أهداف أو مكاسب. ويبدو الأمر وكأنه مفارقة حقيقية حين تصبح الديمقراطية "المفقودة" أقرب إلى شبح، أما الديمقراطية " الموعودة " فهي مجرد حلم بعيد المنال، ولعلّ ذلك واحدة من مفارقات التغييرفي العالم العربي، ولا سيّما أحداث الربيع العربي بعد العام 2011 10.

وقد فتحت أحداث 11 ايلول (سبتمبر) 2001 وفيما بعد الحرب على أفغانستان والعراق النقاش والجدل على نطاق واسع حول الاجراءات الواجب اتباعها ازاء اللامتسامحين، بل الذين يريدون تدمير قيم التسامح والتصدي لما انجزته الحضارة البشرية حتى وإنْ كان باسم التسامح أحياناً أو باسم العدالة أو استعادة الحقوق، وهو الأمر الذي بحاجة إلى ضوابط قانونية وسياسية وأخلاقية بحيث يمكن إرساءه على قاعدة متينة وصلبة، ولا يتم توظيفه بالضد من قوانين التسامح ذاتها أو البيئة التي تساعد عليها.

لكن الأمر لا يقتصر على تسمية بعض الاتجاهات او التيارات، بل استغلّ الامر بطريقة انتقائية و فيها الكثير من ازدواجية المعايير لادخال المنطقة العربية – الاسلامية و حركات المقاومة ضد الاحتلال في هذه الدوامة وتوجيه سهام الاتهام ضدها باعتبارها مصدراً وحيداً أو أساسياً للارهاب الدولي وعدم التسامح، في تفسير خاطئ وإغراضي لقيم التسامح ذاتها، لا سيّما المدوّنة في القواعد والقوانين الدولية، وفي مقدمتها الشرعة الدولية لحقوق الإنسان.

وكان جون لوك 11 قد نشر رسالته الشهيرة في العام 1689 ثم أصدر فولتير، وهو أبو التسامح بعد جون لوك، في العام 1763 كتاباً دعا فيه إلى أخلاقية التسامح، لاسيّما القائمة على التسامح الديني بين الشعوب والأمم المتعايشة في الغرب12. وقد فصلت ثلاثة قرون ونيّف بين رسالة لوك وبين صدور الاعلان العالمي للتسامح، أو "اعلان مبادئ التسامح" الذي صدر عن اليونسكو في العام 1995 13.

وبالرجوع إلى القرون الوسطى فقد شهدت أوروبا التي كانت تعيش ظلاماً فكرياً دامساً ظاهرة اللا تسامح، خصوصاً في ظل هيمنة رجال الدين " الإكليروس"14، ولا سيّما في الكنيسة وتحريم وتجريم ما عدى ذلك، من خلال توزيع الناس إلى فريقين: الأول المقدّس والثاني المدنّس، اللذان سادا في الحكم على البشر، واستمرّ الأمر حتى عهد التنوير الذي توّج بالثورة الفرنسية التي وضعت حدّاً للثنائية التي كانت سائدة، والتي تقوم على الكنيسة، كطرف أول تنحصر مرجعيتها بـ "الله"، مقابل قيام مجتمع علماني مرجعيته الواقع 15، وفي حين تستمد المرجعية الالهية مشروعيتها من الخالق، فإن المرجعية المدنية تستمد مرجعيتها من الناس ومن خياراتهم في العقد الاجتماعي وفي الحقوق والحريات16.

وإذا كان المخيال العربي شديد الارتباط حتى الآن بالحروب الصليبية (والأصح حروب الفرنجة) لأنها حروب غير دينية، وإن كان الدين من بين بعض أسبابها المباشرة أو غير المباشرة، إلاّ أنها قامت على المصالح والسعي لاحتلال الشرق العربي واستغلاله، كما هي الحروب الاستعمارية، بما فيها حروب اليوم، فإن المخيال الغربي هو الآخر يقوم على العدائية للعرب والمسلمين، لاسيما بمحاولة تهييج المزاج الشعبي، بما يعاكس الطبيعة البشرية أحياناً، باعتبار الإسلام يحضّ على الارهاب، وهو دين العنف وعدم التسامح.

وقد حصلت في الغرب قطيعة في القرن الثامن عشر، ما بين الدين (الكنيسة) والدولة، الأمر الذي أدّى إلى قيام وتعزيز الدولة المدنية، التي وضعت مسافة واحدة تقريباً بين الأديان والطوائف والانتماءات الإثنية والأصول السلالية واللغوية، وقد تعمّقت بالتدريج وعبر التراكم والتفاعل والتواصل والمشترك الانساني، وعلى أساس المواطنة المتساوية، لكن مجتمعاتنا العربية- الاسلامية، ظلّت في الكثير من جوانبها متداخلة بين الديني والسياسي، بل يندغم الواحد بالآخر أحياناً، وإلى درجة غير قليلة تتداخل في بعض الأحيان مهمات: الدين بمهمات الدولة، وهي مسألة من الصعوبة على الغرب أن يتفهمها، خصوصاً وأن الكثير من المجتمعات العربية والإسلامية، لاتزال لم تدخل مرحلة الحداثة، بل هي أحياناً لم تدخل مرحلة الدولة بمفهومها العصري، وتعيش حالة انتقال من طور إلى طور، في ظل كوابح وتحدّيات كثيرة تارة باسم الخصوصية، وأخرى باسم الدين والتراث، وثالثة باسم التقاليد والعادات وهكذا.

لقد حوّلت أوروبا الدين، ولا سيّما بعد عصر التنوير إلى مجرد تقليد ومحاكاة، وعلى الرغم من الاعتقاد السائد بأن الله يمثّل القوة الكاملة التي يُنسب إليها كل شيء، وإن الفرد والمجتمع بحاجة إلى التقرّب إليها، فإن الأمر تدريجياً، وفي ظل الحداثة اتخذ بُعداً جديداً، باضعاف دور الدين على حساب تقوية دور الدولة، التي حاولت التأثير في المؤسسات الدينية لتتساوق مع مؤسسة الدولة العليا، وهكذا جرت محاولات لتبهيت صورة الدين، تارة باعتباره استلاباً فكرياً حسب أوغست كونت، وأخرى بوصفه استلاباً انتروبولوجياً (إنسانياً) حسب فيورباخ الذي تأثر به ماركس، واعتبر فرويد الدين استلاباً نفسياً، ولعل العلاقة الملموسة بين الكنيسة البروتستانتية والدولة البروسية في ألمانيا في القرنين السابع والثامن عشر، هي التي كانت وراء أطروحة ماركس " الدين أفيون الشعوب" التي أخذها عن كانط، خصوصاً وأن ماركس تحدث عن وظيفة الدين وكيف يمكنه تعبئة نضال الناس من أجل حقوقها، ولم يتحدث عن الدين.

ومن جهة أخرى يفهم بعض العرب والمسلمين لا سيّما بعض الإسلاميين، أن أي حديث عن دولة مدنية، بمعنى فصل الدين عن الدولة، إنما هو محاولة من الغرب لفرض "العلمانية" التي تعني من وجهة نظرهم التصرّف ضد الدين أو اتخاذ موقف منه، حتى وإنْ كانت قلّة قليلة تدعو إلى مثل هذا الفصل الميكانيكي، الذي سيؤدي إلى التغريب، ظنًّا منهم أن دخول عالم الحداثة يحتاج إلى قطيعة ابستمولوجية بين الدين والدولة.

إن قيام دولة عصرية وفقاً للنظريات الدستورية المعاصرة وعلى أساس المساواة التامة والمواطنة الكاملة وحق الناس على اختيار الحكّام واستبدالهم، سيعني وضع الدين في مكانه المقدس الذي يستحقه، وليس استخدامه لأمور الدنيا كأداة للصراع والحصول على المكاسب، بما يؤدّي إلى المزيد من التباعد والتنافر والاحتراب أحياناً، والمشكلة ليست في الدين، بل في التديّن وفي التفسير والتأويل للقيم الدينية، واستدلّ على ذلك في نقد القرآن للتديّن الذي لم يكن وقفاً على وثنيّاته فحسب، وإنما واجه به وبقسوة كل تديّن كاذب ومنافق في سلوك أتباع الأديان التوحيدية دون استثناء 17.

حين أقرّت أوروبا بعد معاناة غير قليلة التمايز ما بين الدين والدولة، فإنها دخلت بالتدريج وعن طريق التراكم في حالة التسامح، حين اعترفت بالحق في الحرّية الدينية وحماية القانون للحرّيات الأساسية للإنسان، التي تعمّقت تدريجياً، لاسيّما على المستوى الدولي بعيداً عن احتكار الحقيقة أو ادّعاء النطق بإسمها، وإذا كان هذا الأمر قد حُلَّ غربياً، فإنه لا يزال عربياً وإسلامياً بعيداً عن الحلّ، بل أن خطورته تزداد باتّساع عمق الهوّة إزاء الآخر، في ظل التعصّب والتطرّف والغلو، وعلى الصعيد اليهودي، فإن ضيق الأفق والتوجّه العنصري دفعا أوساط واسعة إلى تبنّي فكرة الدولة النقية، كما يطرح اليمين الإسرائيلي حالياً، وهذا يعني أن لا مكان للمسلمين أو المسيحيين أو الدروز العرب فيها.

لقد حاول الفقه الإسلامي ضمن سياقه التاريخي بحث المسألة بالنسبة لمنتسبي الديانات الأخرى في دار الإسلام بالتمييز الايجابي وإن كان "سلبياً"، وذلك عبر اصطلاح وتشريع فكرة الذميين وهم "رعايا" في الدولة الإسلامية (اليهود والمسيحيون) وهو ما يطلق عليه محمد أركون "تسامح اللامبالاة" وأسمّيه أنا "التسامح السلبي"، خصوصاً أن تلك النظرة كانت ولا تزال تنظر إلى الآخر مع موقع أعلى، وهكذا يكون اليهودي والمسيحي في موقع أدنى18، ولعلّ مرجعية تلك النظرة المتمايزة هو الفكرة النيتشوية للتسامح التي هي أقرب إلى " العفو" أو "الصفح" سواءً من جانب الأقوى، أو من جانب الأضعف لما حصل له من ارتكاب أو هدر للحقوق، وفي كلا الحالين فإنه يحمل في طياته الإزدراء أو الإهانة.

لقد خطت أوروبا خطوات متقدمة بشأن فصل الكنيسة عن الدولة، أما الدولة العربية والإسلامية المعاصرة، فلا تزال "الشريعة الإسلامية" تشكّل محور وصيرورة وجودها في الغالبية الساحقة من الدول، ولعلّ فكرة القطيعة التاريخية التي سبق لأركون أن تناولها، لا تزال بعيدة المنال عنها، وقد لا تبدو قريبة في المنظور الحالي، وربما لسنوات غير قليلة، بما فيها الدول التي أحدثت تطوراً في النظر إلى الفكرة الدينية في دولة اعتمدت الإسلام مرجعية لها، كما هي تركيا المترنّحة بين الإسلام والعلمانية.

