المثقف - أقلام حرة

موجةُ تغيير ...أم موضةُ التظاهر؟ / آكو كركوكي

ako_karkokiحين كتبت في التاسع من يناير الماضي، في متن مقالتي "بعيداً عن الدولتية وسلطة الرمل، البحث عن حياةٍ أفضل"،  بإن المنظومة العربية تشبه الرجل المريض، وهي آيلة للإنهيار،

لم يكن يدر بخلدي إطلاقاً، إنه وبعد أقل من شهرين، على كتابة تلك السطور سوف نشهد  سقوط ركائز مهمة لتلك المنظومة.  وخاصة إن التيار قد جرف فيما جرف ولحد الآن، إضافةً لِبن علي، نظامي مبارك والقذافي* أيضاً، واللذان وقع عليهما أختياري لنقد تلك المنظومة في حينها . وفي تلك الفترة كانت  تطفو على سطح الاحداث، مسئلة الأستفتاء على إستقلال جنوب سودان، وتنازل البشير عن جزء مهم من سودانهِ، وبالتالي عن بعضٍ من عجرفته العروبية المُتأسلمة. ولم تكن التظاهرات في تونس، قد دخلت مراحلها الحرجة بعد.  لذا لا أعلم،  إن كان تخميني ذاك حدسٌ مجرد، أم محضُ تكهنٍ محضوظ!

 

على أية حال، فإن التنبؤ  بهكذا أحداث، يشبه التكهن، بحدوث الزلازل. فيمكن للعلم أن يحدد، وبشكلٍ تقريبي، المناطق المعرضة لخطر الزلازل، إلا إنه يعجز، عن تحديد وقت حدوثها، هذا ناهيك، عن تقدير، الآثار التي سوف تخلفها. وهو نفس الشئ،  بالنسبة لحال الانظمة السياسية تلك، فيمكن للمرء أن يحدد مناطق تجمع تلك الأنظمة وشبيهاتها، ويلمس هشاشة أسسها ووهن بنيانها، وعجزها بالتالي عن الأستمرار.  ويمكن أن يتيقن حتمية سقوطها ،عاجلاً وليس آجلاً، ويصنفها على إنها "مُهيئة للإنهيار"،  إلا إنهُ لا يستطيع أن يخمن متى تُلاقي فيهِ تلك الأنظمة، الشعرة،  التي ستقصم ظهرها المنهك.

 

ومن المنطقيٌ جداً،أن نلاقي أيضاً الصعوبة ذاتها، عند تخمين آثار ذاك الإنهيار، وحتى في تقدير المتبقي من الآمال والأمكانيات، لإعادة بناء شئ ما،  على ركام،  أو من بين انقاض، الدكتاتورية المنُهارة تلك.

 

وإذ كانت الزلازل مجرد موجاتٍ وإهتزازاتٍ أرضية، فالمفترض بالأحداث الجارية، أن تكون بدورها موجة تغييرات جذرية. فهل هي كذلك؟

 

والمؤشرات على إهتراء وهشاشة المنظومة العربية كانت بادية للعيان، بل تقاسمها  نفس نمط الحكم، خلق ترابط وشيج، فيما بين عناصرها، بحيث أصبح  أي تغييرٍ  يصيب إحداها، تؤثر على الأخريات أيضاً،  بشكلٍ آلي ومتسلسل.  وليس هذا التشخيص بالسر المخفي، فتحجر قيادة تلك المنظومة عند طبقة سياسية فئوية وحتى عائلوية فاسدة، وتحول مجتمعاتها الى نماذج تراجيدية للاعدالة الاجتماعية، والفقر، والبطالة، وإفتقارها الى أبسط مقومات الحرية، ومعاناتها الطويلة، مع الكثير والكثير، من الامراض الاجتماعية والأقتصادية الاخرى. كانت بمثابة مستويات حرجة، يمكن أن يقرءها مؤشرات أي مقياس، ينشد المقارنة، بين جمود تلك المنظومة، وعالمٍ حي نابض، يتغيرُ بإستمرار،  هذا التغيير الذي تسارع وتيرته، خلال العقدين الماضيين وبشكل ملحوظ، والتي دفعت باتجاه تطورٍ تكنولوجي رهيب، تطورٍ قد خطى  قفزات ثورية ونوعية .

