jawadkadom gloomحينما نقارن بين ما نحن عليه من وهنٍ وتراخٍ وفتور في انشطة العقل السائد بيننا وبين الفكر المتطور الذي ابتكرته العقول الناجزة في العالم المتمدن والابتكارات السريعة التي يخلقها ويضعها امام شعوبه من اجل اسعادهم وارتقائهم الى مدارج نماء وسلالم الرقيّ بأعلى صفوفه؛ يصيبنا الحزن والأسى والنكوص لما نحن عليه من تخلّف وصل الى مدى الرثاء، كل ذلك سببه احتضار العقل وتكاد تتلاشى انفاسه وهو في الهزيع الاخير، قريبا جدا من الموت فاضحى جثة هامدة لا روح فيها فلا ابتكار ولا اكتشاف ولا ابداع ولا رؤى جديدة ولا قدرات عقلية خلاّقة تعمل على انتشالنا من عالم الفقر والجهل والخرافة والتهويمات المنتشرة بيننا

وكلّ الامم والشعوب الراقية التي تصادف الكثير من الصعاب والعراقيل تلجأ لعقول صفْوتها وعلمائها ومفكريها وسياسييها ذوي الحذق والفطنة من اجل تجاوز تلك الصعاب والمطبات التي لاتخلو منها حياتنا او حتى تذليلها بجهود عقلية مبتكرة تشاركه جهود عضلية ليكون واقعا ملموسا، هذه هي سمة الشعوب الحيّة الصاعدة

ولنضرب مثلا بسيطا فإذا انعدم المطر وشحّت المياه في موسم ما يعمل هؤلاء على انتاج مطر صناعي لتزهر الحقول وتنمو بدلا من ان يتجمعوا ليؤدوا صلاة الاستسقاء . واذا شحّ مصدر الطاقة يعمل الناشطون العقليون بكل جهدهم على انتاج طاقة بديلة وقد يكون انتاج هذه الطاقة البديلة انظف وارقى وارخص تكلفةً؛ ولو تعثّر قطاع الصناعة او الزراعة على سبيل المثال يمكن للنشاط السياحي ان يكون بديلا ويدرّ الكثير من الموارد دون ان ينبس احد بكلمات التشجيع ويعلن المتشدقون وهواة الاختلاف ان هذا حرام او يقول المتخرّصون ان بلادنا صارت مرتعا للأجانب بذرائع واهية على ان السيّاح ينشرون فيها المفاسد والآثام والفسوق لأنهم كفرة يجولون بيننا او اهل كتاب او ملاحدة وما الى ذلك من الاتهامات الرخيصة التي لاتشبع بطنا جائعة او روحا ظامئة للرواء والرخاء الاقتصادي

والجهد سواء كان عقليا ام بدنيا هو الطريق الاسلم للتمكّن والقدرة على خلق بناء تحتي وبروز حضاري مثلما الثقافة والوعي والتعليم الحسَن الممنهج سبيلا الى التحضّر والارتقاء له الفعالية على تشييد بناء فوقي يوافق الزمكان ودون ان ننسى تشذيب ذلك البناء الفوقي من الخرافات والتهويمات والعقائد غير النافعة التي تبعث الكسل والخمول وتعطّل قدرات الانسان الخلاّقة

الامم الراقية تتعلم من النقد البنّاء وتستفيد من تجارب الشعوب ان انتكست او انتصرت على معوّقاتها وتعتبر نجاح الاخرين نجاحا لها ويكون صعودها مصدر إلهام لها وانتكاساتها في حالة زلاّت اقدامها ويصير درسا يقيها الوقوع في مزالق الخطأ والتدبير غير الفعال

والشعوب الحية لاتعرف التسويف والتأجيل في حل المعضلات وايجاد سبل العلاج بل انها تعرف كيف تجهّز الدواء قبل حلول الداء، تلك الشعوب الحيّة مصنع دائم للابتكار وصيانة العقل وإدامة الحياة بأفضل مايمكن فان حلّ الجفاف في اراضيهم وتصحرت بقاعها ملأوا سماءها غيوما صناعية تمطر في الزمان والمكان الذي يريدونه وان قلّت مصادر طاقتهم اسرعوا بانتاج مصادر بديلة ونظيفة وان انتشرت افكار سقيمة في اوساط مجتمعهم عالجوها بالحوار والتوجيه والتأهيل كي يعود المجتمع الى صوابه وألاّ فالقانون الوضعي المعجّل يتأهب للردع والحزم والعقوبة دون ان يفوّضوا امرهم الى الغير كائنا من كان؛ واقعيا ام افتراضيا أوالى عقاب الاخرة المؤجل

هو ذا العقل الناجز الذي يتربّص بأيّ شيء فيه اخلال او خطأ او نقص ليعالجه قبل ان يستفحل ويتفاقم على العكس من العقل القاصر العاجز الذي يتجنب التحديات ولايقف امامها خوفا وهلعا وعجزا ويهرب الى التبرير وهذا العقل يرتعب من اية كارثة قد تحلّ او مشكلة طارئة قد تحصل فكيف به اذا جابه مشكلات مستعصية تحتاج الى تكثيف عقلي كي يمكن تذليلها ؟؟

والعقل العاجز يعتبر كل جهد مهما كان نوعه عديم المنفعة ويرضى بما يسمى " المقسوم " و " المقدّر " من قوى خارجية يظنّها خارجة عن ارادة الانسان والأكثر ايلاما وبؤسا انه لايتقبل النقد البنّاء ويصرّ على قناعاته التي استقاها من رواسب تربوية عفا عليها الزمن ومن رؤى عوراء لماضٍ سحيق خارج اطار الزمان والمكان الذي نعيش فيه الان وتراه يأنس بالاستسلام والركون الى القضاء والقدر لأن العقل السقيم ضعيف ومهزوز لايستطيع الانتصار على الصعاب

انه عقل تبرير لا تفسير وتراه يبرر الفشل في المعالجة الى قوى خارجية غيبية وينبش في الماورائيات للبحث عن منقذ خارج منظومة المجتمع الذي يترعرع فيه ؛ فهذا العقل التبريري منطوٍ على نفسهِ أعزل الارادة وجبان خائف حتى من أقلّ المشكلات وأوهن المطبّات

والعقل العاجز يخاف من النجاح الذي يتسابق عليه الاخرون ولا يقف على اهبة الاستعداد او يثب راكضا حاله حال عقول الامم والشعوب الحية الناهضة بعقولها وان ركض استحياءً ؛ تراه يلهث في اول المضمار ويرتخي قبل ان يصل الى الهدف، والغريب انه يقوى وينشط على غير عادتهِ فيما لو أحسّ بوجود فكر متنور في اوساط مجتمعه ويحاول بشتى الطرق ليعمل على إطفائهِ ؛ بينما العقل الناجز يعتبر طفرات الرقي والنهوض مازالت اقل من الطموح ويحاول بين آن واخر ان يحصل على رقم قياسي اعلى مما سبق بينما العقل العاجز يفقد تماما روح المنافسة وليس لديه مصدر الهام ليكون في مصاف النجاح لأنه ببساطة منزوع من سلاح الاصرار والثبات والعزم

لست ممن يندب ماضيا عريقا انقضى ولكني اقول اننا كنا سبّاقين في هضم واستيعاب وتقبّل تجارب وأفكار الشعوب ونقل عقولها الى إرثنا الحضاري في عمليات لقاح حضاري وتمازج ثقافي، ولا اريد ان اذكّر بالترجمات العريقة للنفائس والكتب المتنوعة التي كنا نأخذها من الاغريق والرومان وفارس والهند كي نلقّح بها عقولنا ونشذّب حضارتنا مما علق بها من شوائب ضارة ونضفي على موروثنا كلّ ماهو نافع وملهم من نتاجات الشعوب الفكرية وإبداع عقولهم سواء في الطب او الرياضيات او الفلسفة او الادب او الهندسة والعمران، وما التراجم الجمّة التي حفلت بها المكتبة العربية والاسلامية منذ العهد العباسي الاّ دليل حيّ على تكوين خلطة فكرية حيّة انتجت حضارة اسلامية فتحت صدرها رحبا وسعة على العقل المفكّر ايّا كان منشؤه فما بالنا اليوم نرتعد خوفا من ابتكارات الشعوب التي أرست اسس المدنية والتحضّر واستعانت بالحركات التنويرية ووصلت الى ماوصلت اليه الان من تقدّم ملحوظ في البناء السياسي السليم من خلال ترسيخ الديمقراطية وانظمة الحكم البرلمانية واللجوء الى صناديق الاقتراع الذي يمثّل خيارات الشعوب فيمن يقودها ويخدمها ويوصلها الى الطريق الافضل والأكثر رفاهية ورقيّا ؛ كل ذلك بسبب تدريب العقل على ابتكار الحلول من خلال التفكير السليم والانشغال بالغير قبل الذات

وماعلينا الان سوى ان نتعلّم من تجارب الشعوب والأمم الناهضة ونعترف بتقصيرنا وتخلّفنا، نتعلم كيف تدار مؤسسات الدولة بشكل ديمقراطي ونعترف بلا استحياء اننا في الصفوف الاخيرة وعلينا ان نحثّ الخطى ونطمر الكثير من قناعاتنا وإرثنا المعيق غير النافع وهناك من خزعبلات التراث علينا حرقها ودفنها الى الابد ولا يصلح الاقتداء او الاستعانة بها لانها شرر يتطاير على رؤوسنا يحرق الاخضر واليابس ويحيل الاخيار الى اشرار والنهضة الى كبوة ولابدّ من إعمال العقل ليتوافق مع الزمكان الحالي وكم من الشعوب غربلت فكرها وأبعدت الغثّ عن السمين وفرزت السقيم عن الصحيح وعزلت الافكار الصديئة عن الصقيلة ومهّدت السبيل الى مسارها للطريق الأسلم والأنفع والأجدر لانها تريد ان تنهض فالنهوض لا يتحقق اذا أسندت السلالم على أرض هشّة، كما اننا نحتاج عقل حاذق يشير اين نضع خطانا، فالتحليق الى الاعالي لا يتمّ بجناحين مهيضين ولو كانا جناحَي كاسرٍ قويّ الشكيمة

 

جواد غلوم

asaad alemaraمرة أخرى يكون الدين عامل يقود العقل بلا تروي، بلا وعي، والأحرى لنقل مصادرة العقل تماما، أنه الإفتتان الديني!!. يَعرف من درس علم الإجتماع حق المعرفة هذا المفهوم؟ وما هو تأثيره على الإنسان؟ وكيف يقوده بلا وعي إلى الهلاك، فعلا أنه يكون مسير من قبل شخص ما، قد يكون مرجعه الديني، أو تلميذه أو مريده، أو من يزقه العلوم الدينية زقًا بلا وعي.. إنه الإفتتان الديني.

تعرف الموسوعة الفلسفية الوعي بوصفه حالة عقلية من اليقظة يُدرك فيها الإنسان نفسه وعلاقاته بما حوله من زمان ومكان واشخاص، كما يستجيب للمؤثرات البيئية استجابة صحيحة.

ويعرف ايضا بأنه اتجاه عقلي انعكاسي، يمكن الفرد من إدراك ذاته والبيئة المحيطة به بدرجات متفاوتة من الوضوح والتعقيد.

أما التلاعب بالوعي فيمكننا أن نعرفه

كما يطرحه"الباحث..د. اسعد الاماره" هو قوة تأثير نشر الأفكار المتطرفة، أو غير المقبولة لدى عامة الناس بأساليب ملتوية، مستهدفين بذلك التأثير على الجوانب المعرفية "الادراك، التفكير، اسلوب حل المشكلة، العاطفة" وتحريفها الوعي.

أما الإفتتان الديني

فهو الإفتتان برجل الدين حد العبادة، أو بالطائفة، أو المذهب، أو الدين، ويغلب على سلوك الفرد أو الجماعة التوحد أو تقمص شخصية الدين الجمعية، أو المذهب، أو الطائفة، ولن يكون هناك فرق بينه وبين موضوع الإفتتان، فيكون عقله مُصادرْ، وسلوكه جمعي، أي تقمص كامل له.

تعد العبادات والرقص الديني نوعاً من السلوك الجمعي التي تمارسه المجتمعات في مختلف بقاع العالم حيث كانت الموسيقى والرقص هي إحدى وسائل أداء العبادات الدينية، وقد استمر هذا التقليد لعدة قرون وما زال لدى بعض الملل والنحل والطوائف ومنها الفرق الصوفية في الإسلام وبعض المجموعات ذات البشرة السوداء التي تستخدم الايقاعات الموسيقية مثل الرقص الديني، وربما استخدمت الموسيقى كطقوس دينية ووسيلة للعلاج النفسي وفي اعتقاداتهم، انها تبرأ من الأمراض وبعض الحالات غير السوية .

وهناك بعض الامثلة:

- العبادة بالرقص:

مارس مجموعة من اليهود الآرثوذوكس وتسمى هذه الطائفة (اليهود الحسيديم) .. فهم يعبرون عن العبادة بالرقص والأغاني والموسيقى .. وهي جزء من ممارساتهم الدينية .. وعدوها أيضاً جزءاً من التقوى والصلاح والعبادة . ويتجاوز اليهود الحسيديم ذلك إلى التعدي على مكانة الانبياء وقداسة الرسل بنسب مالا يليق بهم .. فقد ذكروا في التوراة أن النبي اليسع عندما كان يريد التنبؤ يطلب أن يؤتى له بعوّاد يضرب له بالعود (والآن فآتوني بعواد، ولما ضرب العواد بالعود كانت عليه يد الرب - سفر الملوك الثاني - )، ويدعي الحسيديم أن أكثر المزامير التي تنسب إلى داود كانت تغنى مع ألات موسيقية .

كان موسيقيو المعبد مقسمين إلى 24 موسيقياً .. وبعد تهديم المعبد انتقل الغناء إلى الكنيس .

ويعُبّر الغناء والرقص عند الحسيديم عن تماسك الجماعة ووحدتها .. ويقولون بأن للغناء معنى تحلق فيه روح الإنسان إلى الآفاق العليا وترتقي .. وقد اعتقدوا أن الإنسان يكون قريبا من الحضرة الإلهية فقط حينما يكون سعيداً ومسروراً .. وللحسيديم أقوال كثيرة في أهمية الأغاني وتأثيرها ..

- وفي اسيا – جنوب شرقي أسيا - ضمن دول كوريا والصين واليابان فقد استخدمت الموسيقى الدينية باوسع اشكالها ففي مملكة كوريو- كوريا الحديثة، كانت موسيقى مملكة شيلا هي نفسها السائدة في عصر مملكة كوريو(918-1392) في الدول المجاورة لها، ولكنها سرعان ما تنوعت فيما بعد وتكونت موسيقى دينية خاصة نابعة من تراث تلك الدول والممالك وثقافاتها السائدة . فكان هناك ثلاث أنواع من الموسيقى في مملكة كورويو هي / تانغ اك أو موسيقى مملكة تانغ الصينية، هنلنجاك أو موسيقى القرى، وأه- آك أو موسيقى النبلاء. إذنْ كانت موسيقى للفقراء وموسيقى للنبلاء على حسب الطبقات الحاكمة في المجتمعات، وتم وراثة بعض من موسيقى كوريو بواسطة مملكة جوسون 1392-1910. كما لا يزال بعض منها يستخدم إلى الآن في المناسبات الخاصة مثل الشعائر والعبادات خاصة فيما يتعلق بعبادة الاجداد. . وكما هو الحال في الموسيقى كان أيضا في الرقص، حيث كان في كوريو من موروثات عصر الممالك الثلاث ولكنها أضافت عليه فيما بعد فنون أخرى للرقص وذلك مع بداية رقص النبلاء والرقص الديني من مملكة سونغ الصينية.

- أما في التاريخ الإسلامي فقد كانت الإيقاعات الموسيقية باستخدام بعض الآلات لدى معتنقي الطرق الصوفية كوسيلة للتوحد مع الشيخ من قبل المريد والذوبان في حب النبي "ص"، واستخدمت هذه الطقوس الدينية في بداية القرن العاشر الميلادي، وقادها رجال دين مسلمون زهاد عرُفوا بتقواهم وتوعد هذه الجماعة مريديها بمكاسب مادية ومعنوية لا في الدنيا فحسب بل في الآخرة ايضاً، إلا أن بعض رجال الدين ممن لا يؤمنون بهذه المذاهب حرموها واعدها البعض منهم بدعة.

- من أمثلة الافتتانات في العالم في تاريخنا الحديث ما حدث في غانا في العام 1978:   لقد مات أكثر من 900 رجل وامرأة وطفل في مجزرة انتحارية في العام 1978 في مقاطعة منعزلة بـ (جونزتاون) – غانا، يبدو أن قرار الموت صنعه شخص واحد وهو القس "جيم جونز" فقد احتسى معظم اتباع جونز ماء مذاب فيه اقراص سيناميد الموجود في الوعاء مما ادى إلى مقتلهم كلهم والسؤال ما الذي يجعل الناس يستسلمون لحكم الفرد بهذه الطريقة ؟

يرى علماء النفس والاجتماع، أن قادة هذه المجموعات يستخدمون عادة أساليب معضلة من شانها جعل مثل تلك الطاعة العمياء امرًا محتملًا، فهم يميلون إلى أن ينضم إلى الجماعة الأفراد المستجيبون خاصة والذين يتأثرون بالإيحاء والتقبل لهذه الأفكار.

أما اليوم وفي التاريخ المعاصر، بداية القرن الحادي والعشرون، وبالاخص انتشار الطائفية بشكل مذهل، فقد أنتشرت ظاهرة الإفتتان الديني برجل الدين، أو بسلوك الأفراد المتطرفين في العنف أو التعذيب أو التمثيل بقتل الضحية بأبشع صورة، وإسنادها إلى التاريخ الإسلامي، وإختلاق أما نص للكتب الدينية المقدسة، أو لإحاديث مشكوك نسبها إلى النبي أو إلى الامام،أو لرجل من الصالحين !!، لا سيما أن الصراع الطائفي هو السائد الآن، وهو الموضة لدى الجيل من الشباب وقوة التأثير هي الأقوى على عقول الشباب واستبدال الوعي بوعي جديد، يميل نحو التطرف، رغم إن العالم اليوم يميل نحو الإنفتاح بين الشعوب، والإعتدال الجمعي لسلوك البشرية، والتقارب بفعل العولمه بجانبها الإيجابي من خلال التواصل والتقارب وتبادل المعلومات، إلا أن الإفتتان الديني وإتباع المرجعية التي يؤمن بها الشباب سواء كانت دينية، أو مذهبية، أو سياسية، في عالمنا الثالث – العالم المتخلف، هي التي تؤثر على عقولهم، وإختلاق رموز ليست واقعية.

 

د. اسعد الاماره

*استاذ جامعي وباحث نفسي

 

fatehi alhabowbiلا جدال في أنّ هناك جدليّة قائمة بين الموقف من حدث ما- بما هو ردّة فعل في علاقة بإعجاب الإنسان أو مقته لهذا الحدث- والصورة الإيجابية أو السلبية التي يخلّفها لدينا هذا الحدث في علاقة بالزمان والمكان. ذلك أن إختلاف الزمان أو المكان- بما هو اختلاف للظروف- قد يجعل الإنسان يغيّر موقفه من النقيض إلى النقيض، أو على الأقلّ يعدّله ليكون أكثر عقلانيّة وموضوعيّة ورصانة. ومعلوم أنّه خارج إطار الدين، لا أحد بإمكانه الإدّعاء بأنّه يمتلك الحقيقة المطلقة. لأنّ الثابت أنّ هناك حقيقة متعدّدة ونسبيّة لا حقيقة واحدة ومطلقة. لذلك إختلف الفلاسفة في تعريف الحقيقة فنظر إليها "أفلاطون" كواقع مفارق لعالمنا الحسّي، وأعتبرها "أرسطو" كواقع محايث -أي أنّها موجودة في العالم الحسّي وليست مفارقة له- ونظر إليها "ديكارت" باعتبارها مطابقة الفكر لمبادئه الذاتية.(أنظر المعجم الفلسفي لأندري لالاند(André Lalande). وفق هذا المنظور، فلا غرابة إذن أن يمجّد الإنسان حدثا ما، ثمّ ما يلبث أن يستهجنه بشراسة منقطعة النظير إذا ما استجلاه بالمساءلة واستقرأ أبعاده المختلفة ونظر إليه بعين ناقدة، أو توفّرت لديه معطيات وأدلّة جديدة حوله تصبّ جميعها في اتّجاه معاكس لما كان يعتقده عين الصواب. فكلّ موقف ، له بالتأكيد زوايا نظر مختلفة. والإصرار والعناد على الإبقاء على مواقفنا وآرائنا على ما هي عليه- كأنّها من المقدّسات- رغم الأدلة التى تناقضها، إنّما هو علامة من علامات الغباء. تكريسا لهذه المقاربة فإنّ المثل الفرنسي الشهير يقول : « وحدهم الأغبياء لا يغيّرون رأيهم » (seuls les imbéciles ne changent pas d'avis).

ودون الدخول في متاهات النظريات التي تتناول كيفية تشكيل الموقف وتغييره، لأنّ المجال هنا ليس مجالها، فإنّي أكتفي في هذا السياق بالإشارة فقط إلى أنّ من يكون على درجة كبيرة من الكبرياء فإنّه يصعب عليه تغيير مواقفه. وهو ما يعني فيما يعني أنّ الكبرياء والغباء إنّما هما وجهان لعملة واحدة، هي للأسف، كثيرة الرواج بيننا نحن العرب. وتأسيسا على ذلك، فإنّي اعتبر أنّ "جان جاك روسو" كان ذكيّا جدّا، لا بل وعبقريّا، ليس لأنّه كان له بالغ الأثر في مجريات الثورة الفرنسيّة، وفي نظريّة كارل ماركس (Karl Marx)الاشتراكية، وفي فلسفة إيمانويل كانط (Emmanuel Kant) صاحب "نقد العقل المحض"الذي أبان فيه قصور ومحدوديّة بنية العقل، وفي فلسفة آرثر شوبنهاور (Arthur Schopenhauer) صاحب "العالم فكرة وارادة" الذي أبان فيه أنّ العقل إنّما هو مجرّد أداة بيد الارادة التي تتحكّم به، وفي نصوص جوته (Goethe) الروائيّة والمسرحيّة والشعريّة ، وفي أدب ليون تولستوي (Léon Tolstoï) وخاصة في الجانب الاخلاقي منه وتفضيله العيش وفق أسلوب حياة الفلاحين، وفي الإبداعات الكثيرة للكاتب الروسي فيودور دستويفسكي(Fiodor Dostoïevski) وللشاعرالألماني فريدريك هولدرلين (Friedrich Hölderlin) وغير هؤلاء المشاهير، بل لأنّه كان له من الشجاعة ما جعله يغيّر مواقف له وآراء كثيرة كانت على غير صواب. ولأنّه لم يخش في ذلك مؤاخذات ولا مشاكسات الأوساط المثقّفة الملحدة المعادية له إيديولوجيّا من منطلق احتفاظه بإيمانه الديني. لا بل ولأنّه لم يخش كذلك- وهو الأهمّ- حتّى تلك السطوة النقديّة لكبار فلاسفة التنوير الذين عاصروه - بمن فيهم من بنى مجده قبل ظهوره- وكان زعيمهم الذائع الصيت، وأكثرهم شهرة بل وسلاطة لسان وشراسة في الدفاع عن آرائه، خصمه الألدّ "فرانسوا ماري أرويه"(François-Marie Arouet) شهر فولتير، وهو القائل :« الانحياز هو الرأي من دون تحكيم العقل ». بما يعني انّ فولتير نفسه لا يختلف مع روسو في هذا الشأن رغم اختلافه معه في كلّ شيء. وهو لا يرى حرجا في تغيير رأيه إن كان لاَ مَنْدُوحَةَ لَه عَنْ ذلك، بعد وضع الرأي تحت مجهر العقل الذي لا سلطان عليه لدى فلاسفة التنوير. وهم أيضا ملحدون في أغلبهم. لأنّ لا إلاه عندهم سوى العقل الذي لا سلطة عليه لأيّ نصّ مهما كانت قداسته. لكنّ هذا العقل الذي له هذه المكانة المميّزة التي تجلّه عند الغرب يتبرّأ منه ويكفّره -للأسف- أحد من نسمّيهم أصحاب المذاهب الإسلاميّة الأربعة-وهي ليست موضوعيّا إلّا ثلاثة فقط – ألا وهو أحمد بن حنبل الذي يرى أنّ العقل ذاته كفر. وتأسيسا على ذلك، فهو يرفض بشدّة استعمال العقل حتّى أنّه خاض معارك طاحنة مع من يستخدمون عقولهم في فهم الوحي تأويلا وتعليلا وتنزيلا، ووجّه لهم اتهامات كثيرة وشتائم خسيسة لم يسلم منها حتّى أبو حنيفة النعمان المشهور بإمام أهل الرأي -رغم أنّه أوّل الأئمة "الأربعة " وسيّد الفقهاء في عصره- لأنّ هذا المتفقّه أو المتطفّل على الفقه يرى أن « القول بالرأي والتعليل والمقاصد؛ تشريع عقلي، فيما أنّ الدّين إلهي !! ». ولعلّ ما هو أغرب إنّما هو أن نعتبر الحنبليّة مذهبا فقهيّا، لأن فكر التكفير وسفك الدماء ليس باستطاعته أن يبني مذهبا متماسكا ومقبولا. أضف إلى ذلك أنّ بعض أقطاب علماء أهل السنّة، ومنهم الطبري وابن جرير وابن عبد البر، لا يعتبرون بن حنبل فقيها، بل يعتبرونه مجرد ناقل حديث/محدّث(1). وقد وصفه أحد معاصريه هو وأتباعه بالصبيان ؟. وهو على حقّ، لأنّ ما نعانيه اليوم ممّا تأتيه القاعدة وداعش ونحوهما من أعمال عنف وإرهاب يستحي من فعله إبليس كبير الشياطين، إنّما هو نتيجة للفكر الصبياني التكفيري الذي أسّس له أحمد بن حنبل ونهجت عليه السلفية وكرّسه الفقه الوهابي المتخلّف والمنحرف في ما يمكن تسميته بفقه الدماء. المعذرة عن هذا الإستطراد الذي فرضته المقارنة بين فكر الأنوار المنفتح على الحياة والفكر الظلامي المنغلق على الذات والمنفتح أبدا وقصرا على الموت وسفك الدماء.

ولعلّه من الضروري التأّ كيد على أنّ روسو صاحب "العقد الاجتماعى" الذي هو بمنزلة "الكتاب المقدّس" للثورة الفرنسية العظيمة، إنّما هو رجل ثوري لا يعرف المهادنة. حتّى أنّ كارل ماركس ملهم الثورة البولشفيّة نوّه به وقال عنه: « لقد رفض روسو دائما كل تسوية مع السلطة القائمة ». غير أنّه رغم هذه الشخصيّة القويّة، التي تبدو عنيدة في ما يتعلّق بالمبادئ الثابتة إلّا أنّها في واقع الأمر مرنة فيما عدى ذلك. إنّها شخصيّة رهيفة الإحساس، بدليل قول روسو « إن قلبي الحساس كان أس بلائي كلّه*»، لكنّها ترفض الإكتفاء بالرؤية الضيّقة والأفق المحدود لأنّها توّاقة أبدا إلى الحريّة. بهذا المعنى فإنّ روسو لا يجد غضاضة في تغيير آرائه ومواقفه من الضدّ إلى الضدّ، حتّى وإن تعلّق الأمر بمذهبه الديني أو به شخصيّا كموضوع. وفي هذا يذكر روسو في كتاب "الإعترافات" ما سيقوله بصوت عال امام الله يوم الحشر : « لقد تحدثت إلى الأبرار والأشرار بنفس الصراحة، وما أخفيت شيئاً فيه سوء، ولا أضفت شيئاً فيه خير. وقد أظهرت نفسي كما أنا: حقيراً خسيساً حين كنت كذلك، وخيراً سمحاً نبيلاً حين كنت كذلك، لقد أمطت اللثام عن أعمق أعماق نفسي»*. ولعلّ هذا ما يفسّر تحوّله من البروتستانتيّة إلى إعتناق الكاثوليكيّة ثمّ العودة إلى البروتستانتيّة /الكلفينيّة. وسنتبيّن فيما بقى من هذه العجالة تراجع روسو عن بعض مواقفه الخاطئة من خلال بعض النماذج من نصوصه. حيث أنّ روسو، وهو في السابعة والثلاثين من عمره، وفي أوّل مقال له، جوابا على سؤال طرحته أكاديمية ديجون(Dijon) وهو : « هل أعان إحياء العلوم والآداب والفنون على إفساد الأخلاق أم على تطهيرها؟» هاجم منجزات العلم، وتمظهرات السلوك الرّاقي المهذّب بالمجاملات، وكذا إبداعات الفن. كما دافع عن الدين مؤكّدا على أنّ الأخلاق قد زادت سوءا والروح قد زادت جفافا نتيجة لحلول المنطق محل الوجدان وحلول العلم محل الدين. يقول روسو« ما بال هذا "التقدم" الذي يزهون به، و"تحرير العقل" هذا الذي يفاخرون به-هل أحلّا شيئاً محلّ ما دمّراه؟ هل أعطيا الإنسان صورة للعالم ومصير الإنسان أكثر وضوحاً للأفهام أو إلهاماً للنفوس؟ هل حسَنا حظوظ الفقراء، أو أتيا بالعزاء والسلوى ... للمتألمين المكروبين؟»* ومن بين الأمثلة التي إستشهد بها روسو في هذا المضمار أنّه لمّا أخضع شارل الثامن ملك فرنسا "توسكانيا" و"نابلي" لحكمه دون مقاومة تذكر من روما، « عزت حاشيته كلّها هذا النجاح غير المتوقّع إلى انصراف أمراء إيطاليا ونبلائها باهتمام أعظم إلى تثقيف عقولهم دون الاهتمامات النشيطة والأعمال العسكرية » بحيث أنّ « الفنون والآداب تنخر في عافية المحكومين والحاكمين*». ويشير روسو في نهاية المقال إلى أنّه يجب على الناس أن يتعلّموا « ولو مرة أن الطبيعة كانت تحميهم من العلم، تماماً كما تخطف الأم سلاحاً خطراً من يدي ولدها* » ثمّ يخلص إلى « أنّ رقي العلم قد أفسد أخلاق البشر أكثر مما طهّرها *». وهو ما قد يتقاطع في جزء منه مع ما ذهبت إليه سيمون دي بوفوار، في عصر غير عصر روسو، حيث قالت : « مهما كانت الدولة، رأسمالية أو اشتراكية، فالإنسان مسحوق أينما كان من طرف التكنولوجيا، التي تجعله متغرّبا عن عمله، مسجونا، ومجبرا على التخلّف ».

وبديهي أن لا تقبل هذه الافكار النّاشزة التي تندّد بالعلم والفلسفة والفنون وتخالف توجّهات العصر. لا سيما أنّها ظهرت في فترة إرهاصات مخاض الثورة الفرنسيّة التي آمن مفجّروها لا بالعقل فحسب بل وبفكرة الأخذ بأسباب التقدّم في مختلف تجلّياته العلميّة والثقافيّة فضلا عن ازدهار الآداب والفنون الجميلة، بما جعل الفيلسوف دنیس دیدرو (Denis_Diderot) يستعدّ أنذاك لإصدار ولأوّل مرّة "موسوعة الفنون والعلوم والحرف" (encyclopédie) . لذلك تصدّى الجميع لأفكار روسو وقاومها ليغدو روسو مرفوضاً من المجتمع، بل منبوذا ومتّهما بالجنون مجسّدا فعلا وبحقّ مقولة « إنّ أعالي الأشجار هي التي تداعبها الزوابع *».

