المثقف - أقلام حرة

دور العمامة والعقال في الانتخابات العراقية

العمامة هي عبارة عن لباس رأس كان يضعه سكان الحواضر في الجزيرة العربية بصورة خاصة يتميزون به عن سكان البادية الذين كانوا يضعون الكوفية، بدون إطار في بداية الأمر،

لكنهم وضعوا فيما بعد طوق يحيط بالكوفية عند قمة الرأس ليمنعها من السقوط عن مكانها.لقد تعودت معظم شعوب العالم القديم والحديث على وضع لباس رأس يتناسب مع ظروف البيئة الطبيعية التي تعيش فيها إلى أن أصبح هذا اللباس جزء من النسق الثقافي لهذا الشعب أو لذاك، لذا فأننا نرى قبعة الرأس التي يرتديها سيناتور أمريكي تختلف عن تلك التي يرتديها راعي البقر، ثم نجد أن القبعة الأمريكية تختلف عن القبعة المكسيكية وهذه عن قبعة الفرو الروسية وعن قبعات رجال المافيا الإيطاليين وقطعا عن الطربوش التركي والسدارة البغدادية وكذلك عن جراوية الجيش الشعبي في عراق صدام حسين ،وعندما ننتقل إلى شعوب آسيا نشاهد ألبسة رأس خاصة بهم وكذلك هو الحال في أوربا وأميركا الجنوبية وأفريقيا واستراليا ليس هناك اختلاف في طبيعة الغرض الرئيس الذي دعا هذه الشعوب إلى ارتداء هذا اللباس وهو حماية الرأس من تقلبات الطقس المضرة كونه مركز القيادة في جسم الإنسان.

وفي الجزيرة العربية وجد الرسول محمد (ص) نفسه في وسط بيئة بجانبيها الطبيعي والاجتماعي تعتمد العمامة كلباس للرأس فلم يجد بداً من لبسها فهو قبل أن يكون رسول لله ومنقذ لعرب الجزيرة من ضلالهم هو ابن عائلة كريمة تحترم أصالة انتمائها لبيئتها،وكان لون عمامته هو الأسود ولا ادري هل شاطره احد من العرب لبس هذا اللون أم اقتصر على هاشم فقط،إلا أن ما متفق عليه تاريخياً فأن هذا اللون ظل ملازماً للون عمامة الهاشميين منذ أن لبسه الرسول الأعظم وحتى اليوم. وأنا أعتقد أن اسم العمامة قد جاء من تعميتها لظاهر الرأس من الظهور أو أن لها علاقة بالغمامة التي تغطي الرؤوس بظلها قبل أن تغدق عليها بالمطر.أما العقال فأن العرب قد عقلوا به أولا الجمل ليعيقوا حركته أثناء نومهم وسمي الحبل الذي يشدون به قوائم جمالهم بالعقال واعتقد أن مفهوم العقل كمصطلح جاء كون هذا الجزء من رأس الإنسان يتحكم بسلوكه فيعقل من حركة الجسد ويشذب من السلوك الظاهر للإنسان.

لقد تطور لباس الرأس العربي هذا بشكليه (العمامة والعقال) بمرور الزمن وخصوصا مع الاستعمار الأوربي الذي وجد أن هناك قيمة اعتبارية كبيرة لهذا اللباس لدى العشائر العراقية، فالعقال إذا ما سقط من رأس صاحبه فان مشكلة كبيرة تظهر على السطح قد لا تحل إلا بسقوط رؤوس لقاء سقطة العقال هذه. أما العمامة فقد أصبحت حكراً على رجال الدين مع خصوصية في عقد طياتها فهي لدى المعممين الشيعة تختلف اختلاف بسيط عن مثيلاتها لدى زملائهم المعممين السنة،وقد انعكس هذا الأمر على الجانبين في لون الكوفية فجنوب العراق كانوا يرتدون الكوفية ذات البقع السوداء والتي تسمى(اللندني) وربما سميت بهذا الاسم كونها مصنوعة في لندن ونجد أن الكوفية الفلسطينية تشابه تماما كوفية الفرات الأوسط والجنوب العراقيين،بينما يرتدي عراقيو غرب بغداد وحتى الموصل الكوفية ذات البقع الحمراء والتي تسمى (يشماغ) وكان (السيد الهاشمي) في مناطقنا يرتدي الكوفية الخضراء وغالبا ما يقوم بصبغ الكوفية المعتادة باللون الأخضر لتمييز نفسه وهو بذلك يكون محط عطف وكرم الناس الذين يحيطونه بالرعاية تقديرا وإكراما لنسبه العلوي المحمدي وكان يُحكى بان أناس كثيرين تضطرهم الفاقة أو عدم رفعة النسب إلى ادعاء النسب إلى آل بيت النبي الكرام وهي وسيلة للحصول على الاحترام والتقدير والرعاية والحماية وبمرور جيلين على ادعاء احد ما بهذا النسب يصبح هاشمي من الطراز الممتاز،على كل حال هذا ليس موضوعنا لكني أردت أن أؤكد أن ليس جميع السادة الهاشميين اليوم يرتدون العمامة بل النسبة الأعظم منهم يرتدون بدلا عنها كوفية سوداء أو خضراء أو زرقاء.

