adnan oayeedالقرن السابع عشر: حاول "ديكارت" في القرن السابع عشر René Descartes كمدرس، استخدام العقل لدعم إيمانه، ولكن بكثير من القسوة في هذه المرة، حيث جرب أن يضع نفسه داخل غرفة فارغة مع قليل من الأفكار المجردة التي حاول من خلالها التأكد من صحة ودور مقولة: (أنا أفكر إذن أنا موجود)، في تحدي لسلطة الكنيسة، بيد أن عمله هذا دفعه لارتكاب الكثير من الأخطاء المنطقية، الأمر الذي جعل الكثير من أتباعه أو طلابه يبتعدون عنه ويعملون على تفكيك إنجازاته الفكرية، وبالتالي تحدي فكرته الأساس التي بدأ بها وإبطالها .

إن تاريخ الفلسفة منذ عهد  René Descartes ديكات، حتى بداية القرن العشرين، هو التاريخ الذي أخذ فيه المنطق يتسع ويتحسن أكثر فأكثر، حتى نجح  Ludwig Wittgenstein لودويج ويدتجنستين  في إضعاف أسس الفلسفة نفسها. وعلى اعتبار أن تاريخ الفلسفة وفق هذا التصور قد مر بمراحل متعددة، لذلك، فنحن هنا سنهتم في المراحل المبكرة التي أخذ فيها المنطق يتقدم، ويكون سبيلا إلى الحقيقة، أي حقيقة المنطق الوحيد الذي يمكن أن يستخدم لتحدي كل أنواع الأفكار الأخرى غير المعقولة او العقلانية، أو ما تسمى بالأفكارالسخيفة، والتي أكد مفكرو التنوير كثيرا على محاربتها بوسيلة (العقل) القائم على الإحساس المشترك، والمراقبة، والمعرفة المنحازة إلى مبدئي الشك والحرية معا .

راح القرن السابع عشر يُمزق في الحقيقة بسبب الحروب الدينية والسيطرة الامبريالية، مثلما  راح الانتباه يُركز بشدة على التفكير الهزيل الذي أخذ ينتقل من مناطق أخرى سيطر عليها الجمود والتعصب .. فالكاثوليك والبروتستانت دخلا في صراع، وأخذ كل تيار منهما يتهم الآخر بأنه يتبع الشيطان.. والناس ادخلوا السجون بسبب اعتناقهم هذا المذهب أو ذاك، أو حتى بسبب رفضهم أي مذهب من المذهبين المتصارعين.. كما أن كل المطبوعات، كراريس كانت أم كتب أم مجلدات، بل وحتى الكتب المدرسية راحت تخضع للمراقبة المسبقة من قبل الكنيسة والدولة معا،  حيث كانا في الغالب كلاهما - الكنيسة والدولة – يعملان يد بيد ضد هذه التحولات الجديدة التي أخذت تهدد معاقلهما.. أما العبودية فكثيرا ما كان يدافع عنها من قبل رجال الدين ذاتهم، في الوقت الذي كان فيه استبداد الملوك من الناحية العملية أشد قسوة في هذا القرن من أية مرحلة من مراحل العصور الوسطى، هذا الاستبداد الذي دُعم وبشدة من قبل العقائد ورجال الدين تحت ذريعة (الحق الإلهي المقدس)، الذي اتكأ مؤيدوه على الكثير من المقتبسات الإنجيلية التي تقر بأن أية ثورة كانت، هي مكروهة من قبل (الله)، وكذلك المتحدثون عن الفتنة، أو المحتقرون للدين فكان عقابهم السجن مباشرة، بل غالبا ما يكون الإعدام ذاته، أما المنظمات التي تحاول تحدي السلطتين (الزمنية والدينية)، فكانت بدورها تُحارب، أو تُمنع عن ممارسة نشاطها. لقد كانت هناك في الحقيقة مساحة واسعة من التعصب والجمود استطاعا أن يصولا ويجولا عبر العصور الوسطى، غير أنه من الطرافة بمكان الإشارة هنا إلى أنه مع ظهور الدولة الحديثة،  راح الاستبداد يأخذ أبعادا أكثر فعالية وقوة مما كان عله في القرن السابع عشر ذاته .

بيد أن مسألة الاستبداد والاضطهاد والحروب تحت اسم الحقيقة المطلقة، هي مسألة  سيبدأ العديد من الأوربيين آجلا أم عاجلا الملل منها حتما، بالرغم من أن البروتستانتية قد أخذت كما قلنا تسلط انتقاداتها الحادة للكاثوليكية، ثم راح كلا المذهبين بسرعة أيضاً يسلطا بنادقهما تجاه بعضهما بعضا، منتجين عبر هذا الصراع مجموعة مبدعة ومذهلة من الكنائس التي شكلت كل واحدة منها ممرا خاصا بها للعبودية. ووفقا لهذه المعطيات، كان تقاذف الشعب ما بين معتقد إيماني وآخر، أمرا طبيعيا، بحيث أخذ المرء يتساءل مستغربا، أي من الكنائس تستحق السلطة التي تدعيها؟، كما راحت جائزة الشك تُمنح لـ (حقيقة) كل من (لوفر وكالفن) معا .

على العموم، بدأت توجد سلطات عدة فعالة تنشط داخل أوربا، أهم واحدة منها هي القوة الاقتصادية، (الطبقة البرجوازي الوليدة- المترجم) التي تداخلت بشكل فاعل وعظيم مع ميول الشك والتنوير تجاه الحقيقة المطلقة والعقائد الجامدة .

 

الخلفية الاقتصادية والسياسية للتنوير:

مع أواخر العصور الوسطى، أخذ الفلاحون بالتحرك من القرى إلى المدن بحثا عن فسحة أوسع لحريتهم وازدهارهم، ومع تحسن التجارة والمواصلات في عصر النهضة،  بدأ سكان المدن العاديين يتأكدون من أن مسائل الحرية والازدهار لم تعد تحتاج دائما إلى استمرار الجهود نفسها التي كانت قد بذلت من أجلها في القرون السابقة، فهناك دساتير جديدة يمكن كتابتها، وحكومات جديدة شُكلت، وقوانين جديدة شُرعت، وأعمال جديدة بدأت تنطلق، إضافة إلى ذلك كل المؤسسات تغيرت وراحت بسرعة تعمل على تأسيس قوتها المناسبة لروح هذه المتغيرات، فضغط التغيير استمر في الارتفاع، وهذه الاستمرارية في الارتفاع لم يكن سببها مرتبطاً بالنماذج الثقافية التي أثرت في الأوربيين فحسب، بل وبالثروة التي راحت تتدفق الآن من أسيا وأمريكا، حيث قذفت بطبقة جديدة من التجار إلى ساحة الشهرة بدلاً من الارستقراطية القديمة التي تجسدت قوتها في ملكيتها للأرض .

نعم .. لقد حاز هؤلاء التجار على أفكار جديدة عن نوعية العالم الذي يريدون العيش فيه، وأصبحوا الوكلاء الحقيقيين للتغيير في مجمل قضايا المجتمع الفنية والسياسية والاقتصادية ... الخ. لقد كانت هذه الطبقة التجارية الجديدة واثقة بأن إيراداتها أو أرباحها كانت نتاج جهودها الفردية وعملها القاسي، وأن هذه الأرباح لا تشبه الثروة التقليدية للإقطاع التي تتحقق عن طريق الوراثة للأرستقراطيين التقليديين. وهذه الرؤية الفكرية للطبقة التجارية ساعدت كثيرا على تأكيد النزعة (الفردانية)  في عصر النهضة من قبل الفنانين، وبشكل خاص من قبل الفنانين البصريين (الرسم والنحت)، لقد أصبحت الفردانية جوهر القيم، كما أن قابلية الجهد الفردي لتحويل العالم، أصبحت العقيدة الأساس للأوربيين منذ ذلك التاريخ حتى يومنا هذا .

بيد أن العقبات الرئيسة في إعادة تشكيل حياة الأوربيين من قبل طبقة التجار، كانت هي نفسها العقبات التي واجهت الفلاسفة العقلانيين، وهي الأنظمة الملكية المطلقة السلطة، والكنائس العقائدية، هذا إضافة إلى وجود الكثير من القيم الأخرى التي كانت تستحوذ على كل مشترك في هذا النضال، لذلك كان النضال تجاه التغيير معقدا جدا، ومع ذلك كان الميل الكبير للتغيير واضحا جدا باتجاه تحقيق الفردانية والحرية، ومحاربة السلطة القمعية والتقاليد .

أمام هذه المعطيات، استمر الدين قائما، ولكن بشكل ضعيف، وغالبا ما انتقل إلى ما وراء الإدراك أو المعرفة، أي لم يعد المحرك المباشر لقضايا المجتمع، والمسيطر على وعى المجتمع وإدراك أفراده بشكل مباشر، هذا في الوقت الذي راحت تتضاءل فيه سلطات  النظام الملكي بشكل تدريجي حتى فترة تجاوزت المئة عام، ثم بعد ذلك، أي مع منتصف القرن الثامن عشر، بدأت ظلال شكله القديم تشحب لتعلن انطلاقة أو تأسيس أرضية تنوير القرن الثامن عشر، حيث أخذ الأوربيون يتغيرون بالفعل بالرغم من أن الكنيسة نددت بذلك التغيير، واعتبرت من سار في رحابه ملعونا وخارج نطاق الحقيقة، هذا في الوقت الذي بدأ  يتضح فيه أيضا لأي رجل عقلاني وذي دراية بأمور الحياة، بأن معظم الناس الموجودين على الأرض لم يكونوا ولم يصبحوا أبدا مسيحيين بعد، ومع ذلك هم بنوا حضارات مدنية مبدعة وعظيمة،. وفي نطاق التغيير أيضا، أخذ الكتاب والمتحدثون يزدادون قلقا واضطربا أمام الحرية التي تحققت، وراحت تسمح لهم بالمراقبة والبحث عن كل شيء بحرية، وبعيداً عن قمع السلطة أو حتى النقد، أما الطبقات الوسطى (التجار والصناعيون) فقد أصبحت تدرك وبألم شديد بأنها لم تزل تدفع الضرائب لدعم الارستقراطية الغنية جدا،  أو الغالية التكاليف،  في الوقت الذي لا تساهم فيه بأي شيء يخدم قيم المجتمع المعاصرة، عدا، رعايتها للفنون التي لمعت أو صعدت لدى سكان (هولندة) الذين على ما يبدو كان معظمهم يرغب في التدرب عليها،  ولذلك، فإن هؤلاء الارستقراطيين غير النافعين لم تكن لديهم الرغبة في تقاسم السلطة مع هؤلاء الذين بطريقة تفكيرهم الحر، وبشكل طبيعي، أداروا وخلقوا الثروة الوطنية، والذين كانوا يجدون لهم دائما حلفاء جاهزين في فرنسا من بين الحشود الفقيرة التي ربما عاشت وفكرت بطريقة تشبه إلى حد كبير حياة أجدادهم الفقراء، بيد أنهم كانوا جميعا يدركون بأنه، مع كل عام يمر كانوا يدفعون الضرائب المتصاعدة لدعم بضعة آلاف من هؤلاء الارستقراطيين الكسالى الذين أخذت مساحتهم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية تتقلص شيئا فشيئا .

 

The Enlightenment

Created by Paul Brains

ترجمة : د.عدنان عويّد

 

كاتب وباحث من سورية

 

adnan oayeedأمام الهجمة الوهابية السياسية الشرسة التي يتعرض لها وطننا العربي اليوم، وما تركته هذه الهجمة من دمار فكري ورحي للكثير من أبناء أمتنا العربية، رحنا نلمس نتائجها الكارثية في كل من سورية والعراق ومصر وليبيا، ولا زال الحبل على الجرار كما يقال، علينا جميعاً ككتاب ومثقفين عرب أن نتجه إلى تسليط الضوء على كل قضايا الفكر التنويري والعقلاني التي ستساهم في كشف الفكر الوهابي ألظلامي وكل التيارات السلفية التكفيرية المرتبطة به. ولتكن مقولة ابن خلدون: (ليس من المفروض علي أن كون نبياً لكي أكون حكيماً، فطالما انا أمتلك العقل فأنا حكيم). نبراس معرفة لنا في جرأتها وعمق دلالاتها وأهمية تركيزها على العقل ومقوماته.

سأقوم بدءاً من هذه الدراسة بتقديم مجموعة حلقات فكرية عن قضايا التنوير التي شكلت الرافعة النهضوية لأوربا وفي مقدمتها الثورة الفرنسية ومن تأثر بها . هذه الفكر الذي أعاد للإنسان مرجعيته الإنسانية، وعلمه كيف يكون إنساناً حقيقيا من لحم ودم .

د.عدنان عويّد

 

قضايا التنوير (القضية الأولى)

التنوير  (1)

The Enlightenment

Created by Paul Brains

ترجمة : د.عدنان عويّد

على الرغم من أن التيار الفكري الذي دعي بتيار " التنوير " غالبا ما ارتبط بالقرن الثامن عشر، غير أن جذوره في الحقيقة تعود إلى أبعد من ذلك بكثير، وقبل أن ننظر في طبيعة هذه الجذور، لابد لنا من تحديد طبيعة هذا المفهوم أو تعريفه .

يعتبر التنوير واحدا من التيارات أو الحركات التاريخية النادرة، التي ساهمت في تسمية نفسها في الحقيقة، وأن المفكرين التنويريين الحقيقيين الأوائل في كل من " باريس و لندن " الذين اعتقدوا بأنهم كانوا أكثر تنويرا من مواطنيهم، قد أعدوا أنفسهم من أجل تحقيق هذه المهمة.  لذلك كثيرا ما كان هؤلاء المفكرون التنويريون يعتقدون بإمكانية استخدام العقل الإنساني في محاربة الجهل والاضطهاد والاستبداد، وبالإمكان أيضا استخدامه في بناء عالم أفضل للإنسان. أما أهم القضايا التي وضعوها نصب أعينهم وناضلوا من أجلها آنذاك فهي: استبدا الكنيسة، مجسدا في الكنيسة الكاثوليكية في فرنسا، وسيطرة الطبقة الارستقراطية الوراثية على مقدرات المجتمع .

 

الخلفية التاريخية للتنوير:

لكي نعرف لماذا أصبح تيار التنوير مؤثرا في حياة القرن الثامن عشر  لابد لنا من العودة إلى الوراء والتعرف عل جذور هذه المسألة.

على العموم، بالرغم من أننا غير قادرين في الغالب على اختيار أي فكرة محددة للبحث في هذا الاتجاه، لذلك دعنا ننطلق مع "  Thomas Aquinas" "توماس كويناس" (القرن الثالث عشر) في استرداد " المنطق الأرسطي " من تراث الفلسفة اليونانية، حيث نجد في هذا المنطق تلك الإجراءات المنطقية المنظمة بعناية شديدة، والتي من خلالها تمت عملية تحديد أو تعريف تلك القوانين الجامدة للمسيحية. أما في القرنين التاليين، أي " الرابع عشر والخامس عشر " فقد راح المفكرون الآخرون الذين عرفوا با " المدرسيين " يلاحقون  أو(يجزون) كل تلك القوانين أو المبادئ الدينية المسيحية الجامدة بوسائل المنطق، الأمر الذي جعل فولتير يشير إلى هؤلاء المفكرين مرارا ناعتا إياهم  بـ" الدكاترة " وكان يعني بذلك دكاترة اللاهوت .

أما بالنسبة للكنيسة الكاثوليكية، فمن سوء الحظ، لم يعد بالإمكان حصر استخدام وسائل المنطق الأرسطي اليوناني لديها فقط، بل راحت بعد فترة هذه الوسائل المنطقية ذاتها تستخدم بشكل فاعل لدى الكثير من الكتاب والمفكرين العلمانيين داخل الثقافة الوثنية التقليدية (أي غير الدينية - المترجم) التي بدأت تطرح نفسها أمام العقيدة المسيحية الكاثوليكية. وهذا كان من الأسباب الرئيسة في رغبة الأوربيين السير عبر هذا الاتجاه العلماني في المراحل الزمنية اللاحقة .

 

الحركة الإنسية في عصر النهضة:

عبر القرنين الرابع عشر والخامس عشر، ظهرت في كل من فرنسا وايطاليا مجموعة من المفكرين عرفوا با " الإنسيين "، نسبة إلى الحركة الإنسية، التي لم تكن حينذاك قد أخذت بعد موقفا من الروابط الدينية، كما تأخذ الآن في النقاشات المعاصر، هذا وقد كان غالبية هؤلاء المفكرين والكتاب عمليا من الكاثوليك، حيث دارت نقاشاتهم حول: إن عبادة الله الصحيحة تتضمن بالضرورة إعجاب خلقه، وعلى وجه الخصوص إعجابهم بقوة الله في خلق الإنسان، ثم بمكانة الجنس الإنساني وقدراته، كما دارت نقاشاتهم حول أن عبادتهم لله هي في حقيقة أمرها أو جوهرها أفضل بكثير من عبادة القساوسة والرهبان الظلاميين الذين يعزفون على وتر الخطيئة العامة، والدعوة المستمرة للناس كي يعترفوا بخطاياهم ويتواضعوا بدل التعالي. هذا وقد كان بعض هؤلاء المفكرين والكتاب يدعي بأن الإنسان يشبه الله، ولكن بنصيبه المتمثل في قوته المبدعة والخلاقة. فالرسام، والمهندس، والموسيقار، والمدرس، استطاعوا بقوة ذكائهم وتدريبهم وممارستهم لدورهم في هذه الحياة، إنجاز الأهداف التي تدعو إليها السماء . ولكن بالرغم من هذه القدرة الإنسانية، إلا أنها – أي القدرة – مُزجت في عصر النهضة مع عناصر الظلمة والخرافة، كما أن دروب السحر طُرقت في هذه الفترة بأساليب لم تكن موجودة حتى في العصور الوسطى .

لقد كان هدف الحركة الإنسية في عصر النهضة، هو تقييد بعض زهو أو كبرياء وسعة الروح التي عوّلت عليها الكنيسة، ثم إعادة إنتاج  روح الإبداع اليونانية والرومانية القديمة (أو ماسميت بالوثنية - المترجم)، رغبة في تكرير نجاحاتهم والذهاب إلى أبعد مما وصلوا إليه. فالأوربيون طوروا الاعتقاد الذي يقول بأن التقليد يستطيع أن يحقق التغيير نحو الرقي الإنساني وإعادة تشكيل حياة الإنسان بصورة جديدة، وذلك من خلال تشذيب وتوضيح وسائل التقليد ذاتها. فا (Galileo Galilee  "غاليلو غاليلو" على سبيل المثال، كان قد استخدم النوع نفسه من المنطق الذي استخدمه المدرسيون  والذي أصبح بدوره – أي المنطق-  أكثر قوة مع الملاحظة، وبخاصة عندما راح يناقش عام / 1632/ من قبل " الكوبرنيكية " بأن الأرض تدور. هذا في الوقت الذي أخذت فيه الكنيسة والنص المقدس معا يعترضان على هذه الأفكار، منطلقان  من أن الكتاب المقدس لا يقول بما يقول به كوبونيك ، مجبرين بذلك "غاليلو" على التراجع عما كتبه أو أعلنه من أفكار، وبالتالي منعه من ممارسة التعليم فيما بعد .

إن انتصار الكنيسة كان نصرا باهظ الثمن، ومن خلال هذا النصر، أُسكت " غاليلو "، غير أن هذا الانتصار لم يستطع أن يسكت العلم أو يمنع تقدمه، الأمر الذي دفع الكثير من التقدميين التنويريين إلى الهجرة والاستقرار في شمال أوربا البروتستانتية، بعيدا عن تناول البابا وتحقيقاته . بيد أنه قبل " غاليلو " وفي القرن السادس عشر، كان العديد من الإنسيين قد أخذوا يطرحون أسئلة على درجة عالية من الخطورة أمثال الراهب والفيزيائي الفرنسي François Rabelais "فرانسيس رابيليز"، الذي تأثر بالبروتستانتية، وراح يندفع إلى الأمام متمردا ومتحديا سلطة الكنيسة، الأمر الذي جعل العديد من المواطنين المؤمنين المحيطون به يسخرون منه، واعتبروه شخصا مضحكا وسخيفا .

 

مايكل دي مونتيغني: ( Michel de Montaigne ):

بكثير من الهدوء والتواضع، ولكن في النهاية بطريقة أكثر قدرة على الهدم، سأل  Michel de Montaigne سؤالا ولأكثر من مرة عبر مقالاته وهو : " ماذا أعرف ؟ " وهو يرمي على ما يبدوا من وراء هذا التساؤل التأكيد على أننا لانملك الحق في فرض العقائد على الآخرين، هذه العقائد التي تمارس سلطتها على السلوك الثقافي كحقائق المطلقة . فالتأثير القوي الذي تحقق عبر اكتشاف ثقافات أخرى مزدهرة لاتنتمي للمسيحية، وفي أماكن بعيدة جدا عن الثقافات أو الحضارات الأوربية، مثل " البرازيل "، حيث فسح على سبيل المثال، في المجال واسعا للنقاش على أن الأخلاق في جوهرها  ذات طبيعة نسبية، لذلك عندما راح البعض يتساءل، من هم هؤلاء الأمريكيون ليؤكدوا بأن البرازيليين الذين يأكلون  لحوم البشر الميتة بدلا من إتلافها، هم من الناحية الأخلاقية سفلة وبدائيين ؟، جاء تساؤلهم في الحقيقة مشروعا ويثير مسائل إنسانية عدّة مقارنة مع هؤلاء الأوربيين الذين يضطهدون ويقمعون كل من يستنكر أعمالهم الإجرامية بحق الشعوب المستعمرة من قبلهم .

إن هذا التحول باتجاه نسبية الأخلاق الحضارية، أو الثقافية، أسس على قليل من الفهم أو الإدراك المتعلق بمسألة الشعوب المكتشفة حديثا، إلا أنه استمر بفعالية عالية ليأخذ تأثيره العظيم في وقتنا الحاضر عبر ساحة التفكير الأوربي، وهذه في الواقع إحدى المعطيات المميزة للتنوير.

إن فلاسفة أو مفكري التنوير اعتمدوا في تفكيرهم ونشاطهم على انجازات الحضارات الأخرى كي يفوزوا بالحرية، وليعيدوا تشكيل ليس فلسفتهم فحسب، بل ومجتمعاتهم أيضا . لقد أصبح واضحا من جهة أخرى بأنه لم يعد هناك شيء حتمي حول نماذج التفكير الأوربي وحياة الأوربيين ذاتهم، أو بتعبير آخر أكثر تجريدا، هناك حتما العديد من الطرق المحتملة لوجود الإنسان عموما، أما الطرق الجديدة  منها فيمكن إبداعها .

أما المساهمة الأخرى التي قدمها  (Montaigne ) للتنوير، فقد انبثقت من الوجه الآخر لسؤاله المشهور (ماذا على أن أعمل؟)، ومفاد هذه المساهمة يأتي من القول: إذا لم نستطع أن نكون واثقين من أن قيمنا هي معطاة من قبل الله، إذن فليس من حقنا أن نفرضها بالقوة على الآخرين !!، فالقضاة، والباباوات، والملوك، على السواء لا يملكون أمر أو مهمة إجبار المريدين والتابعين اعتناق أو تطبيق المعتقدات الدينية أو الفلسفية بشكل خاص .

على العموم، هذه واحدة من تناقضات التاريخ العظيمة التي تقر بأن (الشك) المتطرف كان ضروريا لذلك النوع الجديد من الحقيقة التي تدعي العلم، فالعالم الجيد هو الذي يرغب في فحص كل افتراضاته من أجل مقاومة كل الآراء التقليدية التي تحول دون اقترابه من الحقيقة التي ينشدها. وإذا كانت الحقيقة (مطلقة) كالتي طرحت من قبل المفكرين الدينيين بعيدة المنال عن العلماء، فإن حقيقة العلم إلى حد ما، وفي أفضل حالاتها، هي قابلة للتغيير، ولم تكن أبدا مطلقة، وذلك كون المعرفة في طبيعتها تعتمد على البرهان والعقل، وتظل السلطة التعسفية فقط هي وحدها القادرة على معاداتها .

 

كاتب وباحث من سورية

 

abdulhusan shaabanلا زال الحديث عن التسامح مبعث ارتياب لدى الكثير من النخب الفكرية والثقافية والسياسية العربية بشكل عام، وتعود أسباب ذلك إلى الاستقطابات السياسية الحادة وأبعادها الإقليمية والدولية، واسقاطاتها الحالية على الواقع، إضافة إلى أن جزءًا منه يتعلق بالفهم القاصر والمحدود لمعنى التسامح ومبناه، ناهيكم عن توظيفاته أحياناً.

وقياساً للدراسات والكتابات التي عرفها الغرب2 عن التسامح والمعالجات التي أعقبت الاحترابات والنزاعات الدينية والطائفية التي عانت منها أوروبا لدرجة النزيف البشري، المادي والمعنوي، فإننا لا زلنا حديثي عهد، بخصوص تقبّل فكرة التسامح في ظلّ استشراء التعصّب وتفشّي التطرّف وانتشار الغلو، إزاء الآخر " الغريب"، وكل غريب "مريب"3، سواءً كان هذا الآخر بعيداً أو قريباً، عدواً أو صديقاً، طالما هو مختلف عنّا، حتى وإن كان مساكناً أو مشاركاً لنا في العيش والحياة والمصير، لكنه قد يكون مختلفاً في الدين أو العرق أو اللغة أو التاريخ، حتى وإن كنّا في وطن واحد، ولعلّ هذه النظرة الانغلاقية التي لا تقبل التنوّع والتعددية انتشرت على نحو واسع خلال السنوات الثلاثين ونيّف الأخيرة، على الرغم من التطور النقيض لها على المستوى الكوني.

وتفصلنا عن فكرة التسامح "الأوروبية" أكثر من ثلاثة قرون من الزمان، إذا اعتبرنا رسالة جون لوك حول التسامح تاريخاً لنشر الفكرة، لا سيّما في ظل انقطاع العرب والمسلمين عن تراثهم الذي عرف بنماذج زاهرة من التسامح، مثلما عرف تاريخاً دامياً من اللاتسامح، كما هو الغرب أيضاً في إطار السياق التاريخي لجميع المجتمعات.4

وإذا أردنا الحديث عن فكرة التسامح بمعناها المعاصر، خصوصاً وقد مرّت بمراحل مختلفة وجرى تأصيلها، بتجاوز بُعدها الديني والطائفي إلى البعد الثقافي، وصولاً إلى البعد الحقوقي والقانوني، بحيث لم تعد واجباً أخلاقياً وسلوكياً أو مبادئ ودعوات سياسية فحسب، بل هي واجب قانوني لإقرار التعايش والتعددية والتنوّع وحق الاختلاف والدعوة للمشترك الانساني، فلا بدّ من بحثها في إطار التطور الدولي، وخصوصاً في المباحثات التي سبقت وهيأت لقيام الأمم المتحدة، حتى وصلت إلى ما وصلت إليه، فلا بدّ من الحديث عن فهم الفكرة وحيثياتها القانونية وخلفياتها الفكرية ومرجعياتها النظرية.

وبعد صدور ميثاق الأمم المتحدة في سان فرانسيسكو 26 حزيران (يونيو) العام 1945 ومن ثم صدور الاعلان العالمي لحقوق الإنسان في 10 كانون الأول (ديسمبر) 1948، بدأت ثقافة التسامح تنتشر شيئاً فشيئاً ويتعزز رصيدها، خصوصاً بتأثير الحرب العالمية الثانية التي أزهقت أرواح نحو 60 مليون إنسان وألحقت خسائر مادية ومعنوية بعموم سكان الأرض، وصولاً إلى صدور إعلان اليونسكو بشأن التسامح العام 1995 والدعوة للاحتفال باليوم العالمي للتسامح 16 تشرين الثاني (نوفمبر) من كل عام، فإن بعض الدراسات والأنشطة المحدودة بدأت تجد طريقها إلى العالم العربي لا سيّما في العقدين ونيّف الماضيين، لكن تأثيراتها سواءً على الصعيد الفكري أو الثقافي كانت مقتصرة على نخب قليلة، ناهيكم عن ضعف مفاعيلها على الصعيد الاجتماعي والديني، بحكم ضعف البيئة القانونية والتربوية والتعليمية، سواءً على صعيد الدولة أو المجتمع أو الفرد5.

ومع ذلك فإن هناك أكثر من فهم لفكرة التسامح، ومثل هذا الفهم المتناقض يؤدي إلى نتائج متعارضة بالطبع. فالفهم النيتشوي الذي لا يزال سائداً يعتبر " التسامح إهانة للآخر"، ولعلّ ذلك ما لمّح له البابا بنيديكتوس السادس عشر في خطابيه في لبنان في القصر الجمهوري وفي الإرشاد الرسولي، حين عبّر عن تخوّفه من أن يؤدي التسامح إلى التطرف والإساءة للآخر، في حين أن المطلوب هو الاعتراف بالآخر وبالمساواة والمواطنة، وفعلياً للانتقال لما بعد التسامح6.

لعلّ هذه مناسبة لطرح سؤال كان الصديق البروفسور خليل الهندي قد طرحه في مفتتح ملتقى انعقد في لندن حول التسامح، وهو سؤال في غاية البساطة والأهمية في الآن: هل يوجد تسامح لننظّم له ملتقانا أم أن غيابه يدعونا لتنظيم فعاليات للتذكير بجوهره؟

ومثل هذا السؤال المزدوج والمركّب ظل يتردد طيلة العقدين ونيّف الماضيين وبأشكال مختلفة، نفياً وإيجاباً، واستمرّ صداه إلى اليوم: هل نقرّ بواقع أليم أم نتوسّم أملاً بواقع جديد، وهو ما طبع الجدل والحوار، اختلافاً واتفاقاً، تباعداً وتقارباً طيلة الفترة الماضية، على الرغم من المشتركات، لكن الأمر يحتاج إلى الاعتراف كلٌ بالآخر وتأكيد قيم التسامح مع بعضنا البعض دون تكفير أو تأثيم أو تحريم أو تخوين أو تجريم، أو غير ذلك من عوامل الإقصاء والإلغاء والاستئصال وعدم احترام الحق في التنوّع والتعددية والاختلاف.

وحسناً فعل اليوم مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية حين قرر نشر دراسة مهمة الدكتورة فاتن محمد رزاق الخفاجي، الموسومة " التسامح في فكر الأحزاب العراقية المعاصرة" خصوصاً وأن ما هو سائد في العراق والعالم العربي والاسلامي من ارهاب وعنف ونزاع واحتراب يؤكد الحاجة الماسّة إلى نشر وتعزيز قيم التسامح لتصبح ثقافة سائدة، فلحدّ الآن لا تتوفر إرادة سياسية جماعية على مستوى الدولة للاعتراف بقيم ومبادئ التسامح، ناهيكم عن احترامها والالتزام بها اجتماعياً وسياسياً وقانونياً من جانب المجتمع والفرد.

يضاف إلى ذلك ضعف الثقافة العامة والفردية إزاء قيم التسامح التي لا تزال متدنّية، بل غائبة في الكثير من الأحيان، ويُنظر إليها بازدراء أو استخفاف أحياناً، باعتبارها عامل ضعف وليس قوّة، الأمر الذي أدّى إلى تشبّث الكثير من الجماعات بالتعصّب والتطرّف بجميع أشكاله الديني والطائفي والإثني والعشائري، إزاء الآخر، سواءً كان غربياً، أي غير عربي أو مسلم من طائفة أخرى أو غير المسلم مثل المسيحي أو اليهودي أو الصابئي أو الأيزيدي أو سواهم، أو غير العربي مثل: الكردي أو التركماني أو الأشوري أو الأمازيغي أو غيرهم.

وقد حاولت الباحثة التوقف عند هذه الظاهرة المثيرة والملتبسة، لا سيما عند الحديث عن مقوّمات التسامح ومعوّقاته، ففي الأولى تحدثت عن المواطنة والديمقراطية والثقافة والتربية، وكان بودي التركيز أكثر على درجة التطور الاجتماعي والاقتصادي وانعكاساته القانونية في ظل بيئة تشريعية ووجود مؤسسات قانونية ضامنة، لا سيّما للمساءلة وقضاء مستقل ونزيه، إضافة إلى دور للمجتمع المدني، كما يمكن للاعلام أن يلعب دوراً إيجابياً على هذا الصعيد، وبذلك يمكن بناء لبنات التسامح بصورة تراكمية وتدرّجية وتطوّرية متينة وعلى مختلف الصُعد، كمسار طويل.

أما المعوّقات، فإضافة إلى التعصّب والاستبداد والعنف وهو ما تناولته الدكتورة الخفاجي بشكل عميق، فإن الطائفية والعنصرية وإن كانت من نتاج التعصب والتطرف والغلو، لكنهما شكّلتا تاريخياً منبعاً لسيادة الفكر اللامتسامح وشجعتا على التعصب والعنف والإقصاء والإلغاء، لأن هذه المظاهر نتيجة وليست سبباً، وإن كان هناك علاقة عضوية بين العلّة والمعلول حسب قول الفلاسفة.

 

معنى التسامح وتاريخه!

إذا عُدنا إلى أصل المصطلح Tolerence فقد استخدم منذ القرن السادس عشر بمعنى أقرب إلى المفهوم السياسي والأخلاقي والسلوكي إزاء الآخر، من المذاهب الدينية، في حين أن استخدامه كمفهوم قانوني Toleration، بدأ بعد إصدار بعض الحكومات الأوروبية في القرنين السادس عشر والسابع عشر مراسيم تدعو إلى التسامح وتطلب من موظفي الدولة والسكان تطبيق حكم القانون The rule of law وأن يكونوا متسامحين في سلوكهم إزاء "الأقليات" الدينية الأخرى، مثل أنصار الراهب مارتن لوثر، وهو الأمر الذي مهّد لتموضع ثقافة جديدة تعتمد على مبادئ التسامح، لا سيّما بإقرار التعددية والتنوّع والحق في الاختلاف والتمايز والخصوصية.

ومن القوانين التي صدرت في حينها "مرسوم نانت" في فرنسا الذي وقعه الملك هنري الرابع في 13 نيسان/ابريل العام 1598 حيث يعتبر أول اعتراف رسمي بالتسامح الديني، وذلك بعد خمسين عاماً من الصراع الداخلي والانقسام الديني والطائفي. وبموجب مرسوم نانت سُمح للبروتستانت الفرنسيين الذين يطلق عليهم " الهوغونت" بحرية المعتقد والمساواة الاجتماعية والسياسية مع الأغلبية الكاثوليكية الرومانية، لكن هذا القانون ألغي من قبل الملك لويس الرابع عشر في العام 1685، ونتيجة ذلك غادر نحو 200 ألف هوغونوتي فرنسا.

وفي انكلترا صدر قانون التسامح The Toleration Act عن البرلمان في العام 1689 بعد ما سمي بالثورة التشارتية " الجليلة" العام 1688 وكان ثمرة جهود سياسية مضنية لمفكرين مثل لوك الذي وضع رسالته الشهيرة "رسالة في التسامح" إضافة إلى "رسالتين في الحكم" لتشتمل على مبدأ فصل الكنيسة عن الدولة، والذي شكل حجر الأساس في الديمقراطية المستقبلية، ومؤدّى قانون التسامح " الديني"، الذي أصدره " البرلمان الإنكليزي" أن للمخالفين للمذهب البروتستانتي (الرسمي) الحق في ممارسة طقوسهم بصورة علنية، أما أتباع الكنيسة الكاثوليكية وكنيسة الموحدين، فقد ظلّوا محرومين من هذا الحق حتى العام 1829 .