   وعلى قاعدة « لا يعرف الحق بالرجال ولكن يعرف الرجال بالحق » . أقرّ روسو لاحقا، في آخر كتاب له وهو "الاعترافات" بأن ما ذهب إليه في مقاله الأوّل كان ضعيف الحجّة حيث أنّه« كان مفتقراً الافتقار كلّه إلى المنطق والنظام وإن زخر بالقوة والحرارة؛ فهو أضعف ما كتبت إطلاقاً من حيث الحجة، وأخلاه من الإيقاع والانسجام* ».

وهو اعتراف بالخطأ سيقوم بمثله الفيلسوف مارتن هايدغر (Martin Heidegger) حيث أنّه عندما تولّى منصب عميد إحدي الكلّيات الألمانية صرّح بإنّ « الفوهرر(Führer) -وهو الفاشي هتلر أنذاك- نفسه ولوحده هو حاضر ومستقبل الواقع الألماني وقوانينه ». ولمّا سئل عن ذلك لاحقا أكّد أنّ هذه الشهادة جاءت في إطار التنازلات التي بدونها لا يمكن تزكيته للمنصب. مؤكّدا في ذات الوقت أنّه لا يمكنه اليوم أن يكرّر مثل هذه الكلام.

وأمّا في مقاله الثّاني الذي كان هو الآخر مثيرا للجدل، والذي كان أيضا يجيب في ثناياه على سؤال طرحته أكاديمية ديجون(Dijon) وهو : « ما الأصل من عدم المساواة بين البشر، وهل يقرّه قانون الطبيعة ؟» فقد زعم روسو أنّ عدم المساواة بين البشر كان من نتائج تخلّي البشر عن الحالة الطبيعية، وأعتمادهم للملكيّة الخاصة التي تحميها الدولة بفرض القانون. وأنّه من الأفضل أن يعيش الناس حالاً من الهمجية يحافظون فيها على البساطة وعلى مزايا الطبيعة وتكون حالة وسطى بين الحال الطبيعية، والحال الاجتماعية. وفي سياق التغنّى بمناقب الإنسان الطبيعى الطاهر يقول روسو « حين نفكر في بنية المتوحشين القوية(...) وفي أنهم لا يكادون يعانون من أي علل (...)، يغرينا هذا بالاعتقاد بأننا في تتبعنا لتاريخ المجتمع المدني؛ إنما نحن نروي تاريخ أمراض البشر ». معتبرا «أنّ أغلب عللنا من صنعنا، وكان يسير علينا أن نتجنبها، كلها تقريباً، بالتزام أسلوب الحياة البسيطة، (...)، الذي قررته الطبيعة. فإذا كانت الطبيعة قد قضت بأن يكون الإنسان سليماً صحيحاً، فأنني أجرؤ على الزعم بأن حالة التفكير والتأمل حالة تناقض الطبيعة* ».

ويرى روسو أنّ العصر الذي كان الإنسان فيه أكثر سعادة إنّما هو العصر الذي كان فيه « المجتمع الطبيعي الوحيد، هو الأسرة* » حيث إنعدمت القوانين، بإستثناء تلك التي يفرضها النظام الأسري والسلطة الأبوية. وهي حالة تقترب من المثاليّة « لقد كانت هذه الحالة في جملتها أفضل حالة يستطيع الإنسان ممارستها، فلم يكن ليعدل عنها لولا أن أصابه خطب فادح* » وهو المتمثّل في الملكية الفردية التي جعلت « القلة المميزة تكتظ بالكماليات، على حين تفتقر الجماهير الجائعة إلى أبسط ضروريات الحياة*» ، وكانت سببا في كل الكوارث التي أصابت الإنسان تحت عنوان الحضارة. ورغم ذلك « لن يستطيع الإنسان العودة أبداً إلى زمان البراءة والمساواة متى تركه *».

لكنّ هذه المواقف التي هي في المجمل ضد المجتمع والقانون والملكيّة الخاصّة، ستنقلب رأسا على عقب، عندما يساهم روسو بمقال في موسوعة ديدرو الضخمة بعنوان : "مقال في الاقتصاد السياسي". حيث أصبح روسو يعترف بالمجتمع والملكيّة الفرديّة والقانون والدولة التي قال عنها « ». « أن الدولة (...)هي مصدر القوانين، وهي التي تشكل (...)القاعدة التي تفرق بين العدل والظلم* »     وأمّا القانون الذي كان ينتقده روسو ويراه واحدا من آثام الحضارة، وأداة لفرض النظام على الجماهير المستضعفة ، فقد أصبح ينظر إليه على انّه « هو الذي يدين له الناس بالعدل والحرية* » حيث وصفه بأنّه « الجهاز النافع من أجهزة الإرادة الجماعية الذي يرسي، في الحق المدني، المساواة الطبيعية بين البشر، إنه الصوت السماوي الذي يملي على كل مواطن مبادئ العقل العام ». وإمّا الفضيلة التي قال عنها سابقا بأنّها « تعبير الإنسان الحر الطبيعي *» ، فإنّه يعرّفها لاحقا في المقال الموسوعي بأنّها « ليست سوى مطابقة الإيرادات الفردية للإرادة العامة *». ولكن بعد هذه المواقف المتغيّرة، المتراوحة بين الذمّ والمدح لذات المفاهيم هل يجوز نعت روسو بالكاذب وفق مقولة« من مدح وذمّ فقد كذب مرّتين؟ » قطعا لا. بل لا يزيده ذلك إلّا عظمةً وجلالاً. لأنّ روسو قد تراجع عن مواقفه الخاطئة من منطلق الصدق والرغبة في قول الحقّ والنزاهة العلميّة لا منطلق النفاق وإنتهازيّة المتسلّقين. وهو ما جعله رغم قامته السامقة فكريّا، يعيش فقيرا معدما منبوذا من المثقّفين الذين تغدق عليهم السلطة بسخاء ومطاردا من الكنيسة ومطاردا من السلطة بإيعاز ليس فقط من اليمينيين الملكيين والبورجوازيين أصحاب البطون المنتفخة، بل ومن أولئك المثقّفين المترفين ومنهم فولتير. إنّها ضريبة الصدق مع النفس ومع الآخرين في عالم منافق لا يعترف بالأخلاق والفضيلة ولا يخلو أبدا من الذئاب الجائعة في كلّ عصر ومصر.

 

المهندس فتحي الحبّوبي

.............................

(1) أنظر الكامل في التاريخ ج6 ص 677 -678 وضحى الإسلام ج2 ص 235

(*) قصة الحضارة - ول ديورانت - المجلد العاشر: روسو والثور

 

laythe alatabiقال تعالى: ((هَلْ أَتى عَلَى الإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً (1) إِنَّا خَلَقْنَا الإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً (2) إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً)) سورة الإنسان، الآيات (1) ـ (3) .

يشكَّل الإنسان محور التفكير عند العلماء والمفكرين بمختلف منظوماتهم الفكرية والعقائدية، ولكي نبيَّن أصوله التاريخية والاجتماعية لابد من العودة إلى كيفية خلق الإنسان في المصادر الإسلامية، وذلك من خلال تتبع الآيات القرآنية، وأحاديث المعصومين (عليهم السلام) .

فقد ورد في آيات الذكر الحكيم وفي الأحاديث المباركة للمعصومين (عليهم السلام) أطوار خَلق الإنسان الأول، وبأنه خُلق من تراب، أو من طين، أو من طين لازب، أو من سلالة من طين، أو أنه من حمإ مسنون، ومن صلصالٍ كالفخار .

وفي هذه المراحل يكمن الإيذان بتحول جديد، بولادة مخلوق مميز بسمات وملامح الطور الآدمي، ومكلف بمهمة خاصة خُلق من أجلها .

فمادة الخلق الأول هي (التراب) والتي يكمن فيها قوة هذا المخلوق وضعفه، فضلاً عن أنها أساس مبدأ الوحدة بين أبناء البشر .

فقد أشار الله سبحانه وتعالى إلى خلق آدم (عليه السلام) من تراب:

قال تعالى: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) سورة آل عمران، الآية (59) .

كما وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ((النَّاسُ بَنُو آدَمَ وَخَلَقَ اللَّهُ آدَمَ مِنْ تُرَابٍ))1 .

وقال تعالى: (الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِنْ طِينٍ) سورة السجدة (7) .

والطين هو التراب الممزوج بالماء، ويعد الماء الأصل لجميع المخلوقات .

قال تعالى: (وَجَعَلْنَا مِنْ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ) سورة الأنبياء (30) .

فآدم خلق من طين خُمّر بالماء . فالماء مبدأ الخلق الأول والذي وجد قبل كل موجود، وهو العنصر الأساس في ديمومة الحياة .

و بيّن الله سبحانه وتعالى أنه خلق آدم من سلالة من طين .

قال تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ) سورة المؤمنون (12) .

وهنا وصف للطين الذي خلق منه آدم (عليه السلام) وبأنه استل من سلالة من طين: أي من طين خالص .

ونجد أن الله سبحانه وتعالى يصف الطين وصفاً آخر في قوله جل وعلا: (إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ) سورة الصافات (11) .

يقول ابن عباس (رضي الله عنه): (اللازب الطين الحر الجيد اللزج).

وتعدّ مرحلة خلق الإنسان من طين لازب ثالث مراحل خلق الإنسان، ثم يتحول هذا الطين إلى حمإ مسنون فصلصال كالفخار .

قال تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ) سورة الحجر (26) .

فالطين الذي خلق منه آدم بعد أن خمرّ بالماء، اصبح من حيث اللون والرائحة كالحمإ المسنون، فهو مائل إلى السواد منتن . ثم تُرك حتى جفّ فأصبح من حيث الصلابة والصوت صلصالاً كالفخار .

تلك المراحل التي مرّت بها المادة التي خُلِقَ منها آدم (عليه السلام) خَلْقُ الله الأول، وأصل البشرية الأول، وأبو البشرية جمعاء .

إن قصة خلق آدم (عليه السلام) في الفكر الإسلامي وفي المنظومة الإسلامية، قد تمت بمعجزة إلهية، وأن هناك صلة ما بين مادة الخلق وطباع المخلوق، فقد خُلق الإنسان من تراب ليكون متواضعاً وليكون أشد التصاقاً بالأرض التي خلق منها . فضلاً عن أن طبيعة تكوينه الملائمة للتفاعل مع البيئة التي يعيش فيها منسجمة مع طبيعة تكليفه ليكون خليفة الله في الأرض . فطبيعته تكون من طبيعة تكوينه، فكان تكوينه مناسباً لمكونات البيئة، وللمهمة التي خلق من أجلها .

وبعد أن خلق الله تعالى آدم (عليه السلام)، وهو المخلوق الأول من البشر، اقتضت إرادته أن يخلق المرأة وهي صنو الرجل، فكانت حواء .

قال تعالى: (خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالا كَثِيرًا وَنِسَاءً) سورة النساء (1) .

كل ذلك إشارة إلى أن هذه الحقائق الفطرية البسيطة فيها دلائل كبيرة وعميقة جداً، فهي توحي بأن هذه البشرية صدرت عن إرادة واحدة، وانبثقت من أصل واحد، وتنتسب إلى نسب واحد، وتتصل برحم واحد، وتلتقي في وشيجة واحدة . وما الفوارق الموجودة والموضوعة ـ جميعها ـ إلا أمر طارئ .

فالبشر كلهم من أصل واحد، وأب واحد، وأم واحدة، ثم تكاثروا وانتشروا وتفرقوا، بخلاف النظريات الآخرى القائلة بتعدد أصل البشر، وأن لكل فئة، ولكل عرق، ولكل لون أب خاص به .

وسواء كان للبشرية آدم واحد، أم أنه كان هناك آوادم آخرين متعددين، فالأصل يبقى (آدم)، ويبقى للبشرية ـ الموجودة ـ أب واحد وأم واحدة .

و ذلك هو مصداق قوله تعالى: ((يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)) سورة الحجرات (13) .

فقوله تعالى ((مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى)) أي: من ذكر واحد، ومن أنثى واحدة، وإلا فما الداعي لذكر ذلك والتأكيد عليه، إذ من المعروف أن أصل التوالد يكون من الذكر والأنثى، إذن فالمراد أن الخلق كان من ذكر واحد وأنثى واحدة تزاوجوا وتوالدوا فكانت منهم الشعوب والقبائل، ثم البشرية جمعاء .

لقد تناول القرآن الكريم موضوع (الخَلق) بأسلوب علمي رصين ودقيق، يتوافق توافقاً تاماً مع نهجه العام الملتزم بالموضوعية العلمية . فقد وجه الإنسان إلى البحث والنظر في الأرض ذاتها بما فيها من آثار ومخلوقات يمكن من خلالها أن يكشف عن كيفية بدء الخلق ومن ثم عن تفرعه وتكاثره وتنوعه .

فذكر القرآن الكريم أن الأصل الأول للإنسان هو الماء والتراب أي (الطين)، والصلصال من الحمإ المسنون أي (الطين المختمر) . وهذا يعني أن العناصر التي يتكون منها جسم الإنسان هي العناصر الموجودة في طين الأرض، ومائها، وترابها .

أما العقائد غير القرآنية ـ وبشكل عام ـ فقد نظرت إلى بداية الخلق نظرة أسطورية خيالية تبتعد كثيراً عن أسلوب التفكير العلمي السليم .

إن قصة الخلق في العقائد غير القرآنية طويلة ومتهافته مليئة بالأساطير والخرافات البعيدة عن منطق العقل السوي .

(ومما يؤسف له أن تمت في العصر الحديث صياغة إيديولوجيات ومعتقدات دوغمائية تستند على أصول وهمية من دعاوي التفوق العنصري أو الديني أو السلالي، وتدَّعي أن شعباً ما هو " شعب الله المختار " أو أن جنساً من الأجناس " فوق الجميع " وكل هذه الادعاءات ظهرت في قلب حضارة الغرب، وذاق العالم ويلات كثيرة من المنازعات والصراعات والحروب ولا يزال يعاني منها في مواضع شتى)3-4 - .

إن الإيمان بنظرية (وحدة الأصل البشري) القرآنية هو الحل الأنجع للبشرية لكي تخرج من جميع مآزقها، ولتتخلص من العنصرية والحروب والصراعات التي لا تنتهي .

لقد كشفت الشواهد العلمية بأن الطقس الأوربي لم يكن قبل ما يقارب العشرين ألف سنة طقساً يساعد الإنسان على العيش في كنفه، إنه الإنجماد، ولم تحدث الهجرة من الشرق بوجه عام والشرق الأوسط بشكل خاص إلى الاصقاع الشمالية (الأوربية) إلا بعد المرحلة الجليدية الأخيرة، كما وإن لقصة نبي الله نوح (عليه السلام) والطوفان الأثر الكبير في التأكيد ـ غالباً ـ على انبثاق الجنس البشري من الشرق .

يعتقد الباحث الإيطالي (لويجي لوكا كافالي سفورزا)5 وعدد من العلماء بنظرية أن أصل البشر من منطقة الشرق التي يبدو أنهم قد زحفوا إليها من أفريقيا .

 

الشيخ ليث عبد الحسين العتابي

....................

1- رواه الترمذي، برقم (3193) .

2-   ألفاظ خلق الإنسان في القرآن الكريم، يونس حمش الجوعاني، ص 16 .

3 - المبادئ العامة للعلاقات الدولية، إبراهيم البيومي غانم، ص 201 .

4- ومن المضحك المبكي أن بعض المستشرقين وعلماء الغرب يصفون عصر الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) بالعنف والوحشية مقارنة بعصرهم الذي يصفونه بالأمن والوداعة والإستقرار . ولا أدري أين نضع سنوات الجنون العالمي في الحربين العالميتين ووحشيتهما التي فاقت جميع التصورات . أم أين نضع الملايين الذين سفكت دماؤهم على يد ستالين، وهتلر، وتشرشل، وهاري ترومان رئيس أمريكا الذي ضرب اليابان بالقنابل النووية، وغيرهم من تجار الدم البشري !؟

5- في كتابه (الجينات، الشعوب، واللغات) الذي صدر عام 2000 ميلادي، والذي ترجم في عام 2004 ميلادي بمصر، وقد نقلنا عباراته بأختزال وتصرف .

hyam muhiadinفي عصور الازدهار الحضاري للفكر الإسلامي، ظهرت مئات الآراء والرؤى في فهم النص الديني وتعددت مدارس الفكر ومذاهب الفقه كل منها يطرح فهمه للنص الديني من خلال قدرته الفكرية وثقافته الخاصة ولذلك تعددت المفاهيم والآراء رغم ثبات النص باختلاف بيئة ونشأة وثقافة ومعارف وشيوخ من تعرضوا لشرح وبيان المقصود الإلهي من عقائد الدين وعباداته ومبادئه التي وردت بالنص الديني في القرآن الكريم أو سنه رسول الله صلى الله عليه وسلم الفعلية المتواترة أو روايات أحاديثه الشريفة وفى تلك العصور المزدهرة المتسمة بحرية الفكر واتساع ساحة الاجتهاد كان السائد هو احترام الرأي المخالف واحترام كل منهم لرؤى المختلفين معه والرد عليهم بالحجة والحكمة والموعظة الحسنة، وقد اشتهر عن الإمام الشافعي قوله: رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأى غيري خطأ يحتمل الصواب ومن جاءنا بخير مما نقول أخذنا به، أما ما روى عن جريمة الزندقة والتي قتل بسببها بعض مشاهير عصور الازدهار فقد كانت تهمة سياسية ابتكرها الخلفاء للتخلص ممن يريدون الخلاص منهم لمجرد أنهم يتحدثون عن فلسفة ماني الاجتماعية ومزدك المجوسية وهما فيلسوفان فارسيان ظهرا قبل الإسلام بقرون ولم تكن أفكارهم دينا أو عقيدة، ولذلك لا أرى في هذه الروايات عن الزندقة اضطهاد دينيا أو إلزاما بفكر معين ففي رأيي انه تخلص سياسي من شخصيات خطرة على النظام، وحتى ما يسميه أهل الحديث والنقل بمحنة خلق القرآن في عصر المأمون وهو من أعلى عصور الازدهار الحضاري، فلم يكن الأمر بهذه الخطورة التي بالغ فيها أهل الحديث مبالغة شديدة فالمشكلة كلها لا تمس ثوابت الدين أو مكانة وعظمة وإعجاز القرآن الكريم سواء كان كلام الله الذاتي أو مخلوقاً معجزاً من مخلوقاته كالملائكة والبشر والسموات والأرض، ولكن المبالغة وتكفير المعتزلة الذين قالوا بخلق القرآن إنما جاءت مع بداية الانحدار الحضاري والفكري في عصر المتوكل والذي فقدت فيه دولة الخلافة العباسية قوتها ووحدتها وتحكم فيها الأتراك السلاجقة يقتلون الخلفاء ويسملون أعينهم ويولون من شاءوا ويعزلون من شاءوا وأصبح الخلفاء دمي يتلاعبون بها لا سلطة لهم ولا حكم، وكان من الضروري سياسياً في هذا العصر المظلم تكميم الأفواه وإغلاق أبواب التفكير الحر والاجتهاد وفرض رؤية واحدة للنص الديني وقصر التفكير الفقهي على ترديد أقوال السابقين وشرحها وبدأ علماء الحديث في بذل جهود ضخمة في جمع الحديث النبوي من أفواه الرواة ووضعوا علم مصطلح الحديث وظهرت كتب الصحاح الكبرى كالبخاري ومسلم والترمذي وابن ماجه والنسائي لتعويض توقف الاجتهاد والتفكير بنصوص روايات الحديث باعتبارها تشريعا ملزما يغني عن التوسع في الاجتهاد الفكري في فهم النص الديني ويقيده في نفس الوقت ثم بالغوا في تقديس هذه الكتب لدرجة تكفير أي بحث عقلي فيما ورد فيها من أحاديث، وتحول الفكر الإسلامي إلى محاولة شرح ما كتبه السابقون ومتون على الشروح وشروح للشروح وتوقف الفكر الإبداعي تماماً بل وصل الأمر إلى ظهور شخصيات نالت قداسة عالية بترديدها لأقوال الأقدمين وتبريرها المزايدة عليها والتشدد في اتباعها وتكفير من يحاول تفنيدها أو التفكير النقدي فيها، بل ومعاقبة وحرق كتب من يبتكر منهجاً جديراً يعتمد منهجاً عقلياً أو نقدياً لما نقلوه وكتبوه مثلما حدث لكتب أبي الوليد بن رشد وظل الفكر الإسلامي يعيش داخل سجن هذه الموروثات التي أصبحت بعيدة تماما عن روح العصر حتى أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين "القرن الرابع عشر الهجري" حين ظهر بعض المفكرين المستنيرين الذين حاولوا استعادة التفكير في النص الديني والمقصود الإلهي في ضوء تطور العصر ومعطيات العلم الحديث وتغير المجتمعات البشرية والثورات الفكرية والعلمية والتقنية مثل الإمام محمد عبده والدكتور طه حسين والشيخ على عبد الرازق والشيخ محمود شلتوت والشيخ محمد أبو زهرة والشيخ محمد الغزالي وغيرهم والذين لاقوا اضطهاد ومعارضة عنيفة من المحافظين من الشيوخ التقليدين الذين قدسوا أقوال السابقين كأنها وحي منزل، وقد كتب لكتابات ودعوات التنوير الانتصار والنجاح والإقناع رغم ظهور جماعة الإخوان المسلمين عام 1928 لأن الجماعة لم يكن من أهدافها تبني رؤية دينية سلفية كانت أو تنويرية بل كان هدفها الرئيسي سياسيا يتمثل في إنشاء جماعة تدين بالولاء والطاعة المطلقة لقائد فرد " المرشد العام " له من القداسة والمكانة ما يجعل أوامره فرضا دينيا واجب التنفيذ لذلك شقت حركة التنوير طريقها من مصر إلى الكثير من بلدان العالم العربي والعالم الإسلامي وحين ترجمت أفكارهم وكتبهم، التي تعرض الإسلام كما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم عرضا يتسق مع الفكر المعاصر ويخاطب العقل الإنساني العام، ويبين إعلاء الإسلام لقيم الإخاء والمساواة والتسامح والصدق والأمانة والعدل والحرية عن طريق المجلس الأعلى للشئون الإسلامية بالقاهرة إلى حوالي أربعين لغة في منتصف الخمسينيات من القرن العشرين، استطاعت إقناع الملايين في أوربا والولايات المتحدة باعتناق الإسلام، وكانت ظاهرة انتشار الإسلام بين الأوربيين والأمريكيين (خاصة الأمريكيون السود) إنذار لم ترض عن استمراره القوى الاستعمارية والإمبراطورية في أوربا وأمريكا، وأدركت هذه القوى أن هذا العرض المستنير القوى الحجة لحقائق الإسلام عقيدة وشريعة، عبادة وسلوكاً، فكـــــرا ووجـــداناً وروحانيـــة، لا يمكن وقف اعتناق شعوبهم له أو مقاومته، إلا من خلال تدميره من الدخل وتولت المخابرات الأمريكية والبريطانية الأمر واقترح الخطة وأشرف على تنفيذها عميل للمخابرات الأمريكية اسمه " جيمس أنجلتون " كان على علاقة وثيقة بالموساد الإسرائيلي وبيهود الاتحاد السوفيتي لتجنيدهم كجواسيس للولايات المتحدة وابتداء من عام 1961 بدأ جمع كتب علماء التنوير من كل مكتبات العالم ومنع دور النشر من إعادة طبعها وشراء أي نسخ جديدة تطبع في مصر وتخزينها أو إتلافها، ثم قامت المخابرات البريطانية بترجمة كتب أبي الأعلى المودودي المفكر الإسلامي الباكستاني والتي تتسم بفهم منغلق متطرف للعقيدة الإسلامية من لغة الأوردو الهندية إلى اللغة العربية وهربوها إلى المنظر الإخواني المعروف " سيد قطب " في سجنه في مصر فوجد فيها ضالته التي طال بحث جماعة الإخوان عنها لوضع برنامج سياسي للجماعة يقوم على تفسير متشدد للنص الديني يتسم بالعنصرية ويكفر كل من يعارضه، ويتخذ من توسيع نطاق العنف والإرهاب وسيلة لفرض رؤيتهم التي تكفر المجتمع والنظم السياسية والمجتمعية القائمة وتدعو إلى تغييرها بالعنف كما اتضح في كتابه " معالم في الطريق "، كما شجعوا ومولوا إعادة طبع كتب التراث التي كتب معظمها في عصور الضعف والتخلف الحضاري للأمة بأعداد كبيرة وساعدوا على اعتمادها وحدها كمرجعية دينية لا تناقش واستغلوا بنجاح شديد حرفية بعض المشايخ في فهم النص الديني " شيوخ الوهابية في الجزيرة العربية كمثال " في نشر فكر التعصب والتطرف والعنف ورفض الآخر، ونجحوا إلى حد كبير في عرض صورة منفرة للإسلام أبعدت عنه العقل الأوربي وقضت على فرص انتشاره، وحين انتشر هذا الفكر في العالمين العربي والإسلامي قاموا بتسليمه وتدريبه لاستخدامه في تحقيق أهدافهم الإمبراطورية في محاربة وإسقاط القوة العظمى المناوئة لهم من خلال المجاهدين الأفغان الذين تشكلت كتائبهم العسكرية من كل أنحاء العالم الإسلامي لمحاربة الاتحاد السوفيتي في أفغانستان وكانوا سببا رئيسياً في تفككه وسقوطه، ورغم انقلابهم على صناعهم في سبتمبر 2001 فإن الولايات المتحدة، استمرت في استخدامهم والاعتماد عليهم في تحقيق مشروعاتهم الإمبراطورية للسيطرة على العالم، وهو ما حدث في ثورات الربيع العربي في تونس ومصر وليبيا وسوريا واليمن عام 2011، ولا يمكن القضاء على إرهاب هذه الجماعات إلا باستعادة الفكر الديني المستنير وإعادة تجديده من خلال رؤية عقلية معاصرة وتنقية التراث مما شابه من خرافات ومفاهيم تتسم باللاعقلانية والتسليم بمفاهيم منغلقة وتقديس أصحابها وتكفير من يناقشها أو يبحثها بمنهج نقد على أساس أنها اجتهادات بشر وليست وحيا إلهيا، وهذا ما سأحاول عضه في المقاولات القادمة سائلة الله الهداية والتوفيق وهو سبحانه من وراء القصد والهادي إلى الصراط المستقيم.

 

هيام محي الدين

 

fatehi alhabowbi قليلة هي الأصوات الغربيّة المشكّكة، التي لا  تعتبر أنّ ابن خلدون (1332 - 1406م) هو الأب الشرعي لعلم الإجتماع رغم أنّه هو من ابتكره، بل تذهب إلى  أنّ مؤسس الفلسفة الوضعيّة(Positivisme)، مؤلّف كتاب "محاضرات في الفلسفة الوضعيّة" وكتاب "نظام في السياسة الوضعيّة"، الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي" أوغست كونت" (Auguste Comte1798 - 1857)، الذي إبتكر وأعطى لعلم الاجتماع هذا المصطلح الحديث، هو الأب الشرعي لعلم الإجتماع.

ولكن، ورغما عن ذلك، فإنّي لا أبالغ القول عندما أزعم أنّه، باستثناء هؤلاء القلّة المعترضة، فأنّه لا يجادل أحد في جدارة ابن خلدون، في أن يكون في مصاف عمالقة الفكر، على مرّ التاريخ، لا سيّما فكر ما يسمّى بفلسفة التاريخ وعلم الإجتماع. ويعود الفضل في ذلك بالأساس إلى" كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر"، وبصفة أدقّ في جزئه الأوّل، وهو "المقدّمة"، التي أرسى  في توطئتها وصلب أبوابها الستّة، ليس فقط قواعد فقه التاريخ، بل وكذلك  أساسيات علم العمران، ضمن بحث في أسباب ازدهار الدول و انهيارها، فيما نسمّيه اليوم بعلم الإجتماع وفق إصطلاح "أوغست كونت" ويسمّيه إبن خلدون، قبل ذلك بستّة قرون وأربعة عقود، بعلم العمران.

وتأكيدا لأهميّة "المقدّمة" وتنويها بها،  فقد قال أحد أهمَّ المُؤرِّخين في مجال دراسة صعود وسقوط الحضارات، وهو البريطاني" أرنولد جوزيف توينبي" (Arnold Joseph Toynbee) ، في معرض حديثه عن "المقدّمة" وصاحبها:  « إبتكر إبن خلدون وصاغ فلسفة للتاريخ هي بدون شكّ أعظم ما توصّل إليه الفكر البشري في مختلف العصور والأمم ». ما يعني أنّ بحث ابن خلدون الإجتماعي، كان متفرّدا في زمانه ولم يضارعه أو يسبقه إليه أحد. وهو ما كان يعلمه ابن خلدون، بل إنّه لمّح إليه في المقدّمة قائلا : » وكأنّه علم مستنبط النشأة، ولعمري لم أقف على الكلام في منحاه لأحد من الخليقة»

 ولكنّ المفارقة غير المستزاغة التي شدّت إنتباهي و إستوقفتني طويلا، أنّه رغم أهميّة هذا الكتاب الذي ألّفه صاحبه سنة ( 1377م) ، فإنّه لم يقع طبعه لأوّل مرّة، وفق أساليب الطباعة الحديثة، إلّا سنة (1858م) في  كلّ من فرنسا أوّلا،  و مصر لاحقا، أي بعد حوالي خمسة قرون من تأليف كتاب "المقدّمة". ولعلّه إذا ما توخّينا مزيدا من الدقّة والموضوعيّة والأمانة العلميّة، وأخذنا في الإعتبار أنّ  ظهور المطابع العصريّة كان في ألمانيا سنة1431م، فإنّ مدّة إهمال كتاب المقدّمة والتغاضي عنه والإعراض عن طبعه تكون نحوا من أربعة قرون وربع. وهي مدّة طويلة، بل وطويلة جدّا بالقياس إلى أهمّية الكتاب وفرادته. و حقيق بنا أن نسجّل في هذا الصدد، أنّه إذا ما كان هذا هو تعاطي العرب مع  واحد من أمّهات الكتب الفكريّة التي يفتخرون بها على الإطلاق، فماذا عسانا نتوقّع أن يكون إذن شكل تعاطيهم مع الكتب العاديّة وما دونها، غير أن يكون، في أحسن الأحوال،  فاترا وموسوما بالجفاء والتراخي؟!. وهو ما يدعونا إلى الإستغراب الشديد والتعجّب، لا بل وإلى البهتة والتحيّر. كما يحثّنا على طرح التساؤل الملحّ عن علاقة العرب التاريخيّة بالكتاب وبطبعه ونشره، فضلا عن قراءته، و بدرجة أقلّ، فهمه أو تدبّره، استعارة لعبارة القرآن الكريم. وعلاوة على ذلك، فإنّ تراخي العرب عن طبع ونشر كتاب "المقدّمة" القيّم وغيره من أمّهات الكتب العربيّة، قد يعكس  بشكل من الأشكال، لا فقط، شيوع الأميّة التي لا تزال منتشرة عند العرب- بنسب مفزعة (1)- إلى اليوم، فيما أنّها قد إختفت في اليابان، على سبيل المثال، منذ القرن التاسع عشر، بل ويعكس كذلك، الانصراف عن تشجيع الإنتاج الفكري حتّى وإن كان رفيع المستوى و متميّزا جدّا. بما يعني شيوع حساسيّة ما -شبيهة بالعدائيّة- تجاه المعرفة والعلم وكلّ ما يمتّ بالثقافة بصلة. وما يؤكّد ذلك ما ذكره التاريخ من أنّ مصر ظلت نحواً من عشرين عاماً، ما بين 1801و1821 بغير مطبعة، بعد انسحاب الفرنسيين منها، إثر حملة نابليون بونابرت عليها.