 

وقد غدت المقارنة، كمحصلة منطقية، لهذا التطور التكنولوجي العظيم ووفرة المعلومة، فهي حالة غريزية فطرية، يلجأ اليها العقل، بمجرد توفر المعلومة الكافية لديها، حول حالتين او شيئين معينين. و تلك المعلومة تكفلت وسائل الأتصال الالكتروني، بتوفيرها لنا مجاناً.

 

فهذا السيلُ المتدفق من المعلومات، لا تدفعنا لِمقارنة، نمط ملبسنا، ومأكلنا،  وأسلوبُ حياتنا اليومية مع الآخر وحسب، بل تدفعنا لمِقارنات سياسية خطيرة وجدية، أي المقارنة بين ماهو كائن وماينبغي أن تكون عليها أنظمتنا السياسية، والإقتصادية، والإجتماعية، كالذي عند الآخر، هذا الآخر الديمقراطي الليبرالي، المتُنعم ببركات الإقتصاد المزُدهر، و بوفرة فُرص العمل والتعلم، وسيادة القانون، والضمان الصحي، والإجتماعي،  وملذات الحُرية، في العالم الآخر.

 

ولكن... فإن كان اللحاقُ، بآخر التقليعات، والصرعات الحديثة، وموضات الأزياء، والاكسسوارات، وقصات الشعر وماشابه، يمكن تدبيرهُ، بشكلٍ أو بآخر، فإن مُجاراة هذا الآخر، في نمط إقتصادهِ، وأنظمة مُجتمعهِ المدني، وديمقراطيتهِ، أمرٌ  مُختلف تماماً، وشئٌ آخر.

 

تفائل الكثيرون، بالتطورات الناتجة، عن التظاهرات، التي عصفت بدول شمال أفريقيا، والشرق الأوسط. لإنها حطمت ركائز مهمة، في هذه المنظومة الفاسدة، وأصبح الأجماع الآن، على إن تيار التغيير ، يتجه من نصر  تليد الى نصر مجيدٍ آخر ، وقد بدا الكونُ  تلوحُ  عِندهم، وهيّ أكثرُ  شبهاً، بربيعٍ مُزهر، وكإننا على شفا الإنتقال، الى جنة الفردوس. ورغم إننا بتنا نألفُ التقدم الثوري المسُتمر ، والإنتقالُ من نصرٍ عظيمٍ، الى نصرٍ أعظم، ولكننا لا نعلم متى تبلغ تلك الثورات، الحلول الجذرية، لمشاكلها  المزُمنة، من فقرٍ ،وبطالةٍ، وفسادٍ، وإنتاجٍ للدكتاتورية.

 

نعم أستطاعت التظاهرات في تونس، أن تسقط ولحد الآن، دكتاتوراً واحداً، وحكومتين، ويبدو إنها دخلت في صيرورة لامنتهية من التظاهر، وفي مصر حققت تقريباً نفس المكتسبات، وهيّ تعيشُ نفس الحالة من الإستمرار .  ولو كان السببُ  من وراءِ هذا الإستمرار، هو البحث المضُني، عن حلولٍ فورية، لتلك المشاكل،  معتقدين إن خروجهم للشارع،  يمكن أن يُنهيّ، البطالةُ، والفسادُ، والفقر، ويمكنهُ أن يُفكك، الآلة الأقتصادية، والإجتماعية، التي لطالما أنتجت لهم الدكتاتورية، فإنني أخشى إنهم لن يتمكنوا من الرجوع للمنزل، في القريب العاجل، أو حتى في البعيد الآجل.

