المثقف - أقلام حرة

طرق اصطياد الفيلة وبراعة تطييرها

جواد غلومفي عالمنا الثالث تلعب الحيلة والمكر والخديعة السياسية التي يمارسها الساسة والقادة دورا كبيرا في ترويض الشعوب وتخديرها بالاوهام والتضليل وتُظهر السلطة كذبا وزلفى بانها تهتمّ وتراعي وضع شعوبها وتعمل على انقاذها وحلّ أزمات مواطنيها بالرغم من انها -- اي السلطة -- هي من توقعه بهوّة التخلف وتُنزله الى القاع متعمدة .

قبل ايام شاهدت فيلما مؤثرا في احد أدغال افريقيا اذ يقوم صيادو الفيلة بحفر حفرة واسعة وعميقة جدا مغطاة بالحشائش على سبيل الغشّ والاختفاء في طريق الفيل حينما ينوي الذهاب الى مورد الماء والكلأ ويقع المسكين فيها حيث يظلله الصيادون بانها ارض سالكة ويحاول الخروج منها دون جدوى، وهنا تلعب المكيدة دورها حيث ينقسم الصيادون الى مجموعتين؛ المجموعة الاولى ترتدي لباسا احمر والأخرى بلباس ازرق وتكون مهمة زمرة الملابس الحمر تعذيب هذا الكائن الضخم المحاصر بالقاع ويشبعونه ضربا بالعصي ويزيدون غضبه حنقا وهو أسير حفرته التي لايمكن الخروج منها وحده ثم يأتي بعدهم ذوو اللباس الأزرق ليؤدوا دورا مصطنعا في التظاهر بالحنو والرأفة فيطعمونه ويسقونه ويربتون على جسده تعاطفا ويمسحون جسده ملمسا من الحنو الزائف ثم يتركونه في مكمنه الضيق دون ان ينتشلوه من القاع المحجور فيه .

ثم تتابع الزمرة الحمراء كيل الاذى بالفيل وتعذيبه اشد العذاب وتضاعف من تعنيفه اكثر مما سبق ثم تلحقه الزمرة الزرقاء وتؤدي دورها في اصطناع المحبة والاهتمام لتزرقه من إبر الحنو الكاذب وتطعمه وتصطنع التعاطف معه وتغذيه وتروي ظمأه لكنها تتركه في محبسه وهكذا دواليك حتى يظن الفيل المسكين ان هناك حليف له تسمى الزمرة الزرقاء المحبة والعطوفة مع انها تبقى تتركه في حفرته وتلقّنه درسا في التدجين وخلق الألفة الكاذبة والمودّة الزائفة للتمكّن من هذا الحيوان وتطويعه وإذلاله بالحنو والرعاية المضللة كي لا يبطش بهم عندما يخرج .

هنا لابدّ من ترتيب مفتعل للتوادّ بين الفيل وبين الزمرة الزرقاء خاصة حينما تقوم بأداء مسرحي مفتعل لطرد الزمرة الحمراء وإبعاد الأذى مؤقتا عن الفيل المحاصر الذي ترسّخ في ذهنه وبقناعة تامة ان الزمرة الزرقاء تتضامن معه وتبعد الشرور عنه وتغذّيه وترويه وتبعد الأشرار عنه .

ولكي تطمئنه اكثر تقوم الزمرة الصالحة بعد ذلك بإخراجه من الحفرة وهو فرح ومذعن ويتم انتشاله هيكلا ضخما لكنه طيّع ومدجّن مسالم سهل القياد وخاضع خضوع المستكين الراضي بمن خدعه وروّضه ليكون كالخاتم في الاصبع طائعا ذليلا وهو الضخم الجثة وقد ذابت صلابته وقوته وعناده بوسائل الخديعة والمكر والتلقين وينسى ان هؤلاء القوم ذوي الملابس الزرق هم من أوقعوه في التهلكة ولم يقوموا بإنقاذه منذ اول وهلة .