ولا بدّ من الإشارة إلى مجايلي لوك الذين بشروا بقيم التسامح الديني مثل بيير باييل وغروتشيوس وسبينوزا، إضافة إلى فولتير الذي يعتبر محطة مهمة من محطات فكرة التسامح بعد لوك، فكانوا جميعاً قد نظروا إليه باعتباره مسألة أقرب إلى فريضة دينية وليس إقراراً بالآخر كنوع من التعددية الثقافية، وحتى هذه المسألة ظلّ يشوبها تشويش كبير استمر حتى الآن، وإذا كان باييل يؤمن بالتسامح بين الكاثوليك والبروتستانت وإزاء المبشرين المسلمين في الدول المسيحية، شرط عدم تعكير صفو النظام والأمن، فإن لوك لا يؤمن بالتسامح مع الملحد، وكذلك يضع عقبات أمام التسامح مع المسلم (التركي)، إضافة إلى الكاثوليكي، لأن هؤلاء " غير متسامحين" وولاءهم لسلطة أخرى أجنبية، وتلك إحدى المسائل المطروحة اليوم بخصوص الموقف من غير المتسامحين، فهل يتم التعامل معهم بالتسامح أيضاً لأن ذلك سيؤدي إلى نسف فكرة التسامح وتمكين غير المتسامحين من إلحاق الضرر بالمتسامحين وبالمجتمع ككل!؟

وإزاء الانغلاق وعدم التسامح الذي يسود عالمنا العربي والإسلامي، فإننا نرى أن العالم يسعى لتوسيع التسامح حقـوقياً بعد أن جرى تعميمه أخـلاقياً، بحيث تشتمل الدعوة، الدفاع عن أولئك اللامتسامحين أو الذين ينشرون ويروجون لأيديولوجيات اللاتسامح "التوتاليتارية". ومع أن هذه الفكرة تثير نوعاً من النقد وربما الفزع في الغرب حالياً، خصوصاً بعد أحداث 11 أيلول (سبتمبر ) 2001 الارهابية في الولايات المتحدة، لأن هناك من يعتبرها خطراً على فكرة التسامح، بل وتدميراً للحرية، الجوهر الأساسي في فكرة التسامح، لكن هناك من يحاول إيجاد مبررات لها، ويرى كارل بوبر في كتابه " المجتمع المفتوح وأعداؤه" 7 إننا نمتلك الأسباب التي تدفعنا إلى رفض التسامح مع المتعصبين، موضحاً أن هناك حدوداً للتسامح، ولكن في الوقت نفسه يستدرك فيقول: بأن علينا عدم الانخداع بذلك الشعور الغريزي بأننا على صواب دائماً 8.

ولعلّه من الصعوبة تحقيق التوازن خوفاً من تحوّل المجتمع القائم على التسامح إلى مجتمع متعصب، لكن جون راولز في كتابه " نظرية العدالة" 9 يعتبر أن من واجبات المجتمع القائم على العدل أن يكون متسامحاً، الأمر الذي يقود إلى التسامح مع المتعصّب، والاّ سيتحوّل المجتمع إلى مجتمع متعصّب وغير عادل، مع تأمين الحماية. وتجدر الاشارة هنا إلى أن أفكار لوك بخصوص التسامح الديني وجدت طريقها إلى دستور الولايات المتحدة بعد أن تبنّاها توماس جيفرسون ولقت نجاحاً كبيراً.

وبعد فوز الإسلاميين في الجزائر جرى نقاش واسع حول مستقبل الديمقراطية الوليدة، وهو النقاش الذي انفتح اليوم على مصراعيه بفوز الإسلاميين، بل ودورهم ومكانتهم في: الباكستان وأفغانستان وإيران وتركيا والعراق والمغرب وتونس ومصر والسودان (حيث يحكمون)، إضافة إلى نصف فلسطين (غزة) ونصف لبنان (حزب الله) ودورهم الكبير في اليمن ونفوذهم الواسع في الجزائر وقوتهم في ليبيا ونشاطهم المتميّز في الأردن، ووصولهم إلى البرلمان في البحرين وقيادتهم لحركة المعارضة فيها، وحصولهم على مقاعد برلمانية أكثر في الكويت، بل اتّساع حركتهم على صعيد الخليج بشكل عام، إضافة صراعهم المسلح في الصومال ودورهم الفعّال، وكذلك وجودهم القوي في موريتانيا وصولاً إلى تشاد ومالي.

والسؤال الذي سيظل مفتوحاً، وربما لن يجد جواباً شافياً: كيف سيتكيّف الإسلاميون بقربهم من السلطة أو بوجودهم على قمة هرمها، مع قضية الديمقراطية والدولة المدنية، وهو سؤال بحاجة إلى أن يجيب عنه اليساريون والقوميون أيضاً، وجميع الكتل والجماعات السياسية ذات الصفة الشمولية، وهو ما حاولت الباحثة الدكتورة الخفاجي الخوض فيه .

لا أظن أن الإسلاميين في مختلف أقطارهم سيكررون خطأ الإسلاميين الجزائريين الذي أعلنوا بأنهم سيئدون الديمقراطية حالما يصلون إلى السلطة، الأمر الذي ألّب الكثير من القوى ضدهم، " لكنه من غير مقبول، وغير شرعي"  الإطاحة بهم بقوة السلاح، وهو ما قام به الجيش الجزائري بحجة "حماية الديمقراطية" المهددة على أيدي من حصل على الأغلبية . ومثل هذا الأمر تحاول اليوم بعض الأطراف التوسّل به للتخلص من الإسلاميين الذي وصلوا إلى السلطة عبر صندوق الاقتراع، بل أن بعضهم من أنصار التيار شبه الليبرالي في مصر أخذوا يخاطبون الجيش ويستحثونه للخلاص من حكم " الأخوان" ولفضّ النزاع بينهم وبين الإسلاميين، وتلك إحدى مفارقات السياسة، خصوصاً في ظل تفشي ثقافة اللاتسامح، وبالمقابل فإن الاسلاميين يسعون وبسرعة لوضع أيديهم على المفاصل المهمة في الدولة، لكي يطبعوا الحكم بطابعهم، بزعم الديمقراطية وحصولهم على الأغلبية البرلمانية.

وهكذا تصبح الديمقراطية في نظر البعض "مرذولة" فيما اذا تعارضت مع مصالحهم، في حين أنها ديمقراطية "محمودة" فيما اذا كانت نتائجها تنسجم مع ما يريدون تحقيقه من أهداف أو مكاسب. ويبدو الأمر وكأنه مفارقة حقيقية حين تصبح الديمقراطية "المفقودة" أقرب إلى شبح، أما الديمقراطية " الموعودة " فهي مجرد حلم بعيد المنال، ولعلّ ذلك واحدة من مفارقات التغييرفي العالم العربي، ولا سيّما أحداث الربيع العربي بعد العام 2011 10.

وقد فتحت أحداث 11 ايلول (سبتمبر) 2001 وفيما بعد الحرب على أفغانستان والعراق النقاش والجدل على نطاق واسع حول الاجراءات الواجب اتباعها ازاء اللامتسامحين، بل الذين يريدون تدمير قيم التسامح والتصدي لما انجزته الحضارة البشرية حتى وإنْ كان باسم التسامح أحياناً أو باسم العدالة أو استعادة الحقوق، وهو الأمر الذي بحاجة إلى ضوابط قانونية وسياسية وأخلاقية بحيث يمكن إرساءه على قاعدة متينة وصلبة، ولا يتم توظيفه بالضد من قوانين التسامح ذاتها أو البيئة التي تساعد عليها.

لكن الأمر لا يقتصر على تسمية بعض الاتجاهات او التيارات، بل استغلّ الامر بطريقة انتقائية و فيها الكثير من ازدواجية المعايير لادخال المنطقة العربية – الاسلامية و حركات المقاومة ضد الاحتلال في هذه الدوامة وتوجيه سهام الاتهام ضدها باعتبارها مصدراً وحيداً أو أساسياً للارهاب الدولي وعدم التسامح، في تفسير خاطئ وإغراضي لقيم التسامح ذاتها، لا سيّما المدوّنة في القواعد والقوانين الدولية، وفي مقدمتها الشرعة الدولية لحقوق الإنسان.

وكان جون لوك 11 قد نشر رسالته الشهيرة في العام 1689 ثم أصدر فولتير، وهو أبو التسامح بعد جون لوك، في العام 1763 كتاباً دعا فيه إلى أخلاقية التسامح، لاسيّما القائمة على التسامح الديني بين الشعوب والأمم المتعايشة في الغرب12. وقد فصلت ثلاثة قرون ونيّف بين رسالة لوك وبين صدور الاعلان العالمي للتسامح، أو "اعلان مبادئ التسامح" الذي صدر عن اليونسكو في العام 1995 13.

وبالرجوع إلى القرون الوسطى فقد شهدت أوروبا التي كانت تعيش ظلاماً فكرياً دامساً ظاهرة اللا تسامح، خصوصاً في ظل هيمنة رجال الدين " الإكليروس"14، ولا سيّما في الكنيسة وتحريم وتجريم ما عدى ذلك، من خلال توزيع الناس إلى فريقين: الأول المقدّس والثاني المدنّس، اللذان سادا في الحكم على البشر، واستمرّ الأمر حتى عهد التنوير الذي توّج بالثورة الفرنسية التي وضعت حدّاً للثنائية التي كانت سائدة، والتي تقوم على الكنيسة، كطرف أول تنحصر مرجعيتها بـ "الله"، مقابل قيام مجتمع علماني مرجعيته الواقع 15، وفي حين تستمد المرجعية الالهية مشروعيتها من الخالق، فإن المرجعية المدنية تستمد مرجعيتها من الناس ومن خياراتهم في العقد الاجتماعي وفي الحقوق والحريات16.

وإذا كان المخيال العربي شديد الارتباط حتى الآن بالحروب الصليبية (والأصح حروب الفرنجة) لأنها حروب غير دينية، وإن كان الدين من بين بعض أسبابها المباشرة أو غير المباشرة، إلاّ أنها قامت على المصالح والسعي لاحتلال الشرق العربي واستغلاله، كما هي الحروب الاستعمارية، بما فيها حروب اليوم، فإن المخيال الغربي هو الآخر يقوم على العدائية للعرب والمسلمين، لاسيما بمحاولة تهييج المزاج الشعبي، بما يعاكس الطبيعة البشرية أحياناً، باعتبار الإسلام يحضّ على الارهاب، وهو دين العنف وعدم التسامح.

وقد حصلت في الغرب قطيعة في القرن الثامن عشر، ما بين الدين (الكنيسة) والدولة، الأمر الذي أدّى إلى قيام وتعزيز الدولة المدنية، التي وضعت مسافة واحدة تقريباً بين الأديان والطوائف والانتماءات الإثنية والأصول السلالية واللغوية، وقد تعمّقت بالتدريج وعبر التراكم والتفاعل والتواصل والمشترك الانساني، وعلى أساس المواطنة المتساوية، لكن مجتمعاتنا العربية- الاسلامية، ظلّت في الكثير من جوانبها متداخلة بين الديني والسياسي، بل يندغم الواحد بالآخر أحياناً، وإلى درجة غير قليلة تتداخل في بعض الأحيان مهمات: الدين بمهمات الدولة، وهي مسألة من الصعوبة على الغرب أن يتفهمها، خصوصاً وأن الكثير من المجتمعات العربية والإسلامية، لاتزال لم تدخل مرحلة الحداثة، بل هي أحياناً لم تدخل مرحلة الدولة بمفهومها العصري، وتعيش حالة انتقال من طور إلى طور، في ظل كوابح وتحدّيات كثيرة تارة باسم الخصوصية، وأخرى باسم الدين والتراث، وثالثة باسم التقاليد والعادات وهكذا.

لقد حوّلت أوروبا الدين، ولا سيّما بعد عصر التنوير إلى مجرد تقليد ومحاكاة، وعلى الرغم من الاعتقاد السائد بأن الله يمثّل القوة الكاملة التي يُنسب إليها كل شيء، وإن الفرد والمجتمع بحاجة إلى التقرّب إليها، فإن الأمر تدريجياً، وفي ظل الحداثة اتخذ بُعداً جديداً، باضعاف دور الدين على حساب تقوية دور الدولة، التي حاولت التأثير في المؤسسات الدينية لتتساوق مع مؤسسة الدولة العليا، وهكذا جرت محاولات لتبهيت صورة الدين، تارة باعتباره استلاباً فكرياً حسب أوغست كونت، وأخرى بوصفه استلاباً انتروبولوجياً (إنسانياً) حسب فيورباخ الذي تأثر به ماركس، واعتبر فرويد الدين استلاباً نفسياً، ولعل العلاقة الملموسة بين الكنيسة البروتستانتية والدولة البروسية في ألمانيا في القرنين السابع والثامن عشر، هي التي كانت وراء أطروحة ماركس " الدين أفيون الشعوب" التي أخذها عن كانط، خصوصاً وأن ماركس تحدث عن وظيفة الدين وكيف يمكنه تعبئة نضال الناس من أجل حقوقها، ولم يتحدث عن الدين.

ومن جهة أخرى يفهم بعض العرب والمسلمين لا سيّما بعض الإسلاميين، أن أي حديث عن دولة مدنية، بمعنى فصل الدين عن الدولة، إنما هو محاولة من الغرب لفرض "العلمانية" التي تعني من وجهة نظرهم التصرّف ضد الدين أو اتخاذ موقف منه، حتى وإنْ كانت قلّة قليلة تدعو إلى مثل هذا الفصل الميكانيكي، الذي سيؤدي إلى التغريب، ظنًّا منهم أن دخول عالم الحداثة يحتاج إلى قطيعة ابستمولوجية بين الدين والدولة.

إن قيام دولة عصرية وفقاً للنظريات الدستورية المعاصرة وعلى أساس المساواة التامة والمواطنة الكاملة وحق الناس على اختيار الحكّام واستبدالهم، سيعني وضع الدين في مكانه المقدس الذي يستحقه، وليس استخدامه لأمور الدنيا كأداة للصراع والحصول على المكاسب، بما يؤدّي إلى المزيد من التباعد والتنافر والاحتراب أحياناً، والمشكلة ليست في الدين، بل في التديّن وفي التفسير والتأويل للقيم الدينية، واستدلّ على ذلك في نقد القرآن للتديّن الذي لم يكن وقفاً على وثنيّاته فحسب، وإنما واجه به وبقسوة كل تديّن كاذب ومنافق في سلوك أتباع الأديان التوحيدية دون استثناء 17.

حين أقرّت أوروبا بعد معاناة غير قليلة التمايز ما بين الدين والدولة، فإنها دخلت بالتدريج وعن طريق التراكم في حالة التسامح، حين اعترفت بالحق في الحرّية الدينية وحماية القانون للحرّيات الأساسية للإنسان، التي تعمّقت تدريجياً، لاسيّما على المستوى الدولي بعيداً عن احتكار الحقيقة أو ادّعاء النطق بإسمها، وإذا كان هذا الأمر قد حُلَّ غربياً، فإنه لا يزال عربياً وإسلامياً بعيداً عن الحلّ، بل أن خطورته تزداد باتّساع عمق الهوّة إزاء الآخر، في ظل التعصّب والتطرّف والغلو، وعلى الصعيد اليهودي، فإن ضيق الأفق والتوجّه العنصري دفعا أوساط واسعة إلى تبنّي فكرة الدولة النقية، كما يطرح اليمين الإسرائيلي حالياً، وهذا يعني أن لا مكان للمسلمين أو المسيحيين أو الدروز العرب فيها.

لقد حاول الفقه الإسلامي ضمن سياقه التاريخي بحث المسألة بالنسبة لمنتسبي الديانات الأخرى في دار الإسلام بالتمييز الايجابي وإن كان "سلبياً"، وذلك عبر اصطلاح وتشريع فكرة الذميين وهم "رعايا" في الدولة الإسلامية (اليهود والمسيحيون) وهو ما يطلق عليه محمد أركون "تسامح اللامبالاة" وأسمّيه أنا "التسامح السلبي"، خصوصاً أن تلك النظرة كانت ولا تزال تنظر إلى الآخر مع موقع أعلى، وهكذا يكون اليهودي والمسيحي في موقع أدنى18، ولعلّ مرجعية تلك النظرة المتمايزة هو الفكرة النيتشوية للتسامح التي هي أقرب إلى " العفو" أو "الصفح" سواءً من جانب الأقوى، أو من جانب الأضعف لما حصل له من ارتكاب أو هدر للحقوق، وفي كلا الحالين فإنه يحمل في طياته الإزدراء أو الإهانة.

لقد خطت أوروبا خطوات متقدمة بشأن فصل الكنيسة عن الدولة، أما الدولة العربية والإسلامية المعاصرة، فلا تزال "الشريعة الإسلامية" تشكّل محور وصيرورة وجودها في الغالبية الساحقة من الدول، ولعلّ فكرة القطيعة التاريخية التي سبق لأركون أن تناولها، لا تزال بعيدة المنال عنها، وقد لا تبدو قريبة في المنظور الحالي، وربما لسنوات غير قليلة، بما فيها الدول التي أحدثت تطوراً في النظر إلى الفكرة الدينية في دولة اعتمدت الإسلام مرجعية لها، كما هي تركيا المترنّحة بين الإسلام والعلمانية.

فقد ظلّ الطابع الغالب في القوانين والتشريعات في الأكثرية الساحقة من الدول الإسلامية يعتمد على الإسلام الذي يعتبر " دين الدولة"، وفي بعضها "مصدراً أساسياً" أو "المصدر الأساسي للتشريع"، بل وأكثر من ذلك حين يعتبر الكتاب المقدس "القرآن " هو الدستور، وقد جرت نقاشات واحتدامات ساخنة حول هذا الموضوع وغيره من المواضيع، بخصوص علاقة الدين بالدولة وموقع الشريعة الإسلامية، وذلك بعد موجة التغييرات التي شهدتها العديد من البلدان العربية، لا سيّما في تونس ومصر وليبيا واليمن، وقبل ذلك كان الجدل قائماً بخصوص وجهة الدولة في العراق بعد الاحتلال العام 2003، خصوصاً ما احتواه الدستور من ألغام كثيرة ليس بعيداً عنها موضوع الدين وتأويلاته وتفسيراته، وهو الأمر الذي يثار حالياً في دول ما يسمى بالربيع العربي بعد العام 2011.

وعلى الرغم من أن الدولة لكي تؤمن قاعدة التسامح فينبغي لها أن تكون محايدة، أو لا يكون لها دين محدّد، فالدين هو أحد أركان هوّية الفرد، ومثلما الإسلام ركن أساس من هوّية المسلمين، فالمسيحية هي كذلك ركن من أركان هوّية المسيحيين وهكذا، فالأمر الذي يحتاج إلى فكّ اشتباك دون خلط أو إكراه بين عقيدة الأفراد ووظيفة الدولة في حماية العقائد والحقوق. وقد طرح هذا الأمر على نطاق واسع ما بعد التغييرات التي حصلت في العالم العربي خصوصاً علاقة الدين بالدولة فضلاً عن فكرة الديمقراطية والفرق بين المشروعية والشرعية، وبين "الشرعية الثورية" و"الشرعية الدستورية"، وعلاقة ذلك بحقوق الإنسان وحكم القانون واستقلال القضاء، وتداولية السلطة سلمياً ومبدأ المشاركة والمساواة والحريات العامة والخاصة.19

وعندما انتقلت أوروبا إلى مرحلة الفصل بين الدين والدولة وبين الدين والسياسة، ظلّت المنطقة العربية تعيش حالة وصل بل هيام أحياناً ارتفعت حرارتها في السنوات الثلاثين ونيّف الماضية، ولا سيما بعد الثورة الإيرانية العام 1979، وأصبح هناك نوعاً من الاندغام حدّ التماهي، بشكل غير اعتيادي بين الدين والدولة، وبين السلطة الزمنية والسلطة الدينية، وأحياناً بين مذهب لطائفة معينة وبين الدولة، وهو انقسام زاد من انقسام العالم العربي إلى قبائل وعشائر ومناطقيات، لكن الدين والطائفة أكثر ظلا عاملين أساسيين في التجمعات القائمة لمرحلة ما قبل الدولة أو في ارهاصاتها الأولى. ولعل المقصود من هذه المقارنة لا تزكية للغرب أو إنساب الفضائل له، وتجيير الرذائل لدمغ مجتمعاتنا، بل هو البحث عن جوهر فكرة التسامح، دون نسيان مسؤولية الغرب فيما وصلت إليه مجتمعاتنا، سواءً محاولاته استعمار واستغلال البلدان العربية وتمزيقها أو من خلال تعطيل التنمية والإصلاح والديمقراطية، لا سيما بدعم إسرائيل وعدوانها المتكرر على الشعوب العربية، إضافة إلى نهب الموارد والأموال العربية، خصوصاً عبر صفقات التسلح بزعم الخطر الخارجي.

لقد حقّقت أوروبا والغرب عموماً، ولاسيما بعد الثورة الفرنسية، العام 1789 تطوّراً كبيراً في قضايا الحرّيات والمساواة وحقوق الانسان، وهو ما كان قد مهّد له كتابات فولتير ولاسيما حول "التسامح" 20 وكتابات مونتسكيو، وخصوصاً كتاب "روح الشرائع" 21 وكتابات جان جاك روسو وبالتحديد كتابه " نظرية العقد الاجتماعي" 22، وذلك بتهيئة بيئة ثقافية للثورة، وحتى بعد مرور أكثر من مئتي عام، فإن عالمنا العربي والإسلامي، لا يزال يقف في الكثير من مجتمعاته في مرحلة ما قبل الدولة وعند بوابات الحداثة التي تم ولوجها من جانب أوروبا، والانخراط فيها على نحو عميق، الأمر الذي يحتاج إلى تأكيد مسألتين أساسيتين: المسألة الأولى أن ما نطلق عليه مصطلح الدولة لا يزال هشًّا وضعيفاً ويعاني في الكثير من الأحيان من نكوص كبير، فضلاً استمرار التأثيرات السلبية للحقب الاستعمارية، ولم تتوفر بعد إرادة سياسية جماعية على مستوى الكيانية القائمة للاعتراف بقيم ومبادئ التسامح ونشرها وتأكيد احترامها والالتزام بها.

ولعلّ مسألة الدولة تطرح موضوع الشرعية، لاسيما علاقة الحاكم بالمحكوم، تلك التي تحتاج إلى مرجعية محددة وواضحة ما فوق دستورية أحياناً، مع إدراج مبادئها الأساسية في الدستور، وهذه المرجعية تجسّد القيم الإنسانية المشتركة. الشرعية Legitimacy التي تشكل موضوعاً رئيساً من مواضيع علم السياسة والنظام السياسي على وجه الخصوص، وذلك لارتباطه بمسألة كيفية وطريقة ممارسة السلطة السياسية في المجتمع، وبالتالي العلاقة بين الحكام والمحكومين .

وقد اختلف مضمون الشرعية وأدواتها وأهدافها، ففي فترة الحرب الباردة والصراع الآيديولوجي وفي ظل نظام القطبية الثنائية ساد مفهوم "الشرعية الثورية"، حتى وإنْ كان هذا الاستخدام له ما يبرره في مرحلة الإنتقال، لكن هذه "الشرعية الثورية" استمرّت لعقود من الزمان، وعلى نحو متعسّف، بحيث فقدت الشرعية المزعومة أي معنى وتحوّلت إلى  إستبداد وإستئثار ومصادرة للحقوق والحريات.

والمسألة الثانية أن الثقافة العامة والفردية لا تزال متدنّية، بل غائبة في الكثير من الأحيان عن المجتمعات على المستوى العام والفردي، الأمر الذي تتشبث فيه الكثير من الجماعات بالتعصّب والتطرف والنظرة السلبية إزاء الآخر.

ولعلّ مثل هذه الثقافة غير المتسامحة لا تزال سائدة مجتمعياً، بل تمثل الفضاء الثقافي العام في ظلّ عادات وتقاليد تكاد تكون راسخة، بحيث لا يتم التعامل على قدر المساواة القانونية والاجتماعية مع مكوّنات خاصة بالتنوّع الثقافي والتعدّدية القومية أو الدينية أو بالانتقاص منها بالتمييز وعدم المساواة، وإذا كان هذا الأمر ظاهرة عربية وإسلامية بامتياز، فإن الغرب ليس بريئاً منه، فالنظرة الإستئصالية الإلغائية تسود لديه أيضاً في ظل أجواء التطرّف والتعصّب، وفي إطار اعتقاد خاطئ، وذلك حين يتم اختزال الثقافة العربية الاسلامية إلى دين والى تعاليم محددة أو ممارسات لبعض من ينتمي إلى هذا الدين في حين، أنها هوية لحضارة ممتدّة ومتّصلة، بغضّ النظر عن القومية واللغة والجنس واللون والأصل الاجتماعي والاتجاه السياسي.

وعلينا الاعتراف أن الفرق واسع والمسافة شاسعة بيننا وبين الغرب وهو وإنْ كانت نظرته استعلائية وفوقية إزاء " الآخر" ولا سيّما شعوب وأمم العالم الثالث، الاّ أنه على صعيد الداخل والمواطنة وحقوق الإنسان، فإن لديه قوانين وأنظمة ومؤسسات تستند إلى قيم التسامح التي ترتقي بها إلى مصاف قواعد قانونية واجتماعية وسلوكية وأخلاقية، حتى وإن وجدت بعض الممارسات من بعض الاتجاهات المتعصّبة والمتطرّفة ذات النزعات العنصرية والفاشية، في حين أننا لا نزال حتى الآن بعيدين عن قيم التسامح ومبادئه 23.

واستناداً إلى بعض الاتجاهات المتطرفة في الغرب ذاته صاغ صموئيل هنتنغتون فكرته حول "صدام الحضارات" وذلك انطلاقاً من قراءة مخطوءة للعلاقات بين الدول والشعوب بقوله: إن غياب العدو الشيوعي لا يعني زوال التهديد بالنسبة للولايات المتحدة والغرب ولكي تحتفظ واشنطن بزعامة العالم وجب عليها البقاء على أهبة الاستعداد كقوة ضاربة للدفاع عن حضارة الغرب، ... لأن الصراع هو " صدام حضارات وليس نهاية التاريخ فحسب" والمشكلة فكرية ثقافية، مع الحضارات الأخرى، لا سيما مع الإسلام والحضارة العربية- الإسلامية، خصوصاً وإن الإسلام قادر على التعبئة من الغرب إلى الباكستان، حيث تدمغ الحضارة العربية- الإسلامية بقضها وقضيضها بالتطرف والظلامية والأصولية.

وقبل هنتنغتون كان فرانسيس فوكوياما قد توجه إلى الحديث عن نهاية التاريخ، End of History واضعاً الصراع على المستوى العالمي بين الأمم الما قبل تاريخية وبين العالم المتحضر " الما بعد تاريخي" عالم الصناعة والتقدم، حيث فازت الليبرالية على المستوى السياسي والاقتصادي، بانهيار أوروبا الشرقية وأنظمتها الاشتراكية. ويعتقد فوكوياما إن عالم ما بعد التاريخ هو الذي يحقق العدالة والإنسانية بفضل قوته الصناعية وتقدّمه، وما على الآخرين الاّ الانصياع والتسليم.24

للأسف الشديد لا يزال المسلمون، لاسيما المؤدلجون أو الإسلامويون أو المتأسملون غير متصالحين مع تاريخهم الايجابي منه أو السلبي، فهو يريدونه كما يروق لهم اليوم، ولا سيّما بعض رجال الدين، بما يعني توظيفه لمصالحهم الآنية، التي في الغالب هي مصالح اقصائية وتسلّطية، وخصوصاً عدم الاعتراف بالآخر، فما هو إيجابي من فقه التسامح وقيم الإسلام السمحاء يتم أحياناً غضّ النظر عنها، وهو الجانب المشرّف من التاريخ الإسلامي المنسجم مع روح القرآن والسنّة النبوية، لا سيّما القيم ذات البعد الشمولي الكوني، متجاوزة على زمانها ومكانها 25.

ويتم التشبّث أحياناً بعكسها، بما عفا عليه الزمن، بحجج واهية لا تخدم التعايش والتعاون والمشترك الإنساني بين بني البشر وإنْ كان بعضها ضمن سياق تاريخي فإن عهده قد انتهى، وهو ما تحاول بعض الاتجاهات في الغرب نعت الإسلام وإتهامه كلّه بالتعصّب والغلو، بسبب تفسيرات خاطئة وبعيدة عن روح التسامح.

إن التصالح مع التاريخ سيقود إلى تصالح مع الحاضر، سواءً جغرافياً أو دينياً أو قيمياً، وهو يقتضي المصالحة مع النفس، ومع الآخر الذي نعيش وإيّاه في وطن واحد أو على كوكب واحد، سواءً كان مسلماً أو مسيحياً أو يهودياً أو غير ذلك، مؤمناً أو غير مؤمن، المهم أن يكون إنساناً يستطيع أن يعيش معنا في إطار مجتمع واحد أو عالم واحد، بغض النظر عن الدين أو اللون أو الجنس أو العرق أو اللغة أو الأصل الاجتماعي أو الاتجاه السياسي، كما تذهب إلى ذلك الشرعة الدولية لحقوق الانسان وعدد من الاتفاقيات والمعاهدات الدولية، باعتبارها مرجعيات للتسامح.

التصالح مع النفس يقتضي الحوار مع الآخر والتواصل معه من خلال التبادل والتفاعل الإنساني، على أساس المشترك، الجامع، الموحد، المختلف، والمؤتلف في الآن ذاته.

 

حقيقة التسامح

مقاربة للسؤال المركزي الذي ظلّ يدور في كتاب الدكتورة فاتن الخفاجي: إذا كانت الحاجة للتسامح ضرورية، فالسؤال المنطقي الذي يتفرّع عن السؤال الأول هو: كيف السبيل لبناء وترسيخ ثقافة التسامح في ظل ما آلت إليه أوضاعنا من عنف وإرهاب، لا سيما بانتشار التعصّب والتطرّف، بعد احتلال العراق في العام 2003؟ ولعلّ الأمر يتطلب توفّر ظروفاً موضوعية وهذه تحتاج إلى :

أولاً- بيئة سلمية ولا عنفية مناسبة ينمو فيها ويترعرع ويزدهر الاعتراف بالآخر وحقه في العيش بسلام ودون خوف وضمان حقوقه كاملة على أساس المساواة والمشترك الإنساني. وهذه البيئة تتطلب رافعات أساسية للتسامح أهمها:

1-  وجود قوانين وأنظمة (تشريعية) تعتمد مبادئ المواطنة الكاملة والمساواة التامة والحق في الاختلاف وإقرار التنوّع والتعددية، وضمان العدل وعدم التحيّز في التشريعات وفي إنفاذ القوانين والإجراءات القضائية والإدراية، ذلك أن عدم وجود قوانين وأنظمة راعية للتسامح ورادعة لمن يخالف قواعده، سواء إزاء الأديان أو القوميات أو الثقافات سيؤدي إلى تفقيس بيض اللاتسامح، الأمر الذي سيقود إلى التوتر والعنف والارهاب، خصوصاً بوضع إلغاء وإقصاء الآخر هدفاً.

2- قضاء مستقل ونزيه لتطبيق القانون وحماية الحقوق والحريات. ولعلّ البيئة القضائية السلمية ستلعب دوراً إيجابياً في الإقرار بحق الاختلاف والمساواة وإحقاق الحقوق.

3- مناهج تربوية وتعليمية تقوم على المساواة وعدم التمييز، باعتبار التعليم والتربية من أنجع الوسائل لمنع اللاتسامح، ولعل الخطوة الأولى على هذه الطريق هي تعليم الناس حقوقهم وحرياتهم التي يتشاركون فيها وتأكيد عزمهم على حمايتها.26

4-  إن غياب مبادئ التسامح عن المناهج والأساليب التربوية والتعليمية، خصوصاً باستمرار النظرة القاصرة إلى الآخر والمشفوعة بتبرير الممارسات التمييزية والاستعلائية، تخلق ردود فعل حادة وتقود إلى تشجيع عوامل الاحتراب وخصوصاً في ظل الشعور بالاستلاب، لا سيما من جانب التكوينات المستضعفة والمهضومة الحقوق.

5-  بيئة إعلامية تتيح حرّية التعبير ونشر قيم التسامح والتعايش وعدم التمييز. فالاعلام سلاح ذو حدّين، فبإمكانه أن يكون عاملاً مساعداً في نشر قيم التسامح ومبادئه أو الترويج بضدها، بما يغذي عوامل الكراهية والأحقاد وتبرير العنف والارهاب.

6-  بيئة اجتماعية ومجتمعية من خلال منظمات مستقلة للمجتمع المدني تسهم في تعزيز التعايش والمشترك الإنساني وتقوم برصد ورقابة الممارسات غير المتسامحة حكومياً ومجتمعياً، وتكون شريكاً برسم السياسات العامة.

وثانياً- فهم مشترك لفكرة التسامح، وهذا يقوم على تنزيه مبادئ التسامح عن الفكرة الساذجة حول تعارضها مع مبادئ "العدالة"، وتصويرها وكأنها تعني غضّ الطرف عن الإرتكابات والإنتهاكات لحقوق الإنسان، مثل ممارسة التعذيب أو الإغتصاب أو القتل الجماعي، أو غير ذلك من الجرائم التي لا تسقط بالتقادم، سواءً ما يتعلق بالنظام السابق أو الارتكابات اللاحقة ما بعد الاحتلال. ولا بدّ من توضيح الفارق المتناقض بين مبادئ التسامح وفكرة المساومة أو التنازل أو التساهل، ولا يجوز بأي حال التذرّع بالتسامح لتبرير المساس بقيم حقوق الإنسان وحرّياته الأساسية.

كما من الضروري تفريق فكرة التسامح عن الفكرة الدارجة حول "العفو" أو "تناسي" أو "نسيان" ما حدث من ارتكابات أو عدم المساءلة، فذلك لا يجمعه جامع مع فكرة التسامح التي نقصدها والتي حاولنا عرضها تساوقاً مع مرحلة إعلان التسامح، ولعل جوهر مبادئ التسامح ومضمونه يعني حق كل فرد أو مجموعة التمسّك بحقوقها وعدم التنازل عنها، وهذه الفكرة هي نقيض فكرة وجود طرف قوي وآخر ضعيف، وأن الأول أو الثاني "يتسامح" مع الآخر، انطلاقاً من فكرة مثالية، بل أن العكس هو الصحيح، لا سيّما التمسّك بالحقوق وبالعيش المشترك، وأظنّ أن مثل هذا الفهم النيتشوي هو الذي يدعو بعض المثقفين إلى معارضة فكرة التسامح والنظر إليها بازدراء واستخفاف.

لهذه الأسباب تكتسب فكرة التسامح أهميتها وراهنيتها في العراق بشكل خاص حيث يسود العنف والارهاب، وتتصارع فيه قوى يريد كل منها فرض هيمنته على الآخر، كما تكتسب أهميتها وراهنيتها، لأن مجتمعنا العراقي عانى من اللاتسامح على صعيد علاقاتها الداخلية والدولية، من خلال الاستبداد والعدوان والحصار والاحتلال والطائفية والارهاب والتهميش، ولا يزال يعاني على مستوى الداخل من العنف والارهاب والتعصّب والتطرف والغلو.