فقد ظلّ الطابع الغالب في القوانين والتشريعات في الأكثرية الساحقة من الدول الإسلامية يعتمد على الإسلام الذي يعتبر " دين الدولة"، وفي بعضها "مصدراً أساسياً" أو "المصدر الأساسي للتشريع"، بل وأكثر من ذلك حين يعتبر الكتاب المقدس "القرآن " هو الدستور، وقد جرت نقاشات واحتدامات ساخنة حول هذا الموضوع وغيره من المواضيع، بخصوص علاقة الدين بالدولة وموقع الشريعة الإسلامية، وذلك بعد موجة التغييرات التي شهدتها العديد من البلدان العربية، لا سيّما في تونس ومصر وليبيا واليمن، وقبل ذلك كان الجدل قائماً بخصوص وجهة الدولة في العراق بعد الاحتلال العام 2003، خصوصاً ما احتواه الدستور من ألغام كثيرة ليس بعيداً عنها موضوع الدين وتأويلاته وتفسيراته، وهو الأمر الذي يثار حالياً في دول ما يسمى بالربيع العربي بعد العام 2011.

وعلى الرغم من أن الدولة لكي تؤمن قاعدة التسامح فينبغي لها أن تكون محايدة، أو لا يكون لها دين محدّد، فالدين هو أحد أركان هوّية الفرد، ومثلما الإسلام ركن أساس من هوّية المسلمين، فالمسيحية هي كذلك ركن من أركان هوّية المسيحيين وهكذا، فالأمر الذي يحتاج إلى فكّ اشتباك دون خلط أو إكراه بين عقيدة الأفراد ووظيفة الدولة في حماية العقائد والحقوق. وقد طرح هذا الأمر على نطاق واسع ما بعد التغييرات التي حصلت في العالم العربي خصوصاً علاقة الدين بالدولة فضلاً عن فكرة الديمقراطية والفرق بين المشروعية والشرعية، وبين "الشرعية الثورية" و"الشرعية الدستورية"، وعلاقة ذلك بحقوق الإنسان وحكم القانون واستقلال القضاء، وتداولية السلطة سلمياً ومبدأ المشاركة والمساواة والحريات العامة والخاصة.19

وعندما انتقلت أوروبا إلى مرحلة الفصل بين الدين والدولة وبين الدين والسياسة، ظلّت المنطقة العربية تعيش حالة وصل بل هيام أحياناً ارتفعت حرارتها في السنوات الثلاثين ونيّف الماضية، ولا سيما بعد الثورة الإيرانية العام 1979، وأصبح هناك نوعاً من الاندغام حدّ التماهي، بشكل غير اعتيادي بين الدين والدولة، وبين السلطة الزمنية والسلطة الدينية، وأحياناً بين مذهب لطائفة معينة وبين الدولة، وهو انقسام زاد من انقسام العالم العربي إلى قبائل وعشائر ومناطقيات، لكن الدين والطائفة أكثر ظلا عاملين أساسيين في التجمعات القائمة لمرحلة ما قبل الدولة أو في ارهاصاتها الأولى. ولعل المقصود من هذه المقارنة لا تزكية للغرب أو إنساب الفضائل له، وتجيير الرذائل لدمغ مجتمعاتنا، بل هو البحث عن جوهر فكرة التسامح، دون نسيان مسؤولية الغرب فيما وصلت إليه مجتمعاتنا، سواءً محاولاته استعمار واستغلال البلدان العربية وتمزيقها أو من خلال تعطيل التنمية والإصلاح والديمقراطية، لا سيما بدعم إسرائيل وعدوانها المتكرر على الشعوب العربية، إضافة إلى نهب الموارد والأموال العربية، خصوصاً عبر صفقات التسلح بزعم الخطر الخارجي.

لقد حقّقت أوروبا والغرب عموماً، ولاسيما بعد الثورة الفرنسية، العام 1789 تطوّراً كبيراً في قضايا الحرّيات والمساواة وحقوق الانسان، وهو ما كان قد مهّد له كتابات فولتير ولاسيما حول "التسامح" 20 وكتابات مونتسكيو، وخصوصاً كتاب "روح الشرائع" 21 وكتابات جان جاك روسو وبالتحديد كتابه " نظرية العقد الاجتماعي" 22، وذلك بتهيئة بيئة ثقافية للثورة، وحتى بعد مرور أكثر من مئتي عام، فإن عالمنا العربي والإسلامي، لا يزال يقف في الكثير من مجتمعاته في مرحلة ما قبل الدولة وعند بوابات الحداثة التي تم ولوجها من جانب أوروبا، والانخراط فيها على نحو عميق، الأمر الذي يحتاج إلى تأكيد مسألتين أساسيتين: المسألة الأولى أن ما نطلق عليه مصطلح الدولة لا يزال هشًّا وضعيفاً ويعاني في الكثير من الأحيان من نكوص كبير، فضلاً استمرار التأثيرات السلبية للحقب الاستعمارية، ولم تتوفر بعد إرادة سياسية جماعية على مستوى الكيانية القائمة للاعتراف بقيم ومبادئ التسامح ونشرها وتأكيد احترامها والالتزام بها.

ولعلّ مسألة الدولة تطرح موضوع الشرعية، لاسيما علاقة الحاكم بالمحكوم، تلك التي تحتاج إلى مرجعية محددة وواضحة ما فوق دستورية أحياناً، مع إدراج مبادئها الأساسية في الدستور، وهذه المرجعية تجسّد القيم الإنسانية المشتركة. الشرعية Legitimacy التي تشكل موضوعاً رئيساً من مواضيع علم السياسة والنظام السياسي على وجه الخصوص، وذلك لارتباطه بمسألة كيفية وطريقة ممارسة السلطة السياسية في المجتمع، وبالتالي العلاقة بين الحكام والمحكومين .

وقد اختلف مضمون الشرعية وأدواتها وأهدافها، ففي فترة الحرب الباردة والصراع الآيديولوجي وفي ظل نظام القطبية الثنائية ساد مفهوم "الشرعية الثورية"، حتى وإنْ كان هذا الاستخدام له ما يبرره في مرحلة الإنتقال، لكن هذه "الشرعية الثورية" استمرّت لعقود من الزمان، وعلى نحو متعسّف، بحيث فقدت الشرعية المزعومة أي معنى وتحوّلت إلى  إستبداد وإستئثار ومصادرة للحقوق والحريات.

والمسألة الثانية أن الثقافة العامة والفردية لا تزال متدنّية، بل غائبة في الكثير من الأحيان عن المجتمعات على المستوى العام والفردي، الأمر الذي تتشبث فيه الكثير من الجماعات بالتعصّب والتطرف والنظرة السلبية إزاء الآخر.

ولعلّ مثل هذه الثقافة غير المتسامحة لا تزال سائدة مجتمعياً، بل تمثل الفضاء الثقافي العام في ظلّ عادات وتقاليد تكاد تكون راسخة، بحيث لا يتم التعامل على قدر المساواة القانونية والاجتماعية مع مكوّنات خاصة بالتنوّع الثقافي والتعدّدية القومية أو الدينية أو بالانتقاص منها بالتمييز وعدم المساواة، وإذا كان هذا الأمر ظاهرة عربية وإسلامية بامتياز، فإن الغرب ليس بريئاً منه، فالنظرة الإستئصالية الإلغائية تسود لديه أيضاً في ظل أجواء التطرّف والتعصّب، وفي إطار اعتقاد خاطئ، وذلك حين يتم اختزال الثقافة العربية الاسلامية إلى دين والى تعاليم محددة أو ممارسات لبعض من ينتمي إلى هذا الدين في حين، أنها هوية لحضارة ممتدّة ومتّصلة، بغضّ النظر عن القومية واللغة والجنس واللون والأصل الاجتماعي والاتجاه السياسي.

وعلينا الاعتراف أن الفرق واسع والمسافة شاسعة بيننا وبين الغرب وهو وإنْ كانت نظرته استعلائية وفوقية إزاء " الآخر" ولا سيّما شعوب وأمم العالم الثالث، الاّ أنه على صعيد الداخل والمواطنة وحقوق الإنسان، فإن لديه قوانين وأنظمة ومؤسسات تستند إلى قيم التسامح التي ترتقي بها إلى مصاف قواعد قانونية واجتماعية وسلوكية وأخلاقية، حتى وإن وجدت بعض الممارسات من بعض الاتجاهات المتعصّبة والمتطرّفة ذات النزعات العنصرية والفاشية، في حين أننا لا نزال حتى الآن بعيدين عن قيم التسامح ومبادئه 23.

واستناداً إلى بعض الاتجاهات المتطرفة في الغرب ذاته صاغ صموئيل هنتنغتون فكرته حول "صدام الحضارات" وذلك انطلاقاً من قراءة مخطوءة للعلاقات بين الدول والشعوب بقوله: إن غياب العدو الشيوعي لا يعني زوال التهديد بالنسبة للولايات المتحدة والغرب ولكي تحتفظ واشنطن بزعامة العالم وجب عليها البقاء على أهبة الاستعداد كقوة ضاربة للدفاع عن حضارة الغرب، ... لأن الصراع هو " صدام حضارات وليس نهاية التاريخ فحسب" والمشكلة فكرية ثقافية، مع الحضارات الأخرى، لا سيما مع الإسلام والحضارة العربية- الإسلامية، خصوصاً وإن الإسلام قادر على التعبئة من الغرب إلى الباكستان، حيث تدمغ الحضارة العربية- الإسلامية بقضها وقضيضها بالتطرف والظلامية والأصولية.

وقبل هنتنغتون كان فرانسيس فوكوياما قد توجه إلى الحديث عن نهاية التاريخ، End of History واضعاً الصراع على المستوى العالمي بين الأمم الما قبل تاريخية وبين العالم المتحضر " الما بعد تاريخي" عالم الصناعة والتقدم، حيث فازت الليبرالية على المستوى السياسي والاقتصادي، بانهيار أوروبا الشرقية وأنظمتها الاشتراكية. ويعتقد فوكوياما إن عالم ما بعد التاريخ هو الذي يحقق العدالة والإنسانية بفضل قوته الصناعية وتقدّمه، وما على الآخرين الاّ الانصياع والتسليم.24

للأسف الشديد لا يزال المسلمون، لاسيما المؤدلجون أو الإسلامويون أو المتأسملون غير متصالحين مع تاريخهم الايجابي منه أو السلبي، فهو يريدونه كما يروق لهم اليوم، ولا سيّما بعض رجال الدين، بما يعني توظيفه لمصالحهم الآنية، التي في الغالب هي مصالح اقصائية وتسلّطية، وخصوصاً عدم الاعتراف بالآخر، فما هو إيجابي من فقه التسامح وقيم الإسلام السمحاء يتم أحياناً غضّ النظر عنها، وهو الجانب المشرّف من التاريخ الإسلامي المنسجم مع روح القرآن والسنّة النبوية، لا سيّما القيم ذات البعد الشمولي الكوني، متجاوزة على زمانها ومكانها 25.

ويتم التشبّث أحياناً بعكسها، بما عفا عليه الزمن، بحجج واهية لا تخدم التعايش والتعاون والمشترك الإنساني بين بني البشر وإنْ كان بعضها ضمن سياق تاريخي فإن عهده قد انتهى، وهو ما تحاول بعض الاتجاهات في الغرب نعت الإسلام وإتهامه كلّه بالتعصّب والغلو، بسبب تفسيرات خاطئة وبعيدة عن روح التسامح.