ومادمنا في ذكر الفيلة وخديعتها وترويضها بالوسائل الماكرة، فهناك ايضا مصطلح غاية في الفكاهة والتندّر يعرفه اهلنا كلهم وهو " تطيير الفيلة " وتحليقها في اعالي الفضاء سواء من قبل السلطة وشعبها الرازح تحت رحمتها دلالة على حجم الكذب الذي تمارسه سلطاتنا على شعوبها واذكر هنا بعض امثلة الكذب المفرط والتصريحات والوعود الزائفة بان بلادي العراق ستكون " يابانا " اخرى في صميم الشرق الاوسط ومركز اشعاع للشعوب المجاورة في التقدم والرقي والديمقراطية والنظام الجديد بعد الإطاحة بالدكتاتورية ثم تم تطيير أفيال أخرى بلسان مسؤول كبير بان العراق سيكتفي بانتاجه من الطاقة الكهربائية وينعم بالهناء ودعة العيش في القيظ الحارق التي تتجاوز درجات الحرارة بما يفوق الخمسين درجة مئوية في غالب أيامه وثم تشغيل مصانعه ومرافقه الاخرى والفائض من الكهرباء سيتم تصديره الى دول الجوار لتعمّ الحياة الهانئة في ربوع الرافدين والربوع الاخرى المجاورة .

بهذه الاساليب الماكرة المخادعة التي تقوم بها السلطات الشريرة الخبيثة يتم ترويض وتخدير الشعوب القوية الارادة والفكر والعضل لكي تكون واهنة ومطيعة ومستسلمة وخاضعة لمن تتوهم انه منقذها طالما انها لاتستطيع كبح جماحها فالحيلة والخديعة وحدها تلعب دورها الفعّال في جعل الشعوب مستكينة وراضية بقدرها وتتوهم انها تمتلك أناساً أمناء عليها مثل هؤلاء ذوي الملابس الزرق .

ألسنا قبلا في بلاد النهرين والتي أضحت الآن بلاد القهرين قد خدعنا بذوي الملابس الزيتونية من حثالات البعث والان نخدع مجددا بالعمائم وطيلسانات وجبب ولحى رجال الدين وتجار العقائد والمذاهب وامراء الحروب وزعماء الميليشيات وغيرهم من مخلوقات الدرجات المنحطة ومن الأقوام السافلة ورثاثات المجتمع ليقودوا ويتسلطوا ويحكموا بذرائع حماية الدين والمذهب والعِرق ويوهموا الناس السذج بانهم حصن الحماية الحصين والمدافعين عن الضعفاء والمنقذين والحامين والرعاة الشرفاء وهم ابعد مايكونون عن صيانة وحماية المضطهدين والمتعبين .

من يدري كم سيكون حجم الخديعة والترويض والتدجين والكذب والفرية على هذا الشعب المسكين المستكنّ في الاوقات اللاحقة بعد ان شبعنا وعودا زائفة في الاوقات الماضية الماحقة وقد يعمل هؤلاء على تطيير العراق كله الى غابات افريقيا او تحليقه الى مرابع الأمازون، فكل هذا جائز وحاصل في بلاد الواق واق العراقي .

 

جواد غلوم

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (7)

This comment was minimized by the moderator on the site

انه انتظر اقرالك من تكتب ، احترامي وتقديري لك سيدي الكاتب المحترم
استاذنا هذول الحيايله اللي بالحكومه والأحزاب من سنه وشيعه صحيح ضرونه هوايه وسرقو بدون اَي اعتبار لأي شي ولاحساب ولكن هم حصلو صفتين مذمومتين ، الكذب والحرمنه الله يكفينه ويكفيكم الشر، وان الله عزيز ذو انتقام . اَي مخلوق يكذب على الوادم يضر نفسه اولا وسمعته تصير ولا شي. لا طلعه بالتلفزيون تفيد ولا مؤتمر صحفي ينفع ولا الوعود اللي يعطوها للوادم إلهه اَي قيمه . هذول الجذاذبه عرفناهم من زمان ولكن ماكو باليد شي لأنهم مثل هذوله المافيه البلخارج ولو ان المافيه عدهم اخلاق ولكن هذول عدو الوصف وصلفهم عده الوصف . لو تجمع كل الوعود اللي اعطوعها وزراء الكهرباء وغيرها فهي ماتنعد وهي دليل واضح على كذبهم وحيلتهم وضعفهم .
استاذ جواد انت تعرف اكثر مني ان هذول الجذاذبه اجلكم الله ضرو أنفسهم كثير وصفة الحرمنة والكذب لزكت بيهم وهم الان يكابرون فقط .
مشكور انت وجريده المثقف وحسبنا الله ونعم الوكيل .