كما أن فكرة التسامح ضرورية لترميم الحياة السياسية بعيداً عن الكيدية والانتقامية وردّ الفعل والعنف والثأر إزاء الآخر، وهو الأمر الذي يطرح موضوع المصالحة الوطنية الحقيقية بكل أبعادها على أساس مبادئ التسامح واستناداً إلى العدالة الانتقالية وتساوقاً مع قيم حقوق الإنسان، وذلك بتحديد المسؤوليات وكشف الحقيقة كاملة وجبر الضرر وتعويض الضحايا، والمهم إصلاح النظام القانوني والقضائي والأمني، وتوفير بيئة مشجّعة على ذلك.

وتحتاج المسألة إلى بثّ ثقافة التسامح وتعميمها، خصوصاً وأن مجتمعنا عانى من العنف واللاتسامح في الماضي والحاضر، وهذا ترك آثاره السلبية وجروحه العميقة، ولعل الهدف الأسمى هو تجاوز كل ذلك لآفاق مستقبلية، أساسها حرية الإنسان وسعادته، فالإنسان هو الأصل على حد تعبير الفيلسوف الإغريقي بروتوغوراس.

كما أن مجتمعنا بحاجة إلى التخلص من التركة الثقيلة لنزاعات داخلية حادة بين قوى وتيارات وطوائف وأديان، لا تزال تفعل فعلها من خلال أمراء اللاتسامح، الذين يعيشون ويتغذّون على أجوائه.

ثالثاً- الاعتراف بحقوق الغير ومعاناة الفئات المستضعفة، وهذا يعني إنصاف الأفراد والجماعات التي تعرّضت حقوقها للانتهاك، وذلك بعيداً عن الاعتبارات المصلحية والنفعية السياسية والشخصية، من خلال الإقرار بمعاناة فئات وشعوب وأمم وأديان وطوائف وجماعات مستضعفة، تعرّضت بسبب اللاتسامح وهضم الحقوق إلى مآسي كبيرة، لحقت بها جرّاء حروب وأعمال إبادة وقمع واستباحات باسم القومية، أحياناً أو باسم الدين، أو باسم الطائفة أو المذهب أو مصالح الكادحين أو غير ذلك من المزاعم الآيديولوجية، وإذا كان ذلك على المستوى الداخلي، فإن معاناة العراق من الحصار والاستباحات الخارجية والاحتلال على المستوى الخارجي، كانت سبباً في الكثير من الويلات والمآسي التي حلّت بالعراق وشعبه والتي أدّت إلى تعطيل التنمية والتقدم .

وإذا كنت قد أشرت إلى غياب أو ضعف ثقافة التسامح لدى الجميع، فإن هذا الضعف استمر، حيث بقيت الاستجابة الرسمية وغير الرسمية منكمشة وحذرة، وإن كان هناك بعض المبادرات المحدودة، حيث صدرت بضعة كتب ومطبوعات، وتأسست منظمات وشبكات لهذا الغرض، لكنها لا تزال محصورة جداً في إطار بعض النخب التنويرية وتأثيرها الاجتماعي والسياسي محدوداً.27

ولا تزال تفصلنا هوّة سحيقة عن قيم التسامح الإنساني التي تكرّست في مجتمعات سبقتنا على هذا الصعيد، الأمر الذي يحتاج إلى مراجعات ونقد ذاتي، لا سيّما من جانب النخب الفكرية والسياسية الحاكمة وغير الحاكمة، لمقاربة فكرة التسامح والتعاطي معها ايجابياً، على الصعيد الاخلاقي والاجتماعي، لا سيّما بعد اقرارها قانونياً ودستورياً.

 

فرضيات التسامح

لابدّ من الاقرار بأن الوضع الذي نعيشه في العالم العربي والإسلامي، يعتبر من أكثر الأوضاع قسوة على الصعيد العالمي ازاء قضايا التسامح واحترام حقوق الانسان. وقد كشفت تقارير التنمية البشرية التي صدرت عن البرنامج الانمائي التابع للامم المتحدة للعقد الماضي، الهوّة السحيقة للعالم العربي ويمكن ان نضيف للعالم الإسلامي فيما يتعلق بشحّ الحرّيات المدنية والسياسية والقهر السياسي والنقص الفادح في المعرفة والتخلف المريع في ميدان العلوم والتكنولوجيا، والموقف من قضايا تحرر المرأة ومعالجة "مسألة الأقليات – التنوّع الثقافي" وحقوق الانسان بشكل عام.

ولعلّ هذه الاوضاع كانت سبباً رئيسياً في تفشي ظاهرة اللاتسامح، خصوصاً الأسباب الداخلية الفكرية والثقافية وانعكاساتها، اقتصادياً واجتماعياً، اضافة إلى العوامل الخارجية التي ساهمت في عزل العرب والمسلمين وتهميش دورهم وعرقلة مساهمتهم في الحصول على العلم والتكنولوجيا، ناهيكم عن الحروب والعدوان المتكرر والحصار الدولي واحتلال الأراضي وغيرها، تلك التي لعبت دورا تبديدياً لإمكانات وأموال العرب والمسلمين وانفاقها على "العسكرة" والتسلّح، خصوصاً في ظل استمرار التنكر لحق الشعب العربي الفلسطيني في تقرير المصير وتمكينه من بناء دولته الوطنية المستقلة، وتمادي "إسرائيل" في عدوانها المتكرر على الامة العربية، مما أدّى إلى تعطيل التنمية وتأخير الاصلاح وتعويق الديمقراطية، وعرقلة السير نحو الحداثة.

وقد استغلت بعض الحكومات العربية والإسلامية وتيارات شمولية أخرى حتى وإنْ كانت نقيضها أو من معارضتها، حيثيات الصراع العربي-الاسرائيلي لتبرّر مصادرة الحرّيات وسياسة اللاتسامح وعدم الاعتراف بالتعددية وبحق الاختلاف والمعارضة، وتعطيل السير في طريق التنمية والديمقراطية.

ان عدم الاعتراف بالآخر والسعي لاقصائه أو إلغائه أو تهميشه على المستوى الداخلي (أي علاقة الحكومات بالشعوب) أو على المستوى الدولي (محاولة فرض الاستتباع وإملاء الإرادة والهيمنة) قادت إلى ادّعاء الأفضليات وامتلاك الحقيقة، واعتبار الآخر، المختلف، الخصم، العدو، محرّماً أو مؤثماً أو مجَّرماً. وهكذا فان المختلف في نظر التيارات الاستئصالية الداخلية والدولية، إنما يتطلب نزع مقاومته ورفض الاعتراف به على قدم المساواة، سواء كان فرداً أو تياراً أو حزباً أو أمة أو شعباً أو دولة.

التحدّي الأساسي الذي يواجه العالم العربي هو تقديره السليم لحاجاته الملحّة ومتطلباته الأساسية بشأن التغيير والتقدّم عبر تطور وتراكم ووسطية واعتدال وبحث عن المشترك الإنساني واعتراف بالآخر والتسامح في التعامل معه، وهو ما نطلبه لأنفسنا من الآخر أيضاً.

وعلى العكس من ذلك فان الاستكانة لما هو سائد ورفض أي تغيير يقود إلى الاستغراق في التشدّد والتعصّب والغلو، ولعلّ هذا يؤدّي إلى تفاقم أوضاعنا سوءًا ويزيد من معاناة مجتمعاتنا ويعمّق من احتقاناتها السياسية والاجتماعية والدينية والمذهبية، وهو ما رافق وما أعقب حركة التغيير التي شهدها العالم العربي في العام 2011 وما بعدها، سواءً التي اتّخذت الطابع السلمي أو التي شهدت أعمالاً عنفية واصطدامات مسلحة، وإن اختلفت حدّتها في بعض البلدان عن غيرها.

ولعلّ "الموجة الجديدة " للتغيير وإن أحدثت ارتياحاً بشكل عام في أوساط واسعة مختلفة ومتنوّعة، خصوصاً تغيير الأنظمة الحاكمة، ولا سيما ما صاحب نبرتها الأولى من دعوات للتسامح، وشعارات للحرّية والكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية، لكنها استبطنت قلقاً أخذ يرتفع ليتحوّل إلى مخاوف حقيقية إزاء التوجّهات اللامتسامحة، وخصوصاً باستهداف المسيحيين والتنوّع الثقافي بشكل عام، وحتى وإن كان جزءًا من ظاهرة عرضية لحالة التغيير في الوقت نفسه، لكنه يثير عوامل عدم الاستقرار فضلاً عن الكمون والتحفّز التاريخي إزاء التنوّع الثقافي في المنطقة، لا سيما باتساع ظواهر العنف واللاتسامح.

المشكلة لا تكمن في الماضي، بل إنها تواجه الحاضر، فالعديد من الإسلاميين أو "الإسلامويين" يعيشون في التاريخ ولا يريدون أن يخرجوا من نفقه المظلم أحياناً، فتراهم يفتشون وينقّبون في "المكتبات" عن تراث أصيل ونقي وتاريخ نظيف وأنيق، بل دون أخطاء أو ممارسات سلبية. إنهم بهذا المعنى يريدون تزيين الزمن لحساب الحاضر، متّخذين من الأمثلة والنماذج المحمدية الراشدية دليلاً على ذلك حتى وإن كان في غير سياقه التاريخي أحياناً، ليقيسون على الحاضر، في نظرة مثالية وكأن تاريخ 1400 سنة لا علاقة له بالإسلام وبالممارسات الخاطئة باسمه طيلة القرون الماضية، ناهيكم عن حاضر أقل ما يقال عنه أنه لا يتّسم بالتسامح ويحفل بالانتهاكات الأكثر جسامة والأكبر فداحة إزاء حقوق الانسان.

واذا كان البحث والتقصي في مكتباتنا يتطلب المواءمة مع كل جديد، وخصوصاً اذا كان لخير الانسان وينسجم مع روح العصر وسمته الأساسية، بل مع سننه وقوانينه الموضوعية، فإن المشترك الإنساني سيكون القاسم المشترك الأعظم للحضارات والثقافات والأديان والأمم والشعوب المختلفة.

لا يمكن ولوج تيار الحداثة ونحن مكبلّون بسلاسل القديم ولغة "التمجيد" التجريدية، وبقدر التمسك بالجوانب الإيجابية من التراث، فلا بدّ من النقد ونبذ ما عفى عليه الزمن وتجاوزته الحياة، ذلك أن استلهام مثل التسامح يتطلّب الاعتراف بالآخر المختلف وبالحق في الاختلاف، كما يتطلب قسطاً وافراً للمرأة ومساواتها مع الرجل واعترافاً حقيقياً بدور "الأقليات" وحقوقها العادلة والمشروعة (المقصود التنوّع الثقافي)، وإقرار مبدأ المواطنة التامة والمتساوية لجميع التكوينات واحترام مبادئ المساواة وفقاً للقواعد الدستورية العصرية وبما ينسجم مع اللوائح والمعايير الدولية لحقوق الإنسان والإقرار بالخصوصية الثقافية والقومية والدينية.

إن التقدم الحقيقي يتطلب بعد احترام حقوق الانسان كمسألة مركزية، الاستفادة من عالم المعرفة واستخدام كل ما وصلت إليه الثورة العلمية – التقنية خصوصاً ثورة الاتصالات والمواصلات على أساس خير الإنسان وحريته وسعادته.

وأعتقد أن واحدة من مشكلات العالم العربي والإسلامي تتصل بالتسامح وبالأجواء التي يمكن أن يشيعها، ذلك أن ولوج هذا الطريق يتطلب إصلاحاً حقيقياً على المستوى الدستوري والقانوني، وكذلك ظروف مناسبة اجتماعية وسياسية وثقافية، واحداث تنمية عقلانية ومستديمة. وتلكم مهمات راهنة ومستقبلية ولا تتعلق بتفسير التاريخ أو تأويله وجعل اسقاطاته مبرراً للحاضر.

إن خطاب التنوير النهضوي يتطلب اعترافاً بالآخر ودوره ونقداً له في الوقت نفسه (بما فيه للغرب، خصوصاً إزاء سياساته التمييزية بشأن قضايا العرب والمسلمين وبشكل خاص القضية الفلسطينية ) ونقداً ذاتياً أيضاً للنفس، للآنا، من خلال الاعتراف بالآخر على قدم المساواة وحقه في التعبير وحريته ودوره في المشاركة وفق منهج عقلاني يستجيب لمنطق التغيير والتطور .

إن الوصول إلى ذلك يتطلب فضاءات وأجواء صحية ومناخات إيجابية وبيئة سليمة تسمح لبذر فكرة التسامح. ويتطلّب ذلك تمهيد الظروف والمستلزمات الضرورية. ولا شك أن الحاجة إلى التسامح بقدر واقعيتها وراهنيتها، فإنها تستند في الوقت نفسه إلى فرضيات بحاجة إلى برهان يقود إلى إحداث تراكم وتدرّج قد يكون طويل الآمد، لكنه سيؤدي الى نقلة جوهرية في أوضاعنا السياسية والقانونية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والفكرية وغيرها.

الفرضية الأولى: نسبيّة المعرفة وهذه تتعلق بالاقرار بفكرة الخطأ والصواب، أي احتمال الخطأ والصواب للطرفين، وقد يكون كلاهما خطأ، فهناك رأي ثالث قد يكون هو الصواب. ولهذا فإن قبول مبدأ التسامح هو الإقرار، بمبدأ نسبية المعرفة الذي أخذ به سقراط وطوّره فولتير، ومثلما هذا الأمر ذهب إليه الإمام الشافعي والإمام جعفر الصادق والإمام أبو حنيفة وعدد من الفقهاء المسلمين، ومثل هذا الإقرار، يقود إلى تهيئة تربة خصبة تساعد على قبول مبادئ التسامح وفي ذلك خطوة مهمة وأساسية، بل لا غنى عنها، خصوصاً وأنّ على المسلمين أن يستذكروا دوماً ما قاله الفاروق عمر (رض) : رحم الله امرءٍ أهدى إليّ عيوبي!، ولعلّ في ذلك اعترافاً بالخطأ المحتمل، وكما قالت العرب، فالاعتراف بالخطأ فضيلة، فما بالك اذا اعترف كل منّا بخطئه، فسيكون ذلك نوعاً من "الاعتذار" وخطوة محورية للتسامح.

إن الإقرار بنسبية المعرفة واحتمالات الخطأ والصواب يعني قبول الجدل والحوار وصولاً إلى العقلانية التي ستكون مسألة ملحّة وضرورية لبلوغ غاية التسامح، أي أن النقاش والحوار لتصحيح الأخطاء بغية الوصول إلى ما هو صحيح، أو ما هو حقيقي، إنما ينصب البحث فيه حول امكانية التعايش والتسامح، وذلك دون أن يعني ذلك عدم تحديد الحقوق . ولكن المهم هو الاعتراف بالحق من خلال التمسّك به والدفاع عنه.

الفرضية الثانية: فكرة عدم العصمة من الخطأ، خصوصاً إذا ما افترضنا احتمالات الخطأ والصواب فحتى العلماء و المفكرين هم كذلك يخطئون، بل يكونون قد أخطأوا أكثر من مرّة في القضايا العلمية والعملية وفي التجارب الحقلية أو في مستوى الأخلاق أيضاً . يقول سقراط : كن حكيماً واعرف نفسك، اعرف أنك لا تعرف!

إن الإقرار بمبدأ عدم العصمة من الخطأ، يجعل بامكاننا الاعتراف بأخطائنا، وبالتالي اذا اعترف كل واحد منا بأخطائه، يسهل علينا الوصول إلى الحلول الوسط، عبر محطة التسامح، وفقاً لقاعدة مرجعية للحقوق والحريات.

الفرضية الثالثة: البحث عن الحقيقة والاعتراف بمقاربتها، عن طريق النقاش والحوار، لإنضاج وتطوير الأفكار وصولاً إليها، ولعلّ أكبر نقاش تأريخي كان بين انشتاين و بوهر أكبر عالمي فيزياء في العالم وبين ماركس وأنجلز أكبر مفكّري الفلسفة الاشتراكية، حيث شهد مناظرات وحوارات، من شأنها جعل الإرادة والأفكار والاستنتاجات أكثر وضوحاً. إن عدم ادّعاء امتلاك الحقيقة والنقاش والجدل حول سبل الوصول إليها يقود إلى التسامح، بل أنها خطوة لا يمكن تجاهلها وصولاً إلى الحقيقة.

الفرضية الرابعة: قبول التعدّدية، ذلك أن التسامح يعني الاحترام للتنوّع الثقافي ولأشكال التعبير عن الصفات الانسانية، ولهذا يفترض التسامح المعرفة بالآخر والانفتاح عليه، والاتصال به، والحرية في التعامل والتعايش معه. وهذا يعني قبول التعددية والتنوّع.

الفرضية الخامسة: قبول الاختلاف، حيث يفترض التسامح الاقرار بالاختلاف بين البشر بطباعهم ومظهرهم وأوضاعهم ولغاتهم وسلوكهم وقيمهم، ولهذا يقتضي قبول الحق في العيش بسلام معهم والاعتراف بحقوقهم.

الفرضية السادسة: قبول حقوق الآخرين، ذلك إن التسامح يفترض اتخاذ موقف ايجابي من الاخرين، بل من حقوقهم، خصوصاً التمتع بحقوق الإنسان وحرّياته الأساسية، وهذا لا يعني التنازل على حساب " الأنا " أو " النحن" المساومة عليها، بل هو اعتراف بحق "الآخر"، الـ" هم"!.

الفرضية السابعة: ضمان العدل، إن التسامح على مستوى الدولة يعني ضمان العدل وعدم التمييز في التشريع وفي إنفاذ القانون، والاجراءات القضائية والادارية، واتاحة الفرص للجميع دون تهميش أو استصغار.

الفرضية الثامنة: إقرار مبادئ المساواة إن التسامح ضروري على صعيد الفرد والأسرة والمجتمع، وإن الأفراد متساوون في الكرامة والحقوق، وعليهم أن يساعدوا بعضهم بعضاً من خلال التعايش والاعتراف بحق الاختلاف والمساواة .

الفرضية التاسعة: إقرار التسامح من خلال التعليم إن التعليم هو الوسيلة الناجعة لمنع اللاتسامح، خصوصاً تعليم الناس والمجتمع والافراد الحقوق والحريات التي يتشاركون فيها. ولعل المدرسة والتربية من الطفولة يمكن ان تساهم في خلق بيئة مستعدة لقبول التسامح والاختلاف. ويمكن للكنيسة والجامع والمؤسسات الدينية الأخرى أن تسهم في اصلاح الاوضاع ووضع مستلزمات التطور الطويل والبعيد المدى للاقرار بالتسامح. 28

إن مبدأ التسامح يتخذ منابع متعددة دينية وسياسية وقانونية وعرقية وأخلاقية واجتماعية وفكرية وفلسفية، لكنه يواجه عقبات اللاتسامح بسبب التعصّب الذي يتخذ أحياناً شكل حروب أو عدوان أو أعمال إبادة أو انتقام أو تحريم آراء أو تجريم وجهات نظر أو تكفير فكر، بل إنه يمتد إلى الحياة الشخصية ليقف حائلاً أمام الشريك والزوج و الأهل!

هل أعدنا النظر؟ وهل أحكمنا العقل؟ وإذا كان دعاة التسامح قليلين أو هكذا توحي عوامل الكبح، لانه الطريق الأصعب، خصوصاً في ظل سيادة نمط الواحدية والاطلاقية وادعاء امتلاك الحقيقة، لكن الامر يتطلب أيضاً رياضة نفسية وروحية، كمعيار أخلاقي، مثلما يتطلب قوانين ومؤسسات ضامنة وراعية.

ان استهلام النماذج المتقدمة على المستوى الروحي والاخلاقي، وكذلك الضرورات العملية تجعل فريق اللاتسامح ينحسر تدريجياً، خصوصاً من خلال التطور والتراكم وهكذا يمكننا أن نردد: "فلا تستوحشوا طريق الحق لقلّة سالكيه" كما يقول الإمام علي بن أبي طالب.

وإذا كانت الدكتورة فاتن الخفاجي قد ناقشت مقوّمات التسامح ومعوّقاته فإن تسليطها الضوء على فكر الأحزاب العراقية أعطى للبحث قيمة إضافية، خصوصاً بمناقشتها للجوانب العملية وقد توقفت عند بعض النماذج المهمة، لا سيما الحزب الوطني الديمقراطي وحزب الدعوة الإسلامي والحزب الشيوعي العراقي وحزب الاتحاد الوطني الكردستاني، باعتبارها تمثل أربعة نماذج مهمة: الأول- حزب ديمقراطي- ليبرالي والثاني حزب شمولي إسلامي، والثالث حزب ماركسي علماني شمولي والرابع حزب قومي كردي شمولي، وإن كان من المفترض تاريخياً التوقف عند الحزب الديمقراطي الكردستاني (الكردي سابقاً) المعروف باسم "البارتي" الذي تأسس العام 1946، في حين تأسس حزب الاتحاد الوطني الكردستاني العام 1975 ولكن ذلك مفيد لمعرفة جزء من تيار كردي قومي خرج من معطف الحزب الأول، ولكن باختلافات تاريخية منذ العام 1964.

وكان من المفترض التوقف عند أحد الأحزاب العربية العراقية، مثل حزب البعث العربي الإشتراكي الذي حكم العراق نحو 35 عاماً وترك بصمات مهمة في تاريخه، لا سيما سياساته غير المتسامحة، والتي اتسمت بالاقصاء والإلغاء والتهميش، والتي شملت جميع الفئات السياسية، إضافة إلى ما ناله الشعب الكردي من قمع وحروب وتهجير، خصوصاً خلال ما عرف بحملة الأنفال العام 1988، وكذلك ما تعرّضت له فئة من المواطنين العراقيين من تهجير إلى إيران، حيث بلغ عددهم نحو نصف مليون إنسان بحجة التبعية الإيرانية المزعومة، وكل ذلك له علاقة بسياسة اللاتسامح والكراهية والانتقام والكيدية التي سادت، خلال الحرب العراقية – الإيرانية 1980-1988 وما بعدها، في ظل سياسات الحصار الدولي الجائر 1991-2003 التي أوصلت إلى احتلال العراق، حين أصبح اللاتسامح كأنه المشترك الأعظم بين القوى والجماعات السياسية.

كان يمكن الاكتفاء بالحزب الوطني الديمقراطي نموذجا للأحزاب الديمقراطية – الليبرالية وهو نموذج أصيل تكوّن في ظرف تاريخي وطبيعي، وجاء بعد تطور الليبرالية العراقية وأطروحاتها المتقدمة والمتساوقة مع الليبراليات العربية في مصر وسوريا ولبنان وغيرها التي رضعت من الفكر الليبرالي التنويري العالمي الذي ازدهر عشية وبعد الثورة الفرنسية29 وصولاً إلى القرن العشرين، وهذه غير الليبرالية الجديدة وصقورها في الغرب وذيولها، التي كانت تبرر فرض الحصار على العراق واحتلاله لاحقاً.

الليبرالية لا تعني كل من لا علاقة له بالدين، بقدر إعلائها من شأن الفرد والفردانية واعتبار الحرية قيمة سامية عليا، لا يمكن الحديث عن أي تقدم دونها، وهذه تقتضي حرية الأفراد وحرية الأوطان وتحررها، مثلما تعني إعلاء شأن السوق وحرية التجارة، التي عملت تحت شعارات المفكر الاقتصادي البريطاني آدم سميث " دعه يعمل دعه يمر" وتلك كانت توجهات القيادات الديمقراطية والليبرالية العراقية تاريخياً، ابتداء من محمد جعفر أبو التمن وكامل الجادرجي وحسين جميل ومحمد حديد وهديب الحاج حمود وخدوري خدوري وسعد صالح وغيرهم، لا سيما في الموقف من الاستعمار والاحتلال والتخلص من الاتفاقيات والمعاهدات الدولية غير المكتافئة إضافة إلى موقفهم من الحريات الديمقراطية والفردية، بما فيها حرية النشاط الاقتصادي مع مراعاة بلداننا ككيانات ناشئة تحتاج إلى دعم الدولة، وهو ما ينطبق على الديمقراطيين والليبراليين بشكل عام.

وقد شاعت في السنوات الأخيرة بعض الأخطاء المتعلقة بتسمية التيارات، فهناك من يعتبر ليبرالياً أو ديمقراطياً أو حتى جزء من التيار الديمقراطي من لا علاقة له بالتوجهات الدينية دون أن يتمسك بأسس الليبرالية والديمقراطية كما هو مبيّن في أعلاه، لا سيّما عندما راجت الفكرة الديمقراطية وتداولية السلطة سلمياً وحكم القانون وحقوق الانسان، وذلك بعد فشل التجارب الاشتراكية والقومية سواءً على الصعيد العالمي أو في منطقتنا.

ويعود الأمر في تبني الشعارات الديمقراطية دون مضمونها أحياناً ودون سياقها التاريخي، إلى أنها أصبحت جاذبةً، كجزء من التطور الطبيعي في قسم منه، وفي جزئه الآخر ركوب موجة الديمقراطية، حتى وإن كان الفكر شمولياً بل وتسلطياً، وهو ما درجت عليه أوساطاً كثيرة أطلقت على نفسها اسم الديمقراطية أو التيار الديمقراطي أو زيّنت منظماتها وأحزابها باسم الديمقراطية سواءً كانت يسارية أو إسلامية أو قومية، خصوصاً وهي في أحزابها وبين قياداتها وأعضائها، ناهيكم عن علاقاتها مع بعضها، ليست ديمقراطية، ولا يجمعها جامع مع الديمقراطية.

وسيكون مناسباً تقديم حساب وإجراء مراجعة ونقد ذاتي حقيقي على صعيد الفكر والممارسة، بهدف تهيئة أجواء انتقالية لقبول الديمقراطية داخلياً وفي كل حزب، بما فيها فتح الباب للمعارضة الداخلية لكي تمارس حقها في التعبير دون هيمنة أو استتباع فضلاً عن العلاقة مع الآخر، المختلف، والمغاير.

ويشكل محتوى التيار الديمقراطي وجوهره الموقف من الدولة وتطورها ومؤسساتها وعلاقتها بالدين وقضية العدالة الاجتماعية، لا سيّما من خلال الإيمان بآلية التحوّل الديمقراطي والانتقال السلمي للسلطة وبسيادة القانون واستقلال القضاء وفصل السلطات وبمبادئ المساواة والمواطنة الكاملة، وتلكم هي الأساس في بناء نظام ديمقراطي يقوم على أساس المواطنة خارج نطاق الدين والقومية والطبقة، طبقاً لمبادئ المساواة وعدم التمييز.

إن هذه الملاحظات النقدية السريعة هدفها التقييم الإيجابي لما ورد في الكتاب من أطروحات واستنتاجات، تستحق القراءة من زوايا مختلفة، لأنها تشكل أساساً صالحاً لبحث موضوع التسامح في أركانه المتعددة والمختلفة، ولفتح نقاش أكاديمي وسياسي ومجتمعي، يتعلق بمواقف الجميع وعلاقتهم مع الآخر!، وذلك لكي تصبح قضية التسامح مسألة شعبية لا تعني النخب الفكرية والسياسية والحقوقية وحدها، بل تعني عموم الناس، وعندها يمكن الانتقال بالفكرة من طور التنظير إلى الواقع، ومن بعدها الاخلاقي والسياسي، إلى بعدها الثقافي والاجتماعي، وهكذا لكي تصبح جزء من منظومة حقوقية قانونية واجبة الاحترام، على الصعيد الفردي والمجتمعي، وبالطبع الحكومي.

 

مقدمة بقلم: الاستاذ الدكتور عبد الحسين شعبان

........................

1 - أكاديمي ومفكر، له ما يزيد عن 50 كتاباً ومؤلفاً في قضايا الفكر والقانون والسياسة والإسلام والثقافة والمجتمع

المدني، استاذ القانون الدولي وفلسفة اللاعنف- خبير دولي في ميدان حقوق الإنسان.

2 - نشير إلى بعض الدراسات التي صدرت بخصوص التسامح خلال السنوات الأخيرة فقط وهو ما أوردناه في محاضرة

لنا في مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 28/2/2013 وبمشاركة د. علي أومليل ود. رضوان السيد:

D. A. Carson, The Intolerance of Tolerance (Feb 8, 2013).

Matthew McKay, Jeffrey C. Wood and Jeffrey Brantley, The Dialectical Behavior Therapy Skills Workbook: Practical DBT Exercises for Learning Mindfulness, Interpersonal... (Jul 1, 2007).

Jordan Postlewait and Walker Gable , Tolerance (Dec 3, 2009).

Bob Hostetler and Josh D. McDowell, The New Tolerance: How a cultural movement threatens to destroy you, your faith, and your children , (Sep 1, 1998).

Lynne Truss, Eats, Shoots & Leaves: The Zero Tolerance Approach to Punctuation (Apr 11, 2006).

James D. Meadows, Tolerance Stack-Up Analysis (Jan 1, 2010)

Chris Mars, Tolerance: The Art of Chris Mars  (May 1, 2008)

Brad Stetson and Joseph G. Conti , The Truth About Tolerance: Pluralism, Diversity and the Culture Wars, (Mar 10, 2005)

Wendy Brown, Regulating Aversion: Tolerance in the Age of Identity and Empire (Jan 7, 2008)

Benedict XVI, Truth and Tolerance: Christian Belief and World Religions (Oct 1, 2004)

Scott Lobdell, John Francis Moore, Larry Hama and James Robinson, X-Men: Operation Zero Tolerance (Aug 15, 2012)

3- Shaban, Hussain- Tolerence in Arab Muslim Thought, Culture and State, Translated by:

Ted, Thronton, Aras Publishers, Erbil, 2012.

4- صدرت رسالة جون لوك الموسومة " رسالة في التسامح" في العام 1689 وذلك تعبيراً عن الثقافة البديلة للتعصب

والتطرّف الديني التي كانت سائدة ودفعت أوروبا أثماناً باهظة بسببها من النزاعات والحروب وسياسات الإقصاء.

انظر: لوك، جون- رسالة في التسامح، ترجمة عبد الرحمن بدوي، طبعة جديدة (دراسات عراقية) بيروت، سنة

النشر (بلا).

5- بادرت المنظمة العربية لحقوق الإنسان في لندن (1996) إلى تنظيم ملتقاها الفكري الخامس. في لندن والموسوم

"التسامح والنخب العربية" وحضره نحو 50 باحثاً وحقوقياً ومثقفاً من بلدان عربية مختلفة، ومن تيارات فكرية

وسياسية متنوعة، ومن المشاركين في أعمال الملتقى: أديب الجادر (العراق) وراشد الغنوشي (تونس) ورغيد

الصلح (لبنان) ومحمد بحر العلوم (العراق) وأبونا بولص ملحم (لبنان) وخليل الهندي (فلسطين) ومحمد الهاشمي

الحامدي (تونس) وعبد السلام نور الدين (السودان) وصلاح نيازي (العراق) وبهجت الراهب (مصر) ومصطفى عبد

العال (مصر) وعلي زيدان (ليبيا) وعبد الحسن الأمين (لبنان) وعبد الرحمن النعيمي (البحرين) وسناء الجبوري

(العراق) وآدم بقادي (السودان) ومحمد مخلوف (ليبيا) وكاتب السطور (العراق) وآخرين.

6- كان الشاعر الكبير أدونيس قد عبّر عن الفهم النيتشوي لفكرة التسامح في أكثر من مناسبة بإعلان رفضها، وقد   أبدى ملاحظة على فكرة التسامح التي وردت في البحث الذي قدّمه الباحث في دبي عند تأسيس مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم، بعنوان: التنوّع الثقافي في المجتمعات العربية- مصدر غنى أم فتيل أزمات، 28-29-اكتوبر 2007، ومثل هذا الفهم لا يزال قوياً لدى العديد من النخب الفكرية والثقافية والسياسية العربية، بعيداً عن الفهم المعاصر لفكرة التسامح، لا سيما تلك التي وردت في اليونسكو.

انظر كذلك: كلمة البابا بنيديكتوس السادس عشر في بكركي لقاء الشبيبة، لبنان، 15 أيلول (سبتمبر) 2012.

 

7- انظر: بوبر، كارل- المجتمع الفتوح وأعداؤه،، ترجمة د. السيد نفادي، دار التنوير والطباعة للنشر، بيروت، 1998.

8- انظر: كتاب " التسامح بين شرق وغرب" دراسات في التعايش والقبول بالآخر، ترجمة ابراهيم العريس، كتاب

جماعي، دار الساقي، بيروت، 1992.

9- انظر: راولز، جون،- نظرية العدالة، نشر في هارفرد عام 1971، وترجم للفرنسية ونشرته دار سوي، 1987.

10- انظر: شعبان، عبد الحسين- الشعب يريد- تأملات فكرية في الربيع العربي، دار أطلس، بيروت، 2012.

11- انظر: لوك، جون- رسالة التسامح، مصدر سابق،

قارن: Habermas, Juergen- Intolerance and Discrimination, Vol.1, No.1, 2003, pp2-12

قارن كذلك : النجار، شيرزاد أحمد، التسامح واللاتسامح في فلسفة هابرماز، مجلة التسامح، العدد 32، نيسان

(ابريل) 2011.

قارن: شعبان، عبد الحسين- فقه التسامح في الفكر العربي- الاسلامي، ط1، دار النهار، بيروت، 2005.

12- كان موقف فولتير في البداية ضد التسامح وقد كتب في العام 1741 كتاباً ينمّ عن التعصّب الديني، لا سيّما إزاء

الإسلام والمسلمين وهو بعنوان " التعصّب أو النبي محمد"، ولعلّ التاريخ يعيد نفسه وإن كان في المرّة الأولى على

شكل مأساة أما في الثانية فهي أقرب إلى الملهاة، خصوصاً في الموقف الغربي " السائد" إزاء الدين الإسلامي، ففي

القرن الحادي والعشرين تم نشر صور كاريكاتورية مسيئة للرسول محمد، في الصحافة الدانيماركية وأعيد نشرها

وتداولها بصورة استفزازية في العديد من البلدان الغربية، خصوصاً ربط الإسلام بالارهاب وإنه دين يحضّ على

التعصّب والعنف وعدم التسامح.

إن نشر فولتير رسالة خاصة عن التسامح بعد عقدين ونيّف من الزمان هو شعور طبيعي إزاء مفاهيمه من جهة،

ومن جهة أخرى ربما يكون قد اطلّع على آراء وكتابات في عصره، بخصوص الإسلام، ودفعه لاحقاً لتجاوز موقفه

اللامتسامح في البداية. ويمكن هنا استحضار مواقف مفكرين وأدباء كبار من الاسلام وقيمه مثل الشاعر الألماني غوته

والروائي الروسي تولستوي والزعيم الهندي غاندي والفيلسوف البريطاني برناردشو، لا سيما إزاء الحملة السلبية ضد

الرسول محمد وردود الفعل الغاضبة والمنفلتة إزاءها، وفي ذلك جزء من الوجه المشرق للعلاقة بين الشرق والغرب،

لا سيّما في بعض تجلياتها الثقافية .

13- انظر: اعلان مبادئ التسامح، اليونسكو، باريس، 1995.