إن التصالح مع التاريخ سيقود إلى تصالح مع الحاضر، سواءً جغرافياً أو دينياً أو قيمياً، وهو يقتضي المصالحة مع النفس، ومع الآخر الذي نعيش وإيّاه في وطن واحد أو على كوكب واحد، سواءً كان مسلماً أو مسيحياً أو يهودياً أو غير ذلك، مؤمناً أو غير مؤمن، المهم أن يكون إنساناً يستطيع أن يعيش معنا في إطار مجتمع واحد أو عالم واحد، بغض النظر عن الدين أو اللون أو الجنس أو العرق أو اللغة أو الأصل الاجتماعي أو الاتجاه السياسي، كما تذهب إلى ذلك الشرعة الدولية لحقوق الانسان وعدد من الاتفاقيات والمعاهدات الدولية، باعتبارها مرجعيات للتسامح.

التصالح مع النفس يقتضي الحوار مع الآخر والتواصل معه من خلال التبادل والتفاعل الإنساني، على أساس المشترك، الجامع، الموحد، المختلف، والمؤتلف في الآن ذاته.

 

حقيقة التسامح

مقاربة للسؤال المركزي الذي ظلّ يدور في كتاب الدكتورة فاتن الخفاجي: إذا كانت الحاجة للتسامح ضرورية، فالسؤال المنطقي الذي يتفرّع عن السؤال الأول هو: كيف السبيل لبناء وترسيخ ثقافة التسامح في ظل ما آلت إليه أوضاعنا من عنف وإرهاب، لا سيما بانتشار التعصّب والتطرّف، بعد احتلال العراق في العام 2003؟ ولعلّ الأمر يتطلب توفّر ظروفاً موضوعية وهذه تحتاج إلى :

أولاً- بيئة سلمية ولا عنفية مناسبة ينمو فيها ويترعرع ويزدهر الاعتراف بالآخر وحقه في العيش بسلام ودون خوف وضمان حقوقه كاملة على أساس المساواة والمشترك الإنساني. وهذه البيئة تتطلب رافعات أساسية للتسامح أهمها:

1-  وجود قوانين وأنظمة (تشريعية) تعتمد مبادئ المواطنة الكاملة والمساواة التامة والحق في الاختلاف وإقرار التنوّع والتعددية، وضمان العدل وعدم التحيّز في التشريعات وفي إنفاذ القوانين والإجراءات القضائية والإدراية، ذلك أن عدم وجود قوانين وأنظمة راعية للتسامح ورادعة لمن يخالف قواعده، سواء إزاء الأديان أو القوميات أو الثقافات سيؤدي إلى تفقيس بيض اللاتسامح، الأمر الذي سيقود إلى التوتر والعنف والارهاب، خصوصاً بوضع إلغاء وإقصاء الآخر هدفاً.

2- قضاء مستقل ونزيه لتطبيق القانون وحماية الحقوق والحريات. ولعلّ البيئة القضائية السلمية ستلعب دوراً إيجابياً في الإقرار بحق الاختلاف والمساواة وإحقاق الحقوق.

3- مناهج تربوية وتعليمية تقوم على المساواة وعدم التمييز، باعتبار التعليم والتربية من أنجع الوسائل لمنع اللاتسامح، ولعل الخطوة الأولى على هذه الطريق هي تعليم الناس حقوقهم وحرياتهم التي يتشاركون فيها وتأكيد عزمهم على حمايتها.26

4-  إن غياب مبادئ التسامح عن المناهج والأساليب التربوية والتعليمية، خصوصاً باستمرار النظرة القاصرة إلى الآخر والمشفوعة بتبرير الممارسات التمييزية والاستعلائية، تخلق ردود فعل حادة وتقود إلى تشجيع عوامل الاحتراب وخصوصاً في ظل الشعور بالاستلاب، لا سيما من جانب التكوينات المستضعفة والمهضومة الحقوق.

5-  بيئة إعلامية تتيح حرّية التعبير ونشر قيم التسامح والتعايش وعدم التمييز. فالاعلام سلاح ذو حدّين، فبإمكانه أن يكون عاملاً مساعداً في نشر قيم التسامح ومبادئه أو الترويج بضدها، بما يغذي عوامل الكراهية والأحقاد وتبرير العنف والارهاب.

6-  بيئة اجتماعية ومجتمعية من خلال منظمات مستقلة للمجتمع المدني تسهم في تعزيز التعايش والمشترك الإنساني وتقوم برصد ورقابة الممارسات غير المتسامحة حكومياً ومجتمعياً، وتكون شريكاً برسم السياسات العامة.

وثانياً- فهم مشترك لفكرة التسامح، وهذا يقوم على تنزيه مبادئ التسامح عن الفكرة الساذجة حول تعارضها مع مبادئ "العدالة"، وتصويرها وكأنها تعني غضّ الطرف عن الإرتكابات والإنتهاكات لحقوق الإنسان، مثل ممارسة التعذيب أو الإغتصاب أو القتل الجماعي، أو غير ذلك من الجرائم التي لا تسقط بالتقادم، سواءً ما يتعلق بالنظام السابق أو الارتكابات اللاحقة ما بعد الاحتلال. ولا بدّ من توضيح الفارق المتناقض بين مبادئ التسامح وفكرة المساومة أو التنازل أو التساهل، ولا يجوز بأي حال التذرّع بالتسامح لتبرير المساس بقيم حقوق الإنسان وحرّياته الأساسية.

كما من الضروري تفريق فكرة التسامح عن الفكرة الدارجة حول "العفو" أو "تناسي" أو "نسيان" ما حدث من ارتكابات أو عدم المساءلة، فذلك لا يجمعه جامع مع فكرة التسامح التي نقصدها والتي حاولنا عرضها تساوقاً مع مرحلة إعلان التسامح، ولعل جوهر مبادئ التسامح ومضمونه يعني حق كل فرد أو مجموعة التمسّك بحقوقها وعدم التنازل عنها، وهذه الفكرة هي نقيض فكرة وجود طرف قوي وآخر ضعيف، وأن الأول أو الثاني "يتسامح" مع الآخر، انطلاقاً من فكرة مثالية، بل أن العكس هو الصحيح، لا سيّما التمسّك بالحقوق وبالعيش المشترك، وأظنّ أن مثل هذا الفهم النيتشوي هو الذي يدعو بعض المثقفين إلى معارضة فكرة التسامح والنظر إليها بازدراء واستخفاف.

لهذه الأسباب تكتسب فكرة التسامح أهميتها وراهنيتها في العراق بشكل خاص حيث يسود العنف والارهاب، وتتصارع فيه قوى يريد كل منها فرض هيمنته على الآخر، كما تكتسب أهميتها وراهنيتها، لأن مجتمعنا العراقي عانى من اللاتسامح على صعيد علاقاتها الداخلية والدولية، من خلال الاستبداد والعدوان والحصار والاحتلال والطائفية والارهاب والتهميش، ولا يزال يعاني على مستوى الداخل من العنف والارهاب والتعصّب والتطرف والغلو.

كما أن فكرة التسامح ضرورية لترميم الحياة السياسية بعيداً عن الكيدية والانتقامية وردّ الفعل والعنف والثأر إزاء الآخر، وهو الأمر الذي يطرح موضوع المصالحة الوطنية الحقيقية بكل أبعادها على أساس مبادئ التسامح واستناداً إلى العدالة الانتقالية وتساوقاً مع قيم حقوق الإنسان، وذلك بتحديد المسؤوليات وكشف الحقيقة كاملة وجبر الضرر وتعويض الضحايا، والمهم إصلاح النظام القانوني والقضائي والأمني، وتوفير بيئة مشجّعة على ذلك.

وتحتاج المسألة إلى بثّ ثقافة التسامح وتعميمها، خصوصاً وأن مجتمعنا عانى من العنف واللاتسامح في الماضي والحاضر، وهذا ترك آثاره السلبية وجروحه العميقة، ولعل الهدف الأسمى هو تجاوز كل ذلك لآفاق مستقبلية، أساسها حرية الإنسان وسعادته، فالإنسان هو الأصل على حد تعبير الفيلسوف الإغريقي بروتوغوراس.

كما أن مجتمعنا بحاجة إلى التخلص من التركة الثقيلة لنزاعات داخلية حادة بين قوى وتيارات وطوائف وأديان، لا تزال تفعل فعلها من خلال أمراء اللاتسامح، الذين يعيشون ويتغذّون على أجوائه.

ثالثاً- الاعتراف بحقوق الغير ومعاناة الفئات المستضعفة، وهذا يعني إنصاف الأفراد والجماعات التي تعرّضت حقوقها للانتهاك، وذلك بعيداً عن الاعتبارات المصلحية والنفعية السياسية والشخصية، من خلال الإقرار بمعاناة فئات وشعوب وأمم وأديان وطوائف وجماعات مستضعفة، تعرّضت بسبب اللاتسامح وهضم الحقوق إلى مآسي كبيرة، لحقت بها جرّاء حروب وأعمال إبادة وقمع واستباحات باسم القومية، أحياناً أو باسم الدين، أو باسم الطائفة أو المذهب أو مصالح الكادحين أو غير ذلك من المزاعم الآيديولوجية، وإذا كان ذلك على المستوى الداخلي، فإن معاناة العراق من الحصار والاستباحات الخارجية والاحتلال على المستوى الخارجي، كانت سبباً في الكثير من الويلات والمآسي التي حلّت بالعراق وشعبه والتي أدّت إلى تعطيل التنمية والتقدم .

وإذا كنت قد أشرت إلى غياب أو ضعف ثقافة التسامح لدى الجميع، فإن هذا الضعف استمر، حيث بقيت الاستجابة الرسمية وغير الرسمية منكمشة وحذرة، وإن كان هناك بعض المبادرات المحدودة، حيث صدرت بضعة كتب ومطبوعات، وتأسست منظمات وشبكات لهذا الغرض، لكنها لا تزال محصورة جداً في إطار بعض النخب التنويرية وتأثيرها الاجتماعي والسياسي محدوداً.27

ولا تزال تفصلنا هوّة سحيقة عن قيم التسامح الإنساني التي تكرّست في مجتمعات سبقتنا على هذا الصعيد، الأمر الذي يحتاج إلى مراجعات ونقد ذاتي، لا سيّما من جانب النخب الفكرية والسياسية الحاكمة وغير الحاكمة، لمقاربة فكرة التسامح والتعاطي معها ايجابياً، على الصعيد الاخلاقي والاجتماعي، لا سيّما بعد اقرارها قانونياً ودستورياً.

 

فرضيات التسامح

لابدّ من الاقرار بأن الوضع الذي نعيشه في العالم العربي والإسلامي، يعتبر من أكثر الأوضاع قسوة على الصعيد العالمي ازاء قضايا التسامح واحترام حقوق الانسان. وقد كشفت تقارير التنمية البشرية التي صدرت عن البرنامج الانمائي التابع للامم المتحدة للعقد الماضي، الهوّة السحيقة للعالم العربي ويمكن ان نضيف للعالم الإسلامي فيما يتعلق بشحّ الحرّيات المدنية والسياسية والقهر السياسي والنقص الفادح في المعرفة والتخلف المريع في ميدان العلوم والتكنولوجيا، والموقف من قضايا تحرر المرأة ومعالجة "مسألة الأقليات – التنوّع الثقافي" وحقوق الانسان بشكل عام.