 

والصياغة الدقيقة، للفرض الذي يقول: "إن الخروج الى الشارع، هدفهُ، إسقاط الأنظمة الدكتاتورية، وإحلالها بأُخرى ديمقراطية، وهذهِ الأخيرة، كفيلة بإن تقوم بتنمية إقتصادية، وإجتماعية، تنهي أو تحد، من مشكلة الفقر، والبطالة، والفساد. وفي نفس الوقت توفر الحريات، وسيادة القانون". فإن هذه الصياغة تحتم التحليل النقدي، بحيث تُقسم الفرض الى شقين. فالشق الثاني، سليم الى حدٍ كبير . ولكن الشق الأول من الفرض، والتي تتخذ من التظاهر، والثورات الجماهيرية، كوسيلة، ومنهج، للوصل الى الديمقراطية، فإنهُ يحتمل الكثير  من التشكيك.

 

فالديمقراطيةُ، في أحسن أحوالها، تُخبرنا بإنها، قبل أن تلد من رحم صناديق الإقتراع، والإنتخابات، وقبل أن تتمثل بمؤسسات سياسية، كالبرلمان والحكومات. فإنها كانت من أحد نتاجات التحولات الإقتصادية، والإجتماعية، والفكرية، والتي أُصطلح عليها بـ"الحداثة". وفي هذا الصدد، يُسعفنا عبدالجبار، بتفسيرٍ مختصر، ومكثف، لمعنى الحداثة، ويقول إنها تعني سياسياً، وإجتماعياً، فرضُ مقارناتٍ وتفضيلات، بين كلٌ مِن: الحديث والتقليدي، أي المرجعية الدينية مثلاً، مقابل مرجعية العقل، أو الدولة الثيوقراطية الحاكمة بأسم الأله والكتاب المقدس، و الدولة الحاكمة بأسم العقل، والقانون الوضعي، والعقد الإجتماعي، وهذا يتطلب وجود بنية إجتماعية ليبرالية، تعتمد على علاقات العقلانية المصلحية، والتي تتمثل بالنقابات والاحزاب والصحف مقابل البنية السياسية الأبوية، الناتجة من الأعراف والتقاليد، والقبلية، والعشائرية، والتي تتجسد على شكل جماعات دينية، وقبائل وعشائر، وماشابه. أما إقتصادياً فالمفاضلة فيهِ، بين قطاعٍ إقتصادي صناعي، أو حتى مابعد صناعي حديث، وفير الإنتاج يعتمد على تكنلوجيا عالية، وقوانين إقتصادية صارمة، وآليات خفية يفرضها السوق، بقانونهِ حول العرض والطلب، مقابل إنتاج الكفاف البدائي. في حين لايمكن للإقتصاد الريعي، المعُتمد على ريوع الموارد الطبيعة، أن يأخذ دور، الأقتصاد الحديث.  ثم يعودُ الأستاذ عبد الجبار،  ليختصر الحداثة وفق النظريات الحديثة، الى أربع أبعاد هيّ:  التصنيع، والتمدين، والعلمنة، واللبرلة!

 

إذن أين تلك الشعوب من تلك الابعاد الاربعة للحداثة؟ وهل يمكن أن تحقق التظاهرات  أي تقدم في تلك الاتجاهات؟

 

وصحيحٌ إن عالم اليوم، يسودهُ العولمة، والثورة المعلوماتية، الذي يسمح للبضاعة، ورأس المال، والمعلومة، والأفراد، أن يتحركوا في فضاءٍ أرحب، إلا إن الإعتقاد، بإن هذا يمكنهُ، أن يعوض، كل التحولات المذكورة آنفاً، يبقى محل تساؤلٍ كبير!