14- الإكليروس هو النظام الكهنوتي الخاص بالكنائس المسيحية ولم يظهر هذا النظام إلا في القرن الثالث الميلادي

وتتفق الكنيسة الرومانية الكاثوليكية مع الكنائس الأرثوذكسية في درجات النظام الكهنوتي إلا أن البابا في الكنيسة

الكاثوليكية يتمتع بسلطات أعلي من نظيره في الكنيسة الأرثوذكسية . أما البروتستانت فلا يعترفون إلا بدرجتين فقط

من درجات هذا النظام وهما(القس والشماس ) في الكنيسة البروتستانتية حيث يمتنع رجال الإكليروس في الكاثوليكية

عن الحقوق الزوجية التي يترتب علي مخالفتها العقوبات الصارمة بينما لا تعترف الكنيسة البروتستانتية بذلك أما في

الكنيسة الأرثوذكسية القبطية فيحظر الزواج على البطريرك والراهب فقط .

15- لم تصبح قضية التسامح، قضية مجتمعية وثقافية، الاّ عندما اكتسبت بُعداً قانونياً، خصوصاً وقد برزت كتعبير عن

الانقسام المسيحي في أوروبا، لا سيما بعد اندلاع حركة الاحتجاج البروتستانتية، وما صاحبها وأعقبها من حروب

دينية استمرت لعشرات السنين.

16- انظر: اركون، محمد- من فصيل التفرقة إلى فصل المقال- أين هو الفكر الإسلامي المعاصر، دار الساقي، ط 2،

بيروت، 1995، ص 12 و111.

17- انظر: شحادة، الشيخ حسين أحمد- الهوى الصعب والإخلاص للمعرفة، (في نقد كتاب تحطيم المرايا).

18- انظر: أركون، محمد – من فصل التفرقة إلى فصل المقال، مصدر سابق.

19- انظر: شعبان، عبد الحسين، بحث بعنوان: الدستور والدستورية في الفقه العربي الحديث، (غير منشور) 2013.

20- انظر: فولتير، رسالة في التسامح، ترجمة هنرييت عبودي، دار بترا للنشر والتوزيع، 2009.

21- انظر: مونتسكيو، روح الشرائع، ترجمة عادل زعيتر وأنطوان نخلة قازان، اللجنة الوطنية اللبنانية للتربية والعلم

والثقافة (الاونسكو)، 2005.

22- انظر: جان جاك روسو، نظرية العقد الاجتماعي، ترجمة د. حسن سعفان، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1995.

23- قارن: خالص، عبد الرحيم، أي معنى لفكرة التسامح في المتخيّل الجماعي للأفراد في " الغرب" و "الإسلام"، مصدر   سابق.

انظر كذلك: مالكي، إ محمد – مفهوم التآخر التاريخي في المنظومة المعرفية، المجلة العربية للعلوم السياسية، العدد  18، ربيع 2008  (بيروت/لبنان)

قارن: حنفي، حسن- مقدمة في علم الاستغراب، المؤسسة الجامعة للدراسات والنشر والتوزيع، ط1، بيروت، 1992

24- انظر: هنتنغتون، صموئيل " صدام الحضارات وإعادة بناء النظام العالمي" ترجمة د. مالك عبيد أو شهبوة ود. محمد محمد خلف، الدار الجماهيرية، دار الكتب الوطنية، بنغازي، ليبيا، ط/1، 1999، ص 370 وما بعدها.

Huntington- Samuel- A clash Of Civilization, Foreign Affaires, Summer 1993

Huntington, Samuel- The Clash Of Civilization And Remarking of world order, London Simon and Schuster,1997.

Fukuyama ,Francis- The End of history, International affairs journal,1989, “The End of History and the Last Man, 1992”.

25- انظر: شعبان، عبد الحسين- التجديد والاجتهاد في النص الديني، بحث مقدّم إلى مؤتمر بيروت، معهد المعارف

الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية، 6-7 حزيران(يونيو)2011.

26- انظر: إعلان مبادئ التسامح، اليونسكو، الدورة 28، 16 تشرين الثاني (نوفمبر) 1995.

27- على المستوى العربي، يمكن الإشارة إلى مبادرة مركز رام الله لدراسات حقوق الإنسان الذي أصدر مجلة بإسم

"التسامح"، مثلما صدرت مجلة باسم " تسامح" في مسقط "عُمان" وقبل بضع سنوات أعلن عن تأسيس الشبكة

العربية للتسامح التي شكّلت دعوة مهنية وحقوقية لمبادئ التسامح، وقررت منح جائزة سنوية لإحدى الشخصيات

المعروف عنها إيمانها بمبادئ التسامح وكان أول من تقرر منحه الجائزة دولة رئيس وزراء لبنان الأسبق الدكتور

سليم الحص، كما بدأت بنشر تقرير نصف سنوي عن حالة التسامح في مناطق السلطة الفلسطينية .

28- انظر: شعبان، عبد الحسين- فقه التسامح في الفكر العربي- الإسلامي، مصدر سابق.

29- انظر: شعبان، عبد الحسين- جذور التيار الديمقراطي في العراق- هل انقطع نسل الليبرالية العراقية؟ - قراءة في أفكار حسين جميل، دار بيان، في بيروت، 2007.

 

مؤلفة الكتاب الدكتورة فاتن محمد رزاق الخفاجي .

عنوان الكتاب : التسامح في فكر الأحزاب العراقية المعاصرة.

إصدار : مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية.

الطبعة الأولى، بغداد، 2013.

عدد الصفحات 484 من القطع الكبير.

 

ezzeddine  anayaبموجب الفترة المطوَّلة التي قضّيتها في جامعة الزيتونة طالبا وباحثا، على مدى السنوات المتراوحة بين منتصف الثمانينيات ومنتصف التسعينيات من القرن الماضي، سيكون جلّ اهتمامي في هذه المقالة منصبّا على التعرّض إلى تجربة التحصيل العلمي، إضافة إلى استحضار واقع الصراع على الزيتونة، بقصد التأمل في مسارات ومآلات مؤسسة دينية، لا تزال مثار جدل، لاسيما في ظل التحولات العميقة التي يشهدها مجتمعنا.

 

من الزيتونة إلى الغريغورية

غدا بمثابة اليقين لديّ، أن الإشكال الرئيس الذي يعاني منه الدرس الديني في مؤسساتنا التعليمية في تونس متلخص أساسا في أمرين: خضوع المقرّر التعليمي إلى وصاية سياسية توجه مساراته، ما انعكس على مضامينه وتطلعاته وآفاقه؛ ومن جانب آخر مجافاة منهج التعليم الديني للراهنية الحضارية، وهو ما يتجلى في غياب عناصر الواقعية، والعلمية، والمعقولية.

لم أكن قبل هجراني الزيتونة مقتنعا بالمنهج التعليمي السائد، لِما اتّسم به من قدامة وتقليد وسطحية وافتقار إلى البعدين النقدي والعقلي، في جلّ مواد العلوم الشرعية التي كنّا نتلقاها. وقد تبين لي جليا عقم هذا المنهج لما التحقت بوسَط أكاديمي كاثوليكي غربي، أقصد الجامعة الغريغورية، لفت انتباهي فيه تعاطيه المزدوج مع المسائل الدينية، وذلك ضمن مقاربتين، تنتهي كل منهما إلى الحرص على الإلمام بأبعاد "الكائن المتدين". حيث تتضافر الدراسة اللاهوتية الداخلية للدين مع الدراسة العلمية الخارجية له. وأعني بالدراسة الداخلية التركيزَ على دراسة علم اللاهوت المنهجي، وهو الاجتهاد لفهم مجمل الحقائق على ضوء تعاليم المسيحية، بما يماثل علم أصول الفقه لدينا؛ وعلم اللاهوت الرعوي، بما يضاهي دراسات الدعوة في جامعاتنا الإسلامية؛ فضلا عن اللاهوت التاريخي، ولاهوت الآباء، واللاهوت الروحي وغيرها من علوم الوسائل. تتضافر جميعا مع الدراسة الفلسفية ودراسة العلوم الاجتماعية، بما يسمح للدارس الإحاطة بمنهجين في معالجة الظواهر الدينية، أحدهما لاهوتي والآخر علمي، ويتيح له قدرات أرحب للتحليل والاستيعاب والفهم. فمن خاصيات المقاربة اللاهوتية أنها معيارية تحتكم سياقاتها إلى ما يتمتع به الإيمان من صدق، وهي تحاول أن تجيب عن أسئلة على غرار: ما الواجب علينا الإيمان به؟ وكيف نؤمن بالله؟ وضمن أي السبل يتحقق الفلاح الدنيوي والخلاص الأخروي؟ وبشكل عام تتميز انشغالات هذا المقاربة في إقامة علاقة عمودية تصل الإنسان ببارئه، يتطلع فيها المرء إلى الانسجام الأمثل معه؛ وأما المقاربة العلمية والتي تستند بالأساس إلى الإناسة، وعلم الاجتماع، وعلم النفس، والتاريخ، والمقارنة، والظواهرية وغيرها، فهي تعنى بكل ما هو معتقَد من قِبل البشر، متطلّعة إلى فهم أكثر حداثة وأوفى إحاطة، بما يقدّمه كل دين لأتباعه، وباحثة عن التقاط معاني اللغات الدّينية ومفادها العميق. ولذلك كان علم الأديان يرصد ويقارن ويوضح ويسبر الأغوار، ويتفكر في الأمور بطريقة تحليلية نقدية توصل إلى توليف، متحوّلا من مستوى اختبار المقدّس المعيش إلى مستوى المفهمة.

 

تصحيح منهج الدرس الديني

غالبا ما برّر التعليم الديني في تونس عجزه الحضاري وخموله المعرفي بوقوعه رهن مؤامرة فرنكفونية علمانية، اُستهلّ مشوارها مع الاستعمار وتواصلت مع أعوانه، في حين أن الأزمة بالأساس هي بنيوية معرفية. وفي ظل اختلاط السبل، قنع الحريصون على التعليم الكلاسيكي بما كتب الله لهم، ولم تنشأ في أوساطهم عملية مراجعة تصحيحية داخلية. إذ كان الأولى طرح سؤال جدوى المعارف الدينية في الاجتماع، وأية مساهمة حضارية يمكن أن تسهم بها، بعيدا عن الإجابات الخلقية أو الميتافيزيقية أو المؤامرتية الجاهزة، التي تتوارى خلف قول النبي الكريم: "من أراد الله به خيرا فقّهه في الدين". إذ غالبا ما يُبرَّر الحرص على المعرفة الدينية بجدوى أنطولوجية ضامنة لحسن المآل، وإن كان مقاصد العلوم أن تستهدف بالأساس تطوير الموجود، وتحريك الراكد، وكشف المخبوء، والإحاطة بالماحول، ولكن سدنة المعارف الدينية، على وضعهم الحالي، يبدون غير قادرين على تولي هذا الدور المنوط بعهدتهم. فالمعارف في شكلها التقليدي السائد هي عاجزة عن بلوغ حاجات المجتمع، وبالمثل وكلاؤها هم أعجز عن بلوغ ذلك المراد، لافتقارهم الأدوات الموصلة إلى ذلك؛ وأما من ناحية طرْق مسارات نهضوية مستجدة، من خلال كشف المخبوء، فإن عدّتهم المعرفية لا تسمح لهم بخوض غمار شغل هو أكبر من قدراتهم، ما جعلهم منفعلين بالماحول، وعاجزين عن الفعل.

من هذا الباب، أقدّر أنه من غير المجدي متابعة التلقين والشحن للنشء بمعارف لا تنفع، ولا تتجاوز صدقيتها عتبات المساجد أو دائرتنا الإيمانية المتواضَع عليها. ولذلك يأتي إنهاك المرء بمقولات التراث المتراكم في علوم القرآن، وعلوم الحديث، والتفسير، والمقاصد، وما شابهها من المعارف، محدودَ الأثر. وفي الحقيقة من أوكد شروط التصحيح، وهو بلوغ الوعي بالبنى الاجتماعية والتاريخية التي ولّدت علومنا الدينية التي باتت تشكل وزرا علينا. لأن أي تكرار لمنهج التعليم السالف هو تعطيل لاندماج المرء في مجتمعه، فضلا عن صدّه عن بلوغ التعارف على مستوى كوني. وربما سؤال مباشر لكل منتسب للجامعات الإسلامية، وهو ما الشيء الذي يمكن أن يضيفه للعالمين خارج نسق مجتمعه الإسلامي؟ لذلك أقدّر أن شرط استعادة الدرس الديني دوره، يبدأ من مراجعة قدرة المدرّس على الإسهام الحضاري، فإن كان المدرّس ضنينا بذلك الدور، فهو أعجز عن مدّ يد العون للطالب ومرافقته نحو مدارج العلى المعرفي.

ربما يعي كثيرون ضيق أفق الدرس الجامعي لدينا، عند التطرق لمسألة الإلمام بالآخر، في وقت ما عاد فيه مبرّر لذلك الضيق. حين كنت طالبا في الزيتونة كان أحد أساتذتنا الأجلاء، ممن كلِّف بأداء درس علم الاجتماع الديني، وهو في الحقيقة مسقَط على هذا التخصص، يقرئنا القول الإنجيلي المأثور: "لا يعيش الإنسان بالخبز وحده بل بكلمة من فم الرب"، بطريقة مغلوطة: "لا يعيش الإنسان بالحبر وحده..."، ثم يستدرك مصححا: "لا يعيش الإنسان بالخبر وحده..." فتضجّ القاعة بالهتاف والضحك.

 

الصراع على الزيتونة

حين التحقت بالتدريس في جامعة "الأورينتالي" في نابولي، في مستهل مجيئي إلى إيطاليا، هالتني الحفاوة البالغة التي أحاطني بها كبار المستشرقين والمستعربين، بما خُيّل إلي أن الحجر الذي رفضه البناؤون قد صار رأس الزاوية، وتعُود تلك الحفاوة إلى أمر بسيط، أني خريج جامعة دينية، ما فتئت تمثل في المخيال الاستشراقي قلعة من قلاع المعرفة الإسلامية. في الحقيقة ما كنت أقدر على البوح لزملائي الإيطاليين بمآلات الانغلاق المعرفي الذي آلت إليه الزيتونة، فقد كانت نظرتهم مأسطرة عن هذه الجامعة، واردة من قرون مضت. والحال أنه بعد أن بات الصراع على أشده في الزيتونة وعلى الزيتونة، على مدار الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي، بين التيارات الإسلامية والسلطة، آلت فيه نتائج الصراع لصالح هذه الأخيرة. فشهدت المعرفة والدراسة حينها تورطا في مناورات سياسية ضارية، بما خلّف تراجعا معرفيا فادحا.

لكن رغم ابتعادي عن الجامعة الزيتونية، بقي سؤال استقلالية المعرفة الدينية وصوابية مضامينها العلمية حاضرا بشكل ملحّ في ذهني. أتساءل عن الحصيلة المعرفية التي توفرها الجامعة الدينية، وما تتيحه من قدرات للاندماج الاجتماعي لطالب العلم. غدا الأمر بمثابة اليقين لدي أن المعرفة الدينية الغيبية الطابع، والتي يعوزها التحاور مع المسارات الحداثية للمجتمع، هي غير قادرة على العيش إلا ضمن مؤسسات السلطان وفي ظله، وتعجز عن التواجد بذاتها، جراء الوهن المعرفي الذي تعاني منه. وهو ما جعل الخطاب الديني لدينا تابعا، وغير قادر على العيش بذاته. مع ذلك، كان وهْم الحضور لديه مستفحلا وهو غائب، وبالمثل كان وهْم الفعل لديه شائعا وهو عاجز.

 

الآفات المزمنة للدرس الديني

ثمة آفات عدّة تستحكم بالدرس الديني لدينا، سآتي لاحقا على ذكر بعضها. عموما لازم مطلب الإصلاح التعليمي تاريخ الزّيتونة، مع ذلك لم تتبلور بشأنه فلسفة للإصلاح، تخلّف تحوّلا وتطوّرا فاعلين. ولذلك تعدّدت دعوات الإصلاح دون أثرٍ يذكر، لما وعى به العديد العملية خطأً، كونها حلّة خارجية ترتديها المؤسّسة، على غرار الشعار الأجوف "الزيتونة أصالة وتفتّح" الذي رُفع طيلة التسعينيات. في حين يتمثّل الإصلاح الجوهري في ما ينبغي أن يقوم عليه الدرس من منهج عقلي تفكيكي، وأساس ديني إنساني منفتح، مصهورين في البرمجة. والملاحظ في مسار طروحات الإصلاح تلك، أن طلاّب الجامعة كانوا أكثر إدراكا لضرورته من شيوخهم، وهو أمرٌ عجزت هياكل الإشراف عن ترجمته إلى فلسفة تربوية علمية، لتناقُض نتائج العملية مع ولاءاتهم السياسية أو مع أهدافهم النّفعية. ومن الآفات المزمنة التي ألمحت، أذكر:

- آفة غياب شرط الواقعية في الدرس الديني، وهو شرط محوري، فلا يمكن ضمان فاعلية المعرفة الدينية في الاجتماع، ما لم تستجب للتحديات وتجيب عن التساؤلات. وبالتوازي لا يمكن للمعارف الدينية أن تكون واقعية ما لم تع أثر خطابها في العالم، فالمعرفة الدينية التي لا تستوعب المعطى الكوني هي معرفة منغلقة ومن اليسير انحرافها وسقوطها في الأوهام. وحتى تضمن المعرفة واقعيتها لزم أن تعيد النظر في مفهوم العلمية بشكل دائم ومتكرر وفق تعاطي نقدي مع الذات. فسابقا كان مفهوم العلمية في المعرفة الدينية مستمدا من سياق إيماني، ولكن في ظل واقع معولم ما عاد ذلك يفي بالغرض، حيث غدا مفهوم العلمية أوسع وأشمل. ما استوجب أن ينفتح فيه الدرس على المنجَز العلمي العالمي، أكان في المتابعة الداخلية للظواهر الدينية، في أديان قريبة أو نائية، أو كذلك في الانفتاح على المتابعة الخارجية للظواهر الدينية، ضمن الإلمام بعلوم شتى باتت ملحة للإحاطة بالكائن المتدين، على غرار علم الاجتماعي الديني والإناسة الدينية وتاريخ الأديان.

- آفة غياب شرط العقلانية: إذ ثمة تراجع هائل لمطلب العقلانية في الدرس الديني العربي، ولاسيما في كليات الشريعة. فهل معارفنا لها قيمة أو لها حضور خارج فضائنا المعرفي؟ ربما عدم الحضور عائد إلى عجزنا عن القيام بعملية نقدية لخطابنا الديني. وهل التعليلات التي نعلل بها جدوى معارفنا هي بحقّ تعليلات كونية؟ وهل خطابنا تجاه الآخر هو خطاب عقلاني ومعقول؟ لذلك طرح سؤال صِدقية المعرفة من الشّروط اللازمة لحفظ الفكر الدّيني من الزّيغ والضلال. ففي العصر الذي كانت فيه خيول الإسبان تدنّس حرم الزّيتونة، كان العقل الديني يتلهّى بفنطازيا الغيبيات وهو يحسب أنّه يحسن صنعا. ربما تعوزنا حتى الراهن الشجاعة الكافية للتطرق للزوايا المظلمة في تاريخنا الزيتوني وفي راهننا الزيتوني لافتقارنا لعقل ديني نقدي.

فمالم يكن ديدن المعرفة الالتزام بالنقد والتّمحيص من جانب، واليقظة والتنبّه لتبدلات الاجتماع البشري من جانب آخر، فإنها توشك أن تتحوّل إلى فلسفة إماتة للمجتمع. لعلّ المعرفة الإسلامية التي سادت في عصور الانحطاط والتي تخلّت عن هذين الشّرطين السّالفين، العقلي والاجتماعي، كانت مما شايع فلسفة الموات لا فلسفة الحياة، وهو ما وسمها بالتنكّر الرؤيوي للأسس الجوهرية للمعرفة الإسلامية.

- وهْم المعرفة المزيّفة: عادة ما يقع، عند استدعاء مجد التدريس الديني لدينا، التحجّج بالقلة والكثرة المتعلقة بأعداد الطلاب، دون التنبه إلى الإشكاليات الكامنة في ما وراء القلة والكثرة. سمعت كثيرا من أفواه أنصار التعليم الديني، أن الزواتنة كانوا أكثر نفرا إبان العهد الاستعماري منه أثناء العهد البورقيبي، وبالمثل غالبا ما تجري المقارنة بين أعداد طلاب الزيتونة، في مستهل عهد المخلوع وآخره، والحقيقة أن المساهمة الحضارية والإضافة المعرفية لا ترتبط بالكمّ بل بالكيف. فالإشكال الرئيس للدرس الديني متواجد حين سادت الكثرة وحين تراجعت إلى قلة، وهو عائد إلى غياب الأسس العلمية للدرس الديني. فاستدعاء مناهج العلوم الكلاسيكية الإسلامية لتدريس الدين ما عاد كافيا بالمرة، وما عادت تلك العلوم كفيلة بضمان تكوين متوازن للمرء. وما لم نوفق في تطعيمها بعلوم مستجدة فسيبقى حديثنا في الدين تكرارا فجّا. ولذا وجب طرح سؤال مدى قدرة مضامين تلك العلوم على وعي الظواهر الدينية، وعلى إفادة الفرد في عيشه وفي وجوده. فليست المعارف الدينية معارف غير مشروطة بواقعها بل هي معارف لصيقة بواقعها بالأساس، وإلا تحولت الاستعاذة منها "اللهم إنا نعوذ بك من علم لا ينفع" إلى شرط لازم.

- آفة تسييس المعرفة الدينية: في التاريخ المعاصر غالبا ما كان حشر الجامعة الزيتونية ضمن خيارات سلطوية أو إسلاموية مجلبة لكوارث جمة على المعرفة الدينية. وحين لهْوَتت الطروحات البورقيبية المعارفَ داخل "كلية الشريعة وأصول الدين"، غدت النظرة للدين شعائرية سطحية مبتذلة. تحول الفكر الديني إلى تابع خدوم، جاهز عند الطلب، لتبرير خطّ سياسي، وغدا هامشا في آلة سلطوية مفتونة بقدراتها.

ولاحقا حين تحولت الجامعة الزيتونية إلى معقل لحركة "الاتجاه الإسلامي" التي باتت "حركة النهضة" وإلى "الاتحاد العام التونسي للطلبة"، صارت الجامعة مدفوعة دفعا نحو مقصد سياسي، احتدّ فيه الصراع مع السلطة على هذا الفضاء الرمزي، كانت مآلاته كارثية على الزيتونة. وطيلة فترة التجاذب بين الأقنومين، الإسلاموي والسلطوي، تم التغافل عن المضمون المعرفي، مع أن فيه مربط الفرس للرسالة الجوهرية للزيتونة. وكان حريا أن يتركّز الاشتغال عليه، طلبا لنهوض فعلي، ولغرض صنع عقل ديني فاعل في فضائه وحاضر في كونه.

 

الرهان على العلمي

إبان حقبة الصراع الضاري بين السلطة و"حركة النهضة"، أي طيلة عشرية التسعينيات من القرن الماضي، حاولت السلطة الدفع بمن زعموا القراءة النقدية والعلمية للموروث الديني إلى واجهة الصراع الفكري، وتوظيفهم إلى مرادها ومبتغاها. وقد استعمل ذلك الشق أدواته "العلمية" بشكل مبتذل وممسوخ، فما كان المقصد إرساء جذور مقاربة ترنو إلى إعادة الوعي الصائب بموروثنا الديني، بل كانت العملية تتطلع إلى مغانم سياسية، وهو ما جعل المقاربة العلمية التونسية تولد مشوّهة وتفشل في خلق أجواء معرفية نقية.

وفي هذا الزمن الجديد الذي تعيشه تونس، لن يثني ذلك الفشل المبكر الصادقين عن مسعاهم الجاد، فكما فطنوا إلى كلمات الحق التي أريد بها باطل، يدركون بالمثل أن الدرس الديني الحالي مطالب بالخروج من رهن اللاتاريخية إلى رحابة الواقع  الحي، وكل تفريط في قضايا الراهن والتلهّي عنها بقضايا ميتافيزيقية مغتربة من شأنه أن يغيّب العقل عن اهتمامه التاريخي. لأن الدرس الديني يصنع عزلته بتغاضيه عن قضايا مجتمعه. ربما فرصة الانعتاق السياسي للدرس الديني هي من أندر الفرص التاريخية التي نعيشها، حيث لا يجد المقول الديني نفسه رهينا أو مراقَبا إلا من ذاته، ومن هذا الباب ينبغي أن يراجع مهمته بالاحتكام إلى وعيه وشروطه.

 

حضارتنا الإسلامية، ومن باب أولى ثقافتنا العربية، لم تستفد كثيرا على ما يبدو من فكرة التنوير – بشقيه الإيديولوجي، والنقدي – ربما استنادا لكون الفكرة إحدى مكتسبات الحضارة الغربية، فضلا عن عدم اتساق الفكرة نفسها مع البنية الفكرية النقلية، والتفكير الفقهي/الغائي، وكذا الطابع العملي للحضارة الإسلامية..

ما يزيد الأمر صعوبة مع حضارتنا هو عجزها المُزمن عن ابتكار مُعادل إسلامي لفكرة التنوير، يحفظ لحضارتنا كبريائها، ويمنحها القدرة على تحريك التاريخ وليس السير به! حضارتنا – على الأقل نظريا – في انتظار انهيار عظيم، كونها مُمزقة منذ قرون، بين ممانعة التنوير الغربي، وبين العجز عن ابتكار مُعادل له.

هذا التمزق – برأيي – لن تتحمله حضارتنا كثيرا، خاصة في عصرنا الرقمي وما بعده! ستصل حضارتنا على الأرجح لوقت تجد نفسها غير قادرة على المُضي قدما في تحايلها الراهن على آلامها، والذي يتم من خلال العيش في حياتين. فشعوبنا لها حياة مُستترة، تتحلل خلالها من كافة – أو على الأقل معظم – مُسببات الألم الحضاري. وحياة أخرى علنية يميل الناس فيها للاتشاح بكل ما هو شائع ومألوف.

هذه الازدواجية الحياتية قد تنجح، بل هي ناجحة حتى الآن، في تأجيل "الانهيار الحضاري العظيم"، على الأقل في حيواتنا الظاهرة، فثمة انهيار غير مرئي حاصل، ميدانه حيواتنا المستترة، حيث لا صوت يعلو فوق صوت التململ والتمرد.

أقول انهيار، كون ما يفعله الناس في مجتمعاتنا مجرد قهر عشوائي – وضبابي وانتقائي وغير مُعلن في أغلب الأحيان – لاغترابهم الثقافي، ففي حيواتنا المُستترة نفعل ما لا نفعله في حيواتنا الظاهرة، بل ونزيد الطين بله بأن نتشدد لحد المُزايدة في انتقاد ما يُفعل خفية، ونحيطه بسياج متين من السرية والحذر والتدين.

ينطبق هذا أكثر ما ينطبق على المُكون الجنسي لحضارتنا - إلى جانب مكونات أخرى بالطبع -، ففي حيواتنا المُستترة مُتنفس قوي لهذا الصداع المُزمن.

حضارتنا إذن، وعلى خلاف الحضارة الغربية، قادتها آلامها لتحايل وتمرد خفي، يتمترس ورائهما التواء الذكاء، وأمراض اجتماعية أخرى شديدة التعقد والتراكم، وهو ما يُنذر بحدوث ما سميته "الانهيار الحضاري العظيم"، ليس لعدم احترامي له، فالتمرد دوما موضع احترام وتقدير، وإنما فقط لطبيعته، فهو عشوائي وضبابي وانتقائي، بدأ في حيواتنا المُستترة ولسوف يزحف في اتجاه حيواتنا العلنية!

تصدع سرطاني غير مرئي، يعقبه انهيار مفاجئ وشامل للبناء الحضاري..

 

 

التراث "هو تراكم ثقافي وحضاري تحقق لمجتمع ما عبر الاجيال، ويتضمن المعتقدات والافكار والمعارف والاخلاق والقيم والتقاليد الموروثة والفن والاعراف وسلوك الانسان وتجاربه وخبراته. ويشكل بذلك السمات الثقافية والحضارية والاجتماعية والاقتصادية للمجتمع، وهو عملية تراكمية دائمة ومستمرة بدأت قبل مئات السنين وما زالت مستمرة حتى اليوم.

وفي ضوء ذلك، فان التراث ليس مجرد حنين الى الماضي ومشاعر فياضة تجاه هذا الماضي وقيمه ومفاهيمه ومكوناته، ليس لها اهداف او اغراض او وظائف بل يحمل معه التجارب والخبرات والحكمة وخلاصة العلاقة بين الانسان والطبيعة وبين الشعوب في علاقاتها بعضها مع بعض، السلبية منها والايجابية، وبين الانسان والانسان، وهو في النهاية العامل الذي يشكل هوية الافراد والشعوب. وهكذا، فان تراث أية امة لا يتكون من تراكم معرفة وخبرة وتجارب فقط، يمثل خلاصة شخصية الامة في ماضيها وحاضرها ومستقبلها. فلا تولد الشخصية القومية الحضارية في الحاضر وانما هي وليدة ارث اجيال متعاقبة عبر التاريخ وعبر تجارب وخبرات وافكار تلك الاجيال..."

وعليه، فان التراث يمثل لأية امة، القاعدة التي تنطلق منها والمخزون الذي تستمد منه طاقاتها، ويمثل كذلك الادلة على عراقة الامة في مجال منافستها للامم الاخرى، لذا فان التراث جدير بالاحترام ووضعه في مكانته التي تليق به، غير ان ما يجري عندنا خلاف ذلك.

لقد تعددت في الآونة الاخيرة، الدعوات والدراسات التي يحاول اصحابها من خلال تقديم قراءات جديدة للتراث العربي بالتوقف عند بعض نصوصه او بمحاولة القاء ضوء جديد على بعض قضاياه ومشكلاته او بتحليل يكشف عن جوانب خفية ومتشابكة لم تكن على هذا القدر من الوضوح في كتابات المتقدمين، حيث تطالعنا دراسات مختلفة، وكذلك المحاضرات والندوات التي تقام وفي مضمونها ابتذال واضح للتراث. واصبحنا نقرأ ونسمع كثيراً عن هذا الطرح الجديد- قراءة جديدة- وتعدد القراءات بتعدد الاجتهادات ووجهات النظر وتنوع المداخل والمناهج واختلاف الاسس التي يقوم عليها كل من الاختيار والتقديم. ولعل انجح هذه القراءات وافضلها هو ما توقف عند بعض النصوص التاريخية والفكرية وحتى الادبية، واخذ يتعامل معها باعتبارها اولاً لغة تعبير تراثي، ونصاً له مقوماته وعناصره، ومعمار تشكله، واسلوب بنائه وتركيبه، وهو نوع من رد الفعل لدراسات عديدة سابقة عنيّ اصحابها بالدوران والالتفاف حول النص التراثي دون ولوج ساحتة، واكتفوا بالحديث عن صاحب النص وعصره والمؤثرات الخارجية فيه، تاريخاً واجتماعاً وسياسة وعلم نفس، وظلت مفاتيح هذا النص اللغوية والفكرية والتاريخية بعيدة عن المتناول بعد ان تتقطع الانفاس في تقديم اطاره الخارجي، اما الاقتراب اللغوي والتحليلي فهو الجهد الاشد صعوبة والاكثر تطلباً للتفسير والتعليل واقتحام اسرار اللغة ورموز البلاغة.

والى جانب ذلك، هناك ايضا من يطلب باعادة بلورة العقل العربي الذي يتخذ من التراث طريقاً له، وقد كانت اطروحة اعادة تقويم وبلورة العقل العربي ضبابية في ظاهرها، ولكنها في الحقيقة تذهب مذهباً بعيداً وهو طرح القرآن الكريم للعرض والنقاش، وهذا ناجم عن الشك في مصدره، وهذا الطرح تحاشاه زنادقة العصور المتقدمة، ولكنه للاسف يطرح في بداية القرن الواحد والعشرين، ويرى بعضهم ان وجود الجوانب السياسية والاجتماعية والنفسية في القرآن الكريم، تمثل دافعاً من دوافع الشك حيث يرى وجود انحصار القرآن في الناحية الدينية، اذا كان مصدره خارج البشر، اما الجانب السياسي والنفسي فهو ذهن بشري.

ترى لو قارنا هذه العقلية بعقلية اهل الجاهلية الا نجد تقدماً ذهنياً كبيراً لدى اهل الجاهلية على هذه الذهنية الحاضرة؟

انني هنا اريد ان استنطق وانقد  دعوة القراءة الجديدة للتراث التي اكتسبت في الاونة الاخيرة، زخماً اجتماعياً ايديولوجياً مميزاً، ومن ثم ابين مواطن الاستتار والصمت فيها، ومبلغ ما تعاني فيه هذه الدعوة من غموض، فهي في ظاهرها بريئة وشفافة لكنها في الواقع مضمخة بالذنب الايديولوجي المذهبي حتى الثمالة، ولا سبيل الى التحرر من سطوة الايديولوجية التنويمية الا بتعريتها والكشف عن عوراتها ومواطن الصمت الايديولوجي فيها.

ويتجلى الذنب الايديولوجي الذي يضمخ هذه الدعوة في اولى صوره في الدعوة المستمرة الى ضرورة اعادة قراءة تراثنا او بالتحديد قراءة جانب منه من دون دعوة مماثلة الى معرفة شروط القيام بها. ولعل الخطوة الاولى على درب الكشف عن تفصيلات هذه العورة الايديولوجية هي بيان اهم هذه الشروط، فما هي شروطها؟

من البديهي ان لا سبيل الى قراءة جديدة ممنهجة للتراث من دون معرفة تفصيلاتها واركانها واشكالها .. لكن المعرفة في هذه الحال في حال تراث توقف فعله في الماضي ولم يبق منه في وجداننا العروبي (القومي) العراقي سوى نذر يسير من مخلفات مشوهة ليست تلقائية ولا تأتي بوصفها تحصيلاً حاصلاً. كلا، فالمعرفة في هذه الحال لا تأتي الا كنتيجة للدراسة المكثفة والبحث المضني والتنقيب العميق.

وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية باجراء دراسات مكثفة تستلزم في دورها عدة شروط قد لا تتوفر حالياً في مجتمعنا العربي عامة والعراقي خاصة بصورة كافية.

فهل لدينا من الباحثين المؤهلين ما يكفي لدراسة تراثنا دراسة شاملة وموضوعية امينة؟!

نظرة واحدة الى حجم الانتاج التراثي، كفيلة باقناعنا بأن الجواب هو اننا لا نملك حتى مجموعة بسيطة من الباحثين التراثيين المؤهلين بالفعل في هذا المضار. هذا ناهيك بنوعية الانتاج. فقلما تجد انتاجاً معرفياً  عربيا او عراقياً حديثاً تتوافر فيه اساسيات البحث التراثي من امانة علمية ودقة وتسلسل منطقي وعمق استنطاق. ولا يكفي ذكر عدد حملة الشهادات في هذا المجال، فحتى لو كانت الشهادة في مستوى قيمتها الاسمية تظل هناك حقيقة ان البعد الاكاديمي لا يشكل سوى واحد من مقومات التأهيل في مجال حيوي مصيري من هذا القبيل.

والحق ان دعاة القراءات التراثية الجديدة بصمتهم الايديولوجي عن هذه الحقائق، يعمدون الى تجريد هذه الدعوة- دعوتهم- من معناها الحقيقي كيما يسخروها، مجرد اداة ايديولوجية في صراعاتهم الفكرية والسياسية الطائفية والمذهبية، وتراهم احياناً يلجأون الى التعويض عن هذا الصمت الذنب بدعوة العلميين منهم الى تحويل جهودهم في اتجاه دراسة تراثنا واحياء ما يخدم توجهاتهم، وكأنهم يبغون بذلك سحب المتخصصين على قلتهم، وضعف كفاءاتهم  بصورة عامة من مشاغلهم واهتماماتهم وصوامعهم ودوائرهم حيث ينتمون لاجراء دراسات لم يدّربوا ولم يؤهلوا جيداً من اجل اجرائها.