بعد الحرب العالمية الأولى بدأت معظم شعوب العالم المتحضر تتخلى عن لباس الرأس، وقد وصلت الموجه إلى العالم العربي وبالأخص العراق ومصر ولبنان وسوريا والى نهاية السبعينات كنا في العراق نشاهد الشباب الحاسي الرأس بينما يقتصر ارتداء الكوفية والعقال على كبار السن في الأرياف والقرى، أما ارتداء العمامة فكان يقتصر على رجال الدين في المدن المقدسة وبالأخص النجف الأشرف وكربلاء المقدسة.وفي ستينات القرن الماضي كان أمر استبدال الريفي في جنوب العراق العقال بالعمامة أمر نادر وغالبا ما يتندر عليه من قبل أبناء عشيرته والعشائر المجاورة وهاهو المرحوم ثامر حمودة آل مزيعل شيخ عشيرة آل حسن أحد عشائر ناحية كرمة بني سعيد في قضاء سوق الشيوخ يتندر على احد أصدقائه الذي ذهب ليدرس في النجف الأشرف فاستبدل العقال بالعمامة،فألف ثامر قصيدة جميلة يقول مطلعها:

امبارك يا حمد من صرت علامة

وبدلت العكال بلبس العمامة

بدلت العكال البيه جنت محلاك

ولم تثر هذه النوادر والفكاهات الضغينة أو الكراهية ولم يتهم صاحبها بأنه يمس رجال الدين بسوء بل كانت الناس بما فيهم الشخص موضوع الطريفة يتقبلونها برحابة صدر وبألفة ومحبة تزيد التماسك الاجتماعي أكثر مما تعمل على هدمه.ولقد كنا نستمع للكثير من الأمثال التي احتفظت بها الذاكرة العراقية مثل(أربعين معمم ما عبروا ثور) وربما يشير المثل إلى عجز المعممين الذين غالبا ما يتكئون على وظيفتهم الدينية عن الإتيان بالأعمال المرتبطة ببيئة الريف العراقي كالقيام بمهمة إجبار ثور جامح على عبور نهر فوق جسر لا يتعدى عرضه نصف متر كما أشار المثل إليه فكيف به يستطيع إدارة ما هو أكبر.من الطبيعي فانا التزم بحياديتي كباحث ولا اعتبر جميع ما أشرت إليه على انه رأيي الخاص ،لكنني أريد أن أؤكد على أن لباس الرأس المتمثل بالعقال والعمامة والذي يرتدونه أهلنا في العراق هو ليس بالدليل القاطع على أن صاحبه على درجة عالية من النزاهة والمصداقية أو أن ارتدائه لواحد منهما يؤهله لقيادة المجتمع،كذلك يجب أن لا نأخذ فكرة مسبقة عن أن كل من لبس العقال على انه متخلف ولا كل من لبس العمامة على انه يستغل الدين لمآربه الشخصية،الصحيح والأسلم هو أن نجعل مقاييسنا للناس لا تبنى على ما يرتدون من لباس ولكن على ما يعملون وما يقولون وبما يؤمنون ويعتقدون.

أما ما علاقة هذا المقال بما نحن عليه اليوم فانا اعتقد أن علاقته تتحدد في دعوة الناخبين إلى تحكيم العقل بمن يختارون بعيدا عن الأفكار المسبقة التي يكونونها عن شخص على انه جيد لأنه يرتدي العمامة أو العقال مثلا وعلى آخر على أنه سيئ لأنه يحلق ذقنه كل صباح والعكس أيضا صحيح فأن اتهام كل من يرتدي العمامة من السياسيين على أنهم غير صالحين يعتبر تجني كبير لا يستند على دلائل علمية مؤكدة والعراقيين اليوم يرددون مقولة أو حكمة لا اعرف حقيقة قائلها تشير إلى أن الحراميه هم الذين ارتدوا العمائم وليس صحيحا أن المعممين أصبحوا حرامية،المهم أن يعتمد تقييمنا لمن نريد أن ننتخب على ماذا قدم هو وكتلته وماذا سوف يقدم دون أن ننخدع بالمظهر الخارجي.

