المثقف - نصوص أدبية

نبع ضوء..

قصي عطية

منَ رَمادِيَ المُنطَفِئ نهضَ جلاَّدي

جِثّتي مُحاصَرةٌ بآلافِ السَّكاكينِ

والخَناجرِ

« ـ ما ذنبُهُ سيِّدي؟

  ـ لا تسألُوا، اقتلوهُ، زنديقٌ ... »

شَاهَدْتُهم يرجمونَ جثَّتي،

ويلعنونَ عقلي...

كنْتُ أسمعُهم يشتمونَ شِعريَ

وشفتايَ ترتجفانِ، تريدانِ الصُّراخَ:

قد تبرَّأْتُ منكم، ومن طغيانكم..

فكيفَ تحاسبونَني بشريعتكمُ الحمقاءِ؟

تمشَّيْتُ قليلاً حولَ جسديَ

المُمدَّدِ أمامَ سكاكينهم

طُفْتُ في المكان،

ودَّعْتُ نَسْمةً رقيقةً

لثمَتْ شَفتيَّ البُنيَّتَينِ ...

وأطبقْتُ جَفْنيَّ على شُعاعِ ضوءٍ بلَّلَ أهْدابي

ثمَّ سمعْتُهم يصرخونَ:

"حزمةٌ من لَهَبٍ تخرجُ من فيهِ،

اتركُوهُ وانصرفُوا الآنَ"

كانَ وقعُ أحذيتِهم، وهم يُغادرون،

يَنغرسُ في ذاكرتي 

مازالَ جسديَ مُلقًى أمامَ بُصاقهم،

وشَتائمِهم...

يمدُّ عُنقَهُ صَوبَ غيمةٍ

ألقتْ حمولتَها على جبينِهِ الدَّامي

لم أسمعْ بعدَها ما قالُوا

لم أشعرْ بضرباتِهم ...

دخلْتُ في نبعِ ضوءٍ

اغتسلْتُ من جراحيَ،

وتطهَّرْتُ من آثامِهِم، وتعمَّدْتُ بالنُّورِ

ورفَعني مَلاكانِ

بأجنحةٍ من زهرٍ

إلى فضاءٍ في الملكوتِ الأعلى...

تقدَّسَ سرُّكَ أيُّها الحزنُ العظيم ..

«اللَّهمَّ مَنِ الّذي يُشبِهُكَ؟»

«مُستعِدٌّ قلبي يا الله، مُستعِدٌّ قلبي»

أَختزنُ شوقاً جمَّاً لملاقاةِ رحمتكَ، وحبَّاً بقربكَ

«لكَ ينبغي التَّسبيح»...

وعليكَ ينبغي التَّوكُّل

قد مُتُّ مُستعجِلاً لقاءَكَ،

هكذا يصبحُ اللقاءُ أجملَ

لم أكترثْ بأوجاعيَ

ومساميرِهم التي دقُّوها في قلبي

جِئتُكَ مُتبرِّئاً منْهم،

ومن خَطاياهم...

اغفرْ لهم يا أبتي،

واسكبْ في قلوبِهم

شُعاعاً من رَحمتِك.

***

قصي عطية

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

الشّاعر الرّائع قصيّ عطيّة

لك منّي أطيب التّحايا مقرونة بمعاني الإعجاب على هذا النصّ المختلف.نصّك سيّدي تجربة روحيّة ، تناولها قلّة من المهتمّين في اتّجاهات مختلفة.
يقوم نصّك على جملة من الثنائيّات المتشابكة: الرّوح و الجسد - الواقع و عالم الماورائيّات - الحياة و الموت - الحس و المعنى.
من البديهيّ أن تقوم هذه الثّنائيّات على التّقاطع لا على التماهي، لتعطي النصّ باعتباره تجربة إنسانيّة بعدين. البعد الأوّل وجوديّ في صراع الإنسان بين الواقع و المجهول، بين معنى القيد الّذي يشكّله الجسد و معنى الحريّة متمثّلة في الرّوح؛ و البعد الثّاني روحيّ منفل عن العقل و الحسّ يحلّق عالم الروح الّتي لا يعلم أمرها إلاّ الله، و مع ذلك اقتحمت هذا العالم بروح الشّاعر لا بعقل الإنسان.
ثمّة بعد ثنائيّ آخر في النصّ هو صراع النّفس بين العابر و الخالد ، ما تعبّر عنه الأديان و العقائد ، الدنيا و الآخرة - عالم الرّوح و عالم المحسوسات .
رغم أنّ الشّعر لا يتّسع لمثل هذه المواضيع و هذه التّحليقات، إلاّ أنّ نجحت إلى حدّ ما في جعل الشّعر يستوعب مثل هذه المواضيع، باعتباره مادّة إحساس و تصوير أكثر منه مادّة للتّفكير و التّحليل. أحيّيك صديقي أنّك ركبت هذا المركب الصّعب بشجاعة واقتدار.

محمد الصالح الغريسي
This comment was minimized by the moderator on the site

الصديق والأديب الراقي (محمد الصالح الغريسي)... تحية كبيرة لقراتك نصي بهذه الأسطر التي غصت فيها نحو العمق، واستطعت بهذه القراءة أن تكتشف ما هو متوار في البنية العميقة، رأيك يشرفني، وقراءتك هذه عزيزة على قلبي...
تقبل كل مودة وتقدير واحترام...

قصي

قصي عطية
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4435 المصادف: 2018-10-27 09:57:18