This comment was minimized by the moderator on the site

صديقي المحبط الغاضب
سلام عليك وعلى اهلنا كلهم في بلاد النهرين التي اضحت بلاد القهرين
لم يبق الا القليل كي يزاح هؤلاء الجهلة السراق وعديمي الخبرة والمران
الانتفاضة تعمّ الان ولكن ليست بالشكل السابق واملنا بالشباب المدني المثابر الذي يقود الاحتجاجات بمهارة واخلاص
تحياتي لك اينما تكون

This comment was minimized by the moderator on the site

مثال الفيل مثال بليغ جداً رغم الأسى المتحصل من الإيقاع بهذا الحيوان النبيل وتعذيبه وإذلاله ،،،،
جواد غلوم كسارد لا يقل رونقاً عن جواد غلوم كشاعر
ناهيك عن تشبعه بقيم وطنية وإنسانية شديدة التألق والرقي

This comment was minimized by the moderator on the site

قبلاتي ايها الشاعر المميز سامي انا ايضا احب نثرك الذي يوازي شعرك نضجا وخاصة فيما يتعلق بقصص الحيوان وفيها من العبر الانسانية الكثير

This comment was minimized by the moderator on the site

قبلاتي ايها الشاعر المميز سامي انا ايضا احب نثرك الذي يوازي شعرك نضجا وخاصة فيما يتعلق بقصص الحيوان وفيها من العبر الانسانية الكثير
كل الاعتزاز بحضورك

This comment was minimized by the moderator on the site

بالفعل إنّها حكاية " تطيير الفيل " نفس الحكاية عندنا في الجزائر وربما في كل البلدان العربية . لكن المشكل ليس في الذين يروّجون خزعبلات الأكاذيب ، بل في الجمهور الذي تنطلي عليه أكاذيب لا يصدّقها عاقل ؛ فعندنا نحن استطاعت " النّخب " أن تجعل من الأساطير أمرًا واقعًا ، وتعوّد السواد الأعظم من الشّعب على تلك الأسطوانات الفاسدة وأتاها طائعًا . ولهذا نحن " غوييم " كما جاء في الثّلمود لن نرى شميس الحقيقة ما دام هناك من يحتكرها ليروّج الأكاذيب . هذا الواقع المزري يظلّ نافذًا إلى أجل مسمّى ، حتّى تتدخّل عناية الله بالخلق ، أو قوّة ما تعيد الأمور إلى نصابها وينعم في ظلّها المواطن الغلبان الذي تنازل عن حقّه في العيش بكرامة حتى يضمن لنفسه أدنى مقوّمات العيش " الرّمق البسيط " .
تشبيه بليغ ينم عن خبرة ودراية ، وينسجم مع لواقع معاش ، عرف أستاذنا المخضرم ( جواد غلوم ) كيف يجعل منه مقاربة لمعالجة حالة متفشيّة ، ليس في العراق وحده ، بل في كامل الوطن العربي.
من أجمل ما قرأت . تحية إجلال وتقدير لاستاذنا المحترم .

This comment was minimized by the moderator on the site

يا مصباح الغالي وانا اقرأ اجمل تعليق منك ايها المبصر الحاذق قراءة ً واستشفافا
دمت بالف خير وابداع دائم فيما تكتب
سلاما لك وللجزائر واهلها ومحبيها

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4338 المصادف: 2018-07-22 01:34:10