يقول المثل الشعبي العراق(خوش زلمة اللي يخلي بالسلة عنب) وهذا يعني أن من ننتخب يجب أن يكون عارفا بما الذي سيقوم به من أعمال وأنشطة تصب بمجملها في مصلحة الإنسان العراقي قبل كل شيء،وان يضع في تصوره قاعدة يعمل على تطبيقها تتلخص بان يكون خادما أمينا للشعب لا خائنا سارقا لثرواته أو مضطهدا له مكبلا لحرياته.ليس مهما أن يحكم من يرتدي العمامة أو العقال أو السدارة أو الطربوش أو الجراوية لكن المهم في أن يكون مؤهلا لثقة الناس عاملا على حل مشكلاتهم التي أصبحت تزداد وتتعقد وتتراكم يوما بعد آخر. هل نستطيع حقا أن نتخلى عن أفكارنا المسبقة عن بعضنا واغلبها أفكار ضبابية وغير واضحة؟ هل نستطيع فعلا أن نقتلع من أذهاننا صور أشخاص مقدسين يرتدون العمائم أو صور شيوخ عشائر مؤثرين يرتدون العقال وكلا النوعين ماتوا لكن صورهم تنغرس في لا شعورنا ثم نأتي اليوم لنسقط هذه الصور على أشخاص آخرين يعيشون معنا اليوم يرتدي بعضهم العمامة ويرتدي البعض الآخر العقال ولنتخذ منهم قادة لمسيرتنا لفترة زمنية تمتد من السنة العاشرة وحتى الرابعة عشرة من الألفية الثالثة للميلاد  لا لشيء إلا لضننا أن كل من ارتدى العمامة أو العقال هو الأفضل لقيادتنا إلى بر الأمان.

مع اعتزازي الكبير وتقديري المنقطع النظير للنظامين الديني والعشائري في بلدي اللذان وضعا بصمات واضحة في مجمل ثقافتنا،كذلك مساهمتهما العظيمة في وأد الفتنة والحفاظ على حياة الناس وممتلكاتهم وفي رسم اطر العلاقة الروحية العظيمة بين الإنسان وبين ربه،إلا أنني ضد استخدام الدين في خداع الناس للوصول إلى مآرب شخصية بحته ،كذلك أنا ضد استمرار العمل بالقانون العرفي بسبب عجزه عن حل المشكلات الاجتماعية المعقدة التي بدأت تبرز في مجتمعاتنا.

نحن بحاجة حقيقية إلى مراجعة ذاتية من أجل رسم تصورات واقعية لما هو موجود في الواقع العراقي المعاش وفي التفكير بما يمكن أن يتم عمله للخروج من مآزقنا الحالية التي  أصبحت تنذر بالخطر الكبير في حالة تشكيل برلمان عراقي فاشل مماثل للبرلمان الحالي الذي يلفظ أنفاسه الأخيرة غير مأسوف عليه.

أن من يدعي بأن العراق لا يمر بأزمة  في الوقت الحاضر أو حتى في المستقبل القريب إنما هو مجافي للحقيقة،فماذا ننتظر من حقائق تشير إلى وجود خمسة ملايين أمي،وأربعة ملايين أرملة،و50% من المجتمع يعيش بمستوى الفقر أو تحت خط الفقر وفق القياسات العالمية،أزمة سكن خانقة،تلوث بيئة، شحة في المياه بتنبوء جفاف الرافدين بصورة كاملة بعد أقل من عقدين فقط. وفي ضوء جميع هذه الحقائق المخيفة وغيرها الكثير جدا مما يتفرع عنها وينتج من جرائها فأن العراق بحاجة ماسة إلى وجود برلمان عراقي مسئول عن عبور البلد لهذه المرحلة الخطيرة جدا من تاريخه،وبحاجة حقيقية وماسة إلى حكومة تكنوقراط،قوية،ومرنة في علاقاتها الخارجية تضع العراق أولا وتجعل الإنسان فوق جميع الاعتبارات.أما كيف نقوم بذلك فالكرة الآن بأيدينا ولننتخب من نراه أهلا للقيام بالمسؤوليات الجسام التي أشرنا إليها ،لنصوت اليوم لمن يستحق صوتنا من أجل أن لا نقضي السنوات الأربع القادمة نلعن حظنا العاثر ونعض أصابع الندم.

 

محمد حمود إبراهيم

باحث وتدريسي في علم الاجتماع والانثروبولوجيا

جامعة ذي قار – مركز أبحاث الأهوار

مرشح تجمع أحرار في محافظة ذي قار

رقم القائمة 374- تسلسل16

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها. (العدد: 1320 الاربعاء 17/02/2010)

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 1261 المصادف: 2010-02-17 07:39:17