 

وهناك الكثير الذي  يمكن أن يقال، حول البنية القبلية، والإقتصاد الريعي، وسيادة الخطاب الديني، والمجتمعات المغلقة التي تسود الشعوب المتظاهرة اليوم، في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. أما التجارب الماضية فتحذرنا من مردودات عكسية، يمكن أن  تجلبهُ التظاهرات، وليس ببعيدٍ عنا تجربة الأيرانيين، اللذين ملئهم الغبطة والسرور، عندما أسقطوا دكتاتورية الشاه، بسيناريو مُشابه الى حد كبير، لما حصل في تونس ومصر، عندما وقف الجيش بصف المتظاهرين، بعد أيام عدة من التظاهر، وفي اليوم الذي أسقطوا الشاه وجدوا أنفسهم، وهم يرددون الصلوات خلف الأمام الخميني، ولاحقاً عندما أدركوا  إنهم قد غيروا نظامٍ سئ جداً، بنظامٍ أسوء منهُ بكثير، كان الآوان قد فات، وأصبح الوقت متأخراً جداً. فالحقيقة المرة  التي يجترعونها اليوم، هيّ: إن كانت المظاهرات العارمة، كفيلة بإسقاط الشاه، فإن التظاهرات الأكثر ضخامة منها اليوم، والممتدة منذ سنتين، في أيران، لم تستطيع أن تزحزح، خلفاء الخميني، من أماكنهم، قيد أنُملة. وكذا كان الحالُ في مصر مثلاً، فبعد إسقاط مُبارك، وجد المتظاهرون أنفسهم والقرضاوي يؤومهم، ويخطب فيهم في ساحة التحرير، لذا يبقى خطر الإنتقال، من وضع سئ الى وضع أسوء، يملك نفس الدرجة من الإحتمالية، للإنتقال الى وضعٍ أفضل. وإنّ إستبدال حُكم فئة أو عائلة طاغية فاسدة، بحكم مجموعة من الملالي ورجالات الدين الدجالين، يبقى كالشبحِ يحومُ  خلف الكواليسِ أو حول مسرح الأحداث.

 

وإذ كان الإتصال عبر الفيسبوك، ونشر الافلام عبر اليوتيوب، ونصب الخيم، والمنابر للخطب السياسية، في الساحات، من أهم سمات الموضة المنتشرة في الآونة الأخيرة، فإن السمة الاخرى، التي لايجب أن تغيب عن بالنا، هي الصلوات الجماعية، ولايوجهُ النقد للصلاة بحد ذاته، بل لما يأتي ما بعد الصلاة من خطبٍ للملالي، مليئة بالتناقضات والنوايا السياسية. فأحد الملالي خطب بالمتجمعين في ساحة السراي في السليمانية، ووصف تظاهرهم بـ"الجهادِ في سبيل الله"، وآخرٌ خطب في البرلمان، ووصف المتظاهرين بـ"الخوارج". فكيف بالله بالخطاب الديني، أن يكونّ متناقضاً الى هذا الحد، في وصف حالة واحدة؟ فـ"الجهاد" أو "الخروج عن طاعة ولي الأمر"، فيهما نصوص وأحكام واضحة، وحسب مبدء "حاكمية النص"، فالمسئلة لاتقبل الإجتهاد!

 

لا تكمن الإشكاليةُ فقط، في هذا الدجل المتناقض، الذي يُصدر الفتاوى، حسب الإنتماءات الحزبية، بل الإشكالية في كون السياسة العقلانية، لاتقبل تلك الاحكام القطعية، أي "أما مؤمن أو كافر". وليس هناك مكانٌ في السياسة، لليقينيات، والدوغمائيات، الموجودة في الدين.  فالتظاهر من الحقوق التي يكفلها المبادئ الديمقراطية، على الرغم من إنهُ من الممكن أن تعتريه أعمال الشغب، والسلطة ليست بمعصومة، بل من الممكن جداً أن يعتريها الفساد، والحكم عليهما لايكون حسب المنطق الديني، أي "بحد السيف" سواءٌ على السلطان الكافر الذي فيه إعوجاج، أو على الخوارج الكفرة، الخارجون على سلطة أمير المؤمنين. بل هناك قوات الأمن، وهناك صناديق الإقتراع، وسحب الثقة، والإصلاحات البعيدة المدى، والإجراءات القانونية والمدنية الإخرى، للتعامل مع هكذا حالات.