من الواضح اذاً، ان الحل الحقيقي يكمن في تدريب او ربما افراز كادر من المؤهلين لهذه الغاية. وهذا بطبيعة الحال ليس بالامر السهل، اذ انه يتطلب التزاماً عروبياً قومياً على اعلى المستويات، وثورة في  صميم نظامنا المعرفي والاكاديمي. انه يتطلب في واقع الحال خلق انماط جديدة من المثقفين العرب والعراقيين تربطهم علاقات جديدة بالحركات الاجتماعية والسياسية العربية والدولية.

هذا كله من ناحية، ومن ناحية اخرى ينبغي طرح السؤال الجوهري الآتي عند تدبر مسألة القراءة الجديدة للتراث. ما المنهجية التي ينبغي اتباعها في دراسة تراثنا؟ ما المنهجية المناسبة لذلك؟، وما هي شروط اتباع المنهجية المناسبة؟ هل نعود الى التراث نفسه لاستلهام هذه المنهجية وادواتها، ونهمل ما حصل من تطورات علمية عالمية مذهلة في هذا المجال؟ وهل من الممكن ان يتم استلهام من دون اطار فكري نظري مسبق ومنهجية استنطاق معينة مسبقاً ننطلق منهما؟ فالتراث بحكم كونه جسماً معقداً من النواتج الحضارية المترابطة لا يمكن ان يكون احادي البعد بل انه يزخر بالاطر الفكرية والمنهجيات المتباينة والمتناقضة معاً. بذلك فقراءته ثابتة واستلهامه ينطوي على عمليتي الانتقاء والنقد. لكن هاتين العمليتين لا يمكن ان تتما من دون اطار نظري ومنهجية مسبقين.

ولئن شئنا ان يكون منطلقنا النظري المنهجي لاعادة قراءة التراث، ما خلفه تراثنا من عناصر في وجداننا الحضاري، ولئن ابينا الا ان تكون منهجية قراءتنا نابعة من صلب التراث، الا تعد قراءتنا هذه انغلاقاً فكرياً ونوعاً من العرقية نمقتهما في غيرنا؟

ثمة وشائج وجدانية خاصة تربطنا بهذا التراث ولا تربطنا بغيره، ولا بد ان ينعكس ذلك على المنهجية التي سنستعملها في دراسة تراثنا.

من البديهي في ضوء ذلك كله ان قبولنا بخصوصية العلاقة بيننا وبين تراثنا لا يعني مطلقاً ان نقصر بحثنا او قراءاتنا عن منهجية استنطاق على تراثنا وحده.  انه قد يعني ضرورة ان نطور منهجية خاصة تلائم خصوصية موضوعنا، لكنه بالتأكيد لا يعني التقوقع ضمن اطار التراث. فاذا اردنا ان نطور مثل هذه المنهجية او القراءة فكيف نفعل ذلك؟ ان المنهجيات العلمية الموضوعية لا تنبع من العدم ولا من مزاجيات الافراد والامم؟ علام اذاً نبي ما نريد تطويره من منهجيات؟

من البديهي ان المنهجيات لا تنبع من قرارات واعية نتخذها، بل تنمو نمواً عضوياً من ارض الواقع الحي وفق ما نخوضه من تجارب وما نعانيه من صراعات اجتماعية وحضارية وما يتولد فينا من حاجات. ولكن، دعونا نصمت جدلاً عن هذه الحقيقة، ونفرض مشروعية الاسئلة التي طرحناها آنفاً، اولاً من اجل مقارعة الوهم الايديولوجي الذي نقارعه على ارضيته وبلغته الخاصة، وثانيا من اجل ابراز العنصر الذاتي في المشروع الحضاري الذي نتحدث عنه كونه محور سجالنا، وثالثاً من اجل بيان ضرورة العنصر الموضوعي من خلال افتراض غيابه.

 

سؤالنا- علام نبني ما نريد تطويره من منهجيات لاعادة قراءة تراثنا؟

لا مفر من القول بان علينا ان نبدأ بنقد الذات الحاضرة لمعرفة الاسس النظرية الكامنة والاخرى الظاهرة لتفكيرنا وسلوكنا الحضاري المعاصر. ينبغي ان نبدأ من الواقع الحي في بعديه الذاتي والموضوعي لكشف النقاب عما يسيرنا في فكرنا وسلوكنا من افتراضات وأطر نظرية وتصورات فلسفية كامنة، ومن ثم للكشف عن بنية الادراك في مجتمعنا واصوله والتيارات والقوى المحلية والعالمية التي تضافرت لتشكيله. فنحن لا نجابه التراث من داخله وبعناصره، بل نحاربه بذات حضارية مختلفة عنه، وان كانت مرتبطة فيه بصورة او باخرى. علينا ان نبدأ بفهم هذه الذات، ثم بتسليط نصلت النقد عليها من منطلق ما يعتروها من تناقضات داخلية متجذرة في قلب المجتمع، حتى يتسنى لنا استخلاص صورة مبدئية عما نريد تطويره من منهجيات ملائمة لقراءة التراث وفهمه.

 ينبغي اذاً البدء بنقد الذات وما يعلق فيها من تحيزات وخرافات وافتراضات. لكن السؤال الجوهري الذي يبرز هنا هو: ما هي شروط نقد الذات؟ أي الانماط الثقافية واي الفئات الاجتماعية تشعر بالحاجة الى نقد الذات وتستطيع بحكم موقعها الاجتماعي ممارسة نقد الذات؟

سؤال كبير يستلزم مقالة منفصلة من دون ريب، لكنه يؤكد مبلغ تشعب قضية احياء التراث وتعقدها وعمقها.

 

ولكن كيف يتم نقد الذات؟

انه يستلزم ادوات نظرية وعملية معينة. ومن الواضح ان هذه الادوات مستمدة من الذات نفسها ومن بيئتها الحضارية التي تهيمن عليها الذات الاوروبية. فاذا ما نظرت الذات العربية الى داخلها وجدت في الواقع انها وليدة تيارات وقوى حضارية حديثة وان بيئتها العامة تعكس تشابك هذه التيارات وتمازجها وتطورها، وان كانت عناصرها مستمدة من الحاضر الاوروبي والماضي العربي كليهما. بذلك، فان فهم الذات لذاتها، ومن نقدها لذاتها يستلزمان فهمنا العصر الحديث الذي انتج هذه الذات وشكلها، بمعنى ان شرطا اساسياً من شروط معرفة الذات ونقدها لهو معرفة العصر الحديث ونقده. ذلك ان الذات العربية تجد ادوات نقدها الذاتي التي تتبناها وتجلها وتقدرها نابعة في الواقع من قلب العصر الحديث في صورة مؤلمة ومتخلفة وقبيحة من صوره العديدة. وهكذا، فانها من خلال النقد الذاتي لا تكتشف خصوصيتها ولا خصوصية ادواتها بقدر ما تكتشف تخلفها وعجزها المتمثلين في فشلها المتكرر في استعمال ادوات النقد الذاتي الحديثة المتوافرة في بيئتها.

ويظهر نقد الذات من خلال جلد التراث عبر بعض الاراء النقدية التي تتهم بعض العقليات الحاضرة بعدم وعيها للنص الفكري الحديث نتيجة لارتباطها بالثقافة التراثية، فهل اصبحت التراثية معيبة لانها ترفض نصاً يرتبط بالنص الفكري ارتباطاً بشرياً؟

واذا كان البعض يحاول ان يجد العزاء في جلده للتراث، ويرى ان ذهنيته الفكرية تشكلت من خلال تشربه لفكر معين او اطلاعه على ثقافة ما، ترى هل قارن هذا النفر بين الفرق الدينية القديمة والاحزاب الحاضرة، وحاول رصد دور كل منها في تشكيل قاعدة ثقافية راسخة لا تتحطم مع المتغيرات السريعة، فاذا نظرنا الى دور الفرق الدينية واثرها في اثراء الفكر العربي نجد ان هذه الفرق تركت لنا من التراث الفكري ما يمثل موردنا الرئيس حتى ونحن في هذا العصر، عصر التقدم الشامل، ولأن ذهنية هذا النفر الذي يحاول تقزيم التراث ذهنية مستوردة ومرتبطة بانفعالات كثيرة منها المصلحية، فانها تجنح الى المستوردة الذي يتخذ وسيلة لمحاولة التمايز عن الاخر.

ان نظرة واعية وصادقة في اثار القدماء من مفكرينا تظهر مدى تقدم فكرهم وذهنيتهم لدرجة تجعلنا نذهل امام هذه الذهنية في عصور متقدمة.

ترى هل اطلع من يرتبط بعالم الفكر على هذه الآثار؟ واذا حاولنا رصد الحصيلة الذهنية الناجمة عن الاحزاب في ايامنا هذه ولا اقصد الاحزاب حديثة العهد بل الاحزاب العريقة حسب طرحهم، فما القاعدة الذهنية والمؤلفات الشتى التي وضعتها هذه الاحزاب لخدمة الثقافة والفنون المختلفة؟

ان العداء الذي يوجه للتراث لا يمثل قناعة ناجمة عن مطالعة بعيدة المدى واكتشاف خلل ما في هذا التراث بل ان هذا العداء مستورد باشكال مختلفة سياسية وثقافية واجتماعية... وينفذ على يد ابناء هذا التراث الذين ينتظر منهم احترامه على الاقل ان لم يدافعوا عنه. وقد يحاول بعضهم ان يجد نفسه عن طريق المخالفة وفق ما اتفق عليه (خالف تعرف) فيلجأ الى الهجوم على التراث فيصل الجهل فيه الى اتهام الجانب الديني، فيرى ان الالتزام بالجانب الديني يمثل عاملاً رئيسياً من عوامل تأخر الثقافة العربية وهو يقرر ان الثقافة العربية متخلفة تبعاً لما املاه عليه اتجاهه السياسي، ويعلق فشله محاولة تمايزه وظهوره كمبدع على التراث.

ومهما يكن، فان التراث لا يحتاج للدفاع بل ان قوته وعمقه يمثل سداً منيعاً في وجه هذه الطروحات التي تحاول الانتقاص منه. فقد تعرض من قبل المستشرقين بل والمغرضين من ابناء العربية دعاة تحطيم الثوابت بحجة اكسابه الحياة المتجددة المتطورة التي تقوم على فهم مغلوط، اذ التراث لا يمنع من التطور والانطلاق، ولكن الخلل في الانفصام عن التراث وفي محاولة تقزيمه واخفاء دوره.

من الواضح اذاً اننا في محاولتنا بناء منهجية ملائمة بقراءة جديدة لتراثنا، لا نستطيع مطلقاً اهمال تجربة العصر الحديث في هذا المضمار، وهي تجربة اتت اكلها في كثير من الميادين وبخاصة في ميدان التاريخ.

لكن هذه التجربة متجذرة في التراث الاوروبي الحديث الذي بدأ جدياً بالنهضة الاوروبية في القرنين الرابع عشر والخامس عشر الميلاديين. وهذا يعني ان لا سبيل الى التعمق في المنهجيات العلمية الحديثة وتمثلها الا بالعودة الى التراث الاوروبي الحديث الا باحياء التراث الاوروبي الحديث في وجداننا الحضاري، مثلما فعل الاوروبيون في مطلع نهضتهم بالتراثين الاغريقي والعربي الاسلامي....

اعادة قراءة تراثنا لغرض اعادة احياء ما يتلائم مع راهننا، ينطوي بالضرورة على محاولة احياء التراث الاوروبي الحديث في صميم وجداننا، محاولة ان نعانيه ونعيشه بكل جوارحنا ونتمثل تناقضاته ونحاول تركيب منطقه في وجداننا؟ نعم، هذا بالضبط ما قاد اليه تحليلنا.

نخلص الى القول اذاً بناءاً على ما تقدم، ان شروط اعادة قراءة التراث التي قادنا اليها تحليلنا النقدي حتى الآن هي:

1- ضرورة معرفة التراث عن طريق دراسته.

2- ضرورة احداث تغييرات جذرية في مؤسساتنا وفي آليات اعادة الانتاج في مجتمعنا وفي العلاقات التي تصل المستويات الاساسية في مجتمعنا ببعضها، وذلك من اجل خلق انماط جديدة من المثقفين العرب قادرة على تشكيل جماعة علمية عربية مؤهلة اكاديمياً واجتماعياً وسياسياً لدراسة التراث واستنطاقه.

3- ضرورة تحديد المنهجيات الملائمة لدراسة التراث وتحديد شروط تطبيقها.

4- ضرورة معرفة الذات العربية الحديثة.

5- ضرورة اجراء نقد ذاتي لاستخلاص ما نحتاجه من منهجية وادوات معرفية لدراسة التراث.

6- ضرورة احياء التراث الاوروبي الحديث في وجداننا.

ويقودنا ذلك كله الى السؤالين الآتيين: ما هي شروط قراءة التراث الاوروبي واحياءه في وجداننا الحضاري؟ وما هي منطويات اعادة قراءة تراثنا وبالتالي احياءه...؟

ان العكوف على دراسة وفهم تراثنا، يلقي عليه من ضوء الحاضر ومن روح العصر ما يكشف عن قدرته على الاستمرار والعطاء وعن عناصره الداخلية وعن مناطق توجهه واشعاعه،وعن الدلالات والرموز المستكنة في ثناياه وعن طرائق واساليب الفهم المختلفة في نطاق الاقتراب منه، والعكوف عليه والربط بينه وبين غيره من النصوص.

مثل هذا الموقف المعاصر يضعنا في مواجهة مع روح هذا التراث او فلنقل في مواجهة عارية مع النفس نكشف عما في واقعنا الراهن من قصور، وعما في ابداعنا المعاصر من غربة وشتات وعما في رسائلنا التي نستخدمها ونتعامل بها احياناً من ضعف ووهن.

واولى خطوات الصحوة التي يسعى اليها العقل العربي اليوم، انه يعي وعياً جديداً متمثلاً عطاء تراثه القومي ومنجزاته في شتى مجالاته وزواياه، فليس تراث العربي مجرد نصوص شعرية ورسائل الكتاّب ووصايا البلغاء، وليس مجرد الدائرة الادبية التي هي احدى واوسع دوائره، ولكن هناك هذا التراث في شتى فروع العلم والمعرفة الانسانية منذ توقف الانسان العربي امام الكون وظواهره تطلعاً واستبصاراً واكتشافاً ومحاولة لمعرفة خباياه والسيطرة على قوانينه وظواهره.

فلتكثر اطروحات اعادة قراءة التراث ولتعدد، ولتكن قراءات في تاريخ الفكر والعلم العربي وكتب الرحلات وفكر التصوف، مثلما هي في كتب الادب شعراً ونثراً، فلعل جذوة الروح العربية تشتعل في الركام والرماد ولعل صحوة العقل العربي امام صيحات تطالعنا من جديد.

 

hamid taoulostمن الأكيد أنه بحكم تخلفها الشديد اجتماعيا وثقافيا وفكريا وروحيا، تشكل أغلبية المجتمعات العربية والإسلامية، بيئة خصبة جدا لإنتاج ونمو الأفكار والأساطير الشيطانية الخبيثة ، التي روج لها السياسيون المهوسون بالسلطة، ورددها علماء الذين والمؤرخون المسلمون الموالون لهم، وأقاموا في شأنها الدراسات، وكتبوا عنها المقالات، وألفوا فيها الكتب الكثيرة  التي تمحورت كل موضوعاتها حول فكرة الإنتظارية اللانهائية للإنسان المسلم، التي تلخصها أسطورة "المهدى" الذي سوف يظهر  لتخليص العالم من أدران وظلم الأشرار والطغاة، ويملأ الأرض قسطا وعدلا . وقد تناقلت الأجيال الإسلامية جيلا بعد جيل، طيلة 14 قرنا، الأسطورة التي ليست بعيدة عن مسرحية "جودو" الشهيرة التي كتبها لروائى الإيرلندى "صموئيل بيكيت"، عن قصة شخصين "فلاديمير و إستراكون"، التقيا دون سابق معرفة على الطريق، واكتشفا بعد محاورة بينهما أنهما ينتظران مجيء الشخص نفسه ليحقق لهما مرادهما، ويدعى "كودو" الذي لم يكون أى منهما قد التقى به من قبل،  وأثناء انتظارهما، جرى بينهما حديث فلسفي طويل يمكن تأويله لأكثر من معنى لدى القارئ، انتهى دون أن يأتى الشخص المنتظر، والذي عبر عنه عبد الوهاب البياتى بعبارة "الذى يأتى ولا يأتى، والذي لم يمل المسلمون-سنة و شيعة- من انتظاره طيلة قرون، دون أن يفقدوا شيئا من صبرهم، عدا السيد حسن نصر الله رئيس حزب الله  اللبنانى الذى نفذ صبره فبدأ يصرخ عاليا، معاتبا، الإمام مهدى، على طول غيبته، ولامبالاته بآلام المسلمين ..

ــ وكما هو معروف عبر تاريخ البشرية بكل مراحلها، أنه لم يأتي لأي شخص من الأشخاص المنتظرين، أو تتحقق أية عودة، سواء الأموات منهم أو مجهولي المصير، أو أشباه الآلهة أو آلهة على شكل بشر، تماما "كجودو" الذي لم ولن يأتي أبدا، بدأً من نيرون قيصر روما الأعور، الذي تحدث البعض عن عودته، والذي دلت الكثير من الدراسات المتخصصة في التراث الديني اليهودي أنه هو الأعور الدجال نفسه المنتظرة عودته، والذي كانت فكرة القضاء عليه (نيرون) وراء ظهور معتقد عودة "المسيح المخلص" في التراث الديني المسيحي، ونفس فكرة "العود" هته، انتقلت الى معتقدات المسلمين بروايات مختلفة، من تراث اليهودية والمسيحية وغيرهما من معتقدات الأمم القديمة الأخرى، كالإغريق، والهنود، والمصريين، والصينيين، والتي اتفقت كلها على فكرة ظهور شخصيات معروفة، مختفية في ظروف غامضة، وعلى رأسها جميعها شخصية المهدي المنتظر المشهورة في التراث الشيعي -وفي غيره من المذاهب الإسلامية الأخرى - الذي آمن أتباعه  بأنه لا بد من ظهوره في آخر الزمان ليملأ الأرض عدلا بعد أن ملئت جورا، ويعز الإسلام بالسيف ويتولى الإمامة العظمى، وذلك لارتباط تلك العودة والظهور في المعتقد الشعبي الإسلامي بالخلاص من القهر، والأمل في الخروج من الأزمات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والعقائدية أيضا،

ــ وبرصد بسيط لهذه الظاهرة في بعدها السياسي، وما عرفته من توظيف ممنهج للدين، من أجل تحقيق أغراض دنيوية، ورغم اختلاف الفقهاء حول صحة فكرة عودة المسيح الدجال، والمسيح المخلص، والمهدي المنتظر، التي تسربت إلى الحضارة الإسلامية من الحضارات القديمة الأخرى، ورغم انتفاء اجماع علماء المسلمين على مصداقيتها في التراث الإسلامي، وانقسامهم في شأنها بين مؤيد ومنكر، نجد أن سهولة استغلال فكرة "عودة الأشخاص" لتسنم ظهر السلطة، والوصول لحكم وإمامة الشعوب التي يسحرها الخطاب الديني، ويغريها أمل دولة الخلافة، جعلت كل الدعوات الإسلامية،  تروج - عبر التاريخ الإسلامي - لرجوع الكثير ممن مات من الأئمة عن طريق التناسخ، ودفعت بكل حركات الإسلام السياسي، لابتكار مهدييها المنتظرين، فكان للأمويين "السفياني المنتظر"، وللعباسيين "صاحب الرايات السود المنتظر"، وللشيعة ومن عانق أفكارهم "المهدي المنتظر" .. والملفت للانتباه، أن الإسلام السياسي المعاصر لم يسلم هو الآخر من الظاهرة، حيث تفنن سياسيوه الإسلامويين في ابتكار مهدييهم، المعلنين منهم، والذين ينتظرون الوقت المناسب لإعلان الظهور، كما هو الحال بالنسبة لجماعة الإخوان المسلمين بمصر، الذين حولوا رئيس مصر السابق د مرسي، إلى مهدي  منتظر، وجعلوا من فكرة عودته - بعد الإطاحة به في ثورة الشعب في 30 يونيو  بمساعدة الجيش - قضية إيمانية، ومعتقد ديني يؤمن به المريدون، وجعلوا العمل من أجل عودته أساس العبادة والإيمان، تحول معها مرسي إلى أيقونة للعبادة، يتوجب قبولها، رغم أنه لم يُرفع إلى السماء كالمسيح، ولم يكن كالنبي يوسف "الصديق" بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل عليهم السلام، ولم يدخل في جدار ويختفي كما الفقيه الإثنا عشري، ولم تُفقد آثاره أثناء الصراعات والحروب كما القيصر نيرون الأعور، بل كان ولازال من الاحياء، يرزق في سجن طورا، حيث يتابع في تهم جرائم الخيانات التي اقترفها في حق مصر والمصريين ..

وليس الإخوان وحدهم من آمن بحتمية عودة شخصية منهم لغايات الإنقاذ وتلبية الرغبات والأهداف، التي يتوقف تحقيقها على وجوده هو بالذات .

 لقد شاع ذلك المعتقد بين الكثير من الأمم والشعوب، رغم انتفاء تحققه، مند قدماء الهنود الذين آمنوا بعودة آبائهم وأجدادهم العظام، إلى الأسبان الذين اعتقدوا هم أيضا بعودة ملكهم روذريق، والمغول الذين انتظروا عودة جنكيزخان.. ومن بين السعوب التي انتشر لديها هذا المعتقد بصفة كبيرة، بعض بلدان افريقيا وسوس، كما أشار إلى ذلك ابن خلدون بقوله: "إن أهل رباط ماسة كانوا يعتقدون في زمانه بأن المهدي سيكون منهم أو أنهم هم الذين يقومون بدعوته إن لم يظهر فيهم" . ولما شاع خبر تمكن هذا الاعتقاد بالكثير من المغاربة، حج إليهم الكثير من منتحلي المهدوية في محاولة لاستغلالهم وتوظيفهم في إقامة دعوات سياسية، من أجل الوصول إلى السيادة والريادة والحكم، كما قال ابن خلدون أيضا : "وأكثر المنتحلين لمثل هذا تجدهم مُوَسْوسين أو مجانين أو ملبِّسين يطلبون بمثل هذه الدعوى رئاسة امتلأت بها جوانحهم وعجزوا عن التوصل إليها بشيء من أسبابها العادية، فيحسبون أن هذا من الأسباب البالغة بهم إلى ما يؤملونه من ذلك" 

ــ ومن غرائب الأمور، ان وسائل الإعلام المغربية، تناقلت، قبل شهور، خبر ظهور احد منتحلي المهدوية، يدعو أتباع للتبرع بممتلكاتهم لفائدة جماعته، التي أسماها "الجماعة المهدوية"  والتي تدين له بالطاعة العمياء حتى في معاشرة اازوجات، التي يلتمسون إذنه في ممارستها، ويفرض عليهم تغير أسمائهم بأخرى من اختياره لأن الأصلية مدنسة . لكن يقظة السلطات المغربية كانت له ولجماعته بالمرصاد، حيث ضبط زقدم للمحاكمة وأودع السجن، ليكون عبرة لغيره من المهوسين بالسلطة وجاهها الذي يعمي الأبصار عن احتساب العواقب والتبعات، كما قال عنهم ابن خلدون الذي تعقب أخبارهم في المقدمة والعبر : "ولا يحتسبون ما ينالهم فيه من الهلكة، فيسرع إليهم القتل بما يحدثونه من الفتنة، وتسوء عاقبة مكرهم " ..

فهل ستكون عودة مرسي هي الأولى في تاريخ العائدين ؟ وهل سيكسر الإخوان المصريين قاعدة "اللاعودة"، بما يدعونه من أن عودة "مرسيهم المنتظر" هي قاب قوسين أو أدنى، بدعوى نزول الملاك جبرائيل عليه السلام إلى رابعة العدوية للصلاة معهم وتبسيرهم بذلك، حسب رؤية أحد شيوخهم الأجلاء ..

فحري بكل من راهن ويراهن، في زمن الأنترنيت، على فكرة الانتظارية  -اقتناعاً أو أملاً فى مصلحة- أن يعتبر ويتعلم من دروس التاريخ وتجارب الجغرافية، التي تظهر لكل ذي شيء من الحصافة ونزر من عقل، وأن أتباعها من الخاسرين، لأنه ليس الأمل في ظهور "المهدي" الرجل الخارق أو القلب الشجاع الذي سيغير واقع العباد والبلاد بلمسات سحرية، ولو كان بكاريزمية شارل ديجول السياسية، وثقة وثبات ايزنهاور، وجرأة وشعبية ناصر، وسرعة ونجاعة تدخل "الرامبو " الامريكي،، بل إن الأمل لن يكون إلا في ظهور ثورة صناعية حقيقية تتضافر فيها الجهود بشكل يقلب الأوضاع الاقتصادية للأمة العربية والمسلمة، ويُخرجها من دائرة الاستعمار الاقتصادي والتبعية للرأسمالية العالمية المتوحشة التي لا تزيد المواطن المسلم في كل البلاد العربية والإسلامية، إلا عناء وشقاء مع ظروف وواقع اجتماعي ثقافي واقتصادي..

فالأمل إذن معلق بيد الحكام والسياسيين والنخب الذين يجب أن يعملوا جميعهم لمصالح شعوبهم، بكل إخلاص من غير عداوة ولا وصاية ولا إقصاء، ويكفوا عن التفكير والعمل بصيغة " إما نحن أو الطوفان "، إذ ذاك سيبنى مستقبل الأمة، ويرسخ نظام الحكم الديمقراطي العادل فيها، ويسود الأمن والاستقرار والرخاء، ويتحول كل رجالاتها إلى مهدي حقيقي فاعل، بذل ذلك المنتظر الذي لن يأتي أبدا.. هذا كنا الأمة لا تريد العيش خارج الزمن، لأنه من المعروف أن من يعيش خارج الزمن مهدد بالزوال والتلاشي والانقراض؟ وهل يمكن القول بأن إصرار امة العرب والمسلمين على انتظار من لا يأتي، مسيحا كان أو مهديا أو أوبما، في زمن العقل وزمن العلم والعمل هذا، هو بدية انقراض كل من لا يرى في العقل المنقذ والمخلص،و حكم بالزوال والتلاشي على من يكتفي بانتظار ظهور الهادي المهدي الذي  رغم تقديسه، فإنه لا ولن يصلح لهذا الزمن، الذي يُقدس فيه العلم والعمل ويُرفض فيه التواكل والانتظارية، التي يقول عنها صوموئيل بيكيت فى مسرحيته (فى انتظار كودو) على لسان الشخصيتين المتحاورين، بأن الإنسان يعيش و يقضى طوال حياته وهو فى حالة انتظار مستمر لا نهائى لحدث ما كبير يغير حياته، ومعجزة ما تغير أوضاعه التى يئس منها، أو شخص ما يحمل معه الحل السماوى المقدس حيث تناط به المهمة المستحيلة تحقيقها على يد الآخرين، فيحقق العدل و ينتصر للمظلوم و يضع الأمور حيث يجب ان تكون .

حميد طولست

 

jaffar almezeherيسود المذهب الشيعي ومنذ عقود ليست بالقليلة؛ احتكار وتوجيه فكري حاد يدفع بطمس التراث الشيعي المعرفي الذي كان سائدا ومنفتحا على رؤى ومباني فكرية متعددة، وهي رؤى ومباني شكلت في اغلبها ثراءً وغنىً لجوهر التشيع الاسلامي وكانت الرافد الحقيقي لتطوير علم الكلام عند الشيعة وامتداده ايضا للمعتزلة وخصوصا في بابي التوحيد والعدل الكلاميين. اما اليوم  فأصبحنا نرى ونسمع اتجاها فكريا واحدا، احادي النزعة، يعمل على طمس التنوع الفكري ويحارب النزعة النقدية والمعرفية داخل المذهب الشيعي، واخذ هذا الاتجاه الانطوائي يكفر ويطرد كل من يريد ان يقول او ينظر او يعيد احياء روح التواصل لا القطيعة  مع  طرائق التنوع الفكري والاجتهادات المختلفة داخل المنظومة الفكرية للتشيع .

ان التراث الشيعي يتميز في جوانبه الفكرية والفقهية بعمق ومتانة معرفية متأتية من روح النقد الداخلي والاختلاف الفكري الذي كان سائدا في القرون الاربعة الهجرية الاولى وصولا للشيخ المفيد (338/ 413هـ) صاحب التأطير والتبويب الاكبر لاعتقادات المدرسة الامامية في العقائد وعلمها الكلامي، ولا يخفى على المطلعين ان هذه القرون الاربعة هي التي شكلت التشيع كمدرسة فكرية وفقهية، وهو تشكل لم يقم على اتجاه واحد بل كانت هناك ثلاثة اتجاهات عمقت واغنت هذا التشيع، وهي اتجاهات كانت تختلف وتتباين في متبنياتها الكلامية، لكن مع هذا، كانت منسجمة  في انتمائها لمدرسة اهل البيت وشكلت عمقا للتشيع ولم تكن يوما عائقا امام التطور والازدهار المعرفي، ولم تعتبر عند الدارسين والباحثين خللا او عيبا على التشيع.

فلو اخذنا – على سبيل الممثال للحصر– : مدرسة قم الاعتقادية ومدرسة ال نوبخت ومدرسة المفيد البغدادية سنرى ان هذه المدارس تختلف فيما بينها على جملة من المفاهيم الاعتقادية، والتي لو اختلف احد على بعضها اليوم  لكُفر وأُخرج من انتمائه للمذهب الشيعي من قبل الذين يريدون لهذا التشيع ان يتقوقع حول اعتقادات تصلح هتافا للعجائز والمتخلفين. 

فلو اخذنا مدرسة قم قبل الف سنة سنرى ان هذه المدرسة وعلى لسان شيخها الاكبر الصدوق كانت ترى:

- ان من يعتقد ان النبي (ص) لا يسهو في غير تبليغ القران والاحكام فقد غلا في دينه.

- وكان مجموعة من اتباع هذه المدرسة ترى  ايضا ان عصمة الائمة تجب لهم عند البلوغ.

- ومنهم من كان يرى ان عصمتهم عليهم السلام تثبت في ثباتهم وعدم سهوهم في النقل عن النبي، وهذا ما كان غالبا في القرون الهجرية الاربعة الاولى.

- اما الشيخ المفيد نفسه فقد كان يعتقد ويجوز عنده ان الامام المعصوم قد تغيب عنه حقائق الامور ويتعامل معها على اساس الظاهر، يقول في كتابه اوائل المقالات صفحة 66 " وقد يجوز عندي أن تغيب  عنه –اي عن الامام– بواطن الأمور فيحكم فيها بالظواهر وإن كانت على خلاف الحقيقة عند الله تعالى "  ويعقب بعدها المفيد ويقول: " ان لاهل الامامة  في احكام الائمة ثلاثة مقالات"  اي ثلاثة اتجاهات، وهذا ما كان سائدا انذاك، فلم يكن يضير التشيع ولا يقدح بسعته ومتانته التنوع المعرفي وتعدد اتجهاته الفكرية، بل كانت هذه الاتجاهات تتطارح الرؤى والافكار المختلفة بدون وجل او خوف من تكفير هذا الطرف او ذاك،  بينما لا يستطيع احد اليوم ان يتناول هكذا رؤى او يتبناها لان الذي يسود اليوم هو فكر المنامات وفذلكة الاحجيات الغيبية التي اخذت تطبع التشيع بطابعها واصبح التشيع يدور بمدار وبركات (الجكليتة واللطمية) وهؤلاء هم المحميون من قبل فقهاء التضليل والتكفير، وهذا كله يجعل المفكر والعالم والمثقف يتردد في طرح تأملاته الفكرية المعرفية المبنية في كشفها وتفكيكها على هذا التراث الشيعي الغزير، وهو تردد متأتي ايضا من خوفهم في ان تحتوشهم الغوغاء جراء فتوى تكفير من هنا او تهييج يأتي ضدهم من ندابي اللطميات او من خطيب منبر تأخذه الحماسة ليدعي  انكشاف الغيب له  زورا وبهتانا، وليعمل جراء هذا الانكشاف المزعوم في خلط الحابل بالنابل وليكون الناطق باسم الله وباسم  رسوله واهل البيت في ادخال هذا الطرف او اخراج ذاك الطرف من دين الله .

ماذا سيقول الشيخ الصدوق او الشيخ المفيد لو كانوا حاضرين اليوم بيننا، وكيف سيدافعون عن اجتهاداتهم الكلامية في مقولة سهو النبي او مقولة ان الامام قد يحكم  بالظاهر والذي قد يأتي مخالفا للحقيقة عند الله.

او كيف سيرد الشيخ المفيد على هؤلاء في عدم قبوله بان موت كل الائمة كان اما بالسيف او بالسم، فلا يخفى على المطلعين على التراث الشيعي ان الشيخ المفيد مثلا يخالف الصدوق ولا يرى ان كل الائمة ماتوا قتلا  بالسيف او السم، ففي كتابه تصحيح اعتقادات الامامية صفحة 131-132 يقول الشيخ المفيد:" والمقطوع به أن امير المؤمنين والحسن والحسين -عليهم السلام- خرجوا من الدنيا بالقتل ولم يمت احدهم حتف انفه، وممن مضى بعدهم مسموما موسى بن جعفر-عليه السلام- ويقوى في النفس امر الرضا -عليه السلام- وإن كان فيه شك، فلا طريق إلى الحكم فيمن عداهم بأنهم سُمّوا أو اغتيلوا أو قتلوا صبرا، فالخبر بذالك يجري مجرى الإرجاف، وليس الى تيقنه سبيل".

هذا هو التشيع كمدرسة واثقة من نفسها، وليس تشيع المرجفين الذين يبحثون عن الضعيف والمشكوك به والذي ليس لتيقنه سبيل –كما عبر المفيد– ليبلبلوا به الناس ويرجفونهم ويدخلونهم في خانة الهرج والمرج الديني الذي لا يخدم الا المنتفعين والمعتاشين على هتاف سواد البسطاء من الناس. هوية التشيع الناصعة في اسلامها وفكرها  تتطلب وقفة جادة من قبل العلماء والمثقفين، ليعاد للتشيع بهاءه الاول المتأتي من تنوع اجتهداته وكثرة مدارسه الفكرية التي كانت تمثل السعة الدافعة للانفتاح على الاخر، والتي لم تحمل يوما مسبقات التكفير الحادة والمانعة لكل تطوير معرفي او فكري. ان ما نحتاجه اليوم هو فهم الماضي بشكل علمي قائم على التحليل العقلي، وحاضر ندركه بكل متطلباته التي بالتاكيد هي متطلبات تختلف عن متطلبات الماضي، لندخل بعدها مستقبلا خاليا من كل هذا الشحن الديني والطائفي الذي يمر به المسلمون بجميع مذاهبهم. لنسعى بكل جهدنا نحو مستقبل اولى متطلبات نجاحه هو تحييد الماضي بجوانبه السلبية واستلهام عبره وصوره الايجابية، لا ان نبقى نعيش هذا الماضي ونتماهى معه في كل صغيرة وكبيرة.