ولعلّ هذه الاوضاع كانت سبباً رئيسياً في تفشي ظاهرة اللاتسامح، خصوصاً الأسباب الداخلية الفكرية والثقافية وانعكاساتها، اقتصادياً واجتماعياً، اضافة إلى العوامل الخارجية التي ساهمت في عزل العرب والمسلمين وتهميش دورهم وعرقلة مساهمتهم في الحصول على العلم والتكنولوجيا، ناهيكم عن الحروب والعدوان المتكرر والحصار الدولي واحتلال الأراضي وغيرها، تلك التي لعبت دورا تبديدياً لإمكانات وأموال العرب والمسلمين وانفاقها على "العسكرة" والتسلّح، خصوصاً في ظل استمرار التنكر لحق الشعب العربي الفلسطيني في تقرير المصير وتمكينه من بناء دولته الوطنية المستقلة، وتمادي "إسرائيل" في عدوانها المتكرر على الامة العربية، مما أدّى إلى تعطيل التنمية وتأخير الاصلاح وتعويق الديمقراطية، وعرقلة السير نحو الحداثة.

وقد استغلت بعض الحكومات العربية والإسلامية وتيارات شمولية أخرى حتى وإنْ كانت نقيضها أو من معارضتها، حيثيات الصراع العربي-الاسرائيلي لتبرّر مصادرة الحرّيات وسياسة اللاتسامح وعدم الاعتراف بالتعددية وبحق الاختلاف والمعارضة، وتعطيل السير في طريق التنمية والديمقراطية.

ان عدم الاعتراف بالآخر والسعي لاقصائه أو إلغائه أو تهميشه على المستوى الداخلي (أي علاقة الحكومات بالشعوب) أو على المستوى الدولي (محاولة فرض الاستتباع وإملاء الإرادة والهيمنة) قادت إلى ادّعاء الأفضليات وامتلاك الحقيقة، واعتبار الآخر، المختلف، الخصم، العدو، محرّماً أو مؤثماً أو مجَّرماً. وهكذا فان المختلف في نظر التيارات الاستئصالية الداخلية والدولية، إنما يتطلب نزع مقاومته ورفض الاعتراف به على قدم المساواة، سواء كان فرداً أو تياراً أو حزباً أو أمة أو شعباً أو دولة.

التحدّي الأساسي الذي يواجه العالم العربي هو تقديره السليم لحاجاته الملحّة ومتطلباته الأساسية بشأن التغيير والتقدّم عبر تطور وتراكم ووسطية واعتدال وبحث عن المشترك الإنساني واعتراف بالآخر والتسامح في التعامل معه، وهو ما نطلبه لأنفسنا من الآخر أيضاً.

وعلى العكس من ذلك فان الاستكانة لما هو سائد ورفض أي تغيير يقود إلى الاستغراق في التشدّد والتعصّب والغلو، ولعلّ هذا يؤدّي إلى تفاقم أوضاعنا سوءًا ويزيد من معاناة مجتمعاتنا ويعمّق من احتقاناتها السياسية والاجتماعية والدينية والمذهبية، وهو ما رافق وما أعقب حركة التغيير التي شهدها العالم العربي في العام 2011 وما بعدها، سواءً التي اتّخذت الطابع السلمي أو التي شهدت أعمالاً عنفية واصطدامات مسلحة، وإن اختلفت حدّتها في بعض البلدان عن غيرها.

ولعلّ "الموجة الجديدة " للتغيير وإن أحدثت ارتياحاً بشكل عام في أوساط واسعة مختلفة ومتنوّعة، خصوصاً تغيير الأنظمة الحاكمة، ولا سيما ما صاحب نبرتها الأولى من دعوات للتسامح، وشعارات للحرّية والكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية، لكنها استبطنت قلقاً أخذ يرتفع ليتحوّل إلى مخاوف حقيقية إزاء التوجّهات اللامتسامحة، وخصوصاً باستهداف المسيحيين والتنوّع الثقافي بشكل عام، وحتى وإن كان جزءًا من ظاهرة عرضية لحالة التغيير في الوقت نفسه، لكنه يثير عوامل عدم الاستقرار فضلاً عن الكمون والتحفّز التاريخي إزاء التنوّع الثقافي في المنطقة، لا سيما باتساع ظواهر العنف واللاتسامح.

المشكلة لا تكمن في الماضي، بل إنها تواجه الحاضر، فالعديد من الإسلاميين أو "الإسلامويين" يعيشون في التاريخ ولا يريدون أن يخرجوا من نفقه المظلم أحياناً، فتراهم يفتشون وينقّبون في "المكتبات" عن تراث أصيل ونقي وتاريخ نظيف وأنيق، بل دون أخطاء أو ممارسات سلبية. إنهم بهذا المعنى يريدون تزيين الزمن لحساب الحاضر، متّخذين من الأمثلة والنماذج المحمدية الراشدية دليلاً على ذلك حتى وإن كان في غير سياقه التاريخي أحياناً، ليقيسون على الحاضر، في نظرة مثالية وكأن تاريخ 1400 سنة لا علاقة له بالإسلام وبالممارسات الخاطئة باسمه طيلة القرون الماضية، ناهيكم عن حاضر أقل ما يقال عنه أنه لا يتّسم بالتسامح ويحفل بالانتهاكات الأكثر جسامة والأكبر فداحة إزاء حقوق الانسان.

واذا كان البحث والتقصي في مكتباتنا يتطلب المواءمة مع كل جديد، وخصوصاً اذا كان لخير الانسان وينسجم مع روح العصر وسمته الأساسية، بل مع سننه وقوانينه الموضوعية، فإن المشترك الإنساني سيكون القاسم المشترك الأعظم للحضارات والثقافات والأديان والأمم والشعوب المختلفة.

لا يمكن ولوج تيار الحداثة ونحن مكبلّون بسلاسل القديم ولغة "التمجيد" التجريدية، وبقدر التمسك بالجوانب الإيجابية من التراث، فلا بدّ من النقد ونبذ ما عفى عليه الزمن وتجاوزته الحياة، ذلك أن استلهام مثل التسامح يتطلّب الاعتراف بالآخر المختلف وبالحق في الاختلاف، كما يتطلب قسطاً وافراً للمرأة ومساواتها مع الرجل واعترافاً حقيقياً بدور "الأقليات" وحقوقها العادلة والمشروعة (المقصود التنوّع الثقافي)، وإقرار مبدأ المواطنة التامة والمتساوية لجميع التكوينات واحترام مبادئ المساواة وفقاً للقواعد الدستورية العصرية وبما ينسجم مع اللوائح والمعايير الدولية لحقوق الإنسان والإقرار بالخصوصية الثقافية والقومية والدينية.

إن التقدم الحقيقي يتطلب بعد احترام حقوق الانسان كمسألة مركزية، الاستفادة من عالم المعرفة واستخدام كل ما وصلت إليه الثورة العلمية – التقنية خصوصاً ثورة الاتصالات والمواصلات على أساس خير الإنسان وحريته وسعادته.

وأعتقد أن واحدة من مشكلات العالم العربي والإسلامي تتصل بالتسامح وبالأجواء التي يمكن أن يشيعها، ذلك أن ولوج هذا الطريق يتطلب إصلاحاً حقيقياً على المستوى الدستوري والقانوني، وكذلك ظروف مناسبة اجتماعية وسياسية وثقافية، واحداث تنمية عقلانية ومستديمة. وتلكم مهمات راهنة ومستقبلية ولا تتعلق بتفسير التاريخ أو تأويله وجعل اسقاطاته مبرراً للحاضر.

إن خطاب التنوير النهضوي يتطلب اعترافاً بالآخر ودوره ونقداً له في الوقت نفسه (بما فيه للغرب، خصوصاً إزاء سياساته التمييزية بشأن قضايا العرب والمسلمين وبشكل خاص القضية الفلسطينية ) ونقداً ذاتياً أيضاً للنفس، للآنا، من خلال الاعتراف بالآخر على قدم المساواة وحقه في التعبير وحريته ودوره في المشاركة وفق منهج عقلاني يستجيب لمنطق التغيير والتطور .

إن الوصول إلى ذلك يتطلب فضاءات وأجواء صحية ومناخات إيجابية وبيئة سليمة تسمح لبذر فكرة التسامح. ويتطلّب ذلك تمهيد الظروف والمستلزمات الضرورية. ولا شك أن الحاجة إلى التسامح بقدر واقعيتها وراهنيتها، فإنها تستند في الوقت نفسه إلى فرضيات بحاجة إلى برهان يقود إلى إحداث تراكم وتدرّج قد يكون طويل الآمد، لكنه سيؤدي الى نقلة جوهرية في أوضاعنا السياسية والقانونية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والفكرية وغيرها.

الفرضية الأولى: نسبيّة المعرفة وهذه تتعلق بالاقرار بفكرة الخطأ والصواب، أي احتمال الخطأ والصواب للطرفين، وقد يكون كلاهما خطأ، فهناك رأي ثالث قد يكون هو الصواب. ولهذا فإن قبول مبدأ التسامح هو الإقرار، بمبدأ نسبية المعرفة الذي أخذ به سقراط وطوّره فولتير، ومثلما هذا الأمر ذهب إليه الإمام الشافعي والإمام جعفر الصادق والإمام أبو حنيفة وعدد من الفقهاء المسلمين، ومثل هذا الإقرار، يقود إلى تهيئة تربة خصبة تساعد على قبول مبادئ التسامح وفي ذلك خطوة مهمة وأساسية، بل لا غنى عنها، خصوصاً وأنّ على المسلمين أن يستذكروا دوماً ما قاله الفاروق عمر (رض) : رحم الله امرءٍ أهدى إليّ عيوبي!، ولعلّ في ذلك اعترافاً بالخطأ المحتمل، وكما قالت العرب، فالاعتراف بالخطأ فضيلة، فما بالك اذا اعترف كل منّا بخطئه، فسيكون ذلك نوعاً من "الاعتذار" وخطوة محورية للتسامح.

إن الإقرار بنسبية المعرفة واحتمالات الخطأ والصواب يعني قبول الجدل والحوار وصولاً إلى العقلانية التي ستكون مسألة ملحّة وضرورية لبلوغ غاية التسامح، أي أن النقاش والحوار لتصحيح الأخطاء بغية الوصول إلى ما هو صحيح، أو ما هو حقيقي، إنما ينصب البحث فيه حول امكانية التعايش والتسامح، وذلك دون أن يعني ذلك عدم تحديد الحقوق . ولكن المهم هو الاعتراف بالحق من خلال التمسّك به والدفاع عنه.

الفرضية الثانية: فكرة عدم العصمة من الخطأ، خصوصاً إذا ما افترضنا احتمالات الخطأ والصواب فحتى العلماء و المفكرين هم كذلك يخطئون، بل يكونون قد أخطأوا أكثر من مرّة في القضايا العلمية والعملية وفي التجارب الحقلية أو في مستوى الأخلاق أيضاً . يقول سقراط : كن حكيماً واعرف نفسك، اعرف أنك لا تعرف!

إن الإقرار بمبدأ عدم العصمة من الخطأ، يجعل بامكاننا الاعتراف بأخطائنا، وبالتالي اذا اعترف كل واحد منا بأخطائه، يسهل علينا الوصول إلى الحلول الوسط، عبر محطة التسامح، وفقاً لقاعدة مرجعية للحقوق والحريات.