وبالعودة إلى تاريخ الطباعة على الورق وفق تقنيات الطبع الحديثة، فإنّنا نكتشف أنّ الطباعة العربيّة  قد نشأت في أوروبا، في ظلّ الإرتهان للآخر على جميع الصعد. وهو ما يفسّر أن "المقدّمة" طبعت لأوّل مرّة  في فرنسا سنة (1858م) بإشراف مؤرّخ فرنسي هو  "كاتريمير" (Quatremère) ،  قبل ان تطبع في مصر في ذات السنة.  وسبب ذلك لا يعود فقط لتصنيع القارة العجوز للورق، بل وكذلك لرغبة المسيحيين في تنصير العرب المسلمين ومنهم "الموريسكيين" (مسلمو الأندلس الذين بقوا بإسبانيا تحت الحكم المسيحي بعد سقوط غرناطة)، إضافة إلى رغبة بعض المستشرقين في المساهمة  في نشر الثقافة العربيّة. وفي هذا  الصدد يقول وحيد قدورة (2) « طبعت المطابع الأوربية حوالي 167 كتاباً عربياً قبل أن يظهر أول كتاب عربي مطبوع بالمشرق ».

وبالنتيجة فالعرب قد تمادوا في سبات عميق، نافضين أيديهم عن مهمّة طبع كتبهم، بجميع أصنافها، لحوالي قرنين من الزمن. وذلك ما بين سنة1431، تاريخ ظهور الطباعة العصريّة وسنة 1610، تاريخ صدور أول كتاب عربي في بلاد الشام. حيث لم ينتبه العرب إلى ضرورة نفض الغبار عن تراثهم و مخزونهم الفكري والثقافي وحتميّة المساهمة الفاعلة في نشره بأنفسهم، على قاعدة «ما حكّ جلدك مثل ظفرك فتولّى بنفسك أمرك»، باعتبارهم أولى به من الآخر، إلاّ بعد صدور ما يدنو من مائتي كتاب على يد وبعناية وتحقيق مثقّفي الغرب. واللّافت قي هذا السياق، إنّ اللّامبالاة بطاقاتنا الفكريّة المشهود لها في الغرب فضلا عن المشرق والمغرب العربيين، والتراخي والإستهانة بطباعة نتاجنا الفكري لا تزال بادية، لكل ذي عينين مبصرتين وعقل راجح، وبشكل يقطع الشكّ باليقين، في كافة أرجاء الوطن العربي. وهي إستهانة تترجمها بالإحصائيات العلميّة الدقيقة، الفجوة الثقافيّة السحيقة التي نلمسها عبر مقارنة غزارة طبع ونشر الإنتاج المعرفي والفكري بالغرب، بتدنّيه، لا بل وبضحالته على المستوى العربي. وعلى الرغم من مساعي بعض المؤسسات العلمية العربية لإيجاد الحلول الكفيلة بتخطّى العقبات التي تعترض نشر الكتاب العربي، املا في النهوض بالحركة الثقافية العربيّة، إلّا أنّ الفجوة الثقافيّة بين العالم الغربي والعالم العربي ظلّت تراوح مكانها. لا بل إنّها أخذت في الإتّساع يوما بعد يوم. وسنتبيّن ذلك، وفق ما سنعرض إليه من إحصائيات متعدّدة المصادر، تبعث على الغثيان والدّوار، وأحيانا على التقيّء اللّاإرادي لدى كلّ غيور على مجال الإبداع الفكري ورجالاته.

حيث أنّه، وفق إحصائيات نشرت سنة 1996 فإنّ كل ما تطبعه الدول العربية ذات ال300 مليون نسمة  سنويّا، لا يعادل نصف ما تنشره إسرائيل ذات ال 6 ملايين نسمة فقط. وقد جاء في تقرير التنمية الإنسانيّة العربيّة لسنة 2003، أنّ العرب، رغم انّهم يشكّلون (%5) من سكّان العالم، فإنّ إنتاجهم في مجال الكتاب لا يتجاوز (%1,1) من الإنتاج العالمي، وهو أقل ممّا تنتجه دولة مثل تركيا، التي لا يتعدى سكانها ربع سكان البلدان العربية. ويضيف ذات التقرير أنّه يصدر كتاب لكل 12 ألف مواطن عربي ، مقابل صدور كتاب لكل 900 ألماني، وكتاب لكل 500 مواطن بريطاني، أي أن معدل القراءة في العالم العربي لا يفوق 4% من معدل القراءة في بريطانيا. ليس هذا فقط ،  بل إنّ كل دور النشر العربية مجتمعة تستهلك من الورق ما تستهلكه دار نشر فرنسية واحدة هي " دار غاليمار للنشر " (Éditions Gallimard).

ويذكر تقرير منظمة اليونسكو عن القراءة في العالم العربي، أنّ المواطن العربي يقرأ 6 دقائق في اليوم، فيما أنّ المعدّل اليومي للقراءة على المستوى العالمي هو 36 دقيقة. علما وأنّ كل 20 عربيا يقرؤون كتابا واحدا في السنة، بينما يقرأ كل أمريكي 11 كتابا وكل ألماني 7 كتب في السنة. ما يعني أنّ المواطن الأمريكي يقرأ سنويّا ما يعادل ما يقرأه 220 مواطن عربي؟ !!!. أليس ذلك مؤشّر صارخ على التصحّر الثقافي والمعرفي للعرب وضحالة مستواهم الفكري؟.

وأمّا في مجال الترجمة فحدّث ولا حرج، حيث أنّ الأمة العربية لم تترجم سوى 11 ألف كتاب منذ العصر العباسي وحتى سنة 2003، وهو ما يعادل ما تترجمه أسبانيا سنويّا. بما يعني أنّ مجهود العرب في الترجمة لحوالي 13 عشر قرنا من الزمان، لا يزيد عن مجهود إسبانا لسنة واحدة، رغم أنّها ليست رائدة، بين الدول الغربيّة، في هذا المجال.

إنّي أكتفي بهذا، دون إستفاضة في عرض الإحصائيات، لأنّها  معيبة ولا تشرّف أمّة العرب، أمّة إقرأ التي لم تعد تقرأ، للأسف، ولم تعد تعمل كذلك، ولا تنتج في أي مجال كان، إلّا ان يكون في علاقة بالإرهاب والقتل والدّمار والقضاء على التراث و كلّ مظاهر الحضارة وكنوزها. وهي بالتأكيد الإنتاجات الوحيدة التي يبدعها الجهل الذي لا ينتهي بأصحابه إلّا إلى هوّة  سحيقة شديدة الظلام، مثلما هو حال العرب اليوم.

 

المهندس فتحي الحبّوبي

.................

(1)     نصف الذين تجاوزت أعمارهم 15 عاما أميون حسب تقرير المجلس العربي للطفولة والتنمية لعام 2002

(2)     أوائل المطبوعات العربية في تركيا وبلاد الشام. - ندوة تاريخ الطباعة العربية حتى انتهاء القرن التاسع عشر-– نشر المجمع الثقافي – أبو ظبي  1996. ط1- ص 122.

saida taqiفي ما يتردد من حكايات المِقصلة عن أزمان سابقة كان فيها لله على أرض أخرى، غير أراضينا نحن الآن، ظـلٌّ يمشي بجانب الأرسـتقراطـيين والسَّاسة، وكان له رجالٌ يحكمون باسـمه ويسـعـون إلى إحـقـاق قـانـونه وفـق ما يـرتضيه ما يـرتديه رجالُ "الله" و"الدين" و"الكهنوت" العِظام من حكمة ومصلحة وكَرَاسٍ، حكايةٌ خالدة. تُروى القصة بطرافة متعددة رغم الصوت الواحد الذي نسجها. وتتخذ في كل حكي أبعادا مختلفة، يُكسبها السياق ما تريده حكمة الراوي من مغزى أو من دروس. أسوق الحكاية خارج طرافتها وأدعوكم للتأمل معي.

تقول الحكاية:

يحكى أنّ ثلاثة أشخاص، وهم رجل دين ومحامٍ وفيزيائي، قد حُكم عليهم بالإعدام.

وعند لحظة تنفيذ حكم الإعدام، تقدّم رجل الدين أولاً، فوضعوا رأسه تحت المقصلة وسألوه: "هل هناك كلمة أخيرة توّد قولها؟" فقال رجل الدين: "الله..الله.. الله.. هو من سينقذني". أنزلوا المقصلة. لكن المقصلة عندما وصلت إلى مستوى رأس رجل الدين توقفت. فتعجّب النّاس، وهتفوا: "أطلقوا سراح رجل الدين فقد قال الله كلمته". ونجا رجل الدين من تنفيذ حكم الإعدام. جاء دور المحامي إلى المقصلة، فسألوه: "هل هناك كلمة أخيرة تودّ قولها؟" فقال: "أنا لا أعرف عن الله مثل رجل الدين، ولكنني أعرف أكثر عن العدالة.. العدالة.. العدالة.. العدالة هي التي ستنقذني". فأنزلوا المقصلة على رأس المحامي، لكنها مرة ثانية عندما وصلت إلى مستوى رأس المحامي توقفت. فتعجّب النّاس وصرخوا: "أطلقوا سراح المحامي، فقد قالت العدالة كلمتها". ونجا المحامي.

وأخيرا جاء دور الفيزيائي، فسألوه: "هل هناك كلمة أخيرة تودّ قولها؟" فأجابهم رجل العلم: "أنا لا أعرف الله مثل رجل الدين، ولا أعرف العدالة مثل المحامي، ولكنّي أعرف أنّ هناك عقدة في حبل المقصلة تمنع المقصلة من النزول نحو الأسفل عند مستوى الرأس". فنظر الجميع إلى المقصلة، وتحقَّقوا فِعلا من وجود عقدة تمنع المقصلة من النزول.

فتم إصلاح العقدة والمقصلة وأنزلوها على رأس الفيزيائي، وفصلوا رأسه عن باقي جسده.

في ختام الحكاية تقتضي الطُّرفة أو الطرافة الممزوجة بالحكمة أن يكرر كل الرواة "هكذا عليك أن تتحلى ببعض الغباء وتبقي فمك مقفَلاً أحياناً، حتى وإن كنت تعرف عن الحقيقة ما لا يعرفُه الآخرون."، أو يضيفون: "إنه من الذكاء أن تكون غبياً في بعض المواقف".

لكنني أريدكم أن تتنزّهوا عن حكمة الطرافة قليلاً، لكي ننظر جميعا إلى المقاصل الشَّرهة المفتوحة هنا وهناك وهنالك.. إنها لا تقف ولا تتعثر ولا تشبع.

لنتجاوز مستوى الرأس الذي توقّفت عنده المقصلة مرتين في الحكاية، وبلغَـتْه بعد تدخُّل الفيزيائي "الغـبي" الذي لم يكن "ذكياً"، مثلما يقتضيه "رصيد المعرفة" الذي يمتلكه، واقترف "حقّ التنوير" الذي قضى بأن يكون رأسه ثمنا لشرًفه.

لنتوقف جميعا بتأمل أمام لوحة رأس ذلك الفيزيائي المفصولة عن جسده، دون طرافة الحكمة أو حكمة الطرافة، ودون التشفي في الغباء أو غباء التشفي.

إن الواقع لا يتغيَّر بمفرده. ولا يستطيع الدين أو القانون أن يغيِّرا دون تدخل العلم. الدين يقف عند مستوى الإيمان بالله أو بالإله أو بتلك القوة الغيبية التي يمكنها أن تصنع المعجزات في الإنسان والكون والحياة. لكن الدين لا يقدر على الفعل ولا على التغيير. إنه يراهن على شحن الروح بالطاقة الإيجابية (أو بالطاقة السلبية عند التأثيم أو الإحساس الفردي بالإثم)، لكنه لا يغيِّر الواقع.

أما القـانـون فيسعى إلى إحقاق العدالة، يقـرر الحـدود والـواجبات والحـقـوق، يـشـرٍّع ويحمي، ويفصل في النزاعات وتضارب المصالح، ويعاقب، لكنه لا يغيِّر الواقع.

الأمـر يـتجاوز منحى سقوط المِقصلة في الحكاية الطريفة، مثلما يتـجاوز مناحي سقوط وإسقاط كل المَقاصل المفتوحة في وطننا/أوطاننا في الحروب وعلى حواشيها وفي السلام وبين أحضانه.. الأمر ماثل في واقع معطوب لا يرتفع، مهما كِـلْـنا للإيمان هاماتِنا، ومهما أسلمنا للقانون قيادنا.

إن الـواقع لا يغـيِّره غير العلم، لأجل ذلك لا يمكن للعالِـم إلا أن يكون شـريفا وصادقـاً وحقيقياً.. لا يمكن للعالِـم إلا أن يكون نزيها في تبليغ عِلمه حتى وإن كان المقابِـل المفتَرَض لـنزاهته يعني أن يتم إصلاح المقصلة بالاستفادة من عِلمه، ويعني أن تَـفْصِل المقصلة رأسَه عن جسده بعد إصلاحها.

العلمُ الحق لا يفكِّر في لحظته بل في كل اللحظات السابقة والآنية واللاحقة. إنه يفكر في التجارب التي مضت، أي في خبرة الأمس. ويلاحق معطيات هذه اللحظة الآنية، أي لحظة الواقع المعطوب. ويستشرف الحلول الأنسب للإنجاح، أي اللحظات الآتية والأجيال اللاحقة.

لأجل ذلك كان رجل الدين بالله مؤمنا تهتف الجماعة بحياته إبراءً لذمة الدين الذي في جُعبته، وكان المحامي بالعدالة منادياً تتبَّعه أعين المستضعفين نشداناً لنُصرَته. أما رجل العلم فكان بالمعرفة مقاوماً للجهل وكاشفاً للعطب، وبالعلم فاضِحا للوهم ومُعلياً للحق، لكن وسط الناس والعامة كان من نجحت المِقصلة في قطف رأسه اليانعة بعد إصلاح العُقدة.

إن كنتم ترغبون في تغيير الواقع، ابحثوا أولاً عن عُقدة المِقصَلة.

 

كاتبة من المغرب

abduljabar alrifaiتتجلى وظيفةُ الفلسفة في حماية العقل من أن تبدّده الأوهام، وتسكنه الخرافات، وما تفضي اليه من تشوهات في رؤية العالم. ولعل من أهم ما نترقبه اليوم من الفلسفة في مجتمعات عالم الاسلام أن تكتشف خارطة ما هو دنيوي وما هو مقدس، وترسم الحدودَ الخاصة بكلّ منهما، وتبين المجالات التي يتحقق فيها الدنيوي، والمجالات التي يتحقق فيها المقدّس، والآثار الناجمة عن اختلاطهما واجتياح أحدهما للآخر، فلو ابتلع المقدسُ الدنيوي يحتجب العقلُ ويدخل في حالة سبات، ويضيع الانسانُ في ظلمات بعضُها فوق بعض، ولو ابتلع الدنيوي المقدسَ تحتجب الروحُ وتدخل في حالة سبات، ويضيع الانسانُ في القلق واللامعنى.

لكن "فوبيا ضياع الهوية" والحنين حدّ الشغف بالماضي يضيّع التفكيرَ الفلسفي، لأن هذا الخوف وذلك الحنين يفضيان للمزيد من الغرق في مشاغل التراث والغرق في مداراته، وتقليد القدماء في كل شيء، ومع التقليد يكفّ العقلُ عن أن يكون عقلاً، ويكفّ التفكيرُ عن أن يكون تفكيراً.

من يريد أن ينتمي للعصر خيارُه واضح، و من يريد أن ينتمي للماضي خيارُه واضح. أما إسقاط كل ما يغوينا ونتمناه اليوم على نصوصِنا الدينية وتراثِنا البعيد والقريب فهو ضرب من ضياع العقل واضطراب التفكير.

 لا تحديثَ من دون تفكير فلسفي يخترق كلَّ الأسوار التاريخية للعقل، ويتحرّر من أية إسقاطات لاهوتية، وأنساق راسخة تقلّد الماضي كما هو. التفكير الفلسفي الذي يخرج من أسوار العقل التاريخية يهزم ممانعةَ التقليد، ويكفل إنتاجَ رؤية تواكب صيرورةَ العالم، ويفكّر في آفاق الغد أكثر مما يفكّر في استئناف الماضي، ذلك ان نموذجه الملهم يترقب أن ينبثق في صورة الغد، لا أن يتكرر في صورة الماضي. يعتقد هيغل: "ان ما يميز الحداثة: انها مرحلة تاريخية جديدة، لا تبحث عن أصول لها في حقب سابقة مثلما فعل فكر النهضة، ولا تربط نفسها بأي حادثة سابقة تجد فيها ما يبرر وجودها، بل تأخذ الأحداث الحاضرة على انها نقطة الانطلاق، التي ينظر بها إلى كل من الماضي والمستقبل".

أخشى على عقول التلامذة من الاضطراب والتذبذب والتلبيس في تلقي وفهم الفلسفة والعلوم الانسانية الحديثة الغربية، عندما نصرّ على تعليمهم الفلسفةَ والعلومَ الانسانية الحديثة الغربية عبر قوالب وأوعية مقولات وكتابات مفكري الاسلام. الفلسفةَ والعلوم الانسانية الحديثة تتحدث لغةً لا تنتمي لأفكار ماضينا وأكثر ما يتحدث به حاضرنا.

أيّ ضرب من التبسيط في التعاطي مع الفلسفة والعلوم والمعارف الحديثة لهو تواطؤٌ مع الجهل. تعلّمُ الفلسفة والمعارف والعلوم يتطلب الدخولَ من أبوابها، فلا يمكن أن تكون طبيبياً بمطالعة عشوائية للمقررات التعليمية في كلية الطب، وإن طالعت ألف كتاب مرجعي في الطب، وهكذا لا يمكن أن تصبح متخصصاً في الفارابي وابن سينا وابن رشد وملا صدرا، وكانط أو هيغل أو هوسرل أو هيدغر بمطالعات عشوائية لكتاباتهم.

 لو اعطينا الفلسفةَ كلَّ عمرنا لا تعطينا إلّا بعضَها. استغرق كانط 12 سنة فى كتابة "نقد العقل المحض". يصف موسى مندلسون أحد زملاء كانط هذا الكتاب بأنه: "عمل موتر للاعصاب". وقد كتب كانط  إلى موسى مندلسون في 16 أغسطس 1783 يقول: مع أن الكتاب "ثمرة تأمل شغلني على الأقل اثني عشر عاماً، فإنني أكملته بأقصى سرعة في أربعة أشهر أو خمسة، باذلاً أبلغ العناية بمحتوياته، ولكن دون اهتمام يذكر بالعرض أو بتيسير فهمه للقارئ وهو قرار لم أندم عليه قط، وإلا فلو تباطأت وحاولت صياغته في شكل أكثر شعبية لما اكتمل العمل إطلاقاً في أغلب الظن".

الفلسفةُ الغربية، والألمانية منها خاصة منذ كانط، دقيقةٌ، شديدةُ التركيب، حتى إن بدت بسيطةً فهي بالغة العمق، وربما الغموض، لا تبوح بأسرارها بقراءة عابرة، أو نظرة عاجلة، بل يتطلب الفهمُ والاستيعاب الدقيق لأحد اتجاهاتها سنوات طويلة من الدراسة على يد متخصصين خبراء، والكثير من المطالعات المتبصرة والنقاشات الصبورة.

التباس فهم الاسلاميين لهذه الفلسفة يعود إلى أنها تنتمي إلى عالم مفاهيم مفارق لعالم مفاهيم الفضاء المعرفي لعالمنا. هذه الفلسفة ولدت في سياقات فلسفية ولاهوتية أخرى، تفكر خارج أسوار المنطق الأرسطي الذي يفكّر فيه مفكرونا، وتتحدث لغة خارج مواضعات لغة فلاسفة الاسلام ولاهوته. يقول د. مهدي حائري يزدي، وهو يتحدث عن دراسته وتدريسه للفلسفة الغربية في كندا، وبيان موقفه الايجابي منها: "من يقتصر على دراسة واحدة من الفلسفتين، لن يفهم الأخرى؛ لأنهما موضوعان منفصلان، فلو درس الطالبُ الفلسفةَ الإسلامية ووفّاها حقَّها، من دون أن يطّلع على الفلسفة الغربية اطلاعاً منظّماً دقيقاً، لم يفهم كنهَ الفلسفة الغربية، والعكس صحيح أيضاً. مثال ذلك ترجمات أعمال كانط إلى الفارسية والعربية، التي أعتقد أنه حتّى حبراً كالعلامة الطباطبائي لن يستطيع تكوين فكرة جليّة عن فلسفة كانط من هذه الترجمات، ناهيك عن الأشخاص العاديين"1 .

ربما يتعذر فهمُ الفلسفة الغربية الحديثة بعقلية أرسطية، وهو ما سقطت فيه محاولاتُ فهم جماعة من دارسي هذه الفلسفة ممن تعلموا المنطق الأرسطي وتشبع وعيُهم في مدارات براهينه وأشكال قياساته، وتمرّسوا في استعمال أدواته في محاججاتهم الفلسفية والكلامية والفقهية والأصولية. لأن كلَّ محاولة للفهم تفكر في إطار معرفي لا ينتمي لعالم مفاهيم الفلسفة الغربية الحديثة سيفضي فهمها إلى نتائجَ تفرضها مقدماتُ براهين وأشكالُ قياسات المنطق الأرسطي. 

 يحدّثنا د. إمام عبدالفتاح إمام، عن تجربته مع هيغل، وهو أبرز متخصص في فلسفة هيغل ومترجم الكثير من أعماله وما كتب عن فلسفته للعربية، انه بعد أن تخرّج ونال شهادة الليسانس فلسفة قرّر أن يدرس في الماجستير الجدلَ في فلسفة هيغل، لكن تعذّر عليه فهمَه لعامين متواصلين، ويفصح هو عن السبب في ذلك بقوله: (هكذا بدأت أدرس هيغل، فبدأت أجمع مؤلفاته من ثلاثة مصادر: المكتبات، مكتبة جامعة القاهرة وعين شمس. الزملاء من الخارج. وشراء ما أجده. وأدرس اللغة الألمانية. كان أول كتاب عثرت عليه هو: "ظاهريات الروح". شرعت أقرأ نصوص هيغل لمدة عامين دون أن أفهم شيئاً، فلجأت إلى التفسيرات والشروح، لكني لم أتقدّم خطوة واحدة. ولم تكن صعوبةُ الفهم راجعةً إلى وعورةِ المصطلحات، وهي وعرة فعلاً، ولا الى صعوبةِ الفلسفة الهيغلية، وهي صعبة فعلاً، ولا إلى اللغة، وإنما كانت تعود إلى عامل لم أتبينه بوضوح إلا بعد فترة طويلة، وهو أنني أقدمت على قراءة هذا الفيلسوف بعقلية أرسطية. بمعني أنني كنت أفهم جميعَ المصطلحات الفلسفية التي استخدمها هيغل على نحو ما فهمها المعلّم الأول، ومعاجمنا الفلسفية مدينة للفلسفة اليونانية، ولأرسطو خصوصا، بالشيء الكثير).

 أسوأ تزوير للفلسفة أن يُستعمَل اسمُ الفلسفة ضد الفلسفة، وأسوأ تشويه للعقل أن يُستعمَل اسمُ العقل ضد العقل. مثلما ان أسوأَ انتهاك لقيم السماء والأرض أن يُستعمَل: اسمُ الله ضد الله، واسمُ الأخلاق ضد الأخلاق، واسمُ القانون ضد القانون، واسمُ الحرية ضد الحرية، واسمُ الدولة ضد الدولة، واسمُ الوطنية ضد الوطن.

تجاوز الحدود أنتج الكثيرَ من مشكلات حياتنا. لا يمكن الوثوق بخارطة طريق لبناء دولة وتطور مجتمع: لا يعرف الدينُ فيها حدودَه، ولا تعرف الفلسفةُ فيها حدودَها، ولا يعرف العلمُ فيها حدودَه، ولا تعرف الأسطورةُ فيها حدودَها، ولا يعرف الفنُ فيها حدودَه، ولا تعرف الدولةُ فيها حدودَها، ولا تعرف السياسةُ فيها حدودَها... الخ.

 

عبدالجبار الرفاعي

..............

مقطع من حوار مطول معه سينشر في ملف خاص بنقد الفلسفة الاسلامية يصدر في عدد قادم لمجلة قضايا اسلامية معاصرة. مع العلم ان مهدي حائري يزدي حاصل على درجة الدكتوراه في المنطق الرياضي من كندا، وكان أستاذاً لكتاب الأسفار الأربعة لملا صدرا الشيرازي في حوزة قم، وأستاذاً للدراسات العليا في كلية الالهيات والمعارف الاسلامية بجامعة طهران. وحاصل على اجازة بالاجتهاد من المرجع الشهير السيد حسين البروجردي في حوزة قم، قبل أكثر من نصف قرن.

 

 

majedalgarbawiثبت ان الدولة الاسلامية هي محور مشروع الحركات الاسلامية قاطبة، فهي حركات سياسية اكثر منها حركات دينية دعوية كما تعلن عن نفسها دائما.

تبقى الاهداف السياسية سببا اساسا وراء تصاعد العنف من قبل الحركات الاسلامية المتطرفة، سواء صرّحت بذلك أم لا، لان (اقامة الدولة) بالنسبة لهم استراتيجية وليس تكتيكا او وسيلة كما توحي به بعض النصوص السياسية، وقد نظـّر للدولة الاسلامية جمع من المفكرين الحركيين من مختلف المذاهب الاسلامية. وكشاهد ننقل نصا صريحا من كتاب الحكومة الاسلامية، ينظّر فيه المودودي لمبررات قيام الدولة الاسلامية باعتباره كان الملهم لسيد قطب في متابعة التنظير لمشروع الدولة الدينية، يقول المودودي:

ان المطالبة بالحكومة الاسلامية والدستور الاسلامي تنبع من الشعور الاكيد بان المسلم اذا لم يتبع قانون الله، كان ادعاؤه الاسلام باطلا لا معنى له.

1- يقرر القرآن ان الله تعالى هو مالك الملك، ومن ثم فهو صاحب الحق في الحكم بداهة، كما يقرر ان تنفيذ اوامر احد غيره، او حكم احد سواه في ارضه وعلى خلقه، انما هو باطل وكفر مبين. والصواب ان يحكم الحاكم بقانون الله ويفصل في الامور بشريعة الخالق بوصفه خليفة لله ونائبا عنه في ارضه.

2- وبناء على هذا سلب الانسان حق التقنين لانه مخلوق ورعية، وعبد ومحكوم، ومهمته تتركز في اتباع القانون الذي سنه مالك الملك. وقد اباح الاسلام بالطبع مزاولة الانسان الاستنباط والاجتهاد وتفريعاتهما الفقهية، لكنه شرط ذلك بالا يخرج عن اطار حدود الله. كذلك اعطى المؤمنين حق التقنين فيما لم يرد فيه حكم صريح من الله ورسوله، على ان تراعي في التقنين روح الشريعة ومزاج الاسلام، لان سكوت الشارع عن اصدار حكمه في بعض المسائل يعني ان للمؤمنين الحق القانوني في سن احكامها وضوابطها. لكن الامر الاساس الذي لا غمة فيه ولا خفاء ان من يترك قانون الله ويؤمن بقانون آخر وضعه بنفسه او شرعه له غيره من البشر انما هو طاغوت باغ خارج عن طاعة الحق، وان من يبغ الحكم بهذا القانون الوضعي، ويعمل على تنفيذه فهو باغ عات عن امر ربه ايضا.

3- ان الحكومات الصحيحة العادلة في ارض الله هي التي تتأسس وتحكم بالقانون الذي بعثه الله على ايدي انبيائه واسمها الخلافة.

4- ان كل ما يصدر من اعمال من قبل آية حكومة تقوم اساسا على شرعة اخرى غير شرعة الله وقانونه الذي جاء به الانبياء من لدن رب الكون والهه باطل لا قيمة له ولا وزن، مهما اختلفت هذه الحكومات فيما بينها من تفاصيل في الشكل والنوع، وحكمها غير شرعي البتة، فاذا كان مالك الملك الحقيقي لم يعطها سلطانا، فانى لها ان تكون حكومات شرعية.

ان القرآن الكريم يرى كل ما تقوم به هذه الحكومات محض عدم لا وزن له ولا قيمة، وقد يقبل المؤمنون – واعني بهم رعايا الله الاوفياء – وجود هذه الحكومات باعتبارها امرا خارجا عن ارادتهم وقدرتهم، لكنهم لا يعترفون بها وسيلة حكم شرعية، وسلطة تفصل في امورهم وقضاياهم، اذ لا يحق لهم طاعة الخارجين على حاكمهم الاصلي (الله) او قبولهم حكما في مجريات حياتهم، ومن يفعل ذلك فقد خرج من زمرة المؤمنين الاوفياء مهما ادعى الاسلام والايمان1 .

ثم اعتبر سيد قطب وجود الدولة الاسلامية شرطا اساسا لتطبيق الشريعة بعد قيام المجتمع او الامة الاسلامية، على طبق المراحل التاريخية للدعوة الاسلامية، لان قطب يفترض التطابق التام بين مرحلة البعثة والراهن الاسلامي، واراد استنساخ نفس الخطوات الدعوية بعد تجريدها من تاريخيتها والقفز على ظروفها. لذا طالب الجماعة المسلمة باعتزال المجتمع وهجرته وعدم الالتحام به تشبها بما حدث للصحابة عندما اضطروا للهجرة بسبب الظروف القاسية التي مرت بها الدعوة الاسلامية واتباعها. يقول سيد قطب في بيان الخطوات الدعوية: (فكيف تبدأ عملية البعث؟ انه لا بد من طليعة تعزم هذه العزمة، وتمضي في الطريق. تمضي في خضم الجاهلية الضاربة الاطناب في ارجاء الارض جميعا. تمضي وهي تزول نوعا من العزلة من جانب، نوعا من الاتصال من الجانب الآخر بالجاهلية المحيطة)2 . ويضيف: (ان اولى الخطوات في طريقنا هي ان نستعلي على هذا المجتمع الجاهلي وقيمه وتصوراته. وألا نعدل نحن عن قيمنا وتصوراتنا قليلا او كثيرا لنلتقي معه في منتصف الطريق. كلا اننا واياه على مفرق الطريق، وحين نسايره خطوة واحدة فننا نفقد المنهج كله ونفقد الطريق)3 . بعد ذلك تأتي الخطوة السياسية وهي قيام الدولة الاسلامية او كما يعبر عنه قطب بـ (سلطان) يكفل تطبيق الشرائع في هذا المجتمع، فيؤكد: (لا بد ان يكون للمؤمنين بهذه العقيدة من سلطان على انفسهم وعلى مجتمعهم ما يكفل تنفيذ النظام والشرائع في هذا المجتمع حتى يكون للنظام هيبته، ويكون للشريعة جديتها .. فوق ما يكون لحياة هذا المجتمع من واقعية تقتضي الانظمة والشرائع من فورها)4 .

غير ان الدولة الاسلامية اصبحت، في ظل التبريرات المختلفة لضرورتها، هدفا برر بدوره استخدام العنف والقوة للوصول الى السلطات او لقيام الخلافة الاسلامية كما في استراتيجية بعض الحركات الاسلامية كحزب التحرير. وكلما ازداد شعور تلك الحركات بضرورة قيام دولة اسلامية تأخذ على عاتقها مسؤولية تطبيق الشريعة ازدادت قناعتها باستخدام القوة والعنف حتى في المجتمعات التي تقوم على الديمقراطية. فعكست النتائج صورة شوهاء عن الاسلام والمسلمين قبل الحركات الاسلامية ذاته. حتى بات من العسير على الشعوب المسلمة اقناع الآخر برفضها هي ايضا للعنف والحركات المتطرفة، ثم سرت عدوى الاتهام والادانة الى الاسلام والفكر الديني، فعمقت ازمة المسلمين امام بقية الشعوب.

