hatam hamidmohsinاذا كان هناك تشابه عميق بين تطور الحضارة و تطور الفرد وكانت الحضارة تستخدم نفس الطرق، فهل لدينا التبرير للقول، بانه في ظل تأثير الرغبات الثقافية الحادة، اصبحت بعض الحضارات وفي فترات معينة منها – ربما كل البشرية – في حالة من الهلع واللااستقرار؟ (فرويد، الحضارة وسلبياتها، 1930).

كمفكر، هاجم نيتشة الافكار التقليدية لزمانه لأن الافكار عملت كعوائق للتجربة الانسانية التامة والثرية. هو لم يؤمن بالاصلاح الاجتماعي، ومقت الحكومة البرلمانية وحقوق التصويت العامة. كره كذلك الليبراليين والمحافظين والشيوعيين والاشتراكيين. هو لم يشترك بالرؤية بان التقدم هو من خصائص التقاليد الفكرية الغربية في القرنين الاخيرين . هو ادان الاخلاق المسيحية و سخر من الفكرة الليبرالية بان الانسان هو خيّر بطبعه. كره سقراط.

ما ادركه نيتشه هو ان الانسان يجب ان يفهم بان الحياة لا تُحكم بالمبادئ العقلانية. الحياة مليئة بالهمجية واللاعدالة وباللايقين والسخافة. لا توجد هناك معايير مطلقة للخير والشر يمكن كشفها بالمنطق الانساني. هناك فقط انسان عاري يعيش وحيدا في عالم سخيف مجرد من الايمان.

المجتمع البرجوازي الصناعي الحديث، طبقا لنيتشة، جعل الانسان فاسدا اخلاقيا ويائسا وتركه ضحية للتطور المفرط في القدرات العقلانية على حساب الفطرة والرغبة الانسانية.

وبالضد من ميول المجتمع البرجوازي، أكّد نيتشة على ان الانسان يتوجب عليه الاعتراف باسطورية وعتمة العالم الفطري – قوة الحياة الحقيقية. كتب نيتشة "انت يجب ان تصبح من انت". العقلانية المفرطة، والثقة العالية بالعقل الانساني انما تخنق التلقائية الضرورية للعمل الخلاق. ولكي يبلغ الانسان كامل طاقته، يجب عليه التحرر من الاعتماد على العقل والفكر والاعتماد بدلا من ذلك على تطوير غرائزه وحوافزه ورغباته. المسيحية مع كل ما رافقها من قيود وحاجات للامتثال، تسحق الدوافع الانسانية للحياة . الاخلاق المسيحية يجب ان تتحطم لأنها تتناسب فقط مع العبيد والضعفاء.

ذكر نيتشه ان نجاح العقل المسيحي في العالم الروماني كان لأن الطبقات السفلى ارادت ان ترث الارض من سادتها الارستقراطيين. الطبقات الدنيا كانت تحاول مواصلة الكفاح لهزيمة سادتها. انها قامت بهذا عبر وصفها السمات التي تنقصها بالشريرة: القوة والحماس للحياة. بدلا من ذلك، جعل المسيحيون من حياتهم المتدنية والتعيسة كمستوى لكل الاشياء القادمة. لو انحرفت انت عن هذا المستوى، فسوف تبقى اسيرا للذنب. في كتابه (عدو المسيح عام 1888) ذكر نيتشة:

المسيحية اشعلت الحروب ضد النوع الاسمى للانسان .. المسيحية وقفت الى جانب كل شيء ضعيف، انها خلقت مُثلا من معارضتها لغريزة الحياة القوية .. المسيحية هي تمرد لجميع الاشياء الزاحفة على الارض بالضد من تلك التي في مرتبة اعلى.ان فلاسفة عصر التنوير للقرن الثامن عشر هاجموا المسيحية لأنها كانت مخالفة للعقل الانساني. لأنهم ارادوا ان يجعلوا المسيحية اكثر مقبولية، هم حافظوا على الاخلاق المسيحية. نيتشة هاجم المسيحية ايضا، لكنه فعل هذا على اساس انها منحت الانسان روحا مريضة. انها كانت منكرة للحياة. منعت الممارسة التلقائية الحرة للفطرة الانسانية والرغبة. باختصار، المسيحية اطفأت شعلة الحياة.

في "مثل المجنون"، اعلن نيتشة ان اخلاق المسيحية قد ماتت واننا ذواتنا مسؤولون. لا توجد هناك عوالم علوية، ولا وجود لأخلاق مشتقة من الله او من الطبيعة ".لا توجد هناك حقوق طبيعية وان فكرة التقدم هي عار. جميع القيم القديمة والحقائق فقدت حيويتها وصلاحيتها. هذه الفكرة سميت بالعدمية. لا توجد هناك قيم اخلاقية . قال نيتشة ان الانسان يمكنه الارتقاء فوق العدمية. ولكن كيف يتم هذا؟

اولا، يجب الاعتراف بالعدمية الناتجة عن الحياة اليومية. على المرء ان يصبح عدميا، عندئذ سيرتفع فوق وما وراء العدمية عبر خلق قيم جديدة: الانسان سيصبح عندئذ سيد نفسه ويكون صادقا لنفسه بدلا من الاخرين. الانسان يستطيع التغلب على النمطية والامتثال والوسطية، هو يستطيع التغلب على الاشتراكية والديمقراطية واتحادات العمال والتقدم والتنوير وعلى جميع الامراض الاخرى الملازمة للحضارة الغربية.

طبقا لنيتشة، يمكن انقاذ الانسان بنوع جديد من الانسان، السوبرمان. هذا الانسان سوف لن يُكبح بهراء الحضارة المسيحية –البرجوازية-العلمية-الصناعية-الحديثة.السوبرمان يخلق اخلاقه الخاصة مرتكزة على الغرائز الانسانية والحافز والرغبة. هو يؤكد وجوده ليس بالقول، مع المسيحية "بلا" . كلا، امام موزائيك القوانين، يهتف الانسان الجديد "انا ارغب". الانسان الجديد لديه الشجاعة ليكون هو ذاته، وهنا سوف لن يكون اي معنى للمُثل التقليدية المسيحية في الخير والشر. رغبة الانسان بالقوة، يرى نيتشة، تذهب الى ما وراء الخير والشر. ان تعزيز الرغبة بالقوة تجلب المتعة للسوبرمان. السوبرمان حرر جميع القيم القائمة، وبما انه الآن حر من جميع القيود والقواعد وشفرات السلوك المفروضة من جانب الحضارة، فهو يخلق قيمهُ الخاصة. هو يعيش حياته الخاصة كما يريد، يكافح، يخلق، يبحث ويسيطر. هو يعرف ان الحياة كما مُنحت له هي بلا معنى، لكنه يعيشها ساخرة، غريزية، تامة، خطيرة.

من الصعب اليوم تقييم تأثير فلسفة نيتشة، ولكن بالتأكيد هو نجح في حث العقل للارتقاء نحو مستويات جديدة من الفكر.

يمكن القول ان نيتشة ادرك تماما احدى المشاكل الاساسية التي واجهت القرن العشرين. في الربع الاخير من القرن التاسع عشر، لم ير نيتشة الا الاضمحلال والخفوت. هذا البيان جاء في عصر التقدم وهو ما يكفي لتوجيه الانتباه لنيتشة. مع موت الاخلاق، الموت الذي تسارع بفعل التطور العلمي وفردانية الطبقة الوسطى والماركسية والدارونية والوضعية والمادية، فان القيم الاخلاقية التقليدية قد فقدت قيمتها ومعناها. في عالم حيث لا شيء حقيقي، فان كل شيء سيجري. كان نيتشة طبيبا معالجا والمريض كان الحضارة الغربية. هو لم يضع حلا واقعيا. تشخيصاته ربما كانت اذكى من مقترحاته للعلاج. ولكن ما قام به نيتشه هو تعميق التأكل في الاسس العقلانية للحضارة الغربية. في هذا المجال هو كان عرضة للّوم والثناء ايضا. هذه الافكار النيتشوية كان لابد لها من اغراء المثقفين الاوربيين والفنانين الذين نظروا الى فلسفة نيتشة كوسيلة لتحرير الطاقات الباطنية للانسان. فلسفة نيتشة هي فلسفة التحرير.

ديستوفسكي

وكما نيتشة، هاجم الروائي الروسي دوستوفسكي (1821-1881) رؤية العالم الاساسية للتنوير، باعتباره العصر العظيم للعقل الانساني. في جميع رواياته نظر دوستوفسكي للانسان كمحروم فطريا وغير عقلاني ومتمرد. في روايته (ملاحظات من تحت الارض، 1864) يتمرد القاص ضد كل خطط ومشاريع التحسين الاجتماعي. هو ناقد للعقلانيين والليبراليين والوضعيين والانسانيين والاجتماعيين في محاولتهم تحسين حظ البشرية عبر تشكيل المجتمع بالارتكاز على المبادئ المجردة للسعادة الانسانية. انسان تحت الارض يثور ضد كل من العلوم والمنطق. لأنه لايرى هناك حقائق مطلقة، شمولية، لازمنية يجب على كل الناس الامتثال لها. يرى دوستوفسكي ان العالم مخيف بالرغبات العارية المنخرطة جميعها بالصراع مع بعضها. جميع الناس لا يبحثون عن السعادة . هناك البعض مثل انسان تحت الارض يختار المعاناة لانها تمتعه. هؤلاء الافراد يُثبطون بالسلام والثروة والأمن والسعادة. هم لا يريدون ان يكونوا روبوتات في عالم وضعي عقيم فيه كل شيء ينسجم ضمن قالب او آخر. بالنسبة لانسان تحت الارض، اتّباع الحوافز اللاعقلانية والتورط في افعال لاعقلانية تعني اعلان الانسان عن فرديته. وبالنتيجة، يثبت الافراد انهم احرارا. الانسان الذي هو متحرر حقا يعرّف وجوده طبقا لحاجاته وليس طبقا لتلك الحاجات او المقاييس التي خُلقت ثقافيا من جانب المجتمع. وعندما يعترف انسان تحت الارض بان، "القدرة العقلانية هي ببساطة واحد الى عشرين من جميع قدراته في الحياة، فان الحياة هي اكثر من الاستدلال، اكثر من مجرد استخراج الجذر التربيعي".

حتى الآن نظرنا في اثنين من مفكري اواخر القرن التاسع عشر: احدهما فيلسوف وشاعر والثاني فيلسوف روائي. كلاهما كافحا مع معرفتهم بان الوجود الانساني كان مليئا باللاعقلانية. اتجاههم كان متشابها في كونه فرديا عاطفيا مباشرا.

يجب ان يكون واضحا اذا، ان نيتشة ودوستوفسكي كان لديهما احتقارا كبيرا للعقلانية المفرطة، بكلمة اخرى، هما كرها علمية العقل التي التصق بها الاوربيون منذ قرون.

سيجموند فرويد

وكما في فلاسفة التنوير في القرن الثامن عشر، شخص سجموند فرويد (1856-1939) الحضارة بالعقل الانساني واعتبر العلم المسار المحتوم للمعرفة. كان فرويد طفلا للتنوير. ولكن على خلاف فلاسفة العقل، ركز فرويد على قوة وتأثير الدوافع والحوافز اللاعقلية في سلوك الانسان وفكره.في عام 1840 جادل كارل ماركس ان الناس يعتقدون انهم يفكرون متحررين. الحقيقة، كما يرى ماركس، ان افكارهم تعكس فقط افكار الطبقة الحاكمة."فرويد ايضا اعتقد ان افكارنا الواعية تتقرر بشيء مخفي: دوافعنا اللاواعية.

نيتشة مجّد اللاعقلانية كشيء لابد منه للشاعر. فرويد، من جهة اخرى، اعترف باللاعقلانية كخطر محتمل. هو اراد ان يفهمها علميا. هو ايضا اراد تنظيم اللاعقلانية لتكون في مصلحة الحضارة ككل. وكما اخبر احد اصدقائه، ان اللاعقلانية كانت "هدفا شاملا للعلم". كان فرويد مقتنعا بان الناس ليسوا كائنات رشيدة. سلوك الانسان، مسترشدا بالقوى الداخلية كان شيئا لا عقلانيا. ضمن الذهن هناك فعالية ذهنية لا تعتمد على الوعي. هذا هو الذهن اللاواعي. بالنسبة لفرويد كان تأثير هذا الاكتشاف عميقا: انه يعني ان افعال الانسان ليست دائما رشيدة. هذه الفكرة انتشرت بوجه مُثل التنوير كونها لا تقل اهمية عن فكرة نيتشة في "موت الاله".فرويد لم يكتشف العقل اللاواعي . الرومانسيون الاوربيون في اواخر القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر استعملوا سلفا العقل اللاواعي كقوة لطاقاتهم الفنية. وكذلك بالنسبة للتراجيديا اليونانية القديمة وشكسبير ودوستوفسكي ونيتشة. فرويد أعجب بهؤلاء المفكرين واستمر بوصف نيتشة "كفيلسوف تنسجم مسلماته وتخميناته بطريقة مدهشة مع الاكتشافات الشاقة للمحللين النفسانيين". ولكن على خلاف نيتشة، كان فرويد رجل ذو مزاج علمي. هدفه من الدراسة وعمله في كامل الحياة قُصد به ليكون استكشافا لذهن الانسان اللاواعي.

كطبيب متخصص في معالجة الامراض العصبية، استنتج فرويد بان التفكير المضطرب هو نتيجة الخوف المُمارس اثناء الطفولة. هذه الحالات النفسية تتخذ عدة اشكال لكن يمكن تصنيفها بـ : الهستيريا والقلق والكآبة والوسواس القهري. لكي يعالج فرويد السلوك العصابي وجد ان هذه التجارب الطفولية يجب استعادتها الى السطح لكي يستطيع المريض مواجهة ذاته . عالج فرويد مرضاه بطريقتين. الاولى، كانت ارتباط اً حرا: اي مهما يأتي الى الذهن. هذه تلقائية وبلا اية قيود واحيانا يحتاج المريض للكشف عما هو مخفي. الثانية، كانت تفسير الاحلام. الاحلام تكشف الرغبات السرية واحيانا السلوك المنحرف. وبسبب ان بعض الذكريات مؤلمة فنحن نقوم بحبسها. نحن بلا وعي نجعلها مختبئة والمحلل النفساني المختص هو وحده يستطيع سحبها الى السطح. غرائز الشخصية تتطلب باستمرار الاشباع العاطفي وبهذا هي فطرية ولاعقلانية.هذه الغرائز لا تعرف القيم وتبحث فقط عن الاشباع. انها لا تعي اي شيء عن الخير والشر، وتتطلب فقط الاشباع الجنسي وانهاء الألم. عندما تُواجه هذه الغرائز بالانكار فان الفرد يصاب بالاحباط والغضب والتوتر. جادل فرويد بان هناك صراع بين غرائزنا الفطرية او طبيعتنا الموروثة ومتطلبات الحضارة. هو طور هذه الفرضية في كتابه الصغير الصادر عام 1930 بعنوان "الحضارة وسلبياتها". متأثرا باهوال الحرب العالمية الاولى وما اعقبها من دمار، كانت الفكرة الرئيسية لهذا الكتاب طورت قبل عام 1914. الانسان يشتق ارقى حالات السعادة من الانجاز الجنسي، لكن العمل الجنسي غير المقيد و بلا حدود يستنزف طاقة الفرد النفسية المطلوبة للحياة الخلاقة والفكرية.ومن هنا، فان المجتمع ومن خلال العائلة والقس والمعلم والشرطي هو الذي يفرض القواعد والقيود على طبيعتنا الحيوانية والتي، بسبب انها حيوانية فهي تتطلب الاطلاق. مثل هذا الوجود هو مؤذي ويسبب القلق والاحباط. ولكن انتهاك قواعد الحضارة ايضا يُشعرنا بالذنب. وفي كل الاحوال، سنعاني العذاب والالم. الحياة المتحضرة تنطوي على المزيد من الالم للناس.الثمن الذي ندفعه للحضارة حسب فرويد هو العصابية.

انه مأزق غير سار، الناس ليسوا خيرين بالطبع حسب راي فرويد. الفرد هو مخلوق عادة تحرضه غرائزه على العدوان. اول الميول هو ليس ان تحب شخصا اخر كاخ او كاخت وانما "لإشباع العدوانية، لاستغلال المقدرة للعمل بدون تعويض، الاستخدام الجنسي دون الموافقة، حجب الملكية، الاذلال، إلحاق الالم، التعذيب والقتل" . فرويد عرف ذلك من خلال دراسة العصاب الانساني وهو كما ماركس، ادرك ان التاريخ هو قصة الصراع. وبينما راى ماركس صراعا ديالكتيكيا بين الطبقات الاجتماعية، فان فرويد وجد صراعا ديالكتيكيا ضمن العقل الانساني ذاته. الحضارة تحاول ضم الافراد الى عوائل، اعراق، شعوب وقوميات في وحدة واحدة كبيرة. لكن فرويد وجد ان "عدوانية الانسان الغريزية، او كراهية كل واحد تجاه الجميع وكراهية الجميع تجاه كل واحد، تتعارض مع هذا البرنامج للحضارة".

ربما يرى البعض ان فرويد رفض الايمان بالتنوير. كلا، والسبب واضح : فرويد لم يمجد اللاعقلانية كما فعل نيتشة. الحضارة هي عبء لكن الناس يجب عليهم تحملها لأن البديل اكثر سوءا. وهنا يمكن القول ان النظرية الاجتماعية لفرويد هي متشائمة. الحضارة تكبح باستمرار معظم حاجاتنا الانسانية الاساسية . جميعنا يعاني من العصاب. البعض يستطيع التكيف مع هذا السلوك، بينما اخرون لا يستطيعون. اولئك الذين يفشلون يتطلبون علاجا او محللا نفسيا. ولكن كيف استطاع اولئك الافراد التكيف مع عصابيتهم؟الدين، الفن، المخدرات، الكحول، الموسيقى، الجنس، السياسة . كل هذه ليست اكثر من عصا مساعدة للمشي لانها تحرفنا عن دورنا الحقيقي لنصبح اناسا كاملين.

الفنون والآداب

وكما خرج نيتشة وفرويد عن تقاليد التنوير التي اكدت على ان الانسان خير بطبعه، كذلك الفنانون والكتاب تمردوا ضد الاشكال التقليدية للتعابير الفنية والادبية. عملهم خلق ثورة ثقافية عظيمة نسميها نحن بالحداثة. الحداثة تتميز بالوعي العميق للذات. انها استبطان مكثف للفنان الحداثي او الكاتب، الذكاء اصبح عائقا للابداع والتعبير عن العاطفة الانسانية. العقل الانساني، بدلا من ان يكون محررا للانسان، الان جعل نفسه آسرا له. الفنانون الحداثيون تخلوا عن جميع التقاليد الفنية والاعراف الادبية وبدأوا بممارسة وسائط جديدة للتعبير. هم حطموا التاريخ لكي يخلقوا تاريخهم الخاص.

كتّاب امثال ,Marcel proust(1871-1922),D.H.Lawrence (1885-1930)Thomas Mann (1875-1955)، وكافكا (1883-1924)، استكشفوا الحياة الباطنية النفسية للفرد. رواياتهم، مسرحياتهم، قصائدهم تعاملت مع فكرة الانسان الحداثي الذي يرفض قيم زمانه. استبطانهم الكثيف اجبرهم على تحدي قلقهم الناتج عن الذنب المفروض من جانب المجتمع، وجنسيتهم الواعية، وتوقهم للتدمير الذاتي، وشعورهم الكاسح بالعزلة واللامعنى والاغتراب.

بالنسبة للحداثي، لا وجود للواقع. الواقع هو فردي، انه الفرد ولذلك هو ذاتي. وكقاعدة عامة، كانت الحداثة اقل اهتماما بالواقع منه الى كيفية تحويله من جانب الفنان او الكاتب. بهذه الطريقة، جعل الفنان الواقع خاصا به. واذا كان المجتمع الصناعي للطبقة الوسطى في القرن التاسع عشر منح قيمة للعقل وللصناعة والمنظمة والافكار والقيم فان الحداثويين كانوا مسحورين بغير العادي والاسطوري والخيالي والمجرد من الشكل. وبكلمة اخرى، الحداثيون صاغوا العالم متشكلا بغير العقلاني. وبهذه الطريقة يكون الحداثيون والفنانون والكتاب عكسوا اهتمامات دوستوفسكي ونيتشة وفرويد.

في عام 1900 حاول الفنانون التوغل الى المساحات العميقة في الذهن اللاواعي. كان اللاوعي المصدر الحقيقي للابداع ولذا حاول هؤلاء الفنانون تجسيد ذهنهم في اعمالهم الفنية، فجسّدوا بصريا ما لم يُمنح تعبيرا لفظيا.

يمكن الآن الوصول الى بعض الاستنتاجات العامة:

1- ان الحداثيين رفضوا الرؤية التقليدية بان العالم مكان عقلاني ومنظم. هذه الرؤية جرى التعبير عنها اولا في عصر النهضة، واصبحت هي الفكرة السائدة نزولا الى القرن التاسع عشر. خروج الفنان الحداثي عن هذه التقاليد فتح امامه امكانات جديدة كليا بالاضافة الى مشاكل جديدة كليا مرتبطة بهذه الامكانات.

2- الحداثة في الفن والادب ايضا انعكاس للقوة المتزايدة والاعجاب بالجانب اللاعقلي في الوجود الانساني، وهنا تكون الحداثة جزءا من التجربة الاوربية التي انتجت نيتشة وفرويد.

3- نيتشة وفرويد لم يصنعا الحداثة. لم يضعا المصطلح لها وانما كانا مراقبين جيدين لعصرهما، وكل بطريقته الخاصة عمل كطبيب لتلك الصيرورة العظيمة – الحضارة الغربية.تشخيصاتهما لم تكن جيدة. الحضارة كانت تتغير امام عيون كل اوربي. التغيير كان في كل مكان، لكن للتغيير ثمنا. التفككك وعدم اليقين في وقتنا الحالي.

 

حاتم حميد محسن

 

انطلاقاً من مشروع الدكتور علي شريعتي الذي يدعو الى (غربلة) الدين ومن ثم بناءه ايدلوجياً ليواكب التطور السريع الذي تشهده كثير من العلوم لتأصيل الحلول ومعالجة الإشكاليات التي تثار حوله . رأيت أن أكتب سلسلة من المواضيع (حسب طاقتي واطلاعي) تصب في هذا الباب وتفتح مجال لزيادة الوعي (النباهة حسب تعبير شريعتي) بكثير من الإشكاليات المطروحة على الساحة، ومحاولة لنبذ التزييف والتشويه ( الأستحمار حسب تعبير شريعتي ).. ولعل من أهم المصطلحات وأجدرها بالبحث والتعمق .

أولاً: التقليد - وهو قدوة وأسوة، يتحقق بمجرد العمل، أو بمجرد الجزم والعزم على العمل بقول عالم (مجتهد) معين، وهو (أي التقليد) الطريق الأكثر عملية لجل الناس، ولا يخفى على الباحثين والدارسين أن مسالة التقليد رغم عمرها القصير نسبياً فإنها ساهمت في إيقاف حركة الوعي (النباهة) عند الكثيرين بعد ما نجح بعض الدعاة الى تلقين جمهورهم شعاراً عائماً لا حدود لتفسيره منتزعاً انتزاعاً من قوله تعالى (فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) وحقنوه مخدراً شاع بين الناس (ذبها براس عالم وأطلع منها سالم) فضلاً عن مساهمتهم في تسطيح مفهوم الراعي والرعية من (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته)، فأنتجت هذه الدعوة مقلداً أعمى يطيع طاعة عمياء لا يقبل بها الواعي (النبيه) فضلاً عن العالم !!

فتحول التقليد الى التسليم المطلق والذي ورّث الآف المفاسد، ومن المؤسف أن بعض العلماء راحوا ينظرون بشكل حتمي للطاعة ويروجون لها، حاسبين ان عموم الناس مجرد قطيع وأن الراعي ليس عليه الإ علف الرعية وقيادتها الى المرعى حتى أضحى التقليد الذي يعتبر مبدأ من المبادئ (الإسلامية بوجه عام والشيعية بوجه خاص) الراقية أداة سلبية باتت تُخضع المكلّف للتقليد الأعمى حتى في الأمور العقلية والفكرية وراح المقلد يسأل مقلده عن أمور حياته اليومية البسيطة، وكأنهم أصبحوا (أي المقلدين) عبيداً لعقل أو عقلين يفكرون عنهم بالأجماع، ورحلت الكثير من العقول وغيبت بسبب مخالفتها لهذا التزييف المتعمد (الأستحمار)، وتصبح الكارثة أكبر اذا صارت الاستخارة هي العقل وهيمنت عليه، وقد تعرضت شخصياً لهذا الأستحمار !!! فقد طلب مني بعض الأطباء (الملتزمون) أن أقوم بتصميم مجمع طبي مكون من أربع طوابق يضم معظم الاختصاصات وبعد المضي في التصميم وقطع شوط طويل تفاجأت بإلغاء المشروع من قبلهم وعند الاستفسار عن السبب ؟ أتضح أنهم أخذوا استخارة أكثر من مرة وكانت غير جيدة !!.... هذا نموذج من الفهم الخاطئ وتغييب العقل والتخطيط السليم، ينقل عن أحدهم قوله: أن ضم الناس الى العالم كضم الحجر الى البشر !! .. فيما كتب آخر: فليس الحاكم الإسلامي كالحاكم الديمقراطي يستمد سلطانه وسلطاته من الأمة، فإن النظرية الإسلامية لا تعترف بمثل هذا السلطان للأمة!!

وأخيراً مما دفعني الى هذه العجالة هو ما أراه من أن الأستحمار قد بلغ درجة من القوة والشيوع في زماننا هذا، لم يسبق لها نظير على مر التاريخ . فقد كان الأستحمار في الماضي تابعاً لنبوغ المستحمرين وتجاربهم!، اما اليوم فقد أصبح معززاً (بالعلم) وبـ (القنوات الفضائية)، وبـ (المال)، وبـ(التربية والتعليم) صار فناً مجهزاً بالعلم والمعرفة، دقيق جداً، يصعب على المستحمرين رفضه والانفكاك عنه !!

 

حسنين الربيعي

................

مصادر البحث:

1) الفتاوي الواضحة للشهيد الصدر (قدس سره)

2) أزمة العقل الشيعي، مختار الأسدي

(3 النباهة و الأستحمار، الدكتور علي شريعتي

4) التشيع العلوي والتشيع الصفوي، الدكتور شريعتي

5) مجلة قضايا اسلامية معاصرة

saleh alrazukتعتبر موضوعة النهضة والتنوير عند العرب من المسائل التي تشغل الذهن العربي. وإذا كانت تسمى في فترة الاستقلال بالإصلاح فإنها أخذت تسمية اليقظة بعد نكسة حزيران وبزوغ فجر القومية العربية.

اليوم نحن على عتبات عالم جديد لا مكان فيه للعروبة، فهي ذهن يعيش أمجاد الماضي وفتوحاته المشكوك بها.

ماذا قدم القوميون العرب لهذه الأمة التي تنقسم إلى ثلاث شرائح:

 

حطام الربيع العربي وصعود السلفيات المعاصرة

والرأسماليات المحلية التي تستقطب العامل البسيط والعقل المعطل عن العمل، وتستعمل لهذه الغاية عدة تقنيات تصب كلها في أسلوب واحد وهو الإغراء والتشجيع على الوهم.

إن استعلاء الأفراد على مجتمعاتهم، ولا أقصد عفوية المجتمع وإنما شروطه تقود النخبة لتبرير هذا الاستلاب وهذه الخيانة لدور المثقف.

والنتيجة في النهاية تعطيل الإحساس بالأزمة إن لم نقل تحويل أو تزوير طبيعتها.

لقد اختصرت الرأسماليات المحلية المنطقة إلى واحد من إثنين: الحرب أو الحياة. وكانت العلاقة الطبيعية بين الإنسان والأرض هي مجرد دافع غريزي يمكن قراءته بكل سهولة بمنظار فرويدي.

وتبقى الشريحة الثالثة والأخيرة من المحايدين الذين يعيشون في أوهام وطن لا علاقة له بماضيه. وكأنما المستقبل ضرب من الخيال العلمي والفانتازيا.

إن ماضي هذه المنطقة لا يسهل المهمة على الحياد. فهذه الكلمة تصعب قراءتها في ضوء المعطيات، وبالأخص إذا كنت تتكلم عن تحولات تقدس الرواسب التاريخية وتعتقد أن الحل لهذه المهزلة يكون بالإحياء وليس بالابتكار.

لقد اختلطت الأوراق مع التسميات في هذا الجو المعتم والميؤوس منه ولم تعد توجد حدود واضحة بين المسميات.

فالإصلاح السياسي ارتبط رسميا مع الإصلاح الديني. وكلاهما حمل عدة صفات وأسماء منها التنوير والنهضة والتجديد والتحديث.

وإذا كان فصل هذه المصطلحات يدخل في باب التعسف فهو دليل على قلة وضوح المعطيات.

أين يبدأ المجتمع وأين تنتهي الإلهيات.

وما الفرق بين اليقظة والنهضة والتنوير.

إنها عبارة عن بقايا لصراع أفكار يستمد مشروعيته من تعقيدات الذهن العربي.

وهذا العقل حتى اللحظة مشتت بين أوهام ميتافيزيقية وواقع يزداد في التخبط والسقوط.

وخذ على سبيل المثال معركة الدين، هل الشرط أن يكون الإسلام عربيا أم أنه إسلام أممي.

لا يمكن أن تجد إجابة مقنعة لأن المذاهب حتى الآن تقرأ الدين بمفرداتها ولا سيما في التشيع والذي له عدة صور منها التشيع العربي والفارسي. وكأن الإمام علي شخصية مركبة تتكون من عدة هويات وأصول.

وكذلك الأمر بالنسبة للحداثة، هل يمكن تحديث العقل العربي أم أنه يرتبط حكما بالجمود والخرافة والأساطير ولا بد من استيراد منظومة غربية نبني مستقبلنا المعرفي على أساسها.

من هذه النقطة بدأت حملة تجريم طه حسين والتشكيك بمصداقيته، ثم انطلقت حملة تجهيل كل الأمة وإطلاق صفة الجاهلية المعاصرة عليها وإعلان الجهاد المقدس ضد واقعها الراهن.

ولو عدت إلى أرشيف الفكر العربي ستجد أن الخلاف ليس في المعاني ولكن في الأولويات.

وأقصد بذلك من له الأسبقية: التنوير أم النهضة.

وباعتقادي توجد حاليا مدرستان:

مدرسة الليبراليين الذين يقولون مع ألبرت حوراني أن النهضة العربية بدأت عام 1789 وأعقبتها حركة تنوير تمثلت بالاتصال مع الغرب من خلال الرحلات وحركة الترجمة.

ومدرسة السلفية المعاصرة (المحافظون الجدد) ويرون مع حسن البنا أن الامة الإسلامية مغدور بها وهي تعيش في حالة تفكك وتقترب من خطر وجودي ولا يمكن التغلب عليه إلا بإحياء الأسلاف وبصيغة الماضي.

ولا شك أن هذه المدرسة تتأرجح بدورها بين تحديث مشروط وتكفير لكل أنواع التجديد.

والاختلاف يعبر عنه موضع الفريضة الغائبة: الجهاد وغاياته. وطريقة الارتباط هل هي بالبيعة أم بالموالاة. وما هو أساس الترابط أهل الثقة أم أهل الكفاءة.

المشكلة الأساسية في هذه الصورة هي المسافة الواسعة بين الطرفين، لقد تحول الفرق إلى هوة يصعب القفز من فوقها.

وقاد ذلك كل طرف إلى استعمال لغة وأدوات مختلفة ومتحاربة.

ولا أعتقد أنه توجد أمامنا فرصة للتفاهم.

حتى أن فكرة صراع الحضارات وموت التاريخ أصبحت تنطبق على هذه الوضعية.

فالأفكار غير قابلة لإعادة الانتشار.

والصراع بينهما هو صراع على وجود.

وظلام السلفية المعاصرة أصبح يقف أمامه ظلام اليسار العربي. والحقيقة أنه لم يعد هناك يسار حقيقي في هذه المرحلة. إنه مجرد صدى لموقف يحدوه العناد أكثر مما يحركه الوعي والضرورة والرغبة بالبقاء.