 

أما ساحة السراي في السليمانية، فقد وصفها بعض المثقفين الكورد، بإنها تشبه "الأغورا Agora"، أي ساحة أثينا القديمة، حيث كانت تدار النقاشات السياسية الديمقراطية المبُاشرة، في (دولة –المدينة) الأثينية القديمة " البولسPolis". أما فريقٌ آخر، فقد أسموهُ بـ"ساحة التحرير" تيمناً بساحة التحرير في القاهرة. وقد أكتض بالخيم، والمعتصمين، والخطب، والمنابر، والمطالبات، والنقاشات.  وسواءٌ لو كانت ديمقراطية أثينية، أم موضة قاهرية مصرية، فإن هذه الظاهرة، تحمل فيما تحملهُ، الكثير من المعاني والدلالات. تبدء من الإِيذان بولادة وبروز ، حالة من المجتمع المدني، الخارج من التنظيم الحزبي، وتنتهي بالإيذان بإحباطٍ قد وصل درجة الإنفجار. مروراً بنقدٍ، يركز على إقتصارها على مدينة ومنطقة واحدة دون غيرها.

 

والمعروف إن آفة التقليدية، لم تُفلِت من براثنها "التجربة الكردية"، من بين تجارب شعوب المنطقة جميعاً. فالمعادلة التقليدية، التي تتحكم السياسة في كوردستان، فيما لو كانت في مرحلة الحركات التحررية، أو في مرحلة تجربة الإدارة الذاتية. فقد غلب عليها وفي فترات كثيرة، هيمنة الحزب على مقاليد الأمور، وأرتبط الحزب عادة بشخصية، وغالباً ما كانت تلك الشخصية، زعيمٌ ديني أو زعيمٌ قبلي، أو كِلاهما في نفس الوقت. وقد تجلت تلك الآفة مرةٌ أخرى في تجربة السنين العشرين السابقة، ومن أهم إنتاجاتهِ "الحرب الأهلية". وقد سبق وأن تطرقنا لمسئلة الحزبية، والقومية، في مقالة سابقة بعنوان " القومية وسرطان الحزبية".

 

يؤمن طبقة من القوميين التقليدين، بإن وحدة الأمة وقوتها، يكون بإلتفاف الجماهير، حول "القائد الرمز" ، وهذا الإعتقاد مبنيٌ لربما، على الصلابة الظاهرية التي تبديها، هذا النوع من التلاحم الجماهيري مع الزعيم. ولكن لو دققنا في الحالة فإنها تشبه حال المادة القَصيفة ( سهلة الكسر Brittle Material ). فهكذا نوع من المواد، ومن أمثلتها الصخور، تكون صلبة وقوية، ولكن لحد وصولها الى مستوى معين، من التحميل، عندها تنكسر وتنهار فجاءةً. إن تركيز السلطة، والقرار، والولاء، بيد أو لـ "شخصٍ واحد"، والإلتفاف حولهُ. بقدر مافيها، من تركيزٌ للقوة والتلاحم، بقدر مايعني خلقٌ لِنقطة ضعف قاتلة، بحيث يكون هدفاً سهلاً للإقتناص. فيمكن فيما بعد تركيز الضغط السياسي من قبل الآخر العدو، على هذا الزعيم لحد الإنهيار، وبإنهيارهِ وإنكسارهِ، تنهار معهُ كل البنيان المشيد على أكتافهِ، ولطالما تكررت تلك التجربة، أمام ناظرنا، عبر تأريخنا المدشن بالتجارب المآساوية، ولكن لا من متعظ ولا من متعلم!

