ali almirhigمُلأت الساحة الفلسفية والثقافية العربية والإسلامية المُعاصرة بآراء ومشاريع وأطروحات حول مُشكل التجديد أو التحديث، بدأت مع داعية "تجديد الفكر العربي" الذي جعل من التراث بعد عودة بإستحياء لإحيائه، ليجعل منه طريقة لتبرير رؤى النزعات العلمية والوضعية المُعاصرة، وليكون نطاقاً بإسمها وممثلاً أصيلاً لها، حيث لم يعي دعاة "العلمنة" و "الوضعية المنطقية" أسبقيتنا الفكرية في تبني النزعة العلمية والنهج المنطقي في تراثنا العربي والإسلامي.

وهناك من جعل من جدلية "التراث والتجديد" وصفة سحرية لصهر الأسلمة مع رؤى اليسار الماركسي، وآخر وضع لنا رؤية أخرى تستفز الماضي من خلال البحث في أشكالية العلاقة بينه وبين الحداثة، هي إشكالية "التراث والحداثة" تنهل من البنيوية ومناهج الأبستيمولوجيا المُعاصرة حلاً لمشكل الصراع بين دُعاة "التتريث" ودعاة "الحداثة"، وقد وجد بعض منهم أن الحل هو في إيجاد "مشروع رؤية جديدة للتراث" تستلهم الرؤى الماركسية وتوظيف التراث العربي لجعله صالحاً للإنتقال لمرحلة الثورة وفق الرؤية الماركسية وتجاوز االبناء الفوقي والطبقي الذي أوجدته الرأسمالية المُهيمنة على قوى الإنتاج. وهو ذات الرأي الذي ذهب إليه صاحب "النزعات المادية" في النظر لكل الحركات الإنفصالية والمعارضة للسلطة الإسلامية في المرحلتين: العباسية والأموية، بوصفها حركات ذات نزوع تصحيحي وإصلاحي.

بعض المفكرين وجد أن حل مشكل التجديد يكمن في تحديث "أصول الحوار وتجديد علم الكلام"، وترك نغمة التماهي مع الغرب في الدعوة للعقلانية، وهو رغم إختلاف التوجه المذهبي بينه وبين صاحب كتاب "فلسفتنا"، إلَا أنهما يتفقان على أن في النص القرآني ونتاج العقل الكلامي الإسلامي ما يُغنينا عن الهيام في العقل الغربي بنزوعه الرأسمالي أو الإشتراكي.

وفي الفكر الإسلامي المعاصر هناك بعض المفكرين قد وجدوا في التوجه نحو التصوف والعرفان حلاً لمشكل "التجديد" وتصحيح الوعي الذاتي وعلاقته مع الآخر، لأن في التصوف والعرفان قبول لتنوعات الفكر وتشكلات وعي الإنسان، لأن هناك "صراطات مُستقيمة" لا صراط واحد للحقيقة، وهذا من مُقتضيات "العقلانية المعنوية" و "التدين العقلاني" الذي يحترم "التعددية الدينية" ويضمن لها حق التعايش والوجود.

ولكننا نبقى نطرح التساؤلات، ونحار في حل المشكلات في خضم هذه الصراعات والمُماحكات الفكرية، 

ـ هل نُريد تجديد الخطاب الديني من خلال النقد؟ وأي نقد نبغي؟ هل هو نقد للدين من داخله ومن موقع الإيمان، أم هو نقد له من خارجه ومن موقع الرفض؟. وهل نقد الدين والفكر الديني من مُنطلق الإيمان كما يرى شبستري هو ضد الدين؟ كما يعتقد السلفيون والراديكاليون الذين تعاملوا مع الدين وكأنه خارج إطار التعقل والإختيار الواعي.  

ـ هل التجديد الذي نروم هو في وعي التدين ببعده السلفي؟ كما رغب بوجوده أحمد بن حنبل وابن قيم الجوزية ومن تبعهم في ماضينا وفي حاضرنا.

أم هو تجديد لوعينا الأصولي بمقولات الأشاعرة والمعتزلة والخلاف حول صفات الله والعدل والتوحيد والحرية. أم هو تجاوز لهذه المباحث وإنشغالات أصحابها بحل مشكل تصوراتنا عن الذات الإلهية والبحث عن رؤى جديدة ومباحث لم تكن من ضمن إهتمامات رجالات علم الكلام التقليدي، وفتح آفاقه لمباحث همها الأكبر الإنسان وعالمه، بمعنى آخر تجاوز المبحث اللاهوتي  وإيجاد منطقة حفر جديدة تهتم بما هو ناسوتي، كما هو الحال في علم الكلام الجديد.

ـ هل يعني التجديد دعوة للأمة لوعي الإمامة إن كانت بالشورى أم هي بالنص والتعيين الإلهي؟.وهل في حال الكشف عن طبيعة هذه العلاقة نستطيع تجاوز عقدة بناء تاريخ الدولة الإسلامية السياسي وفق قاعدة الدمج بين "الدين" و "الدولة" وفق وعي مغزى الآية الكريمة "لا حُكم إلَا لله" بأن الخلافة أو الإمامة تعني أن يكون رجل السلطة هو الممثل الحقيقي لسلطة الله على الأرض، لا ممثلاً حقيقياً لسلطة الشعب، لأن الحكم إما أن يكون وفق نظام "البيعة" والإستيلاء على السلطة وفق منطق القوة السائد آنذاك، أي "الشوكة والعزيمة" أو أن يكون وفق مبدأ النص والتعيين الإلهي للحاكم، وفي كلا الأمرين فإن رأي الجماهير غائب ومسكوت عنه، فلا مجال للتفريق بين الدين والسياسة أو الدين والدولة، فالحُكم كما يقول الخليفة الراشدي الثالث "قميص قمصنياه الله" وهو من له الحق بنزعه، ولا دور للمجتمع في تنصيب الحاكم، فغاب بذلك قول "لو رأينا فيك إعوجاجاً لقومناه بسيوفنا" التي قالتها الجماهير للخليفة الراشدي الثاني.

ـ مالذي نحتاجه من تجديد التراث إذن؟ هل ما نحتاج إليه هو تجديد وعينا الفقهي؟ وإن كان ذلك كذلك، فما الذي نُجدده فيه؟ هل هو تاريخ الفقه السُني أم الشيعي؟، فإن كنا نبغي تجديداً للفقه السُني، فلا بُد لنا من تجديد الولاء لمن تمكن من الحُكم بالشوكة والعزيمة من تأييده، وإن كُنَا نُريد تأييد الفقه الشيعي، فينبغي لنا القبول بمقولة النص والتعيين الإلهي للإمام، وعلى المسلمين القبول بها والسير وفقاً لها والتماهي مع مفهوم "الرجعة" والرضى بإمامة الأئمة الإثني عشر وإنتظار ظهور الإمام الغائب "المهدي" ليملأ الأرض عدلاً بعد أن مُلأت جورا.

هل التجديد الذي نبغي هو لوعي الذات وإختبار مدى فاعليتها وأثرها، إن كنا نتصور أن هناك ذات إسلامية واحدة؟ أو ذات عربية واحدة، أم هو وعي نقدي للذات بكل تمظهراتها وعلاقتها مع الآخربكل تشكلاته، الإيجابية والسلبية ومحاولة إعادة إنتاج هذه العلاقة بما يحفظ للذات ـ رغم تشظيها وتلاشي كثير من ملامح تصورنا المُسَبق عنها، إن كانت ذات إسلامية أو ذات عربية ـ حضورها وفاعليتها ونقد مواطن ضعفها وتخلفها، والكشف عن بواطن أدبيات تراث هذه الذات في العزل والإقصاء للآخر المُختلف وتعريتها وفضحها، والسعي للكشف عن العلاقة الإيجابية بهذا الآخر في تراثنا الآخر المُغيب أو الذي لم يكن له فعل الحضور في واقعنا المُعاصر.

ـ وربما يكون التجديد عندنا هو بوعي خراب الأنفس على قاعدة "أن الله لايُغير ما بقوم حتى يُغيروا ما بأنفسهم". وإن أدركنا أن خراب العمران أهون من خراب الأنفس، وعملنا على تقويم الخُلق وتهذيب النفس عبر الإهتمام بالتربية والتعليم وتخطي عتبة التربية الأبوية وترك التعليم التلقيني الذي يصنع متلق سلبي ومرسل إيجابي لا بد أن يُتَبع، وحينما نُدرك أن سُبل التربية والتعليم لا تكمن في التلقين، إنما هي كامنة وظاهرة في نجاح المجتمعات الحديثة في تجديد طُرق التعليم وإدراكها أن وعي الأبناء يختلف عن وعي الآباء لأن الأبناء  بعبارة الإمام علي "خُلقوا لزمان غير زمان (الآباء)"، فحينما نستوعب هذا القول نستطيع إعادة بناء الأنفس وفق شروط الزمن وتحولاته المعرفية التي تقتضي تنمية الوعي العقلي طبقاً لنمط المعرفة التي يقتضيها العصر، فعصرنا اليوم عصر المُشاركة في الوعي والتلقي المعرفي، فالطالب شريك في تنمية وعي المعلم بنفس القدر الذي يكون فيه المعلم مشارك في تنمية وعي الطالب، فالمعرفة اليوم معرفة تواصلية إتصالية، لا تقتضي وجود مُرسل إيجابي هو المُعلم ومتلق سلبي هو الطالب، إنما تقتضي الحوار والتواصل لإنتاج وعي جديد فيه كثير من القلب والمُغايرة لمسار التعليم والتربية التقليدي الذي درجنا عليه بجعل المعلم وكأنه سلطة معرفية لا يأتيها الباطل لا من أمامه ولا من خلفه.

ـ وربما كان التجديد الذي نرغب به مرتبط بإستيعاب علاقة الذات بالآخر، ومن هو الآخر؟  هل هو المُختلف عني مذهبياً ؟ أم أنه هو المُختلف عني أيديولوجياً، وإن كُنا نحن من مجتمع متطابق في السًكنى وبطبيعة المعيشة.

ـ وقد يكون هذا الآخر هو الخارج عني في نمط العيش والمُغاير ليَ في وعي الزمن: فالماضي عندي يُعيد بناء الحاضر، والماضي عنده مخزون الحاضر، ولا حضوة للماضي عنده ولا حضور وتأثير إلَا حينما يكون هذا الماضي في خدمة الحاضر ومخزونه الذي يستمد منه بقدر الفائدة بناء المستقبل.

وربما يكون المقصود بتجديد التراث، هو تجديد التراث الفلسفي، حينما يكون الجواب بنعم، فهل هو نبغي تجديد تراث الفاربي وإبن سينا ورؤاهم الفلسفية ببُعدها الصوفي والعرفاني؟ أم أننا نسعى لتجديد رؤى إبن رشد ببُعدها العقلاني البرهاني.

وهناك من يرى بأن تجديد التراث يكمن في وعي أنسنة الفكر الصوفي، ولكن هناك في التصوف طريقان هما:

ـ طُريق السالكين من الصوفية ممن يدعون الكرامات وتدرجهم في المقامات وإدراكهم لسُبل النجاة بالزهد وتزكية النفس عبر تماهيها مع الذات الإلهية عبر الحلول أو الإتحاد بالله وتنزيه الذات بطُرق الصوفية السلوكية مثل: القادرية والشاذلية وإمتداداتها في الكسنزانية والنقشبندية.

ـ طُريق الفلسفة الصوفية أو التصوف الفلسفي: التي بدأها إبن عربي في رؤيته لوحدة الوجود وإبن سبعين الذي تبع ابن عربي في تبنيه لوحدة الوجود فيما سُميَ بالوحدة المُطلقة.

ـ وهناك أشياء وأشياء في كيفية النظر للتجديد وتعدد الطرق والسبل له، ومنها سبيل العلم وإعتماد العلم التجريبي، ومنها سبل علم الكلام التقليدي أو طُرق تجديده، وهناك طرق أخرى منها: فلسفة الدين ومُعطياتها، وأخرى سبل إهمال سؤال التجديد والخلاص من طرحه وتوهيمات أصحابه، لأنها لاتخص سواهم، فالعامل والمهندس والفنان التشكيلي يعمل بكل مُنتاجات الصناعة الغربية، ويُعيد رسم صور التراث وتعشيقها مع مُنتجات الحداثة، ليُنتج لنا أبواباً وشبابيكاً وبيوتاً بطرز عصرية تستمد من التراث طُرزه الجمالية، ولكنه سيعود ربما ليُمارس طقوسه الدينية من دون تنظير وتدليل وتفسير لعمله الفني وفق إطر نظرية وقوالب جامدة يضعها المُنظرون والمُتفلسفة العرب والمسلمون، وربما هو ذات الأمر ينطبق على الإرهابي الذي يستخدم كل نتاج الغرب لتفخيخ وتفجير المُخالفين له في المُعتقد والرؤية من دون حاجة له بكل المُنظرين في عالمنا العربي والإسلامي حول "إشكالية التجديد" و "التراث والحداثة" أو "الأصالة والمُعاصرة".  

 

د. علي المرهج – استاذ فلسفة

 

 

raed jabarkhadom2كثيرة هي مشاريع التجديد والاصلاح والنهضة والتحديث والاحياء التي طُرحت على الساحة الفكرية والثقافية العربية والاسلامية منذ القرن التاسع عشر الميلادي مع خطاب التجديد لرفاعة الطهطاوي والرعيل الأول للفكر الاصلاحي الديني الحديث، وتداخل السياسي والتربوي والاجتماعي بالديني في خطاب التجديد، ومنذ لحظة الاحتكاك مع الغرب من قبل هؤلاء المفكرين والمصلحين، بقي  السؤال عن الهوية الفكرية والثقافية هو المهيمن والذي لخصه تساؤل هؤلاء في كتاباتهم عن سر تأخر العرب والمسلمين وتقدم غيرهم وخاصة أوربا ونهضتها الفكرية والعلمية، وحاول هؤلاء تسجيل الاجابة في كتاباتهم وتقديمها للفرد العربي المسلم، ومنها أجابة المفكر العربي شكيب أرسلان في كتابه (لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم)، ووفق ذلك التساؤل المصيري تعدد اجابات المفكرين الاصلاحية، وأنقسمت المواقف من ذلك التساؤل الى ثلاث اجابات او مواقف أو ردود وهي :

1ـ الرد الاصلاحي الديني السلفي.

2ـ الرد الاصلاحي الديني التوفيقي.

3ـ الرد الاصلاحي العلماني.

ووفق تلك الردود والمواقف والاجابات تحددت رؤية المفكرين والمصلحين العرب والمسلمين وتم صياغة مشاريعهم الفكرية، من أجل تشخيص عيوب واقعهم وتقديم الحلول لتغيير أو اصلاح ذلك الواقع المتردي سياسياً واجتماعياً وحضارياً، ووفق تلك الاجابات والمواقف الفكرية التي طرحت في القرن التاسع عشر، سار على غرارها جمع من المصلحين والمجددين والمفكرين المعاصرين والحركات الاسلامية التي ظهرت في القرن العشرين ونمو تلك الحركات وصعود نجمها مع الدعوات الاصولية والسلفية ونموها بصورة كبيرة جداً في الواقع العربي والاسلامي منذ أحداث 11 أيلول (سبتمبر) 2001، واتهام تنظيمات اسلامية بهجمات نيورك، وتفاقم تلك الاحداث الارهابية في العراق وسوريا والمنطقة، ومع التغييرات السياسية التي حدثت على الساحة العربية وثورات الربيع العربي، التي أنتجت خطاباً تكفيرياً متطرفاً يدعو الى محاربة العالم وتكفير كل من لا ينتمي لتلك المنظومة الفكرية الدعوية السلفية المتشددة، وتغير وجه العالم من جراء تلك الافكار والدعوات الاصولية الكريهة.

كثيرة هي الدراسات والكتابات والمؤتمرات العربية والاسلامية التي تناولت موضوع التجديد في الفكر العربي والاسلامي عامة والتجديد الديني خاصة،  ولكن محاولة عقد مقاربة أو مقارنة مع المشروع الغربي كانت بسيطة جداً ولم يسلط الضوء عليها بعمق لمعرفة الفرق بين الحركتين، وهل كانت طروحات المفكر العربي المسلم ترقى الى طروحات الاصلاح والتجديد الديني الغربي في أوربا مع ما طرح من قبل مارتن لوثر وكالفن وغيرهما من رواد الاصلاح الديني.

كانت دعوات فكرية سبقت الطهطاوي تدعي التجديد كما هي مع الحركة الوهابية والحركة السنوسية والشوكانية وما هي نسبة التجديد وطبيعته في تلك الحركات؟  

فقد كان ثوب التجديد عند هذه الحركات يقتصر على اصلاح العقيدة الدينية فقط، وذلك بالرجوع للاصول الدينية الاسلامية ومرجعياته، وقد هيمن هذا الخطاب على نسبة واسعة من المجتمع العربي الاسلامي، وحاول فرض وصايته ونشر أفكاره بقوة السيف والاستبداد، وهو خطاب (الجزيرة العربية) الخطاب الرسمي الذي أنتج دولة السعودية العربية الحديثة، والذي نتج عن تصاهر الخطاب الديني والخطاب السياسي لينتج خطاب الاسلام السياسي في الفترة الحديثة، وكان هذا ديدن الكثير من الدول العربية والاسلامية في تلك الفترة، الاسلام السياسي العثماني، الاسلام السياسي في مصر مع محمد علي باشا (بنسبة ما)، الاسلام السياسي في ايران، وكذلك بعض الحركات الدينية في شبه القارة الهندية، فقد كانت هذه الحركات مسكونة بهاجس التجديد والاصلاح، للانسجام مع موضوعات وطروحات ومشكلات واقعهم، ولكن بقي الطابع التقليدي هو المهيمن على هذه الخطابات، والارتباط بالعقيدة والماضي وعدم التراجع والتزحزح عن تلك الاصول قيد أنملة، فكان خطاب التجديد آنذاك خطاباً شكلياً وتنظيرياً وطوباوياً لا يمت الى الواقع بشيء يذكر، كان خطاب التجديد منسجماً مع رغبة الحاكم السياسي في تطوير وتحديث جوانب ادارية وفنية وعسكرية تعود بالنفع لتلك الحكومات في مواجهة الحكومات والدول المتخاصمة معها، فلم تكن هوية التجديد جوهرية، ولم تكن رسالته انسانية مجتمعية متسامحة ومنفتحة على خطابات فكرية وثقافية عالمية، فقد طرحت خطابات التجديد في مقابل الخطابات الغربية التي حدثت تحولات كبرى في مجتمعاتها بعد عصر النهضة الأوربي، أما الفكر العربي والاسلامي فقد تعامل مع ذلك الخطاب الحداثوي الاوربي بألوان متعددة، من خطاب ديني سلفي، الى ديني توفيقي، الى خطاب علماني تغريبي.

فقد كان جوهر ذلك الخطاب الديني التجديدي العربي الاسلامي ينسجم وأيدلوجيا السياسة من جهة وأيدلوجيا الدين والناس من جهة أخرى، ولم يكن خطاباً حراً بريئاً من تلك الدعوات، والدليل على ذلك أنه بعد قرن من الزمان أو يزيد على ذلك الخطاب أنتج فكراً تكفيرياً متطرفاً يريد غزو العالم تحت مسميات متعددة، أهمها نشر دولة الخلافة والدولة لاسلامية الجديدة، والشيء المهم هو الذي غزا العالم العربي والاسلامي هو (حمى التجديد) فتعددت الطروحات والمشاريع الفكرية، حتى شهدنا (حرب وصراع التجديد) المليء بالتهديد والوعيد، بدلاً من سيادة مبدأ وفكر (حوار التجديد) واستلهام مبادىء حداثوية وانسانية تعطي للتجديد حقه وصورته البراقة، ولكن سيطرة النزعة الايدلوجية حرمتنا من متعة التجديد وثماره الطيبة، فكان تجديداً شكلياً وبقي منطق التطرف والنزعة الاصولية هو المهيمن على طبيعة ذلك الخطاب وتحركات جماعته وأدبياتهم.   

حين نطلع على أدبيات وفكر النهضة العربية الحديثة (القرن التاسع عشر الميلادي وما بعده) وأدبيات وفكر النهضة الغربية (الأوربية) الحديثة (القرن الخامس عشر الميلادي وما بعده)، نرى أن هناك بوناً شاسعاً من الأختلاف بين الأثنين، لا نستطيع هنا أستيعابها وتشخيصها بهذه العجالة، فقد كتبت االكثير من الدراسات والكتابات والمؤلفات من قبل المفكرين والباحثين، التي تَشرح وتُشرّح وتوضح صورة وشكل النهضتين، ومدى استفادة المفكر والمثقف العربي من منجزات النهضة الغربية، ولكن الذي أُريد قوله اننا في النهضة الأوربية أمام منجز حضاري وعلمي وفكري وأدبي وفني وسياسي كبير، أمام ثورة معرفية شاملة غزت الغرب بالكامل وتحول وجه أوربا وفكرها من حال الى حال، أتضح للجميع الفارق الكبير بين أوربا ماقبل النهضة الحديثة وأوربا ما بعدها، فكرياً وأجتماعياً وسياسياً وثقافياً وحضارياً وعلمياً، أوربا الغارقة في الجهل والأنحطاط والصراع والعنف والحروب والتطرف والكراهية، أوربا الصراع الديني والعنف العنصري ومحاربة العلم والتحديث، أوربا التفكير الثيلوجي والنزعة الأبوية والأستبداد الديني والسياسي، أوربا العصر الوسيط المظلم، حيث محاكم التفتيش والوصاية الدينية والسياسية والتفويض الالهي والفكر الكهنوتي، وبين أوربا التقدم الحداثة والتنوير والثورة الصناعية والعلم والمعرفة والفن والليبرالية والفكر الديموقراطي والتوجه الانساني، كان كل شيء في أوربا ماقبل النهضة في خدمة الكنيسة والدين المسيحي، الفكر والعلم والفن والفلسفة، الكلمة الأولى والقول الفصل للدين أولاً وآخراً، وفي سبيله تبذل الأرواح والأموال والثروات والأفكار، يجب حراسته والتضحية من أجله وفي سبيله، والدين (النقل) مقدم على العقل، والثاني في خدمة الأول، حتى أن الفلاسفة والمفكرين المسيحيين كانو يرفعون شعار (الفلسفة في خدمة اللاهوت)، أي أعتماد الفلسفة والمنطق للجدل ولنصرة الدين ومحاججة الأديان والأفكار الأخرى، وساد وقتئذٍ الاعتماد على المنطق الأرسطي (الصوري)، منطق القضية ونقيضها، منطق القضيتين ولا ثالث لهما، منطق الثنائيات، الحق والباطل، الخير والشر، الأبيض والأسود، منطق القياس وكمون النتيجة في مقدماتها، وما حدث في الفترة المسيحية هذه (ماقبل النهضة الحديثة) تشبه الى حد ما كان سائداً في الفترة العربية الاسلامية، زمن صراع المذاهب والحروب الكلامية وانتشار كتب (الأحتجاج) و (الأنتصار) وبيان (الفرقة الناجية من فرق الهالكين ) و (تلبيس أبليس) وفتاوى التكفير والحكم بالارتداد والخروج عن الدين، والحروب الدينية والمذهبية الشرسة التي عبرت عن الفكر المتخلف والكريه لفقهاء السلطة وحكام الجور وسلاطين العنف والكراهية.