وأستطيع أن اقول إن اليسار بدوره يعيش نوعا من الانفصام بين المادة والروح. فجزء يتمسك بالحلول الجبرية. أو إجبار الفكرة على تلبس الأدوات. وبوضوح اختيار ميول عدوانية لحصد أكبر قدر من المكاسب دون استراتيجية بعيدة الأمد. لقد تخلى اليسار عن كرامته ولم يكن واقعيا أبدا. وهو حاليا في معدة العسكر أو في جيوب وخزانات الرأسماليات المحلية. ولا أستطيع أن أرى كيف سيحافظ على مستقبل أبنائه وهو يعيش في مستنقعات الآخرين. شكل جذع بلا رأس. أو عضلات بلا عقل مفكر.

هذا إن لم نقل إنه يذوب تلقائيا في بوتقة الأمم الأخرى ليفقد كل الصفات النوعية ويصبح طرفا في يسار متعولم يخدم مصلحة وطنيات لا تعرف شيئا عن العروبة أو قدر الشرق الأوسط.

لقد تكررت هذه المأساة عدة مرات في تاريخنا المعاصر.

فاليسار الدولي لم يرحم إرادة الشعوب وتصرف معها بأسلوب استعماري كانت له نتائج وخيمة. وأذكر هنا بحرب عائلة كينيدي في فيتنام، والتي أرى أنها سقطة وعيب في تاريخ الديمقراطية الأمريكية.

وكذلك بحرب الاتحاد السوفياتي في أفغانستان.

لم يضع اليسار لا في الغرب ولا المشرق في اعتباره الخصوصيات المحلية وشاء أن يربي الآخرين وفق معايير مفروضة من فوق شروط التاريخ والمنطق. لقد كانت هذه الحروب أشبه بسياسة الأب الإله الذي يتبع أسلوب الإلحاق والضم وليس التوعية.

إن المشكلة الأساسية التي يعاني منها العرب هي زيادة الثوابت غير التاريخية التي مهدت لعقل سكوني غير حضاري ولا معرفي وينظر لكل شيء بمنظار التقليد.

لقد ازدادت مساحة الجمود وعبادة الأب على حساب المتحرك والمتحول والذي يحمل حساسية لا بد منها تجاه عامل الأحقاب وقوانين العصر. أو ما يسميه آينشتاين النسبية. يعني قانون توالي الأزمنة وليس تكرارها.

ومثلما ردد الليبراليون مقولة حوراني واعتبروا القرن الثامن عشر منعطفا لبداية النهضة. كرر المحافظون مقولة البنا وتناقلوا فكرة جاهلية المجتمع ابتداء من سيد قطب والهضيبي وحتى الأشكال الاخيرة من الحركات السلفية.

وقد كان الفضل لتداول أطروحة حوراني يعود لهشام شرابي(1)، والذي رأى في (المثقفون العرب والغرب) أن تاريخنا العقلي الحديث ينقسم إلى ثلاث موجات متعاقبة وهي اليقظة العربية التي تزعمتها طبقة من المثقفين العرب ص 17 وجاءت جزءا من التطوير الإيديولوجي كتعبير عن عملية التعليم والتنوير والاتصال بأوروبا ص 16.

وطبقة المصلحين والتي تعني حكما التحديث الإسلامي ص 21. وهي حركة انبعاث وراءها نزعة محافظة إنما متنورة ومسلحة بإدراك عقلاني. ص 21

والفكرة القومية ذات الاتجاه العلماني والذي عكس رغبة المسيحيين بعقلنة التاريخ الإسلامي وتحديد علاقة المسيحيين العرب به. وما ترتب على ذاك من فرز بين الوحدة الاجتماعية والوحدة الطائفية لبلورة المفهوم التجسيدي لما يسمى في أدبيات الدولة: الوطن ص 74.

ولكن هذا لم يمنعه من مخالفة حوراني واستبدال حدوده التاريخية للنهضة وهي 1798-1939 بـ 1875- 1914.

ومن الواضح أن الفرق هام وملحوظ لا سيما في تحديد النهايات. فحوراني يعزو إليها الحرب العالمية الثانية وأزمة البورجوازية العسكرية وصغار الضباط أو أزمة المجتمع الصناعي الحديث ككل، بينما يراها الشرابي تقتصر على أزمة الإقطاع وانحلاله وتفكيكه واندلاع شرارة الحرب الكونية الأولى.

إن حالة حوراني تفرض على العرب مؤثرات من الخارج، إذ لم يكن للشرق دور هام في صناعة الاتجاه أو مصير العالم المصنع عندما اندلعت الحرب الثانية. في تلك الفترة كان الشرق والغرب تحت الاحتلال والانتداب ودورهم يعكس المتغيرات، إنهم مجرد حامل للأزمة وليسوا موضوعها ولا هدفها.

بينما حالة الشرابي تعكس دورا أكبر للمشرق وللعثمانيين والإسلام فيما يحصل. فقد كان تحالف الأتراك مع الفاشية والنازية مؤسفا وجر الويلات على المنطقة وقاد العقل العربي للخروج من غيبيات ومسلمات لا يطالها الشك باتجاه يقظة وعصر أنوار يحمل متغيرات بنيوية هامة.

وربما كان يعتقد الشرابي أن النهضة بدأت مع إلحاق المرض بالإقطاع وانتهت بتفكك الاقطاعية واندحارها وتدفق الرأسمالية الغربية على المنطقة ورعايتها لشريحة من صغار الرأسماليين وكبار البورجوازيين.

ومثل هذه الحدود تبدو مفهومة ومنطقية لأنها تعبر عن المخاض المحلي أكثر مما تنفعل بصراع الصناعة والزراعة وراء حدود المتوسط.

غير أن للاسلام العربي رأيا آخر. فهو ببساطة ينظر إلى المتحول على أنه الشيء ونقيضه. ولذلك كانت النهضة هي الاصلاح الاجتماعي لعقل الأسطورة. وأعتقد أن هذه الأفكار تحمل بذور ثورة الحداثة على نفسها.

فما بعد الحداثة التي ألغت سلطة المركز ووضعت الإنسان في دائرة اختيارات مفتوحة تعادل نفسها وتدعو إلى التوازن بين الاستراتيجيات والأفكار غير المتبدلة أو بين الإله ومفهوم الإله في العقل البشري أعقبها ما بعد - بعد الحداثة. وكانت تعمل جهدها لفرض أسطورة يمكن للعقل المادي والتاريخي أن يقبلها.

ومثل هذه التوأمة للميتافيزيقا مع الإدراك المحدود قاد الإسلاميين إلى تعريف النهضة من خلال متحولين:

- تحولات اللامتناهي والتي يسميها ماجد الغرباوي فعلية الأحكام (2). فالأحكام كما يرى تتغير بتغير الموضوعات. مثل العبادات وغيرها من التشريعات كقضايا المرأة في الإرث والحقوق الشخصية ومأساة قوامة الرجل عليها مطلقا، ففعلية أي حكم تتوقف على فعلية موضوعه المتوقف على الشرط والقرائن والمقدمات. وأوضح مثال على ذلك الجهاد. إنه لدرء الحرابة. أو للدفاع عن النفس. فإن لم يكن هناك حرابة لا يوجد تشريع موجب للدعوة إلى الجهاد.

- ثم تحولات المتناهي فالدين غير التشريع.

لقد تأثر الإسلام العربي بالوضعيات. وجزأ الفكرة إلى عقل محض وعقل تطبيقي. وهذا جعل أمام النهضة نطاقا أوسع للتراكم والتطور. بحيث أن كل ما هو غير سلفي يكون بالضرورة نهضويا. ولذلك إن بدايات الانهيار في الاقطاع العثماني هو بداية عصر النهضة أو الإصلاح.

ويعتقد الغرباوي أنه يتزامن ليس مع الدعوة إلى التحديث والانفتاح على فتات الترتيب الهرمي للمجتمع في السلطنة وإنما مع الدعوات المتتالية للثورة على نظام الأب الإله، والمناداة بوضع دستور.

إن الدستور هو بداية فجر النهضة عند العرب. وهذا عنده يبدأ من منتصف القرن التاسع عشر وحتى بدايات الحرب العالمية الأولى. يعني منذ ظهور بوادر تفكك واختراق حدود الامبراطورية في الشرق (مصر وأفغانستان وإيران - وهذا يتوافق مع بروز شخصية الداعية جمال الدين الحسيني المعروف بالأفغاني) وحتى سقوط الامبراطورية وإعلان معاهدة سيفريس وتأسيس الجمهورية في تركيا. وبروز شخصية الداعية محمد حسين النائيني. وكلاهما من أعمال الدولة العثمانية وليسا من دائرة الثورة العربية الكبرى أو تمهيداتها. وهذا أول فرق في هوية النهضة كما يراها القوميون والإسلاميون. وهو فرق نوعي. بدليل أن مفهوم الثورة تأخر في الدخول إلى وعي الإسلاميين.

ولا ضرورة لتفسير هذه الاختيارات. فالفكر الإسلامي منطقيا يتأثر بما يجري في أقاليمه الأساسية ولذلك لم يكن للتحول في العقل العربي دور سيادي. وإنما العكس، كانت التحولات في العقل الشرقي هي المحددة.

وهذه ملاحظة جديرة بالاهتمام. أن تكون النهضة مدينة للحواضر أو لنظام البلاط بانطلاقها وليس لعقل العرب البداة مع أنهم أول من نشر الدعوة.

لا أستطيع أن أفهم لماذا اهتم القوميون بالحدود والفواصل ولماذا كانوا مولعين برسم الحقول التي تتحرك فيها شتى المدارس.

فقلة اهتمام الإسلاميين بهذا التصنيف يتلاقى مع عدم توقف الليبراليين عنده.

إنهم لا ينظرون إلى النهضة والتنوير كأحداث موسمية، ولا يضعون بينها فواصل كما يفعل غيرهم.

وإذا كان لا بد من مثال، إن سعد رحيم ينوه إلى تداخل هذه المفاهيم (3). ويرى أنها تختلط في بوتقة واحدة مع الاصلاح الديني والحداثة. وهي كلها تستعمل لتسمية الشيء نفسه ص 6.

حتى أنه شخصيا يقفز من فوق هذه المصطلحات ويدمجها مع ظواهر عامة مثل اليقظة التي يؤكد أنها لا تختلف عن إصلاح الدين ص 8. وتقف على مسافة من النهضة والتنوير. ولكنها تؤشر على بدايات فكر المدينة وما رافقه من تغير في العلاقات وأدوات الانتاج. ص 8.

والواقع أن سعد رحيم نموذج مثالي لتفكير الليبراليين. فهو يتعامل مع المفهوم كنشاط أفكار.

ولذلك رأى أن النهضة سبقت التنوير الذي يسميه الأنوار. جريا على عادة المؤرخين في الغرب.

أما النهضة نفسها فهي ليست بسيطة وإنما مركبة. وتتألف من مرحلتين :

الأولى تبدأ مع الطهطاوي وتنتهي بمحاكمة علي عبد الرازق وطه حسين.

والثانية تبدأ من طه حسين نفسه وتنتهي بهزيمة حزيران.ص 29.

ولا يمكن أن يخفى تدوير المصادر في فكرة وتعريف سعد رحيم. فالنهضة الأولى هي مصرية مائة بالمائة. والثانية عربية لها أفق قومي وعسكري.

ويمكن أن ترصد في هذا التحقيب عدة سمات:

1- النهضة مروية حضارية. تتألف من وحدتي سرد. انبعاث وموت وإحياء. وكأنها أسطورة تموزية بإطار فرويدي لها حدان متعاكسان: الموت و القيامة و التي يطلق عليها التموزيون اسم الانبعاث. فإذا انتهت النهضة الأولى بالمحاكمة فإن الثانية انتهت بالإدانة. وإذا بدأت الأولى بتسويق الأفكار بدأت الثانية بالشك بالسرديات الكبرى وفي المقدمة مؤسسة الشعر الجاهلي. ديوان العرب. الأمر الذي يضع كل جذور العرق العربي موضع الشك ويتهمها بالتلفيق.

2- وهي أيضا نتاج نقل للأفكار. ولا سيما ماكينة أفكار العقل الإمبريالي. فقد بشر الطهطاوي بالحضارة المتوسطية بينما طه حسين مهد للفكر الهيليني البطليمي.

3- ويغلب على هذا التفسير أنه فكر أزمة. وله حبكة لا يمكن أن تنفرج. وهي ذات نهايات مفتوحة على التراجيديات المحلية. مقابل الأبعاد التربوية لنظرية القوميين والبعد الإصلاحي عند الإسلام المعتدل.

4- وهو تعبير عن البلبلة العقائدية للشباب. وللأسف لم يتوسع سعد رحيم في هذه النقطة. وأغفل اسما هاما من الموصل هو يونس السبعاوي الذي يعتبر رائدا هاما للنهضة قبل الحرب العالمية الأولى. وهو من بين القلائل الذين اهتموا بأنوار المشرق وليس بالغرب الاستعماري. واتصل بالسلطات الروسية للحصول على منابع العلم والقوة العسكرية (كما يقول خلدون الحصري)(4).

ويضاف لذلك أنه ينظر الى النهضة كمروية لها سياق تركي وعربي.

ومثل هذا العزل بين الطرفين تتخلله فراغات، فهو يضع الأفغاني مع العرب. ولا ينكر أنه داعية أصولي اختصر مهمته في التبشير بأممية إسلامية ثالثة. بعد الإسلام العربي والتركي. وبإحياء الهوية الإسلامية الأصيلة بعد تخليصها من الشوائب.

وكأنه نسخة إسلامية من (غربال) ميخائيل نعيمة لفرز التجديد والحقيقة من الوهم والخرافة.

ولا أعتقد أن هذه المشابهة غريبة على تفكير سعد رحيم. فهو ينظر للنهضويين كجيش أو ميليشيا من الأدباء الذين قدموا فكرا تجريديا لإعادة تشكيل الذهن الإسلامي. وكان واضحا في انحيازه للجانب المعرفي من النهضة وعدم إسقاط الهم السياسي عليها، فقد نقل عن محمد عبده أنه لعن السياسة والسياسيين ص 90. وقاده ذلك لإضفاء طابع غامض وتصوفي على أئمة ومشايخ النهضة. ولا سيما الأفغاني ورشيد رضا.

الأول لأنه مجهول الهوية ولأنه لعب دورا مشكوكا بنظافته في كواليس عدة دول. ولم يبق إلا أن يقول إنه لورنس عرب آخر. أو جاسوس أعجمي لديه وظيفة تخريبية. من مكائد ومؤامرات ص 19.

والثاني لأنه أصولي محافظ وسليل خط ابن تيمية ومحمد عبد الوهاب. وتزمت ابن حنبل. ص 21. وهذا الثالوث إذا اجتمع في شخص لا بد إلا أن يكون تمهيدا للسلفية المعاصرة وليس الاتجاه الديني النهضوي المستنير.

مثل هذه الملاحظات اقترنت أيضا بتحديد كل الفضل في النهضة في العنصر غير العربي.

ولا سيما حر ب نابليون على مصر وتولي محمد علي للحكم.ص 24.

إن محمد علي أصلا هو بمثابة فيليب العربي. لقد حكم مصر لأنه مسلم مثلما حكم فيليب روما لأن والده من التبعية الرومانية.

لقد كانت النهضة العربية عند الليراليين مفصلا هاما في تجديد العقل ولكن هذا لا يلغي حقيقة أنها مختلطة المصادر، وتدين بوجودها لضعف الامبراطورية العثمانية أكثر مما تدين لوعي العرق العربي. ناهيك عن تململ الأديان والمذاهب التي تمنعها الدولة.

ولا يمكنني أن أشك لحظة واحدة أن من حمل أعباء النهضة من المماليك ومن الشعوبيين غير العرب أو الأغيار. أضف لذلك العامل المسيحي الذي عبر عن طموحاته ونفسه بتيارين: حركة نزوح إلى المهاجر نجم عنها تفريغ جغرافي وسياسي. والمناداة بالثورة وتبديل العلاقة مع الدولة.

وكل هذه العوامل زادت من مساحة الأسرار أو الأصح الجانب الأسطوري من أبطال ونجوم النهضة. وضاعفت من الموقف الوجودي لصراع النخبة مع النظام.

لقد كانت النهضة موقفا من العالم قبل أن تكون اكتشافا للذات.

إنها تجسيد فلسفي لتجليات الوعي الثوري بعوامل الضعف والسقوط والفوضى. أو كما يقول سعد رحيم وعي بانحلال المعرفة وتحويلها وتبدل في قواعد الإبستمولوجيا ص 24.

عموما يشكو مشروع النهضة العربية من عدة عيوب أساسية.

الأول في المنهج. كيف يمكن أن نبدأ بالنهضة قبل التنوير. فالمنطق يستدعي التخلص من الفكر الظلامي وقانون التجهيل والتخلف (أو الأنوار والاتصال بالحضارات الحية – الغرب في هذه الحالة) ثم الانتقال للدعوة إلى الإصلاح لتأسيس نهضة ملموسة ذات ثمار.

العيب الثاني هو الاتفاق على قراءة اجتماعية لهذه الحركة. فالشرابي والغرباوي يعتقدان أن الإصلاح حملت لواءه طبقة من النخبة أو الأنتلجنسيا التي لها حظ وافر من التعليم والمعارف. بينما يعتقد رحيم أن النهضة هي اختراع الطبقة المتوسطة. وكأنه انتقام طبقي من مجتمع القنانة السابق والإٌقطاعيات التي احتكرت كل شيء. ويذكر بالحرف الواحد: إن مشروع النهضة هو نتاج الطبقة المتوسطة الصاعدة. ص 53. وهي نفس الطبقة التي اضطر لرثائها بعد دخول اليقظة القومية في مرحلة الاستقرار ثم الجمود. وتحولها إلى تروس صغيرة (العقب الحديدية التي تكلم عنها جاك لندن). لقد كان مصير هذه الطبقة تراجيديا في الفترة التوتاليتارية.

وهو ما يضعنا أمام انتكاسة على الصعيدين العسكري والاجتماعي. قاد إلى اضمحلال حامل النهضة وبالتالي موت مشروعها.

وإذا كانت الإمبراطوريات الأساسية قد هضمت العقل الحديث وألحقت به الذوبان. وهو ما يعرف بأزمة موت الإيديولوجيا. نحن دخلنا في غيبوبة للوحدات السردية الكبرى ( باعتبار أن تاريخنا سردي بعد سقوط المشروع الإسلامي ولا علاقة له بالإنتاج والعمل بتعبير حمزة عليوي) وشرعنا بالانحدار في مرحلة لك أن تسميها: موت النهضة أو موت التنوير.

والواقع أن التفسير الطبقي هو نصف الحقيقة. فالنهضة بالإضافة إلى أنها ثمرة مجهود المحرومين من أبناء الفئات الصغيرة. هي أيضا ثمرة تجليات الوعي العرقي. ويقظة أبناء الأقليات لواقعهم المتدني في مجتمع منغلق على نفسه وبطريركي. تحكمه سلالات وعلاقات دم وأواصر قرابة. بمعنى أنه مجتمع عشائري.

وهذا يجعل الصورة معقدة قليلا. وتفسيرها يحتاج لنظرية في علم اجتماع المعرفة. وربما لهذا السبب هيمنت علينا ولحوالي نصف قرن إيديولوجيات إشتراكية في إطار "قومجي".

ويتوقف سعد رحيم عند هذه النقطة التي يرى أنها خلل فاحش في بنية وآلية العقل ذاته. ويتهم الفكر القومي أنه كان رومنسيا وحالما ويبني كل شيء على افتراضات ليس لها وجود أدت إلى تخبط الدولة القومية. بينما استمد الماركسيون مشروعيتهم من الرؤية الواقعية لتاريخ له ركام هائل في التراث النظري الإشتراكي. ص 64- 65.

ومن وجهة نظري هذا التحليل منحاز وموسمي.

بمعنى أنه يناصر الإشتراكية الأممية وينظر إلى العقل القومي وهو في مرحلة الانحطاط وليس الصعود. وبالضبط حينما تحالف مع اليمين والرأسمالية الشرقية بوجهها البدوي الإقطاعي للاحتفاظ بالأرض لأطول فترة.

لقد كان الخلل برأيي في مشروع النهضة ذاته. يمينه ويساره. فهو مشروع نهضة تخلف مثلما كانت اشتراكياتنا تميل للتعامل مع واقع الانحدار والفساد.

وأية قراءة للواقع النهضوي بكل أجياله ونسخه تحمل وصمة عبادة الأب. سواء النظام أو المرجعيات التي لا تحتمل لا النقاش ولا المداولة.

فأحزابنا الشيوعية كانت مجرد مديريات لتنفيذ قررات خطط لها السوفييت.

وإلا لماذا فشلت التجربة الماركسية في اليمن الجنوبي.

وأجد أن التدهور هو صفة بنيوية في العقل العربي الذي أنتجه مجتمع الهزيمة. والإشارة هنا لهزيمة 1921 أمام سايكس بيكو. ثم هزيمة 1948 أمام الانتداب البريطاني لفلسطين. هذا غير السقوط المخزي عام 1967.

وكل إفرازات حروب المائة عام بين تفكيك الإمبراطورية العثمانية وموت فكرة الوحدة العربية قاد جميع الأحزاب والتيارات إلى الإفلاس.

فالإخوان المسلمون خسروا جمهوريتهم الثانية في مصر. والبعث تحول إلى نوع من الروتين العقائدي مع استعمال أدوات فاشية (ولنتذكر صدام حسين وعلي عبدالله صالح). والشيوعيون انقسموا إلى اتجاهات محلية تحمل أمراض التخبط القومي. لقد خرجوا من مشروع النهضة بكل سهولة وراهنوا على الديمقراطيات الغربية. وحاليا في سوريا ثلاث اتجاهات تعمل على الأرض دون أي رصيد ملموس وهي: الشيوعي السوري بعقليته الكلاسيكية. والشيوعي الموحد والإرادة الشعبية الذي يدير قواعده من موسكو. حيث يعيش مؤسسه وأمينه العام.

العيب الثالث والأخير مصدره العلاقة بين الإلهيات والعقل. لقد كانت النهضة العربية ذات طابع خجول. لم تكن راديكالية بما فيه الكفاية. ويغلب عليها مشكلة في التجسيد. فالتوحيد لم يقتصر على صياغة مفهوم الأب المعبود فقط ولكن أيضا إسقاط كل حواشيه وصفاته لدرجة التماهي. وكأن للإله عند المسلمين صورا بمثابة رموز تنوب عنه. وهذا لم يساعد أحدا في تنمية وتطوير الوعي بعزل الصفات. أو ما يمكن الإحساس به وما يمكن إدراكه فقط.

ولذلك كانت النهضة العربية تحمل موبقات الانحطاط كله. وتذكرنا بآخر عهود المملكة السورية القديمة التي عبدت الملك وتسببت بسقوط الدولة وفتح الباب للاستعمار.

وهذا ما حصل مع النهضويين. لقد تخلصوا من الإمبريالية التركية ليسقطوا ضحايا في حفرة إمبرياليات غيرها تختلف معهم في العقل وأساليب الفهم والإدارك.

 

د. صالح الرزوق

.......................

المصادر:

1- هشام شرابي المثقفون العرب والعرب، دار النهار، بيروت، 1981.

2- ماجد الغرباوي. دعوة لإنقاذ الدين من سطوة الفقهاء. المثقف. عدد 2962. خميس 16-16-10 - 2014.

3- سعد محمد رحيم، روافد النهضة والتنوير، منشورات دائرة الشؤون الثقافية العامة، بغداد، 2015.

4- الأفكار السياسية ليونس السبعاوي. من أرشيف الحلقة الدراسية الخاصة عن الحياة الفكرية في المشرق العربي 1890- 1939 . الجامعة الأمريكية في بيروت. 29-31 أيار. 1979.

 

mustafa alomariيعتمد العقل احياناً على مقاسات جاهزة ومشاريط حادة، تتخذ لها مكاناً مرتفعاً لكي تراقب كل من يمشي على الارض او من يروم الانعتاق من هذا العالم الكبير، هذه العقول تحمل ادواتاً حادةً وقاتلة مهمتها الانشغال والترقب من اصدار منتج جديد يحرك العقل ويزيح التالف من القديم. وبين تزاحم الفكرة وقيود التفكير تتبخر معظم الخلايا العقلية، فتهجر مكانها الحقيقي وتترك خلفها صخرةً لا تقوى على النمو او الحركة . النتيجة معروفة، حتى لمن لا يملك عقلاً واعياً، وهي : يجب ان ترحل طاقة التفكير والتأمل ويبقى الوعي الوراثي الميت الحاكم منذ زمن بعيد .

في رحيل العقل الحي المتسائل وبدورة غير كاملة وغير ناضجة يتم اعتماد العقل المغلق الميت، فتنتج الازمات والكوارث وترتفع الدماء الى حيث الله والسماء، ويبقى السؤال الازلي ملحاً على الذهن دون الاقتراب من الجواب، ماهي اسباب الانحطاط والتدني في المجتمعات العربية والاسلامية ؟

وتستمر التبريرات المختبئة خلف سياج المعرفة واسم الدين، تستمر في تشغيل ماكنة الضخ المفرط في ملء عقول الناس بالهابط من الرأي والسفيه من القول . مازال العقل المنتفع الماكر يحاول بناء سياجٍ فاصلٍ بين جمهوره وبين الفكر او اللامفكر فيه، ويستمر بالتحذير من الدنو او الاقتراب من ثقافة وانسانية ودين الاخر، هذا يعني اننا لسنا من الصبح بقريب ولازال سجى الليل يؤرقنا برؤياه المخيفة وشخيره المرعب .

اغلب المجتمعات العربية تبحث عن الله، وتحاول الوصول اليه، لكن هذه الاغلبية غير مدركة ان البوصلة التي تهتدي بها الى الله معطلة لايمكن ان تهتدي الى متر واحد نحو الله مالم تحرك العقل الذي وهبه الله لك. غاب عن منظور الاغلبية ان الله هو فضاءات هذا الكون والذي يريد ان يصل اليه يجب ان يعبر مسافات ويقطع حدوداً ويهجر موروثاً ويطمر مخلفات . الذي يريد ان يسافر نحو الله والعقل يجب عليه:

1- يحمل جوازاً عالمياً، هذا الجواز هو الحب لكل عباد الله

2- ان يتخلى من ثقل الموروث الذي عُبئ من خلال العقل الميت

3- المساهمة في احياء الارض وما عليها

4- الابتعاد عن الخوض بكل ما وراء الطبيعة او مابعد الموت وحجز مقاعد وفنادق في الجنة

5- ليس للاموات قيمومة على الاحياء الا ماينفع الحياة البشرية، كأن تكون نظريات علمية او اختراعات قابلة للتطور

6 عدم تقديس اي انسان حياً كان او ميتاً، لأنه قابل للمساءلة والمفاتشة

بالوقت الذي انقد فيه العقل الميت واطالب بالتحرر منه، يجب ان اعترف، ان هناك وعياً مضمراً وثقافة تساؤل كبيرة في اوساط المجتمع العربي الاسلامي،المجتمع الذي كان يخشى من السؤال ويعده انتحاراً على ابواب الفقيه، صار يجرؤ لكي يرد على كل فقيه لا يراعي حرمة العقل والمجتمع .

قبل فترة قصيرة جاء رجل دين مشعوذ خرافي الى امريكا، خطب بالناس قال لهم ان الامريكان كفار وامريكا بلاد كفر، الامر لم يمضي كما توقع هذا المخرف قام له احد الجالسين ورد عليه بقوة .

أُعوّلُ كثيراً على ذلك الوعي الساكت الان، لكني اطلب منك انت ايها الواعي ان لا تطيل السكوت فالمرحلة خطرة وسريعة الجريان .

 

مصطفى العمري

fatima almomani«سكت فقالوا׃هدنة من مسالم وقلت׃ فقالوا ثورة من محارب» .. البشير الإبراهيمي

تـعتبر مسألة التنوير من بين المسائل التي شكلت هما فلسفيا، لأنها تتميز بكونها تحول جذري على كافة المستويات في المعرفة، في فهم الإنسان، في تصور الطبيعة، وفي معنى التاريخ...إن التناول الفلسفي لمسالة التنوير بالنظر إليها كظاهرة عقلية تحتاج إلى تمثل واع إزاء أفق جديد يبحث عن ظهور نظرية نقدية انتهى بها مفكرو وفلاسفة التنوير إلى نتيجة تفضي للانسحاب من الدعوة إلى إنقاذ الفرد من الانحطاط من خلال مشروع اجتماعي، لان سلطة الحداثة التقنية أصبحت محايثة لكل تغيير ولكل تطور.

هذا المشروع التنويري يحاول من خلاله استصلاح العقل وإنشاء معقولية تواصلية لا تضاد العقل بتمامه بل تنكر تسلطه فقط. إن الواقع بالمغرب العربي هو واقع مغلق لمجتمع بلا نقد وإنسان فرد لا يعي إلا ما هو مباشر وواقعي، عالم عربي قد اغتيل فيه العقل النقدي وطغت فيه حالة اللافاعلية. لكن العزم النظري الأهم الذي يحرك سؤالنا الآن هو أن نقف على حروف الإشكالي التالي׃ ماحلتنا اليوم أن نسأل عن عقل عربي يأمل من أجل الانعتاق من واقعه المأزوم المزمن إلى عالم التنوير؟ هو سؤال عن المعنى، الرهان والأزمة. فهل يمكن استثمار قيم التنوير في واقع مأزوم يعاني من إعاقة في العقل؟

إن المعنى الأكثر شيوعا يشير إلى أن التنوير « Enlightenment » هو فكرة التجدد، هو عملية التحرر من الوهم أو الاعتقاد الخاطئ بمعنى أسفر و بان نوره. كما طرح ايمانويل كانط هذا السؤال "Qu’est-ce que les lumieres «Was ist Aufklärung ? » سنة 1784من خلال مقال له في مجلة "برلين الشهرية" تحت عنوان: "ما هو التنوير؟" و فيه أعط للتنوير معنى باعتباره أحدث انقلابا جذريا ومهما في الفكر الفلسفي والاجتماعي والسياسي والاقتصادي في أوروبا׃«التنوير هو خروج الإنسان من قصوره الذي اقترفه في حق نفسه، وهذا القصور هو بسبب عجزه عن استخدام عقله إلا بتوجيه من إنسانأخر...و يقع الذنب في هذا القصور على الإنسان نفسه عندما لا يكون السبب فيه هو الافتقار إلى العقل، وإنما إلى العزم والشجاعة للذين يحفزانه على استخدام عقله بغير توجيه من إنسان أخر... و مما لا شك فيه أنّ هذا المعنى يعيد الاعتبار للإنسان بعد أن تم استلابه لقرون طويلة، إنه يعيد له قيمته ويحقق له إنسانيته، إنه شعار الحرية، في مستواها الأساسي، حرية الفكر، حرية العقل. إذ لا يمكن الحديث عن أي مستوى من الحرية دون تحقق هذا المستوى»[1].

فلو لا الثورة الفكرية التي أحدثها فلاسفة التنوير في العقول لما كانت "الثورة الفرنسية" قد نجحت واستطاعت بذلك أن تطيح بالنظام الملكي الاستبدادي المطلق الذي كان يستمد شرعيته من الكنيسة بحيث كان رجال الدين يعتمدون على المواعظ لسلب عقول المواطنين في تلك الفترة وفك مشروعية الكنيسة وكل الأفكار الطائفية المتعصبة التي كانت تبثها في المجتمع. فعصر التنوير هو عصر "الكوجيتو" السياسي،هو « الأنا أفعل» التي يتحول معها الإنسان من "فرد" إلى "مواطن"، هذا هو" الكوجيتو" السياسي الذي حققه الوعي الأوروبي في القرن الثامن عشر، والذي تغير بعده مسار العالم السياسي. ومن ثمه يمثل هذا القرن مرحلة تحول في طريق الإنسانية نحو مفهوم واضح ومحدد للمواطنة والديمقراطية. هو عصر تحول من "أسطورة الدين"إلى"أسطورة العقل"، أو من"المقدس المسيحي" إلى" مقدس الحداثة". فكان فلاسفة التنوير يرغبون في إصلاح كل شئ من السياسة إلى الدين إلى الأخلاق الاجتماعية...عن طريق العلم بحيث كان القرن الثامن عشر هو قرن التنوير، قرن أنير فيه العقل الغربي الذي كان له عمل واضح من خلال كتابات الفلاسفة وتصوراتهم الفكرية. ويبدو أن ديكارت كان أول من استخدم مصطلح التنوير بالمعنى الحديث، فهو يتكلم مثلا عن النور الطبيعي، الذي يقصد به مجمل الحقائق التي يتوصل إليها الإنسان عن طريق استخدام العقل وحده.