الفرضية الثالثة: البحث عن الحقيقة والاعتراف بمقاربتها، عن طريق النقاش والحوار، لإنضاج وتطوير الأفكار وصولاً إليها، ولعلّ أكبر نقاش تأريخي كان بين انشتاين و بوهر أكبر عالمي فيزياء في العالم وبين ماركس وأنجلز أكبر مفكّري الفلسفة الاشتراكية، حيث شهد مناظرات وحوارات، من شأنها جعل الإرادة والأفكار والاستنتاجات أكثر وضوحاً. إن عدم ادّعاء امتلاك الحقيقة والنقاش والجدل حول سبل الوصول إليها يقود إلى التسامح، بل أنها خطوة لا يمكن تجاهلها وصولاً إلى الحقيقة.

الفرضية الرابعة: قبول التعدّدية، ذلك أن التسامح يعني الاحترام للتنوّع الثقافي ولأشكال التعبير عن الصفات الانسانية، ولهذا يفترض التسامح المعرفة بالآخر والانفتاح عليه، والاتصال به، والحرية في التعامل والتعايش معه. وهذا يعني قبول التعددية والتنوّع.

الفرضية الخامسة: قبول الاختلاف، حيث يفترض التسامح الاقرار بالاختلاف بين البشر بطباعهم ومظهرهم وأوضاعهم ولغاتهم وسلوكهم وقيمهم، ولهذا يقتضي قبول الحق في العيش بسلام معهم والاعتراف بحقوقهم.

الفرضية السادسة: قبول حقوق الآخرين، ذلك إن التسامح يفترض اتخاذ موقف ايجابي من الاخرين، بل من حقوقهم، خصوصاً التمتع بحقوق الإنسان وحرّياته الأساسية، وهذا لا يعني التنازل على حساب " الأنا " أو " النحن" المساومة عليها، بل هو اعتراف بحق "الآخر"، الـ" هم"!.

الفرضية السابعة: ضمان العدل، إن التسامح على مستوى الدولة يعني ضمان العدل وعدم التمييز في التشريع وفي إنفاذ القانون، والاجراءات القضائية والادارية، واتاحة الفرص للجميع دون تهميش أو استصغار.

الفرضية الثامنة: إقرار مبادئ المساواة إن التسامح ضروري على صعيد الفرد والأسرة والمجتمع، وإن الأفراد متساوون في الكرامة والحقوق، وعليهم أن يساعدوا بعضهم بعضاً من خلال التعايش والاعتراف بحق الاختلاف والمساواة .

الفرضية التاسعة: إقرار التسامح من خلال التعليم إن التعليم هو الوسيلة الناجعة لمنع اللاتسامح، خصوصاً تعليم الناس والمجتمع والافراد الحقوق والحريات التي يتشاركون فيها. ولعل المدرسة والتربية من الطفولة يمكن ان تساهم في خلق بيئة مستعدة لقبول التسامح والاختلاف. ويمكن للكنيسة والجامع والمؤسسات الدينية الأخرى أن تسهم في اصلاح الاوضاع ووضع مستلزمات التطور الطويل والبعيد المدى للاقرار بالتسامح. 28

إن مبدأ التسامح يتخذ منابع متعددة دينية وسياسية وقانونية وعرقية وأخلاقية واجتماعية وفكرية وفلسفية، لكنه يواجه عقبات اللاتسامح بسبب التعصّب الذي يتخذ أحياناً شكل حروب أو عدوان أو أعمال إبادة أو انتقام أو تحريم آراء أو تجريم وجهات نظر أو تكفير فكر، بل إنه يمتد إلى الحياة الشخصية ليقف حائلاً أمام الشريك والزوج و الأهل!

هل أعدنا النظر؟ وهل أحكمنا العقل؟ وإذا كان دعاة التسامح قليلين أو هكذا توحي عوامل الكبح، لانه الطريق الأصعب، خصوصاً في ظل سيادة نمط الواحدية والاطلاقية وادعاء امتلاك الحقيقة، لكن الامر يتطلب أيضاً رياضة نفسية وروحية، كمعيار أخلاقي، مثلما يتطلب قوانين ومؤسسات ضامنة وراعية.

ان استهلام النماذج المتقدمة على المستوى الروحي والاخلاقي، وكذلك الضرورات العملية تجعل فريق اللاتسامح ينحسر تدريجياً، خصوصاً من خلال التطور والتراكم وهكذا يمكننا أن نردد: "فلا تستوحشوا طريق الحق لقلّة سالكيه" كما يقول الإمام علي بن أبي طالب.

وإذا كانت الدكتورة فاتن الخفاجي قد ناقشت مقوّمات التسامح ومعوّقاته فإن تسليطها الضوء على فكر الأحزاب العراقية أعطى للبحث قيمة إضافية، خصوصاً بمناقشتها للجوانب العملية وقد توقفت عند بعض النماذج المهمة، لا سيما الحزب الوطني الديمقراطي وحزب الدعوة الإسلامي والحزب الشيوعي العراقي وحزب الاتحاد الوطني الكردستاني، باعتبارها تمثل أربعة نماذج مهمة: الأول- حزب ديمقراطي- ليبرالي والثاني حزب شمولي إسلامي، والثالث حزب ماركسي علماني شمولي والرابع حزب قومي كردي شمولي، وإن كان من المفترض تاريخياً التوقف عند الحزب الديمقراطي الكردستاني (الكردي سابقاً) المعروف باسم "البارتي" الذي تأسس العام 1946، في حين تأسس حزب الاتحاد الوطني الكردستاني العام 1975 ولكن ذلك مفيد لمعرفة جزء من تيار كردي قومي خرج من معطف الحزب الأول، ولكن باختلافات تاريخية منذ العام 1964.

وكان من المفترض التوقف عند أحد الأحزاب العربية العراقية، مثل حزب البعث العربي الإشتراكي الذي حكم العراق نحو 35 عاماً وترك بصمات مهمة في تاريخه، لا سيما سياساته غير المتسامحة، والتي اتسمت بالاقصاء والإلغاء والتهميش، والتي شملت جميع الفئات السياسية، إضافة إلى ما ناله الشعب الكردي من قمع وحروب وتهجير، خصوصاً خلال ما عرف بحملة الأنفال العام 1988، وكذلك ما تعرّضت له فئة من المواطنين العراقيين من تهجير إلى إيران، حيث بلغ عددهم نحو نصف مليون إنسان بحجة التبعية الإيرانية المزعومة، وكل ذلك له علاقة بسياسة اللاتسامح والكراهية والانتقام والكيدية التي سادت، خلال الحرب العراقية – الإيرانية 1980-1988 وما بعدها، في ظل سياسات الحصار الدولي الجائر 1991-2003 التي أوصلت إلى احتلال العراق، حين أصبح اللاتسامح كأنه المشترك الأعظم بين القوى والجماعات السياسية.

كان يمكن الاكتفاء بالحزب الوطني الديمقراطي نموذجا للأحزاب الديمقراطية – الليبرالية وهو نموذج أصيل تكوّن في ظرف تاريخي وطبيعي، وجاء بعد تطور الليبرالية العراقية وأطروحاتها المتقدمة والمتساوقة مع الليبراليات العربية في مصر وسوريا ولبنان وغيرها التي رضعت من الفكر الليبرالي التنويري العالمي الذي ازدهر عشية وبعد الثورة الفرنسية29 وصولاً إلى القرن العشرين، وهذه غير الليبرالية الجديدة وصقورها في الغرب وذيولها، التي كانت تبرر فرض الحصار على العراق واحتلاله لاحقاً.

الليبرالية لا تعني كل من لا علاقة له بالدين، بقدر إعلائها من شأن الفرد والفردانية واعتبار الحرية قيمة سامية عليا، لا يمكن الحديث عن أي تقدم دونها، وهذه تقتضي حرية الأفراد وحرية الأوطان وتحررها، مثلما تعني إعلاء شأن السوق وحرية التجارة، التي عملت تحت شعارات المفكر الاقتصادي البريطاني آدم سميث " دعه يعمل دعه يمر" وتلك كانت توجهات القيادات الديمقراطية والليبرالية العراقية تاريخياً، ابتداء من محمد جعفر أبو التمن وكامل الجادرجي وحسين جميل ومحمد حديد وهديب الحاج حمود وخدوري خدوري وسعد صالح وغيرهم، لا سيما في الموقف من الاستعمار والاحتلال والتخلص من الاتفاقيات والمعاهدات الدولية غير المكتافئة إضافة إلى موقفهم من الحريات الديمقراطية والفردية، بما فيها حرية النشاط الاقتصادي مع مراعاة بلداننا ككيانات ناشئة تحتاج إلى دعم الدولة، وهو ما ينطبق على الديمقراطيين والليبراليين بشكل عام.

وقد شاعت في السنوات الأخيرة بعض الأخطاء المتعلقة بتسمية التيارات، فهناك من يعتبر ليبرالياً أو ديمقراطياً أو حتى جزء من التيار الديمقراطي من لا علاقة له بالتوجهات الدينية دون أن يتمسك بأسس الليبرالية والديمقراطية كما هو مبيّن في أعلاه، لا سيّما عندما راجت الفكرة الديمقراطية وتداولية السلطة سلمياً وحكم القانون وحقوق الانسان، وذلك بعد فشل التجارب الاشتراكية والقومية سواءً على الصعيد العالمي أو في منطقتنا.

ويعود الأمر في تبني الشعارات الديمقراطية دون مضمونها أحياناً ودون سياقها التاريخي، إلى أنها أصبحت جاذبةً، كجزء من التطور الطبيعي في قسم منه، وفي جزئه الآخر ركوب موجة الديمقراطية، حتى وإن كان الفكر شمولياً بل وتسلطياً، وهو ما درجت عليه أوساطاً كثيرة أطلقت على نفسها اسم الديمقراطية أو التيار الديمقراطي أو زيّنت منظماتها وأحزابها باسم الديمقراطية سواءً كانت يسارية أو إسلامية أو قومية، خصوصاً وهي في أحزابها وبين قياداتها وأعضائها، ناهيكم عن علاقاتها مع بعضها، ليست ديمقراطية، ولا يجمعها جامع مع الديمقراطية.

وسيكون مناسباً تقديم حساب وإجراء مراجعة ونقد ذاتي حقيقي على صعيد الفكر والممارسة، بهدف تهيئة أجواء انتقالية لقبول الديمقراطية داخلياً وفي كل حزب، بما فيها فتح الباب للمعارضة الداخلية لكي تمارس حقها في التعبير دون هيمنة أو استتباع فضلاً عن العلاقة مع الآخر، المختلف، والمغاير.

ويشكل محتوى التيار الديمقراطي وجوهره الموقف من الدولة وتطورها ومؤسساتها وعلاقتها بالدين وقضية العدالة الاجتماعية، لا سيّما من خلال الإيمان بآلية التحوّل الديمقراطي والانتقال السلمي للسلطة وبسيادة القانون واستقلال القضاء وفصل السلطات وبمبادئ المساواة والمواطنة الكاملة، وتلكم هي الأساس في بناء نظام ديمقراطي يقوم على أساس المواطنة خارج نطاق الدين والقومية والطبقة، طبقاً لمبادئ المساواة وعدم التمييز.