لقد ثار المفكر والمثقف والانسان الأوربي على كل ما عاناه من محن وأزمات وتخلف، وعلى السلطتين الدينية والسياسية المتنفذة في المجتمع الأوربي والتي كانت تعمل وفق مبدأ الوصاية والحاكمية والتفويض، أبتدأت الثورة أول ما أبتدأت في أوربا معرفياً وعلمياً، وسبق ذلك الاصلاح الديني الذي حصل بعد ذلك بفضل الثورة العلمية التي دعت للتصحيح والاصلاح والتغيير، حيث كان لثورة كوبرنيكوس (1473 ـ 1543م) العلمية في علم الفلك الأثر الكبير على تغيير فكر أوربا ومنطقها الأرسطي العقيم الذي ساد لقرون طويلة، وثورة كوبرنيكوس أطاحت بالتفكير الديني الكنسي التقليدي غير العلمي في كتابه (حول دوران الأجرام السماوية)، وأطاحت بـ (نظرية بطليموس) في مجال الفلك، والتي كانت تذهب الى أن الأرض وليست الشمس هي مركز الكون وجميع الكواكب وحتى الشمس تدور حول الأرض، وقد ساندت الكنيسة هذه النظرية معللة ذلك بأن الأرض مقدسة لأنها مولد السيد المسيح ومن ذلك أكتسبت هذه القدسية، ولكن نظرية كوبرنيكوس وتجاربه الفلكية العلمية قد أطاحت بكل هذه الافكار وأسقطت وفندت نظرية بطليموس، وقد هاجت وماجت الكنيسة على كوبرنيكس ونظريته التي غيرت صورة الكون وتفكير الناس ودعتهم لتحكيم العقل والعلم بدل الدين واللاهوت ومنطق أرسطو، وهذا يعني ضرب مصالح الكنيسة ونقد منهجها وسياستها واثارة الناس على الكنيسة ومنطقها، وتبع ذلك الثورة السياسية والاخلاقية التي قادها ميكيافلي (1469ـ 1527م) للاصلاح والتغير على مستوى السياسة والاجتماع من خلال نقد هيمنة الكنيسة ورفض فكرة التفويض الالهي في السياسة، وتبع ذلك ثورة الاصلاح الديني في أوربا والتي كانت على يد الألماني مارتن لوثر (١٤٨٣ـ ١٥٤٦م)، الذي نادى بالأصلاح الديني واصلاح الكنيسة ورفض سلطة البابوات وتشويههم لجوهر المسيحية واستغلال سلطتهم الدينية في السيطرة على عقول الناس، وبيعهم لصكوك الغفران، وقد كانت النظرية العلمية لكوبرنيكوس بداية الطريق للثورات الكبرى في أوربا، والمدخل للاصلاح الديني والعلمي والفلسفي والسياسي، والتي أدت الى تكوين فكر النهضة الأوربية وتشكيل كينونتها ومنطقها الجديد بالكامل.

النزعة الانسانية، والمنطق والمنهج العلمي، وفصل الدين والكنيسة عن السياسة، ومرجعية العقل ومركزية الانسان، وتطور الفن واستقلال العلوم عن الفلسفة، والتقدم الحضاري والعمراني والمدني، كل هذه كانت مميزات وخصائص عصر النهضة الأوربي الحديث الذي تميز عن الشرق والعرب والمسلمين، والتي كانت هذه الشعوب متأخرة بالنسبة للغرب المتقدم في العصر الحديث.

ما قدمه رواد النهضة العربية الحديثة انما هو شيء أشبه بالصحوة والاحياء والتجديد والتحديث واصلاح بسيط لا يتعدى ولا يقارن بالاصلاح العام الذي شمل النهضة الاوربية الحديثة، ومحاولة من هؤلاء الرواد العرب والمسلمين تقليد الغرب من جانب، والعودة الى التراث والجذور العربية من جانب آخر، والدعوة لأظهار الهوية العربية والهوية الاسلامية في الفكر، فخطاب النهضة العربية الحديثة لا يرقى الى خطاب النهضة الاوربية الحديثة، ولا يمكن عقد الصلة الكبرى بين الطرفين، فالحداثة والتنوير والتجديد على مستوى الفكر الغربي شمل مجالات واسعة وعامة على واقع الحياة والفكر والثقافة الأوربية، أما عربياً فالحداثة والتنوير والتجديد أضحت مجرد دعوات وشعارت يصدح بها رواد الفكر والثقافة العربية الحديثة، وما تحقق منه النزر اليسير والخجول جداً لم نر أثره على الواقع العربي في المؤسسات والمجتمع والواقع، وبقي العقل العربي يلهج بخطابات وشعارات النهضة والتجديد ويرددها في القرن العشرين والى يومنا هذا، ولكنه غارق بفكر ومنطق العصر الوسيط، ومكبل بالوصاية الدينية والسياسية، ومجتمعاتنا العربية المعاصرة وان يتراءى للكثير منا حداثتها العمرانية والمدنية والحياتية، ولكنها سياسياً واجتماعياً وفكرياً وثقافياً تقبع تحت أفكار خاوية لا تمت الى الحياة العصرية والجديدة بصلة، وهذا ما يجعلنا نعيش أزدواجية لا مثيل لها، وفصام فكري وثقافي كبير، حداثة حياة وتخلف فكر، لا تجعلنا قريبين صلة بحداثة الغرب وتفوقه العلمي والمعرفي والانساني. وخير دليل على ذلك مجتمعاتنا العربية والاسلامية المعاصرة التي عادت الى خطاب الماضي والتكفير والاصولية والتطرف المقيت واحياء الميت من الأفكار البالية. وختاماً نوجز القول بأن زمكانية النهضة الأوربية الحديثة لا يمكن قياسها بزمكانية النهضة العربية الحديثة، ومناخ النهضة الأولى وأرضها الخصبة التي نشأت وترعرعت فيها نهضة الغرب، لم تتوفر ولم تتهيأ للعرب لرعاية نهضتهم، ولذلك بقيت نهضة (يقظة) خجولة منفعلة وغير فاعلة أجتماعياً وسياسياً وحضارياً وعلمياً، اذا ما قورنت بنهضة أوربا الشاملة وتعهدها بالرعاية والنمو والتقدم من قبل العلماء والمثقفين والمفكرين والناس داخل المجتمع الغربي، تحت ظل منطق العلم وسلطة العقل ودولة المؤسسات والقوانين. ولم يقدر لخطاب التجديد الديني التفاعل مع ما قدمته المجتمعات المتقدمة، ولم يحقق شيئاً بالمستوى المطلوب للفرد والمجتمع العربي والاسلامي، وبقي التجديد خجول يدور في فلك السياسة والادارة والعمران ولم يدخل أروقة الفكر والتربية والسلوك والمعاملات الحياتية والاجتماعية، وواقع الحال أننا مجتمعات اسلامية قروسطية معاصرة، نلهج بالتجديد ولكنه ليس فيه من الجديد شيء يذكر. وأن عقل الفرد العربي المسلم لم يزل مقيداً بسلاسل وأُطر كثيرة لا يستطيع التخلص منها، ولذلك فنحن نسير ببطء كبير في مجال التجديد ولم نسرع الخطى في هذا المجال لنتقدم في مجالات وميادين فكرية وعلمية وثقافية أخرى، ما دمنا نسير وفق نفس المنهج التقليدي الذي سار عليه السابقون دون نقد أو تمحيص أو تجديد.  

      

 د. رائد جبار كاظم. العراق/ الجامعة المستنصرية

 

 

abduljabar alrifai3

صورة الله في علم الكلام القديم، هي صورة السيد المخيف المرعب، المتمرّس في البطش والتنكيل والعقاب والعذاب. الانسان عبد مسترق خانع ذليل حقير. لله أن يفعل به ما يشاء، بلا أن يوصف أي فعل يصدر من الله - مهما كان - بالقبح أو الحسن، فله أن يعذب العادل، ويثيب الظالم، كما ذهب إلى ذلك أبو الحسن الأشعري وأتباعه[1].

 لقد نشأ عن هذا التصور لله لاهوت الاسترقاق، وهذا اللاهوت بطبيعته ينسج شباكاً معقدة لمختلف أنماط العبوديات التي تكبل حياة الشخص البشري، عبر إنتاج الاستبداد والنظام الأبوي العمودي في مختلف مستويات الاجتماع البشري، من: العائلة والقبيلة، الى: المدرسة، والحزب والدولة.

  يصادر لاهوت الاسترقاق حريات وحقوق الشخص البشري الاجتماعية. ويكرس أشكال العبوديات، ويحجب لاهوت الرحمة والمحبة. يجعل لاهوت الاسترقاق الانسان عبداً ذليلاً خانعاً مسحوقاً، وينسى أن هذا النمط من العلاقة بالله يفضي إلى إلحاد مختبئ، وإن كانت تبدو مُقنّعة بتدين زائف. ذلك ان الشخص البشري بطبيعته ينفر ممن يستعبده، ويمقت من ينتهك كرامته، ويكره من يمتهنه.

  ما لم يتم تصحيح نمط علاقة الانسان بربه سيبقى المرء مشلولاً معاقاً. ينبغي تحويل الصلة بالله من صراع مسكون بالخوف والرعب والقلق، إلى علاقة تنبض بالتراحم والمحبة والوصال. علاقة تتكلم لغة المحبة، وتبتهج بالوصال مع معشوق جميل.

  إن العلاقة بالله لا تأخذ نصابها في تشييد حياة روحية أخلاقية أصيلة إلاّ اذا كانت حرة، أي أنها ينبغي أن تكون علاقة مبنية على حرية واختيار، لا اكراه وامتهان."وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ"[2].

   البسطاء من عامة الناس، إن تأملنا نمط ايمانهم نجدهم يعيشون وهم يتذوقون شيئاً من الوجد والوصال بالحق، ذلك أن ايمانهم بريء عفوي حميمي، يتحسسون الله أقرب اليهم من حبل الوريد، ليس بوصفه أميرهم وسلطانهم، الذي يبطش بهم، بل بوصفه صديقاً جميلاً غيوراً كريماً رحيماً رقيقاً شفيقاً.

ولعل البعض يحسب أن ذلك هو ما تشي به آيات القرآن، بتوصيفها الانسان بأنه عبد لله، لكن الصحيح أن الآيات لا تتحدث عن هذه الصورة المستبدة لله، ولا تشي بهذه المكانة الوضيعة للانسان، إذ أن هناك فرقاً بين عَبْيد وعِبَادِ في لغة القرآن، فعَبْيد مشتقة من: عُبُودِيَّة. ومرادفاتها: إِسْتَعْباد، رِقّ. ومقابلها: حُرِّيَّة، عِتْق، إِعْتاقٌ، تَحَرُّرٌ، تَسْريحٌ، حُرِّيَّةٌ. بينما عِبَادِ مشتقة من: عِبادَة. ومرادفاتها: إِعْتِكَاف، تَعَبُّد، نُسْك. ومقابلها: إِبَاحيَّةٌ، تَهَتُّكٌ، خَلاَعَةٌ، دَعَارَةٌ، عُهْرٌ، فُجُورٌ، فِسْقٌ، مُجونٌ[3].

القرآن يشير الى "عِبَادِ" بمعنى أحرار، لا بمعنى أقنان مستلبين مجبرين مكرهين: "فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ"[4]. الحُرّ هو المقابل للعَبْد. عَبْيد جمع عَبْد. الجاحِد هو المقابل للعَابِد. عِبَادِ جمع عَابِد. القرآن يستعمل كلمة عِبَادِ أكثر، فيما يستعمل أقل من ذلك بكثير كلمة عَبْيد. فقد وردت كلمة "عِبَادِ" ومشتقاتها في القرآن الكريم 97 مرة، بينما لم ترد كلمة "عَبْيد" ومشتقاتها سوى 29 مرة. وحيثما وردت كلمة عَبْيد في بعض الآيات فهي تقترن بنفي الله الظلم عن نفسه: "وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ"[5]. "وما أنا بِظَلَّامٍ للعَبْيد "[6]. " وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ"[7].

وكأن القرآن ينبّه إلى ما تشي به السياقات الاجتماعية لمدلول العبودية، وتشبُّعه تاريخياً بمعاني الاسترقاق، وكيف أنها تهتك المكانة الانسانية للكائن البشري، وتستبيح شخصيته، وتهين كرامتة، بنحو يصير فيه هذا الكائن بمثابة متاع يمتلكه شخص آخر، لا حياة خاصة، ولا كينونة مستقلة له، وليس له من أمره شيئاً. فأراد الله أن ينفي عن ذاته تعالى، هذا النمط من اهدار الكرامة البشرية واهانة الانسان.

  المؤمن الحقيقي عابد بوجوده وكينونته وروحه وقلبه. عابد لله، أي مطيع له طاعة المحب، الذي ليس بينه وبين محبوبه مسافة واكراه واجبار. العبادة تتحول على هذا النحو إلى انجذاب حميمي. حب متجلٍّ في الجوارح كلها، والكيان كله. حب تترجمه الكينونة والوجود في كل تجلياته. ابتداءاً من"اليومي"، واستمراراً وصعوداً مع المفارق والعابر. وذلك بأن يتصل الحس والشعور والتعقل بالحبور والدهشة اللامتناهية، ولذة الانكشاف والاكتشاف المستمرة. المحبة صلة بالحياة لا تكف عن الولادة كل آن. والطريق إليها لا يمر إلاّ عبر الولادة كل يوم من أرحام الظلمات والجهل والخوف والسجون. نحن يمكن أن نولد كل يوم كما ولدنا أول مرَّة بالحب.

  ولا يعني ذلك الدعوة لتصوف مُقنَّع، ذلك أني لست مع تصوف يُخرج الفرد من العالم. نعم، أتضامن مع شيء من مقولات التصوف المعرفي، الذي يثري الروح، ويضئ القلب بجماليات الوجود، ويجعل الكائن البشري مشاركاً فاعلاً في بناء هذا العالم[8].

  التربية على الخوف ترسخ أرضية عميقة لنشأة وتفشي الاستبداد، ويجد الخوف تعبيره الاجتماعي في: الخوف من الحرية، الخوف من الفردية، الخوف من التفكير النقدي، الخوف من التفكير العقلاني، الخوف من الحداثة، الخوف من الاختلاف، الخوف من الخطأ، ذلك أن الاستبداد يبحث دائما عن الإجماع الشعبي، ويخشى التمايزات والمغايرة.

   النمط العمودي للعلاقة بين الله والانسان، الذي قوامه التربية على الخوف، يجد مدلوله الاجتماعي في مختلف أشكال العلاقات السياسية والاجتماعية والاقتصادية في المجتمع، فالحاكم غير المحكوم، الحاكم يأمر بما يشاء، وليس للمحكوم إلا السمع والطاعة، من حق الحاكم أن يفعل مايريد في رعيته، إرادته إرادة مطلقة لايضبطها قانون أو تقيّدها تشريعات، هو في القمة والرعية في القاعدة، لايرتقي شخص إلى مقامه السامي، إلاّ حينما يفيض عليه بمننه وعطاياه، فيدنيه من قربه، ويمنحه من مكرماته. ذلك أن رعاياه كافة هم ممتلكاته يتصرف بهم بما يحلو له. أما العلاقة بين الأب والابن، والمعلم والتلميذ، والضابط والجندي، والتاجر والعامل، والإقطاعي والفلاح، والرجل والمرأة، فهي دائماً علاقة تبعية وخضوع، علاقة امتلاك، الأعلى يمتلك الأدنى، يدربه باستمرار على الانصياع والانقياد، ويتفنن في تربيته على الامتثال والرضوخ، ويتوسل بمختلف الأساليب من أجل تدجينه على الاستسلام والتنازل عن حريته[9].

 

 عبد الجبار الرفاعي

...................

[1] - خلافاً للأشاعرة، ذهب المعتزلة والشيعة الى القول بالحسن والقبح الذاتي للأفعال، بغض النظر عن انتسابها أو عدم انتسابها الى الله.

[2] - الأعراف، 157.

[3] - للمزيد أنظر: ابن سيده، المحكم والمحيط الاعظم، تحقيق عبد الحميد هنداوي. بيروت: دار الكتب العلمية، 2000، الذي قال: "والعبِادُ: قومٌ من قبائل شَتَّى من الْعَرَب اجْتَمعُوا على النصرانيَّة، فأنِفُوا أَن يَتَسمَّوْا بالعَبيد وَقَالُوا: نَحن العِبادُ" ج2، ص26. وأنظر أيضاً: أبو البقاء الحنفي، الكليات، تحقيق: عدنان درويش ومحمد المصري. بيروت: مؤسسة الرسالة، الذي كتب: " وَالْعَبْد الْمُضَاف إِلَى الله تَعَالَى يجمع على (عباد)، وَإِلَى غَيره على (عبيد)"، ج1، ص649. وللتفاصيل المطولة راجع: الزبيدي، تاج العروس من جواهر القاموس، تحقيق: علي شيري. بيروت: دار الفكر، 1414 هـ، مادة (عبد)، ج5، ص82.

[4] - الزمر، 17 – 18.

[5] - انظر الآيات: آل عمرن، 182. الأنفال، 51. الحج، 10.

[6] - سورة ق، 29.

[7] - فصلت، 46.

[8] - الرفاعي، عبدالجبار. الدين والظمأ الأنطولوجي. بيروت: مركز دراسات فلسفة الدين، ودار التنوير، 2015، ص 95 – 96.

[9] - الرفاعي، عبدالجبار . إنقاذ النزعة الانسانية في الدين. بيروت: مركز دراسات فلسفة الدين، ودار التنوير، 2010، ص 69 – 70.

 

ali almirhigصور الآخر هي ليست الآخر. صورة الآخر بناء في المخيال وفي الخطاب". لذلك فمفهوم"الآخر" هو من إختراع الذات، لا بمعنى إنكار وجوده الواقعي، وإنما وجوده هو وجود تصوري "من وحي المُخيَلة "مُخيَلة الأنا".

من النادر القليل أن ترى الذات في الآخر خيارها الإيجابي في الوجود وفي التكامل المعرفي، وأغلب الأمم تُعاني من تضخم النظرة للذات "القومية" أو "الوطنية" أو "الدينية" وتحصيل الحاصل"الطائفية"، وكلما إزدادت الذات تضخماً، إزداد حضور الآخر (المُغّيب) في الغالب حضوره المُعارض، إن كان هذا الآخر مُغايراً للذات في المعتقد الأيديولوجي أو الديني أو الطائفي، ويكون الحضور إيجابياً في حال كان هذا الآخر متماهياً مع مقولات الأنا "المتضخمة أو مُدرك لسيكالوجيتها المرضية القائمة على النظر للذات بوصفها أكثر نقاءً في الأصل "الوجود" وفي "المعرفة" وإدراكها للـ "اليقين".

هذا الوعي المتضخم للذات هو الذي أنتج ما يُسمى "الهويات الفرعية" التي تأتي كرد فعل للممارسة الإقصائية للذات الشمولية التي تدعي أو يتبنى دُعاتها أنهم من الذين إصطفتهم الإرادة الإلهية، أو إقتضت وجودهم الحتمية التاريخية ليكونوا "المخلصين" أو مُلًاك الحقيقة ورُبَانيي "سفينة النجاة"، وأصحاب "الفرقة الناجية" بالمفهوم الإسلامي.

وقد وظف كثير من أحزاب الأحزاب العلمانية هذه الفكرة، ومنهم حزب البعث الذي إدعى منظروه أنه "الحزب القائد" وأن صدام حسين هو الحاكم الفليسوف أو الفيلسوف الحاكم و "القائد الضرورة" الذي أنجبه التاريخ كي يكون "المخلص" للعراق والأمة العربية من هيمنة الإستعمار والتبعية للغرب!!.

إن هذا الشكل من التفكير المولَد للهويات الفرعية، يجعل منها هوية ُمُباينة للهوية الإقصائية لكل أنظمة الحكم الشمولية، فبدل من أن تبني هذه الأنظمة ذات الطابع الشمولي في الحكم وطناً ذو بُعد قومي، غيبت الهوية الوطنية وكرهنا إمتدادها القومي، فصرنا نبحث عن مماثلات للهويتنا الفرعية خارج حدود الوطن كي نحتمي بها، ولربما نكون سدها المنيع في وجه كل من لا يرتضي لرؤيتها الأيديولوجية وجوداً، فصار الشيعي في زمن صدام مواطناً من الدرجة الثالثة، فالتكارتة وأبناء العوجة من الدرجة الأولى، ثم أبناء الغربية عموماً من الدرجة الثانية، ثم الشيعي من الدرجة الثالثة، وربما يكون الكوردي في الدرجة الرابعة وفي الدرك الأسفل في سُلم أولويات السلطة "القومجية". وباقي الديانات والوقوميات من مسيحيين وتركمان وأيزيديين وصابئة وشبك، هم منسيون على قاعدة المثل الشعبي "إلَهم الله"، وإن كان فيهم بعض الشخصيات مؤثرة، فليس لأنها لها القُدَرة على أن تُعلن ولائها القومي أو الديني أو الطائفي، بل لأنها لا ولاء لها إلَا للـ "الحزب القئد" و للـ "القائد الضرورة".

إن وعي الهوية في المتضخم يؤدي بالضرورة إلى إعلان الهويات الفرعية كما ذكرنا عن وجودها، وكلما إزدادت "الذات المُهيمنة" تعالياً، إزدادت الهويات الفرعية عناداً في إعلانها عن وجودها في الرفض والممانعة. وستزداد "الهويات الفرعية" تماسكاً كلما إزدادت "الذات الشمولية" الحاكمة توهماً بأنها تمتلك آليات "الخلاص" بوصفها المالكة للحق والوصية على تطبيقه، لتبحث "الهوية الفرعية" عن تشاكل هوياتي لها خارج نطاق الحكومة المالكة لزمام السلطة، ولربما خارج الحدود الجغرافية للوطن.

إن خطاب الأنا او الذات "المُتضخمة" ينتج بالضرورة خطاباً مُغايراً، يجعل "الآخر" ضداً نوعياً يُهدد وجود الأنا، كما هو حاصل اليوم في في خطاب القوميويين والإسلاميين، و "المتفرنجين"، بعبارة الوردي.

الآخر بوصفه مكمل للذات:

هناك من يرى أن صورة الذات لا تكتمل إلا بوجود الضد "الآخر"، سلباً أو إيجاباً، ففي نفي الذات بترٌ لوجود الآخر وحضوره في الإقصاء أو في التفاعل، ففي الحضور نجد ريكور يؤكد أن لا إكتمال لوجود الذات من دون وجود الآخر، فـ "الذات عينها كآخر"، ومع ديكارت نجد أن وجود الذات كذات مُفكرة هو الوجود الحقيقي الذي نستطيع فهم وجود الوجود "الآخر" من خلالها، بينما نجد تشارلس ساندرس بيرس يرى أن هذا الشك الديكارتي الذي سُمَسض بأنه "شك منهجي" ليس سوى شك مُفتعل، لأن وجودنا الحقيقي يُدَرك عبر الموجودات وإدراكنا المخبري والتجريبي لها، فهناك كثير من الكائنات الحية مثل الحيونات" موجودة، تأكل وتتنفس، والشك بوجودها لا يُمكن أن يكون شكاً منهجياً، إنما هو شك مُصطنع لأنها كائنات لها وجودها الواقعي، لأنها تعيش فيما بيننا، وإدعاء الشك في وجودها في واقعنا بين ظهرامنينا إنما هو مُعاندة شكية لا منهجية، لأنها خارج مُقتضيات التجربة الحسية.

الإستشراق وخطاب المركزية:

في الإستشراق خطابات في تنمية الوعي المعرفي بتراثنا ما يفوق سعينا لمعرفة ذاتنا المُتشضية عبر مراحل التاريخ، ولكن في الإستشراق وجه آخر متضامن مع السعي الكولينالي للهيمنة على بلدان الشرق الأوسط والعلالم الإسلامي و "التمركز (الغربي) حول الذات" بعبارة عبدالله إيراهيم، بل وحتى " التمركز (العربي) حول الذات"، فبقيت الذات أسيرة مقولة "المطابقة والإختلاف" أيضاً بعبارة عبدالله إبراهيم، ففكر المطابقة يسعى إلى الإنغماس في التراث والغوص فيه والهيام في سحر مقولاته، وجماعة الإختلاف، يسعون للمُغايرة ونسف مقولات التراث وتوهمات أصحابه، وجماعة "المطابقة" مسخٌ لا هوية لهم.