لعل ما يميز التنوير هو نفوره من كل مماهات و تنميط. فالتنوير ثورة مستمرة وتجاوز مستمر وحركة أشكال لا تنتهي أي هو في جوهره نفي مستمر وتجديد من أجل التجديد. إن المحاولات لصياغة خطاب التنوير في المغرب العربي، غاية لتنظيم المجتمع بواسطة الحقوق، بواسطة القانون. فمن قيم التنوير الحرية، المواطنة، المساواة، العدالة....كل هذه المفاهيم مثلت شعارات القرن الثامن عشر، قرن التنوير الغربي.

في الحقيقة فكر العرب في التنوير كثورة قائمة أساسا على العقل، عقل لا يعرف بأنه مكسب بل بالعكس يقوم بتحطيم كل الأشكال التنظيمية الاجتماعية والسياسية في المقابل العمل على الإصلاح عن طريق تطوير العلم والتكنولوجيا. إن اندماج العرب في العالم التنويري يتطلب منهم الوعي والتحرر من العمى الإيديولوجي بهدف الاتفاق الجماعي بعيدا عن الانقسامات التي تهدد وحدتها.

إن مغربنا العربي لم يعرف إلا التنوير المهمش، مثل إرهاصات النهضة في أواخر القرن التاسع عشر، على أساس أنها تحمل قيما في الفكر والحضارة،وحتى النهضة التي قام بها محمد علي في مصر لم تتغلغل في ثنايا المجتمع في تلك الفترة، وبهكذا شكل يقول محمد عابد الجابري بأن كلمة النهضة ترمز إلى واقع قد تحقق بالفعل في أوروبا أما عند العرب فقد ظل مشروع، وبالتالي نرى أن العصر الذي مورست فيه نقد للذات العربية و أرادت أن توجد فيه نظاما من القيم والتوجهات التي تحاول أن تشد الإنسان إلى عصره و من ثمة الانتباه إلى حجم الهوة بين العالم العربي والعالم الأوروبي والذي استطاع بناء تجربته الإحداثية بشكل جعلها لم تبق أسيرة الشعارات السياسية أو الخطابات اليومية كما هو عندنا إذن إن الحراك الثقافي والسياسي الذي مارسوه المفكرون العرب في ذلك العصر وهو ما جعل بعض المفكرين يصفون تلك الفترة بأنها شهدت ظهور دعاة إصلاح أطلقوا أفكارا وكانت مقتصرة على فئة معينه. بحيث ظلت أحلام تنتظر التحقق.

لم يعرف العرب أيضا إلا ثورات مع تأجيل التنفيذ(الثورات العربية أو ما تعرف بالربيع العربي). وفي هذا الإطار يقول محمد أركون في كتابه" الإسلام ونزعة الانسنة في الفكر العربي جيل مسكويه والتوحيدي": «لكي نخرج من أزمتنا ومأزقنا التاريخي.. لابد من مرحلة تنوير تضيء تراثنا الديني بمناهج حديثة من أجل التصالح مع الحداثة الكونية، لكن مشكلة النزعة الإنسانية في الفكر العربي.. قديمه وحديثه.. هي هذا الهجوم الشديد الذي يلاقيه من يحاول مس المسألة بعمق أو حتى سطحيا.. فقد تعرض طه حسين حديثا لهجوم أخذ به الرجل ولم يترك حتى تراجع.. أو ادعى التراجع.. تفاديا لعواقب تنتظر كل من يحاول خلخلة هذا الثقل الفوق إنساني في الثقافة العربية.. وربما يكون الأمل هو في تلك القوانين التي تحكم اتجاه حركة التاريخ.. تتوقع بها النتائج طبقا لمقدمات مشابهة حدثت من قبل».[2]

ما نص عليه محمد أركون من خلال كلامه هو دعوة إلى إحداث ثورة عربية عقلية أخلاقية من أجل الانعتاق من المأزق العربي المزمن...دعوة لبناء مستقبل تنويري...بناء عالم عربي جديد بعقل يحارب كل أشكال الجهل والتسلط. هذه الثورة تمكنا من محاربة كل الأزمنة التي حكمت علينا بالانحطاط السياسي والأخلاقي هو صراع من أجل الاعتراف بالأفكار لا بالأجساد. هو التشوق إلى طعم الحرية و الانعتاق من سجن الظلم. دعا المفكرون العرب الى التنوير بوصفه دعوة للتحديث الحياة الاجتماعية والسياسية.

إن ظهور فلسفات ما بعد الحداثة هي إعلان لنهاية عقل قديم وانبثاق عقل جديد قادر على التمثل والصمود أمام الواقع المأزوم. عقل يسعى أن يكون السيد في وطنه. ورأت في العقل هذه الفلسفات الوجود الحقيقي للإنسان وسعت إلى تحرير الحضارة من وصاية الكنيسة والنزعات الغيبية والخرافات وأمنت بتقدم الإنسانية عن طريق العلم.

و في نفس الإطار يرى ايمانويل كانطأن الطريق للثورة ليس بوصفه الطريق الصحيح بحيث يأمل إلى تغيير اتجاه العقول وذلك بالاعتماد على التربية العقلية والنقدية ويسمح للوجود الإنساني باجتياز سجن الأحكام المسبقة ويصبح الفيلسوف هو الإنسان المتأمل الذي يثير القلق في صميم طمأنينة العالم ويتطلع إلى الوجود بأسره ويستوعب الأزمنة كلها. ومن ثمة ضرورة ربط الحداثة بالفكر النقدي الذي يهدم وغايته التأسيس، بغية تحطيم العقل الخرافي وسلب قدراته من أجل الانعتاق بالتنوير ضد الفكر الذي أدى إلى فشل التنوير بالمغرب العربي. فنقد التنوير هو نقد العقل ذاته أي نقد الأسس الفكرية و الإيديولوجية التي يستند إليها الواقع.وهو مادعا أدورنو إليه في استخدام العقل في مجال جديد هـو نقد العقل نفسه في استعماله كبنية اجتماعية للسيطرة والقمع.

فالعقل هو الموضوع الأساسي للفلسفة بمعنى ׃«يشكل في الوقت نفسه الأداة المشتركة التي تستعملها الأنساق الفلسفية بهدف التفكير في الكائن وتفسير مختلف التجارب»[3].

بدأ التنوير العربي بأفكار فردية ظهر بها جملة من المفكرين و المناضلين السياسيين ورجال الدين العرب كرفاعة الطهطاوي، محمد الطاهر بن عاشور، الشيخ محمد عبده، جمال الدين الأفغاني، محمد البشير الإبراهيمي...فكانوا من خريجي المؤسسات الدينية كالزيتونة بتونس، الأزهر بمصر...وغيرها. كانت غايتهم واحده ودعوة واحده من أجل تبنى أفكار تحرير الشعوب العربية من الاستعمار، وتحرير العقول من الجهل والخرافات على ضوء ثقافة المجتمع العربي الإسلامي. من ثمة كانت نزعتهم التنويرية مقترنا بدعوتهم إلى إصلاح العقيدة وبناء إنسان جديد باتخاذ التعليم وسيلة لتحقيق ذلك. كانت غاية النخبة التنويرية للعرب في الأول إصلاحية همها البحث في الهموم الوطنية والتقرب من مختلف الشرائح الاجتماعية بالاعتماد على خطاب بسيط أساسه العدالة الاجتماعية. لكن ما نشهده في منتصف الثاني من القرن العشرين أن أغلب السياسيين يتسابقون على السلطة وهمهم هي المناصب وتصبح مقاصدهم وممارستهم ملوثة.

لكي نتحدث عن مجتمع عربي حديث تفترض ضرورة تحديد مبدأ عام، مقياس عام لتعريف التنوير. لذلك التنوير ليس تعبيرا خالصا، وهو ليس تلاحق لأحداث بل يشير لمنتوجات تخص النشاط العقلي والعلمي... لكن إن فهم نشأت هذه الأفكار التنويرية التي هي بحاجة إلى مساءلة نقدية حول فكرة التنوير، مساءلة تعود إلى تثبيت جذور هذه النشأة.

لكن في وقتنا الراهن هناك مشكلة تربك نشوة ذلك المطلب. هو مشكل الثورات العربية التي عرفتها جملة من الدول العربية والتي أطلق على تسميتها باسم الربيع العربي.الربيع العربي هي مرحله شهدتها كل من تونس، مصر، ليبيا، اليمن و سوريا. هذه الثورات كانت نتيجة لتفاقم أزمة البطالة وعدم وجود العدالة الاجتماعية وتفشي الفساد داخل النظام الحاكم وعدم شرعية الحكومة...ثم غياب كلي "للحرية السياسية".. احتجاجا على سياسة القهر والتهميش،هذه الثورة حدث كان بمثابة القطرة التي أفاضت الكأس وزادت من غليان وغضب الشعب التونسي كانت لحظة صمت تحولت إلى لحظة غضب في قلب كل تونسي غيور على وطنه...ما كنا نعيشه في تونس من تهميش واستبداد من النظام الحاكم حيث كانت تونس مقتصرة على فئة معينه من الطبقة الحاكمة. الثورة التونسية والتي تعرف بثورة الكرامة أو ثورة الأحرار أو ثورة الياسمين التونسية في وسائل الإعلام، هي ثورة شعبيه بالأساس قادها شباب أحرار ولا يوجد لأي حزب سياسي، هذه الثورة كانت مستمده من قلب كل ثائر تونسي . و ما تعيشه اليوم تونس من نقله سياسيه جعلها تتقدم في تحسين الأوضاع شيئا فشيئا بخط حثيثة من رغم من وجود العديد من المعوقات التي تحيل دون اسمرار نجاحها..أليس شعب تونس هو من سجل في التاريخ العربي هذه الكلمات..إذا الشعب يوما أراد الحياة ..فلابد أن يستجيب القدر.

لكن في المقابل، عرفت الثورة التونسية ثورة مضادة بدأت مع منطق التناقض. و من أبرز الأحداث التي شهدتها تونس وكانت سبب في أرباك الوضع السياسي هي الهجمات السلفية منذ عامها الأول 2011. و في تلك الفترة ونحن نعيش «le temps des émeutes»[4] "زمن الشغب"، عرف جملة من الصعوبات (اغتيال..انفجارات بجبل الشعانبي..ذبح..تهديدات للأمنيين ورجال السياسة...الخ)، وكانت بمثابة العودة إلى الوراء. فما يعاب على هذه الثورات أنها قد تكون حاملة لمشاريع ثورية لكنها خاوية من البرامج الثورية. و الحق أن ما نعلمه من دروس التاريخ أن الثورات لا تأتي بشكل منظم ومرتب و إنما تأتي نتيجة انفجار شعبي ثم تتبلور بعدها القوى السياسية التي تستطيع أن تستغل هذه الظروف.

ما انتهت إليه تونس اثر الانتخابات هو انتقال ديمقراطي أو تحول في المجتمع والنظام السياسي. لكن هذا التحول في عمقه عرف ضعف نتيجة وجود عراقيل عطلت هذا المسار الديمقراطي ومن ابرز الأسباب هو التنافس الحزبي والسياسي بين قوى المعارضة وما تضمنته من تغليب المصالح الخاصة على مصلحة المواطن والوطن. وبرغم ما شهدته البلاد التونسية من أوضاع حرجة فإنها مثلت استثناء بين بلدان الربيع العربي.

ما عرفته الثورة المضادة بالبلاد التونسية أدى إلى تعرقل الأمور من كل جوانبها (السياسية، الاجتماعية، الاقتصادية...) لتخلق حالة من التداخل لا تخلو من أبهامات وايهامات. فعرفت بالتالي ثلاثة حكومات متتالية׃ حكومة مؤقتة ثم حكومة الترويكا وصولا إلى الحكومة الحالية المنتخبة أملا من خلالها الولوج إلى بر الأمان و الغاية بناء تونس جديدة، تونس الديمقراطية وذلك يكون بتحقق معنى الحرية.

الحرية في العالم العربي ليست موضوعا يمكن أن تعمل دون عائق أو عقبة، وتسمح له بتحديد بشكل مستقل أغراض العمل والوسائل لتحقيق ذلك.وكما قال مونتسكيو في كتابه De l’esprit des lois(1748)، يوجد نوعان رئيسيان من الحرية׃"الحرية الفلسفية"، التي تكون في ممارسة الإرادة، و"الحرية السياسية"، والتي تعني حقوق المواطنين داخل المجتمع׃»الحرية هي الحق في القيام بكل ما يسمح القانون؛ وإذا كان المواطن يستطيع أن يدافع على ما يفعله كان يمكن أن يكون أكثر حرية، لان الآخرين سوف تكون لديهم نفس السلطة»[5]. بمعنى أن شرط تأسيس التنوير هي الحرية. ويقول كانط في نفس المعنى׃«بالنسبة للتنوير فلا شئ مطلوب غير الحرية، بمعناها الأكثر براءة، أي تلك التي تقبل على استخدام علني للعقل في كل الميادين. إلا إني أسمع ألان وفي كل اتجاه من حولي صيحه تقول׃«لاتفكروا». فالضابط يقول׃«لاتفكروا...عليكم أن تنفذوا... »، والمسؤول المالي يقول׃« لا تفكروا عليكم أن تدفعوا». ورجل الدين يقول׃«لا تفكروا عليكم أن تؤمنوا» (هناك سيد واحد في العالم يقول׃« فكروا قدر ما تشاءون ولكن عليكم أن تطيعوا. في كل مكان يوجد تحديد للحرية. ولكن أي تحديد يناقض التنوير؟ وما هو التحديد الذي لا يناقضه بل والذي يمكن أن يكون لصالحه؟ أجيب فأقول إن الاستخدام العام لعقلنا لا بد أن يكون حرا في جميع الحالات، وهو الذي يستطيع وحده أن يأتي بالتنوير إلى البشر غير أن استخدام الخاص لعقلنا لا بد أن تخضع لتحديد صارم جدا دون أن يكون ذلك من الموانع المحسوسة في طريق التنوير».[6]

كما تميز عصر الحداثة بإضفاء قيمة عملية جوهرية على وضعية الإنسان في المجتمع من الناحية السياسية والاجتماعية والاقتصادية. فهو صاحب الإرادة الحرة، والفاعلة في المجتمع والسياسة والاقتصاد، بل وفي مسار التاريخ. فقد تراجعت الفاعلية الدينية لصالح الفاعلية الإنسانية. كما تراجعت سلطة الكنيسة لحساب سلطة المواطنين. فقد «كانت هناك نظرة تأسيسية جديدة للعقل عليها انبنى التفكير السياسي الخاص بالحريات السياسية وبنمط الحكم الديمقراطي»[7]

لايزال التنوير يمثل ضرورة برغم أنه السبب في تحول العالم إلى سلعة تجارية في يد العولمة الرأسمالية. وهذا ما يهدد قيم التنوير التي أكد عليها فلاسفة التنوير كفولتير، روسو، ديدرو، كانط، هيجل...لكن ما نلحظه إن قيم العدالة أصبحت مهدده لان الإنسان نفسه تحول إلى سلطة تجارية تباع وتشترى، وهذا أصلا منافي للقانون الأخلاقي الذي أكد عليه كانط الذي ينظر للإنسان كغاية في ذاته. إي ما ينبغي عمله دون قسر أو إرغام، فيأخذ الإنسان نفسه بما يمليه القانون الأخلاقي، وهو عند كانط له صلة بفكرة الواجب و أساسه حسب نظره الحرية واستقلال الإرادة. ومن جهة أخرى دأب أغلب مفكرو "مدرسة فرنكفورت" بدعوة الإنسان الحديث للخروج من سلطة الحداثة التقنية المحاطة بكل عناصر الاستلاب التي تفرزها ثقافة الخطاب والمجتمع "ذو البعد الواحد" حسب هابرماس ماركوز.

إن النقد يمكن أن يتبلور من خلال ذات جماعية خاصة نقد يرتبط بالمجتمع إذ يفهم على أساس دعوى إلى التحرر، انه يفهم تحديدا ضمن مشروع يهدف إلى تغيير المجتمع׃ نقد يفضي إلى تثبيت أسباب معاناة الأفراد فيما تنتجه ثقافة ما من أدوات تسلط و الهيمنة الجديدة للدولة ومؤسساتها. فإلى متى يظل حرمان الإنسان العربي من العقل التنويري تحت اسم العقل المتسلط؟ وهل سنعيش عهدا مستنيرا؟ أم في واقعنا نسير نحو التنوير؟ لكن اتضح فشل هذا الاتجاه لذلك راهنو على الفرد كعنصر ناقد، غير أن آليات التقنية لا تسمح للفرد بالنقد إلا من منطلق احتوائه، وبالاختلاف إلا من زاوية تحركه داخل دائرة الهوية. بهكذا شكل لم يعد التساؤل عن هامشية الفرد وعن إمكانية إنقاذه أساسيا بل أصبح الأمر الآن يرتكز من خلال إمكانيات إخضاع ما يشكل لا عقلانية النظام لقوانين العقل الإنساني. لكن مسيرة التنوير هذه لم تتمكن من مواصلة سيرها، وتعثرت وهي لا تزال في بداية الرحلة. فعرف التنوير في العالم العربي أزمة متعددة الابعاد والمظاهر والنتائج، ولعل هذا ما جعل البعض يتساءلون عن السبب بالمقارنة بشعوب نهضت بعدنا وتقدمت قبلنا.

إجمالا، كلمة التنوير في المغرب العربي مهما كتب عليها من تحليلات ونظريات إنها تظل أشباحا لها لذلك فهي تسبق تعليلها أو تأويلها وتبقى بعده تطفو حوله وتظل أغنى منه. التنوير ليس كلمة، و إنما هو مشروع، إحراج لأنه يقوم على التحطيم والمقارعة. و الحق أن مجتمعاتنا وفكرنا لم ينتج الحداثة ولم يعشها بل عاش مزيجا حضاريا اختلط فيه التقليد بالحداثة على مختلف المستويات وما إن بدأنا نتلمس معالم الطريق ونتعرف على هذا المزيج الغريب حتى داهمتنا موجة جديدة يطلق عليها ما بعد الحداثة.

 

د. فاطمة المـومني – تونس

....................

[1]مقال ما هو عصر التنوير؟ كانط، ترجمة يوسف الصديق، المجلة التونسية للدراسات الفلسفية، عدد 38-39، 2004-2005، ص 6

[2]محمد أركون،الإسلام ونزعة الانسنة في الفكر العربي جيل مسكويه والتوحيدي،دار الساقي بيروت، طبعة الاولى 2001، ص76

[3] نورالدين أفاية، الحداثة والتواصل في الفلسفة المعاصرة׃ نموذج هابرماس، أفريقيا الشرق، المغرب، ط2، 1998، ص 133.

[4]Alain Badiou، Le Réveil de l’histoire، Lignes، 2011، p.14.

[5] Montesquieu، De l'esprit des lois(1748)، éd. Pourrat، 1831، t. 1،chap. 3-Ce que c'est   que la liberté، livre XI، p.290

[6]مقال ما هو عصر التنوير؟ كانط، ترجمة يوسف الصديق، المجلة التونسية للدراسات الفلسفية، عدد 38-39، 2004-2005، ص7

[7]Kant، Critique de la raison pure، Translate by، N. kemp Smith، New York، St. Martin’s press، 1929، p.22-23.

saleh alrazukيتابع ماجد الغرباوي في كتابه (الحركات الإسلامية)(*) بناء مشروعه في قراءة الفكر الإسلامي. ليس من زاوية العمل والإيمان أو تحويل النظري إلى أقوال وأفعال، ولكن من زاوية علاقتها بالواقع.

إن مشروع الغرباوي لا يدعو للتجديد بمطلق المعنى ولكن لتجديد إيديولوجيا النهضة. فحجم الاتجاه التبريري عند محمد عبده والأفغاني أكبر بكثير من قلب المفاهيم أو الارتداد عليها. كانت دعوته أصلا بنية صادقة وعفوية تشدد على النكوص من عصر إلى الحلقة التي سبقته. وإن شئت المزيد من الدقة هي دعوة متأثرة بسياسة لا تجهيل العرب من أجل تحطيم الفهم الخرافي والأسطوري الفاسد للعثمانيين.

وعليه إن نهضة المعممين في العصر الذي برزوا فيه هي مجرد لعبة سياسية تدخل ضمن أول حرب باردة شهدها الشرق الأوسط تمهيدا لاجتياح عسكري.

ولمزيد من التوضيح: إن شيوخ النهضة لم يحاولوا تبديل حرف واحد في التفسير القياسي للنص المقدس. وإنما دعوا للعودة إليه.

ولذلك كانوا يقودون شعوبهم من استعمار احترقت أوراقه بسبب التهالك على الفساد وتشرذم أرجاء وأطراف الدولة. إلى استعمار لا يزال له بريق وجاذبية خاصة.

وكما قال هشام شرابي إن عبادة الأب هي إحدى أهم سمات الإصلاح المبكر وهو إصلاح إرجاع (1). وبرأيي زعماء الإصلاح في حلقتهم الأولى هم مجرد رأس الحربة التي استعملها الغرب لإلحاق أول جرح في جسم الدولة العثمانية.

ولا أعتقد أن شيئا تبدل منذ سياسة الأرض المحروثة وحتى سياسة الأرض المحروقة. فالعثمانيون الجدد في تركيا (كما يرى إحسان داغي) (2) يشترون صكوك الغفران من أوروبا الموحدة. وبالأكثر سيلتحقون بركب بقايا وفتات الاتحاد السوفياتي.

فإذا انحسر الإصلاح في أجزاء الإمبراطورية العثمانية القديمة فإنه يشهد يقظة لا سابقة لها في تركيا الجديدة.

ومن هنا تكتسب محاولة إعادة قراءة آيات بعينها من القرآن الكريم أهميتها في مشروع الغرباوي (و من يسير في موكبه). فهي قراءة معنى وليست قراءة نص. ولا يمكنني أن أقول عنها إنها اجتهاد في التأويل ولكنها تركيب للتأويلات. فهي تفترض لتبني النتيجة.

ومحنة رموز الإصلاح تدخل في باب التطهير العرقي والرد عليه. فهجرة الكواكبي إلى مصر. وسفريات الطهطاوي إلى باريس كانت تنويرا خارجيا. لم تؤثر على أنوار الروح. وفلسفة نور اليقين الإيمانية لم تتعرض لهذا الإمتحان.

46-majed

لقد كان الإصلاح في فجره اختيارا سياسيا بحتا. لم يمسس الحالة الدينية. بل زاد التمسك بالميتافيزيقا.

وهذا دليل أن الإنسان لم يكن موضوعهم ولكنها الدولة. وأن المجتمع لم يكن هو الهدف ولكن طريقة إدارته وتنظيمه.

وهو إصلاح غير عرفاني. وتغلب عليه الأغراض السياسية.

والمعركة لم تكن بين المحافظين والمجددين. ولكن بين أنصار الباب العالي والداعين للتخلي عنه.

فالاستلاب العرقي وصل إلى غربة روحية استدعت هذه الحلول.

وأعتقد أن بيوتر فيدوسييف حين وصم روجيه غارودي أنه تحريفي كان يعني نفس المعنى(3).

إن غارودي لم يعد يدين بالولاء لهيمنة السوفييت على الماركسية اللينينية. ويريد الاستقلال بآليته في قراءة ماركس ولينين.

لقد نعى فيدوسييف على غارودي دعوته لتعدد النماذج الاشتراكية ورفض أي تنوع نوعي. مع الموافقة الضمنية على تنوع في الأشكال. يعني التعبير اللغوي عن الظاهرة نفسها.

وهي نفس التهمة التي عانى منها الكواكبي وأطلق عليها اسم الاستبداد.

وبوجيز العبارة نحن أمام اشتباك وفض اشتباك. ولسنا في صدد تفسير روحي لظواهر دينية. وآلية عصر الأانوار عند العرب تأخرت في الواقع.

مثلما تأخرت الحداثة. وكل ما يدخل في باب التحديث نظريا هو رومنسيات إيديولوجية وقفت موقفا عدائيا من سلطة المحاكاة.

وإن شئت الاختصار: معركة ما نسميه الإصلاح تستهدف تحريض الانقسامات، والتمهيد لأجسام وكتل سياسية تستمد قدرتها على الوجود من اقتصاد غير جريح. ومن مجتمعات دخلت مرحلة الثورة.

فهي حاملة للثورة بمفهومها، وتقبله شرطيا. ولا تستطيع أن تفكر به من غير شروط.

والإصلاحيون بهذا المعنى غير عضويين. والجانب المحافظ منهم هو العضوي. ولهذا السبب نجحت البروتستانتية في تثوير الكنيسة بينما أخفق الإسلاميون في تثوير مجتمعاتهم.

وكل ما جنته أيديهم المزيد من الأشواك والدماء. فقد انتقلوا من رعاية إلى وصاية. ومن إقطاع إلى رأسمالية. ومن نكبة إلى نكسة.

وأرد ذلك بصراحة لعدم هضم معنى الثورة. ولتحميل قوالب التجديد مضامين ميتة.

لقد أتى الإسلام بثورة حرضت الروح على أن تتحول إلى سياسة. وسمحت للازدهار التجاري السلعي أن يتحول إلى اقتصاد منتج وريعي. ومؤسساتي. وهو أصلا اقتصاد بلاط. اقتصاد ملوك. يشجع على التفاوت الطبقي وتحطيم مبدأ أساسي في الإسلام هو المساواة (أسنان المشط). ومثل هذه المساواة هي جوهر مبدأ الجماعة. حيث تكرير الفروقات وإلغاؤها هو الدينامية لتحقيق التراصف والتآزر.

ولهذا السبب ألح الغرباوي على ضرورة نقد المنهج. إنه ضروري لانتشال الوعي وتصحيح المسار (كما قال في المقدمة- ص١١).

وبالنقد وحده (كما يضيف لاحقا) يمكن التعرف على مبررات السلوك اللاأخلاقي والانتهازي الذي انحدر إليه المسلمون بعد وصولهم إلى الحكم (ص ١١).

وبرأيي إن الإسلام السياسي هو نتيجة فك القران الميمون بين المشاعر الدينية والقومية(4).

فالمسلمون العرب وعلى امتداد قرون لديهم ضغائن من أخوتهم الذين اعتنقوا الإسلام.

وبدأت الدعوة إلى التحرر بمزاوجة بين المشاعر القومية وبديهة ما يسمى بالنقاء الذهني لعاطفة المسلمين.

واستمرت هذه المعادلة في تحريض الشارع طوال سنوات التنوير ثم النهضة.

وساعد الاستعمار وحروب الاستقلال على تعميق الازدواجية.

حتى أن العلامة عبد الرحمن الكواكبي ورط نفسه بشرح التطورات والاكتشافات العلمية بآيات من القرأن.

وكان يجد لكل اختراع آية تتنبأ به. وقد ورد في كتابه (طبائع الاستبداد)(5) أن الذكر الحكيم هو شمس العلوم (ص٢٣). وأن الاكتشافات العلمية التي تعزى لأمريكا وأوروبا ورد أكثرها بالتلميح والتصريح في القرآن منذ ثلاثة عشر قرنا (ص٢٤).

ولم تتوقف هذه الديناميكية في إلباس الدين لبوسا ماديا إلا بدخول العسكر إلى السلطة واستبعاد نصف الحقيقة. وهي لا شعور الثورة الإيماني.

فقد تفرد العسكر بالحكم وانحازوا للفكرة القومية على حساب المكون الآخر. الإسلام. ولا داعي للتذكير أن الإسلام السياسي كان في المنطقة العربية ضحية لفكرة اليقظة.

لقد كرر القوميون العرب التجربة البلشفية واستعبدوا الإسلاميين كما حصل مع المناشفة والتروتسكيين.

والإطاحة بالحوراني والبيطار وهذه الجماعات في سوريا. والانقلاب على محمد نجيب في مصر. لا بد أنه يدخل في سياسة تصفية الحسابات.

وطبعا أنا لا أنظر إلى الإسلاميين على أنهم ملائكة وضحية من ضحايا الصراع على السلطة فقط. ولكنهم جزء من ديناميكية تحرير الذات من ماضيها.

وأدى ذلك إلى انتشار ظاهرة العنف كأسلوب من أساليب التبشير بالمنهاج. وتحولت شعارات الاستقلال والتحرر إلى شعارات الجهاد.

وعليه إن سيكلوجيا الحركات الإسلامية تتأسس على سيكولوجيا الإيديولوجيات الجريحة مقابل سيكولوجيا الحضارة الجريحة (بتعبير ف. س. نيبول) عند القوميين.

ومثل هذه الحالة تستدعي التلازم بين جناحين يساعدانها على انتشال نفسها من التراب الذي سقطت فيه.

وهو ما يسميه ماجد الغرباوي: الوعي الحركي (ص ١٥). ومنبعه ظاهرة الخوف من الآخر وعدم الوثوق به (ص١٦).

وقد نجمت عنه أوهام وضعت الحركات الإسلامية في إسار الماضي، وصنعت فراغا بين واقعها النفسي والحاضر (ص١٥).

ولو ابتعدنا عن مفردات الغرباوي دون التضحية بمعانيه نلاحظ أنه يبني كل حججه وبراهينه على مسلمة الارتداد. فهو يرى أن الإسلام المعاصر ارتد على مبادئه الأساسية.

لقد بدأ الاسلام من معاناة قهرية ضمن مجتمع تجاري. ضعيف عسكريا. ومعقد بأعرافه الاجتماعية. وكان همه الأول تحرير الروح من الاستعباد والاسترقاق الذي كفلته بنية المجتمع. وما تقليد الهجرة إلا لمعالجة هذا الفراغ. وهو البحث عن مسكن آمن للأرواح المستضعفة.

ولذلك إن ما يجري اليوم يطاله إشكال شرعي ومؤاخذة أخلاقية (ص ٢١). فهو بعيد عن فكرة الينابيع. وشديد الأخذ بفكرة الأصول. ويوجد فرق جوهري بين البداهة والتقليد الأعمى.

والإسلام المعاصر هو إسلام متحول. فهو يبدأ من منتصف طريقه إلى الوحي. يعني لا يخاطب العدالة السماوية بقدر ما يهتم بالدولة وإشكالية الحكم.

ونقطة الضعف الاساسية فيه أنه إسلام الأطراف وليس المركز. حتى أن أقوى حركاته تنشط في الثغور التقليدية.

وهذه ثاني مفارقة أساسية.

إنه ينطلق من نقطة التأزيم مع فكرة الإسلام نفسه.

وكما قال الباحث: إن بعض الحركات الإسلامية تكون بأموال ومباركة من دول غير إسلامية، فطالبان تأسست بالدعم الأمريكي، وبعض هذه الحركات دخلت في تحالف أدى إلى الابتعاد عن الاستراتيجية الأساسية (ص ٦٦).

وفي الذهن مؤازرة حماس لسوريا حتى عام ٢٠٠٨، وتوقيف الإخوان المسلمين لنشاطهم ضد النظام السوري لمباركة هذا الإجراء.

فالجهاد أو ظاهرة فتوحات الأنظمة تختلف تماما عن جهاد فتوحات الأمصار في صدر الإسلام. والإسلام السياسي اليوم جزء لا يتجزأ من استراتيجية الحرب الباردة والصراع الدولي على مناطق النفوذ. وأخشى أنه (كما قال غريازينيفيتش- ص١١٠) غير قادر على ضبط الحياة الروحية لشعوب الشرق الأدنى وحوض المتوسط(6).

فالحركات الإسلامية الراهنة هي بنت الوعي الأسطوري الملتبس (بتعبير ماجد الغرباوي، ص ٣٥) والذي يحمل كل علامات الثقافة المهيضة الجناح.