إن هذه الملاحظات النقدية السريعة هدفها التقييم الإيجابي لما ورد في الكتاب من أطروحات واستنتاجات، تستحق القراءة من زوايا مختلفة، لأنها تشكل أساساً صالحاً لبحث موضوع التسامح في أركانه المتعددة والمختلفة، ولفتح نقاش أكاديمي وسياسي ومجتمعي، يتعلق بمواقف الجميع وعلاقتهم مع الآخر!، وذلك لكي تصبح قضية التسامح مسألة شعبية لا تعني النخب الفكرية والسياسية والحقوقية وحدها، بل تعني عموم الناس، وعندها يمكن الانتقال بالفكرة من طور التنظير إلى الواقع، ومن بعدها الاخلاقي والسياسي، إلى بعدها الثقافي والاجتماعي، وهكذا لكي تصبح جزء من منظومة حقوقية قانونية واجبة الاحترام، على الصعيد الفردي والمجتمعي، وبالطبع الحكومي.

 

مقدمة بقلم: الاستاذ الدكتور عبد الحسين شعبان

........................

1 - أكاديمي ومفكر، له ما يزيد عن 50 كتاباً ومؤلفاً في قضايا الفكر والقانون والسياسة والإسلام والثقافة والمجتمع

المدني، استاذ القانون الدولي وفلسفة اللاعنف- خبير دولي في ميدان حقوق الإنسان.

2 - نشير إلى بعض الدراسات التي صدرت بخصوص التسامح خلال السنوات الأخيرة فقط وهو ما أوردناه في محاضرة

لنا في مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 28/2/2013 وبمشاركة د. علي أومليل ود. رضوان السيد:

D. A. Carson, The Intolerance of Tolerance (Feb 8, 2013).

Matthew McKay, Jeffrey C. Wood and Jeffrey Brantley, The Dialectical Behavior Therapy Skills Workbook: Practical DBT Exercises for Learning Mindfulness, Interpersonal... (Jul 1, 2007).

Jordan Postlewait and Walker Gable , Tolerance (Dec 3, 2009).

Bob Hostetler and Josh D. McDowell, The New Tolerance: How a cultural movement threatens to destroy you, your faith, and your children , (Sep 1, 1998).

Lynne Truss, Eats, Shoots & Leaves: The Zero Tolerance Approach to Punctuation (Apr 11, 2006).

James D. Meadows, Tolerance Stack-Up Analysis (Jan 1, 2010)

Chris Mars, Tolerance: The Art of Chris Mars  (May 1, 2008)

Brad Stetson and Joseph G. Conti , The Truth About Tolerance: Pluralism, Diversity and the Culture Wars, (Mar 10, 2005)

Wendy Brown, Regulating Aversion: Tolerance in the Age of Identity and Empire (Jan 7, 2008)

Benedict XVI, Truth and Tolerance: Christian Belief and World Religions (Oct 1, 2004)

Scott Lobdell, John Francis Moore, Larry Hama and James Robinson, X-Men: Operation Zero Tolerance (Aug 15, 2012)

3- Shaban, Hussain- Tolerence in Arab Muslim Thought, Culture and State, Translated by:

Ted, Thronton, Aras Publishers, Erbil, 2012.

4- صدرت رسالة جون لوك الموسومة " رسالة في التسامح" في العام 1689 وذلك تعبيراً عن الثقافة البديلة للتعصب

والتطرّف الديني التي كانت سائدة ودفعت أوروبا أثماناً باهظة بسببها من النزاعات والحروب وسياسات الإقصاء.

انظر: لوك، جون- رسالة في التسامح، ترجمة عبد الرحمن بدوي، طبعة جديدة (دراسات عراقية) بيروت، سنة

النشر (بلا).

5- بادرت المنظمة العربية لحقوق الإنسان في لندن (1996) إلى تنظيم ملتقاها الفكري الخامس. في لندن والموسوم

"التسامح والنخب العربية" وحضره نحو 50 باحثاً وحقوقياً ومثقفاً من بلدان عربية مختلفة، ومن تيارات فكرية

وسياسية متنوعة، ومن المشاركين في أعمال الملتقى: أديب الجادر (العراق) وراشد الغنوشي (تونس) ورغيد

الصلح (لبنان) ومحمد بحر العلوم (العراق) وأبونا بولص ملحم (لبنان) وخليل الهندي (فلسطين) ومحمد الهاشمي

الحامدي (تونس) وعبد السلام نور الدين (السودان) وصلاح نيازي (العراق) وبهجت الراهب (مصر) ومصطفى عبد

العال (مصر) وعلي زيدان (ليبيا) وعبد الحسن الأمين (لبنان) وعبد الرحمن النعيمي (البحرين) وسناء الجبوري

(العراق) وآدم بقادي (السودان) ومحمد مخلوف (ليبيا) وكاتب السطور (العراق) وآخرين.

6- كان الشاعر الكبير أدونيس قد عبّر عن الفهم النيتشوي لفكرة التسامح في أكثر من مناسبة بإعلان رفضها، وقد   أبدى ملاحظة على فكرة التسامح التي وردت في البحث الذي قدّمه الباحث في دبي عند تأسيس مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم، بعنوان: التنوّع الثقافي في المجتمعات العربية- مصدر غنى أم فتيل أزمات، 28-29-اكتوبر 2007، ومثل هذا الفهم لا يزال قوياً لدى العديد من النخب الفكرية والثقافية والسياسية العربية، بعيداً عن الفهم المعاصر لفكرة التسامح، لا سيما تلك التي وردت في اليونسكو.

انظر كذلك: كلمة البابا بنيديكتوس السادس عشر في بكركي لقاء الشبيبة، لبنان، 15 أيلول (سبتمبر) 2012.

 

7- انظر: بوبر، كارل- المجتمع الفتوح وأعداؤه،، ترجمة د. السيد نفادي، دار التنوير والطباعة للنشر، بيروت، 1998.

8- انظر: كتاب " التسامح بين شرق وغرب" دراسات في التعايش والقبول بالآخر، ترجمة ابراهيم العريس، كتاب

جماعي، دار الساقي، بيروت، 1992.

9- انظر: راولز، جون،- نظرية العدالة، نشر في هارفرد عام 1971، وترجم للفرنسية ونشرته دار سوي، 1987.

10- انظر: شعبان، عبد الحسين- الشعب يريد- تأملات فكرية في الربيع العربي، دار أطلس، بيروت، 2012.

11- انظر: لوك، جون- رسالة التسامح، مصدر سابق،

قارن: Habermas, Juergen- Intolerance and Discrimination, Vol.1, No.1, 2003, pp2-12

قارن كذلك : النجار، شيرزاد أحمد، التسامح واللاتسامح في فلسفة هابرماز، مجلة التسامح، العدد 32، نيسان

(ابريل) 2011.

قارن: شعبان، عبد الحسين- فقه التسامح في الفكر العربي- الاسلامي، ط1، دار النهار، بيروت، 2005.

12- كان موقف فولتير في البداية ضد التسامح وقد كتب في العام 1741 كتاباً ينمّ عن التعصّب الديني، لا سيّما إزاء

الإسلام والمسلمين وهو بعنوان " التعصّب أو النبي محمد"، ولعلّ التاريخ يعيد نفسه وإن كان في المرّة الأولى على

شكل مأساة أما في الثانية فهي أقرب إلى الملهاة، خصوصاً في الموقف الغربي " السائد" إزاء الدين الإسلامي، ففي

القرن الحادي والعشرين تم نشر صور كاريكاتورية مسيئة للرسول محمد، في الصحافة الدانيماركية وأعيد نشرها

وتداولها بصورة استفزازية في العديد من البلدان الغربية، خصوصاً ربط الإسلام بالارهاب وإنه دين يحضّ على

التعصّب والعنف وعدم التسامح.

إن نشر فولتير رسالة خاصة عن التسامح بعد عقدين ونيّف من الزمان هو شعور طبيعي إزاء مفاهيمه من جهة،

ومن جهة أخرى ربما يكون قد اطلّع على آراء وكتابات في عصره، بخصوص الإسلام، ودفعه لاحقاً لتجاوز موقفه

اللامتسامح في البداية. ويمكن هنا استحضار مواقف مفكرين وأدباء كبار من الاسلام وقيمه مثل الشاعر الألماني غوته

والروائي الروسي تولستوي والزعيم الهندي غاندي والفيلسوف البريطاني برناردشو، لا سيما إزاء الحملة السلبية ضد

الرسول محمد وردود الفعل الغاضبة والمنفلتة إزاءها، وفي ذلك جزء من الوجه المشرق للعلاقة بين الشرق والغرب،

لا سيّما في بعض تجلياتها الثقافية .

13- انظر: اعلان مبادئ التسامح، اليونسكو، باريس، 1995.

14- الإكليروس هو النظام الكهنوتي الخاص بالكنائس المسيحية ولم يظهر هذا النظام إلا في القرن الثالث الميلادي

وتتفق الكنيسة الرومانية الكاثوليكية مع الكنائس الأرثوذكسية في درجات النظام الكهنوتي إلا أن البابا في الكنيسة

الكاثوليكية يتمتع بسلطات أعلي من نظيره في الكنيسة الأرثوذكسية . أما البروتستانت فلا يعترفون إلا بدرجتين فقط

من درجات هذا النظام وهما(القس والشماس ) في الكنيسة البروتستانتية حيث يمتنع رجال الإكليروس في الكاثوليكية

عن الحقوق الزوجية التي يترتب علي مخالفتها العقوبات الصارمة بينما لا تعترف الكنيسة البروتستانتية بذلك أما في

الكنيسة الأرثوذكسية القبطية فيحظر الزواج على البطريرك والراهب فقط .

15- لم تصبح قضية التسامح، قضية مجتمعية وثقافية، الاّ عندما اكتسبت بُعداً قانونياً، خصوصاً وقد برزت كتعبير عن

الانقسام المسيحي في أوروبا، لا سيما بعد اندلاع حركة الاحتجاج البروتستانتية، وما صاحبها وأعقبها من حروب

دينية استمرت لعشرات السنين.

16- انظر: اركون، محمد- من فصيل التفرقة إلى فصل المقال- أين هو الفكر الإسلامي المعاصر، دار الساقي، ط 2،

بيروت، 1995، ص 12 و111.

17- انظر: شحادة، الشيخ حسين أحمد- الهوى الصعب والإخلاص للمعرفة، (في نقد كتاب تحطيم المرايا).

18- انظر: أركون، محمد – من فصل التفرقة إلى فصل المقال، مصدر سابق.

19- انظر: شعبان، عبد الحسين، بحث بعنوان: الدستور والدستورية في الفقه العربي الحديث، (غير منشور) 2013.

20- انظر: فولتير، رسالة في التسامح، ترجمة هنرييت عبودي، دار بترا للنشر والتوزيع، 2009.

21- انظر: مونتسكيو، روح الشرائع، ترجمة عادل زعيتر وأنطوان نخلة قازان، اللجنة الوطنية اللبنانية للتربية والعلم

والثقافة (الاونسكو)، 2005.

22- انظر: جان جاك روسو، نظرية العقد الاجتماعي، ترجمة د. حسن سعفان، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1995.