قيل في المثل العربي "أن الناس أعداء ما جهلوا"، ولكنني أرى أن معرفة الآخر أحد أسباب رفضه، وجهل الآخر سبب أكبر للرفض، فمعرفة الآخر تعني الغوص أكثر في أنماط تحولاته المعرفية وجذور مُتبنياته الأيديولوجية التي ـ ربما ـ فيها إختلاف في التبني، فعند الآخرـ عادةـ ما يكون أساس التبني عنده قائم على الإستنباط والمعرفة البرهانية، فيما يكون نمط المعرفة عندنا قائم على الوجدان والمعرفة الباطنية، وربما يكون هذا الفارق المعرفي أحد أسباب الرفض لا القبول للآخر، لمعرفتنا بإختلافنا وإفتراقنا في الرؤية و المنهج، أما في جهلنا للآخر ففيه قصد واضح وإمعانٌ في الرفض، فليس من ثقافتنا قبول المُعارض وليس منا من كان مُخالفاُ لنا في الرأي والمُعتقد.

 

 

ali almirhig

يُعد ماجد الغراباوي أحد الكتاب العراقيين المهتمين بتجديد الفكر الديني. إنشغل بقراءة التراث منذ دراسته للعلوم الإسلامية وانتمائه الآيديولوجي والعقائدي في الدفاع عن التجديد بوصفه إتجاهاً دافع عن قيمة الإجتهاد بوصفه إنفتاحاً في الرؤية ويحمل بين طياته إيماناً بقدرة العقل الإنساني وفاعليته في مقابل النص لا سيما بعد توقف باب الاجتهاد في الفكر السني عند الفقهاء الأربع، الذي إعترض على توقفه جمال الدين الأفغاني في المذاهب الأربع بقولته الشهيرة:"من أوقف باب الإجتهاد، فنحن رجال وهم رجال"؟، يقصد بذلك الأفغاني الفقهاء الأربع "ابن حنبل وأبو حنيفة والشافعي والمالكي"، فهم رجال إجتهدوا، ولكل مجتهد نصيب، ونحن رجال يُمكن لنا أن نجتهد، ولنا نصيب في إجتهادنا، فنحن أيضاً بشر مثلهم منحنا الله عقولاً، لها مقدرة التفقه بعلوم اللغة والفقه والفلسفة، بما يسمح لنا بالإجتهاد، ومعرفة موجباته وشروطه مثلما فهمها الفقهاء الأربع في ضوء فهمهم لعلوم اللغة والفقه وأسباب النزول ومعرفة المُحكم والمتشابه من آي الذكر الحكيم. ولأن النص القرآني يُمكن أن يُصاب بأعراض كأي حقيقة من الحقائق - كما يقول مرتضى مطهري - وهو كالماء الذي ينبع من العين الصافية، بُيد أنه يتلوث بمجرد جريانه في الأنهار، بحيث يجب تطهيره وتعقيمه من الملوثات" . وتلك هي مهمة المجتهدين المجددين، مثلما هي مهمة الفلاسفة، لا سيما إبن رشد وهي تنقية فلسفة أرسطو مما علق بها من شوائب الشُراح.

لذلك كان دعوى الغرباوي مبنية على ضرورة تنمية الوعي وعدم تهيب الممنوع، "وإنما يتوغل في الشك حتى يفهم الواقع". متبنياً الدعوة لبتبني "الثقافة النقدية" وتجاوز الثقافة المنغلقة التي لا تُفضي إلّا لواقع سلبي يُغيّب الوعي ويُعتّم الرؤية.

تنمية الوعي النقدي عند الغرباوي يتم بطريقين:

1- تنمية وعي رسالي مُتجدد، يستطيع تحدي الممنوع، عبر إعادة تشكيل للوعي داخل فضاء معرفي، بمرجعيات تُجدد فهمها للنص الديني من خلال إدراكها للمستجدات الحياتية والواقع المُتغير بككل ديناميكيته وحيويته.

2- عدم التسليم بالفهم الساذج للخطاب الديني الذي يستغل عواطف الناس ويلعب على وتر الوجدان، لتغييب عقل الإنسان ووعيه.

يكمن تحقيق هذين الهدفين بقراءة التراث عند الغرباوي قراءة تاريخانية بعبارة عبد الله العروي وتجاوز "الفهم التراثي للتراث" بعبارة محمد عابد الجابري والقطيعة مع هذا الفهم للتراث، لا لرفضه، بل لإعادة الوصل به عبر فهم وظيفته اليديولوجية تاريخياً، كي نُعيد وصله بحاضرنا بما يُمكننا من توظيفه لتطوير مستقبلنا.

فالأمة تحتاج لخطاب ثقافي منفتح لا يتكور فيها الإنسان حول فهمه الترثي المؤطر بحمولة الماضي فقط بوصفه الخطاب الوحيد الناجع لحل مشكل "النهضة. لذلك ينبغي لنا الإنفتاح على كل الخطابات المغايرة، لأن خطاب الآخر المختلف، هو عين أخرى تُرينا عيوبنا التي ترفض أعيننا رؤياها، ومن عيوبنا توالد المقدس وتوليده المستمر في منظومتنا الدينية والاجتماعية الذي عطل هو الآخر كثير ممارساتنا الثقافية والنقدية التي يتوقف عليها تطورنا الحضاري والفكري وحتى الديني، ف "الذات عينها كآخر" بعبارة بول ريكور.

لذلك يحاول الغرباوي الخروج من التصنيف التقليدي للمفكرين العرب، المغتربين زمانياً والمنزوين في غرف "التراث" أو الماضي، أو المغتربين مكانياً، من "المتفرنجين" بعبارة علي الوردي المقلدين لثقافة الغرب، يسيرون معها تابعين، يحذون حذوها "حذو النعل بالنعل" بعبارة ابن سبعين في نقده لإبن رشد في إتباعه لأرسطو.

 

د. علي المرهج

أستاذ الفلسفة - جامعة المستنصرية / بغداد

.........................

يذكر ان لماجد الغرباوي 25 عملاً مطبوعاً، تأليفاً، وتحقيقاً، وحواراً، وترجمة، إضافة الى عدد كبير من الدراسات والبحوث والمقالات في مجلات وصحف ومواقع الكترونية مختلفة.

وقد صدر له:

- إشكاليات التجديد (3 طبعات)، 2000م،2001م و2017م.

- التسامح ومنابع اللاتسامح .. فرص التعايش بين الأديان والثقافات (طبعتان)، 2006م و2008م.

- تحديات العنف، 2009م.

- الضد النوعي للاستبداد .. استفهامات حول جدوى المشروع السياسي الديني، 2010م.

- الشيخ محمد حسين النائيني .. منظّر الحركة الدستورية (طبعتان)، 1999م و2012م.

- الحركات الإسلامية.. قراءة نقدية في تجليات الوعي، 2015م.

- جدلية السياسة والوعي.. قراءة في تداعيات السلطة والحكم في العراق، 2016م.

- الشيخ المفيد وعلوم الحديث، 1992م.

- ترجمة كتاب الدين والفكر في شراك الاستبداد، 2001م.

- تحقيق كتاب نهاية الدراية في علوم الحديث

كتب حوارات معه

- المرأة والقرآن .. حوار في إشكاليات التشريع / حاورته: د. ماجدة غضبان، 2015م.

- إخفاقات الوعي الديني.. حوار في تداعيات النكوص الحضاري / حاوره: سلام البهية السماوي، 2016م.

- رهانات السلطة في العراق .. حوار في أيديولوجيا التوظيف السياسي/ حاوره: طارق الكناني، 2017م.

- مدارات عقائدية ساخنة.. حوار في مُنحنيات الأسطرة واللامعقول الديني / حاوره: طارق الكناني، 2017م.

كتب صدرت عنه

- جدلية العنف والتسامح .. قراءة في المشروع الإصلاحي لماجد الغرباوي/ د. صالح الرزوق، 2016م.

 

 للاطلاع

http://www.almothaqaf.com/k/majedalgharbawi

 

ali almirhigليس بمقدور إنسان إدراك معنى الحرية إن لم تستطع ذات الإنسان الذي يروم الحرية من التحرر من نقد الذات وتهديم الرؤية التخيلية في قاموسها وتحطيم وجبروتها وسطوتها المصطنعيّن، الذيّن بنيا وهماً له وصورا له أن المجتمع محتاج إليه، وهو لا يحتاج الآخرين لأنه مُكتفٍ بذاته، مُستغنٍ عن وجودهم، أو لا يعني له وجود الآخرين شيئاً إلّا بالقدر الذي يجعله محوراً ومركزاً، وكل ما تبقى هوامش وأطراف تدور حول وجوده فهو "واجب الوجود" بعبارة الفارابي وإبن سينا لأن وجوده مُكتمل من دون الموجودات، وما ووجود الموجودات غير إعلان وإعتراف بهامشيتها وبأن وجودها لا يكتمل إلا بوجود الذات المتمركزة حول نفسها، ولا ينتهي خداع الإنسان "المركز" لذاته، إلا بالتفوق على ذاته "المتكورة" ومغادرتها إلى حرية في الزمان والمكان، وتهديم القناعة بمركزية الأنا، عبر الخروج من الإرتباط بالقديم وركود العادات نحو التفاعل التطوري الذي يؤمن بأن التقدم قائم على تجاوز أو نقد "الأصل" = "الماضي" وتخطيه إلى الحاضر، ونقد الحاضر للوصول للمستقبل الذي يُمكننا من التطلع والتخيل والتمني، و "النقد في الثقافة -بعبارة مدني صالح - كالإنشاء (بوصفه عمراناً) أمانة عجزت الأرض عن حملها وإعتذرت السماء وقام بأعبائها عظماء".

والعظماء هم الذين يجدون أن العمل يُصحح الفكر لا العكس، وأن الإختراع والإبتكار يتأتى من الفعل ورد الفعل لا من الفكر ورد الفكر، وأن تجاوز الشرور لا يتم إلا حينما نمر بالخيبة لندرك أسبابابها التي لا سبيل إلى تجنبها إلّا بتهيئة أسباب النجاح التي لا تكون إلّا بإصلاح اللوك الذي لا يكون إلّا بإصلاح العمل الذي لا يكون إلّا بإصلاح العلم الذي لا سبيل إلى صحته وصوابه إلّا بإمتحانه فعلاً بالفعل وعملاً بالتطبيق، لا بالتنظير وبرؤيا المنطق البرهاني "القياس" الذي لا نروم منه جديداً سوى إستغراق النتيجة في المقدمة الكبرى وفق المنطق الأرسطي، ليكون هذا "القياس" الأرسطي بحثاً سقراطياً لربط المعرفة بالفضيلة أو بالخير، لا بحثاً سفسطائياً عن النفس الإنسانية "اللوامة" والمترددة في الحكم على الوجود النسبي المرتبط بالمعرفة الإنسانية الأقرب للمفهوم السفسطائي الذي يرى أن "الإنسان مقياس الأشياء جميعاً، مقياس ما يوجد ومقياس لا وجود ما لا يوجد" بعبارة بروتوغوراس.

فالسفسطائيون "شعبيون ديمقراطيون إنسانيون يعتمدون على الإنسان غاية ويطرحون الثقة الكبرى في قدراته الحسية والعقلية والعاطفية ويأتمنونه (اليونانيون) على تدبير شؤونهم في التربية والعلم والأخلاق...إلخ.

ولذلك فإن تحرير الذات من سطوة الذات نفسها، يجعل الذات أقرب لتهديم إطلاقية الإمتلاك للحقيقة، وسنكون برؤيانا هذه أقرب للدين من تعارضنا معه، حينما نعترف بأن الإنسان لا يرى الحقائق كما يراها الله وسله و الأنبياء، لأن فيه من العيوب والنزوات ما يجعل نفسه لوامة تميل بفطرتها وبغريزتها وبطبيعة وجودها للخطأ إن لم نقل أنها تميا للخطيئة والمعصية، ولو كانت الذات الإنسانية تمتلك أدنى شعور بأنها خطائة وأنه ليست محوراً ومركزاً لصحيح الفكر وصدقه لما وصلنا لما نحن فيه اليوم من تصارع وتصادم. ف "العواطف لتصلح - إذا صلحت - بصلح النُصح والمواعظ والإرشاد ونظريات علم الأخلاق ول تفسد بفساد النصح والمواعظ والإرشاد ونظريات علم الأخلاق" والفرق بين دُعاة مثال الخير من الإفلاطونيين ودعاة العمل من السفسطائيين، كمثل من بدأ التربية والتعليم بالمقلوب و "قاد الثقافة من الذيل وركب الفلسفة بالمقلوب"، فمن رام البدأ بالتعليم و التربية طبقاً للرؤية السقراطية والإفلاطونية ببعديهما اللاهوتي، فاليعش في حياة "التعقل المطبق" ببعده البرهاني والمنطقي للوجود "الميتافيزيقي" الذي لا وجود له إلّا خارج منطق الأشياء ووجودها الطبيعي وخارج الأخيلة والشعر والأساطير ببعدها الأنسني الذي يُخرج الذات من يقينيتها دوغمائيتها المفرطة التي بثت وجودها المعرفي والأخلاقي الفلسفة الإفلاطونية ببعده الأرستقراطي، فكانت لها الغلبة والهيمنة في كل تاريخ الأمم الفلسفي والسياسي، فصار تاريخ السعوب تاريخ سلاطين وملوك، وغابت الجماهير أو غُيبت في طيات تاريخ الحكام و "وعاظ السلاطين"، ولم يكن للمجتمعات من تاريخ غير تواريخ سجلها "المنتصر" على جميع الهوامش؛ لكنه لم ينصر على ذاته التي سيرته وصيرته "الحُلم" و المرتجى لتحقيق الأمل: أمله هو ولا آمال للجماهير إن كانت معارضة لآماله.

 

مُستوحى من: مدني صالح: مقالات في الدرس الفلسفي.

 

 

jawadkadom gloomكثرت في الاونة الاخيرة دعوات وأقاويل غالبيتها غير متّزنة، فحواها ان مايجري بنا من انحدار حضاري وتخلّف بلغ مبلغا خطيرا من السوءات وخطل الرأي وضيق الافق حتى وصلت الى النزاعات التي تفاقمت وملأت الارضَ دماء وإعاقات وتهجير وحروب دائمة، هذه الدعوات تشير علانية بان الدين السائد بيننا هو السبب الرئيسي في تلك الحالات المؤسفة التي نعيشها، وما علينا لو أردنا الصلاح والسلام والتقدّم الاّ ان ننفض ايدينا منه وننزع تلك الجلابيب المتهرئة التي ألبسونا إياها مكرهين .

مثل هذا القصور الفكري اخذ يتسيّد الشارع العربي والاسلامي بقوة خاصة عند شريحة الشباب وهم الاكثر عددا والاقلّ عدّة من أدوات العقلانية والأشد ضررا بما يجري في وسطنا المليء بأسقام اجتماعية وسياسية واقتصادية وفقدان كل مقومات التحضّر والنماء والرقيّ التي تحفل بها المجتمعات الاخرى التي نهجت منهجا مغايرا وحسّنت من حالاتها العقائدية وشذّبت افكارها واقتلعت أدغال ومواقع الدمن وغصون القومية اليابسة والمباهاة العقائدية بسبب منابتها غير السليمة  حتى وان بدت زهورها جميلة الشكل والطلعة لكن سمومها قاتلة مدمرة .

لا ننكر ان هناك من الفئات المنتفعة والحركات السياسية ذات الطابع الديني قد عملت على تدوير الدين لصالح أجنداتها السياسية واستغلاله وفقا لرؤاها خاصة اننا نعرف مدى تغلغل وتأثير النزعة العقائدية ذات الأثر الفعّال في تغيير مسالك الانسان الفكرية، ومَن غير الدين له مفعول السحر والجاذبية في اللعب بعقول العامة !!

هنا لابد من عقلنة الدين وتخليصه من الكثير من المرويّات والأحكام المفروضة مما نسميهم السلف والطقوس الدخيلة والانقياد للنخب الدينية على عواهنهم ونبذ الأسانيد الهشّة ودبق الفكر الضار حتى لا يصار بيد مجموعة من ذوي الاجندات المؤثرة في الانسان المتدين التقليدي ويصبغونه بصبغتهم الخاصة، وأول سمات هذه العقلانية انها لاتكون مطاعة من هذا وذاك ولا تتسم بانها طيّعة تتشكل كيفما يشاء الذهن المتأسلم .

فالمتدين العقلاني من الصعب ان يكون إمّعة لهذا الطرف او ذاك  لايركض مع الغوغاء ولا ينغمس مع الدهماء مع انه لايعتبر نفسه صاحب الحقيقة وانه امتلكها كلها، بل هو احد طالبي الحقيقة والساعي نحوها وانه لا يسعى وحده لنيلها بل هناك اخرون مثله في سعي دائب نحوها وقد يجاريهم ويتفوقون عليه بحثا عنها وبذلك يفتقد حالة النرجسية الدينية ويعتبر غيره مثيلا له ولا يعاديه وربما يسايره اخذا وعطاء وتبادل معلومات لكن دون تسليم أعمى وانجرار غوغائي إنما تديّن قائم على التفكير النقدي يعمل على تجديد وفرمتة العقل وتحقيق الانسجام بين العقيدة والعقل المفكّر .

ومثل هذا الاعتقاد الديني المتزن لايسير ولا يتبع هوى الطقوس المفتعلة التي يضفي عليها رجال الدين المغرضون زيادات واهية من المراسم الدخيلة ظناً انها تعزّز وتقوي أسس العقيدة بينما هي في الحقيقة تسيء اليها وتكون عامل هدم وهوان وارتخاء على المدى القصير والبعيد معاً .

هنا لابد من حفظ السمات الحقيقية للعقائد ومعرفتها من منبعها ومصادرها الاولى بعيدا عن الملوّثات التي تلتصق بها أمدا بعد أمد وعدم الخضوع لها وغربلة الدين من الشوائب العالقة على ان يقوم بهذا الفعل عيّنة نزيهة من نخبة المتدينين العقلانيين الذين نرى فيهم الايمان الخالص من درن المنافع وسلالم الصعود الى الجاه السامي والرفعة الكاذبة والاكتناز بواسطة العقيدة فلا يهم هؤلاء الزمرة المنتفعة المسيئة ان تكون القناعات العقائدية ذات نقاء او شوهاء بقدر مايهمهم كم من الوجاهة والنفوذ والغنى والحصانة ستلتفّ عليهم وتعزز حياتهم الباذخة على حساب المخدوعين والجهّال والإمّعات والسطحيين التقليديين وعميان البصر والبصيرة .

والحق ان الايمان الان أخذ وجهين ظاهرين للعيان، وجها ابيض ناصعا ووجها مائلا للاسوداد مع بقع صغيرة بيضاء هنا وهناك وما على المتدين العاقل الا ان يختار الأنصع والأكثر إشراقا للاستئناس بجمالية الدين والشعور بالراحة والاطمئنان والسكينة وعدم الركون الى القشور العالقة فيه والسطحية التي عبثت به عقول التخلف سواء كانت عمدا أو عفوية .

فمن يشذب عقيدته ويمسك زمام العقلانية في تديّنه محال ان ينجرّ نحو التعصب الاعمى ويبقى عقله طريّا غير متحجّر كارها التسليم والانقياد انقياد المواشي ويتعامل تعاملا طرديا مع الزمكان الذي يعيشه فاتحا صدره لنسائم الغير منفتحا على عالم يعجّ بعقائد مختلفة اصولا وفروعا دون كراهية او مقت يصل الى حدّ إشهار العداوة والبغضاء على المخالف وان لم يكن يسايرهم في قناعاتهم الفكرية وانما يحترم دواخل النفس ويفهم الحاجات الروحية للاجناس البشرية عموماً .

يقينا ان كل من انجرف نحو التعصّب والنرجسية الدينية وهاجس التفوق واتخذ من التحجر منهجا ثابتا دون النظر الى الضفاف الاخرى يتصورون واهمين انهم اصحاب الحقيقة والمرضيّ عنهم أرضا وسماء وكل ماعداهم في ضلال مبين وهذه المنزلقات ليست عقلانية دينية بقدر ما هي انجرار وتبعية ومسايرة الهوى وانصياع لهذا التيار او ذلك الدعيّ دون ضبط النفس بلا مراجعة العقل والوقوف على الحقائق المحضة الخالية من الشوائب والاستناد على الادلّة او غربلة ما لصق بها مما ليس منها، لأن التديّن العقلاني يرافقه دوما تفكير نقدي ومراجعة صارمة لما قد يشوبه من عوالق ضارة وأخطاء قد تودي به الى ان يكون منجرّاً وساذجا وتابعاً ذليلاً طيّعاً فيفقد عقلانيته ويمارس أخطاءً لم تكن فيه قبلا وربما ينحو نحو الطائفية والنرجسية والتعصب وتتفاقم فيه العيوب والاستسلام للقناعات حسناتِها وسيئاتِها وتزيد مؤشرات التدهور فتضيع بوصلته واتزانه ويبدأ بالتحجر طالما لا يسقى بمعين النقد والمراجعة ولهذا نؤكد على ضرورة الممارسة النقدية والمراجعة السليمة كلما تطلب الامر ذلك .

والشيء المحبب عندي في توصيف المتدين العقلاني انه يخرج وينفلت من سيادة الغير الى سيادة الذات وهذه الذات دائما ماتكون متّزنة راقية مشذبة، ففي مراحل التدين وبداياته تبرز التقليدية والتبعيّة واضحة للعيان ويؤدي طقوسه بعفوية الدهماء دون ان يعرف الحكمة والجدوى من ممارستها ويظل بهذا الشكل من الانجرار حتى ينضج المؤمن عقلا وقلبا معا وشيئا فشيئا بعد رسوخ عقيدته العاقلة، ونتيقّن انه لا ينهار امام النزوات العابرة معتمدا على عنصر ضبط النفس والسيطرة على الميول والرغبات التي تعصف بالانسان بين حين وآخر فتتطهر روحه من نزعات المحاباة والمعاداة ويقترب كثيرا من الصفاء والنقاء بما يشابه التوجه الصوفي في حالة الخلوص والسمو الروحي والتطهير من كل شوائب الدين الشائعة في عالمنا المكفهرّ بالعداوات والمنازعات التي قد تصل الى حالة القهر والاضطهاد والحيف والثأرية وتمتد الى ما لايحمد عقباه في انتشار المظاهر الدموية والمجازر والفناء التام لبعض المجموعات البشرية التي تحسب على انها منحرفة وشاذة ومن الفئات الضالة المضلّة احيانا فتكون ضحية أسافل عورٍ لاتبصر الاّ جهة واحدة وتلقى ما تلقى من العنت والمهانة والتنكيل قتلا واضطهادا وتهجيرا ونزوحاً وتشرذما لمجرد اختلافها في الرؤى ووجهات النظر .

وتبقى نقطة اخيرة جديرة بالذكر هنا مما يتصف به المتدين العقلاني وقد تكون من ابرز الصفات التي تلقى احتراما وتقديرا كبيرين وهي النزوع الانساني العميم عابرا الحواجز القومية والعرقية والتمييز بين الناس على اساس اللون والجنس او العنصر والمضائق الوطنية والمذهبية وكل ما يشير الى الفئوية فمن تمسك بعقلانيته يعشق كل البشر العائش في هذا العالم وكل انسان جدير بالرعاية والمحبة والمساعدة لو اقتضى الامر دون الالتفات الى قناعاته العقائدية .