 

adnan alhelfiاقترن هذا المصطلح بحدث انهيار الاتحاد السوفيتي من اجل انقاذ حياة المجتمعات السوفيتية وإيجاد نظم جديدة بإعادة هيكلة الحياة والدول على وفق المتطلبات العصرية. شعر الناس بوجوب تغيير المبادئ الشيوعية بعد ان دامت في حكم الاتحاد السوفيتي لأكثر من سبعين عاماً. حينها احترم العالم تجربة الرئيس الروسي وفريقه في اعلان البروسترويكا. في الشرق الإسلامي نحن بحاجة الان الى بروسترويكا لان حياة الناس هناك اهم وان امنهم ورخائهم أقدس من الأيديولوجيا والأديان والأحزاب والمليشيات والأنظمة السياسية الدينية واللادينية التي تتحكم بالفرد المسلم ولم تقدم له سوى التخلف والمأساة والحياة العشوائية والمجتمعات بائسة.

الأيديولوجيا الإسلامية الان هي المتحكمة بقوانين واعراف الشرق واقتصاده واحزابه وديموقراطيته وشارعه ودوله. إعادة هيكلة الدين الإسلامي وإعادة انتاج فهمه على أسس جديدة وإعادة اولوية الانسان والحياة في مهمات ذلك الدين تحتاج الى بروسترويكا. بروسترويكا من نوع جريء تواجه التفسير المعاصر للإسلام بحزم وبنظريات ومؤسسات جديدة تعطل العمل بنصوص وآيات عديدة وتمنع رجل الدين من التدخل بالسياسة، وإعادة تفسير وتنظيم فهم جديد للإسلام.

هذا المشروع – مشروع بروسترويكا الإسلام – إذا لم يتصدى له الشارع الإسلامي وزعماء إسلاميون شجعان على غرار غورباتشوف او مارتن لوثر كينغ فان مستقبل الإسلام كدين سيكون مهدد بوجوده في منطقة الشرق الأوسط.  والدليل على ذلك بداية التحدي الالحادي والرفض الشعبي من قبل شرائح اجتماعية عديدة تعلن سراً وعلناً رفضها للإسلام داخل الشرق الأوسط وخارجه.  إن خلو الساحة الاجتماعية من أية محاولات إصلاحية الى الإسلام وعدم قدرة الإصلاحيون ان وجدوا على مواجهة التيارات السياسية الإسلامية وميليشياتها الصُدامية وادواتها الإرهابية ذات اليد الطولي المتمرسة بالقتل والإرهاب.

نحن الان امام خيارين: اما ان نترك المليشيا الإسلامية وأحزاب التيارات الإسلامية السياسية وشيوخ الدين المتحكمين بثقافة الشارع العربي والمسلم، والأنظمة السياسية التي تدعم الانحراف والإرهاب السياسي لتعبث بالشرق وبالدين الإسلامي الى ان تصل الى تصفية الدين والاعتدال تماماً.  أو امامنا خيار ثاني هو: ان تقوم القوى الدينية المعتدلة والليبرالية بإجراء تصحيحات شجاعة على فهم الدين الإسلامي وإعادة هيكلته وارجاعه الى المسجد كي يعود الى كينونته كدين روحانيات وخلق وخير وحب وسلام.

 

كيفية اجراء بروسترويكا او إعادة هيكلة

مشكلة الدين الإسلامي الذي يعتمد في فلسفته على تفسير النصوص القرآنية وأحاديث الرسول الكريم يضاف اليها أحاديث اهل بيت النبي في منهج الشيعة الامامية، الا ان هذه المصادر لا توفر حسم في القضايا الخلافية والقابلة لعدة تفسيرات،  مما يؤدي الى ظهور قضايا جدالية غير محسومة داخل المجتمع الواحد تؤدي الى تفرقته حتى ولو كان ذلك المجتمع يتألف من مذهب إسلامي واحد ، ذلك ما عرض الإسلام تاريخياً الى التعدد المذهبي، وتلك حالة طبيعية ترافق أي دين او فكر أيديولوجي كما حدث مع اليهودية والمسيحية والأنظمة الايديولوجية كالتيارات اليسارية الاشتراكية وما الى ذلك،  لذلك نرى تلك الأديان والأنظمة الأيديولوجية فشلت بالتعاطي مع مفهوم الدولة الحديثة.  نحن ندعو عبر هذه الأفكار المتواضعة الى إعادة الدين الإسلامي وشيوخه الى المساجد ومنعهم عبر قانون دولة مدنية من التدخل في شؤون الدولة والمجتمع السياسية والاقتصادية.  لقد ظهر عملياً في كثير من الدول الغربية ان الكنيسة تلعب دوراً فعالاً في مساعدة المجتمع عن طريق بناء المؤسسات الخيرية التي ترعى الفقراء والايتام في حين ان المساجد قامت بأدوار سلبية في الشرق والغرب في تحشيد المليشيا واستعداء أبناء المسلمين ضد بعضهم عن طريق استحضار قضايا التاريخ والتوزع على اجندات سياسية مختلفة وايضاً تدعوا الى العدوانية ورفع السلاح باسم الجهاد. مضاف الى ذلك ان قوانين الشريعة الإسلامية باتت قوانين لا تصلح للتعاطي مع أي دولة مدنية او مجتمع متعدد.   لقد خرج المسجد عن الدور المناط به وبموجب النص الإسلامي الذي ينظر الى المساجد كبيوت للعبادة وذكر الله وتقوية الروح الايمانية والتزود بالطاقة الروحية لمواجهة معترك الحياة نرى ما يقوم به المسجد العكس تماماً.

إعادة الإسلام وشيوخه الى المساجد هي الغاية المنشودة للبروسترويكا المطلوبة لكن ذلك لا يتم الا عبر عدد من المحاور ذات الاستراتيجية الطويلة المدى في التطبيق للوصول الى الهدف وإنقاذ الدين والإسلامي والمجتمعات الشرق أوسطية مما تعانيه.

اولاً: الايمان بالدولة المدنية كأخر ما توصل له العقل البشري في نظام إدارة المجتمعات، الدولة العصرية التي تعتمد على تطبيق القانون والدستور والتبادل السلمي للسلطة عبر صندوق الانتخابات ونظام الفصل بين السلطات.

ثانياً: ايماناً بركن من اركان تأسيس الدولة المدنية يجب تبني دستوراً يمنع تشكيل الأحزاب السياسية على أساس ديني ويطبق ذلك بواسطة قانون يناقش التفصيلات داخل قبة البرلمان ويرحٌل الى السلطة التنفيذية لتطبيقه بحزم.

ثالثاً وهو الاهم: ما تقدم يهيئ الى إقامة مؤسسة مجتمع مدني مدعومة من الدولة المدنية تتمتع بمجلس إدارة مستقل يمارس سلطة على رجال الدين وشؤونهم وتنظيم دار الفتوى وإدارة المساجد وائمتها ومناهجهم وخطبهم بحيث يحول ذلك النظام دون السماح بنشاطات دينية خارج إطار تلك المؤسسة بعيداً عن التدخل بشؤون الدولة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتنظيمية.

رابعاً: للحفاظ على هيبة الدولة وقوة القانون وحماية المجتمع من تنامي اية قوى دينية أيديولوجية تتدخل بشؤون المجتمع وتشكل مليشيا وقوى ضاربة لتنفيذ مناهجها كما يحصل الان في معظم الدول الإسلامية على الدولة المدنية تبني قوانين حازمة لمنع تشكيل أي نوع من أنواع المليشيا التي تعبث بأمن البلاد وسلطة الدولة وينفذ الامر عبر الحوار والقانون واحترام حقوق الانسان لتدرك القوى الإسلامية السياسية ان امن البلد والمواطن فوق الأيديولوجيا الدينية.

 

مؤسسة البروسترويكا الإسلامية

بلحاظ الخطط الإصلاحية لإبعاد الدين عن التدخل في شؤون الدولة فان المحور الثالث هو أصل الموضوع. اذ يجب تشكيل قوى جديدة معتدلة في إيجاد المبررات من داخل الإسلام لتنفيذ الامن في البلاد والعباد عن طريق ايجاد مؤسسة دينية يتم تشكيلها داخل كل بلد إسلامي. تقوم هذه المؤسسة على تبني منهج معتدل وتشكيل لجان وإدارة قوية لإعادة النظر بالفهم الإسلامي وإعادة الإسلام الى حقيقته بالقدرة على التعايش مع الشعوب والأديان الأخرى. يجب اختيار أعضاء المؤسسة الإصلاحية الدينية من القوى والشخصيات الدينية المعتدلة التي تؤمن بتعايش الإسلام السلمي وتقبل الاخر والايمان بالدولة العصرية وقوانينها. هذا الطرح يحتم على قادة الإصلاح تعطيل استخدام قوانين الشريعة في إدارة الدولة العصرية كما ذهب الخليفة عمر بن الخطاب على تعطيل بعض النصوص التي كانت سارية في عهد النبي وعهد الخليفة الثاني، كثير من القوانين الإسلامية لا تصلح الان، لان تلك القوانين استخدمت في فترات زمنية غابت فيها مفاهيم الدولة العصرية، فلا يمكن تطبيق الجلد وقطع اليد والجهاد وتغيير المنكر باليد وما الى ذلك من مفاهيم غير واقعية في إطار المجتمع الحضاري.

إذا كان القران حمال أوجه كما يقول علماء الإسلام فلماذا لا يحمل الوجه الحضاري ويتخلى عن آيات ونصوص التكفير والتجريم والتصادم مع الاخرين ويركز على آيات الحب والتسامح والتعايش؟؟ لماذا لا تُمنع فوضوية رجال الدين وتدخلهم السافر في أمور السياسة بل ان كثير منهم يتجاوز دولته ويتدخل في شؤون دول أخرى ويتحدث في وسائل الاعلام وفي خطب الجمعة في المساجد لأثارة الفتن والنعرات الطائفية والتجييش والفتاوى الإباحية بعشوائية فاضحة دون ضوابط.  ان المؤسسة الإصلاحية الإسلامية بداخل الدولة العصرية بحاجة الى إعادة دور المسجد لدعم الانسان الروحي والدعوة الى الخير والصلاح بدلاً عن العدوانية التي يتبناها خطاب المسجد ويبشر بتفرقة الامة؟؟؟

 

ahmad alkinaniتظهرهذه الاشكالية من خلال طرح العلقة الزوجية في جانبها المادي على اساس كونها عقد بين طرفين، ومتضمنة للاخذ والعطاء، اخذ من طرف الزوجة وعطاء من طرف الزوج، فالزوج يعطي المهر او الصداق في قبال الاستمتاع من طرف الزوجة .

هذا بحسب متبنيات الفقهاء وبأختصار شديد .

و السؤال هنا: هل ان الاستمتاع في العلاقة الزوجية يختص به الزوج وحده ليدفع في مقابله المال، ام ان الاستمتاع حاصل لكليهما معا؟ وحينئذ ماذا تدفع الزوجة لزوجها في مقابل استمتاعها منه؟

هذه الاشكالية تتاتى على كلمات الفقهاء وعلى الخصوص القدماء منهم من خلال طرحهم لمسألة عقد الزواج بالشكل الذي يقاس به على بقية العقود المتقومة بين طرفين والمتضمنة لمعنى المعاوضة كعقد البيع مثلا .

رغم ان صريح القران الكريم يعتبر العلاقة متقومة بالمودة والرحمة فهي علاقة روحية مقدسة لا تقوم على اساس الثمنية والاخذ والعطاء، هي علاقة سكن وطمأنينة تسودها المودة والرحمة، ويشعر فيها كل من الرجل والمراة بانسانيته، فلا بيع ولا شراء ولا اخذ ولا عطاء .

اما الجانب المادي الذي تتعرض له الايات في سورة النساء على هامش هذه العلاقة فهو لتنظيم وتقنين لتلك العلاقة، لئلا تسودها الفوضى وضياع الحقوق حال الانفصال بالطلاق او الخلع، وليست متقومة به كما فهم الفقهاء منها .

و الغريب ان القران جاء ليصحح مفهموما خاطئا كان سائدا عند العرب قبل الاسلام من مساواتهم بين الزواج والبيع، اذ يقدمون المهر ثمنا للمراة، وكانه بدفعه للمهر قد امتلكها كما يمتلك السلعة .

 هذا التصحيح نادت به الاية ٢١ من سورة الروم وهي قوله تعالى {ومن اياته ان خلق لكم من انفسكم ازواجا لتسكنوا اليها وجعل بينكم مودة ورحمة} فالعلاقة الزوجية في المفهوم القراني هي سكن ومودة ورحمة .

و اما الجانب المادي من الزواج كالصداق مثلا فيعبر عنه القران بالنحلة {واتوا النساء صدقاتهم نحلة}. (١)

و النحلة تعني العطية والهبة، وبهذا المعنى فسرها الفخرالرازي، وسأنقل نص عبارته ليتضح للقارئ مستوى الفهم للنص القراني وما عليه الفقهاء من استنباطات وتفريعات بعيدة كل البعد عن الجو القراني . يقول الفخر:

" انه عطية من الزوج، وذلك لان الزوج لا يملك بدله شئ، لان البضع في ملك المراة بعد الزواج كهو قبله، فالزوج اعطاها المهر ولم يأخذ منها عوضا يملكه، فكان في معنى النحلة التي ليس بأزائها بدل، وانما الذي يستحقه الزوج منها بعقد النكاح هو الاستباحة لا الملك " .(٢) 

 وفسرها ايضا السيد الطباطبائي في الميزان " بالعطية من غير مثامنة" (٣) 

لكن الفقهاء سامحهم الله ارجعوها جاهلية بعد اسلام عند تنزيلهم عقد الزواج بمنزلة عقد البيع .

 ولنا الحق حينئذ ان نتسائل:

هل حقا ان عقد الزواج في شريعة الفقهاء يتعامل معه كعقد البيع او عقد الاجار مثلا؟

فعقد البيع قوامه المعاوضة بين المال والملك، وفي عقد الاجارة هنالك معاوضة ايضا بين المال والمنفعة، فالمستأجر لا يملك البيت مثلا وانما يملك منفعة البيت .

 لكن في عقد الزواج ما هي المعاوضة بين الزوج والزوجة؟ ماذا يعطي الزوج وماذا تأخذ الزوجة؟

الظاهر من كلمات الفقهاء وعند مناقشتهم للمسائل المتعلقة بالجانب المادي للزواج كالمهر مثلا او الخلع، انهم يعرفون الزواج بانه : "معاوضة على البضع" والبضع هو فرج المرأة، ويقصدون به الاستمتاع، فالزوج يبذل المال او ما يعادله كمهر للزوجة في مقابل الاستمتاع بها، كما ان الزوجة تبذل المال في مقابل خروجها من عهدة الزوج وهو معنى الخلع .

 واليك نص فقهي على سبيل المثال للحصر فيه دلالة اكيدة على ملكية الزوج لبضع المرأة .

يقول الشيخ الطوسي في كتابه المبسوط:

" وان خالعها بعد هذا بعوض وبذلته له، ملك العوض الذي عقد الخلع به، وزال ملكه عن بضعها في الوقت الذي ملك العوض عليها، ولا يقال زال بضعها اليها فملكته لانها لا تملك بضعها، فأن البضع عبارة عن الاستمتاع، لكنا نقول زال ملك البضع عنه وعاد اليها كالذي كان قبل النكاح " .(٤)

لاحظ التعبير " زال ملكه عن بضعها "، "زال ملك البضع عنه وعاد اليها كالذي كان قبل النكاح "

فهنالك ملك للبضع من قبل الرجل زال هذا الملك بمجرد ان ارجعت اليه المال .

الا يفهم من هذا الاهانة الصريحة لانسانية المرأة وكانها سلعة تباع وتشترى؟. ثم اين هذا الفهم من روح القران التي يعلوها التقديس للحياة الزوجية؟.

و المصيبة انك تجد اصرارعلى هذا المعنى رغم قباحته، من قبل المفسرين والفقهاء المعاصرين لتبرير تعريف القدماء هذا، وكانه نص مقدس لا ياتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فهذا السيد الطباطبائي في الميزان يدافع عن ملكية البضع، ويعتبر الامر مناسب للطبيعة فيساوي بيننا وبين الحيوانات، من استيلاء الذكور على الاناث فيقول:

 "ثم ان التأمل في سفاد (اي جماع) الحيوانات يعطي ان الذكور منها شائبة استيلاء على الاناث في هذا الباب، فأنا نرى ان الذكر منها كأنه يرى نفسه مالكا للبضع مسلطا على الانثى، ولذلك ما ترى ان الفحولة منها تتنازع وتتشاجر على الاناث من غير عكس، فلا تثور الانثى على مثلها اذا مال اليها الذكر بخلاف العكس "

هل يستحق الجمود على تعريفات الفقهاء ان نفكر بهذه الطريقة، بدلا من تهذيبها او استبدالها بما هو افضل ما دامت صياغتها من صنع بشر امثالنا .

وخير ما صنع المهتمون بشأن التصنيف الفقهي حديثا بتجاوزهم عن اصطلاحات القدماء في باب الزواج واستبدالها بصياغات اكثر ملائمة مع ما هو مدون في الدساتير البلدان الاسلامية .

 

 

 

....................

المصادر:

 (١) النساء :٤

(٢) الفخر الرازي،التفسير الكبير، دار الكتب العلمية بيروت 2004، ص ١٤٧

(٣) محمد حسين الطباطبائي، الميزان ج ٤ص١٦٩

(٤) محمد بن الحسن الطوسي، المبسوط، ط٢ تحقيق محمد باقر البهبودي، ج٤ ص٣١١

(٥) الميزان ٤/١٨١، ١٨٢

 

jaffar almezeherلا يتردد ولا يتوانى الكثير منا في مهاجمة المسلمين السنة بسبب افعال السلفية الوهابية او السلفية بشكل عام، وهي افعال اقل ما يقال عنها انها سببت ازمة اخلاقية وحضارية للدين، فروح التكفير التي يطال السلفيون بها غيرهم اصبحت لا تطاق وتنبئ بعواقب وخيمة سواء على مستوى احترام الشريعة او على مستوى التعايش السلمي بين الطوائف، وهذا الامر تتحمله المؤسسة الاسلامية السنية وخصوصا الازهر الشريف في مصر الذي ترك او اطلق العنان للمال الوهابي ودعاته ومن ورائهم المملكة السعودية ان يهيمنوا على مجال الوعظ والتبليغ وليطبعوا الاسلام بروحهم التكفيرية ورجعيتهم الصحراوية، وقد يكون لتراجع الازهر في اخذ زمام المبادرة لاشاعة الاسلام السني المعتدل اسباب سياسية ومصلحية كان لنظام حسني مبارك يد فيها، وليس لاسباب ذاتية من قبل الازهر، لانه ما زال في الازهر من ينتقد الوهابية بقوة وبحجج دامغة، ومن ابرز الشخصيات في هذا الاتجاه التنويري داخل الازهر والرافض للسلفية الوهابية على سبيل المثال لا الحصر: الشيخ علي جمعة، الشيخ احمد كريمة، الشيخ سعد الدين هلالي.. ويشير كثير من مثقفي مصر ان تراجع الازهر كان بسبب قبول مبارك لهذا المد الوهابي والسماح له في تقوية نفوذه من اجل ارضاء السعودية وحكامها، والذين كانوا يدفعون بشكل سخي هدايا ومكرمات شخصية لمبارك، وهذا هو السبب الرئيس والابرز في غض الطرف عن تمادي السلفية الوهابية وانتشارها في مصر، بعدما لم يكن يُسمح بهذا في زمن السادات ومن قبله في زمن جمال عبد الناصر.

هذه هي الصورة بشكل موجز داخل الاسلام السني وقد بدأ الازهر يتنبه الى هذا الامر وخطورته بعد مقتل المصري الشيخ حسن شحاتة بشكل مريع على يد السلفية الوهابية –الشيخ المقتول هذا تحول رحمه الله من سلفي مغالي الى شيعي مغالي ايضا–!.

 اذن، وبقبال هذه الهيمنة الوهابية وتنبه المسلمين السنة لها ولخطورتها هل استطاع الاسلام الشيعي ومن خلال مرجعية الدين في النجف الاشرف او ايران ان يحدث نقدا داخليا للثقافة التكفيرية داخل التشيع؟ والتي اصبحت تستشري اليوم داخل المذهب الشيعي وتكبر بشكل مخيف وذالك من اجل إيقافها عند حدها، ام ان هذه المرجعية الحالية تتماهى سرا وتسكت عن رواج الثقافة التكفيرية داخل المجتمع الشيعي؟ وان هذا التماهي يتأتى –من وجهة نظري– من خلال عدم فضح هذا الاتجاه داخل التشيع وتبيين خطورته من قبل هذه المرجعية، فنحن نعرف ان الاتجاه الشيعي المعتدل والذي كان سائدا فيما مضى اخذ بالانحسار خلال العشرين سنة الاخيرة وهو الان في رمقه الاخير، فالاعتدال الذي مثلته مدرسة ( باقر الصدر - الخميني ) ومن طلبتها: فضل الله، علي الخامنئي، محمود الهاشمي، مهدي الاصفي، عبد الله الغريفي، محمد مهدي شمس الدين، واخرين كثر لا مجال لذكرهم الان قد اصبحت هذه المدرسة؛ مدرسة ضلال من خلال فتاوى مرجعيات الغلو الديني؛ وعلينا ان لا ننسى ان من يُتهم بالضلال هم من غير الايرانيين وهذه مفارقة يجب الالتفات لها ايضا، مع ان جل الزعماء الايرانيين هم من علماء الدين الوسطيين الذين يتقاطعون مع اتجاهات الغلو الشيعي، لكن مع هذا، فهؤلاء التكفيريين لا يقتربون من الايرانيين لانهم يخافون من ردة فعل الدولة الايرانية والتي تسيطر عليها جماعات من هذا الاتجاه الوسطي.

ان التكفيريين الشيعة اصبحوا اليوم يصفون وبدون خجل او وجل الذين لا يتماهون مع توجهاتهم التكفيرية بـ (الشيعة البترية) والمؤسف في هذا اننا لم نسمع لحد الان ردا حقيقيا اتجاه هؤلاء، والمحزن ايضا ان خوف علماء الوسطية الشيعية من العرب وصل الى مديات مخيفة في عدم تصديهم لهذا التوجه التكفيري، وان هذا التيار الوسطي في تراجع مستمر من يوم جُس نبضه بفتاوى التكفير التي طالت ابرز رموزه وهو المرحوم محمد حسين فضل الله بعد ان وصمته مرجعيات الغلو الشيعي ب"الضال المضل" ولا يخفى في هذا إنحياز كبار اهل الفتوى خلال العشرين سنة الاخيرة لصالح التكفيريين كمرجعية الوحيد الخرساني وجواد تبريزي وعلي السيستاني وتماهي الكثير من رجال الدين في النجف او في قم مع هذا التوجه المغالي والذي اذا بقي على حاله سيتسبب بكوارث اجتماعية ودينية متتالية.

ان التشيع العلوي والذي تحفه روح علي واهل بيته الكرام والمبني على اسلام السماحة، وهو الاسلام الذي شكله الامام علي باجمل تشكيل من خلال قولته المشهورة (لاسلمنا ما سلمت امور المسلمين) وهو قول كما نعرف يفرق به الامام بين حقه في الخلافة وبين روح التعايش والتواصل والتكامل الاسلامي بين المسلمين، وهي روح تلبست كل ابناءه البررة وبقيت تتلبس شيعته لقرون طويلة، فهل نترك التكفيريين اليوم ينزعون عنا هذه الروح العلوية ويحولوننا الى (عيارين وشتامين) . فاين هي وجهتنا اليوم؟ هل وجهتنا هي تشيع التعايش الطبيعي وغير المفتعل مع باقي المسلمين؟ ام وجهتنا هو تشيع الضغينة والبغضاء والذي يسعى في نشره المهوسين من تكفيريي التشيع المغالي من امثال: اولا، الاتجاه الشيرازي بشخصياته التكفيرية كمجتبى الشيرازي وكثير من افراد عائلته، ولا يخفى على احد ان لهؤلاء حماية دينية من مرجعية صادق الشيرازي. ثانيا، اتجاهي جواد التبريزي والوحيد الخرساني في العقائد، وهما مدرستان متطرفتان في العقائد وحادتان الطباع اتجاه كل من يخالفهم في توجهاتهم المغالية. ثالثا، الاتجاه الحجتي التكفيري وهو الاخطر في هذه الاتجاهات، ومن ابرز شخصياته العربية –من الاحياء– عبد الحليم الغزي وعلي الكوراني، وهناك خطباء ومحاضرين بارزين لهذا الاتجاه الحجتي من امثال: عبد الحميد المهاجر والفالي وياسر الحبيب و مرتضى القزويني .. وكل هؤلاء يسيطرون اليوم على الاعلام الديني في جانبه الشيعي كما يسيطر الوهابيون على الاعلام الديني السني –وهذا امر اظنه دبر في ليل لصالح جهات مستفيدة من النزاع الداخلي للمسلمين– ولجعل الاتجاهات التكفيرية هي التي تسيطر على حياة المسلمين عامة وعدم السماح للاتجاهات الوسطية الاسلامية في ان تأخذ دورها الحقيقي في ترشيد امتنا البائسة وتوعيتها للخروج من بؤسها الطائفي.

يبقى أن اقول إن سكوت المرجعية الدينية الشيعية او قبولها الضمني بصعود هؤلاء التكفيريين الشيعة وقبولهم كحالة طبيعية داخل الجسم الشيعي سيجلب الدمار الاخلاقي والتشريعي للمذهب الشيعي وهو مذهب – كما يعرف ابناؤه الواعون – تكمن قوته الاساسية من خلال تمسكه باخلاق اهل البيت وتسامحهم وعفة ارواحهم والسنتهم عن قول الفحش والزور.

ان هؤلاء الغلاة التكفيريين بدأت ثمارهم التكفيرية تأخذ حيزها المخيف داخل المذهب الشيعي من خلال ظاهرة اللعن والشتم لكل ما يخالفهم، وهي ظاهرة سيئة اصبحت لا تبقي ولا تذر، وكذالك من خلال تصنيفهم الشيعة الى صنفين: صنف الشيعة الاثني عشرية صحيحي الاعتقاد، وصنف الشيعة البترية غير صحيحي الاعتقاد، ويريدون بالصنف الاول طبعا الشيعة التكفيريون، وبالصنف الثاني يريدون الشيعة من غير التكفيريين، علما ان في الثانية يدخل فضل الله والوائلي والخامنئي، ومحمد باقر الصدر كما اشار اليه علي الكوراني لمزا في كتابه (الحق المبين في معرفة المعصومين) او كم شرع عبد الحليم الغزي في التحرش بكل من لا يعتقد بتواجهاتم المغالية والتكفيرية من علماء الشيعة وذالك من خلال قناته المودة. بقيت مفارقة لابد من ذكرها وهي: ان هذا الغزي بقي متهيبا وخائفا من الايرانيين وعدم التحرش برموزهم من امثال المرحوم السيد الخميني الذي كان محبا لمحي الدين بن عربي بينما الغزي يعد ابن عربي هذا ناصبيا! لكنه لا يتحرش بالسيد الخميني وبحبه لابن عربي، وفي نفس الوقت يتحول الى اسد هصور على غير الايرانيين من علماء الشيعة، وهذا الامر يحتاج الى اجابة حقيقية من الغزي.. وازعم ان السبب هنا هو خوف الغزي من الايرانيين وذالك لما يحتفظون له من غابر الايام والسنين التي امضاها الشيخ الغزي في ايران والتي ادعى فيها انه الباب الاكبر للحجة المنتظر واكثر من هذا، فهناك اشارات بانه ادعى انه الحجة المنتظر نفسه وهذا ما تسرب وقتها من بعض المقربين له! .. مما استدعى المخابرات الايرانية ان تلجمه وتوقفه عند حده من خلال تهديده بفضح الاعيبه (..) وعلى اثرها اختفى خمسة عشر عاما ليظهر بعدها بحلة جديدة في لندن! ومع مريدين جدد.

ختاما، يبقى ان اقول وأُذكرالمرجعية: ايتها المرجعية الدينية ما انت فاعلة لرد هذا الاتجاه التكفيري الذي اخذ يتفاقم داخل المجتمع الشيعي ومن خلال هؤلاء التكفيريين والذين يعملون ليلا نهارا في بلبلة الناس وجرهم لمناطق لا تحمد عقباها، فما هي الا سنين قلائل وتصبح الروح التكفيرية السيئة هي السائدة في حياتنا الاسلامية، فيا ايتها المرجعية افيق لرشدك قبل فوات الاوان، والا ستدور عليك في قابل الايام الدوائر من قبل هؤلاء التكفيريين، وما (يمانيُها وانتشار نوب الحجة المنتظر الوهميون في العراق) إلا نذر تظهر لكم بين الفينة والاخرى لتقض عليكم مضاجعكم، فتصدوا للخطر المحدق بالتشيع من قبل هؤلاء التكفيريين قبل فوات الاوان.

 

ahmad alkinaniعنوان المقال مقتبس مما تألف عليه فقهاء الشيعة من ابراز مقدرتهم الاجتهادية وابداء وجهات نظرهم المختلفة مع بقية الفقهاء وتدوينها بشكل تعليقات على متن الرسالة العملية للسيد كاظم اليزدي المسماة بالعروة الوثقى، وهذا العنوان ستدخل تحته مجموعة من المواضيع المختارة ذات الطابع النقدي للتشريع الاسلامي كنت قد دونتها في سالف الايام عندما كنت ادرس الفقه، وقد حان الوقت لنشرها، علها تساهم في ترسيخ الوعي لواقع الدين في حياة الناس لئلا يقعوا فرائس لتجار الدين .

الموضوع الاول يتناول مسألة العبادات الاستأجارية او النيابية، وهذه المسألة بالذات تدر ارباحا لا يستهان بها للفقهاء، ولا اقصد طلبة العلوم الدينية ممن يعتاشون على هذه العبادات، وما اقصده جباة الاموال والوكلاء المعتمدون لدى المراجع الدينية عندما يجولون البلدان بحثا عن صيد سمين، وتمثل مراسيم اداء فريضة الحج والعمرة لهؤلاء موسم الحصاد ينتظرونه طوال العام ليجنوا من خلاله ما يكفيهم من الارباح الى حين حلول موسم الحج القادم ومن دون بذل اي جهد يذكر سوى تذكير الزبائن البسطاء بخطورة ما يقترفوه تجاه الاباء اذا لم يؤدوا عنهم ما فاتهم من الصلوات والصيام والحج، وبأمكانهم انقاذ هؤلاء الاموات من عذاب جهنم ان هم بذلوا مقدارا من الاموال للنيابة عنهم في اداء الفرائض . وبالطبع سيكون الدفع بالريال السعودي .

و عند العودة الى الديار ستوزع هذه العبادات على البؤساء من طلبة الحوزة بالدينار العرقي او بالتومان الايراني وبثمن بخس دراهم معدودة، والقسم الاعظم سيصب في حساب هؤلاء الجباة حلالا طيبا.

و اخيرا ابتدعوا طريقة عصرية تعتمد التكنولوجيا الحديثة بالاستفادة من شبكة الانترنيت، حيث يضعوا رقم الحساب البنكي وتعرفة العبادات بالدولار الامريكي، وللتسهيل على الزبائن وضعوا خيار الدفع ببطاقة الائتمان "Credit Card"، وما عليك الا ان تدفع رسوم العبادة من الصوم او الصلاة بالفيزا كارت، وستبرأ ذمة الميت ان شاء الله تعالى .

و اليك نموذج من هذه الطريقة :

موقع الشيخ محمد تقي الذاكري

اجرة الصلاة والصيام للعام الواحد600$ مع صلاة الايات

اجرة الصوم لشهر واحد 250$

اجرة الصلاة (من دون صيام )350$

لتأجير شخص مطمئن يمكنكم دفع المبلغ عبر الكريدت كارد (اضغط على مفتاح المساهمات المادية)

كما يمكنكم ارسال شيك بالمبلغ (بعد التنسيق معنا) على العنوان التالي

" العنوان في الولايات المتحدة الامريكية "

للوقوف على هذا الاعلان يراجع الرابط التالي :

http://www.alzakery.com/index.php?option=com_content&view=article&id=30&Itemid=95

 

لكن السؤال ان هذه العبادات الاستئجارية هل لها اصل في التشريع الاسلامي او لا ؟

فلنرجع الى الادلة الشرعية ونتحرى الجواب عن السؤال المتقدم .

يبدو ان مسألة الاستئجار في العبادات لم تكن مطروحة اصلا في كتب الفقهاء قديما، ولم تكن متداولة عندهم كما هو الحال اليوم، وانما هي من ابداعات الفقهاء المتاخرين . صرح بذلك صاحب الذخيرة ـ وهو من اعلام فقهاء الامامية ـ كما نقل عنه السيد الحكيم في مستدرك العروة الوثقى (١):

قال في الذخيرة :" لم اجد تصريحا به في كلام القدماء، ولم يكن ذلك (اي الاستئجار في العبادات) مشهورا بينهم قولا ولا فعلا، وانما اشتهر بين المتأخرين ".

و لذا عبر عنه السيد الحكيم بأنه " مشهور بين المتأخرين "

و هذه الشهرة المتأخرة لا اعتبار لها كما هو المحقق في اصول الفقه، والعبرة في شهرته عند القدماء وهي غير متحققة .

فهل معنى هذا ان المسألة لا دليل عليها في اصل التشريع ولذا لم يتطرق اليها القدماء من الفقهاء، او ان الدليل موجود لكنه غاب عن القدماء واكتشفه المتأخرون؟

احتمالان ...

هنالك مجموعة من الروايات عن ائمة اهل البيت تتعرض لهذه المسألة صنفها الحر العاملي تحت عنوان "باب استحباب التطوع بالصلاة والصوم والحج وجميع العبادات عن الميت، ووجوب قضاء الولي ما فاته من الصلاة لعذر"، من ابواب قضاء الصلوات، في كتابه " وسائل الشيعة، اعتبرها الفقهاء المتأخرون ادلة على صحة الاستيجار في العبادات .

 سأناقش اول رواية في المجموعة واترك البقية الباقية لانها لا تخلو من الاشكالات السندية مما يجعلها ساقطة من الاعتبار .

الراوي لهذه الرواية محمد بن يعقوب الكليني صاحب كتاب الكافي يرويها عن" عدة من اصحابنا عن احمد بن محمد بن خالد عن محمد بن علي عن الحكم بن مسكين عن محمد بن مروان قال : قال ابو عبد الله (ع): ما يمنع الرجل منكم ان يبر والديه حيين وميتين، يصلي عنهما ويحج عنهما ويصوم عنهما فيكون الذي صنع لهما وله مثل ذلك فيزيده الله عز وجل ببره وصلته خيرا كثيرا ".

 الرواية تبتدأ" بعدة من اصحابنا " وعدة الكليني كما يسمونها في كتب الرجال والتراجم هي مجموعة من الرواة ينقل عنها الكليني يتصدرها علي بن ابراهيم صاحب تفسير القمي وهو احد اعلام خط الغلو في المذهب الشيعي وتفسيره شاهد على ذلك، فالرواية من حيث السند ظاهرة البطلان .

اما من حيث الدلالة والمفهوم فانها مخالفة للقواعد الفقهية المتسالم عليها وهي الصلاة والصوم والحج عن الوالدين حيين وميتين، ولم يقل احد من الفقهاء بأداء العبادات عن الاحياء .