بل ثبت ان الدولة الاسلامية هي محور مشروع الحركات الاسلامية قاطبة، فهي حركات سياسية اكثر منها حركات دينية دعوية كما تعلن عن نفسها دائما. ويؤكد ذلك امتهان الحركات الاسلامية للعمل السياسي وعدم الاكتفاء بالدعوة والارشاد وتبليغ الاحكام. وقد تقدم (في مقال سابق) عن بعض الحركات انها ترى اسقاط الانظمة مقدمة لقيام الدولة الاسلامية، التي هي بدورها مقدمة لتطبيق الشرعية، التي تقع مسؤولية تطبيقها على عاتق تلك الحركات.

 

ماجد الغرباوي

كاتب وباحث

..............

هوامش

* بحث مستل من كتاب: تحديات العنف، ماجد الغرباوي، 2009م، دار العارف، بيروت – لبنان، والحضارية للابحاث، بغداد – العراق، ص 293- 296.

1- النص بطوله نقلا عن: الاسلام دين وامة وليس دينا ودولة، مصدر سابق، ص 269

2 - معالم في الطريق، مصدر سابق، ص 9.

3 - المصدر نفسه، ص 19.

4 - المصدر نفسه، ص 34.

waleed kasidalzaydiإن إطروحة "علمنة الإسلام" (la laïcisation de l'Islam) تُعَّد من المسائل التي تستحق الدراسة بشكلٍ واسع ومفصل في إطار الواقع الحالي الذي تشابكت فيه خيوط الدين والحياة. فهناك من يرى أن إثارة هذه المسألة وتفعيلها في هذه المرحلة يهدف الى محاربة الاسلام فكرياً ومحاولة خلط الاوراق في وقت الازمات. وإذا ما علمنا أن العلمانية ظهرت في المنطقة العربية منذ منتصف القرن الماضي، إلا أن الكاتب والسياسي الاميركي جيمس ويلي يشير الى: (... أن السياق الاستيراتيجي العالمي لم يكن مفضياً الى التجربة العلمانية التي نشأت في الشرق الأوسط منذ منتصف القرن العشرين، ومن غير المدهش ان الحكومات العلمانية الحديثة الاستقلال في الشرق الأوسط عقب الحرب العالمية الثانية اخذت تميل بعيداً عن نماذج الحكم الشمال أطلسية وتتجه نحو نماذج شرق أوربا)، فالحديث عن أن العولمة هي فصل الدين عن الدولة وشؤونها العامة والامور الحياتية، وعدم وقوعها تحت تاثير ديني، يختلف عما تنحى نحوه هذه المقولة من توجهات تسعى الى ممارسة أمور الحياة وتطبيقها بشكلٍ مجرد، خالي من الدين، تحت ذريعة "علمنة الاسلام".

ومع ان الاعلام الحكومي والعام في أغلب البلدان الغربية يتحدث عن حرية ممارسة الدين الإسلامي في تلك المجتمعات، وإذا ما أخذنا فرنسا مثلاً، نجد أن هذا الاعلام يتحدث عن هذه الحرية في ظل المجتمع الفرنسي العلماني واحترام شعائر الاسلام دون المساس بمعتقدات أبناء هذا المجتمع المتنوع الأديان والثقافات والاثنيات والجنسيات والقوميات، بل الذي يضم نسبة كبيرة من اللادينيين. وهو ما يشير اليه موقع وزارة الشؤون الخارجية الفرنسية على الويب بالقول: (إن الإسلام، بتنوع مدارسه، وشعائره، وممارساته، جزء لا يتجزأ من المجتمع الفرنسي، على غرار كل المعتقدات الأخرى السائرة في بلدنا.والعلمانية الجمهورية مبدأ تسامح، إذ تضمن لكل المواطنين، مهما كانت معتقداتهم الفلسفية أو الدينية، العيش معاً في ظل احترام حرية الوعي، وحرية ممارسة ممارسة الدين أو عدمها.وتبقى فرنسا، عموما، متمسكة بشدة باحترام تنوع الثقافات، وبحرية الوعي)، لكننا نجد ان الكثير من المفكرين والكتاب الفرنسيين يعملون على تفعيل نظرية " علمنة الاسلام"، تحت مبررات كبح جماح الاسلاموية المتطرفة والحد من تنامي الجهادية الغربية التي أخذت تتمدد في السنوات القليلة الاخيرة. فها هو (أوليفيه روا Olivier Roy ) يتتبع في كتابه ( L’Islam mondialisé) الصادر مؤخرا في باريس عن التحولات التي تشهدها الحركات الاجتماعية ذات النزعة الإسلامية العاملة داخل البلدان الإسلامية أو المنتشرة في الأقطار الأوروبية، وهو يرى أن التطورات الجديدة التي شهدها المشهد العام لهذه الحركات تعزز الفرضيات التي دافع عنها في دراسته السابقة حول فشل الإسلام السياسي، ( L échec de L’Islam politique). لكنه يخطىء – من وجهة نظري- في اعتباره التحولات التي تعيشها هذه الحركات مؤشراً آخر على العلمنة التي يسير في اتجاهها المحيط الإسلامي، عندما يُردف قائلاً : " ... ذلك أن المجهودات المبذولة لإعادة أسلمة الأفراد لا يؤدي في نهاية المطاف إلا إلى المزيد من العلمنة، ويتمثل أهم مفصل في هذا التحول في الفصل المتزايد بين الدين والثقافة، الذي يتحقق عبر ما يشكل نقاط الارتكاز في عمل وخطاب النزعات الإسلامية الجديدة".

ان منهج الأصوليِّين الذين فرَضوا على الاسلام الجمودَ والتحنيطَ لأسبابٍ أيديولوجية ومصلحية، وحالوا دون تطويرِه وتقويمِه وفقَ معايير علمية معرفية موضوعية، اعطى المجال لمفكرين اسلاميين قبل الغربيين في نقد المنهج الاسلامي، وفي مقدمتهم المفكر الفرنسي، العربي الاصل (محمد أركون) في تصديه لهذا الموضوع والمناداة بضرورةِ "علمنة الإسلام" و" أنسنة الدِّين"، فقد تحدَّثَ وكتب كثيراً في مجال "نقْدِ العقل الإسلامي" منادياً بالاستنجاد بالثقافةُ الغربيَّة العلمانيَّة في هذا المضمار، وبوابتها العلوم والدراسات الانسانية، وقد نادى تحديداً بـ "فتح أقفال التراث الإسلامي التي ما زالتْ مُحكمةَ الإغلاق مِن طرَف علم كهنوتي مقدَّس يحول دون الكشفِ عن وجهِه المعرفي" على حدِّ قوله، مردفاً : " لا يمكن تناوُلِ التراث الإسلامي عَبْر أدوات بالية موروثة عن الدِّراسات الإسلاميَّة الكلاسيكيَّة"!!.

هذا الخطاب "الاراكوني" يواجه العديد من الانتقادات من قبل جهات تؤمن بالاسلام الاصولي المتزمت. فهم يرون أنَّ أعمال أركون ليست تجديدا ولا اجتهادا ولا بناءً، إنَّما هو نقد هدَّام للدِّين ذاته، فهو يَستبعِد الإيمان نهائياً و يَستصحِب معه "الأنسنة"، كما يَستصحِب "علمنة " الحياة الاجتماعية والسياسية للمسلمين.

ومن جانب آخر توجد في فرنسا جماعات عربية مسلمة تعمل على دعم هذه التوجهات، من خلال جمعيات ومنتديات، منها: (المنتدى الاسلامي للاسلام العلماني)، الذي يُعَّرِف عن نفسه بأنه (أداة ضد الاسلام السياسي والاصولي)، كذلك منتدى الحوار الاسلامي العلماني اليساري، وغيرها.

ان حديث أشخاص وفئات معينة عن علمنة الاسلام (بحجة محاربة الجمود والثبوتية)، لا يقع ضمن النوايا الحسنة والتوجهات الحميدة، بل هو محاولة للانحراف بالاسلام عن جادته الصحيحة مستغلين الازمات الراهنة التي توجه اصابع الاتهام الى هذا الدين الحنيف، والحل – بحسب وجهة نظرنا- هو الركون الى الاسلام المعتدل والابتعاد عن التوجهات المتطرفة، لا سيما تلك التي عادت للظهور منذ عدة عقود وتنامت خلال السنوات القليلة الماضية بشكلٍ مثير للانتباه، بل دقت ناقوس الخطر ليس بوجه الغرب وانما بوجه الامة الاسلامية نفسها.

الاسلام المعتدل هو التيار المتدفق في شريان الدين الاسلامي السمح، ذلك ان الاسلام جاء ديناً يسراً وليس عسراً، وفي القرآن الكريم من البلاغة ما يعطي مزيداً من مقومات المواءمة مع الحداثة ويعطي فسحة واسعة للمرونة لدى التفسير والحكم في مستجدات الوقائع والاحداث مهما تقادم الزمن. في الوقت الذي يتزمت فيه الاصوليون الاسلاميون - وبخاصة السلفيون- في هذا الامر ويُلِحون على الرجوع الى ما يسمونه بـ (اسلام السلف أو جذور الاسلام)، من أجل تفسير الاحداث والمواقف بتجرد وإنغلاق، وهو ما يدخل الاسلام في دوامة من الجمود والسكون ومن ثم يجعله هدفا لأسهم النقد والانتقاد، في حين نجد عكس هذا المنهج لدى الامام علي (ع) اذا ما رجعنا الى قوله لعبد الله بن العباس (لما بعثه للاحتجاج على الخوارج): " لا تخاصمهم بالقران فإن القران حمال ذو وجوه، تقول ويقولون، ولكن حاججهم بالسنة فانهم لن يجدوا عنها محيصا". (نهج البلاغة 1/4، دار الكتب العلمية،ط1،بيروت، 2003، ص 405). هو شاهد ودليل على أن في القرآن الكريم من المعانى العميقة، فلغته جاءت بلغة العرب الفصحى في حين أعطتها الذات الالهيه شيئاً من العظمة فأضحت عميقه الغور، حيث لا يتهيأ لأي شخص الوقوف على قيمها الفكرية إلا من قذف اللّه فى قلبه من النور الذى يهتدى به الى فهم مدلولات الآيات ويخوض فيها خوض العارف المتيقن. وهو ما يعطي المرونة من خلال الاجتهاد الذي يدعم الحداثة والتي تديم مكونات الدين الاسلامي وتجعل الاسلام ديناً شاملاً لنواحي الحياة كلها، خالداً يواكب المستجدات والمتغيرات على مَر العصور والازمنة مهما إبُتكرَت من تطورات تقنية حديثة، وهكذا ظهرت مناقشات إيبستمولوجية مهمة جرت بخصوص إفتراض ما يعرف بدليل الإنسداد العلمي التي لا يتسع الحديث للخوض في تفاصيلها في هذا المقال المقتضب.

خلاصة القول : إن صراع اليوم هو بين إسلام متطرف أو مايسمونه في الغرب بــــــــ "الإسلاموية "، أو آخر يحاول أتباعه التقليل من مسحة التطرف هذه أسموه بـــــ " ما بعد الاسلاموية " ، وبين إسلام معتدل في شعائر الدين ونواحي السياسة والفكر وجوانب الحياة كافة . لذا ينبغي عدم الحديث عن " إسلام مُعَلمَن " لأنها خديعة جديدة يجب عدم الانزلاق الى مهاويها ومن ثم الاحتراق في أتون نارها الحارقة، بل الخلاص هو في دعم توجهات الاسلام المعتدل الذي ينهي بشكلٍ عاجل " الفورة الوقتية " للاسلام المتطرف ويخمد جذوته المتقدة.

 

د.وليد كاصد الزيدي

باحث / ما بعد الدكتوراه في المدرسة العليا للعلوم الاجتماعية (EHESS) بباريس

 

majedalgarbawiان تكفير المجتمعات المسلمة جريمة كبرى، لا ترتكز لأي أساس ديني، سوى رؤى واجتهادات شخصية مشحونة بخطاب عاطفي .. رؤى تخالف أبسط قيم الدين الحنيف

 طالما نظّر الاسلاميون لمفاهيم ورؤى تشبّعت بكراهية الآخر وتكفيره، والتخطيط للاطاحة بكل منجزاته. فسيد قطب، مثلا،نظّر بكثافة مروّعة، لمفاهيم خطيرة كانت وراء اقتحامالموت والاستهانة بالحياة، وعدم التفكير بتداعيات الفعل الارهابي على مستقبل المسلمين والعقيدة الدينية، كفهوم الحاكمية الالهية التي أدان بموجبها جميع الحكومات، وبرر اسقاطها بالعنف. وكذلك مفهوم جاهلية المجتمع، ذلك المفهوم الخطير الذي أدان به جميع الشعوب المسلمة، واعتبرها (جاهلية)، منبوذة، يجب تقويمها ولو بالقوة، من هنا تجد المتطرفين في ممارساتهم للقتل لا يكترثون لحيثية الانسان ولو كان مسلما. فسيد قطب إذاً لم يكتف بتكفير الحكومات والانظمة السياسية الحاكمة، وانما شملت ادانته كافة المجتمعات الاسلامية. يقول في كتابه معالم في الطريق: (نحن اليوم في جاهلية كالجاهلية التي عاصرها الاسلام او أظلم. كل ما حولنا جاهلية. تصورات الناس وعقائدهم، عادتهم وتقاليدهم، موارد ثقافتهم، فنونهم، وآدابهم، شرائهم وقوانينهم، حتى الكثير مما نحسبه ثقافة اسلامية، ومراجعة اسلامية، وفلسفة اسلامية، وتفكيرا اسلاميا، هو كذلك من صنع هذه الجاهلية)1. فهي مجتمعات مدانة (بنظر سيد قطب)، لا تتصف بصفات اسلامية، وعليها العودة الى الاسلام، والاقرار بعقيدة لا اله الا الله بمدلولها الحقيقي الذي يعني (لا حاكمية الا حاكمية الله) كشرط اساس لاسلامها، والا فتشملها أحكام الجاهلية، مما يبرر هجرتها وربما قتالها حتى تفيء لامر الحاكمية الالهية.

يقول سيد قطب: (كذلك ينبغي أن يكون مفهوماً لأصحاب الدعوة الإسلامية أنهم حين يدعون الناس لإعادة إنشاء هذا الدين، يجب أن يدعوهم أولاً إلى اعتناق العقيدة- حتى لو كانوا يدّعون أنفسهم مسلمين، وتشهد لهم شهادات الميلاد بأنهم مسلمون!- يجب أن يعلموهم أن الإسلام هو "أولاً" إقرار عقيدة: "لا إله إلا الله" - بمدلولها الحقيقي، وهو رد الحاكمية لله في أمرهم كله). كما يجب عليهم تحمل مسؤولياتهم (وطرد المعتدين على سلطان الله بادعاء هذا الحـق لأنفسهم، إقرارها فـي ضمائرهم وشعائرهم، وإقرارها في أوضاعهم وواقعهم)2.

ولا يخفى مدى خطورة مفهوم المجتمع الجاهلي كما ينظّر له سيد قطب في مؤلفاته التي تشكل رؤية دينية سياسية تنظيمية يعمل في اطارها "الاخوان المسلمين"3، التنظيم السياسي الذي كان ينظـّر له سيد قطب خاصة. فتصوّر هل يمكن قيام مجتمع متسامح في ظل خطاب تكفيري يعتبر المجتمع الاسلامي الراهن، مجتمعا جاهليا تجري عليه احكام الجاهلية ابان الدعوة الاسلامية؟ أي يجب التعامل معه على أساس انه مجتمع كافر معاد للاسلام والرسالة، سلوكا وعقيدة. فسيد قطب يرى: (إن العالم يعيش اليوم كله في جاهلية من ناحية الأصل الذي تنبثق منه مقومات الحياة وأنظمتها. جاهلية لا تخفف منها شيئا هذه التيسيرات المادية الهائلة، وهذا الإبداع المادي الفائق!. هذه الجاهلية تقوم على أساس الاعتداء على سلطان الله في الأرض وعلى أخص خصائص الألوهية وهي الحاكمية. إنها تسند الحاكمية إلى البشر، فتجعل بعضهم لبعض أربابا، لا في الصورة البدائية الساذجة التي عرفتها الجاهلية الأولى، ولكن في صورة ادعاء حق وضع التصورات والقيم، والشرائع والقوانين، والأنظمة والأوضاع، بمعزل عن منهج الله للحياة ، وفيما لم يأذن به الله .. فينشأ عن هذا الاعتداء على سلطان الله اعتداء على عباده وما مهانة الإنسان عامة في الأنظمة الجماعية، وما ظلم الأفراد والشعوب بسيطرة رأس المال والاستعمار في النظم الرأسمالية إلا أثرا من آثار الاعتداء على سلطان الله، وإنكار الكرامة التي قررها الله للإنسان)4.

لكن الأخطر – كما يقول الشيخ يوسف القرضاوي- ما تحتويه التوجهات الجديدة في هذه المرحلة لسيد قطب، هو ركونه إلى فكرة (التكفير) والتوسع فيه، بحيث يفهم قارئه من ظاهر كلامه في مواضع كثيرة ومتفرقة من كتاب (في الظلال القرآن) ومما أفرغه في كتابه (معالم في الطريق) أن المجتمعات كلها قد أصبحت (جاهلية). وهو لا يقصد بـ (الجاهلية) جاهلية العمل والسلوك فقط، بل (جاهلية العقيدة). (إنها الشرك والكفر بالله، حيث لم ترض بحاكميته تعالى، وأشركت معه آلهة أخرى، استوردت من عندهم الأنظمة والقوانين، والقيم والموازين، والأفكار والمفاهيم، واستبدلوا بها شريعة الله، وأحكام كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم)5. ويضيف: (وهذه مرحلة جديدة تطور إليها فكر سيد قطب، يمكن أن نسميها مرحلة الثورة الإسلامية، الثورة على كل الحكومات الإسلامية، أو التي تدعي أنها إسلامية، والثورة على كل المجتمعات الإسلامية، أو التي تدعي أنها إسلامية. فالحقيقة في نظر سيد قطب أن كل المجتمعات القائمة في الأرض أصبحت مجتمعات جاهلية. تكون هذا الفكر الثوري الرافض لكل من حوله وما حوله، والذي ينضح بتكفير المجتمع، وتكفير الناس عامة، لأنهم أسقطوا حاكمية الله تعالى ورضوا بغيره حكما، واحتكموا إلى أنظمة بشرية، وقوانين وضعية، وقيم أرضية، واستوردوا الفلسفات والمناهج التربوية والثقافية والإعلامية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية والإدارية وغيرها من غير المصادر الإسلامية، ومن خارج مجتمعات الإسلام، فبماذا يوصف هؤلاء إلا بالردة عن دين الإسلام؟!. بل الواقع عنده أنهم لم يدخلوا الإسلام قط حتى يحكم عليهم بالردة، إن دخول الإسلام إنما هو النطق بالشهادتين: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وهم لم يفهموا معنى هذه الشهادة، لم يفهموا أن لا إله إلا الله منهج حياة للمسلم، تميزه عن غيره من أصحاب الجاهليات المختلفة، ممن يعتبرهم الناس أهل العلم والحضارة)6.

فهذا النمط من الخطاب لا يؤسس ولا يساعد على وجود مجتمع متسامح، بل ينتج حركات اسلامية متطرفة تستبيح قتل المسلم قبل غيره. وهذا ما نشاهده اليوم من تبنٍّ كامل لهذه الافكار من قبل الحركات الدينية الاسلامية المتطرفة (كداعش واخواتها). وبالتالي ما لم يتم نقد هذا الفكر وتفكيكه ومناقشته وبيان نقاط ضعفه وتحديد المرجعيات التي تمت وفقها هذه القراءة، ليس هناك تفاؤل بقيام مجتمع متسامح. بل يتفاقم هذا الفهم وتتطور هذه القراءة لتتجذر داخل الفكر الديني الى درجة يصبح الفكر المضاد، فكرا منحرفا ضالا كافرا. فكيف يمكن التعايش آنئذ بين الأفكار والعقائد والأديان المختلفة؟.

ان تكفير المجتمعات المسلمة جريمة كبرى، لا ترتكز لأي أساس ديني، سوى رؤى واجتهادات شخصية مشحونة بخطاب عاطفي .. رؤى تخالف أبسط قيم الدين الحنيف الذي ضمن لغير المسلم حرية العقيدة فكيف بالمسلمين، وكان رسول الله يكتفي بشهادة الشهادتين كي يُصان دم المرء، وعِرضه وماله. من هنا يبنغي الحذر في التعامل مع هذا اللون من الخطابات المضللة.

 

ماجد الغرباوي

كاتب وباحث

.....................

 * - بحث مستل من كتاب: تحديات العنف، ماجد الغرباوي، 2009م، دار العارف، بيروت – لبنان، والحضارية للابحاث، بغداد – العراق، ص 290- 293.

 1- معالم في الطريق، مصدر سابق، ص 19.

 2- المصدر نفسه، ص 35.

 3- وتمثلهم الان جميع الحركات الاسلامية المتطرفة، كداعش والقاعدة وغيرهما.

 3- معالم في الطريق: المقدمة.

 4 - شبكة اسلام أون لاين، مذكرات الشيخ يوسف القرضاوي، الحلقة الثانية: وقفة مع سيد قطب. وانما اخترنا القرضاوي، رغم وجود هذه الافكار في كتب سيد قطب واضحة وجلية، باعتباره شاهدا عليها، وقد ناقشها ورد عليها من داخل الوسط التنظيمي ذاته الذي ينتمي اليه سيد قطب. فهو شاهد غير منحاز ولا مشكوك في عدالته من هذه الجهة. وقد صنف كلام قطب على المرحلة الثورية..

 5- المصدر نفسه.

 

nadeer almajedبُحت أصوات كثيرة وهي تحذرنا من الوقوع في فخ الثقة الزائدة بالوعي. لا تراهنوا على الوعي كثيرا، لا يكفي وعي الواقع لتغييره، ليس لأن الواقع لا يكترث بنا ولا بوعينا ولكن لأن هذا الوعي نفسه ليس أهلا للثقة. المراهنة على الوعي خاسرة سلفا إذا لم تضعه موضع سؤال، إذا لم تبدأ بفحصه تحت مجهر الشك والريب، ينبغي استعادة الوعي بتفجيره أولا بنقد ماركسي أو بديناميت نيتشوي أو بتحليل فرويدي.

تفشل كل المراهنات على التنوير إذا لم تبدأ بهذا الثالوث. التنوير المنكوب بنرجسية الوعي لا يتوقف عن التبشير بالعقلانية والوعي وضرورة التثقيف. الوعي ولا شيء غير الوعي هو المتكأ التنويري للتنمية أو التغيير، لبناء المجتمع والصحة النفسية، كل شيء يبدأ وينتهي بالوعي. المزيد من الوعي فقط، عن طريق الحث التربوي البليد والممل والمضجر على القراءة، أو ربما الوعظ الكهنوتي، هو كل ما يمكن أن يقدمه لنا هذا الخطاب المغرور والنرجسي جدا.

أمام هذه المراهنة الغبية تتأكد أهمية الاستعادة التي أجراها عدد من الفلاسفة "كميشيل فوكو ودريدا وبول ريكور" لذلك الثالوث الارتيابي الذي شكل ويشكل "اهانة نرجسية" للوعي. يشكل ماركس ونيتشة وفرويد ثالوثا تنتظم فيه فلسفة الريب. يطرح هذا المزيج رغم كل التفاوتات أسئلة كافية لتدمير، ليس الأشياء الخارجية، وإنما الوعي ذاته، سابقا كان الشك بوعي الأشياء الخارجية، بمعرفة الواقعي وإدراكه، أما هنا فالشك يطال هذا الوعي ذاته، الوعي أو الذات هي المسائلة والمهانة نرجسيا.

يقول فرويد أن البشرية شهدت ثلاث إهانات نرجسية. الأولى كانت مع الهزة "الكوبرنيكية" التي أزاحت الأرض عن دور المركز لتصبح طرفا على هامش مركز آخر. والثانية كانت مع الداروينية التي أهانت النوع البيولوجي "بمعزل عن صحتها علميا"، أما الثالثة فكانت مع فرويد نفسه، إذ اتضح أن ثمة متوحش همجي يحكم الوعي الانساني هو "اللاوعي".

لاستعادة هذا الثالوث "ماركس، نيتشة، فرويد" أهمية قصوى لتفتيت الأقنعة. إن الوجه ليس سوى قناع، الوعي جهل مقنع. ثمة راهنية إذن يعمل على تأكيدها بول ريكور لهذا الثالوث بصفته أركيولوجيا للذات، تحريرا أقصى للذات عبر كشف الأقنعة ومحاربة تضليل الوعي لنفسه.

كلٌ على طريقته، يعمل كل واحد من هذا الثالوث على إظهار المحتجب، فبينما يعمل ماركس على كشف البنى الاقتصادية، يفضح نيتشة الدوافع اللاأخلاقية للأخلاق، أما فرويد فيضيء الدوافع اللاواعية للوعي. هكذا يلتقي هؤلاء الثلاثة في ضرورة الهدم، هناك أشياء ينبغي أن يطالها التدمير، ثمة عنف ينبغي استحضاره هنا، يتلون وفقا للتنوع والاختلاف داخل هذا الثالوث نفسه، هنالك عنف ضروري يأخذ شكل ثورة عند ماركس، وديناميت لتفجير المعنى والأخلاق عند نيتشة ورؤية سيكولوجية تفترض تعنيفا مسبقا للوعي، حيث تبدأ الصحة النفسية عند فرويد بتحقير الوعي نفسه والحفر في طبقاته وصولا لمسبباته وعوامله الأكثر عمقا.

ثمة معنى مخبوء، "لغة خارج اللغة"، لغة لا تقول بالضبط ما تقوله، هذا ما يعمل الثالوث على إبرازه. لهذا السبب يبدو الثالوث محط اهتمام فلسفي.. "ماركس، نيتشة، فرويد": عنوان يختاره كل من "ميشيل فوكو" لمداخلته حول القوة والخطاب وأركيولوجيا الذات، و"بول ريكور" بصفته تدشينا وفاتحة لصراع التأويلات.

أين يلتقي هذا الثالوث؟ من تفتيت المكان، لم يعد المكان متجانسا بدءا من القرن التاسع عشر كما يقول فوكو، قرن الشك والريب وتفتيت المعنى، فمع ماركس نشهد انغماسا في الضباب لكشف التسطيح والتفاهة والأقنعة البرجوازية، ومع نيتشة تقوم "الجينولوجيا" بقلب الأعماق كما يقول فوكو، وإفراغ الأخلاق من القيم، ومع فرويد نلمس توغلا لهذا المكان اللامتجانس إلى داخل النفس بعد أن كان خارجها (المجتمع والأخلاق).

إن الاستعادة تأخذ أهمية مضاعفة، خاصة إذا ما عرفنا التشوهات التي طالت الأيقونات الثلاث. إذا كان الوعي مضلل، فلهذا الثالوث نفسه مآل التشويه، كما لو كان ثمة قدر تضليلي يهدد كل شيء، بدءا بالواقع الموضوعي الخارجي ومرورا بالوعي وانتهاء بالنقد نفسه. النقد الذي تحول إلى مذهب، إلى مقولات ثابتة وقوالب نظرية جاهزة ونهائية تفرض إكراهاتها على الواقع حين تعجز عن مسايرته، على هذا النحو تصبح الماركسية "اقتصادوية" فجة، والنيتشوية رفضا عدميا للأخلاق ودعوة فاشية، أما الفرويدية فتتقلص إلى جنسانية مهووسة برد كل الأشياء إلى "أيروس". إن محطم الصنم يبدو مثل صنم جديد.

 

ibrahim telbasilkhaتعددت الآراء حول أصل التنوير، فمثلاً نجد بتر جراى Peter gray يرجع التنوير إلى اليونانيين، ويدلل على ذلك بقول ديدرو أن طاليس أول من أدخل المنهج العلمى فى دراسة الطبيعة، وأول من أستحق لقب " فيلسوف" (1). ويكمننا أن نضيف هنا قول جثرى: " إن طاليس هو الذى قال بأن الماء هو المادة التى يتكون منها العالم، وهو العنصر الباقى والدائم فى كل الأشياء (2) .

ويقدم جراى "التنوير" كوحده ويربطه بحياة مجموعة من المفكرين البارزين؛ ويعرضه من خلال ثلاث مراحل أو أجيال كما يلى:

الجيل الأول للتنوير: يضم فولتير (1694– 1778) ومونتسكيو (1689-1755). الجيل الثانى للتنوير: يضم دنيس ديدرو (1713-84)، ودالبمير (1714-80) وروسو (1712 – 78) .

الجيل الثالث للتنوير: يرتبط بالفترة ا لحديثة ويضم لسنج وكانط . (3)

وكريستوفر هل فى كتابه" الأصول الثقافية للثورة الإنجليزية " يرى أن أفكار التنوير فى إنجلترا كانت ذائعة الصيت فى القرن السادس عشر، وبول هزار فى كتابة " أزمة الضمير الأوروبى" يرد التنوير إلى النصف الثانى من القرن السابع عشر .(4)

و برنتن، مع تأكيده أن رجال القرن السابع عشر هم الذين مهدوا لعصر التنوير، يرد حركة التنوير إلى القرن الثامن عشر، الذى وصل فيه المفكرون من الرجال والنساء إلى معتقدات معينة عن أنفسهم وعن العالم، وعما يستحق العمل فى هذه الدنيا، وما يمكن أداؤه فيها .. وهى معتقدات لم يتمسك بها أسلافهم فى العصور الوسطى . كانوا يعيشون فى عالم بدا لهم جديداً، مادامت أفكارهم عنه جديدة ... وكثير مما كان يعتقد فيه الرجال والنساء فى القرن الثامن عشر كان لا يتفق وبعض النواحى المهمة فى العقيدة المسيحية التقليدية .. فالتنوير قد " حور العقيدة المسيحية تحويراً أساسياً " (5) .

وآرسنت كاسيرر فى دراسته عن " فلسفة التنوير " يرجع التنوير إلى القرن الثامن عشر، حيث يربطه بحياة أثنين من الفلاسفة البارزين هما: ليبنتز (1646 – 1716) وكانط (1724-1804). ومن كلماته: " التنوير نسق قيمى متأصل فى العقلانية " (6) .

و روبرت و كلر يرى أن مصطلح " التنوير " ظهر لأول مرة فى اللغة الإنجليزية فى نهاية القرن التاسع عشر فى الشروح الإنجليزية لفلسفة هيجل، وذلك قبل ابتكار تعبير " التنوير الاسكتلندى " وقبل مائة عام تماماً لسماع أى فرد عن " مشروع التنوير " الذى تصورة ألاسداير ماكنتاير فى كتابه " بعد الفضيلة " وذلك بعد بداية مشروع مانهتن بأكثر من ثلاثة عقود (7) .

كما أن أولريك أم هوف يرجع التنوير إلى نهاية القرن الثامن عشر مطلع القرن التاسع عشر، عندما كان فى منافسة مع تعبير " عصر العقل " فخلال القرن الثامن عشر تحدث الفيلسوف باركلى، على سبيل المثال، عن ذلك عندما قال: إن محيط النور إخترق وواصل سيره على الرغم من العبودية والخرافة "، بينما لاحظ إنجليزى أخر أن القرن قد استنار بعيداً عن آمال و تخيلات (أوهام) العصور السابقة (8) .