كما ان من يتجه الى هذا المنحى يعلّق قلبه بالله وحده دون الاهتمام بمن يدّعي تمثيل الله من البشر موتى كانوا ام احياءً ويتحاشى الوقوع في برائن الوثنية واتخاذ الائمة وما يسميهم المعصومين سلالم يرتقي بها الى التقرّب من الخالق او التبرّك بالاضرحة والمزارات الدينية او الهيام بالحجابات والادعية المزيّفة وخرق الاقمشة السوداء والخضراء والرايات وتعليقها في الاماكن العالية تبرّكا فهذه الشعائر الدخيلة المشوهة والخاطئة مبعث نفور تهدف فيما تهدف الى جعل العقائد تنحصر في الصنمية وتميل الى التوثين وخلق واسطة مفتعلة لاتنفع الاّ مبتكريها المنتفعين ممن استغل سذاجة الناس للاثراء ومدّ النفوذ وفرض موبقاته وتلويث العقيدة باللاعقلانية كمن يضع دغلا ضارا ومنابت سامة في روضة غنّاء بحيث يفقدها نضارتها .

وهنا على المؤمن العقلاني ان يزيل من رحابة ايمانه كل الالهة المزيفة والعقيمة ويشذب جنان معتقده مما علق بها من وعث غبار طارئ وايّ نبت هجين يزاحم أطايب وثمار العقيدة السليمة .

ليس عيبا ان نلوّن الدين بأزاهير المعاصرة وتشكيله في نمط جديد حداثوي طالما رسخ كحاجة ضرورية في النفس الانسانية، وما المانع من نزع قشور علقت به وتنظيف سطحه جليا لأظهار لبّه وعمقه النظيف غير الملوث والتمرد على التقليدية وحالة العمى والانصياع غير المدروس وإحداث نقلة نوعية لإعمال العقل وتدوير ماكنة العقلانية كي يلاحق سمات المعاصرة ويألف الأنماط الجديدة ويرفض التسليم الأعمى للنصوص والأحكام ما سلف منها وما خلف مما صنعه رجال الدين الأسلاف والاخلاف جيلا بعد جيل من اجل إشباع اهوائهم وتغطية منافعهم من الكسب السريع عن طريق المتاجرة بالدين ويا لها من متاجرة لاتحتاج رأسمالاً سوى حذلقة اللسان والخطابة المؤثرة العالية الصوت والترغيب والترهيب والإضافات الناعمة لأستجلاب الغوغاء والرعاع مما سبّب في الآخر ازدياد العوالق والشوائب ونفور الناس من العقائد كلها ظنا منهم انها سبب رئيس للتخلف والتراجع مقارنةً بالامم والشعوب المتحضرة .

لذا يتحتم علينا عاجلاً لا آجلاً تحديث الدين ونقله من التقليد الى العقلنة ومن المعاداة الى المحاباة ومن التقادم الى العصرنة ترويضا ونقلا من التحجّر سعياً سريعاً الى ترطيبه بمعين الحداثة وإضائته بمصابيح التنوير، ومن المعيب ان نبقى نحشو أدمغتنا كلساً يابساً وننتظر جنّة عرضها السماوات والارض وهنا في معمورتنا تُزرع جنات وارفة تهب لك ما طاب من الفاكهة والثمار وما تشتهي النفوس، ونبقى نعلق خيالنا ببراق الاسراء والمعراج وغيرنا يعتلي معراج " البوينغ " وتطير به في الفضاء وتنقله أينما يريد وحيثما يحلّ ويمكث، وأشياء كثيرة لاتعدّ ولا تحصى، كما تخلفنا الذي لايحصى في كمِّ سوءاته وأوهامه الخادعة .

 

جواد غلوم

 

 

mustafa alomariتتوثق الاحداث الأولية بهيئة صور في عقل الافراد، فتترسخ في الذهن كإستنساخ ملون، تعي الايام والمآسي عن محي تلك الصور، والحال يكون باهضاً عندما تكون هناك أي محاولة لإستبدال المعلومات الايمانية والعقدية، التي نشأت كعضو أساس مع الاشخاص، وإذا كان الاستبدال في الإعتقادات محالاً، فالتغيير او التشذيب يكون عسيراً ووعراً . وفي مثل هذا الحال يتلون المجتمع بلون واحد أريد له ولم يسعى هو في إختياره، فتتشكل المأساة الاولية او العقبة الكبرى في حياة الافراد، وهي المنع الحاد والجاد من التفكير بتغير نوع وسلوكية ذلك المجتمع، ومع غياب ثقافة التجديد والمراجعة والنقد والتعزيز من قدرة وإمكانية النمو في النفس اللوامة، يتيه الفرد في قيوده البدائية وتطيح به تلك القيود، فتجعله متهالكاً للدفاع عنها رغم عدم إكتمال دورة المعرفة الحقيقية بها. 

موت الشعوب واستنزاف قدراتها الفكرية والعلمية والمعرفية، هو بإلزامها بالتقليد والتقيد بنمط واحد من التفكير، ومع هذا التضييق او الإكراه، يكون قد مورس الإجحاف والإضطهاد والإساءة بحق العضو المهم في الانسان وهو العقل النقدي . وبغياب ثقافة النقد والبحث عن أنماط جديدة، يتحول المجتمع الى مُقلد بالفطرة فيكون مطاوعاً ومنقاداً ولا يشكل أي عناء لواضعي نظرية الجهل المقدس . التقليد موت فعلي لعقل الانسان، وإندثار للمواهب الفردية، مع عجز متكامل في إمكانية إختراق علمي او فكري للمجتمعات المقلدة .

الابداع والحذاقة التي يمتاز بها العلماء والمخترعين والفلاسفة الكبار، لم تأتي إلا بعدما حرروا عقولهم من سلطة التقليد الى نهضة التجديد، والتحري عن عوامل وأسباب مختلفة للتقدم . التطور العلمي الذي تحتفل به المجتمعات، أتى بجهود فردية لأشخاص ربما لم يكونوا من عوائل أرستقراطية او برجوازية وبعضهم أتى من عوائل كادحة، تمتهن الزراعة كسبيل للحياة. غالباً ما يأتي الابداع فردياً، بعيداً عن صخب الجماهير او صيحات الجهلاء.

الفردانية او الاستقلالية بالذات هما الطريق الاولي لسبر حياة جديدة او إختراع جديد. الخروج عن التقليد هو إتاحة المجال للعقل لكي يفكر بدون إملاءات أولية . الفردانية هي التي قادت رهطاً غير قليل من كبار هذا العالم، ليقدموا أختراعاً هنا ونظرية هناك . فتوماس اديسون، هنري فورد، ألبرت إنشتاين، دارون، جراهام بل، امانويل كانت، كارل ماركس، فريدرك نيتشة، ابن رشد، علي الوردي، كل هؤلاء خرجوا من مأزق التقليد المستنسخ والذي يكرر نفسه ويعيدها بشكل مزري، خرجوا الى فضاء فيه ممارسة العقل، فحولوا أثر وفعل الفلسفة الى فلسفة فعل .

لم يستسلم هذا الرهط للقيود التي أملتها عليهم البيئة والمجتمع، ولم يتواكلوا على غيرهم في إيجاد حل للظواهر غير المرضية التي تعصف بمجتمعهم. فإنبجست خلايا الابداع، لتبني صروحاً من التمرد النافع لكل ماهو داب على هذه الارض.

أي محاولة تقليد سيكون مصيرها الفشل، وأي محاولة إبداع وتجديد وان كتب لها الفشل في مراحلها الاولى سيكون مصيرها النجاح. فتوماس اديسون يملك أكثر من ألف براءة إختراع، بينما لم يملك أصحاب العقل المقلد محاولة لتجربة واحدة !

أغلب المجتمع العربي مقلد بالفطرة، ينشأ الفرد ليجد أنه محاط بثكنة من المحاذير والقيود، التي لا يمكن تجاوزها، بل أن هذه القيود ترغمك على إتباع طريق واحد ولا تسمح لك بتخطي حواجزه، او السؤال حول فلسفة ذلك المنهج .

فالفقه الاسلامي مثلاً يرغم أتباعه على التقليد، بحيث تبدأ كتب الفقه بفتوى مفادها : لا يجوز عمل الافراد إلا بالتقليد . المناهج السنية أبتليت بتقليد عمل الصحابة فهي منكبة في البحث عن حركة او فعل او تقرير القدماء من الصحابة، ولم تتوانى هذه المدرسة ان قدمت منجزاً إفتراضياً، لما كان يعمله أحد الصحابة قبل أكثر من ألف وأربعمائة سنة، فاستنسخته بنسخ غير متشابهة وبثته بين العوام، وقيدت به الناس على انه الحقيقة التي يجب ان تتبع .

المناهج الشيعية، تشبه من أوجه عدة مناهج السنة، لكنها طورت بهيكليتها العامة، فبالوقت الذي كان الشيعة يتبعون أخبار أئمة أهل البيت، لترشدهم الى الافعال الصحيحة، أسس الشيخ المفيد مدرسة الامامية الجعفرية، ليتسلم زمامها بعد حين الشيخ الطوسي، الذي حاول التطوير في بعض مناهجها العامة، وقيل بقي الشيعة يقلدون الطوسي بعد وفاته مائة عام .

لازال أتباع المدرستين يقلدون، تقليداً أكمه، لا يمكن لهم الانسلاخ منه، لأنهم محاطون بشكل عنيف من الروايات والاحاديث التعسفية التي تصور لهم ان رفض التقليد هو خروج على خط الله. ولا أعلم هل الله أراد للناس ان يكونوا بهائم تقليدية، ام هو الذي يحثهم على التفكير والتبصر والاستدراك؟

كان المنهج العام عند المعتزلة .. العقل أعدل الاشياء بين الناس. أما الان فأضحى العقل مكبل بسلطة الفقيه.

لنتأمل أوضح بالمشهد الذي تيسر عليه مجتمعاتنا . فأسأل التالي: إذا منعت من دخول حديقة، هل يمكنك ان تصف الاشجار والورود والانهار والتفاصيل الاخرى في تلك الحديقة؟

هذه الصورة تأخذ جوابين، الاول اذا كنت أنت من دخل الحديقة وراى وفتش وبحث ودوّن، فستكون مبدعاً فيما سترويه او تكتبه .

الجواب الثاني، إذا كنت خارج الحديقة لكنك إكتفيت برواية شخص واحد، قص لك حول ما رأه، ثم إكتفيت بهذا القدر من المعرفة فأنت مقلد لشخص رأى جزءاً يسيراً من الحقيقة .

منع الناس من التفكير وتكبيل عقولهم، يخلق مجتمعاً متواكلاً وبليداً، غير قادر على الاعتماد على الذات، فيتحول هذا البليد الى خانع وذليل، تقوده الجهلاء وتسيره إشارات المعتوهين. بينما المغامرة والاستكشاف والبحث والتغيير أجهزة ربانية تحاول خلق فسحة من حياة مغايرة.

الإبداع فردي ذاتي بينما التقليد محاولة لقتل الذات والابداع ..

 

مصطفى العمري

 

ali almirhig"كل حزب بما لديهم فرحون"، فللدين أحزاب وللعلم أحزاب وللفلسفة في بعض صراعاتها مع الدين أو العلم نزوع نحو التحزب. والآيديولوجيا هي العامل المشترك والمحرك لعوامل الصراع بين الجميع، فللدين بكل تمظهراته نزوع نحو الآيديولوجيا، وللعلم آيديولجيته الخاصة، ولم تستطع الفلسفة على الرغم من نزوعها الأنسني والعقلاني الخلاص من هيمنة الآيديولوجيا وسطوتها.

الآيديولوجيا هي الحصان الرابح في خضم الصراع بين العلم والدين، وبين الفلسفة والدين، أو بين العلم والفلسفة وحتى بين العلم وتحولاته.
فالنفس الإنسانية تهوى التدين كما يؤكد علماء الاجتماع، فإن لم تجد لها ديناً في السماء أوجدته في الأرض، وكما يبدو لنا اليوم ومن قبل أن النزوع الديني لدى الإنسان سجية وفطرة، ولا مشكل في ذلك، ولكن المشكل الحقيقي ليس في الدين أو التدين حينما يكون حاجة مُلحة ومصيرية تستشعرأهميته بعض الشعوب أو كثير وتعتقد بأنه حاجة اجتماعية وحياتية مُلحة تُلبي بعض مُتطلبات النفس البشرية الطامحة للإستمرار والخلود في الدنيا أو في الآخرة. وهذا التصور للدين لا يُشكل عائقاً بحد ذاته، لأن في دنيا الواقع كثير من الخفايا والخبايا في الطبيعة المادية والبشرية مما هو خارج عن قدرة العقل الإنساني في التعليل والتفسير والتأويل، ولا يوجد لدى منكر ومُنتقد مبررٌ عقلاني كاف للتهجم على من يعتقد بوجود ممكنات أخرى مفارقة للطبيعة ومن الصعب إدراكها لأنها تقع خارج حدود العقل وقدرته الطبيعية. ولهذا الحد ينبغي لكل معارض لمتبني الدين والتدين القبول بمغايرة وإختلاف دعاة الفكر الديني لأن في تصوراتهم هذه تبرير ل "اللامعقول" الموازي في الوجود (إن لم تكن الغلبة له) للمعقول في الطبيعة المادية والبشرية.
لكن اللامبرر واللامقبول عند دعاة التفكير الديني هو إعتقادهم الجازم بأن العلم كله، طبيعي "فيزيقي" و ما وارئي "ميتافيزيقي" هو من ممكنات التفسير الديني، وأن في الدين إجابة نهائية وتفسير يقيني لكل خلجات النفس الإنسانية وإضطراباتها العقلية والنفسية والعلمية.

والأدهى من ذلك هو حينما يجعل دُعاة النص الديني "المُقدس" من رؤاهم دستوراً للحياة، علمية كانت أم سياسية أو أخلاقية، متناسين أن المَهمة الرئيسة للدين هي مَهمة أخلاقية طِبقاً لقول النبي الأكرم "إنما جئت لأُتممَ مكارم الأخلاق". ولذا فإني أرى أن المشكل الأساسي ليس في تدين الناس ولا حتى في التعبير الطقوسي المُفرِط لإظهار أو الظهور بالتقمص الجسدي طقوسياً تارة، أو بالتعبير الخطابي تارة ثانية أو في كلاهما معاً تارة أخرى. على ما في طرق التعبير هذه من تقزيم للآخر (الموطن) المغاير لنا في الدين والملة والمُعتقد، وإن كان يعتقد المُتبنون لهذه الرؤى أن أشكال التعبير الطقوسي والشعائري للمعُتقد الديني إنما هي شكل من أشكال التعبير عن حرية الرأي والفكر، وعلى الرغم مما في طرق التعبير هذه عن الولاء من إقصاء وتهميش، إلا أنني أجد أن هذا ليس المشكل الوحيد، بل المشكل الأساس كما أعتقد كامن ويكمن خلف طُرق التعبير هذه والمسكوت عنه فيها، وهو الإعلان ضمناً وربما صراحة عن أن طرق التعبير الولائي هذه عن الإنتماء لهذا المقدس، إنما هي رسالة صريحة أو ضمنية لكل مُغاير أو مُعارض أو مُعترض على الكيفية التي تتم بها عملية التعبير الطقوسي على أنه خارج عن الملة، وما إعتراضه على قاعدة (سوء الظن) في هذا المُغاير حتى وإن أظهر بعض تقبل، ولا يُشكل مُعتقد بأفضل حالات التسامح والقبول به كشريك سوى النظر لإعتقاداته على أنها سوء تقدير منه وتفريط بالحق الذي "لا مجمجة فيه"، وأن كل مختلف أو مُخالف إن لم يكن في خانة المُلحدين، فإنه حتماً سيكون في خانة المُعاندين. وهنا أصل المشكل الحقيقي، فليس المشكل في تدين الناس وقناعاتها المذهبية والأثنية، بل المشكل في تصور (جماعات الضغط) هذه أن متبنياتهم هي "السراط المستقيم"، وحين ذاك سيتحول الدين من حاجة إنسانية طبيعية إلى آيديولوجيا ضاغطة، تُقسر الجماعات المغايرة والمختلفة "الشريك الوطني" على التماهي مع رؤية (جماعات الضغط)هذه.
وفي حال رفضهم وممانعتهم يُضعون في دائرة الإتهام والتخوين، فيضطر أغلب هؤلاء، إما لمغدرة (الوطن الأم)، أو الإستعانة بالأجنبي المشابه آيديولوجياً أو عقائدياً أو عرقياً لحلحلة الخلاف، وإن لم يستطع حلحلة الأمر فالحل سيكون بالسعي لإستجداء دعمه ومُساندتهم في خيارات المواجهة سواء باللجوء للعنف والصراع المسلح.، أو المُصالحة المشروطة.

أما في العلم، فلا شك أن جل الناس يتمشدقون ويدعون تمسكاً باللجوء للعلم، ولكن العلم ليس واحداً، فكل ما لا نجد له في الدين جواباً وافياً حول مصير الإنسانية بعد الموت، سعينا جاهدين مُجهدين للبحث عن إجابة عنه في النظريات العلمية، ولكننا لم نستطع إيجاد جواب لسؤالنا الأزلي عن أصل الوجود، وبقيّ الإنسان "حائراً بين العلم والخرافة"، وإن كان كثير من العلماء والفلاسفة قد وثقوا بالعقل الإنساني وقدرته على الإحابة عن جميع ما يعترضنا في دنيا الواقع، إلا أن جل هؤلاء قد وقعوا أسارى آيديولوجيا العلم نفسه، ولم يستطيعوا إيجاد جواب عن سؤال سبب الوجود أو معناه، فأجاب الوضعيون المناطقة بجواب اللاجواب عن سؤال الأصل (الوجود) وسببه.


فقد كان الجواب: أن كل كلام في هذا الموضوع هو "كلام لا معنى له ومحض هُراء"، ولكن هذا السؤال باق والوضعيون المناطقة مضوا.
وبقيّ المشكل لا في العلم ولا في قابليته على التجدد والتجديد، ولكن المشكل الحقيقي في العلم الفيزيقي حينما يكون أداة بيد الدول الأقوى لتهديد الدول الفقيرة والتلويح ب "الفيتو" لكل قرار يخدم الدول المغلوبة، فمن حق إسرائيل المُتصهينة إمتلاك النووي وإغتصاب أراضي الفلسطينيين المغلوبين على أمرهم وإنشائهم المستوطنات على أرض فلسطين المُغتصبة، وكل العالم الغربي المُتقدم علمياً وسياسياً ساكت وصامت. ولا حق لدول الممانعة والرفض للسياسة الشايلوكية الروبسن كروزية الإعتراض والرفض أو في السعي لإمتلاكها السلاح النووي أو الذري. هنا يكون العلم علمان علم يخدمك وعلم تخدمه، والسياسة الشايلوكية تُريد لك علماً تخدمه لا علماً يخدمك.

ولم تتخلص الفلسفة على الرغم من تبنينا لها والدفاع عن مُتبنياتها العقلانية والأنسانية، من هيمنة الآيديولوجيا وقناعة أغلب فلاسفتها بأنهم أدركوا اليقين المعرفي ووصلوا للحقيقة. إلا أن اجل الفلسفات لم تستطع الخلاص من سطوة هذه الآيديولوجيا، فهناك فلسفة تأملية مُغرقة في المثالية يدعي أصحابها أن هذا العالم الذي نعيش فيه ما هو إلا عالم زائف وخلاصنا يكمن في مُفارقتنا له، إنهم يعيش في "أبراج عاجية" ينظرون للحقائق وفقاً لرغاباتهم وأهوائهم في تكوين مجتمع مثالي لا كون له في دنيا الواقع وليس بإستطاعته التواصل مع حركيته وديناميكيته.
ولم تكن الفلسفة المادية ببعيدة عن آثار الآيديولوجيا وسطوتها بعد إقصائها لكل عوامل التغيير الاجتماعي وإصرارها على تفسير مُتغيراته طِبقاً للعامل الاقتصادي (المادي)، ومحاولة تفسير المتغيرات الاجتماعية والحتمية التاريخية لمُقتضيات التغيير على أساس غلبة "البروليتاريا" للرأسماليين، وسيطرتهاعلى وسائل الإنتاج للوصول للمُبتغى في التعايش الشيوعي خارج الهيمنة للطبقة البرجوازية ورأسها الرأسمالي.

المستخلص من كل قولنا فيما سبق ليس المشكل في الدين ولا في العلم أو في الفلسفة، بل فيما نبغي نحن الحالمين (المثقفين) كما ندعي فيما يجب أن يوجد ويتواجد ويفعل فعله في التأثير التكاملي بين قوائم المثلث، الدين والعلم و الفلسفة، حينما نُلغي التداخل بين فروعهما المعرفية، وحينما نُخّلص كل فرع منهما من هيمنة الآيديولوجيا وسطوتها.

 

د. علي المرهج

 

jawadkadom gloomلعل من اكثر القضايا تعقيدا في الفكر الاسلامي والتي أبقت لدينا مزيدا من التخلّف وبطء اللحاق الى ميادين التحضر والرقي هي مسألة الاستعباد لفعالية العقل ووليده الفكر والخنوع لما هو منقول من الإرث وبالأخص الديني منه وعدم الجرأة على مخالفته او على الاقل تعديله او تصحيح مساره كي يوائم العصر الذي نعيش فيه وهو مانسميه الإذعان للنقل دون اشراك العقل في ترتيب او تنميق فكرة ما بمسحة عقلية ناضجة .

فلا زال الكثير ممن يتظللون بالدين يؤمن بانه لا يوجد شيء فوق النصّ وللنص قدسيته مما يؤدي الى مصادرة العقل وتعطيله فلا اجتهاد ولا رأي مع وجود النص حتى وصل الامر الى الغاء العقل تماما مادام النصّ المقدس حاضرا عيانا وكأنّ النص ليس وليد العقل الذي أنجبه ، فالعقل يسبق النقل في منظور المنطق وكل بحث يقوم على النقل سيؤدي بنا الى نتائج غير مانراها لو بحثنا ونحن نستعين بالعقل .

هنا لابد من التذكير لحالات حدثت في عصر صدر الاسلام على اختراق النقل وعدم الإذعان اليه في خطوات قام بها العقل المسلم حينما شعر بان لافائدة من تتبّع اثر النقل والانقياد له نتيجة تغيير الاوضاع الاجتماعية والسياسية واختلاف الزمن من مرحلة الى اخرى حينما قام عمر بن الخطاب برفع حصة المؤتلفة قلوبهم من صدقات الزكاة المقررة على اغنياء المسلمين التي ترد الى بيت المال مع انها واردة في القران الكريم نصّا منقولا لاشائبة على تفسيره ولم يعبأ بكل الاحتجاجات والمعارضات التي وجهت له .

وكذا الامر بالنسبة لزواج المتعة المؤقت الذي مُنع هو الاخر بأمر ابن الخطاب وكأني به يردد في نفسه الاية الكريمة " والذين اذا ذكروا بآيات ربهم لم يخرّوا عليها صُمّا وعميانا "  فليست كل مواقف العقل معطلة في الاسلام كما يدّعي البعض انما هناك حالات تمكّن فيها الفكر الاسلامي المستند على العقل بالوقوف ضد النص النقلي تمرّدا واختلافا وان ورد ذكره في القران الكريم وأقوال السنة النبوية .