و لعل اعراض قدامى الفقهاء عن هذه الادلة لعدم تماميتها وصلاحيتها كأدلة على الاستيجار في العبادات .

و منهم من صرح بعدم وجود النص، او ان النص وارد في الحج ولا يصح تعديته الى باقي العبادات، كما نقلت اقوالهم المدونات الفقهية، ولا داعي للاطالة ...

دع عنك كل ذلك ولنفترض ان الادلة قائمة على صحة العبادات النيابية، لكنها تخالف المنطق السليم، فلو فرضنا ان شخصا غنيا لم يسجد لربه قط، وشخصا اخر بائس افنى عمره في عبادة الله توفي في مرض موته وفاتته بعض الصلوات لذلك، هل معنى ذلك ان يدخل الاول الجنة اذا وجد من ينوب عنه في العبادات من ماله، ويدخل ذلك البائس المسكين النار لعدم وجود من ينوب عنه . اين عدالة الله

و دع عنك هذا وذاك، فالواقع يثبت من دون ادنى شك ان العبادات الاستيجارية تثير جشع جباة الاموال من  وكلاء المراجع الدينية مما يسئ الى الدين كله، اليس هذا كاف للردع عن ابتزاز اموال الناس والاسقواء بها على الضعفاء .

 

....................

المصادر:

(١) محسن الحكيم، مستمسك العروة الوثقى، ط 1404 هجري نشر مكتبة المرعشي النجفي،ج7 ص105

(٢)الحر العاملي، وسائل الشيعة،كتاب الصلاة، ابواب قضاء الصلوات، الحديث 10647

 

الملفت للنظر والذي يثير الاستغراب هوهذا الاقبال الشديد على التدين الظاهري الشكلي في الوقت نفسه نشاهد هناك اقبال شديد وبنفس القوة على الفساد بكل انواعه وبشكل عميق وجوهري واي نظرة موضوعية يتضح لك انه اقبال على الفساد ولكنه مغلف بالتدين

وهذه ظاهرة عامة انتشرت في كل البلدان العربية والاسلامية كلما ازداد الاقبال على الدين كلما ازداد الاقبال على الفساد

المفروض والمعروف ان الحالة تكون معكوسة وهي كلما ازداد الاقبال على التدين كلما قل الفساد بكل انواعه بل ازيل وتلاشى من هذا يمكننا القول نحن امام ظاهرة جديدة لم نألفها من قبل فكنا نقول هذا متدين وهذا فاسد لكل واحد طريقه ولونه اما الان فالفاسد صبغ نفسه بلون المتدين وتظاهر بانه يسير في طريق الدين وهكذا ضاع المتدين وضاع الدين

يا ترى لماذا الامور تجري خلاف ذلك؟

في العراق نشأت حالة جديدة غير مالوفة وهي الاقبال الشديد والواسع على التدين على اقامة الشعائر والطقوس الدينية على بناء المساجد والحضور الواسع على المساجد ودور العبادة وزيارة العتبات المقدسة واضرحة الاولياء والصالحين واقامة الولائم والعزائم والاحتفالات والمهرجانات الدينية.

لا شك ان هذا يفرح النفوس ويسر القلوب اذا كان الامر لوجه الله، لكن الامر يظهر ليس لوجه الله وانما لوجه الشيطان

فاذا كان لوجه الله فانه يدفع صاحبه الى الصدق والعفة وحب الاخرين والتضحية والاخلاص في العمل وعدم التسيب والغش والتزوير واستغلال النفوذ والوساطات الغير مشروعة ومساعدة الغير فالمتدين بدين الله مثل الامام علي الذي يمنح طعامه الذي لا يملك غيره للسائل والمحروم ولو كان هذا التدين لوجه الله لعشنا في جنة ونعيم

لكن هؤلاء جعلوا من الدين تجارة رابحة ليضلوا الناس ويسرقون عرقهم وتعبهم ويجعلون منهم مطية لتحقيق رغباتهم الفاسدة ومصالحهم الغير شرعية ويشغلوهم في امور تافهة لا قيمة لهم في حين يبعدونهم عن الامور المهمة الذي يثير الغرابة ان هؤلاء الذين يتظاهرون بالتدين الشكلي لا يفهمون ولا يعرفون اي شي عن الدين بل انهم من اهل السوابق واصحاب الفساد والموبقات مثل السرقة الدعارة الاحتيال والنصب على الاخرين والمزورين والانتهازين الذين ينهقون مع كل ناهق

فهاهم يقلبون الدنيا رأسا على عقب اذا شاهدوا شعر فتاة ربما لم تقصد او لحالة خاصة لكننا لم نسمع منهم اي كلمة عندما تسود الرشوة ويعم الفساد الاداري والمالي ويصبح البلد بلد الفساد والمفسدين كانما ذلك من اصول الاسلام

احد رجال الدين يقول اقبال الشباب على التدين يؤدي الى انخفاض الجريمة والحد من الفساد والرشوة

 لكن يا شيخنا المية تكذب الغطاس فهذا الاقبال على التدين زاد في الجريمة وزاد في الفساد والرشوة حتى اصبح دوائر الدولة كلها تتعامل بالرشوة والمواطن لا يحصل على حقه الا بالرشوة والفساد وحتى الدعارة

لا ادري هل شيخنا الفهيم الفاهم يعيش في العراق ام خارج العراق اعتقد انه من الذين انعم عليهم الشيطان فاصبح كل شي يطلبه جاهز وتحت الطلب

لا شك ان العودة الى التدين بشكل ظاهري وطقوس دينية شكلية لا تدخل في اعماق الانسان وتحرك روحه وعقله عملية تسيء للدين بل تؤدي الى ازالته والقضاء عليه

فالمنظمات الارهابية الوهابية والتي يطلق عليها السلفية والجهادية والتي استخدمت العنف في فرض جهلها وظلامها على الاخرين اعطت صورة اخرى غير صورته الحقيقية كما انها عندما وصلت الى كرسي الحكم لم تعطي صورة موضوعية سليمة للعالم بل اعطت صورة اخرى صورة العنف والجهل والتخلف والقتل والتخريب

هاهم المسلمون بعضهم يكفر بعض وبعضهم يذبح بعض لماذا من اجل من ماذا يريدون لا يريدون شي سوى الموت

اذهبوا وحدكم الى الموت لا الا بذبح الاخرين الا بتدمير الحياة هذا هو شعارهم لا مستقبل للانسان الا القبر

لا ادري كيف يدعي انه متدين ويذبح المسلمين بالجملة ويفجر دور العبادة ويقتل كل من يصلي بها ويحرق كل نسخ المصاحف ويصرخ الله اكبر يسرق اموال الناس وبغتصب النساء ويصرخ الله اكبر ربما هناك من يقول هناك متدينون غير هؤلاء اقول نعم لكن اين هؤلاء انهم لا يمثلون شي فصوت الدين وصورته اولئك الارهابيون الوهابيون التكفيريون

وبهذا حولوا الدين الى وباء مدمر للحياة والانسان لهذا بدأ المجتمع الدولي بدأت البشرية التي تعشق الحياة وتعمل من اجلها تتنبه لخطر التدين ومن حقها ان تدافع عن الحياة والانسان وتتصدى بقوة لهذا الوباء الذي اسمه التدين

الحياة مهددة بالفساد والارهاب والمتدين فاسد وارهابي المعروف جيدا ان الفساد يولد الارهاب

فالذي يتعاطى الرشوة يعني يتحول الى ارهابي وليس العكس فالذي يتعاطى الرشوة هو الذي يخلق الارهابي

لهذا على الذين يشعرون بالغيرة على الاسلام ان يكفروا الذي يتعاطى الرشوة ويستغل نفوذه فهو مصدر كل الرذائل والموبقات وكل انواع الفساد في الارض

من صفات المتدين ان يكون صادقا مع الاخرين متمسك بالصدق حتى وان اضره مبتعدا عن الكذب وان نفعه

مخلصا في عمله معتبرا العمل عبادة من افضل العبادات واكثرها قربا لله فلا يشغل نفسه بأي شي ولا يضيع دقيقة واحدة من مدة العمل المخصصة بل يجد الراحة والمتعة فيه لانه يؤدي الهدف والغاية التي خلقه الله من اجلها وامره به وهو خدمة الناس ومنفعتهم وفائدتهم وكل الفرائض الاخرى من اجل ان تهيأ الانسان لذلك الهدف وتلك الغاية

والله يقرب الانسان ويبعده من خلال قربه وبعده عن الناس من خلال ما يقوم به من منفعة وفائدة للاخرين

يقول احد رجال الدين الصادقين ان الله يوم القيامة يسأل الانسان

هل أذيت احد من البشر فاذا لم تؤذ احد هيا ادخل الجنة لم يسأله عن صلاته عن صيامه عن ضحكه عن بكائه

بل يسأله عن افعاله وتصرفاته هل كانت مضرة بالحياة وبالانسان ام كانت ذات فائدة للحياة والانسان

 صحيح اصبح القضاء على الفساد والعنف امر صعب بل مستحيل لكننا نريد ان نفصل المتدين عن الفاسد نبعد الدين عن الفساد

لنحمي على الاقل ديننا وننقذه من هذه الكارثة

 

مهدي المولى

 

المفكر المبصر هو الذي تقوده بصيرته إلى إختيار ما يناسب مصلحة أمته الحاضرة فيما يعالج من أفكار، أما المفكر فاقد البصيرة فهو الذي يتخبط في طرح الأفكار عشوائياً من غير إعتبار لعناصر الزمان والمكان.

المبصرون يملكون جهازاً إستكشافياً ذاتياً للتعرف على إحتياجات أمتهم، أو ما يسمى بعنصر (الوعي المجتمعي)، أي يقومون بمرعاة إحتياجات الواقع المعاش ومصالح جمهور المتلقين.

مثلاً: المفكر الذي يعيش في مجتمع يعاني من المجاعة ولا يكاد يجد معظم أفراده قوت يومهم، ثم يطرح قضية مساويء ومضار التخمة الغذائية يعتبر مفكراً فاقداً للبصيرة، لأن مجتمعه الجائع في ذلك الحين لا يحتاج للتوعية بقضية التخمة. وبالتالي فإن هذا المفكر سيستنفذ جهده  ووقته في بحث قد يعتبر قيماً من ناحية علمية مجرده، إلا أنه بكل تأكيد غير ذي فائدة بالنسبة لمجتمعه في ذلك الوقت.

أما المفكر الواعي فإنه يختار دوماً أن يعالج القضية الأكثر إلحاحاً بالنسبة لمجتمعه في زمانه ثم يتدرج في سلم الأولويات، ويسمى هذا النوع من الطرح بالفكر المسؤول، أي الفكر المرتبط بإحتياجات الجمهور.

وبالتالي فإن المفكر المسؤول يتحرك دوماً بديناميكية مرنه مع الواقع المعاش وينوع في القضايا المطروحة بحسب إحتياجات الجمهور. ففي مجتمع منفتح جداً ويعاني من إنفلات أخلاقي، يجب على المفكر المسؤول طرح قضايا مثل العفة والشرف والألتزام الخلقي ونحو ذلك، لأن هذا ما يحتاجه مجتمعه في تلك اللحظة، أما في مجتمع مغلق ومقيد، فأن هذا المفكر نفسه سيتوجه نحو طرح قضايا تتعلق بحقوق المرأة والأفراد وحرية الإختيار. كذلك في مجتمع يقبع تحت الإحتلال ستكون القضية الرئيسية المطروحة هي المقاومة والتحرر الوطني، بينما يتم التركيز في مجتمعات مستقلة ذاتياً على معالجة مسائل التنمية وتطوير الجهاز الإداري، وما إلى ذلك.

وهكذا ففي مجتمع يعاني من إرتفاع وتيرة الشحن الطائفي بشكل غير مسبوق مما يهدد بتدمير تماسك النسيج المجتمعي الوطني الداخلي، فإن التركيز ينبغي أن ينصب على التقريب وتبيان أهمية الوحدة ونبذ الفرقة والتعصب، بينما نجد مفكرين متخبطين ومعكوسين تماماً يطرحون بالضبط ما لا يجب أن يطرح في تلك اللحظة التاريخية ويهملون اولويات ما تحتاجه أمتهم.

 

abdulhusan shaabanلا يمكن الحديث عن مشروع نهضوي عربي جديد دون الاستناد إلى ثلاثة عوامل أساسية، أولها إعلاء شأن الحرية، استناداً إلى حرية الفرد والمجتمع، وثانيها إعادة النظر في مفهوم الهوّية، لا سيّما العلاقة بين الهوّية الجامعة العامة الموحّدة، وبين الهوّيات الفرعية، بالاعتراف بقيم التنوّع والتعددية والتمايز والاختلاف، وثالثها الإقرار بالحقوق الإنسانية بما تتطلبه من مبادئ المساواة والمواطنة الكاملة وعدم التمييز .

ولعل الحديث عن مشروع النهضة لا ينفصل عن القراءة النقدية الأبستمولوجية، ابتداءً بالتراث ووصولاً إلى شروط التغيير، وذلك من خلال النقد العقلاني التاريخي بما فيه الديني والتأويلي التي تشمل نقد المسلّمات والفكر اليومي والسائد .

أما القراءة الثانية فتقوم على نقد الأيديولوجيا السائدة سواءً كانت دينية أو قومية أو يسارية في منطلقاتها ومرجعياتها، خصوصاً لما عفا عليه الزمن ولم يعد صالحاً.

أما القراءة الثالثة فهي قراءة تستند إلى الثقافة خصوصاً من زاوية القيم الإنسانية التي تقوم عليها، في إطار عملية التنمية الثقافية السوسيواقتصادية، بما فيها وسائل الاتصال والمعرفة الحديثة وعلاقتها بقضية العدالة الاجتماعية .

ومثل هذه القراءات تحتاج إلى مراجعة نقدية واضحة وصريحة لمشروع التغيير لمرحلة ما بعد الاستقلال، لا سيّما لنكوص العديد من أركانه، خصوصاً مع عودة العلاقات القديمة والولاءات ما قبل الدولة: الدينية والطائفية والمذهبية والعشائرية والجهوية وغيرها، تلك التي أسهمت في تبديد المشروع وتشتيت القوى القائمة عليه، بل ودفعتها باتجاه تناحري إلغائي وإقصائي .

والمسألة الثانية التي تحتاج هي الأخرى إلى إقرار، هي تراجع القوى والجماعات التي حملت لواء الحداثة والتقدم، بل وارتدادها أحياناً إلى جماعات محافظة، وتحوّلها من قوى راديكالية إلى قوى محافظة، بل إلى قوى رجعية في الكثير من الأحيان، لا سيّما عندما تسلّمت مقاليد السلطة، وتحت مبررات الدفاع عن وجودها والحفاظ على مواقعها، قمعت كل رأي معارض بما فيه حلفاؤها .

والاعتراف الثالث الذي ينبغي إعمال النقد فيه هو فشل المشروعات الثورية الخمسينية والستينية، بل وارتدادها بحيث انقلبت الثورات إلى نقيضها، إلى درجة أن البعض كفر فيها، في حين كان يمكن للتطوّر التدريجي والتراكم التاريخي والإصلاح المؤسسي الطويل الأمد، أن يؤدي إلى إنضاج عوامل التغيير من دون الحاجة إلى عمليات قيصرية وانقلابات عسكرية وأخرى مضادة وهكذا .

وإذا كانت هذه المراجعة ضرورية، لأن العديد من القوى والشخصيات الفكرية والثقافية والسياسية بدأت تقتنع بها وتميل إليها، فإنها بحاجة إلى تأصيل وحوار مجتمعي يحرّم العنف ويضع التغيير السلمي لعقد اجتماعي جديد، وهو ما فعلته بعض قوى دول أمريكا اللاتينية، التي استبدلت بشعار الثورة عبر الكفاح المسلح، شعار “الثورة من خلال صندوق الاقتراع”، خصوصاً بعد أن أصبح الارتداد على الماضي، بل وتقهقر خطط التنمية والتغيير، سمة مميّزة للثورات السابقة، والأمر لا يقتصر على المشروعات التغييرية العربية فحسب، بل إن له أبعاداً عامة، لا سيّما انهيار أنظمة أوروبا الشرقية وانحلال الكتلة الاشتراكية، بعد نهج شمولي استبدادي بالضد من الشعارات التي روّجت لها وحملتها لسنوات تبشّر فيها بالثورة والتغيير، بحيث عادت مسألة الهوّية إلى الانبعاث على نحو عكسي لما هو قائم من وحدات ظهرت قسريتها وسلطويتها على نحو واضح وهنا يمكن لفت الانتباه إلى أن بعض المراجعات ذهبت أبعد من ذلك حين “أثّمت” جميع محاولات التغيير، على الرغم من ضرورتها واضطرارها أحياناً، دون نسيان أخطائها وارتكاباتها وهدرها حقوق الإنسان، كما “مجّدت” الماضي بكل عيوبه ومثالبه .

المسألة الرابعة التي ينبغي الإقرار بها هي أن مشروعات الإصلاح التي رفع لواءها عدد من الروّاد مثل: رفاعة الطهطاوي وخير الدين التونسي ومحمد عبده وجمال الدين الأفغاني وعبد الرحمن الكواكبي وحسين النائيني وشبلي شميل وفرح أنطون وسلامة موسى وعلي عبد الرازق وغيرهم، لاتزال تحتاج إلى مراجعة وتجديد انسجاماً مع التطور الدولي، لا سيّما في مفاهيم حقوق الإنسان، وذلك استناداً إلى بناء الدولة، أو إعادة بنائها باعتمادها على الديمقراطية والتنمية والعدالة ومبادئ المساواة، ولا يمكن الحديث عن إصلاح دون التنمية، وهذه تحتاج إلى تربية وتعليم، كما تحتاج إلى الديمقراطية، التي هي الأخرى تستوجب إقراراً من جانب الناس، وتأييداً من قوى المجتمع وتياراته المختلفة ونقاباته واتحاداته المهنية الحرّة، أي بتوفّر الإرادة السياسية للتغيير، كي يكون قاعدياً ومن خلال قناعة الناس .

لقد انتهى أو انحسر مفهوم الانقلاب المفاجئ العسكري، الثوري، الذي تقوم به نخبة فوقية بهدف تغيير المجتمع وإحقاق الحق وإقامة العدل، فالتغيير بحاجة إلى دور أساسي من جانب المجتمع وقواه وهيئاته، وإلى إشراك أوسع سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وثقافياً للقوى التي تستهدفها عملية التنمية الشاملة بجميع أبعادها الإنسانية .

وقد أظهرت حركة التغيير في العالم العربي على الرغم من تأخّرها لنحو عقدين من الزمان عن الموجة العالمية التي بدأت مرحلتها الثانية في أوروبا الشرقية وأمريكا اللاتينية في نهاية الثمانينات، أن العالم العربي غير معزول عمّا يجري في العالم وأنه جزء من أرخبيل مفتوح وليس بركة مغلقة، وأن القيم الإنسانية واحدة في ما يتعلق بكرامة الإنسان وحقوقه وحرياته، وهناك مشتركات إنسانية عامة تخص بني البشر بغض النظر عن قوميتهم ودينهم ولغتهم وجنسهم وأصلهم الاجتماعي وأفكارهم السياسية وغير ذلك .

فالحق في الحياة واجب، والحق في التعبير والتنظيم والاعتقاد والمشاركة السياسية هي حقوق أساسية تخص الإنسان أينما كان، ومثل هذه الحقوق تتعلق بالحق في العمل والسكن والتطبيب والضمان الاجتماعي والراحة والتمتع بأوقات الفراغ وكذلك بمنجزات الثقافة، مثلما هو الحق في عدم التعرّض للتعذيب وأي عمل يحطّ  من كرامة الإنسان أو ينتقص منها، كما هو الحق في شخصية معنوية قانونية، بما فيها المساواة أمام القانون والحق في الجنسية والحق في التنقل والإقامة وغير ذلك من الحقوق .

وتلك أمور لها علاقة بالحداثة وما أفرزته من تطوّر، لا سيّما في ظل ثورة الاتصالات والمواصلات وتكنولوجيا الإعلام والمعلومات والثورة الرقمية “الديجيتل”، خصوصاً بإقرار تنوّع واختلاف البشر وتعدد أعراقهم وأديانهم وجنسياتهم وأجناسهم وألوانهم ومستوياتهم الاجتماعية وأفكارهم السياسية .

إن التغيير الذي حصل في العديد من البلدان العربية هو جزء من تغيير عام سيصل إلى بلدان أخرى بطرق مختلفة حتى وإن انثلم أو تصدّع أو تعرّض لمحاولات الهيمنة عليه، فالماضي أصبح ماضياً، ولا يمكن إعادته بأي شكل من الأشكال، وليس بوسع الناس الذين خرجوا إلى الميادين وفرضوا التغيير إعادتهم إلى القمقم من جديد، كما لا يمكن لأحد عزل نفسه عن حركة التغيير والتحديث، خصوصاً أن أفق الحرية المجتمعية واسع، لا سيّما في ظل ارتفاع شأن الحرية الفردية، وصعود الهوّية، سواء على المستوى العام، الجماعي، أو الفردي، وذلك جزء من الحقيقة الاجتماعية الجديدة، فلم تعد الشعارات ذات الطبيعة الأيديولوجية هي التي تحرّك النخب، بل وتقودها، إنْ لم تُقد من قبلها، خارج نطاق الحرية، الضرورة، الحاجة التي لا يمكن إحداث النهضة المنشودة، والتنمية المنشودة، والعدالة المنشودة من دونها .

وإذا كان الحديث عن استراتيجيات وثوابت وطنية، فلعلّ الاستراتيجي المستمر والثابت المتواصل، هو الحرية وليس غيرها، والحرية هي غاية الإنسان، التي ينبغي أن يخضع لها كل شيء، لأنها تمثل القيمة العليا، وتلك هي التي تمثل الديناميكية الحركية، الاجتماعية والفردية التي تجسّد الهوّية ذات الأبعاد الإنسانية بمضمونها الجماعي أو الفردي، والتي مثلت الفاعلية التاريخية لحركة التغيير العربية اليوم، من دون نسيان محاولات المعاكسة والتراجع والتحدّيات التي تواجهها، والمنزلقات التي يمكن أن تُدفع إليها .

 

hasan ajmiأمسى التجهيل فلسفة عالمنا العربي والإسلامي لأن التجهيل في عالمنا اليوم له مبادىء وعقائد عامة وتفصيلية. من مبادىء وعقائد التجهيل العربي والإسلامي مبدأ أن الجهل فضيلة وأن تجهل أفضل من أن تعلم لأن من خلال جهلنا فقط  سيتم قبولنا من قبل مجتمعاتنا ومؤسساته. لقد طورنا التجهيل فأصبح التجهيل لدينا سوبر تجهيل. والسبب الأساس وراء سيطرة التجهيل والسوبر تجهيل هو أنه فقط  من خلال تجهيل أنفسنا وتجهيل الآخرين سنتمكن من أن نحيا في مجتمعاتنا اليوم لأنها مجتمعات محكومة بالديكتاتوريات والطوائف والمذاهب التي لا تنتصر سوى بفضل آليات التجهيل.

ثمة فرق بين التجهيل والسوبر تجهيل. بينما التجهيل هو حجب المعلومات عن الناس، السوبر تجهيل هو تقديم معلومات كاذبة على أنها صادقة واقناع الناس بصدقها. نظامنا العربي السائد اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً يمارس التجهيل والسوبر تجهيل معاً. فهو يمارس التجهيل من خلال حجب المعلومات عن الناس كي يبقى النظام الديكتاتوري العربي محتكراً للمعلومات ما يساهم بقوة في استمرارية حكم الديكتاتورية للعالم العربي. ونظامنا العربي يطور التجهيل أيضاً فيحوّله إلى سوبر تجهيل من خلال تقديم المعلومات الكاذبة على أنها صادقة واقناع الناس بصدقها. وهو يفعل ذلك لكي يطور تخلف العالم العربي ما يجعله مهيمناً بشكل كلي على دولنا ومجتمعاتنا. تولد الديكتاتورية باغتيال العقل وتنمو في تشويه المفاهيم والمعارف والإنجازات الإنسانية. عالمنا العربي يحيا اليوم في عصر السوبر تجهيل لأن معظمنا يساهم في تطوير الجهل والتخلف والتعصب الطائفي والمذهبي. ولقد تحوّلنا إلى سوبر جهلاء نجهّل أنفسنا والآخرين لأننا مواطنو النظام العربي الديكتاتوري وتلاميذه.

للسوبر تجهيل آليات عدة منها آلية تشويه الأفكار والنظريات والمنجزات الحضارية وتحويلها إلى أدوات قمع واضطهاد. فمثلا ً، معظم العرب يظنون أن الديمقراطية هي حكم الأكثرية بينما الحقيقة هي أن الديمقراطية هي حكم الحقوق الإنسانية كحق الفرد في أن يكون حراً. أما حكم الأكثرية فهو ديكتاتورية الأكثرية لأنها تلغي الأقليات وتقضي على مصالحهم، وبذلك حكم الأكثرية هو نقيض الديمقراطية التي تحافظ على حقوق ومصالح الأقليات. والأكثرية قد تتفق على خطأ أو ضلالة، وبذلك حكمها ليس حكماً ديمقراطياً. لكن نظامنا العربي يقدِّم الديمقراطية على أنها حكم الأكثرية رغم أن حكم الأكثرية نقيض الديمقراطية. هكذا يمارس النظام المعرفي العربي السوبر تجهيل من خلال تقديم معلومات كاذبة على أنها صادقة واقناع الآخرين بصدقها. هنا شوّه النظام المعرفي العربي مفهوم الديمقراطية وحوّل نظرية الديمقراطية إلى نظرية مناقضة للديمقراطية. وبذلك تمكن النظام الفكري العربي المهيمن من قتل أروع منجزات الحضارة ألا وهي الديمقراطية واستغلال اسمها لإغتيال عقولنا وحريتنا وحقوقنا. هكذا بدلا ً من أن تحررنا الديمقراطية أصبحنا سجناءها.

من منطلق آلية تشويه الفكر الإنساني والحضارة الإنسانية، نظن عادة ً أن الحرية كامنة في حرية التصرف والتفكير وحرية الانتخاب. لكن الحرية الحقيقية قائمة في امتلاك القدر الأكبر من المعلومات لأن من خلال امتلاك النسبة الأكبر من المعلومات سيتمكن الفرد من امتلاك حرية أكبر في تقييم معلوماته ما يحتم نشوء حرية أوسع في اختيار معارفه فتصرفاته على ضوء ما يختار من معارف. فالإنسان الذي يملك معلومات قليلة يتم سجنه ضمن ما يعلم من معلومات وبذلك تتقيد حريته فيخسر الحرية الأوسع في التفكير والتصرف. أما مَن يملك معلومات أكثر فيتحرر بفضل كثرة معلوماته التي تسمح له في التصرف بحرية أكبر على أساس الممكنات الواقعية والنظرية التي تقدمها كثرة المعلومات. من هنا، الحرية الحقة كامنة في امتلاك أكثر نسبة معلومات ممكنة. لكننا اليوم نشوّه الحرية من جراء سجنها في حرية التنقل والتصرف الجسدي وحرية انتخاب الزعماء أو ممثلي الشعب بينما الحرية الفعلية تتشكّل من امتلاك أعلى نسبة من المعلومات. في بعض من بلادنا العربية والإسلامية لدينا حرية التصرف والتفكير وحق الانتخاب لكننا لم نتمكن من تحقيق الديمقراطية في بلداننا لأن الحرية الحقة تكمن في اكتساب أعلى نسبة من المعلومات. ولم تنجح وسائل التواصل المعاصرة كالتلفزيونات الفضائية والإنترنت من جعلنا نكتسب القدر الأكبر من المعلومات لأن تلك الوسائل التواصلية مجرد أدوات قد تُستخدَم لنشر العلم والمعلومات وقد يتم استخدامها لنشر الجهل والتجهيل. ولقد أجدنا نحن العرب والمسلمين في استخدامها لرفع رايات الجهل والتجهيل لأن معظم تلك الوسائل التواصلية هي في أيدي الأنظمة الديكتاتورية والطوائف والمذاهب المتصارعة. فالديكتاتورية لا تستطيع سوى نشر الجهل والتجهيل لكي تبقى في الحكم كما أن أي مذهب ديني أو عقائدي في صراع مع المذاهب الأخرى لا يستطيع سوى أن ينشر الجهل والتجهيل لكي ينتصر على المذاهب الأخرى علماً بأنه لا يوجد معيار معرفي يمكننا من الحكم على أية عقيدة هي الأفضل أو الأصدق وإلا لتمكنت البشرية من حل خلافاتها العقائدية.

بالإضافة إلى ذلك، نشوّه مفهوم المساواة حين نعتبرها مجرد مساواة أمام القانون بينما المساواة الحقة هي المساواة في امتلاك المعلومات. فحين يتساوى الأفراد فيما يملكون من معلومات يتساوون في قدرتهم على الاختيار بحرية فتتحقق الحقوق الإنسانية كحق الفرد في أن يكون حراً وحقه في أن يُعامَل كما يُعامَل الآخرون. هذا لأن الإنسان يفكر ويتصرف على ضوء ما يملك من معلومات، ولذا إذا تساوى الناس فيما يملكون من معلومات يتساوون في قدرتهم على التفكير فالاختيار فالتصرف وبذلك يتحررون من خلال قدراتهم فتتحقق الحرية الحقة بشكل متساو ٍ بين الأفراد. ومتى تساوى الناس فيما يكتسبون من معلومات سيمتلكون حينئذٍ المستوى الثقافي فالاجتماعي نفسه ما يؤدي على الأرجح إلى معاملتهم بالتساوي. هكذا المساواة في امتلاك المعلومات أساس تحقيق الحقوق الإنسانية كحق أن يكون المواطن حراً وأن يُعامَل بمساواة مع الآخرين. لكن الديمقراطية هي حكم الحقوق الإنسانية، وبذلك المساواة فيما نملك من معلومات أساس الديمقراطية وأصلها وجوهرها. لكننا اليوم في عالمنا العربي والإسلامي نشوّه مبدأ المساواة ونختزله إلى مجرد مساواة بين الأفراد أمام القانون فقط  بينما المساواة الحقة هي المساواة في امتلاك القدر الأكبر من المعلومات. فعندما نملك النسبة الأكبر من المعلومات ونتساوى في امتلاكها نغدو متساوين فكرياً فاجتماعياً فاقتصادياً. من هنا، الديمقراطية الحقة تكمن في التوزيع العادل والمكثف للمعلومات. لكننا اليوم نرفض المعلومات لأننا نرفض العلم والمنطق ونتعصب فقط  ليقينياتنا المُسبَقة ولذا خسرنا الديمقراطية وما تتضمن من حقوق إنسانية وخسرنا الإنسان ذاته لأن الإنسان مجموعة حقوق كالحق في أن نكون أحراراً ومتساوين.

من جهة أخرى، إلغاء فكر الآخرين آلية أساسية من آليات السوبر تجهيل. ومضمون هذه الآلية هو التالي : ثمة نظرية أو عقيدة واحدة صادقة بينما النظريات والعقائد الأخرى كافة كاذبة. هذا مبدأ جوهري من مبادىء فلسفة السوبر تجهيل ؛ فبمجرد أن نعتبر أنه توجد نظرية أو عقيدة واحدة صادقة دون سواها ونصر على أن النظريات والعقائد الأخرى كاذبة سنرفض لا محالة كل أفكار ونظريات وعقائد الآخرين المختلفة عما نعتقد ما يؤدي إلى رفض الآخرين المختلفين عنا. لكن الديمقراطية مبنية على قبول الآخر المختلف. وبذلك من خلال الإصرار على صدق نموذج فكري واحد وتكذيب النماذج الفكرية الأخرى نرفض الديمقراطية وما تتضمن من حريات وحقوق إنسانية. هكذا النظام المعرفي القمعي السائد في عالمنا العربي- الإسلامي أصل ومصدر رفضنا للديمقراطية وللحقوق الإنسانية. فعندما نعتبر أنه يوجد نموذج فكري أو عقائدي واحد هو الصادق دون سواه سنتعصب للنموذج الفكري الذي نعتبره صادقاً ونلغي معتقدات الآخرين فإنسانيتهم. وهذا أساس العنصرية والطائفية والمذهبية. من هنا، الديمقراطية الفكرية التي تقبل كل الأفكار والنظريات والعقائد وتؤكد على أنها كلها متساوية في قيمتها ومقبوليتها هي وحدها الكفيلة بأن تقضي على التعصب بكافة تجسداته العنصرية والطائفية والمذهبية. ومتى نعتقد بأنه توجد نظرية أو عقيدة واحدة فقط  هي الصادقة وهي على الأرجح ما نعتقد بصدقها سنوقف عملية البحث الفكري لأننا نظن أننا نمتلك النظرية أو العقيدة الصادقة ولذا لا داع ٍ للبحث الفكري عما قد يكون صادقاً. وبذلك اعتقادنا بصدق نظرية واحدة دون سواها يوقف عملية التفكير فيقضي على إنسانية الإنسان الكامنة في القدرة على التفكير المستمر.

كل هذا يرينا أن السوبر تجهيل المهيمن على مجتمعاتنا العربية والإسلامية لا يلغي الحرية والمساواة والديمقراطية فقط  بل يغتال أيضاً إنسانية الإنسان من خلال إلغاء قدرة الإنسان على التفكير. فالعلم والمعلومات أساس الديمقراطية كما أن الديمقراطية هي المُطوِّر الأساسي للعلوم والمعلومات لأن الديمقراطية ليست سوى إنتاج المعلومات وتوزيعها العادل بين المواطنين. فمن خلال صياغة المعلومات وتوزيعها العادل بين الناس تتحقق الحريات والمساواة والمقدرة على التفكير والإنتاج الحضاري. العلم وما يتضمن من معلومات عملية تصحيح مستمرة لِما نعتقد تماماً كما أن الديمقراطية عملية تصحيح مستمرة لِكيفية الحكم، ولذا يشكّل كل من العلم والديمقراطية حقلا ً وجودياً واحداً لا يتجزأ. من هنا، استغلالنا للعلم من أجل تجهيل أنفسنا والآخرين، وذلك من خلال تشويه المعلومات أو إلغائها، ليس سوى عملية رفض للديمقراطية ولإنسانية الإنسان.

 

مقدمة: البناء الفكري هو إدراك محيط ما من خلال تحصيل وتراكم المعرفة وبرمجتها وتنظيمها بالاستنتاج (التفقه) إلى سلوك وخبرة من خلال التفاعل مع المحيط. وتكون هذه العملية بإنشاء قاعدة، مكونة من مجموعة مبادئ وقوانين وأفكار، يرتكز عليها الإنسان في الاستنتاج والتفاعل مع محيطه. كالنحلة فهي تجمع المواد من الأزهار وتقوم بهضمها وتحويلها من خلال قدراتها الخاصة إلى شراب نافع، وهذا عمل الفكر السليم!

والبناء يصاحبه التخطيط والتصميم والتنظيم، ويقابله التكديس او التجميع العشوائي غير المنظم ومن دون هدف. فعملية البناء تقوم على استقطاب العلوم والمعارف والتنقيب عنها وفق احتياجات ومعايير وأهداف الشخص. وتكون القاعدة التي يرتكز عليها الإنسان في تصرفاته وأقواله وتحليله وفهمه للواقع من حوله. أي أن عملية البناء تستمر وفق منهجية وأهداف واضحة في ذهن الشخص، ومع الوقت تصبح هذه المكتسبات وهذا البناء قاعدة تحكم سلوك وفهم الأمور.