ومهما يكن من أمر التباين فى أصل التنوير، فالرأى الشائع و المألوف هو أن القرن الثامن عشر هو عصر التنوير، و هو عصر من صنع " الفلاسفة " وإن كان " الفلاسفة " قد مجدوا العقل، مثل، اليونانيين، إلا أنهم تميزوا بفصل الفلسفة عن الميتافيزيقاً التقليدية . فالعقلانية القديمة لم توفق فى الربط بين العقل والحياة اليومية ومن ثم انفصلت عن الوقائع العينية للحياة الحقيقية . وإذا كان التنوير معتزاً بأن يكون هو " عصر الفلسفة " فالفلسفة هنا ليست هى الفلسفة بالمفهوم التقليدى وإنما هى رؤيه وضعية لنسق العالم، ولأنحاء الوجود الإنسانى فتؤسس العلوم والفنون على مبدأ العلية دون مجاوزة هذا العالم، ومن ثم يهتم الفيلسوف بالحياة فى هذه الدنيا، وليس بالبحث عن الحقائق الأزلية فيربط بين العقل والوقائع العينية . (9)

وهذا ما أكد " برلين " فى كتابه " عصر التنوير: فلاسفة القرن الثامن عشر" فقد رأى أن القرن الثامن عشر هو الفترة الأخيرة فى تاريخ أوروبا الغربية حيث تم فيه اعتبار المعرفة البشرية اللامحدودة هدفاً يمكن تحقيقه .(10) وقال: " إن القوة الفكرية، والإخلاص والوضوح، والشجاعة، ومحبة الحقيقة لدى معظم المفكرين الموهوبين فى القرن الثامن عشر ما تزال حتى الأن من دون نظير . فهذا القرن يعد واحداً من أفضل وأكثر الأحداث المبشرة " الواعدة " فى حياة الجنس البشرى (11)ولذلك لا يمكن الشك أبداً فى أن برلين قد أيد تنوير القرن الثامن عشر وإرثه ووقف بجواره .

وبصورة عامة، فالجدل حول معنى " التنوير " بدأ فى القرن الثامن عشر ذاته واستمر فى كامل قوته حتى عصرنا . بل إن المفكرين فى القرن الثامن عشر كانوا على وعى كبير بأن انتشار الكلمات المستخدمة فى المجالات اللغوية المختلفة للإشارة إلى " التنوير " _ Aufklarung فى الألمانية، Lumieres فى الفرنسية، Illuminismo فى الإيطالية – قد كشفت عن تنويع رئيسى فى أصل التنوير . لهذا لم يكن من المدهش أن تهتم مجلة شهرية ظهرت فى برلين عام 1783 بعنوانBerlinische Monatsschrift بالإجابة عن سؤال بسيط، ولكنه مهم، هو " ما التنوير؟". ونشرت المجلة عدة مقالات للإجابة عن هذا السؤال، لعدد كبير من المفكرين ينتمون إلى مجالات فكرية مختلفة مثل الكاتب المسرحى جوتهولد ايفرايم لسنج (1729 – 81) والفيلسوف اليهودى موسى مندلزون (1729 – 86) والفيلسوف الروسى ايمانويل كانط (1724 – 1804) وغيرهم . ويمكن قراءة هذه المقالات على أنها تقدم ملخصاً مهماً للمعانى المختلفة التى أصبحت بنهاية هذا القرن مرتبطة بمصطلح " التنوير " . (12)

وقبل ذلك بأعوام قليلة، وبالتحديد فى عام 1780، وجه الحاكم الشهير فردريك من بروسيا (1712 – 86) أكاديمية برلين للعلوم لتقديم جائزة لأفضل مقال يقدم إجابة عن السؤال:" هل التنوير وسيلة لخداع الناس؟". وكان هذا السؤال يشكل المسابقة الأكثر شهرة فى تاريخ الأكاديمية وقد لاقى اهتماماً واسعاً فى أوروبا مما يدل على أهمية التنوير . وفى نهاية القرن الثامن عشر كانت كلمة " التنوير " مهمة بشكل كاف حيث طرحت مشاكل كبرى فى مجال السياسة والمعرفة عبر المجتمع . كما كان هناك أيضاً وعى بصعوبة وتعقيد أى إجابة عن هذا السؤال . (13)

وقد ارتبطت فكرة النور Idea of light بتحرير العقل وتمجيده: Aufklarung und licht , freiheit und licht " التنوير والنور، الحرية والنور" فالتنوير يعنى التخلص من تلك الأحجبة والستائر التى تعوق رؤيتنا، وإعطاء طريق للنور ليدخل قلوبنا وعقولنا لإلقاء الضوء على السابق وتحفيز التالى وبهذا يشق طريقه داخل مجالات الحقيقة و النظام حيث التحكم فى مصير الإنسان وسعادته " فقد تحدث ويلاند عن حرية الفكر وحرية النشر، وقال أنهما بالنسبة للعقل كالنور للعيون . وحينما سعى هيردر الشاب لوصف العصر الذى عاش فيه، فإنه سماه " عصرنا المستنير، أكثر القرون إشراقاً (14) .

وبيتر جراى يعرف برنامج التنوير بأنه أحد الأعمال العدائية للدين والبحث عن "الحرية " و" التقدم" اللذين يمكن تحقيقهما بالاستخدام الجدلى للعقل من أجل تغيير علاقات الفرد مع نفسه ومع مجتمعه . ويؤكد أهمية رؤية التنوير كبرنامج إصلاحى تحررى ... وهذا التفسير مكنه من توسيع قائمة المفكرين لتشمل الأمريكيين توماس جفرسون (1743 – 1826) وبنيامين فرانكلين (1706– 90) ومن رؤية الثورة الأمريكية فى السبعينات فى ضوء التزامها " بالحياة والحرية والسعى لتحقيق السعادة " على أنها تطبيق لبرنامج التنوير . (15)

فالفكرة الأساسية التى يقوم عليها التنوير– أى الفكرة التى تجعله نظرية كونيه – إنما هى " الاعتقاد بأن كل الكائنات البشرية يمكن أن تبلغ هنا فى هذه الدنيا حالة من حالات الكمال كان يظن حتى الآن فى الغرب أنها لا تتيسر إلا للمسيحين فى حالة النعمة، ولهم وحدهم بعد الموت " . وقد عبر عن ذلك سنت جست، الثائر الفرنسى الشاب فى بساطة خادعة أمام المجمع الدينى، حين قال: " إن السعادة فكرة جديدة فى أوروبا ليست جديدة فى السماء بطبيعة الحال، وإنما هى جديدة فى أوروبا، جديدة جداً فى أمريكا . وهذا الإمكان فى تحقيق الكمال للجنس البشرى لم يكن نتيجة لما يقرب من ألفى عام من المسيحية، ولا للوثنية السابقة التى ارتأت صوراً أخرى للسعادة تتحقق بعد آلاف السنين . وإذا كان لابد لهذا الكمال من أن يستحدث فى القرن الثامن عشر فإن شيئاً جديداً – اختراعا جديداً، أو اكتشافاً جديداً – لابد أن يحدث . وهذا الشىء الجديد يمكن تلخيصه أحسن تلخيص فيما ألف أثنان من الإنجليز عاشا فى أواخر القرن السابع عشر، وهما اللذان جمعا فى بؤرة واحدة العمل التمهيدى الذى تم فى أوائل القرون الحديثة، ذلكما الرجلان هما نيوتن و لوك (16) .

فالعمل الذى انفق نيوتن فيه حياته – وخاصة إتمام لحساب التكامل وصياغته الرياضية العظمى للعلاقة بين الكواكب وقوانين الجاذبية – بدا لمعاصريه كأنه يفسر كل الظواهر الطبيعية، أو يبين على الأقل كيف أن كل ما يماثل هذه الظواهر بما فيها سلوك الكائنات البشرية يمكن أن يخضع للتفسير . أما لوك فقد استخلص طرائق التفكير الواضحة البسيطة من متاهة الميتافيزيقا حيث أرساها ديكارت، فجعلها فيما يبدو امتداداً طيباً للحس السليم. والظاهر أنه بين للناس الطريقة التى يمكن أن تطبق بها النواحى التى نجح فيها نيوتن نجاحاً عظيماً على دراسة شئون البشر وقد وضع نيوتن و لوك معاً تلك المجموعات العظيمة من الأفكار، فى " الطبيعة " وفى " التفكير "، التى كانت بالنسبة إلى التنوير ما كانت عليه أمثال هذه المجموعات فى مجالات النعمة والخلاص والقدرية بالنسبة إلى المسيحية التقليدية (17) .

ولقد طبق الفلاسفة البريطانيون التجريبيون تصورات نيوتن على العقل؛ فتعاملوا مع العقل على أنه صندوق يحتوى على أفكار عقلية مكافئة لذرات نيوتن .. ولهذا يؤكد برلين أن تأثير نيوتن فى القرن الثامن عشر كان هو العامل الوحيد الأكثر قوة . فقد قام بمهمة جبارة غير مسبوقة بتفسيره للعالم المادى فى ضوء استبعاده لكافة المؤثرات الميتافيزيقية التى أعاقت تقدم البحث العلمى . وبدرجة من الدقة والبساطة لم يحلم بها من قبل . مما أدى إلى سيادة الوضوح والدقة والنظام فى علم الفيزياء: " فلقد كانت الطبيعة وقوانينها محجوبة فى الليل: فقال الإله لنيوتن كن، وتحول كل شىء إلى النور (18) .

وبدأت حركة التنوير فى إنجلترا على يد لوك، الذى دافع عن التسامح الدينى ؛ وأكد أن الإيمان لا يفرض بالقوة ؛ وأن التسامح هو وحده الذى يكفل تحقيق السلام بين البشر .. وقال لوك بضرورة الفصل بين الكنيسة " السلطة الدينية "والدولة" السلطة المدنية "فلكل سلطة اختصاصاً معيناً لا دخل للأخرى به، فهدف الكنيسة هو الحياة السماوية الأخروية وهدف الدولة هو الحياة الأرضية الدنيوية أى تنظيم شئون الناس فى الحرية والملكية والحياة (فى الصحة والأرض والمال والمسكن ووسائل الترفيه وما شابه ذلك . ولذلك فليس للدولة أن ترعى العقيدة الدينية فى التشريع، ويجب أن تظل قوانين الدولة فى استقلال كامل عن الإيمان الدينى، فلا محل للقول بدولة مسيحية (19) .

وكان لوك يقصد بالتسامح الدينى: أنه ليس من حق أحد أن يقتحم باسم الدين الحقوق المدنية والأمور الدنيوية ". ولهذا فإن " فن الحكم ينبغى ألا يحمل فى طياته أية معرفة عن الدين الحق " . ومعنى ذلك أن التسامح الدينى يستلزم ألا يكون للدولة دين لأن " خلاص النفوس من شأن الله وحده .ثم إن الله لم يفوض أحداً فى أن يفرض على أى إنسان ديناً معيناً . ثم إن قوة الدين الحق كامنة فى اقناع العقل، أى كامنة فى باطن الإنسان " (20) .

وأعلن لوك أنه لا مبادئ فطرية فى العقل، فالتجربة هى التى تزودنا بكل المعرفة . والعقل ذاته صفحة بيضاء يكتب عليها الحس والتجربة بألاف الطرق (21) . ويكفى فى رأيه إقناع القراء المنصفين بزيف الأفكار الفطرية، وكيف أن الناس باستخدام ملكاتهم الطبيعية فقط قد يبلغون درجة اليقين دون اللجوء إلى أى من مثل هذه الأفكار .

فأى إنسان يمكنه أن يسلم بسهولة بأنه من غير اللائق افتراض أن الأفكار الخاصة باللون هى أفكار فطرية فى الإنسان الذى وهبه الله نعمة البصر والقدرة على استقبال الألوان من الأشياء الخارجية عن طريق عينيه . وبالمثل فإنه من غير اللائق أن نعزو حقائق متعددة للانطباعات والسمات الفطرية فى الوقت الذى يمكن فيه أن نلاحظ فى أنفسنا مواهب قادرة على أن تبلغ معرفة يسيرة ومؤكدة بهذه الأشياء كما لو كانت منطبعة أساساً فى عقولنا (22) .

واذا كان لوك هو رائد حركة التنوير فى إنجلترا، فإن هيوم هو أكبر ممثل لهذه الحركة .. فلقد سار هيوم بالمعضلة الديكارتية التى تتعلق بالفكر والمادة الى حد بدأ معه الشك بالتأكيد . كان هيوم أحد المتسائلين المدنيين عن الوحى وعن مذهب إثبات وجود الله مه إنكار الوحى، أو " الديانة الطبيعية " . وهو أكثر ابتكاراً عندما يتسائل عن الصدق بمعنى اليقين الثابت المطلق الميتافيزيقى – صدق الأحكام العامة التى وصل اليها رجال العلم . إن العقل عند هيوم ذاتى كالحواس، أو هو على الأقل نقل أو تقرير للواقع على صورة لا يمكن التثبت من صحتها فى نهاية الأمر . ولقد وجد هيوم – كغيره من المتشككين فى قدرات الناس العقلية والخلقية – فى التقاليد والعادات والعرف أساساً أثبت للحياة فوق هذه الأرض . وهكذا انتهى الى موقف يناقض موقف أهل زمانه بشكل فريد إذ كان يعتقد فى القديم دون الجديد . وهو يعترف بمكانة العاطفة فى أعمال الناس وإن يكن ذلك فى غير حماسة بشكل فذ . إن هيوم لم يكن فى صميمه ذلك المتشكك بمقدار ما كان ذلك المتعقل الذى مل التعقل (23) .

وطور جون ستيوارت مل مفهوم التسامح فى كتابه المعنون "عن الحرية" (1859) إذ ارتأى أن التسامح يمتنع معه الاعتقاد فى حقيقة مطلقة، أى تمتنع معه الدوجما. يقول " إن الحرية الدينية تكاد لا تمارس إلا حيث توجد اللامبالاة الدينية التى تنبذ إزعاج سلامها بالمنازعات اللاهوتية . وحتى فى البلدان المتسامحة ثمة تحفظات على التسامح لدى معظم المتدينين , فالإنسان قد يحتمل الانشقاق إزاء أسلوب الكنيسة، ولكنه لن يحتمل التسامح إزاء الدوجما" (24) .

وإذا كان التنوير فى إنجلترا قد وقف موقفاً فكرياً معيناً تجاه الفلسفة التقليدية هو الرفض والنقد معاً، فإن فلسفة الأنوار فى فرنسا بدأت بالنقد العنيف للدين .. فقد أخذ العداء للدين ورجاله فى فرنسا صورة شعبية وغالى ديدرو والانسيكلوبيديون فى آرائهم حتى انتهوا إلى الإلحاد الصريح . وكان الغرض الأساسى من نشر الأنسيكلوبيديا هو تنوير الشعب وتحرير العقول بواسطة العلم. ولقد قال رامزى، الخطيب " سوف نشرح فى الأنسيكلوبيديا (دائرة المعارف الفرنسية) كلمة الصناعة الفنية (تقنية Technique) . ولن نكتفى بتعريفها تعريفاً لفظياً فحسب، بل سنعرض تاريخاً للعلوم والفنون، وسنقدم مبادئها العامة ونبين كيفية ممارسة هذه الصناعة . وهنا ستظهر الأنوار التى أشرقت فى جميع الأمم، وسوف يقدم هذا العمل كل ما هو جميل وعظيم ومشرق ومنير ونافع فى كافة العلوم الطبيعية وفى كل الفنون والآداب الجميلة . وسوف يزداد هذا العمل تألقاً مع الزمن . وهكذا سوف تنشر فى أوروبا كلها تذوق الآداب والفنون الجميلة " (25) .

ولقد بدأت فلسفة الأنوار فى فرنسا بالنقد العنيف للدين فى جميع المجالات . فمثلاً بالنسبة للجنس، اهتم الفلاسفة الفرنسيون فى القرن الثامن عشر اهتماماً قوياً بالمسائل المتعلقة به، ولكنهم كانوا بعيدين كل البعد عن النظر إليه بوصفه وسيلة للتناسل، لقد كان بالنسبة لهم شيئاً يمكن الاستمتاع به لذاته، وسخطوا سخطاً شديداً على القيود التى فرضتها عليهم الأخلاق الدينية . كما حاولوا التحرر من كل إلزام دينى فقد أرادوا كذلك تدمير كل القواعد الأخلاقية المنظمة للعلاقات الجنسية (26) .

وقام التنوير الفرنسى، كالتنوير الإنجليزى، على ثورة العلم وانتصاراته ... فإذا كان لإنجلترا على وجه العموم النصيب الأوفر من العقول البذرية التى انبتت أفكار التنوير، فإن الفرنسيين فوق كل شىء هم الذين نقلوا هذه الأفكار فى أنحاء أوروبا وروسيا، بل فى كل الأماكن الخارجية النامية للمجتمع الغربى فى جميع أنحاء العالم . ومن هؤلاء فولتير، الذى تجد فى مؤلفاته التى تربو على التسعين كل الآراء التى بدأ بها عصر التنوير معروضة عرضاً واضحاً فيه فطنه وذكاء فى كثير من مواضعه (27) .

وانتهى التنوير الفرنسى مع فشل الثورة الفرنسية، ولذلك يقول برلين: "إن فشل الثورة الفرنسية فى إنجاز الجزء الأكبر من أهدافها المعلنة هو ما شكل نهاية التنوير الفرنسى كحركة ونظام " . (28) ومن فرنسا انتقلت فلسفة الأنوار إلى ألمانيا . فكان بعض العلماء والأنسيكلوبيديين الفرنسيين أعضاء فى الأكاديمية الملكية فى بروسيا مثل ديدرو و دالمبير . ثم تفتحت ألمانيا لحركة التنوير الإنجليزى وتأثرت باتجاهاتها النظرية فى مجال الفلسفة والأدب والشعر . ويعتبر ليبنتز ناقل فلسفة الأنوار إلى ألمانيا ومؤسس هذه الحركة التى رسم لها طريقها وحدد لها غاياتها. ولقد قال فى البحث عن الكلمة: " لا شىء يمكن أن يدخل الغبطة إلى نفوسنا إلا التنوير الذهن وخضوع الإرادة له، وأن نبحث عن هذا النور فى معرفة الأشياء التى تسمو بالذهن إلى الأعلى (29) .

ورفض ليبنتز وجود أى تمييز حاد بين ما هو فطرى وما يأتى عن طريق التعلم: " أنا أوافق على أننا نتعلم الأفكار والحقائق الفطرية إما باعتبار مصادرها أو بالتحقق منها من خلال الخبرة .. وكذلك فأنا لا أستطيع أن أقبل القضية القائلة " إن كل ما يتعلمه الشخص هو غير" فطرى" . فحقيقة الارقام هى فينا، ولكن مع ذلك فنحن نتعلمها إما بانتزاعها من مصادرها حين نتعلمها من خلال برهان إيضاحي (وذلك مما يؤكد فطريتها) أو بواسطة اختبارها، مثلما يفعل الرياضيون العاديون .. وهكذا فالرياضيات والهندسة بكاملها فينا فعلياً بحيث نستطيع إيجادها هناك حين نتأملها بانتباه وننظم ما فى عقولنا . (وبصورة عامة) لدينا كمية غير محدودة من المعرفة التى لا نعيها دائماً حتى حين نحتاجها . أما الحواس مع أنها ضرورية لكل معرفتنا الفعلية فإنها ليست كافية لتمنحنا إياها بشكل كامل، فهى لا تعطينا أى شىء غير أمثلة من الحقائق الجزئية والفردية . فالحقائق الضرورية كما نجدها فى الرياضيات الخاصة وبخاصة فى علم الحساب والهندسة لا تخضع مبادئها للحواس ولحكمها على الرغم من أننا لا نستطيع أحياناً أن نتفق التفكير فيها إلا باستخدام الحواس . . . . فالعقل وحده هو الذى يضع القواعد الضرورية والروابط اللازمة بينها ... " (30) .

وكثيراً ما ينظر إلى كانط على أنه الفيلسوف الذى قام بتجميع إنجازات التنوير، وتحديد حدوده المعرفة التجريبية وتأسيسها وفقاً للعقل الخالص وفى ضوء الأخلاقية الخاصة بها بعيداً عن مظاهر عالم الفينومينا . لكن الفلسفة الكانطية بكاملها بعظمة تكوينها كانت معروفة لعدد قليل جداً من الناس فى القرن الثامن عشر ومن الصحيح، من خلال دراسة مثل هذا النمط الفلسفى، معاملة فيلسوف كونجسبيرج على أنه رجل حول أفكار عصرة إلى نظريات فلسفية، بدلاً من دراسة عمله بطرق فلسفية خالصة أو كنقطة بداية لطرق جديدة فى التفكير(31) .

لقد تناول الفيلسوف كانط موضوع التنوير فى مقال له بعنوان " جواب عن سؤال: ما التنوير؟ " نشره عام 1784 فى مجلة برلين الشهرية . ويعد هذا المقال المختصر إحدى أكثر المحاولات المدونة لمعرفة معنى "التنوير " . وفيه يقول كانط: " التنوير هو خروج الإنسان من قصوره الذى أقترفه فى حق نفسه، وهذا القصور هو عجزه عن استخدام عقله من دون معونة الأخرين " .. و" ان تكون جريئاَ فى أعمال عقلك " أو " تكون لديك الشجاعة للمعرفة. وهذا هو شعار التنوير كما قال كانط فى بداية مقاله". ويقدم كانط صورة أكثر تعقيداً للتنوير فيقول" يجب أن يكون الاستخدام العام لعقل الإنسان دائماً من أجل الحرية وهذه الحرية هى وحدها التى تؤدى إلى تفشى التنوير بين الناس (تنير الناس) فربما يكون الاستخدام الخاص للعقل محدوداً للغاية " . فيجب على الحكام أن يعملوا من أجل الحرية ويقللوا من تفشى الفوضى وعدم الأمان فى المجتمع . وكانط يطرح المشكلة بطريقة مختلفة. كما فعل مندلزون: ماذا يحدث لو فكر الناس من دون حدود؟ هل هذا التفكير يؤدى بالضرورة إلى نتيجة إيجابية؟ ويعلن كانط عدم رضاه عن هؤلاء المعاصرين الذين يرون عصرهم فى حالة من التطور غير المحدود تجاه تحقيق الإمكانيات البشرية أو تنفيذ أولويات اجتماعية وسياسية " عقلية " . ويتفق كانط مع مندلزون فى أن " التنوير " كان عملية ولم يكن مشروعاً متكاملاً، عملية مليئة بالمشاكل والمخاطر . فإذا سئلنا الأن: هل نحن نعيش فى عصر الاستنارة؟، فإن الإجابة هى: لا، لكننا نعيش فى عصر التنوير . (32)

إن التنوير عند كانط يعنى ألا سلطان على العقل إلا العقل ذاته.. فلقد نادى كانط بمبدأ البقاء على العقل بالعقل: "نعم يا أصدقاء الإنسانية ويا أصدقاء أقدس المقدسات فى نظرها . لا تجادلو فى شأن العقل، فهو الخير الأسمى على الأرض وحجر المحك لكل حقيقة " (33) .

لكن مع هذا فإنه حتى بالنسبة لكانط و مندلزون، كلمة التنوير لم تكن سهلة التعريف، فلقد بدا لهما أن التنوير يقدم نفسه كسلسلة من العمليات والمشاكل أكثر من كونه قائمة مشاريع فكرية يمكن وصفها بشكل دقيق . وبوجه عام، فإنه حتى عشرين عاماً مضت كان مؤرخو هذه الفتره يفكرون – عادة فى التنوير على أنه ظاهرة موحدة نسبياً فى تاريخ الأفكار، والتى تنتج بواسطة القاعدة التى وضعها " مفكرون كبار " مثل مونتسكيو(1689– 175)وديدرو(1713– 84) وكانط. فلقد تقاسم هؤلاء الثلاثة الخصائص الواضحة بكونهم بيضاً وذكوراً، ومن أوروبا الغربية . وبمعرفة الخلافات الكثيرة بين هؤلاء " المفكرين الكبار " فإن المؤرخين مازالوا يتجهون عادة لرؤية أفكارهم، أفكار التنوير فى التحليل الأخير على أنها متماثلة نسبياً . فهم يتفقون فى عدة نقاط منها: النظر إلى التنوير على أنه كان رغبة لأن توجه الأعمال البشرية بالعقل أكثر من الإيمان، أو الخرافة أو الإلهام (الوحى) ؛ والإعتقاد بقوة العقل الإنسانى وقدرته على تغيير المجتمع، وتحرير الفرد من سلطان العادة أو الإلف واستبداد السلطة أيا كان نوعها ؛ والإيمان بالعلم والتمسك به عالمياً أكثر من الدين أو التراث . (34)

ورأى مندلزون أن مصطلح " التنوير " يصعب تعريفه لأنه عبارة عن " عملية " لم تكتمل بعد، تربية الإنسان أو تعليمه، تعليمه كيفية استخدام "العقل " – الكلمة المفتاح فى التفكير " التنويرى " . وفى الوقت نفسه كان مندلزون على وعى تام بأن التطور غير المحدود " للعقل " فى الأفراد يمكن أن يتعارض مع دورهم كذوات ومواطنين ." فالعقل " إذا استخدام بشكل كبير ومن دون حدود فى البحث والدراسة، فإنه قد يحلل النظام الإجتماعى والدينى والسياسى إلى عماء أو فوضى ويترك الناس منعزلين فكرياً، فتظهر صور عديدة من (الواحدية الفكرية) . (35)

وبوجه عام، فإن عصر التنوير هو عصر العقل: لكن ما طبيعة العقل فى عصر التنوير؟، وبعبارة أخرى ما هى الخصائص التى يتميز بها العقل فى هذا العصر من عصور الفكر؟ أولاً: لم تعد وظيفة العقل الأساسية هى القدرة على القياس والأستنباط مثل أرسطو . لكن مع تقدم العلم أصبحت وظيفته الأساسية هى الكشف عن قوانين العالم فى كافة مجالات العلم والمعرفة مثل نيوتن .

ثانياً: أصبح للعقل فى هذا العصر منهج جديد للتفكير يتفق تماماً مع تقدم العلوم الطبيعية . وهذا المنهج هو منهج التحليل، أى تحليل الظواهر من أجل الكشف عن المبادىء التى تخضع لها . ومن هنا بدأ العقل يسير فى طريق مختلف عن الطريق الذى رسمه له ديكارت من قبل . كان منهج ديكارت يبدأ بالحقائق الأزلية الأبدية أو بالمبادىء اليقينية بينما العقل فى عصر التنوير والعلم يبدأ أولاً بالتنقيب والبحث عن الظواهر والوقائع ثم يحللها ليكشف المبادئ

والأصول التى تخضع لها، وقد زالت فكرة الضرورة فى هذا العصر وأصبحت المبادئ مجرد قواعد مقنعة بالنسبة لما تعرفه من الظواهر .

ثالثاً: إن أروع ما أكده العلم الحديث فى هذا العصر " عصر نيوتن " هو أن الظاهرات تنتظم فى الوجود وفقاً لنظام رياضى دقيق وعلى العقل أن يعين هذه الصورة الرياضية للوجود . فالتوافق بين العقل والوجود أصبح أمراً مؤكداً بالعلم ويقيناً ولا شك فيه .(36)

رابعاً: كان العقل للرجل العادى فى العصر التنوير هو كلمة السر الكبرى لعالمه الجديد . العقل هو الذى يسوق الناس إلى فهم الطبيعة، وبفهمه للطبيعة يصوغ سلوكه طبقاً لها، وبذلك يتجنب المحاولات العابثة التى قام بها فى ظل أفكار المسيحية التقليدية الخاطئة وما يحالفها فى الأخلاق والسياسة مما يناقض الطبيعة .. والرجل المستنير كان يعتقد أن العقل شىء يمكن لكل إمرئ أن يستناره، فيما خلا قلة بائسة معيبة . كان العقل مكبوتاً بل كان ضامراً بفعل سيطرة المسيحية التقليدية أمداً طويلاً . أما فى القرن الثامن عشر فإن العقل استطاع مرة أخرى أن يسترد سلطانه، وأن يؤدى لكل إنسان ما أداه لرجال أمثال نيوتن و لوك استطاع والعقل أن يبين للناس كيف يسيطرون على بيئتهم وعلى أنفسهم (37) .

وقد لعب التنوير دوراً مؤثراً تجاه التحول من النظرية إلى الممارسة، من مجرد النقد إلى القيام بعمل لتحسين التعليم، والزراعة، والعلاقات الاجتماعية، والحياة السياسية وإصلاحها . وأدى لظهور المطلقية المستنيرة، وكذلك اثنان من النظم الجماهيرية الكبرى – فى فرنسا وفى أمريكا الشمالية وكان رد فعل ضد الباروكيه، والأرثوذوكسية، والحركات المضادة للإصلاح . وكما وجدت التيارات الدائمة للنزعة الإنسانية طريقها المتحرر من كل القيود، وكما قال ألبرخت فون هاللير أن الإنسان الذى يفكر بحرية يفكر بشكل جيد ... بدأ الناس فى عصر التنوير ينظرون إلى المستقبل وليس إلى الماضى، للأمام لا للوراء ؛ إذا نظروا إلى الماضى يكون ذلك بالتركيز على فترات القوة والإبداع كما هو الحال فى اليونان القديمة وعصر النهضة الإبداعي، وإعادة اكتشافها الآن . (38)

وهذا ما أكده جيدنز حيث قال: " لقد انطلق فلاسفة عصر التنوير من رؤية بسيطة لكنها كانت شديدة القوة . فقد اعتقدوا فى القول بأنه كلما أمكننا أن نفهم أنفسنا والعالم بقدر أكبر من التعقل، كلما تمكننا من أن نوجه التاريخ لأغراضنا . ولذلك يجب أن نحرر أنفسنا من عادات الماضى وتحيزاته حتى نستطيع التحكم فى المستقبل " . كما صاغ ماركس، الذى يدين بقدر كبير من أفكاره لفلاسفة عصر التنوير، هذه الفكرة فى بساطة شديدة . فقد قال بأن علينا أن نفهم التاريخ لكى نصنع التاريخ . (39)

لكننا نلاحظ مع ذلك، أن حركة التنوير كانت تعمل بجلاء على هدم النظم القائمة . . وأن رجال التنوير لم يكونوا على اتفاق فى الرأى، بل إن انقساماً عظيما ً نجده فى صفوفهم انقساماً لم تلتئم ثغرته بعد ... وحركة التنوير ليست عقيدة جديدة كل الجدة تقتلع أخرى قديمة كل القدم . إنما هى سلسلة من التجارب، والاتجاهات، والنظرات، قديماً وحديثاّ، وهى جزء من الأجزاء التى تتكون منها عصارة أو لب الثقافة الحديثة كما يرى العاشق المفتون للسلام والبساطة . (40)

ولذلك يرى برلين أن التنوير حركة فكرية، يتم تعريفها فى إطار محتواها الفكرى . وهذا هو الأقرب لما نسميه تصور الفلاسفة لطبيعة التنوير . لكن برلين لم يعترف بالرؤية الكانطية الأكثر حسماً للتنوير لدى الفلاسفة: والتنوير كحركة فكرية ربطه برلين أساساً بالفلاسفة الفرنسيين، وظل تصوره له متاحاً للمؤرخين العاديين ؛ وعلاوة على ذلك، فإنه بعيداً عن المؤرخين، كان التنوير عنده متاحاً للقارئ العادى وللجمهور المحتل بسماع خطبه الشهيرة، سواء بشكل مباشر أو عبر الراديو . وحتى بالرغم من أن اهتمامه بالتنوير يتفق تماماً مع رغبته فى استكشاف الحركة " المضادة للتنوير " فمن المحتمل أن يكون الشعب البريطانى بحد الحرب قد فهم التنوير وتعلم مثله منه أنه ميراث مهم للحداثة أكثر من أى شخص أخر . (41)

ولا شك أن عرض برلين لأفكار الحركة المضادة للتنوير كان على المدى الطويل مفسداً بشكل كبير لسمعة التنوير فلقد ربط التنوير بعدة أفكار بسيطة: تماثل الطبيعة البشرية، والعمومية الدائمة للقانون الطبيعى كقاعدة للسلوك البشرى الأخلاقى، والإيمان بإمكانية اكتشاف غاية مثالية للمجتمع البشرى ووجوب السعى إليها . وضد هذه الأفكار تعامل برلين مع أسس الحركة المضادة للتنوير: أن تنوع الطبيعة البشرية كان أكثر وضوحاً وقيمة ؛ وأن الأعراف والقواعد الأخلاقية البشرية قد اختلفت عبر الزمان والمكان ؛ وفوق كل ذلك ؛ أن المحاولة لتعريف ثم رفض منتج مثالى مفرد للمجتمع البشرى كانت خاطئة وشديدة الخطورة . وكان برلين حريصاً على أن لا يتخذ أى جانب . وهو لم يخف الجانب المظلم للرواد المؤيدين للحركة المضادة للتنوير، جوزيف دمستر على وجه الخصوص . ومع ذلك فإن الاهتمام الذى خصصه للحركة المضادة للتنوير يلقى الضوء على التنوير الذى تتصف أفكاره بإنها شديدة الصرامة كما لخصها . وسواء قصد ذلك أم لا، فإن طريقة برلين فى دراسة التنوير قدمت تشجيعاً لهؤلاء المفكرين الذين رغبوا فى الإيمان بأن مثله الكونية تمكن وراء بعض الشهور الكبرى فى العالم الحديث . (42)

ومن خلال تأثر برلين بالرومانسية والحركة المضادة للتنوير فإنه اهتم بعقلانية التنوير التى أصبحت التدعيم التقليدى لليبرالية .(43)

 

وبشكل أكثر تحديداً فإنه رفض المبدأ التنويرى للقانون الطبيعى، الذى بناءً عليه يوجد نسق كونى من القيم يتمسك به أفراد الجنس البشرى . وبرغم ذلك فإان برلين ظل ليبرالياً مصراً على أن المبادىء الليبرالية الرئيسية يجب أن تبنى على قبول مختلف للقيم غير المتكافئة بل والمتناقضة . ورأى أن المشكلة الرئيسية لليبرالية فى عالم ما بعد الحداثة كانت كيفية تفسير قيمها الرئيسية من دون فروض عقلانية التنوير المثيرة للمشاكل . (44)

ومن الواضح أن برلين لم يهتم فقط بمبدأ المعادلة الليبرالية العقلانية لكنه أدرك أيضاً التحدى موجه بواسطة الحركة المضادة للتنوير، والمتمثلة فى رفضها إيمان التنوير بالعقل ؛ فقد رأى أن مفكرين مثل هامان وهيردر وجاكوبى لم يكونوا مجرد بقايا بسيطة لذلك الفضول القديم المعروف بأنه تاريخ الفلسفة: لقد كانوا نقاداً مبتكرين وأقوياء للعقلانية فى كل صورها وقد درسوا الاعتقاد – وما زال هذا شائعاً بين الفلاسفة حتى اليوم – القائل بأن المشاكل الاجتماعية والسياسية الرئيسية يمكن حلها بواسطة العقل .

