المثقف - نصوص أدبية

المرأة الأتــــان

moamar baktawi2لما رأى الأطفال الشيخ قادما من بعيد، قاموا فرحين مهللين نشطين كأنهم شياطين فكوا من عقال. عرفوه بطريقة جلوسه و(ببرنوسه) الأحمر. فهو يضع رجلا على رجل وينحني قليلا، حتى يكاد يقترب من أذن الأتان. وهي ما هي، من الإيثار والتفضيل على جميع الدواب في الحظيرة. في الحقيقة له حُمْر ودواب كثر، لكن هذه بالذات يفضلها عليهم جميعا.

كان الشيخ يكلمها، فترد عليه:

ومرة أوصاها:

_ عندما نكون في السوق إيّاك أن تفتحي فاك بكلمة، فيعتبرونك أعجوبة الزمان والدهر والأوان، ويبعدني عنك الحاكم بأمر الله، وهو المطاع، ويضعك في المتحف الوطني وتبقي مزار الكبار والأطفال والجليل والوضيع.

ـ لماذا يا بعلي العزيز؟

قال لها:

_ لأن الحيوانات لا تتكلم في هذا العصر. اعقلي هذا وتعلمي، وإن تكلمتِ فلا تلومّن إلا نفسك. ووضع الشيخ يده على أذنه وحركها علامة التحذير والتنبيه، وأضاف:

_ العمل بالنصيحة فإن لم تحي فإنها لا تقتل.

وصلا السوق، وانصرف الشيخ ليبتاع من ضرورات الحياة. لم يرد الشيخ أن يربطها مع الحمير والبغال مخافة أن يغرر بها الشيطان كما فعل بها في المرة الأولى. نأى بها مكانا قصيا، وأوصاها للمرة الثانية أن لا تحدث الناس مهما يكن الأمر، وتحت أي حال من الأحوال لا إشارة ولا حركة ولا صوتا.

وكان الأطفال يختبئون وراء صور قصير، ولما رأوا الشيخ قال وصيته وانصرف، هجموا على الأتان، وامتطوا ظهرها وعنقها، وبطنها، وذيلها، وعرفها، وقوائمها.. وأرغموها على المسير والدوران في مكانها ثم أسقطوها أرضا، ومرغوها في التراب وعلى جنبيها ورشوها أخيرا ببعض الماء والرمال، وهم مرحون منبسطون متفكهون.

ولما رأوا الشيخ عائدا، فرّوا هاربين تاركين الأتان ممرغة في التراب وأثر العياء باد عليها، وهي تبكي بكاءا مرّا، وتنتحب في صمت لا يكاد يسمع.

ولما رأى الشيخ أتانه (وكان يناديها بالمرأة الأتان) في هذه الحالة أصابه الذهول، وانخرط في بكاء يشبه بكاء حمامة المعري. فأنهضها، ولم يصدق ما رأى، أيفعلون في أتانه هكذا وهو على قيد الحياة؟؟ ويعلم الله ماذا يفعلون بها عندما أغادر هذه الدار الفانية. وأقسم بأغلظ الأيمان أنه سينتقم بالفاعلين الشياطين، الخونة الغدارين، الغر المارقين، شر انتقام.

وفي الأسبوع الموالي ذهب إلى السوق وكأن شيئا لم يكن. وقيّدها في المكان المعلوم، واختبأ في مكان قريب، هو يراهم و هم لا يرونه كإبليس اللعين. وبعد قليل هجموا عليها كما فعلوا في المرة الأولى. فألقى (برنوصه) وقفز يجري نحوهم، فأمسك ثلاثة أولاد دفعة واحدة، فقيّدهم من أرجلهم ونزع أحذيتهم وأشبعهم"فلقة". فلم يستطيعوا أن يقفوا على أقدامهم فذهبوا إل بيوتهم شبه زاحفين.

وتقدم الآباء بشكاية إلى الحاكم بأمر الله، فاستدعاه الحاكم.

_ لم فعلت بالصبية ما فعلت، وأنت شيخ يكاد يخرج الوقار من (رزته؟)

_ سيدي الحاكم هؤلاء اعتدوا على حرمتي؟

_ ماذا تقول أيها الشيخ، احترم محكمة الدولة؟

_ نعم سيدي الحاكم بأمر الله، هذه كانت زوجتي، فأزلها الشيطان مع شاب فمسخها الله أتانا. وأطرقت (الأتان) خجلا، وحركت رموشها الكبيرة، وقد علتها حمرة الخجل. وقف الناس مذهولين من أثر الصدمة، وقال بعضهم:

_ الله يستر.."لعقايب على سبع".

 

الرباط - المغرب

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4213 المصادف: 2018-03-19 13:53:46