 

إن حال المجتمعات الحديثة، بإنظمتها السياسية، تشبه حال المواد الصلبة، التي تقاوم الصدمات، ولها مقاومة ضد التشوهات (Stiff Material) بإمتلاكها نوع من المرونة أو "المطيلية Ductility". ومن أمثلتها الفولاذ. ففي هكذا مجتمعات تكون السلطة، والقوة، والثروة، موزعة بين أكثر من مركز في المجتمع. وتعمل المؤسسات الوطنية، وقِوى المجتمع المدني، والتعددية الحزبية، والثقافة القومية الوطنية، دور تلك المراكز. مهما تلقت هكذا مجتمعات، والتجارب والقوميات من صدمات ومؤمرات، فلن تنهار!

 

والإحباط الذي يغمر الإنسان الكردي، بعد عقدين من الإدارة الذاتية الكوردية، يتجسد بالإخفاقات العديدة، والمتتالية، لتلك التجربة، في القضاء على ظواهر سلبية كمثل العصبيات العشائرية، والمناطقية، والحزبية، وشبكات المحسوبية، والفئوية الضيقة. فها هيّ المؤسسات الخدمية، والعسكرية، والإدارية، مازالت مقسمة بين منطقتين، وسلطة حزبين، وتلك هيّ اللغة الكردية، مقسمة بين ثقافتين، وتلك هي الجغرافية الكردستانية، مشتتة بين سلطة الإحزاب، وبين سيطرة بغداد. ولم تستطع تلك التجربة العشرينية، أن تفعل شئ يذكر، أمام تلك الملفات المصيرية. بل أسهمت بشكلٍ مقصود بتكريسهِ وترسيخهِ، هذا ناهيك عن هيمنة الحزب، على السوق، والمجتمع، إضافة للمؤسسات الحكومية، وماخلفهُ هذا من فسادٍ وفوارق طبقية شاسعة. واليوم وقد ولد الإحباطُ هذا الإنفجار المدوي، فقد أماط اللثام، عن كل هذهِ العورات المخفية، لتجربتنا العشرينية. وليس أولها هذا العنف المخُزي، المستخدم من قبل الأحزاب الحاكمة ضد المتظاهرين. ولا آخرها ذاك الشغب المجنون ، الذي يحكمه الإنتقام من قبل المعارضة. فأين السلطات من سيادة القانون، وحماية أرواح الناس، وأمنهم، وإحترم المؤسسات الشرعية؟ وأين المعارضة من شعار "الغاندية Ghandism" أو مبدء اللاعنف والتسامح؟   أسئلة لايرغب كلا الطرفين بسماعها حتماً.

 

لربما لايفكر المواطن البسيط، في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بكل هذه التأملات النظرية، وحتى لو فكر، فلا يجد ماورد فيها، مما يندرج ضمن أولوياته وإهتماماته الملحة، فكيف بهِ، وقد مل وجوه رؤساءه، وأبناء رؤساءه، وأقارب رؤساءه وهو يلتقيهم في كل زاوية من حياتهِ، بمشاكلهِ، ومآسيهِ، وإحباطاتهِ، منذ عقودٍ وعقود، واليوم، عندما سنحت له الفرصة، فلن يدعها تفوتهُ، فهي في النهاية، فرصة تحتمل الخطأ والنجاح أيضاً، وهيّ كذلك فعلاً. وسواءٌ لو كانت الأحداث الجارية، ستؤدي الى تغييرٍ وتحولٍ نوعي بإتجاهٍ إيجابي، وتكون بداية لموجة من الديمقراطية تضرب المنطقة أو كانت تغييرٌ بالإتجاه الأخر، فإن الأيام وحدها يمكن أن ترد على هكذا تساؤل، فالأمر أشبه بمخاضٍ غير معروف العواقب، فهل هذا بوادر لِولادة الفيل أم الفأر؟

 *ملاحظة:  النظام الليبي وإن لم يكن قد سقط عملياً فقد سقط شرعياً.

 

ألمانيا

في الثامن من مارس 2011

 akokirkuky@yahoo.com

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (العدد: 1692 الخميس 10/03 /2011)

 

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 1647 المصادف: 2011-03-10 12:57:42