والحقيقة أن الحركة الألمانية المضادة للتنوير ما زالت باقية معنا اليوم فى صورة " ما بعد الحداثة " . فلقد تنبأ كل من هامان وهيردر وجاكوبى بنقد عقلانية التنوير لدى ريتشارد رورتى وألاسداير ماكنتاير، فى كل الجوانب الرئيسية تقريباً . وبينما أصبحت إيمانه القوى الأن أثراً للتاريخ فإن نقده للعقل مازال له أصداء .(45)

 

أ.د. ابراهيم طلبه سلكها

رئيس قسم الفلسفة – كلية الآداب – جامعة طنطا

مصر

........................

(1) Peter Gray : Enlightenment , the rise of Modern Pagnism , weidenfeld and nicdlon , London , 1966 , p - 73 .

(2) W .K Guthrie: The Greek Philosophers , from Thales to Aristotle , Methuen , London and New York , 1986 , p – 25 .

158) Peter Gray , Op – Cit , p – 9 .     )

(159) د .مراد وهبة: ملاك الحقيقة المطلقة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، مكتبة الأسرة، القاهرة 1999، ص 107 .

(160) كرين برنتن: أفكار ورجال، قصة الفكر العربى، ترجمة وتقديم محمود محمد، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة 1965، ص 453 .

(161) Ernst Cassirer: The Philosophy of the Enlightenment Originally   Published , Boston , 1932 , P - 90 .

(7) Robert Wokler:" I saiah Berlin’s Enlightenment and counter – Enlightenment In Isaiah Berlin’s

counter – enlightenm ent" p – 13،،،، .

(163)Im Hof Ulrich:The Enlightenment,An historical   introduction,translated by William E.Juill,Blackwell publishers,1994,p-4)

(164) د . مراد وهبة: مرجع سابق ص 107 – 108 .

(10) Isaiah Berlin:The age of Enlightenment, The Enlightenment .   The 18 th century Philosophers,A mentor book, published by The New American Library,1956,p-14

 

(11) Ibid,p-29       .

(12)Dorinda Outram : The Enlightenment, Cambridge university Press , 1995 . P – 1

 

 

(168) Ibid, p – 2 .

Im Hof Ulrich: Op – Cit,p-5     (169)

P – 4 .   , Op – Cit (15) Dorinda Outram,

(171) كرين برنتن: المرجع السابق ص 461 .

(172) المرجع نفسه: ص 461 – 462

(18) Isaiah Berlin: The Age of Enlightenment, pp – 144 – 15 .

(19) Cranston Maurice: Locke on Politics , Religion and Education , Oxford university , 1965 , pp – 139 – 140 .

(175) د . مراد وهبة: مرجع سابق ص 32

(176)James Geud , A: Classic Philosophical questions , Batam Books , New york , 1961 , p – 198 .

 

Ibid, pp – 204 – 205 . (177)

(23) كرين برنتن: المرجع السابق ص ص 501 – 502 .

(179) د . مراد وهبة: المرجع السابق ص 32 .

(180) د. نازلى إسماعيل حسين: النقد فى عصر التنوير، كنت، دار النهضة العربية القاهرة ط 2 ص ص 20 – 21 .

(181) ماريا لويزا برنيرى: المدينة الفاضلة عبر التاريخ، ترجمة د .عطيات أبو السعود، مراجة د . عبد الغفار مكاوى، سلسلة عالم المعرفة، المجلس الوطنى للثقافة والفنون والآداب، الكويت، ربيع الثانى 1418 ه - سبتمبر 1997م، ص 262

(182) كرين برنتن: المرجع السابق ص 464     .

(183) Isaiah abaerlin: The Proper study of Mankind , p – 268 .

(184) د . نازلى إسماعيل حسين: المرجع السابق ص 24     .

(185) Noam Chommsky: Aspects of the theory of syntax , the M . I . T press , Cambridge , Massachsets , 1967 , p – 50 .

(186) Norman Hampson: The Enlightenment , penguin books , London , 1990 , p – 196 .

pp – 2 – 3   . (187) Dorinda Outram: Op – CiT,

(188) د . نازلى إسماعيل حسين: المرجع السابق ص 43   .

Op- cit , p – 3 Outran, ,) dorinda189) .

190) Ibid, pp-1-2         )

(191) د . نازلى إسماعيل حسين: المرجع السابق ص ص 40 – 41   .

(192) كرين برنتن: المرجع السابق ص ص 474 – 475   .

193) Im Hof Ulrich: Op – Cit, pp – 8 – 9   )

(194) Anthony Giddens:Runaway World   how globalization is reshaping our Lives, Prifile books , London1999,p-107 , .

(195) كرين برنتن: المرجع السابق، ص 503   .

(196) John Robertson: The Case of the Enlightenment: a Comparative approach in "Isaiah abaerlin’s Enlightenment",p-73

Ibid , pp – 73 – 74(197)

(198) Isaiah Berlin: The Roots of romanticism , chatto and windus , New York , 1999 , p – 30 .

(44) John Robertson: Op – Cit , p – 106 .

(45) Loc – Cit .

saleh altaeiكثر الحديث عن تصدير داعش صورة خاطئة عن الإسلام، وهناك كثيرون يرددون هذا القول سعيا منهم لتبرئة الدين الإسلامي من تهمة الإرهاب والسبي والغنم، تلك الجرائم المنافية للخلق القويم ولحقوق الإنسان وحرية الرأي والمعتقد، والتي تتعارض بشدة مع قوله تعالى: {إنا أرسلناك رحمة للعالمين}، وقوله (صلى الله عليه وآله): "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق".

والذي أراه وأعتقد به يقينا أن هذا الرأي قاصر جدا، فداعش وكل التنظيمات الإرهابية والسلفية الأخرى، تعمل وفق قواعد إسلامية معتبرة، وتصدر أحكامها بالذبح والحرق والسبي والمصادرة بناء على فتاوى ووقائع وأحداث سبق وأن قام بها الأوائل، ورواياتها موجودة في تاريخنا الإسلامي، ومتداولة بين الإفتائيين، وتُدَّرس في المحافل العلمية الإسلامية، حيث تضمها عدة مجلدات من الكتب المنهجية المعتمدة في الأزهر ومركز الإفتاء السعودي وغيرها.

لكن ما يجب التنبيه إليه، أن هناك أمرا مسكوتا عنه، لا يجدون الجرأة للتحدث عنه، أو يجدون في الحديث عنه طعنا بتاريخهم الموروث، وطعنا ببعض الرموز التي يقدسونها ويحترمونها ويباهون بها، وتوهينا للعقيدة التي يتعبدون بها. هذا الأمر هو حقيقة أن الكثير من المسلمين يتعبدون اليوم بإسلام هو غير الإسلام الذي نزلت به رسالة السماء، بعدما أسهمت مجموعة آليات بمصادرة إسلام السماء، ونشرت عوضا عنه إسلام السياسة، اعتمادا على بعض منظوماته التي جيء بها لتيسير فهم مبانيه، ومعرفة حدود أحكامه، فصودر مضمونها وأعيدت صياغة مبانيها وسوقت البدائل المستحدثة على أنها منهجية دينية؛ لكي تكسب السياسة دعم وقبول المسلمين من خلال الإفادة من قدسية محتوى تلك المنظومات وصبغتها الإسلامية.

هذه الآليات التي نجحت بمصادرة الإسلام وأعادت تشكيله وتسويقه على أنه (الإسلام) هي:

• السياسة العربية التي هيمنت على مقاليد الحكم بعد عصر البعثة بزمن يسير.

• منظومة الحديث النبوي الذي تعرض إلى الحصار والتضييق والدس والتشويه والإضافة والقطع والوضع والاجتزاء.

• منظومة التفسير بعدما استقت جل أخبارها من منظومة الحديث، وكتبت بناء على رغبات السياسيين وحفدة الذين سطروا روايات السيرة وأحداثها.

• منظومة الناسخ والمنسوخ التي أعادت ترتيب العقل المسلم من خلال فتح الباب للتلاعب بالآيات وإعادة تقييمها من خلال استخدام هذا الحكم، فقيل عن آيات تتعارض مع مناهجهم: إنها منسوخة، وقيل عن أخرى منسوخة: إنها غير منسوخة، ووصل بهم الأمر للإدعاء بوجود آيات منسوخة حكما ثابتة قراءة.

• منظومة حقل التاريخ الإسلامي، حيث أعيدت صياغة الأحداث وفقا لهوى الحكام ورغبتهم من خلال استخدام المتهافت في المنظومات الثلاث الأخيرة، وثبت في كتب التاريخ على أنه الحقيقة المطلقة وكل ما خالفه باطل.

وقد نجحت هذه المنظومات في إعادة صياغة المناهج الدينية وفق رؤاها، ثم ضمَّنت مفاهيمها إلى ما يعتقد المسلمون بإسلاميته، مراهنة على القدسنة التي شاعت بين المسلمين بسبب التشتت ألفرقي الذي فرض نفسه بعد أن سل السيف المسلم على المسلم وبعد أن قتل المسلمون بسيوفهم من المسلمين أضعاف ما قتله كل الأعداء منهم، بدأً بحروب مانعي الزكاة والردة، مرورا بقتل ثلاثة من الخلفاء الراشدين(رض) بيد رعيتهم من المسلمين لا من أعدائهم، وصولا إلى حروب الجمل وصفين والنهروان.

ومن خلال ذلك نجحت السياسة العربية الناهضة والمتمكنة في منهجة الفكر الإسلامي، ليقبل ما قبلته حتى ولو شك في صحته، ويرفض ما رفضته حتى لو وثق من يقينيته. ولما كانت السياسة لا تؤمن إلا بتحقيق مصالح الحكام الشخصية وأتباعهم من أبناء الفصيل السياسي؛ دون النظر إلى مدى مطابقة تلك المصالح مع بنود العقيدة، فإنها بعد أن وجدت نفسها محاصرة وفي عين الخطر أكثر من مرة أدركت أن أفضل طريقة لدرء الخطر هي بتحرك وعاظ السلاطين، ليستنبطوا من منظومات العقيدة التي أسهموا في إعادة صياغتها حسب هواهم ومنفعتهم؛ ما يبيح للحكام استخدام الشدة المفرطة مع المسلمين حرقا وذبحا وتغييبا؛ بحجة حماية الدين من المخاطر.

ومع مرور الوقت اختفت الأحكام والمفاهيم الإسلامية الرسالية لتحل مكانها مفاهيم السياسة والانحراف. ولما تباعد الزمان بين ذلك التاريخ والتواريخ اللاحقة ولاسيما بعد أن برز في ساحة الفتوى الشيخ ابن تيمية وتربع على قمتها، وبعد أن بات الخليفة العثماني الأعجمي أميرا للمؤمنين وسيدا للمسلمين، وبعد أن ملأ الانحراف بطون كتب السيرة والفقه والأحكام والتاريخ، أصبح التمييز بين المنهجين في غاية الصعوبة، بل شبه مستحيل، وبدت الكثير من المفاهيم الإسلامية الرسالية في غاية الغرابة؛ لا يعرفها إلا القلة، وتشكك بها الكثرة؛ لأنها تتعارض مع ما بين أيديهم من المواريث، فعاد الإسلام غريبا كما جاء غريبا، مصداقا لقول رسول الله (صلى الله عليه وآله).

ومن هذه الغربة وهذا الانحراف، استقت داعش وكل الحركات الإسلامية المتطرفة مناهج عقيدتها وأحكامها؛ وهي على يقين أنها أحكام شرعية لا يشك بصحتها، ولذا أعود وأقول: إننا يجب أن نكون شجعانا، وان نعترف بأن جميع التنظيمات الإرهابية وبعض النظم الإسلامية الموجودة اليوم، تعمل وفق قواعد الإسلام المنحرف الذي وصلنا بسبب سوء الإدارة والتعامل المصلحي وهيمنة قطاع السياسة وأبناء الفصيل السياسي التاريخيين على قطاع الفقه الإسلامي الرسالي ومصادرته وتحويل عقيدتهم السياسة إلى دين يتعبد الناس به.

 

mobarak abaeziإن الله لم يحصر الاجتهاد في أمة دون أمة، ولا خص به جيلا دون جيل، بل شرف به عباده الممتلكين للأداة التحليلية المستوفية لشروط المعرفة اللغوية، والتاريخية، ومختلِفِ علوم الدين، باعتباره سند صلاح القرآن لجميع الأزمنة وكافة الأمكنة. لكننا نرى علماء زماننا ينكصون عن قراءة القرآن كلما ظهرت محدثة من محدثات العصر الحديث حينما يعودون إلى ما قاله السلف من الفقهاء الذين فسروا لزمان غير زماننا، فبقيت الدلالة القرآنية، تبعا لذلك، رهينة التفسيرات القديمة المتقادمة، وظل مجال الاجتهاد مغلقا في وجوه الناس، منذ بدأ الفكر الأرثوذكسي في حراسة التراث التأويلي، وإخراج كل العقول المحلِّلة من الملة والدين.

إن نصية القرآن الكريم ولغويته، أي كونه نصا وكونه لغة، تقتضيان استساغته للدلالات المفتوحة على الأزمان المتغيرة، وشؤون الحياة المتجددة. ليس لأن ذلك من المتطلبات التي تقف عليها صلاحية النص القرآني فحسب، بل لأن النص اللغوي قائم في أساسه على اختلاف المعاني والدلالات، بغض النظر عن مقاصد المتكلم التي يستحيل تطابقها مع مقاصد النص رغم إحاطتها بشروط إنتاج الكلام التي تسمى في أدبيات تفسير القرآن بأسباب النزول.

وقد استجدت في التناول التحليلي للنصوص، على اختلاف أنواعها، توجهات تمثل عصارة التجربة الفكرية للبشر على امتداد القرون، مما لا يعرف عنه التفكير الأرثوذوكسي أي شيء. ويبدو من العار على كثير من المتشددين الدينيين استبعادُ هذه التوجهات تحت ذريعة زائفة زائلة هي اعتبارها منتوجا غربيا وكافرا، أو تركة يهودية هادمة، كما قال عبد الوهاب المسيري أو محمد مفتاح عن "التفكيكية" على سبيل المثال لا الحصر.

ومن ثم يكون ركود التفكير النقدي في الفكر الإسلامي مبررا بإعراضهم عما أنتجته الحضارة الإنسانية في مجال الفكر والتحليل، رغم إقباله على منتجاتها المادية، رغم أن التاريخ المعاصر ينقل لنا اجتهادات فقهاء كانوا يُحَرمون آلة النسخ لأنها منتوج غربي، وتساءلوا في كثير من فتاواهم إن كان الاغتسال بصابون الإفرنج، أو التطيب بعطرهم، حلالا. ومن عيوب الفكر الأرثوذكسي أنه يرفض بشكل قطعي التعرف على هذه التوجهات الجديدة في التحليل لمجرد انتمائها الحضاري الممثل في الحضارة الغربية "الكافرة" و"الفاجرة"، أو لضعف في آليات مواجهتها النقدية، أو لتعذر سبل الوصول إليها لأنها مكتوبة بلغة الكفار.

وفي المقابل، لا يوجد تبرير آخر لجمود التفكير النقدي في القرآن، سوى عدمِ امتلاك العقل التحليلي الإسلامي لأدوات جديدة لتناول الظاهرة اللغوية، خصوصا أن هذه المهمة أسندت بشكل غامض إلى الفئة المتشددة في الدين، وتُنتزع، بشكل غامض أيضا، من الفكر المنفتح رغم امتلاكه لذات الآليات التي تمتلكها الفئة الأولى. وهذا الأمر يحتاج فعلا إلى أن نضعه محل نظر.

ولعل نضوب الاجتهاد في النص الديني وزواله يرجعان في حقيقة الأمر إلى إسناد مهمة التفسير والتأويل إلى المتشددين الدينيين، إذ كيف يستقيم الاجتهاد مع أنماط تفكير تعتبر المجازات اللغوية قاطعة الدلالة، وكيف ننتظر منها البت في أمور الحياة إلا بشكل غريب لا يستقيم مع شروط المجتمعات المعاصرة. والحقيقة التي لا يشوبها شك، هي أن وضع مقبض الحكم في أيدي هذه الفئة سيجعلها تعيدنا القهقرى إلى أشكال العقاب التقليدية المتجلية في القتل والرجم وقطع الأيدي، رغم أن البشرية مرت من مخاض عسير لإنجاب مؤسسة عقابية نسميها بلغة عصرنا: "السجن" (وقد تحدث "مشيل فوكو" عن هذه الولادة العسيرة في كتابه "المراقبة والمعاقبة"). وقس على ذلك في كل أمور الحياة.

وأظن أن إسناد مهمة التفسير إلى الفئة الأكثر انفتاحا، والمتمكنة من أدوات المنهج العلمي الحديث، سيشرع الباب للدلالات المفتوحة التي تراعي القيم الإنسانية السمحة، وتبشر بإسلام عماده فقهُ الاختلاف، وتنزع عن هذا الدين صورته الإرهابية المخيفة التي ألصقها به الفكر التقليدي.

ولهذا يبدو سؤال تجديد معاني القرآن الكريم مشروعا في ظل جمود العقل الإسلامي وعدم قدرته على اقتحام مسكوت اللغة ونبشِه، لأننا لم نعد ندرك إن كانت معاني القرآن ودلالاتُه مستنزفة، فنقرأ على رجال الدين السلام، لأنه لم يعد هناك ما يبرر وجودهم، أم أن خلاصة الأمر هي رغبة العقل الأرثوذكسي في الحفاظ على نمط التفكير الديني الذي ساد منذ قرون.

ali almadanمن الأخطاء الشائعة في أذهان الكثير من المنتسبين للثقافة والفكر حصر أهمية "المسألة الدينية" في بعدها السياسي فقط، والتعالي عن الخوض في أبعادها المعرفية والفلسفية والروحية والاجتماعية والتاريخية.

وهذه ظاهرة يمكن تفسيرها بأكثر من عامل: فمن جانب كانت أحزاب ومؤسسات الإسلام السياسي قد "اختزلت" الدين، في مواجهات داخلية أو صرعات دولية، تتعلق بقضايا الحكم والسلطة ورفض الهيمنة الغربية. وأشاعت، وهي في غمرة تلك المواجهة، نسخاً بالية من الدين: طقوسية، استحواذية، متشددة.

ومن جانب آخر كان ضعف مؤسسات الدولة التعليمية قد أسهم في إنتاج أعداد هائلة من الخريجين، عديمي الخبرة بالدين وإشكالياته. وهو ما انعكس على مواقف هؤلاء الخريجين - وبينهم حملة شهادات عليا - من مجمل قضايا الدين وما يمت إليه بصلة، من تراث وفنون ومعرفة وتاريخ، فتوزعت بين ثقافة إيمانية تبسيطية ضيقة، وثقافة إقصائية سطحية.

لقد آن الأوان لتدشين انطلاقة جديدة في التعاطي مع المسألة الدينية، إنطلاقةٍ تختلف اختلافا جذريا عن كل أنماط العناية بالدين والتدين التي شهدناها في القرن العشرين. يفترض بنا - بعد قرن من التجارب الدينية المتناقضة - إيقاف هذا النزف الذي أضاع أجيال الأمة، ومزّق روحها، وأهدر كرامتها، وبدّد ثرواتها، وقذفها في متاهات الضياع والمفارقات. ولن يكون ذلك ما لم يتم إرساء مجموعة من التقاليد الرصينة في مقاربة الشأن الديني، ترفض الدوغمائية، والتوظيف الأيديولوجي، والاستغلال السياسي. يجب الكف عن النظر إلى الدين كارتكاس خلاصي أو هوية وهمية احترابية، والنظر إليه بواقعية منهجية نقدية، منفتحة ومرنة، غرضها فحصه كفلسفة وكقيم وكطقوس وكتشريعات. ودون ذلك سنبقى ندور في نفس الحلقة المفرغة التي ألفناها منذ قرون ..

نتساءل هذه الأيام: على ماذا تبرهن ردود الأفعال المستنكرة والمستهجنة التي اجتاحت الناس إثر الحرق الميلودرامي للطيار الأردني؟ على شيء واحد: تحول نفسي / قيمي مناقض لتاريخ متخيل مريح.

إن الإنسان أتفه من أن يقدر على التحايل على التاريخ .. ونعمة التجاهل لا تُعمِّر طويلا. من يريد أن يكون نقيَّاً، إنسانياً، وعقلانياً .. عليه أن يكفَّ عن أن يكون مهرِّجا. أكثر الناس نعيقاً بالحديث عن الفقه الإسلامي هذه الأيام أشدهم جهلا به وبتاريخه ومصادره ومذاهبه واصطلاحاته .. إلخ. إن الحرق حق ... أعني أنه وارد في جميع مذاهب المسلمين كافة .. ومن ينكر ذلك فهو جاهل. وإن من التميثل ما هو سائغ حق .. أعني أن هناك من يذهب إليه من الفقهاء عند جميع مذاهب المسلمين كافة .. ومن ينكر ذلك فهو جاهل. ولكن، من يُعلِّق مصير أمةٍ بأكملها على فردٍ واحدٍ منها، من يقول إن إنهيار المسلمين اليوم سببه تراث رجل واحد (ابن تيمية مثلاً) .. فهو ليس فقط جاهل، بل هو في ظلمات بعضها فوق بعض. أبلسة ابن تيمية (حتى داعش تفعل ذلك دون أن تعلم) لن تجدي نفعا في تلميع وجوهنا وتراثنا، ولن تجعل منا أحراراً شجعانا، تنويريين، سليمي الطوية، ناصعي البياض ... والدليل: أن يُمسَّ "متخلنا الشخصي المريح" بنقدٍ طفيفٍ حتى تتهاوى جميع تشدقاتنا البلورية.

لكل شيء تاريخ .. ومن لا يعترف بذلك سيرمى خارج التاريخ. ما لم نعترف أن ما اعتدنا على نعته بأنه حقيقة مطلقة، تشريع أصلح، إيمان أعمق، عقيدة أمتن .. عابر للأزمان والإنسان، ما هو إلا: جهد بشري نسبي مرتهن بالمستوى المعرفي والاجتماعي والتاريخي لعصر إنتاجه .. فسنبقى نكرر صعود خشبة المسرح لتمثيل دور واحد فقط، هو عبارة عن اضطراب: التحول النفسي / القيمي المناقض لتاريخ متخيل مريح. وإلا فإن لعبة شد الحبل في الموروث الروائي لا تنتهي أبدا!، وإشكالية (التوثيق / التأويل)، التي تنضوي داخلها أهم فصول قصة هذا الاضطراب، لن نجد لها حلاً. إذ من ضاق عليه نطاق التأويل خرج من مأزق النص بالطعن في سنده، ومن ضاق عليه نطاق التوثيق خرج من مأزق النص بالطعن في دلالته .. وهكذا دواليك!. كل مرة يعاد خلط الأوراق وترتيبها من جديد بحسب "مصالح الزمان والمكان" ... مصالح المذهب والملة.

طيب!! ومن يرفض إعادة خلطها كيف سيكون حاله؟ سيغادر اللعبة كما تفعل داعش! سييغادر التاريخ وإن طال الزمان.

من يشعر أن اللعبة باتت مملة ومفضوحة ومعرقلة للحياة عليه أن يحذر الإنجرار إلى إغواءاتها .. عليه رفض الإشكالية المشار إليها برمتها، والنظر إليها كإشكالية زائفة. أما آمال المصلحين (منذ محمد عبده وحتى محمد باقر الصدر) "السعيدة" بالخلاص، وإنتاج "نسخة توافقية"، فلم تعد تشكّل حلا مرضياً، بل إهدارا للوقت وتشتيتا للجهد وإضعافا للعقل. الإصلاح الحقيقي يكون بالعودة إلى أبده البدهيات، وأعمق المسلمات، وأشهر المصادرات، التي قام عليها وعينا الديني، ووضعها تحت مشرط التفكيك والنقد والهدم وإعادة البناء.

والبداية تكون مع "مفهوم الله"، ذروة السيادة العليا التي هي أُسّ الصراعات كلها التي يدعي المتنافسون الدينيون الإلتزام بإملاءاتها، وقيمها، ورسالتها. حين يتم تحييد هذا المفهوم، سوف تتداعى كل قطع الدمينو الهشة التي تتكئ عليه، ويظهر أن نشاط هؤلاء المتنافسين كان بدوافع أقل قداسة، وأكثر دناسة، مما يشيعون ويروجون.

لقد سبقتنا بعض الشعوب بهذه الخطوة، وأعادت توليد نسخ لهذا المفهوم لازال الجدل مستمرا حولها، من الإله الميكانيكي لديكارت، مرورا بالإله الطبيعي لبيكون وهيوم، والأخلاقي لكانت، والمطلق التاريخي لهيجل، وحتى الإله الاستلابي لفيورباخ، والتعددي/الوظائفي لوليم جيمس الذي يستلهمه أمثال جون هيك من المعاصرين ... إلخ. ومع كل مفهوم يعاد أيضا صياغة كل اللوازم التي تشتق في ضوء هذا المفهوم.

لقد سبق أن وجدت أمثال تلك المحاولات في تاريخنا الإسلامي، قام بها فلاسفة ومتصوفة، هي اليوم، في الغالب، مادة "تاريخية" تصلح للمقارنة، ولكنها أجهضت - أولا - بفضل تناقضاتها الداخلية؛ لأنها لم تتمتع بالوضوح المنهجي السليم في معالجة جميع أسئلة التراث المدعومة بالاجتماع والسياسة آنذاك، فمنيت بالمفارقات. ولأنها - ثانيا - عجزت عن مقاومة المفهوم النقدي المنافس لها المنتصر للرؤية الإيمانية "الرسالية" (ويمكن القول "السلفية" دون أن نقع في مأزق كبير) الذي مثَّله تراث ابن تيمية (وليست فتوى أبي الصلاح أو تهافت الغزالي) الهائل، كما عبرت عنه عشرات آلاف الصفحات التي خلّفها، وعلى رأسها كتابه المنعدم النظير في الأهمية والخطورة، أعني به كتاب "درء التعارض".

إن من المفارقات اللافتة أن أعمق محاولة نقدية معاصرة للأسس المعرفية للوعي الحديث عرفها تاريخنا الفكري المتأخر (محاولة محمد باقر الصدر في الأسس المنطقية للاستقراء)، قد انتهت إلى نفس النتائج التي أنتهت إليها أقدم وأهم محاولة مماثلة في تاريخنا القديم قبل سبعة قرون، وأقصد بها محاولة ابن تيمية في نقده المعرفي الشامل لأسس المنطق العقلي الأرسطي، والإلهيات، الفلسفية والصوفية على حد سواء، المؤسسة عليها. كلا المحاولتين الأهم والأذكى، في رأيي، في جهدنا العربي الإسلامي في المعرفيات، جاء انتصارا لمفهوم الإله "الرسالي". الإله ذي الصفات الخالقية والمالكية والربوبية والألوهية، التي تشتق منها كل المفاهيم الدينية الأخرى قاطبة، من معنى النبوة إلى اليوم الآخر، وكل ما يقع بينهما من إيمان وكفر وولاء وتصديق وطاعة ومعصية وهدى وضلال وسعادة وشقاوة ونجاة وهلاك ... إلخ، وبعبارة أخرى: كل متلازمات "المرسل والرسول والرسالة" (عنوان كتاب الصدر الأهم في الاعتقادات الذي أُنتج وفقا لأسسه المنطقية للأستقراء).

لعل البعض من الباحثين الهواة يرون أن هذه المقارنة (ابن تيمية / الصدر) محض مقارنة مفتعلة، ولكنني سوف أفصِّل هذه الإلماحة السريعة هنا في دراسة أوسع قادمة أوشك أن أفرغ منها. ولست أقصد هنا من هذه المقارنة إلا إثبات أن أهم جهدين معرفيين في تاريخنا الإسلامي، القديم والحديث، لم يكن بوسعهما التأسيس لنهضة حقيقية؛ لأنهما لم يرغبا أن يريا "مفهوم الله" بنحو آخر يختلف عما ورثاه. على أن ابن تيمية والصدر يشتركان في بعض مبررات انعدام الرؤية هذا، ويختلفان في بعض التفاصيل التي يجد كل واحد منهما فيها امتداداً "أصيلاً" للرؤية المذكورة، وتجسيدا حقيقيا لها. يشتركان - مثلا - في نفسانيات الطبيعة الإنسانية (افتقار الإنسان للمطلق)، واجتماعياته (التشريع هو الأكثر توافقا مع مصلحة الإنسان). ويختلفان في أن كل واحد منهما يفصّل هذا الافتقار والتوافق تبعا لإطاره المذهبي. إلا أن ما يجمعهما هو إنسداد "الأفق" بوجود حقيقة خارج ما يتصورانه من تلك المتلازمات، تضطرهما لإعادة النظر في مفاهيمهما الأساسية حول "الإله" والإنسان. أقول هذا مع علمي بتقاربها في النظر للواقع[2]، وما أحلَّاه من مكانة مهمة في نظريتهما المعرفية، إلا أنه "واقع" مفسَّر وموجَّه بمسلمات إيمانية مستقاة من "النص". ولهذا لم يكن بوسع هذا الواقع محاكمة النص بإعادة تفسيره، فضلا عن الحكم بتاريخيته. وهذا النمط من التفكير ليست مشكلته "منطقية / معرفية" فقط، بل و"نفسانية" أيضا، لأنه أصابنا بشرخ عميق، فصل فينا بين"الوعي" و"الواقع"، بين الخبرة والممارسة، وهذا نوع من "الفصام الفكري" للعقل يعجز المصاب به عن استشعار الأزمات بحجمها الحقيقي.