23- قارن: خالص، عبد الرحيم، أي معنى لفكرة التسامح في المتخيّل الجماعي للأفراد في " الغرب" و "الإسلام"، مصدر   سابق.

انظر كذلك: مالكي، إ محمد – مفهوم التآخر التاريخي في المنظومة المعرفية، المجلة العربية للعلوم السياسية، العدد  18، ربيع 2008  (بيروت/لبنان)

قارن: حنفي، حسن- مقدمة في علم الاستغراب، المؤسسة الجامعة للدراسات والنشر والتوزيع، ط1، بيروت، 1992

24- انظر: هنتنغتون، صموئيل " صدام الحضارات وإعادة بناء النظام العالمي" ترجمة د. مالك عبيد أو شهبوة ود. محمد محمد خلف، الدار الجماهيرية، دار الكتب الوطنية، بنغازي، ليبيا، ط/1، 1999، ص 370 وما بعدها.

Huntington- Samuel- A clash Of Civilization, Foreign Affaires, Summer 1993

Huntington, Samuel- The Clash Of Civilization And Remarking of world order, London Simon and Schuster,1997.

Fukuyama ,Francis- The End of history, International affairs journal,1989, “The End of History and the Last Man, 1992”.

25- انظر: شعبان، عبد الحسين- التجديد والاجتهاد في النص الديني، بحث مقدّم إلى مؤتمر بيروت، معهد المعارف

الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية، 6-7 حزيران(يونيو)2011.

26- انظر: إعلان مبادئ التسامح، اليونسكو، الدورة 28، 16 تشرين الثاني (نوفمبر) 1995.

27- على المستوى العربي، يمكن الإشارة إلى مبادرة مركز رام الله لدراسات حقوق الإنسان الذي أصدر مجلة بإسم

"التسامح"، مثلما صدرت مجلة باسم " تسامح" في مسقط "عُمان" وقبل بضع سنوات أعلن عن تأسيس الشبكة

العربية للتسامح التي شكّلت دعوة مهنية وحقوقية لمبادئ التسامح، وقررت منح جائزة سنوية لإحدى الشخصيات

المعروف عنها إيمانها بمبادئ التسامح وكان أول من تقرر منحه الجائزة دولة رئيس وزراء لبنان الأسبق الدكتور

سليم الحص، كما بدأت بنشر تقرير نصف سنوي عن حالة التسامح في مناطق السلطة الفلسطينية .

28- انظر: شعبان، عبد الحسين- فقه التسامح في الفكر العربي- الإسلامي، مصدر سابق.

29- انظر: شعبان، عبد الحسين- جذور التيار الديمقراطي في العراق- هل انقطع نسل الليبرالية العراقية؟ - قراءة في أفكار حسين جميل، دار بيان، في بيروت، 2007.

 

مؤلفة الكتاب الدكتورة فاتن محمد رزاق الخفاجي .

عنوان الكتاب : التسامح في فكر الأحزاب العراقية المعاصرة.

إصدار : مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية.

الطبعة الأولى، بغداد، 2013.

عدد الصفحات 484 من القطع الكبير.

 

ezzeddine  anayaبموجب الفترة المطوَّلة التي قضّيتها في جامعة الزيتونة طالبا وباحثا، على مدى السنوات المتراوحة بين منتصف الثمانينيات ومنتصف التسعينيات من القرن الماضي، سيكون جلّ اهتمامي في هذه المقالة منصبّا على التعرّض إلى تجربة التحصيل العلمي، إضافة إلى استحضار واقع الصراع على الزيتونة، بقصد التأمل في مسارات ومآلات مؤسسة دينية، لا تزال مثار جدل، لاسيما في ظل التحولات العميقة التي يشهدها مجتمعنا.

 

من الزيتونة إلى الغريغورية

غدا بمثابة اليقين لديّ، أن الإشكال الرئيس الذي يعاني منه الدرس الديني في مؤسساتنا التعليمية في تونس متلخص أساسا في أمرين: خضوع المقرّر التعليمي إلى وصاية سياسية توجه مساراته، ما انعكس على مضامينه وتطلعاته وآفاقه؛ ومن جانب آخر مجافاة منهج التعليم الديني للراهنية الحضارية، وهو ما يتجلى في غياب عناصر الواقعية، والعلمية، والمعقولية.

لم أكن قبل هجراني الزيتونة مقتنعا بالمنهج التعليمي السائد، لِما اتّسم به من قدامة وتقليد وسطحية وافتقار إلى البعدين النقدي والعقلي، في جلّ مواد العلوم الشرعية التي كنّا نتلقاها. وقد تبين لي جليا عقم هذا المنهج لما التحقت بوسَط أكاديمي كاثوليكي غربي، أقصد الجامعة الغريغورية، لفت انتباهي فيه تعاطيه المزدوج مع المسائل الدينية، وذلك ضمن مقاربتين، تنتهي كل منهما إلى الحرص على الإلمام بأبعاد "الكائن المتدين". حيث تتضافر الدراسة اللاهوتية الداخلية للدين مع الدراسة العلمية الخارجية له. وأعني بالدراسة الداخلية التركيزَ على دراسة علم اللاهوت المنهجي، وهو الاجتهاد لفهم مجمل الحقائق على ضوء تعاليم المسيحية، بما يماثل علم أصول الفقه لدينا؛ وعلم اللاهوت الرعوي، بما يضاهي دراسات الدعوة في جامعاتنا الإسلامية؛ فضلا عن اللاهوت التاريخي، ولاهوت الآباء، واللاهوت الروحي وغيرها من علوم الوسائل. تتضافر جميعا مع الدراسة الفلسفية ودراسة العلوم الاجتماعية، بما يسمح للدارس الإحاطة بمنهجين في معالجة الظواهر الدينية، أحدهما لاهوتي والآخر علمي، ويتيح له قدرات أرحب للتحليل والاستيعاب والفهم. فمن خاصيات المقاربة اللاهوتية أنها معيارية تحتكم سياقاتها إلى ما يتمتع به الإيمان من صدق، وهي تحاول أن تجيب عن أسئلة على غرار: ما الواجب علينا الإيمان به؟ وكيف نؤمن بالله؟ وضمن أي السبل يتحقق الفلاح الدنيوي والخلاص الأخروي؟ وبشكل عام تتميز انشغالات هذا المقاربة في إقامة علاقة عمودية تصل الإنسان ببارئه، يتطلع فيها المرء إلى الانسجام الأمثل معه؛ وأما المقاربة العلمية والتي تستند بالأساس إلى الإناسة، وعلم الاجتماع، وعلم النفس، والتاريخ، والمقارنة، والظواهرية وغيرها، فهي تعنى بكل ما هو معتقَد من قِبل البشر، متطلّعة إلى فهم أكثر حداثة وأوفى إحاطة، بما يقدّمه كل دين لأتباعه، وباحثة عن التقاط معاني اللغات الدّينية ومفادها العميق. ولذلك كان علم الأديان يرصد ويقارن ويوضح ويسبر الأغوار، ويتفكر في الأمور بطريقة تحليلية نقدية توصل إلى توليف، متحوّلا من مستوى اختبار المقدّس المعيش إلى مستوى المفهمة.

 

تصحيح منهج الدرس الديني

غالبا ما برّر التعليم الديني في تونس عجزه الحضاري وخموله المعرفي بوقوعه رهن مؤامرة فرنكفونية علمانية، اُستهلّ مشوارها مع الاستعمار وتواصلت مع أعوانه، في حين أن الأزمة بالأساس هي بنيوية معرفية. وفي ظل اختلاط السبل، قنع الحريصون على التعليم الكلاسيكي بما كتب الله لهم، ولم تنشأ في أوساطهم عملية مراجعة تصحيحية داخلية. إذ كان الأولى طرح سؤال جدوى المعارف الدينية في الاجتماع، وأية مساهمة حضارية يمكن أن تسهم بها، بعيدا عن الإجابات الخلقية أو الميتافيزيقية أو المؤامرتية الجاهزة، التي تتوارى خلف قول النبي الكريم: "من أراد الله به خيرا فقّهه في الدين". إذ غالبا ما يُبرَّر الحرص على المعرفة الدينية بجدوى أنطولوجية ضامنة لحسن المآل، وإن كان مقاصد العلوم أن تستهدف بالأساس تطوير الموجود، وتحريك الراكد، وكشف المخبوء، والإحاطة بالماحول، ولكن سدنة المعارف الدينية، على وضعهم الحالي، يبدون غير قادرين على تولي هذا الدور المنوط بعهدتهم. فالمعارف في شكلها التقليدي السائد هي عاجزة عن بلوغ حاجات المجتمع، وبالمثل وكلاؤها هم أعجز عن بلوغ ذلك المراد، لافتقارهم الأدوات الموصلة إلى ذلك؛ وأما من ناحية طرْق مسارات نهضوية مستجدة، من خلال كشف المخبوء، فإن عدّتهم المعرفية لا تسمح لهم بخوض غمار شغل هو أكبر من قدراتهم، ما جعلهم منفعلين بالماحول، وعاجزين عن الفعل.

من هذا الباب، أقدّر أنه من غير المجدي متابعة التلقين والشحن للنشء بمعارف لا تنفع، ولا تتجاوز صدقيتها عتبات المساجد أو دائرتنا الإيمانية المتواضَع عليها. ولذلك يأتي إنهاك المرء بمقولات التراث المتراكم في علوم القرآن، وعلوم الحديث، والتفسير، والمقاصد، وما شابهها من المعارف، محدودَ الأثر. وفي الحقيقة من أوكد شروط التصحيح، وهو بلوغ الوعي بالبنى الاجتماعية والتاريخية التي ولّدت علومنا الدينية التي باتت تشكل وزرا علينا. لأن أي تكرار لمنهج التعليم السالف هو تعطيل لاندماج المرء في مجتمعه، فضلا عن صدّه عن بلوغ التعارف على مستوى كوني. وربما سؤال مباشر لكل منتسب للجامعات الإسلامية، وهو ما الشيء الذي يمكن أن يضيفه للعالمين خارج نسق مجتمعه الإسلامي؟ لذلك أقدّر أن شرط استعادة الدرس الديني دوره، يبدأ من مراجعة قدرة المدرّس على الإسهام الحضاري، فإن كان المدرّس ضنينا بذلك الدور، فهو أعجز عن مدّ يد العون للطالب ومرافقته نحو مدارج العلى المعرفي.

ربما يعي كثيرون ضيق أفق الدرس الجامعي لدينا، عند التطرق لمسألة الإلمام بالآخر، في وقت ما عاد فيه مبرّر لذلك الضيق. حين كنت طالبا في الزيتونة كان أحد أساتذتنا الأجلاء، ممن كلِّف بأداء درس علم الاجتماع الديني، وهو في الحقيقة مسقَط على هذا التخصص، يقرئنا القول الإنجيلي المأثور: "لا يعيش الإنسان بالخبز وحده بل بكلمة من فم الرب"، بطريقة مغلوطة: "لا يعيش الإنسان بالحبر وحده..."، ثم يستدرك مصححا: "لا يعيش الإنسان بالخبر وحده..." فتضجّ القاعة بالهتاف والضحك.