ويرى أن الأسباب وراء ذلك كثيرة وأهمها: ١- الخط الأحمر المفروض على تكتيك الخطاب الديني واحتضاره تحت ضغط التفكير الشعبي الناقص والحامل لآيات التخلف والجمود والخرافة، ٢- الاستبداد الذي وضع العقل في أدنى مستوياته وسمح للاشعور بالنمو بنسب فاحشة غطت على كل أشكال التفكير والاجتهاد،٣- عزلة النخب الثقافية وسقوطها في مشكلة التعالي، ٤- احتكار رجل الدين لحق التربية والتوجيه وحصوله على حصانة تحميه من النقد والمراجعة والتخطي، حتى تحول إلى نص مقدس أو امتداد للمحرمات والممنوعات (ص ٣٤-٣٧).

ولذلك كان التشريع للنقد أولوية في تجديد الفكر الديني (ص٤٧). وكلنا سمع بمحنة الشيخ علي عبد الرازق المتهم بالتطاول على مشروعية حروب الردة. وأعتقد أن الانحياز لمشروعية التواتر والمحاكاة يؤسس لمجتمع إقليمي من المرايا المتعاكسة. كل مرآة تعكس نفسها. حتى يحل الخيال أو الصورة محل الحقيقة بسبب غيابها واستحالة الاتصال معها.

وهذا بصورة ضمنية يعيدنا إلى نمط من التفكير والتعليل الذي يقوم على التسليم الصامت بأسطورة الطبائع الثابتة والخصائص الدائمة (بلغة صادق جلال العظم)(7).

لذلك وضع الباحث نصب عينيه الكشف عن الخطأ الفاحش في التفسيرات الاستاتيكية لظاهرة متحولة لا تعرف السكون وأصلا هي تنطلق من استراتيجية واضحة في تحريك السواكن. وهذا يضفي عليها كل خصائص الظواهر العقلية التي تتطور مع مرور الأحقاب والعصور، وباختلاف الظروف والأسباب.

وعلى هذا الأساس يبني أهمية التحليل والنقد ومشروعيته.

فالحركات الإسلامية صناعة بشر وهي ليست جزءا من المطلق الإلهي والرباني ولا نتاج عوامل غيبية مفارقة(ص ٦٠)، والوعي بالتاريخ يفتقر للأسس التي يتطلبها الوعي بالذات. حيث أن الحدس بمفهوم برغسون متوالية أو تيار يحتاج لنظرة منفصلة عنه. فما بالك وأنها ذات معصوبة تحمل كل أعراض الحمل الكاذب. فقد طرأت على الإسلام والجماعات التي نذرت نفسها له غايات وأهداف بعيدة عن الحجج الروحية. كما أنه هناك حركات استنفدت أهدافها ( كما يقول الباحث - ص 61). فأدوات تنفيذ الاستراتيجيات في وقت السلم غيرها في وقت الحرب. ويضرب مثالا على ذلك بلجوء قواعد حزب الدعوة إلى البعث السوري للهرب من بطش صدام، وفرار كوادر الإخوان المسلمين من سوريا إلى العراق والبحث عن الحماية لدى البعث العراقي خوفا من بطش حافظ الأسد (ص ٧٣). وهذه أول مفارقة تؤكد على تعددية الحركات الإسلامية ولو اتفقت ظاهريا في بعض المبادئ والشعارات (ص ٧١). فقد كانت الأحزاب الدينية عرضة للانشطار والتشرذم. فالجهاد وجماعة التكفير والهجرة في مصر هما تطور جانبي من حزب الإخوان المسلمين (ص ٧١) والذي شهد بدوره تنظيمات داخلية متحاربة وفي مقدمتها التنظيم العسكري وموقفه الهازئ والمتهكم من التنظيم السياسي.و إن قصة تنافس الهضيبي وقطب على السلطة الداخلية الممسكة بزمام الجماعة معروفة. وتكشف عن عمق تعدد القراءات والتكتيكات. ولكنه ليس دليلا على العقوق والخروج عن الشرعية ( ص 69). و حاليا تشهد الساحة تنافسا دمويا على زعامة الحركة في سوريا بين داعش و جبهة النصرة التي تقود جيوش الفتح. و من قبل شهدت أفغانستان تنافسا مشابها بين الأوزبك و الطاجيك. وقد طالت هذه المناوشات العقائدية الأحزاب التيي كانت لها الصدارة. و بالأخص القومية منها. أو ذات التفكير التحرري المؤمن بالجيش العقائدي. و سياسة العسكرة ( أو بناء مجتمع الجيوب الشعبية المسلحة) تعرضت لهزة قوية في منعطفين حاسمين. الأول في الجزائر بعد وفاة بومدين ( اغتياله كما تذهب بعض الشائعات). و الثاني بوفاة عبدالناصر في مصر ( تسميمه كما تتناقل بعض الأخبار). فقد انتقلت ملكية الكوادر المسلحة بالوكالة إلى تنظيمات إسلامية تبنت فكرة الجهاد و تغيير سلطة الأمر بالواقع بالقوة. و هذا التحول في التفكير من وطمي عالماني أو قومي إلى دبني ينم عن اختلاط في الدوافع. و عدم وضوح في الأذهان و العودة إلى الفطرة التي تراها تربية دينية ساذجة و عاطفية. و للأسف كان ذلك يحمل شحنة عالية من الانقلابية إلى درجة نشوء قطيعة مع المنشأ السياسي. وهذا دليل قوي على نسبية المعرفة الدينية (ص ٨٥). فهي ليست معرفة ميتة. ولكنها قابلة للنمو كما هي قابلة للانتكاس والرجوع. ولديها قدرات هائلة على حجب النص (ص ٨٩). ويمكن القول إن القرأن الكريم ذاته هو حجاب لنصوص قبله، عمل على تفكيكها وتوجيه سهام النقد اللاذع لمكامن الضعف والأخطاء فيها (ص١٠٠). وهذا أول درس يبرر ضرورة التأويل وإعادة النظر بالمسلمات المتجمدة. فالنقد بمستوى أمر وجوب في الإسلام وهو ليس مستحبا فقط (ص ١٠٢).

ولا يمكن أن ننكر التحيز ( ص 84). فأية قراءة لا تأتي من فراغ. ولكنها تحمل في ذاتها مبررات تعريف الوجوب.

لماذا هي موجودة أصلا. ولماذا يجب أن تقارب هذه المسألة وتتصدى لمهمة حمايتها من الذوبان أو الاندثار.

وأعتقد أن الغيبوبة التي يعكسها فكر الغزالي في مراحله الأخيرة هي غير تمسكه المتشدد بأصول الفقه السني في بداياته. ومثل هذا التطور يحمل بصمات انعطافة على مستوى تجليات الوعي ذاته.

وتحريض الروح على العقل في مجال الفضاء الإيديولوجي نفسه يدل على انكسار وتراجع.

إن مشكلة الحركات الإسلامية أنه تقف خلفها دوافع دينية- سياسية (ص ١٢٧). وإذا كانت السياسة هي المسؤولة عن الخلافات البينية والمواقف من الأنا والآخر والتكفير. فالدين مسؤول عن حقيقة المبايعة. والتحفيز على التضحية والمغالاة بها إلى درجة الانتحار (ص ١٢٧).

ومن هنا نشأت ظاهرة الإرهاب الدولية بأبعادها المتعددة وما أحاط بها من هالة وصلت إلى درجة تحريض المخيال الشعبي على الإضافة والمبالغة حتى نشأ منها دين جديد (بتعبير صالح الطائي)(8) أصبح بمثابة دين سماوي رابع. ظاهره الإسلام وباطنه التكفير والقتل. وغلافه شعار (الثورة المستمرة، ص ١٢٩).

إن الإسلام السياسي بالنتيجة مشروع مختلف عليه، له الحق في تطبيق أدواته، ولكن ليس لديه الحق بالمصادرة على حرية الآخر المختلف عنه. وإن خضوعه لمنطق السياسة والارتباط في نفس الوقت برجل الدين حوله إلى حركات وشراذم متمردة تؤمن بالعنف والاستبداد وتقاطع الإرادات (ص١٤٤). وهذا يفرض عليه إجراء تحولات فكرية ليتجاوز اخفاقاته وكي لا يسقط في نفس الحفرة التي أودت بالفكر القومي وأوردته موارد التهلكة.

 

د. صالح الرزوق

.....................

* الحركات الإسلامية، قراءة نقدية في تجليات الوعي. منشورات مؤسسة المثقف العربي، ودار العارف، بيروت. ٢٠١٥. ١٥٨ ص.

1- المثقفون العرب والغرب، دار النهار، بيروت، ط٢ ١٩٧٨. ص ٣٩.

2-

Turkey Between Militarism and Democracy .Ankara.

3- غارودي والتحريفية المعاصرة. بيوتر فيدوسييف. دار الطليعة. بيروت. ١٩٧٤.

4- أسرار سياسية عربية. عبدالهادي بكار. الخيال. القاهرة.2000.

5- طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد. الرحالة كاف. الكتبية في الأزهر الشريف. مصر.

6- المثاقفة بين العروبة والإسلام. ترجمة حسان إسحق. دمشق. 2000.

7- ذهنية التحريم. دار المدى. دمشق. ط2 2004.

8- دور النص المقدس في صناعة عقيدة التكفير. دار المرتضى. بيروت. 2015 .

 

 

tarik alrobaieالمنبر الحسيني ومنذ تأسيسه أخذ على عاتقه توعية المجتمع بأمور دينه ودنياه وحثه على رفض الظلم والاستبداد بكافة أشكاله، وهذه هي وظيفتــه .. واليوم ومع كثرة الفضائيات والإذاعات ومع ذلك العدد الكبير من الخطباء يجب التأكيد على قيم الحق والمبادئ الإنسانية التي نادى وضحى لأجلها الحسين (ع) . أسوق مقدمتي البسيطة هذه بعدما شاهدت ومن على أحدى الفضائيات أحد الخطباء، وهو يلقي محاضرته الدينية أمام حشد كبير من الناس بمختلف الأعمار، فاستوقفتني هذه القصة التي رواها الخطيب في معرض كلامه عن سيرة الإمام الحسين ومكانته.

وملخص قصته التاريخية تقول إن المتوكل العباسي أمر بمنع زيارة قبر الإمام الحسين (ع)، ومن أبى ذلك فعليه أن يدفع مبلغا كبيرا من المال أو الذهب حتى يسمح له بزيارة القبر . فامتثل الناس لهذا الأمر دون أن يصدر منهم أي اعتراض !! . ودفعوا لجلاوزة السلطة ما يريدون !، فما كان من المتوكل إلا أن يتمادى في ظلمه، ويصدر أمرا آخر مفاده أن من يريد زيارة القبر الشريف يجب إن تقطع يده اليمنى !، وكم كانت دهشة المتوكل عظيمة وهو يرى توافد محبي الإمام ليقدموا أيديهم غير مبالين ولا متأسفين على أيمانهم التي ستقطع . وحدث أثناء عملية قطع الأيدي هذه إن تقدم أحد الزائرين إلى السياف مادا له يده اليسرى إلا أن السياف رفض وطالبه بيده اليمنى !. عند ذلك رفع الرجل عباءته فإذا بيده اليمنى مقطوعة وقال: لقد قطعتم يميني في السنة الماضية ! . وعندما وصل الخطيب إلى هذا الجزء من الرواية هتف الحاضرون بأعلى أصواتهم بالصلاة على محمد وآل محمد .

وبدوري الآن أطرح عدة أسئلة عن المغزى المراد والمستفاد من هذه الرواية؟. أليس الطاعة العمياء والخنوع الواضح للسلطة الجائرة هو السمة الغالبة فيها؟ ثم أما كان الأجدر بهؤلاء الذين اصطفوا في طوابير طويلة لتقطع أيديهم وهي مصدر رزقهم الوحيد أن يحملوا سيوفهم ويحرروا قبر الحسين من تلك الطغمة الفاسدة التي حالت دون زيارتهم له؟ . بل أين تلاشت قيم البطولة والشهادة ومبادىء الحسين العليا عند هؤلاء وهم خانعون في طوابير الذل ليس لهم سوى الامتثال لأوامر الطغاة ؟ . وهل أستشهد الحسين لأجل أن يكون أتباعه وشيعته على تلك الصورة المذلة؟ !. أراد الطاغية يزيد من الحسين كلمة واحدة وحشد لأجل ذلك الآلاف المؤلفة من العتاة وشذاذ الأحزاب، لكن أبا الأحرار أبى أن يعطيها ويكون تابعا ذليلا لسلطة جائرة منحرفة، فقاتل مع كوكبة من أصحابه وآل بيته الأطهار حتى نالوا الشهادة، وكان استشهادهم نصرا كبيرا .

ذلك الحسين الذي قال (لا أعطي بيدي إعطاء الذليل ولا أقر إقرار العبيد) كيف يمكن لمن أتبعه وسار على نهجه أن يكون بتلك الصورة التي رسمها لنا الخطيب في روايته ؟!. نعم أن المتوكل العباسي منع زيارة القبر الشريف وأجرى عليه الماء ليخفي آثاره، ولكن أن يقف الناس بهذه الصورة البائسة التي وردت في الرواية وهم يقدمون أيديهم للسياف فهذا مما لا يستسيغه عقل ولا منطق، لاسيما وان هؤلاء من المفترض هم شيعة الحسين والسائرين على نهجه الرافض للذل والعبودية . وأنهم لن يقبلوا بالعودة الى بيوتهم وايديهم مقطوعة ثم يتقبلون الصدقات من هذا وذاك لعجزهم عن العمل . وما أظن هذه التفاصيل إلا من مخلفات ودسائس وعاض السلاطين أرادوا من خلالها تدجين الشعوب وتعليمها كيفية الرضوخ للظلم والطغيان وعدم سعيها لأحداث التغير في واقعها المتردي .

أن هذه الرواية وأمثالها وبما تتظمنه من قيم ومفاهيم استسلامية واضحة جديرة بأن تخمد النزعة التحررية عند الناس وتقتل فيهم روح التمرد، وتجعل منهم مجرد قطعان بشرية راضية خانعة للسلطة الجائرة تفعل بهم ما تشاء دون أن يحركوا ساكنا لمقاومتها والتمرد على قوانينها المستبدة .. إن القيم ستجد طريقها ميسورا كي تترسخ في أذهان العامة وهم مستغرقون في الإنصات للخطيب، ومن ثم تتحول إلى سلوكيات لا يرون فيها أي ضرر على دينهم ودنياهم ! . فعلى كل من يهمه الأمر الالتفات إلى هذه الناحية الخطيرة جدا، والعمل على اختيار خطباء على مستوى عال من الإدراك بأهمية المنابر الدينية وتأثيرها على المتلقيــن، وان يعوا دورهم الكبير في بناء المجتمع البناء الصحيح وان يغرسوا فيه تلك القيم والمبادئ السامية الحقيقية التي نادى بها أبا الأحرار الإمام الحسين (ع) . لعل ذلك سيكون سببا في توعية الأمة وإيقاظها من سباتها لكي تلتفت إلى واقع حياتها وتسعى جاهدة إلى تغيره بكل ما لديها من وسائل وإمكانيات .

 

طارق الربيعي

laythe alatabiهناك ثلاثة إتجاهات عامة ورئيسية حول فهم حقيقة وماهية التراث، وهي كالأتي:

الإتجاه الأول: الداعي إلى الأخذ بكل ما في التراث، وإعتبار كل ما خلفه الماضون تراثاً مفيداً يجب الأخذ بكل ما فيه، بل دعا بالبعض إلى إضفاء صفة القدسية عليه بشخوصه، وتركاته، وبكل ما فيه من هنات وعلات، وبلا أي نقاش[1] .

ولابد أن نعلم بأنه (لا يمكن إدعاء العصمة والكمال لأي جهد بشري، بأستثناء ما صدر عن وحي إلهي، وتسديد خاص " عصمة " ...)[2].

إن القرآن الكريم قد نهى عن الإتباع الأعمى، المؤدي إلى تجميد العقول، من خلال الأخذ بكل ما صدر عن الأسلاف، وتقديسه، وإتباعه .

قال تعالى: (وَكَذلِكَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاَّ قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ * قالَ أَ وَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكُمْ قالُوا إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ) سورة الزخرف (23 ـ 24) .

كما ولابد من معرفة حقيقة إن الأصوات الداعية إلى التمسك بالتراث ـ وفي أكثرها ـ لا تفهم ماهية التراث بشكل موضوعي، فهي تخلط ما بين ما هو تاريخي، وبين قضايا العادات والتقاليد، وبين الصفات والطبائع، وبين التراث بما هو تراث، فليس كل شيء جاءنا من الماضيين هو تراث، وليس كل شيء جاءنا من الماضي يحسن التمسك به .

إن كثيرين يعتقدون أن الأعتناء بالتراث، والمحافظة عليه يتحقق عن طريق تقديس كل ما هو قديم، حتى أصبحت الأفعال المشينة للبعض يُبرر لها، بل يشرعن لها، بل إنها أصبحت سنن متبعة، وذلك لأن فاعلها شخص مهم في التراث[3] ؟؟!!

و من باب المثال التوضيحي لا أكثر نذكر هذه الحادثة: إنه حينما أصدر محمد بن جرير الطبري[4] كتابه (أختلاف الفقهاء) الذي أعتبر فيه أن أحمد بن حنبل[5] محدثاً وليس فقيهاً، تحول هذا الرأي إلى مشكلة خطيرة كاد الطبري أن يموت بسببها، فقد بقي مسجوناً في بيته ثلاثة أيام، إلى أن تمكن بعض تلامذته من إخراجه، ولما توفي دفن بداره ليلاً، لأن العامة أجتمعت ومنعت من دفنه نهاراً، ولقد قام بأخفاء كتاب (أختلاف الفقهاء) الذي أكتشف فيما بعد مدفوناً في داره بعد موته[6] .

فنجد أن هناك بواعث مصلحية، وأيديولوجية عند عدد لا بأس به من كُتاب التاريخ ممن حاول أن يبرر للشخصيات، وللحكام كل ما فعلوه بحجج، وأقاويل ما أنزل الله بها من سلطان فـ(أبن كثير الذي يعمل من خلال التاريخ إلى تقديم نموذج جاهز يتم فيه تبرير وتجهيز حياة السلف " الصالح كمعيار لكل الخطايا التي حصلت في التاريخ العربي والإسلامي، أو تلك التي ستحصل دائماً في دنيا البشر ... فهدف المؤرخ السلفي ليس هو عرض الأحداث كما هي ... بل الغاية القصوى أن يجد في غمر هذه الأحداث ما هو قابل للتبرير، وما يصلح أن يكون عنصراً قادراً على رسم صورة قدسانية للسلف)[7] .

و هكذا الحال بالنسبة لأشخاصٍ من أمثال أبن خلدون[8]، والذهبي[9]، وأبن حجر الهيتمي[10]، وأبن عبد ربة الأندلسي[11]، وغيرهم .

إن المشكلة الأساسية في شيوع التمذهب، والتفرق، والتشتت المتأصلة بالتراث الإسلامي ليس بالإنزواءِ، والمحسوبيةِ على أشخاصٍ وجهاتٍ جيدة، وذات مكانة تاريخية مرموقة، بل المشكلة بإتخاذ أشخاص سيئين وذوي آراء هدامة قدوة، وأسوة، ونموذج يحتذى به، ويضرب به المثل[12] .

و هذا ما نلاحظه عند كثرة لا بأس بها ممن يتخذون (أبن تيمية الحراني)[13] نموذج إصلاحي، أو نموذج أخلاقي، أو نموذج فكري . ولا أعتقد أن قارئ التاريخ لن يلاحظ ميزات هذا الشخص الذي لم يترك أحداً إلا وعاداه، ولم يترك أحداً إلا وسبه وشنع عليه، ولم يترك أحداً إلا وأتهمه بالكفر، والزندقة، والضلال، ولا ندري ما مقياس الأيمان عند أبن تيمية[14]، ولو طبقنا كل القيوده التي وضعها لخرج حتى هو من ربقة الأيمان .

في الحقيقة إن أبن تيمية الحراني هو أسوء مثال في التاريخ الإسلامي على الإطلاق أحيا تراثه كل من (أبن قيم الجوزية)[15]، و(محمد عبد الوهاب)[16]، وأتباع النحلة (الوهابية)[17] ليكون هذا الفكر وبالاً على المسلمين، وعلى البشرية جمعاء .

كما وحريُ علينا أن نعلم بأن هناك الكثير من التراث كـ(شخوص، وحوادث، وأحاديث) هو موضوع، قد قامت السلطات الحاكمة، وأتباع الفرق، وأعداء الدين بوضعه .

يقول السيد مرتضى العسكري[18] (رحمه الله): (أن معاوية قد أوجد معامل لصنع الحديث ووضع الروايات . وكان أبو هريرة، وعمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة، ومالك بن أنس، وسمرة بن جندب، من المنفذين لهذه السياسة المشئومة، وفي بعض من أحاديثهم تسقط شخصية الرسول عن قداستها وشأنها وقيمتها إلى مستوى دون مستوى الإنسان العادي، وتصبح أدنى من شخصيات أبي بكر وعمر وعثمان بل وحتى معاوية ويزيد ... ومن خلال أطروحتهم هذه حققوا أهدافاً ثلاثة: ـ حرفوا أحكام الإسلام، وحطموا شخصية النبي " ص " وأسقطوها عن الاعتبار، ورفعوا من مستوى شخصيات الخلفاء بعده إلى مستوى أعلى وأرفع من مستوى شخصية الرسول ....)[19] .

فهذا الإتجاه الذي يقدس التراث الخاص والمؤدلج، ويجعله عدلاً للقرآن يفرض واقع عدم النقد، وعدم المناقشة في كل أطروحاته، وإلا فإن ذلك يقود فاعله إلى الرمي بالزندقة، والضلال، فساد من جراء كل ذلك ساد تيار من الأرهاب الفكري المسنود من قبل السلطات الحاكمة، والذي حال بين المسلمين وبين أن يخوضوا في قضايا التراث، ويمنعهم من أن يعملوا عقولهم كما وقد حرم المحاورة، والمناظرة بحجج وتخرصات واهية ليس لها أي مستند شرعي حقيقي[20] .

و بمرور الوقت فرض التراث الواحد، وأصبحت له السيادة، وأصبح من المسلمات التي لا نقاش فيها، بحيث (تلقت الأجيال المسلمة جيلاً بعد جيل التراث بمنظور الفرقة السائدة المتمكنة المدعومة من السلطة)[21] .

و المشكلة أن المقدسين (للسلف) يرمون الصوفية، والشيعة، وغيرهم بالغلو، بينما نرى عندهم من المغالات ما تضيق الكتب عن ذكره لكثرته، ولسذاجته .

يقول الشيخ (حسن بن فرحان المالكي): (الغلو ننكره على الصوفية إذا مدحوا الأولياء، وننكره على الشيعة عندما يغلون في أئمتهم ...، وننكره على الأشاعرة عندما يبالغون في مدح أبي الحسن الأشعري ... لكننا لا ننكره عندما نقرأ لأحدهم مدحاً بغلو في أحمد، أو أبن تيمية، أو أبن القيم، أو غيرهم ... ونحن ننكر على الآخرين عندما يعتذرون عن بعض العلماء الذين صدرت منهم هفوات ونسمي هذا " تمييعاً للعقيدة "، بينما نقوم نحن بالعمل نفسه ونسميه " ذباً عن أعراض العلماء فلحومهم مسمومة !! ")[22] .

الإتجاه الثاني: والذي يدعوا إلى نبذ كل ما هو قديم، بل إلى نفي وجود شيء يسمى تراثاً وفق شعار (القطيعة مع التراث) التي دعا إليها البعض لغايات غير علمية، وهي في حقيقتها قائمة على النقد فقط، وقد رفع لواءها في الوطن العربي كلٌ من (عبد الله العروي، ومحمد عابد الجابري، ومحمد أركون في بعض الرؤى الخاصة به) وكل واحدٍ منهم قد تطرق لموضوع التراث بحسب رؤياه الخاصة به .

فـ(القطيعة عند العروي تأخذ معنى الطفرة التاريخية بالمعنى الذي تذهب إليه المادية التاريخية ما يجعل منه تاريخانياً بأمتياز، أما القطيعة عند محمد عابد الجابري فهي معنى الثورة العلمية كما عند غاستون باشلار وطوماس كون ما يجعل منه بنيوياً بأمتياز، أما القطيعة عند أركون فهي تعيش على إيقاع معطيات الثورة المناهجية الجديدة التي تمتد إلى مختلف الحقول في اللغة والتاريخ والأجتماع والنفس فهي بهذا المعنى قطيعة مع أساليب القراءة والفهم وهو مفهوم يلتقي مع كافة الأطر المعرفية التي تشكل المجالات الثقافية والأشتغالية والتداولي للحداثة الغربية)[23] .

فمثلاً نجد أن عبد الله العروي يقول: (إن سير التاريخ لا يتوقف على المثقف، لكن المثقف مطالب بالخضوع إلى قوانين التاريخ إن أراد أن يكون له وجود وتأثير)[24] .

و عن قضية التراث يقول: (إن التراث تحميه اليوم مؤسسة لا تترك لأحد حرية التأويل)[25] .

و يقول مؤكداً على منهجه التاريخي، ومنتقداً للفكر السلفي: (هذه حقيقة نقولها ونكررها وبعد الإقرار والتكرار نجدد الدعوة إلى العقل التاريخي لأن اللجوء إلى الرومانسية والفوضوية، إلى الشعر الغاضب، إلى الثورية الفارغة، يقوي فقط جانب الفكر السلفي . وهذا الفكر كان سبب التخلف، وسيبقى سبب التخلف)[26] .

أما محمد عابد الجابري فيقول: (ويمكن أن نلاحظ بالإضافة إلى ما تقدم أنه لا كلمة " تراث " ولا كلمة " ميراث " ولا أياً من المشتقات من مادة " و. ر . ث " قد أستعمل قديماً في معنى الموروث الثقافي والفكري حسب ما نعلم، وهو المعنى الذي يعطى لكلمة " تراث " في خطابنا المعاصر . إن الموضوع الذي تُحيل إليه هذه المادة ومشتقاتها في الخطاب العربي القديم كان دائماً: المال، وبدرجة أقل: الحسب . أما شؤون الفكر والثقافة فقد كانت غائبة تماماً عن المجال التداولي، أو الحقل الدلالي، لكلمة " تراث " ومرادفاتها)[27] .

الإتجاه الثالث: وهو الداعي إلى غربلة[28] التراث من كل ما علق به، وتحسين طريقة الأخذ منه، مع تجاوز الطريقة الحرفية في فهم النصوص وتفسيرها، والإبتعاد عن دائرة التقديس لكل ما بالتراث، والإجتناب عن إضفاء صفة القدسية على جميع السلف .

فلقد أحتوى تاريخ الماضين على إفرازات كثيرة، منها الضار، ومنها النافع، والتي لا يزال لها أثرها في سلوكيات المجتمع، ومعتقداته، وأسلوب معيشته، فلابد أن نميز بين ما يمكننا التمسك به، وتنميته، وبين ما يجدر بنا إستئصاله، أو الحد قدر الإمكان من مضاره، وسلبياته على الفرد والمجتمع .

فـ(من الطبيعي أن يحتوي التراث على نقاط الضعف والقوة، والغث والسمين، والخطأ والصواب، كما أن تناقل التراث عبر مسيرة زمنية، تجعله معرضاً للشوائب والتحريفات)[29] .

إن دراسة تراث السلف بمنطق العقل قد يكشف مواضع الخطأ لدى السابقين، ويفيد في تجنب الوقوع في نفس الأخطاء التي وقعوا بها، وبالتالي السعي نحو تحصيل الأفضل والأحسن دائماً . ثم أن لكل حقبة ظروفها وخصوصياتها، فكيف لنا أن نُعدي أفكار وتصرفات من حقبة معينة لنجريها على حقبة أخرى تختلف عنها زماناً ومكاناً، بل ربما قد تختلف عنها في الطبيعة والظروف وحتى في اللغة . إن ما تعرض له التراث ـ كمنظومة ـ من محاولات تحريف وتشويه، سببتها الجهات المغرضة من داخل جسد الأمة[30]، وأحدثتها الثقافات الدخيلة، وما قام به أعداءها، يفرض علينا أن نبذل أقصى ما يمكننا من جهود لغربلة تراثنا الشوائب، بل يوجب علينا أن نمحص التراث، ونخلصه من كل الأفرازات، والمدخولات التي لحقت .

 

الشيخ ليث عبد الحسين العتابي

..........................

[1]: فأي نقاش بذلك يؤدي بصاحبه إلى الرمي بالزندقة .

[2]: الآحادية الفكرية في الساحة الدينية، حسن موسى الصفار، ص 59 .

[3]: فنشأت من جراء ذلك (عبادة الأشخاص) .

[4]: أبو جعفر محمد بن جرير الطبري (224 ـ 310 هـ) فقيه ومؤرخ .

[5]: أحمد بن حنبل (164 ـ 241 هـ) .

[6]: تاريخ أبن الأثير، أحداث سنة (310 هـ) .

[7]: محنة التراث الآخر، أدريس هاني، ص 35 ـ 36 .

[8]: أبو زيد عبد الرحمن بن محمد بن خلدون المغربي المالكي البربري الأشبيلي (ت 808 هـ) بالقاهرة .

[9]: شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز التركماني الذهبي الدمشقي الشافعي (673 ــ 748 هـ) المعروف بالتعصب، فعن طبقات الشافعية أن تقي الدين السبكي قال في حقه: (والذي أدركنا عليه المشايخ النهي عن النظر في كلامه وعدم اعتبار قوله) .

[10]: أحمد بن محمد بن علي بن حجر الهيتمي المكي الشافعي مفتي الحجاز صاحب كتاب (الصواعق المحرقة) توفي سنة (974 هـ)

[11]: أبو عمر أحمد بن محمد بن عبد ربه القرطبي الأندلسي المرواني (246 ــ 328 هـ)، مولى هشام بن عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان بن الحكم الأموي، توفي ودفن في قرطبة .

[12]: كما نراه عند (أحمد أمين المصري)، و(أبو يعرب المرزوقي)، وطه عبد الرحمن، وغيرهم .

[13]: تقي الدين أحمد الحراني الدمشقي الحنبلي: (661 ـ 728) هجري (1263 ـ 1328) ميلادي أصله غير عربي، كان معادياً للصوفية والشيعة بسبب وبلا سبب، وكان من أشد النواصب لمذهب التشيع، وهو أول من أفتى بحرمة زيارة قبر النبي محمد (ص) ليقطع الطريق على كل زائر، وعد السفر إلى زيارة قبر النبي (ص) عملاً محرماً يجب إتمام الصلاة فيه، وهذه الأراء التي أطلقها اعتمدتها الحركة الوهابية وأحلت بفتاوي أبن تيمية هدم قبور الصالحين، هذه الفتاوي سمحت للفقهاء بتأليف الكتب دفاعاً عن زيارة القبور، فوضع تقي الدين السبكي (ت 756 هـ) كتابين (شفاء السقام في زيارة خير الأنام) و(الدرة المضية في الرد على أبن تيمية)، ومؤلفات أخرى في الرد على أبن تيمية مثل (المقالة المرضية لقاضي قضاة المالكية تقي الدين أبي عبد الله الأخنائي) و(نجم المهتدي ورجم المقتدي للفخر أبن المعلم الفرشي) و(دفع الشبه لتقي الدين الحصني) و(التحفة المختارة في الرد على منكر الزيارة لتاج الدين الفاكهاني) و(إكمال المنة في نقض منهاج السنة لسراج الدين الهندي) و(منهاج الشريعة في نقض مناج السنة للسيد مهدي القزويني) و(الإمامة الكبرى والخلافة العظمى للسيد محمد حسن الشيرازي) و(خبر الجهة لأحمد بن يحيى بن جبريل الشافعي) و(إعتراضات على أبن تيمية لأحمد بن إبراهيم السروطي الحنفي) و(الجوهر المنظم في زيارة القبر المعظم لأبن حجر الهيتمي) و(أبن تيمية ليس سلفياً لمنصور عويس) و(أبن تيمية لصائب عبد الحميد) غيرها الكثير . قال أبن حجر العسقلاني في ذم منهج أبن تيمية: (... وكم من مبالغة لتوهين كلام الرافضي أدته إلى تنقيص علي رضي الله عنه) لسان الميزان، ج 6، ص 319ـ 320 / وقال أبن حجر الهيتمي في أبن تيمية: (أبن تيمية عبد خذله الله، وأضله وأعماه وأصمه وأذله، وبذلك صرح الأئمة الذين بينوا فساد أحواله وكذب أقواله ... ويعتقد فيه أنه مبتدع ضال مضل جاهل غال وأجارنا من مثل طريقته وعقيدته) الفتاوى الحديثة، الهيتمي، ص 144 / وفي مورد آخر يقول الهيتمي: (وإياك أن تصغي إلى ما في كتب أبن تيمية وتلميذه أبن القيم الجوزية وغيرهما ممن أتخذ إلهه هواه ... وكيف تجاوز هؤلاء الملحدون الحدود ...) الفتاوى الحديثة، الهيتمي، ص 203 / وقال فيه تاج الدين السبكي: (وأعلم أن هذه الرفقة، أعني المزي والذهبي والبرزلي وكثيراً من أتباعهم أضر بهم أبو العباس أبن تيمية إضراراً بيناً ... وأوقفهم في دكادك من نار ...) طبقات الشافعية الكبرى، السبكي، ج 10، ص 400 / وقال الألوسي في أبن تيمية: (وأرى أن تشنيع أبن تيمية، وأبن القيم، وأبن قدامة، وأبن قاضي الجبل، والطوفي، وأبي نصر، وأمثالهم، صرير باب أو طنين ذباب ... ولولا الخروج عن الصدد لوفيتهم الكيل صاعاً بصاع ... ولعلمتهم كيف يكون الهجاء بحروف الهجاء ...) تفسير روح المعاني، ج 1، ص 18 ـ 19 .