أما التجميع فالمقصود به: جمع الأفكار والعلوم والمعارف الموجودة والمتداولة في الواقع بمختلف الوسائل دون تخطيط او هدف .

والبناءُ الفكريُّ يتأثر بعاملين أساسيين؛ أولهما: هو" العقل والمنطق"، والآخر هو الطباع الخاصة بالإنسان، فإذا اتفقت جميعُ طباع الإنسان مع العقل والمنطق وصلْنا إلى البناء الفكري السليم، وإذا اختلفت بعضُ الطباع مع ما يمليه العقلُ الرشيد، حدث صراعٌ بين الطباع والعقل، حتى تكون الغلبة لأحدهما، وهذه الغلبةُ هي الضابط الذي يحدد عملَ الإنسان ويفسر سلوكياته وطريقة استجابته في المواقف الاجتماعية المختلفة، والظن الشائع في مدارس علم النفس الغربية أن الغلبة تكون في أكثر الأحوال للطباع، لقوة سلطانها، وصعوبة مدافعتها، ولا ينتصر العقلُ إلا عند الأقوياء القادرين على ترويض أنفسهم ودفع هواها.

وهناك اشكالية تَعرض لها "مالك بن نبي"  سماها: "فاعلية الأفكار" في كتابه: "ميلاد مجتمع"، وبيَّن أنه كلما كانت شبكة العلاقات حول فكرة ما أوثق، كلما كانت الفكرة أكثر فاعلية وتأثيرًا. والحق أن "مالك بن نبي" لا يقصر مشاكل الأمة على ذلك؛ فقد قرر في كتابه: "وجهة العالم الإسلامي" أن واقعنا الآن هو: "إما فكرة لا تطبق، وإما عمل لا يتصل بجهد فكري". وأنه لا يكفي مجرد صواب الفكرة، ولا عمقها ولا إبداعها في تغيير الواقع، بل لابد لها من هيكل فعال قادر على تطبيقها وتحويلها إلى حقيقة. ولا يكفي كذلك مجرد حشد المؤيدين والمتعاطفين والمتحمسين للفكرة دون إيجاد شبكة من العلاقات فيما بينهم تتضح فيها المهام، وتقسم فيها الأدوار.

ويذكر "مالك بن نبي" في كتابه "شروط النهضة" تحت عنوان: "من التكديس إلى البناء"، حيث ضرب مثلا : "برجلين أراد كلٌ منهما أن ينشئ عمارة، فالأول: اشتري الحديد والآلات والأحجار، وكل ما يلزم لإنشاء العمارة وتركها في موقع البناء، أما الثاني: فقد أخذ يشتري جزءًا من مواد البناء ويبني، فما هي إلا بضعة شهور حتى أقام عمارته، بينما الأول لم يفعل شيئًا سوى أنه اشترى مواد البناء وتركها مكدسةً بلا تفعيل ولا عمل، فلن يبني عمارته".

فالمفكر الذي يكتفي بمجرد حشد المتعاطفين مع فكرته دون أن ينشئ شبكة من العلاقات بينهم، ثم يوظف كل واحد منهم طبقًا لمواهبه وإمكاناته في المكان المناسب لخدمة هذه الفكرة لن يستطيع أن يتحول بفكرته من مجرد خيال وأحلام إلى واقع ملموس. ويقول "مالك بن نبي" في كتاب شروط النهضة: "فكم من طاقات وقوى لم تستخدم؛ لأننا لا نعرف كيف نوظفها! وكم من الطاقات وقوى ضاعت فلم تحقق هدفها، حين زحمتها قوى أخرى صادرة عن نفس المصدر، متجهة إلى نفس الهدف... فهناك ملايين السواعد العاملة، والعقول المفكرة ، صالحة لأن تستخدم في كل وقت، والمهم هو أن ندير هذا الجهاز الهائل، المكون من ملايين السواعد والعقول، في أحسن ظروفه الزمنية، والإنتاجية المناسبة لكل عضو من أعضائه، وهذا الجهاز حين يتحرك، يحدد مجرى التاريخ نحو الهدف المنشود".

ويقول مالك بن نبي عندما بدأ العالم الإسلامي يشعر بتخلفه اثر احتكاكه بالحضارة الغربية التي انطلق منها الاستعمار , اخذ يبحث عن علاج لمرضه دون أن يحدد طبيعة مرضه وهكذا فقد توجه العالم الإسلامي إلى صيدلية الحضارة الغربية يطلب عندها الدواء وهو بهذا التصرف إما أن يحصل على الدواء الذي يشفيه أو يحصل على الدواء الذي يميته لأنه لا يناسبه . وعندما يكون الفرد في حالة التخلف , يغلب عليه تكديس الأشياء , لا صناعتها , فتكديس أعداد من الحجارة او الاسمنت لا يعني أن البناء أصبح جاهزاً فالأمر بحاجة إلى مهندسين وبنائين وتخطيط , وهذه مشكلة العالم الإسلامي .ونجد مشكلة العالم الإسلامي اليوم كالطفل يكدس في أشيائه ضنا منه انه قد حاز كل العالم وهو لا يملك منه إلا الأشياء بينما الأفكار بعيدة عنه كل البعد فلن تجديه الأشياء في تكوين الحضارة .

والفرق بين نهضتنا ونهضة اليابان, أن اليابان وقفت من الحضارة الغربية موقف التلميذ , بينما وقفنا منها موقف الزبون , فهم كانوا ينشئون حضارة وكنا نشتري بضاعتها .

من الجدير بالذكر إن البناء والتجميع لا يختلفان فقط بالمعطيات ولكن أيضا يتباينان بالنتائج. فالبناء ينتج أفكار واعية ناضجة موضوعية بامتياز. بينما التجميع من المرجح أن لا يخرج بنتيجة أو ستكون  نتيجته  عبارة عن أفكار غير منهجية وضئيلة غير ناضجة. وليس من المستبعد ان تكون هذه الافكار خاطئة.

وتظهر اهمية البناء باننا نحصل على نتائج وأفكار قابلة للحياة ويمكننا الاستفادة منها في المضي قدما في طريق الابداع والابتكار ونهضة الامة بينما تكمن اهمية التجميع بالتعرف على جميع الافكار والحقائق التي تخص الموضوع الصالحة والطالحة حتى يستطيع المفكر نقدها وتحليلها بموضوعية ودون أن يغفل عن اي جانب من الجوانب.

يذكر الدكتور عبدالكريم بكار اهدافا للمعرفة ففي بلد مثل أمريكا لا يحفظ الطلاب إلا القليل من المعلومات. والفهم والمهارة هما الهدف الأساسي للتعلم. اما في بلادنا يهتم الناس بالحفظ عن ظهر قلب أكثر بكثير من اهتمامهم بالفهم والتحليل والاستنباط والتوظيف.

فبات علينا أن نستجلي أهدافاً جديدة للمعرفة، وأن نتبع أساليب جديدة في تخزينها واستخدامها. ويقول الدكتور عبدالكريم بكار أن جميع ما يتعلمه أبناؤنا في المدارس، وجميع ما يطلعون ونطلع عليه نحن الكبار، يجب أن يستهدف الأمور الخمسة التالية: (1(

1ـ تطهير العقل من العادات الذهنية والنفسية التي تحرمه من الرؤية الصحيحة مثل التعصب والمبالغة والانغلاق والميل إلى التبسيط والخضوع للمقولات الشائعة، والتعامل مع الواقع على أنه كتلة صلدة، ورؤية نصف الحقيقة.

2- تكوين العقل المثقف، وهو ذلك العقل الذي اجتاز عدداً كبيراً من حالات التدريب على التفكير المستقيم، والذي يستطيع استلال نموذجه الخاص من خلال استعراض عدد كبير من وجهات النظر المختلفة في القضية الواحدة.

3ـ تحسين مستوى اتخاذ القرار من خلال معرفة جيدة بالإمكانات والقدرات الذاتية والفرص المتاحة والتحديات والمعوقات الموجودة واستشراف آفاق المستقبل.

4ـ التلاؤم مع التغير والتكيف مع المعطيات الحديثة، وذلك من خلال امتلاك طاقة روحية وعقلية، تمكن المتعلم من استيعاب الوافدات الجديدة، والاستجابة لها على نحو صحيح. وهذا لن يتم إلا إذا تدرب المتعلم على النظر في اتجاهات مختلفة، وعلى دمج الجديد في القديم عبر آفاق رحبة من الملاحظة والإدراك؛ والقيام بعقد موازنات ومقارنات بين الأصيل والطارئ، ليقف على خير ما فيهما.

5ـ تعديل السلوك، وتشذيب الزوائد الأخلاقية، وتأهيل المتعلم لأن يحيا (الحياة الطيبة) من خلال انسجام سلوكه مع معتقده، وإنشاء أسرة صالحة، وإقامة علاقات جيدة مع الناس، والنجاح في العمل، وتحقيق التوازن والانسجام بين المطالب الروحية والمادية. حتى تؤدي معارفنا هذه الوظائف الكبيرة، وحتى تبلّغنا هذه الأهداف العظيمة، فإننا بحاجة إلى أن نعيد هيكلتها في أذهاننا، وأن نحسن طرق تخزينها في عقولنا. نحن في البداية بحاجة إلى التخلي عن طريقة السرد في تخزين المعرفة، تلك الطريقة القائمة على حشد عدد هائل من المعلومات المتتابعة، والتي لم تخضع لأي تقسيم أو عنونة أو تبويب. تلك المعلومات تشعر وأنت تسمعها بأنها خليط من الآراء والحقائق والعادات والأوهام والمعارف المتشرذمة، وتشم منها رائحة التحيز والسطحية والاختيارات الشخصية التي لم تخضع لأي اختبار.

وبداية التخلي عنها تتمثل في أن ننظر إليها بعين التوجس والحذر. وتتجسد الخطوة الثانية في أن نعامل المعلومات التي نحصل عليها على أنها مواد أولية وبيانات بكر، وكأنها أرقام غير مميّزة، وذلك حتى نتمكن من إعمال طاقاتنا الذهنية فيها بحرية وفاعلية. والخطوة الثالثة تتجلى في أن ندخل تلك البيانات والمعلومات إلى أذهاننا موزعة على مساقات وبنى ونماذج إرشادية. وهذا يحدث إذا عمدنا على نحو مستمر إلى البحث عما يمكن استخلاصه من فحص المعلومات والبيانات المتوفرة من مفهومات ومؤشرات وعلاقات ومقارنات، وكليات وموازنات ومعدلات بواسطة ما نملكه من ملكات التحليل والتركيب والاستنتاج. وفي المقابل فإن علينا أن نصرف الانتباه عن كل المعلومات التي لا نشعر أنها تفيدنا في دعم رؤيتنا الخاصة، وتشكيل حصيلتنا المعرفية المنتخبة، وهي اليوم كثيرة جداً. وإنما أقول هذا لأن هذا الفيضان من المعلومات المتشظية والمتقاطعة يربك عمل العقل، وربما ضلله، وانحرف به عن مساره الصحيح. وقد بات من الواجب علينا في عصر تفجر المعرفة أن نختار بدقة ما نرغب في الاطلاع عليه، وأن نتساءل باستمرار كيف نفيد منه، ونوظفه في تحسين المحاكمة العقلية لدينا والارتقاء بثقافتنا.

وفي ظاهرة التكديس يقول "مالك بن نبي": "إنّ علينا أن نكوّن حضارة أي أن نبني لا أن نكدس فالبناء وحده هو الذي يأتي بالحضارة لا التكديس ولنا في الأمم المعاصرة أسوة حسنة فالحضارة هي التي تكوّن منتجاتها وليست المنتجات هي التي تكوّن حضارة إذا من البديهي أن الأسباب هي التي تكوّن النتائج وليس العكس، فالغلط منطقي ثم هو تاريخي لأننا لو حاولنا هذه المحاولة فإننا سنبقى ألف سنة ونحن نكدس ثم لا نخرج بشيء".

وترتكز أفكار مالك بن نبي على قاعدة رئيسة، وهي محور أفكاره وتصوراته ألا وهي أهمية الأفكار في بناء الحضارة فهو يقول: "مشكلتنا هي مشكلة أفكار: فبعض الأفكار المميتة أسلمت العالم الإسلامي إلى مرضه وتخلفه، ولقد كان فشل الوسائل التي استخدمت في الوصول إلى النهضة أنها لم تتخذ الفكرة هادية فقد تخبطت في فوضى من التقليد، وحيث يكون التقليد تنسحب الفكرة. والأفكار المُمِيتة جاءتنا بالتقليد الأعمى، فهي مستوردة.

ويمكن أن نفرق بين التجميع والبناء بعدة نقاط: (2)

1- الاستمرارية: عملية البناء مستمرة وتأثيرها متواصل، أما التجميع فهو عملية قد تتوقف وخاضعة لظروف وجهد الشخص.

2- الأهمية: كلا المفهومين مهم، إلا أن البناء أهم ومقدم على التجميع العشوائي.

3- السهولة: البناء أصعب من التجميع، فمثلا عندما يمارس عامل البناء التجميع لا يمارس جهدا كبيرا، يقوم بجمع مواد البناء من حجارة وأسمنت وغيرها بالتعاون مع الموردين، أما البناء فيتطلب منه جهدا كبيرا وتركيز ومسؤولية.

4- البناء الفكري هو: تحصيل و تراكم المعرفة، و التي يتبع فيها الإنسان منهجا علميا بنائا عن قصد و بهدف إنماء قدرات عقله و معارفه . أما التجميع الفكري أو ما يمكن تسميته بالعقل الجمعي: فهو النموذج المعرفي الذي كونته تراكم المعرفة في مجتمع ما و أصبح القاعدة المعرفية التي ينطلق منها الإنسان بغير منهجية علمية مقصودة و لا غاية يحددها.

5- العقل الجمعي بشكل عام يعاني من السطحية و انخفاض الفهم للذات و للواقع، يعاني من الجمود و النفور من التجديد و شديد التمسك بما يعرف و ذلك أن الاكتفاء بالموروث يعمل على إكسال العقل، فيبتعد عن التحليل الدقيق و التفلسف العميق عكس البناء الذي يتميز بفهم كبير جدا للذات و للواقع و منفتح على أغلب المعرفة حيث أن من أدواته تعدد و تنوع مصادر تحصيل المعرفة و يحتوي بذات الوقت على الأدوات اللازمة لإصلاح منهجيات التفكير و نقدها مما يجعله أقل تمسكا بما يعرف و في حالة ارتقاء معرفي متواصل و يجعل الإنسان في مراجعة دائمة لمنهجيته و على وعي و معايشة أكبر للواقع.

6- في البناء، العقل يكون تحصيلي يعمل على التفكيك و التركيب ليحاول الوصول دائما إلى فهم أعمق و أشمل و أتقن، و أما في التجميع فالعقل تحصيلي تكديسي.

7- العقل الجمعي تحكمه بشكل عام العاطفة لا العقل و المنطق و أما البناء فتحكمه منهجية علمية مركبة.

8- العقل الجمعي يحوي معرفة بلا هدف، و البناء يحوي معرفة مقرونة بغاية/هدف.

ولكي نستثمر التجميع: لابد من استشارة المتخصصين، و تحديد الهدف بالضبط، و وضع خطة منهجية للتجميع ترتكز على الهدف والاستشارة.

ادوات البناء الفكري:

1- الأدوات التأسيسية: التربية، الفطرة، العبادة

2- الأدوات المعرفية: القراءة العلمية، الاستماع والمشاهدة ، المناقشة، التجارب والاختبار

3- الأدوات التطويرية والإبداعية: الكتابة والتأليف، الحوار ،المحاضرات، البحث العلمي والدراسات العليا، المشاركة في تأسيس وتطوير المشاريع الاجتماعية وبناء المؤسسات.

من الواضح أن التجديد الحضاري تصنعه جملة من الشروط ويتجلى في جملة من الميادين تمثل مظاهر الحضارة ومعالمها، ويمثل هو ذاته عامل البناء الحضاري لكل مجتمع  فهو يمثل الديناميكا الحضارية لكونه استراتيجية شعب يريد التحضر وينفر من التخلف ويرغب في التطور الروحي والمادي، ولكونه نظاما يُنتهج وخطة تُتبع لتطوير منتجات الحضارة الفكرية والمادية وللمحافظة على منتجات الحضارة القائمة واستمرارها من خلال الإبداع في مختلف المجالات فيتحقق التقدم والازدهار، ولكونه أسلوبا ينتهجه المجتمع في كل إصلاح ينجزه لرد المفاسد والأضرار ومن أجل إعادة البناء.

ويحتاج أي مجتمع إلى التجديد الحضاري حينما يحرص على بعث وإحياء قيم وأعمال وعادات طيبة نافعة يكون قد تخلف عنها في وقت سابق، لكن في هذه الحالات التي يكون فيها التجديد الحضاري جوهر كل العمليات الحضارية  وأساس "الديناميكا الحضارية" عند ميلاد الحضارة أو عند تطورها أو عند إصلاح ما تم إفساده، وحتى في عملية البعث والإحياء وإعادة البناء تقف أمامه جملة من الأسباب تمنع حركته وتقضي على بوادره وعلى الشروط التي تصنعه فيقوى التخلف وتتثبت أسباب الجمود والتحجر. (3)

إنّ موانع التجديد الحضاري تدخل في النسق الفكري لفلسفة الحضارة عند "مالك بن نبي"، استقاها من بحوث في التاريخ وتاريخ المجتمع الإسلامي وواقع الشعوب المتخلفة والشعوب المتقدمة، لأنّ الصراع قائم بين التحضر والتخلف وكلما قامت أسباب التحضر زالت معها موانع التجديد الحضاري والعلاقة عكسية بين شروط الحضارة وأسباب ضعفها وانهيارها وأفولها، بين موانع النهضة وشروط النهضة.

لقد حدد "مالك بن نبي" في أكثر من بحث وفي أكثر من كتاب وفي أكثر من محاضرة شروط نهضة أي شعب وهي شروط الحضارة معتبرا المشكلة الأم في حياة الإنسان هي مشكلة حضارته، والحضارة مرتبطة بعوامل بناء كما ترتبط بعوامل هدم للبناء، وأسباب تقتضي البناء في مرحلة ما قبل الحضارة هذه الأسباب التي تقتضي شروط البناء أو تهدمه ترتبط بحياة الفرد والمجتمع في جميع مجالاتها الروحية والفكرية والاجتماعية.

إنّ غياب الأفكار وسيطرة الأوثان وانتشارها يمنع كل محولة تجديد في المجال الثقافي الروحي والأخلاقي وهو الأمر في المجتمعات البدائية.

وترتبط أية حضارة في ميلادها بفكرة واضحة مضبوطة تحمل المبدأ وتحدد الغايات قريبة كانت أو بعيدة التي يعيش لأجلها الفرد والمجتمع، فالحضارة هي "نتاج فكرة جوهرية تطبع على مجتمع في مرحلة ما قبل التحضر الدفعة التي تدخل به التاريخ".  لكن هذه الفكرة لا تقوم بوظيفتها الاجتماعية والحضارية إلا بتوفير جملة من الشروط النفسية والأخلاقية

أما الحالة الثانية فتخص مرحلة الحضارة، بحيث يكتسب المجتمع عادات فكرية تترسخ في نظامه الاجتماعي وتبق حالّة في ذهنيات أفراده ومنجزات حضارته، وهذه العادات الفكرية تقف في وجه كل جديد وتمنع التغيير ويصبح الركود الحضاري معول هدم للتجديد بقتل روح الإبداع الفردية والاجتماعية التي هي جوهر التجديد الحضاري وتطوير الحضارة وتحصينها بالتقدم الفكري والمحافظة على استمرارها وبقائها، وينتج عن هذا القتل سقوط الحضارة وأفولها مما يوسع في مجال الجمود الفكري فيزداد تخلف المجتمع وانحطاطه ويفقد معنى وجوده.

إنّ طريق الخروج من حالة الجمود الفكري للوصول إلى حالة يتطور فيها عالم الأفكار هو التغيير في حالة البداوة أو الحضارة أو ما بعد الحضارة، هذا التغيير يبدأ في نفس الفرد ثم ينميه نحو الخارج أي محيط الفرد وهو الطبيعة والمجتمع، والنهضة الأوروبية الحديثة نتاج انقلاب فكري وحاصل تفاعل جملة من التغيّرات التي دخلت عالم الأفكار في المجال المعرفي والعلمي والسياسي والاقتصادي وغيرها من المجالات الأخرى،

وإنّ التخلف والتراجع والانحطاط ظواهر تُنزل أي مجتمع من فوق وتمنع فيه أي مبادرة أو محاولة بناء أو تجديد أو إصلاح فهي ظواهر من إنتاج الجمود الفكري.

ولا يندمج أي مجتمع في التاريخ ما لم يتخطى عقبة الجمود الفكري، ويشهد نهوضا فكريا على مستوى الأفراد، و"يكون للأفكار دور وظيفي، لأن الحضارة هي القدرة على القيام بوظيفة أو مهمة معينة".  إنّ ظاهرة الجمود الفكري التي تمنع النهضة تعود إلى غياب الإرادة الحضارية، وانعدام الإرادة الحضارية يعني انعدام القدرة على التغيير لغياب النزوع أو القصد المشحون بالعزم والإصرار ولغياب الشعور بأهمية التحوّل وضرورته لدى الفرد والمجتمع .

فشراء منتجات حضارة الغير وتكديسها يخلق مشاكل خطيرة بحيث تنمو اللافعالية وتموت الفعّالية فيعيش الإنسان في تبعة حضارية لغيره ويكون عالة وليس هناك أخطر من التبعية الحضارية على حياة المجتمع وقيّمه وهويته، فالتكديس مظهر من مظاهر التخلف والتبعية يعيق التنمية ويمنع التجديد الحضاري، فشراء منتجات حضارة ما وتكديسها لا يبني الحضارة إذ أن أكوام من الأشياء المستوردة لا تساوي حضارة، فالحضارة حاصل تفاعل جملة من الشروط في التاريخ نفسية واجتماعية، وتخضع عملية البناء الحضاري لجملة من القوانين مثل قانون المبدأ الروحي وقانون التركيب بين عناصر العدة الدائمة وقوانين التوجيه وغيرها، "فإن العودة إلى الريادة في المجال الحضاري تكون بالبناء المخطط المدروس المحكوم بفكر متحرر من إرادة الأجنبي وتأثيراته وليس بدفع الأمـوال لشراء مواد الاستهلاك المادي".

إنّ سبب التخلف والانحطاط لدى الشعوب المتخلفة عامة والشعوب العربية والإسلامية خاصة ليس خارجيا بل داخليا في نفس كل فرد من أفراد هذه الشعوب وفي الإطار الاجتماعي لكل مجتمع من هذه المجتمعات المتخلفة، "لا يأتي عامل الكف من خارج الذات بل هو سبب داخلي ناتج عن نفسية الناس وأذواقهم وأفكارهم وعاداتهم وفي كلمة واحدة ناتج عن قابليتهم للاستعمار".

إنّ الاستعمار يريد ان تكون الشعوب عاطلة عن العمل ليسخرها في الأعمال الشاقة بثمن زهيد ويريد منها جاهلة ليستغلها ويريد منها متدنية في الأخلاق لكي ينشر الرذائل لتشتيت المجتمع وتفريق أفرادها حتى يحل بهم الضياع في الناحية الأخلاقية مثلما هو حال الناحية الاجتماعية، كما يريد منه كائنا تغمره الأوساخ يظهر في سلوكه الذوق السيئ ليتعرض للذل والاحتقار.

يحرص الاستعمار كل الحرص على التمكين لاستقراره في البلاد المستعمرة مستهدفا الفرد والمجتمع يؤثر فيهما لتقوية عوامل "القابلية للاستعمار" فيزيد ذلك في السيطرة على المستعمر، فهو "يؤثر في حياة الفرد في جميع أطوارها يؤثر فيه وهو طفل، إذ لا يمده المجتمع بما يقوي جسده وينمي فكره، أو يهيئ له مدرسة أو توجيها، هذا إذ كان له أب يحنوا عليه أما إذا فقد من نشأته الأب فسيكون الأمر أدهى وأمر ولسوف يؤول صاغرا إلى ماسح الأحذية أو سائل يتخلى عن كل عزة وكرامة، بإراقة ماء وجهه".

ويؤثر الاستعمار في المجتمع تأثيرا سلبيا بحيث يهدمه ويزيف قيّمه ويمنع فيه قيام أي شرط من شروط النهضة والإصلاح وأي عامل من عوامل البعث والإحياء وإعادة البناء مستعملا وسائل وأساليب عديدة مباشرة وغير مباشرة محلية ودخيلة، "كذلك نجده يحول بين الشعب وإصلاحه نفسه، فيضع نظاما للإفساد والإذلال والتخريب، يمحو به كل كرامة أو شرف أو حياء هكذا يجد الشعب المستعمر نفسه محاصرا داخل دائرة مصطنعة، يساعد كل تفصيل فيها على تزييف وجود الأفراد".

فلا سبيل إلى الحضارة أمام مجتمع تغمر أفراده "القابلية الاستعمار" أو خاضعا للدوائر الاستعمارية، فالحضارة من نصيب مجتمع يدرك أفراده معنى وجودهم ويتحررون من الوثن الخرافي والوثن السياسي والوثن لاستعماري وتكون حركة بناء تدخل التاريخ لتسقر فيه.

ونستخلص مما سبق أن التجديد الحضاري له عوامل وشروط تحدثه كما له موانع تقف في وجهه، هذه الموانع ترتبط بالفرد وبمحيطه، وترتبط بالفرد ككائن طبيعي ونفساني وعاقل واجتماعي فهي موانع ذات طابع حيوي ونفساني واجتماعي وهي كذلك ذات طابع فكري ومنهجي، بعضها ذاتي في الفرد وبعضها موضوعي، بعضها داخلي في المجتمع وبعضها خارجي، وسبيل الفرد والمجتمع إلى الحضارة هو القفز فوق موانع النهضة والتجديد للوصول إلى نقطة منها تنطلق وتقلع عملية البناء التاريخي بعدما تتوافر كافة شروط هذا الإقلاع.

 

ريناس بنافي  باحث في مجال الفلسفة والفكر السياسي

لندن 1- 5 - 2013

...................

(1) عبدالكريم بكار من التكديس إلى التوظيف مجلة المعرفة العدد 75

http://www.almarefh.org/news.php?action=show&id=3100

(2) وليد الصيفي  ثنائية البناء والتجميع  مشروع النهضة

http://www.4nahda.com/article/1160

(3) الدكتور جيلالي بوبكر - موانع التجديد الحضاري في فكر مالك بن نبي - التجديد العربي

http://arabrenewal.info/2010-06-11-14-13-03/42991-%D9%85%D9%88%D8%A7%D9%86%D8%B9-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%AC%D8%AF%D9%8A%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B6%D8%A7%D8%B1%D9%8A-%D9%81%D9%8A-%D9%81%D9%83%D8%B1-%D9%85%D8%A7%D9%84%D9%83-%D8%A8%D9%86-%D9%86%D8%A8%D9%8A.html

 

 

abduljabar alrifaiيتشكّل الاعتقادُ في الذهن في إطارِ الأنساقِ الاعتقاديةِ المجتمعية المولّدة له، فمثلا لا يعتقد بإله ذلك الانسانُ الذي يولد ويعيش في سياق أنساق اعتقاد بوذية أو هندوسية أو طاوية، إذ لا تحضر في ذهنه صورة للإله،كما في الأديان الابراهيمية، وإن كان يخضع في بناء متخيله الديني للأسوار التي بناها رجالُ الدين ومؤسساتُه في موطنه وديانته، ولا تتزحزح هذه الصورة أو يخرج عنها، إلّا بعد أن يخترقَ تفكيرُه تلك الأسوار، فيهدمَها بالأسئلة العميقة والنقد الجذري.

أما الايمان فهو ليس فكرةً نتأملها، أو معرفةً نتعلمها، أو معلومةً نتذكرها. الايمان حالة للروح نعيشها، وتجربة للحقيقة نتذوقها. الايمان ملاذه القلب، ومسكنه الروح. وهو ليس صورةً ندركها، الصورة تتشكل في الذهن وهو من يختزنها. الايمان يثري الروح والقلب، فيلهمها الطمأنينةَ والسكينةَ والسلام، حتى يبلغ توحدُ القلب والروح بالايمان مرتبةً لا يخضعان معها لمعادلات الذهن ومشاكساته مهما كانت.

الايمان حالة ديناميكية حية، تنمو وتتغذى وتتطور وتتكرس. إنه جذوة متوهجة، كأنها طاقةٌ كهربائية. الايمان يضئ الروحَ لحظةَ حضوره، مثلما تضئ الكهرباءُ المصباحَ المظلم لحظةَ وصله بها. وهذا معنى كونه حالةً نتذوقها كما نتذوق الطعام الشهي والشراب اللذيذ.

الايمان يفيض على صاحبَه طاقةً ملهمة، إذ لا يجد نفسَه في غربة إلا ويهمس إليه صوتُ الله، فتستفيق روحُه بعد غفوتها، وتمتلئ بعد خوائها، وترتوي بعد ظمأها، ويتجدد وصالها بمن أودعها عنده، لأن الروح وديعة الله عند الانسان. ففي كلّ غياب للانسان يجد أن حضورَ الله هو الحضور، واحتجابَ الله عنه ليس سوى احتجابه عن الله.

الايمانَ يحقق الانسانَ في طور وجودي جديد؛ فحيث يسافر الانسانُ للحق تتكرس قدرته، وتترسخ ارادته، وتتعذر هزيمته، لأنه يتحقق بالحق. وبذلك يجعل الايمان الاشياءَ المستحيلة ممكنة، والشاقّةَ سهلة، والمرّةَ حلوة.

الايمان والحب كلاهما كيمياء للروح، كلاهما منبثقان من جوهر واحد، يولدان معاً، ويرتضعان معاً، ويتكرسان معاً، ويتوحدان معاً، فحيث اشتد الايمانُ يشتدّ الحب، وحيث ذبل الايمانُ يذبل الحب. إنهما في صيرورة وتفاعل وفوران، يتحول الايمانُ إلى حب، كما يتحول الحب إلى ايمان. الايمان عصارة الحب، والحب عصارة الايمان. فكلا الحالتين تنبثقان من منبع واحد وتستقيان منه، يصبح كل منهما صورةً لحقيقة واحدة متعددةَ الوجوه. حين يصير الايمانُ حباً والحبُ إيماناً تشهد حياتُنا أنوارَ الأبد.  

أما الاعتقاد فهو مفاهيم ميكانيكية جاهزة، مستودعة في الذهن، مفرغة من كلّ نبض وحياة، لذلك يفشل الاعتقادُ في التحول إلى حب، كما يفشل الحب في التحول إلى اعتقاد.

لا يولد السلام بين الأديان في فضاء الاعتقاد، وانما يولد السلام بين الأديان في فضاء الايمان، لأن المؤمنين في كلّ الأديان يستقون إيمانَهم من منبع مشترَك هو الحق، وإن تجلى لكل منهم في صور تتنوع بتنوع دياناتهم، وبصمة بيئاتهم، فيعيشون التجارب الروحية الملهمة للطمأنينة والسكينة والسلام ذاتها. الايمان حقيقة يتجلى فيها جوهرُ الأديان، والأرضية المشتركة التي تتوحد في فضائها، والشلال الملهم للحياة الدينية فيها.

لا يتخلص الانسان من نزاعات الأديان وحروبها إلا في فضاء الايمان. في الايمان تلتقي الأديان وتتعايش وتأتلف، بعد أن تكتشف شفرة اللغة الروحية المشتركة التي يتحدث بها ايمانها، لكنها تتفرق وتختلف في الاعتقاد، لأنها تتحدث لغات شتى، لا تفقه كل منها الأخرى.

 الاعتقاد يرسم جغرافيا الأديان ويضع الحدودَ الصارمة لها، والحدود بطبيعتها تنفي ما ورائها، ولا تقبل كلّ ما هو خارج فضائها. وذلك ما يبرّر الأفعالَ المتوحشة، مثل العمليات الانتحارية ضد الآخر المختلف. من هنا تأتي الحاجة لتحديث التفكير الديني، وتشتدّ الضرورة اليه في كل عصر يحتجب فيه الله عن العالم، من أجل تحرير الدين من الاغتصاب، وبعث الايمان، وحماية الاعتقاد من الاستغلال في ما يدمر الحياة.

الإيمان الذي تحدثتُ عنه هنا هو إيمان الحرية لا إيمان الاستعباد، إيمان الحرّ لا إيمان العبد.كل إيمان عندما يصبح حقيقةً حيةً، وإشراقةَ نور تلهم الروحَ كلَّ معنى جميل، لن يكون إلا حراً ومُحرِّراً.

وهذا النمط من الايمان المُحرِّر هو ما يؤنسن البشرَ، فهو بقدر ما يحرّر صاحبَه من كلّ أشكال استعباد الروح والقلب والضمير والعقل والجسد، فانه يصيّره مواطناً كونياً، ينتمي للانسان بوصفه انساناً، من دون نظر لمعتقد أو عنصر أو جغرافيا أو ثقافة. لذلك تصبح قضيتُه العظمى تحريرَ الانسان من حيث هو انسان من كل أنواع الاستعباد.

في الإيمان المُحرِّر يوقظُ الضميرَ صوتُ الله، وتُشرق الحياةُ بنوره الأبدي. الإيمان المُحرِّر ينقذ العالم من مأزق المتوحشين، ممن اغتصبوا كلمة الله، فألحدوا بالانسان، واستباحوا اسم الله. الإيمان المُحرِّر وعد مع السلام والحب والجمال، يصبح فيه: الايمان سلاماً والسلام ايماناً، والحب ديناً والدين حباً، والجمال تديناً والتدين جمالاً.

الإيمان الذي أعنيه بـ "الانسانية الايمانية، والايمانية الانسانية" هو الإيمان المُحرِّر، والذي هو نمط حضورٍ لـ "الإله الروحي الأخلاقي" في قلبِ الانسان وضميرِه وحياتِه. 

أما إيمان الاستعباد، فهو ضرب من خراب الروح ومرض القلب وشقاء الضمير وسبات العقل. إنه يستبدّ بصاحبه فيأسره، ويُعمي بصيرته، ويصيّره كائناً متوحشاً، مولعاً بالموت لا الحياة، بالحرب لا السلام، بالكراهية لا المحبة. لا يعرف معنىً لاحترام حقوق الناس وحرياتهم. لا يكترث لما تقوله أخلاقُه وإنسانيتُه، لأنه في كلّ قول وفعل أسيرُ صورة إله دموي محارِب، وعبدٍ لمعتقده هذا.

في فضاء إيمان الحرية تنشأ وتتشكل وتتطور معتقداتُ الحريات والحقوق، وفي فضاء إيمان الاستعباد تنشأ وتتشكل وتتطور معتقداتُ العبودية والاستبداد.

هذه رؤيتي للايمان والاعتقاد، كتبتها في سياق خبرتي الدينية، وتجربتي الروحية. وكل رؤية مرآة الرائي، وصورة ذاته، وتجلٍ لكينونته. وقد تجنبت فيما كتبت الضياع في متاهات اللاهوتيين والمتكلمين، التي تذوي فيها الاستبصارات المضيئة للروح وتنطفئ.

 

د. عبد الجبار الرفاعي