هناك العديد من المدارس العقلانية ظهرت عندنا منذ القرن الاول والثاني الهجري قبل العقلانية الديكارتية القائمة على الشكّ بقرون طويلة (القرن السابع عشر الميلادي) إذ جعلت العقل في المرتبة الاولى في ترتيب حياة الانسان المسلم بدءا بالمعتزلة واعلانهم بالفكر العقلاني قبل السمع وحتمية ان يؤمن المسلم ويعرف الله بالعقل حتى انهم رفضوا العديد من الاحاديث النبوية التي لا تتوافق مع قناعات العقل، واعلنوا حربهم الشعواء على المرويّات والخرافات والشعوذات التي دخلت الدين خلسة من ثنايا النقل غير الدقيق لكن المدّ السلفي النقلي كان اقوى منهم علما ان قوته ليست بالحجّة والبرهان وانما بقوة السلطة الغاشمة ورعاعها الجهلاء الذين لايرعوون من استخدام البطش في اقسى حالاته مما جعل العقلانيين  ينحسرون شيئا فشيئا وكيف لأنسان مفكر واعٍ ان يتقبّل اتهامات ودعاوى الكفر والخروج من الدين اذا رأى خبرا او حالة ما في الكتاب او السنة النبوية لم ترُق لعقله ويأبى الانصياع لها باعتبار ان الدين – وفق دعواهم الزائفة -- قائمٌ على مخالفة ماتريده النفس وما تهواه وتخالف ايضا رأيَه ومعقولَه وقناعات تفكيره .

ولنعترف بصدق ودون مواربة أو ميل عن الصواب ان ثقافة النقل في موروثنا الاسلامي تفوق كثيرا طروحات العقل خاصة فيما يتعلق بمسائل الاجتهاد والرأي والتخريجات العقلية الفقهية الاخرى فلا مقابلة ولا توازن بين العقل والنقل ومازالت السهام مصوبة نحونا – نحن المسلمين -- حيث يتهموننا بان الاسلام لايحترم العقل بالقدر الكافي الذي يولي للنقل كل التبجيل والإذعان ويأنف المسلم من التفكير طالما ان النص النقلي والخطاب الجاهز موجودا وعلينا الخضوع له بلا ادنى تمحيص او غربلة او رؤية جديدة توافق عصرنا وحداثتنا ، وان علينا ان نقتنع بالمسلّمات والثوابت التي اتى بها الخطاب الديني ، ويوردون ذرائع شتى لهذا الانقياد الاعمى منها ماقيل ان "العقل الصريح لايعارض النقل الصحيح" وما يدعى بان بان النقل موحى من الله عن طريق الانبياء والرسل نقلتها الملائكة من السماء لترتيب وترسيخ عقائد الله في الارض .

وهذه الغفوة عن العقل والانقياد الاعمى للنقل جاءت بسبب صفة القداسة التي ألبسوها على ماجاء في نصوص القران الكريم والسنة النبوية مع ان الكثير من الآيات واقوال النبي قد قيلت لمناسبة ما وليس من الضروري ان تكون منهاجا دائما مخترقةً الزمان والمكان ويلزم الاخذ بها وهل كان لزاما علينا ان نتمسك بصدى حروف عبرت قرونا وآلافا من السنين كي تهجع في ادمغتنا وتُلزمنا ان نتّبعها على عواهنها بذريعة ان الاسلام صالح في كل زمان ومكان .

هنا لابد من نزع جلباب القداسة عن الخطاب الديني واعتباره وتقييمه إرثا تاريخيا قد أدّى دوره ردحا من الزمن ونضبت فعاليته مثل بطارية استنفدت طاقتها ولم يعد لها تلك الحيوية وعلينا البحث عن طاقة بديلة اكثر فعالية وهي طاقة العقل التي لاتنفد بل تتقدم وتبدع وتبتكر كلما تغذى بالتنوير والرقيّ من اجل ترتيب حياتنا العقائدية بالشكل السليم كي تتوافق مع الحداثة والعصرنة الجديدة ومن العيب اننا لازلنا ندفع ثمن التصنيفات الفجة السقيمة التي عشعشت في عقول الجاهلين والمغرضين والتافهين باعتبار هذا الموما اليه ناصبي او رافضي ومرتد وكافر ومؤمن وزنديق و...و ... ولا ننسى ان القران نفسه حوى الكثير من الايات التي أكد الكثير من الفقهاء على عدم الاخذ بها وفق نظرية الناسخ والمنسوخ  فما قيل في زمكان معين ليس بالضرورة ان يسترشد بها في زمكان اخر وهذا التوجه ليس خروجا من الدين ابدا بل تشذيبا له مما وردتنا من المرويات المشكوك بها والعنعنات / عن فلان وعن فلان ..وضرورة فصل ما اختلط في تراثنا بين النص الديني الموثق المرضيّ عنه والنصّ الفقهي القابل للتشكيك والضعف او حتى طرحه جانبا واعتباره من خزعبلات الفكر الديني وشوائبه التي لابد من رميها في المهملات مع اننا نأبى فكرة هذا الخروج الفجّ من الدين لمجرد الاستخفاف بنص ديني وازدري من يستهزئ بالموروثات العقائدية جزافا بل عليه ان يحكم عقله ويعرف سبب النزول ومقام الكلام لما قيل ؛ فليس كل ماوردَنا يتصف بالضعف ففي إرثنا العقائدي مايغني حاضرنا ومستقبلنا من روائع الكلم وجوامع الحِكَـم .

ومادام العقل الراجح هو وسيلة بحث وإدراك وتحليل واستنتاج سليم وقبطان ماهر يتقن قيادة السفينة ويمسك الدفّة بمهارة ومران فانه حتما سيوصلنا الى مرفأ الهناء والاستقرار لو سعت الامة ومخلصوها من رجال السياسة والدين القويم لا السقيم الى الاهتمام بالعقول النيّرة بكل مجالات اختصاصها من اجل بناء فوقي ثقافي يرتدي الحداثة ملبسا ، متوّجا بالعقل الناصح ونازعا كل أدران الجهالة والخرق البالية البائدة وتحريره من القيود العقلية السلفية الضارة وبهذا نكون قد وضعنا النقاط على الحروف من اجل ان يسبق العقلُ النقلَ وان نضع التفكيرَ قبل التكفير كي نؤسس عقلانية عربية حداثوية جريئة وقوية وشجاعة تتسلح بالحجج والبراهين مثلما تتسلح باليد والساعد المكين والعقل الرصين معا في مواجهة من يتصدّى لها من الجهّال والمنتفعين من تراكم التخلف ولو كثرت أعدادهم وعدّتهم والاّ سنبقى هزيلين في اضعف حالاتنا انتظارا لموت محقق ونكون لاحقين بالعرب البائدة حالنا حال عاد وثمود ونهلك هلاكا تاما بالطاغية .

 

جواد غلوم

 

raed jabarkhadomفلنتفق منذ البداية على تعريف المثقف، لنحدد كيفية توجه بوصلتنا في رسم مسار هذا المقال، لما هناك من عمومية وشمولية وتنوع في تعريف المثقف، في الكثير من الموسوعات والقواميس والمعاجم المختلفة، بأختلاف توجهاتها وفلسفاتها ومذاهبها الفكرية والثقافية والمعرفية والأيديولوجية. المثقف هو ذلك الشخص المتنور الواعي الذي لديه من العلم والمعرفة والفكر والثقافة والافق المنفتح ما يؤهله لأصدار حكم معين على مسألة أو قضية ما في الفكر والحياة والواقع والمستقبل، وفق منطق عقلاني نقدي، ورؤية انسانية، تنم عن سعة فكره وحسن ادارته للمعرفة، في أي مجال أو تخصص كان من تخصصات العلوم والفنون والآداب ومجالات الحياة الأخرى، المهم هو أن يصدر ذلك المثقف عن رؤية ومنهج وفلسفة توضح وتفصح عن درايته وخبرته وحنكته في توجيه حركة أو أمر ما نحو النجاح والتقدم والبناء والتنوير، وهذه هي رسالة المثقف وهدفه الثمين من وراء كده وسعيه ومعاناته في رسم خارطة طريق لانارة الحياة وتحسين الواقع والتنبوء بالمستقبل، شريطة أن يكون المثقف بريئاً من سلطة الايدلوجيا والأُطر الضيقة التي توجهه صوب الاشياء، فمثقف السلطة والاديولوجيا والحزب، كشاعر الحبيبة أو القبيلة المؤدلج الذي ليس له من وظيفة وسعي سوى التغزل بحبيبته أو قبيلته، لا يقدم لهما سوى المدح والثناء والفخار، ويخفي العيوب أو ينفيها عنهما، لأن هدفه الاول والأخير هو تحقيق مراده وجني ثمار مدحه وفخاره، تكسباً وانتفاعاً، ذهباً أو فضة أو حبيبة أو مكانة او أي نوال يُعلي من كعبه وتحقيق شهرته وسط تلك الجماعة أو ذلك الفرد. والمثقف الحقيقي الذي ندعو له ونبحث عنه هو عكس ذلك تماماً، شخص يبحث عن عيوب وسلبيات قومه وجماعته وتراثه وثقافته وواقعه وفكره، ليقدم بعد ذلك حلاً ورأياً ورؤية تنير الطريق والحياة وتؤدي الى النجاح والتقدم وكيفية الوصول الى بر الأمان، وتجاوز الازمات والمخاطر السلبية التي تعكر صفو عملية البناء والتصحيح والتفكير.

قد يهزأ البعض أو يضحك من رسم تلك الصورة البهية والمثالية عن المثقف، ووربما يتسائل هل يوجد مثل هكذا شخص، وبهذه الكيفية والصفات والكينونة، نعم قد أتفق وأختلف مع المعترض أو المتسائل في بعض الاشياء والاحكام التي ذكرتها سلفاً، فالمثقف أبن عصره وزمانه ومكانه، ويصدر عن جميع تلك المحددات والأطر النفسية والفكرية والحضارية، التي تحيط به وتوجهه، ولكنه على الرغم من ذلك يستطيع توظيفها وغربلتها ويميز الخبيث من الطيب منها، لممارسة النقد والتصحيح والتقويم في أي عملية أو حركة يسعى لها، لأن هذا المثقف هو طالب حق وحقيقة بطرق حقانية تسعى للاصلاح والتغيير وتنوير طرق التفكير، وهي مطالب عالية وصعبة ليس من السهولة بمكان تحقيقها على أرض الواقع الا بطرق قوية وجريئة وقد تصل الى طريق الثورة، من أجل احداث تلك النقلة في بنية المجتمع او الفكر او الثقافة او الحياة، والثورة والثورية لربما هي الصفة الاساسية والاهم التي تًرهب وتخيف وتقض مضاجع الحكام والساسة من سلطة المثقف ويقظته ووعيه، لأن هذا المثقف التنويري ينشد التصحيح والتغيير والاصلاح، وفق نموذج عالٍ يرتقي بمجتمعه وأمته نحو الاحسن والافضل والاجمل والاكمل في هذه الحياة، من خلال مقارنته بين واقعه ومنطقه وأسلوب معيشته مع واقع الشعوب والمجتمعات البشرية الأخرى، ليعقد المقارنة والصلة بين ما هو فيه وعليه، وبين ما تعيشه الدول والشعوب المتقدمة في هذا العالم، فهناك بون شاسع بين دولة وأخرى، وشعب وآخر، من حيث طرق التفكير وممارسة البناء والتغيير، وهذا متوقف بالدرجة الأولى على منطق الدولة ومنهجها وصدقها في ادارة العملية السياسية والاجتماعية والمعرفية والحياتية في أي بلد من البلدان، ونحن نرى بأم أعييننا ذلك الأمر والتباين في دول العالم وشعوبه، بين هابط وصاعد، بين متقدم ومتأخر، بين نافع وضار، وهناك بين الدول من يسعى لتحقيق النجاح والتقدم والبناء والقوة لشعوبها، وهناك من يعمل على العكس من ذلك يسعى لاضعافها وتفكيكها وانحطاطها، ونشر كل ما يزيد من همجيتها وتخلفها ونكوصها وصولاً الى مرحلة النفي والمحو والالغاء، واخماد أي صوت تنويري وتثقيفي وتقدمي وثوري يقف بالضد من سياسة تلك الدولة ومنطقها، وممارسة العنف والكراهية والتهميش تجاه شعوبها وعدم تحقيق نهضتها ويقظتها وصعودها بين الشعوب والدول.

ان صوت المثقف ورسالته وفلسفته كبيرة وخطيرة، والمثقف الحقيقي ذو وجه واحد، لا وجوه وأقنعة متعددة، وهدف واحد يسعى لتحقيقه وهو علو كعب امته ومجتمعه وتحقيق نجاحه ونهضته وتقدمه وكينونته بين المجتمعات والامم، من خلال ادراك الفارق الكبير بين ما يعيشه هو وابناء مجتمعه، وبين ما تعيشه باقي الدول والمجتمعات، وهذا بالتأكيد مطلب صعب المنال يحتاج الى جهد وجهاد ومجاهدة، من أجل تقليل الفارق وردم الهوة بين ما يعيشه وبين ما يسعى الى تحقيقه، بين ما هو عليه وبين ما يسعى اليه، ولكن بشرط أساس وهو التعاون الجاد والمثمر والحقيقي بين هذا المثقف المتنور الجاد، وبين من بيديه سلطة القرار والفعل والتأثير، وذلك لأن الأول ينظر ويخطط ويهندس ويصمم، والثاني يطبق وينفذ تلك التصاميم والهندسة على أرض الواقع، شريطة أن تكون المصداقية والجدية والانسانية والوطنية سيدة الموقف، وخلق نوع من التعاون المثمر بين الطرفين، من أجل البناء والتصحيح والاصلاح. ونحن هنا لا ندعو لمثقف السلطة والذوبان المطلق فيها، وانما لسلطة المثقف ومنطقه وعقله الراجح في ادارة وتوجيه الأمور، على أن يكون هذا المثقف واقعياً وعملياً نافعاً، غير ساكن في برج عاجٍ أو في أعالي السماء، لأنه ابن الارض والحياة والواقع، وسلطة المثقف سلطة معرفية فكرية ذات مغزى وهدف اجتماعي حياتي ثقافي تنويري عالٍ، يجب التعاون معه في سبيل تحقيق التقدم والنجاح والتغيير، والا فمعاداة المثقف والوقوف بوجهه واشهار السلاح عليه وقمعه هي معاداة للتنوير والنهوض والتفكير الحر، وهي خسارة كبيرة تفقدها الشعوب والمجتمعات من جراء تلك الممارسة في تضييق الخناق على المثقف ومعاداته، تجعله منفياً أو مغترباً في زمانه ومكانه ومجتمعه مدى الحياة، وهذا بالفعل ما يتعرض له المثقف العراقي خصوصاً والعربي عموماً، في ظل ممارسة الضغوط والاكراه عليه وتهميشه وقمعه وتشويه دوره وصورته بين الناس، وهذا ما جعلنا ضمن قائمة المجتمعات والشعوب المتأخرة في هذا العالم.  

                                    

د. رائد جبار كاظم

كاتب وأكاديمي من العراق، استاذ الفلسفة المساعد في كلية الآداب ـ الجامعة المستنصرية.

 

abduljabar alrifaiيحيل كثيرون مأزق التفكير الديني في الاسلام إلى فتاوى تكفير المرتد، أو أخذ الجزية من أهل الكتاب، أو قتال الكفار من غير أهل الكتاب، أو مقولات اعتقادية مثل الولاء والبراء، وغيرها من مقولات تصادر حرية التفكير والاعتقاد، لذلك يبادر هؤلاء لإلتماس السبل للخلاص من وطأة هذه الفتاوى والآراء الاعتقادية، فينتقون مثلاً مجموعة آيات كريمة وأحاديث شريفة، تتحدث عن: الرحمة، والعفو، والسلام، ونفي الإكراه في الدين.

وفي السياق ذاته يشدد هؤلاء على أن تبني هذه الفتاوى والآراء والدعوة لتطبيقها يمثل الفهم الخطأ للدين، وهم يرون ان هذا الفهم تتورط فيه السلفية الجهادية وغيرها من الجماعات المتشددة، بممارساتها العنيفة المتوحشة. وفي الوقت الذي يشددون في كلامهم على ادانة فهم هذه الجماعات، يؤشرن إلى أن فهمهم هو الفهم الصحيح المعبر عن روح الدين.

لكن قلما نسمع من يتحدث عن معايير تقاس فيها أخلاقية هذا الفهم، ومدى تجلي القيم الانسانية للدين فيه، وتعبيره عن احترام كرامة الكائن البشري، وحماية حقوق هذا الكائن وحرياته بوصفه انساناً. 

 كذلك قلما نجد من يتحدث عن تأثير أصول وقواعد وأدوات قراءة النصوص الدينية وفهمها، التي تشكلت في الاسلام المبكر، وكيفية توجيهها لفهم النصوص، وانتاجها للمدونة الاعتقادية والفقهية الموروثة، والتي مازالت منبع إلهام يستقي منها المسلم معتقداته ورؤيته للعالم وفقهه اليوم. لا أريد اختزال المأزق الراهن لمجتمعاتنا في فقه مذهب أو لاهوت فرقة ومدونتها الاعتقادية والفقهيه، أو في آثار جماعة من السلف خاصة، لأنه أعمق وأبعد مدى من ذلك.

 المأزق يكمن في البنية التحتية المولدة لهذه المقولات الاعتقادية والفتاوى الفقهية وغيرها. إنه يتمثل في قصور أدوات النظر ومناهج التفكير المتوارثة المنتِجة للتفكير الديني في الإسلام، من: المنطق الأرسطي، وعلم الكلام، وعلوم القرآن، واصول التفسير، وقواعد الحديث وعلم الرجال، وأصول الفقه، وقواعد الفقه، وعلوم اللغة، بوصفها المادة الأساس لبناء الأنساق الاعتقادية، وتشكيل الرؤية للعالم، وصياغة منطق التفسير، ورسم خارطة التفكير الفقهي، وانتاج مختلف المعارف الدينية، التي يكرّر العقلُ الإسلامي فيها ذاتَه باستمرار، ولا يني يستنسخ ماقاله الأوائل من أئمة الفرق والمذاهب، ويستأنف قواعدهم ومقولاتهم ومصطلحاتهم وآراءهم، ويرسخ القناعات باجتهاداتهم كما هي.

ولم يخرج من نسَجَ على منوالهم واقتفى آثارهم عن تلك الأصول والقواعد والمقولات في الغالب، إلاّ بحدود بيان القاعدة، وشرح العبارة، وشرح شرحها، والحواشي والتعليق عليها، وتوضيح المراد واستخلاص المضمون. ذلك "أن الأول لم يترك للآخر شيئا"، حسب القول الذي سمعناه وقرأناه كثيراً، وأضحى قيداً يقيّد تفكيرنا، فلايسمح لنا أن نفكّر كما فكّروا، ونتأمل مثلما تأملوا، ونصوغ قواعد بديلة لتفكيرنا الديني في سياق عصرنا ورهاناته، وفي ضوء المعارف والعلوم والفنون المستجدة، كما صاغ السلف قواعدهم، التي كانت أدوات نظر وجّهت نمطَ فهمهم، وأمست بوصلة توجّه فهم كل من جاء بعدهم، وتحتكر طريقة فهمنا اليوم للدين. دون أن نفكر ونتأمل ونراجع، لندرك أن تلك القواعد انبثقت في اطار أفقهم التاريخي، وانها مشتقة من طبيعة المعارف والعلوم والفنون المتعارفة لديهم. فلم يكن عقلُ الشافعي (ت 204 هـ) خارجَ عصره، حين قعّد أصول الفقه، بعد قرنين تقريباً من عصر البعثة الشريفة، ثم أضحت أصوله أسساً راسخة، حددت وجهة بناء وتطور علم الأصول عند كل المسلمين حتى الآن.

ولم يتعرف العقل الذي انتج علم الكلام لدى الفرق المختلفة، على غير المنطق الأرسطي، فعقل الأشعري (ت 324هـ) مثلاً، عندما صاغ مقولاته الاعتقادية في "مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين" استبدت به وشكلت اطاراً لمنطق تفكيره معارفُ عصره، وهكذا لم يخرج أي متكلم أو فقيه أو مفسّر عن الأفق التاريخي لزمانه، فلم يكن الواحدي "ت 468هـ" عابراً للزمان والمكان حين وضع "أسباب النزول"، أو الزركشي"ت 794هـ"، الذي حدّد في "البرهان" قواعد التفسير وعلومَ القرآن، وكذلك السيوطي "911هـ" الذي قنَّنَ في "الإتقان" قوانين التفسير وعلومَ القرآن، وهكذا فعل غيرهم في كل الفرق والمذاهب. 

لقد تشكّلت هذه المعارف الدينية في الاسلام بالتدريج في مرحلة بعيدة زمانياً عن عصر البعثة، واستقت من المعطيات السائدة في وقتها، ولم يتخطَ أفقُ انتظارها من الدين المشروطيةَ اللغوية والاجتماعية والثقافية والسياسية لزمانها، والرؤيةَ للعالم المهيمنة فترةَ انبثاقها. مضافا إلى أن أصحابها لم يترددوا في توظيف مختلف المقولات ومناهج التفكير المترجمة، المستعارة من أثينا والإسكندرية وفارس والهند القديمة. ولم يشعروا بالاستغناء عن الغير، والاكتفاء بما لديهم من منابع وأدوات للتفكير، ولم يحذروا من الحكم عليهم بممالأة الكفار، أو حرمة الإفادة من علومهم وفنونهم بوصفها علوم ضلال. 

ينبغي ألا نفتقر للحسّ التاريخي في دراسة الموروث الديني، ولا نتردّد في اكتشاف مواطنِ قصوره وثغراتِه المتنوعة، وعجزِه عن الوفاء بمتطلبات روح وقلب وعقل وجسد المسلم اليوم. فضلا عن ضرورة أن نتعرف على آفاق الحاضر، ونتبصر مديات المستقبل.

لابد من إلخروج عن المناهج والأسس وأدوات النظر الموروثة للتفكير الديني، بوصفها "أنساقاً عميقة" وحدوداً نهائية، يعاد انتاج الأسئلة والأجوبة ذاتها من خلالها كل مرة. انها تعطّل العقلَ، وتسجن عمليةَ التفكير الديني في مداراتها المغلقة، ولا تكف عن التكرار والاجترار، تبدأ من حيث تنتهي، وتنتهي من حيث تبدأ. تبدأ من أصول الشافعي ولاهوت الأشعري وغيرهما في مختلف الفرق والمذاهب لتنتهي بها، وتنتهي بها لتبدأ منها.

وهكذا نظل ندور في مقترحات وتلفيقات تخفي أكثر مما تعلن، وتحجب أكثر مما تظهر، وتدافع أكثر مما تكتشف، وتنشغل بتكرار المكررات أكثر مما تبتكر حلولاً. وتقول كل شيء من دون أن تقول شيئاً جديداً.

وهنا تختفي الأسئلة الكبيرة، لأن الأنساق المضمرة والنماذج المعيارية الراسخة المتصلبة في تراثنا تحول دون انبثاق مثل هذه الأسئلة، التي تستأنف النظر في مسلمات التراث الغير مسلمة، وبداهاته الغير بديهية.

  إن تلك الأنساق والنماذج المعيارية تمارس نوعاً من الاكراه، إذ تصر على تكرار الأجوبة ذاتها، حرصاً على المطابقة معها، ونبذاً لأي شكل من الاختلاف عنها، لذلك تفتش دائماً عن الأشباه والنظائر، كي تعيد مماثلتها ومشاكلتها مع كل ماهو جديد.

   وان تبدّى لنا شيئاً من الاختلاف، فهو لا يعدو أن يتخطى الأسماء الجديدة، والكلمات البديلة، والعبارات الأخرى، للأنساق والنماذج الموروثة ذاتها. وكأن مهمتنا التاريخية، هي التناغم مع ايقاع التراث في كل شيء، والاصغاء لصوته، واستعادة مواقفه، وحماية أنساقه، والذود عن نماذجه المعيارية، وحراسة أسواره على الدوام من التصدع والاختراق والانهيار.