[14]: فمن مبتدعاته أن أخترع ما يسمى بـ0 توحيد الربوبية) ولا أدري من أين جاء به، والمشكلة أن بعض الكتاب، وبالخصوص من الشيعة قد ساوقه القول، وفرع كتفريع أبن تيمية، وجعل توحيد الربوبية قسماً من أقسام التوحيد، وهذا القسم ما هو إلا بدعة، فلا دليل عليه من كتاب الله تعالى، ولا من السنة النبوية المباركة، ولا ورد ذلك عند الصحابة أو التابعين أبداً .

[15]: محمد بن أبي بكر الحنبلي أبن قيم الجوزية (ت 751 هـ) صاحب زاد المعاد في هدى خير العباد، تفقه على أبن تيمية، غلب عليه حب أبن تيمية، وعد الخروج عن أقواله ضلال، قام بتهذيب كتب أبن تيمية ونشرها، كان كأستاذه ينال من علماء عصره وينالون منه .

[16]: محمد بن عبد الوهاب المولود في بلدة العينية بنجد (1115 هـ ــ 1703 ميلادي) درس الفقه الحنبلي، واقتدى بابن تيمية، ورحل إلى المدينة والبصرة وبغداد وكردستان وهمدان وأصفهان وعاد إلى بلاده وأظهر طريقته وأنه يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويحارب البدع حسب ما يدعي، واستعان بمحمد بن سعود في تأييد دعوته إلى أن مات سنة (1206 هـ ــ 1791 ميلادي) وأعتنق آل سعود هذه الدعوة التكفيرية الشاذة، والتي أسسها الأستعمار في داخل الإسلام لضرب الإسلام .

[17]: يقول الأستاذ والكاتب السوري نبيل فياض عن هذه النحلة المنحرفة: ((... مصيبتنا الفعلية هي في أولئك الوهابيين الذين مازالوا مستمرين في ترويج كل أنواع الدجل والعهر الفكري يلعبون بها بعقول الصبية والنسوة المهتاجات)) من كتابه: يوم انحدر الجمل من السقيفة، ص 18 .

و الوهابية فرقة تنتسب إلى محمد بن عبد الوهاب المولود في بلدة العينية بنجد (1115 هـ ــ 1703 ميلادي) درس الفقه الحنبلي، واقتدى بابن تيمية، ورحل إلى المدينة والبصرة وبغداد وكردستان وهمدان وأصفهان وعاد إلى بلاده وأظهر طريقته وأنه يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويحارب البدع حسب ما يدعي، واستعان بمحمد بن سعود في تأييد دعوته إلى أن مات سنة (1206 هـ ــ 1791 ميلادي) وأعتنق آل سعود هذه الدعوة التكفيرية الشاذة، والتي أسسها الأستعمار في داخل الإسلام لضرب الإسلام .

[18]: السيد مرتضى بن محمد بن إسماعيل الحسيني العسكري، عالم ومؤرخ ومحقق، ولد في سامراء سنة (1332 هـ)، ثم هاجر إلى قم سنة (1350 هـ)، ثم رجع إلى سامراء سنة (1353 هـ)، أنتقل إلى بغداد وصار أستاذاً في كلية (أصول الدين) ثم عميداً لها، وهو من المؤسسين الأوائل لها، توفي في إيران سنة (1428 هـ) له من المؤلفات: (معالم المدرستين، عبد الله بن سبأ، خمسون ومائة صحابي مختلق) .

[19]: دور الأئمة في أحياء الدين، السيد العسكري، ج 1، ص 154 .

[20]: يراجع كتاب السنة للبربهاري كمثال، وكتب الحنابلة .

[21]: فرق أهل السنة، صالح الورداني، ص 246 .

[22]: قراءة في كتب العقائد المذهب الحنبلي أنموذجاً، حسن بن فرحان المالكي، ص 151 .

[23]: كيف جرى مفهوم القطيعة على التراث، إدريس هاني .

[24]: العرب والفكر التاريخي، عبد الله العروي، ص 25 .

[25]: المصدر السابق، ص 22 .

[26]: المصدر السابق، ص 223 .

[27]: التراث والحداثة، محمد عابد الجابري، ص 22 .

[28]: ونحن لا ندعوا إلى الأنتقاء أو الإنتقائية، وذلك لأن فيها ما هو سلبي، وفيها ما هو إيجابي .

[29]: الآحادية الفكرية في الساحة الدينية، حسن موسى الصفار، ص 59 .

[30]: فبعض التراث قد كتب بأمر من السلطان، وتحت وصايته، وروج له وعاظ السلاطين، والمتملقين ليصبح جزءاً من التراث .

 

الشيخ ليث عبد الحسين العتابي

 

jawadkadom gloomحينما نقارن بين ما نحن عليه من وهنٍ وتراخٍ وفتور في انشطة العقل السائد بيننا وبين الفكر المتطور الذي ابتكرته العقول الناجزة في العالم المتمدن والابتكارات السريعة التي يخلقها ويضعها امام شعوبه من اجل اسعادهم وارتقائهم الى مدارج نماء وسلالم الرقيّ بأعلى صفوفه؛ يصيبنا الحزن والأسى والنكوص لما نحن عليه من تخلّف وصل الى مدى الرثاء، كل ذلك سببه احتضار العقل وتكاد تتلاشى انفاسه وهو في الهزيع الاخير، قريبا جدا من الموت فاضحى جثة هامدة لا روح فيها فلا ابتكار ولا اكتشاف ولا ابداع ولا رؤى جديدة ولا قدرات عقلية خلاّقة تعمل على انتشالنا من عالم الفقر والجهل والخرافة والتهويمات المنتشرة بيننا

وكلّ الامم والشعوب الراقية التي تصادف الكثير من الصعاب والعراقيل تلجأ لعقول صفْوتها وعلمائها ومفكريها وسياسييها ذوي الحذق والفطنة من اجل تجاوز تلك الصعاب والمطبات التي لاتخلو منها حياتنا او حتى تذليلها بجهود عقلية مبتكرة تشاركه جهود عضلية ليكون واقعا ملموسا، هذه هي سمة الشعوب الحيّة الصاعدة

ولنضرب مثلا بسيطا فإذا انعدم المطر وشحّت المياه في موسم ما يعمل هؤلاء على انتاج مطر صناعي لتزهر الحقول وتنمو بدلا من ان يتجمعوا ليؤدوا صلاة الاستسقاء . واذا شحّ مصدر الطاقة يعمل الناشطون العقليون بكل جهدهم على انتاج طاقة بديلة وقد يكون انتاج هذه الطاقة البديلة انظف وارقى وارخص تكلفةً؛ ولو تعثّر قطاع الصناعة او الزراعة على سبيل المثال يمكن للنشاط السياحي ان يكون بديلا ويدرّ الكثير من الموارد دون ان ينبس احد بكلمات التشجيع ويعلن المتشدقون وهواة الاختلاف ان هذا حرام او يقول المتخرّصون ان بلادنا صارت مرتعا للأجانب بذرائع واهية على ان السيّاح ينشرون فيها المفاسد والآثام والفسوق لأنهم كفرة يجولون بيننا او اهل كتاب او ملاحدة وما الى ذلك من الاتهامات الرخيصة التي لاتشبع بطنا جائعة او روحا ظامئة للرواء والرخاء الاقتصادي

والجهد سواء كان عقليا ام بدنيا هو الطريق الاسلم للتمكّن والقدرة على خلق بناء تحتي وبروز حضاري مثلما الثقافة والوعي والتعليم الحسَن الممنهج سبيلا الى التحضّر والارتقاء له الفعالية على تشييد بناء فوقي يوافق الزمكان ودون ان ننسى تشذيب ذلك البناء الفوقي من الخرافات والتهويمات والعقائد غير النافعة التي تبعث الكسل والخمول وتعطّل قدرات الانسان الخلاّقة

الامم الراقية تتعلم من النقد البنّاء وتستفيد من تجارب الشعوب ان انتكست او انتصرت على معوّقاتها وتعتبر نجاح الاخرين نجاحا لها ويكون صعودها مصدر إلهام لها وانتكاساتها في حالة زلاّت اقدامها ويصير درسا يقيها الوقوع في مزالق الخطأ والتدبير غير الفعال

والشعوب الحية لاتعرف التسويف والتأجيل في حل المعضلات وايجاد سبل العلاج بل انها تعرف كيف تجهّز الدواء قبل حلول الداء، تلك الشعوب الحيّة مصنع دائم للابتكار وصيانة العقل وإدامة الحياة بأفضل مايمكن فان حلّ الجفاف في اراضيهم وتصحرت بقاعها ملأوا سماءها غيوما صناعية تمطر في الزمان والمكان الذي يريدونه وان قلّت مصادر طاقتهم اسرعوا بانتاج مصادر بديلة ونظيفة وان انتشرت افكار سقيمة في اوساط مجتمعهم عالجوها بالحوار والتوجيه والتأهيل كي يعود المجتمع الى صوابه وألاّ فالقانون الوضعي المعجّل يتأهب للردع والحزم والعقوبة دون ان يفوّضوا امرهم الى الغير كائنا من كان؛ واقعيا ام افتراضيا أوالى عقاب الاخرة المؤجل

هو ذا العقل الناجز الذي يتربّص بأيّ شيء فيه اخلال او خطأ او نقص ليعالجه قبل ان يستفحل ويتفاقم على العكس من العقل القاصر العاجز الذي يتجنب التحديات ولايقف امامها خوفا وهلعا وعجزا ويهرب الى التبرير وهذا العقل يرتعب من اية كارثة قد تحلّ او مشكلة طارئة قد تحصل فكيف به اذا جابه مشكلات مستعصية تحتاج الى تكثيف عقلي كي يمكن تذليلها ؟؟

والعقل العاجز يعتبر كل جهد مهما كان نوعه عديم المنفعة ويرضى بما يسمى " المقسوم " و " المقدّر " من قوى خارجية يظنّها خارجة عن ارادة الانسان والأكثر ايلاما وبؤسا انه لايتقبل النقد البنّاء ويصرّ على قناعاته التي استقاها من رواسب تربوية عفا عليها الزمن ومن رؤى عوراء لماضٍ سحيق خارج اطار الزمان والمكان الذي نعيش فيه الان وتراه يأنس بالاستسلام والركون الى القضاء والقدر لأن العقل السقيم ضعيف ومهزوز لايستطيع الانتصار على الصعاب

انه عقل تبرير لا تفسير وتراه يبرر الفشل في المعالجة الى قوى خارجية غيبية وينبش في الماورائيات للبحث عن منقذ خارج منظومة المجتمع الذي يترعرع فيه ؛ فهذا العقل التبريري منطوٍ على نفسهِ أعزل الارادة وجبان خائف حتى من أقلّ المشكلات وأوهن المطبّات

والعقل العاجز يخاف من النجاح الذي يتسابق عليه الاخرون ولا يقف على اهبة الاستعداد او يثب راكضا حاله حال عقول الامم والشعوب الحية الناهضة بعقولها وان ركض استحياءً ؛ تراه يلهث في اول المضمار ويرتخي قبل ان يصل الى الهدف، والغريب انه يقوى وينشط على غير عادتهِ فيما لو أحسّ بوجود فكر متنور في اوساط مجتمعه ويحاول بشتى الطرق ليعمل على إطفائهِ ؛ بينما العقل الناجز يعتبر طفرات الرقي والنهوض مازالت اقل من الطموح ويحاول بين آن واخر ان يحصل على رقم قياسي اعلى مما سبق بينما العقل العاجز يفقد تماما روح المنافسة وليس لديه مصدر الهام ليكون في مصاف النجاح لأنه ببساطة منزوع من سلاح الاصرار والثبات والعزم

لست ممن يندب ماضيا عريقا انقضى ولكني اقول اننا كنا سبّاقين في هضم واستيعاب وتقبّل تجارب وأفكار الشعوب ونقل عقولها الى إرثنا الحضاري في عمليات لقاح حضاري وتمازج ثقافي، ولا اريد ان اذكّر بالترجمات العريقة للنفائس والكتب المتنوعة التي كنا نأخذها من الاغريق والرومان وفارس والهند كي نلقّح بها عقولنا ونشذّب حضارتنا مما علق بها من شوائب ضارة ونضفي على موروثنا كلّ ماهو نافع وملهم من نتاجات الشعوب الفكرية وإبداع عقولهم سواء في الطب او الرياضيات او الفلسفة او الادب او الهندسة والعمران، وما التراجم الجمّة التي حفلت بها المكتبة العربية والاسلامية منذ العهد العباسي الاّ دليل حيّ على تكوين خلطة فكرية حيّة انتجت حضارة اسلامية فتحت صدرها رحبا وسعة على العقل المفكّر ايّا كان منشؤه فما بالنا اليوم نرتعد خوفا من ابتكارات الشعوب التي أرست اسس المدنية والتحضّر واستعانت بالحركات التنويرية ووصلت الى ماوصلت اليه الان من تقدّم ملحوظ في البناء السياسي السليم من خلال ترسيخ الديمقراطية وانظمة الحكم البرلمانية واللجوء الى صناديق الاقتراع الذي يمثّل خيارات الشعوب فيمن يقودها ويخدمها ويوصلها الى الطريق الافضل والأكثر رفاهية ورقيّا ؛ كل ذلك بسبب تدريب العقل على ابتكار الحلول من خلال التفكير السليم والانشغال بالغير قبل الذات

وماعلينا الان سوى ان نتعلّم من تجارب الشعوب والأمم الناهضة ونعترف بتقصيرنا وتخلّفنا، نتعلم كيف تدار مؤسسات الدولة بشكل ديمقراطي ونعترف بلا استحياء اننا في الصفوف الاخيرة وعلينا ان نحثّ الخطى ونطمر الكثير من قناعاتنا وإرثنا المعيق غير النافع وهناك من خزعبلات التراث علينا حرقها ودفنها الى الابد ولا يصلح الاقتداء او الاستعانة بها لانها شرر يتطاير على رؤوسنا يحرق الاخضر واليابس ويحيل الاخيار الى اشرار والنهضة الى كبوة ولابدّ من إعمال العقل ليتوافق مع الزمكان الحالي وكم من الشعوب غربلت فكرها وأبعدت الغثّ عن السمين وفرزت السقيم عن الصحيح وعزلت الافكار الصديئة عن الصقيلة ومهّدت السبيل الى مسارها للطريق الأسلم والأنفع والأجدر لانها تريد ان تنهض فالنهوض لا يتحقق اذا أسندت السلالم على أرض هشّة، كما اننا نحتاج عقل حاذق يشير اين نضع خطانا، فالتحليق الى الاعالي لا يتمّ بجناحين مهيضين ولو كانا جناحَي كاسرٍ قويّ الشكيمة

 

جواد غلوم

asaad alemaraمرة أخرى يكون الدين عامل يقود العقل بلا تروي، بلا وعي، والأحرى لنقل مصادرة العقل تماما، أنه الإفتتان الديني!!. يَعرف من درس علم الإجتماع حق المعرفة هذا المفهوم؟ وما هو تأثيره على الإنسان؟ وكيف يقوده بلا وعي إلى الهلاك، فعلا أنه يكون مسير من قبل شخص ما، قد يكون مرجعه الديني، أو تلميذه أو مريده، أو من يزقه العلوم الدينية زقًا بلا وعي.. إنه الإفتتان الديني.

تعرف الموسوعة الفلسفية الوعي بوصفه حالة عقلية من اليقظة يُدرك فيها الإنسان نفسه وعلاقاته بما حوله من زمان ومكان واشخاص، كما يستجيب للمؤثرات البيئية استجابة صحيحة.

ويعرف ايضا بأنه اتجاه عقلي انعكاسي، يمكن الفرد من إدراك ذاته والبيئة المحيطة به بدرجات متفاوتة من الوضوح والتعقيد.

أما التلاعب بالوعي فيمكننا أن نعرفه

كما يطرحه"الباحث..د. اسعد الاماره" هو قوة تأثير نشر الأفكار المتطرفة، أو غير المقبولة لدى عامة الناس بأساليب ملتوية، مستهدفين بذلك التأثير على الجوانب المعرفية "الادراك، التفكير، اسلوب حل المشكلة، العاطفة" وتحريفها الوعي.

أما الإفتتان الديني

فهو الإفتتان برجل الدين حد العبادة، أو بالطائفة، أو المذهب، أو الدين، ويغلب على سلوك الفرد أو الجماعة التوحد أو تقمص شخصية الدين الجمعية، أو المذهب، أو الطائفة، ولن يكون هناك فرق بينه وبين موضوع الإفتتان، فيكون عقله مُصادرْ، وسلوكه جمعي، أي تقمص كامل له.

تعد العبادات والرقص الديني نوعاً من السلوك الجمعي التي تمارسه المجتمعات في مختلف بقاع العالم حيث كانت الموسيقى والرقص هي إحدى وسائل أداء العبادات الدينية، وقد استمر هذا التقليد لعدة قرون وما زال لدى بعض الملل والنحل والطوائف ومنها الفرق الصوفية في الإسلام وبعض المجموعات ذات البشرة السوداء التي تستخدم الايقاعات الموسيقية مثل الرقص الديني، وربما استخدمت الموسيقى كطقوس دينية ووسيلة للعلاج النفسي وفي اعتقاداتهم، انها تبرأ من الأمراض وبعض الحالات غير السوية .

وهناك بعض الامثلة:

- العبادة بالرقص:

مارس مجموعة من اليهود الآرثوذوكس وتسمى هذه الطائفة (اليهود الحسيديم) .. فهم يعبرون عن العبادة بالرقص والأغاني والموسيقى .. وهي جزء من ممارساتهم الدينية .. وعدوها أيضاً جزءاً من التقوى والصلاح والعبادة . ويتجاوز اليهود الحسيديم ذلك إلى التعدي على مكانة الانبياء وقداسة الرسل بنسب مالا يليق بهم .. فقد ذكروا في التوراة أن النبي اليسع عندما كان يريد التنبؤ يطلب أن يؤتى له بعوّاد يضرب له بالعود (والآن فآتوني بعواد، ولما ضرب العواد بالعود كانت عليه يد الرب - سفر الملوك الثاني - )، ويدعي الحسيديم أن أكثر المزامير التي تنسب إلى داود كانت تغنى مع ألات موسيقية .

كان موسيقيو المعبد مقسمين إلى 24 موسيقياً .. وبعد تهديم المعبد انتقل الغناء إلى الكنيس .

ويعُبّر الغناء والرقص عند الحسيديم عن تماسك الجماعة ووحدتها .. ويقولون بأن للغناء معنى تحلق فيه روح الإنسان إلى الآفاق العليا وترتقي .. وقد اعتقدوا أن الإنسان يكون قريبا من الحضرة الإلهية فقط حينما يكون سعيداً ومسروراً .. وللحسيديم أقوال كثيرة في أهمية الأغاني وتأثيرها ..

- وفي اسيا – جنوب شرقي أسيا - ضمن دول كوريا والصين واليابان فقد استخدمت الموسيقى الدينية باوسع اشكالها ففي مملكة كوريو- كوريا الحديثة، كانت موسيقى مملكة شيلا هي نفسها السائدة في عصر مملكة كوريو(918-1392) في الدول المجاورة لها، ولكنها سرعان ما تنوعت فيما بعد وتكونت موسيقى دينية خاصة نابعة من تراث تلك الدول والممالك وثقافاتها السائدة . فكان هناك ثلاث أنواع من الموسيقى في مملكة كورويو هي / تانغ اك أو موسيقى مملكة تانغ الصينية، هنلنجاك أو موسيقى القرى، وأه- آك أو موسيقى النبلاء. إذنْ كانت موسيقى للفقراء وموسيقى للنبلاء على حسب الطبقات الحاكمة في المجتمعات، وتم وراثة بعض من موسيقى كوريو بواسطة مملكة جوسون 1392-1910. كما لا يزال بعض منها يستخدم إلى الآن في المناسبات الخاصة مثل الشعائر والعبادات خاصة فيما يتعلق بعبادة الاجداد. . وكما هو الحال في الموسيقى كان أيضا في الرقص، حيث كان في كوريو من موروثات عصر الممالك الثلاث ولكنها أضافت عليه فيما بعد فنون أخرى للرقص وذلك مع بداية رقص النبلاء والرقص الديني من مملكة سونغ الصينية.

- أما في التاريخ الإسلامي فقد كانت الإيقاعات الموسيقية باستخدام بعض الآلات لدى معتنقي الطرق الصوفية كوسيلة للتوحد مع الشيخ من قبل المريد والذوبان في حب النبي "ص"، واستخدمت هذه الطقوس الدينية في بداية القرن العاشر الميلادي، وقادها رجال دين مسلمون زهاد عرُفوا بتقواهم وتوعد هذه الجماعة مريديها بمكاسب مادية ومعنوية لا في الدنيا فحسب بل في الآخرة ايضاً، إلا أن بعض رجال الدين ممن لا يؤمنون بهذه المذاهب حرموها واعدها البعض منهم بدعة.

- من أمثلة الافتتانات في العالم في تاريخنا الحديث ما حدث في غانا في العام 1978:   لقد مات أكثر من 900 رجل وامرأة وطفل في مجزرة انتحارية في العام 1978 في مقاطعة منعزلة بـ (جونزتاون) – غانا، يبدو أن قرار الموت صنعه شخص واحد وهو القس "جيم جونز" فقد احتسى معظم اتباع جونز ماء مذاب فيه اقراص سيناميد الموجود في الوعاء مما ادى إلى مقتلهم كلهم والسؤال ما الذي يجعل الناس يستسلمون لحكم الفرد بهذه الطريقة ؟

يرى علماء النفس والاجتماع، أن قادة هذه المجموعات يستخدمون عادة أساليب معضلة من شانها جعل مثل تلك الطاعة العمياء امرًا محتملًا، فهم يميلون إلى أن ينضم إلى الجماعة الأفراد المستجيبون خاصة والذين يتأثرون بالإيحاء والتقبل لهذه الأفكار.

أما اليوم وفي التاريخ المعاصر، بداية القرن الحادي والعشرون، وبالاخص انتشار الطائفية بشكل مذهل، فقد أنتشرت ظاهرة الإفتتان الديني برجل الدين، أو بسلوك الأفراد المتطرفين في العنف أو التعذيب أو التمثيل بقتل الضحية بأبشع صورة، وإسنادها إلى التاريخ الإسلامي، وإختلاق أما نص للكتب الدينية المقدسة، أو لإحاديث مشكوك نسبها إلى النبي أو إلى الامام،أو لرجل من الصالحين !!، لا سيما أن الصراع الطائفي هو السائد الآن، وهو الموضة لدى الجيل من الشباب وقوة التأثير هي الأقوى على عقول الشباب واستبدال الوعي بوعي جديد، يميل نحو التطرف، رغم إن العالم اليوم يميل نحو الإنفتاح بين الشعوب، والإعتدال الجمعي لسلوك البشرية، والتقارب بفعل العولمه بجانبها الإيجابي من خلال التواصل والتقارب وتبادل المعلومات، إلا أن الإفتتان الديني وإتباع المرجعية التي يؤمن بها الشباب سواء كانت دينية، أو مذهبية، أو سياسية، في عالمنا الثالث – العالم المتخلف، هي التي تؤثر على عقولهم، وإختلاق رموز ليست واقعية.

 

د. اسعد الاماره

*استاذ جامعي وباحث نفسي

 

fatehi alhabowbiلا جدال في أنّ هناك جدليّة قائمة بين الموقف من حدث ما- بما هو ردّة فعل في علاقة بإعجاب الإنسان أو مقته لهذا الحدث- والصورة الإيجابية أو السلبية التي يخلّفها لدينا هذا الحدث في علاقة بالزمان والمكان. ذلك أن إختلاف الزمان أو المكان- بما هو اختلاف للظروف- قد يجعل الإنسان يغيّر موقفه من النقيض إلى النقيض، أو على الأقلّ يعدّله ليكون أكثر عقلانيّة وموضوعيّة ورصانة. ومعلوم أنّه خارج إطار الدين، لا أحد بإمكانه الإدّعاء بأنّه يمتلك الحقيقة المطلقة. لأنّ الثابت أنّ هناك حقيقة متعدّدة ونسبيّة لا حقيقة واحدة ومطلقة. لذلك إختلف الفلاسفة في تعريف الحقيقة فنظر إليها "أفلاطون" كواقع مفارق لعالمنا الحسّي، وأعتبرها "أرسطو" كواقع محايث -أي أنّها موجودة في العالم الحسّي وليست مفارقة له- ونظر إليها "ديكارت" باعتبارها مطابقة الفكر لمبادئه الذاتية.(أنظر المعجم الفلسفي لأندري لالاند(André Lalande). وفق هذا المنظور، فلا غرابة إذن أن يمجّد الإنسان حدثا ما، ثمّ ما يلبث أن يستهجنه بشراسة منقطعة النظير إذا ما استجلاه بالمساءلة واستقرأ أبعاده المختلفة ونظر إليه بعين ناقدة، أو توفّرت لديه معطيات وأدلّة جديدة حوله تصبّ جميعها في اتّجاه معاكس لما كان يعتقده عين الصواب. فكلّ موقف ، له بالتأكيد زوايا نظر مختلفة. والإصرار والعناد على الإبقاء على مواقفنا وآرائنا على ما هي عليه- كأنّها من المقدّسات- رغم الأدلة التى تناقضها، إنّما هو علامة من علامات الغباء. تكريسا لهذه المقاربة فإنّ المثل الفرنسي الشهير يقول : « وحدهم الأغبياء لا يغيّرون رأيهم » (seuls les imbéciles ne changent pas d'avis).

ودون الدخول في متاهات النظريات التي تتناول كيفية تشكيل الموقف وتغييره، لأنّ المجال هنا ليس مجالها، فإنّي أكتفي في هذا السياق بالإشارة فقط إلى أنّ من يكون على درجة كبيرة من الكبرياء فإنّه يصعب عليه تغيير مواقفه. وهو ما يعني فيما يعني أنّ الكبرياء والغباء إنّما هما وجهان لعملة واحدة، هي للأسف، كثيرة الرواج بيننا نحن العرب. وتأسيسا على ذلك، فإنّي اعتبر أنّ "جان جاك روسو" كان ذكيّا جدّا، لا بل وعبقريّا، ليس لأنّه كان له بالغ الأثر في مجريات الثورة الفرنسيّة، وفي نظريّة كارل ماركس (Karl Marx)الاشتراكية، وفي فلسفة إيمانويل كانط (Emmanuel Kant) صاحب "نقد العقل المحض"الذي أبان فيه قصور ومحدوديّة بنية العقل، وفي فلسفة آرثر شوبنهاور (Arthur Schopenhauer) صاحب "العالم فكرة وارادة" الذي أبان فيه أنّ العقل إنّما هو مجرّد أداة بيد الارادة التي تتحكّم به، وفي نصوص جوته (Goethe) الروائيّة والمسرحيّة والشعريّة ، وفي أدب ليون تولستوي (Léon Tolstoï) وخاصة في الجانب الاخلاقي منه وتفضيله العيش وفق أسلوب حياة الفلاحين، وفي الإبداعات الكثيرة للكاتب الروسي فيودور دستويفسكي(Fiodor Dostoïevski) وللشاعرالألماني فريدريك هولدرلين (Friedrich Hölderlin) وغير هؤلاء المشاهير، بل لأنّه كان له من الشجاعة ما جعله يغيّر مواقف له وآراء كثيرة كانت على غير صواب. ولأنّه لم يخش في ذلك مؤاخذات ولا مشاكسات الأوساط المثقّفة الملحدة المعادية له إيديولوجيّا من منطلق احتفاظه بإيمانه الديني. لا بل ولأنّه لم يخش كذلك- وهو الأهمّ- حتّى تلك السطوة النقديّة لكبار فلاسفة التنوير الذين عاصروه - بمن فيهم من بنى مجده قبل ظهوره- وكان زعيمهم الذائع الصيت، وأكثرهم شهرة بل وسلاطة لسان وشراسة في الدفاع عن آرائه، خصمه الألدّ "فرانسوا ماري أرويه"(François-Marie Arouet) شهر فولتير، وهو القائل :« الانحياز هو الرأي من دون تحكيم العقل ». بما يعني انّ فولتير نفسه لا يختلف مع روسو في هذا الشأن رغم اختلافه معه في كلّ شيء. وهو لا يرى حرجا في تغيير رأيه إن كان لاَ مَنْدُوحَةَ لَه عَنْ ذلك، بعد وضع الرأي تحت مجهر العقل الذي لا سلطان عليه لدى فلاسفة التنوير. وهم أيضا ملحدون في أغلبهم. لأنّ لا إلاه عندهم سوى العقل الذي لا سلطة عليه لأيّ نصّ مهما كانت قداسته. لكنّ هذا العقل الذي له هذه المكانة المميّزة التي تجلّه عند الغرب يتبرّأ منه ويكفّره -للأسف- أحد من نسمّيهم أصحاب المذاهب الإسلاميّة الأربعة-وهي ليست موضوعيّا إلّا ثلاثة فقط – ألا وهو أحمد بن حنبل الذي يرى أنّ العقل ذاته كفر. وتأسيسا على ذلك، فهو يرفض بشدّة استعمال العقل حتّى أنّه خاض معارك طاحنة مع من يستخدمون عقولهم في فهم الوحي تأويلا وتعليلا وتنزيلا، ووجّه لهم اتهامات كثيرة وشتائم خسيسة لم يسلم منها حتّى أبو حنيفة النعمان المشهور بإمام أهل الرأي -رغم أنّه أوّل الأئمة "الأربعة " وسيّد الفقهاء في عصره- لأنّ هذا المتفقّه أو المتطفّل على الفقه يرى أن « القول بالرأي والتعليل والمقاصد؛ تشريع عقلي، فيما أنّ الدّين إلهي !! ». ولعلّ ما هو أغرب إنّما هو أن نعتبر الحنبليّة مذهبا فقهيّا، لأن فكر التكفير وسفك الدماء ليس باستطاعته أن يبني مذهبا متماسكا ومقبولا. أضف إلى ذلك أنّ بعض أقطاب علماء أهل السنّة، ومنهم الطبري وابن جرير وابن عبد البر، لا يعتبرون بن حنبل فقيها، بل يعتبرونه مجرد ناقل حديث/محدّث(1). وقد وصفه أحد معاصريه هو وأتباعه بالصبيان ؟. وهو على حقّ، لأنّ ما نعانيه اليوم ممّا تأتيه القاعدة وداعش ونحوهما من أعمال عنف وإرهاب يستحي من فعله إبليس كبير الشياطين، إنّما هو نتيجة للفكر الصبياني التكفيري الذي أسّس له أحمد بن حنبل ونهجت عليه السلفية وكرّسه الفقه الوهابي المتخلّف والمنحرف في ما يمكن تسميته بفقه الدماء. المعذرة عن هذا الإستطراد الذي فرضته المقارنة بين فكر الأنوار المنفتح على الحياة والفكر الظلامي المنغلق على الذات والمنفتح أبدا وقصرا على الموت وسفك الدماء.