 

الصراع على الزيتونة

حين التحقت بالتدريس في جامعة "الأورينتالي" في نابولي، في مستهل مجيئي إلى إيطاليا، هالتني الحفاوة البالغة التي أحاطني بها كبار المستشرقين والمستعربين، بما خُيّل إلي أن الحجر الذي رفضه البناؤون قد صار رأس الزاوية، وتعُود تلك الحفاوة إلى أمر بسيط، أني خريج جامعة دينية، ما فتئت تمثل في المخيال الاستشراقي قلعة من قلاع المعرفة الإسلامية. في الحقيقة ما كنت أقدر على البوح لزملائي الإيطاليين بمآلات الانغلاق المعرفي الذي آلت إليه الزيتونة، فقد كانت نظرتهم مأسطرة عن هذه الجامعة، واردة من قرون مضت. والحال أنه بعد أن بات الصراع على أشده في الزيتونة وعلى الزيتونة، على مدار الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي، بين التيارات الإسلامية والسلطة، آلت فيه نتائج الصراع لصالح هذه الأخيرة. فشهدت المعرفة والدراسة حينها تورطا في مناورات سياسية ضارية، بما خلّف تراجعا معرفيا فادحا.

لكن رغم ابتعادي عن الجامعة الزيتونية، بقي سؤال استقلالية المعرفة الدينية وصوابية مضامينها العلمية حاضرا بشكل ملحّ في ذهني. أتساءل عن الحصيلة المعرفية التي توفرها الجامعة الدينية، وما تتيحه من قدرات للاندماج الاجتماعي لطالب العلم. غدا الأمر بمثابة اليقين لدي أن المعرفة الدينية الغيبية الطابع، والتي يعوزها التحاور مع المسارات الحداثية للمجتمع، هي غير قادرة على العيش إلا ضمن مؤسسات السلطان وفي ظله، وتعجز عن التواجد بذاتها، جراء الوهن المعرفي الذي تعاني منه. وهو ما جعل الخطاب الديني لدينا تابعا، وغير قادر على العيش بذاته. مع ذلك، كان وهْم الحضور لديه مستفحلا وهو غائب، وبالمثل كان وهْم الفعل لديه شائعا وهو عاجز.

 

الآفات المزمنة للدرس الديني

ثمة آفات عدّة تستحكم بالدرس الديني لدينا، سآتي لاحقا على ذكر بعضها. عموما لازم مطلب الإصلاح التعليمي تاريخ الزّيتونة، مع ذلك لم تتبلور بشأنه فلسفة للإصلاح، تخلّف تحوّلا وتطوّرا فاعلين. ولذلك تعدّدت دعوات الإصلاح دون أثرٍ يذكر، لما وعى به العديد العملية خطأً، كونها حلّة خارجية ترتديها المؤسّسة، على غرار الشعار الأجوف "الزيتونة أصالة وتفتّح" الذي رُفع طيلة التسعينيات. في حين يتمثّل الإصلاح الجوهري في ما ينبغي أن يقوم عليه الدرس من منهج عقلي تفكيكي، وأساس ديني إنساني منفتح، مصهورين في البرمجة. والملاحظ في مسار طروحات الإصلاح تلك، أن طلاّب الجامعة كانوا أكثر إدراكا لضرورته من شيوخهم، وهو أمرٌ عجزت هياكل الإشراف عن ترجمته إلى فلسفة تربوية علمية، لتناقُض نتائج العملية مع ولاءاتهم السياسية أو مع أهدافهم النّفعية. ومن الآفات المزمنة التي ألمحت، أذكر:

- آفة غياب شرط الواقعية في الدرس الديني، وهو شرط محوري، فلا يمكن ضمان فاعلية المعرفة الدينية في الاجتماع، ما لم تستجب للتحديات وتجيب عن التساؤلات. وبالتوازي لا يمكن للمعارف الدينية أن تكون واقعية ما لم تع أثر خطابها في العالم، فالمعرفة الدينية التي لا تستوعب المعطى الكوني هي معرفة منغلقة ومن اليسير انحرافها وسقوطها في الأوهام. وحتى تضمن المعرفة واقعيتها لزم أن تعيد النظر في مفهوم العلمية بشكل دائم ومتكرر وفق تعاطي نقدي مع الذات. فسابقا كان مفهوم العلمية في المعرفة الدينية مستمدا من سياق إيماني، ولكن في ظل واقع معولم ما عاد ذلك يفي بالغرض، حيث غدا مفهوم العلمية أوسع وأشمل. ما استوجب أن ينفتح فيه الدرس على المنجَز العلمي العالمي، أكان في المتابعة الداخلية للظواهر الدينية، في أديان قريبة أو نائية، أو كذلك في الانفتاح على المتابعة الخارجية للظواهر الدينية، ضمن الإلمام بعلوم شتى باتت ملحة للإحاطة بالكائن المتدين، على غرار علم الاجتماعي الديني والإناسة الدينية وتاريخ الأديان.

- آفة غياب شرط العقلانية: إذ ثمة تراجع هائل لمطلب العقلانية في الدرس الديني العربي، ولاسيما في كليات الشريعة. فهل معارفنا لها قيمة أو لها حضور خارج فضائنا المعرفي؟ ربما عدم الحضور عائد إلى عجزنا عن القيام بعملية نقدية لخطابنا الديني. وهل التعليلات التي نعلل بها جدوى معارفنا هي بحقّ تعليلات كونية؟ وهل خطابنا تجاه الآخر هو خطاب عقلاني ومعقول؟ لذلك طرح سؤال صِدقية المعرفة من الشّروط اللازمة لحفظ الفكر الدّيني من الزّيغ والضلال. ففي العصر الذي كانت فيه خيول الإسبان تدنّس حرم الزّيتونة، كان العقل الديني يتلهّى بفنطازيا الغيبيات وهو يحسب أنّه يحسن صنعا. ربما تعوزنا حتى الراهن الشجاعة الكافية للتطرق للزوايا المظلمة في تاريخنا الزيتوني وفي راهننا الزيتوني لافتقارنا لعقل ديني نقدي.

فمالم يكن ديدن المعرفة الالتزام بالنقد والتّمحيص من جانب، واليقظة والتنبّه لتبدلات الاجتماع البشري من جانب آخر، فإنها توشك أن تتحوّل إلى فلسفة إماتة للمجتمع. لعلّ المعرفة الإسلامية التي سادت في عصور الانحطاط والتي تخلّت عن هذين الشّرطين السّالفين، العقلي والاجتماعي، كانت مما شايع فلسفة الموات لا فلسفة الحياة، وهو ما وسمها بالتنكّر الرؤيوي للأسس الجوهرية للمعرفة الإسلامية.

- وهْم المعرفة المزيّفة: عادة ما يقع، عند استدعاء مجد التدريس الديني لدينا، التحجّج بالقلة والكثرة المتعلقة بأعداد الطلاب، دون التنبه إلى الإشكاليات الكامنة في ما وراء القلة والكثرة. سمعت كثيرا من أفواه أنصار التعليم الديني، أن الزواتنة كانوا أكثر نفرا إبان العهد الاستعماري منه أثناء العهد البورقيبي، وبالمثل غالبا ما تجري المقارنة بين أعداد طلاب الزيتونة، في مستهل عهد المخلوع وآخره، والحقيقة أن المساهمة الحضارية والإضافة المعرفية لا ترتبط بالكمّ بل بالكيف. فالإشكال الرئيس للدرس الديني متواجد حين سادت الكثرة وحين تراجعت إلى قلة، وهو عائد إلى غياب الأسس العلمية للدرس الديني. فاستدعاء مناهج العلوم الكلاسيكية الإسلامية لتدريس الدين ما عاد كافيا بالمرة، وما عادت تلك العلوم كفيلة بضمان تكوين متوازن للمرء. وما لم نوفق في تطعيمها بعلوم مستجدة فسيبقى حديثنا في الدين تكرارا فجّا. ولذا وجب طرح سؤال مدى قدرة مضامين تلك العلوم على وعي الظواهر الدينية، وعلى إفادة الفرد في عيشه وفي وجوده. فليست المعارف الدينية معارف غير مشروطة بواقعها بل هي معارف لصيقة بواقعها بالأساس، وإلا تحولت الاستعاذة منها "اللهم إنا نعوذ بك من علم لا ينفع" إلى شرط لازم.

- آفة تسييس المعرفة الدينية: في التاريخ المعاصر غالبا ما كان حشر الجامعة الزيتونية ضمن خيارات سلطوية أو إسلاموية مجلبة لكوارث جمة على المعرفة الدينية. وحين لهْوَتت الطروحات البورقيبية المعارفَ داخل "كلية الشريعة وأصول الدين"، غدت النظرة للدين شعائرية سطحية مبتذلة. تحول الفكر الديني إلى تابع خدوم، جاهز عند الطلب، لتبرير خطّ سياسي، وغدا هامشا في آلة سلطوية مفتونة بقدراتها.

ولاحقا حين تحولت الجامعة الزيتونية إلى معقل لحركة "الاتجاه الإسلامي" التي باتت "حركة النهضة" وإلى "الاتحاد العام التونسي للطلبة"، صارت الجامعة مدفوعة دفعا نحو مقصد سياسي، احتدّ فيه الصراع مع السلطة على هذا الفضاء الرمزي، كانت مآلاته كارثية على الزيتونة. وطيلة فترة التجاذب بين الأقنومين، الإسلاموي والسلطوي، تم التغافل عن المضمون المعرفي، مع أن فيه مربط الفرس للرسالة الجوهرية للزيتونة. وكان حريا أن يتركّز الاشتغال عليه، طلبا لنهوض فعلي، ولغرض صنع عقل ديني فاعل في فضائه وحاضر في كونه.

 

الرهان على العلمي

إبان حقبة الصراع الضاري بين السلطة و"حركة النهضة"، أي طيلة عشرية التسعينيات من القرن الماضي، حاولت السلطة الدفع بمن زعموا القراءة النقدية والعلمية للموروث الديني إلى واجهة الصراع الفكري، وتوظيفهم إلى مرادها ومبتغاها. وقد استعمل ذلك الشق أدواته "العلمية" بشكل مبتذل وممسوخ، فما كان المقصد إرساء جذور مقاربة ترنو إلى إعادة الوعي الصائب بموروثنا الديني، بل كانت العملية تتطلع إلى مغانم سياسية، وهو ما جعل المقاربة العلمية التونسية تولد مشوّهة وتفشل في خلق أجواء معرفية نقية.

وفي هذا الزمن الجديد الذي تعيشه تونس، لن يثني ذلك الفشل المبكر الصادقين عن مسعاهم الجاد، فكما فطنوا إلى كلمات الحق التي أريد بها باطل، يدركون بالمثل أن الدرس الديني الحالي مطالب بالخروج من رهن اللاتاريخية إلى رحابة الواقع  الحي، وكل تفريط في قضايا الراهن والتلهّي عنها بقضايا ميتافيزيقية مغتربة من شأنه أن يغيّب العقل عن اهتمامه التاريخي. لأن الدرس الديني يصنع عزلته بتغاضيه عن قضايا مجتمعه. ربما فرصة الانعتاق السياسي للدرس الديني هي من أندر الفرص التاريخية التي نعيشها، حيث لا يجد المقول الديني نفسه رهينا أو مراقَبا إلا من ذاته، ومن هذا الباب ينبغي أن يراجع مهمته بالاحتكام إلى وعيه وشروطه.