   نطمح بمرافعة من نوعٍ مغاير لمحاججات المتكلمين القدماء، لا تهدف هذه المرافعة إلى تدوين ميثاق اعتقادي جديد، وانما تنشد ازاحة أدوات النظر وآليات الفهم الراسخة، التي أمست بداهات، لا يجرؤ أحد على استئناف النظر فيها، ومحاكمة أدائها وقدرتها على الوفاء بوعود الدين اليوم. ونتطلع لخلاصنا من شراك عقل الأسلاف، ومدارات تفكيرهم التي حدودها الفضاء المعرفي ورؤيتهم للعالم.

  من الضروري مساءلة المسلمات الموروثة الراسخة، في: علم الكلام القديم، وأصول الفقه، وقواعد الفقه، وعلوم القرآن والتفسير، وغيرها. وكل تلك الأسس والمرتكزات الراقدة في الطبقة التحتية لبنية المعارف الإسلامية، والمولِّدة للتفكير الديني في الإسلام اليوم، عبر اشتغالها على توجيه دلالات النصوص، في سياق منطقها الذي يفضي إلى معنى محدد، يغدو هو الشريعة وأحكامها، وإن رفضه يعني رفضاً للشريعة الإلهية. وهي لا تني تكرر هذا المعنى، وتعيد صياغته بعبارات متنوعة، وإن كان المضمون يمكث على الدوام كما هو، مهما تقادم الزمان.

  إن مدلول النص يتلون تبعاً للون الأوعية التي يحل فيها، فكما يأخذ الماء عادة شكل ولون الوعاء الذي يكون فيه، هكذا توجه دلالات النصوص على الدوام أدواتُ ومناهجُ النظر القراءة التي تستنبط منها الأحكام. أي اننا مهما كررنا استعمال تلك القوالب، سننتهي إلى نتائج متفقة مضموناً وكيفاً، وإن اختلفت في صياغاتها وتفاصيلها وأسلوب التعبير عنها، والتي تبدو لنا أحياناً وكأنها مختلفة كيفاً عن النتائج السابقة.

   وحتى أولئك الذين يشددون على أنهم مصلحون، ويعلنون فتاوى فقهية مستحدثة، أو آراء اعتقادية فرعية، لا تكرر الموروث أحيانا، فإنهم حين يغامرون أحيانا بتعطيل تلك القواعد والأسس المتداولة في الاستنباط، ويتذرعون بما يصطلحون عليه مقاصد ومصالح للشريعة، وأهداف الدين، فانهم لا يكتشفون دروباً بديلة، ولا يطلون على آفاق جديدة للتفكير الديني. إنهم حتى وإن غلّبوا تلك المقاصد والمصالح والأهداف في بعض الموارد المحدودة، لكن ليس بوسعهم التمسك بها كمنهج بديل لأصول الفقه، والبناء عليها كقواعد نستغني بها عن أدوات النظر والاستنباط المعروفة.

 إنهم يشددون على الأهمية الفائقة لحضور مقاصد الشريعة، مع العلم ان الاجتهاد في مقاصد الشريعة توقف عند الشاطبي قبل عدة قرون، بل حتى مع اضافات محمد الطاهر بن عاشور، لم يبلغ الاجتهاد في المقاصد مديات تسمح للفقهاء المعاصرين أن يتوكؤوا عليها في بناء تفكير فقهي يتصالح فيه المسلم مع محيطه والعالم اليوم، ولم تبلغ حداً نستغني بها عن أصول الفقه والقواعد الفقهية الموروثة.

 وكل ما يُطبع من كتابات في هذا الموضوع، وما يتحدث عنه البعض، من أن تفعيل المقاصد سيفضي إلى إنتاج فقه مواكب للحياة، انما هو مجرد مزاعم، وشروح ومستخلصات لمقاصد الشاطبي ليس إلا، بلا أن يمارس فقيه اليوم انتاج فقه يستقي من تلك المقاصد خاصة، ويستند اليها كمؤشرات محورية في التعاطي مع النصوص.

وأود أن أنبه إلى أن هناك مبالغة في التعويل على مقاصد الشاطبي، واعتبار البعض لها خشبة خلاص لمأزق التفكير الفقهي، بل التفكير الديني، من دون وعي بأن تلك المقاصد تحكي نمط رؤية الشاطبي للعالم، ومنطق المعرفة الدينية السائدة في عصره، كما تشي بأحكامه المسبقة، وأفق انتظار عصره من الشريعة.

ومما لا شك فيه أن أفق انتظار عصره لا يتسع لأفق انتظار عصرنا، وأحكام الشاطبي المسبقة لا تتطابق مع أحكامنا المسبقة، ورؤيته للعالم ليست رؤيتنا، لذلك لا يمكننا توظيف مقاصده إلا كمؤشرات ومعالم كلية في بناء رؤى جديدة للتعاطي مع النصوص الدينية، والتعرف على مشكلات المسلم اليوم، وطبيعة ملابسات الواقع الذي يعيش فيه.

أشير هنا أيضاً إلى أن تحديث التفكير الديني لا ينجز وعوده من دون إعادة النظر بالدرس اللغوي الموروث والأساليب والمناهج المتداولة فيه، والافادة من المكاسب الجديدة في الألسنيات وفلسفة اللغة والهرمنيوطيقا.

وإن كان البعض يرى اللغة بوصفها ظاهرة ثابتة، لا تجري عليها نواميس التطور والتحوّل، بل ذهب هؤلاء إلى اتهام وتخوين أية محاولة لتحديث أساليب ومفردات اللغة، وهم لا يدرون أن ذلك ضرب من توثين الحروف ونسيان المقاصد.

 اللغة كائن حي. اللغة كائن تاريخي. اللغة لا تنتمي إلا للبشر. تنقرض اللغة إن لم تكن مرآة عصرها. اللغة ليست ما وضعه العربي القديم في البادية فعقمت ولم تتوالد. اللغة ليست ما فرضته سياقات دينية وثقافية وسياسية، فتسيدت منذ تدوينها. اللغة كلمات تولد وأخرى تموت. كل عصر يضيف للغة كلماته، ويحذف أخرى لا تشبهه. اللغة أساليب بيان منسوخة وأخرى ناسخة.

تحرير اللغة الدينية من أغلالها تحرير للعقل الديني من أغلاله. لا تحديث للتفكير الديني من دون استيعاب نقدي لمكاسب الدرس اللغوي والألسنيات وعلوم التأويل وفلسفة اللغة الحديثة.

المؤسف اننا كلما واجهتنا مشكلة عميقة هربنا للماضي نستفتيه في حلولها. ‏لا جدوى من احياء الأموات ليحكموا عقول الأحياء. لم يعد احياء التراث خلاصاً، وإلا لو كان كذلك لنهضنا بعد مضي أكثر من قرنين من انشغال الكل باحياء التراث، والكل مسكون باستعادة ما كان كما كان.

حتى من يراهنون على احياء عقلانية المعتزلة اللاهوتية، وعقلانية ابن رشد الفلسفية، وروحانية ابن عربي وغيرها، فانهم لا ينظرون للأعماق، ولم يتنبهوا إلى أن تلك العقلانية والروحانية تنتمي للأفق التاريخي لعصرها. نعم يمكن استدعاء حرية المعتزلة العقلية، وشجاعتهم في الخروج على أسوار زمانهم الاعتقادية، كما يمكن استلهام شيء من بصيرة سياحة المتصوفة الروحية، واستبصاراتهم الدينية.

الخلاص في عقلانية تنتمي لعصرنا، أنجزتها الفلسفة ومختلف العلوم والمعارف الحديثة، وراكمتها خبرات الانسان المتنوعة في العبور من الخطأ إلى الصواب. الخلاص في روحانية مستلهمة من الوحي والقرآن الكريم، وميراثنا الروحي الغزير، ومنبثقة في فضاء مواجع الروح العميقة وأحلامها اليوم.

أين الرائي المولع برؤية الأعماق؟!

 

د. عبدالجبار الرفاعي

 

 

saleh altaeiلم يصل العالم المتمدن إلى ما هو عليه اليوم إلا بعد أن أخرج نفسه عنوة من أجواء الموروث الدنيوي الدموي المتوحش المتهالك، والمورث الديني الاستغلالي الجشع، والبدء ببناء قواعد انطلاق جديدة نحو الأفق الأرحب في الكون، فهم مع احترامهم لمواريثهم على بساطتها، حولوها إلى إيقونة مكانها المتاحف لا العقول، على خلاف ما المسلمون عليه، فمشكلة المسلمين الكبرى أنهم يعرفون تمام المعرفة أن في صفحات موروثهم الكثير من الغث والسقط والكذب والتدليس والخداع والتعنصر والإسرائيليات، ولكنهم تمسكوا به  ورفضوا الخروج من ربقته، والأنكى من ذلك والأمَّر أنهم بدل ذلك قدسوا المواريث بشكل مخيف ومرعب، فعظَّموها، وعصموها من الزلل والخطأ، وأعطوها من القوة والتأثير مما لم يكن فيها من قبل، فعادت حية فاعلة متحكمة في قراراتهم، وتحولت إلى بوصلة تحدد اتجاهاتهم، وصارت المرشد الذي يصوغون وفقا لمؤشراته أحكامهم وأحلامهم وعباداتهم وعقائدهم وعلاقاتهم مع الآخر مسلما كان أم من أتباع الأديان الأخرى.

وأنا هنا لا أدعو إلى رفض الموروث برمته، فموروثنا يرتدي أكثر من ثوب، وله أكثر من لون وشكل وكيان، بعضه لم يعد صالحا بعد وفاة النبي (ص) مباشرة، وبعضه انتهت صلاحيته في القرون الإسلامية الأولى، وبعضه يمثل حالة فردية لا تعميم فيها، وبعضه مرن قابل للتطويع وإعادة الصياغة تبعا للتبدلات الحضارية والإنسانية والمجتمعية، وبعضه أضطررنا مجبرين على التنازل عنه مثل موضوع الرق.

إن موروثنا من حيث الكلية هو الوعاء الذي حفظ تاريخنا وأمجادنا وعقائدنا وسننا وطبائعنا وقصص أجدادنا وأخبار أسلافنا بأعرابيتهم وبدويتهم، وهمجيتهم وجاهليتهم، بتحضرهم وتمدنهم، بشركهم وإسلامهم، على مدى أربعة عشر قرنا، وفي القرن الحادي والعشرين لابد وأنه أصبح بحاجة ماسة إلى إجراء تعديلات وإصلاحات وعمليات ترميم وغربلة وانتقاء واختيار ومفاضلة وترجيح، فالإنسانية خرجت من مرحلة بدويتها منذ زمن طويل، ولم تعد تستسيغ سماء قصصها الخرقاء، فلماذا نبقى متمسكين ببدويتنا، تحدونا الروح الأعرابية الغليظة؟ ونرفض نعيم التمدن.  لماذا لا نتنازل عن مشروع جاهليتنا الخالد؟ وإلى متى تبقى أحاديث الأسلاف تتحكم بقراراتنا ومشاريعنا؟

من هنا أتمنى مخلصا أن يعاد النظر في كثير من تلك المواريث، وأن نُخضعها إلى موازين العقل والعلم، ممسكين بأيدينا مشارط الحق والإنصاف، وأن نعيد قراءتها وفق منهجية عقلائية حضارية محايدة راسخة. أن نزيل عنها درن السنين والنسيان والتصحيف والتحريف والتحزب والطائفية والعصبية القبلية والتوجهات السياسية والعنصرية. أن نعيدها نقية كما كانت، دون أن نخضع لسطوة من جعلناهم أربابا، وهم أقل من درجة العبيد. أن نحكِّم عقولنا وعلومنا لا أهوائنا ورغباتنا. فمما لا خلاف فيه أن الجل الأعظم من مواريثنا، وصلت إلينا عن طريق أشخاص مؤتمنين مخلصين، وعن طريق آخرين إما أن يكونوا قد نصَّبوا أنفسهم قيمين عليها بدون أذن من أحد، أو أن السلطان وحاشيته هم الذين عينوهم موظفين رسميين ليوصلوها إلينا، أو أن رجال الجماعات والفرق الإسلامية من الأشاعرة والمعتزلة والقدرية والجبرية والجهمية، هم الذين روجوا لها ونشروها، أو أن المدسوسين والكذابين والزنادقة وأعداء الأمة؛ هم الذين أدخلوها في الموروث. وأمام كل هذه العناصر الفاعلة كان دور الدين شبه معطل ومحدود التأثير جدا، وبالتالي أضاف كل واحد من هؤلاء رؤاه ومعتقداته، فاجتمعت تلك الرؤى، وكونت الرأي العام بوجهه السياسي والدنيوي المكفهر، أما وجه الدين المشرق فقد غطاه دخان نيرانهم التي أشعلوها في تنافسهم مع بعضهم البعض، فلم يعد وجه الدين الذي نعرف، ولم تعد أحكامه نفسها التي جاءت بها رسالة السماء السمحاء.

تعالوا نراجع جميع كتب التفسير وكتب أسباب النزول وكتب السيرة وكتب الحديث وكتب التاريخ، وأتحداكم أن تجدوا فيها غير آراء الأشخاص الذين كتبوها؛ والذين تعارضت واختلفت آراؤهم إلى درجة الإسفاف، فكل منهم يرى الرأي، ثم يدعمه بحديث أو آية أو قول لأحد السلف، ثم يأتي الخلف فيأخذونه من المسلمات، وباستثناء الآية التي صانها الله تعالى من التحريف، فإن الحديث تعرض إلى هزات زعزعت كيانه، بعد أن بث فيه هذا الزنديق أربعة آلاف حديث، وذاك الزنديق عشرة آلاف حديث، حتى أن بعض من كتبوا الصحاح، ادعوا أنهم جمعوا أحاديث صحاحهم التي لا تتجاوز البضع آلاف من بين مئات الألوف. وأقوال السلف كانت لها بواعث وغايات لا يعلمها إلا الله، وكلاهما لا يصلحان  للحكم على قضية مختلف فيها. وللأمانة أعتقد أن الآيات هي الأخرى تم تفسيرها وفق المنهج الاحتمالي نفسه، وبالتالي سنجد أنفسنا عراة أمام الحقيقة، نبحث عن ورقة توت نغطي بها هذه السوءة، لكن حتى حينما نعثر عليها، سوف تعجز أيدينا عن الوصول إليها، ولن نجد  من يقطفها لنا.

النتيجة، نحن نقف اليوم أمام مفترق طريقين، ونستمر في التحديق ببلاهة، ولا نملك الجرأة والشجاعة لكي نختار الأمثل منهما، فالاختيار يعني الكثير من التنازلات، والإنسان في طبيعته يرفض التنازل عن أبسط الأمور إذا ما كان تنازله سيلحق به مجرد ضرر آني بسيط، حتى مع وجود خير مستقبلي عميم.  هذا المفترق وضعنا أمام أحد احتمالين إما أو إما:

إما أن نبقى متمسكين بموروثنا على علله، ونستمر في خوض الصراع والنزاع مع المسلم الآخر، لنبقى عالقين في أجواء الاستفزاز والشد النفسي وطغيان روح العداوة والوجل من المسلم الآخر على جميع سلوكياتنا إلى الأبد، فنستعدي بذلك الكون كله علينا.

وإما أن يخرج من بين صفوفنا ثوار حقيقيين يتبنون مشروعا إصلاحيا حقيقيا لا يخشون غضب حاكم، ولا عصبية عمامة، ولا سيف سلفي متشدد، ولا غضب متطرف، ولا تهديد ميليشيا، وحينما تكتشف الناس نتائج سعيهم لابد وأن تتمسك به وتتخلى عن مواريثها التي عفا عليها الزمان، تلك المواريث التي أصبحت آيلة للسقوط لا وحدها، وإنما ستسحبنا معها إلى قاع ليس له قرار نتيجة تعنتا وغبائنا، فالمؤشرات المعاصرة تنبئ بمستقبل دموي أسود يكون المسلمون أبطاله، ولكن فيما بينهم، وليس بينهم وبين أتباع الأديان والحضارات الأخرى. وحينذاك سوف يسهل على أبسط الأعداء النيل منا ومن عقيدتنا ووجودنا وثرواتنا وتاريخنا وإنسانيتنا، فالنساء السبايا يحملن روح الثأر، وينتظرن الفرصة للانقضاض بدون رحمة، والويل لمن سيناله سيف الانتقام.

 

صالح الطائي

 

ali almirhig

الصنم هو الشخص أو الحجر وهو "الطوطم" الذي يُعبد تيمناً به وحباً، بوصفه واسطةً بين الكعبة وحُجاجها أيام الجاهلية.

وقد أعلن نتشه في كتابه "أفول الأصنام" أو "غروب أو غسق الأوثان" أن البشرية قد عاشت مدةً طويلةً مُنساقة ًوطائعةً للصنم في السياسة والدين والأخلاق والفلسفة، فصرنا نحن البشر أسارى لمقولات هؤلاء، وصيرنا أنفسنا عبيداً لأقوالهم وطائعين مُسلمين بدعواهم. فما كان من نتشه بعقله النقدي سوى تحفيزه للعقل الإنساني وتذكيره للإنسان بقيمته العُليا، بوصفه صانعا لقيم جديدة، ترفض القيم التي صِيغت لنا (قيم الخنوع والإذلال والضعف) لنُعيد بناء قيمنا بنفسنا وفق مُقتضيات الواقع وتقلباته، لذلك صب نتشه جام غضبه على "سقراط" الذي أراد صياغة الحقيقة وفق منطق تطابق الفضيلة مع المعرفة.

ولم يكترث نتشه للفلسفة الكانتية في رؤيته النقدية.

تجاوزت فلسفة كانت الظاهر بوصفه حقيقةً مُدركةً لتجعل للميتافيزيقا أفضليةً على نظام الإدراك التعايشي للطبيعة في تمييزه بين عالم "النومين" (الظاهر) و "الفينو نومين" (الباطن).

لم يكن نقد نتشه للصنمية مُنصباً على الفلسفة اليونانية متمثلة بقلسفة "سقراط" والحديثة طِبقاً للتصور الكانتي، إنما كان نقده الحقيقي مُنصباً على الدين والتدين المسيحي، فقد وجد في أخلاق التصنيم المسيحية "أخلاقاً مُعاديةً للطبيعة"، فالطبيعة الإنسانية تقتضي الصراع ، فإنتقد بشدة دُعاة "فعل الخير"، أو رجال الكنيسة الذين جعلوا الناس عبيداً وتابعين ووضعوا أنفسهم أوصياء على الحقيقة حتى صارت الناس تنظر لهم وكأنهم قديسون مقدسون وفي أعلى عليين.

لم يكن همهم كما يرى نتشه (ويقصد بهم القساوسة، دُعاة فعل الخير) سوى تدجين الإنسان وتحويله من كائن عاقل لكائن جاهل في مُحاولة منهم للقضاء على عقله إمعاناً منهم في تأكيد جهله وتغييب قدرته العقلية وإنكار إستطاعتها على تحويل نوعها وتمكنها من الصراع مع الطبيعة بطابعها الإحيائي للوصول للإنسان "السوبرمان" أو الإنسان الفائق، الذي يُنتج قيمه بنفسه ويَهدم القيم التقليدية ليُنتج قيماً جديدة تجعله كائناً حُراً لا يخضع للصنم ولا يصنع الوثن ولا يهزمه الوهم، لأن الوهم عالمٌ مؤسطر بالغيب مُحاط بهالة قُدسية تستمد قُدسيتها من أفاعيل المصلحين والمجددين في التاريخ، يستمد منه المدعين تبنياً له في إدعاء تبنيه لتجييره لمصلحته الشخصية وتضخيماً لشخصهم لرفع رصيدهم وحضورهم الاجتماعي والسياسي المُفتعل والمؤطر ببعد ديني يصنعه عارفون برغبات القطيع

من الرعية، وتدجينهم وترويضهم عاطفياً عبر النقر والتطبيل والعزف على وتر الطائفية وتوظيف الرمز الديني المُقدس في إستدرار عواطف العامة كي يكونوا تابعين مُستسلمين، مُقتنعين بأن لا خلاص لهم إلا بدُعاة إستحضار الرمز ممن يُتقنون اللعب في السايسة بوصفها تدينا والتدين بوصفه سياسة... ولي قول يطول وسأكتفي اليوم بهذا القول

 

 

منذ نشأة الانسان الاول والاسئلة العميقة تلاحقه، فيحاول إيجاد الحلول بالتفكير والمتابعة البحثية الجادة، وكلما كثرت القيود المانعة من التفكير في الاسئلة الداخلية للفرد أو الأجوبة التقليدية المُستهلكة، كلما إزداد إختناق العقل وذبُلت شرايين الدم الموصلة له، فيموت من غير تكلف . نظرية التجهيل والإخناق لا تحتاج الى كثير من التخطيط لكنها تحتاج الى كثير من النصوص المخيفة والمرعبة، فيما اذا خرج أحدهم عن السياق العام للتفكير القائم للمجتمعات المخدرة بوباء تقديس الموروث والذي حُرمت من التفكير به، على الرغم من أنها تتعبد بنصوصه وقوانينه .

أعتمد الفلاسفة الاوروبيون بالتحديد على إيجاد نظريات للخروج من قاعدة تنميط المجتمعات وقولبتها الى تحريك المجتمعات عبر بث روح جديدة للتفكير ومن أهم عوامل التفكير وبدايته هو الشك . خرجت في اوربا حركات متعددة منها الشكوكية التي أخذت حيزاً من تفكير المجتمع، لكن رائد الشك وواضع نظريته هو الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت، الذي طلّق اليقين ليرحل الى عالم الشك، الشك بكل الموجودات في هذا الكون، لأنه رأى لا مجال للتقدم في اي من عناوين الحياة مالم نشك وأدرك ان لا حظوظ لتطور الانسان اذا بدأ من اليقين او اليقينيات المكتسبة، يجب ان ينطلق العقل في رحلته البحثية من اللاحقيقة الى الحقيقة النسبية، عكس ما موجود في ثقافتنا الواهمة اننا نملك الحقيقة المطلقة ! ساقه عقله الشاك بالاشياء الى سؤال مهم، هل أنا موجود ؟ فكان جوابه المعروف أنا أفكر اذاً أنا موجود. ولم يكن لهذا الاستنتاج ان يمر دون ان توجد له معارضة ًاو تصحيحاً، فقال أحد مجايلين ديكارت . (ان مقدمته الكبرى مضمرة ف الأنا أفكر، تفترض المقدمة التي تنص على ان: كل مفكر موجود) يحاول هذا التوصيف إيجاد ادمية الانسان واختلافه عن باقي الموجودات من حيث المعطى العقلي التفكري . ولو حاولنا قلب المعنى، انت تقلد فقط هذا يعني انت لا تفكر. فتكون النتيجة اذاً انت غير موجود في مساحة الوعي والتفكير.

تعتقد معظم المجتمعات البسيطة والتي لا يكون للعقل دور فيها انهم خُلقوا على الحق المطلق، بينما غيرهم خُلق على الباطل، لهذا السبب تكثر الدعوات التلقينية المتماشية مع طبيعة وسلوك ذلك المجتمع . نجد هذا واضحاً في مجتمعنا الشرق أوسطي، الذي يغيب فيه الشك (العقل) بينما يسرف بهذيان اليقين والمطلق (الجهل) يُنقل عن ابي حامد الغزالي قوله : الشكوك هي الموصلة للحق فمن لم يشك لم ينظر ومن لم ينظر لم يبصر ومن لم يبصر بقي في العمى والضلال. وهذه فقرة تُحيلنا الى مستوى مهم من العقل والتفكير، لطالما إحتجنا لها وهي ان الايمانات المطلقة التي ورثناها من أهلنا بتلقين وترديد يجب تفكيكها وإعادة هيكلة البنية الاساسية في منظومة الايمانات المطلقة . الايمان او التدين المطلق موت حقيقي للعقل، الايمان المطلق سياج حائل ومانع للشك والبحث العقلي . اذا كنت مؤمناً بالقضايا الدينية او السياسية إيماناً مطلقاً، هذا يعني لا مجال للعقل للدخول الى باحة ذلك الايمان والبحث فيه . إستحالة استخدام العقل امام اي معتقد مؤشر على ان المعتقد معطوب من الداخل لذلك غُلف بطريقة تجهيلية تقديسية ألغت كل مجسات المعرفة للتقرب من ذلك المعطوب . هل هناك أي مجال عند أصحاب العقل المُقلِد المؤمن بالحقيقة المطلقة ان يراجع أياً من قضاياه اليقينية ؟ بالتأكيد لا . لأن إيمانه التلقيني الوراثي سحق على عقله وأماته بطريقة إحتيالية ووهب له معلومات جاهزة وايمانات مطلقة لا يجوز البحث او السؤال عنها. ليست الشكوك هي التي تفقد العقل بل اليقينيات .كما قال نيتشة . والحق أن هذه المقولة لها من المصاديق ما يؤهلها لتكون اقرب الى الحقيقة من زيف الحقائق التي يهرف بها البعض .