ولعلّه من الضروري التأّ كيد على أنّ روسو صاحب "العقد الاجتماعى" الذي هو بمنزلة "الكتاب المقدّس" للثورة الفرنسية العظيمة، إنّما هو رجل ثوري لا يعرف المهادنة. حتّى أنّ كارل ماركس ملهم الثورة البولشفيّة نوّه به وقال عنه: « لقد رفض روسو دائما كل تسوية مع السلطة القائمة ». غير أنّه رغم هذه الشخصيّة القويّة، التي تبدو عنيدة في ما يتعلّق بالمبادئ الثابتة إلّا أنّها في واقع الأمر مرنة فيما عدى ذلك. إنّها شخصيّة رهيفة الإحساس، بدليل قول روسو « إن قلبي الحساس كان أس بلائي كلّه*»، لكنّها ترفض الإكتفاء بالرؤية الضيّقة والأفق المحدود لأنّها توّاقة أبدا إلى الحريّة. بهذا المعنى فإنّ روسو لا يجد غضاضة في تغيير آرائه ومواقفه من الضدّ إلى الضدّ، حتّى وإن تعلّق الأمر بمذهبه الديني أو به شخصيّا كموضوع. وفي هذا يذكر روسو في كتاب "الإعترافات" ما سيقوله بصوت عال امام الله يوم الحشر : « لقد تحدثت إلى الأبرار والأشرار بنفس الصراحة، وما أخفيت شيئاً فيه سوء، ولا أضفت شيئاً فيه خير. وقد أظهرت نفسي كما أنا: حقيراً خسيساً حين كنت كذلك، وخيراً سمحاً نبيلاً حين كنت كذلك، لقد أمطت اللثام عن أعمق أعماق نفسي»*. ولعلّ هذا ما يفسّر تحوّله من البروتستانتيّة إلى إعتناق الكاثوليكيّة ثمّ العودة إلى البروتستانتيّة /الكلفينيّة. وسنتبيّن فيما بقى من هذه العجالة تراجع روسو عن بعض مواقفه الخاطئة من خلال بعض النماذج من نصوصه. حيث أنّ روسو، وهو في السابعة والثلاثين من عمره، وفي أوّل مقال له، جوابا على سؤال طرحته أكاديمية ديجون(Dijon) وهو : « هل أعان إحياء العلوم والآداب والفنون على إفساد الأخلاق أم على تطهيرها؟» هاجم منجزات العلم، وتمظهرات السلوك الرّاقي المهذّب بالمجاملات، وكذا إبداعات الفن. كما دافع عن الدين مؤكّدا على أنّ الأخلاق قد زادت سوءا والروح قد زادت جفافا نتيجة لحلول المنطق محل الوجدان وحلول العلم محل الدين. يقول روسو« ما بال هذا "التقدم" الذي يزهون به، و"تحرير العقل" هذا الذي يفاخرون به-هل أحلّا شيئاً محلّ ما دمّراه؟ هل أعطيا الإنسان صورة للعالم ومصير الإنسان أكثر وضوحاً للأفهام أو إلهاماً للنفوس؟ هل حسَنا حظوظ الفقراء، أو أتيا بالعزاء والسلوى ... للمتألمين المكروبين؟»* ومن بين الأمثلة التي إستشهد بها روسو في هذا المضمار أنّه لمّا أخضع شارل الثامن ملك فرنسا "توسكانيا" و"نابلي" لحكمه دون مقاومة تذكر من روما، « عزت حاشيته كلّها هذا النجاح غير المتوقّع إلى انصراف أمراء إيطاليا ونبلائها باهتمام أعظم إلى تثقيف عقولهم دون الاهتمامات النشيطة والأعمال العسكرية » بحيث أنّ « الفنون والآداب تنخر في عافية المحكومين والحاكمين*». ويشير روسو في نهاية المقال إلى أنّه يجب على الناس أن يتعلّموا « ولو مرة أن الطبيعة كانت تحميهم من العلم، تماماً كما تخطف الأم سلاحاً خطراً من يدي ولدها* » ثمّ يخلص إلى « أنّ رقي العلم قد أفسد أخلاق البشر أكثر مما طهّرها *». وهو ما قد يتقاطع في جزء منه مع ما ذهبت إليه سيمون دي بوفوار، في عصر غير عصر روسو، حيث قالت : « مهما كانت الدولة، رأسمالية أو اشتراكية، فالإنسان مسحوق أينما كان من طرف التكنولوجيا، التي تجعله متغرّبا عن عمله، مسجونا، ومجبرا على التخلّف ».

وبديهي أن لا تقبل هذه الافكار النّاشزة التي تندّد بالعلم والفلسفة والفنون وتخالف توجّهات العصر. لا سيما أنّها ظهرت في فترة إرهاصات مخاض الثورة الفرنسيّة التي آمن مفجّروها لا بالعقل فحسب بل وبفكرة الأخذ بأسباب التقدّم في مختلف تجلّياته العلميّة والثقافيّة فضلا عن ازدهار الآداب والفنون الجميلة، بما جعل الفيلسوف دنیس دیدرو (Denis_Diderot) يستعدّ أنذاك لإصدار ولأوّل مرّة "موسوعة الفنون والعلوم والحرف" (encyclopédie) . لذلك تصدّى الجميع لأفكار روسو وقاومها ليغدو روسو مرفوضاً من المجتمع، بل منبوذا ومتّهما بالجنون مجسّدا فعلا وبحقّ مقولة « إنّ أعالي الأشجار هي التي تداعبها الزوابع *».

   وعلى قاعدة « لا يعرف الحق بالرجال ولكن يعرف الرجال بالحق » . أقرّ روسو لاحقا، في آخر كتاب له وهو "الاعترافات" بأن ما ذهب إليه في مقاله الأوّل كان ضعيف الحجّة حيث أنّه« كان مفتقراً الافتقار كلّه إلى المنطق والنظام وإن زخر بالقوة والحرارة؛ فهو أضعف ما كتبت إطلاقاً من حيث الحجة، وأخلاه من الإيقاع والانسجام* ».

وهو اعتراف بالخطأ سيقوم بمثله الفيلسوف مارتن هايدغر (Martin Heidegger) حيث أنّه عندما تولّى منصب عميد إحدي الكلّيات الألمانية صرّح بإنّ « الفوهرر(Führer) -وهو الفاشي هتلر أنذاك- نفسه ولوحده هو حاضر ومستقبل الواقع الألماني وقوانينه ». ولمّا سئل عن ذلك لاحقا أكّد أنّ هذه الشهادة جاءت في إطار التنازلات التي بدونها لا يمكن تزكيته للمنصب. مؤكّدا في ذات الوقت أنّه لا يمكنه اليوم أن يكرّر مثل هذه الكلام.

وأمّا في مقاله الثّاني الذي كان هو الآخر مثيرا للجدل، والذي كان أيضا يجيب في ثناياه على سؤال طرحته أكاديمية ديجون(Dijon) وهو : « ما الأصل من عدم المساواة بين البشر، وهل يقرّه قانون الطبيعة ؟» فقد زعم روسو أنّ عدم المساواة بين البشر كان من نتائج تخلّي البشر عن الحالة الطبيعية، وأعتمادهم للملكيّة الخاصة التي تحميها الدولة بفرض القانون. وأنّه من الأفضل أن يعيش الناس حالاً من الهمجية يحافظون فيها على البساطة وعلى مزايا الطبيعة وتكون حالة وسطى بين الحال الطبيعية، والحال الاجتماعية. وفي سياق التغنّى بمناقب الإنسان الطبيعى الطاهر يقول روسو « حين نفكر في بنية المتوحشين القوية(...) وفي أنهم لا يكادون يعانون من أي علل (...)، يغرينا هذا بالاعتقاد بأننا في تتبعنا لتاريخ المجتمع المدني؛ إنما نحن نروي تاريخ أمراض البشر ». معتبرا «أنّ أغلب عللنا من صنعنا، وكان يسير علينا أن نتجنبها، كلها تقريباً، بالتزام أسلوب الحياة البسيطة، (...)، الذي قررته الطبيعة. فإذا كانت الطبيعة قد قضت بأن يكون الإنسان سليماً صحيحاً، فأنني أجرؤ على الزعم بأن حالة التفكير والتأمل حالة تناقض الطبيعة* ».

ويرى روسو أنّ العصر الذي كان الإنسان فيه أكثر سعادة إنّما هو العصر الذي كان فيه « المجتمع الطبيعي الوحيد، هو الأسرة* » حيث إنعدمت القوانين، بإستثناء تلك التي يفرضها النظام الأسري والسلطة الأبوية. وهي حالة تقترب من المثاليّة « لقد كانت هذه الحالة في جملتها أفضل حالة يستطيع الإنسان ممارستها، فلم يكن ليعدل عنها لولا أن أصابه خطب فادح* » وهو المتمثّل في الملكية الفردية التي جعلت « القلة المميزة تكتظ بالكماليات، على حين تفتقر الجماهير الجائعة إلى أبسط ضروريات الحياة*» ، وكانت سببا في كل الكوارث التي أصابت الإنسان تحت عنوان الحضارة. ورغم ذلك « لن يستطيع الإنسان العودة أبداً إلى زمان البراءة والمساواة متى تركه *».

لكنّ هذه المواقف التي هي في المجمل ضد المجتمع والقانون والملكيّة الخاصّة، ستنقلب رأسا على عقب، عندما يساهم روسو بمقال في موسوعة ديدرو الضخمة بعنوان : "مقال في الاقتصاد السياسي". حيث أصبح روسو يعترف بالمجتمع والملكيّة الفرديّة والقانون والدولة التي قال عنها « ». « أن الدولة (...)هي مصدر القوانين، وهي التي تشكل (...)القاعدة التي تفرق بين العدل والظلم* »     وأمّا القانون الذي كان ينتقده روسو ويراه واحدا من آثام الحضارة، وأداة لفرض النظام على الجماهير المستضعفة ، فقد أصبح ينظر إليه على انّه « هو الذي يدين له الناس بالعدل والحرية* » حيث وصفه بأنّه « الجهاز النافع من أجهزة الإرادة الجماعية الذي يرسي، في الحق المدني، المساواة الطبيعية بين البشر، إنه الصوت السماوي الذي يملي على كل مواطن مبادئ العقل العام ». وإمّا الفضيلة التي قال عنها سابقا بأنّها « تعبير الإنسان الحر الطبيعي *» ، فإنّه يعرّفها لاحقا في المقال الموسوعي بأنّها « ليست سوى مطابقة الإيرادات الفردية للإرادة العامة *». ولكن بعد هذه المواقف المتغيّرة، المتراوحة بين الذمّ والمدح لذات المفاهيم هل يجوز نعت روسو بالكاذب وفق مقولة« من مدح وذمّ فقد كذب مرّتين؟ » قطعا لا. بل لا يزيده ذلك إلّا عظمةً وجلالاً. لأنّ روسو قد تراجع عن مواقفه الخاطئة من منطلق الصدق والرغبة في قول الحقّ والنزاهة العلميّة لا منطلق النفاق وإنتهازيّة المتسلّقين. وهو ما جعله رغم قامته السامقة فكريّا، يعيش فقيرا معدما منبوذا من المثقّفين الذين تغدق عليهم السلطة بسخاء ومطاردا من الكنيسة ومطاردا من السلطة بإيعاز ليس فقط من اليمينيين الملكيين والبورجوازيين أصحاب البطون المنتفخة، بل ومن أولئك المثقّفين المترفين ومنهم فولتير. إنّها ضريبة الصدق مع النفس ومع الآخرين في عالم منافق لا يعترف بالأخلاق والفضيلة ولا يخلو أبدا من الذئاب الجائعة في كلّ عصر ومصر.

 

المهندس فتحي الحبّوبي

.............................

(1) أنظر الكامل في التاريخ ج6 ص 677 -678 وضحى الإسلام ج2 ص 235

(*) قصة الحضارة - ول ديورانت - المجلد العاشر: روسو والثور

 

laythe alatabiقال تعالى: ((هَلْ أَتى عَلَى الإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً (1) إِنَّا خَلَقْنَا الإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً (2) إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً)) سورة الإنسان، الآيات (1) ـ (3) .

يشكَّل الإنسان محور التفكير عند العلماء والمفكرين بمختلف منظوماتهم الفكرية والعقائدية، ولكي نبيَّن أصوله التاريخية والاجتماعية لابد من العودة إلى كيفية خلق الإنسان في المصادر الإسلامية، وذلك من خلال تتبع الآيات القرآنية، وأحاديث المعصومين (عليهم السلام) .

فقد ورد في آيات الذكر الحكيم وفي الأحاديث المباركة للمعصومين (عليهم السلام) أطوار خَلق الإنسان الأول، وبأنه خُلق من تراب، أو من طين، أو من طين لازب، أو من سلالة من طين، أو أنه من حمإ مسنون، ومن صلصالٍ كالفخار .

وفي هذه المراحل يكمن الإيذان بتحول جديد، بولادة مخلوق مميز بسمات وملامح الطور الآدمي، ومكلف بمهمة خاصة خُلق من أجلها .

فمادة الخلق الأول هي (التراب) والتي يكمن فيها قوة هذا المخلوق وضعفه، فضلاً عن أنها أساس مبدأ الوحدة بين أبناء البشر .

فقد أشار الله سبحانه وتعالى إلى خلق آدم (عليه السلام) من تراب:

قال تعالى: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) سورة آل عمران، الآية (59) .

كما وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ((النَّاسُ بَنُو آدَمَ وَخَلَقَ اللَّهُ آدَمَ مِنْ تُرَابٍ))1 .

وقال تعالى: (الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِنْ طِينٍ) سورة السجدة (7) .

والطين هو التراب الممزوج بالماء، ويعد الماء الأصل لجميع المخلوقات .

قال تعالى: (وَجَعَلْنَا مِنْ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ) سورة الأنبياء (30) .

فآدم خلق من طين خُمّر بالماء . فالماء مبدأ الخلق الأول والذي وجد قبل كل موجود، وهو العنصر الأساس في ديمومة الحياة .

و بيّن الله سبحانه وتعالى أنه خلق آدم من سلالة من طين .

قال تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ) سورة المؤمنون (12) .

وهنا وصف للطين الذي خلق منه آدم (عليه السلام) وبأنه استل من سلالة من طين: أي من طين خالص .

ونجد أن الله سبحانه وتعالى يصف الطين وصفاً آخر في قوله جل وعلا: (إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ) سورة الصافات (11) .

يقول ابن عباس (رضي الله عنه): (اللازب الطين الحر الجيد اللزج).

وتعدّ مرحلة خلق الإنسان من طين لازب ثالث مراحل خلق الإنسان، ثم يتحول هذا الطين إلى حمإ مسنون فصلصال كالفخار .

قال تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ) سورة الحجر (26) .

فالطين الذي خلق منه آدم بعد أن خمرّ بالماء، اصبح من حيث اللون والرائحة كالحمإ المسنون، فهو مائل إلى السواد منتن . ثم تُرك حتى جفّ فأصبح من حيث الصلابة والصوت صلصالاً كالفخار .

تلك المراحل التي مرّت بها المادة التي خُلِقَ منها آدم (عليه السلام) خَلْقُ الله الأول، وأصل البشرية الأول، وأبو البشرية جمعاء .

إن قصة خلق آدم (عليه السلام) في الفكر الإسلامي وفي المنظومة الإسلامية، قد تمت بمعجزة إلهية، وأن هناك صلة ما بين مادة الخلق وطباع المخلوق، فقد خُلق الإنسان من تراب ليكون متواضعاً وليكون أشد التصاقاً بالأرض التي خلق منها . فضلاً عن أن طبيعة تكوينه الملائمة للتفاعل مع البيئة التي يعيش فيها منسجمة مع طبيعة تكليفه ليكون خليفة الله في الأرض . فطبيعته تكون من طبيعة تكوينه، فكان تكوينه مناسباً لمكونات البيئة، وللمهمة التي خلق من أجلها .

وبعد أن خلق الله تعالى آدم (عليه السلام)، وهو المخلوق الأول من البشر، اقتضت إرادته أن يخلق المرأة وهي صنو الرجل، فكانت حواء .

قال تعالى: (خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالا كَثِيرًا وَنِسَاءً) سورة النساء (1) .

كل ذلك إشارة إلى أن هذه الحقائق الفطرية البسيطة فيها دلائل كبيرة وعميقة جداً، فهي توحي بأن هذه البشرية صدرت عن إرادة واحدة، وانبثقت من أصل واحد، وتنتسب إلى نسب واحد، وتتصل برحم واحد، وتلتقي في وشيجة واحدة . وما الفوارق الموجودة والموضوعة ـ جميعها ـ إلا أمر طارئ .

فالبشر كلهم من أصل واحد، وأب واحد، وأم واحدة، ثم تكاثروا وانتشروا وتفرقوا، بخلاف النظريات الآخرى القائلة بتعدد أصل البشر، وأن لكل فئة، ولكل عرق، ولكل لون أب خاص به .

وسواء كان للبشرية آدم واحد، أم أنه كان هناك آوادم آخرين متعددين، فالأصل يبقى (آدم)، ويبقى للبشرية ـ الموجودة ـ أب واحد وأم واحدة .

و ذلك هو مصداق قوله تعالى: ((يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)) سورة الحجرات (13) .

فقوله تعالى ((مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى)) أي: من ذكر واحد، ومن أنثى واحدة، وإلا فما الداعي لذكر ذلك والتأكيد عليه، إذ من المعروف أن أصل التوالد يكون من الذكر والأنثى، إذن فالمراد أن الخلق كان من ذكر واحد وأنثى واحدة تزاوجوا وتوالدوا فكانت منهم الشعوب والقبائل، ثم البشرية جمعاء .

لقد تناول القرآن الكريم موضوع (الخَلق) بأسلوب علمي رصين ودقيق، يتوافق توافقاً تاماً مع نهجه العام الملتزم بالموضوعية العلمية . فقد وجه الإنسان إلى البحث والنظر في الأرض ذاتها بما فيها من آثار ومخلوقات يمكن من خلالها أن يكشف عن كيفية بدء الخلق ومن ثم عن تفرعه وتكاثره وتنوعه .

فذكر القرآن الكريم أن الأصل الأول للإنسان هو الماء والتراب أي (الطين)، والصلصال من الحمإ المسنون أي (الطين المختمر) . وهذا يعني أن العناصر التي يتكون منها جسم الإنسان هي العناصر الموجودة في طين الأرض، ومائها، وترابها .

أما العقائد غير القرآنية ـ وبشكل عام ـ فقد نظرت إلى بداية الخلق نظرة أسطورية خيالية تبتعد كثيراً عن أسلوب التفكير العلمي السليم .

إن قصة الخلق في العقائد غير القرآنية طويلة ومتهافته مليئة بالأساطير والخرافات البعيدة عن منطق العقل السوي .

(ومما يؤسف له أن تمت في العصر الحديث صياغة إيديولوجيات ومعتقدات دوغمائية تستند على أصول وهمية من دعاوي التفوق العنصري أو الديني أو السلالي، وتدَّعي أن شعباً ما هو " شعب الله المختار " أو أن جنساً من الأجناس " فوق الجميع " وكل هذه الادعاءات ظهرت في قلب حضارة الغرب، وذاق العالم ويلات كثيرة من المنازعات والصراعات والحروب ولا يزال يعاني منها في مواضع شتى)3-4 - .

إن الإيمان بنظرية (وحدة الأصل البشري) القرآنية هو الحل الأنجع للبشرية لكي تخرج من جميع مآزقها، ولتتخلص من العنصرية والحروب والصراعات التي لا تنتهي .

لقد كشفت الشواهد العلمية بأن الطقس الأوربي لم يكن قبل ما يقارب العشرين ألف سنة طقساً يساعد الإنسان على العيش في كنفه، إنه الإنجماد، ولم تحدث الهجرة من الشرق بوجه عام والشرق الأوسط بشكل خاص إلى الاصقاع الشمالية (الأوربية) إلا بعد المرحلة الجليدية الأخيرة، كما وإن لقصة نبي الله نوح (عليه السلام) والطوفان الأثر الكبير في التأكيد ـ غالباً ـ على انبثاق الجنس البشري من الشرق .

يعتقد الباحث الإيطالي (لويجي لوكا كافالي سفورزا)5 وعدد من العلماء بنظرية أن أصل البشر من منطقة الشرق التي يبدو أنهم قد زحفوا إليها من أفريقيا .

 

الشيخ ليث عبد الحسين العتابي

....................

1- رواه الترمذي، برقم (3193) .

2-   ألفاظ خلق الإنسان في القرآن الكريم، يونس حمش الجوعاني، ص 16 .

3 - المبادئ العامة للعلاقات الدولية، إبراهيم البيومي غانم، ص 201 .

4- ومن المضحك المبكي أن بعض المستشرقين وعلماء الغرب يصفون عصر الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) بالعنف والوحشية مقارنة بعصرهم الذي يصفونه بالأمن والوداعة والإستقرار . ولا أدري أين نضع سنوات الجنون العالمي في الحربين العالميتين ووحشيتهما التي فاقت جميع التصورات . أم أين نضع الملايين الذين سفكت دماؤهم على يد ستالين، وهتلر، وتشرشل، وهاري ترومان رئيس أمريكا الذي ضرب اليابان بالقنابل النووية، وغيرهم من تجار الدم البشري !؟

5- في كتابه (الجينات، الشعوب، واللغات) الذي صدر عام 2000 ميلادي، والذي ترجم في عام 2004 ميلادي بمصر، وقد نقلنا عباراته بأختزال وتصرف .

hyam muhiadinفي عصور الازدهار الحضاري للفكر الإسلامي، ظهرت مئات الآراء والرؤى في فهم النص الديني وتعددت مدارس الفكر ومذاهب الفقه كل منها يطرح فهمه للنص الديني من خلال قدرته الفكرية وثقافته الخاصة ولذلك تعددت المفاهيم والآراء رغم ثبات النص باختلاف بيئة ونشأة وثقافة ومعارف وشيوخ من تعرضوا لشرح وبيان المقصود الإلهي من عقائد الدين وعباداته ومبادئه التي وردت بالنص الديني في القرآن الكريم أو سنه رسول الله صلى الله عليه وسلم الفعلية المتواترة أو روايات أحاديثه الشريفة وفى تلك العصور المزدهرة المتسمة بحرية الفكر واتساع ساحة الاجتهاد كان السائد هو احترام الرأي المخالف واحترام كل منهم لرؤى المختلفين معه والرد عليهم بالحجة والحكمة والموعظة الحسنة، وقد اشتهر عن الإمام الشافعي قوله: رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأى غيري خطأ يحتمل الصواب ومن جاءنا بخير مما نقول أخذنا به، أما ما روى عن جريمة الزندقة والتي قتل بسببها بعض مشاهير عصور الازدهار فقد كانت تهمة سياسية ابتكرها الخلفاء للتخلص ممن يريدون الخلاص منهم لمجرد أنهم يتحدثون عن فلسفة ماني الاجتماعية ومزدك المجوسية وهما فيلسوفان فارسيان ظهرا قبل الإسلام بقرون ولم تكن أفكارهم دينا أو عقيدة، ولذلك لا أرى في هذه الروايات عن الزندقة اضطهاد دينيا أو إلزاما بفكر معين ففي رأيي انه تخلص سياسي من شخصيات خطرة على النظام، وحتى ما يسميه أهل الحديث والنقل بمحنة خلق القرآن في عصر المأمون وهو من أعلى عصور الازدهار الحضاري، فلم يكن الأمر بهذه الخطورة التي بالغ فيها أهل الحديث مبالغة شديدة فالمشكلة كلها لا تمس ثوابت الدين أو مكانة وعظمة وإعجاز القرآن الكريم سواء كان كلام الله الذاتي أو مخلوقاً معجزاً من مخلوقاته كالملائكة والبشر والسموات والأرض، ولكن المبالغة وتكفير المعتزلة الذين قالوا بخلق القرآن إنما جاءت مع بداية الانحدار الحضاري والفكري في عصر المتوكل والذي فقدت فيه دولة الخلافة العباسية قوتها ووحدتها وتحكم فيها الأتراك السلاجقة يقتلون الخلفاء ويسملون أعينهم ويولون من شاءوا ويعزلون من شاءوا وأصبح الخلفاء دمي يتلاعبون بها لا سلطة لهم ولا حكم، وكان من الضروري سياسياً في هذا العصر المظلم تكميم الأفواه وإغلاق أبواب التفكير الحر والاجتهاد وفرض رؤية واحدة للنص الديني وقصر التفكير الفقهي على ترديد أقوال السابقين وشرحها وبدأ علماء الحديث في بذل جهود ضخمة في جمع الحديث النبوي من أفواه الرواة ووضعوا علم مصطلح الحديث وظهرت كتب الصحاح الكبرى كالبخاري ومسلم والترمذي وابن ماجه والنسائي لتعويض توقف الاجتهاد والتفكير بنصوص روايات الحديث باعتبارها تشريعا ملزما يغني عن التوسع في الاجتهاد الفكري في فهم النص الديني ويقيده في نفس الوقت ثم بالغوا في تقديس هذه الكتب لدرجة تكفير أي بحث عقلي فيما ورد فيها من أحاديث، وتحول الفكر الإسلامي إلى محاولة شرح ما كتبه السابقون ومتون على الشروح وشروح للشروح وتوقف الفكر الإبداعي تماماً بل وصل الأمر إلى ظهور شخصيات نالت قداسة عالية بترديدها لأقوال الأقدمين وتبريرها المزايدة عليها والتشدد في اتباعها وتكفير من يحاول تفنيدها أو التفكير النقدي فيها، بل ومعاقبة وحرق كتب من يبتكر منهجاً جديراً يعتمد منهجاً عقلياً أو نقدياً لما نقلوه وكتبوه مثلما حدث لكتب أبي الوليد بن رشد وظل الفكر الإسلامي يعيش داخل سجن هذه الموروثات التي أصبحت بعيدة تماما عن روح العصر حتى أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين "القرن الرابع عشر الهجري" حين ظهر بعض المفكرين المستنيرين الذين حاولوا استعادة التفكير في النص الديني والمقصود الإلهي في ضوء تطور العصر ومعطيات العلم الحديث وتغير المجتمعات البشرية والثورات الفكرية والعلمية والتقنية مثل الإمام محمد عبده والدكتور طه حسين والشيخ على عبد الرازق والشيخ محمود شلتوت والشيخ محمد أبو زهرة والشيخ محمد الغزالي وغيرهم والذين لاقوا اضطهاد ومعارضة عنيفة من المحافظين من الشيوخ التقليدين الذين قدسوا أقوال السابقين كأنها وحي منزل، وقد كتب لكتابات ودعوات التنوير الانتصار والنجاح والإقناع رغم ظهور جماعة الإخوان المسلمين عام 1928 لأن الجماعة لم يكن من أهدافها تبني رؤية دينية سلفية كانت أو تنويرية بل كان هدفها الرئيسي سياسيا يتمثل في إنشاء جماعة تدين بالولاء والطاعة المطلقة لقائد فرد " المرشد العام " له من القداسة والمكانة ما يجعل أوامره فرضا دينيا واجب التنفيذ لذلك شقت حركة التنوير طريقها من مصر إلى الكثير من بلدان العالم العربي والعالم الإسلامي وحين ترجمت أفكارهم وكتبهم، التي تعرض الإسلام كما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم عرضا يتسق مع الفكر المعاصر ويخاطب العقل الإنساني العام، ويبين إعلاء الإسلام لقيم الإخاء والمساواة والتسامح والصدق والأمانة والعدل والحرية عن طريق المجلس الأعلى للشئون الإسلامية بالقاهرة إلى حوالي أربعين لغة في منتصف الخمسينيات من القرن العشرين، استطاعت إقناع الملايين في أوربا والولايات المتحدة باعتناق الإسلام، وكانت ظاهرة انتشار الإسلام بين الأوربيين والأمريكيين (خاصة الأمريكيون السود) إنذار لم ترض عن استمراره القوى الاستعمارية والإمبراطورية في أوربا وأمريكا، وأدركت هذه القوى أن هذا العرض المستنير القوى الحجة لحقائق الإسلام عقيدة وشريعة، عبادة وسلوكاً، فكـــــرا ووجـــداناً وروحانيـــة، لا يمكن وقف اعتناق شعوبهم له أو مقاومته، إلا من خلال تدميره من الدخل وتولت المخابرات الأمريكية والبريطانية الأمر واقترح الخطة وأشرف على تنفيذها عميل للمخابرات الأمريكية اسمه " جيمس أنجلتون " كان على علاقة وثيقة بالموساد الإسرائيلي وبيهود الاتحاد السوفيتي لتجنيدهم كجواسيس للولايات المتحدة وابتداء من عام 1961 بدأ جمع كتب علماء التنوير من كل مكتبات العالم ومنع دور النشر من إعادة طبعها وشراء أي نسخ جديدة تطبع في مصر وتخزينها أو إتلافها، ثم قامت المخابرات البريطانية بترجمة كتب أبي الأعلى المودودي المفكر الإسلامي الباكستاني والتي تتسم بفهم منغلق متطرف للعقيدة الإسلامية من لغة الأوردو الهندية إلى اللغة العربية وهربوها إلى المنظر الإخواني المعروف " سيد قطب " في سجنه في مصر فوجد فيها ضالته التي طال بحث جماعة الإخوان عنها لوضع برنامج سياسي للجماعة يقوم على تفسير متشدد للنص الديني يتسم بالعنصرية ويكفر كل من يعارضه، ويتخذ من توسيع نطاق العنف والإرهاب وسيلة لفرض رؤيتهم التي تكفر المجتمع والنظم السياسية والمجتمعية القائمة وتدعو إلى تغييرها بالعنف كما اتضح في كتابه " معالم في الطريق "، كما شجعوا ومولوا إعادة طبع كتب التراث التي كتب معظمها في عصور الضعف والتخلف الحضاري للأمة بأعداد كبيرة وساعدوا على اعتمادها وحدها كمرجعية دينية لا تناقش واستغلوا بنجاح شديد حرفية بعض المشايخ في فهم النص الديني " شيوخ الوهابية في الجزيرة العربية كمثال " في نشر فكر التعصب والتطرف والعنف ورفض الآخر، ونجحوا إلى حد كبير في عرض صورة منفرة للإسلام أبعدت عنه العقل الأوربي وقضت على فرص انتشاره، وحين انتشر هذا الفكر في العالمين العربي والإسلامي قاموا بتسليمه وتدريبه لاستخدامه في تحقيق أهدافهم الإمبراطورية في محاربة وإسقاط القوة العظمى المناوئة لهم من خلال المجاهدين الأفغان الذين تشكلت كتائبهم العسكرية من كل أنحاء العالم الإسلامي لمحاربة الاتحاد السوفيتي في أفغانستان وكانوا سببا رئيسياً في تفككه وسقوطه، ورغم انقلابهم على صناعهم في سبتمبر 2001 فإن الولايات المتحدة، استمرت في استخدامهم والاعتماد عليهم في تحقيق مشروعاتهم الإمبراطورية للسيطرة على العالم، وهو ما حدث في ثورات الربيع العربي في تونس ومصر وليبيا وسوريا واليمن عام 2011، ولا يمكن القضاء على إرهاب هذه الجماعات إلا باستعادة الفكر الديني المستنير وإعادة تجديده من خلال رؤية عقلية معاصرة وتنقية التراث مما شابه من خرافات ومفاهيم تتسم باللاعقلانية والتسليم بمفاهيم منغلقة وتقديس أصحابها وتكفير من يناقشها أو يبحثها بمنهج نقد على أساس أنها اجتهادات بشر وليست وحيا إلهيا، وهذا ما سأحاول عضه في المقاولات القادمة سائلة الله الهداية والتوفيق وهو سبحانه من وراء القصد والهادي إلى الصراط المستقيم.