إن مداخل تحديث العقل والواقع العربي / الإسلامي، تعددت واختلفت، بتعدد المفكرين واختلافاتهم في الاختصاص والمناهج والرؤى والغايات، إلا أن إعادة الاعتبار للسؤال الديني تبقى من أهم مداخل تحديث "العقل" في المجتمعات التي تستلهم وعيها ومعاييرها وقيمها من الرؤى الدينية. إننا بحاجة لرسم تصور جديد عن "الله"، نعيد على ضوئه تفكيك كل المتلازمات القديمة الموروثة.

هذه أمنية تبدو هذه الأيام بعيدة المنال، ولكن الأماني هي ما يحفّز الإنسان لتغيير الواقع المحبط، وإلا ما كان له أن يعيش ..

أما نحن، فمن دون تلك الأماني، ما كان لنا أن نكتب هذه السطور.

 

.................

[1]كاتب عراقي متخصص في الفلسفة وعلم الكلام.

[2]قصر ابن تيمية القضايا البديهية الكلية على قضايا الرياضيات والهندسة وبعض القضايا الأولية، ولكنه منع أن تفيد معلوما "معينا" خارج الذهن بدون الاستعانة بالحس. أما القضايا الأخرى، فهي تستفاد كلها من الحس (والخبر)، والتعميم فيها يستند إلى قياس التمثيل في الأشباه والنظائر، وليس قياس الشمول المعتمد على مسلمة (الأكثري لا يكون اتفاقيا)، فهو ينكر المسلمة المذكورة من جهة، ويعتبر قياس الشمول تطويل بلا طائل من جهة أخرى. ومن هنا قال ابن تيمية أن الأمور الموجودة المحققة في الخارج تعلم: (بالحس الباطن والظاهر، وتعلم بالقياس التمثيلي، وتعلم بالقياس الذي ليس فيه قضية كلية ولا شمول ولا عموم، بل تكون الحدود الثلاثة فيه - الأصغر والأوسط والأكبر - أعيانا جزئية، والمقدمتان والنتيجة قضايا جزئية. وعلم هذه الأمور المعينة بهذه الطرق أصح وأوضح وأكمل) (مجموع الفتاوى: 9/ 75).

ولفهم وجهة نظر ابن تيمية في العلم بالمعين، الجزئي الخارجي بتعبير المناطقة، يجب التبيه على أن هذا "المتعين" لا يتجاوز حجمه، في أفضل الأحوال، العلم بالصناعات (نساجة وخياطة وحياكة ... إلخ)، ولا حديث هنا مطلقا عن "العلم" بمفهومه الحديث. أي أن الحس عند ابن تيمية لا ينظر إليه أكبر من كونه منتجا لـ"علوم = صناعات" (مفضولة مرجوحة) (مجموع الفتاوى: 19/ 233)، أو معرفة بموضوعات تفصيلية على غرار ما يجده الإنسان في حياته اليومية، أو في ما يحققه عند تطبيق حكم شرعي على موضوعه. ذلك لأن ابن تيمية يكرر في مواطن عديدة جدا أن طرق العلم ثلاثة، هي: الحس، والعقل، والخبر (درء: 1/ 369)، وهو يقصد بالأخير "الخبر النبوي" كما في نفس المصدر المتقدم، وفي غيره أيضا حين يقول: (الطرق العلمية، [هي]: البصر والنظر والخبر. الحس والعقل والوحي. الحس والقياس والنبوة) (الجواب الصحيح: 3/ 8). وهو يذهب إلى أن بالعقل تدرك الكليات، وبالحس تدرك المعينات. والأخير وإن كان "أتم وأكمل" كما يقول، ولكنَّ الخبر (يتناول الكليات والمعينات والشاهد والغائب، فهو أعم وأشمل) (درء: 7/ 324). أي أن التعميم والشمول يكون من النص أفضل منه عند غيره.

أما محمد باقر الصدر، فمن المعروف لدى من طالع كتابه "الأسس المنطقية للاستقراء" أنه لا يؤمن بما طرحه المنطق الأرسطي في قضاياه الست إلا ما يحتاجه في بديهيات الاحتمال، وإن جميع المعارف البشرية الأخرى مصدرها الخارج، أي أنها معارف استقرائية بعدية.

jawdat hoshyarلم يعد الجيل الجديد يقرأ الكتب، الا نادراً، ويعتقد البعض ان عزوف الشباب عن القراءة عموماً وقراءة الكتب خصوصاً، يرجع الى عدة أسباب، لعل في مقدمتها، ظهورالأنترنت، ووسائل الأعلام المتعددة، وضيق الوقت، ومشاغل الحياة اليومية، وارتفاع أسعار الكتب . ولكن هذه الأسباب لن تقف حائلاً أمام من يحرص على القراءة كطقس دائم من طقوس حياته .

وربما كان السبب الرئيس وراء العزوف عن قراءة الكتب الجادة، هوعدم شعور الشباب بالحاجة الى القراءة . وهذا أمر مؤسف، ربما لأنهم لا يعرفون قيمة الكتب في حياة الناس وتطور المجتمعات وفي تأريخ البشرية، فالقراءة احدى سمات المثقف الواعي والأمم المتحضرة، يحث عليها علماء النفس، ولا يمل المربون من تأكيد ضرورتها لكل الفئات العمرية، فهي وحدها تفتح امام القاريء عوالم لا نهائية من العلم والمعرفة والمتعة، وهي مفتاح الثقافة والحصارة والتقدم .

 

وكل كتاب جيد – خبرة جديدة وتواصل مع العقول الذكية، عقول العظماء، الذين يدفعون بالقاريء الى التفكير في امور لم تخطر بباله، او لم يكن يعرف عنها كثيراً، ولا يحسن التعبير عنها .. كما يجد فيها القاريء وصفا لتلك المواقف والمشاكل الحياتية التي قد تواجهه، وأجوبة عن الأسئلة التي تعذبه .

اننا عندما نتحدث عن قراءة الكتب، لا نعني بذلك هواية اقتناء الكتب لغرض تزيين رفوف المكتبة البيتية أوصالون الأستقبال، من اجل التباهي بثقافة صاحب الدار، فثقافة المرء لا تقاس بعدد الكتب التي يمتلكها، بل بعدد الكتب الكلاسيكية الخالدة والكتب الجديدة القيمة، في شتى ميادين المعرفة والثقافة، التي قرأها بتمعن وتمحيص وتفاعل مع مضامينها وأطال التفكير فيها واستخلص منها ما هو مفيد له في الحياة، وما يعينه على بلوغ مرتبة أعلى من الأنسنة، ان صح التعبير.

يتباهى البعض بكثرة الكتب لديه وبضخامة المكتبة التي يمتلكها، وعندما تتحدث اليه، لا تشعر على الأطلاق بأنه استفاد حقاً ولو قليلا من الكتب التي قرأها، والأرجح أنه لم يقرأ معظم ما يمتلكه من كتب، أو أنه قرأها بلا مبالاة ودون التعمق في معانيها، ولم يتفاعل معها قط، حيث لا يظهر شيء من أثر القراءة المعمقة في ثقافته وسلوكه واسلوبه في الكلام .

 

قراءة أفضل الكتب بتمعن شيء، وقتل الوقت بالقراءة السطحية شيء آخر تماماً . في هذا المبحث القصير نتحدث عن القراءة الجادة، التي ترتقي الى مستوى التفاعل مع آراء المؤلف وأفكاره. مثل هذه القراءة لها فوائد معرفية وثقافية وصحية واجتماعية عديدة، نحاول ايجازها في نقاط محددة :

 

ماذا وكيف نقرأ؟

قراءة الكتب بتمعن مفيدة في مختلف مراحل العمر، والمهم، هو ماذا نقرأ؟ من المشكوك فيه ان تلعب القراءات الخفيفة المسلية أي دور في اثراء معلوماتنا أو تنمية عقولنا . من الممكن أن نقرأ لغرض الترفيه عن النفس وتمضية الوقت أو لمجرد حب الأستطلاع، ولكننا اذا قرأنا شيئاً من روائع الأدب الكلاسيكي ونتاجات الفكر الأنساني، فأننا نعتاد عليها ولا يمكننا الأقلاع عنها بسهولة.

الكتب الخالدة عبر التأريخ الأنساني، تتضمن عصارة الفكر ونتاج العلم وخلاصة الفهم ودوحة التجارب وعطية القرائح وثمرة العبقريات على حد وصف (تريستان تزارا)، ينبغي لكل مثقف أن يقرأها. مثل هذه النتاجات لن تفقد قيمتها العظيمة بمرور الزمن أبداً، رغم تغير الأجيال ونظم الحكم، والتقدم الحضاري .

قراءة الكتب العلمية عن نشوء الكون ونظام المجموعة الشمسية تؤدي الى توسعة مداركنا ومخيلتنا وتحسن تصوراتنا وفهمنا لقوانين الطبيعة . والكتب الثقافية والتأريخية تزيد من معلوماتنا، وقد نستخلص منها العبر والدروس لبناء حاضرنا ومستقبلنا.

أما قراءة كتب السيرة الذاتية والمذكرات الشخصية، فأنها تتيح لنا الأطلاع على خلاصة التجارب الحياتية لشخصيات مثيرة للأهتمام، أسهمت في صنع التأريخ أو كانت شاهدة عليها.

ويمكننا بكل تأكيد الأستفادة من تجاربهم وخبراتهم الحياتية، التي قد تفيدنا مستقبلاً في حياتنا العملية .

وصفوة القول ان قراءة الكتب القيمة سواء كانت تخصصية أو ثقافية عامة، لا غنى عنها لكل انسان يعرف قيمة التراث الأنساني العظيم في العلم والفكر والثقافة. الأنسان الذي لا يقرأ يعيش حياة واحدة فقط، هي حياته، أما من يطلع على تجارب الآخرين، فأنه يعيش حيوات كثيرة .

 

الكتاب ومصادر المعلومات الأخرى:

كانت النخبة المثقفة تقرأ كثيراً حتى الى عهد قريب، ربما بسبب عدم وجود مصادر كثيرة للمعلومات، والتسلية والترفيه . لم يكن هناك أنترنت ولا الهواتف الذكية، أما قنوات التلفزيون فقد كانت محلية وعددها محدوداً وتقدم برامج بريئة بالقياس الى ما تعرضه القنوات الفضائية راهناً .

العزوف عن القراءة ظاهرة عالمية غير مقصورة على بلادنا، وربما يظن البعض من المثقفين الكورد، ان قراءة الكتب في الدول الغربية هي اليوم في أوج ذروتها وأزدهارها، وهذا أمر يثير الأستغراب حقاً، وينم عن عدم الأحاطة بمدى تراجع قراءة الكتب في تلك الدول . صحيح ان الأقبال على قراءة الكتب في الغرب لا يزال كبيراً، ولكنه انخفض كثيراً منذ ظهور الأنترنت . الجيل الجديد في كل أنحاء العالم، يبحث عن بدائل أخرى للكتاب عبر المدونات والمنتديات ومواقع التواصل الأجتماعي .ولكن لا شيء يمكن أن يكون بديلاً للكتب الجيدة. هي وحدها تزودنا بالمعارف المتعمقة وتؤثر في تشكيل رؤيتنا للحياة والعالم . .

ان المستوى الثقافي للمجتمع لا يتحدد فقط بمدى شيوع ثقافة القراءة فيه، اومعدل عدد الكتب التي يقرأها المواطن سنوياً، بل أيضاً، بمدى توافر حرية التعبير .

في المجتمع العلماني المفتوح، الذي يحترم عقل الأنسان ويتيح الفرصة للأطلاع على ثقافات شعوب العالم ثمة امكانات أكثر لتطور شخصية الأنسان.

الكتاب بخلاف التلفزيون حر من الأغراض النفعية . التلفزيون يعتاش على الأعلان وكثيراً ما يدفعنا الى شراء هذه السلعة أو تلك، ومشبع أحياناً بـ(البروباغاندا) السياسية والأيديولوجية،. أما مؤلف الكتاب، فلا حاجة له لوضع الأعلانات بين السطور، من اجل الحصول على مال أكثر.

الحياة المعاصرة تتيح للأنسان امكانات كبيرة للتراخي الذهني، اكثر من التفكير العميق والتأمل.

اذا كان المرء يكتفي بمشاهدة برامج التلفزيون وتبادل الآراء والصور في العالم الأفتراضي، فهذا شيء عابر لا يلبث في الذهن طويلاً ولا يلعب دوراً يذكر في تنمية الثقافة الحقيقية، اما الكتاب الجاد، فأنه يسهم في تربية الأنسان ويقدم له غذاءاً للتفكير في حياته وفي العالم من حوله.

ويوصي الخبراء بتخصيص ساعتين في اليوم لقراءة الكتب الأدبية الجيدة، وهم على قناعة تامة ان الكتاب المقرؤ، افضل من الفيلم المقتبس من الكتاب ذاته، والسبب يكمن في حقيقة أن القراءة لا يحد الخيال البشري . ولهذا السبب تحديداً، وكقاعدة عامة، فأن الفيلم المأخوذ من رواية ما، لا يلبي توقعات الجمهور الذي رسم في ذهنه صورة مغايرة لمحتوى الكتاب

ومما يؤسف له ان عدد الناس الذين يشعرون بالحاجة الى قراءة الروايات العظيمة يتضاءل بأستمرار، فهم يفضلون مشاهدة برامج التلفزيون والأنغماس في ألعاب الكومبيوتر، التي تعرقل تطور الذكاء.

لن تختفي الكتب بطبيعة الحال ولكن الأشكال الجديدة لمصادر المعلومات تضيّق دون ريب المساحة التي كانت تشغلها الكتب في حياة الناس .كتاب المستقبل سوف يصبح أفضل طباعة وأجمل اخراجاً .، وقد يكون صالحاً لتقديمه كهدية، تسر العين وتزين رفوف المكتبة البيتية، أكثر من كونها مصدرأ للمعرفة، لأن الجمهور القاريء في الأنترنيت أو في الأجهزة المخصصة لخزن وقراءة الكتب، في تزايد مستمر.

 

القراءة تمرين ذهني

قامت الباحثة (نتالي فيليبس) من جامعة (اوكسفورد) بتجارب علمية لدراسة عمل الدماغ الأنساني خلال عملية القراءة وبرهنت، ان القراءة الجادة تحفز العقل، وتدفعه للعمل بنشاط وتركيز، وتنظم التفكير، وتعمل على تطور الذكاء البشري، بالأضافة الى فوائدها المعرفية . واثبتت الباحثة ان القراءة لا تقل فائدة عن التمارين الرياضية، لأنها (القراءة) تمرّن الدماغ بأسره .

واتضح من خلال التجربة أنه عند الأنتقال من القراءة السطحية من اجل تمضية الوقت الى الأستيعاب النقدي للمعلومات، يجري في الدماغ تغيير حاد في نوع النشاط العصبي، وفي الدورة الدموية .

القراءة تؤثر في الدماغ البشري بآليات مختلفة، حسب طريقة قراءة الكتاب. وتشير نتائج تلك التجارب الى أن كل نوع من الحمل العصبي يفيد الدماغ ويمرّنه على نحو مختلف .

عند القراءة يتدفق الدم الى اجزاء الدماغ المسؤولة عن القدرة على التركيز والأستيعاب المعرفي . في حين ان مشاهدة التلفزيون وعملية اللعب الكومبيوتري، ليس لهما مثل هذا التأثير .

ومن اجل الحفاظ على وضوح العقل في جميع مراحل الحياة، لا بد من التمرين المتواصل للدماغ، ولعل واحدة من أفضل الطرق للقيام بذلك – هي القراءة بشكل منتظم ومدروس .والناس الذين يفضلون القراءة لديهم فرص أفضل لبناء مستقبل مهني ناجح، وعلاقة أفضل في الأسرة.

ومن المعروف علمياً أن جسم الأنسان يشيخ على نحواسرع، عندما يشيخ الدماغ . القراءة تجبرالدماغ على العمل المتواصل، وبذلك تتأخر الشيخوخة ويبدو الأنسان أصغر سناً من عمره الحقيقي ويعيش حياة أطول .

 

زيادة الحصيلة اللغوية

قراءة كتب المؤلفين، الذين يمتازون بجمال اللغة، تعمل على تحسين قدرات الأنسان اللغوية وتطويرها ويساعده على التعبير عن نفسه بشكل أفضل وتجعله متحدثا ا أكثر إثارة للاهتمام في عيون الآخرين .

ولعل (الجاحظ) قد سبق الجميع في بيان مدى تأثير القراءة في شخصية القاريء وتجويد لغته: " والكتاب هو الذي ان نظرت فيه اطال امتاعك،، وشحذ طباعك، وبسط لسانك، وجوّد بيانك، وفخّم الفاظك ... ان الناس يتحدثون بأحسن ما يحفظون، ويحفظون احسن ما يكتبون، ويكتبون أحسن ما يسمعون.

لذا لا عجب ان يقول العلماء : ان الناس صنفان : أولئك الذين يقرأون الكتب، وأولئك الذين يستمعون الى الذين يقرأون .

 

التأثير النفسي للقراءة

أثبتت تجارب علمية عديدة ان عملية القراءة تهديء الأعصاب وتزيل التوتر والقلق وتخفض من مستوى الأجهاد، على نحو أسرع من الأستماع الى الموسيقى أو ممارسة رياضة المشي .

فالقراءة رياضة نفسية مريحة للأعصاب، ومتعة في متناول الجميع، وتزود العقول بمواد المعرفة وخبرات البشرية، وتعلمنا، أن نحب وأن نغفر ونتعاطف مع الآخرين .

القراءة قادرة على التأثير الفعال في الحالة العاطفية للأنسان، ويمكن ان تكون وسيلة ناجعة للتغلب على الأكتئاب . فهي تبعدنا عن صراعاتنا النفسية الداخلية، الناجمة عن المشاكل الخارجية وتعزلنا مؤقتاً عن الواقع بكل توتراته ومشاكله وتساعدنا على الأسترخاء والهدوء.

 

القراءة تساعد على التواصل مع الآخرين

القراءة تنمي ثقافة القاريء وتساعده على ايصال أفكاره للآخرين، والتعبير الجيد عما يود قوله وتجعله قادراً على فتح موضوع مع أي كان، مما يساهم بشكل كبير في نجاح علاقاته مع الآخرين ويحظى بأهتمامهم وتقديرهم .وقد دلت البحوث الميدانية، ان من يقرأ كثيرأ يشارك اكثر من غيره في الفعاليات الثقافية والأجتماعية .

وبطبيعة الحال فأن ثقافة الأنسان لا تتوقف على مقدار ما يقرأ، بل على عدد الكتب الجيدة التي فهمها واستوعبها واستفاد منها في حياته العملية . وكلما قرأ الأنسان أكثر اصبح أقل شبهاً بالآخرين .

 

abduljabar alrifaiتدين هو ضد للدين والحياة الروحية والأخلاقية الحقيقية الأصيلة

بعد ربع قرن تقريبا من العيش في المنفى، عدت الى وطني العراق أواخر حزيران 2003، فوجئت بحجم الخراب الذي أنهك بلدي، لم أعثر على العراق الذي ولدت ونشأت وأمضيت طفولتي وفتوتي ومراهقتي وبدايه شبابي فيه .. كل شئ جميل اختفى، كل شئ متميز تلاشى، كل شئ مضئ انطفأ، كل شئ منظم تبعثر، كل شئ عميق تسطح، كل شئ عقلاني أمسى لا عقلانيا، كل شئ انساني لم يعد إنسانيا .. الفكر لم يعد فكرا، الشعر لم يعد شعرا، الأدب لم يعد أدبا، الفن لم يعد فنا، الثقافة لم تعد ثقافة، الاقتصاد لم يعد اقتصادا، السياسة لم تعد سياسة .. لكن ما أذهلني وأحزنني: أن التدين لم يعد تدينا؛ مكرسا بالإيمان، ومُلهما لقيم المحبة والتراحم والجمال، والأخلاق لم تعد أخلاقا، تنتج فضاءا سليما للأمن والسلام في حياة البيت والمجتمع، يحمي الكرامة الشخصية، ويعزز مكانة الكائن البشري، ويؤطر العلاقات في العائلة بالسكينة والمودة، ويبني أسس العيش المشترك في المجتمع.

وقتئذ أدركت شيئا من خطايا الاستبداد، والآثار التدميرية الفتاكة للأنظمة التسلطية الشمولية، وتخريبها لبنى الحياة الروحية والأخلاقية والعقلية. وكيف عمل صدام حسين على تشويه كل شئ في العراق وإفساده، من أجل أن يضمن ديمومة بقائه في السلطة.

لقد عمل صدام – كما هو كل طاغية مستبد - على إنتاج شبكة مفاهيم تنفي كل مالايتطابق معها، ويمثّل نسخة مكررة عنها، وتشكّل هذه الشبكة نظاما ذهنيا، يتجلى في عقلية ونمط تفكير أُحادي اختزالي، تكرّست في ظله بنية نفسية معاقة، تستسيغ الخنوع والانسحاق، والتهرب من أية مسؤولية، إنها نفسية عبيد، أبرز سماتها الشعور بالدونية والحقارة، والتبعية وعدم الاستقلال في التفكير، والعجز عن اتخاذ أي رأي، وغياب المبادرة والموقف الشخصي، وتعيش نفسية العبيد حياة نيابية مستعارة، وكأن صاحبها يمثل دورا آخر في حياته، لا يعبّر عن شخصيته، ولا يمثّل ملكاته وإمكاناته، وما أودعته الطبيعة البشرية فيه، إنما يعيش على غرار مايريده المستبد، وماجرى تدجينه عليه في الأسرة، ثم المدرسة والمجتمع. إذا ترسّخ شعور الإنسان بأنه بلا كرامة، وأنه شخصية تافهة، فإنه يعجز عن المساهمة بأية عملية بناء، أو الاضطلاع بمهمة مميزة في الحياة، كما ينطفئ كل ما يمكن أن يحلم به، وتذبل كل أمنية وأمل يستشرف من خلاله المستقبل، والانسان كائن لا يمكنه العيش والمشاركة في صياغة العالم مالم يحلم، ويتطلع الى غد بديل، ترتسم فيه صورة مغايرة لواقعه الراهن. وكما يقول إيريك فروم "لا شيء اكثر تأثيرا وفاعلية في سحق معنويات الفرد من إقناعه بأنه تافه وردئ". حرص صدام، مثل كل طاغية؛ على تكريس ثقافة استبداد تكبّل المجتمع، وتشلّ فاعليته، وقد تفشت هذه الثقافة في: مقررات التربية والتعليم، ووسائل الإعلام، والخطاب السياسي، والهياكل الإدارية في المؤسسات، والآداب والفنون، واللغة، وكافة الرموز والعلامات المستعملة في المجال التداولي، والتدين، وأنماط العلاقات السائدة في العائلة والمجتمع. واهتم ببناء نظام سيميائي خاص، يعمل على الهيمنة على مجال المتخيل، ويشدد على تحويل كل ذلك الى بنية راسخة في وعي المجتمع ولاوعيه.

يترك المستبد ّكلّ شئ حطاما بعد هلاكه، ويفشل أي نظام بديل – مهما كانت نزاهته وإخلاصه - في الانطلاق بعميلة بناء جديدة؛ مالم يهتم بمعالجة التشوهات الحادة والرضوض العميقة في شخصية الفرد والمجتمع، وهو ما نراه ماثلا في الأنظمة البديلة في العراق وبلدان ما يسمى "الربيع لعربي". بل إن كلّ ما يجري من انهيار مريع في أشباه الدول في تلك البلدان، وما صار يمارسه النظام البديل من فوضى وفساد، إنما هو امتداد لتركة النظام الماضي، ولتلك البنية الراسخة للاستبداد؛ التي لا يتوالد منها سوى الفشل والفوضى والعجز المزمن، أي أن الأمطار السوداء اليوم إنما هي من غيوم استبداد الأمس.

إن المنبع العميق الذي ينهل منه الاستبداد في تراثنا، هو الرؤية الكونية في الإلهيات التقليدية؛ المبنية على مفاهيم العبودية، وترسيخها للتصور الرأسي للعالم، الذي يؤسّس لشبكة من مقولات التركيع والخضوع، وتكريس التسلط في المجتمع. إذ تكون العلاقات في المجتمع علاقات عمودية ، ليست أفقية، بمعنى أن تصور العلاقة بين الله والانسان دائما يتخذ نمطا عموديا، يكون فيه الانسان خانعا ذليلا، فيما يبدو الاله قهّارا متكبرا؛ يبطش ويعذّب وينتقم. لا تحضر في هذه العلاقة صورة الله الرحمن الرحيم، الذي "كتب على نفسه الرحمة"، و "وسعت رحمته كل شيء"، و "سبقت رحمته غضبه"، والذي لخص مهمة رسوله الكريم "ص"، بقوله: "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين"، فهو رحمة مهداة لكل العالمين، وليس لفئة أو جماعة أو طبقة أو طائفة أو فرقة أو مذهب أو شعب مختار..الخ.

الخوف منبع الاستبداد، هناك علاقة جدلية أبدية بين الخوف والاستبداد. حيثما يوجد الخوف يولد الاستبداد. حيثما يوجد الاستبداد يولد الخوف. حين تختنق الحياة بالخوف، ينسحق الكائن البشري، ويمسي مستعدا للرضوخ والانصياع لأي شخص يمتلك أداة سطوة وعنف. الشخص الخائف لا يمتلك القدرة على ابداء أي رأي لا يتطابق مع ما يفرضه خطاب العنف، بل لا يستطيع الذهن الخائف ان يفكر بما هو خارج ما تفرضه أداة العنف. المحيط المشبع بالعنف، بمختلف أنماط العنف وتعبيراته، ينتج شخصية خائفة مستلبة، والمجتمع الذي يسكنه الخوف يسكنه الاستبداد.  

حين تكون صورة الله في اللاهوت التقليدي هي صورة السيد المخيف المرعب، المتمرّس في البطش والتنكيل والعقاب والعذاب، يمثّل الخوف أرضية خصبة لنشأة وتفشي الاستبداد، ويجد تعبيره الاجتماعي في: الخوف من الحرية، الخوف من الفردية، الخوف من التفكير النقدي، الخوف من التفكير العقلاني، الخوف من الحداثة، الخوف من الاختلاف، الخوف من الخطأ، ذلك أن الاستبداد يبحث دائما عن الإجماع الشعبي، ويخشى التمايزات والمغايرة.

كذلك يجد النمط العمودي للعلاقة بين الإله والعبد مدلوله الاجتماعي في مختلف أشكال العلاقات السياسية والاجتماعية والاقتصادية في المجتمع، فالحاكم غير المحكوم، الحاكم يأمر بما يشاء، وليس للمحكوم الا السمع والطاعة، من حق الحاكم أن يفعل مايريد في رعيته، إرادته إرادة مطلقة لايضبطها قانون أو تقيّدها تشريعات، هو في القمة والرعية في القاعدة، لايرتقي شخص الى مقامه السامي، الا حينما يفيض عليه بمننه وعطاياه، فيدنيه من قربه، ويمنحه من مكرماته. ذلك أن رعاياه كافة هم ممتلكاته يتصرف بهم بما يحلو له. أما العلاقة بين الأب والابن، والمعلم والتلميذ، والضابط والجندي، والتاجر والعامل، والإقطاعي والفلاح، والرجل والمرأة، فهي دائما علاقة تبعية وخضوع، علاقة امتلاك، الأعلى يمتلك الأدنى، يدربه باستمرار على الانصياع والانقياد، ويتفنن في تربيته على الرضوخ، ويتوسل بمختلف الأساليب من أجل تدجينه على التنازل عن حريته.

ويسود فضاء الاستبداد أسلوب التلقين في التربية والتعليم، فيجري التعامل مع الطفل في الأسرة، وهكذا التلميذ في المدرسة، بوصفه وعاءا نملؤه بمصفوفة نصوص وشعارات، ونحرص على أن يستظهر هذه النصوص، ويحفظ تلك الشعارات، من دون أن يبذل أي مجهود عقلي بتدبر أو فهم مضمونها. التربية تتحول الى تدجين متواصل، والتعليم يتحول الى تنميط وخلق نسخ متشابهة، والعلم هو الحفظ والتكرار، حتى أضحى العلماء هم حفظة النصوص، وليس المجتهدون النقاد الذين يغربلون الأفكار، ويقتلون القديم بحثا. ويفضي أسلوب التلقين الى ترويض المجتمع، فتتخذ العلاقات فيه شكلا عموديا، يمارس فيها الأعلى الاستبداد على من هو أدنى منه، ويغيب الشكل الأفقي للعلاقات الذي يُبنى على المساواة والحرية.

تختنق الحياة السياسية بالاستبداد، بنحو يصبح فيه الكل اما مستبدا يمارس الاستبداد، أو يقع عليه الاستبداد، ويصير الكل ممارسا للاستبداد على من هو ادنى منه، الزعيم السياسي على مرؤوسيه من وزراء وغيرهم، وهؤلاء يسقطون الاستبداد على من يليهم في مراتبهم الوظيفية، بنحو يُمسي التسلط نسيجا متفشيا في طبقات المجتمع ومؤسساته كافة ، فالتسلط تنتجه السلطة المستبدة، وتصوغ شخصية رعايا وأتباع مجردين من كل إرادة في الاختيار، إلاّ إرادة التسلط التي يسقطونها على من هم دونهم، كما أن هؤلاء الأفراد الذين أنتجتهم السلطة المستبدّة يمدّون هذه السلطة على الدوام بحياتها وكيانها، الذي يفتقر وجودُها واستمرارُها عليه. فلو لم تصنع السلطة هذا النمط من الرعايا لما تواصل بقاؤها، بمعنى أن الأتباع تتشكل شخصياتهم في فضاء الاستبداد والتسلط، وهم أثر من آثار السلطة ونتيجة لها، مثلما هم المادة الأولى التي يشتق منها تسلط المستبد، وبه تتكرس سطوته، ذلك أن السلطة تشكّل بنية عامة شاملة، يتشبع بها المجتمع بأسره، ويعاد تكوينها باستمرار، في إطار المتغيرات السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية. وحسب تعبير فوكو فإن "السلطة ليست في مكان واحد، إنها في الحارس الذي يراقب السجن بحرص شديد، في صاحب الفرن الذي يبيع الخبز للسجن، ويشعر بالفرح لأن السجن موجود".

ويسري التسلط من الحياة السياسية الى العائلة، فتتغلغل مفاهيمه في القيم الأبوية وعلاقات القربى، بين الزوج وزوجته، والأب وأبنائه، ويتفنّن ربّ الأسرة في مهارات ترويض وإخضاع أفراد أسرته، حتى يمسخ شخصية الطفل، ويطمس مالديه من تلقائية وعفوية، ويقضي على روح التساؤل الفطري، والنواة الجنينية للنزوع النقدي في تفكيره، ويستأصل ممكنات الإبداع والابتكار في عقله، وتتواصل عملية الترويض والتلقين متوسلة بشتى الأساليب، وطالما تتوكأ على العنف الجسدي، والعنف اللفظي، ومختلف ألوان العنف الرمزي، ويستحيل الناشئة الى وعاء معبأ بمقولات الخضوع والاستسلام، ورفض كل ماله صلة بالحرية، وتبني ايديولوجيا الاستبداد المناهضة للحرية والدفاع عنها.

يهتم الاستبداد باللغة اهتماما بالغا، ويحرص على افقارها، وتحويرها وتشويهها، ويغرقها بفائض معاني، ويمدّها بقاموس مفردات، وعبارات، وجمل، وشعارات، تشوّه اللغة وتهشم تراكيبها وصياغاتها وبنيتها، وتغذّي كراهية الآخر، وتثير الاشمئزاز والفزع منه، وتعطل الوعي النقدي، وتسدّ أفق الرؤيا المتفائلة للكون والوجود، وتغرق الذهن بكوابيس مرعبة لأعداء مفتعلين، متربصين به كل حين، ويعمم مسخ اللغة وتشويهها الى المقررات الدراسية، فإن"كل الكتب المدرسية للفاشية والنازية استخدمت طريقة في الافقار اللغوي، وإفقار القدرة الابتدائية على بناء الجمل بطريقة صحيحة، هادفة من ذلك الى تحديد أدوات التفكير المعقد والانتقادي"، حسب تعبير امبرتو ايكو.