مات العقل بكثرة اليقين ووهم الحقيقة وغياب العقل الشاك والباحث والناقد . سأل أحدهم لو كان النبي محمد موجوداً الان هل سيبقي القران كما هو؟ ولأن القران حقيقة يقينية، توجم البعض من هذا السؤال وأجاب الاخر بكل تلقائية ولا اظن القارئ سيخرج من حرج الجواب الذي سيُحيل الى اسئلة اخرى. رغم ان هذا السؤال مباح لكن العقل التلقيني لا يستمرئ هذا النوع من الاسئلة . فتشابه الجواب مع الواقع وراهنيته يفضي الى مزاولة العقل كمحرر منجي فيكون الجواب، بالتأكيد سيرفع النبي اغلب ايات القران .. عندما لا تشك او تراجع في ايماناتك فتأكد ان عقلك قد لقي حتفه وناله من تعسف تدينك وإيمانك الكثير من الاجحاف والمهانة . نبذ الفيلسوف الهولندي سبينوزا من أهله ومن الجالية اليهودية في امستردام، بسبب ادعائه ان الله يكمن في الكون والطبيعة وأن النصوص الدينية هي عبارة عن استعارات ومجازات غايتها تعرّف بطبيعة الله.

الايمان والتدين بالحقيقة المطلقة، يتجسد في إيمان داعش في هذه المرحلة، فهو أصدق الايمانات وأوضحها، تدين لا يعترف بالعقل ولا يعبأ بالشك ولا يركن للعلم. وكمصداق حقيقي على ان التدين يقتل العقل، فأفراد داعش مؤمنون حقيقيون بل أكثر إيماناً من الذين يدعون التدين وفي أغلبهم مزيفون يلهثون خلف مصالحهم . السبب الرئيس في موت عقل المسلم هو تدينه وإيمانه التلقيني المطلق الذي لا يسمح لعقله بالخوض في تلك الايمانات او مراجعتها . يملك القدرة على تفخيخ نفسه والذهاب بها الى اسواق المدنيين ثم تفجير جسده بتلك الارواح البريئة، لكنه لا يملك القدرة على مراجعة هذا التدين الذي حوله الى وحش .

كخلاصة للذي قلناه او الذي نروم قوله :

1- التدين المطلق والعقل نقيضان، كلما ارتفع منسوب احدهما قل الاخر

2- اي إيمان يزعم الحقيقة المطلقة إيمان وهمي وزائف

3- العقل الذي لا يمارس الشك والنقد والمراجعة، عقل ميت كلما تشدد الفرد في إيماناته كلما إضمحل ناشطه الذهني

4- الاشخاص الذين يؤمنون بكل ما وجدوا عليه آباءهم، ميتون وان كانوا أحياء

5- الحقيقة نسبية فمن يزعم الحقيقة المطلقة يقع بالوهم

6- غالباً ما يكون التدين عاطفياً مبنياً على مقررات غير مرئية لا حضور للعقل بهذه المقررات

7- أغلب الاشياء التي تحيط بنا في هذا الكون متحركة ونسبية غير مطلقة، اذن لا يمكن إعتماد النسبي على انه مطلق، فيجب التفكير بالنسبي بما هو نسبي وليس بما هو مطلق لكي يتم التعامل معه خارج قوس التقديس

8- هويتنا الانسانية أننا نفكر ونتأمل وليس نجتر ونكرر ما لُقنا به

 

مصطفى العمري

 

 

 

 

هناك تسائل مشروع عن سبب طغيان التدين الشكلي الطقوسي على حساب التدين الانساني بحيث اصبح الحجر أكرم من البشر، وبناء الجامع او الحسينية اهم من إشباع جائع او إيواء مشرد او تكفل يتيم، وتسائلوا عن علاج هذه الظاهرة السلبية التي تحولت الى ثقافة تجتاح المجتمعات الاسلامية.

اذا أردنا ان نكون اكثر جدية ونتجاوز الأسباب الطافية على السطح ونبحث في العمق عن أسباب هذه المشكلة سنرى ان السبب الأساس الذي يكمن ورائها يتمثل في الفهم الخاطئ للدين والقراءة المقلوبة لرسالته التي تهدف بالمجمل الى صناعة الانسان الصالح المتحلي بقيم الاخلاق، وإحياء الحس الإنساني عند الانسان المتدين حسبما جاء عن نبينا الكريم ص (إنما بُعثتُ لأتمم مكارم الأخلاق )، ولكن ما حصل هو تقديم قراءة سطحية للدين جعلت موضوع الأخلاق وقيم الانسانية ينزوي في اخر اهتمامات الانسان المتدين بدل ان يكون اولا، ورد عنه ص (لا إيمان لمن لا أمانة له) لتصبح سائر تعاليم الدين واهتماماته رافدة وداعمة هذا البعد في شخصية الانسان المؤمن. فانقلبت الصورة وتأخرت واقصيت قيم الأخلاق في أولويات المُربّي المتدين وتقدمت عليها أمور كثيرة اقل أهمية منها، تكفي نظرة سريعة لما يبثه الخطاب الاسلامي عموما عبر القنوات والمنابر الدينية المختلفة ليكتشف  المراقب عملية الإغفال والتجاهل للاخلاق والقيم الروحية والإنسانية في عملية تنشأة الانسان المسلم وتربيته. وان اهتمام الخطاب الاسلامي بالطقوس والشعائر دونه بكثير اهتمامه بمسألة الاخلاق اذ تراجعت هذه الأخيرة تراجعا كبيرا لتنحسر في زاوية ضيقة.

نعم العبادات مهمة في حياة الانسان المتدين خصوصا الصلاة ولكن ماقيمة صلاة لا تقترن بالصدق ولا بكف الاذى عن الاخرين ولا بالامانة ولا بحب الخير للناس، وما جدوى صوم مع اكل أموال الناس بالباطل او صوم لا يقترن بقضاء حاجة محتاج وإشباع جوعة جائع.؟

ألقى تراجع الاهتمام بالاخلاق وانزوائه في الثقافة الدينية السائدة في أوساط المجتمع عامة بضلاله الكثيفة على المنهج المتّبع من قِبَل الآباء في تربية ابنائهم بعد ان تربوا هم أنفسهم ايضا على الدور الهامشي للاخلاق فنجد ان الأب المتدين يحرص منذ الصغر وقبل سن التكليف ان يدرب ولده على الصلاة ولكنه لا يحرص بنفس الدرجة من الاهتمام على تنشأته على حفظ الامانة او الصدق او احترام الموعد الخ، وينزعج كثيرا ان علم ان ولده تهاون بفرض من الفرائض ولكنه لا ينزعج بنفس الدرجة ان اكتشف ان ولده لم يف بوعد، او أنه كذب، او لم يحفظ أمانة. وبذلك هو يرسل رسالة لولده غير مباشرة يتلقاها الطفل بوضوح مفادها ان الذي يوصلك الى الله ويجعلك من اهل رضوانه ويدخلك الجنة هي صلاتك كيفما اتفقت اما القيم ومالمبادئ الاخلاقية فلا تعدو ان تكون ثانوية كمالية هامشية ليست ضرورية. من هنا صار المسلم يجمع بين الصلاة والسرقة او الصوم والظلم او الحج والتجاوز على الاخرين ولنا فيمن تصدى للحكم من اصحاب الايادي المتوضأة ان في العراق او مصر او تونس او تركيا خير دليل.

وأخيرا ان لم يتقدم عنصر الأخلاق ويكون عماد التربية وأساسها الذي تبتني عليه كل المسائل الاخرى فسنظل نجتر مأساتنا وتتوالى خيباتنا ولنا في اليابانيين أسوة عملية حين اعتمدوا مادة الأخلاق كأهم مادة دراسية منذ مراحل الدراسة الاولى.

mustafa alomariقبل الخوض في هذا الموضوع، دعني أسألك أيها القارئ العزيز : أيهما أفضل وأقدس المسلم أم الاسلام؟ وقبل أن تسترسل بالقراءة يجب ان تحدد جوابك وبوصلتك.

صعّرَ بعض المتشددين الاسلاميين من لهجتهم (الاسلام هو الحل) حتى غدا هذا الشعار سيمفونية تتردد على شفاه البسطاء دون التمعن بحيثياته ومضمونه، هكذا تُمرر قضايا ومشاريع كبيرة من خلال عناوين واسماء كبيرة ايضاً . هتفت معظم الشعوب العربية والاسلامية بهتافات ببغاوية دون اي اكتراث او مراجعة لماهية هذا او ذلك الشعار، فبالوقت الذي يصرخ فيه أنصار سيد قطب (الاسلام يقود الحياة) يرتد عليهم صدى الاسلام العراقي المتأثر بثقافة الاخوان المسلمين (الاسلام من طنجا الى جاكرتا) بالوقت ذاته ينفعل الاسلام السعودي ويتفاعل ويُفعّل حركته التوسعية في البلدان العربية والاجنبية، حاملاً سيفاً وقنبلةً ورايةً كتب عليها بثقة عالية (لا إله إلا الله) تحت تلك الراية سقطت رؤوس بني البشر غير المؤمنين بهذه الدعوة . في ايران تتمدد سلطة الولي الفقيه لتغزو بلداناً وتحتلها بذريعة الإله او التبشير الاسلامي، ولا مانع من سيلان الدماء تحت يافطة كتب عليها ( الذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا .. العنكبوت اية 69) .

أطنب المجتمع العربي بإيمانه بالشعارات والصور والايماءات الاتية له من بعض رجال الدين، حتى فقد ميزة التفكير من كثرة الاحباطات والتوصيات الاجتماعية والدينة، ولهذا السبب بات لم يعبأ بالاخر الذي لا يشاركه فكرته او بالخصم الذي يتبنى الفكرة المغايرة له. فقدت أغلبية المجتمعات العربية،المجس الانساني او الشعور بالمختلف، وتمسكت بالفارغ من الاسم فقط .

معظم مجتمعاتنا الاسلامية ترى ان الاسلام أهم من الانسان ! وهذا التفكير قاد حشد من المتطرفين الى قتل الانسان الذي لا يؤمن بما يؤمنون به هؤلاء المتطرفين، قُتِل الانسان لأنه يسأل ويكتب ويشكك ويبحث، قُتل الانسان لأنه أساء لرمز او لأنه تهكم على فكرة او لأنه يعتبر الحقائق غير مكتملة المعالم والدلائل . مشروع قتل الانسان لا يحرك بالمبرمجين شيئاً لكن الاعتراض او التشكيك على فكرة إبتدعها الانسان واختلقها وحولها الى دين باسم الدين،بالتأكيد سيثور لها كل الدهماء والمعطوبين فكرياً .

أنظروا معي الى المساحة الجغرافية للوطن العربي، ستجدون الدمار والقتل والتفجيرات والرايات السوداء والرؤوس المتدحرجة والجحافل المتحركة والجثث الملقية على الطرقات، كل هذا المنظر لم يحرك بالواقع العام للشعوب العربية، ولم نسمع ان ثورة قامت ضد الثورة،لأن اغلبية المسلمين يعتقدون ان الدين الذي هو نصوص منقولة عبر وسائل غير أمينة، أهم من المسلم وأقدس من الانسان في هذه الحالة يتحول العقل من الحركية النشطة الى عضو خانع خلف النص الديني الجامد، عندها ينتكس هذا الخانع لكي يرى ان الاخبار المنقولة بصفحات الكتب القديمة، أهم وأقدس من جميع بني البشر . لم ينتبه المسلمون ان الاديان تأتي من أجل الانسان وفي خدمته ولرقيه وصفاء نفسه وليس العكس كأن تأتي للقتل والتحريض والألغاء وسيلان الدماء بذريعة الحفظ على الدين !

رقدت معظم مجتمعاتنا على وهمية الشعارات وقدسية النص ونامت دون إكتراث بما هو عليه العالم . الناس نيام ينتبهون عندما يقوم شاذ هولندي برسم كاريكاتير للنبي محمد، فيهبون ويحرقون ويقتلون . ينتبهون عندما يقوم طالب شهرة متسكع فارغ من فلوريدا، بحرق القرآن الكريم، فتخرج المظاهرات في جميع البلدان العربية .

نيام عندما تقوم داعش بقتل آلاف من الشباب، ينتبهون عندما يسحق احدهم راية داعش التي كتب عليها اسم الله . نيام عندما تغتصب النساء باسم الاسلام، ينتبهون عندما لا يعرف أحدهم الغُسل الاسلامي بعد الاغتصاب . نيام عندما تُنحر الشباب والاطفال، ينتبهون عندما يسمعون همس إمرأة .

ليس المهم الاسلام، دعني أُكررها، ليس المهم الاسلام، بل المهم المسلمون نوعيتهم، صدقهم، انسانيتهم،تعاملهم مع الناس، اريحية عقولهم .

الذي اريد قوله هنا ان الانسان أهم من الاديان وأهم من المعابد والمساجد، الانسان هو ثروة الله في الارض وكل المفاهيم الكونية جاءت في خدمة الانسان .

وفي جدلية الدين والانسان التي ستستفز عقل البعض، يمكن ان نطرح اسئلة مهمة في أيهما أولى بالحفظ والاهتمام .

و إذا ما اعترض معترض بان الاسلام أهم من الانسان، فسنقول له عن أي اسلام تتحدث، السني، الشيعي، الاباظي، السلفي، الصوفي؟ ثم حتى داخل تلك المسميات هناك طرق وتعبدات مختلفة، اذا كنت تدافع عن الاسلام السني فهل تعتبر الاسلام الشيعي اسلاماً؟ ونستطيع ان نسأل كل هذه الفرق نفس السؤال .

أيها القارئ الكريم، هذه الفرق المتشظية، فيها نسبة من الاسلام الاصلي وليست هي كل الاسلام، أما أنت فإنسان مسلم ولا يمكن المساس بهويتك الانسانية، التي هي أكبر وأعظم من الهوية الرمزية التي إختلقها لك بعض المستفيدين والمحاولين تعطيل القدر الاكبر من خلاياك العقلية، لكي يوهموك ان الله سيعذبك ويحرقك ويشوي لحمك في حال فكرت او تساءلت في أيٍّ من قضايا العقيدة.

في كتابه الدين والظمأ الانطلوجي يقول الدكتور عبدالجبار الرفاعي (ليست المهمة الاصلية للاديان رسم صورة مرعبة لرب العالمين وتحويل الدنيا والاخرة الى سجون أبدية ووضع الكائن البشري في قلق متواصل وزرع الخوف في قلب الانسان ص150)

عندما يشخص الطبيب مرضاً يجده في المريض لا يعتبر ذلك الطبيب متجاوزاً او محبطاً، يمكن ان نصفه عارفاً مدركاً مشخصاً، حتى ولو لم يصف الدواء لكنه تمكن من اكتشاف الخلل، هنا استطيع ان أقول انني أهتم بالمسلم أكثر من الاسلام وبالانسان أكثر من الاديان،لا ادعو للتقارب بين الاديان والطوائف لكني ادعو ارباب الدين لكي يشذبوا أديانهم ويرفعوا منها وعنها المصدوء والرديء والسام القاتل.

انا ادعو الانسان ان يحرك عقله الخاص ولا يستعيض بعقل غيره، يفكر هو بدل ان يُفكر عنه، يدرس حركته التعبدية بدل الاتكاء على الآخرين.

عندما نفكر باستقلالية فتأكدوا اننا سنلتقي بدون مؤتمرات ونحب بدون تكلف .

عندما يشتغل العقل سيتمرد على السراب وسيسحق الوهم

وستكون الواقعية هي الأصل بدون حواجز التاريخ وسيكون الانسان هو المهم وسينتعش التدين بتفعيل العقل مع الدين . وكما يقول الامام مالك إستحسان الناس للاشياء هي الدين .

اذن كفانا صراخاً الاسلام يقود الحياة ! الاسلام هو الحل ! واتركوا المسلم يتحرك بعقل منطلق غير مقيد او مؤدلج .

يجب ان تكون المرحلة المقبلة هي : المسلم ومشروع النهضة، لأن الاسلام أضحى نصوص تتعارك عليها الملل والطوائف أيهما الاصدق والاكثر جرحاً وتعديلاً وتوثيقاً والحمدُ لله الجميع يدعي ذلك. الاسلام اصبح إسلامات وقراءات متعددة ورؤى مختلف عليها وقضايا نُحر بسببها طوابير من البشر، الاسلام متعدد لكن الانسان واحد، الاسلام نص جامد لكن المسلم كائن متحرك، نصوص الاسلام قديمة لكن عقل المسلم حداثوي يتطلع نحو المستقبل.

تمكين النص من العقل توهين وإهانة للانسان وها نحن نشهد على تاريخ يمضي به اصحاب النص بقوة للايغال في طمس اي انبثاق فكري او علمي . اذن المسلم أهم من الاسلام .

 

مصطفى العمري

 

MM80 الكذب من ابرز العادات الشائعة لدى الأبناء، والتي قد تستمر معهم في الكبر إذا ما تأصلت فيهم، وهذه العادة ناشئة في اغلب الأحيان  عن الخوف، وخاصة في مرحلة الطفولة من عقاب يمكن أن ينالهم بسبب قيامهم بأعمال منافية للأخلاق، أو بسبب محاولتهم تحقيق أهداف وغايات غير مشروعة، ويكون الغرض منه بالطبع حماية النفس، وللكذب صلة بعادتين سيئتين أخريين هما السرقة والغش، ويمكن إجمال هذه الصفات الثلاثة السيئة  بـ [ عدم الأمانة ]، حيث يلجأ الفرد للكذب لتغطية الجرائم التي يرتكبها للتخلص من العقاب، وقد وجد الباحثون في جرائم الأحداث بنوع خاص أن من اتصف بالكذب يتصف عادة بصفتي الغش والسرقة، فهناك صلة وثيقة تجمع بين هذه الصفات، فالكذب والغش والسرقة صفات تعني كلها [عدم الأمانة].

يلجأ الكثير من  المربين إلى الأساليب القسرية لمنع الناشئة من تكرار هذه العادة، غير أن النتائج التي حصلوا عليها هي أن هؤلاء استمروا على هذا السلوك ولم يقلعوا عنه، وعلى هذا الأساس فإن معالجة الكذب لدى أبنائنا يحتاج إلى أسلوب آخر، إيجابي وفعّال، وهذا لا يتم إلا إذا درسنا هذه الصفة وأنواعها ومسبباتها، فإذا ما وقفنا على هذه الأمور استطعنا معالجة هذه الآفة الخطيرة.

أنواع الكذب: 

1 ـ الكذب الخيالي:

 كأن يصور أحد الأبناء قصة خيالية ليس لها صلة بالواقع، وكثيراً ما نجد قصصاً تتحدث عن بطولات خيالية لأناس لا يمكن أن تكون حقيقية. إن علينا كمربين أن نعمل على تنمية خيال أطفالنا لكونه يمُثل جانباً إيجابياً في سلوكهم، وذو أهمية تربوية كبيرة، وحثهم لكي يربطوا خيالهم الواسع بالواقع من أجل أن تكون اقرب للتصديق والقبول.

غير أن الجانب السلبي في الموضوع هو إن هذا النوع يمكن أن يقود صاحبه إلى نوع آخر من الكذب أشد وطأة، وأكثر خطورة إذا لم أن نعطيه الاهتمام اللازم لتشذيبه وتهذيبه .

2 ـ الكذب الإلتباسي:

وهذا النوع من الكذب ناشئ عن عدم التعرف أو التأكد من أمر ما، ثم يتبين أن الحقيقة على عكس ما رواه لنا الشخص، فهو كذب غير متعمد، وإنما حدث عن طريق الالتباس، وهذا النوع ليس من الخطورة بمكان، وهنا ينبغي أن يكون دورنا بتنبيه أبنائنا إلى الاهتمام بالدقة وشدة الملاحظة تجنباً للوقوع في الأخطاء.

3 ـ الكذب الادعائي:

وهذا النوع من الكذب يهدف إلى تعظيم الذات، وإظهارها بمظهر القوة والتسامي لكي ينال الفرد الإعجاب، وجلب انتباه الآخرين، ومحاولة تعظيم الذات، ولتغطية الشعور بالنقص، وهذه الصفة نجدها لدى الصغار والكبار على حد سواء، فكثيراً ما نجد أحداً يدعي بشيء لا يملكه، فقد نجد رجلاً يدعي بامتلاك أموال طائلة، أو مركز وظيفي كبير، أو يدعي ببطولات ومغامرات لا أساس لها من الصحة، وعلينا في مثل هذه الحالة أن نشعر أبنائنا أنهم إن كانوا اقل من غيرهم في ناحية ما فإنهم احسن من غيرهم في ناحية أخرى وعلينا أن نكشف عن كل النواحي الطيبة لدى أطفالنا وننميها ونوجهها الوجهة الصحيحة لكي نمكنهم من العيش في عالم الواقع بدلاً من العيش في عالم الخيال الذي ينسجونه لأنفسهم، وبذلك نعيد لهم ثقتهم بأنفسهم، ونزيل عنهم الإحساس بالنقص. 

4 ـ الكذب الانتقامي:

وهذا النوع من الكذب ناشئ بسبب الخصومات التي تقع بين الأبناء وخاصة التلاميذ، حيث يلجأ التلميذ إلى إلصاق تهم كاذبة بتلميذ آخر بغية الانتقام منه، ولذلك ينبغي علينا التأكد من كون التهم صحيحة قبل اتخاذ القرار المناسب إزاءها، وكشف التهم الكاذبة، وعدم فسح المجال أمام أبنائنا للنجاح في عملهم هذا كي يقلعوا عن هذه العادة السيئة.

5 ـ الكذب الدفاعي:

وهذا النوع من الكذب ينشأ غالباً بسبب عدم الثقة بالأباء والأمهات بسبب كثرة العقوبات التي يفرضونها على أبنائهم، أو بسبب أساليب القسوة والعنف التي يستعملونها ضدهم في البيت مما يضطرهم إلى الكذب لتفادي العقاب، وهذا النوع من الكذب شائع بشكل عام في البيت والمدرسة.

فعندما يعطي المعلم لطلابه واجباً بيتيا فوق طاقتهم ويعجز البعض عن إنجازه  نراهم يلجئون إلى اختلاق مختلف الحجج والذرائع والأكاذيب لتبرير عدم إنجازهم للواجب، وكثيراً ما نرى قسماً من التلاميذ يقومون بتحوير درجاتهم من الرسوب إلى النجاح في الشهادات المدرسية خوفاً من ذويهم.

وفي بعض الأحيان يكون لهذا النوع من الكذب ما يبرره حتى لدى الكبار، فعندما يتعرض شخصاً ما للاستجواب من قبل سلطات الأنظمة القمعية بسبب نشاطه الوطني،  يضطر لنفي التهمة لكي يخلص نفسه من بطش السلطات، وفي مثل هذه الأحوال يكون كذبه على السلطات مبرراً.