 

هيام محي الدين

 

fatehi alhabowbi قليلة هي الأصوات الغربيّة المشكّكة، التي لا  تعتبر أنّ ابن خلدون (1332 - 1406م) هو الأب الشرعي لعلم الإجتماع رغم أنّه هو من ابتكره، بل تذهب إلى  أنّ مؤسس الفلسفة الوضعيّة(Positivisme)، مؤلّف كتاب "محاضرات في الفلسفة الوضعيّة" وكتاب "نظام في السياسة الوضعيّة"، الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي" أوغست كونت" (Auguste Comte1798 - 1857)، الذي إبتكر وأعطى لعلم الاجتماع هذا المصطلح الحديث، هو الأب الشرعي لعلم الإجتماع.

ولكن، ورغما عن ذلك، فإنّي لا أبالغ القول عندما أزعم أنّه، باستثناء هؤلاء القلّة المعترضة، فأنّه لا يجادل أحد في جدارة ابن خلدون، في أن يكون في مصاف عمالقة الفكر، على مرّ التاريخ، لا سيّما فكر ما يسمّى بفلسفة التاريخ وعلم الإجتماع. ويعود الفضل في ذلك بالأساس إلى" كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر"، وبصفة أدقّ في جزئه الأوّل، وهو "المقدّمة"، التي أرسى  في توطئتها وصلب أبوابها الستّة، ليس فقط قواعد فقه التاريخ، بل وكذلك  أساسيات علم العمران، ضمن بحث في أسباب ازدهار الدول و انهيارها، فيما نسمّيه اليوم بعلم الإجتماع وفق إصطلاح "أوغست كونت" ويسمّيه إبن خلدون، قبل ذلك بستّة قرون وأربعة عقود، بعلم العمران.

وتأكيدا لأهميّة "المقدّمة" وتنويها بها،  فقد قال أحد أهمَّ المُؤرِّخين في مجال دراسة صعود وسقوط الحضارات، وهو البريطاني" أرنولد جوزيف توينبي" (Arnold Joseph Toynbee) ، في معرض حديثه عن "المقدّمة" وصاحبها:  « إبتكر إبن خلدون وصاغ فلسفة للتاريخ هي بدون شكّ أعظم ما توصّل إليه الفكر البشري في مختلف العصور والأمم ». ما يعني أنّ بحث ابن خلدون الإجتماعي، كان متفرّدا في زمانه ولم يضارعه أو يسبقه إليه أحد. وهو ما كان يعلمه ابن خلدون، بل إنّه لمّح إليه في المقدّمة قائلا : » وكأنّه علم مستنبط النشأة، ولعمري لم أقف على الكلام في منحاه لأحد من الخليقة»

 ولكنّ المفارقة غير المستزاغة التي شدّت إنتباهي و إستوقفتني طويلا، أنّه رغم أهميّة هذا الكتاب الذي ألّفه صاحبه سنة ( 1377م) ، فإنّه لم يقع طبعه لأوّل مرّة، وفق أساليب الطباعة الحديثة، إلّا سنة (1858م) في  كلّ من فرنسا أوّلا،  و مصر لاحقا، أي بعد حوالي خمسة قرون من تأليف كتاب "المقدّمة". ولعلّه إذا ما توخّينا مزيدا من الدقّة والموضوعيّة والأمانة العلميّة، وأخذنا في الإعتبار أنّ  ظهور المطابع العصريّة كان في ألمانيا سنة1431م، فإنّ مدّة إهمال كتاب المقدّمة والتغاضي عنه والإعراض عن طبعه تكون نحوا من أربعة قرون وربع. وهي مدّة طويلة، بل وطويلة جدّا بالقياس إلى أهمّية الكتاب وفرادته. و حقيق بنا أن نسجّل في هذا الصدد، أنّه إذا ما كان هذا هو تعاطي العرب مع  واحد من أمّهات الكتب الفكريّة التي يفتخرون بها على الإطلاق، فماذا عسانا نتوقّع أن يكون إذن شكل تعاطيهم مع الكتب العاديّة وما دونها، غير أن يكون، في أحسن الأحوال،  فاترا وموسوما بالجفاء والتراخي؟!. وهو ما يدعونا إلى الإستغراب الشديد والتعجّب، لا بل وإلى البهتة والتحيّر. كما يحثّنا على طرح التساؤل الملحّ عن علاقة العرب التاريخيّة بالكتاب وبطبعه ونشره، فضلا عن قراءته، و بدرجة أقلّ، فهمه أو تدبّره، استعارة لعبارة القرآن الكريم. وعلاوة على ذلك، فإنّ تراخي العرب عن طبع ونشر كتاب "المقدّمة" القيّم وغيره من أمّهات الكتب العربيّة، قد يعكس  بشكل من الأشكال، لا فقط، شيوع الأميّة التي لا تزال منتشرة عند العرب- بنسب مفزعة (1)- إلى اليوم، فيما أنّها قد إختفت في اليابان، على سبيل المثال، منذ القرن التاسع عشر، بل ويعكس كذلك، الانصراف عن تشجيع الإنتاج الفكري حتّى وإن كان رفيع المستوى و متميّزا جدّا. بما يعني شيوع حساسيّة ما -شبيهة بالعدائيّة- تجاه المعرفة والعلم وكلّ ما يمتّ بالثقافة بصلة. وما يؤكّد ذلك ما ذكره التاريخ من أنّ مصر ظلت نحواً من عشرين عاماً، ما بين 1801و1821 بغير مطبعة، بعد انسحاب الفرنسيين منها، إثر حملة نابليون بونابرت عليها.

وبالعودة إلى تاريخ الطباعة على الورق وفق تقنيات الطبع الحديثة، فإنّنا نكتشف أنّ الطباعة العربيّة  قد نشأت في أوروبا، في ظلّ الإرتهان للآخر على جميع الصعد. وهو ما يفسّر أن "المقدّمة" طبعت لأوّل مرّة  في فرنسا سنة (1858م) بإشراف مؤرّخ فرنسي هو  "كاتريمير" (Quatremère) ،  قبل ان تطبع في مصر في ذات السنة.  وسبب ذلك لا يعود فقط لتصنيع القارة العجوز للورق، بل وكذلك لرغبة المسيحيين في تنصير العرب المسلمين ومنهم "الموريسكيين" (مسلمو الأندلس الذين بقوا بإسبانيا تحت الحكم المسيحي بعد سقوط غرناطة)، إضافة إلى رغبة بعض المستشرقين في المساهمة  في نشر الثقافة العربيّة. وفي هذا  الصدد يقول وحيد قدورة (2) « طبعت المطابع الأوربية حوالي 167 كتاباً عربياً قبل أن يظهر أول كتاب عربي مطبوع بالمشرق ».

وبالنتيجة فالعرب قد تمادوا في سبات عميق، نافضين أيديهم عن مهمّة طبع كتبهم، بجميع أصنافها، لحوالي قرنين من الزمن. وذلك ما بين سنة1431، تاريخ ظهور الطباعة العصريّة وسنة 1610، تاريخ صدور أول كتاب عربي في بلاد الشام. حيث لم ينتبه العرب إلى ضرورة نفض الغبار عن تراثهم و مخزونهم الفكري والثقافي وحتميّة المساهمة الفاعلة في نشره بأنفسهم، على قاعدة «ما حكّ جلدك مثل ظفرك فتولّى بنفسك أمرك»، باعتبارهم أولى به من الآخر، إلاّ بعد صدور ما يدنو من مائتي كتاب على يد وبعناية وتحقيق مثقّفي الغرب. واللّافت قي هذا السياق، إنّ اللّامبالاة بطاقاتنا الفكريّة المشهود لها في الغرب فضلا عن المشرق والمغرب العربيين، والتراخي والإستهانة بطباعة نتاجنا الفكري لا تزال بادية، لكل ذي عينين مبصرتين وعقل راجح، وبشكل يقطع الشكّ باليقين، في كافة أرجاء الوطن العربي. وهي إستهانة تترجمها بالإحصائيات العلميّة الدقيقة، الفجوة الثقافيّة السحيقة التي نلمسها عبر مقارنة غزارة طبع ونشر الإنتاج المعرفي والفكري بالغرب، بتدنّيه، لا بل وبضحالته على المستوى العربي. وعلى الرغم من مساعي بعض المؤسسات العلمية العربية لإيجاد الحلول الكفيلة بتخطّى العقبات التي تعترض نشر الكتاب العربي، املا في النهوض بالحركة الثقافية العربيّة، إلّا أنّ الفجوة الثقافيّة بين العالم الغربي والعالم العربي ظلّت تراوح مكانها. لا بل إنّها أخذت في الإتّساع يوما بعد يوم. وسنتبيّن ذلك، وفق ما سنعرض إليه من إحصائيات متعدّدة المصادر، تبعث على الغثيان والدّوار، وأحيانا على التقيّء اللّاإرادي لدى كلّ غيور على مجال الإبداع الفكري ورجالاته.

حيث أنّه، وفق إحصائيات نشرت سنة 1996 فإنّ كل ما تطبعه الدول العربية ذات ال300 مليون نسمة  سنويّا، لا يعادل نصف ما تنشره إسرائيل ذات ال 6 ملايين نسمة فقط. وقد جاء في تقرير التنمية الإنسانيّة العربيّة لسنة 2003، أنّ العرب، رغم انّهم يشكّلون (%5) من سكّان العالم، فإنّ إنتاجهم في مجال الكتاب لا يتجاوز (%1,1) من الإنتاج العالمي، وهو أقل ممّا تنتجه دولة مثل تركيا، التي لا يتعدى سكانها ربع سكان البلدان العربية. ويضيف ذات التقرير أنّه يصدر كتاب لكل 12 ألف مواطن عربي ، مقابل صدور كتاب لكل 900 ألماني، وكتاب لكل 500 مواطن بريطاني، أي أن معدل القراءة في العالم العربي لا يفوق 4% من معدل القراءة في بريطانيا. ليس هذا فقط ،  بل إنّ كل دور النشر العربية مجتمعة تستهلك من الورق ما تستهلكه دار نشر فرنسية واحدة هي " دار غاليمار للنشر " (Éditions Gallimard).

ويذكر تقرير منظمة اليونسكو عن القراءة في العالم العربي، أنّ المواطن العربي يقرأ 6 دقائق في اليوم، فيما أنّ المعدّل اليومي للقراءة على المستوى العالمي هو 36 دقيقة. علما وأنّ كل 20 عربيا يقرؤون كتابا واحدا في السنة، بينما يقرأ كل أمريكي 11 كتابا وكل ألماني 7 كتب في السنة. ما يعني أنّ المواطن الأمريكي يقرأ سنويّا ما يعادل ما يقرأه 220 مواطن عربي؟ !!!. أليس ذلك مؤشّر صارخ على التصحّر الثقافي والمعرفي للعرب وضحالة مستواهم الفكري؟.

وأمّا في مجال الترجمة فحدّث ولا حرج، حيث أنّ الأمة العربية لم تترجم سوى 11 ألف كتاب منذ العصر العباسي وحتى سنة 2003، وهو ما يعادل ما تترجمه أسبانيا سنويّا. بما يعني أنّ مجهود العرب في الترجمة لحوالي 13 عشر قرنا من الزمان، لا يزيد عن مجهود إسبانا لسنة واحدة، رغم أنّها ليست رائدة، بين الدول الغربيّة، في هذا المجال.

إنّي أكتفي بهذا، دون إستفاضة في عرض الإحصائيات، لأنّها  معيبة ولا تشرّف أمّة العرب، أمّة إقرأ التي لم تعد تقرأ، للأسف، ولم تعد تعمل كذلك، ولا تنتج في أي مجال كان، إلّا ان يكون في علاقة بالإرهاب والقتل والدّمار والقضاء على التراث و كلّ مظاهر الحضارة وكنوزها. وهي بالتأكيد الإنتاجات الوحيدة التي يبدعها الجهل الذي لا ينتهي بأصحابه إلّا إلى هوّة  سحيقة شديدة الظلام، مثلما هو حال العرب اليوم.

 

المهندس فتحي الحبّوبي

.................

(1)     نصف الذين تجاوزت أعمارهم 15 عاما أميون حسب تقرير المجلس العربي للطفولة والتنمية لعام 2002

(2)     أوائل المطبوعات العربية في تركيا وبلاد الشام. - ندوة تاريخ الطباعة العربية حتى انتهاء القرن التاسع عشر-– نشر المجمع الثقافي – أبو ظبي  1996. ط1- ص 122.

saida taqiفي ما يتردد من حكايات المِقصلة عن أزمان سابقة كان فيها لله على أرض أخرى، غير أراضينا نحن الآن، ظـلٌّ يمشي بجانب الأرسـتقراطـيين والسَّاسة، وكان له رجالٌ يحكمون باسـمه ويسـعـون إلى إحـقـاق قـانـونه وفـق ما يـرتضيه ما يـرتديه رجالُ "الله" و"الدين" و"الكهنوت" العِظام من حكمة ومصلحة وكَرَاسٍ، حكايةٌ خالدة. تُروى القصة بطرافة متعددة رغم الصوت الواحد الذي نسجها. وتتخذ في كل حكي أبعادا مختلفة، يُكسبها السياق ما تريده حكمة الراوي من مغزى أو من دروس. أسوق الحكاية خارج طرافتها وأدعوكم للتأمل معي.

تقول الحكاية:

يحكى أنّ ثلاثة أشخاص، وهم رجل دين ومحامٍ وفيزيائي، قد حُكم عليهم بالإعدام.

وعند لحظة تنفيذ حكم الإعدام، تقدّم رجل الدين أولاً، فوضعوا رأسه تحت المقصلة وسألوه: "هل هناك كلمة أخيرة توّد قولها؟" فقال رجل الدين: "الله..الله.. الله.. هو من سينقذني". أنزلوا المقصلة. لكن المقصلة عندما وصلت إلى مستوى رأس رجل الدين توقفت. فتعجّب النّاس، وهتفوا: "أطلقوا سراح رجل الدين فقد قال الله كلمته". ونجا رجل الدين من تنفيذ حكم الإعدام. جاء دور المحامي إلى المقصلة، فسألوه: "هل هناك كلمة أخيرة تودّ قولها؟" فقال: "أنا لا أعرف عن الله مثل رجل الدين، ولكنني أعرف أكثر عن العدالة.. العدالة.. العدالة.. العدالة هي التي ستنقذني". فأنزلوا المقصلة على رأس المحامي، لكنها مرة ثانية عندما وصلت إلى مستوى رأس المحامي توقفت. فتعجّب النّاس وصرخوا: "أطلقوا سراح المحامي، فقد قالت العدالة كلمتها". ونجا المحامي.

وأخيرا جاء دور الفيزيائي، فسألوه: "هل هناك كلمة أخيرة تودّ قولها؟" فأجابهم رجل العلم: "أنا لا أعرف الله مثل رجل الدين، ولا أعرف العدالة مثل المحامي، ولكنّي أعرف أنّ هناك عقدة في حبل المقصلة تمنع المقصلة من النزول نحو الأسفل عند مستوى الرأس". فنظر الجميع إلى المقصلة، وتحقَّقوا فِعلا من وجود عقدة تمنع المقصلة من النزول.

فتم إصلاح العقدة والمقصلة وأنزلوها على رأس الفيزيائي، وفصلوا رأسه عن باقي جسده.

في ختام الحكاية تقتضي الطُّرفة أو الطرافة الممزوجة بالحكمة أن يكرر كل الرواة "هكذا عليك أن تتحلى ببعض الغباء وتبقي فمك مقفَلاً أحياناً، حتى وإن كنت تعرف عن الحقيقة ما لا يعرفُه الآخرون."، أو يضيفون: "إنه من الذكاء أن تكون غبياً في بعض المواقف".

لكنني أريدكم أن تتنزّهوا عن حكمة الطرافة قليلاً، لكي ننظر جميعا إلى المقاصل الشَّرهة المفتوحة هنا وهناك وهنالك.. إنها لا تقف ولا تتعثر ولا تشبع.

لنتجاوز مستوى الرأس الذي توقّفت عنده المقصلة مرتين في الحكاية، وبلغَـتْه بعد تدخُّل الفيزيائي "الغـبي" الذي لم يكن "ذكياً"، مثلما يقتضيه "رصيد المعرفة" الذي يمتلكه، واقترف "حقّ التنوير" الذي قضى بأن يكون رأسه ثمنا لشرًفه.

لنتوقف جميعا بتأمل أمام لوحة رأس ذلك الفيزيائي المفصولة عن جسده، دون طرافة الحكمة أو حكمة الطرافة، ودون التشفي في الغباء أو غباء التشفي.

إن الواقع لا يتغيَّر بمفرده. ولا يستطيع الدين أو القانون أن يغيِّرا دون تدخل العلم. الدين يقف عند مستوى الإيمان بالله أو بالإله أو بتلك القوة الغيبية التي يمكنها أن تصنع المعجزات في الإنسان والكون والحياة. لكن الدين لا يقدر على الفعل ولا على التغيير. إنه يراهن على شحن الروح بالطاقة الإيجابية (أو بالطاقة السلبية عند التأثيم أو الإحساس الفردي بالإثم)، لكنه لا يغيِّر الواقع.

أما القـانـون فيسعى إلى إحقاق العدالة، يقـرر الحـدود والـواجبات والحـقـوق، يـشـرٍّع ويحمي، ويفصل في النزاعات وتضارب المصالح، ويعاقب، لكنه لا يغيِّر الواقع.

الأمـر يـتجاوز منحى سقوط المِقصلة في الحكاية الطريفة، مثلما يتـجاوز مناحي سقوط وإسقاط كل المَقاصل المفتوحة في وطننا/أوطاننا في الحروب وعلى حواشيها وفي السلام وبين أحضانه.. الأمر ماثل في واقع معطوب لا يرتفع، مهما كِـلْـنا للإيمان هاماتِنا، ومهما أسلمنا للقانون قيادنا.

إن الـواقع لا يغـيِّره غير العلم، لأجل ذلك لا يمكن للعالِـم إلا أن يكون شـريفا وصادقـاً وحقيقياً.. لا يمكن للعالِـم إلا أن يكون نزيها في تبليغ عِلمه حتى وإن كان المقابِـل المفتَرَض لـنزاهته يعني أن يتم إصلاح المقصلة بالاستفادة من عِلمه، ويعني أن تَـفْصِل المقصلة رأسَه عن جسده بعد إصلاحها.

العلمُ الحق لا يفكِّر في لحظته بل في كل اللحظات السابقة والآنية واللاحقة. إنه يفكر في التجارب التي مضت، أي في خبرة الأمس. ويلاحق معطيات هذه اللحظة الآنية، أي لحظة الواقع المعطوب. ويستشرف الحلول الأنسب للإنجاح، أي اللحظات الآتية والأجيال اللاحقة.

لأجل ذلك كان رجل الدين بالله مؤمنا تهتف الجماعة بحياته إبراءً لذمة الدين الذي في جُعبته، وكان المحامي بالعدالة منادياً تتبَّعه أعين المستضعفين نشداناً لنُصرَته. أما رجل العلم فكان بالمعرفة مقاوماً للجهل وكاشفاً للعطب، وبالعلم فاضِحا للوهم ومُعلياً للحق، لكن وسط الناس والعامة كان من نجحت المِقصلة في قطف رأسه اليانعة بعد إصلاح العُقدة.

إن كنتم ترغبون في تغيير الواقع، ابحثوا أولاً عن عُقدة المِقصَلة.

 

كاتبة من المغرب

abduljabar alrifaiتتجلى وظيفةُ الفلسفة في حماية العقل من أن تبدّده الأوهام، وتسكنه الخرافات، وما تفضي اليه من تشوهات في رؤية العالم. ولعل من أهم ما نترقبه اليوم من الفلسفة في مجتمعات عالم الاسلام أن تكتشف خارطة ما هو دنيوي وما هو مقدس، وترسم الحدودَ الخاصة بكلّ منهما، وتبين المجالات التي يتحقق فيها الدنيوي، والمجالات التي يتحقق فيها المقدّس، والآثار الناجمة عن اختلاطهما واجتياح أحدهما للآخر، فلو ابتلع المقدسُ الدنيوي يحتجب العقلُ ويدخل في حالة سبات، ويضيع الانسانُ في ظلمات بعضُها فوق بعض، ولو ابتلع الدنيوي المقدسَ تحتجب الروحُ وتدخل في حالة سبات، ويضيع الانسانُ في القلق واللامعنى.

لكن "فوبيا ضياع الهوية" والحنين حدّ الشغف بالماضي يضيّع التفكيرَ الفلسفي، لأن هذا الخوف وذلك الحنين يفضيان للمزيد من الغرق في مشاغل التراث والغرق في مداراته، وتقليد القدماء في كل شيء، ومع التقليد يكفّ العقلُ عن أن يكون عقلاً، ويكفّ التفكيرُ عن أن يكون تفكيراً.

من يريد أن ينتمي للعصر خيارُه واضح، و من يريد أن ينتمي للماضي خيارُه واضح. أما إسقاط كل ما يغوينا ونتمناه اليوم على نصوصِنا الدينية وتراثِنا البعيد والقريب فهو ضرب من ضياع العقل واضطراب التفكير.

 لا تحديثَ من دون تفكير فلسفي يخترق كلَّ الأسوار التاريخية للعقل، ويتحرّر من أية إسقاطات لاهوتية، وأنساق راسخة تقلّد الماضي كما هو. التفكير الفلسفي الذي يخرج من أسوار العقل التاريخية يهزم ممانعةَ التقليد، ويكفل إنتاجَ رؤية تواكب صيرورةَ العالم، ويفكّر في آفاق الغد أكثر مما يفكّر في استئناف الماضي، ذلك ان نموذجه الملهم يترقب أن ينبثق في صورة الغد، لا أن يتكرر في صورة الماضي. يعتقد هيغل: "ان ما يميز الحداثة: انها مرحلة تاريخية جديدة، لا تبحث عن أصول لها في حقب سابقة مثلما فعل فكر النهضة، ولا تربط نفسها بأي حادثة سابقة تجد فيها ما يبرر وجودها، بل تأخذ الأحداث الحاضرة على انها نقطة الانطلاق، التي ينظر بها إلى كل من الماضي والمستقبل".

أخشى على عقول التلامذة من الاضطراب والتذبذب والتلبيس في تلقي وفهم الفلسفة والعلوم الانسانية الحديثة الغربية، عندما نصرّ على تعليمهم الفلسفةَ والعلومَ الانسانية الحديثة الغربية عبر قوالب وأوعية مقولات وكتابات مفكري الاسلام. الفلسفةَ والعلوم الانسانية الحديثة تتحدث لغةً لا تنتمي لأفكار ماضينا وأكثر ما يتحدث به حاضرنا.

أيّ ضرب من التبسيط في التعاطي مع الفلسفة والعلوم والمعارف الحديثة لهو تواطؤٌ مع الجهل. تعلّمُ الفلسفة والمعارف والعلوم يتطلب الدخولَ من أبوابها، فلا يمكن أن تكون طبيبياً بمطالعة عشوائية للمقررات التعليمية في كلية الطب، وإن طالعت ألف كتاب مرجعي في الطب، وهكذا لا يمكن أن تصبح متخصصاً في الفارابي وابن سينا وابن رشد وملا صدرا، وكانط أو هيغل أو هوسرل أو هيدغر بمطالعات عشوائية لكتاباتهم.

 لو اعطينا الفلسفةَ كلَّ عمرنا لا تعطينا إلّا بعضَها. استغرق كانط 12 سنة فى كتابة "نقد العقل المحض". يصف موسى مندلسون أحد زملاء كانط هذا الكتاب بأنه: "عمل موتر للاعصاب". وقد كتب كانط  إلى موسى مندلسون في 16 أغسطس 1783 يقول: مع أن الكتاب "ثمرة تأمل شغلني على الأقل اثني عشر عاماً، فإنني أكملته بأقصى سرعة في أربعة أشهر أو خمسة، باذلاً أبلغ العناية بمحتوياته، ولكن دون اهتمام يذكر بالعرض أو بتيسير فهمه للقارئ وهو قرار لم أندم عليه قط، وإلا فلو تباطأت وحاولت صياغته في شكل أكثر شعبية لما اكتمل العمل إطلاقاً في أغلب الظن".

الفلسفةُ الغربية، والألمانية منها خاصة منذ كانط، دقيقةٌ، شديدةُ التركيب، حتى إن بدت بسيطةً فهي بالغة العمق، وربما الغموض، لا تبوح بأسرارها بقراءة عابرة، أو نظرة عاجلة، بل يتطلب الفهمُ والاستيعاب الدقيق لأحد اتجاهاتها سنوات طويلة من الدراسة على يد متخصصين خبراء، والكثير من المطالعات المتبصرة والنقاشات الصبورة.

التباس فهم الاسلاميين لهذه الفلسفة يعود إلى أنها تنتمي إلى عالم مفاهيم مفارق لعالم مفاهيم الفضاء المعرفي لعالمنا. هذه الفلسفة ولدت في سياقات فلسفية ولاهوتية أخرى، تفكر خارج أسوار المنطق الأرسطي الذي يفكّر فيه مفكرونا، وتتحدث لغة خارج مواضعات لغة فلاسفة الاسلام ولاهوته. يقول د. مهدي حائري يزدي، وهو يتحدث عن دراسته وتدريسه للفلسفة الغربية في كندا، وبيان موقفه الايجابي منها: "من يقتصر على دراسة واحدة من الفلسفتين، لن يفهم الأخرى؛ لأنهما موضوعان منفصلان، فلو درس الطالبُ الفلسفةَ الإسلامية ووفّاها حقَّها، من دون أن يطّلع على الفلسفة الغربية اطلاعاً منظّماً دقيقاً، لم يفهم كنهَ الفلسفة الغربية، والعكس صحيح أيضاً. مثال ذلك ترجمات أعمال كانط إلى الفارسية والعربية، التي أعتقد أنه حتّى حبراً كالعلامة الطباطبائي لن يستطيع تكوين فكرة جليّة عن فلسفة كانط من هذه الترجمات، ناهيك عن الأشخاص العاديين"1 .

ربما يتعذر فهمُ الفلسفة الغربية الحديثة بعقلية أرسطية، وهو ما سقطت فيه محاولاتُ فهم جماعة من دارسي هذه الفلسفة ممن تعلموا المنطق الأرسطي وتشبع وعيُهم في مدارات براهينه وأشكال قياساته، وتمرّسوا في استعمال أدواته في محاججاتهم الفلسفية والكلامية والفقهية والأصولية. لأن كلَّ محاولة للفهم تفكر في إطار معرفي لا ينتمي لعالم مفاهيم الفلسفة الغربية الحديثة سيفضي فهمها إلى نتائجَ تفرضها مقدماتُ براهين وأشكالُ قياسات المنطق الأرسطي. 

 يحدّثنا د. إمام عبدالفتاح إمام، عن تجربته مع هيغل، وهو أبرز متخصص في فلسفة هيغل ومترجم الكثير من أعماله وما كتب عن فلسفته للعربية، انه بعد أن تخرّج ونال شهادة الليسانس فلسفة قرّر أن يدرس في الماجستير الجدلَ في فلسفة هيغل، لكن تعذّر عليه فهمَه لعامين متواصلين، ويفصح هو عن السبب في ذلك بقوله: (هكذا بدأت أدرس هيغل، فبدأت أجمع مؤلفاته من ثلاثة مصادر: المكتبات، مكتبة جامعة القاهرة وعين شمس. الزملاء من الخارج. وشراء ما أجده. وأدرس اللغة الألمانية. كان أول كتاب عثرت عليه هو: "ظاهريات الروح". شرعت أقرأ نصوص هيغل لمدة عامين دون أن أفهم شيئاً، فلجأت إلى التفسيرات والشروح، لكني لم أتقدّم خطوة واحدة. ولم تكن صعوبةُ الفهم راجعةً إلى وعورةِ المصطلحات، وهي وعرة فعلاً، ولا الى صعوبةِ الفلسفة الهيغلية، وهي صعبة فعلاً، ولا إلى اللغة، وإنما كانت تعود إلى عامل لم أتبينه بوضوح إلا بعد فترة طويلة، وهو أنني أقدمت على قراءة هذا الفيلسوف بعقلية أرسطية. بمعني أنني كنت أفهم جميعَ المصطلحات الفلسفية التي استخدمها هيغل على نحو ما فهمها المعلّم الأول، ومعاجمنا الفلسفية مدينة للفلسفة اليونانية، ولأرسطو خصوصا، بالشيء الكثير).

 أسوأ تزوير للفلسفة أن يُستعمَل اسمُ الفلسفة ضد الفلسفة، وأسوأ تشويه للعقل أن يُستعمَل اسمُ العقل ضد العقل. مثلما ان أسوأَ انتهاك لقيم السماء والأرض أن يُستعمَل: اسمُ الله ضد الله، واسمُ الأخلاق ضد الأخلاق، واسمُ القانون ضد القانون، واسمُ الحرية ضد الحرية، واسمُ الدولة ضد الدولة، واسمُ الوطنية ضد الوطن.

تجاوز الحدود أنتج الكثيرَ من مشكلات حياتنا. لا يمكن الوثوق بخارطة طريق لبناء دولة وتطور مجتمع: لا يعرف الدينُ فيها حدودَه، ولا تعرف الفلسفةُ فيها حدودَها، ولا يعرف العلمُ فيها حدودَه، ولا تعرف الأسطورةُ فيها حدودَها، ولا يعرف الفنُ فيها حدودَه، ولا تعرف الدولةُ فيها حدودَها، ولا تعرف السياسةُ فيها حدودَها... الخ.

 

عبدالجبار الرفاعي

..............

مقطع من حوار مطول معه سينشر في ملف خاص بنقد الفلسفة الاسلامية يصدر في عدد قادم لمجلة قضايا اسلامية معاصرة. مع العلم ان مهدي حائري يزدي حاصل على درجة الدكتوراه في المنطق الرياضي من كندا، وكان أستاذاً لكتاب الأسفار الأربعة لملا صدرا الشيرازي في حوزة قم، وأستاذاً للدراسات العليا في كلية الالهيات والمعارف الاسلامية بجامعة طهران. وحاصل على اجازة بالاجتهاد من المرجع الشهير السيد حسين البروجردي في حوزة قم، قبل أكثر من نصف قرن.

 

 

majedalgarbawiثبت ان الدولة الاسلامية هي محور مشروع الحركات الاسلامية قاطبة، فهي حركات سياسية اكثر منها حركات دينية دعوية كما تعلن عن نفسها دائما.

تبقى الاهداف السياسية سببا اساسا وراء تصاعد العنف من قبل الحركات الاسلامية المتطرفة، سواء صرّحت بذلك أم لا، لان (اقامة الدولة) بالنسبة لهم استراتيجية وليس تكتيكا او وسيلة كما توحي به بعض النصوص السياسية، وقد نظـّر للدولة الاسلامية جمع من المفكرين الحركيين من مختلف المذاهب الاسلامية. وكشاهد ننقل نصا صريحا من كتاب الحكومة الاسلامية، ينظّر فيه المودودي لمبررات قيام الدولة الاسلامية باعتباره كان الملهم لسيد قطب في متابعة التنظير لمشروع الدولة الدينية، يقول المودودي:

ان المطالبة بالحكومة الاسلامية والدستور الاسلامي تنبع من الشعور الاكيد بان المسلم اذا لم يتبع قانون الله، كان ادعاؤه الاسلام باطلا لا معنى له.

1- يقرر القرآن ان الله تعالى هو مالك الملك، ومن ثم فهو صاحب الحق في الحكم بداهة، كما يقرر ان تنفيذ اوامر احد غيره، او حكم احد سواه في ارضه وعلى خلقه، انما هو باطل وكفر مبين. والصواب ان يحكم الحاكم بقانون الله ويفصل في الامور بشريعة الخالق بوصفه خليفة لله ونائبا عنه في ارضه.

2- وبناء على هذا سلب الانسان حق التقنين لانه مخلوق ورعية، وعبد ومحكوم، ومهمته تتركز في اتباع القانون الذي سنه مالك الملك. وقد اباح الاسلام بالطبع مزاولة الانسان الاستنباط والاجتهاد وتفريعاتهما الفقهية، لكنه شرط ذلك بالا يخرج عن اطار حدود الله. كذلك اعطى المؤمنين حق التقنين فيما لم يرد فيه حكم صريح من الله ورسوله، على ان تراعي في التقنين روح الشريعة ومزاج الاسلام، لان سكوت الشارع عن اصدار حكمه في بعض المسائل يعني ان للمؤمنين الحق القانوني في سن احكامها وضوابطها. لكن الامر الاساس الذي لا غمة فيه ولا خفاء ان من يترك قانون الله ويؤمن بقانون آخر وضعه بنفسه او شرعه له غيره من البشر انما هو طاغوت باغ خارج عن طاعة الحق، وان من يبغ الحكم بهذا القانون الوضعي، ويعمل على تنفيذه فهو باغ عات عن امر ربه ايضا.