البيئة الفقيرة لغويا فقيرة عقليا، خصوبة اللغة وثراؤها؛ بقدر ماتقتل التفكير الساذج البسيط، فإنها تحيي وتنمي التفكير المركب، ولا يمكن الوثوق بولادة أفكار تنفتح على مايعاندها؛ الا حين تغتني اللغة بمعجم يرفدها باستمرار بالفاظ ومصطلحات، تنفتح على فضاء عقلي، يتسع باستمرار لاستيعاب وتمثّل كل ماهو جديد، في العلوم والفنون والآداب، ويواكب حركة التطور والابداع في مختلف مجالات المعرفة، ويساهم في رفدها على الدوام.

لقد واصل اللاهوت التقليدي تأمين الرؤية للعالم الملائمة لإنتاج الاستبداد، وإعادة إنتاجه باستمرار. كما عمل الاستبداد أيضا على صياغة قراءةٍ للنص الديني والتراث والماضي، تتفشى فيها ثقافته ومفهوماته، وتشكّل نسيجا متشابكا؛ تُشاد في سياقه الحياة الدينية للفرد والمجتمع، ولا يفلت من شباكه أحد، الا بمشقة بالغة، ومن ينفلت منه يصبح عرضة للنفي والملاحقة والتشرد.

يصنع الاستبدادُ نمطَه الخاص للتدين والحياة الدينية، وهو نمط تدين يمثل ضدا للتدين والحياة الروحية والأخلاقية الصحية السليمة. تدين ممسوخ؛ يشبه كل شئ الا التدين الحقيقي الأصيل. تدين مسموم يفتك بالحياة الروحية والأخلاقية للفرد والمجتمع، ويكوّن بيئة يتوالد فيها على الدوام التطرف والتعصب والارهاب؛ بغطاء وقناع يخلع عليه شكلا دينيا. تدين يفزع من الاختلاف والتعددية، ويشدّد على نفي الآخر واستبعاده. تدين لا يعرف التسامح واحترام كرامة الكائن البشري. تدين مسكون بطمس الذات وتفريغها من كينونتها وهويتها الشخصية. تدين فقير؛ لا صلة له بوظيفة الدين العميقة في حياة الشخص البشري، ورسالة الدين في منح الحياة معنى، وإرواء الظمأ الأنطولوجي.

 

د. عبدالجبار الرفاعي

 

majed algharbawi4مفهوم الحاكمية من المفاهيم الزئبقية المغرية، تستهوي الانسان الثوري، وتنطلي بسهولة عليه، ويمكن توظيفه لخدمة اغراض شخصية واخرى سياسية

كان اول مرة طرح فيها مفهوم الحاكمية الالهية1 في حرب صفين، عندما طالب الخوارج الامام علي بالاستجابة لمبادرة معاوية، وهتفوا: (لاحكم الا لله)، (الحكم لله وليس لك يا علي)، في اشارة الى المصاحف التي رفعها جيش معاوية على الرماح. وقد استجاب الامام علي لنداء التحكيم لكنه وصف دعواهم بأنها: (كلمة حق يراد بها باطل)2. وبالفعل فان مفهوم الحاكمية من المفاهيم الزئبقية المغرية، تستهوي الانسان الثوري، وتنطلي بسهولة عليه، ويمكن توظيفه لخدمة اغراض شخصية واخرى سياسية. فالمفهوم يوحي بدلالات واسعة، تجعل الانسان المؤمن يضحي حينما يتعامل مع المفهوم بسذاجة عالية، وقد استقطب في حرب صفين عددا كبيرا من الخوارج ممن طالبوا الامام بوقف القتال والتفاوض مع معاوية، لكنه لم ينطل على العقول اليقظة، لانه مفهوم ملتبس في حدوده وتفصيلاته، فلا ينبغي الانسياق مع ايحاءاته العاطفية. يقول احد الباحثين: (وعمليا فان كلمة الحاكمية الالهية كانت وراء استغلال الدهاة وضلال السذج، فقد استغلها ادهى الدهاة عمرو بن العاص عندما رفع المصاحف على اسنة الرماح ليعلي باطل معاوية على حق علي. وانخدع بها الخوارج فخذلوا عليا وهو اتقى الاتقياء، ومكنوا معاوية من الانتصار بحجة لا حكم الا لله... حكمت الرجال في دين الله)3.

 

ابو الاعلى المودودي والتأسيس

اعاد ابو الاعلى المودودي طرح مفهوم الحاكمية الالهية ثانية في العصر الحديث، واعتبره جزءا من نظريته السياسية حول الدولة الاسلامية. وهنا ملخص عن نظريته كما جاء في كتيب: (منهاج الانقلاب الاسلامي):

1- ليس لفرد او اسرة او طبقة او حزب او لسائر القاطنين في الدولة نصيب من الحاكمية، فان الحاكم الحقيقي هو الله، والسلطة الحقيقية مختصة لذاته تعالى وحده، والذين من دونه في هذه المعمورة انما هم رعايا في سلطانه العظيم.

2- ليس لاحد من دون الله شيء من امر التشريع والمسلمون جميعا ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا لا يستطيعون ان يشرعوا قانونا ولا يقدرون ان يغيروا شيئا مما شرع الله لهم.

3- ان الدولة الاسلامية لا يؤسس بنيانها الا على ذلك القانون المشروع الذي أتى به النبي من عند ربه مهما تغيرت الظروف والاحوال. والحكومات التي بيدها زمام هذه الدولة لا تستحق طاعة الناس الا من حيث انها تحكم بما انزل الله وتنفذ امره تعالى في خلقه.

من هنا يتضح لنا ان الدولة الاسلامية لا تعد ديمقراطية بالمعنى الشائع لانها لا تجعل ارادة الشعب هي اصل التشريع، ولكنها حكومة الهية (ثيوقراطية Theocracy) مع اختلاف جذري في المدلول الاوربي للكلمة، لان الحكومة الاسلامية لا تعرف طبقة السدنة (رجال الدين) الذين يتولون وحدهم في الدولة الثيوقراطية، بالمفهوم الاوربي، التقنين او التفسير طبقا للشريعة الالهية. ومن هنا فان الثيوقراطية الاسلامية يمكن ان تكون ( ثيو – ديمقراطية) Theo democracy او الحكومة الالهية الجمهورية. وذلك لانها خولت للمسلمين حاكمية (او سيادة) شعبية محدودةA limited popular sovereignty تحت سلطة الله القاهرة. ولا تتألف السلطة التنفيذية الا بآراء المسلمين. وبيدهم يكون عزلهم من منصبها وكذلك جميع الشؤون التي لا يوجد عنها في الشريعة حكم صريح لا يقطع بشيء الا باجماع المسلمين.

وكلما مست الحاجة الى ايضاح قانون او شرح نص من نصوص الشرع لا يقوم بيانه طبقة او اسرة مخصوصة وحدها بل يتولى شرحه وبيانه كل من بلغ درجة الاجتهاد من عامة المسلمين.

من هذه الوجوه يعد الحكم الاسلامي ديمقراطيا الا انه – كما تقدم ذكره من قبل – اذا وجد نص من نصوص الكتاب والسنة في شأن من الشؤون فليس لاحد من امراء المسلمين او مجتهد او عالم من علمائهم ولا للمجلس التشريعي بل ولا لجميع المسلمين في العالم ان يصلحوا او يغيروا منه كلمة واحدة، من هذه الجهة يصح اطلاق كلمة الثيوقراطية4.

وانما اقتبسنا النص بطوله لانه يلخص فكرة المودودي عن الحاكمية الالهية كاملة.

 

سيد قطب والحاكمية الالهية

ثم جاء سيد قطب واخذ فكرة الحاكمية الالهية وجاهلية المجتمع عن المودودي وصاغهما باسلوبه الادبي المعروف، مشحونة هذه المرة بدلالات اكثر ثورية. وقدم قطب فكرة الحاكمية على مستويين: نقدي وبنائي. (الجانب النقدي يرى ان العالم الاسلامي المعاصر عالم جاهلية وطاغوت، وان انظمة الحكم في العالم الاسلامي صارت جزءا منه. والجانب البنائي يقول بضرورة اقامة الدولة الاسلامية التي تطبق الشريعة، لاعادة المشروعية الى مجتمعات المسلمين ودولهم)5.

ويعتبر كتاب معالم في الطريق مستودعا لكلا النظريتين اللتين نجد جذورهما مبثوثة ايضا في تفسيره: "في ظلال القرآن". (وقد اصبح معالم في الطريق هو الذي يلهم كل المجموعات الرافضة. ومع ان المضامين الثلاثة التي قام عليها الا وهي: الحاكمية الالهية والعبودية لله والجاهلية ليست جديدة تماما، فقد قالها المودودي من قبل الا ان الجديد هو حسن تقديمه وصياغته والبرهنة عليها. لا بأدلة منطقية او علمية فهذا ما يستبعد في مثل هذا الكتاب، ولكن بنصوص اعطيت بريقا ليس لها ... واصبح الكتاب وثيقة ملتهبة)6. ويضيف: (اذن كان سيد قطب قد بعث افكار المودودي، ومن ثم فلا تعد جديدة، فان الجديد الذي يمكن ان ينسب اليه هو تصوره للجهاد، وانه لم يكن للدفاع كما يذهب الى ذلك المنهزمون كما ارتأى. وانما هو اداة الاسلام لحمل رسالته وتوصيلها للعالم اجمع، وهو التصور الذي ادى لظهور جماعة الجهاد، واثر اثرا كبيرا على فهم هيئات اسلامية لمضمون الجهاد وكان للاسف الشديد مضمونا يشطح بالجهاد بعيدا عن حقيقته ويحمله ما لا يحمله، بل ونقيض ما يحمل)7.

والنظرة المنصفة، ان سيد قطب لم يقتصر على النقل والاقتباس عن المودودي وانما اعطى للمفهومين ابعادا ثورية جديدة، واعاد صياغتهما وتسويقهما بشكل الهب مشاعر الحركات الاسلامية، ووضعها على مفترق طرق مع الانظمة والمجتمعات الاسلامية. اذ بات المفهوم يعني نزع أي مظهر من مظاهر السلطة لغير الله تعالى حتى على مستوى المشاعر والاحاسيس ولم يقتصر على السياسة والحكم. يقول قطب: (ان الناس عبيد الله، ولا يكونون عبيدا لله وحده الا ان ترتفع راية لا اله الا الله. لا اله الا الله كما يدركها العربي العارف بمدلولات لغته، لا حاكمية الا الله، ولا شريعة الا من الله، ولا سلطان لاحد على احد، لان السلطان كله لله)8. ويضيف: (كانوا يعرفون – أي العرب- أن الألوهية تعني الحاكمية العليا، وكانوا يعرفون أن توحيد الألوهية وإفراد الله سبحانه بها، معناه نزع السلطان الذي يزاوله الكهان ومشيخة القبائل والأمراء والحكام، وردّه كله إلى الله، السلطان على الضمائر، والسلطان على الشعائر، والسلطان على واقعيات الحياة، والسلطان في المال، والسلطان في القضاء،والسلطان في الأرواح والأبدان)9. اذن لم يقتصر قطب في بيان مفهوم الحاكمية على ابعاده المعرفية وانما نجح في صياغة خطاب تحريضي ارتكز اليه التطرف الديني في ممارسته للعنف باسم الجهاد وباسم الحاكمية الالهية، يقول: (كانوا يعلمون – أي العرب- أنلا إله إلا اللهثورة على السلطان الأرضي الذي يغتصب أولى خصائص الألوهية، وثورة على الأوضاع التي تقوم على قاعدة من هذا الاغتصاب، وخروج على السلطات التي تحكم بشريعة من عندها لم يأذن بها الله، ولم يكن يغيب عن العرب، وهم يعرفون لغتهم جيداً ويعرفون المدلول الحقيقي لدعوة،لا اله إلا الله، ماذا تعني هذه الدعوة بالنسبة لأوضاعهم ورياستهم وسلطانهم، ومن ثم استقبلوا هذه الدعوة- أو هذه الثورة- ذلك الاستقبال العنيف، وحاربوها هذه الحرب التي يعرفها الخاص والعام)10.

وبايجاز، فان لازم مفهوم الحاكمية عند المودودي وسيد قطب رفض حاكمية البشر وضرورة الثورة عليهم (لذلك خرجت الجماعات الدينية على النظم القائمة كما فعلت الخوارج من قبل)11. بل (وينتج عن فكرة الحاكمية، تكفير النظام القائم، وتكفير الحاكم والخروج عله، وجواز قتله، واغتنام اموال الدولة، ومحاربة الجيش والبوليس، واعتبار الخدمة فيهما كفرا. فلا طاعة الا لامام، ويجب عصيان امارى الكفر والسفه والجاهلية. تؤدي فكرة الحاكمية اذن الى تقويض شرعية النظام القائم)12.

 

نقد مفهوم الحاكمية الالهية

يمكن تسجيل عدة ملاحظات اساسية على مفهوم الحاكمية الالهية عند سيد قطب، اهمها:

اولا - لا دليل على ارادة الحاكمية الالهية من قوله تعالى لا اله الا الله. اذ الواضح من كلمة (لا اله الا الله) انها بصدد تنزيه الخالق وتأكيد وحدانيته ونفي الشرك عنه. ومسألة الالوهية واثبات وحدانية الله تعالى تختلف موضوعا ومفهوما عن مسألة الحكم. فدعوى سيد قطب تبقى مجرد تأويل ووجهة نظر خاصة به. غير ان الاسلوب الادبي للكاتب قد اجج مشاعر اعضاء الحركات الاسلامية، الى درجة اصبح المعنى الجديد مسلمات ونهائيات لا تقهر.

ثانيا- ان مفهوم الالوهية واضح في دلالاته بينما مفهوم الحاكمية ما زال مبهما، غير واضح كما هو المفهوم الاول، فكيف يكون المبهم شعارا للمسلمين جميعا، على اختلاف مستوياتهم العلمية والثقافية؟.

ثالثا – لو كانت الحاكمية مرادفة لمفهوم الالوهية، لحظيت بنفس القدر من التوضيح والاهتمام في القرآن الكريم. بل اكثر من ذلك ان مصطلح الحاكمية غير موجود قرآنيا، وانما هو مفهوم اشتقاقي او تلفيقي ان صح التعبير، مشتق وملفق من عدة مفاهيم اخرى، اجتهد في اعادة صياغتها المودودي ومن بعد سيد قطب.

رابعا – اذا كان المراد من مفهوم الحاكمية الحكومة والحكم فهي من القضايا التي لم يتفق عليها عموم المسلمين، فمنهم من ذهب الى وجود نظام سياسي اسلامي ومنهم من نفى ذلك، وقبل ذلك اختلفوا في النظرية السياسية. والقائلون بوجود نظام سياسي في الاسلام لم يتوفروا على تفصيلات كافية في الموضوع وانما اختلف المجتهدون والمنظرون فيها. فيكف يكون المختلف فيه رديفا للواضح البين كالالوهية؟.

خامسا- اعتبر سيد قطب الحاكمية مصداقا لعبودية العبد، ولا يكون العبد عبدا حقيقيا لله تعالى الا باقرار الحاكمية الالهية، يقول (ان الناس عبيد الله، ولا يكونون عبيدا لله وحده الا ان ترتفع راية لا اله الا الله. لا اله الا الله كما يدركها العربي العارف بمدلولات لغته، لا حاكمية الا الله، ولا شريعة الا من الله، ولا سلطان لاحد على احد، لان السلطان كله لله)، وهذا النوع من الفهم لم تؤكده الوثائق التاريخية ولا المفاهيم العقدية التي بين ايدينا. وليس لدينا نص واحد يؤكد ان النبي (ص) كان يطالب الناس باقرار الحاكمية الالهية كشرط لاسلامهم، وانما كان يقول لهم قولوا لا اله الا الله، واشهدوا ان لا اله الا الله واني رسول الله. وبالفعل كان يتحقق اسلام الفرد ويصان عرضه وماله ودمه بشهادة ان لا اله الا الله محمدا رسول الله وكفى. ولم يطلب الرسول من أي مسلم التخلي عن ولائه لاهله وعشيرته او التمرد على الاعراف والقوانين الا ما تعارض مع العقيدة الاسلامية وثوابت الشريعة.

سادسا – الخطاب الذي اعتمده سيد قطب في بيانه لمفهوم الحاكمية الالهية خطاب تحريضي، يقول كما تقدم: (كانوا يعلمون – أي العرب- أن لا إله إلا الله ثورة على السلطان الأرضي الذي يغتصب أولى خصائص الألوهية، وثورة على الأوضاع التي تقوم على قاعدة من هذا الاغتصاب، وخروج على السلطات التي تحكم بشريعة من عندها لم يأذن بها الله، ولم يكن يغيب عن العرب، وهم يعرفون لغتهم جيداً ويعرفون المدلول الحقيقي لدعوة، لا اله إلا الله، ماذا تعني هذه الدعوة بالنسبة لأوضاعهم ورياستهم وسلطانهم، ومن ثم استقبلوا هذه الدعوة- أو هذه الثورة- ذلك الاستقبال العنيف، وحاربوها هذه الحرب التي يعرفها الخاص والعام).

فسيد قطب صريح في ادانة الحكومات القائمة، لأنها حسب رأيه بلا استثناء حكومات معتدية، غاصبة، لحقوق الحاكمية الالهية، يجب الثورة عليها لاسترداد ذلك الحق ولو بالقوة والعنف. وهذا اللون من الخطاب يؤسس للعنف وشرعية العمل المسلح ضد كل انظمة الحكم، سيما وقد اعتبر قطب الجهاد والعمل المسلح مبدأ اساسيا لتحقيق اهداف الدين في اقامة دولة اسلامية. كما ان النص المتقدم لا يخفي الاهداف السياسية من التنظير للحاكمية الالهية، والعمل على تحقيق تلك الاهداف بممارسة العنف والجهاد واعلان الثورة. من هنا يتضح حجم المفاهيم الثورية المتولدة عن هذا اللون من مفهوم الحاكمية، وهو حزمة كبيرة من مشاعر ثورية لم ترتكز على اسس نظرية متينة، وانما مفاهيم براقة مواربة لا تثبت على معنى محدد، وتمتلك مرونة كبيرة يمكن توظيفها لاي هدف وباي اسلوب، وهذا احد الاسباب الاساسية في تفاقم العنف على يد الحركات الاسلامية المتطرفة.

 

ماجد الغرباوي

كاتب وباحث

....................

1 - بحث مستل من كتاب: تحديات العنف، ماجد الغرباوي، 2009م، دار العارف، بيروت – لبنان، والحضارية للابحاث، بغداد – العراق، ص 280- 290.

2- نهج البلاغة، مصدر سابق، الخطبة رقم: 40.

3- جمال البنا، الاسلام دين وامة وليس دينا ودولة، القاهرة، دار الفكر الاسلامي، ص 279

4- النص مقتبس عن: جمال البنا، مصدر سابق، ص 267-268.

5- السيد، رضوان، الاسلام المعاصر والليبرالية، مجلة قضايا اسلامية معاصرة، العدد: 24-25، 2003 - 1424 ، ص 176.

6- جمال البنا، مصدر سابق، ص 277.

7- المصدر نفسه، ص 281.

8- قطب، سيد، معالم في الطريق، بيروت، دار الشروق، 1399هـ - 1979م، ص 24. ويرى الدكتور حسن حنفي ان كتاب معالم في الطريق ليس مؤلفا ذا بناء محكم وانما هو (مجرد تأملات تعبر عن عذاب

9- المصدر نفسه، ص 22.

10- المصدر نفسه، ص 22.

11- حنفي، د. حسن، الحركات الدينية المعاصرة، الكتاب الخامس ضمن موسوعة الدين والدولة في مصر 1952-1981، القاهرة، مكتبة مدبولي، ص 127.

12- حنفي، د. حسن، الاصولية الاسلامية، القاهرة، مكتبة مدبولي، ص 114.

majed algarbawiaمن يشكك في إحدى ثوابت الفكر الديني، مرتد (وفقا لشريعة الفقهاء)، يجب قتله، على الضد من الحكم القرآني!!. او زنديق ما دام حاذقا يُجيد لعبة الكلام والتلاعب بالألفاظ،

ثمة سؤال تتوقف عليه حدود حرية الإعتقاد التعبير في الإسلام: هل الدين نموذج نهائي، يصادر حرية الرأي والإعتقاد والتعبير، ويفرض رؤية أحادية تلازم الإنسان مدى الحياة؟ أم الدين نسق قيمي يستجيب لمتطلبات العصر والزمان، ويتجدد مع كل قراءة تستوفي شروطها الموضوعية؟

الإسلاميون ومن قبلِهم رجال الدين والفقهاء يعتقدون أن الدين منجز اإلهي نهائي، يصادر حرية الرأي والاعتقاد والتعبير، فمن ينكر إحدى ضرورات الدين وفقا لهذا المنطق، مرتد، (سواء كان مسلما بالفطرة او استجد له رأي بعد اسلامه)[1] .. وملحد زنديق، حينما يتمرد، يجادل في قضايا الخلق والوجود، او يطرح إشكالات يعجز عن تفنيدها صاحب الحقيقة المطلقة!!. (وهذا لا يشمل المعاند والأحمق البتة). ولم يكتف الخطاب الديني بضرورات العقيدة موضوعا للردة بل راح يوسّع من مساحات المحرّم والممنوع، وراحت تتناسل الضرورات لتشمل ضرورات المذهب والطائفة بل ضرورات الشعائر أيضا!!، فتحوّل الفكر الديني الى حقل ألغام شاسع، لا يعرف المرء كيف يتفادى مخاطر التحرّش في ثوابته، وصارت البدع والأساطير والخرافات طقوسا مقدّسة .. مرتد وفاسق ومنحرف من لا يؤمن بها، أو يناقش في شرعيتها، وبهذا الشكل أصبحت الردة سيف يلاحق حرية التعبير، تتمدد سطوتها كلما اتسع مجال التنظير الفكري لدى المسلمين. ومع كل بدعة تُقمع الحريات، ويتراجع الوعي، ويضمر دور المثقف التنويري، حداً يعيش حالة من القلق والخوف والترقب. وطالما راح ضحية التعبير عن الرأي شخصيات استباح الجلاّدون جلودهم، وراحت سياطهم تصب جام غضبها انتقاما لزيف الآلهة، وأصنام الفكر الديني المتعجرفة. ولم يكتف رجل الدين بمصطلح الردة والزندقة والالحاد بل راح ينحت صيغ جديدة كمفهوم (إزدراء) الأديان أو إزدراء مقام المرجعيات الدينية، وهو مفهوم يتصف بقدرة هائلة على الإطاحة بمن تسوّل له نفسه التحرّش أو التشكيك بثوابت الخطاب الديني الرسمي، لان رجل الدين لا يخشى الحرب والمنازلة بقدر خوفه من الرآي الذي يزلزل قناعات الناس ويضع مبانيه على محك السؤال.

إن الخطاب الديني كغيره من الخطابات الأيديولوجية، يمارس التضليل وتزييف الوعي .. يقفز فوق الحقائق، ويقمع المعارض، بأمضى الأسلحة (أي الفتوى)، أداة الفقيه في فرض آرائه والدفاع عن حدوده. فالمعارض فكريا وعقيديا، أو من يشكك في إحدى ثوابت الفكر الديني، مرتد (وفقا لشريعة الفقهاء)، يجب قتله، على الضد من الحكم القرآني[2]!!. أو زنديق ما دام حاذقا يُجيد لعبة الكلام والتلاعب بالألفاظ، وما برح قادرا على فضح الحقيقة، وهتك المستور، بل ما دام يحمل رأيا آخر، وقناعة آخرى. أو لم يقتنع بعقيدة رجال الدين والفقهاء فهو مرتد أيضا، مطرود من رحمة الله. وكلا من المرتد والزنديق محكوم عليه بالضلال والموت، وقائمة من حُزت رؤوسهم بسيف الدين طويلة عبر التاريخ[3]. خاصة والارتداد مفهوم ملتبس، يستجيب بسهولة لأهواء فقهاء الضلال، حتى بات مطيّة الحركات التكفيرية، المتطرفة، التي راحت تستبيح طوائف اسلامية كاملة بحجة الارتداد، حتى ولو كان الارتداد خلافا فكريا وعقيديا، او فقهيا بين فقيه وآخر. وهذا بالضبط ما فعله ابن تيمية حينما (كفّر الفلاسفة والمتصوفة والجهمية والباطنية والاسماعيلية والنصيرية والامامية، والاثنى عشرية والقديرية) . وجاء من بعده سيد قطب في جاهلية القرن العشرين، ليؤسس منهجا تكفيريا، يستمد من ابن تيمية وخطه السلفي شرعية استباحة دماء الناس الابرياء، ويوظّف آيات القتال والحرب التي نزلت في وقائع تاريخية محددة لزهق كل معارض ومخالف لرؤيته (العقيدية – الفقهية).

والمغالطة الأساس في الخطاب الديني، حينما يوائم بين الدين (كنصوص مقدسة) والفكر الديني (كفكر بشري). والحقيقة إن الفكر الديني قراءة للدين، وفهم له، يختلف من شخص لآخر ومن فقيه لغيره، وفقا لتطور البيئة الثقافية، وليس هو ذات الدين، كما يحاول الخطاب الديني الأيديولوجي أن يوهم القارئ والمتلقي به، ليمنح آراءه قداسة تتعالى على النقد والمراجعة.

وأيضا يغالط إذا اعتبر التنظيرات الفكرية في شتى المجالات ضرورة من ضرورات الدين، لأنها مجرد آراء واجتهادات شخصية، وليست ضرورة من ضرورات الدين.

والغريب أن التكفير وأحكام الردة، تطال دائما مساحة الفكر الديني الذي هو فكر بشري، فكيف يؤاخذ الانسان حينما يناقش ويجادل في فكر بشري مهما كان مصدره؟. وحتى لو صدق الارتداد فان القرآن الكريم اكتفى بالمؤاخذة الآخروية بحق المرتد (عن الإسلام)، ولم يجعل أي مؤاخذة دنيوية عليه. وما صدر من أحكام في بداية البعثة كان مقتضى أمن المجتمع المسلم، وليست أحكاما شرعية كي يتشبث بها الفقهاء ويعقدوا عليها اجماعهم الذي هو دليلهم الأساس في حكم المرتد، ثم استغلها السلطان والسياسي لاقصاء المعارضة وانزال أقسى العقوبات، أي القتل بحقه، على مدى التأريخ.

ثم كيف نقسّر تطور العقل البشري، ومسيرته الزاخرة بالانجازات المعرفية والفكرية والفلسفية، اذا قلنا ان الدين نموذج الهي نهائي؟. ولماذا منح الله العقل قدرة هائلة على الخَلق والابداع، حتى راكم رؤى ونظريات أفرزت نظاما اجتماعيا – سياسيا كفل للانسان حقوقه، من خلال مبادئ: التعددية، المجتمع المدني، التداول السلمي للسلطة، وضمان الحريات العامة، وهي منجزات بشرية نافست الخطاب الديني، واستقطبت أنظار الشعوب، حتى بات الغرب محكوما في نظر الشرق بثنائية: النموذج / العدو. بل أصبح همّ الانسان الشرقي اللحاق بالغرب وتطبيق نموذجه الحضاري، وأمنيته دائما ان يعيش في ظل قوانينه وأنظمته. وبالفعل من يعيش في الغرب يشعر بقيمة ما أنجزه العقل البشري، وكيف اعاد للانسان مكانته وحيثيته، من خلال ضمانات دستورية، كفلت معيشته، وأمنه، وحريته، وهذا غاية ما يطمح له الانسان، بينما تعثرت التجارب الدينية واخفقت في تطبيق النموذج الديني، لذا تلجأ لقمع الحريات ومصادرة حرية الرأي بالذات.

وأيضا، لماذا لم يخلق الله عقلا على مقاسات النموذج الديني، عقلا يتحرك باتجاه واحد، يأبى الخلق والابداع؟ لكنه تعالى خلق عقلا خلاقا مبدعا منافسا: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً) ، لكنه لم يجعلهم كذلك بل (ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم) [4]!!!.

وعَود على بدءْ، فالاسلام لا يصادر حرية الرأي والمعتقد والتعبير، حتى لو اتخذ المسلمون الأوائل اجراءات احترازية في بداية الدعوة، فانها ليست أحكاما نهائيا، لان المنطق القرآني قائم على الاختلاف باعتباره أحد مقومات الخلق، وسرّ ديمومة الحياة على الأرض. به تستقيم وتستمر وتتطور وترقى بالانسان وتطلعاته. فالمبدأ القرآني لمن يتقصى آياته: (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا)[5]، و(وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ)[6]، (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ)[7] (فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ، لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ)[8]. وحرية التعبير ملازمة للاختلاف، فما دام الاختلاف مشروعا فان التعبير عن هذا الاختلاف مشروع أيضا. بل تجد في رمزية القصص القرآنية ما يؤكد ذلك من خلال قصة الخلق، حينما وقف إبليس يجادل الباري جل وعلا في شرعية السجود لآدم، فلم يصدر الخالق حينها أي عقوبة جسدية بحقه، بل أصغى الى مبررات اعتراضه، وأجّل أمره الى يوم القيامة[9].

هذا الكلام بمجمله لا ينفي الفرق بين حرية التعبير والاساءة، فالثانية عمل ترفضه كل القيم والمبادئ الانسانية، بينما حقيقة حرية التعبير انها تكشف عن رأي وفهم وقراءة اخرى، يجب احترامها، مهما كان مستوى الاختلاف معها.

للأسف أن أجواء القمع الفكري والعقيدي كرست الحس التكفيري، وصنعت مافيات دينية تتحكم بوعي الشعوب المسلمة، تفرض عليها خطابا دينيا رسميا، يحرّض على الكراهية والتنابذ. ومحاكم التفتيش في تزايد مرعب، تلاحق الناس في كل مكان، حتى راحت أقلام التنوير تتشبث بكل معجزة لتفادي سطوتهم.

نحن بحاجة ماسة لخطاب ديني يعي دور العقل، ولا يراهن طويلا على سذاجة الناس، لأن التطور الاعلامي سيلاحق رثاثة الوعي، ويعيد للانسان قدرته على النقد والتلقي الواعي، وحينئذ ستسقط كل الأقنعة المزيفة.

 

ماجد الغرباوي 

2-2-2015

.......................


[1] - أجمع الفقهاء على تعريف المرتد، وحكمه، ودليلهم هو الإجماع ورايات، ينسب بعضها للنبي وقد بينت ما فيه الكفاية عدم حجية الأدلة، وعدم وجود أي مؤاخذة دنيوية على المرتد، والقرآن واضح في ذلك لا لبس فيه، وهو قول عدد من الفقهاء. أنظر كتابي: تحديات العنف، مصدر سابق، وكتاب: التسامح ومنابع اللاتسامح.. فرص التعايش بين الآديان والثقافات، ط 2008م، العارف للمطبوعات والحضارية، بيروت – بغداد.

[2] - يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ۚ ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (سورة المائدة، الآية:54). لايوجد فيها حكم بقتل المرتد. وأيضا (سورة النساء، الآية: 137): إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَّمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا

[3] - الأمثلة كثيرة سواء من قتل أو من صدرت بحقه فتوى تكفير وارتداد، مثالا: بشار بن برد، ابن المقفع، والحلاج، فرج فوده، السباعي

[4] - سورة هود، الآية، 118.

[5] - سورة الإنسان، الآية: 3.

[6] - سورة الكهف، الآية: 29.

[7] - سورة يونس، الآية 99.

[8] - سورة الغاشية، الآيتان: 21 و22.

[9] - قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ۖ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ (75) قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ ۖ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ (سورة ص، الآيتان 75و76)