المثقف - نصوص أدبية

عشرينية المرحوم "ساتْلِك"

جعفر المظفرالحب في زمن الحصار

حدث ذلك في عام 1998 يوم تفضل عليَّ احد الأصدقاء الأعزاء فأهدى لي (جرو) كلب من فصيلة (الجيرمان شيبرد) بعد أن إستمع لي وأنا أروي بحرقة وألم وقرف كيف تمت سرقة داري للمرة الثانية. ولقد صادف إنني إستلمت الجرو الثمين في اليوم الذي إشتريت فيه جهاز تنظيف أسنان مُصنَّع من قبل شركة فرنسية تدعى (ساتلك) ولذا أطلقت عليه نفس الإسم، إعتزازا به وبالجهاز الذي أغناني كثيرا عن إستعمال الأدوات اليدوية الخاصة بإزالة التكلس والأصباغ المشوهة لمنظر الأسنان، وعلى أمل أن يفعل ساتلك الكلب مع اللصوص ما فعله ساتلك الجهاز مع البكتريا والتكلسات.

ورغم علاقة الحب الذي نشأت بيني وبين ساتلك وتعلق أولادي به فإن ثمن الحب كان مرهقا. لقد كان علي أن أطعمه ثلاثة وجبات مكونة في الغالب من (فشافيش) كنت أشتريها ليلا بعد عودتي المتأخرة من العيادة ثم اسلقها له تهيأ لوجبة الفطور الصباحبة أولا، وظلت رائحة الفشافيش المسلوق إلى حتى هذه اللحظة ساكنة في أنفي وهي تذكرني بتلك الأيام الفشافيشية التي حولت بلدي إلى فشافيش.

كان مردود هذا الدلال على (ساتلك) واضحا. وبدلا من أن يطلع الكلب على سيرة أجداده الذئاب إذا به يطلع منظرا بلا فِعْل. وحتى نباحه كان ناعما وغير قادر على إرهاب قطة. وحينما شكوت ذلك لأحد خبراء تربية الكلاب طالبا مساعدته من أجل تذكير الكلب بأصله وفصله ولكي يتذكر من أي أعمام جاء فإنه نصحني بربطه ليلا على سطح الدار في بيئة معزولة تساعده على التأمل وللبحث عن الجذور، وإبقائه جائعا لأطول فترة لأجل أن يظل متحفزا للحصول على طعامه من أقرب مخلوق يتقرب منه ما عداي وأطفالي.

لقد نجحت الخطة بإمتياز، وعاد الطبع ليتغلب على التطبع.

يومها إكتشف (ساتلك) من أي أعمام جاء وأصبح ينبح بصوت أين منه صوت طائرات البي فيفتي تو الأمريكية التي كان لإعلان دخولها الأجواء العراقية في حربي الخليج الثانية والثالثة دويا يشبه الرعد قبل أن تلقي علينا بهداياها الحارقة الخارقة.

وحتى الأطفال الذين كانوا يلعبون قرب الدار فقد بحثوا لهم عن ساحة أخرى. أما (البريكية)* الذي لم يكن لهم عملا أو مشغلة سوى الوقوف قرب بوابة متوسطة البنات الكائنة على مقربة من داري فقد إبتعدوا مسافة تجعلهم خارج مديات نباح (ساتْلِك) المرعب.

غير أن واحدا من أولئك (البريكية) كان أشك ضررا من جميع رفاقه الأخرين. لقد أدت عودة (ساتلك) لإصوله القبلية المفترسة إلى حرمان هذا (البريكي) من رؤية معشوقته بنت الجيران، إذ كان وجود ساتلك الوحش على سطح داري قد حرمه من العبور من سطح منزله مرورا بسطح منزلي لغرض أن يصل إلى سطح منزل بنت الجيران على الطرف الآخر.

وقد قرر هذا البريكي أن يتخلص نهائيا من (ساتلك) فألقى له بقطعة لحم مسمومة أدت إلى هلاكه وموته.

غير إني وحتى هذه اللحظة ما زلت اشعر بالذنب كأنني انا الذي قتلته.

وفي عشرينيته التي تصادف هذه الأيام تمنيت لو إنني استطيع زيارة قبره لكي أعترف له أن رغبتي برؤيته ذئبا هي التي قادته إلى حتفه، فلو إنني أبقيته كالقط الوديع لما تجرأ ذلك الذئب البشري على قتله.

أما (ساتلك) فأخال أن له رأيا مخالف. لقد تخيلت صوته وهو يأتيني من العالم الآخر في الذكرى العشرين لمقتله لكي يقول لي .. حسنا فعلت يا صاحبي. لقد كان الأفضل لي ان أموت ذئبا مفترسا على أن أحيا كقط وديع.

***

د. جعفر المظفر

..........................

* شباب مراهقون أغرقوا في مظاهر التزين والبحث عن المتعة  والسير بغنج ومضايقة الفتيات وقد ظهروا بوضوح في منتصف الثمانينات كإحدى إفرازات الحرب العراقية الإيرانية   

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4454 المصادف: 2018-11-15 04:33:42