إن معالجة هذا النوع من الكذب يتطلب منا آباء ومعلمين أن ننبذ الأساليب القسرية في تعاملنا مع أبنائنا بصورة خاصة، ومع الآخرين بصورة عامة كي لا نضطرهم إلى سلوك هذا السبيل.

6 ـ الكذب الوقائي:

وهذا النوع من الكذب نجده لدى بعض الأبناء الذين يتعرض أصدقاءهم لاتهامات معينة فيلجئون إلى الكذب دفاعاً عنهم . فلو فرضنا أن تلميذاً أقدم على كسر زجاجة إحدى نوافذ الصف، فإننا نجد بعض التلاميذ الذين تربطهم علاقة صداقه وثيقة معه ينبرون للدفاع عنه، نافين التهمة رغم علمهم بحقيقة كونه هو الفاعل.

 وعلى المربي في هذه الحالة أن يحرم هؤلاء من الشهادة في الحوادث التي تقع مستقبلاً لكي يشعروا أن عملهم هذا يقلل من ثقة المعلم بهم، وعليه عدم اللجوء إلى الأساليب القسرية لمعالجة هذه الحالات، وتشجيع التلاميذ على الاعتراف بالأخطاء والأعمال التي تنسب لهم، وان نؤكد لأبناء أن الاعتراف بالخطأ سيقابل بالعفو عنهم، وبذلك نربي أبناءنا على الصدق والابتعاد عن الكذب.

7 ـ الكذب الغرضي:

 ويدعى هذا النوع من الكذب كذلك [الأناني ]، وهو يهدف بالطبع إلى تحقيق هدف يسعى له بعض الأبناء  للحصول على ما يبتغونه، فقد نجد أحدهم ممن يقتر عليه ذويه يدعي انه بحاجة إلى دفتر أو قلم أو أي شيء آخر بغية الحصول على النقود لإشباع بعض حاجاته المادية، وهذا يتطلب من الأهل أن لا يقتروا على أبنائهم فيضطرونهم إلى سلوك هذا السبيل.

8 ـ  الكذب العنادي:

ويلجأ الطفل إلى هذا النوع من الكذب لتحدي السلطة سواء في البيت أو في المدرسة عندما يشعر أن هذه السلطة شديدة الرقابة وقاسية، قليلة الحنو في تعاملها معه، فيلجأ إلى العناد، وهو عندما يمارس مثل هذا النوع من الكذب فإنه يشعر بنوع من السرور.

يحدث هذا النوع من الكذب لدى الأطفال حيث يقلدون آبائهم وأمهاتهم الذين يكذب بعضهم على البعض الآخر على مرأى ومسمع منهم، أو أن يمارس الوالدان الكذب على الأبناء، كأن يَعِدان أطفالهم بشراء هدية، أو لعبة ما، ولا يوفيان بوعودهما فيشعرون بأن ذويهم يمارسون الكذب عليهم، فيتعلمون منهم صفة الكذب التي يمكن أن تترسخ لديهم هذه العادة بمرور الوقت.

إن على الوالدين أن يكونا قدوة صالحة لأبنائهم، وأن يكونا صادقين وصريحين في التعامل معهم، فهم يتخذونهم مثالاً يحتذون بهم كيفما كانوا، فإن صلح الوالدين صلح الأبناء في غالب الأحيان ، وإن فسدوا فسد أبناؤهم.

10 ـ الكذب المرضي المزمن:

 وهذا النوع من الكذب نجده لدى العديد من الأشخاص الذين اعتادوا على الكذب، ولم يعالجوا بأسلوب إيجابي وسريع فتأصلت لديهم هذه العادة بحيث يصبح الدافع للكذب  لاشعورياً وخارجاً عن إرادتهم، وأصبحت جزءاً من حياتهم ونجدها دوما في تصرفاتهم وأقوالهم.

 فهم يدعون أموراً لا أساس لها من الصحة، ويمارسون الكذب في كل تصرفاتهم وأعمالهم، وهذه هي اخطر درجات الكذب، واشدها ضرراً، وعلاجها ليس بالأمر السهل ويتطلب منا جهوداً متواصلة ومتابعة مستمرة.

كيف نعالج مشكلة الكذب؟

لمعالجة هذه الآفة الاجتماعية لدى أبنائنا ينبغي لنا أن نلاحظ ما يلي:

1 ـ التأكد  إذا ما كان الكذب لدى أبنائنا نادراً أم متكرراً .

2 ـ إذا كان الكذب متكرراً فما هو نوعه ؟ وما هي دوافعه ؟

3ـ عدم معالجة الكذب بالعنف أو السخرية والإهانة، بل ينبغي دراسة الدوافع المسببة للكذب.

4ـ ينبغي عدم فسح المجال للكاذب للنجاح في كذبه لأن النجاح يشجعه على الاستمرارعليه.

5 ـ ينبغي عدم فسح المجال للكاذب لأداء الشهادات.

6ـ ينبغي عدم إلصاق تهمة الكذب جزافاً قبل التأكد من صحة الواقعة.

7ـ ينبغي أن يكون اعتراف الكاذب بذنبه مدعاة للتخفيف أو العفو عنه، وبهذه الوسيلة نحمله على قول الصدق.

8ـ استعمال العطف بدل الشدة، وحتى في حالة العقاب فينبغي أن لا يكون العقاب اكبر من الذنب بأية حال من الأحوال.

9 ـ عدم إرهاق التلاميذ بالواجبات البيتية.

10ـ عدم نسبة أي عمل يقوم به المعلمون أو الأهل إلى التلاميذ على أساس انه هو الذي قام به، كعمل النشرات المدرسية، أو لوحات الرسم وغيرها من الأمور الأخرى.

 

وختاماً ينبغي أن نكون صادقين مع أبنائنا وطلابنا في كل تصرفاتنا وعلاقاتنا معهم، وأن ندرك أن الطفل الذي ينشأ في محيط يحترم الصدق يتعود عليه، وأنه إذا ما توفر له الاطمئنان النفسي والحرية والتوجيه الصحيح فإن الحاجة تنتفي إلى اللجوء إلى الكذب.

 

حامد الحمداني

7/12/2016

 

abduljabar alrifaiإن خلط كل شيء بكل شيء احدى مشكلات تفكيرنا الديني الحديث، وهو ضرب من تلفيق عناصر متضادة ينفي بعضُها البعضَ الآخر، كما انه على الضدّ من منطق التفكير العقلاني وترفضه مناهجُ البحث العلمي. منطق التفكير العقلاني ومناهج البحث العلمي يعتمدان البحثَ المتواصل بغية رسم حدود جغرافية للمعتقدات والمذاهب والمدارس والاتجاهات الفكرية، وتحديد المقولات والمفاهيم والأشياء، وتمييز كل منها عن الأخرى، وتصنيفها عبر الكشف عما يتميز ويختص به كل منها، وعما يشترك به كل منها مع سواه.

مقياس تطور المعارف وتقدم العلوم  يقاس بمدى اكتشافاتها للحدود. ولولا ذلك للبثت المعرفة محدودة وساذجة وبدائية. تقدّمُ المعارف والعلوم يكفله تشعبُها واتساعها وتعدد موضوعاتها، إذ لا علوم ومعارف بشرية بلا اختلاف وتنوع.

ذهنية التلفيق تنشأ من شعور مرير يتملكنا ناجم من الخوف على هويتنا، والقلق من افتقاد خزان الذاكرة، والافتقار لرموز التراث التي تغذيها، فيوقعنا ذلك الشعور في مفارقة ملتبسة، فلا نحن بالقادرين على استحضار ما كان كما كان، ولا نحن بالقادرين على الاقلاع عما كان.

الهوية ملاذ لمن لا يجد ملاذاً له في العقل. لقد غذّى "فوبيا ضياع الهوية" من جهة، والحاجةُ الملحّة للحضور في العالم من جهة أخرى، نزعةَ التلفيق بين الماضي والحاضر، والتراث والحداثة، والأصالة والمعاصرة، والديني والدنيوي، فأنهك النصوصَ الدينية بعمليات تأويل متعسفة، لا يقبلها منطقُ التأويل القديم ولا الجديد، عبر اسقاط مكاسب الحداثة المتنوعة في الفلسفة والمعارف والعلوم على النصوص الدينية.

 هوية الجماعة تغذيها معتقداتُها ومروياتُها عن نفسها، وتصوغها أحلامُها وتطلعاتُها، لذلك تعمل الهوية على إنتاج الحقيقة في اطار أحلامها ومطامحها ومعاييرها، سواء كانت تلك الحقيقة دينية أو دنيوية.

 الهوية في عصر تكنولوجيا المعلومات ووسائل الاتصال الجديدة لم تعد ساكنة، تعدّدت وجوهُها وأبعادُها، ولا يمكن أن تظلّ ذاتَ وجه وبعد واحد، لأن الواقع الشديد التحول يفرض عليها أن تصير متعددةَ الوجوه والأبعاد، تتعدد عناصرها وتتنوع مكوناتها تبعاً لتعدد وتنوع إيقاع حركة الواقع الشديد التركيب والتغير.

بنية الهوية في عالمنا اليوم معقدة، تتألف من سلسلة طبقات متنوعة العناصر، لا تلبث عناصرُها على الدوام في سُلّم ترتيبها، ولا تمكث في موقعها، ولا تقف عند صورة واحدة من صورها، لذلك تتطلب معرفتُها تفكيراً صبوراً، يتوغل في طبقاتها، ويحلّل عناصرَها، ويضئ صورَها المتلاحقة.

 الهوية في حالة تشّكّل مستمرة، إذ لا تستطيع أية هوية أن تعزل نفسها عما يجري فيما حولها من تحولات مختلفة في العالم، وإيقاع حادّ ومتسارع للتغيير في كل شيء، ولا يمكن أن يتغير كلُّ شيء فيما تظل الهويةُ ساكنة.

الهوية في حالة صيرورة، بل هي صيرورة لا تكفّ عن التحول المتواصل، لأنها علائقية بطبيعتها، تتحقق تبعاً لأنماط صلاتها بالواقع، وما يجري على الهويات الموازية لها، وذلك يفرض عليها أن يُعاد تكوينها، فتصاغ في سياق: تفاعلها، انفعالها، تضادّها، صراعها، تسوياتها، تساكنها، تضامنها، مع كل ما يحدث في الواقع، وكلّ ما يجري على الهويات الأخرى. ممانعة الهوية ومكوثها في أنفاق الماضي يفضي إلى انغلاقها على نفسها وتحجرها، وفشلها في إعادة إنتاج ذاتها في سياق يواكب الايقاع المتسارع لتحولات الواقع، ومن ثم خروجها من العصر.

 من الوهم النظر الى الهوية الدينية كأمر قارّ ساكن، لا يتحول ولا يتبدل، يؤثر في كل شيء ولا يتأثر بشيء، وذلك ما تكذبه وقائع الجغرافيا والتاريخ والثقافة والحضارة والاجتماع البشري، كما تكذبه مسيرة الأديان، وما تخوضه من حروب داخلية، بفعل حالتها الانقسامية المستمرة، وولاداتها المتوالية فرقاً تتشظى الى فرق، وطوائف تتشعب الى طوائف.

 وعيُ البعض لشيء من صور هذا المأزق ألجأهم لتلفيق الثنائيات المتنافرة، وتركيب كلّ شيء يبهرنا في الحاضر بكلّ شيء مازال يُكبّل عقولَنا في الماضي، وقد أفضى ذلك إلى أن تتيه عقولُنا في الموضات الفكرية والسياسية، ويغرق تفكيرُنا في إسقاط كل شيء يفتننا اليوم على النصوص الدينية، في محاولة لامتلاك ما يبهرنا ولصقه بهويتنا.

لو قرأنا نماذج من أدبيات النهضة، بعد صدمة اكتشافنا الغرب وعلومه الجديدة، نجدها تسقط بعض الاكتشافات العلمية التي أنجزها غيرُنا على النص الديني، كما فعل الشيخ طنطاوي جوهري في تفسيره: "الجواهر في تفسير القرآن الكريم"، الذي استوعب تفسيرُه لكلّ ما عرفه وقتئذ من العلوم الحديثة، فاتسع لكلّ شيء ما خلا التفسير، وهكذا فعل كثيرون غيره في تلك الحقبة.

وفي مرحلة لاحقة اجتاحتنا فتنةُ الاشتراكية، فأصبح النبي محمد "ص" وبعضُ الصحابة كأبي ذر والخلفاءُ وغيرهم اشتراكيين، كما يقول لنا مصطفى السباعي في سلسلته عن الاشتراكية والاشتراكيين في الاسلام، ومحمود شلبي، وغيرهما.

وبموازاة ذلك اجتاحتنا فتنةُ اليسار، فتفشت كتاباتٌ تفتش عن اليمين واليسار في الاسلام، وتسعى لتفسير الاسلام تفسيراً ماركسياً، كما فعل بعضُ الكتّاب العرب، وآخرهم صديقنا حسن حنفي، الذي أصدر العدد اليتيم من مجلته "اليسار الاسلامي"، وكتاباته الغزيرة في هذا السياق، التي يصرّ فيها على تلفيق مقولات متكلمي الفرق المختلفة وفتاوى فقهاء المذاهب المتعددة مع مقولات ومفاهيم اشتراكية وغيرها.

واليوم تجتاحتنا فتنةُ الديمقراطية والليبرالية، بنحو أمسى فيه الاسلامُ ديمقراطياً وليبرالياً، حتى ان أشرس الجماعات الدينية المناهضة للديمقراطية أمست ترفع شعارَ تطبيق الديمقراطية. وكأن هذه الجماعات تتنكّر لأدبيات مؤسسيها ومنظّريها وكتّابها الذين كتبوا الكثيرَ من النصوص التي تزدري الديمقراطية وتبالغ في هجائها وتحذير المسلمين منها، بوصف الديمقراطية في مفهومهم هي التعبير الصريح للحضارة المادية الغربية. وإن كان بعضُ رجالها يتخذ من الديمقراطية قناعاً يختفي خلفه، بغية القبض على السلطة، والتمكن من تطبيق أحكام المدونة الفقهية.  

وفي وطننا العراق اليوم مثلاً تفشى مصطلح "مدنية" سياسياً، وكما هو معروف ان هذا المفهوم ولد وتطور في سياق الفكر السياسي الغربي الحديث، وهو يشي بدلالات لم تولد أو تتشكل في سياق اسلامي. وكلّ من له أدنى خبرة بالفكر السياسي الحديث يعلم ألّا دولة مدنية بلا ديمقراطية، وبلا فصل الدين عن الدولة، وبلا فصل الديني عن الدنيوي... يشدّد سيد قطب، في كتابه "معالم في الطريق" وغيره من كتاباته، على جاهلية الديمقراطية، وجاهلية فصل الدين عن الدولة، وجاهلية فصل الديني عن الدنيوي، وجاهلية كل المعارف والأفكار والفنون والآداب، والشرائع والقوانين، المنتجة في سياق غربي. والجاهلية كما يصرّح في كتاباته تعني الكفرَ بالله. يكتب سيد قطب: "نحن اليوم في جاهلية كالجاهلية التي عاصرها الإسلام أو أظلم.كل ما حولنا جاهلية. تصورات الناس وعقائدهم، عاداتهم وتقاليدهم، موارد ثقافتهم، فنونهم وآدابهم، شرائعهم وقوانينهم. حتى الكثير مما نحسبه ثقافة إسلامية، ومراجع إسلامية، وفلسفة إسلامية، وتفكيرا إسلاميًا. هو كذلك من صنع هذه الجاهلية!".

 ولا نعرف ما الذي سيجري في قادم الأيام من تلبيس للإسلام، وتقويل النص الديني مالم يقله، ونسبة أفكار لمفكّري الإسلام لم يفكروا فيها.

لن يخرج الدين من مأزقه، ولن تخرج مجتمعات الاسلام من مأزقها التاريخي، مالم ترسم حدوداً يتكشف فيها مجالُ الدين وحدوده ومجالُ الدنيوي وحدوده، ويكف كتّابُنا عن التلفيق ولصق كل ما يغويهم بالدين.

 لن نكتشف طريقَ الخلاص مالم يكن الدينُ ديناً لا غير، والمقدسُ مقدساً لاغير، والدنيا دنيا لا غير، والآخرةُ آخرة لا غير، والفلسفةُ فلسفةً لا غير، والعلمُ علماً لاغير، والأسطورةُ أسطورةً لا غير، والمتخيلُ متخيلاً لا غير، والأدبُ أدباً لا غير، والفنُ فناً لا غير... لا بمعنى القطيعة الجذرية بين كلّ منها، وانما بمعنى رسم صورة لكل منها تضئ ملامحَه، وتتعرف على ماهيته، وتحدد اطار موضوعه، وتعلن عن وظيفته.

ختاماً اتمنى قراءة ما يرمي اليه المقال بدقة، المقال لا يدعو لطرد الدين من الحياة، لأن ذلك فضلاً عن انه غير ممكن، هو ايضاً تعبير مبسط يتجاهل حضور الدين، ولا يدرك حقيقته.. كل ما ينشده المقال هو التنبيه على مأزق التوفيق والتلفيق ولصق كل شيء بكل شيء في تفكيرنا الديني.

 

عبد الجبار الرفاعي

 

 

mustafa alomariفي إطارها التفاعلي مع مجتمعها تقود النخب الواعية ما يشبه المعركة، للتحرر من قيود الجهل فتنثني مرة لألتقاط نفس الحياة ليتسنى لها التقدم في مشروع محاط بالغام الطيش، معركة يموت فيها العقل عند الجماهير فيحاول الواعون صعقه بجرعات متتالية من ثقافة بناءة ومتطلعة نحو الامام، ثقافة تبيح السؤال وتحرم السكوت، تستنجد بالعقل والخبرة ولا تركن الى غير العلمي، فتجعل هدفها العقل في خدمة العقل .

دائماً ما تتقدم الامم بعقول عباقرتها ومفكريها وليس بصيحات جماهيرها او بيافطات يرفعها العوام دون الاكتراث بما مكتوب بتلك اليافطة.

المهمة صعبة اذا ما قورنت بين تغيير يتمحور حول المجتمع واخر حول الدين واخر حول ذات المغير الواعي (المثقف)

فبالتالي كل هذه الفروع الثلاثة متغيرة ومغيرة وغير مطلقة في الايمان العقائدي الذي تؤمن به، هذا ما يشعرنا ان كل الاشياء المتغيرة عبر هذا الكون تحتاج الى مراجعة ثم الى تشذيب وتغيير فيما هي عليه، هذا التغيير ياتي عادةً من اقطاب المجتمع الفاعلين والمشتغلين بالحقل العلمي المعرفي، فتؤسس آجرة البناء نحو النهضة والتغيير بتلك العقول ..

مجتمع كالمجتمع العربي يصعب فيه الدوران والبحث حول الايمانات المطلقة التي تعود عليها الجمهور، فأنت يجب ان تؤمن بالحقيقة المطلقة، اي النتيجة التي ورثتها من أهلك بدون جهد او عناء.

المشكلة التي تزعجني حقاً ان المجتمع العربي يعج بالواعين والذين يحملون افكاراً متقدمة جداً، لكنهم ما ان يسنح لهم طقس ديني او اجتماعي او سياسي، حتى تجد ان اكثر هؤلاء الواعين قد انخرطوا مع الجماهير غير الواعية .

تماهي العقل الواعي مع الجماهير وممارسته لطقوس يبتدعها العقل الغرائزي المتخم بالخرافة والجهل، يقلب أحقية ذلك العقل بالتميز والتقدم والنضج ويحيله الى رقم ينضم الى صفوف ملتهبة وغير واعية . 

في كتابه سايكلوجية الجماهير، يقول كوستوف لوبون: 

(الخصائص الاساسية للفرد المنخرط في الجمهور هي: تلاشي الشخصية الواعية، هيمنة الشخصية اللاواعية، توجه الجميع ضمن نفس الخط بواسطة التحريض والعدوى للعواطف والافكار، الميل لتحويل الافكار المحرض عليها الى فعل وممارسة مباشرة، وهكذا لا يعود الفرد هو نفسه وانما يصبح انسان آلي ما عادت ارادته قادرة على ان تقوده

مجرد ان ينطوي الفرد داخل صفوف الجماهير فانه ينزل درجات عديدة في سلم الحضارة )

عندما يلتصق الواعي بالجماهير محال ان يغير بتلك الجماهير شيئاً، لكنه من الممكن ان يأخذ دوره الفعلي عندما يتقدمها كمرشد ناضج .

إنخراط بعض المثقفين والواعين في ممارسات بيئية طقوسية غير عقلية، لا ينهض بتلك الممارسات لأن تأخذ دوراً ريادياً متصدراً في المشهد الفكري الثقافي او الديني التعبدي، بل سيرتد نكوصاً على الظاهرة الطقوسية وعلى المثقف في نفس الوقت .

يتوهم بعض الاشخاص ان الطبيب والمهندس وغيرهما من حملة الشهادات العليا، متفوقون بالفكر والثقافة كما هم متفوقون في اختصاصهم العلمي ! وهذه معادلة غير منطقية تؤمن بها المجتمعات القاحلة معرفياً وتروج لها كثيراً .

يقول لوبون (يمكن أن توجد هوة سحيقة بين عالم رياضيات شهير وصانع أحذيته على المستوى الفكري، ولكن من وجهة نظر المزاج والعقائد الإيمانية فإن الاختلاف معدوم غالبا، أو قل إنه ضعيف جداً)

هذه الفقرة بالتحديد تستدعي منا التوقف عندها متمهلين، لكي نكشف بعض ما آلت اليه المنظومة المعرفية المتمثلة بالواعين، عندما انخرطوا إنخراطاً متهالكاً يريدون إشباع نهم العوام وتطمين بعض السذج من انهم (الواعين) لازالوا يفكرون في نفس الدائرة التي يفكر منها الأمي والجاهل . تفكير عزز من قوة الشارع العام في ممارساته المستفحلة نحو منطقة اللامنطق وشرعنة اللامشرعن، فتمادى ذلك الشارع بعدما تهاون المسؤول وتماهى المثقف.

ما معنى ان ينساق المثقفون خلف طوابير أسسها جهلاء القوم وعديمي المعرفة للتقرب الى الله او السلطان؟ ما تحليل إنهماك بعض الواعيين لحضور ولائم لا يكون فيها العقل حاضراً وغير مبالين او معترضين على منجز يقدم الهذيان والصياح باسم الله او الثقافة ؟!

في متاهات هذا المنزلق غير المنضبط ومع تهاون ونكوص النخبة الواعية تتراجع المجتمعات ويموت فيها العقل الذي يدرك الاشياء فينظمها ويرتبها . كما يقول ابن رشد .

مشكلتنا محيرة حقاً فعندنا القدر الكافي من المثقفين والناضجين، لكن ليس عندنا القدرة على التقدم نحو مشروع علمي فكري . الرعب المسطور في اذهان بعض النخبة، اتى بنتيجتين غير مرضيتين وهما:

 

انغلاق المثقف على ذاته وانطواءه على معلوماته دون ان يفصح او يشرك احداً بها

أمام هذا التماهي من قبل المثقف يتمادى المجتمع بطروحاته غير العقلية ويسحب كله بكله الى دائرة الفعل أمام اللاتفكير .

مهمة الواعين الان ليس الردح مع الجماهير غير الواعية، بل الاشارة لتلك الجماهير على الاستدلالات العقلية والدينية وتثقيف المجتمع بجرعات فيها وعي مغاير ناهض لا يحتمل المحاباة والمجاملة، مالم تكن رغبتنا بالتغيير حقيقية سنلبث مصفدين أمام ولائم موت العقل الجماعي وسنشيع ارواحنا بايدينا وبرغبات خارجة عن قدراتنا لإيقافها.

 

مصطفى العمري