3- ان الحكومات الصحيحة العادلة في ارض الله هي التي تتأسس وتحكم بالقانون الذي بعثه الله على ايدي انبيائه واسمها الخلافة.

4- ان كل ما يصدر من اعمال من قبل آية حكومة تقوم اساسا على شرعة اخرى غير شرعة الله وقانونه الذي جاء به الانبياء من لدن رب الكون والهه باطل لا قيمة له ولا وزن، مهما اختلفت هذه الحكومات فيما بينها من تفاصيل في الشكل والنوع، وحكمها غير شرعي البتة، فاذا كان مالك الملك الحقيقي لم يعطها سلطانا، فانى لها ان تكون حكومات شرعية.

ان القرآن الكريم يرى كل ما تقوم به هذه الحكومات محض عدم لا وزن له ولا قيمة، وقد يقبل المؤمنون – واعني بهم رعايا الله الاوفياء – وجود هذه الحكومات باعتبارها امرا خارجا عن ارادتهم وقدرتهم، لكنهم لا يعترفون بها وسيلة حكم شرعية، وسلطة تفصل في امورهم وقضاياهم، اذ لا يحق لهم طاعة الخارجين على حاكمهم الاصلي (الله) او قبولهم حكما في مجريات حياتهم، ومن يفعل ذلك فقد خرج من زمرة المؤمنين الاوفياء مهما ادعى الاسلام والايمان1 .

ثم اعتبر سيد قطب وجود الدولة الاسلامية شرطا اساسا لتطبيق الشريعة بعد قيام المجتمع او الامة الاسلامية، على طبق المراحل التاريخية للدعوة الاسلامية، لان قطب يفترض التطابق التام بين مرحلة البعثة والراهن الاسلامي، واراد استنساخ نفس الخطوات الدعوية بعد تجريدها من تاريخيتها والقفز على ظروفها. لذا طالب الجماعة المسلمة باعتزال المجتمع وهجرته وعدم الالتحام به تشبها بما حدث للصحابة عندما اضطروا للهجرة بسبب الظروف القاسية التي مرت بها الدعوة الاسلامية واتباعها. يقول سيد قطب في بيان الخطوات الدعوية: (فكيف تبدأ عملية البعث؟ انه لا بد من طليعة تعزم هذه العزمة، وتمضي في الطريق. تمضي في خضم الجاهلية الضاربة الاطناب في ارجاء الارض جميعا. تمضي وهي تزول نوعا من العزلة من جانب، نوعا من الاتصال من الجانب الآخر بالجاهلية المحيطة)2 . ويضيف: (ان اولى الخطوات في طريقنا هي ان نستعلي على هذا المجتمع الجاهلي وقيمه وتصوراته. وألا نعدل نحن عن قيمنا وتصوراتنا قليلا او كثيرا لنلتقي معه في منتصف الطريق. كلا اننا واياه على مفرق الطريق، وحين نسايره خطوة واحدة فننا نفقد المنهج كله ونفقد الطريق)3 . بعد ذلك تأتي الخطوة السياسية وهي قيام الدولة الاسلامية او كما يعبر عنه قطب بـ (سلطان) يكفل تطبيق الشرائع في هذا المجتمع، فيؤكد: (لا بد ان يكون للمؤمنين بهذه العقيدة من سلطان على انفسهم وعلى مجتمعهم ما يكفل تنفيذ النظام والشرائع في هذا المجتمع حتى يكون للنظام هيبته، ويكون للشريعة جديتها .. فوق ما يكون لحياة هذا المجتمع من واقعية تقتضي الانظمة والشرائع من فورها)4 .

غير ان الدولة الاسلامية اصبحت، في ظل التبريرات المختلفة لضرورتها، هدفا برر بدوره استخدام العنف والقوة للوصول الى السلطات او لقيام الخلافة الاسلامية كما في استراتيجية بعض الحركات الاسلامية كحزب التحرير. وكلما ازداد شعور تلك الحركات بضرورة قيام دولة اسلامية تأخذ على عاتقها مسؤولية تطبيق الشريعة ازدادت قناعتها باستخدام القوة والعنف حتى في المجتمعات التي تقوم على الديمقراطية. فعكست النتائج صورة شوهاء عن الاسلام والمسلمين قبل الحركات الاسلامية ذاته. حتى بات من العسير على الشعوب المسلمة اقناع الآخر برفضها هي ايضا للعنف والحركات المتطرفة، ثم سرت عدوى الاتهام والادانة الى الاسلام والفكر الديني، فعمقت ازمة المسلمين امام بقية الشعوب.

بل ثبت ان الدولة الاسلامية هي محور مشروع الحركات الاسلامية قاطبة، فهي حركات سياسية اكثر منها حركات دينية دعوية كما تعلن عن نفسها دائما. ويؤكد ذلك امتهان الحركات الاسلامية للعمل السياسي وعدم الاكتفاء بالدعوة والارشاد وتبليغ الاحكام. وقد تقدم (في مقال سابق) عن بعض الحركات انها ترى اسقاط الانظمة مقدمة لقيام الدولة الاسلامية، التي هي بدورها مقدمة لتطبيق الشرعية، التي تقع مسؤولية تطبيقها على عاتق تلك الحركات.

 

ماجد الغرباوي

كاتب وباحث

..............

هوامش

* بحث مستل من كتاب: تحديات العنف، ماجد الغرباوي، 2009م، دار العارف، بيروت – لبنان، والحضارية للابحاث، بغداد – العراق، ص 293- 296.

1- النص بطوله نقلا عن: الاسلام دين وامة وليس دينا ودولة، مصدر سابق، ص 269

2 - معالم في الطريق، مصدر سابق، ص 9.

3 - المصدر نفسه، ص 19.

4 - المصدر نفسه، ص 34.

waleed kasidalzaydiإن إطروحة "علمنة الإسلام" (la laïcisation de l'Islam) تُعَّد من المسائل التي تستحق الدراسة بشكلٍ واسع ومفصل في إطار الواقع الحالي الذي تشابكت فيه خيوط الدين والحياة. فهناك من يرى أن إثارة هذه المسألة وتفعيلها في هذه المرحلة يهدف الى محاربة الاسلام فكرياً ومحاولة خلط الاوراق في وقت الازمات. وإذا ما علمنا أن العلمانية ظهرت في المنطقة العربية منذ منتصف القرن الماضي، إلا أن الكاتب والسياسي الاميركي جيمس ويلي يشير الى: (... أن السياق الاستيراتيجي العالمي لم يكن مفضياً الى التجربة العلمانية التي نشأت في الشرق الأوسط منذ منتصف القرن العشرين، ومن غير المدهش ان الحكومات العلمانية الحديثة الاستقلال في الشرق الأوسط عقب الحرب العالمية الثانية اخذت تميل بعيداً عن نماذج الحكم الشمال أطلسية وتتجه نحو نماذج شرق أوربا)، فالحديث عن أن العولمة هي فصل الدين عن الدولة وشؤونها العامة والامور الحياتية، وعدم وقوعها تحت تاثير ديني، يختلف عما تنحى نحوه هذه المقولة من توجهات تسعى الى ممارسة أمور الحياة وتطبيقها بشكلٍ مجرد، خالي من الدين، تحت ذريعة "علمنة الاسلام".

ومع ان الاعلام الحكومي والعام في أغلب البلدان الغربية يتحدث عن حرية ممارسة الدين الإسلامي في تلك المجتمعات، وإذا ما أخذنا فرنسا مثلاً، نجد أن هذا الاعلام يتحدث عن هذه الحرية في ظل المجتمع الفرنسي العلماني واحترام شعائر الاسلام دون المساس بمعتقدات أبناء هذا المجتمع المتنوع الأديان والثقافات والاثنيات والجنسيات والقوميات، بل الذي يضم نسبة كبيرة من اللادينيين. وهو ما يشير اليه موقع وزارة الشؤون الخارجية الفرنسية على الويب بالقول: (إن الإسلام، بتنوع مدارسه، وشعائره، وممارساته، جزء لا يتجزأ من المجتمع الفرنسي، على غرار كل المعتقدات الأخرى السائرة في بلدنا.والعلمانية الجمهورية مبدأ تسامح، إذ تضمن لكل المواطنين، مهما كانت معتقداتهم الفلسفية أو الدينية، العيش معاً في ظل احترام حرية الوعي، وحرية ممارسة ممارسة الدين أو عدمها.وتبقى فرنسا، عموما، متمسكة بشدة باحترام تنوع الثقافات، وبحرية الوعي)، لكننا نجد ان الكثير من المفكرين والكتاب الفرنسيين يعملون على تفعيل نظرية " علمنة الاسلام"، تحت مبررات كبح جماح الاسلاموية المتطرفة والحد من تنامي الجهادية الغربية التي أخذت تتمدد في السنوات القليلة الاخيرة. فها هو (أوليفيه روا Olivier Roy ) يتتبع في كتابه ( L’Islam mondialisé) الصادر مؤخرا في باريس عن التحولات التي تشهدها الحركات الاجتماعية ذات النزعة الإسلامية العاملة داخل البلدان الإسلامية أو المنتشرة في الأقطار الأوروبية، وهو يرى أن التطورات الجديدة التي شهدها المشهد العام لهذه الحركات تعزز الفرضيات التي دافع عنها في دراسته السابقة حول فشل الإسلام السياسي، ( L échec de L’Islam politique). لكنه يخطىء – من وجهة نظري- في اعتباره التحولات التي تعيشها هذه الحركات مؤشراً آخر على العلمنة التي يسير في اتجاهها المحيط الإسلامي، عندما يُردف قائلاً : " ... ذلك أن المجهودات المبذولة لإعادة أسلمة الأفراد لا يؤدي في نهاية المطاف إلا إلى المزيد من العلمنة، ويتمثل أهم مفصل في هذا التحول في الفصل المتزايد بين الدين والثقافة، الذي يتحقق عبر ما يشكل نقاط الارتكاز في عمل وخطاب النزعات الإسلامية الجديدة".

ان منهج الأصوليِّين الذين فرَضوا على الاسلام الجمودَ والتحنيطَ لأسبابٍ أيديولوجية ومصلحية، وحالوا دون تطويرِه وتقويمِه وفقَ معايير علمية معرفية موضوعية، اعطى المجال لمفكرين اسلاميين قبل الغربيين في نقد المنهج الاسلامي، وفي مقدمتهم المفكر الفرنسي، العربي الاصل (محمد أركون) في تصديه لهذا الموضوع والمناداة بضرورةِ "علمنة الإسلام" و" أنسنة الدِّين"، فقد تحدَّثَ وكتب كثيراً في مجال "نقْدِ العقل الإسلامي" منادياً بالاستنجاد بالثقافةُ الغربيَّة العلمانيَّة في هذا المضمار، وبوابتها العلوم والدراسات الانسانية، وقد نادى تحديداً بـ "فتح أقفال التراث الإسلامي التي ما زالتْ مُحكمةَ الإغلاق مِن طرَف علم كهنوتي مقدَّس يحول دون الكشفِ عن وجهِه المعرفي" على حدِّ قوله، مردفاً : " لا يمكن تناوُلِ التراث الإسلامي عَبْر أدوات بالية موروثة عن الدِّراسات الإسلاميَّة الكلاسيكيَّة"!!.

هذا الخطاب "الاراكوني" يواجه العديد من الانتقادات من قبل جهات تؤمن بالاسلام الاصولي المتزمت. فهم يرون أنَّ أعمال أركون ليست تجديدا ولا اجتهادا ولا بناءً، إنَّما هو نقد هدَّام للدِّين ذاته، فهو يَستبعِد الإيمان نهائياً و يَستصحِب معه "الأنسنة"، كما يَستصحِب "علمنة " الحياة الاجتماعية والسياسية للمسلمين.

ومن جانب آخر توجد في فرنسا جماعات عربية مسلمة تعمل على دعم هذه التوجهات، من خلال جمعيات ومنتديات، منها: (المنتدى الاسلامي للاسلام العلماني)، الذي يُعَّرِف عن نفسه بأنه (أداة ضد الاسلام السياسي والاصولي)، كذلك منتدى الحوار الاسلامي العلماني اليساري، وغيرها.

ان حديث أشخاص وفئات معينة عن علمنة الاسلام (بحجة محاربة الجمود والثبوتية)، لا يقع ضمن النوايا الحسنة والتوجهات الحميدة، بل هو محاولة للانحراف بالاسلام عن جادته الصحيحة مستغلين الازمات الراهنة التي توجه اصابع الاتهام الى هذا الدين الحنيف، والحل – بحسب وجهة نظرنا- هو الركون الى الاسلام المعتدل والابتعاد عن التوجهات المتطرفة، لا سيما تلك التي عادت للظهور منذ عدة عقود وتنامت خلال السنوات القليلة الماضية بشكلٍ مثير للانتباه، بل دقت ناقوس الخطر ليس بوجه الغرب وانما بوجه الامة الاسلامية نفسها.

الاسلام المعتدل هو التيار المتدفق في شريان الدين الاسلامي السمح، ذلك ان الاسلام جاء ديناً يسراً وليس عسراً، وفي القرآن الكريم من البلاغة ما يعطي مزيداً من مقومات المواءمة مع الحداثة ويعطي فسحة واسعة للمرونة لدى التفسير والحكم في مستجدات الوقائع والاحداث مهما تقادم الزمن. في الوقت الذي يتزمت فيه الاصوليون الاسلاميون - وبخاصة السلفيون- في هذا الامر ويُلِحون على الرجوع الى ما يسمونه بـ (اسلام السلف أو جذور الاسلام)، من أجل تفسير الاحداث والمواقف بتجرد وإنغلاق، وهو ما يدخل الاسلام في دوامة من الجمود والسكون ومن ثم يجعله هدفا لأسهم النقد والانتقاد، في حين نجد عكس هذا المنهج لدى الامام علي (ع) اذا ما رجعنا الى قوله لعبد الله بن العباس (لما بعثه للاحتجاج على الخوارج): " لا تخاصمهم بالقران فإن القران حمال ذو وجوه، تقول ويقولون، ولكن حاججهم بالسنة فانهم لن يجدوا عنها محيصا". (نهج البلاغة 1/4، دار الكتب العلمية،ط1،بيروت، 2003، ص 405). هو شاهد ودليل على أن في القرآن الكريم من المعانى العميقة، فلغته جاءت بلغة العرب الفصحى في حين أعطتها الذات الالهيه شيئاً من العظمة فأضحت عميقه الغور، حيث لا يتهيأ لأي شخص الوقوف على قيمها الفكرية إلا من قذف اللّه فى قلبه من النور الذى يهتدى به الى فهم مدلولات الآيات ويخوض فيها خوض العارف المتيقن. وهو ما يعطي المرونة من خلال الاجتهاد الذي يدعم الحداثة والتي تديم مكونات الدين الاسلامي وتجعل الاسلام ديناً شاملاً لنواحي الحياة كلها، خالداً يواكب المستجدات والمتغيرات على مَر العصور والازمنة مهما إبُتكرَت من تطورات تقنية حديثة، وهكذا ظهرت مناقشات إيبستمولوجية مهمة جرت بخصوص إفتراض ما يعرف بدليل الإنسداد العلمي التي لا يتسع الحديث للخوض في تفاصيلها في هذا المقال المقتضب.

خلاصة القول : إن صراع اليوم هو بين إسلام متطرف أو مايسمونه في الغرب بــــــــ "الإسلاموية "، أو آخر يحاول أتباعه التقليل من مسحة التطرف هذه أسموه بـــــ " ما بعد الاسلاموية " ، وبين إسلام معتدل في شعائر الدين ونواحي السياسة والفكر وجوانب الحياة كافة . لذا ينبغي عدم الحديث عن " إسلام مُعَلمَن " لأنها خديعة جديدة يجب عدم الانزلاق الى مهاويها ومن ثم الاحتراق في أتون نارها الحارقة، بل الخلاص هو في دعم توجهات الاسلام المعتدل الذي ينهي بشكلٍ عاجل " الفورة الوقتية " للاسلام المتطرف ويخمد جذوته المتقدة.

 

د.وليد كاصد الزيدي

باحث / ما بعد الدكتوراه في المدرسة العليا للعلوم الاجتماعية (EHESS) بباريس

 

majedalgarbawiان تكفير المجتمعات المسلمة جريمة كبرى، لا ترتكز لأي أساس ديني، سوى رؤى واجتهادات شخصية مشحونة بخطاب عاطفي .. رؤى تخالف أبسط قيم الدين الحنيف

 طالما نظّر الاسلاميون لمفاهيم ورؤى تشبّعت بكراهية الآخر وتكفيره، والتخطيط للاطاحة بكل منجزاته. فسيد قطب، مثلا،نظّر بكثافة مروّعة، لمفاهيم خطيرة كانت وراء اقتحامالموت والاستهانة بالحياة، وعدم التفكير بتداعيات الفعل الارهابي على مستقبل المسلمين والعقيدة الدينية، كفهوم الحاكمية الالهية التي أدان بموجبها جميع الحكومات، وبرر اسقاطها بالعنف. وكذلك مفهوم جاهلية المجتمع، ذلك المفهوم الخطير الذي أدان به جميع الشعوب المسلمة، واعتبرها (جاهلية)، منبوذة، يجب تقويمها ولو بالقوة، من هنا تجد المتطرفين في ممارساتهم للقتل لا يكترثون لحيثية الانسان ولو كان مسلما. فسيد قطب إذاً لم يكتف بتكفير الحكومات والانظمة السياسية الحاكمة، وانما شملت ادانته كافة المجتمعات الاسلامية. يقول في كتابه معالم في الطريق: (نحن اليوم في جاهلية كالجاهلية التي عاصرها الاسلام او أظلم. كل ما حولنا جاهلية. تصورات الناس وعقائدهم، عادتهم وتقاليدهم، موارد ثقافتهم، فنونهم، وآدابهم، شرائهم وقوانينهم، حتى الكثير مما نحسبه ثقافة اسلامية، ومراجعة اسلامية، وفلسفة اسلامية، وتفكيرا اسلاميا، هو كذلك من صنع هذه الجاهلية)1. فهي مجتمعات مدانة (بنظر سيد قطب)، لا تتصف بصفات اسلامية، وعليها العودة الى الاسلام، والاقرار بعقيدة لا اله الا الله بمدلولها الحقيقي الذي يعني (لا حاكمية الا حاكمية الله) كشرط اساس لاسلامها، والا فتشملها أحكام الجاهلية، مما يبرر هجرتها وربما قتالها حتى تفيء لامر الحاكمية الالهية.

يقول سيد قطب: (كذلك ينبغي أن يكون مفهوماً لأصحاب الدعوة الإسلامية أنهم حين يدعون الناس لإعادة إنشاء هذا الدين، يجب أن يدعوهم أولاً إلى اعتناق العقيدة- حتى لو كانوا يدّعون أنفسهم مسلمين، وتشهد لهم شهادات الميلاد بأنهم مسلمون!- يجب أن يعلموهم أن الإسلام هو "أولاً" إقرار عقيدة: "لا إله إلا الله" - بمدلولها الحقيقي، وهو رد الحاكمية لله في أمرهم كله). كما يجب عليهم تحمل مسؤولياتهم (وطرد المعتدين على سلطان الله بادعاء هذا الحـق لأنفسهم، إقرارها فـي ضمائرهم وشعائرهم، وإقرارها في أوضاعهم وواقعهم)2.

ولا يخفى مدى خطورة مفهوم المجتمع الجاهلي كما ينظّر له سيد قطب في مؤلفاته التي تشكل رؤية دينية سياسية تنظيمية يعمل في اطارها "الاخوان المسلمين"3، التنظيم السياسي الذي كان ينظـّر له سيد قطب خاصة. فتصوّر هل يمكن قيام مجتمع متسامح في ظل خطاب تكفيري يعتبر المجتمع الاسلامي الراهن، مجتمعا جاهليا تجري عليه احكام الجاهلية ابان الدعوة الاسلامية؟ أي يجب التعامل معه على أساس انه مجتمع كافر معاد للاسلام والرسالة، سلوكا وعقيدة. فسيد قطب يرى: (إن العالم يعيش اليوم كله في جاهلية من ناحية الأصل الذي تنبثق منه مقومات الحياة وأنظمتها. جاهلية لا تخفف منها شيئا هذه التيسيرات المادية الهائلة، وهذا الإبداع المادي الفائق!. هذه الجاهلية تقوم على أساس الاعتداء على سلطان الله في الأرض وعلى أخص خصائص الألوهية وهي الحاكمية. إنها تسند الحاكمية إلى البشر، فتجعل بعضهم لبعض أربابا، لا في الصورة البدائية الساذجة التي عرفتها الجاهلية الأولى، ولكن في صورة ادعاء حق وضع التصورات والقيم، والشرائع والقوانين، والأنظمة والأوضاع، بمعزل عن منهج الله للحياة ، وفيما لم يأذن به الله .. فينشأ عن هذا الاعتداء على سلطان الله اعتداء على عباده وما مهانة الإنسان عامة في الأنظمة الجماعية، وما ظلم الأفراد والشعوب بسيطرة رأس المال والاستعمار في النظم الرأسمالية إلا أثرا من آثار الاعتداء على سلطان الله، وإنكار الكرامة التي قررها الله للإنسان)4.

لكن الأخطر – كما يقول الشيخ يوسف القرضاوي- ما تحتويه التوجهات الجديدة في هذه المرحلة لسيد قطب، هو ركونه إلى فكرة (التكفير) والتوسع فيه، بحيث يفهم قارئه من ظاهر كلامه في مواضع كثيرة ومتفرقة من كتاب (في الظلال القرآن) ومما أفرغه في كتابه (معالم في الطريق) أن المجتمعات كلها قد أصبحت (جاهلية). وهو لا يقصد بـ (الجاهلية) جاهلية العمل والسلوك فقط، بل (جاهلية العقيدة). (إنها الشرك والكفر بالله، حيث لم ترض بحاكميته تعالى، وأشركت معه آلهة أخرى، استوردت من عندهم الأنظمة والقوانين، والقيم والموازين، والأفكار والمفاهيم، واستبدلوا بها شريعة الله، وأحكام كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم)5. ويضيف: (وهذه مرحلة جديدة تطور إليها فكر سيد قطب، يمكن أن نسميها مرحلة الثورة الإسلامية، الثورة على كل الحكومات الإسلامية، أو التي تدعي أنها إسلامية، والثورة على كل المجتمعات الإسلامية، أو التي تدعي أنها إسلامية. فالحقيقة في نظر سيد قطب أن كل المجتمعات القائمة في الأرض أصبحت مجتمعات جاهلية. تكون هذا الفكر الثوري الرافض لكل من حوله وما حوله، والذي ينضح بتكفير المجتمع، وتكفير الناس عامة، لأنهم أسقطوا حاكمية الله تعالى ورضوا بغيره حكما، واحتكموا إلى أنظمة بشرية، وقوانين وضعية، وقيم أرضية، واستوردوا الفلسفات والمناهج التربوية والثقافية والإعلامية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية والإدارية وغيرها من غير المصادر الإسلامية، ومن خارج مجتمعات الإسلام، فبماذا يوصف هؤلاء إلا بالردة عن دين الإسلام؟!. بل الواقع عنده أنهم لم يدخلوا الإسلام قط حتى يحكم عليهم بالردة، إن دخول الإسلام إنما هو النطق بالشهادتين: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وهم لم يفهموا معنى هذه الشهادة، لم يفهموا أن لا إله إلا الله منهج حياة للمسلم، تميزه عن غيره من أصحاب الجاهليات المختلفة، ممن يعتبرهم الناس أهل العلم والحضارة)6.

فهذا النمط من الخطاب لا يؤسس ولا يساعد على وجود مجتمع متسامح، بل ينتج حركات اسلامية متطرفة تستبيح قتل المسلم قبل غيره. وهذا ما نشاهده اليوم من تبنٍّ كامل لهذه الافكار من قبل الحركات الدينية الاسلامية المتطرفة (كداعش واخواتها). وبالتالي ما لم يتم نقد هذا الفكر وتفكيكه ومناقشته وبيان نقاط ضعفه وتحديد المرجعيات التي تمت وفقها هذه القراءة، ليس هناك تفاؤل بقيام مجتمع متسامح. بل يتفاقم هذا الفهم وتتطور هذه القراءة لتتجذر داخل الفكر الديني الى درجة يصبح الفكر المضاد، فكرا منحرفا ضالا كافرا. فكيف يمكن التعايش آنئذ بين الأفكار والعقائد والأديان المختلفة؟.

ان تكفير المجتمعات المسلمة جريمة كبرى، لا ترتكز لأي أساس ديني، سوى رؤى واجتهادات شخصية مشحونة بخطاب عاطفي .. رؤى تخالف أبسط قيم الدين الحنيف الذي ضمن لغير المسلم حرية العقيدة فكيف بالمسلمين، وكان رسول الله يكتفي بشهادة الشهادتين كي يُصان دم المرء، وعِرضه وماله. من هنا يبنغي الحذر في التعامل مع هذا اللون من الخطابات المضللة.

 

ماجد الغرباوي

كاتب وباحث

.....................

 * - بحث مستل من كتاب: تحديات العنف، ماجد الغرباوي، 2009م، دار العارف، بيروت – لبنان، والحضارية للابحاث، بغداد – العراق، ص 290- 293.

 1- معالم في الطريق، مصدر سابق، ص 19.

 2- المصدر نفسه، ص 35.

 3- وتمثلهم الان جميع الحركات الاسلامية المتطرفة، كداعش والقاعدة وغيرهما.

 3- معالم في الطريق: المقدمة.

 4 - شبكة اسلام أون لاين، مذكرات الشيخ يوسف القرضاوي، الحلقة الثانية: وقفة مع سيد قطب. وانما اخترنا القرضاوي، رغم وجود هذه الافكار في كتب سيد قطب واضحة وجلية، باعتباره شاهدا عليها، وقد ناقشها ورد عليها من داخل الوسط التنظيمي ذاته الذي ينتمي اليه سيد قطب. فهو شاهد غير منحاز ولا مشكوك في عدالته من هذه الجهة. وقد صنف كلام قطب على المرحلة الثورية..

 5- المصدر نفسه.

 

nadeer almajedبُحت أصوات كثيرة وهي تحذرنا من الوقوع في فخ الثقة الزائدة بالوعي. لا تراهنوا على الوعي كثيرا، لا يكفي وعي الواقع لتغييره، ليس لأن الواقع لا يكترث بنا ولا بوعينا ولكن لأن هذا الوعي نفسه ليس أهلا للثقة. المراهنة على الوعي خاسرة سلفا إذا لم تضعه موضع سؤال، إذا لم تبدأ بفحصه تحت مجهر الشك والريب، ينبغي استعادة الوعي بتفجيره أولا بنقد ماركسي أو بديناميت نيتشوي أو بتحليل فرويدي.

تفشل كل المراهنات على التنوير إذا لم تبدأ بهذا الثالوث. التنوير المنكوب بنرجسية الوعي لا يتوقف عن التبشير بالعقلانية والوعي وضرورة التثقيف. الوعي ولا شيء غير الوعي هو المتكأ التنويري للتنمية أو التغيير، لبناء المجتمع والصحة النفسية، كل شيء يبدأ وينتهي بالوعي. المزيد من الوعي فقط، عن طريق الحث التربوي البليد والممل والمضجر على القراءة، أو ربما الوعظ الكهنوتي، هو كل ما يمكن أن يقدمه لنا هذا الخطاب المغرور والنرجسي جدا.

أمام هذه المراهنة الغبية تتأكد أهمية الاستعادة التي أجراها عدد من الفلاسفة "كميشيل فوكو ودريدا وبول ريكور" لذلك الثالوث الارتيابي الذي شكل ويشكل "اهانة نرجسية" للوعي. يشكل ماركس ونيتشة وفرويد ثالوثا تنتظم فيه فلسفة الريب. يطرح هذا المزيج رغم كل التفاوتات أسئلة كافية لتدمير، ليس الأشياء الخارجية، وإنما الوعي ذاته، سابقا كان الشك بوعي الأشياء الخارجية، بمعرفة الواقعي وإدراكه، أما هنا فالشك يطال هذا الوعي ذاته، الوعي أو الذات هي المسائلة والمهانة نرجسيا.

يقول فرويد أن البشرية شهدت ثلاث إهانات نرجسية. الأولى كانت مع الهزة "الكوبرنيكية" التي أزاحت الأرض عن دور المركز لتصبح طرفا على هامش مركز آخر. والثانية كانت مع الداروينية التي أهانت النوع البيولوجي "بمعزل عن صحتها علميا"، أما الثالثة فكانت مع فرويد نفسه، إذ اتضح أن ثمة متوحش همجي يحكم الوعي الانساني هو "اللاوعي".

لاستعادة هذا الثالوث "ماركس، نيتشة، فرويد" أهمية قصوى لتفتيت الأقنعة. إن الوجه ليس سوى قناع، الوعي جهل مقنع. ثمة راهنية إذن يعمل على تأكيدها بول ريكور لهذا الثالوث بصفته أركيولوجيا للذات، تحريرا أقصى للذات عبر كشف الأقنعة ومحاربة تضليل الوعي لنفسه.

كلٌ على طريقته، يعمل كل واحد من هذا الثالوث على إظهار المحتجب، فبينما يعمل ماركس على كشف البنى الاقتصادية، يفضح نيتشة الدوافع اللاأخلاقية للأخلاق، أما فرويد فيضيء الدوافع اللاواعية للوعي. هكذا يلتقي هؤلاء الثلاثة في ضرورة الهدم، هناك أشياء ينبغي أن يطالها التدمير، ثمة عنف ينبغي استحضاره هنا، يتلون وفقا للتنوع والاختلاف داخل هذا الثالوث نفسه، هنالك عنف ضروري يأخذ شكل ثورة عند ماركس، وديناميت لتفجير المعنى والأخلاق عند نيتشة ورؤية سيكولوجية تفترض تعنيفا مسبقا للوعي، حيث تبدأ الصحة النفسية عند فرويد بتحقير الوعي نفسه والحفر في طبقاته وصولا لمسبباته وعوامله الأكثر عمقا.

ثمة معنى مخبوء، "لغة خارج اللغة"، لغة لا تقول بالضبط ما تقوله، هذا ما يعمل الثالوث على إبرازه. لهذا السبب يبدو الثالوث محط اهتمام فلسفي.. "ماركس، نيتشة، فرويد": عنوان يختاره كل من "ميشيل فوكو" لمداخلته حول القوة والخطاب وأركيولوجيا الذات، و"بول ريكور" بصفته تدشينا وفاتحة لصراع التأويلات.

أين يلتقي هذا الثالوث؟ من تفتيت المكان، لم يعد المكان متجانسا بدءا من القرن التاسع عشر كما يقول فوكو، قرن الشك والريب وتفتيت المعنى، فمع ماركس نشهد انغماسا في الضباب لكشف التسطيح والتفاهة والأقنعة البرجوازية، ومع نيتشة تقوم "الجينولوجيا" بقلب الأعماق كما يقول فوكو، وإفراغ الأخلاق من القيم، ومع فرويد نلمس توغلا لهذا المكان اللامتجانس إلى داخل النفس بعد أن كان خارجها (المجتمع والأخلاق).

إن الاستعادة تأخذ أهمية مضاعفة، خاصة إذا ما عرفنا التشوهات التي طالت الأيقونات الثلاث. إذا كان الوعي مضلل، فلهذا الثالوث نفسه مآل التشويه، كما لو كان ثمة قدر تضليلي يهدد كل شيء، بدءا بالواقع الموضوعي الخارجي ومرورا بالوعي وانتهاء بالنقد نفسه. النقد الذي تحول إلى مذهب، إلى مقولات ثابتة وقوالب نظرية جاهزة ونهائية تفرض إكراهاتها على الواقع حين تعجز عن مسايرته، على هذا النحو تصبح الماركسية "اقتصادوية" فجة، والنيتشوية رفضا عدميا للأخلاق ودعوة فاشية، أما الفرويدية فتتقلص إلى جنسانية مهووسة برد كل الأشياء إلى "أيروس". إن محطم الصنم يبدو مثل صنم جديد.