المثقف - أقلام حرة

فقراء بلا مواهب جعلتْهم الصدفةُ أثرياءً

جواد غلوم"شيءٌ صغيرٌ من خزعبلات ما نعيشه اليوم"

لا يخلو العالم من فسحة من الجنون والغرائبية وانقلاب المعايير حتى في المجتمعات المتمدنة الراقية ، فلسنا وحدنا من تتسع في محيطنا ومجتمعنا نزعات غريبة الأطوار تتخلل مساحات الأدب والفن والحكايات غير المألوفة العجيبة في تقليعات الفولكلور الشعبي والقفشات الجديدة التي سرعان ما تسود في اوساط المجتمع وتنتشر انتشار الهشيم في النار ، وقد نسمع مفردات وأغانيَ وترديدات اكثر من هابطة تفوق في غرائبيتها بذاءة الاغنية العراقية الشائعة الذائعة الصيت في مجتمعنا الضيق الافق والفاقد الذوق (طابخين النومي واحترق زردومي) ونسمع مصطلحا لم يطرق أذاننا من قبل فينتشر كما الإشاعة في مجتمع مريض يريد علاجا ناجعا ؛ والاّ ماذا نفسر صياح وهرج شابٍ بائعٍ للسمك وهو ينادي السابلة والمتبضعين من اجل الترويج لبضاعته حتى يحصل على اكثر من سبعة ملايين مشاهدة في اليوتيوب لمجرد انه ينادي العابرين والقاصدين ويخلب ألبابهم بتقليعة مناداته الجاذبة على ترويج بضاعته .

هذا ما فعله قبل عدة شهور البائع الباكستاني المهاجر الفقير المدقع " محمد نذير " المقيم في أحد أحياء شرق لندن والبالغ من العمر 31 عاما وهو يكرر ترديده امام المتسوقين قائلا وهو يطيل نغمته ويُوسعها تنغيماً (one pound fish) واحيانا يغير تلحين لهجته الترويجية الى (very very cheap) او (very very nice) بشكل جذاب وملفت وغير مألوف متمسّكاً بلازمة لسانية تفرّد بها كنوعٍ من الإغراء للزبائن لحثهم على الشراء .

واتسعت مشاهدة ترديداته في المملكة المتحدة وبقية أقطار العالم الى تسعة ملايين مشاهد في عالم النت وانهالت العروض عليه من قبل صائدي التقليعات من تجّار السوشيال ميديا وكان أكثرها إغراء العرض البالغة قيمته مليونا جنيه استرليني بالتمام والكمال لمجرد ان يحوّل نداءات ترويجه لسلعته الى فيديوهات وهذا ما حصل فعلا وأصبح هذا المهاجر الباكستاني بغمضة عين وانتباهتها في صفوف الموسرين والأثرياء .

الطريف ان هذا البائع الأسمر النحيف بائع السمك قد افتضح أمره بعد ان تبين لدائرة الهجرة البريطانية انه مهاجر غير شرعي ولا يمتلك إقامة قانونية في بلاد السيد شكسبير فتم ترحيله الى منبته ومحتده الأول في إحدى قرى باكستان وبصحبته ثروته التي جناها من مناداته الملفتة للأنظار والأسماع .

تُرى كم من الثروات الهائلة قد انهالت على رؤوس أناس لم يدر في خلَدهم انهم سيكونون في عداد الأغنياء على حين غرّة حينما تنقلب المعايير وتنكسر الموازين ويعلو الزبد والفضلات والقيء بينما تختفي الدرر والجواهر الثمينة واللآلئ في القعر والأعماق البعيدة .

حقا نحن في عالم عجيب مهووس بما هو غير مألوف حتى وان كان مفتقدا للسمات الفنية الراقية والإبداع ، فالإسفاف والابتذال وضحالة ما يطرح علينا من ألسن العامة المليئة بالرثاثة أضحت لها قيمتها الكبيرة وتساوي حروفها ولحنها ذهبا وثراءً مفرطا في هذا العالم المجنون الغريب الأطوار والطبائع .

 

جواد غلوم

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

https://www.youtube.com/watch?v=ETSl8gWsFZ0
فعلاً
ظريف جداً ولا أعني صوته وطريقته في الترويج لبضاعته وإنما خبر اكتشاف أنه يقيم في بريطانيا بالأسود !
رغم تحفظي على عبارة ( الأسود ) وعندي نكتة قوية من أفريقي أسود ضاق ذرعاً من عبارة سوق سوداء أو السفر بالأسود وغيرها فقال : يكفيني أنا الأسود أن أنظّف مؤخرتي بورقة بيضاء !
وعودة إلى الباكستاني فمن المؤكد أنه سيفتح محلاً فاخراً لبيع السمك في بلده ويضع عمالاً فيه ثم يسترخي على فراشه وهو يصيح يا ليل : O, Night !! هذا وقد تفاعلت مع مقالك، مقال العارف النازف !

This comment was minimized by the moderator on the site

صديقي الشاعر المكين سامي العامري
سلاما واعتزازا
حسن انك ادرجت رابط احدى اغنياته وترديداته ليسمع القارئ ويرى المشاهد مدى الهوس العائم بهذه الترهات
محبتي واعتباري

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4371 المصادف: 2018-08-24 13:19:14